فيطهر اللَّه أجوافهم «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً» «١» ثُمّ يميلون إلى العين الأخرى فيغتسلون فيها فيطيب اللَّه أجسادهم من كُلّ درن وجرت عليهم النظرة فلا تشعث رءوسهم، وَلا تغبر وجوههم، وَلا تشحب أجسادهم، ثُمّ تتلقاهم خزنة الجنة قبل أن يدخلوا الجنة فينادونهم يعني قَالُوا لهم: «أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها» يَقُولُ: هاكم الجنة: أورثتموها «بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» فَلَمَّا استقروا فِي منازلهم:
«تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ «٢» » وَقالُوا «٣» الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أَي للإسلام ولهذا الخير وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لدينه ما كُنَّا لنهتدي فِي التقديم لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ بأن هَذَا اليوم حق فصدقناهم «وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» «٤» - ٤٣- وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا من الخير والثواب فِي الدُّنْيَا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فِي الدُّنْيَا من العذاب قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ وهو ملك ينادى أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ- ٤٤- يعني عذاب اللَّه عَلَى المشركين، ثُمّ نعت أعمالهم الخبيثة فقال: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني دين الإسلام وَيَبْغُونَها عِوَجاً ويريدون بملة الإسلام زيفا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ يعني بالبعث الذي فِيهِ جزاء الأعمال كافِرُونَ- ٤٥- ثُمّ قَالَ: وَبَيْنَهُما حِجابٌ يَقُولُ بين الجنة والنار سور وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ
стр. 457
يعنى على السور رجال يَعْرِفُونَ كُلًّا «من «١» » الفريقين بِسِيماهُمْ يعرفون أَهْل الجنة ببياض في الوجوه، وأهل النار بسواد الوجوه وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يسلم أصحاب الأعراف على أهل الجنة يَقُولُ اللَّه: لَمْ يَدْخُلُوها يعني أصحاب الأعراف لَمْ يدخلوا الجنة وَهُمْ يَطْمَعُونَ- ٤٦- فِي دخولها وإنما طمعوا فِي دخول الجنة من أجل النور الَّذِي بين أيديهم وعلى أقدامهم مثل السراج ثُمّ قَالَ: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ يعنى قلبت وجوههم تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ يَقُولُ وإذا نظر أصحاب الأعراف قبل أَهْل النار قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- ٤٧- يعني مَعَ المشركين فِي النار وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا هُمْ فِي النار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ يعني بسواد الوجوه من القادة والكبراء قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ فى الدنيا وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ «٢» - ٤٨- يعني وما أغنى عنكم ما كنتم تستكبرون عن الْإِيمَان، فأقسم أَهْل النار أن أَهْل الأعراف سيدخلون «٣» النار معهم قَالَت الملائكة الَّذِين حبسوا أصحاب الأعراف عَلَى الصراط أَهؤُلاءِ يعني أصحاب الأعراف الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ يا أهل النار أنهم لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، ثُمّ قَالَت الملائكة: يا أصحاب الأعراف ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ من العذاب وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ- ٤٩- من الموت. فَقَالَ مُقَاتِلٌ: إن أصحاب الأعراف من أمة محمد- صلى الله عليه
стр. 458
وَسَلَّمَ- خاصة، وهم الَّذِين استوت حسناتهم وسيئاتهم فحبسوا عَلَى الصراط من أجل ذنوبهم ثُمّ دخلوا الجنة بعد ذَلِكَ بشفاعة محمد- ﷺ .
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ يَقُولُ:
اسقونا من الماء نشرب أَوْ أطعمونا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الطعام نأكل فَإِن فينا معارفكم وفيكم معارفنا، فرد عليهم أَهْل الجنة قالُوا «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما» يعني الطعام والشراب «عَلَى الْكافِرِينَ» وذلك أن اللَّه- رفع أَهْل الجنة لأهل النار فرأوا ما فيهما من الخير والرزق فنادوا عِنْد ذَلِكَ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله من الشراب والطعام، قَالَ لهم أَهْل الجنة:
إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ- ٥٠- ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الْإِسْلام لَهْواً وَلَعِباً يعني لهوا عَنْهُ ولعبا يعني باطلا ودخلوا فِي غَيْر دين الْإِسْلام وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
عن دينهم الْإِسْلام فَالْيَوْمَ فِي الآخرة نَنْساهُمْ كَما نَسُوا يَقُولُ: فاليوم فِي الآخرة نتركهم فِي النار كما تركوا الإيمان لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا يعنى بالبعث وَما كانُوا بِآياتِنا يعني بالقرآن يَجْحَدُونَ- ٥١- بأنه لَيْسَ من اللَّه وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ يعني بيناه عَلى عِلْمٍ وَهُوَ القرآن هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ٥٢- يعني يصدقون. بالقرآن بأنه من اللَّه، ثُمّ رجع فِي التقديم إلى الَّذِين جحدوا بالقرآن فَقَالَ: هَلْ يَنْظُرُونَ يخوفهم إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يعني العاقبة: ما وعد اللَّه فِي القرآن من الوعد والوعيد، والخير والشر، عَلَى ألسنة الرسل يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ يعني يَقُولُ فِي الآخرة: الَّذِين تركوا الْإِيمَان فِي الدُّنْيَا بالبعث، فإذا ذكروه وعاينوا قول الرسل قَالُوا: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ بأن هَذَا اليوم كائن وَهُوَ حق فَهَلْ
стр. 459
لَنا مِنْ شُفَعاءَ
من الملائكة والنبيين وغيرها فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيَا فَنَعْمَلَ من الخير غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ من الشر يعني الشرك والتكذيب يَقُولُ اللَّه: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يَقُولُ قَدْ غبنوا أنفسهم فساروا إلى النار وَضَلَّ عَنْهُمْ في الآخرة مَا كانُوا يَفْتَرُونَ- ٥٣- فِي الدُّنْيَا من التكذيب إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قبل ذلك «١» » .
[١٣١ أ «٢» ] يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَقُولُ يغشى ظلمة الليل ضوء النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً يعني سريعا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ لبنى آدم أَلا لَهُ الْخَلْقُ يعني كُلّ شيء خلق وَالْأَمْرُ يعني قضاءه فِي الخلق الَّذِي فِي اللوح المحفوظ فَلَه المشيئة فِي الخلق والأمر تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ- ٥٤- فيخبر بعظمته وقدرته ثُمّ بين كيف يدعونه؟
فقال: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً يعني مستكينين وَخُفْيَةً يعني في خفض وسكون كقوله: «وَلا تُخافِتْ بِها» «٣» يعني تسر بها فادعوه فِي حاجتكم وَلا تدعوه فيما لا يحل لَكُمْ عَلَى مُؤْمِن أَوْ مؤمنة: تَقُولُ اللَّهُمَّ اخزه والعنه اللَّهُمَّ أهلكه أَوْ افعل به كذا وكذا فذلك عدوان إِنَّهُ الله «٤» لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ- ٥٥-
стр. 460
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وذلك أن اللَّه إذا بعث نبيا إلى الناس فأطاعوه صلحت الأرض وصلح أهلها وأن المعاصي فساد المعيشة وهلاك أهلها يَقُولُ لا تعملوا فِي الأرض بالمعاصي بعد الطاعة وَادْعُوهُ خَوْفاً من عذابه وَطَمَعاً فِي رحمته فَمنْ فعل ذَلِكَ وَهُوَ محسن فذلك قوله: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ- ٥٦- يعني بالرحمة المطر، يَقُولُ الرحمة لهم وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً «١» بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يَقُولُ الرياح نشرا للسحاب كقوله: يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً «٢» يسير السحاب قدام الرياح حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ يعني إذا حملت الريح سَحاباً ثِقالًا من الماء سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ نبات فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ بالماء من الأرض مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ يعني هكذا نُخْرِجُ يُخْرِج اللَّه الْمَوْتى من الأرض بالماء كَمَا أخرج النبات من الأرض بالماء لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَذَكَّرُونَ- ٥٧- فتعتبروا فِي البعث أَنَّهُ كائن- نظيرها فِي الروم «٣» والملائكة «٤» -.
