الذين أضلوا بنى آدم [٢٢٧ ا] وذريته «١» «عَضُدًا» يعني عزا وعونا فيما خلقت من خلق السموات والأرض ومن خلقهم وَيَوْمَ يَقُولُ للمشركين نادُوا شُرَكائِيَ سلوا الآلهة الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنهم معي شركاء أهم آلهة؟ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ يقول فسألوهم فلم يجيبوهم بأنها آلهة وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبين شركائهم مَوْبِقاً- ٥٢- يعني واديا عميقا في جهنم وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ «٢» فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها يعني فعلموا أنهم مواقعوها يعني داخلوها نظيرها في براءة وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ «٣» يعنى وعلموا، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً- ٥٣- يقول لم يقدر أحد من الآلهة أن يصرف النار عنهم وَلَقَدْ صَرَّفْنا يعني لونا يعني وصفنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ من كل شبه في أمور شتى وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا «٤» - ٥٤- وَما مَنَعَ النَّاسَ يعني المستهزئين والمطعمين في غزاة بدر أَنْ يُؤْمِنُوا يعني أن يصدقوا بالقرآن إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى يعني البيان وهو القرآن وهو هدى من الضلالة وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ من الشرك إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ يعني أن ينزل بهم مثل عذاب الأمم الخالية في الدنيا فنزل ذلك بهم في الدنيا ببدر من القتل وضرب الملائكة الوجوه والأدبار
стр. 877
وتعجيل أرواحهم إلى النار، ثم قال سبحانه: أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا- ٥٥- يعني عيانا وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ بالجنة وَمُنْذِرِينَ من النار لقول كفار مكة للنبي- ﷺ في بني إسرائيل أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا «١» وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة بِالْباطِلِ وجدالهم بالباطل قولهم للرسل مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا، وَمَا أنتم برسل الله «٢» لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ يعني ليبطلوا بقولهم الحق الذي جاءت به الرسل- ﵈ ومثله قوله- سبحانه- فى حم المؤمن: لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ «٣» يعني ليبطلوا به الحق وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً- ٥٦- يعني آيات القرآن وما أنذروا فيه من الوعيد استهزاء منهم أنه ليس من الله- يعني القرآن والوعيد ليسا بشيء وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها يقول فلا أحد أظلم ممن وعظ بآيات ربه يعني القرآن نزلت في المطعمين والمستهزئين، فأعرض عن الإيمان بآيات الله القرآن فلم يؤمن بها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ يعني ترك ما سلف من ذنوبه فلم يستغفر منها، من الشرك إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً يعنى الغطاء على القلوب [٢٢٧ ب] أَنْ يَفْقَهُوهُ يعني القرآن وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً لئلا يسمعوا القرآن وَإِنْ تَدْعُهُمْ يا محمد إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً- ٥٧- من
стр. 878
أجل الأكنة والوقر يعني كفار مكة وَرَبُّكَ الْغَفُورُ «١» يعني إذا تجاوز عنهم في تأخير العذاب عنهم ذُو الرَّحْمَةِ يعني ذا النعمة «٢» حين لا يعجل بالعقوبة لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا من الذنوب لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ في الدنيا بَلْ العذاب لَهُمْ مَوْعِدٌ يعني ميقاتا يعذبون «٣» فيه لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا- ٥٨- يعني ملجأ يلجئون «٤» إليه وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا بالعذاب في الدنيا يعني أشركوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ بالعذاب مَوْعِداً- ٥٩- يعني ميقاتا وهكذا وقت هلاك كفار مكة ببدر وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى، من سبط يوسف بن يعقوب- ﵈ لا أَبْرَحُ يعني لا أزال أطلب الخضر وهو من ولد عاميل من بني إسرائيل حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ يقال لأحدهما الرش وللآخر «٥» الكر فيجتمعان فيصيران نهرا واحدا ثم يقع في البحر من وراء أذربيجان أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً- ٦٠- يعني دهرا ويقال الحقب ثمانون سنة فَلَمَّا بَلَغا يعني موسى، ويوشع بن نون مَجْمَعَ بَيْنِهِما بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما وذلك أن موسى- ﵇ لما علم ما في التوراة وفيها تفصيل كل شيء قال له رجل من بني إسرائيل: هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا، ما بقي أحد
стр. 879
من عباد الله، هو أعلم مني. فأوحى الله- إليه أن رجلا من عبادي يسكن جزائر «١» البحر، يقال له الخضر هو أعلم منك. قال: فكيف لي به؟
قال جبريل- عليك السلام-: احمل معك سمكة مالحة فحيث تنساها تجد الخضر هنالك فسار موسى ويوشع بن نون ومعهما خبز وسمكة مالحة في مكتل على ساحل البحر فأوى إلى الصخرة ليلا، والصخرة بأرض تسمى مروان على ساحل بحر أيلة وعندها عين تسمى عين الحياة فباتا عندها تلك الليلة وقرب موسى المكتل من العين وفيها السمكة فأصابها الماء فعاشت ونام موسى فوقعت السمكة في البحر فجعل لا يمس صفحتها شيء من الماء إلا انفلق «٢» عنه «٣» فقام الماء من كل جانب وصار أثر الحوت في الماء كهيئة السرب في الأرض واقتصد «٤» الحوت في مجراه ليلحقاه، فذلك قوله- سبحانه-: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً- ٦١- يعني الحوت اتخذ سبيله يعني طريقه في البحر سربا يقول كهيئة فم القربة فلما أصبحا ومشيا [٢٢٨ ا] نسي يوشع بن نون أن يخبر موسى- ﵇ بالحوت حتى أصبحا وجاعا «فَلَمَّا جاوَزا» «٥» قالَ موسى «لِفَتاهُ» «٦» ليوشع آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً- ٦٢- يعني مشقة في أبداننا، مثل قوله سبحانه: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ «٧» يعنى مشقة
стр. 880
