اتخذها لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ يعني من حربكم من القتل والجراحات فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ- ٨٠- لربكم في نعمه فتوحدونه استفهام. قال الفراء: يعني فهل أنتم شاكرون؟ معنى الأمر أي اشكروا، ومثله « ... فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» «١» أى انتهوا وَسخرنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً يعني شديدة تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني الأرض المقدسة يعني بالبركة الماء والشجر وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ مما أعطيناهما عالِمِينَ- ٨١- وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ لسليمان في البحر فيخرجون له اللؤلؤ، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر وَيَعْمَلُونَ له عَمَلًا دُونَ ذلِكَ يعني غير الغياصة من تماثيل ومحاريب وجفان كالجراب وقدور راسيات وَكُنَّا لَهُمْ يعني الشياطين حافِظِينَ- ٨٢- على سليمان لئلا يتفرقوا عنه.
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ يعني دعا ربه- أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ يعني أصابني البلاء وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ- ٨٣- فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه فَكَشَفْنا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ فأحياهم الله- وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ وكانت امرأة أيوب ولدت قبل البلاء سبع بنين وثلاث بنات فأحياهم الله- ومثلهم معهم رَحْمَةً يقول نعمة مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ- ٨٤- يقول وتفكرا للموحدين فأعطاه الله- مثل كل شيء ذهب له يعني أيوب، وكان أيوب من أعبد الناس فجهد إبليس ليزيله عن عبادة ربه- فلم يستطع.
стр. 982
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ- ٨٥- وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا يعني في نعمتنا وهي النبوة إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ- ٨٦- يعني من المؤمنين.
وَذَا النُّونِ يعني يونس بن متى- ﵇ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً يعني مراغما لقومه، لحزقيل بن أجار» «١» ومن معه من بني إسرائيل ففارقهم من غير أن يؤمنوا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فحسب يونس أن لن نعاقبه بما صنع فَنادى يقول فدعا ربه فِي الظُّلُماتِ يعني ظلمات ثلاث ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، فنادى: أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ [١٧ أ] يوحد ربه- سُبْحانَكَ نزه- تعالى- أن يكون ظلمه» «٢» ، ثم أقر على نفسه بالظلم، فقال: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ- ٨٧- يقول يونس- ﵇: إني ظلمت نفسي فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ يعني من بطن الحوت وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ- ٨٨-.
قال أبو محمد» «٣» : قال أبو العباس ثعلب: قال الفراء: «أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» ونقدر عليه، لمعنى واحد، وهو من قوله قدرت الشيء، لا قدرت» «٤» ، معناه من التقدير لا من القدر، ومثله فى سورة الفجر « ... فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ... » «٥» من التقدير
стр. 983
والتقدير لا من القدرة،
بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ- ﷺ قال: مكث يونس- ﵇ في بطن الحوت ثلاثة أيام. وعن كعب قال: أربعين يوما» «١» .
وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ يعني دعا ربه في آل عمران» «٢» ، وفي مريم» «٣» قال:
رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً يعني وحيدا وهب لي وليا يرثني وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ- ٨٩- يعني أنت خير من يرث العباد فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ يعني امرأته فحاضت وكانت لا تحيض من الكبر إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يعني أعمال الصالحات، يعني زكريا وامرأته وَيَدْعُونَنا رَغَباً في ثواب الله- وَرَهَباً من عذاب الله- وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ- ٩٠- يعني لله- سبحانه- متواضعين.
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها من الفواحش، لأنها قذفت وهي مريم «بنة» «٤» عمران أم عيسى- صلى الله عليهما- فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا نفخ جبريل- ﵇ في جيبها فحملت من نفخة جبريل بعيسى- صلى الله عليهم- وَجَعَلْناها وَابْنَها عيسى- صلى الله عليه- آيَةً لِلْعالَمِينَ- ٩١- يعني عبرة لبني إسرائيل، فكانا آية إذ حملت مريم- ﵍ من غير بشر، وولدت عيسى من غير أب- صلى الله عليه-.
стр. 984
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً يقول إن هذه ملتكم التي أنتم عليها، يعني شريعة الإسلام هي ملة واحدة كانت عليها الأنبياء والمؤمنون الذين نجوا من عذاب الله- وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ- ٩٢- يعنى فوحدون وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ فرقوا دينهم الإسلام الذي أمروا به فيما» «١» بينهم فصاروا زبرا يعني فرقا «كُلٌّ» «٢» : كل أهل تلك الأديان إِلَيْنا راجِعُونَ- ٩٣- في الآخرة فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ يقول وهو مصدق بتوحيد الله- فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ يعني لعمله يقول يشكر الله- عمله وَإِنَّا لَهُ [١٧ ب] كاتِبُونَ- ٩٤- يكتب له سعيه الحفظة من الملائكة وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ فيما خلا أَهْلَكْناها بالعذاب في الدنيا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ- ٩٥- يخوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية فى الدنيا حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يعني أرسلت يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وهما أخوان لأب وأم وهما من نسل يافث بن نوح وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ- ٩٦- يقول من كل مكان يخرجون من كل جبل وأرض وبلد، وخروجهم عند اقتراب الساعة، فذلك قوله- : وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ يعني وعد البعث أنه حق كائن فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ يعنى فاتحة أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالبعث لا يطرفون مما يرون من العجائب، يعني التي كانوا يكفرون بها في الدنيا قالوا: يَا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا اليوم، ثم ذكر قول الرسل لهم في الدنيا أن البعث كائن،
стр. 985
فقالوا: بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ- ٩٧- أخبرنا بهذا اليوم فكذبنا به إِنَّكُمْ يعني كفار مكة وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ يعني رميا في جهنم ترمون فيها أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ- ٩٨- يعني داخلون لَوْ كانَ هؤُلاءِ الأوثان آلِهَةً ما وَرَدُوها يعني ما دخلوها يعني جهنم لامتنعت من دخولها وَكُلٌّ يعني الأوثان ومن يعبدها فِيها يعني في جهنم خالِدُونَ- ٩٩- نزلت في بني سهم منهم العاص بن وائل والحارث وعدي ابني قيس وعبد الله بن الزبعري بن قيس، وذلك
أن النبي- ﷺ دخل المسجد الحرام ونفر من بني سهم جلوس فى الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فأشار بيده إليهم فقال: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» يعني الأصنام «حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ... » إلى آيتين» «١» ثم خرج فدخل ابن الزبعري، وهم يخوضون فيما ذكر النبي- ﷺ لهم ولآلهتهم، فقال: ما هذا الذي تخوضون؟ فذكروا له قول النبي- ﷺ . فقال ابن الزبعري: والله، لئن قالها بين يدي لأخصمنه. فدخل النبي- ﷺ من ساعته، فقال ابن الزبعري: أهي لنا ولآلهتنا خاصة أم لنا ولآلهتنا ولجميع الأمم ولآلهتهم؟ فقال النبي- ﷺ : لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم ولآلهتهم. قال: خصمتك» «٢» ورب الكعبة، ألست تزعم أن عيسى نبي وتثني عليه وعلى أمه خيرا، وقد علمت أن النصارى يعبدونها، وعزير يعبد والملائكة تعبد، فإن كان هؤلاء معنا قد رضينا أنهم
стр. 986
معنا، فسكت النبي- ﷺ » «١»
- ثم قال- سبحانه» «٢» -: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ يعني آخر نهيق الحمار وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ- ١٠٠- الصوت، وذلك حين يقال لأهل النار اخسئوا فيها ولا تكلمون، فصاروا بكما وعميا وصما.
