_________
وظهور أمارات القيامة وعلاماتها فى الزمن الأخير. وذكر جزاء الحسنة بعشر أمثالها، وتبرؤ الرسول من الشرك والمشركين، ورجوعه إلى الحق فى محياه ومماته وذكر خلافة الخلائق وتفاوت درجاتهم وختم السورة بذكر سرعة عقوبة الله لمستحقيها، ورحمته ومغفرته لمستوجبيها بقوله: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
[وعدد كلمات سورة الأنعام ٣٠٥٢ ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة] .
[وفواصل آياتها: (ل م ن ظ ر) يجمعها (لم نظر) ] .
(انظر بصائر ذوى التمييز للفيروزآبادي ص ١٨٦) .
стр. 388
بسم الله الرحمن الرحيم [سورة الأنعام] مكية كلها إِلَّا هَذِهِ الآيات. نزلت بالمدينة ونزلت ليلا، وهي خمس وستون ومائة آية كوفي.
والآيات المدنية هِيَ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... إلى قوله « ... لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» .
وهي الآيات المحكمات «١» .
وقوله: «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... » إلى آخر الآية «٢» .
стр. 389
وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ ... «١» نزلت فِي مسيلمة، وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ ... نزلت فى عهد عبد الله ابن سعد بن أَبِي سرح.
وقوله: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ... «٢» .
وقوله: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ... «٣» ،
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ... «٤» .
هَذِهِ الآيات مدنيات، وسائرها مكّيّ.
نزل بها جبريل- ﵇ ومعه سبعون ألف ملك طبقوا ما بين السماء والأرض لهم زجل بالتسبيح والتمجيد والتحميد حَتَّى كادت الأرض أن ترتج فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : سبحان الله العظيم وبحمده وخر النبي ساجدا، فيها خصومة مشركي العرب وأهل الكتاب، وذلك أن قريشا قَالُوا للنبي- ﷺ : من ربك! فَقَالَ: «ربي الأحد الصَّمد الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَم يُولَدْ وَلَم يَكُنْ لَهُ كفوا أحد» فقالوا: أَنْت كَذَّاب ما اختصك اللَّه بشيء وما أنت عَلَيْه بأكرم منا فأنزل الله- .
стр. 390
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فحمد نفسه ودل بصنعه عَلَى توحيده الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يخلقهما باطلا خلقهما لأمر هُوَ كائن وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الليل والنهار ثُمّ رجع إلى أَهْل مكة فقال: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْل مكة بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ- ١- يعني يشركون هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ يعني آدم- ﵇ لأنكم من ذريته ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل ابْن آدم من يوم [١١٣ ب] وُلِد إلى أن يموت وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ يعني البرزخ منذ يوم وُلِد إلى يوم يموت، إلى يوم الْقِيَامَة ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ- ٢- يعني تشكون فِي البعث يعني كفار مكة وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ أَنَّهُ واحد وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني سر أعمالكم وجهرها وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ- ٣- يعنى ما تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ يعني انشقاق القمر إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ- ٤- فلم لا يتفكرون فيها فيعتبروا فِي توحيد اللَّه فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ يعني القرآن حين جاءهم به محمد- ﷺ استهزءوا بالقرآن بأنه لَيْسَ من اللَّه، يعني كفار مكة منهم أَبُو جهل بن هِشَام، والوليد بن المُغِيرَة، ومنبه ونبيه ابنا الحَجَّاج والعاص بن وائل السهمي، وأبى بن خلف، وعقبة
стр. 391
ابن أَبِي معيط، وعبد اللَّه بن أَبِي أُمَيَّة، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البختري ابن هِشَام بن أسد، والحارث بن عامر بن نوفل، ومخرمة بن نوفل وهشام بن عمرو ابن رَبِيعَة، وأَبُو سُفْيَان بن حرب، وسهل بن عمرو، وعمير بن وَهْب بن خلف، والحارث بن قَيْس، وعدى بن قيس، وعامر بن خَالِد الْجُمَحِيّ، والنضر بن الْحَارِث، وزمعة بن الأسود، ومطعم بن عَدِيّ، وقرط بن عَبْد عمرو بن نوفل، والأخنس ابن شريق، وحويطب بن عَبْد العزي، وأمية بن خلف كلهم من قريش، يَقُولُ اللَّه- : فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ يعنى حديث ما كانُوا بِهِ بالعذاب يَسْتَهْزِؤُنَ- ٥- بأنه غَيْر نازل بهم ونظيرها فِي الشعراء، فنزل بهم العذاب ببدر، ثُمّ وعظهم ليخافوا فَقَالَ: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ كفار مكة مِنْ قَرْنٍ من أمة مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يَقُولُ أعطيناهم من الخير والتمكين فِي البلاد ما لَمْ نعطكم يأَهْل مكة وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً بالمطر يعني متتابعا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ يعني فعذبناهم بِذُنُوبِهِمْ يعني بتكذيبهم رسلهم وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ- ٦- يَقُولُ وخلقنا من بعد هلاكهم قوما آخرين وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ما صدقوا به ولَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْل مكة إِنْ هَذَا يَقُولُ ما هَذَا القرآن إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ- ٧- يعني بين وَقالُوا لَوْلا يعني هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يعينه ويصدقه بما أرسل به نظيرها فِي الفرقان «١» نزلت فِي النَّضْر بن الْحَارِث وعبد الله ابن أُمَيَّة بن المُغِيرَة، ونوفل بن خويلد، كلهم من قريش يَقُولُ اللَّه: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً
стр. 392
فعاينوه لَقُضِيَ الْأَمْرُ يعني «لنزل العذاب بهم» «١» ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ- ٨- يعني ثُمّ لا يناظر بهم حَتَّى يعذبوا لأن الرسل إذا كُذبت جاءت الملائكة بالعذاب يقول الله: وَلَوْ جَعَلْناهُ هذا الرسول مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني فِي صورة رَجُل حَتَّى يطيقوا النظر إليه لأن الناس لا يطيقون النظر [١١٤ أ] إلى صورة الملائكة، ثُمّ قَالَ: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ يعني ولشبهنا عليهم ما يَلْبِسُونَ- ٩- يعني ما يشبهون عَلَى أنفسهم بأن يقولوا ما هَذَا إِلَّا بشر مثلكم «٢» وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ وذلك أن مكذبي الأمم الخالية، أخبرتهم رسلهم بالعذاب فكذبوهم، بأن العذاب لَيْسَ بنازل بهم. فَلَمَّا كذب كفار مكة النَّبِيّ- ﷺ بالعذاب حين أوعدهم استهزءوا منه، فأنزل الله يعزي نبيه- ﷺ ليصبر عَلَى تكذيبهم إياه بالعذاب فَقَالَ: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ يا محمد كَمَا استهزئ بك فِي أمر العذاب فَحاقَ يعني فدار بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ يعنى من الرسل ما كانُوا بِهِ يعنى بالعذاب يَسْتَهْزِؤُنَ- ١٠- بأنه غَيْر نازل بهم، ثُمّ وعظهم ليخافوا، فَقَالَ: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ- ١١- بالعذاب كان عاقبتهم الهلاك يحذر كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية قُلْ لكفار مكة: لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق، فردوا عَلَيْه فِي الرعد «٣» قَالُوا: «اللَّه» «٤» فِي قراءة أَبِي بن كَعْب وابن مَسْعُود فِي تكذيبهم بالبعث قَالُوا اللَّه. قُلْ «٥» لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فى تأخير
стр. 393
العذاب عَنْهُمْ فأنزل اللَّه فِي تكذيبهم بالبعث لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أنتم والأمم الخالية لا رَيْبَ فِيهِ يعني لا شك فيه يعني فِي البعث بأنه كائن، ثُمّ نعتهم فَقَالَ: الَّذِينَ خَسِرُوا يعني غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ- ١٢- يعنى لا يصدقون بالبعث بأنه كائن، ثُمّ عظم نفسه لكي يوحد، فَقَالَ: وَلَهُ ما سَكَنَ يعنى ما استقر فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من الدواب والطير فِي البر والبحر فمنها ما يستقر بالنهار وينتشر ليلا، ومنها ما يستقر بالليل وينتشر نهارا، ثُمّ قَالَ: وَهُوَ السَّمِيعُ لما سألوا من العذاب الْعَلِيمُ- ١٣- به قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ وذلك أن كفار قريش قَالُوا: يا محمد، ما يحملك عَلَى ما أتيتنا به، ألا تنظر إلى مَلَّة أبيك عَبْد اللَّه وملة جدك عَبْد الْمُطَّلِب وإلى سادات قومك يعبدون اللات والعزى ومناة، فتأخذ به، وتدع ما أنت عَلَيْه، وما يحملك عَلَى ذَلِكَ إلا الحاجة فنحن نجمع لك من أموالنا.
