وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ يعني يصدوك عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ «١» وذلك
أن ثقيفا أتوا النبي- ﷺ فقالوا: نحن إخوانك، وأصهارك، وجيرانك ونحن خير أهل نجد لك سلما، وأضره عليك حربا فإن نسلم تسلم نجد كلها وإن نحاربك يحاربك من وراءنا، فأعطنا الذي نريد. فقال النبي- ﷺ : وما تريدون؟ قالوا: نسلم على ألا نجش «٢» ولا نعش «٣» ولا نحنى. يقولون: على ألا نصلي، ولا نكسر أصنامنا «٤» بأيدينا، وكل ربا لنا على الناس فهو لنا، وكل ربا للناس فهو عنا موضوع ومن وجدناه في وادي وج يقطع شجرها انتزعنا عنه ثيابه، وضربنا ظهره وبطنه، وحرمته كحرمة مكة وصيد، وطيره وشجره، وتستعمل على بني مالك رجلا وعلى الأحلاف «٥» رجلا وأن تمتعنا باللات، والعزى سنة ولا نكسرها بأيدينا من غير أن نعبدها ليعرف الناس كرامتنا عليك وفضلنا عليهم. فقال لهم رسول الله- ﷺ :
أما قولكم لا تجشي ولا نعشي والربا فلكم [٢١٨ ب] ، وأما قولكم لا نحنى فإنه لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود. قالوا: نفعل ذلك وإن كان علينا فيه دناءة. وأما قولكم لا نكسر أصنامنا بأيدينا فإنا سنأمر من يكسرها غيركم.
ثم سكت النبي- ﷺ فقالوا تمتعنا باللات سنة فأعرض عنهم وجعل يكره أن يقول لا فيأبون الإسلام. فقالت ثقيف للنبي- صلى الله عليه
стр. 842
وسلم-: إن كان بك ملامة العرب في كسر أصنامهم وترك أصنامنا، فقل لهم:
إن ربي أمرني أن أقر «١» اللات بأرضهم سنة. فقال عمر بن الخطاب- ﵁ عند ذلك أحرقتم قلب النبي- ﷺ بذكر اللات أحرق الله أكبادكم، لا، ولا نعمة، غير أن الله- لا يدع الشرك في أرض يعبد الله- تعالى- فيها، فإما أن تسلموا كما يسلم الناس وإما أن تلحقوا بأرضكم فأنزل الله- : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
يقول وإن كادوا ليصدونك عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ يقول سبحانه لتقول علينا غيره ما لم نقل لقولهم للنبي- ﷺ قل:
إن الله أمرني أن أقرها. وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا- ٧٣- يعني محبا نظيرها في الفرقان فُلاناً خَلِيلًا «٢» يعني محبا «لطواعيتكم إياهم على ما أرادوك عليه، إذا لأحبوك» «٣» وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ يا محمد بالسكوت، فأمرت بكسر «٤» الآلهة إذا لركنت إلى المعصية لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ يقول لقد هممت سويعة أن تميل إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا- ٧٤- يعني أمرا يسيرا، يقول: لقد هممت سويعة كقوله «٥» فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ «٦» يعني بميله أمرا يسيرا يقول لقد هممت سويعة أن تميل إليهم ولو أطعتهم فيما سألوك إِذاً لَأَذَقْناكَ العذاب فى الدنيا والآخرة
стр. 843
فذلك قوله- سبحانه: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ يقول سبحانه: إذا لأذقناك ضعف «١» العذاب في الدنيا في حياتك، وفي مماتك بعد «٢» ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً- ٧٥- يعنى مانعا يمنعك منا وَإِنْ يعنى وقد كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ يعنى ليستزلونك مِنَ الْأَرْضِ يعني أرض المدينة نزلت في حيي بن أخطب واليهود وذلك أنهم كرهوا قدوم النبي- ﷺ المدينة وحسدوه وقالوا: يا محمد إنك لتعلم أن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء إنما أرض الأنبياء والرسل أرض المحشر أرض الشام ومتى رأيت الله بعث «٣» الأنبياء في أرض تهامة فإن كنت نبيا فأخرج إليها فإنما يمنعك منها مخافة أن يغلبك الروم، فإن كنت نبيا فسيمنعك الله كما منع الأنبياء قبلك فخرج النبي- ﷺ متوجها إلى الشام فعسكر على رأس ثلاثة أميال بذي الحليفة لتنضم «٤» إليه أصحابه فأتاه جبريل [٢١٩ ا]﵇ بهذه الآية وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا- ٧٦- يقول- سبحانه- لو فعلوا ذلك لم ينظروا من بعدك إلا يسيرا حتى يعذبوا في الدنيا فرجع النبي- ﷺ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا يقول الله- سبحانه- كذلك سنة الله- في أهل المعاصي يعني الأمم الخالية إن كذبوا رسلهم أن يعذبوا وَلا «٥» تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا- ٧٧- إن قوله حق في أمر العذاب يقول السنة واحدة فيما مضى
стр. 844
وفيما بقي أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ يعنى إذا زالث الشمس عن بطن السماء يعني عند صلاة الأولى والعصر إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ يعني ظلمة الليل إذا ذهب الشفق يعني صلاة المغرب والعشاء وَقُرْآنَ الْفَجْرِ يعنى قرآن صلاة الغداة إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً- ٧٨- تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، جمع صلاة «١» الخمس في هذه الآية كلها «٢» . ثم قال- :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ بعد المغفرة لأن الله- قد غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، فما كان من عمل فهو نافلة، مثل قوله سبحانه:
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ حين سأل الولد وَيَعْقُوبَ نافِلَةً «٣» يعني فضلا على مسألته عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً- ٧٩- يعني مقام الشفاعة في أصحاب الأعراف يحمده الخلق كلهم والعسى من الله- واجب. فرجع النبي- ﷺ وقال له جبريل- ﵇: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي المدينة مُدْخَلَ صِدْقٍ يعني آمنا على رغم أنف اليهود وَأَخْرِجْنِي من المدينة إلى مكة مُخْرَجَ صِدْقٍ يعني آمنا على رغم أنف كفار مكة ظاهرا عليهم وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ يعني من عندك سُلْطاناً نَصِيراً- ٨٠- يعني النصر على أهل مكة ففعل الله- تعالى- ذلك به فافتتحها فلما افتتحها رأى ثلاثمائة وستين صنما حول الكعبة وأساف، ونائلة، أحدهما عند الركن، والآخر عند الحجر الأسود وفي يدي النبي- ﷺ قضيب فجعل
стр. 845
النبي- ﷺ يضرب رؤوسهم ويقول: «وَقُلْ» «١» جاءَ الْحَقُّ يعني الإسلام وَزَهَقَ الْباطِلُ يعني وذهب عبادة الشيطان يعني الأوثان إِنَّ الْباطِلَ يعني إن عبادة الشيطان يعني عبادة الأصنام كانَ زَهُوقاً- ٨١- يعني ذاهبا مثل قوله سبحانه: فَإِذا هُوَ زاهِقٌ «٢» يعنى ذاهب وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ للقلوب يعني بيانا «٣» للحلال والحرام وَرَحْمَةٌ من العذاب لمن آمن بالقرآن، قوله «٤» - سبحانه-: «وَرَحْمَةٌ» لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ القرآن الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً- ٨٢- يعنى خسرانا وَإِذا أَنْعَمْنا [٢١٩ ب] عَلَى الْإِنْسانِ يعني الكافر بالخير يعني الرزق أَعْرَضَ عن الدعاء وَنَأى بِجانِبِهِ يقول وتباعد بجانبه وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ يعنى وإذا أصابه الفقر كانَ يَؤُساً- ٨٣- يعني آيسا من الخير قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ المحسن والمسيء على شاكلته على جديلته التي هو عليها فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا- ٨٤- وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ نزلت في أبي جهل وأصحابه قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وهو ملك عظيم على صورة إنسان أعظم من كل مخلوق غير العرش فهو حافظ على الملائكة وجهه كوجه الإنسان، ثم قال سبحانه: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا- ٨٥- عندي كثيرا عندكم وذلك أن اليهود قالوا للنبي- ﷺ إن في التوراة علم كل شيء وقال الله- ﵎ للنبي- ﷺ قل لليهود
