Полный текст (1 120 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
[سورة الحاقة]
فاتحة سورة الحاقة
لا يخفى على من تمكن في مقر التوحيد وانكشف بوقوع الطامة الكبرى التي اندكت دونها الأرض السفلى والسموات العلى وفنيت عندها هياكل الأشباح وهويات الأشياء ان ظهور عموم المظاهر والمجالى انما هي على حسب الأوصاف الذاتية الإلهية والأسماء التي امتدت وانبسطت على مرآة العدم وانعكس من ذلك الانبساط عموم ما انعكس من سراب العالم واظلال السوى والأغيار وبالجملة قد قبض الحق ما أبدى وانقهرت ماهيات الأشياء وتلاشت هوياتها الباطلة ولم يبق الا الحق الحقيق بالحقية الوحيد بالقيومية الفريد بالديمومية بحيث لا يعرضه تغير وزوال ولا يعتريه تبدل وانتقال لذلك اخبر سبحانه حبيبه ﷺ عن وقوع الحاقة الحقيقية الحقية وابهمها عليه ﷺ تهويلا وتفخيما لشأنها فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على عموم ما ظهر وبطن إظهارا لقدرته الغالبة الرَّحْمنِ عليه بامتداد اظلاله للظهور والبروز الرَّحِيمِ عليه بقبضه الى ذاته للخفاء والبطون
[الآيات]
الْحَاقَّةُ اى النشأة الاخرى التي ظهرت فيها حقية الحق وثبوته وتحقق دونها من على الحق وفاز بمبتغاه واستقر في دار السرور ومن على الباطل ولحق العذاب المعد له واستقر على الويل والثبور ثم استفهم سبحانه عنها تهويلا وتعظيما فقال
مَا الْحَاقَّةُ التي قد انقهرت دونها اظلال الأغيار وأشباح العكوس والسوى مطلقا وبرزوا لله الواحد القهار ثم زاد سبحانه على تهويلها بان نفى احاطة علم حبيبه ﷺ الذي قد جاء من عنده رحمة للعالمين إياها حيث قال
وَما أَدْراكَ وأى شيء أعلمك وأفهمك يا أكمل الرسل مَا الْحَاقَّةُ الحقية الحقيقية التي طويت دونها عموم المراتب ونقوش مطلق الكثرات والإضافات واضمحلت عندها عكوس الأسماء والصفات رأسا وبالجملة قد انقهرت وقت قيامها رسوم الناسوت ولم يبق الا الحي القيوم اللاهوت وحضرة الرحموت ولا شك انه متعال عن مطلق الإدراك والاطلاع المترتب على نشأة الناسوت بل على نشأتى الملكوت والجبروت. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع للمكذبين المنكرين عليها
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ اى بالحاقة المذكورة التي يقرع الأسماع سماع أهوالها ويدهش العقول ذكر افزاعها
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ اى بسبب طغيانهم المتجاوز عن الحد في تكذيبها اهلكوا بصيحة هائلة متجاوزة عن حد الصياح
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ باردة في غاية البرودة عاتِيَةٍ شديدة العصف بحيث لم يقدروا على دفعها وردها اصلاحين
سَخَّرَها وسلطها سبحانه حسب قهره عَلَيْهِمْ وانتقامه عنهم بمقتضى سخطه وجلاله لذلك قد أبقى عليهم سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً متتابعة مترادفة قاطعة قالعة فَتَرَى ايها المعتبر الرائي الْقَوْمَ فِيها اى في تلك الأيام ولياليها صَرْعى هلكى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ساقطة عن أصولها لا جوف لها
فَهَلْ تَرى لَهُمْ وما ترى منهم بعد تلك الأيام مِنْ باقِيَةٍ يعنى لم يبق منهم بعد تلك الواقعة الهائلة نفس لها حياة قد استؤصلوا بالمرة في تلك الأيام
وَبعد انقراض أولئك الغواة الطغاة الهالكين في تيه الجهل والعناد جاءَ فِرْعَوْنُ العتو العتل الطاغي المتجاوز عن الحد في البغي والعدوان وَمَنْ قَبْلَهُ ونقدم عليه من الأمم المكذبة الباغية او ومن معه من ملائه واشرافه على القرائتين وَجاء ايضا الْمُؤْتَفِكاتُ اى قرى قوم لوط والمراد من فيها من المكذبين وبالجملة كلهم جاءوا بِالْخاطِئَةِ
стр. 1017
المعهودة التي هي انكار يوم الحاقة الحقيقية على وجه المبالغة وبعد نزول الوحى ومجيء الرسل إليهم
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ اى عصى كل امة لرسولها المبعوث إليهم ليهديهم الى طريق الرشد فكذبوه واستهزؤا معه وبالغوا في تكذيبه وعصيانه فَأَخَذَهُمْ سبحانه اى كلا منهم أَخْذَةً رابِيَةً زائدة شديدة بمقتضى ما ازدادوا في العصيان والتكذيب اذكر يا أكمل الرسل شدة أخذنا إياهم
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ بعد ما أمرناه بالطغيان في يوم الطوفان الى حيث حَمَلْناكُمْ اى آباءكم الذين آمنوا بنوح ﵇ وأنتم حينئذ في أصلابهم فِي الْجارِيَةِ السفينة التي قد صنعها نوح ﵇ بتعليمنا له قبل الطوفان بمدة وأغرقنا الكفرة بأجمعهم بحيث لم يبق على الأرض سوى اصحاب السفينة احد من البشر وانما حملناكم عليها وأنجيناكم بها
لِنَجْعَلَها
اى هذه الفعلة الجميلة التي هي نجاة المؤمنين من الطوفان العظيم لَكُمْ