ثم استثنى ممن كان يعبد أنهم» «٣» لا يدخلون جهنم [١٨ أ] فقال- سبحانه-:
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الجنة أُولئِكَ عَنْها يعني جهنم مُبْعَدُونَ- ١٠١- يعني عيسى وعزيرا ومريم والملائكة- ﵈ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها يقول لا يسمع أهل الجنة صوت جهنم حين يقال لهم اخسئوا فيها، ولا تكلموا فتغلق عليهم أبوابها فلا تفتح عنهم أبدا ولا يسمع أحد صوتها وَهُمْ يعني هؤلاء فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ- ١٠٢- يعني لا يموتون فلما سمع بنو سهم بما استثنى الله- ممن يعبد من الآلهة، عزير وعيسى ومريم والملائكة، قالوا للنبي» «٤» ﷺ هلا استثنيت هؤلاء حين سألناك، فلما خلوت تفكرت» «٥» .
ثُمَّ يُنَادِي الْمَلَكُ: يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لا مَوْتَ فِيهِ. قَال ابْنُ عَبَّاسٍ:
فَلَوْلا مَا قَضَى اللَّهُ- عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْخُلُودِ فِي الْجَنَّةِ، لَمَاتُوا مِنْ فَرْحَتِهِمْ تِلْكَ، وَلَوْلا مَا قَضَى اللَّهُ- عَلَى أَهْلِ النَّارِ مِنْ تَعْمِيرِ» «١» الأَرْوَاحِ فِي الأَبْدَانِ لَمَاتُوا حُزْنًا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ- : «وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ ... » «٢» يَعْنِي إِذْ وَجَبَ لَهُمُ الْعَذَابُ يَعْنِي ذَبْحَ الْمَوْتِ فَاسْتَيْقَنُوا الْخُلُودَ فِي النَّارِ وَالْحَسْرَةَ وَالنَّدَامَةَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ- لِلْمُؤْمِنيَن «لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» يعنى الموت بعد ما دخلوا الجنة وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني الحفظة الذين كتبوا أعمال بني آدم، حين خرجوا من قبورهم قالوا للمؤمنين: هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ- ١٠٣- فيه الجنة، ثم قال: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ يعني كطي الصحيفة فيها الكتاب، ثم قال- سبحانه-: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وذلك أن كفار مكة أقسموا بالله جهد أيمانهم فى سورة النحل « ... لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ... » «٣»
فأكذبهم الله- فقال- سبحانه- بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا: «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» يقول هكذا نعيد خلقهم في الآخرة كما خلقناهم في الدنيا وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ- ١٠٤- وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ يعني التوراة والإنجيل والزبور مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ يعني اللوح المحفوظ أَنَّ الْأَرْضَ لله «يَرِثُها» «٤» عِبادِيَ الصَّالِحُونَ- ١٠٥- يعنى المؤمنون إِنَّ فِي هذا
стр. 989
القرآن لَبَلاغاً إلى الجنة لِقَوْمٍ عابِدِينَ- ١٠٦- يعني موحدين وَما أَرْسَلْناكَ يا محمد إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ- ١٠٧- يعنى الجن والإنس فمن تبع محمدا ... ﷺ عَلَى دينه فهو له رحمة كقوله- سبحانه-: لعيسى بن مريم- صلى الله عليه- « ... وَرَحْمَةً مِنَّا» «١» ... » لمن تبعه على دينه» «٢» ومن لم يتبعه على دينه صرف عنهم البلاء ما كان بين أظهرهم.
فذلك قوله- سبحانه-: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ... » «٣» كقوله لعيسى بن مريم- صلى الله عليه- «وَرَحْمَةً مِنَّا» لمن تبعه على دينه.
قال أبو جهل- لعنه الله- للنبي- ﷺ : اعمل أنت لإلهك يا محمد ونحن لآلهتنا. قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ يقول إنما ربكم رب واحد فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ- ١٠٨- يعني مخلصون فَإِنْ تَوَلَّوْا يقول فإن أعرضوا عن الإيمان فَقُلْ لكفار مكة:
آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ يقول ناديناكم على أمرين وَقل لهم: إِنْ أَدْرِي يعني ما أدري أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ- ١٠٩- بنزول العذاب بكم فى الدنيا، وقل لهم: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ يعني العلانية مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ- ١١٠- يعني ما تسرون من تكذيبهم بالعذاب، فأما الجهر فإن كفار مكة حين أخبرهم النبي- ﷺ بالعذاب كانوا يقولون:
стр. 990
«مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» «١» ... » - والكتمان أنهم قالوا إن العذاب ليس بكائن وَقل لهم: يا محمد، إِنْ أَدْرِي يقول ما أدري لَعَلَّهُ يعني فلعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا يعني القتل ببدر فِتْنَةٌ لَكُمْ نظيرها فى سورة الجن» «٢» فيقولون لو كان حقا لنزل بنا العذاب وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ- ١١١- يعني وبلاغا إلى آجالكم، ثم ينزل بكم العذاب ببدر قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ يعني اقض بالعدل بيننا وبين كفار مكة فقضى الله لهم القتل ببدر وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ- ١١٢- فأمر الله- النبي- ﷺ أن يستعين به- على ما يقولون من تكذيبهم بالبعث والعذاب.