стр. 846
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا عندي كثيرا عندكم وعلم التوراة عندكم كثير،
فقالوا للنبي- ﷺ : من قال هذا؟ فو الله ما قاله لك إلا عدو لنا يعنون جبريل- ﵇، ثم قالوا للنبي- ﷺ :
خاصة لنا أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا. فقال النبي- ﷺ :
بل الناس كلهم عامة. فقالوا للنبي- ﷺ : ولا أنت ولا أصحابك. فقال: نعم. فقالوا: كيف تجمع بين هاتين؟ تزعم أنك أوتيت الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وتزعم أنك لم نؤت من العلم إلا قليلا. فنزلت وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ... إلى آخر الآية «١» ،
ونزلت قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً ... إلى آخر الآية «٢» . ثم قال سبحانه: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ من القرآن وذلك حين دعى النبي- ﷺ إلى دين آبائه ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا- ٨٦- يعني مانعا يمنعك منا فاستثنى- إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يعني القرآن كان رحمة من ربك اختصك بها إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً- ٨٧- يعني عظيما حين اختصك بذلك قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وذلك أن الله- أنزل في سورة هود: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ «٣» فلم يطيقوا ذلك. فقال الله- ﵎ لهم فى سورة يونس فَأْتُوا بِسُورَةٍ «٤»
стр. 847
واحدة مثله، فلم يطيقوا ذلك، وأخبر الله- ﵎ النبي- ﷺ فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ فعان بعضهم بعضا عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ يقول لا يقدرون على أن يأتوا بمثله وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً- ٨٨- يعنى معينا وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ يعنى ضربنا فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يعني من كل شبه في أمور شتى فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً- ٨٩- يعني إلا كفرا بالقرآن وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [٢٢٠ أ]- ٩٠- يعني من أرض مكة ينبوعا يعني عينا تجري وذلك
أن أبا جهل قال للنبي- ﷺ : سير «١» لنا الجبال، أو ابعث لنا الموتى فنكلمهم، أو سخر لنا الريح، فقال النبي- ﷺ : - لا أطيق ذلك
، فقال عبد الله بن أبي أمية «٢» بن المغيرة المخزومي، وهو ابن عم أبي جهل، والحارث بن هشام، وهما ابنا عم فقالا: يا محمد، إن كنت لست «٣» فاعلا لقومك شيئا مما سألوك فأرنا كرامتك على الله بأمر تعرفه «٤» فجر لبني أبيك، ينبوعا بمكة مكان زمزم فقد شق علينا الميح أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ يعني بستانا مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً- ٩١- يقول تجري العيون في وسط النخيل والأعناب والشجر أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا- ٩٢- أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ
стр. 848
يعني من ذهب فإن لم تستطع شيئا من هذا فأسقط السماء كما زعمت «١» علينا كسفا يعني جانبا من السماء كما زعمت فى سورة سبأ: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً يعني جانبا مِنَ السَّماءِ «٢» ، ثم قال: والذي يحلف به عبد الله لا أصدقك ولا أؤمن بك حتى تسند سلما فترقى فيها «٣» إلى السماء وأنا أنظر إليك فتأتي بكتاب من عند الله- بأنك رسوله أو يأمرنا باتباعك وتجيء الملائكة يشهدون أن الله كتبه «٤» . ثم قال:
والله ما أدري إن فعلت ذلك أؤمن بك أم لا «٥» . فذلك قوله سبحانه: «أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ» معاينة فيخبرنا أنك نبي رسول أو تأتي وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا يعني كفيلا يشهدون بأنك رسول الله- ، فذلك قوله: «أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى» «٦» تُنَزِّلَ «٧» عَلَيْنا يعني من السماء كِتاباً نَقْرَؤُهُ من الله- بأنك رسوله خاصة، فأنزل الله- تعالى قُلْ لكفار مكة سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا- ٩٣- نزه نفسه- ﷻ عن تكذيبهم إياه لقولهم لم يبعث محمدا- ﷺ رسولا، يقول ما أنا إلا رسول من البشر وَما مَنَعَ النَّاسَ يعني رءوس كفار مكة أَنْ يُؤْمِنُوا يعني أن يصدقوا بالقرآن إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
стр. 849
يعني البيان وهو القرآن لأن القرآن هدى من الضلالة إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا- ٩٤- نزلت فى المستهزئين والمطعمين ببدر فأنزل- ﵎ قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ يعني مقيمين بها، مثل قوله- سبحانه- في النساء: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ يقول فإذا أقمتم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ «١» . لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا- ٩٥- قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ يقول فلا أحد أفضل من الله شاهدا بأني رسول الله إليكم إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً- ٩٦- حين اختص محمدا- ﷺ بالرسالة وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ لدينه فَهُوَ الْمُهْتَدِ «٢» وَمَنْ يُضْلِلْ عن دينه فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ يعنى أصحابا من دون الله [٢٢٠ ب] يهدونهم إلى الإسلام من الضلالة وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بعد الحساب عَلى وُجُوهِهِمْ
قالوا للنبي- ﷺ : «كيف يمشون على وجوههم؟ قال لهم النبي- ﷺ : من أمشاهم على أقدامهم؟ قالوا: الله أمشاهم. قال النبي- ﷺ : فإن الذي أمشاهم على أقدامهم هو الذي يمشيهم على وجوههم،
ثم قال- سبحانه: عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا وذلك إذا قيل لهم اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ «٣» فصاروا فيها «٤» عميا لا يبصرون أبدا، وصما لا يسمعون أبدا، ثم قال: مَأْواهُمْ يعني مصيرهم جَهَنَّمُ، قوله سبحانه:
стр. 850
كُلَّما خَبَتْ وذلك إذا أكلتهم النار فلم يبق منهم غير العظام وصاروا فحما سكنت النار هو الخبت «١» زِدْناهُمْ سَعِيراً- ٩٧- وذلك أن النار إذا أكلتهم بدلوا جلودا غيرها جددا «في «٢» » النار، فتسعر عليهم، فذلك قوله- سبحانه-:
«زِدْناهُمْ سَعِيراً» يعنى وقودا فهذا أمرهم أبدا، وذلِكَ العذاب والنار «جَزاؤُهُمْ» «٣» بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا يعنى بآيات القرآن وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً يعني ترابا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
- ٩٨- يعنون البعث سيرة الخلق الأول «٤» منهم أبي بن خلف، وأبو الأشدين، يقول الله ليعتبروا: أَوَلَمْ يَرَوْا يقول أو لم يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ يعني مثل خلقهم في الآخرة. يقول لأنهم مقرون بأن الله خلقهم وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «٥» . ولا يقدرون أن يقولوا غير ذلك وهم مع «٦» ذلك يعبدون غير الله- كما خلقهم في الدنيا، فخلق السموات والأرض أعظم وأكبر من خلق الإنسان لأنهم مقرون بأن الله خلقهم وخلق السموات والأرض وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا مسمى يبعثون فيه لا رَيْبَ فِيهِ يعني لا شك فيه في البعث أنه كائن فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً- ٩٩- يعنى إلا كفرا بالبعث يعنى مشركي