стр. 461
ثُمّ ضرب مثلا للمؤمنين والكفار فَقَالَ: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يعني الأرض العذبة إذا مطرت يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ فينتفع به كَمَا ينفع المطر البلد الطيب فينبت، ثم ذكر مثل الكافر فَقَالَ: وَالَّذِي خَبُثَ من البلد يعني من الأرض السبخة أصابها المطر فلم ينبت لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً يعني إلا عسرا رقيقا يبس مكانه فلم ينتفع به- فهكذا الكافر يسمع الْإِيمَان وَلا ينطق به ولا ينفعه [١٣١ ب] .
كَمَا لا «١» ينفع هَذَا النبات الَّذِي يَخْرُج رقيقا فييبس مكانه كَذلِكَ يعني هكذا نُصَرِّفُ الْآياتِ فِي أمور شتى لما ذكره فِي هاتين الآيتين لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ- ٥٨- يعني يوحدون ربهم لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يقول ليس لكم رب غيره فَإِن لم تعبدوه إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ فى الدنيا عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ- ٥٩- لشدته قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ وهم القادة والكبراء لنوح إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٦٠- قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ- ٦١- إليكم أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَأَنْصَحُ لَكُمْ فيها وأحذركم من عذابه فِي الدُّنْيَا وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ فِي نزول العذاب بكم مَا لا تَعْلَمُونَ- ٦٢- أنتم وذلك أن قوم نوح لَمْ يسمعوا بقوم قطّ عذبوا وَقَدْ سَمِعَت الأمم بعدهم بنزول العذاب عَلَى قوم نوح.
ألا ترى أن هودا قَالَ لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ «٢»
стр. 462
وقَالَ صَالِح لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ هلاك عادٍ «١» ، وحذر شُعَيْب قومه فَقَالَ: أَنْ يُصِيبَكُمْ من العذاب مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ «٢» . فَمنْ ثُمّ قَالَ نوح لقومه: أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فَقَالَ بعضهم لبعض الكبراء للضعفاء: ما هذا إلا بشر مثلكم أفتتبعونه «٣» ؟ فرد عليهم نوح أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بيان من ربكم عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ يعني نفسه لِيُنْذِرَكُمْ العذاب فِي الدُّنْيَا وَلِتَتَّقُوا الشرك وتوحدوا ربكم وَلَعَلَّكُمْ يعنى ولكي تُرْحَمُونَ- ٦٣- فلا تعذبوا «٤» فَكَذَّبُوهُ فِي العذاب أَنَّهُ لَيْسَ بنازل بنا يَقُولُ اللَّه: فَأَنْجَيْناهُ يعني نوحا وَالَّذِينَ مَعَهُ من الْمُؤْمِنِين فِي الْفُلْكِ يعني السفينة من الغرق برحمة مِنَّا وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني نزول العذاب إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ- ٦٤- عموا عن نزول العذاب بهم وَهُوَ الغرق وَأرسلنا إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً لَيْسَ بأخيهم فِي الدين وَلَكِن أخوهم فِي النسب قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يَقُولُ ما لَكُمْ رب غيره أَفَلا تَتَّقُونَ- ٦٥- يعني الشرك أفلا توحدون ربكم قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ وهم الكبراء لهود
стр. 463
والقادة: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ يعني في حمق وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ يعني لنحسبك مِنَ الْكاذِبِينَ- ٦٦- فيما تَقُولُ فِي نزول العذاب بنا قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ يعني حمق وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ- ٦٧- إليكم أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ فيما أحذركم من عذابه أَمِينٌ- ٦٨- فيما بيني وبينكم، فَقَالَ الكبراء: للضعفاء ما هَذَا إلا بشر مثلكم أفتتبعونه «١» ؟ فرد عليهم هود أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ [١٣٢ أ] يعني بيان من ربكم عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ يعني نفسه لِيُنْذِرَكُمْ العذاب فِي الدُّنْيَا وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ فِي الأرض «٢» مِنْ بَعْدِ هلاك قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً عَلَى غيركم: كان طول كُلّ رَجُل منهم «٣» اثنى عشر ذراعا ونصفا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ يعني نعم اللَّه فوحدوه لَعَلَّكُمْ يعني لكي تُفْلِحُونَ- ٦٩- وَلا تعبدوا غيره قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ عبادة مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ٧٠- إن العذاب نازل بنا قالَ هود: قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ يعني إثم وعذاب أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أنها آلهة مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يعني من كتاب لَكُمْ فِيهِ حجة بأن معه شريكا فَانْتَظِرُوا العذاب إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ- ٧١- بكم العذاب فَأَنْجَيْناهُ يعني هودا وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين بِرَحْمَةٍ مِنَّا
стр. 464
يعني بنعمة مِنَّا من العذاب وَقَطَعْنا دابِرَ يعنى أصل القوم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى بنزول العذاب وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ- ٧٢- يعني مصدقين بالعذاب أَنَّهُ نازل بهم وهي الريح.
ثُمّ ذكر اللَّه ثمود قوم صَالِح فَقَالَ: وَأرسلنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً لَيْسَ بأخيهم فِي الدين وَلَكِن أخوهم فِي النسب قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يَقُولُ لَيْسَ لَكُمْ رب غيره قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بالبينة الناقة فَقَالَ: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً لتعتبروا فتوحدوا ربكم وكانت «١» من غَيْر نسل وكان الفصيل من نسل فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ يَقُولُ خلوا عَنْهَا فلتأكل حيث شاءت وَلا تكلفكم مؤونة وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ لا تصيبوها بعقر فَيَأْخُذَكُمْ يعني فيصيبكم عَذابٌ أَلِيمٌ- ٧٣- يعني وجيع فِي الدُّنْيَا وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ هلاك عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً يعني تبنون فِي «٢» الجبال من الحجارة بيوتا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ يعني نعم اللَّه فِي القصور والبيوت فتوحدوه وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ- ٧٤- يعني وَلا تسعوا فيها بالمعاصي قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني الَّذِين تكبروا عن الْإِيمَان وهم الكبراء مِنْ قَوْمِهِ أَي من قوم صَالِح «٣» لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ يعني لمن صدق منهم بالتوحيد أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ
стр. 465
- ٧٥- قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ يعني صدقتم به من العذاب والتوحيد كافِرُونَ- ٧٦- فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ليلة الأربعاء وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ يعني التوحيد وَقالُوا يَا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ- ٧٧- الصادقين بأن العذاب نازل بنا فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعنى فأصابهم العذاب بكرة يوم السبت من صيحة جبريل [١٣٢ ب]﵇ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ- ٧٨- يعني فِي منازلهم خامدين أمواتا فَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني فأعرض عَنْهُمْ حين كذبوا بالعذاب وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَنَصَحْتُ لَكُمْ فيما حذرتكم من عذابه وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ- ٧٩- يعنى نفسه.
وَأرسلنا لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ «١» أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ يعني المعصية يعني إتيان الرجال وأنتم تبصرون أنها فاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ- ٨٠- فيما مضى قبلكم إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ- ٨١- يعني الذنب العظيم «٢» وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ أَي قوم لوط «٣» حين نهاهم عن الفاحشة إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ- ٨٢- يعني لوطا وحده يعني يتنزهون عن إتيان الرجال فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ من العذاب
стр. 466
إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ- ٨٣- يعني من الباقين فِي العذاب وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ الحجارة من فوقهم مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ «١» يعني فبئس مطر الَّذِين أنذروا العذاب فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ- ٨٤- يعني قوم لوط كان عاقبتهم الخسف والحصب بالحجارة وَأرسلنا إِلى مَدْيَنَ ابْن إِبْرَاهِيم لصلبه. وأرسلنا إلى مدين أَخاهُمْ شُعَيْباً لَيْسَ بأخيهم فِي الدين وَلَكِن أخوهم فِي النسب قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ لَيْسَ لَكُمْ رب غيره قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بيان من ربكم فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يعني لا تنقصوا الناس حقوقهم فِي نقصان الكيل والميزان وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها بعد الطاعة فِي نقصان الكيل والميزان «٢» فَإِن المعاصي فساد المعيشة وهلاك أهلها ذلِكُمْ يقول وفاء الكيل والميزان خير لَكُمْ من النقصان إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ٨٥- يقول إن كنتم آمنتم كان فِي الآخرة خير لَكُمْ من نقصان الكيل والميزان فِي الدُّنْيَا- نظيرها فِي هود- «٣» .
وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ يعني وَلا ترصدوا بكل طريق توعدون أَهْل الإيمان بالقتل وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن دين الإسلام مَنْ آمَنَ بِهِ يعني من صدق بِاللَّه وحده لا شريك لَهُ وَتَبْغُونَها عِوَجاً يعني تريدون بملة الْإِسْلام زيفا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا «٤» عددكم بعد عذاب
стр. 467
الأمم الخالية، ثُمّ ذكرهم النعم فَقَالَ: فَكَثَّرَكُمْ يعني فكثر عددكم ثُمّ وعظهم وخوفهم بمثل عذاب الأمم الخالية فَقَالَ: وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ- ٨٦- فِي الأرض بالمعاصي بعد عذاب قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، [١٣٣ أ] فِي الدُّنْيَا، نظيرها فِي هود «١» ، وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ من العذاب وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا يعني لَمْ يصدقوا بالعذاب فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ حَتَّى يقضي اللَّه بَيْنَنا فِي أمر العذاب وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ- ٨٧- يعني وَهُوَ خير الفاصلين فكان قضاؤه نزول العذاب بهم قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعني الَّذِين تكبروا عن الْإِيمَان وهم الكبراء لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يعنون الشرك: أَوْ لتدخلن فِي ملتنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ- ٨٨- ثُمّ قَالَ لهم شُعَيْب: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ الشرك يعني إن دخلنا فِي دينكم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها يَقُولُ بعد إذ لَمْ يجعلنا اللَّه من أَهْل ملتكم الشرك وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها وما ينبغي لنا أن ندخل فِي ملتكم الشرك إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا فيدخلنا فِي ملتكم وَسِعَ يعني ملأ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً فعلمه عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا لقولهم لشعيب: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا ثُمّ قَالَ شُعَيْب: رَبَّنَا افْتَحْ يعني اقض بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ يعني بالعدل فِي نزول العذاب بهم وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ- ٨٩- يعنى القاضين.
стр. 468
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله مِنْ قَوْمِهِ وهم الكبراء للضعفاء لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً على دينه إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ- ٩٠- يعني لعجزة، نظيرها فِي يُوسُف لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ «١» يعني لعجزة ظالمون فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعني العذاب فَأَصْبَحُوا من صيحة جبريل- ﵇ فِي دارِهِمْ يعني قريتهم جاثِمِينَ- ٩١- يعني أمواتا خامدين الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يعني كَأَنّ لَمْ يكونوا فيها قطّ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ- ٩٢- فَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني فأعرض عَنْهُمْ حين كذبوا بالعذاب، نظيرها في هود «٢» ، وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَنَصَحْتُ لَكُمْ فيما حذرتكم من عذابه فَكَيْفَ آسى يَقُولُ فكيف أحزن بعد الصيحة عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ- ٩٣- إذا عذبوا وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ فكذبوه إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ يعني قحط المطر فأصابهم البؤس وَهُوَ الشدة والضر يعني البلاء لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَضَّرَّعُونَ- ٩٤- إلى ربهم فيوحدونه فيرحمهم ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ يَقُولُ حولنا مكان «٣» الشدة الرخاء حَتَّى عَفَوْا يَقُولُ حموا «٤» وسمتوا فلم يشكروا ربهم فقالوا من غيرتهم وجهلهم وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا يعنى
стр. 469
أصاب آباءنا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ يعني الشدة والرخاء مثل ما أصابنا فلم يك شيئًا يَقُولُ: فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب بَغْتَةً [١٣٣ ب] فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ- ٩٥- أعز ما كانوا حتى «١» نزل بهم وَقَدْ أنذرتهم رسلهم العذاب من قبل أن ينزل بهم فذلك قوله: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ بالشرك وَأَهْلُها غافِلُونَ «٢» ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى التي عذبت آمَنُوا بتوحيد اللَّه وَاتَّقَوْا الشرك ما قحط عليهم المطر ولَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ يعني المطر وَالْأَرْضِ يعني النبات وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب بِما كانُوا يَكْسِبُونَ- ٩٦- من الشرك والتكذيب أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً يعنى عذابنا ليلا «٣» وَهُمْ نائِمُونَ- ٩٧- أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى يعني عذابنا نهارا وَهُمْ يَلْعَبُونَ- ٩٨- يعني لاهون عَنْهُ، نظيرها فِي طه وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى «٤» يعني نهارا أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ يعنى عذاب اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ- ٩٩- أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ يعني ورثوا الأرض مِنْ بَعْدِ هلاك أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بعذاب بِذُنُوبِهِمْ يخوف كفار مكة وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ- ١٠٠- بالإيمان. ثُمّ رجع إلى القرى الخالية التي عذبت، فَقَالَ: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها يعنى حديثها
стр. 470
وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني بيان العذاب فَإنَّهُ نازل بهم فِي الدُّنْيَا وذلك أن النَّبِيّ- ﷺ أخبر كفار مكة بأن العذاب نازل بهم فكذبوه بالعذاب فأنزل اللَّه: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ يَقُولُ فَمَا كان كفار مكة ليؤمنوا يعني ليصدقوا أن العذاب نازل بهم فِي الدُّنْيَا بما كذبت به أوائلهم من الأمم الخالية من قبل كفار مكة حين أنذرتهم رسلهم العذاب يقول الله: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يعني هكذا يختم اللَّه بالكفر عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ- ١٠١- وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وذلك أن اللَّه أَخَذَ ميثاق ذرِّيَّة آدم عَلَى المعرفة فأقروا بِذَلِك فَلَمَّا بلغوا العمل نقضوا العهد وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ- ١٠٢- ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد الرسل «١» مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
يعني اليد والعصا فَظَلَمُوا بِها يعني فجحدوا بالآيات وقالوا ليست من اللَّه فَإِنَّهَا سحر فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ- ١٠٣- فِي الأرض بالمعاصي فكان عاقبتهم الغرق وَقالَ مُوسى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٠٤- حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ فَإنَّهُ بعثني رسولا «٢» قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني اليد والعصا بأني رَسُول اللَّهِ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ- ١٠٥- إلى فلسطين قالَ فرعون: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ١٠٦- بأنك رسول رب العالمين وَفِي يد مُوسَى عصا فزعم ابْن عَبَّاس أن ملكا من الملائكة دفعها «٣» إِلَيْهِ حين توجه إلى مدين فقال
стр. 471
مُوسَى لفرعون: ما هَذِهِ بيدي؟ قَالَ فرعون عصا: فَأَلْقى مُوسَى عَصاهُ من يده «١» فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ- ١٠٧- يعني حية بينة فَقَالَ فرعون: فهل من آية غيرها. قَالَ: نعم. فأخرج يده، وقَالَ لفرعون «٢» : ما هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ يدك «٣» . فأدخل مُوسَى يده فِي جيبه وعليه مدرعة من صوف مضرية، ثُمّ أخرجها، فذلك قوله: وَنَزَعَ يَدَهُ يعني أخرج يده من جيبه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ- ١٠٨- لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر من شدة بياضها قالَ الْمَلَأُ وهم الكبراء مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا يعني مُوسَى لَساحِرٌ عَلِيمٌ- ١٠٩- يعني عالم بالسحر وذلك أن فرعون بدأ بهذه المقالة فصدقه قومه، نظيرها فِي الشعراء «٤» ، ثُمّ قَالَ لهم فرعون: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ وهي مصر فَماذا تَأْمُرُونَ- ١١٠- يعني تشيرون فرد عليه كبراء قومه: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يَقُولُ أرجئ «٥» أمرهم يَقُولُ أوقف أمرهم حَتَّى ننظر فِي أمرهما وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ- ١١١- يَأْتُوكَ يحشرون عليك بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ- ١١٢- يعنون عالم بالسحر وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً يعنى جعلا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ- ١١٣- لموسى قالَ فرعون: نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