قال الْهُذَيْلُ: قال الشماخ في الجاهلية:
النبع منبته بالصخر ضاحية والنخل ينبت بين الماء والعجل يعني الطين» «٣» .
قال: وحدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا أبو رزق في قوله- «وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ» قال التطوع ولم أسمع الهذيل» «٤» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حدثنا عبيد اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ، عَنْ مقاتل، يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ يخوفهم يقول اخشوا ربكم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ- ١- يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ
يقول تدع البنين لشدة الفزع من الساعة وذلك قبل النفخة الأولى ينادي مناد «١» من السماء الدنيا يأيها الناس جاء أمر الله فيسمع صوته أهل الأرض جميعا فيفزعون فزعا شديدا، ويموج بعضهم في بعض ويشيب فيها الصغير ويسكر فيها الكبير وتضع الحوامل ما في بطونها وتدع المراضع البنين من الفزع الشديد، فذلك قوله- : «يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ»
عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
النساء والدواب حملها من شدة الفزع وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
من الخوف وَما هُمْ بِسُكارى
من الشراب وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
- ٢-.
نزلت هاتان الآيتان ليلا والناس يسيرون في غزاة بنى المصطلق وهم حي من خزاعة، فقرأها النبي- ﷺ تلك الليلة على الناس ثلاث مرات، ثم «٢» قال: هل تدرون أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا يوم يقول الله- لآدم «﵇ قم «٣» » فابعث بعث
стр. 996
النار من ذريتك. فيقول: يا رب وما بعث النار، قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون «١» إلى النار وواحد إلى الجنة، فلما سمع القوم ذلك اشتد عليهم وحزنوا، فلما أصبحوا أتوا النبي- صلى الله عليه- فقالوا: «وما توبتنا وما حيلتنا «٢» » . فقال لهم النبي- ﷺ : أبشروا فإن معكم خليقتين لم يكونا في أمة قط إلا كثرتها يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون- ما أنتم في الناس إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود، أو كشعرة سوداء في ثور «٣» أبيض، أو كالرقم في ذراع الدابة، أو كالشامة في سنام البعير، فأبشروا وقاربوا وسددوا واعملوا. ثم قال: أيسركم أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: من أين لنا ذلك يا رسول الله؟ قال: أفيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: من أين لنا ذلك يا رسول الله؟ قال: أيسركم أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قالوا: من أين لنا ذلك يا رسول الله، قال: فإنكم أكثر أهل الجنة، أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي من ذلك ثمانون صفا وسائر أهل الجنة [٢٠ أ] أربعون صفا ومع هؤلاء أيضا سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب مع كل رجل سبعون ألفا.
فقالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن الأسدي، فقال:
يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: فإنك منهم، فقام رجل آخر من رهط ابن مسعود من هذيل، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال:
سبقك بها عكاشة.
стр. 997
قوله- سبحانه-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمه نزلت في النضر بن الحارث القرشي وأمه اسمها صفية بنت الحارث بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، قال: وَيَتَّبِعُ النضر كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ- ٣- يعني مارد كُتِبَ عَلَيْهِ يعني قضي عليه يعنى الشيطان أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ يعني من اتبع الشيطان فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ عن الهدى وَيَهْدِيهِ يعنى ويدعون إِلى عَذابِ السَّعِيرِ- ٤-. يعنى الوقود ثم ذكر صنعه ليعتبروا في البعث، فقال- سبحانه-: يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني كفار مكة إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ يعني في شك من البعث بعد الموت فانظروا إلى بدء خلقكم فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ولم تكونوا شيئا ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ مثل الدم ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ يعنى من النطفة مخلقة وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ
يعني السقط يخرج من بطن أمه مصورا وغير مصور «لِنُبَيِّنَ لَكُمْ» «١» وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ فلا يكون سقطا «٢» إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يقول خروجه من بطن أمه ليعتبروا في البعث ولا يشكوا فيه أن الذي بدأ خلقكم لقادر على أن يعيدكم بعد الموت، ثم قال- سبحانه-: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ من بطون أمهاتكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثماني عشرة سنة «٣» إلى أربعين سنة وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى من قبل أن يبلغ أشده وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ بعد الشباب إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ يعني الهرم لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ كان يعلمه شَيْئاً فذكر بدء الخلق ثم ذكر الأرض الميتة كيف يحيها ليعتبروا في البعث فإن البعث ليس بأشد من بدء الخلق ومن
стр. 998
الأرض حين يحيها من بعد موتها، فذلك قوله- سبحانه-: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً يعني ميتة ليس فيها نبت يعني متهشمة «١» فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ يعني المطر اهْتَزَّتْ الأرض يعني تحركت بالنبات [٢٠ ب] (كقوله: «تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ» «٢» أي تحرك كأنها حية) «٣» . ثم قال للأرض «٤» : وَرَبَتْ يعني وأضعفت النبات وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ- ٥- يعني من كل صنف من النبات حسن ذلِكَ يقول هذا الذي فعل، هذا الذي «٥» ذكر من صنعه، يدل على توحيده بصنعه بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وغيره من الآلهة باطل وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى في الآخرة وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ٦- من البعث وغيره قدير وَأَنَّ السَّاعَةَ «آتِيَةٌ» «٦» لا رَيْبَ يعني لا شك فِيها أنها كائنة وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ في الآخرة مَنْ فِي الْقُبُورِ- ٧- من الأموات فلا تشكوا فى البعث وَمِنَ النَّاسِ يعني النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن السياف «٧» ابن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني يخاصم في الله- أن الملائكة بنات الله- تعالى- وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ- ٨- «وَلا هُدًى» - ولا بيان معه من الله- بما يقول «ولا كتاب» من الله- تعالى- «مُنِيرٍ» يعني مضيئا «٨» فيه حجة بأن الملائكة بنات الله فيخاصم بهذا.