стр. 851
مكة قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي يعني مفاتيح الرزق يعني مقاليد السموات يقول لو كان الرزق بأيديكم وكنتم تقسمونه إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ لأمسكتموه مخافة الفقر والفاقة وَكانَ الْإِنْسانُ يعني الكافر قَتُوراً- ١٠٠- يعني بخيلا ممسكا عن نفسه وَلَقَدْ آتَيْنا يعني أعطينا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ يعني واضحات اليد، والعصا بالأرض المقدسة وسبع آيات بأرض مصر الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين والطمس على الدنانير، والدراهم، أولها العصا وآخرها الطمس فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ عن ذلك إِذْ جاءَهُمْ موسى بالهدى فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ [٢٢١ أ] يقول إنى لأحسبك يا مُوسى مَسْحُوراً- ١٠١- يعني مغلوبا على عقله قالَ موسى لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ يا فرعون مَا أَنْزَلَ هؤُلاءِ هؤلاء الآيات التسع إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ يعني تبصره وتذكرة ولن يقدر أحد على أن يأتى أحد بآية واحدة مثل هذه وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يعني لأحسبك يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً- ١٠٢- يعني ملعونا اسمه فيطوس فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ يعني أن يخرجهم من أرض مصر مثل قوله سبحانه: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها «١» يعني أرض المدينة فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً- ١٠٣- من الجنود وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ يعني من بعد فرعون لِبَنِي إِسْرائِيلَ وهم سبعون ألفا من وراء نهر الصين معهم التوراة اسْكُنُوا الْأَرْضَ وذلك من بعد موسى ومن بعد «٢» يوشع
стр. 852
ابن نون فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ يعني ميقات الآخرة يعني يوم القيامة جِئْنا بِكُمْ وبقوم موسى لَفِيفاً- ١٠٤- يعني جميعا فهم وراء الصين «١» فساروا من بيت المقدس في سنة ونصف سنة ستة آلاف فرسخ وبينهم وبين الناس نهر من رمل يجري اسمه أردف، يجمد كل سبت وذلك أن بني إسرائيل قتلوا الأنبياء وعبدوا الأوثان، فقال المؤمنون منهم: اللهم «٢» فرق بيننا وبينهم فضرب الله- سربا في الأرض من بيت المقدس إلى وراء «٣» الصين فجعلوا يسيرون فيه يفتح أمامهم ويسد خلفهم وجعل لهم عمودا من نار فأنزل الله- عليهم المن والسلوى كل ذلك في المسير وهم الذين ذكرهم «٤» الله- في الأعراف: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ «٥» فلما أسرى بالنبي- ﷺ تلك الليلة أتاهم فعلمهم الأذان والصلاة وسورا من القرآن فأسلموا فهم القوم المؤمنون ليست لهم ذنوب وهم يجامعون نساءهم بالليل وأتاهم جبريل- ﵇ مع النبي- ﷺ فسلموا عليه قبل أن يسلم عليهم، فقالوا للنبي- ﷺ : لولا الخطايا التي في أمتك لصافحتهم الملائكة وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ لما كذب كفار مكة يقول الله- ﵎: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ من اللوح المحفوظ يعني القرآن على محمد- ﷺ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ به جبريل- ﵇ لم ينزله باطلا لغير شيء وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً بالجنة وَنَذِيراً
стр. 853
- ١٠٥- من النار وَقُرْآناً فَرَقْناهُ يعني قطعناه يعني فرقناه بين أوله وآخره عشرون سنة تترى «١» لم ننزله جملة واحدة مثلها فى الفرقان [٢٢١ ب] لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً «٢» ل كي لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ يعني على ترتيل للحفظة وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا- ١٠٦- في ترسل آيات ثم بعد آيات «٣» يعني القرآن قُلْ لكفار مكة: آمِنُوا بِهِ يعني القرآن أَوْ لا تُؤْمِنُوا يقول صدقوا بالقرآن أو لا تصدقوا به إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالتوراة مِنْ قَبْلِهِ يعني من قبل هذا القرآن إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن يعني عبد الله بن سلام وأصحابه يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يعنى يقعون لوجوههم سُجَّداً- ١٠٧- وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا الذي أنزله يعني القرآن أنه من الله- إِنْ كانَ يعني لقد كان «٤» وَعْدُ رَبِّنا في التوراة لَمَفْعُولًا- ١٠٨- أنه «٥» منزله على محمد- ﷺ فكان فاعلا «٦» وَيَخِرُّونَ يعني ويقعون «لِلْأَذْقانِ» «٧» لوجوههم سجدا يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً- ١٠٩- يقول يزيدهم القرآن تواضعا، لما في القرآن من الوعد والوعيد قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ وذلك أن رجلا من المسلمين دعا الله- ودعا الرحمن في صلاته فقال أبو جهل بن هشام: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو ربين اثنين أو لستم تعلمون أن الله اسم، والرحمن اسم. قالوا:
بلى، فأنزل الله- ﵎ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
فدعا النبي-
стр. 854
صلى الله عليه وسلم- الرجل فقال: يا فلان ادع الله أو ادع الرحمن ورغم لآناف «١» المشركين
أَيًّا «٢» ما تَدْعُوا يقول فأيهما تدعو فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني الأسماء الحسنى التي في آخر الحشر وسائر ما فى القرآن وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وذلك أن النبي- ﷺ كان بمكة يصلي إلى جانب دار أبي سفيان «٣» عند الصفا فجهر بالقرآن في صلاة الغداة فقال أبو جهل: لم تفتري على الله، فإذا سمع ذلك منه خفض صوته فلا يسمع أصحابه القرآن. فقال أبو جهل:
ألم تروا يا معشر قريش، ما فعلت بابن أبي كبشة حتى خفض صوته فأنزل الله- تعالى ذكره-: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ يعنى بقراءتك فى صلاتك فيسمع المشركون فيؤذوك «٤» وَلا تُخافِتْ بِها يقول ولا تسر بها يعني بالقرآن فلا يسمع أصحابك وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا- ١١٠- يعني مسلكا يعني بين الخفض والرفع وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وذلك أن اليهود قالوا عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالت العرب إن لله- شريكا من الملائكة فأكذبهم الله- فيها فنزه نفسه- ﵎ مما قالوا فأنزل الله ﷻ : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي علمك هذه الآية الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً عزيرا وعيسى وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ من الملائكة فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ يعني صاحبا ينتصر به مِنَ الذُّلِّ كما يلتمس الناس النصر إن فاجأهم أمر يكرهونه وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً- ١١١- يقول وعظمه يا محمد تعظيما فإنه من قال إن لله- ولدا أو شريكا لم يعظمه. يقول: نزهه عن هذه الخصال التي قالت النصارى واليهود والعرب «٥» .