стр. 472
- ١١٤- فِي المنزلة «١» سوى العظمة، «كان» هَذَا «٢» يوم السبت فِي المحرم، والسحرة اثنان وسبعون رَجُلا «قالُوا يا مُوسى» «٣» فقالت السحرة لموسى: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ ما فِي يدك يعني عصاه وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ- ١١٥- ما فِي أيدينا من الحبال والعصي قالَ لَهُمْ مُوسَى:
أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا الحبال والعصي سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعنى وخوفوهم وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ- ١١٦- وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فصارت حية فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ يعني تلقم ما يَأْفِكُونَ- ١١٧- يعني ما جاءوا به من الكذب فَوَقَعَ الْحَقُّ يعني فظهر الحق بأنه لَيْسَ بسحر وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ- ١١٨- يعني بطل ما كانوا يعملون من السحر فَغُلِبُوا هُنالِكَ يعني عِنْد ذَلِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ- ١١٩- يعني فرجعوا إلى منازلهم مذلين وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ- ١٢٠- لله قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ- ١٢١- قَالَ السحرة: آمنا ب رَبِّ مُوسى وَهارُونَ- ١٢٢- فبهت فرعون لردهم عَلَيْه «٤» وقالَ فِرْعَوْنُ للسحرة آمَنْتُمْ بِهِ يعني صدقتم بموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ يَقُولُ إن هَذَا الْإِيمَان لقول قلتموه فِي المدينة، يعني فِي أَهْل مصر فِي متابعتكم إياه، وذلك أن مُوسَى قَالَ للساحر الأكبر واسمه شمعون: أتؤمن لي إن غلبتك؟ قَالَ: لآتين بسحر لا يغلبه سحرك، ولئن
стр. 473
غلبتني لأؤمن لك وفرعون ينظر. فَمنْ ثُمّ قال فرعون: لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها من أرض مصر يعني مُوسَى، وهارون، وشمعون، رئيس السحرة: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ- ١٢٣- فأوعدهم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [١٣٤ ب] يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى، أَو الرَّجُل اليمنى واليد اليسرى ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ- ١٢٤- فرد السحرة عَلَى فرعون قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ- ١٢٥- يعني راجعين وَما تَنْقِمُ يعني وما نقمت مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا يعني صدقنا باليد والعصا آيتان من ربنا لَمَّا جاءَتْنا ثُمّ قَالُوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا يعنى ألق علينا صَبْراً عِنْد القطع والصلب وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ- ١٢٦- يعني مخلصين للَّه حَتَّى لا يردنا البلاء عن ديننا فصلبهم فرعون من يومه فكانوا أول النهار سحرة كفارا وآخر النهار شهداء مسلمين لما آمنت السحرة لموسى وَقالَ الْمَلَأُ يعني الأشراف مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ بني إِسْرَائِيل قَدْ آمنوا بموسى لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يعني مصر يعني بالفساد: أن يقتل أبناءكم ويستحيى نساءكم، يعني ويترك بناتكم كَمَا فعلتم بقومه يفعله بكم، نظيرها فِي حم الْمُؤْمِن، وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ يعني ويترك عبادتك قالَ فرعون عِنْد ذلك سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يعنى بناتهم وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ- ١٢٧- ثُمّ أمرهم أن يقتلوا أبناء الَّذِين معه ويستحيوا «١» نساءهم فمنعهم اللَّه من قتل الأبناء حين أغرقهم «٢» فِي البحر «وكان فرعون قَدْ «٣» » كلفهم من العمل
стр. 474
ما لَمْ يطيقوا فمر بهم مُوسَى- ﵇ ف قالَ «١» لهم: مُوسى لِقَوْمِهِ فِي التقديم: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ عَلَى فرعون وقومه وَاصْبِرُوا عَلَى البلاء إِنَّ الْأَرْضَ أرض مصر لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ يعني الجنة لِلْمُتَّقِينَ- ١٢٨- يعني للموحدين. ف قالُوا أُوذِينا فِي سببك مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بالرسالة يعنون الأذى قتل الأبناء وترك البنات وَأوذينا مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا بالرسالة يعنون حين كلفهم فرعون من العمل ما لَمْ يطيقوا مضارة باتباعهم مُوسَى- ﵇.
قال موسى: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ يعني فرعون وقومه وَيَسْتَخْلِفَكُمْ من بعد هلاكهم فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ- ١٢٩- فَإِنَّمَا قَالَ لهم مُوسَى- ﵇ ذَلِكَ من قول اللَّه- تَعَالَى- فِي القصص: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ...
إلى آيتين «٢» ففعل اللَّه ذَلِكَ بهم فأهلك عدوهم واستخلفهم فِي الأرض فاتخذوا العجل وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ يعني أَهْل مصر بِالسِّنِينَ يعني قحط المطر وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ فأصابهم الجوع لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ- ١٣٠- يعني لعلهم يتذكرون فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ يعنى الخير والخصب قالُوا لَنا هذِهِ
стр. 475
يعنون نحن أحق بهذا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني الجوع والبلاء وقحط المطر، وهلاك الثمار، والمواشي، يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ على دينه تسألوا أصابنا هَذَا الشر من سحر مُوسَى يَقُولُ الله: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَقُولُ إن الَّذِي أصابهم هُوَ من اللَّه وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ [١٣٥ أ] يعني أَهْل مصر لا يَعْلَمُونَ- ١٣١- أَنَّهُ من اللَّه الَّذِي أصابهم «١» وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها يعني الآيات التسع فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ- ١٣٢- يعنى بمصدقين يعنى بأنك رسول من رب العالمين. فَأَرْسَلْنا فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ أرسل اللَّه عَلَيْهِمُ السنين، ونقص من الثمرات، والنبات والطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يعني باينات «٢» بعضها من بعض بين كُلّ آيتين ثلاثين يومًا فَاسْتَكْبَرُوا يعني فتكبروا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ- ١٣٣- فأما الطوفان فهو الماء طغى فوق حروثهم وزروعهم مطردا ثمانية أيام فِي ظلمة شديدة لا يرون فيها شمسا وَلا قمرا وَلا يَخْرُج منهم أحد إلى صنعته فخافوا الغرق فصرخوا إلى فرعون فأرسل إلى مُوسَى فَقَالَ: يا أيها الساحر، ادع لنا ربك أن يكشف عنا هَذَا المطر فَإِن يكشفه لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إِسْرَائِيل. فَقَالَ:
لا أفعل ما زعمتم أني ساحر. فقالوا: يا مُوسَى، ادع لنا ربك. فدعا ربه فكشف عَنْهُم المطر، فنبت من الزرع والعشب ما لَمْ ير مثله قطّ. فقالوا:
لقَدْ جزعنا من أمر كان خيرًا لنا. فنكثوا العهد فأرسل اللَّه عليهم الجراد ثمانية أيام، وملئت الأرض حَتَّى كانوا لا يرون الأرض من كثرته، قدر ذراع فأكل
стр. 476
النبات حَتَّى خافوا ألا يبقى لهم شيء. فَقَالَ فرعون: يا مُوسَى، ادع لنا ربك أن يكشف عنا، فنؤمن لك. فدعا مُوسَى ربه، فبعث اللَّه ريحا فاحتملت الجراد فألقته فِي البحر. قَالُوا: قَدْ بقي لنا ما نتبلغ به حَتَّى يدركنا الغيث فنكثوا فأرسل اللَّه عليهم القمل، وَهُوَ الدبَى، فغشي كُلّ شيء منهم، فلم يبق عودا أخضر من الزرع والنبات إِلَّا أكله. قَالَ فرعون لموسى: ادع لنا ربك أن يكشفه عنا، ونؤمن لك. فدعا ربه فأمات القمل وبقي لهم ما يتبلغون. فنكثوا، قَالُوا:
يا مُوسَى، هَلْ يستطيع ربك أن يفعل بنا أشد من هَذَا؟ فأرسل اللَّه عليهم الضفادع فدبت فِي بيوتهم وعلى ظهورهم فكان يستيقظ الرَّجُل من نومه وعليه منهم كثرة. فَقَالَ فرعون لموسى: ادع لنا ربك فيهلكه، فَإنَّهُ لَمْ يعذب أحد قطّ بالضفادع. فدعا مُوسَى ربه فأمات الضفادع، فأرسل اللَّه مطرا جوادا فجرى بهم الماء حَتَّى قذفهم فِي البحر. فقالوا: إِنَّمَا كان هَذَا الضفادع من المطر الَّذِي كان أصابنا فلن يعود إلينا أبدا، فنكثوا فأرسل اللَّه عليهم الدم حَتَّى صارت أنهارهم وركاباهم دما، وأنهار بني إِسْرَائِيل ماء عذبا، فإذا دخل القبطي ليستقي من ماء بني إِسْرَائِيل صار دما ما بين يديه وما خلفه صاف، إذا تحول ليأخذ من الصافي صار دما وخلفه صاف، فمكثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ماء صافيا، فقالوا لفرعون: هلكنا، وهلكت مواشينا [١٣٥ ب] وذرارينا من العطش. فَقَالَ لموسى: ادع لنا ربك ليكشف عنا، ونعطيك ميثاقا لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إِسْرَائِيل، فدعا مُوسَى ربه فكشفه عَنْهُمْ، ولما شربوا الماء نكثوا العهد فذلك قوله: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ يعني العذاب الَّذِي كان نزل بهم قالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ يعني هَذَا العذاب كله لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ- ١٣٤-
стр. 477
إلى فلسطين، يَقُولُ اللَّه «١» : فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ يعنى الغرق إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ- ١٣٥- العهد الَّذِي عاهدوا عَلَيْه مُوسَى- ﵇ لقولهم لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إِسْرَائِيل إلى فلسطين، يَقُولُ الله: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بلسان العبرانية يعني به البحر وَهُوَ نهر بمصر بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى الآيات التسع قالوا: يا أيها الساحر، أَنْت الَّذِي تعمل هَذِهِ الآيات، وإنها سحر، وليست من اللَّه. وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ- ١٣٦- يعني معرضين فلم يتفكروا فيها فيعتبرون. قَالَ فرعون لموسى فى حم الزخرف: يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ «٢» فَقَالَ: لا أدعو وأنتم تزعمون أني ساحر، فَقَالَ فِي الأعراف يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ «٣» يعنى سل لنا ربك. ثُمّ قَالَ: وَأَوْرَثْنَا الأرض الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ يعني بني إِسْرَائِيل يعني بالاستضعاف قتل الأبناء واستحياء النّساء بأرض مصر، وورثهم مَشارِقَ الْأَرْضِ المقدسة وَمَغارِبَهَا وهي الأُرْدُنّ، وفلسطين الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني بالبركة الماء، والثمار الكثيرة وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى وهي النعمة عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا حين كلفوا بأرض مصر ما لا يطيقون من استعبادهم إياهم يعني بالكلمة التي فِي القصص من قوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ ... إلى آيتين «٤» .
стр. 478
وأهلك اللَّه عدوهم ومكن لهم فِي الأرض فهي الكلمة وهي النعمة التي تمت عَلَى بني إِسْرَائِيل.
وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ يعني وأهلكنا عمل فرعون وقومه القبط فِي مصر وأهلكنا ما كانُوا يَعْرِشُونَ- ١٣٧- يعني يبنون من البيوت والمنازل وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ يعني النيل: نهر مصر فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ يعني فمروا عَلَى العمالقة يقيمون عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ يعبدونها فقالت بنو إِسْرَائِيل: قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً نعبده كَما لَهُمْ آلِهَةٌ يعبدونها قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ- ١٣٨- إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ يعني مدمر مَا هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٣٩- قالَ لهم مُوسَى: أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً يعنى ربا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ- ١٤٠- يعني عالمي أَهْل مصر حين أنجاكم وأهلكهم وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يعنى بنى إسرائيل يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني يعذبونكم أشد العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ [١٣٦ أ] يعني قتل الأبناء وترك البنات وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ- ١٤١- يعني بالعظم شدة ما نزل بهم من البلاء وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً من ذِي القعدة «واعدناه» الجبل «١» وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ من ذى الحجة فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ يعني ربه أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وكان مُوسَى ومن معه قَدْ قطعوا البحر فِي عشر «٢» من المحرم يوم عاشوراء ثُمّ أعطي التوراة يوم النحر بينهما أحد عشر شهرا وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي
стр. 479
بني إِسْرَائِيل بخير حين خرج إلى الجبل وَأَصْلِحْ يعني وأرفق بهم- نظيرها فِي القصص وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ «١» يعني الرافقين بك وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ- ١٤٢- منهم وَلَمَّا جاءَ مُوسى الجبل لِمِيقاتِنا يعني لميعادنا لتمام الأربعين يومًا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ فَلَمَّا سَمِع كلام ربه استحلاه واشتاق إلى رؤية ربه قالَ: يا رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ له ربه إنك لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اجعل بيني وبينك علما هُوَ أقوى منك يعني الجبل انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وإن لَمْ يستقر الجبل مكانه فإنك لن تطيق رؤيتي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا يعني قطعا فصار الجبل دكا «يعني قطعا على» «٢» ستة فرق فوقع ثلاثة بأجبل مكة: بثير، وغار ثَوْر، وحزن. ووقع بالمدينة:
رضوى، وورقان، وجبل أحد، فذلك قوله جَعَلَهُ دَكًّا «٣» وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
стр. 480
يعني ميتا فَلَمَّا أَفاقَ يعني رد عَلَيْه نفسه قالَ موسى: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من قولي: رب أرنى أنظر إليك وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ- ١٤٣- يعني أول المصدقين بأنك لن تُرى فِي الدُّنْيَا قالَ لَهُ ربه: يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي يَقُولُ اخترتك من بني إِسْرَائِيل بالرسالة وبالكلام من غير وحى فَخُذْ ما آتَيْتُكَ بقوة يَقُولُ: ما أعطيتك من التوراة بالجد، والمواظبة عليه وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ- ١٤٤- للَّه فِي هَذِهِ النعم يعني الرسالة، والكلام من غَيْر وحي. وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ نقرا كنقش الخاتم وهي تسعة ألواح مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ: مَوْعِظَةً من الجهل وَتَفْصِيلًا يعني بيانا لِكُلِّ شَيْءٍ من الأمر، والنهي، والحد، وكتبه اللَّه- بيده «١» فكتب فيها: إني أَنَا اللَّه الَّذِي لا إله إِلَّا أَنَا الرحمن الرحيم،
стр. 481
لا تشركوا بي شيئًا، وَلا تقتلوا النَّفْس، وَلا تزنوا، وَلا تقطعوا السبيل، وَلا تسبوا الوالدين، ووعظهم فِي ذَلِكَ، والألواح من زمرد، وياقوت «١» » . يَقُولُ:
فَخُذْها بِقُوَّةٍ يعني التوراة بالجد والمواظبة عَلَيْه وَأْمُرْ قَوْمَكَ بني إِسْرَائِيل:
يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها يعني بأحسن ما فيها، ثُمّ قَالَ قبل ذَلِكَ لبني إِسْرَائِيل:
سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ- ١٤٥- سنة أهل مصر، فزعم ابْن عَبَّاس أن الله حين أغرق فرعون [١٣٦ ب] وقومه أوحى إلى البحر أن يقذف أجسادهم عَلَى الساحل ففعل البحر ذَلِكَ فنظر إليهم بنو إِسْرَائِيل فأراهم سنة الفاسقين، ثُمّ قَالَ: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني يعملون فيها بالمعاصي: الكبرياء والعظمة، يعني أَهْل مصر يَقُولُ: سأصرف عن التفكير فِي خلق السموات والأرض، وما بَيْنَهُمَا من الآيات: الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، والرياح، والجبال، والفلك، والبحور، والشجر، والثمار، والنبات، عام بعام «٢» . يعني المتكبرين فلا يتفكرون فتكون لهم عبرة تعني لأهل مصر، ثُمّ قَالَ يعنيهم: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ يعني يروا مرة اليد، ومرة العصا، ثُمّ يرون الطوفان، ثُمّ الجراد، ثُمّ القمل، ثُمّ الضفادع،
стр. 482