وأمروه «١» بترك عبادة اللَّه، فأنزل اللَّه «قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ» أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فعظم نفسه ليعرف توحيده بصنعه وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ وَهُوَ يرزق وَلا يرزق لقولهم نجمع لك من أموالنا ما يغنيك قُلْ لهم إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ يعني أوّل من أخلص من أَهْل مكة بالتوحيد ثُمّ أوحى «٢» إلى النَّبِيّ- ﷺ فَقَالَ: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ١٤- لقولهم للنبي- ﵇ ارجع إلى مَلَّة آبائك قُلْ لهم يا محمد: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي إن رجعت إلى ملة آبائي [١١٤ ب] عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ- ١٥-
стр. 394
يعني بالعظيم الشديد يوم الْقِيَامَة وَقَدْ نسخت- «إِنَّا فَتَحْنا» : «إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» يعني الشديد يوم الْقِيَامَة «١» .
مَنْ يُصْرَفْ اللَّه عَنْهُ العذاب يَوْمَئِذٍ يوم الْقِيَامَة فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الصرف يعني صرف العذاب الْفَوْزُ الْمُبِينُ- ١٦- يعني النجاة العظيمة المبينة ثُمّ خوف النَّبِيّ- ﷺ ليتمسك بدين اللَّه- تعالى- فقال:
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ يعني يصبك اللَّه بضر يعني بلاء وشدة فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ يَقُولُ لا يقدر أحد من الآلهة وَلا غَيْرهُمْ كشف الضر إِلَّا اللَّه وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ يعني يصبك بفضل وعافية فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ١٧- من ضر وخير وأنزل اللَّه فِي قولهم «قُلْ» يا محمد «إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» يعني يعبدون من دون اللَّه من الآلهة «قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ» فِي ترك دين اللَّه «قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً» إن اتبعت دينكم «وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ» يعنى من المرشدين. و «قُلْ» لهم «إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» «٢» يعني عَلَى بيان من ربي. وأنزل اللَّه فى ذلك: «قُلْ لهم أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ... » إلى آخر السورة وَهُوَ الْقاهِرُ «٣» لخلقه فَوْقَ عِبادِهِ قد علاهم وقهرهم وَهُوَ الْحَكِيمُ فِي أمره الْخَبِيرُ- ١٨- بخلقه.
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي- ﷺ : أما وجد اللَّه رسولا غيرك ما نرى أحدا يصدقك بما تَقُولُ وقد
стр. 395
سألنا عنك أَهْل الكتاب، فزعموا أَنَّهُ لَيْسَ لك عندهم ذكر فَمنْ يشهد لك أن اللَّه هُوَ الَّذِي أرسلك؟ فَقَالَ اللَّه للنبي- ﷺ «قُلْ» لهم «أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً» قَالُوا: اللَّه أكبر شهادة من غيره. فَقَالَ اللَّه: قُلْ لهم يا محمد:
اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بأنى رسول وَأنه أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ من عِنْد اللَّه لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يعني لكي أنذركم بالقرآن يأهل مكة «١» وَمَنْ بَلَغَ القرآن من الجن والإنس فهو نذير لهم يعني القرآن إلى يوم القيامة، ثم قال: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى؟ قَالُوا: نعم نشهد. قَالَ اللَّه للنبي- ﷺ :
قُلْ لهم لا أَشْهَدُ بما شهدتم، وَلَكِن أشهد قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ قل لهم: وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ- ١٩- به غيره. وأنزل فِي قولهم لَقَدْ سألنا عنك أَهْل الكتاب فزعموا أَنَّهُ لَيْسَ لك عندهم ذكر، فَقَالَ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ أَي صفة محمد- ﷺ فى كتبهم كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني أبي، قال: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ، قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ قَالَ: لأَنَا أَعْرَفُ بِمُحَمَّدٍ- ﵇ مِنِّي بِابْنِي، لأَنِّي لا أَعْلَمُ مَا أَحْدَثَتْ فِيهِ أُمُّهُ، ثُمّ نعتهم فَقَالَ: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يعنى غبنوا أنفسهم فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ- ٢٠- يعني لا يصدقون بمحمد- ﷺ بأنه رسول الله [١١٥ أ] وأنزل اللَّه فِي قولهم أيضًا «وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ» يعني القرآن «مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» «٢» يعني من الشاكين بأن القرآن جاء من اللَّه نظيرها فِي يُونُس. وَمَنْ أَظْلَمُ يَقُولُ فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن معه شريكا لقولهم إن مَعَ اللَّه آلهة أخرى، ثم
стр. 396
ثم قال: أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني بالقرآن أَنَّهُ لَيْسَ من اللَّه إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ- ٢١- يعني المشركين فِي الآخرة يعيبهم نظيرها فِي يُونُس «١» وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا وذلك أن المشركين في الآخرة لما رأوا كيف يتجاوز الله عن أهل التوحيد فقال بعضهم لبعض إذا سئلنا قولوا: كنا موحدين فلما جمعهم الله وشركاءهم: قال لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ- ٢٢- في الدنيا بأن مع الله شريكا ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا يعني معذرتهم إلا الكذب حين سئلوا فتبرءوا من ذلك، فقالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ- ٢٣- قال الله:
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ في الآخرة مَا كانُوا يَفْتَرُونَ- ٢٤- من الشرك في الدنيا فختم على ألسنتهم وشهدت الجوارح بالكذب عليهم والشرك وَمِنْهُمْ يعني كفار مكة مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وأنت تتلو القرآن يعنى يعني النضر بن الحارث إلى آخر الآية وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ يعني الغطاء عن القلب لئلا يفقهوا القرآن وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً يعني ثقلا فلا يسمعوا يعني النضر، ثم قال: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها يعني انشقاق القمر، والدخان فلا يصدقوا بأنها من الله- حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ في القرآن بأنه ليس من الله، يَقُولُ الله قال: الَّذِينَ كَفَرُوا يعني النضر إِنْ هذا القرآن إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ- ٢٥- يعنى أحاديث الأولين حديث رستم وإسفنديار وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وذلك أن النبي- ﷺ كان عند أبي طالب بن عبد المطلب يدعوه إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب ليريدوا بالنبي- ﵇ سوءًا، فسألوا أبا طالب
стр. 397
أن يدفعه إليهم فيقتلوه، فقال أبو طالب: ما لي عنه صبر. قالوا: ندفع إليك من سبايانا من شئت مكان ابن أخيك، فقال أبو طالب: حين تروح الإبل فإن جاءت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم، وإن كانت الناقة لا تحن إلا إلى فصيلها فأنا أحق من الناقة، فلما أبى عليهم اجتمع منهم سبعة عشر رجلا من أشرافهم ورؤسائهم فكتبوا بينهم كتابًا ألا يبايعوا بني عبد المطلب ولا يناكحوهم ولا يخالطوهم ولا يؤاكلوهم حتى يدفعوا إليهم محمدًا- ﷺ فيقتلوه فاجتمعوا في دار شيبة بن عثمان صاحب الكعبة وكان هو أشد الناس على النبي- ﷺ فقال أبو طالب: [١١٥ ب]
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أغيب في التراب دفينا
فانفذ لأمرك ما عليك غضاضة «١» ... أبشر وقر بذاك منك عيونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصحي ... فلقد صدقت وكنت قدمًا «٢» أمينًا
وعرضت دينًا قد علمت بأنه ... من خير أديان البرية دينًا
لولا الدمامة أو أخادن سبة «٣» ... لوجدتني سمحًا بذاك مبينا
فأنزل الله في أبي طالب واسمه: عبد مناف بن شيبة وهو عبد المطلب- «وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ» كان ينهى قريش عن أذى النبي- ﷺ وبتباعد هو عن النبي- ﷺ ولا يتبعه على دينه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ- ٢٦- يعني أبا طالب وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ
стр. 398
يعني كفار قريش هؤلاء الرؤساء تمنوا فَقالُوا يَا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا يعني القرآن بأنه من الله وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- ٢٧- يعني المصدقين بالقرآن في قولهم بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وذلك أنهم حين قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ أوحى الله إلى الجوارح فشهدت عليهم بما كتموا من الشرك فذلك قوله: «بَلْ بَدا لَهُمْ» يعني ظهر لهم من الجوارح «مَا كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» بألسنتهم من قبل أن تنطق الجوارح بالشرك فتمنوا عند ذلك الرجعة إلى الدنيا «فَقالُوا: يَا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ... » إلى آخر الآية، فأخبر الله عنهم فقال: وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا كما تمنوا وعمروا فيها لَعادُوا لِما يعني «لرجعوا لما» «١» نُهُوا عَنْهُ من الشرك والتكذيب وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
- ٢٨- في قولهم حين قالوا «وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» بالقرآن. لما أخبر النبي- ﷺ كفار مكة بالبعث كذبوه وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ- ٢٩- بعد الموت، فأخبر الله بمنزلتهم في الآخرة فقال: وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا يعني عرضوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنه الحق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ- ٣٠- بالعذاب بأنه غير كائن نظيرها في الأحقاف «٢» .