قالَ يوشع لموسى أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ يعني انتهينا إلى الصخرة وهي في الماء فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ أن أذكر لك أمره وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ يعني موسى- ﵇ طريقه فِي الْبَحْرِ عَجَباً- ٦٣- فعجب موسى من أمر الحوت فلما أخبر يوشع موسى- ﵇ بأمر الحوت قالَ موسى ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً- ٦٤- يقول فرجعا يقصان آثارهما كقوله سبحانه في القصص قُصِّيهِ «١» يعني اتبعى أثره، فأخذا يعني موسى ويوشع في البحر في أثر الحوت حتى لقيا الخضر- ﵇ في جزيرة «في» «٢» البحر، فذلك قوله سبحانه: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا قائما يصلى آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا يقول أعطيناه النعمة وهي النبوة وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً- ٦٥- يقول من عندنا علما وعلى الخضر- ﵇ جبة صوف واسمه اليسع، وإنما سمي اليسع لأن علمه وسع ست سموات وست أرضين فأتاه موسى ويوشع من خلفه فسلما عليه فأنكر الخضر «٣» السلام بأرضه وانصرف «٤» فرأى موسى فعرفه، فقال: وعليك السلام: يا نبي بني إسرائيل فقال موسى: وما يدريك أني نبي بني إسرائيل؟ قال: أدراني الذي أرشدك إلي وأدراك بي. قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً- ٦٦- يعني علما قال الخضر- ﵇ كفى بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا فأعاد موسى
стр. 881
الكلام ف قالَ الخضر إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً- ٦٧- قال موسى:
ولم؟ قال: لأني أعمل أعمالا لا تعرفها ولا تصبر على ما ترى من العجائب «١» حتى تسألني عنه وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً- ٦٨- يعني علما قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً قال مُقَاتِلُ: فلم يصبر موسى ولم يأثم بقوله سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً على ما أرى من العجائب فلا أسألك عنها وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً- ٦٩- فيما أمرتني به أو نهيتني عنه قالَ الخضر- ﵇: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً- ٧٠-[٢٢٨ ب] يقول حتى أبين لك بيانه «فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» «٢» : «فمرت سفينة» «٣» فيها ناس فقال الخضر:
يا أهل السفينة احملونا معكم في بحر أيلة. قال بعضهم: إن هؤلاء لصوص «٤» فلا تحملوهم معنا. قال صاحب السفينة: أرى وجوه أنبياء وما هم بلصوص فحملهم بأجر فعمد الخضر فضرب ناحية السفينة بقدوم فخرقها فدخل الماء فيها فعمد موسى فأخذ ثيابا فدسها في خرق السفينة فلم يدخل الماء وكان موسى- ﵇ ينكر الظلم، فقام موسى إلى الخضر- ﵉ فأخذ بلحيته وقالَ له موسى: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً- ٧١- يعني لقد أتيت أمرا منكرا فالتزمه الخضر وذكره الصحبة وناشده بالله وركب الخضر على الخرق لئلا يدخلها الماء قالَ له الخضر: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً- ٧٢-
стр. 882
على ما ترى من العجائب قال يوشع لموسى: اذكر العهد الذي أعطيته من نفسك قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي يعنى تغشينى مِنْ أَمْرِي عُسْراً- ٧٣- يعني من قولي عسرا ثم قعد موسى مهموما يقول في نفسه لقد كنت غنيا عن اتباع هذا الرجل وأنا في بني إسرائيل أقرئهم كتاب الله- غدوة وعشيا، فعلم الخضر ما حدث به «١» موسى نفسه وجاء طير يدور «٢» يرون أنه خطاف حتى وقع على ساحل البحر فنكث بمنقاره في البحر ثم وقع على صدر السفينة ثم صوت، فقال الخضر لموسى: أتدرك ما يقول هذا الطائر قال موسى: لا أدري «٣» . قال الخضر يقول: ما علم الخضر وعلم موسى في علم الله إلا كقدر ما رفعت بمنقاري «٤» من ماء البحر في قدر البحر «٥» ثم خرجا من السفينة على بحر أيلة «فَانْطَلَقا حَتَّى «إِذا» «٦» لَقِيا «٧» غُلاماً سداسيا فَقَتَلَهُ الخضر بحجر أسود واسم الغلام حسين بن كازري واسم أمه سهوى «٨» ، فلم يصبر موسى حين رأى المنكر ألا ينكره ف قالَ للخضر: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً يعني لا ذنب لها ولم يجب عليها القتل بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً- ٧٤- يقول أتيت أمرا فظيعا قال يوشع لموسى: اذكر العهد الذي
стр. 883
أعطيته عن نفسك قالَ الخضر لموسى- ﵉: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً- ٧٥- وإنما قال: ألم أقل لك لأنه كان قد تقدم «١» إليه قبل ذلك «بقوله» «٢» : «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» على ما ترى من العجائب قالَ موسى: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها يعنى [٢٢٩ أ] بعد قتل النفس فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً- ٧٦- يقول لقد أبلغت «٣» في العذر إلي فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها الطعام تسمى القرية «باجروان» «٤» ويقال أنطاكية.
قال مُقَاتِلُ: قال قتادة: هي القرية «٥» فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما يعني أن يطعموهما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ كانوا بَلُّوا الطينَ «٦» فَأَقامَهُ الخضر جديدا فسواه قالَ موسى عمدت إلى قوم لم يطعمونا ولم يضيفونا فأقمت لهم جدارهم فسويته لهم بغير أجر يعني بغير طعام ولا شيء لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً- ٧٧- أي لو شئت أعطيت عليه شيئا قالَ الخضر: هَذَا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ يعني بعاقبة مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً- ٧٨- كقوله سبحانه-: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ «٧» يعني عاقبته ثم قال الخضر لموسى- ﵉: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
стр. 884
يعنى أن أخرقها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يعني أمامهم كقوله سبحانه: وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا «١» واسم الملك مبدلة «٢» بن جلندي الأزدي يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة صحيحة سوية غَصْباً- ٧٩- كقوله سبحانه: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً «٣» يعني سويا، يعني غصبا من أهلها يقول فعلت ذلك لئلا ينتزعها من أهلها ظلما وهم لا يضرهم خرقها وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ
وكان الغلام كافرا، يقطع الطريق، ويحدث الحدث، ويلجأ إليهما ويجادلان عنه ويحلفان بالله ما فعله وهم يحسبون أنه برئ من الشر قال الخضر: فَخَشِينا يعني فعلمنا كقوله سبحانه: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً «٤» يعني علمت، وكقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما «٥» يعني علمتم أَنْ يُرْهِقَهُما يعني يغشيهما طُغْياناً يعني ظلما وَكُفْراً- ٨٠- وفي قراءة أبي بن كعب «فخاف ربك» يعني فعلم ربك فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما «٦» رَبُّهُما يعني لأبويه لقتل الغلام، والعرب تسمى الغلام غلاما ما لم تستو «٧» لحيته فأردنا أن يبدلهما ربهما يعني يبدل والديه خَيْراً مِنْهُ زَكاةً يعني عملا وَأَقْرَبَ رُحْماً- ٨١- يعني وأحسن منه برا بوالديه وكان في شرف وعده.
