يعني النطف والبيض من الحي يعني الحيوانات «١» كلها ذلِكُمُ اللَّهُ الَّذِي ذكر فِي هَذِهِ الآية من صنعه وحده يدل عَلَى توحيده بصنعه، ثُمّ قَالَ:
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ- ٩٥- يَقُولُ أنى يكذبون بأن اللَّه وحده لا شريك لَهُ، ثُمّ ذكر أيضا فِي هَذِهِ من صنعه ليدل عَلَى توحيده بصنعه، فَقَالَ: فالِقُ الْإِصْباحِ يعنى خالق النهار من حين يبدو أوله وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً لخلقه يسكنون فيه لراحة أجسادهم وَجعل الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً يَقُولُ جعلهما فِي مسيرهما كالحسبان فِي الفلك يَقُولُ لتعلموا عدد السنين والحساب وذلك أن اللَّه قدر لهما منازلهما فِي السماء الدُّنْيَا، فذلك قوله: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ فِي ملكه يصنع ما أراد الْعَلِيمِ- ٩٦- بما قدر من خلقه نظيرها فِي يُونُس «٢» .
ثُمّ قال: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ نورا لِتَهْتَدُوا بِها بالكواكب ليلا يَقُولُ لتعرفوا الطريق إذا سرتم فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- ٩٧- بأن اللَّه واحد لا شريك لَهُ، ثُمّ أخبر عن صنعه فَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني خلقكم من نفس واحدة يعني آدم وحده فَمُسْتَقَرٌّ فِي أرحام النّساء وَمُسْتَوْدَعٌ فِي أصلاب الرجال مما لَمْ يخلقه وَهُوَ خالقه قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ يعني قَدْ بينا الآيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ- ٩٨- عن اللَّه- ثُمّ أخبر عن صنعه ليعرف توحيده فَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
стр. 422
يعنى المطر فَأَخْرَجْنا بِهِ يعني بالمطر «١» نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ يعني الثمار والحبوب وألوان النبات فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً يعني أول النبات نُخْرِجُ مِنْهُ يعني من الماء حَبًّا مُتَراكِباً يعني السنبل قَدْ ركب بعضه بعضا وَأخرجنا بالماء مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها يعنى من ثمرها قِنْوانٌ يعنى [١٢٢ أ] قصار النخل دانِيَةٌ يعني ملتصقة «٢» بالأرض تجنى «٣» باليد وَأخرجنا بالماء جَنَّاتٍ يعني البساتين، ثُمّ نعت البساتين فَقَالَ: مِنَ نخيل وأَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً ورقها فِي المنظر يشبه ورق الزيتون وورق الرمان، ثُمّ قَالَ:
وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ فِي اللون مختلف فِي الطعم انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ حين يبدو غضا أوله صيصا وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ يعني إن فِي هَذَا الَّذِي ذكرَ من صنعه وعجائبه لعبرة لَآياتٍ «٤» لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ٩٩- يعنى يصدقون بالتوحيد وَجَعَلُوا يعني وصفوا لِلَّهِ الَّذِي خلقهم فِي التقديم شُرَكاءَ الْجِنَّ من الملائكة وذلك أن جهينة وبني سَلَمَة وخزاعة وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا أن حيا من الملائكة يُقَالُ لهم الجن بنات الرحمن. فقال الله: وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ يعني وتخرصوا يعني يخلقوا للَّه بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمونه أن لَهُ بنين وبنات وذلك أن اليهود قالوا عزير ابن الله. وقالت النصارى المسيح ابْن اللَّه. وقالت العرب الملائكة بنات اللَّه يَقُولُ اللَّه سُبْحانَهُ نزه نفسه عما قَالُوا من البهتان، ثُمّ عظم نفسه فَقَالَ: وَتَعالى يعني وارتفع عَمَّا يَصِفُونَ- ١٠٠- يعني، يقولون من الكذب، فعظم نفسه وأخبر عن قدرته فقال: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَمْ يكونا فابتدع خلقهما، ثُمّ قَالَ أَنَّى يعني من أَيْنَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ يعنى
стр. 423
زوجة وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ يعني من الملائكة وعزير وعيسى وَغَيْرُهُمْ فهم «خلقه وعباده وَفِي ملكه» «١» ، ثُمّ قَالَ: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ- ١٠١- ثُمّ دل عَلَى نفسه بصنعه ليوحدوه فَقَالَ: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ الَّذِي ابتدع خلقهما «٢» وخلق كُلّ شيء وَلَم يَكُنْ لَهُ صاحبه وَلا ولد ثُمّ وحد نفسه إذ لَمْ يوحده كفار مكة فَقَالَ: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ يعني فوحدوه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ- ١٠٢- وهو رب كل شيء ذكر من بنين وبنات وغيرهم، ثُمّ عظم نفسه فَقَالَ: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يَقُولُ لا يراه الخلق فِي الدُّنْيَا وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ يرى الخلق فِي الدُّنْيَا وَهُوَ اللَّطِيفُ لطف علمه وقدرته حين يراهم فِي السموات والأرض الْخَبِيرُ- ١٠٣- بمكانهم قَدْ جاءَكُمْ يا أهل مكة بَصائِرُ يعني بيان مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن نظيرها فِي الأعراف «٣» فَمَنْ أَبْصَرَ إيمانا بالقرآن فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ عن إيمان بالقرآن فَعَلَيْها يعني فعلى نفسه وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ- ١٠٤- يعني برقيب يعني محمد- ﷺ وَكَذلِكَ يعني وهكذا نُصَرِّفُ الْآياتِ فِي أمور شتى يعني ما ذكر وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ يعني قابلت ودرست يعني تعلمت من غيرك يا محمد فأنزل اللَّه «وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ» [١٢٢ ب] لئلا يقولوا درست وقرأت من غيرك وَلِنُبَيِّنَهُ يعنى القرآن لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- ١٠٥- اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وذلك حين دعى النبي- ﷺ إلى مَلَّة آبائه فأنزل اللَّه- «اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ- ١٠٦-
стр. 424
يقول الله لنبيه- ﷺ أعرض عنهم إذا أشركوا، ثم قال: «١» وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا يَقُولُ ولو شاء اللَّه لمنعهم من الشرك وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً يعني رقيبا إن لَمْ يوحدوا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ- ١٠٧- يعني بمسيطر فنسختها آية السيف «٢» وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وذلك أن النبي- ﷺ وأصحابه كانوا يذكرون أوثان أَهْل مكة بسوء فقالوا: لينتهين محمد عن شتم آلهتنا أَوْ لنسبن ربه فنهى اللَّه الْمُؤْمِنِين عن شتم آلهتهم فيسبوا ربهم لأنهم جهلة بِاللَّه. وأنزل اللَّه «وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» يعني يعبدون من دون اللَّه من الآلهة فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمونه أنهم يسبون اللَّه يعني أَهْل مكة كَذلِكَ يعني هكذا زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ يعنى ضلالتهم ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فى الآخرة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٠٨- فلما نزلت هذه الآية قال النبي- ﷺ لأصحابه: لا تسبوا ربكم فأمسك المسلمون عِنْد ذَلِكَ عن شتم آلهتهم وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ فَمنْ حلف بِاللَّه فقد اجتهد فِي اليمين وذلك أن كفار مكة حلفوا للنبي- ﷺ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم لَيُؤْمِنُنَّ بِها: ليؤمنن بالآية «٣» ، قَالَ اللَّه لنبيه- ﷺ : قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ إن شاء أرسلها وليست بيدي وَما يُشْعِرُكُمْ وما يدريكم
стр. 425
أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ- ١٠٩- يعني لا يصدقون، لما سبق فِي علم اللَّه من الشقاء وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ يعني قلوبهم وَأَبْصارَهُمْ عن الْإِيمَان كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَقُولُ كَمَا لَمْ يؤمن بها أوائلهم من الأمم الخالية بما سألوا من الآيات قبلها فكذلك كفار أَهْل مكة لا يصدقون بها إن جاءتهم آية، ثُمّ قَالَ: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ- ١١٠- يعني فِي ضلالتهم يترددون لا نخرجهم منها أبدا، ثُمّ أخبر عما علمه فيهم فَقَالَ: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وأخبروهم أن محمدا رسول كَمَا سألوا، لقولهم «١» فى الفرقان لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ «٢» يعني المستهزئين من قريش أبا جهل وأصحابه ثُمّ قَالَ: وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى لقولهم «٣» ابعث لنا رجلين أو ثلاثة من آبائنا فنسألهم عما أمامهم مما تحدثنا «٤» أَنَّهُ يَكُون بعد الموت أحق هُوَ؟ ثُمّ قَالَ: وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا [١٢٣ أ] يعني عيانا «قَالَ أَبُو محمد «٥» ومن قرأه «قبلا» أراد قبيلا قبيلا رواه عن ثعلب» «٦» فعاينوه كله، فلو فعلت هَذَا كله فأخبروهم بأن الَّذِي يَقُولُ محمد حق مَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا يعنى ليصدقوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لهم الْإِيمَان وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أكثر أَهْل مكة يَجْهَلُونَ- ١١١- ثُمّ قَالَ: وَكَذلِكَ يعني وهكذا جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا من قومه يعني أبا جهل عدوا للنبي- ﷺ : كقولهم فِي الفرقان: «وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ ... » إلى آخر الآية «٧» - قوله: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ وذلك أن إبليس