ايها المستخلفون المكلفون تَذْكِرَةً
اى عظة وعبرة وتبصرة دالة على كمال قدرة الصانع الحكيم ومتانة حكمته وَتَعِيَها
اى تستحضر وتستحفظ هذه التذكرة والتبصرة الكاملة أُذُنٌ واعِيَةٌ
حافظة لعموم العبر والتذاكير المورثة للقلوب الصافية الخائفة خيرا كثيرا ونفعا كبيرا وبعد ما بالغ سبحانه في وصف القيامة وشرح أهوالها وأحوالها وذكر حال من كذب بها ومآل امره أراد أن يشرح ما يظهر فيها من الأمور الهائلة والوقائع العظيمة عند قيامها فقال
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وهي النفخة الاولى التي عندها خراب العالم
وَحين سماعها وظهورها حُمِلَتِ ورفعت الْأَرْضُ وَالْجِبالُ من أماكنهما التي قد استقرتا عليها بان امر لهما سبحانه بالحركة والاضطراب على مقتضى القدرة الغالبة القاهرة فَدُكَّتا بعد ما سمعتا الأمر الوجوبي وانكسرتا بحيث اضمحلت اجزاؤهما وتفتتت فصارتا دَكَّةً واحِدَةً اى قاعا صفصفا مسواة ملساء بحيث لا عوج لها ولا أمتا نتوا
فَيَوْمَئِذٍ اى حين وقوع هذه الحالة الهائلة قد وَقَعَتِ الْواقِعَةُ العظمى وقامت الطامة الكبرى
وَقد انْشَقَّتِ السَّماءُ وانحلت التيامها ونظامها وتضعضعت بنيانها وأركانها فَهِيَ اى السماء يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ منهدمة منحلة الاجزاء والتراكيب
وَالْمَلَكُ يومئذ اى جنس الملائكة ينزلون عَلى أَرْجائِها اى أقطارها وانحائها بعد ما كانوا في حافاتها وحواقها وَبعد ما خربت السموات وانهدمت يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل فَوْقَهُمْ اى فوق الملائكة النازلين على الارجاء يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ من الملائكة بعد ما كانوا قبل ذلك اربعة إذ حملة العرش في النشأة الاولى اربعة وفي النشأة الاخرى تكون ثمانية على ما أشار اليه ﷺ في الحديث كأنه أشار بالأربعة الى أمهات الصفات الإلهية التي هي الحياة والعلم والقدرة والارادة وبالثمانية الى مجموع الصفات الثمانية الذاتية وبالجملة
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ أنتم ايها الاظلال الهالكة والعكوس المستهلكة على الله عرض العسكر على السلطان بحيث لا تَخْفى ولا تتستر مِنْكُمْ في يوم العرض خافِيَةٌ اى سر مستور مكتوم على الله حتى يكون العرض للاطلاع والشعور بل الكل في حضرة علمه حاضر غير مغيب ومخفي وانما تعرضون ليظهر كمال القسط والعدل الإلهي بالنسبة الى عموم العباد وحتى يظهر عندهم ان الحجة البالغة الغالبة لله ثم فصل سبحانه احوال العباد في الحساب والجزاء وإتيان صحف أعمالهم ليطالعوا فيها جميع ما اقترفوا في نشأة الاختبار فقال
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ لمن حوله فرحا وسرورا هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ اى تعالوا فاقرؤا كتابي هذا
إِنِّي ظَنَنْتُ
стр. 1018
في النشأة الاولى ظنا قريبا الى الجزم واليقين إِنِّي اليوم مُلاقٍ حِسابِيَهْ هكذا على الوجه الأحسن وبواسطة يقيني وجزمى قد كنت قدما أخاف ان يصدر عنى شيء يعاقب على بسببه وبالجملة
فَهُوَ حينئذ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ صاحبها لكونها صافية عن مطلق الكدورات متمكنا
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ رفيعة مكانا ومكانة
قُطُوفُها وثمارها دانِيَةٌ قريبة لمن ناولها مهما أراد تناولها نالها وناولها بلا تعب ومشقة ويقال لهم حينئذ
كُلُوا وَاشْرَبُوا من ثمار الجنة ومائها هَنِيئاً سائغا مريئا كل ذلك بِما أَسْلَفْتُمْ وقدمتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ الماضية في نشأة الاختبار فيصور لكم أعمالكم بهذه الصور البديعة في النشأة الاخرى
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ بعد ما رأى تفصيل المعاصي والقبائح الصادرة منه في نشأة الاختبار متمنيا متحسرا من غاية الضجرة والأسف المفرط يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ ولم اعط كِتابِيَهْ هذا
وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ فيه
يا لَيْتَها كانَتِ هذه الحالة الآتية على الْقاضِيَةَ الفارقة بيني وبين حياتي بحيث لم أصر حيا بعد هذه الحالة حتى لا افتضح على رؤس الاشهاد. ثم قال متأسفا متحسرا على ما مضى عليه قائلا
ما أَغْنى ودفع العذاب عَنِّي مالِيَهْ اى ما نسب الى من الأموال والأولاد والاتباع بل
هَلَكَ اى قد ضل وضاع اليوم عَنِّي سُلْطانِيَهْ اى تسلطي على الناس وتفوقى على الأقران وهو في أمثال هذه الهواجس على سبيل الضجرة والحسرة قيل للموكلين من قبل الحق
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ بالاغلال الضيقة الثقيلة