وبلغنا عن النبي- ﷺ أنه قال: إن الله-
стр. 885
أبدلهما غلاما مكان المقتول ولو عاش المقتول لهلكا في سببه
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ يعني في قرية تسمى باجروان ويقال هي أنطاكية وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما.
حدثنا عبيد الله قال [٢٢٩ ب] : حدثنا أبي عن الهذيل عن مقاتل عن الضحاك ومجاهد قال: صحفا فيها العلم ويقال المال وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً يعني ذا أمانة اسم الأب كاشح واسم الأم دهنا، واسم أحد الغلامين أصرم، والآخر صريم فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما والأشد ثماني «١» عشرة سنة رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يقول نعمة من ربك للغلامين وَما فَعَلْتُهُ وما فعلت هذا «٢» عَنْ أَمْرِي ولكن الله أمرني به ذلِكَ تَأْوِيلُ يعني عاقبة مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً- ٨٢- يعني هذا عاقبة ما رأيت من العجائب نظيرها هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ «٣» يعني عاقبة ما ذكر الله- تعالى- في القرآن من الوعيد وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ يعنى الإسكندر وقيصر ويسمى «٤» الملك القابض على قاف وهو جبل محيط بالعالم ذو القرنين «٥» ، وإنما سمى ذو القرنين «٦» لأنه أتى قرني الشمس المشرق والمغرب قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ يا أهل مكة ذِكْراً- ٨٣- يعني علما إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً- ٨٤-
стр. 886
يعني علم أسباب منازل الأرض وطرقها فَأَتْبَعَ سَبَباً- ٨٥- حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ يعني حارة سوداء قال ابن عباس: إذا طلعت الشمس «١» أشد حرا منها إذا غربت وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أوحى الله- إليه جاءه جبريل- ﵇ فخبره: «قلنا» «٢» فقال: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً- ٨٦- يقول: وإما «٣» أن تعفو عنهم كل «٤» هذا مما أمره الله- به «٥» وخيره قالَ ذو القرنين: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ يعني نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ في الآخرة بالنار عَذاباً نُكْراً- ٨٧- يعني فظيعا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ يعني صدق بتوحيد اللَّه- وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى يعني الجنة وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً- ٨٨- يقول سنعده معروفا فلم يؤمن منهم غير رجل واحد ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً- ٨٩- يعني علم منازل الأرض وطرقها حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً- ٩٠- يعني من دون الشمس سترا كانوا يستقرون في الأرض في أسراب من شدة الحر وكانوا في مكان لا يستقر عليهم البناء «٦» فإذا زالت الشمس خرجوا إلى معايشهم ثم قال:
стр. 887
كَذلِكَ يعني هكذا بلغ مطلع الشمس كما بلغ مغربها «١» ، ثم استأنف فقال «٢» - سبحانه-: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً- ٩١- يعني بما عنده علما ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً- ٩٢- يعنى علم منازل الأرض وطرقها [٢٣٠ أ] حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ يعني بين الجبلين وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا- ٩٣- يعني لم يكن أحد يعرف لغتهم قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وهما أخوان من «٣» ولد يافث بن نوح مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ يعني بالفساد القتل، يعني أرض «٤» المسلمين فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً يعني جعلا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا- ٩٤- لا يصلون إلينا قالَ ذو القرنين: مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ يقول ما أعطاني ربي من الخير خير من جعلكم يعني أعْطِيَتكُم فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ يعني بعدد رحال «٥» مثل قوله- فى سورة هود: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ «٦» يعني عددا إلى عددكم أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً- ٩٥- لا يصلون إليكم آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني قطع الحديد حَتَّى إِذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ يعني حشى بين الجبلين بالحديد، والصدفين الجبلين وبينهما واد عظيم ف قالَ انْفُخُوا على الحديد حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نَارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً- ٩٦-
стр. 888
قال أعطوني الصفر المذاب أصبه «١» عليه ليلحمه فيكون «٢» أشد له.
قال رجل للنبي- ﷺ : قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال النبي- ﷺ : انعته لي. قال: هو كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء «٣» . قال النبي- ﷺ : نعم قد رأيته
يقول الله- فَمَا اسْطاعُوا يعني فما قدروا أَنْ يَظْهَرُوهُ على أن يعلوه من فوقه مثل قوله فى الزخرف مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ «٤» يعنى يرتقون وَمَا اسْتَطاعُوا يعني وما قدروا لَهُ نَقْباً- ٩٧-.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ مُقَاتِلٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- ﵇: إِنَّهُمْ خَلْفَ الرَّدْمِ لا يَمُوتُ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى يُولَدَ لَهُ أَلْفُ ذَكَرٍ لِصُلْبِهِ، وَهُمْ يَغْدُونَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ وَيُعَالِجُونَ الرَّدْمَ، فَإِذَا أَمْسَوْا يَقُولُونَ نَرْجِعُ فَنَفْتَحُهُ غَدًا «٥» وَلا يَسْتَثْنُونَ حَتَّى يُولَدَ فِيهِمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَإِذَا غَدَوْا إِلَيْهِ، قَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُ: قُولُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَيُعَالِجُونَ حَتَّى يَتْرُكُوهُ «٦» رَقِيقًا كَقِشْرِ الْبَيْضِ، وَيَرَوْا «٧» ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَإِذَا أَصْبَحُوا غَدَوْا «٨» عَلَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُمُ الْمُسْلِمُ نَرْجِعُ غَدًا- إِنْ شاء الله- فنفتحه فإذا غدوا عليه،
стр. 889
قَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُ: قُولُوا بِاسْمِ اللَّهِ فَيَنْقُبُونَهُ فَيَخْرُجُونَ مِنْهُ فَيَطُوفُونَ «١» الأَرْضَ وَيَشْرَبُون مَاءَ الْفُرَاتِ فيجيء «٢» آخرهم فيقول قد كان هاهنا مَرَّةً مَاءٌ وَيَأْكُلُونَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الشَّجَرَ [٢٣٠ ب] وَلا يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ غَيْرِهَا إِلا فاموه «٣» .