стр. 426
وكَّل شياطين بالإنس يضلونهم، ووكل شياطين بالجن يضلونهم فإذا التقى شيطان الإنس مَعَ شيطان الجن قَالَ أَحَدهمَا لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فاضلل أَنْت صاحبك بكذا وكذا فذلك قوله: «يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ» يقول يزين بعضهم زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً يَقُولُ ذَلِكَ التزيين بالقول بَاطِل يغرون به الإنس والجن، ثُمّ قَالَ «١» : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ يَقُولُ لو شاء اللَّه لمنعهم عن ذَلِكَ. ثم قال للنبي- ﷺ فَذَرْهُمْ يعني خل عَنْهُمْ يعني كفار مكة وَما يَفْتَرُونَ- ١١٢- من الكذب وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني ولتميل إلى ذَلِكَ الزخرف والغرور قلوب الَّذِين لا يؤمنون بالآخرة- يعني الَّذِين لا يصدقون بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال وَلِيَرْضَوْهُ يعنى وليحبوه وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ- ١١٣- يعني ليعملوا من المعاصي ما هُمْ عاملون أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً فَلَيْس أحد أحسن قضاء من اللَّه فِي نزول العذاب ببدر وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا يعني القرآن حلاله وحرامه وكل شيء مفصلا يعنى مبينا فيه أمره ونهيه «وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» «٢» - ١١٤-.
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ بأنه ناصر محمد- ﷺ ببدر ومعذب قومه ببدر فحكمه عدل فِي ذَلِكَ، فذلك قوله: صِدْقاً فيما وعد وَعَدْلًا فيما حكم لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يعني لا تبديل لقوله فِي نصر محمد- ﷺ وأن قوله حق وَهُوَ السَّمِيعُ بما سألوا من العذاب الْعَلِيمُ- ١١٥- به حين سألوا: «فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ» «٣» يعني جانبا من السماء وَإِنْ تُطِعْ يا محمد
стр. 427
أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يعني أهل مكة حين دعوه إلى مِلَّة آبائه يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني يستنزلوك عن دين الْإِسْلام إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ يعني وما هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ- ١١٦- الكذب إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني عن دينه الْإِسْلام وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ- ١١٧- فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ- ١١٨- يعنى بالقرآن مصدقين وذلك [١٢٣ ب] أن كفار مكة حين سمعوا أن اللَّه حرم الميتة قَالُوا للمسلمين: أتزعمون أنكم تتبعون مرضاة ربكم؟ ألا تحدثونا عما قتلتم أنتم بأيديكم أهو أفضل؟ أَوْ ما قَتَل اللَّه؟ فَقَالَ المسلمون: بل اللَّه أفضل صنعا فقالوا لهم: فَمَا لَكُمْ تأكلون مما ذبحتم بأيديكم، وما ذبح اللَّه فلا تأكلونه وَهُوَ عندكم ميتة فأنزل اللَّه وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ يعني وَقَدْ بين لَكُمْ ما حرم عليكم: يعني الميتة والدم ولحم الخنزير، ثُمّ استثنى فقال: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ مما نهيتم عن أكله وَإِنَّ كَثِيراً من الناس يعني سادة قريش لَيُضِلُّونَ أَهْل مكة بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمونه فى أمر الذبائح إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ- ١١٩- وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ يعني واتركوا ظاهر الإثم وَباطِنَهُ يعني الزنا فِي السر والعلانية. وذلك أن قريشا كانوا ينكرون الزنا فِي العلانية وَلا يرون به بأسا سرا إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ يعني الشرك سَيُجْزَوْنَ فِي الآخرة بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ- ١٢٠- يعني يكسبون وأنزل اللَّه فِي قولهم، ما قَتَل اللَّه فلا تأكلوه وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ يعني إن أكل الميتة لمعصية وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ من المشركين لِيُجادِلُوكُمْ فِي أمر الذبائح «١» وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ باستحلالكم الميتة إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ- ١٢١-
стр. 428
مثلهم وفيهم نزلت لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ «١» يعني أمر الذبائح أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ يعني أَوْ من كان ضالا فهديناه.
نزلت فِي النَّبِيّ- ﷺ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يعني إيمانا يَمْشِي بِهِ يعني يهتدي به فِي النَّاسِ أهو كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ يعني كشبه من هُوَ فِي الشرك يعني أبا جهل لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها يعني من الشرك يعني لَيْسَ بمهتد هُوَ فيها: متحير لا يجد منفذا، ليسا بسواء كَذلِكَ يعني هكذا زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ يعني للمشركين ما كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٢٢- يعني أبا جهل وذلك أَنَّهُ قَالَ زحمتنا بنو عَبْد مَنَاف فِي الشرف حَتَّى «إذا» «٢» صرنا كفرسي رهان، قَالُوا مِنَّا نَبِيّ «٣» يوحى إِلَيْهِ فَمنْ يدرك هَذَا واللَّه لا نؤمن به وَلا نتبعه أبدا أو يأتينا وحي كَمَا يأتيه فأنزل اللَّه- وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ... إلى آخر الآية «٤» .
وَكَذلِكَ يعني وهكذا جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ خلت يعني عصت أَكابِرَ مُجْرِمِيها يعني جبابرتها وكبراءها جعلنا بمكة المستهزئين من قريش لِيَمْكُرُوا فِيها يعني فِي القرية بالمعاصي حين أجلسوا فِي كُلّ طريق أربعة منهم، يَقُولُ اللَّه وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وما معصيتهم إِلَّا عَلَى أنفسهم وَما يَشْعُرُونَ- ١٢٣- وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ يعنى انشقاق القمر والدخان [١٢٤ أ] قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ يعنى النبي- ﷺ
стр. 429
وحده، يَقُولُ اللَّه اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ اللَّه أَعْلَم حيث يختص بنبوته من يشاء سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ يعني مذلة وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ- ١٢٤- يعني يقولون لقولهم لو كان هَذَا القرآن حقا «لنزل عَلَى الْوَلِيد بن المُغِيرَة أَوْ عَلَى أَبِي مَسْعُود الثَّقَفيّ، وذلك قولهم» «١» : لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «٢» فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ لدينه يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ نزلت في النبي- ﷺ يعني يوسع قلبه وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ عن دينه يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً بالتوحيد يعني أبا جهل حَتَّى لا يجد التوحيد من الضيق مجازا، ثُمّ قَالَ: حَرَجاً شاكا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ يَقُولُ هُوَ بمنزلة المتكلف الصعود إلى السماء لا يقدر عَلَيْه كَذلِكَ يعني هكذا يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ يقول الشر عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ- ١٢٥- بالتوحيد وَهذا التوحيد صِراطُ رَبِّكَ يعني دين ربك مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ يعني قَدْ بينا الآيات فِي أمر القلوب فِي الهدى والضلالة يعني الَّذِي يشرح صدره للإسلام وَالَّذِي جعله ضيقا حرجا لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ- ١٢٦- بتوحيد اللَّه.