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ يعني بالبعث حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً يعني يوم القيامة بغتة يعني فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا يعني كفار قريش عَلى مَا فَرَّطْنا فِيها يقولون «٣» يا ندامتنا على ما ضيعنا في الدنيا من ذكر الله، ثم قال: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ- ٣١- وذلك أن الكافر إذا بعث
стр. 399
في الآخرة أتاه عمله الخبيث في صورة حبشي أشوه منتن الريح كريه المنظر فيقول له الكافر: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث قد كنت أحملك في الدنيا بالشهوات واللذات! فاحملني اليوم. فيقول: وكيف أطيق حملك؟ فيقول: كما حملتك، فيركب ظهره، فذلك قوله وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ يعني ألا بئس ما يحملون وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ يعني إلا باطل وَلَهْوٌ يكون في الدنيا وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ يثني على الجنة يقول: ولدار الجنة أفضل من الدنيا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك أَفَلا يعني فهلا تَعْقِلُونَ- ٣٢- أن الدار الآخرة أفضل من الدنيا لأنها بعد دار الدنيا وإنما سميت الدنيا لأنها أدنى إلينا من دار الآخرة قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ نزلت فى الحارث بن عامر ابن نوفل بن عبد مناف بن قصي. كان الحارث يكذب النبي- ﷺ في العلانية فإذا خلا مع أهل ثقته، قال: ما محمد من أهل الكذب، وإني لأحسبه صادقًا وكان إذا لقي النبي- ﷺ قال: إنا لنعلم أن هذا الذي تقول حق وإنه لا يمنعنا «١» أن نتبع الهدى معك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس يعني العرب من أرضنا إن خرجنا فإنما نحن أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم [نظيرها في القصص «وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا» «٢» فأنزل الله: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ- في العلانية بأنك كذاب مفتر] «٣» . فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ في السر بما تقول بأنك نبي رسول، بل يعلمون أنك صادق وقد جربوا منك الصدق فيما مضى «٤» وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ- ٣٣- يعني بالقرآن بعد المعرفة وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
стр. 400
وذلك قبل كفار مكة لأن كفار مكة قالوا: يا محمد ما يمنعك أن تأتينا بآية كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم، فإن فعلت صدقناك وإلا فأنت كاذب. فأنزل الله يعزي نبيه- ﷺ ليصبر على تكذيبهم إياه وأن يقتدي بالرسل قبله «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ» «١» فَصَبَرُوا عَلى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا في هلاك قومهم، وأهل مكة بمنزلتهم فذلك قوله:
وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ يعني لا تبديل لقول الله بأنه ناصر محمد- ﷺ ، ألا وقوله حق كما نصر الأنبياء قبله وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ يعني من حديث الْمُرْسَلِينَ- ٣٤- حين كذبوا وأوذوا ثم نصروا وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ يعني ثقل عليك إِعْراضُهُمْ عن الهدى ولم تصبر على تكذيبهم إياك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ يعنى سربا أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ أي فإن لم تستطع فأت بسلم ترقى فيه إلى السماء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل إن استطعت «٢» .
ثم عزى نبيه- ﷺ ليصبر على تكذيبهم فقال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ- ٣٥- فإن الله لو شاء لجعلهم مهتدين، ثم ذكر إيمان المؤمنين فقال: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الهدى يعني القرآن، ثم قال: وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يعني كفار مكة يبعثهم الله في الآخرة ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ- ٣٦- يعني يردون فيجزيهم وَقالُوا لَوْلا يعني هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ محمد كما أنزل على الأنبياء آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ للكفار إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ- ٣٧- بأن الله قادر على أن ينزلها
стр. 401
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ولا في بر ولا في بحر «١» وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني خلقًا أصنافًا مصنفة تعرف بأسمائهم مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ يعنى ما ضيعتنا في اللوح المحفوظ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ- ٣٨- في الآخرة ثم يصيرون من بعد ما يقتص بعضهم من بعض ترابًا: يقال لهم كونوا ترابا وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن صُمٌّ لا يسمعون الهدى وَبُكْمٌ لا يتكلمون به فِي الظُّلُماتِ يعني الشرك مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ عن الهدى نزلت في بني عبد الدار ابن قصي وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- ٣٩- يعني على دين الإسلام منهم علي بن أبي طالب، والعباس، وحمزة، وجعفر ثم خوفهم فقال للنبي- ﷺ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ في الدنيا كما أتى الأمم الخالية أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ثم رجع إلى عذاب الدنيا فقال أَغَيْرَ اللَّهِ من الآلهة تَدْعُونَ أن يكشف عنكم العذاب فى الدنيا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ٤٠- بأن معه آلهة، ثم رجع إلى نفسه فقال: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ يعني وتتركون مَا تُشْرِكُونَ- ٤١- بالله من الآلهة فلا تدعونهم أن يكشفوا عنكم ولكنكم تدعون الله وَلَقَدْ أَرْسَلْنا الرسل إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكذب بهم قومهم كما كذب بك «٢» كفار مكة فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ لكي يَتَضَرَّعُونَ- ٤٢- إلى ربهم فيتوبون إليه، يقول فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا يعني الشدة والبلاء تَضَرَّعُوا إلى الله وتابوا إليه «٣» لكشف ما نزل بهم من البلاء وَلكِنْ قَسَتْ يعني جفت قُلُوبُهُمْ فلم تلن وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ- ٤٣-
стр. 402
من الشرك والتكذيب فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني فلما تركوا ما أمروا به يعني وعظوا به يعني الأمم الخالية مما دعاهم الرسل فكذبوهم ف فَتَحْنا عَلَيْهِمْ يعني أرسلنا عليهم أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ يعني أنواع الخير من كل شيء بعد الضر الذي كان نزل بهم، نظيرها في الأعراف «١» حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا يعني بما أعطوا من أنواع الخير وأعجبهم ما هم فيه [١١٧ أ] أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً يعني أصبناهم بالعذاب بغتة يعني فجأة أعز ما كانوا فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ- ٤٤- يعني فإذا هم مرتهنون آيسون من كل خير. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ يعني أصل القوم الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني أشركوا فلم يبق منهم أحد وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- ٤٥- في هلاك أعدائه يخوف كفار مكة.