سورة الكهف «١» مكية كلها وفيها من المدني قوله تعالى: من أولها إلى قوله: ... أَحْسَنُ عَمَلًا «٢» .
عددها مائة وعشر آيات «٣» .
стр. 858
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وذلك أن اليهود قالوا: يزعم محمد «١» أنه لا ينزل عليه الكتاب مختلفا فإن كان صادقا بأنه من الله- «فلم يأت به مختلفا» «٢» «فإن التوراة نزلت كل فصل على ناحية» «٣» فأنزل الله في قولهم «٤» «الْحَمْدُ لِلَّهِ» الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ يعنى القرآن وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً- ١- يعني مختلفا، أنزله قَيِّماً مستقيما لِيُنْذِرَ محمد- ﷺ بما في القرآن بَأْساً يعنى عذابا شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ يعني من عنده،
فقال النبي- ﷺ لليهود: أدعوكم إلى الله- وأنذركم بأسه فإن تتوبوا يكفر عنكم سيئاتكم، ويؤتكم أجوركم مرتين.
فقال كعب ابن الأشرف، وكعب بن أسيد، وحيي بن أخطب، وفنحاص اليهودي، من أهل قينقاع: أليس عزير ولد الله فأدعوه ولدا لله؟
فقال النبي- ﷺ : أعوذ بالله أن أدعو لله- ﵎ ولدا.
ولكن عزير عبد الله داخر: يعني صاغرا «٥» ، قالوا فإنا «٦» نجده في كتابنا وحدثتنا به آباؤنا، فاعتزلهم النبي
стр. 859
- ﷺ حزينا، فقال أبو بكر، وعمر، وعثمان بن مظعون، وزيد بن حارثة، ﵃، للنبي- ﷺ : لا يحزنك قولهم وكفرهم، إن الله معنا فأنزل الله- وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ بثواب ما في القرآن يعني هؤلاء النفر الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً- ٢- يعني جزاء كريما يعني الجنة ماكِثِينَ فِيهِ يعني الجزاء في الجنة يقول مقيمين فيها أَبَداً- ٣- ثم ذكر اليهود فقال: وَيُنْذِرَ محمد- ﷺ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً- ٤- يعنون عزيرا «١» يقول الله- ﵎: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ لقولهم نجده في كتابنا، وحدثتنا به آباؤنا، قال الله- تعالى: كَبُرَتْ يعني عظمت كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يعنى ما يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً- ٥- لقولهم عزيز ابن الله- ثم قال للنبي- ﷺ [٢٢٢ ب] حين أحزنه قولهم، قال- سبحانه-: فَلَعَلَّكَ يعني فعساك باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ يعني قاتلا نفسك على آثارهم يعني عليهم أسفا يعنى حزنا نظيرها فى الشعراء فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ «٢» يقول قاتل نفسك حزنا في التقديم: إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ يعني لم يصدقوا بالقرآن أَسَفاً- ٦- إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ من النبت عاما «٣» بعام زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ يعني لنختبرهم أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- ٧- وَإِنَّا لَجاعِلُونَ في الآخرة مَا عَلَيْها يعني ما على الأرض من شيء صَعِيداً يعنى مستويا
стр. 860
جُرُزاً- ٨- يعني ملساء ليس عليها جبل ولا نبت كما خلقت أول مرة أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ والكهف نقب «١» يكون في الجبل كهيئة الغار واسمه بانجلوس وَالرَّقِيمِ «٢» كتاب كتبه رجلان قاضيان صالحان أحدهما ماتوس، والآخر أسطوس كانا يكتمان إيمانهما وكانا في منزل دقيوس الجبار وهو الملك الذي فر منه الفتية وكتبا أمر الفتية في لوح من رصاص ثم جعلاه في تابوت من نحاس ثم جعلاه في البناء الذي سدوا به باب الكهف، فقالا: لعل الله- أن يطلع على هؤلاء الفتية ليعلموا إذا قرءوا الكتاب، قال- سبحانه: كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً- ٩- يقول- سبحانه- أوحينا إليك من أمر الأمم الخالية، وعلمناك «٣» من أمر الخلق، وأمر ما كان وأمر ما يكون قبل أصحاب الكهف، فهو أعجب من أصحاب الكهف وليس أصحاب الكهف بأعجب مما أوحينا إليك «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ» يعني بالرقيم الكتاب الذي كتبه القاضيان مثل قوله- : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ، كِتابٌ مَرْقُومٌ «٤» يعني كتاب مكتوب كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً يخبره به. وذلك أن أبا جهل قال لقريش:
ابعثوا نفرا منكم إلى يهود يثرب فيسألونهم عن صاحبكم أنبي هو أم كذاب؟ فإنا نرى أن ننصرف عنه فبعثوا خمسة نفر منهم النضر بن الحارث، عقبة بن أبي معيط: فلما قدموا المدينة، قالوا لليهود: أتيناكم لأمر حدث فينا لا يزداد
стр. 861
إلا نماء، وإنا له كارهون، وقد خفنا أن يفسد علينا ديننا، ويلبس علينا أمرنا، وهو حقير فقير يتيم يدعو إلى، الرحمن ولا نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب، وقد علمتم أنه لم يأمر قط إلا بالفساد والقتال، ويأتيه بذلك زعم جبريل- ﵇ وهو عدولكم، فأخبرونا هل تجدونه في كتابكم؟ قالوا: نجد نعته كما تقولون؟ قالوا: إن في قومه من هو أشرف منه، وأكبر سنا فلا نصدقه.
قالوا: نجد قومه أشد الناس عليه وهذا زمانه الذي يخرج فيه. قالوا: إنما يعلمه الكذاب مسيلمة، فحدثونا بأشياء نسأله «عنها» «١» لا يعلمها مسيلمة ولا يعلمها إلا نبي. قالوا: «سلوه» «٢» عن ثلاث خصال، فإن أصابهن فهو نبي، وإلا فهو كذاب، سلوه عن أصحاب الكهف، فقصوا عليهم أمرهم، وسلوه «٣» من عن ذي القرنين، فإنه كان ملكا وكان أمره كذا وكذا، وسلوه عن الروح فإن أخبركم عنه بقليل أو كثير فهو كذاب فقصوا عليهم، فرجعوا بذلك وأعجبهم.