ثُمّ ذكر ما أعد للموحدين فقال: لَهُمْ دارُ السَّلامِ يعني جنة اللَّه عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي الآخرة وَهُوَ وَلِيُّهُمْ يَقُولُ اللَّه وليهم فِي الآخرة بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٢٧- لَهُ في الدُّنْيَا يعني يوحدون ربهم وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يعني كفار الإنس والشياطين والجن يَقُولُ ويوم نجمعهم جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ ثُمّ يَقُولُ للشياطين قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ يعني من ضلال الإنس فيما أضللتم منهم وذلك أن كفار الإنس كانوا تولوا الجن وأعاذوا بهم وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ يعنى
стр. 430
أولياء الجن من كفار الإنس رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ كاستمتاع الإنس بالجن، وذلك أن الرَّجُل كان إذا سافر فأدركه الليل بأرض القفر خاف فيقول أعوذ بسيد هَذَا الوادي من سفهاء قومه فيبيت فِي جواره آمنا، وكان استمتاع الجن بالإنس: أن يقولوا لقَدْ سودتنا الإنس حين فزعوا إلينا فيزدادوا بِذَلِك شرفا وَقالت بَلَغْنا أَجَلَنَا الموت الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا فِي الدُّنْيَا فرد اللَّه عليهم: قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ ومثوى الكافرين خالِدِينَ فِيها أبدا إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ واستثنى أَهْل التوحيد أنهم لا يخلدون فيها إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ يعني حكم النار لمن عصاه عَلِيمٌ- ١٢٨- يَقُولُ عالم بمن لا يعصيه قوله: وَكَذلِكَ يعنى وهكذا نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً فولى اللَّه ظلمة الإنس ظلمة الجن، وولى ظلمة الجن ظلمة الإنس بأعمالهم الخبيثة، فذلك قوله: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ- ١٢٩- يعني يعملون من الشرك، ثُمّ قَالَ لهم عند ذلك: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[١٢٤ ب] يعني كفار الجن وكفار الإنس، وَلا يعني به الشياطين لأن الشياطين هُمْ أغروا كفار الجن وكفار الإنس وبعث اللَّه رسولا من الجن إلى الجن، ومن الإنس الإنس يقصون، فذلك قوله: لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
يعني من أنفسكم الجن إلى الجن والإنس إلى الإنس قُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي
يعنى آيات القرآن يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
يعنى يوم القيامةالُوا
يعنى قالت الإنس والجن: هِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
بِذَلِك أنا كفرنا بما قَالَت الرسل فِي الدُّنْيَا، قَالَ اللَّه للنبي- ﷺ : غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
عن دينهم الْإِسْلام، وَيَقُولُ اللَّه للنبي- ﷺ : شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
فى الآخرةنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ
- ١٣٠- فِي الدُّنْيَا، وذلك حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك والكفر فِي الدُّنْيَا، ثُمّ قَالَ الخازن- فى التقديم-: «النَّارُ مَثْواكُمْ» يعني مأواكم «خالِدِينَ
стр. 431
فِيها»
لا يموتون ثُمّ استثنى فَقَالَ «إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» حكم عليهم حقا بِذَلِك الهلاك كفعله بالأمم الخالية- فى سورة أخرى «١» .
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى يعني معذب أَهْل القرى بِظُلْمٍ بغير ذنب فِي الدُّنْيَا وَأَهْلُها غافِلُونَ- ١٣١- عن العذاب حَتَّى يبعث فِي أمها رسولا ينذرهم بالعذاب حجة عليهم وَلِكُلٍّ يعني كفار الجن والإنس دَرَجاتٌ يعني فضائل «٢» من العذاب فِي الآخرة مِمَّا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ- ١٣٢- هَذَا وعيد نظيرها فِي الأحقاف «٣» ، وقوله: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ عن عبادة خلقه ذُو الرَّحْمَةِ يعني النعمة فلا تعجل عليهم بالعذاب يعني كفار مكة إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ بهلاك وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ خلقا من غيركم بعد هلاككم ما يَشاءُ إن شاء مثلكم وإن شاء أمثل وأطوع للَّه منكم كَما أَنْشَأَكُمْ يعني كَمَا خلقكم مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ- ١٣٣- يعني ذرِّيَّة أَهْل سفينة نوح إِنَّ مَا تُوعَدُونَ من العذاب فِي الدُّنْيَا لَآتٍ يعني لكائن وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ- ١٣٤- يعني بسابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها، قوله: قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ يعني جديلتكم يعني كفار مكة إِنِّي عامِلٌ عَلَى جديلتي التي أمرني بها ربي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ يعنى الجنة
стр. 432
أنحن أم انتم، ثُمّ قَالَ للنبي- ﷺ : إِنَّهُ لا يُفْلِحُ يعني لا يسعد الظَّالِمُونَ- ١٣٥- فِي الآخرة يعني المشركين نظيرها فِي القصص «١» وَجَعَلُوا لِلَّهِ يعني وصفوا للَّه مِمَّا ذَرَأَ يعني مما خلق مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا يعني النصيب لآلهتهم، مثل ذَلِكَ فَمَا أخرج اللَّه من بطون الأنعام وظهورها من الحرث، قَالُوا: هَذَا للَّه فيتصدقون به عَلَى المساكين وما أخرج الله من نصيب الآلهة [١٢٥ أ] أنفقوه عَلَيْها فَإِن زكا نصيب الآلهة وَلَم يَزك نصيب اللَّه تركوه للآلهة، وقالوا: لو شاء اللَّه لأزكى نصيبه، وإن زكا نصيب اللَّه وَلَم يَزْك نصيب الآلهة: خدجت أنعامهم وأجدبت أرضهم، وقالوا: لَيْسَ لآلهتنا بد من نفقة فأخذوا نصيب اللَّه فقسموه بين المساكين والآلهة نصفين، فذلك قوله: فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ يعني لآلهتهم مما خرج من الحرث والأنعام فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ يعني إلى المساكين وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ يعني آلهتهم يَقُولُ اللَّه: ساءَ يعني بئس ما يَحْكُمُونَ- ١٣٦- يَقُولُ لو كان معي شريك كَمَا يقولون ما عدلوا فِي القسمة أن يأخذوا مني وَلا يعطوني، ثُمّ انقطع الكلام فَقَالَ: وَكَذلِكَ يعني وهكذا زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ «شُرَكاؤُهُمْ» «٢» كَمَا زينوا لهم تحريم الحرث والأنعام يعني دَفْن البنات وهن أحياء لِيُرْدُوهُمْ يعني ليهلكوهم وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ يعني وليخلطوا عليهم دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ يَقُولُ لو شاء اللَّه لمنعهم من ذَلِكَ فَذَرْهُمْ يعني فخل عَنْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ- ١٣٧- من الكذب لقولهم
стр. 433
فى الأعراف «وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها» «١» وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ يعني حرام لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ يعني الرجال دون النّساء وكانت «٢» مشيئتهم أنهم جعلوا للحوم والألبان للرجال دون النّساء وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها يعني الحام وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا يعني البحيرة إن نتجوها أَوْ نحروها لَمْ يذكروا اسم اللَّه عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ عَلَى اللَّه يعني كذبا عَلَى اللَّه سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ- ١٣٨- حين زعموا أن اللَّه أمرهم بتحريمه:
حين قالوا فى الأعراف وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها «٣» ، ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا يعني من الولد والألبان وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا يعني البحيرة والسائبة والوصيلة فكانوا إذا أنتجوه «٤» حيا ذبحوه فأكله الرجال دون النّساء وكذلك الألبان وإن وضعته ميتا اشترك فِي أكله الرجال والنساء، فذلك قوله: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ اللَّه العذاب فِي الآخرة [وَصْفَهُمْ ذَلِكَ بالتحليل والتحريم أَيّ جزاءه «٥» ] إِنَّهُ حَكِيمٌ حكم عليهم العذاب عَلِيمٌ- ١٣٩- به ثم عليهم بقتل أولادهم وتحريم الحرث والأنعام فقال: قَدْ خَسِرَ فى الآخرة الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ يعني دَفْن البنات أحياء «٦» سَفَهاً يعني جهلا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ
стр. 434
من الحرث والأنعام افْتِراءً عَلَى اللَّهِ الكذب حين زعموا أن اللَّه أمرهم بِهَذَا يعني بتحريمه، يَقُولُ اللَّه: قَدْ ضَلُّوا عن الهدى وَما كانُوا مُهْتَدِينَ- ١٤٠- وكانت رَبِيعَة ومضر يدفنون البنات وهن أحياء غَيْر بني كنانة كانوا لا يفعلون ذَلِكَ، قوله [١٢٥ ب] : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ يعني الكروم وما يعرش وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ يعني قائمة عَلَى أصولها وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ يعني طعمه منه الجيد ومنه الدون، ثُمّ قال: وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً ورقها فِي النظير يشبه ورق الزيتون ورق الرمان وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ ثمرها وطعمها وهما متشابهان فِي اللون مختلفان فِي الطعم، يَقُولُ اللَّه: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ حين يَكُون غضا، ثُمّ قَالَ:
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ- ١٤١- يَقُولُ وَلا تشركوا الآلهة فِي تحريم الحرث والأنعام وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً يعني الإبل والبقر وَفَرْشاً والفرش الغنم الصغار مما لا يحمل عَلَيْهَا «١» كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الأنعام والحرث حلالا طيبا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ يعني تزيين الشَّيْطَان فتحرمونه إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ- ١٤٢- كلم النبي- ﷺ في ذلك عوف بن مالك الجشمي يكن أبا الأحْوَص «٢» . ثُمّ قَالَ أنزل ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ قبل خلق آدم- ﵇ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ يعنى ذكرا وأنثى وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ذكرا وأنثى.
стр. 435
[قُلْ يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى ونسب ذَلِكَ إلى اللَّه: آلذَّكَرَيْنِ من الضأن والمعز حَرَّمَ اللَّه عليكم؟ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ منهما؟
أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ؟ ذكرا كان أَوْ أنثى نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ عن كيفية تحريم ذلك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ١٤٣- فِيهِ.
المعنى من أَيْنَ جاء التحريم فَإِن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور حرام، أَو الأنوثة فجميع الإناث أَوْ اشتمال الرحم فالزوجان فمن أين التخصيص والاستفهام للاستنكار «١» ] .
وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ ذكر وأنثى وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ذكر وأنثى قُلْ يا محمد «آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ» «٢» يعني من أَيْنَ تحريم الأنعام من قبل الذكرين أم قبل الأنثيين أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ يَقُولُ عَلَى ما اشتمل، ما يشتمل الرحم إِلَّا ذكرا أَوْ أنثى فأين هَذَا الَّذِي جاء التحريم من قبله، وما اشتمل الرحم إِلَّا عَلَى مثلها.
يَقُولُ ما تلد الغنم إِلَّا الغنم وما تلد الناقة إِلَّا مثلها يعني أن الغنم لا تلد البقر وَلا البقر تلد الغنم فَإِن قَالُوا حرم الأنثيين خصوا وَلَم يجز لهم أن يأكلوا الإناث من الأنعام وإن قَالُوا الذكرين لَمْ يجز لهم أن يأكلوا ذكور الأنعام فسكتوا. يَقُولُ الله لنبيه- ﷺ قل لهم نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٣» بأن اللَّه حرم هَذَا، ثُمّ قَالَ: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا التحريم فسكتوا فلم يجيبوه إِلَّا أنهم قَالُوا: حرمها آباؤنا فَقَالَ لهم النَّبِيّ- ﷺ : فَمنْ أَيْنَ حرمه آباؤكم؟ قَالُوا: اللَّه أمرهم بتحريمه فأنزل اللَّه: فَمَنْ أَظْلَمُ يقول فلا
стр. 436
أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- ١٤٤- قَالُوا: يا محمد فَمنْ أين حرمه آباؤنا فأوحى اللَّه إلى نبيه- ﷺ قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ يعني عَلَى آكل يأكله إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً يعني يسيل أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ يعني إثما أَوْ فِسْقاً يعني معصية أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ يعني ذبح لغير اللَّه فَمَنِ اضْطُرَّ إلى شيء مما حرمت عَلَيْه غَيْرَ باغٍ ليستحله فِي دينه وَلا عادٍ يعني وَلا معتديا لَمْ يضطر إِلَيْهِ فأكله فَإِنَّ رَبَّكَ «١» غَفُورٌ [١٢٦ أ] لأكله الحرام رَحِيمٌ- ١٤٥- به إذا رخص لَهُ فِي الحرام فِي الاضطرار ثُمّ بين ما حرم على اليهود فَقَالَ: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ يعنى الإبل والنعامة والوزر والبط وكل شيء لَهُ خف وظفر من الدواب والطير فهو عليهم حرام وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما وحرم عليهم الشحوم من البقر والغنم، ثُمّ استثنى ما أحل لهم من الشحوم فَقَالَ: إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما يعني ظهور البقر والغنم والأكتاف والإلية أَوِ الْحَوايا يعنى المعى «٢» أَوْ مَا اخْتَلَطَ من الشحم بِعَظْمٍ فكل هَذَا حلال لهم، وحرم عليهم شحوم الكليتين والثروب «٣» ذلِكَ التحريم جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يعني عقوبة بقتلهم الْأَنْبِيَاء وبصدهم عن سبيل اللَّه وبأكلهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل فهذا البغي وَإِنَّا لَصادِقُونَ- ١٤٦- بِذَلِك وهذا ما أوحى اللَّه إلى نبيه- ﷺ
стр. 437
أَنَّهُ محرم، منه عَلَى الْمُسْلِمِين ومنه عَلَى اليهود فَقَالَ كفار العرب للنبي- ﷺ : فإنك لَمْ تصب. يَقُولُ اللَّه: فَإِنْ كَذَّبُوكَ بما تَقُولُ من التحريم فَقُلْ لكفار مكة رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ملأت رحمته كُلّ شيء لا يعجل عليكم بالعقوبة وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ يَقُولُ عذابه إذا جاء الوقت عَلَى من كذب بما يقول عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ- ١٤٧- يعنى كفار العرب سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا مَعَ اللَّه آلهة يعني مشركي العرب لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا أشرك آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ يعني الحرث والأنعام وَلَكِن اللَّه أمر بتحريمه كَذلِكَ يعني هكذا كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية رسلهم كَمَا كذب كفار مكة بمحمد- ﷺ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا يعني عذابنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا يعني بيانا من اللَّه بتحريمه فتبينوه لنا، يَقُولُ اللَّه: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ- ١٤٨- الكذب قُلْ لهم: يا محمد فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ- ١٤٩- لدينه قُلْ هَلُمَّ «١» شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا الحرث والأنعام فَإِنْ شَهِدُوا أن اللَّه حرمه فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ يأمر نبيه- ﷺ أن لا يصدق قولهم وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن الَّذِي فِيهِ تحليل ما حرموا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال وَالذين هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ- ١٥٠- يعني يشركون قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ يَقُولُ تعالوا حَتَّى أقرأ ما حرم عليكم أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً من خلقه وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يعني برا بهما وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ
стр. 438
يعني دفن البنات وهن أحياء مِنْ إِمْلاقٍ يعني خشية الفقر نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ يعنى الزنا ما ظَهَرَ مِنْها يعني السفاح علانية وَما بَطَنَ يعني الزنا «١» فى السر [١٢٦ ب] تتخذ الخليل فيأتيها فِي السر وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ يعني بالقصاص والثيب الزاني بالرجم والمرتد عن الْإِسْلام فهذا الحق ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَعْقِلُونَ- ١٥١- أَنَّهُ لَمْ يحرم إِلَّا ما ذكر فِي هَذِهِ الآيات الثلاث وَلَم يحرم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
إِلَّا ليثمر لليتيم ماله بالأرباح حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
يعنى ثماني عشرة سنة وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ
يعني بالعدل لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
يَقُولُ لا نكلفها من العمل إِلَّا طاقتها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى
يعني أولي قربى إذا تكلمتم فقولوا الحق، وإن كان ذو قرابتك فقل فِيهِ الحق وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا
فيما بينكم وبَيْنَ الناس ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ
يعني لكي تَذَكَّرُونَ
- ١٥٢- فِي أمره ونهيه وَأَنَّ هَذَا الَّذِي ذكر فِي هَذِهِ الآيات من أمر اللَّه ونهيه صِراطِي مُسْتَقِيماً يعني دينا مستقيما فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ يعني طرق الضلالة فيما حرموا فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ يعني فيضلكم عن دينه ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَتَّقُونَ- ١٥٣- فهذه الآيات المحكمات لَمْ ينسخهن شيء من جميع الكتب وهن محكمات عَلَى بني آدم كلهم ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعنى أعطيته التوراة تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ يَقُولُ تمت الكرامة عَلَى من أحسن منهم فِي الدُّنْيَا والآخرة فتمم اللَّه لبني إِسْرَائِيل ما وعدهم من قوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ... إلى آيتين «٢» .