стр. 999
قال الفراء وأبو عبيدة في قوله- : «ثانِيَ عِطْفِهِ» يقول يتبختر في مشيته تكبرا.
ثم أخبر عن النضر فقال- سبحانه-: ثانِيَ عِطْفِهِ- يقول يلوي «١» عنقه عن الإيمان لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول ليستزل عن دين الإسلام لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ يعني القتل ببدر وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ- ٩- يعني نحرقه بالنار ذلِكَ العذاب بِما قَدَّمَتْ يَداكَ من الكفر والتكذيب وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ- ١٠- فيعذب على غير ذنب وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ يعني على شك «نزلت في أناس من أعراب أسد بن خزيمة وغطفان «٢» .
قال مُقَاتِلُ: إذا سألك رجل على كم حرف تعبد الله- فقل:
لا أعبد الله على شيء من الحروف، ولكن أعبد الله- تعالى- ولا أشرك به شيئا لأنه واحد لا شريك له «٣» .
كان الرجل يهاجر إلى المدينة فإن أخصبت أرضه، ونتحبت فرسه، وولد له غلام، وصح بالمدينة، وتتابعت عليه الصدقات، قال: هذا دين حسن.
يعني الإسلام، فذلك قوله- تعالى-: فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ يقول رضي بالإسلام وإن أجدبت أرضه، ولم تنتج فرسه، وولدت «٤» له جارية،
стр. 1000
وسقم بالمدينة، ولم يجد عليه بالصدقات قال: هذا دين سوء، ما أصابني من ديني هذا الذي كنت عليه إلا شرا فرجع عن دينه، فذلك قوله- سبحانه-:
وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ يعني بلاء انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ يقول رجع إلى دينه الأول [٢١ أ] كافرا خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ خسر دنياه التي كان يحبها، فخرج منها ثم أفضي إلى الآخرة وليس له فيها شيء، مثل قوله «١» -: « ... إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... » «٢» يقول الله- :
ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ- ١١- يقول ذلك هو الغبن البين، ثم أخبر عن هذا المرتد عن الإسلام، فقال- سبحانه-: يَدْعُوا يعني يعبد «٣» مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الصنم مَا لا يَضُرُّهُ في الدنيا إن لم يعبده وَما لا يَنْفَعُهُ في الآخرة إن عبده ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ- ١٢- يعني الطويل يَدْعُوا يعني يعبد لَمَنْ ضَرُّهُ في الآخرة أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ في الدنيا لَبِئْسَ الْمَوْلى يعني الولي وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ- ١٣- يعني الصاحب، كقوله- سبحانه- «/ ... وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ... » «٤» يعني وصاحبوهن بالمعروف، ثم ذكر ما أعد للصالحين فقال- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول تجري العيون من تحت البساتين إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ- ١٤- مَنْ كانَ يَظُنُّ يعني يحسب أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
стр. 1001
يعني النبي «١» ﷺ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ يعني بحبل إلى سقف البيت ثُمَّ لْيَقْطَعْ يعنى ليختنق فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ يقول فعله بنفسه إذا فعل ذلك، هل يذهبن ذلك ما يجد في قلبه من الغيظ بأن محمد لا ينصر ما يَغِيظُ- ١٥- هل يذهب ذلك ما يجد في قلبه من الغيظ.
نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: إنا نخاف ألا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يجيرونا ولا ياوونا.
وَكَذلِكَ يعنى وهكذا أَنْزَلْناهُ يعنى القرآن آياتٍ بَيِّناتٍ يعنى واضحات وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي إلى دينه مَنْ يُرِيدُ- ١٦- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ قوم يعبدون الملائكة ويصلون للقبلة «٢» ويقرءون الزبور وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ يعبدون الشمس والقمر والنيران «٣» وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني مشركي العرب يعبدون الأوثان فالأديان ستة فواحد لله- وهو الإسلام وخمسة للشيطان إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ يعني يحكم بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعمالهم شَهِيدٌ- ١٧- أَلَمْ تَرَ يعني ألم تعلم أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة وغيرهم وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ سجود هؤلاء الثلاثة حين تغرب الشمس «٤» قبل المغرب [٢١ ب] لله- تعالى- تحت العرش.
стр. 1002
وَيسجد الْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ: ظلهم حين تطلع الشمس وحين تزول إذا تحول ظل كل شيء فهو سجوده، «١» ثم قال- سبحانه-: وَيسجد كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يعنى المؤمنين وَيسجد كَثِيرٌ ممن حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ من كفار الإنس والجن سجودهم هو سجود ظلالهم «٢» .
وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ- ١٨- في خلقه فقرأ النبي- ﷺ هذه الآية فسجد لها هو وأصحابه- ﵃ هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ نزلت في المؤمنين وأهل الكتاب» «٣» ثم بين ما أعد للخصمين، فقال: فَالَّذِينَ كَفَرُوا يعنى اليهود والنصارى قُطِّعَتْ لَهُمْ يعنى جعلت لهم ثِيابٌ مِنْ نارٍ يعني قمصا من نحاس من نار فيها تقديم يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ- ١٩- إذا ضربه الملك بالمقمعة ثقب رأسه ثم صب فيه الحميم الذي قد انتهى حره يُصْهَرُ يعنى يذاب بِهِ يعنى بالحميم ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ- ٢٠- يقول وتنضج الجلود وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ- ٢١- كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذلك إذا جاء جهنم ألقت الرجال في أعلى الأبواب فيريدون الخروج فتعيدهم الملائكة يعني الخزان فيها بالمقامع وتقول لهم الخزنة إذا ضربوهم بالمقامع «وَذُوقُوا» «٤» عَذابَ الْحَرِيقِ- ٢٢-
стр. 1003
يعني النار ثم ذكر ما أعد الله- للمؤمنين، فقال- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول تجري العيون من تحت البساتين يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ «وَلُؤْلُؤاً» «١» أي أساور من لؤلؤ وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ- ٢٣- مما يلي الجسد الحرير وأعلاه السندس والإستبرق وَهُدُوا فى الدنيا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ يعني التوحيد وهو قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كقوله « ... كَلِمَةً طَيِّبَةً «٢» ... » يعنى التوحيد وَهُدُوا إِلى صِراطِ يعنى دين الإسلام الْحَمِيدِ- ٢٤- عند خلقه يحمده أولياؤه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول ويمنعون الناس عن دين الله- وَعن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ يعني المقيم في الحرم وهم أهل مكة وَالْبادِ يعني من دخل مكة من غير أهلها وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ يقول من لجأ إلى الحرم يميل فيه بشرك نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ- ٢٥- يعنى وجيعا نزلت في عبد الله بن أنس «٣» بن خطل القرشي من بنى تيم [٢٢ أ] ابن مرة وذلك أن رسول الله- ﷺ بعث عبد الله مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار فافتخروا في الأنساب فغضب ابن خطل فقتل الأنصاري ثم هرب إلى مكة كافرا ورجع المهاجر إلى المدينة، فأمر النبي- صلى الله عليه
стр. 1004
وسلم- بقتل عبد الله يوم فتح مكة فقتله أبو برزة الأسلمي وسعد «١» بن حريث القرشي أخو عمرو بن حريث.
قوله- وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ المعمور قال دللنا إبراهيم عليه فبناه مع ابنه إسماعيل- ﵉ وليس له أثر ولا أساس، كان الطوفان محا أثره، ورفعه الله- ليالي الطوفان «٢» إلى السماء فعمرته الملائكة وهو البيت المعمور، قال الله- لإبراهيم: أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ من الأوثان لا تنصب حوله وثنا «٣» لِلطَّائِفِينَ بالبيت وَالْقائِمِينَ يعني المقيمين بمكة من أهلها وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ- ٢٦- يعني في الصلوات الخمس وفي الطواف حول البيت من أهل مكة وغيرهم والبيت الحرام اليوم مكان البيت المعمور ولو أن حجرا وقع من البيت المعمور وقع على البيت الحرام، وهو في العرض والطول مثله إلا أن قامته كما بين السماء والأرض «٤» وَأَذِّنْ يإبراهيم فِي النَّاسِ يعنى المؤمنين بِالْحَجِّ فصعد أبا قبيس وهو الجبل الذي الصفا في أصله «٥» فنادى يأيها الناس أجيبوا ربكم إن الله- يأمركم أن تحجوا بيته فسمع نداء إبراهيم- ﵇ كل مؤمن على ظهر الأرض، ويقال في أصلاب الرجال وأرحام النساء فالتلبية اليوم جواب نداء إبراهيم- ﵇ عن أمر ربه- ، فذلك قوله
стр. 1005
- سبحانه-: يَأْتُوكَ رِجالًا يعني على أرجلهم مشاة وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يعني الإبل يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ- ٢٧- يعني يجيء من كل مكان بعيد لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ يعني الأجر في الآخرة في مناسكهم وَلكي يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ يعني ثلاثة أيام، يوم النحر ويومين بعده إلى غروب الشمس عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ يعنى الضرير الزمن الْفَقِيرَ- ٢٨- الذي ليس له شيء ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ يعنى حلق الرأس والذبح والجمار وَلْيُوفُوا يعنى لكي يوفوا نُذُورَهُمْ في حج أو عمرة بما أوجبوا على أنفسهم من هدي أو غيره «١» وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ- ٢٩- أعتق في الجاهلية من القتل والسبي والخراب.
«قال الفراء: أعتق من الفرق ومن أن يدعي ملكه أحد من الجبابرة، ويقال العتيق القديم «٢» .
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ يعني أمر المناسك كلها فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [٢٢ ب] عِنْدَ رَبِّهِ فى الآخرة وَأُحِلَّتْ لَكُمُ بهيمة الْأَنْعامُ التي حرموا للآلهة فى سورة الأنعام إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ من التحريم فى أول سورة المائدة فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ فيها تقديم يقول اتقوا عبادة اللات والعزى ومناة وهي الأوثان وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ- ٣٠- يقول اتقوا الكذب وهو الشرك.
стр. 1006
حدثنا أبو محمد «١» ، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الْهُذَيْلُ عن مُقَاتِلٍ، عن محمد بن علي، في قوله- تعالى-: «وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال الكذب وهو الشرك في التلبية، وذلك أن الخمس قريش وخزاعة وكنانة وعامر بن صعصعة في الجاهلية كانوا يقولون في التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك» يعنون الملائكة التي تعبد هذا هو قول الزور لقولهم: «إلا شريكا «٢» هو لك» .
وكان أهل اليمن في الجاهلية يقولون في التلبية: «نحن عرايا «٣» عك عك إليك عانية، عبادك اليمانية، كيما نحج الثانية، على القلاص الناجية» .
وكانت تميم تقول في إحرامها: «لبيك ما نهارنا نجره، إدلاجه وبرده وحره، لا يتقي شيئا ولا يضره، حجا لرب مستقيم بره.
وكانت ربيعة تقول: «لبيك اللهم حجا حقا، تعبدا ورقا، لم نأتك للمناحة «٤» ، ولا حبا «٥» للرباحة» .
وكانت قيس عيلان تقول: «لبيك لولا أن بكرا دونكا، بنو أغيار وهم يلونكا، ببرك الناس ويفخرونكا، ما زال منا عجيجا «٦» يأتونكا «٧» » .