ثُمّ الدم، ثُمّ السنين، ثُمّ الطمس، فرأوا كُلّ آية عَلَى حدة فلم يؤمنوا لا يُؤْمِنُوا بِها يعني لا يصدقون بأنها من اللَّه وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ يعنى طريق الهدى لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يعني لا يتخذوه دينا فيتبعونه وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يعني طريق الضلالة يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يَقُولُ اتخذوه دينا فيتبعونه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى بالآيات التسع وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ- ١٤٦- يعني معرضين وَلَم يتفكروا فيها وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن وَلِقاءِ الْآخِرَةِ وكذبوا بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ التي أرادوا بها وجه اللَّه لأنها كَانَتْ فِي غَيْر إيمان هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٤٧- وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى بني إِسْرَائِيل مِنْ بَعْدِهِ حين انطلقوا إلى الطور مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً يعني صورة عجل جسد يَقُولُ لَيْسَ فِيهِ روح: لَهُ خُوارٌ يعني لَهُ صوت البهائم ثُمّ لَمْ يصوت غَيْر مرة واحدة أَلَمْ يَرَوْا يعني بني إِسْرَائِيل أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ يعني لا يقدر عَلَى أن يكلمهم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا يعني طريقا إلى الهدى يعني العجل اتَّخَذُوهُ العجل إلها وَكانُوا ظالِمِينَ- ١٤٨- يعني مشركين وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ندامة وندموا وَرَأَوْا وعلموا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا عن الهدى قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا يعنى ويتجاوز عنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ- ١٤٩- فِي العقوبة فلم يقبل اللَّه توبتهم إِلَّا بالقتل وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ من الجبل غَضْبانَ أَسِفاً يعني حزينا فِي صنع قومه، فِي عبادة العجل، وكان أخبره اللَّه على الطور بأمر العجل، ثُمّ قَالَ: بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ يقول استعجلتم
стр. 483
ميقات ربكم أربعين يوما وَأَلْقَى الْأَلْواحَ من عاتقه فذهب منها خمس وبقيت أربعة وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ هارون يَجُرُّهُ إِلَيْهِ يعني إلى نفسه قالَ هَارُون لموسى: ابْنَ أُمَّ «١» إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- ١٥٠- قالَ موسى رَبِّ اغْفِرْ لِي يعني تجاوز عني وَلِأَخِي هَارُون وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ- ١٥١- إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ [١٣٧ أ] إلها سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ يعنى عذاب مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ يعنى مذلة فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فصاروا مقهورين إلى يوم الْقِيَامَة. ثُمّ قَالَ: وَكَذلِكَ يعني وهكذا نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ- ١٥٢- يعني الَّذِين افتروا فزعموا أن هَذَا إلهكم: يعني العجل، وإله مُوسَى، وكان السامري جمع الحلي بعد خمسة وثلاثين يومًا من يوم فارقهم مُوسَى- ﵇. وكان السامري صائغا فصاغ لهم العجل فِي ثلاثة أيام، وَقَدْ علم السامري أنهم يعبدونه لقولهم لموسى- ﵇ قبل ذَلِكَ: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فعبدوا العجل لتمام تسعة وثلاثين يومًا ثُمّ أتاهم مُوسَى من الغد لتمام الأربعين يومًا وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ يعني الشرك الَّذِين عبدوا العجل ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها أَي بعد الشرك «٢» وَآمَنُوا يعني صدقوا بِاللَّه، أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها يعني من بعد الشرك لَغَفُورٌ رَحِيمٌ- ١٥٣- بهم، قوله: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ يعنى مكن أَخَذَ الْأَلْواحَ بعد ما ألقاها وَفِي نُسْخَتِها فيما بَقِيَ منها هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب
стр. 484
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ- ١٥٤- يعني يخافون اللَّه، وأعطي «١» مُوسَى التوراة يوم النحر يوم الجمعة فلم يطق حملها، فسجد للَّه وَجَعَل يدعو ربه ويتضرع حَتَّى خففت عَلَيْه فحملها عَلَى عاتقه وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا من اثني عشر سبطا ستة ستة فصاروا اثنين وسبعين رَجُلا، قَالَ مُوسَى: إِنَّمَا أمرني ربي بسبعين رَجُلا فَمنْ قعد عني فلم يجيء فَلَه الجنة فقعد يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا «لِمِيقاتِنا» يعني لميعادنا يعني الأربعين يومًا فانطلق بهم فتركهم فِي أصل الجبل، فَلَمَّا نزل مُوسَى إليهم قَالُوا: أَرِنَا اللَّهَ جهرة، فأخذتهم الرجفة، يعني الموت عقوبة لما قَالُوا، وبقي مُوسَى وحده يبكي فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ ما أقول لبني إِسْرَائِيل إذا رجعت إليهم وَقَدْ أهلكت خيارهم رب: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ يعنى أمتهم «مِنْ قَبْلُ «٢» » وَإِيَّايَ معهم من قبل أن يصحبوني أَتُهْلِكُنا «٣» عقوبة بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا وظن مُوسَى- ﵇ أنما عوقبوا باتخاذ بني إِسْرَائِيل العجل: فهم السفهاء «٤» ، فَقَالَ مُوسَى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ يعني ما هِيَ إِلَّا بلاؤك تُضِلُّ بِها بالفتنة مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي من الفتنة مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ- ١٥٥- قَالَ فلم يعبد العجل منهم إِلَّا اثنا عشر ألفا وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً يعني المغفرة وَفِي الْآخِرَةِ حسنة يعني الجنة إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ
стр. 485
يعني تبنا إليك قالَ اللَّه: عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ يعني ملأت كُلّ شيء، قَالَ إبليس: فأنا من كُلّ شيء.
قَالَ اللَّه- تَعَالَى-: فَسَأَكْتُبُها يعني الرحمة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ فعزل إبليس يعني للذين يوحدون ربهم وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [١٣٧ ب] يعني أمة محمد- ﷺ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ- ١٥٦- يعني بالقرآن، يصدقون أَنَّهُ من اللَّه، قَالَت اليهود: فنحن نتقي اللَّه، ونؤتي الزكاة، فعزل إبليس واليهود، ثُمّ نعتهم فَقَالَ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ عَلَى دينه يعني محمدا- ﷺ يعني بالأمي الَّذِي لا يقرأ الكتب، وَلا يخطها بيمينه الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يعنى بالإيمان وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ يعنى الشرك وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ يعني ما حرم اللَّه من اللحوم، والشحوم، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ محمد- ﷺ الْخَبائِثَ يعني الميتة، والدم، ولحم الخنزير وَيَضَعُ محمد- ﷺ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ يعني مما عهد اللَّه إليهم من تحريم اللحوم، والشحوم، ولحم كُلّ ذِي ظفر وَيضع محمد- ﷺ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ واجبة من التغليظ والتشديد، الَّذِي منه أن يقتل قاتل العمد البتة، وَلا يعفى عَنْهُ، وَلا يؤخذ منه الدية، ويقتل قاتل الخطأ إِلَّا أن يشاء وَلِي المقتول فيعفو عَنْهُ ونحوه، ولو صدقوا النَّبِيّ- ﷺ لوضع ذَلِكَ كله عَنْهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ يعني صدقوا النَّبِيّ- ﷺ وَعَزَّرُوهُ يعني أعانوه عَلَى أمره وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ يعنى القرآن الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ فَمنْ فعل هَذَا ف أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- ١٥٧- فَقَالَ مُوسَى عِنْد ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اجعلني
стр. 486
من أمة محمد- ﷺ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي الأموات وَيُمِيتُ الأحياء فَآمِنُوا يعني فصدقوا بِاللَّهِ أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ وَرَسُولِهِ «١» ﵇ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ يعني الَّذِي يصدق بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ، وبآياته، يعني القرآن وَاتَّبِعُوهُ يعني محمدا- ﵇ لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَهْتَدُونَ- ١٥٨- من الضلالة وَمِنْ قَوْمِ مُوسى يعنى بنى إسرائيل أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني عصابة يدعون إلى الحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ- ١٥٩- يعني الَّذِين من وراء الصين اليوم «الْقَوْمَ الَّذِينَ» «٢» أسرى بهم تحت الأرض، وأخرج لهم نهرا، من الأُرْدُن، من رمل يسمى أردق، من وراء الصين يجري كجري الماء أسرى اللَّه بهم تحت الأرض سنة ونصفا. فإذا نزول عيسى بن مريم كان معه يوشع بن نون وهم من «٣» آمن من أَهْل الكتاب.