فأتوا النبي- ﷺ فقال أبو جهل: يا بن عبد المطلب: إنا سائلوك عن ثلاث خصال، فإن علمتهن فأنت صادق وإلا فأنت كاذب فذر ذكر آلهتنا. فَقَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : مَا هن «٤» سلوني عما شئتم، قالوا نسألك عن أصحاب الكهف فقد أخبرنا عنهم، ونسألك عن ذي القرنين فقد أخبرنا عنه بالعجب، ونسألك عن الروح فقد ذكر لنا من أمره عجب، فإن علمتهن فأنت معذور، وإن جهلتهن فأنت مغرور مسحور. فقال لهم النبي- ﷺ
стр. 862
- ارجعوا إلي غدا أخبركم، ولم يستثن «١» فمكث النبي- ﷺ ثلاثة أيام، ثم أتاه جبرئيل- ﵇، فقال النبي- ﷺ : يا جبريل، إن القوم سألوني عن ثلاث خصال. فقال جبريل- ﵇ بهن أتيتك، إن الله- يقول: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً»
ثم أخبر عنهم فقال- سبحانه-:
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً من عندك رحمة يعني رزقا وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً- ١٠- يعني تيسيرا فيها تقديم فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ رقودا فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً- ١١- يعنى ثلاثمائة سنة وتسع سنين ثُمَّ بَعَثْناهُمْ من بعد نومهم «لِنَعْلَمَ» «٢» أَيُّ الْحِزْبَيْنِ يعني لنرى مؤمنهم ومشركهم أَحْصى لِما لَبِثُوا في رقودهم أَمَداً- ١٢- يعني أجلا فكان مؤمنوهم «٣» الذين كتبوا أمر الفتية هم أعلم بما لبثوا من كفارهم، فلما بعثوا يعني الفتية من نومهم أتوا القرية فأسلم أهل القرية كلهم نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ يعني صدقوا بتوحيد ربهم وَزِدْناهُمْ هُدىً- ١٣- حين فارقوا قومهم وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ بالإيمان إِذْ قامُوا على أرجلهم قياما فَقالُوا رَبُّنا هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا يعنى لن نعبد مِنْ دُونِهِ إِلهاً يعني ربا غير الله- كفعل قومنا ولئن فعلنا [٢٢٣ ب] لَقَدْ قُلْنا إِذاً على الله شَطَطاً- ١٤- يعنى جورا نظيرها
стр. 863
فى ص وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا «١» وفى سورة الجن وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً «٢» ، ثم قال- سبحانه-: هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً يعبدونها لَوْلا يعني هلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ يعني على الآلهة بحجة بينة بأنها آلهة فَمَنْ يعني فلا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً- ١٥- بأن معه آلهة، ثم قال الفتية بعضهم لبعض: وَإِذِ «٣» اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَاعتزلتم ما يَعْبُدُونَ من دون الله من الآلهة، ثم استثنوا فقالوا: إِلَّا اللَّهَ فلا تعتزلوا معرفته لأنهم عرفوا أن الله- تعالى- ربهم، وهو خلقهم وخلق الأشياء كلها، ثم قال بعضهم لبعض: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يعني انتهوا إلى الكهف، كقوله سبحانه: إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ «٤» يَنْشُرْ لَكُمْ يعني يبسط لكم رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ رزقا وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً- ١٦- يعنى ما يرفق بكم فهيأ «٥» الله «٦» لكم «٧» الرقود في الغار فكان هذا من قول الفتية، يقول الله- ﵎: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ يعني تميل عن كهفهم فتدعهم ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ الشمس تَقْرِضُهُمْ يعنى
стр. 864
تدعهم ذاتَ الشِّمالِ «١» وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ يعني في زاوية «٢» من الكهف ذلِكَ يعني هذا الذي ذكر من أمر الفتية مِنْ آياتِ اللَّهِ يعني من علامات الله وصنعه مَنْ يَهْدِ اللَّهُ لدينه فَهُوَ الْمُهْتَدِ «٣» وَمَنْ يُضْلِلْ عن دينه الإسلام فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا يعني صاحبا مُرْشِداً- ١٧- يعني يرشده إلى الهدى لأن وليه مثله في الضلالة وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً حين يقلبون «٤» وأعينهم مفتحة.
حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، قال: حدثنا أبي عن الْهُذَيْلِ، قال: قال مُقَاتِلُ عن الضحاك: كان يقلبهم جبريل- ﵇ كل عام مرتين، لئلا تأكل الأرض لحومهم، وَهُمْ رُقُودٌ يعني نيام وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ على جنوبهم وهم وقود لا يشعرون وَكَلْبُهُمْ اسمه قمطير باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ يعني الفضاء الذي على باب الكهف وكان الكلب لمكسلمينا، وكان راعي غنم، فبسط الكلب ذراعيه على باب الكهف ليحرسهم وأنام الله- الكلب في تلك السنين كما أنام الفتية. يقول للنبي- ﷺ : لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ حين نقلبهم لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً- ١٨- وَكَذلِكَ يعني وهكذا بَعَثْناهُمْ من نومهم فقاموا لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ [٢٢٤ أ] ف قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ
стр. 865
وهو مكسلمينا وهو أكبرهم سنا كَمْ لَبِثْتُمْ رقودا قالُوا لَبِثْنا يَوْماً وكانوا دخلوا الغار غدوة وبعثوا من آخر النهار، فمن ثم قالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا يعني الأكبر وهو مكسلمينا وحده رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ في رقودكم منكم فردوا العلم إلى الله- ، ثم قال مكسلمينا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ يعني الدراهم هذِهِ التي معكم إِلَى الْمَدِينَةِ فبعثوا يمليخا فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً يعني أطيب طعاما فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ يعني «وليترفق حتى لا يفطن «١» له» وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً- ١٩- يعني ولا يعلمن بمكانكم أحدا من الناس إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ يعنى يقتلوكم أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ يعني في دينهم الكفر وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً- ٢٠- «كان هذا» «٢» من قول مكسلمينا يقوله «٣» للفتية، فلما ذهب يمليخا إلى القرية أنكروا دراهم دقيوس الجبار، الذي فر «٤» منه الفتية، فلما رأوا ذلك قالوا هذا رجل وجد كنزا فلما خاف أن يعذب أخبرهم «٥» بأمر الفتية فانطلقوا معه إلى الكهف فلما انتهى يمليخا إلى الكهف ودخل سد الله- باب الكهف عليهم فلم يخلص إليهم أحد وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا يقول وهكذا أطلعنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا يعني ليعلم كفارهم ومكذبوهم بالبعث إذا نظروا إليهم «٦»
стр. 866
أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فى البعث أنه كائن وَليعلموا أَنَّ السَّاعَةَ آتية يعني قائمة لا رَيْبَ فِيها يعني لا شك فيها. في القيامة بأنها كائنة إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ يعنى إذ يخلفون في القول في أمرهم فكان التنازع بينهم أن قالوا: كيف نصنع بالفتية؟ قال بعضهم:
«نبني عليهم بنيانا وقال بعضهم» «١» وهم المؤمنون: «قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ» «٢» لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً- ٢١- فبنوا مسجدا على باب الكهف «٣» .