стр. 439
ثم قال: وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَالتوراة هُدىً «١» من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ- ١٥٤- يعني بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال وَهذا القرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فهو بركة لمن آمن به فَاتَّبِعُوهُ فاقتدوا به وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ يعني لكي تُرْحَمُونَ- ١٥٥- فلا تعذبوا أَنْ تَقُولُوا يعنى لئلا تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا يعني اليهود والنصارى وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ- ١٥٦- وذلك أن كفار مكة قَالُوا قاتل اللَّه اليهود والنصارى كيف كذبوا أنبياءهم فواللَّهِ لو جاءنا نذير وكتاب لكنا أهدى منهم فنزلت هَذِهِ الآية فيهم أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ يعني اليهود والنصارى يَقُولُ اللَّه لكفار مكة، فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
يعنى بيان من ربكم القرآن أَوْ هو أَهْدى من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب لقوم يؤمنون فكذبوا به، فنزلت فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ يعني بالقرآن وَصَدَفَ عَنْها يعني وأعرض عن آيات القرآن فلم يؤمن بها، ثُمّ أوعدهم اللَّه فَقَالَ: سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا يعني يعرضون عن إيمان بالقرآن سُوءَ الْعَذابِ يعنى شدة العذاب بِما كانُوا يَصْدِفُونَ [١٢٧ أ]- ١٥٧- يعني بما كانوا يعرضون عن إيمان بالقرآن ثُمّ وعدهم فَقَالَ هَلْ يَنْظُرُونَ يعني ما ينتظر كفار مكة بالإيمان إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني ملك الموت وحده بالموت أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ يوم الْقِيَامَة فِي ظلل من الغمام أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعني طلوع الشمس من مغربها، ثم قال يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعني طلوع الشمس من المغرب لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها يعني نفسا كافرة حين لَمْ تؤمن قبل أن تجيء هذه الآية
стр. 440
لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ يَقُولُ لَمْ تكن صدقت من قبل طلوع الشمس من مغربها أَوْ لَمْ تكن كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً يَقُولُ لَمْ تكن هَذِهِ النَّفْس عملت قبل طلوع الشمس من مغربها وَلَم يقبل منها «١» بعد طلوعها. ومن كان يقبل منه عمله قبل طلوع الشمس من مغربها فَإنَّهُ يتقبل منه بعد طلوعها، ثُمّ أوعدهم، العذاب فَقَالَ الله لنبيه- ﷺ : قُلِ انْتَظِرُوا العذاب إِنَّا مُنْتَظِرُونَ- ١٥٨- بكم العذاب إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ الْإِسْلام الَّذِي أمروا به ودخلوا فِي غيره يعني اليهود والنصارى قبل أن يبعث محمد- ﷺ وَكانُوا شِيَعاً يعني أحزابا يهود ونصارى وصابئين وَغَيْرُهُمْ لَسْتَ مِنْهُمْ يا محمد فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ- ١٥٩- فنسختها آية براءة «قاتِلُوا الَّذِينَ ... » إلى قوله: «صاغِرُونَ» «٢» .
مَنْ جاءَ فِي الآخرة بِالْحَسَنَةِ بالتوحيد والعمل الصالح فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها فِي الأضعاف وَمَنْ جاءَ فِي الآخرة بِالسَّيِّئَةِ يعنى الشرك فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها فِي العظم فجزاء الشرك أعظم الذنوب والنار أعظم العقوبة
стр. 441
وذلك قوله: جَزاءً وِفاقاً «١» وافق الجزاء العمل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- ١٦٠- كلا «٢» الفريقين جميعًا. قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني الْإِسْلام دِيناً قِيَماً مستقيما لا عوج فيه مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً يعني مخلصا وَما كانَ إِبْرَاهِيم مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ١٦١- من اليهود والنصارى قُلْ: يا محمد إِنَّ صَلاتِي الخمس وَنُسُكِي يعني وذبحي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٦٢- لا شَرِيكَ لَهُ يَقُولُ لَيْسَ معه شريك وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ- ١٦٣- يعني المخلصين من أَهْل مكة، قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي- ﷺ «ارجع» «٣» عن هَذَا الأمر فنحن لك كفلاء بما أصابك من تبعة، فأنزل اللَّه «قُلْ» لهم «أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا» يعني أتخذ ربا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ فِي السموات والأرض وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها يعني إِلَّا عَلَى نفسها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى لقولهم للنبي- ﷺ : نَحْنُ لك الكفلاء بما أصابك من تبعة ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ فِي الآخرة مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ فِي الدّين أنتم وكل قبيلة فِي الدّين تَخْتَلِفُونَ- ١٦٤- أنتم وكفار مكة نظيرها [١٢٧ ب] فِي الروم.
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ يعني من بعد هلاك الأمم الخالية وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتاكُمْ يعنى بالدرجات الفضائل
стр. 442
والرزق
لقولهم للنبي- ﷺ : ما يحملك عَلَى الَّذِي أتيتنا به إِلَّا الحاجة فنحن نجمع لك من أموالنا فنزلت وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ
يعني ليبتليكم فيما أعطاكم يَقُولُ يبتلي بعض الْمُؤْمِنِين الموسر بالغني، ويبتلي بعض الْمُؤْمِنِين المعسر بالفاقة إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لمن عصاه فِي فاقة أَوْ غنى يخوفهم كأَنَّه قَدْ جاء ذَلِكَ اليوم وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ- ١٦٥- بعد التوبة.