وَقَطَّعْناهُمُ يعني فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً يعني فرقا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ فى التيه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ففعل وكان من الطور فَانْبَجَسَتْ يعني فانفجرت من الحجر مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ماء باردا فراتا رواء بإذن اللَّه وكان الحجر خفيفا، كُلّ «٤» سِبْط من بني إِسْرَائِيل لهم عين تجري لا يخالطهم غيرهم فيها، فذلك قوله: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
стр. 487
[١٣٨ ا] يعني كُلّ سِبْط مشربهم وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ بالنهار يعني سحابة بيضاء لَيْسَ فيها ماء، تقيهم من حر الشمس وهم فِي التيه وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ يعنى الترنجبين وَالسَّلْوى طير أحمر يشبه السمان كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ يعني من حلال ما رَزَقْناكُمْ من المن والسلوى وَلا تطغوا فِيهِ يعني لا ترفعوا منه لغد فرفعوا وقددوا فدود عليهم، يَقُولُ اللَّه وَما ظَلَمُونا يعني وما ضرونا يعني وما نقصونا حين رفعوا وقددوا ودود عليهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- ١٦٠- يعنى يضرون وينقصون «١» .
« «٢» وَاذكر إِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ بيت المَقْدِس وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا أمرنا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ أَيْ باب القرية سُجَّداً سجود انحناء نَغْفِرْ بالنون والتاء مبنيا للمفعول لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ- ١٦١- بالطاعة ثوابا.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فقالوا حبة فِي شعرة ودخلوا يزحفون عَلَى استاهم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً عذابا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ- ١٦٢- «٣» » .
стр. 488
وَسْئَلْهُمْ «١» عَنِ الْقَرْيَةِ اسمها أيلة، عَلَى مسيرة يومين من البحر بين المدينة والشام مسخوا عَلَى عهد دَاوُد- ﵇ قردة، يعني اليهود وإنما أمر اللَّه النَّبِيّ- ﷺ أن يسألهم أمسخ اللَّه منكم قردة وخنازير؟
لأنهم قَالُوا: إنا أبناء اللَّه وأحباؤه وإن اللَّه لا يعذبنا فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخرة لأنا من سِبْط خليله إِبْرَاهِيم ومن سِبْط إِسْرَائِيل وَهُوَ بَكْر نبيه ومن سِبْط كليم الله موسى، ومن سبط ولده «٢» عزيز فنحن من أولادهم، فَقَالَ اللَّه لنبيه- ﷺ : «وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ» الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إما عذبهم اللَّه بذنوبهم، ثُمّ أخبر عن ذنوبهم فقال: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يعنى يعتدون إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يعنى السمك يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً يعني شارعة من غمرة الماء إلى قريب من الحذاء يعني الشط أمنت أن يصدن «٣» وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ يعني حين لا يَكُون يوم السبت لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ يعني هكذا نَبْلُوهُمْ يعني نبتليهم بتحريم السمك فى السبت بِما كانُوا يَفْسُقُونَ- ١٦٣- جزاء مِنَّا يعني بما كانوا يعصون وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ يعني عصابة منهم وهي الظلمة للواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً وذلك أن الواعظة نهوهم عن الحيتان وخوفوهم فلم ينتبهوا فردت عليهم الواعظة قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ- ولعلهم- يعني ولكي ينتهوا فيؤخروا أَوْ يعذبوا فينجوا «٤» وَلَعَلَّهُمْ يعني ولكي يَتَّقُونَ- ١٦٤- المعاصي فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ
стр. 489
يعني فَلَمَّا تركوا ما وعظوا به من أمر الحيتان أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ يعنى المعاصي وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني وأصبنا الَّذِين ظلموا بِعَذابٍ يعني المسخ بَئِيسٍ يعنى شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ- ١٦٥- يعني يعصون فَلَمَّا عَتَوْا يعني عصوا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ من الحيتان قُلْنا لَهُمْ ليلا كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ- ١٦٦- يعنى صاغرين بعد ما أصابوا الحيتان سنين ثُمّ مسخوا قردة فعاشوا سبعة أيام ثُمّ ماتوا يوم الثامن وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ يعني قَالَ ربك: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ يعني بني إِسْرَائِيل من يسومهم سوء العذاب فبعث اللَّه المسلمين عليهم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ما دامت الدُّنْيَا مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ [١٣٨ ب] يعني يعذبهم شدة العذاب يعني القتل والجزية إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ- ١٦٧- وَقَطَّعْناهُمْ يعنى وفرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً يعني فرقا يعني بني إِسْرَائِيل مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ يعنى المؤمنين وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ يعني دون الصالحين فهم الكفار وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ يَقُولُ ابتليناهم بالخصب والشدة لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَرْجِعُونَ- ١٦٨- إلى التوبة فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعنى من بعد بنى إسرائيل فَخَلَفَ السوء وهم اليهود وَرِثُوا الْكِتابَ يعني ورثوا التوراة عن أوائلهم وآبائهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وهي الدُّنْيَا لأنها أدنى من الآخرة يعني الرشوة فى الحكم وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا فكانوا يرشون بالنهار ويقولون يغفر لنا بالليل وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يعني رشوة مثله ليلا يَأْخُذُوهُ ويقولون يغفر لنا بالنهار يَقُولُ اللَّه: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعني بغير ما يقولون لقَدْ أَخَذَ عليهم فى التوراة أن لا يستحلوا محرما
стр. 490
وأَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ فِي التوراة وَدَرَسُوا يعني وقرءوا ما فِيهِ ما فِي التوراة وَالدَّارُ الْآخِرَةُ يعني الجنة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ استحلال المحارم أَفَلا تَعْقِلُونَ- ١٦٩- ثُمّ ذكر مؤمنيهم فقال: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ يعني يتمسكون بالتوراة ولا يحرفونه عن مواضعه وَلا يستحلون محرما وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ- ١٧٠- نزلت فِي ابْن سلام وأصحابه.