قُلْ لكفار مكة يا محمد: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ فلم تسمعوا شيئًا وَخَتَمَ يعني وطبع عَلى قُلُوبِكُمْ فلم تعقلوا شيئًا مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ يعني هل أحد يرده إليكم دون الله انْظُرْ يا محمد كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ يعني العلامات في أمور شتى فيما ذكر من تخويفهم من أخذ السمع والأبصار والقلوب وما صنع بالأمم الخالية ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ- ٤٦- يعني يعرضون فلا يعتبرون، ثم قال يعنيهم: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً يعني فجأة لا تشعرون حتى ينزل بكم أَوْ جَهْرَةً أو معاينة ترونه حين ينزل بكم: القتل ببدر هَلْ يُهْلَكُ بذلك العذاب إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ- ٤٧- يعني المشركون وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ بالجنة وَمُنْذِرِينَ من النار فَمَنْ آمَنَ يعني فمن صدق وَأَصْلَحَ العمل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- ٤٨- نظيرها فى الأعراف «٢» ،
стр. 403
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني بالقرآن يعني كفار مكة يَمَسُّهُمُ يعني يصيبهم الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ- ٤٩- يعني يعصون فلما خوفهم النبي- ﷺ بالعذاب سألوه العذاب استهزاء وتكذيبًا إلى متى يكون هذا العذاب الذي تعدنا به إن كنت من الصادقين؟ فقال الله للنبي- ﷺ : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني مفاتيح الله بنزول العذاب وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ يعني غيب نزول العذاب متى ينزل بكم وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ لقولهم في حم السجدة: لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً «١» رسلا فنؤمن بهم، فأما أنت يا محمد فلا نصدقك فيما تقول، إِنْ أَتَّبِعُ يقول ما أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ من القرآن قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى بالهدى فلا يبصره وهو الكافر وَالْبَصِيرُ بالهدى وهو المؤمن أَفَلا يعنى فهلا يتفكّرون- ٥٠- فتعلمون أنهما لا يستويان. ثم قال: وَأَنْذِرْ بِهِ يعني بالقرآن الَّذِينَ يَخافُونَ يعني يعلمون «أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ» «٢» يعني الموالي وفقراء العرب ويعلمون أنه لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ يعني من دون الله وَلِيٌّ يعني قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٌ في الآخرة يشفع لهم إن عصوا الله لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَتَّقُونَ- ٥١- المعاصي: نزلت في الموالي عمارة، وأبي ذر الغفاري، وسالم، ومهجع، والنمر بن قاسط وعامر بن فهيرة، وابن مسعود، وأبي هريرة، ونحوهم، وذلك أن أبا جهل وأصحابه قالوا: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدًا من موالينا وأعرابنا رذالة كل حي وسفلتهم، يعنون الموالي، ولو كان لا يقبل إلا سادات
стр. 404
الحي وسراة «١» الموالي تابعناه [١١٧ ب] وذكروا ذلك لأبي طالب، فقالوا: قل لابن أخيك أن يطرد هؤلاء الغرباء «٢» والسفلة حتى يجيبه سادات قومه وأشرافهم قال أبو طالب للنبي- ﷺ : لو طردت هؤلاء عنك لعل سراة قومك يتبعونك، فأنزل الله وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني الصلاة له بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ طرفي النهار يُرِيدُونَ وَجْهَهُ يعني يبتغون بصلاتهم وجه ربهم مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ- ٥٢- قال: وكانت الصلاة يومئذ ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي ثم فرضت الصلوات «٣» الخمس بعد ذلك وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يقول وهكذا ابتلينا فقراء المسلمين من العرب والموالي بالعرب من المشركين: أبي جهل، والوليد، وعتبة، وأمية، وسهل بن عمرو، ونحوهم «لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» «٤» يعني أنعم الله عليهم بالإسلام مِنْ بَيْنِنا يقول الله أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ- ٥٣- يعني بالموحدين منكم من غيره، وفيهم نزلت فى الفرقان «وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ... » إلى آخر الآية «٥» ، ثم قال يعنيهم: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا يعني يصدقون بالقرآن أنه من الله فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يقول مغفرة الله عليكم،
كان النبي- ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر معهم وأسلم عليهم،
وقال:
стр. 405
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ نزلت في عمر بن الخطاب تاب من بعد السوء يعني الشرك وَأَصْلَحَ العمل فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ٥٤- وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني نبين الآيات يعني هكذا نبين أمر الدين وَلِتَسْتَبِينَ يعني وليتبين لكم سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ- ٥٥- يعني طريق الكافرين من المؤمنين حتى يعرفهم يعني هؤلاء النفر أبا جهل وأصحابه قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ- ٥٦- إن اتبعت أهواءكم وذلك حين دعي إلى دين آبائه، قوله: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي يعني بيان من ربي بما أمرني من عبادته وترك عبادة الأصنام، حين قالوا له ائتنا بالعذاب إن كنت من الصادقين وَكَذَّبْتُمْ بِهِ يعني بالعذاب فقال لهم- ﵇: ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب يعني كفار مكة إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يعني ما القضاء إلا لله في نزول العذاب بكم في الدنيا يَقُصُّ الْحَقَّ يعني يقول الحق ومن قرأها «يقضي الحق» يعني يأتي بالعذاب ولا يؤخره إذا جاء وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ- ٥٧- بيني وبينكم يعني خير الحاكمين في نزول العذاب بهم [١١٨ أ] قُلْ لهم لَوْ أَنَّ عِنْدِي يعنى بيدي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ يعني أمر العذاب بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وليس ذلك بيدي وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ- ٥٨- وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ يعني وعند الله خزائن العذاب. متى ينزله بكم لا يَعْلَمُها أحد إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ من شجرة إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ كلها وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ- ٥٩- يقول هو بين في اللوح المحفوظ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ يعني يميتكم بالليل وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ يعني ما كسبتم من خير أو شر بالنهار
стр. 406
ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ يقول يبعثكم من منامكم بالنهار لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى يعنى منتهيا إليه ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٦٠- في الدنيا من خير أو شر، هذا وعيد قوله: وَهُوَ الْقاهِرُ لخلقه فَوْقَ عِبادِهِ قد علاهم وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً من الملائكة يعني الكرام الكاتبين يحفظون أعمال بني آدم حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ عند منتهى الأجل تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا يعني ملك الموت وحده- ﵇ وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ- ٦١- يعني لا يضيعون ما أمروا به، يعني ملك الموت وحده ثم قال: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ثم ردوا من الموت إلى الله في الآخرة فيها تقديم أَلا لَهُ الْحُكْمُ يعنى القضاء وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ- ٦٢- يقول هو أسرع حسابًا من غيره وذلك قوله: «وَكَفى بِنا حاسِبِينَ» «١» قُلْ يا محمد لكفار مكة: مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني الظلل والظلمة والموج تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً يعني مستكينين «٢» وَخُفْيَةً يعني في خفض وسكون لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ الأهوال لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ- ٦٣- لله في هذه النعم فيوحدوه قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ يعني من أهوال كل كرب يعني من كل شدة ثُمَّ أَنْتُمْ «٣» تُشْرِكُونَ- ٦٤- في الرخاء قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ يعني الحصب بالحجارة كما فعل بقوم لوط فلا يبقى منكم أحد، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ يعني الخسف كما فعل بقارون ومن معه، ثم قال: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً يعني فرقًا أحزابًا أهواء مختلفة كفعله بالأمم الخالية، وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ يقول يقتل بعضكم بعضًا فلا يبقى منكم أحد إلا قليل
فقال النبي- ﷺ وهو يجر
стр. 407
رداءه، وذلك بالليل وهو يقول لئن أرسل الله على أمتي عذابًا من فوقهم ليهلكنهم أو من تحت أرجلهم فلا يبقى منهم أحد فقام- ﷺ فصلى ودعا ربه أن يكشف ذلك عنهم فأعطاه الله اثنتين الحصب والخسف كشفهما عن أمته «١» ، ومنعه اثنتين الفرقة والقتل، فقال: أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ بمعافاتك من غضبك، وأعوذ بك منك جل وجهك لا أبلغ مدحتك [١١٨ ب] والثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. قال فجاءه جبريل- ﵇ فقال: إن الله قد استجاب لك وكشف عن أمتك اثنتين ومنعوا اثنتين «٢» .