قوله من الضأن اثنين يعنى كبشا ونعجة ومن المعز اثنين يعنى تيسا وشاة ومن الإبل اثنين يعنى جملا وناقة ومن البقر اثنين يعنى ثورا وبقرة «١»
المص- ١- كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعنى القرآن فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ يعني النَّبِيّ- ﷺ حَرَجٌ مِنْهُ يَقُولُ فلا يَكُنْ فِي قلبك شك من القرآن بأنه من اللَّه لِتُنْذِرَ بِهِ «١» بما فِي القرآن من الوعيد وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ- ٢- يعني تذكرة للمصدقين بالقرآن بأنه مِنَ اللَّه- ثُمّ قَالَ لأهل مكة: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني أربابا، ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ- ٣- يعني بالقليل أنهم لا يعقلون فيعتبرون، ثُمّ وعظهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها بالعذاب فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً وهم نائمون يعني ليلا أَوْ جاءهم العذاب هُمْ قائِلُونَ- ٤- يعني بالنهار فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا يَقُولُ فَمَا كان قولهم عِنْد نزول العذاب بهم إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ- ٥- لقولهم فِي حم الْمُؤْمِن «آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ» «٢» . ثم قال: فَلَنَسْئَلَنَّ فى الآخرة الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يعني الأمم الخالية الَّذِين أهلكوا فِي الدُّنْيَا: ما «٣» أجابوا الرسل فى التوحيد؟ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ- ٦-ماذا أجيبوا فى التوحيد؟
стр. 448
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ أعمالهم بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ- ٧- عن أعمالهم يعني عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ «يَقُولُ وزن الأعمال يومئذ العدل فِي الآخرة «١» » فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ من الْمُؤْمِنِين وزن ذرة عَلَى سيئاته فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- ٨- وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ يعنى الكفار فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [١٢٨ أ] يعني غبنوا أنفسهم فصاروا إلى النار بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ- ٩- يعني بالقرآن يجحدون بأنه لَيْسَ من اللَّه وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ يقول ولقد أعطيناكم يا أهل مكة من الخير والتمكين فِي الأرض وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ من الرزق لتشكروه فتوحدوه «٢» فلم تفعلوا، فأخبر عنهم فقال: قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ- ١٠- يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هَذِهِ النعم فيوحدونه وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ يعني آدم- ﵇ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ يعني ذرِّيَّة آدم ذكرا وأنثى وأبيض وأسود سويا وغير سوى ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ الَّذِين هُمْ فِي الأرض ومنهم إبليس عدو الله اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا لَهُ، ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ- ١١- لآدم مَعَ الملائكة قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ- ١٢- والنار تغلب الطين قالَ فَاهْبِطْ مِنْها قَالَ: اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الدمامة. فاخرج من الجنة يا إبليس فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَمَا ينبغي لك أن تتعظم فيها يعني فِي الجنة فَاخْرُجْ منها إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ- ١٣- يعني من المذلين قالَ إبليس لربه أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
стр. 449
- ١٤- يعني النفخة الآخرة يوم يبعث آدم- ﵇ وذريته قالَ اللَّه: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ- ١٥- فلا تموت إلى يوم الوقت المعلوم يعني أجلا معلوما وهي النفخة الأولى قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي قَالَ أما إذ أضللتني لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ- ١٦- يعني لأصدنهم عن دينك المستقيم يعني الْإِسْلام ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من قبل الآخرة فأزين لهم التكذيب بالبعث وبالجنة وبالنار وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني من قبل الدُّنْيَا فأزينها فِي أعينهم وأرغبهم فيها وَلا يعطون فيها حقا وَعَنْ أَيْمانِهِمْ يعنى من قبل دينهم فَإِن كانوا عَلَى هدى شبهته عليهم حَتَّى يشكوا فيها «١» وإن كانوا عَلَى ضلالة زينتها لهم وَعَنْ شَمائِلِهِمْ يعني من قبل الشهوات واللذات من المعاصي وأشهاها إليهم وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ- ١٧- لنعمتك فلا يوحدونك قالَ لَهُ اخْرُجْ مِنْها يعنى من الجنة مَذْؤُماً منفيا مَدْحُوراً يعني مطرودا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ على دينك لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ- ١٨- يعني إبليس وذريته وكفار ذرِّيَّة آدم، منهم جميعًا.
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فِي التقديم فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ وهي السنبلة الحنطة، وقالوا هِيَ الشجرة التي تحتك «٢» بها الملائكة للخلود فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ- ١٩- لأنفسكم فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ يعني إبليس وحده لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما يعنى ما غطى عنهما مِنْ سَوْآتِهِما [١٢٨ ب] يعني ليظهر لهما عورتهما وَقالَ إبليس لهما: إنى
стр. 450
خلقت قبلكما وإنى أعلم منكما فأطيعاني ترشدا، وقَالَ لهما: مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ- ٢٠- يَقُولُ إن لَمْ تكونا ملكين كنتما من الخالدين لا تموتان وَقاسَمَهُما يعني حلف بِاللَّه لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ- ٢١- إنها شجرة الخلد من أكل منها لَمْ يمت فكان إبليس أول من يحلف بِاللَّه كاذبا فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ يعنى زين لهما الباطل لقوله تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين وحلف عَلَى قوله فغرهما بهذه اليمين فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما يعني ظهرت لهما عوراتهما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما يَقُولُ أخذا يغطيان عوراتهما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ يعني ورق التين الَّذِي فِي الجنة وَناداهُما رَبُّهُما يَقُولُ: وقَالَ لهما ربهما يوحي إليهما: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما يعني آدم وحواء إِنَّ الشَّيْطانَ يعني إبليس لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ- ٢٢- قَالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا ذنوبنا وَتَرْحَمْنا وتتجاوز عنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ- ٢٣- فِي العقوبة فتاب آدم- ﵇ يوم عاشوراء يوم الجمعة فتاب اللَّه عَلَيْه، وأوحى إليهما: قالَ اهْبِطُوا من الجنة آدم وحواء وإبليس والحية بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يَقُولُ إبليس لهما عدو وهما لإبليس عدو وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ- ٢٤- يعني إلى منتهى آجالكم وإبليس فِي النفخة الأولى قالَ فِيها تَحْيَوْنَ يعني فِي الأرض وَفِيها تَمُوتُونَ عِنْد منتهى آجالكم وَمِنْها تُخْرَجُونَ- ٢٥- يوم الْقِيَامَة.