فلما فرغ ذو القرنين من بناء الردم
قالَ هَذَا يعني هذا الردم رَحْمَةٌ يعني نعمة مِنْ رَبِّي للمسلمين فلا يخرجون إلى أرض المسلمين فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي في الرد وقع الردم، فذلك قوله جَعَلَهُ دَكَّاءَ يعني الردم وقع فيخرجون إلى أرض المسلمين «٤» وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا- ٩٨- في وقوع الردم يعني صدقا فإذا خرجوا هرب ثلث أهل الشام، ويقاتلهم الثلث، ويستسلم لهم الثلث. ثم أخبر سبحانه فقال «٥» : وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ يعني يوم فرغ ذو القرنين من الردم «يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» يعني من وراء الردم لا يستطيعون الخروج منه وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً- ٩٩- يعنى بالجمع لم يغادر منهم أحد إلا حشره وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ بالقرآن من أهل مكة عَرْضاً- ١٠٠- يعني بالعرض كشف الغطاء عنهم الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي يعني عليها غشاوة الإيمان بالقرآن لا يبصرون الهدى بالقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً- ١٠١- يعنى الإيمان
стр. 890
بالقرآن سمعا، كقوله سبحانه: إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً «١» يعنى ثقلا أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ يعنى بالآلهة بأن ذلك نافعهم وأنها تشفع لهم، ثم أخبر بمنزلتهم في الآخرة، فقال- سبحانه: إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا- ١٠٢- يعني منزلا قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا- ١٠٣- يعني أصحاب الصوامع من النصارى، ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ يعني حبطت أعمالهم التي عملوها «فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» «٢» وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً- ١٠٤- أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني القرآن وَلِقائِهِ يعني بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يعني فبطلت أعمالهم الحسنة فلا تقبل منهم لأنها كانت في غير إيمان فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً- ١٠٥- من خير قدر مثقال جناح بعوضة ذلِكَ جَزاؤُهُمْ يقول هذا جزاؤهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا بالقرآن وَاتَّخَذُوا آياتِي يعني القرآن وَرُسُلِي يعني محمدا- ﷺ هُزُواً- ١٠٦- يعني استهزاء بهما أنهما ليسا من الله- ثم ذكر المؤمنين وما أعد لهم، فقال- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا- ١٠٧- بلغة الروم يعني البساتين «٣» عليها الحيطان خالِدِينَ فِيها لا يموتون لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا- ١٠٨-[٢٣١ ا] يعنى تحولا «٤» إلى غيرها.
стр. 891
وذلك «١» أن اليهود قالوا للنبي- ﷺ : تزعم أنك أوتيت الحكمة، والحكمة العلم كله وتزعم أنه لا علم لك بالروح وتزعم أن الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي «٢» فكيف يكون هذا فقال الله- تعالى- ذكره لنبيه- ﷺ :
إنك أوتيت علما وعلمك فى علم الله قليل. فقال- سبحانه- لليهود: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي يعني علم ربي ﷻ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي يعني علم ربي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً- ١٠٩- بخبر الناس أنه لا يدرك أحد علم الله- . قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ يقول ربكم رب واحد «٣» فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ يقول من كان يخشى البعث في الآخرة. نزلت في جندب بن زهير الأزدي،
ثم العامري قال للنبي- ﷺ :
إنا لنعمل العمل «٤» نريد به وجه الله- فيثنَى به علينا، فيعجبنا ذلك.
فقال النبي- ﷺ : إن الله «٥» لغني «٦» لا يقبل ما شورك فيه فأنزل الله- «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ»
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً- ١١٠-.
стр. 892
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني أبي، قال: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : يقول الله- : أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ «١» مَنْ أَشْرَكَنِي فِي عَمَلٍ جَعَلْتُ الْعَمَلَ كُلَّهُ لِشَرِيكِي وَلا أَقْبَلُ إِلا مَا كَانَ لِي خَالِصًا.
حدثنا»
عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي «٣» أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ، عَنْ شيبان أبي معاوية التميمي قال «٤» : إن الله- ليحفظ الصالحين في أبنائهم لقوله- وكان أبوهما صالحا.
قال: اسم الكهف بانجلوس، واسم القرية اللوس واسم المدينة أفسوس.
واسم الكلب قطمير واسم القاضيين أحدهما مارنوس والآخر اسطوس، واسم الملك دقيوس، وأسماء أهل الكهف: دوانس «٥» ، ونواس، مارطونس، رسارنوس، وقاطلس، وطسططنوس «٦» ، ومكسلمينا ويمليخا.
وحدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ قال: وحدثني أبي عن الْهُذَيْلِ، عن غياث بن إبراهيم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: ما في الأرض لغة إلا أنزلها الله في القرآن. وقال: اسم جبريل عبد الله واسم ميكائيل عُبَيْدُ الله.
стр. 893
قال: وحدثني أبي عن الْهُذَيْلِ، عن الليث بن سعد «١» ، عن عطاء بن خالد، قال: يحج عيسى إذا نزل في سبعين ألفا «٢» فيهم أصحاب الكهف فإنهم لم يموتوا ولم يحجوا «٣» .
سورة مريم «١» مكية كلها. إلا آية سجدتها فإنها مدنية «٢» ، وهي ثمان وتسعون آية كوفى «٣»
стр. 897
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كهيعص- ١- كاف «١» هاد «٢» عالم صادق.