انْظُرْ يا محمد كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ يعني العلامات في أمور شتى من ألوان العذاب لَعَلَّهُمْ يقول لكي يَفْقَهُونَ- ٦٥- عن الله فيخافوه ويوحدوه وَكَذَّبَ بِهِ بالقرآن قَوْمُكَ خاصة وَهُوَ الْحَقُّ جاء من الله قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ- ٦٦- يقول بمسيطر نسختها آية السيف «٣» لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ يقول لكل حديث حقيقة ومنتهى يعنى
стр. 408
العذاب منه في الدنيا وهو القتل ببدر، ومنه في الآخرة نار جهنم، وذلك قوله:
وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ- ٦٧- أوعدهم العذاب مثلها في «اقتربت» وَإِذا رَأَيْتَ يعني سمعت يا محمد الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا يعنى يستهزءون بالقرآن وقالوا ما لا يصلح قال الله لنبيه- ﷺ : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ يعني فقم عنهم لا تجالسهم حتى يكون حديثهم في غير أمر الله وذكره وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ يقول فإن أنساك الشيطان فجالستهم بعد النهي فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى يقول إذا ذكرت فلا تقعد مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- ٦٨- يعني المشركين، فقال المؤمنون عند ذلك، لو قمنا عنهم إذا خاضوا واستهزءوا فإنا نخشى الإثم في مجالستهم يعني حين لا نغير عليهم «١» فأنزل الله وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ يعني يوحدون الرب مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني من مجازاة عقوبة خوضهم واستهزائهم من شيء، ثم قال: وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ- ٦٩- إذا قمتم عنهم منعهم من الخوض والاستهزاء الحياء منكم والرغبة في مجالستكم فيذكرون قيامكم عنهم ويتركون الخوض والاستهزاء ثم نسختها الآية التي في النساء «٢» وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ... الآية «٣» .
стр. 409
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الإسلام لَعِباً يعني باطلا وَلَهْواً يعني لهوًا عنه وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا عن دينهم الإسلام وَذَكِّرْ بِهِ يعني وعظ بالقرآن أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ يعني لئلا تبسل نفس بِما كَسَبَتْ يعني بما عملت من الشرك والتكذيب فترتهن بعملها في النار لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ يعني قريبًا ينفعهم وَلا شَفِيعٌ في الآخرة يشفع لهم وَإِنْ تَعْدِلْ يعني فتفتدي هذه النفس المرتهنة بعملها كُلَّ عَدْلٍ فتعطى كل فداء: ملء الأرض ذهبًا لا يُؤْخَذْ مِنْها يعني لا يقبل منها أُولئِكَ يعنيهم الَّذِينَ أُبْسِلُوا يعني حبسوا في النار بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ يعني النار التي قد انتهى حرها وَعَذابٌ أَلِيمٌ يعنى وجيع بِما كانُوا يَكْفُرُونَ- ٧٠- قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا [١١٩ أ] وذلك أن كفار مكة عذبوا نفرًا من المسلمين على الإسلام وأرادوهم على الكفر يقول الله لنبيه- ﷺ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من آلهة يعني الأوثان مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً «١» في الآخرة ولا يملك لنا ضرًا في الدنيا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا يعني ونرجع إلى الشرك بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ إلى دينه الإسلام فهذا قول المسلمين للكفار حين قالوا لهم اتركوا دين محمد- ﷺ واتبعوا ديننا. يقول الله للمؤمنين ردوا عليهم فإن مثلنا إن اتبعناكم وتركنا ديننا كان مثلنا كَالَّذِي «٢» اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ وأصحابه على الطريق يدعونه إلى الهدى أن ائتنا فإنا على الطريق فأبى ذلك الرجل أن يأتيهم فذلك مثلنا أن تركنا دين محمد- ﷺ ونحن على طريق الإسلام وأما الذي استهوته الشياطين يعنى أضلته فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لا يدري أين يتوجه فإنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أضلته الشياطين عن الهدى فهو حيران لَهُ أَصْحابٌ
стр. 410
مهتدون يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى يعني أبويه قالا له: ائْتِنا فإنا على الهدى وفيه نزلت وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ «أُفٍّ لكما» «١» فذلك قوله: قُلْ «٢» إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى يعني الإسلام هو الهدى، والضلال الذي تدعونا «٣» الشياطين إليه هو الذي أنتم عليه، قل لهم: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ يعني لنخلص لِرَبِّ الْعالَمِينَ- ٧١- فقد فعلنا ثُمّ أمرهم بالعمل فَقَالَ لنبيه- ﷺ : وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ لمواقيتها يخبرهم أَنَّهُ «٤» لا تنفعهم الصَّلاة إلا مَعَ الإخلاص «٥» وَاتَّقُوهُ يعني وحدوه وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ- ٧٢- ثم خوفهم فقال: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يعني بأنه لَمْ يخلقهما باطلا لغير شيء وَلَكِن خلقهما لأمر هُوَ كائن وَيَوْمَ يَقُولُ اللَّه للبعث مرة واحدة كُنْ فَيَكُونُ لا يثني الرب القول مرتين قَوْلُهُ فِي البعث بِالْحَقِّ يعني الصدق وأنه كائن وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ أَي ينفخ إسرافيل فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ يعلم غيب ما كان وما يَكُون، ثُمّ قَالَ:
وَالشَّهادَةِ يعني شاهد كُلّ نجوى وكل شيء وَهُوَ الْحَكِيمُ يعني حكم البعث الْخَبِيرُ- ٧٣- بالبعث مَتَى يبعثهم وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ اسمه بكلام قومه تارح «أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» «٦» - ٧٤- وولد إِبْرَاهِيم بكوتى، وذلك أن الكهنة قَالُوا لنمروذ الجبار: إنَّه يولد فِي هَذِهِ السنة
стр. 411
غُلام يفسد آلهة أَهْل الأرض ويدعو إلى غَيْر آلهتكم ويكون هلاك ملكك وهلاك أَهْل بيتك بسببه، فَقَالَ نمروذ: إن دواء هَذَا لهين نعزل الرجال عن النّساء، ونعمد إلى كُلّ غُلام يولد فِي هَذِهِ السنة فنقتله إلى أن تنقضي السنة. فقالوا:
إن فعلت ذَلِكَ وإلا كان الَّذِي قُلْنَا لك. فعمد نمروذ [١١٩ ب] فجعل عَلَى كُلّ عشرة رجال رَجُلا، وقَالَ لهم: إذا طهرت المرأة فحولوا بينها وبَيْنَ زوجها إلى أن تحيض ثُمّ يرجع إلى امرأته إلى أن تطهر ثُمّ يحال بَيْنَهُمَا فرجع آزر إلى امرأته فجامعها عَلَى طهر فحملت، قَالَت الكهنة: قَدْ حمل به الليلة. قَالَ نمروذ:
انظروا إلى كُلّ امرأة استبان حملها فخلوا سبيلها، وانظروا بقيتهن. فَلَمَّا دنا مخاض أم إِبْرَاهِيم- ﵇ دنت إلى نهر يابس «١» فولدت فِيهِ ثُمّ لفته فِي خرقة فوضعته فِي حلفا ثُمّ رجعت إلى بيتها، فأخبرت زوجها بمكانه، فعمد أبوه فحفر لَهُ سربا فِي الأرض ثُمّ جعله فِيهِ وسد عَلَيْه بصخرة مخافة السباع فكانت أُمّه تختلف إِلَيْهِ وترضعه حَتَّى فطمته «٢» وعقل، وكان ينبت فِي اليوم نبات شهر، وَفِي الشهر نبات سنة، وَفِي السنة نبات سنتين، فَقَالَ لأمه: من ربي؟ قَالَتْ: أَنَا. قَالَ: من ربك؟ قَالَتْ: أبوك؟ قَالَ: فَمنْ رب أَبِي؟ فضربته، وقالت لَهُ: اسكت فسكت الصبي، ورجعت إلى زوجها، فقالت: أرأيت الغلام الَّذِي كُنَّا نخبر أَنَّهُ يغير دين أَهْل الأرض؟ فهو ابْنَك وأخبرته الخبر فأتاه أبوه وهو فِي السرب، فَقَالَ:
يا أبت، من ربي؟ قَالَ: أمك. قَالَ: فَمنْ رب أمي؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ فَمنْ ربك؟
فضربه، وقَالَ لَهُ: اسكت وَكَذلِكَ يعنى هكذا نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ يعنى خلق السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا من الآيات وَلِيَكُونَ إِبْرَاهِيم مِنَ الْمُوقِنِينَ
стр. 412
- ٧٥- بالرب أنه واحد [١٢٠ أ] «١» لا شريك لَهُ وذلك أن إِبْرَاهِيم سَأَلَ ربه أن يريه ملكوت السموات والأرض فأمر اللَّه جبريل- ﵇ فرفعه إلى الملكوت ينظر إلى أعمال العباد فرأى رَجُلا عَلَى معصية، فَقَالَ: يا رب، ما أقبح ما يأتي هَذَا العبد اللَّهُمَّ اخسف به. ورأى آخر فأعاد الكلام قَالَ: فأمر اللَّه جبريل- ﵇ أن يرده إلى الأرض فأوحى الله إليه: مهلا بإبراهيم فلا تدع عَلَى عبادي فَإِنِّي من عبادي عَلَى إحدى خصلتين: إما أن يتوب إليّ قبل موته فأتوب عَلَيْه، وإما أن يموت فيدع خلفا صالحا فيستغفر لأبيه فأغفر لهما بدعائه.