يَا بَنِي آدَمَ نزلت فِي ثقيف، وبني عامر بن صَعْصَعَة، وخزاعة، وبني مدلج، وعامر والحارث ابني عَبْد مناة، قَالُوا: لا نطوف بالبيت الحرام فِي الثياب التي نقارف فيها الذنوب. وَلا يضربون عَلَى أنفسهم خباء من وبر وَلا صوف وَلا شعر وَلا أدم، فكانوا يطوفون بالبيت عراة، ونساءهم يطفن بالليل فأنزل اللَّه
стр. 451
يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يَقُولُ من أمري كان اللباس فِي الأرض يُوارِي سَوْآتِكُمْ يعني يغطي عوراتكم وَرِيشاً يعني المال وَلِباسُ التَّقْوى يعني من العمل الصالح ذلِكَ خَيْرٌ يَقُولُ العمل الصالح خير من الثياب والمال ثُمّ قَالَ: ذلِكَ الثياب والمال مِنْ آياتِ اللَّهِ ومن صنعه لَعَلَّهُمْ يعنى لكي يَذَّكَّرُونَ- ٢٦- فيعتبروا فِي صنعه فيوحدوه، ثُمّ قَالَ: يَا بَنِي آدَمَ يعنيهم لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ فِي دينكم أمر الثياب فيدعها عنكم فتبدي عوراتكم كَما «أَخْرَجَ «١» » أَبَوَيْكُمْ يعني كَمَا فعل بأبويكم آدم وحواء فأخرجهما مِنَ الْجَنَّةِ وبدت عورتهما، فذلك قوله: يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما يعنى ثيابهما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما يعني عوراتهما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يقول يراكم إبليس وجنوده [١٢٩ أ] من الشياطين من حيث لا ترونهم إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ- ٢٧- يعني لا يصدقون، ثُمّ قَالَ: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني معصية فيما حرموا من الحرث، والأنعام، والثياب، والألبان، فنهوا عن تحريم ذَلِكَ قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها يعني بتحريم ذَلِكَ، ثُمّ قَالَ: قُلْ يا محمد: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ يعني بالمعاصي فيحرم ذَلِكَ، وقل لهم: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ربكم إنَّه حرم عليكم مَا لا تَعْلَمُونَ- ٢٨- أنَّه حرمه وقُلْ لهم: أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ يعني بالعدل وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ يعني وأمر ربي أن تقيموا وجوهكم يعني إلى القبلة عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فِي بيعة أَوْ كنيسة، أَوْ غيرها فصلوا قبل الكعبة وأمرهم بالصلاة والتوحيد فذلك قوله: وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ يعنى
стр. 452
موحدين لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ- ٢٩- يعني كَمَا خلقكم سعداء وأشقياء كذلك تعودون فَرِيقاً هَدى لدينه وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ يعني أربابا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ- ٣٠- أنهم على الهدى، ثُمّ قَالَ يعنيهم: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فِي كنيسة، أَوْ بيعة، أَوْ غيرها وَكُلُوا من الحرث والأنعام وَاشْرَبُوا من الألبان وَلا تُسْرِفُوا يَقُولُ: وَلا تشركوا الآلهة فِي تحريم الحرث، والأنعام، والثياب، والألبان، مما «١» هُوَ حل لكم إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ- ٣١- يعني المشركين قُلْ لهم: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ يعنى الثياب الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ يعني الحلال مِنَ الرِّزْقِ يعني الحرث، والأنعام والألبان، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ يَقُولُ أشرك فِي الطيبات فِي الدُّنْيَا الْمُؤْمِن، والكافر، وهي خالصة للمؤمنين يوم الْقِيَامَة كَذلِكَ نُفَصِّلُ يَقُولُ هكذا نبين الْآياتِ يعني أمور ما ذكر فِي هَذِهِ الآية لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- ٣٢- بتوحيد اللَّه، ثُمّ أخبرهم بما حرم اللَّه فَقَالَ: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ يعنى الزنا ما ظَهَرَ مِنْها يعني العلانية وَما بَطَنَ فِي السر وكانوا يتكرمون «عن الزنا فِي «٢» » العلانية ويفعلوه فِي السر، وحرم شرب الخمر وَالْإِثْمَ والمعاصي وَالْبَغْيَ يعني ظلم الناس بِغَيْرِ الْحَقِّ إِلَّا أن يقتص منه بحق وَحرم أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً يعني كتابا فِيهِ حجتكم بأن معه شريكا وَحرم أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ بأنه حرم الحرث والأنعام والألبان والثياب مَا لا تَعْلَمُونَ
стр. 453
- ٣٣- أَنَّهُ حرمه ثُمّ خوفهم بالعذاب فَقَالَ: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ العذاب فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ- ٣٤- يَقُولُ لا يتأخرون وَلا يتقدمون حَتَّى يعذبوا وذلك حين سألوا النَّبِيّ- ﷺ عن العذاب، ثُمّ قَالَ: يَا بَنِي آدَمَ يعني مشركي العرب إِمَّا فَإِن يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ محمد- ﷺ وحده يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي [١٢٩ ب] يعني يتلون عليكم القرآن فَمَنِ اتَّقى الشرك وَأَصْلَحَ العمل وآمن بِاللَّه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- ٣٥- من الموت وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني بالقرآن أَنَّهُ لَيْسَ من اللَّه وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها وتكبروا عن الْإِيمَان «١» بآيات القرآن أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ٣٦- فَمَنْ أَظْلَمُ يعني فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن معه شريكا وأنه أمر بتحريم الحرث، والأنعام، والألبان، والثياب، أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعنى بآيات القرآن أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ يعنى حظهم مِنَ الْكِتابِ وذلك أن اللَّه قَالَ فِي الكتب كلها: إنَّه من افترى عَلَى اللَّه كذبا فَإنَّهُ يسود وجهه، فهذا ينالهم فِي الآخرة- نظيرها فِي الزمر- تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ «٢» وقال: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ يعني ملك الموت وحده، ثُمّ قَالَتْ لهم خزنة جَهَنَّم قبل دخول النار فِي الآخرة: قالُوا «٣» أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ يعنى تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة هل يمنعونكم «٤»
стр. 454
من النار قالُوا ضَلُّوا عَنَّا يعني ضلت الآلهة عنا يَقُولُ اللَّه: وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ- ٣٧- وذلك حين قالوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فشهدت عليهم الجوارح بما كتمت الألسن من الشرك والكفر- نظيرها فِي الأنعام «١» قالَ أَي قَالَت الخزنة «٢» : ادْخُلُوا النار فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ النار لَعَنَتْ أُخْتَها لعنت أَهْل ملتهم يلعن المشركون المشركين، ويلعن اليهود اليهود، ويلعن النَّصارى النَّصارى، ويلعن المجوس المجوس، ويلعن الصابئون الصابئين، ويلعن الأتباع القادة يقولون:
لعنكم اللَّه أنتم ألقيتمونا فِي هَذَا «٣» الملقى حين أطعناكم يقولون: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها يعني حَتَّى إذا اجتمعوا فِي النار جَمِيعاً القادة، والأتباع وَقَدْ دخلت القادة والأتباع قالَتْ أُخْراهُمْ دخولا النار وهم الأتباع لِأُولاهُمْ دخولا النار وهم القادة رَبَّنا هؤُلاءِ القادة أَضَلُّونا عن الهدى فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً يعني أعطهم عذابا مضاعفا مِنَ النَّارِ «٤» قالَ يَقُولُ اللَّه: لِكُلٍّ يعني الأتباع والقادة ضِعْفٌ يضاعف العذاب وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ- ٣٨- وَقالَتْ أُولاهُمْ دخولا النار وهم القادة لِأُخْراهُمْ دخولا النار وهم الأتباع فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فِي شيء فقد ضللتم كَمَا ضللنا فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ- ٣٩- يعنى تقولون من الشرك والتكذيب
стр. 455
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها يعني وتكبروا عن الإيمان بآيات القرآن لا تُفَتَّحُ لَهُمْ يعني لأرواحهم وَلا لأعمالهم أَبْوابُ السَّماءِ كَمَا تفتح أبواب السماء لأرواح الْمُؤْمِنِين ولأعمالهم إذا ماتوا، ثُمّ قَالَ: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ يقول [١٣٠ أ] حَتَّى يدخل البعير فِي خرق الإبرة وَكَذلِكَ يعني وهكذا نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ- ٤٠- لا يدخلون الجنة، ثُمّ ذكر ما أعد لهم فِي النار فقال: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ يعني فراش من نار وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ يعني لحفا يعني ظللا من النار، وذلك قوله فِي الزمر: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ «١» يقول وَكَذلِكَ يعني وهكذا نَجْزِي الظَّالِمِينَ- ٤١- جَهَنَّم «٢» «وما «٣» فيها من العذاب، ثُمّ ذكر الْمُؤْمِنِين فَقَالَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها يَقُولُ لا نكلفها من العمل إِلَّا ما تطيق أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ٤٢- لا يموتون. ثُمّ أخبر «٤» عَنْهُمْ فَقَالَ: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ يعني ما كان فِي الدُّنْيَا فِي قلوبهم من غش، يعني بعضهم لبعض وذلك أن أَهْل الجنة، إذا هُمْ بشجرة ينبع من ساقها عينان فيميلون إلى أَحَدهمَا فيشربون منها فيخرج اللَّه ما كان فِي أجوافهم من غل أو قذار