ثُمَّ الْجَحِيمَ المسعر العظيم المعهود الذي يعد لأصحاب الثروة والجاه من الكفرة صَلُّوهُ اطرحوه
ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها وقدرها طولا سَبْعُونَ ذِراعاً بذراع لا يعرف قدرها الا الله فَاسْلُكُوهُ أدخلوه ولفوه بها بحيث يصير محفوفا بها لا يقدر على الحركة أصلا ألا وهي أغلال الأماني وسلسلة الآمال الطويلة الامكانية وكيف لا يعذب الكافر كذلك
إِنَّهُ من غاية نخوته وتجبره قد كانَ لا يُؤْمِنُ ولا يذعن بِاللَّهِ الْعَظِيمِ المستحق للعبودية والايمان عتوا وعنادا ولا شك ان من تعظم على الله العلى العظيم قد استحق أسوأ العذاب وأشد النكال
وَمع هذا الكفر والكفران لا يَحُضُّ اى لا يحث ولا يرضى فيما مضى عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ان أطعمه احد من ماله فضلا ان يطعمه هو بنفسه عن ماله
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا اى في يوم العرض والجزاء حَمِيمٌ قريب من أقاربه يحميه ويشفع له كما في الدنيا
وَلا طَعامٌ يأكله ويشبع منه إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ اى من غسالة اهل النار وما يسيل منهم من القيح والصديد وبالجملة
لا يَأْكُلُهُ اى الغسلين إِلَّا الْخاطِؤُنَ اى اصحاب الخطايا والمعاصي العظام والجرائم الكبيرة والآثام وبعد ما شرح سبحانه من احوال يوم القيامة وأهوالها وافزاعها وما جرى فيها من الوعيدات الهائلة والمصائب الشديدة الشاملة فرع عليه قوله
فَلا أُقْسِمُ يعنى لا حاجة في اثبات ما ثبت وتبين الى تأييده بالقسم بِما تُبْصِرُونَ من المظاهر والمجالى
وَما لا تُبْصِرُونَ منها من المقسمات التي لم نطلع أحدا عليها فعليكم ايها المكلفون ان تتوجهوا الى القرآن المنزل عليكم لأجل التبيان والبيان فتعتقدوا جميع ما فيها حقا صدقا وتمتثلوا باوامرها وتجتنبوا عن نواهيها
إِنَّهُ اى القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ نفسه لا يتأتى منه الجرأة والافتراء على الله إذ هو ملك منزه عن أمثال هذه الرذائل المنافية لمنصب الرسالة التي هي مرتبة الخلافة والنيابة عن المرسل الكريم
وَما هُوَ اى القرآن بِقَوْلِ شاعِرٍ كما يقول في حقه بعض الكفرة الجاهلين
стр. 1019
بقدره وشأنه لكن قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ بصدقه وحقيته منكم ايها الكافرون لفرط عنادكم واستكباركم
وَلا هو بِقَوْلِ كاهِنٍ كما زعم بعضهم ان محمدا كاهن لكن قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ وتتعظون منه ان ما فيه ليس من جنس كلام الكهنة لا لفظا ولا معنى إذ ليس في القرآن من السرائر والاحكام إلا وهي مشعرة بالحكمة المتقنة الإلهية التي هي بمراحل عن احلام الكهنة المنحرفين عن جادة التوحيد والإسلام بل ما هو الا
تَنْزِيلٌ صادر ناش مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ لتربية عموم العباد على مقتضى الحكمة المتقنة ليستعدوا بفيضان التوحيد واليقين
وَلَوْ تَقَوَّلَ اى اختلق وافترى عَلَيْنا محمد بَعْضَ الْأَقاوِيلِ من تلقاء نفسه بلا وحى منا اليه
لَأَخَذْنا البتة وانتقمنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ اى بالقدرة الكاملة كما ننتقم عن سائر العصاة المفترين
ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ زجرا عليه وتعذيبا له الْوَتِينَ اى نياط قلبه الذي منه عموم إدراكاته
فَما مِنْكُمْ ايها المكلفون مِنْ أَحَدٍ حينئذ عَنْهُ اى عن أخذنا وعذابنا إياه حاجِزِينَ مانعين يمنعوننا عن بطشه وتعذيبه يعنى ان محمدا ﷺ لا يفترى علينا شيأ لاجلكم ايها الكافرون وهو ﷺ يعلم منا انه لو افترى علينا شيأ من تلقاء نفسه ونسبه إلينا ظلما وزورا لعذبناه عذابا شديدا بحيث لا يقدر احد ان يدفع عذابنا عنه
وَبالجملة إِنَّهُ اى القرآن لَتَذْكِرَةٌ صادرة منا متعلقة لِلْمُتَّقِينَ المتحفظين نفوسهم عن مقتضيات قهرنا وجلالنا
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ بحسب علمنا الحضوري أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ للقرآن ولمن انزل اليه ايها المنكرون المسرفون فنجازيكم على مقتضى تكذيبكم
وَبالجملة إِنَّهُ اى القرآن لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ في الدنيا والآخرة يتحسرون في الدنيا من نزوله على المؤمنين وان كانوا لا يظهرونه ويتحسرون ايضا في الآخرة بترتب الثواب على من صدقه وآمن به وهم حينئذ يتحسرون ويتندمون على عدم الايمان والتصديق به