سَيَقُولُونَ يعني نصارى نجران: الفتية ثَلاثَةٌ نفر رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ يقول الله- : رَجْماً بِالْغَيْبِ يعني قذفا بالظن لا يستيقنونه وَيَقُولُونَ هم سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ وإنما صاروا بالواو واو لأنه انقطع الكلام. «قال أبو العباس ثعلب» «٤» :
ألفوا هذه الواو الحال، كان المعنى وهذه حالهم عند ذكر الكلب. هذا قول نصارى نجران السيد، والعاقب ومن معهما من المار يعقوبيين وهم حزب النصارى قُلْ للنصارى [٢٢٤ ب] رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ من غيره مَا يَعْلَمُهُمْ يعني عدتهم ثم استثنى إِلَّا قَلِيلٌ قل ما يعلم عدة الفتية إلا قليل من النسطورية وهم حزب من النصارى «وأما الذين غلبوا على أمرهم
стр. 867
فهم المؤمنون» «١» الذين كانوا يقولون ابنوا عليهم بنيانا بنداسيس الصلح ومن معه «فَلا تُمارِ فِيهِمْ» «٢» يعني لا تمار يا محمد النصارى في أمر الفتية إِلَّا مِراءً ظاهِراً يعني حقا بما في القرآن، يقول- سبحانه- حسبك بما قصصنا عليك من أمرهم. وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ «مِنْهُمْ» «٣» أَحَداً- ٢٢- يقول ولا تسأل عن أمر الفتية أحدا من النصارى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً- ٢٣- إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وذلك حين سأل أبو جهل وأصحابه عن أصحاب الكهف
فقال لهم النبي- ﷺ : ارجعوا إلي غدا حتى أخبركم ولم يستثن فأنزل الله- وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ يقول إذا ذكرت الاستثناء فاستثن يقول الله قل إِنْ شاءَ اللَّهُ قبل أن ينزل الوحي إليك في أصحاب الكهف وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ «٤» رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً- ٢٤-
لقول النبي- ﷺ لهم ارجعوا إلي غدا حتى أخبركم عما سألتم فقال- للنبي- ﷺ : «وَقُلْ لَهُمْ» «٥» عسى أن يرشدني ربي لأسرع من هذا الميعاد رشدا.
ثم قالت النصارى أيضا: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ رقودا «٦» ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً- ٢٥- فيها تقديم لا تتغير ألوانهم، ولا أشعارهم،
стр. 868
ولا ثيابهم. قُلِ لنصارى نجران: يا محمد اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا فى رقودهم لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني ما يكون في السموات والأرض أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ يقول لا أحد أبصر من الله- بما لبثوا في رقودهم ولا أحد أسمع مَا لَهُمْ يعني النصارى مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ يعني قريبا ينفعهم وَلا يُشْرِكُ الله فِي حُكْمِهِ أَحَداً- ٢٦- وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ
يقول أخبر كفار مكة الذين سألوا عن أصحاب الكهف بما «١» أوحينا إليك من أمرهم لا تنقص ولا تزيد لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يقول لا تحويل لقوله لأن قوله- تعالى ذكره- حق ثم حذر الله- نبيه- ﷺ إن زاد أو نقص، ثم قال- سبحانه: وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً- ٢٧- يعني مدخلا «٢» يقول لا تقل «٣» في أصحاب الكهف إلا ما قد قيل لك فإن فعلت فإنك لن تجد من دون الله- ملجأ تلجأ إليه ليمتعك منا وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني يعبدون ربهم يعني بالصلاة له بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ طرفي النهار يُرِيدُونَ وَجْهَهُ يعني يبتغون بصلاتهم وصومهم وجه ربهم وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا نزلت فى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو الفزاري وذلك أنه دخل على النبي- ﷺ وعنده الموالي وفقراء العرب منهم بلال بن رباح المؤذن، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان، وخباب
стр. 869
ابن الأرت، وعامر بن فهيرة، ومهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب، - وهو أول شهيد قتل يوم بدر- ﵃، وأيمن بن أم أيمن.
ومن العرب أبو هريرة الدوسي، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وغيرهم وكان على بعضهم شملة قد عرق فيها فقال عيينة بن حصن للنبي- ﷺ : إن لنا شرفا وحسبا، فإذا دخلنا عليك فاعرف لنا ذلك، فأخرج هذا وضرباءه «١» عنا فو الله إنه ليؤذينا ريحه يعني جبته «٢» آنفا، فإذا خرجنا من عندك فأذن لهم إن بدا لك أن يدخلوا عليك، «فاجعل لنا مجلسا ولهم مجلس» «٣» .
فأنزل الله- : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا يعني القرآن وَاتَّبَعَ هَواهُ يعني وآثر هواه وَكانَ أَمْرُهُ الذي يذكر من شرفه وحسبه فُرُطاً- ٢٨- يعني ضائعا في القيامة مثل قوله ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «٤» يعني ما ضيعنا وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ هذا وعيد نظيرها في حم السجدة اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ «٥» يعني من شاء فليصدق بالقرآن ومن شاء فليكفر بما فيه ثم ذكر مصير الكافر والمؤمن فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وذلك أنه يخرج عنق من النار فيحيط بهم، فذلك
стр. 870
السرادق، ثم قال- سبحانه: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يقول أسود غليظ كدردي الزيت يَشْوِي الْوُجُوهَ وذلك أنه إذا دنا من فيه اشتوى وجهه من شدة حر الشراب، ثم قال- سبحانه: بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً- ٢٩- يقول وبئس المنزل، ثم ذكر مصير المؤمنين فقال- سبحانه [٢٢٥ ب] : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا- ٣٠- يقول لا نضيع أجر من أحسن العمل ولكنا نجزيه بإحسانه أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يقول تجري الأنهار من تحت البساتين يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وأساور من لؤلؤ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ يعني الديباج بلغة فارس مُتَّكِئِينَ فِيها في الجنة عَلَى الْأَرائِكِ يعني الحجال مضروبة على السرر نِعْمَ الثَّوابُ الجنة يثني عليها عمل الأبرار «١» وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً- ٣١- فيها تقديم يقول إنا لا نضيع عمل الأبرار لا تضيع جزاء من أحسن عملا.
وَاضْرِبْ لَهُمْ يعني وصف لهم يعني لأهل مكة مَثَلًا يعني شبها رَجُلَيْنِ أحدهما مؤمن واسمه يمليخا، والآخر كافر واسمه فرطس، وهما أخوان من بني إسرائيل مات أبوهما، فورث كل واحد منهما عن أبيه أربعة آلاف دينار، فعمد المؤمن فأنفق ماله على الفقراء، واليتامى، والمساكين.
وعمد الكافر فاتخذ المنازل، والحيوان، والبساتين، فذلك قوله سبحانه:
جَعَلْنا لِأَحَدِهِما يعني الكافر جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً- ٣٢- كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها يعنى أعطت ثمراتها
стр. 871
كلها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً يعني ولم تنقص من الثمر شيئا يعني جمله «١» وافرا نظيرها في البقرة وَما ظَلَمُونا «٢» يعنى وما نقصونا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً- ٣٣- يعني أجرينا النهر وسط الجنتين وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ يقول وكان للكافر مال من الذهب، والفضة وغيرها من أصناف الأموال فلما افتقر المؤمن أتى أخاه الكافر متعرضا لمعروفه فقال له المؤمن: إني أخوك. وهو ضامر البطن رث الثياب.