стр. 456
فيطهر اللَّه أجوافهم «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً» «١» ثُمّ يميلون إلى العين الأخرى فيغتسلون فيها فيطيب اللَّه أجسادهم من كُلّ درن وجرت عليهم النظرة فلا تشعث رءوسهم، وَلا تغبر وجوههم، وَلا تشحب أجسادهم، ثُمّ تتلقاهم خزنة الجنة قبل أن يدخلوا الجنة فينادونهم يعني قَالُوا لهم: «أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها» يَقُولُ: هاكم الجنة: أورثتموها «بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» فَلَمَّا استقروا فِي منازلهم:
«تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ «٢» » وَقالُوا «٣» الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أَي للإسلام ولهذا الخير وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لدينه ما كُنَّا لنهتدي فِي التقديم لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ بأن هَذَا اليوم حق فصدقناهم «وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» «٤» - ٤٣- وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا من الخير والثواب فِي الدُّنْيَا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فِي الدُّنْيَا من العذاب قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ وهو ملك ينادى أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ- ٤٤- يعني عذاب اللَّه عَلَى المشركين، ثُمّ نعت أعمالهم الخبيثة فقال: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني دين الإسلام وَيَبْغُونَها عِوَجاً ويريدون بملة الإسلام زيفا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ يعني بالبعث الذي فِيهِ جزاء الأعمال كافِرُونَ- ٤٥- ثُمّ قَالَ: وَبَيْنَهُما حِجابٌ يَقُولُ بين الجنة والنار سور وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ
стр. 457
يعنى على السور رجال يَعْرِفُونَ كُلًّا «من «١» » الفريقين بِسِيماهُمْ يعرفون أَهْل الجنة ببياض في الوجوه، وأهل النار بسواد الوجوه وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يسلم أصحاب الأعراف على أهل الجنة يَقُولُ اللَّه: لَمْ يَدْخُلُوها يعني أصحاب الأعراف لَمْ يدخلوا الجنة وَهُمْ يَطْمَعُونَ- ٤٦- فِي دخولها وإنما طمعوا فِي دخول الجنة من أجل النور الَّذِي بين أيديهم وعلى أقدامهم مثل السراج ثُمّ قَالَ: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ يعنى قلبت وجوههم تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ يَقُولُ وإذا نظر أصحاب الأعراف قبل أَهْل النار قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- ٤٧- يعني مَعَ المشركين فِي النار وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا هُمْ فِي النار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ يعني بسواد الوجوه من القادة والكبراء قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ فى الدنيا وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ «٢» - ٤٨- يعني وما أغنى عنكم ما كنتم تستكبرون عن الْإِيمَان، فأقسم أَهْل النار أن أَهْل الأعراف سيدخلون «٣» النار معهم قَالَت الملائكة الَّذِين حبسوا أصحاب الأعراف عَلَى الصراط أَهؤُلاءِ يعني أصحاب الأعراف الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ يا أهل النار أنهم لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، ثُمّ قَالَت الملائكة: يا أصحاب الأعراف ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ من العذاب وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ- ٤٩- من الموت. فَقَالَ مُقَاتِلٌ: إن أصحاب الأعراف من أمة محمد- صلى الله عليه
стр. 458
وَسَلَّمَ- خاصة، وهم الَّذِين استوت حسناتهم وسيئاتهم فحبسوا عَلَى الصراط من أجل ذنوبهم ثُمّ دخلوا الجنة بعد ذَلِكَ بشفاعة محمد- ﷺ .
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ يَقُولُ:
اسقونا من الماء نشرب أَوْ أطعمونا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الطعام نأكل فَإِن فينا معارفكم وفيكم معارفنا، فرد عليهم أَهْل الجنة قالُوا «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما» يعني الطعام والشراب «عَلَى الْكافِرِينَ» وذلك أن اللَّه- رفع أَهْل الجنة لأهل النار فرأوا ما فيهما من الخير والرزق فنادوا عِنْد ذَلِكَ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله من الشراب والطعام، قَالَ لهم أَهْل الجنة:
إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ- ٥٠- ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الْإِسْلام لَهْواً وَلَعِباً يعني لهوا عَنْهُ ولعبا يعني باطلا ودخلوا فِي غَيْر دين الْإِسْلام وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
عن دينهم الْإِسْلام فَالْيَوْمَ فِي الآخرة نَنْساهُمْ كَما نَسُوا يَقُولُ: فاليوم فِي الآخرة نتركهم فِي النار كما تركوا الإيمان لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا يعنى بالبعث وَما كانُوا بِآياتِنا يعني بالقرآن يَجْحَدُونَ- ٥١- بأنه لَيْسَ من اللَّه وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ يعني بيناه عَلى عِلْمٍ وَهُوَ القرآن هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ٥٢- يعني يصدقون. بالقرآن بأنه من اللَّه، ثُمّ رجع فِي التقديم إلى الَّذِين جحدوا بالقرآن فَقَالَ: هَلْ يَنْظُرُونَ يخوفهم إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يعني العاقبة: ما وعد اللَّه فِي القرآن من الوعد والوعيد، والخير والشر، عَلَى ألسنة الرسل يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ يعني يَقُولُ فِي الآخرة: الَّذِين تركوا الْإِيمَان فِي الدُّنْيَا بالبعث، فإذا ذكروه وعاينوا قول الرسل قَالُوا: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ بأن هَذَا اليوم كائن وَهُوَ حق فَهَلْ
стр. 459
لَنا مِنْ شُفَعاءَ
من الملائكة والنبيين وغيرها فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيَا فَنَعْمَلَ من الخير غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ من الشر يعني الشرك والتكذيب يَقُولُ اللَّه: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يَقُولُ قَدْ غبنوا أنفسهم فساروا إلى النار وَضَلَّ عَنْهُمْ في الآخرة مَا كانُوا يَفْتَرُونَ- ٥٣- فِي الدُّنْيَا من التكذيب إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قبل ذلك «١» » .
[١٣١ أ «٢» ] يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَقُولُ يغشى ظلمة الليل ضوء النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً يعني سريعا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ لبنى آدم أَلا لَهُ الْخَلْقُ يعني كُلّ شيء خلق وَالْأَمْرُ يعني قضاءه فِي الخلق الَّذِي فِي اللوح المحفوظ فَلَه المشيئة فِي الخلق والأمر تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ- ٥٤- فيخبر بعظمته وقدرته ثُمّ بين كيف يدعونه؟
فقال: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً يعني مستكينين وَخُفْيَةً يعني في خفض وسكون كقوله: «وَلا تُخافِتْ بِها» «٣» يعني تسر بها فادعوه فِي حاجتكم وَلا تدعوه فيما لا يحل لَكُمْ عَلَى مُؤْمِن أَوْ مؤمنة: تَقُولُ اللَّهُمَّ اخزه والعنه اللَّهُمَّ أهلكه أَوْ افعل به كذا وكذا فذلك عدوان إِنَّهُ الله «٤» لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ- ٥٥-
стр. 460
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وذلك أن اللَّه إذا بعث نبيا إلى الناس فأطاعوه صلحت الأرض وصلح أهلها وأن المعاصي فساد المعيشة وهلاك أهلها يَقُولُ لا تعملوا فِي الأرض بالمعاصي بعد الطاعة وَادْعُوهُ خَوْفاً من عذابه وَطَمَعاً فِي رحمته فَمنْ فعل ذَلِكَ وَهُوَ محسن فذلك قوله: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ- ٥٦- يعني بالرحمة المطر، يَقُولُ الرحمة لهم وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً «١» بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يَقُولُ الرياح نشرا للسحاب كقوله: يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً «٢» يسير السحاب قدام الرياح حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ يعني إذا حملت الريح سَحاباً ثِقالًا من الماء سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ نبات فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ بالماء من الأرض مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ يعني هكذا نُخْرِجُ يُخْرِج اللَّه الْمَوْتى من الأرض بالماء كَمَا أخرج النبات من الأرض بالماء لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَذَكَّرُونَ- ٥٧- فتعتبروا فِي البعث أَنَّهُ كائن- نظيرها فِي الروم «٣» والملائكة «٤» -.