وَكيف لا يكون القرآن تذكرة وسبب حسرة عظيمة وندامة بليغة على اهل الإنكار والتكذيب إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ فائض نازل من الحق على من وصل الى مرتبة اليقين الحقي مترقيا من اليقين العلمي والعيني
فَسَبِّحْ يا أكمل من وصل الى مرتبة اليقين الحقي بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ الذي رباك على الخلق العظيم وأوصلك الى روضة الرضا وجنة التسليم بلطفه العميم
خاتمة سورة الحاقة
عليك ايها الموحد المتحقق بمرتبة حق اليقين مكنك الله فيها عن تذبذب وتلوين ان تتأمل في مرموزات القرآن وتتدبر في كشف السرائر المودوعة فيه بقلب خال عن مطلق الوساوس والأوهام صاف عن جميع الكدورات الحاصلة من تقليدات ذوى الأحلام الحائضين فيه بمقتضى الآراء والافهام الركيكة بلا تأييد من جانب العليم العلام القدوس السلام فلك ان تتوجه نحوه بقلب فارغ عن عموم الاشغال مائل عن مطلق الزيغ والضلال الواقع فيه من اصحاب الظواهر القانعين منه بالقيل والقال حسب تفاهم عرفهم ومقتضى فهمهم وإياك إياك ان تكتفى بمجرد منطوقات الألفاظ وتقتصر عليها بلا خوض في تيار بحاره الزخارات التي هي مملوة بدرر المعارف ولآلى الحقائق الموصلة الى مرتبة حق اليقين وإذا خضت وغصت فيه على الوجه المذكور واستخرجت من درر فرائده بقدر حوصلتك واستعدادك حق لك ان تقول حينئذ انه لحق اليقين وان تكون مرجعا للخطاب الإلهي بقوله فسبح باسم ربك العظيم
стр. 1020
[سورة المعارج]
فاتحة سورة المعارج
لا يخفى على من انكشف له الحجب وارتفع عن بصر بصيرته السدل والاغشية المانعة عن الاطلاع والشهود لوجه الحق الكريم ان المراقي والمعارج من حضيض الإمكان الذي هو عبارة عن مضيق عالم الناسوت نحو ذروة الوجوب الذي هو عبارة عن فضاء عالم اللاهوت اكثر من ان تعدو تحصى لكن المنجذبين نحو الحق من ارباب المحبة والولاء هم الذين قد شملت لهم العناية الازلية وأدركتهم الكرامة السرمدية بحيث رفعت عنهم الاغطية والحجب الظلمانية البشرية وطويت دونهم مطلق المسافات الى ان صار سيرهم من عالم مضيق الناسوت نحو فضاء اللاهوت سيرا كشفيا وعروجهم نحوه عروجا معنويا وتحققهم دونه انما هو بالفناء والموت الإرادي عن لوازم الهوية الصورية وبالانسلاخ والانخلاع عن مقتضيات القوى البشرية فمن كان شأنه هذا وحاله هكذا فلا يكال مدارج ترقيه بمكيال الزمان والآن وما يتركب منهما ويتفرع عليهما من مطلق المقادير التي يقدر بها عموم التقادير واما المحجوبون المقيدون بسلاسل الزمان وأغلال المكان المعذبون بنيران الإمكان ولوازم نشأة الناسوت فلا مخلص لهم عن مقتضيات الطبائع والأركان وعن لوازم بقعة الإمكان ولواحق عرصة الأكوان كما اخبر سبحانه حبيبه ﷺ حيث قال بعد التيمن والتبرك بِسْمِ اللَّهِ الذي كشف ذاته لأرباب المحبة والولاء بعد رفع الحجب والغطاء الرَّحْمنِ عليهم يوفقهم للصعود نحو عالم الأوصاف والأسماء الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى مرتبة البقاء بعد الفناء
[الآيات]
سَأَلَ سائِلٌ من اصحاب الفطنة والاعتبار بِعَذابٍ اى عن كيفية عذاب واقِعٍ
لِلْكافِرينَ او المعنى جرى على سبيل السيل والطغيان وادي الإمكان مملوا بعذاب اى بأنواع من العذاب الهائل واقع للكافرين الساترين بطبائعهم الكثيفة وهوياتهم الباطلة السخيفة شمس الحق الظاهرة في الأنفس والآفاق بمقتضى الاستقلال والاستحقاق الى حيث لَيْسَ لَهُ دافِعٌ يرده ويدفعه عنهم
مِنَ اللَّهِ اى من قبله وجهته لتعلق مشيته المحكمة ومضاء قضائه المبرم على وقوعه لاعدائه ذِي الْمَعارِجِ والدرجات العلية والمقامات السنية من القرب والكرامة لأوليائه
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ اى حوامل آثار الأسماء والصفات الإلهية من مجردات العالم السفلى وَالرُّوحُ الفائض من لدنه سبحانه على هياكل الهويات من ماديات عالم الطبيعة والأركان القابلة لآثار العلويات من الأسماء والصفات المسميات بالأعيان الثابتة إِلَيْهِ اى الى الذات البحت الخالص عن مطلق القيود والإضافات بعد ما جذبهم الحق وأدركتهم العناية الإلهية مترقين من درجة الى درجة فِي يَوْمٍ وشأن لا كأيام الدنيا وشئونها وان قسته الى ايام الدنيا وأضفته الى المسافة الدنية الدنياوية كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ من سنى الدنيا الا انهم يقطعونها بعد ورود الجذبة الإلهية والخطفة الغالبة الغيبية اللاهوتية كالبرق الخاطف في اقصر من لمحة وطرفة وبعد ما انكشف لك الأمر
فَاصْبِرْ يا أكمل الرسل على اذيات الأعداء واستهزائهم صَبْراً جَمِيلًا بحيث لا يشوبه قلق واضطراب وضجرة وسآمة واستعجال للانتقام وترقب بالعذاب على وجه الهتك فانه سيصيبهم العذاب الموعود عن قريب