فَلَمَّا»
جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ دنا من باب السرب وذلك فِي آخر الشهر فرأى الزهرة أوّل الليل من خلال «٣» السرب ومن وراء الصخرة، والزهرة من أحسن الكواكب «رَأى كَوْكَباً» «٤» قالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ يعني غاب قالَ إِبْرَاهِيم لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ- ٧٦- يعني الغائبين الذاهبين وربي لا يذهب وَلا يغيب فَلَمَّا كان آخر الليل رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً يعني طالعا أعظم وأضوأ من الكواكب قالَ هذا رَبِّي وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ فَلَمَّا أَفَلَ يعني غاب قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لدينه لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ- ٧٧- عن الهدى فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً يعني طالعة فِي أول ما رآها ملأت كُلّ شيء ضوءا قالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ
стр. 413
يعني أعظم من الزهرة والقمر فَلَمَّا أَفَلَتْ يعني غابت عرف أن الَّذِي خلق هَذِهِ الأشياء دائم باق. ورفع الصَّخرة، ثُمّ خرج فرأى قومه يعبدون الأصنام، فَقَالَ لهم: ما تعبدون؟ قَالُوا: نعبد ما ترى قالَ: يَا قَوْمِ عبادة رب واحد خير من عبادة أرباب كثيرة وإِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ- ٧٨- بالله من الآلهة قالوا فمن تعبد يإبراهيم؟ قَالَ: أعبد اللَّه الَّذِي خلق السموات والأرض حنيفا يعني مخلصا لعبادته وما أَنَا من المشركين. وذلك قوله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ «يعنى ديني لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً يعنى مخلصا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ٧٩-» «١» .
ثُمّ إن نمروذ بن كنعان الجبار خاصم إِبْرَاهِيم، فَقَالَ: من ربك؟ قَالَ إِبْرَاهِيم:
ربي الَّذِي يحيي ويميت، وَهُوَ قوله «وَحاجَّهُ قَوْمُهُ» فعمد نمروذ إلى إنسان فقتله وجاء بآخر فتركه، فَقَالَ: أنا أحييت هَذَا وأمت ذَلِكَ، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ. فَبُهِتَ الَّذِي كفر «٢» يعني نمروذ قوله وَحاجَّهُ قَوْمُهُ وذلك أنهم لما سمعوا إِبْرَاهِيم- ﵇ عاب آلهتهم وبرىء منها، قَالُوا لإِبْرَاهِيم: إن لَمْ تؤمن بآلهتنا فإنا نخاف أن تخبلك وتفسدك فتهلك. فذلك قوله «وَحاجَّهُ قَوْمُهُ» يعني وخاصمه قومه قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ لدينه وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ يعني بِاللَّه من الآلهة وهي لا تسمع وَلا تبصر شيئًا وَلا تنفع وَلا تضر وتنحتونها بأيديكم إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً فيضلنى عن
стр. 414
الهدى فأخاف آلهتكم أن تصيبني بسوء وَسِعَ يعنى ملأ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً فعلمه أَفَلا يعني فهلا تَتَذَكَّرُونَ- ٨٠- فتعتبرون. ثُمّ قال لهم: وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ بِاللَّه من الآلهة وَلا تَخافُونَ أنتم ب أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ غيره مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً يعني كتابا فِيهِ حجتكم بأن معه شريكا، ثُمّ قَالَ لَهُم: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ أنا أو أنتم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
- ٨١- من عَبْد إلها واحدًا أحق بالأمن أم من عَبْد أربابا شتى يعني آلهة صغارا وكبارا ذكورا وإناثا فكيف لا يخاف من الكبير إذا سوى بالصغير؟ وكيف لا يخاف من الذكر إذا سوى بالأنثى؟ أخبروني أَيّ الفريقين أحق بالأمن من الشر، إن كنتم تعلمون فرد عَلَيْه قومه. فَقَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا برب واحد وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ يعني وَلَم يخلطوا تصديقهم بشرك فلم يعبدوا غيره أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ- ٨٢- من الضلالة فأقروا بقول إِبْرَاهِيم وفلح «١» عليهم، فذلك قوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ فِي أمره عَلِيمٌ- ٨٣- بخلقه، ثُمّ قَالَ: وَوَهَبْنا لَهُ يعنى لإبراهيم إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا للإيمان وَنُوحاً هَدَيْنا إلى الْإِسْلام مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ يعني من ذرِّيَّة نوح [١٢٠ ب] داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ يعني هكذا نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ- ٨٤- يعني هَؤُلاءِ الَّذِين ذكرهم اللَّه وَزَكَرِيَّا «٢» وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ- ٨٥- وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا بالنبوة «٣» من الجن والإنس عَلَى الْعالَمِينَ- ٨٦-
стр. 415
وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ يعني واستخلصناهم بالنبوة وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- ٨٧- يعني الْإِسْلام ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ يعني ثمانية عشر نبيا مِنْ عِبادِهِ فيعطيه النُّبُوَّة وَلَوْ أَشْرَكُوا بِاللَّه لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ- ٨٨- ثُمّ ذكر ما أعطى النبيين فَقَالَ:
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني أعطيناهم الكتاب يعني كتاب إِبْرَاهِيم والتوراة والزبور والإنجيل وَالْحُكْمَ يعني العلم والفهم وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ من أَهْل مكة بما أعطى اللَّه النبيين من الكتب فَقَدْ وَكَّلْنا بِها يعنى بالكتب قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ- ٨٩- يعني أهل المدينة من الأَنْصَار ثُمّ ذكر النبيين الثمانية عشر فَقَالَ: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ لدينه فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ يَقُولُ للنبي- ﷺ فبسنتهم اقتد قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني عَلَى الْإِيمَان بالقرآن أَجْراً يعني جميلا إِنْ هُوَ يعني ما القرآن إِلَّا ذِكْرى يعني تذكرة لِلْعالَمِينَ- ٩٠- وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ يعني ما عظموا اللَّه حق عظمته إِذْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ يَقُولُ عَلَى رسول من كتاب فَمَا عظموه حين كذبوا بأنه لَمْ ينزل كتابا عَلَى الرسل نزلت فِي مَالِك بن الضيف اليهودي حين خاصمه عُمَر بن الخَطَّاب فِي النَّبِيّ- ﷺ أَنَّهُ مكتوب فِي التوراة، فغضب مَالِك فَقَالَ: ما أنزل اللَّه على أحد كتابا وكان ربانيا فِي اليهود فعزلته اليهود عن الربانية «١» . فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً يعني ضياء من الظلمة وَهُدىً لِلنَّاسِ من الضلالة تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يعنى صحفا
стр. 416
لَيْسَ فيها شيء تُبْدُونَها تعلنونها وَتُخْفُونَ يعني وتسرون كَثِيراً فكان مما أخفوا أمر محمد- ﷺ وأمر الرجم فِي التوراة وَعُلِّمْتُمْ فِي التوراة ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا وَلَم يعلمه آباؤُكُمْ ثُمّ قَالَ فِي التقديم: قُلِ اللَّهُ أنزل عَلَى مُوسَى- ﵇ ثُمَّ ذَرْهُمْ يعني خل عَنْهُمْ إن لَمْ يصدقوك فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ- ٩١- فِي باطلهم يلهون يعني اليهود نزلت هَذِهِ الآية بالمدينة ثُمّ إن مَالِك بن الضيف تاب من قوله فلم يقبلوا منه وجعلوا مكانه رَجُلا فِي الربانية.