والكافر ظاهر الدم غليظ الرقبة جيد المركب والكسوة. فقال الكافر للمؤمن:
إن كنت كما تزعم أنك أخي فأين مالك الذي ورثت من أبيك قال أقرضته إلهي الملي الوفي فقدمته لنفسي ولولدي «٣» «فقال: وإنك لتصدق أن الله يرد دين العباد» «٤» . «هيهات هيهات ضيعت نفسك وأهلكت مالك» «٥» ، فذلك قوله سبحانه:
فَقالَ الكافر لِصاحِبِهِ وهو المؤمن «٦» وَهُوَ يُحاوِرُهُ يعنى يراجعه بقول:
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً- ٣٤- يعني وأكثر ولدا وَدَخَلَ الكافر جَنَّتَهُ وهو بستانه وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ مَا أَظُنُّ يعني ما أحسب أَنْ تَبِيدَ يعني أن تهلك هذِهِ الجنة أَبَداً- ٣٥- قال: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً يعنى القيامة كائنة كما تقول [٢٢٦ ا] وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي
стр. 872
فى الآخرة لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها يعني أفضل منها من جنتي «١» مُنْقَلَباً- ٣٦- يعني مرجعا فرد عليه: قالَ لَهُ صاحِبُهُ المؤمن وَهُوَ يُحاوِرُهُ يعني يراجعه أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ يعني آدم- ﵇ لأن أول خلقه التراب ثم قال: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ يعني خلقك فجعلك رَجُلًا- ٣٧- لكِنَّا أقول هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً- ٣٨- ثم قال المؤمن للكافر: وَلَوْلا يعني هلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ يعني بستانك قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ يعني فهلا قلت بمشيئة الله أعطيتها بغير حول مني ولا قوة، ثم قال المؤمن للكافر يرد عليه: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا «٢» وَوَلَداً- ٣٩- فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً يعنى أفضل مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها يعني على جنتك حُسْباناً يعني عذابا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ جنتك صَعِيداً يعني مستويا ليس فيه شيء زَلَقاً- ٤٠- يعنى أملسا أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً يعني يغور في الأرض فيذهب فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً- ٤١- يقول فلن تقدر «٣» على الماء ثم افترقا فأرسل الله- على جنته بالليل عذابا من السماء فاحترقت وغار ماؤها بقوله وما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ الساعة قائمة «٤»
стр. 873
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ الهلاك «فلما أصبح ورأى جنته هالكة ضرب» «١» بكفه على الأخرى ندامة على ما أنفق فيها، فذلك قوله- سبحانه-: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ يعني يصفق بكفيه ندامة عَلى مَا أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها يقول ساقطة من فوقها «وَيَقُولُ «٢» يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً- ٤٢- يقول الله- تعالى-: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني جندا يمنعونه من عذاب الله الذي نزل بجنته وَما كانَ مُنْتَصِراً- ٤٣- يعني ممتنعا هُنالِكَ الْوَلايَةُ يعني السلطان ليس في ذلك اليوم سلطان غيره مثل قوله- : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ «٣» ليس في ذلك اليوم أمر إلا لله- والأمر أيضا في الدنيا لكن جعل في الدنيا ملوكا يأمرون، ومن قرأها بفتح الواو جعلها من الموالاة. هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لله يعني البعث الذي كفر به فرطس لِلَّهِ «الْحَقِّ» «٤» وحده، لا يملكه أحد «٥» ولا ينازعه أحد هُوَ خَيْرٌ ثَواباً يعني أفضل ثوابا وَخَيْرٌ عُقْباً- ٤٤- يعني أفضل عاقبة لهذا المؤمن من عاقبة هذا الكافر الذي جعل مرجعه إلى النار وَاضْرِبْ لَهُمْ لكفار مكة مَثَلَ يعني شبه الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ يعنى بالماء نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ النبت هَشِيماً يعني يابسا تَذْرُوهُ الرِّياحُ يقول-
стр. 874
- سبحانه- مثل الدنيا كمثل النبت [٢٢٦ ب] بينما هو أخضر إذ هو قد يبس وهلك فكذلك تهلك الدنيا إذا جاءت الآخرة. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من البعث وغيره مُقْتَدِراً- ٤٥- الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني حسنها وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ يعني سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خَيْرٌ يعني أفضل عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً في الآخرة وَخَيْرٌ أَمَلًا- ٤٦- يعني وأفضل رجاء مما يرجو الكافر فإن ثواب الكافر من الدنيا النار ومرجعهم «١» إليها.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ، عَنْ مقاتل بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ وَغَيْرِهِ، عن النبي- ﷺ أنه قَالَ: الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ من أماكنها وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً من الجبال والبناء والشجر وغيره «وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً» «٢» - ٤٧- فلم يبق منهم أحد إلا حشرناه عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
يعني جميعا نظيرها في طه ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا «٣» يعنى جميعاقَدْ جِئْتُمُونا
فرادى ليس معكم من دنياكم شي ءما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
حين ولدوا وليس لهم شي ءلْ زَعَمْتُمْ
فى
стр. 875
الدنيالَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
- ٤٨- يعني ميقاتا في الآخرة تبعثون فيه وَوُضِعَ الْكِتابُ بما كانوا عملوا في الدنيا بأيديهم «١» فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ من المعاصي وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنا دعوا بالويل ما لِهذَا «٢» الْكِتابِ لا يُغادِرُ يعني لا يبقي سيئة صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها يعني إلا أحصى الكتاب السيئات وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا يعني تعجل له عمله كله حاضِراً لا يغادر منه شيئا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً- ٤٩- في عمله الذي عمل حتى يجزيه به وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ يعني وقد قلنا للملائكة اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ثم استثنى فقال: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ «٣» وهو حي من الملائكة يقال لهم الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ يعني فعصى تكبرا «٤» عن أمر ربه حين أمره بالسجود لآدم قال الله- :
أَفَتَتَّخِذُونَهُ يعني إبليس وَذُرِّيَّتَهُ يعنى الشياطين أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي يعني آلهة من دوني وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ يعني إبليس والشياطين لكم معشر بني آدم عدو بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ يعني المشركين بَدَلًا- ٥٠- يقول بئس ما استبدلوا بعبادة الله- عبادة إبليس فبئس البدل هذا مَا أَشْهَدْتُهُمْ يعنى ما أحضرتهم خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ يعني إبليس وذريته ثم قال- تعالى: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً- ٥١-
стр. 876