إِنَّهُمْ بمقتضى انكارهم وإصرارهم يَرَوْنَهُ اى نزول العذاب بَعِيداً في غاية البعد الى حيث يعتقدونه محالا خارجا عن الإمكان
وَنَراهُ قَرِيباً من لمح البصر بل هو اقرب
стр. 1021
منه اذكر لهم يا أكمل الرسل كيف يعملون
يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ من القهر الإلهي كَالْمُهْلِ اى كالفضة المذابة يسيل من مكانها من غاية الخشية الإلهية
وَتَكُونُ الْجِبالُ الملونة بالألوان المختلفة بعد ما شمل النظر القهرى الإلهي كَالْعِهْنِ اى كالصوف المصبوغ المندوف تذروه الرياح حيث شاءت
وَيومئذ لا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً اى لا يسأل قريب عن قريب وصديق عن صديقه بل يومئذ يفر المرء من أخيه وامه وأبيه وبالجملة لا يلتفت احد الى احد من شدة هوله وشغله بحاله بحيث
يُبَصَّرُونَهُمْ وينبهون عليهم من حال أقاربهم ليرقوا لهم وهم لا يلتفتون إليهم ولا يرقون لهم بل يَوَدُّ ويحب الْمُجْرِمُ حينئذ متمنيا لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ الذين هم أحب اليه وأعز عليه من نفسه في دار الدنيا
وَكيف لا يود ان يفتدى ايضا بأحب الناس اليه بعد بنيه صاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ
وَفَصِيلَتِهِ أقاربه وعشيرته الَّتِي تُؤْوِيهِ اى تضمه الى نفسه وقت حلول الشدائد ونزول الملمات في دار الدنيا بل
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعنى بل يود ويرضى ان يفتدى عن نفسه بجميع من في الأرض من الثقلين لو قدر عليه ثُمَّ يُنْجِيهِ اى نفسه بالفدية المذكورة من عذاب ذلك اليوم الهائل
كَلَّا وحاشا ان ينقذ وينجى المجرم بأمثال هذه الافتداءات من عذاب الله بل كل نفس يومئذ رهينة بما كسبت إِنَّها اى النار المسعرة التي اسمها لَظى اى ذات لهب والتهاب تتلظى وتلتهب دائما بحيث تصير
نَزَّاعَةً لِلشَّوى اى تنزع من شدة التهابها الأطراف عن أماكنها سيما جلدة الوجه والرأس وبالجملة
تَدْعُوا وتجذب الى نفسها مَنْ أَدْبَرَ عن الايمان ولم يقبل الى قبول الدعوة وَتَوَلَّى اى انصرف عن الطاعة واطاعة الداعي
وَمع ذلك جَمَعَ مالا عظيما من حطام الدنيا فَأَوْعى اى فجعله في وعائه وكنزه من غاية حرصه وأمله ولم ينفق في سبيل الله لعدم وثوقه بكرم الله وبالجملة
إِنَّ الْإِنْسانَ المجبول على الكفران والنسيان خُلِقَ هَلُوعاً شديد الحرص قليل الصبر طويل الأمل بحيث
إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ اى الضر والسوء صار جَزُوعاً يكثر الجزع ويلح في كشف الأذى
وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ اى الفرح والسرور والسعة والخصب صار مَنُوعاً يبالغ في البخل والإمساك وهؤلاء كلهم هلكى في تيه الحرص والأمل وقلة التصبر على البلوى وكمال التكبر والتجبر عند السراء
إِلَّا الْمُصَلِّينَ المائلين المتوجهين الى الله في عموم الأحوال بمقتضى الرضاء والتسليم قانعين بما وصل إليهم من الإحسان والتكريم صابرين على عموم ما أصابهم من العليم الحكيم منفقين في سبيل الله مما استخلفهم عليه سبحانه من الرزق الصوري والمعنوي لمرضاة الله وهربا عن مساخطه
الَّذِينَ هُمْ من كمال تحننهم وتشوقهم الى الله عَلى صَلاتِهِمْ وميلهم نحوه دائِمُونَ ملازمون بحيث لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ المنسوبة إليهم المسوقة لهم حَقٌّ مَعْلُومٌ كالزكاة والصدقات الموقتة وغير الموقتة
لِلسَّائِلِ يسئل ويفشى فقره وَالْمَحْرُومِ الذي لا يسئل ولا يفشى بل من كمال صيانته وتحفظه واستغنائه يحسب من الأغنياء من كمال التعفف لذلك يحرم
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ ويعتقدون بِيَوْمِ الدِّينِ تصديقا مقارنا لصوالح الأعمال ومحاسن الشيم والأخلاق
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ عاجلا وآجلا مُشْفِقُونَ خائفون وجلون وكيف لا يشفقون
إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ اى من شأن المؤمن ان لا يأمن عذاب الله وان بالغ في طاعته وعبادته على وجه الإخلاص
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ لا يتجاوزون عن الحدود الإلهية
стр. 1022
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من السراري فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ عليهن الا ان المؤمن المخلص لو لم يبالغ في اتباع الشهوات المباحة ايضا لكان له خيرا كثيرا واجرا عظيما
فَمَنِ ابْتَغى وطلب وَراءَ ذلِكَ الذي ذكر من الأزواج والسراري فَأُولئِكَ المسرفون المفرطون هُمُ العادُونَ المتجاوزون عن مقتضى الحدود الموضوعة لحفظ العفة
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ التي ائتمنوا عليها وَعَهْدِهِمْ الذي وثقوا به راعُونَ لحقوقهما وحفظهما على الوجه الأصلح الاقسط الأحوط
وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ المودعة عندهم المتعلقة بحقوق المسلمين قائِمُونَ حافظون مستحضرون الى وقت الأداء على وجهها
وَبالجملة المؤمنون المخلصون هم الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ المكتوبة لهم في الأوقات المحفوظة المقدرة يُحافِظُونَ على أوانها على وجهها مع كمال الخضوع والخشوع ورعاية الشرائط والأركان والأبعاض وسائر الآداب والمندوبات المتعلقة بالصلوات
أُولئِكَ السعداء المتصفون بهذه الصفات الكاملة مقبولون عند الله متنعمون فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ فيها بأنواع الكرامات تفضلا وإحسانا وبعد ما ظهر وتميز حال المؤمنين وحال الكافرين عند الله في النشأة الاخرى واخبر بها سبحانه عباده قال فما عرض ولحق فمال
الَّذِينَ كَفَرُوا بك وبدينك وكتابك قِبَلَكَ يعنى الذين هم في حواليك وجوانبك مُهْطِعِينَ مترددين مسرعين
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ متفرقين فرقا شتى يترددون حولك فرقة بعد فرقة ويسمعون منك كلامك فوجا بعد فوج
أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ بالتردد حولك أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ بلا ايمان واطاعة وتصديق مقارن بالأعمال الصالحة
كَلَّا وحاشا ان يحصل لهم هذا بلا سبق الايمان وامتثال الأوامر والاحكام وكيف يدخلون أولئك الخبيثون في منازل القدس بلا تصفية وتزكية بالإيمان وتحلية بالأعمال إِنَّا خَلَقْناهُمْ وقدرنا وجودهم مِمَّا يَعْلَمُونَ ألا وهو النطفة القذرة الخبيثة التي لا نسبة لها بالمقام المقدس عن مطلق الرذائل والكدورات المطهر عن أوساخ الطبيعة وأثقال الهيولى الحاصلة من ظلمة عالم الناسوت فما داموا لم يطهروا نفوسهم بنور الايمان ولم يتصفوا بالعرفان لم يصلوا الى روضة الجنان ولم ينالوا بنعم الألوان
فَلا أُقْسِمُ اى لا حاجة لنا الى القسم بإثبات كمال قدرتنا لكن اقسم لتنبيه العباد بِرَبِّ الْمَشارِقِ اى بمربى عموم الذرات التي قد أشرقت عليها شمس الذات باعتبار البروز والظهور وَكذا برب الْمَغارِبِ اى بجميع الذرات التي قد غربت فيها شمس الذات باعتبار الخفأ والبطون إِنَّا لَقادِرُونَ بالقدرة الغالبة الكاملة
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ بان نهلكهم ونستأصلهم بالمرة على وجه الأرض ونأت بدلهم بخلق أفضل منهم وأصلح للايمان وقبول دين الإسلام وَبالجملة ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ مغلوبين من احد فان أردنا هذا التبديل والتغيير وتعلقت مشيتنا به فعلناه البتة وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل كمال قدرتنا على إهلاكهم وتبديلهم
فَذَرْهُمْ واتركهم وحالهم يَخُوضُوا في الأباطيل الزائغة والأراجيف الزاهقة وَيَلْعَبُوا بالآيات الواضحات والبينات اللائحات بأنواع الأكاذيب والمفتريات حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ به ألا وهو يوم الحشر وتنقيد الأعمال والحساب عليهم والجزاء بمقتضاه على الوجه الذي وعد في كتبنا وألسنة رسلنا اذكر لهم يا أكمل الرسل على وجه التهويل والتذكير
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ اى القبور بعد نفخ الصور ويسرعون نحو الداعي سِراعاً مسرعين كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ صنم ينصب للزيارة والاستلام يُوفِضُونَ يسرعون يعنى
стр. 1023
إسراعهم في تلك الحالة نحو الداعي يشبه إسراعهم نحو الصنم المنصوب للعبادات ورفع الدرجات كما هو عادتهم طول عمرهم في الدنيا فيكونون حينئذ
خاشِعَةً ذليلة خاسرة خاسئة أَبْصارُهُمْ بحيث لا يمكنهم ان ينظروا اليه إذ تَرْهَقُهُمْ وتغشيهم حينئذ ذِلَّةٌ عظيمة بدل ما يذلون داعي الله حين دعوته إياهم في النشأة الاولى وبالجملة ذلِكَ الْيَوْمُ العظيم الهائل هو اليوم الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ به في نشأة الاختبار فلم يصدقوا به حينئذ ولم يؤمنوا له الى ان يعاينوه ويلاقوه. جعلنا الله من زمرة المصدقين بيوم الدين
خاتمة سورة المعارج