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ عَلَى محمد- ﷺ مُبارَكٌ لمن عمل به وَهُوَ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَقُولُ يصدق لما قبله من الكتب التي أنزلها الله- على الأنبياء [١٢١ أ] وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى يعني لكي تنذر بالقرآن أصل القرى يعني مكة وإنما سميت أمَّ القرى لأن الأرض كلها دحيت من تحت الكعبة وَتنذر بالقرآن مَنْ حَوْلَها يعنى حول مكة يعني قرى الأرض كلها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني يصدقون بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني يصدقون بالقرآن أنه جاء من اللَّه- ثُمّ نعتهم فَقَالَ: وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ- ٩٢- عَلَيْهَا فِي مواقيتها لا يتركونها وَمَنْ أَظْلَمُ هَذِهِ الآية مدنية، فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ نزلت فِي مسيلمة بن حبيب الكذاب الحنفي حيث زعم أن اللَّه أوحى إِلَيْهِ النُّبُوَّة «١» .
وكان مسيلمة أرسل إلى النَّبِيّ- ﷺ رسولين فقال
стр. 417
النَّبِيّ- ﷺ لهما أتشهدان أن مسيلمة نبى؟ قال: نعم. فقال النبي- ﷺ : لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما. ثُمّ قَالَ:
وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
فلا أحد أيضا أظلم منه نزلت فِي عبد الله بن سعد بن أبي سرح الْقُرَشِيّ من بني عامر بن لؤي وكان أخا عثمان ابن عفان من الرضاعة، كان يتكلم بالإسلام وكتب للنبي- ﷺ يوما سورة النّساء فإذا أملى عَلَيْه النَّبِيّ- ﷺ «غفورا رحيما» كتب «عليما حكما» وإذا أملى عَلَيْه «سميعا بصيرا» كتب «سميعا عليما» فَقَالَ لقوم من المنافقين: كتبت غَيْر الَّذِي أملى عليّ وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ فلم يغيره فشك عَبْد اللَّه بن سعد فِي إيمانه فلحق بمكة كافرا فَقَالَ لهم: لئن كان محمد صادقا فيما يَقُولُ لقَدْ أنزل عليّ كَمَا أنزل عَلَيْه ولئن كان كاذبا لقَدْ قُلْتُ كَمَا قَالَ. وإنما شك لسكوت النَّبِيّ- ﷺ وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ فلم يغير ذَلِكَ، وذلك أن النَّبِيّ- ﷺ كان أميا لا يكتب «١» . ثُمّ قَالَ. وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ يعنى مشركي
стр. 418
مكة فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ يعني فِي سكرات الموت إذ قتلوا ببدر وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ عِنْد الموت تضرب الوجوه والأدبار يعني ملك الموت وحده
стр. 419
وهو يقول لهم أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ يعني أرواحكم منهم أَبُو جهل وعتبة بن رَبِيعَة وشيبة والوليد بن عُتْبَة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث
стр. 420
وأَبُو قَيْس بن الفاكه والوليد بن المُغِيرَة وقريبا من سبعين قتيلا فَلَمَّا بعثوا فِي الآخرة وصاروا فِي النار، قَالَتْ لهم خزنة جهنم: «١» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ يعني الهوان بغير رأفة وَلا رحمة، نظيرها فِي الأنفال، بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ فِي الدُّنْيَا غَيْرَ الْحَقِّ بأن معه شريكا وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ- ٩٣- يعني وكنتم «٢» تتكبرون عن الْإِيمَان بالقرآن وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فِي الآخرة فُرادى لَيْسَ معكم من الدنيا شيء [١٢١ ب] كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ حين ولدوا وليس لهم شيء وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْناكُمْ فِي الدُّنْيَا وَراءَ ظُهُورِكُمْ يعني ما أعطيناكم من الخير من بعدكم فِي الدُّنْيَا وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ من الملائكة الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ يعني أنهم لَكُمْ شفعاء عِنْد اللَّه لقولهم فى يونس: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ «٣» يعني الملائكة، ثُمّ قَالَ:
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وبين شركاءكم يعني من الملائكة من المودة والتواصل وَضَلَّ عَنْكُمْ فى الآخرة ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ- ٩٤- فِي الدُّنْيَا بأن مَعَ اللَّه شريكا.
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ يعني خالق الحب يعني البر والشعير والذرة والحبوب كلها، ثُمّ قَالَ: وَالنَّوى يعني كُلّ ثمرة لها نوى: الخوج والنبق والمشمش والعنب «٤» والإجاص وكل ما كان من الثمار لَهُ نوى.
ثُمّ قَالَ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يَقُولُ أخرج الناس والدواب من النطف وهي ميتة ويخرج الطير كلها من البيضة وهي ميتة، ثُمّ قَالَ: وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ
стр. 421
يعني النطف والبيض من الحي يعني الحيوانات «١» كلها ذلِكُمُ اللَّهُ الَّذِي ذكر فِي هَذِهِ الآية من صنعه وحده يدل عَلَى توحيده بصنعه، ثُمّ قَالَ:
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ- ٩٥- يَقُولُ أنى يكذبون بأن اللَّه وحده لا شريك لَهُ، ثُمّ ذكر أيضا فِي هَذِهِ من صنعه ليدل عَلَى توحيده بصنعه، فَقَالَ: فالِقُ الْإِصْباحِ يعنى خالق النهار من حين يبدو أوله وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً لخلقه يسكنون فيه لراحة أجسادهم وَجعل الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً يَقُولُ جعلهما فِي مسيرهما كالحسبان فِي الفلك يَقُولُ لتعلموا عدد السنين والحساب وذلك أن اللَّه قدر لهما منازلهما فِي السماء الدُّنْيَا، فذلك قوله: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ فِي ملكه يصنع ما أراد الْعَلِيمِ- ٩٦- بما قدر من خلقه نظيرها فِي يُونُس «٢» .