стр. 1007
وكانت جرهم تقول في إحرامها: «لبيك إن جرهما عبادك، والناس طرف وهم تلادك، وهم لعمري عمروا بلادك، لا يطاق ربنا يعادك، وهم الأولون على ميعادك، وهم «١» يعادون «٢» كل من يعادك، حتى يقيموا الدين في وادك» .
وكانت قضاعة تقول: «لبيك رب الحل والإحرام، ارحم مقام عبد وآم، أتوك يمشون على الأقدام» .
وكانت أسد وغطفان تقول في إحرامها- بشعر اليمن: «لبيك، إليك»
تعدوا قلقا وضينها، معترضا في بطنها جنينها، مخالفا «٤» دين النصارى دينها» .
وكانت «٥» النساء تطفن «٦» بالليل «٧» عراة، وقال بعضهم: لا بل نهارا تأخذ إحداهن حاشية برد تستر به «٨» وتقول: اليوم يبدوا بعضه أو كله، وما بدا منه فلا أحله، كم من لبيب عقله يضله، وناظر ينظر فما يمله ضخم من الجثم «٩» عظيم ظله.
وكانت تلبية آدم- ﵇: «لبيك الله لبيك [٢٣ أ] عبد خلقته بيديك، كرمت فأعطيت، قربت فأدنيت، تباركت وتعاليت، أنت رب البيت.
стр. 1008
فأنزل الله- : «وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» «١» يعني الكذب وهو الشرك في الإحرام، حُنَفاءَ لِلَّهِ يعني مخلصين لله بالتوحيد غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، ثم عظم الشرك فقال: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ يعني فتذهب به الطير النسور أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ- ٣١- يعنى بعيدا فهذا مثل الشرك في البعد من الله- ذلِكَ يقول هذا الذي أمر اجتناب الأوثان وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ يعني البدن من أعظمها وأسمنها فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ- ٣٢- يعنى من إخلاص القلوب. لَكُمْ فِيها فى البدن مَنافِعُ فى ظهورها وألبانها إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يقول إلى أن تقلد أو تشعر أو تسمى هدايا [٢٥ ب] فهذا الأجل المسمى فإذا فعل ذلك بها لا يحمل عليها إلا مضطرا ويركبها بالمعروف ويشرب فضل ولدها من اللبن ولا يجهد الحلب حتى لا ينهك أجسامها «٢» ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ- ٣٣- يعني منحرها إلى أرض الحرم كله (كقوله- سبحانه-: « ... فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ... » «٣» يعنى أرض الحرم «٤» كله) ثم ينحروا يأكل ويطعم إن شاء نحر الإبل وإن
стр. 1009
شاء ذبح الغنم أو البقر ثم تصدق به كله، وإن شاء أكل وأمسك منه، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون شيئا من البدن، فأنزل الله- «فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا» فليس الأكل بواجب ولكنه رخصة، كقوله- سبحانه- « ... وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا «١» ... » وليس الصيد بواجب ولكنه رخصة وَلِكُلِّ أُمَّةٍ يعني لكل قوم من المؤمنين فيما خلا، كقوله- سبحانه-:
« ... أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ «٢» ... » أن يكون قوم أكثر من قوم، ثم قال:
جَعَلْنا مَنْسَكاً يعني ذبحا يعني هراقة الدماء لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ وإنما خص الأنعام من البهائم لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، وإنما سميت البهائم لأنها لا تتكلم فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ليس له شريك يقول فربكم رب واحد فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ- ٣٤- يعني المخلصين بالجنة، ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ يعني خافت قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى مَا أَصابَهُمْ من أمر الله وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ- ٣٥- من الأموال. قوله- وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ يعني من أمر المناسك لَكُمْ فِيها خَيْرٌ يقول لكم في نحرها أجر في الآخرة ومنفعة في الدنيا، وإنما سميت البدن لأنها تقلد وتشعر وتساق إلى مكة «والهدى الذي ينحر بمكة ولم يقلد ولم يشعر والجزور البعير الذي ليس ببدنة ولا بهدى «٣» » .
стр. 1010
فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها إذا نحرت صَوافَّ يعني معقولة يدها اليسرى قائمة على ثلاثة قوائم مستقبلات «١» القبلة.
قال الفراء: صواف يعني يصفها ثم ينحرها فهذا تعليم من الله- فمن شاء نحرها على جنبها.
فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها يعني فإذا خرت لجنبها على الأرض بعد نحوها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ يعني الراضي الذي يقنع بما يعطى «٢» وهو السائل وَالْمُعْتَرَّ الذي يتعرض للمسألة ولا يتكلم فهذا تعليم من الله- فمن شاء أكل ومن لم [٢٦ أ] يشأ لم يأكل، ومن شاء أطعم، ثم قال- سبحانه-:
كَذلِكَ سَخَّرْناها يعنى هكذا ذللناها لَكُمْ يعنى المدن لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ٣٦- ربكم- في نعمه لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وذلك أن كفار العرب كانوا في الجاهلية إذا نحروا البدن عند زمزم أخذوا «٣» دماءها فنضحوها قبل الكعبة، وقالوا: اللهم تقبل منا. فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله- «لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها» وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ يقول النحر هو تقوى «٤» منكم فالتقوى هو الذي ينال الله ويرفعه إليه فأما اللحوم والدماء فلا يرفعه إليه. كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ يعنى البدن لِتُكَبِّرُوا لتعظموا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ لدينه وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ- ٣٧- بالجنة فمن فعل ما ذكر الله في هذه الآيات فقد أحسن. قوله- عز
стр. 1011
وجل-: إِنَّ اللَّهَ «يُدافِعُ» «١» كفار مكة عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا بمكة، هذا حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم، فاستشاروا النبي- ﷺ في قتالهم في السر فنهاهم الله- «٢» ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ يعنى كل عاص كَفُورٍ- ٣٨- بتوحيد الله- يعني كفار مكة. فلما قدموا المدينة أذن الله- للمؤمنين في القتال بعد النهي بمكة، فقال- سبحانه-:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ فى سبيل الله بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ظلمهم كفار مكة وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ- ٣٩- فنصرهم- الله- تعالى- على كفار مكة بعد النهي، ثم أخبر عن ظلم كفار مكة، فقال- سبحانه-: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وذلك أنهم عذبوا منهم طائفة وآذوا بعضهم بالألسن حتى هربوا من مكة إلى المدينة «بِغَيْرِ حَقٍّ» «٣» إِلَّا أَنْ يَقُولُوا يقول لم يخرج كفار مكة المؤمنين من ديارهم «إلا أن يقولوا» رَبُّنَا اللَّهُ فعرفوه ووحدوه، ثم قال- سبحانه-: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يقول لولا أن يدفع الله المشركين بالمسلمين لغلب المشركون فقتلوا المسلمين لَهُدِّمَتْ يقول لخربت صَوامِعُ الرهبان وَبِيَعٌ النصارى وَصَلَواتٌ يعنى اليهود وَمَساجِدُ المسلمين «يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً» «٤» : كل هؤلاء الملل يذكرون الله كثيرا في مساجدهم فدفع الله- بالمسلمين
стр. 1012
عنها «١» ، ثم قال- : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ على عدوه مَنْ «يَنْصُرُهُ يعني من يعينه حتى يوحد «٢» الله» إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ فى نصر أوليائه عَزِيزٌ- ٤٠- يعني منيع في ملكه وسلطانه نظيرها في الحديد ( ... وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ «٣» ... يعني من يوحده «٤» ، وغيرها في الأحزاب، وهود. وهو- سبحانه- أقوى وأعز من خلقه [٢٦ ب] الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني أرض المدينة وهم المؤمنون بعد القهر بمكة، ثم أخبر عنهم فقال- تعالى-: أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ يعني التوحيد الذي يعرف وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ الذي لا يعرف وهو الشرك وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ- ٤١- يعني عاقبة أمر العباد إليه في الآخرة وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا محمد يعزي نبيه- ﷺ ليصبر على تكذيبهم إياه بالعذاب فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ يعني قبل أهل مكة قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ- ٤٢- وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ- ٤٣- وَأَصْحابُ مَدْيَنَ يعني قوم شعيب- ﵇ كل هؤلاء كذبوا رسلهم وَكُذِّبَ مُوسى يعني عصي موسى- ﵇ لأنه ولد فيهم كما ولد محمد- ﷺ فيهم فَأَمْلَيْتُ يعنى فأمهلت لِلْكافِرِينَ فلم أعجل عليهم بالعذاب ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بعد الإمهال بالعذاب فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ- ٤٤- يعني تغييري أليس وجدوه حقا فكذلك كذب كفار مكة كما كذبت مكذبي الأمم
стр. 1013
الخالية فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ يعني وكم من قرية أهلكناها بالعذاب في الدنيا أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ يعنى خربة عَلى عُرُوشِها يعني ساقطة من فوقها، يعني بالعروش سقوف البيت، أي ليس فيها مساكن وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ يعنى خالية لا تستعمل «١» وَقَصْرٍ مَشِيدٍ- ٤٥- يعنى طويلا «٢» في السماء ليس له أهل أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يقول فلو ساروا في الأرض فتفكروا «فَتَكُونَ» «٣» لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها المواعظ «أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها» «٤» فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ- ٤٦- وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ نزلت في النضر بن الحارث القرشي يقول الله- تعالى-: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ في العذاب بأنه كائن ببدر يعني القتل وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ- ٤٧- وهي الأيام الست التي خلق الله فيهن السموات والأرض وإنما قال الله- تعالى- ذلك لاستعجالهم بالعذاب فاليوم عند الله- كألف سنة، فمن ثم قال: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها يعني أمهلت لها فلم أعجل عليها بالعذاب وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها بعد الإملاء بالعذاب وَإِلَيَّ إلى الله الْمَصِيرُ- ٤٨- يقول إلى الله يصيرون قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني كفار مكة إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ- ٤٩- يعني بين فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ- ٥٠- وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ يعنى فى القرآن مثبطين يعنى كفار
стр. 1014
مكة يثبطون الناس عن الإيمان بالقرآن أُولئِكَ [٢٧ أ] أَصْحابُ الْجَحِيمِ- ٥١- وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى يعني إذا حدث نفسه أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ يعني في حديثه مثل قوله: ... وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ «١» ... يقول إلا ما يحدثوا عنها يعني التوراة وذلك
أن النبي- ﷺ كان يقرأ في الصلاة عند مقام إبراهيم- ﷺ فنعس فقال: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى، تلك الغرانيق العلى، عندها الشفاعة ترتجى، فلما سمع كفار مكة أن لآلهتهم شفاعة فرحوا، ثم رجع النبي- ﷺ فقال: «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى «٢» »
فذلك قوله- سبحانه-: فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ على
стр. 1015
لسان محمد- ﷺ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ من «١» الباطل الذي يلقي الشيطان على لسان محمد- ﷺ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- ٥٢- لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ على لسان النبي- ﷺ وما يرجون من شفاعة آلهتهم فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعنى الشك وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ يعني الجافية قلوبهم عن الإيمان فلم تلن له وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يعنى كفار مكة لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ- ٥٣- يعني لفي ضلال بعيد يعني طويل، ثم ذكر المؤمنين- سبحانه- وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالله- أَنَّهُ يعني القرآن الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ
стр. 1016
يعنى فيصدقوا به فَتُخْبِتَ يعني فتخلص لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- ٥٤- يعني دينا مستقيما» «١» .