عليك ايها الموحد المحمدي ان تعتقد بل تعاين وتشاهد ان كنت من اولى الأبصار وذوى القدر والاعتبار ان النشأة الاخرى هي دار القرار والخلود بل العالم الموجود حقيقة انما هي تلك النشأة الاخروية والنشأة الاولى انما هي اظلال لا وجود لها وعكوس لا ثبوت لها وإضافات لا حقيقة لها ولا ثبات وتعينات لا تحقق لها ولا قرار فعليك ان لا تستقر عليها الا كالعابر ولا تعيش فيها الا كالمسافر اما تدرى يا أخي ان جميع ما عليها ظل زائل وعموم لذاتها وشهواتها سراب بلا طائل الام تتشبث بها وبما فيها ايها المغرور وعلام تستلذ بمزخرفاتها وملاهيها ايها المبهوت فإنك عن قريب ستموت وما تدخر وتجمع فيها سيضيع ويفوت فعليك ان تستعد لأخراك في أولاك وتتزود لعقباك من دنياك وبالجملة فعليك ان تموت عن مزخرفات هذه الدار بالإرادة والاختيار قبل هجوم الموت على وجه الاضطرار فاعلم ان ما هذه الحياة الدنيا الا متاع وان الآخرة هي دار القرار
[سورة نوح]
فاتحة سورة نوح ﵇
لا يخفى على من انكشف بسرائر ظهور مرتبتي النبوة والرسالة من ارباب الولاية المقتبسين من مشكاة النبوة ان مقتضى النبوة والرسالة انما هي الدعوة الى دين الإسلام الموصل الى دار السلام المستلزم للقرب والوصول الى كنف جوار الله العليم العلام فلا بد لمن تصدر بها بتكليف الحق إياه واختياره لها ان يبالغ في تبليغها ويجتهد في إظهارها سيما بعد تأييد الحق وتقويته بالمعجزات القاطعة والبراهين الساطعة متحملا على عموم المتاعب والمشاق وانواع الأذيات الواقعة في إظهارها وترويجها كما اخبر سبحانه عن نجيه نوح ﵇ مع قومه كيف تحمل عنهم الأذى وصبر الى ان ظفر عليهم وانتصر حيث قال سبحانه بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى على أنبيائه ورسله بعموم أسمائه وصفاته ليستخلفهم عن ذاته الرَّحْمنِ على عموم مظاهره بإظهار مرتبة الخلافة والنيابة بينهم الرَّحِيمِ لهم يوصلهم بإرشاد الأنبياء والرسل وهدايتهم إياهم الى زلال توحيده
[الآيات]
إِنَّا من مقام عظيم جودنا قد أَرْسَلْنا أخاك يا أكمل الرسل نُوحاً صلوات الله عليه وسلامه إِلى قَوْمِهِ حين انحرفوا عن جادة العدالة والقسط الإلهي ووصيناه له أَنْ أَنْذِرْ اى خوف وحذر قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم في غاية الإيلام من قبلنا ألا وهو عذاب يوم الطوفان وبعد نزول الوحى عليه
قالَ يا قَوْمِ أضافهم الى نفسه وناداهم ليقبلوا اليه ويهتدوا بهدايته وإرشاده إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ظاهر الإنذار والتخويف باذن العليم الحكيم حيث اوحى لي ربي وأرسلني إليكم
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ الواحد الأحد الفرد الصمد
стр. 1024
الحق الحقيق بالالوهية والربوبية القادر المقتدر على انواع الانعام والانتقام وَاتَّقُوهُ بالاجتناب عن ارتكاب محارمه ومنهياته وَأَطِيعُونِ فيما بلغت لكم من أوامر الله ونواهيه وامتثلوا بها واعملوا بمقتضاها
يَغْفِرْ لَكُمْ سبحانه مِنْ ذُنُوبِكُمْ كلها ان استغفرتم منه سبحانه وتبتم اليه مخلصين نادمين وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أقصى أَجَلٍ مُسَمًّى مقدر عنده سبحانه معين لديه بشرط ان تتصفوا بالإيمان والعمل الصالح إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ المقدر لآجال عباده على مقتضى حكمته المتقنة البالغة إِذا جاءَ على الوجه المقدر المقرر عنده لا يُؤَخَّرُ عن وقته ولا يقدم عليه لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وتعتقدون حكمة الحكيم وكمال قدرته ومشيته لعلمتم يقينا ان الأجل المقدر من عنده لا يبدل ولا يتغير وبعد ما قد بالغ نوح ﵇ في دعوتهم وإرشادهم فلم يهتدوا بل ما زادوا الا إصرارا وإضرارا وعتوا واستكبارا وبعد ما تمادى ضررهم واضرارهم إياه
قالَ نوح ﵇ مناجيا الى ربه على وجه التضرع والابتهال بعد ما بالغوا في الإنكار والاستكبار رَبِّ يا من رباني على الرشد والهداية إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي حسب وحيك وإلهامك على لَيْلًا وَنَهاراً اى في عموم الأزمان والأحيان بلا مطل ونسيان
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إياهم على الايمان إِلَّا فِراراً عن الانقياد والإطاعة وإصرارا على الكفر والطغيان
وَإِنِّي قد صرت زمانا طويلا ومدة ممتدة كُلَّما دَعَوْتُهُمْ على قصد منى ان يقبلوا منى دعوتي لِتَغْفِرَ لَهُمْ أنت يا ربي بمقتضى عفوك وسعة رحمتك عموم ذنوبهم وزلاتهم قد جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ وقت دعوتي إياهم فِي آذانِهِمْ اى هم سدوا مسامع قبولهم عن استماع دعوتي فكيف عن ان يجيبوا ويؤمنوا وَمع ذلك لم يقتصروا على مجرد السد بل اسْتَغْشَوْا اى قد غطوا ولفوا على رؤسهم ثِيابَهُمْ لئلا يروا صورتي ولا يسمعوا قولي ودعوتي من شدة كراهتهم لها ولسماعها ونهاية شكيمتهم وغيظهم على وَبالجملة هم قد أَصَرُّوا على ما هم عليه كانوا وَقد اسْتَكْبَرُوا على اسْتِكْباراً عظيما الى حيث شتموني شتما فظيعا وضربونى ضربا مؤلما فجيعا