هذا ثناء الرب- ﵎ على نفسه يقول كافيا لخلقه هاديا لعباده، الياء من الهادي «٣» ، عالم ببريته «٤» ، صادق فى قوله- ، ثم قال سبحانه:
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ يعني نعمة ربك يا محمد عَبْدَهُ زَكَرِيَّا- ٢- ابن برخيا وذلك أن الله- تعالى- ذكر «٥» عبده زكريا بالرحمة إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا- ٣- يقول إذ دعا ربه دعاء سرا، وإنما دعا ربه- سرا لئلا يقول الناس انظروا إلى هذا الشيخ الكبير يسأل الولد على كبره قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي يعني ضعف العظم مني وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً يعني بياضا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا- ٤- يعني خائبا فيما خلا، كنت تستجيب لي فلا تخيبني في دعائي إياك بالولد وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً يقول خفت الكلالة وهم العصبة من بعد موتي أن يرثوا مالي فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا- ٥- يعني من عندك ولدا «يَرِثُنِي» «٦» يرث مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ابن ماثان علمهم ورياستهم فى الأحبار، وكان
стр. 898
يعقوب وعمران «أبو مريم» «١» أخوين ابنا ماثان ومريم ابنة عمران بن ماثان وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا- ٦- يعني صالحا فاستجاب الله- لزكريا في الولد، فأتاه جبريل «٢» وهو يصلي فقال: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا- ٧- لم يكن أحد من الناس فيما خلا يسمى يحيى، وإنما سماه يحيى لأنه «٣» أحياه من بين شيخ كبير وعجوز عاقر فلما بشر ميتين بالولد «٤» قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ يعني من أين يكون لي غلام وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أيليشفع لا تلد وَقَدْ بَلَغْتُ أنا مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا- ٨- يعني بؤسا وكان زكريا يومئذ ابن خمس وسبعين سنة قالَ له جبريل- ﵇: كَذلِكَ يعني هكذا قالَ رَبُّكَ إنه ليكون لك غلام «هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ «٥» » وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ أن تسألني الولد وَلَمْ تَكُ شَيْئاً- ٩- قالَ زكريا: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً يعني علما للحبل «٦» فسأل الآية بعد مشافهة جبريل «٧» قالَ جبريل- ﵇ آيَتُكَ «٨» إذا جامعتها «٩» على طهر فحبلت فإنك تصبح تلك الليلة لا تستنكر من
стр. 899
نفسك خرسا ولا مرضا ولكن لا تستطيع الكلام «أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ «١» » ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا- ١٠- أنت فيهن سوي صحيح فأخذ بلسانه عقوبة حين سأل الآية بعد مشافهة جبريل- ﵉ ولم يحبس الله- لسانه عن ذكره ولا عن الصلاة فَخَرَجَ زكريا عَلى قَوْمِهِ بني إسرائيل مِنَ الْمِحْرابِ يعني من المسجد فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا- ١١-[٢٢٢ ا] يقول كتب كتابا بيده وهو الوحي إليهم أن صلوا بالغداة والعشي يَا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ يعني التوراة بِقُوَّةٍ يعني بجد ومواظبة عليه «٢» وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا- ١٢- يعني وأعطينا يحيى العلم والفهم وهو ابن ثلاث سنين وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا يقول رحمة من عندنا وَزَكاةً يعني جعله صالحا وطهره «٣» من الذنوب وَكانَ تَقِيًّا- ١٣- يعني مسلما وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
يقول وجعلناه مطيعا لوالديه وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
يعني متكبرا عن عبادة الله- عَصِيًّا
- ١٤- يعنى ولا عاص لربه وَسَلامٌ عَلَيْهِ
يعني على يحيى- ﵇ يَوْمَ وُلِدَ
يعني حين ولد، مثل قوله سبحانه: فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ «٤» يعني «حين» «٥» خلق السموات، قال عيسى- ﷺ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا»
- يعني حين أموت وحين أبعث «وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ»
стр. 900
«وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا»
«١» - ١٥- يعنى حين يبعث بعد الموت وَاذْكُرْ
لأهل مكة فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ
يعني في القرآن ابنة عمران بن ماثان ويعقوب بن ماثان من نسل سليمان بن داود- ﵈ إِذِ انْتَبَذَتْ
يعني إذ انفردت مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
- ١٦- فجلست في المشرقة لأنه كان الشتاء فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
يعني جبلا فجعلت الجبل بينها وبينهم فلم يرها أحد منهم كقوله في ص: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ «٢» يعني الجبل وهو دون ق بمسيرة سنة والشمس تغرب من ورائه فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبريل- ﵇ فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
- ١٧- يعني إنسانا سويا يعني سوي الخلق على صورة شاب أمرد جعد الرأس فلما رأته حسبته إنسانا قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
- ١٨- يعني مخلصا لله- تعبده قالَ
جبريل- ﵇ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
بأمر الله- غُلاماً زَكِيًّا
- ١٩- يعني مخلصا يقول صالحا.
قالَتْ مريم أَنَّى من أين يَكُونُ لِي غُلامٌ «٣» وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يعني ولم يكن لي زوج وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا- ٢٠- يعني ولم أركب فاحشة قالَ جبريل- ﵇: كَذلِكِ يعني هكذا قالَ رَبُّكِ إنه يكون لك ولد من غير زوج هُوَ عَلَيَّ على الله «٤» هَيِّنٌ يعني يسير أن يخلق فى بطنك ولدا
стр. 901
من غير بشر وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً يقول ولكي نجعله عبرة لِلنَّاسِ يعني في بني إسرائيل وَرَحْمَةً يعني ونعمة مِنَّا لمن تبعه على دينه، مثل قوله- سبحانه-:
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «١» يعنى بالرحمة «٢» نعمة لمن اتبعه «٣» على دينه وَكانَ عيسى- صلى الله عليه- من غير بشر أَمْراً مَقْضِيًّا- ٢١- قد قضى الله- في اللوح المحفوظ أنه كائن لا بد «٤» فَحَمَلَتْهُ [٢٣٢ ب] أمه مريم- ﵍ وهي ابنة ثلاث عشرة سنة «٥» ومكثت مع عيسى- ﵇ ثلاثا وثلاثين سنة وعاشت بعد ما رفع عيسى «٦» ست سنين فماتت ولها اثنتان «٧» وخمسون سنة فحملته أمه في ساعة واحدة وصور في ساعة واحدة وأرضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها وقد كانت حاضت حيضتين قبل «٨» حمله فَانْتَبَذَتْ بِهِ يعني فانفردت بعيسى- ﷺ مَكاناً قَصِيًّا- ٢٢- يعني نائيا من أهلها من وراء الحيل فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ يعني فألجأها ولم يكن لها سعف قالَتْ مريم: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا الولد حياء من الناس، ثم قالت: وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا- ٢٣- يعني كالشيء الهالك الذي لا يذكر فينسى فَناداها جبريل- ﵇ مِنْ تَحْتِها يعني من أسفل منها في الأرض وهي فوقه على رابية «٩» وجبريل
стр. 902
- ﵇ «١» - يناديها بهذا «٢» الكلام أَلَّا تَحْزَنِي ذلك حين تمنت الموت قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا- ٢٤- يعني الجدول الصغير من الأنهار وقال جبريل- ﵇ لها: «وَهُزِّي إِلَيْكِ» «٣» يعني وحركي إليك بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا- ٢٥- يعني بالجني ما ترطب به من البسر وكانت شجرة يابسة فاخضرت وهي تنظر، وحملت الرطب مكانها وهي تنظر، ثم نضجت وهي تنظر، ثم أجرى الله- لها نهرا من الأردن حتى جاءها فكان بينهما وبين جبريل- ﵇ وهذا كلام جبريل لها وإنما جعل الله- ذلك لتؤمن بأمر عيسى- صلى الله عليه- ولا تعجب منه.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حدثني أبي، قال: حدثنا الهذيل، قال: قال مُقَاتِلُ: وَأُخْبِرْتُ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:
«إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً» يَعْنِي صَمْتًا. فَكُلِي من النخلة وَاشْرَبِي من الماء العذب وَقَرِّي عَيْناً بالولد فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً يعنى صمتا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا- ٢٦- فى عيسى- صلى الله عليه- فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها بالولد تَحْمِلُهُ إلى بني إسرائيل في حجرها ملفوفا في خرق قالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا- ٢٧- يقول أتيت أمرا منكرا يَا أُخْتَ هارُونَ الذي هو أخو موسى.