الذين أضلوا بنى آدم [٢٢٧ ا] وذريته «١» «عَضُدًا» يعني عزا وعونا فيما خلقت من خلق السموات والأرض ومن خلقهم وَيَوْمَ يَقُولُ للمشركين نادُوا شُرَكائِيَ سلوا الآلهة الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنهم معي شركاء أهم آلهة؟ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ يقول فسألوهم فلم يجيبوهم بأنها آلهة وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبين شركائهم مَوْبِقاً- ٥٢- يعني واديا عميقا في جهنم وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ «٢» فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها يعني فعلموا أنهم مواقعوها يعني داخلوها نظيرها في براءة وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ «٣» يعنى وعلموا، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً- ٥٣- يقول لم يقدر أحد من الآلهة أن يصرف النار عنهم وَلَقَدْ صَرَّفْنا يعني لونا يعني وصفنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ من كل شبه في أمور شتى وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا «٤» - ٥٤- وَما مَنَعَ النَّاسَ يعني المستهزئين والمطعمين في غزاة بدر أَنْ يُؤْمِنُوا يعني أن يصدقوا بالقرآن إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى يعني البيان وهو القرآن وهو هدى من الضلالة وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ من الشرك إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ يعني أن ينزل بهم مثل عذاب الأمم الخالية في الدنيا فنزل ذلك بهم في الدنيا ببدر من القتل وضرب الملائكة الوجوه والأدبار
стр. 877
وتعجيل أرواحهم إلى النار، ثم قال سبحانه: أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا- ٥٥- يعني عيانا وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ بالجنة وَمُنْذِرِينَ من النار لقول كفار مكة للنبي- ﷺ في بني إسرائيل أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا «١» وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة بِالْباطِلِ وجدالهم بالباطل قولهم للرسل مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا، وَمَا أنتم برسل الله «٢» لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ يعني ليبطلوا بقولهم الحق الذي جاءت به الرسل- ﵈ ومثله قوله- سبحانه- فى حم المؤمن: لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ «٣» يعني ليبطلوا به الحق وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً- ٥٦- يعني آيات القرآن وما أنذروا فيه من الوعيد استهزاء منهم أنه ليس من الله- يعني القرآن والوعيد ليسا بشيء وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها يقول فلا أحد أظلم ممن وعظ بآيات ربه يعني القرآن نزلت في المطعمين والمستهزئين، فأعرض عن الإيمان بآيات الله القرآن فلم يؤمن بها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ يعني ترك ما سلف من ذنوبه فلم يستغفر منها، من الشرك إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً يعنى الغطاء على القلوب [٢٢٧ ب] أَنْ يَفْقَهُوهُ يعني القرآن وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً لئلا يسمعوا القرآن وَإِنْ تَدْعُهُمْ يا محمد إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً- ٥٧- من
стр. 878
أجل الأكنة والوقر يعني كفار مكة وَرَبُّكَ الْغَفُورُ «١» يعني إذا تجاوز عنهم في تأخير العذاب عنهم ذُو الرَّحْمَةِ يعني ذا النعمة «٢» حين لا يعجل بالعقوبة لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا من الذنوب لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ في الدنيا بَلْ العذاب لَهُمْ مَوْعِدٌ يعني ميقاتا يعذبون «٣» فيه لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا- ٥٨- يعني ملجأ يلجئون «٤» إليه وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا بالعذاب في الدنيا يعني أشركوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ بالعذاب مَوْعِداً- ٥٩- يعني ميقاتا وهكذا وقت هلاك كفار مكة ببدر وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى، من سبط يوسف بن يعقوب- ﵈ لا أَبْرَحُ يعني لا أزال أطلب الخضر وهو من ولد عاميل من بني إسرائيل حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ يقال لأحدهما الرش وللآخر «٥» الكر فيجتمعان فيصيران نهرا واحدا ثم يقع في البحر من وراء أذربيجان أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً- ٦٠- يعني دهرا ويقال الحقب ثمانون سنة فَلَمَّا بَلَغا يعني موسى، ويوشع بن نون مَجْمَعَ بَيْنِهِما بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما وذلك أن موسى- ﵇ لما علم ما في التوراة وفيها تفصيل كل شيء قال له رجل من بني إسرائيل: هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا، ما بقي أحد
стр. 879
من عباد الله، هو أعلم مني. فأوحى الله- إليه أن رجلا من عبادي يسكن جزائر «١» البحر، يقال له الخضر هو أعلم منك. قال: فكيف لي به؟
قال جبريل- عليك السلام-: احمل معك سمكة مالحة فحيث تنساها تجد الخضر هنالك فسار موسى ويوشع بن نون ومعهما خبز وسمكة مالحة في مكتل على ساحل البحر فأوى إلى الصخرة ليلا، والصخرة بأرض تسمى مروان على ساحل بحر أيلة وعندها عين تسمى عين الحياة فباتا عندها تلك الليلة وقرب موسى المكتل من العين وفيها السمكة فأصابها الماء فعاشت ونام موسى فوقعت السمكة في البحر فجعل لا يمس صفحتها شيء من الماء إلا انفلق «٢» عنه «٣» فقام الماء من كل جانب وصار أثر الحوت في الماء كهيئة السرب في الأرض واقتصد «٤» الحوت في مجراه ليلحقاه، فذلك قوله- سبحانه-: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً- ٦١- يعني الحوت اتخذ سبيله يعني طريقه في البحر سربا يقول كهيئة فم القربة فلما أصبحا ومشيا [٢٢٨ ا] نسي يوشع بن نون أن يخبر موسى- ﵇ بالحوت حتى أصبحا وجاعا «فَلَمَّا جاوَزا» «٥» قالَ موسى «لِفَتاهُ» «٦» ليوشع آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً- ٦٢- يعني مشقة في أبداننا، مثل قوله سبحانه: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ «٧» يعنى مشقة
стр. 880
قالَ يوشع لموسى أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ يعني انتهينا إلى الصخرة وهي في الماء فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ أن أذكر لك أمره وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ يعني موسى- ﵇ طريقه فِي الْبَحْرِ عَجَباً- ٦٣- فعجب موسى من أمر الحوت فلما أخبر يوشع موسى- ﵇ بأمر الحوت قالَ موسى ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً- ٦٤- يقول فرجعا يقصان آثارهما كقوله سبحانه في القصص قُصِّيهِ «١» يعني اتبعى أثره، فأخذا يعني موسى ويوشع في البحر في أثر الحوت حتى لقيا الخضر- ﵇ في جزيرة «في» «٢» البحر، فذلك قوله سبحانه: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا قائما يصلى آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا يقول أعطيناه النعمة وهي النبوة وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً- ٦٥- يقول من عندنا علما وعلى الخضر- ﵇ جبة صوف واسمه اليسع، وإنما سمي اليسع لأن علمه وسع ست سموات وست أرضين فأتاه موسى ويوشع من خلفه فسلما عليه فأنكر الخضر «٣» السلام بأرضه وانصرف «٤» فرأى موسى فعرفه، فقال: وعليك السلام: يا نبي بني إسرائيل فقال موسى: وما يدريك أني نبي بني إسرائيل؟ قال: أدراني الذي أرشدك إلي وأدراك بي. قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً- ٦٦- يعني علما قال الخضر- ﵇ كفى بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا فأعاد موسى