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة أبو جهل وأصحابه فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ يعني في شك من القرآن حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً يعني فجأة أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ- ٥٥- يعني بلا رأفة ولا رحمة القتل ببدر، ثم قال في التقديم «٢» :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يعني يوم القيامة لا ينازعه فيه أحد واليوم في الدنيا ينازعه غيره في ملكه يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ثم بين حكمه في كفار مكة، فقال: - سبحانه-:
فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ- ٥٦- وَالَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله وَكَذَّبُوا بِآياتِنا بالقرآن بأنه ليس من الله- فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ- ٥٧- يعني الهوان وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى المدينة ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ فى الآخرة رِزْقاً حَسَناً يعني كريما وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ- ٥٨- وذلك أن نفرا من المسلمين قالوا للنبي- ﷺ نحن نقاتل المشركين فنقتل منهم ولا نستشهد [٢٧ ب] فما لنا شهادة فأشركهم الله- جميعا في الجنة، فنزلت فيهم آيتان «٣» ، فقال: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ لقولهم حَلِيمٌ
стр. 1017
- ٥٩- عنهم، «لقولهم إنا نقاتل ولا نستشهد» «١» ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ وذلك أن مشركي مكة لقوا المسلمين «لليلة بقيت من المحرم «٢» » ، فقال بعضهم لبعض. إن أصحاب محمد «٣» يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون أن يقاتلوهم في الشهر الحرام «٤» فأبى المشركون إلا القتال. فبغوا على المسلمين فقاتلوهم وحملوا عليهم وثبت المسلمون فنصر الله- المسلمين عليهم فوقع «٥» في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام، فأنزل الله- «ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ» هذا جزاء من عاقب بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ عنهم غَفُورٌ- ٦٠- لقتالهم فى الشهر الحرام ذلِكَ يعني هذا الذي فعل من قدرته، ثم بين قدرته- ﷻ فقال- سبحانه:
ذلك بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعني انتقاص كل واحد منهما من الآخر حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات في كل سنة وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بأعمالهم بَصِيرٌ- ٦١- بها ذلِكَ يعني هذا الذي فعل ذلك، يدل على توحيده بصنعه بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني يعبدون من دونه من الآلهة هُوَ الْباطِلُ الذي
стр. 1018
ليس بشيء ولا ينفعهم «١» عبادتهم، ثم عظم نفسه- تبارك اسمه- فقال:
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ يعنى الرفيع فوق خلقه الْكَبِيرُ- ٦٢- فلا شيء أعظم منه أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعنى المطر فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً من النبات إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ باستخراج النبت خَبِيرٌ- ٦٣- ثم قال- تعالى- لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ عبيده وفي ملكه وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ «٢» الْغَنِيُّ من عبادة خلقه الْحَمِيدُ- ٦٤- عند خلقه في سلطانه أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ يعنى ذلك لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ يقول وسخر الفلك يعني السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ يقول لئلا تقع على الأرض إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ يعنى لرفيق رَحِيمٌ- ٦٥- بهم فيما سخر لهم، وحبس عنهم السماء فلا تقع عليهم فيهلكوا وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ يعني خلقكم ولم تكونوا شيئا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بعد موتكم في الآخرة إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ- ٦٦-[٢٨ أ] لنعم الله- في حسن خلقه حين لا يوحده، ثم قال- سبحانه-: لِكُلِّ أُمَّةٍ يعني لكل قوم فيما خلا جَعَلْنا مَنْسَكاً يعني ذبحا يعني هراقة الدماء ذبيحة «٣» في عيدهم هُمْ ناسِكُوهُ يعنى ذابحوه كقوله: « ... إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ... » «٤» يعنى ذبيحتي. فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ يعني في أمر الذبائح «٥» فإنك أولى بالأمر منهم «أى من كفار
стр. 1019
خزاعة وغيرهم» «١» نزلت في بديل بن ورقاء الخزاعي وبشر بن سفيان الخزاعي ويزيد ابن الحليس من بني الحارث بن عبد مناف لقولهم للمسلمين، في الأنعام «٢» ، ما قتلتم أنتم بأيديكم فهو حلال وما قتل الله فهو حرام يعنون الميتة، ثم قال- سبحانه-:
وَادْعُ إِلى رَبِّكَ يعني إلى معرفة ربك وهو التوحيد إِنَّكَ لَعَلى هُدىً يعنى لعلى دين مُسْتَقِيمٍ- ٦٧- وَإِنْ جادَلُوكَ في أمر الذبائح يعني هؤلاء النفر فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ- ٦٨- وبما نعمل وذلك حين اختلفوا في أمر الذبائح، فذلك قوله- : اللَّهُ يَحْكُمُ يعني يقضي بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ- ٦٩- من الدين. نسختها آية السيف «٣» .
قوله- : أَلَمْ تَعْلَمْ يا محمد أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ «٤» إِنَّ ذلِكَ العلم فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ إِنَّ ذلِكَ الكتاب عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ- ٧٠- يعنى هينا.
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً يعني ما لم ينزل به كتابا «٥» من السماء لهم فيه حجة بأنها آلهة وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ
стр. 1020
أنها آلهة وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ- ٧١- يقول وما للمشركين من مانع من العذاب وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ يعني واضحات تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ينكرون القرآن «١» أن يكون من الله- يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا [٢٨ ب] يقول يكادون يقعون بمحمد- ﷺ من كراهيتهم للقرآن وقالوا ما شأن محمد وأصحابه أحق بهذا الأمر منا والله إنهم لأشر خلق الله، فأنزل الله- قُلْ لهم يا محمد: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ يعني النبي- ﷺ وأصحابه «النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا» «٢» : من وعده الله النار وصار إليها يعني الكفار فهم شرار الخلق وَبِئْسَ الْمَصِيرُ- ٧٢- النار حين يصيرون إليها ونزل فيهم في الفرقان «الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا «٣» ... » يا أَيُّهَا النَّاسُ يعنى كفار مكة ضُرِبَ مَثَلٌ يعنى شبها وهو الصنم فَاسْتَمِعُوا لَهُ ثم أخبر عنه، فقال- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام يعني اللات والعزى ومناة وهبل لَنْ يستطيعوا أن يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ يقول لو اجتمعت الآلهة على أن يخلقوا ذبابا ما استطاعوا ثم قال- : وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً مما على الآلهة من ثياب أو حلي أو طيب لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ يقول لا تقدر الآلهة أن تستنقذ من الذباب