стр. 903
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني أبي عن الْهُذَيْلِ، قَالَ: قَالَ مُقَاتِلُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : إِنَّمَا عَنَوْا هَارُونَ أَخَا مُوسَى لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ نَسْلِهِ.
مَا كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ يعنى بزان كقوله [٢٢٣ ا] سبحانه-: مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً «١» يعني الزنا، وكقوله- سبحانه-:
مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ «٢» وكان عمران من عظماء بني إسرائيل وَما كانَتْ أُمُّكِ حنة بَغِيًّا- ٢٨- بزانية فمن أين هذا الولد؟ فَأَشارَتْ إِلَيْهِ يعني إلى ابنها عيسى- صلى الله عليه- أن كلموه «قالُوا» «٣» قال قومها: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ يعني من هو فِي الْمَهْدِ يعني في حجر أمه ملفوفا في خرق صَبِيًّا- ٢٩- فدنا زكريا من الصبي، فقال تكلم يا صبي بعذرك إن كان لك عذر ف قالَ الصبي وهو يومئذ ولد «٤» إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وكذبت النصارى فيما يقولون فأول ما «٥» تكلم به «٦» الصبي أنه «٧» أقر لله «٨» بالعبودية آتانِيَ الْكِتابَ يعني أعطاني الإنجيل فعلمنيه وَجَعَلَنِي نَبِيًّا- ٣٠- وَجَعَلَنِي مُبارَكاً يعني معلما مؤدبا في الخير أَيْنَ ما كُنْتُ من الأرض وأوصانى ب إقامة الصلاة وإيتاء الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا- ٣١- وَبَرًّا بِوالِدَتِي يقول وأوصانى أن
стр. 904
أكون برا بوالدتي يعني مطيعا لأمي مريم وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً يعني متكبرا عن عبادة الله شَقِيًّا- ٣٢- يعني عاصيا لله- وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ فلما ذكر الوالدة ولم يذكر الوالد ضمه زكريا إلى صدره، وقال: أشهد أنك عبد الله ورسوله، «وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ» يعني حين ولدت وَيَوْمَ أَمُوتُ يعني وحين أموت وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا- ٣٣- يعني وحين أبعث حيا بعد الموت في الآخرة، ثم لم يتكلم بعد ذلك حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان فلما قال: «وَبَرًّا بِوالِدَتِي» ضمه زكريا. يقول الله- : ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ يعنى هذا عيسى بن مريم قول العدل يعني الصدق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ- ٣٤- يعني الذي فيه يشكون في أمر عيسى- صلى الله عليه- وهم النصارى مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ يعنى عيسى- صلى الله عليه- سُبْحانَهُ نزه نفسه- إِذا قَضى أَمْراً كان في علمه يعني عيسى- صلى الله عليه- فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ- ٣٥- مرة واحدة لا يثني القول فيه مرتين.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني أبي عن الْهُذَيْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُقَاتِلٌ عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابن عباس أنه قال: كن فيكون بِالْفَارِسِيَّةِ: لا يُثَنِّي الْقَوْلَ مَرَّتَيْنِ، إِذَا قَالَ مَرَّةً كَانَ.
ثم قال عيسى- صلى الله عليه- لبني إسرائيل: وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ يعني فوحدوه هَذَا التوحيد صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ- ٣٦- يعني دين الإسلام مستقيم وغير دين الإسلام أعوج ليس بمستقيم فَاخْتَلَفَ
стр. 905
الْأَحْزابُ
[٣٣٢ ب] يعني النصارى «مِنْ بَيْنِهِمْ» «١» تحزبوا في عيسى- صلى الله عليه- ثلاث فرق النسطورية قالوا عيسى ابن الله- وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً «٢» والمار يعقوبية قالوا عيسى هو الله- سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ «٣» والملكانيون قالوا: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ «٤» .
يقول الله: «وحده لا شريك له «٥» » : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني تحزبوا في عيسى- صلى الله عليه- مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ- ٣٧- لديه، يعني يوم القيامة «٦» أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يقول هم يوم القيامة «٧» أسمع قوم «٨» وأبصر بما كانوا فيه من الوعيد وغيره يَوْمَ يَأْتُونَنا في الآخرة، فذلك قوله- سبحانه-:
رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ «٩» ، ثم قال سبحانه: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٣٨- يعني المشركين اليوم في الدنيا في ضلال مبين فلا يسمعون اليوم، ولا يبصرون ما يكون في الآخرة وَأَنْذِرْهُمْ يعني كفار مكة يَوْمَ الْحَسْرَةِ يوم يذبح الموت كأنه كبش أملح.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ، عَنْ مُقَاتِلٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يُجْعَلُ الْمَوْتُ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ،
стр. 906
فَيَذْبَحُهُ جِبْرِيلُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَيُقَالُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ فِيهَا «١» . وَلأَهْلِ النَّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ فِيهَا «٢» ، فَلَوْلا مَا قَضَى اللَّهُ- عَلَى أَهْلِ النَّارِ مِنْ تَعْمِيرِ «٣» أَرْوَاحِهِمْ فِي أَبْدَانِهِمْ لَمَاتُوا مِنَ الْحَسْرَةِ- ثم قال سبحانه: إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ يعني إذا قضي العذاب وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ اليوم وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ- ٣٩- يعني لا يصدقون بما يكون في الآخرة إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها يعني نميتهم ويبقى الرب- ﷻ ونرث أهل السماء وأهل الأرض، ثم قال- سبحانه-: وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ- ٤٠- يعني في الآخرة بعد الموت وَاذْكُرْ يا محمد لأهل مكة فِي الْكِتابِ يعني في القرآن أمر إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً يعني مؤمنا بالله تعالى نَبِيًّا- ٤١- مثل قوله سبحانه: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ «٤» يعني مؤمنة إِذْ قالَ لِأَبِيهِ
آزر يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ
الصوت وَلا يُبْصِرُ
شيئا يعني الأصنام وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
- ٤٢- في الآخرة يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ يعنى البيان ما لَمْ يَأْتِكَ يعني ما يكون من بعد الموت فَاتَّبِعْنِي على ديني أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا- ٤٣- يعني طريقا عدلا يعني دين الإسلام يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ يعني لا تطع «٥» الشيطان في العبادة إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا- ٤٤- يعني عاصيا ملعونا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ يعني أن يصيبك عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ في الآخرة
стр. 907
فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا- ٤٥- يعنى قريبا فى [٢٣٤ ا] الآخرة فرد عليه أبوه ف قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ يعني لئن لم تسكت لأشتمنك وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا- ٤٦- يعني أيام حياتك ويقال طويلا واعتزلني وأطل هجراني وكل شيء في القرآن لأرجمنك يعني به القتل غير هذا.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ مُقَاتِلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَاعْتَزِلْنِي سَالِمَ الْعِرْضِ لا يُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ قالَ إِبْرَاهِيمُ: سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا- ٤٧- يَعْنِي لَطِيفًا رَحِيمًا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ «وأعتزل ما تعبدون» «١» من دون الله «من» «٢» الآلهة فكان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من كوثا فهاجر منها إلى الأرض المقدسة، ثم قال إبراهيم: وَأَدْعُوا رَبِّي في الاستغفار لك عَسى أَلَّا «٣» أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا- ٤٨- يعني خائبا بدعائي لك بالمغفرة فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَواعتزل ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة وهي الأصنام وذهب مهاجرا منها وَهَبْنا لَهُ بعد الهجرة إلى الأرض المقدسة إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا- ٤٩- يعنى إبراهيم، وإسحاق، يعقوب وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا يعني من نعمتنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا- ٥٠- يعني ثناء حسنا رفيقا يثني عليهم جميع أهل الأديان بعدهم وَاذْكُرْ لأهل مكة فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً يعنى مسلما موحدا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا- ٥١-
стр. 908
وَنادَيْناهُ يعني دعوناه ليلة الجمعة مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ يعني من ناحية الجبل وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا- ٥٢- يعني كلمناه من قرب وكان بينهما حجاب خفي سمع صرير القلم ويقال صريف القلم وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا- ٥٣- فوهب الله- له أخاه هارون وذلك حين «١» سأل موسى- ﵇ ربه- فقال- وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي «٢» وحين قال فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ «٣» وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ يعني واذكر لأهل مكة فى القرآن أمر إِسْماعِيلَ بن إبراهيم لصلبه إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وذلك أن إسماعيل- ﵇ وعد رجلا أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه. فأقام ثلاثة أيام للميعاد حتى رجع الرجل إليه وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا- ٥٤- وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ كقوله- سبحانه- فى طه: وَأْمُرْ أَهْلَكَ «٤» يعني قَوْمَكَ بِالصَّلاةِ وفي قراءة ابن مسعود «وكان يأمر قومه بالصلاة» وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا- ٥٥- وَاذْكُرْ لأهل مكة فِي الْكِتابِ يعني القرآن إِدْرِيسَ وهو جد أبي نوح واسمه أخنوخ- ﵇[٢٣٤ ب] إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً يعني مؤمنا بتوحيد الله- نَبِيًّا- ٥٦- وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا- ٥٧- يعني في السماء الرابعة، وفيها مات وذلك حين دعا للملك الذي يسوق الشمس «٥» أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بالنبوة مِنَ النَّبِيِّينَ
стр. 909
يعني هؤلاء «١» الذين سموا في هؤلاء الآيات مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ «٢» ثم إدريس وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ في السفينة يقول ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة وهو إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب وَمن ذرية إِسْرائِيلَ وهو يعقوب، وموسى، وهارون، وَمِمَّنْ هَدَيْنا للإسلام وَاجْتَبَيْنا واستخلصنا للرسالة والنبوة إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ يعني إذا قرئ عليهم كلام الرحمن يعني القرآن خَرُّوا سُجَّداً على وجوههم وَبُكِيًّا- ٥٨- يعني يبكون نزلت في مؤمني أهل التوراة عبد الله بن سلام وأصحابه نظيرها في بني إسرائيل يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً «٣» ، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ «٤» فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ يعني من بعد النبيين خلف السوء يعني اليهود، فهذا مثل ضربه الله- لأمة محمد- ﷺ يقول: ولا تكونوا خلف السوء مثل اليهود، ثم نعتهم فقال- سبحانه-: أَضاعُوا الصَّلاةَ يعني أخروها عن مواقيتها وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ يعني الذين استحلوا تزويج بنت الأخت من الأب نظيرها في النساء الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ «٥» يعنى الزنا فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا- ٥٩- في الآخرة وهو واد في جهنم إِلَّا مَنْ تابَ من الشرك وَآمَنَ بمحمد- ﷺ يعني وصدق بتوحيد الله- وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ يعنى ولا ينقضون شَيْئاً- ٦٠- من أعمالهم
стр. 910
الحسنة حتى يجازوا بها فيجزيهم ربهم جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ المؤمنين على ألسنة الرسل في الدنيا بِالْغَيْبِ ولم يروه إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا- ٦١- يعني جائيا لا خلف له لا يَسْمَعُونَ فِيها يعني في الجنة لَغْواً يعني الحلف إذا شربوا الخمر يعني لا يحلفون كما يحلف أهل الدنيا إذا شربوا.
نظيرها في الواقعة «١» ، وفي الصافات، ثم قال: إِلَّا سَلاماً يعني سلام الملائكة عليهم فيها وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا- ٦٢- يعني بالرزق الفاكهة على مقدار طرفي النهار في الدنيا، ثم أخبر عنهم فقال سبحانه: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا- ٦٣- يعني مخلصا لله- وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ وذلك
أن جبريل- ﵇ احتبس على «٢» النبي- ﷺ أربعين يوما، ويقال ثلاثة أيام فقال مشركو «٣» مكة [٢٣٥ أ] : قد ودعه ربه وقلاه. فلما نزل جبريل- ﵇ قال النبي- ﷺ : يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك.
قال: وأنا إليك كنت أشد شوقا.
ونزل في قولهم وَالضُّحى، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ ... جميعا «٤» . وقال جبريل- ﵇: «وَما نَتَنَزَّلُ» من السماء «إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ» ، لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا من أمر الآخرة وَما خَلْفَنا من أمر الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ يعني ما بين الدنيا والآخرة، يعني ما بين النفختين وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا- ٦٤- لقول كفار مكة نسيه ربه وقلاه، يقول: لم ينسك ربك يا محمد رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعنى
стр. 911
والأرضين وَما بَيْنَهُما من الخلق فَاعْبُدْهُ يعني فوحده وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ يقول واصبر على توحيد الله- ولا تعجل حتى يأتيك أمري، ثم قال للنبي- ﷺ : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا- ٦٥- يقول- ﷻ هل تعلم من الآلهة من شيء «١» اسمه الله- ، لأن الله- تعالى ذكره- يمنعهم من ذلك. «وَيَقُولُ الْإِنْسانُ وهو أبى بن خلف الجمحي أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا- ٦٦- من الأرض بعد الموت «٢» » يقول ذلك تكذيبا بالبعث «٣» .