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ يعني وإذ رفعنا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وذلك أن مُوسَى- ﵇ حين أتاهم بالتوراة وجدوا فيها القتل، والرجم، والحدود، والتغليظ، أبوا أن يقبلوا التوراة، فأمر اللَّه الجبل عِنْد بيت المَقْدِس فانقطع من مكانه فقام فوق رؤوسهم، فأوحى اللَّه إلى مُوسَى أن قل لهم: إن لَمْ يقروا بالتوراة طرحت عليهم الجبل وأرضخ به رءوسهم، فَلَمَّا رأوا ذَلِكَ أقروا بالتوراة ورجع الجبل إلى مكانه، فذلك قوله: وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ يعني وأيقنوا أن الجبل واقع بهم يعني عليهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ
ما أعطيناكم من التوراة بالجد والمواظبة وَاذْكُرُوا ما فِيهِ يقول واحفظوا ما فِيهِ من أمره ونهيه لَعَلَّكُمْ يعنى لكم تَتَّقُونَ- ١٧١- المعاصي وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ يَقُولُ وَقَدْ أَخَذَ ربك من بني آدم بنعمان عِنْد عرفات من ظهورهم ذُرِّيَّتَهُمْ «١» وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ بإقرارهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «٢» أَنْت ربنا وذلك أن اللَّه- مسح صفحة ظهر آدم اليمنى
стр. 491
فأخرج منه ذرِّيَّة بيضاء كهيئة الذر يتحركون ثُمّ مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرِّيَّة سوداء كهيئة الذر وهم ألف أمة قَالَ: يا آدم هَؤُلاءِ ذريتك أخذنا «١» ميثاقهم [١٣٩ ا] عَلَى أن يعبدوني، وَلا يشركوا بي شيئًا، وعليَّ رزقهم. قَالَ آدم: «نعم» «٢» يا رب «فلما أخرجهم» «٣» قال الله «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ. قالُوا: «بَلى» شَهِدْنا أنك ربنا، قَالَ اللَّه للملائكة: اشهدوا عليهم بالإقرار قَالَت الملائكة قَدْ شهدنا «٤» . يَقُولُ اللَّه في الدُّنْيَا لكفار العرب من هَذِهِ الأمة: أَنْ تَقُولُوا «٥» يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا الميثاق الَّذِي أَخَذَ علينا غافِلِينَ- ١٧٢- وأشهدهم عَلَى أنفسهم أَوْ «٦» تَقُولُوا لئلا تقولوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا ونقضوا الميثاق مِنْ قَبْلُ شركنا، ولئلا تقولوا وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم وبهداهم، لئلا تقولوا أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ- ١٧٣- يعني أفتعذبنا بما فعل المبطلون يعني المكذبين بالتوحيد يعنون آباءهم كقوله «٧» : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ «٨» ثم أفاضهم إفاضة القدح فقال
стр. 492
للبيض: هَؤُلاءِ فِي الجنة برحمتي فهم أصحاب اليمين وأصحاب الميمنة. وقَالَ للسود: هَؤُلاءِ للنار وَلا أبالي فهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ثُمّ أعادهم جميعًا فِي صلب آدم- ﵇. فأهل القبور محبوسون حَتَّى يَخْرُج اللَّه أَهْل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النّساء ثُمّ تقوم الساعة فذلك قوله:
لَقَدْ أَحْصاهُمْ يوم الْقِيَامَة وَعَدَّهُمْ عَدًّا «١» فَمنْ مات منهم صغيرا فَلَه الجنة بمعرفته بربه ومن بلغ منهم العقل أَخَذَ أيضا ميثاقه بمعرفته «لِرَبِّهِ» «٢» والطاعة لَهُ فَمنْ لَمْ يؤمن إذا بلغ العقل لم يغن عَنْهُ «٣» الميثاق الأول شيئًا وكان العهد والميثاق الأول حجة عليهم. وقَالَ فيمن نقض العهد الأول: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ يعني من وفاء يعني أكثر وَلَد آدم ﵇ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ «٤» يعنى لعاصين. وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني هكذا نبين الآيات فِي أمر الميثاق وَلَعَلَّهُمْ يعني لكي يَرْجِعُونَ- ١٧٤- إلى التوبة وَاتْلُ عَلَيْهِمْ يعني أَهْل مكة نَبَأَ يعني حديث الَّذِي آتَيْناهُ «آياتِنا» «٥» يعني أعطيناه الاسم الأعظم يعني بلعام بن باعورا «٦» بن ماث ابن حراز بن آزر من أَهْل عمان وهي البلقاء التي كان فيها الجبارون بالشام فَإِنَّمَا سميت البلقاء من أجل أن «٧» أن ملكها رَجُل اسمه بالق وذلك أن الملك واسمه بانوس
стр. 493
ابن ستشروث قَالَ لبلعام: ادع عَلَى مُوسَى. فَقَالَ بلعام: إنَّه من أَهْل دين لا ينبغي أن يدعَى عَلَيْه. فأمر الملك أن تنحت «١» خشبة ليصلبه «٢» عَلَيْهَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خرج على أنان لَهُ ليدعو عَلَى مُوسَى- ﵇ فَلَمَّا عاين عسكره قامت به الأتان فضربها، فقالت الأتان: لَم تضربني، وهذه نار تتوقد قَدْ منعتني، أن أمشي فارجع. فرجع، فأخبر الملك، فَقَالَ لَهُ الملك: إما أن تدعو «٣» ، وإما أن أصلبك فدعا عَلَى مُوسَى- ﵇ باسم اللَّه الأعظم ألا يدخل المدينة، فاستجاب اللَّه لَهُ فبلغ مُوسَى- ﵇ فدعا اللَّه أن ينزع ذَلِكَ الاسم منه «٤» فنزع منه الاسم الأعظم، فذلك قوله [١٣٩ ب] : فَانْسَلَخَ مِنْها فنزعها اللَّه منه يعني الآيات فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ- ١٧٥- يعنى من الضالين وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ فِي الآخرة بِها بما علمناه من آياتنا يعني الاسم الأعظم فِي الدُّنْيَا وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ يعنى رضى بالدنيا وركن إليها وَاتَّبَعَ هَواهُ أَي هوى الملك مَعَ هواه فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ بنفسك ودابتك «٥» تطرده يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ فلا تحمل عَلَيْه شيء يَلْهَثْ إذا أصابه الحر. فهذا مثل الكافر إن وعظته، فهو ضال، وإن تركته، فهو ضال، مثل بلعام والكفار يعني كفار مكة «ذلِكَ» «٦» مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن فَاقْصُصِ الْقَصَصَ يعني القرآن عليهم لَعَلَّهُمْ
стр. 494
يعني لكي يَتَفَكَّرُونَ- ١٧٦- فِي أمثال اللَّه فيعتبروا فيؤمنوا، ثُمّ قَالَ:
ساءَ يعني بئس مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى القرآن يعنى كفارة مكة وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ- ١٧٧- يعني أنفسهم ضروا بتكذيبهم القرآن مَنْ يَهْدِ اللَّهُ لدينه فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ عن دينه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ- ١٧٨- يعنيهم، ثُمّ قَالَ: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ «١» لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها لقَولِ اللَّه: خَتَمَ «اللَّهُ» «٢» عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «٣» فلم تَفْقَه قلوبهم، وَلَم تبصر أعينهم، وَلَم تسمع آذانهم الْإِيمَان، ثُمّ ضرب مثلا فَقَالَ: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ يأكلون، ويشربون، وَلا يلتفتون إلى الآخرة. كَمَا تأكل الأنعام لَيْسَ للأنعام همة غَيْر الأكل والشرب والسفاد «٤» فهي لا تسمع، وَلا تعقل، كذلك الكفار، ثُمّ قَالَ: بَلْ هُمْ يعني كفار مكة أَضَلُّ يعني أضل سبيلا يعني الطريق من الأنعام، ثُمّ قَالَ: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ- ١٧٩- لأن «٥» الأنعام تعرف ربها، وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم، وَلا يوحدونه وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وذلك أن رَجُلا دعا اللَّه فِي الصَّلاة ودعا الرَّحْمَن، فَقَالَ رَجُل من مشركي مكة وَهُوَ أَبُو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين. فأنزل اللَّه:
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني الرَّحْمَن، الرحيم، الملك، القدوس، السَّلام، الْمُؤْمِن،
стр. 495
المهيمن، الْعَزِيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، ونحوها.
يَقُولُ: فَادْعُوهُ بِها
فدعا النَّبِيّ- ﷺ الرَّجُل فَقَالَ:
ادع اللَّه، وادع الرَّحْمَن، ورغما «١» لأنف المشركين فإنك ما دعوت من هَذِهِ الأسماء فَلَه «٢» الأسماء الحسنى.
قال «٣» : وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ يعني يميلون فِي أسمائه عن الحق فيسمون الآلهة: اللات، والعزى، وهبل، ونحوها.
وأساف، ونائلة، فمنعهم اللَّه أن يسموا شيئًا من آلهتهم باسم اللَّه ثُمّ قَالَ:
سَيُجْزَوْنَ العذاب فِي الآخرة مَا كانُوا «٤» يَعْمَلُونَ- ١٨٠- وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني عصبة يدعون إِلَى الحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ- ١٨١-
فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : هَذِهِ لَكُمْ وَقَدْ أعطى اللَّه مُوسَى- ﵇[١٤٠ ا] مثلها
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني بالقرآن سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ- ١٨٢- يعني سنأخذهم بالعذاب من حيث يجهلون نزلت فِي المستهزئين من قريش وَأُمْلِي لَهُمْ يعني لا أعجل عليهم بالعذاب إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ- ١٨٣- يعني إن أخذي شديد قتلهم اللَّه فِي ليلة واحدة.
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ يعني النَّبِيّ- ﷺ يعني من جنون، وذلك
أن النَّبِيّ- ﷺ صعد الصفا ليلا فدعا قريشا إلى عبادة اللَّه- قَالَ: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