ثُمّ قال: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ نورا لِتَهْتَدُوا بِها بالكواكب ليلا يَقُولُ لتعرفوا الطريق إذا سرتم فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- ٩٧- بأن اللَّه واحد لا شريك لَهُ، ثُمّ أخبر عن صنعه فَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني خلقكم من نفس واحدة يعني آدم وحده فَمُسْتَقَرٌّ فِي أرحام النّساء وَمُسْتَوْدَعٌ فِي أصلاب الرجال مما لَمْ يخلقه وَهُوَ خالقه قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ يعني قَدْ بينا الآيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ- ٩٨- عن اللَّه- ثُمّ أخبر عن صنعه ليعرف توحيده فَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
стр. 422
يعنى المطر فَأَخْرَجْنا بِهِ يعني بالمطر «١» نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ يعني الثمار والحبوب وألوان النبات فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً يعني أول النبات نُخْرِجُ مِنْهُ يعني من الماء حَبًّا مُتَراكِباً يعني السنبل قَدْ ركب بعضه بعضا وَأخرجنا بالماء مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها يعنى من ثمرها قِنْوانٌ يعنى [١٢٢ أ] قصار النخل دانِيَةٌ يعني ملتصقة «٢» بالأرض تجنى «٣» باليد وَأخرجنا بالماء جَنَّاتٍ يعني البساتين، ثُمّ نعت البساتين فَقَالَ: مِنَ نخيل وأَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً ورقها فِي المنظر يشبه ورق الزيتون وورق الرمان، ثُمّ قَالَ:
وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ فِي اللون مختلف فِي الطعم انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ حين يبدو غضا أوله صيصا وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ يعني إن فِي هَذَا الَّذِي ذكرَ من صنعه وعجائبه لعبرة لَآياتٍ «٤» لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ٩٩- يعنى يصدقون بالتوحيد وَجَعَلُوا يعني وصفوا لِلَّهِ الَّذِي خلقهم فِي التقديم شُرَكاءَ الْجِنَّ من الملائكة وذلك أن جهينة وبني سَلَمَة وخزاعة وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا أن حيا من الملائكة يُقَالُ لهم الجن بنات الرحمن. فقال الله: وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ يعني وتخرصوا يعني يخلقوا للَّه بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمونه أن لَهُ بنين وبنات وذلك أن اليهود قالوا عزير ابن الله. وقالت النصارى المسيح ابْن اللَّه. وقالت العرب الملائكة بنات اللَّه يَقُولُ اللَّه سُبْحانَهُ نزه نفسه عما قَالُوا من البهتان، ثُمّ عظم نفسه فَقَالَ: وَتَعالى يعني وارتفع عَمَّا يَصِفُونَ- ١٠٠- يعني، يقولون من الكذب، فعظم نفسه وأخبر عن قدرته فقال: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَمْ يكونا فابتدع خلقهما، ثُمّ قَالَ أَنَّى يعني من أَيْنَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ يعنى
стр. 423
زوجة وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ يعني من الملائكة وعزير وعيسى وَغَيْرُهُمْ فهم «خلقه وعباده وَفِي ملكه» «١» ، ثُمّ قَالَ: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ- ١٠١- ثُمّ دل عَلَى نفسه بصنعه ليوحدوه فَقَالَ: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ الَّذِي ابتدع خلقهما «٢» وخلق كُلّ شيء وَلَم يَكُنْ لَهُ صاحبه وَلا ولد ثُمّ وحد نفسه إذ لَمْ يوحده كفار مكة فَقَالَ: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ يعني فوحدوه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ- ١٠٢- وهو رب كل شيء ذكر من بنين وبنات وغيرهم، ثُمّ عظم نفسه فَقَالَ: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يَقُولُ لا يراه الخلق فِي الدُّنْيَا وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ يرى الخلق فِي الدُّنْيَا وَهُوَ اللَّطِيفُ لطف علمه وقدرته حين يراهم فِي السموات والأرض الْخَبِيرُ- ١٠٣- بمكانهم قَدْ جاءَكُمْ يا أهل مكة بَصائِرُ يعني بيان مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن نظيرها فِي الأعراف «٣» فَمَنْ أَبْصَرَ إيمانا بالقرآن فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ عن إيمان بالقرآن فَعَلَيْها يعني فعلى نفسه وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ- ١٠٤- يعني برقيب يعني محمد- ﷺ وَكَذلِكَ يعني وهكذا نُصَرِّفُ الْآياتِ فِي أمور شتى يعني ما ذكر وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ يعني قابلت ودرست يعني تعلمت من غيرك يا محمد فأنزل اللَّه «وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ» [١٢٢ ب] لئلا يقولوا درست وقرأت من غيرك وَلِنُبَيِّنَهُ يعنى القرآن لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- ١٠٥- اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وذلك حين دعى النبي- ﷺ إلى مَلَّة آبائه فأنزل اللَّه- «اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ- ١٠٦-
стр. 424
يقول الله لنبيه- ﷺ أعرض عنهم إذا أشركوا، ثم قال: «١» وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا يَقُولُ ولو شاء اللَّه لمنعهم من الشرك وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً يعني رقيبا إن لَمْ يوحدوا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ- ١٠٧- يعني بمسيطر فنسختها آية السيف «٢» وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وذلك أن النبي- ﷺ وأصحابه كانوا يذكرون أوثان أَهْل مكة بسوء فقالوا: لينتهين محمد عن شتم آلهتنا أَوْ لنسبن ربه فنهى اللَّه الْمُؤْمِنِين عن شتم آلهتهم فيسبوا ربهم لأنهم جهلة بِاللَّه. وأنزل اللَّه «وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» يعني يعبدون من دون اللَّه من الآلهة فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمونه أنهم يسبون اللَّه يعني أَهْل مكة كَذلِكَ يعني هكذا زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ يعنى ضلالتهم ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فى الآخرة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٠٨- فلما نزلت هذه الآية قال النبي- ﷺ لأصحابه: لا تسبوا ربكم فأمسك المسلمون عِنْد ذَلِكَ عن شتم آلهتهم وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ فَمنْ حلف بِاللَّه فقد اجتهد فِي اليمين وذلك أن كفار مكة حلفوا للنبي- ﷺ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم لَيُؤْمِنُنَّ بِها: ليؤمنن بالآية «٣» ، قَالَ اللَّه لنبيه- ﷺ : قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ إن شاء أرسلها وليست بيدي وَما يُشْعِرُكُمْ وما يدريكم
стр. 425
أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ- ١٠٩- يعني لا يصدقون، لما سبق فِي علم اللَّه من الشقاء وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ يعني قلوبهم وَأَبْصارَهُمْ عن الْإِيمَان كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَقُولُ كَمَا لَمْ يؤمن بها أوائلهم من الأمم الخالية بما سألوا من الآيات قبلها فكذلك كفار أَهْل مكة لا يصدقون بها إن جاءتهم آية، ثُمّ قَالَ: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ- ١١٠- يعني فِي ضلالتهم يترددون لا نخرجهم منها أبدا، ثُمّ أخبر عما علمه فيهم فَقَالَ: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وأخبروهم أن محمدا رسول كَمَا سألوا، لقولهم «١» فى الفرقان لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ «٢» يعني المستهزئين من قريش أبا جهل وأصحابه ثُمّ قَالَ: وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى لقولهم «٣» ابعث لنا رجلين أو ثلاثة من آبائنا فنسألهم عما أمامهم مما تحدثنا «٤» أَنَّهُ يَكُون بعد الموت أحق هُوَ؟ ثُمّ قَالَ: وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا [١٢٣ أ] يعني عيانا «قَالَ أَبُو محمد «٥» ومن قرأه «قبلا» أراد قبيلا قبيلا رواه عن ثعلب» «٦» فعاينوه كله، فلو فعلت هَذَا كله فأخبروهم بأن الَّذِي يَقُولُ محمد حق مَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا يعنى ليصدقوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لهم الْإِيمَان وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أكثر أَهْل مكة يَجْهَلُونَ- ١١١- ثُمّ قَالَ: وَكَذلِكَ يعني وهكذا جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا من قومه يعني أبا جهل عدوا للنبي- ﷺ : كقولهم فِي الفرقان: «وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ ... » إلى آخر الآية «٧» - قوله: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ وذلك أن إبليس