يقول الله- يعظه ليعتبر أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ يقول أو لا يتذكر الإنسان في خلق نفسه أَنَّا خَلَقْناهُ أول مرة يعني أول خلق خلقناه «مِنْ قَبْلُ «٤» » وَلَمْ يَكُ شَيْئاً- ٦٧- فأقسم الرب- ليبعثنهم فى الآخرة فقال: فَوَ رَبِّكَ يا محمد لَنَحْشُرَنَّهُمْ يعني لنجمعنهم وَالشَّياطِينَ معهم الذين أضلوهم في الآخرة ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ يعني في جهنم جِثِيًّا- ٦٨- يعني جميعا على الركب ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ يقول لنخرجن ثم نبدأ بهم من كل ملة أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا- ٦٩- يعني عتوا في الكفر يعني القادة فيعذبهم في النار ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا- ٧٠-
стр. 912
يعني من هو أولى بها يعني القادة فى الكفر وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها يعني وما منكم أحد إلا داخلها يعني جهنم البر والفاجر.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حدثني أبي، قال: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ الأَزْرَقِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْوُرُودِ فَقَالَ:
يَا نَافِعُ، أَمَّا أَنَا وَأَنْتَ فَنَدْخُلُهَا فَانْظُرْ هَلْ نَخْرُجُ مِنْهَا أَمْ لا «١» .
حَدَّثَنَا عبيد الله قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الهذيل عن مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لِلْوُرُودِ «٢» . فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَةُ «٣» مَوَاضِعَ يَعْنِي بِهِ الدُّخُولَ.
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها «٤» يعنى داخلها.
فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ «٥» يَعْنِي فَأَدْخَلَهُمْ.
حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ «٦» يَعْنِي دَاخِلُونَ.
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوها «٧» يعنى ما دخلوها.
стр. 913
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني الهذيل عن مقاتل، قال:
[٢٣٤ ب] يجعل الله النار على المؤمنين يومئذ بردا وسلاما، كما جعلها على إبراهيم- ﵇، فذلك قوله- كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا- ٧١- قال قضاء واجبا قد قضاه في اللوح المحفوظ، أنه كائن لا بد غير الأنبياء- ﵈ فتكون على المؤمنين بردا وسلاما ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك منها يعني أهل التوحيد فنخرجهم منها وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ يعني المشركين فِيها يعني في جهنم جِثِيًّا- ٧٢- على الركب وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا يعني القرآن بَيِّناتٍ يعني واضحات قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم النضر بن الحارث بن علقمة وغيره لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وذلك أنهم لبسوا أحسن الثياب، ودهنوا الرءوس، ثم قالوا للمؤمنين أي الفريقين نحن أو أنتم خير يعني أفضل مقاما للمساكن من مساكن «١» مكة ومثله في حم الدخان وَمَقامٍ كَرِيمٍ «٢» يعني ومساكن طيبة وَأَحْسَنُ نَدِيًّا- ٧٣- يعني مجالسا، كقوله سبحانه: وَتَأْتُونَ «٣» فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ «٤» يعني في مجالسكم يقول الله- يخوفهم: وَكَمْ أَهْلَكْنا بالعذاب في الدنيا قَبْلَهُمْ قبل أهل مكة مِنْ قَرْنٍ يعني أمة كقوله- :
أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ «٥» يعنى الأمم الخالية هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً يعنى ألين متاعا
стр. 914
وَرِءْياً- ٧٤- وأحسن منظرا من أهل مكة فأهلك الله- أموالهم وصورهم قُلْ لهم مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ يعني من هو في الشرك فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا في الخير لقولهم للمؤمنين «أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً» حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ في الدنيا يعني القتل ببدر وَإِمَّا السَّاعَةَ يعني القيامة فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً يعني شر منزلا وَأَضْعَفُ جُنْداً- ٧٥- يعني وأقل فئة هم أم المؤمنون وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً من الضلالة يعني يزيدهم إيمانا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ وهي أربع كلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، من قالها فهو خَيْرٌ يعني أفضل عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَالآخرة خَيْرٌ مَرَدًّا- ٧٦- يعني أفضل مرجعا من ثواب الكافر «١» النار ومرجعهم إليها. أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا آيات القرآن نزلت في العاص بن وائل بن هشام بن سعد بن سعيد بن عمرو بن هصيص بن كعب ابن لؤي السهمي وذلك أن خباب بن الأرت صاغ له شيئا «٢» من الحلي. فلما طلب منه الأجر قال لخباب- وهو مسلم حين طلب أجر الصياغة-: ألستم تزعمون أن في الجنة الحرير والذهب والفضة وولدان «٣» [٢٣٦ ا] مخلدون. قال خباب ابن الأرت: نعم. قال العاص: فميعاد ما بيننا الجنة. وَقالَ «٤» لَأُوتَيَنَّ في الجنة يعني في الآخرة مَالا وَوَلَداً- ٧٧- أفضل مما أوتيت في الدنيا،
стр. 915
فأقضيك في الآخرة يقول ذلك مستهزئا لأنه «١» لا يؤمن بما في القرآن من الثواب والعقاب يقول الله- تعالى-: أَطَّلَعَ على الْغَيْبَ يعني العاص حين يقول أنه «٢» يعطى في الآخرة ما يعطى المؤمنون أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً- ٧٨- يقول أم اعتقد عند الرحمن التوحيد كَلَّا لا يعطى العاص ما يعطي المؤمنون، ثم استأنف فقال سبحانه: سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ يعنى من الحفظة من الملائكة تكتب ما يقول العاص أنه يعطى ما يعطى المؤمنون في الجنة، وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا- ٧٩- يعني الذي لا انقطاع له وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ أنه يعطى في الجنة ما يعطى المؤمنون فنرثه عنه ويعطاه غيره، ثم قال- سبحانه-:
وَيَأْتِينا فَرْداً- ٨٠- العاص في الآخرة ليس معه شيء من دنياه. ثم ذكر كفار مكة العاص، والنضر، وأبا جهل، وغيرهم فقال سبحانه: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً يعني اللات، والعزى، ومناة، وهبل، لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا- ٨١- يعني منعا يمنعونهم من الله- نظيرها في يس وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ «٣» يعني يمنعون، يقول الله- : كَلَّا لا تمنعهم الآلهة من الله، ثم استأنف فقال: سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ يقول ستبرأ الآلهة في الآخرة من كل من كان يعبدها في الدنيا وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا- ٨٢- يقول تكون آلهتهم يومئذ لهم أعداء، كقوله سبحانه: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ «٤» يعنى للناس، وكقوله