ثُمَّ بعد ما جرى على منهم ما جرى من الزجر والشتم وانواع الطعن والقدح إِنِّي بمقتضى وحيك وأمرك إياي وحكمك على يا ربي قد كنت دَعَوْتُهُمْ جِهاراً على رؤس الملأ وعند الاشهاد
ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وصرحت بدعوتهم في الملأ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ ايضا بالدعوة في الخلوات إِسْراراً على سبيل الكناية والرمز والإشارات وبالجملة قد دعوتهم مرة بعد مرة وكرة بعد كرة في المحافل والخلوات وبالصرائح والكنايات
فَقُلْتُ لهم في دعوتي إياهم اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ الذي رباكم على فطرة الايمان وأظهركم قابلا لفيضان اليقين والعرفان وتوبوا اليه عن عموم ما صدر من الكفر والعصيان والكفران والطغيان إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يغفر لكم ذنوبكم ويعفو عن زلاتكم. وقد روى انهم بالغوا في الإصرار والإنكار الى حيث حبس الله عليهم القطر واعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فقال نوح ﵇ استغفروا ربكم انه كان غفارا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً بحكم الله وامره عليها بعد ما حبسها عليه زمانا طويلا بشؤم شرككم وكفركم
وَيُمْدِدْكُمْ سبحانه بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ بعد ما منعها عنكم سبحانه بكفركم وشرككم وَبعد ما انزل عليكم من السماء مدرارا يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وبساتين متنزهات وَيَجْعَلْ لَكُمْ ايضا في خلالها أَنْهاراً جاريات بمياه العلوم اللدنية وبالجملة
ما لَكُمْ وأى شيء عرض عليكم قد أغفلكم عن الله حيث لا تَرْجُونَ ولا تأملون لِلَّهِ
стр. 1025
المستحق لانواع العبودية والتعظيم وَقاراً توقيرا وتبجيلا لائقا لجلاله وجماله وحسن فعاله معكم
وَالحال انه سبحانه قَدْ خَلَقَكُمْ أوجدكم وأظهركم أَطْواراً مختلفة مترقية في الكمال حيث قدر خلقكم أولا من جمادات العناصر ثم ركبكم الى ان صرتم من اغذية الإنسان ثم صيركم اخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما ثم انشأكم خلقا عجيبا قابلا للخلافة والنيابة ثم بعد ذلك يوصلكم في النشأة الاخرى الى ما يوصلكم وبالجملة فبأى آلاء ربكم تكذبون ايها المكذبون المنكرون مع انه قد وسع عليكم من زوائد النعم وموائد الكرم ما لا مزيد عليه من كمال قدرته ومتانة حكمته
أَلَمْ تَرَوْا ايها الراؤن المعتبرون المجبولون على فطرة الفكرة والعبرة كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ بقدرته الكاملة سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً مطبقات بعضها في جوف بعض الى حيث ينتهى الكل الى كرة واحدة قد وقعت مظهرا للوحدة الذاتية الإلهية وان كانت كل ذرة من ذرائر الكائنات مستقلة في مظهرية الوحدة الذاتية
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ اى في خلال السموات نُوراً مقتبسا من شمس الذات وَبالجملة قد جَعَلَ الشَّمْسَ المشرقة المنيرة سِراجاً واضحا وهاجا ودليلا لائحا على شروق شمس الذات الإلهية ولمعانها على مظاهر عموم الذرات المنعكسة منها وعلى انقهار الكل وانطوائها فيها بحسب الظهور والبطون
وَبالجملة اللَّهُ المتعزز برداء العظمة والكبرياء قد أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ اليابسة نَباتاً اى أنبتكم من الأرض إنباتا إبداعيا وصيركم أنواعا وأصنافا أولا من النبات ورباكم الى ان صرتم ثانيا حيوانا ثم إنسانا قابلا للمعرفة والايمان ثم كلفكم بما كلفكم من التكاليف الشاقة لترتقوا من رتبة البشرية الى مرتبة الخلافة والنيابة الإلهية وتفوزوا بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
ثُمَّ بعد حلول الأجل المقدر يُعِيدُكُمْ فِيها اى في الأرض مقبورين وَيُخْرِجُكُمْ بعد ذلك منها الى المحشر إِخْراجاً عاديا في النشأة الاخرى لتنقيد ما كلفكم الحق عليه في النشأة الاولى من الأعمال والأخلاق ولترتيب الجزاء عليه تتميما للحكمة المتقنة البالغة وتكميلا لها
وَبالجملة اذكروا آلاء الله المترادفة عليكم واشكروا لها إذ اللَّهُ القادر المقتدر الحكيم المدبر قد جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً ممهدة تتقلبون عليها وتترددون فيها
لِتَسْلُكُوا وتتخذوا مِنْها حيث شئتم سُبُلًا فِجاجاً اى طرقا واسعة متسعة فبأى آلاء ربكم ونعمائه تنكرون وتكذبون ايها المكافرون المكذبون وبالجملة كلما قد بالغ نوح ﵇ في إرشادهم ودعوتهم فهم ايضا قد بالغوا في العناد والإصرار وبعد الاضطرار
قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي في عموم ما بلغت لهم وامرتهم به وبالجملة قد انصرفوا عنى واعرضوا عن دعوتي واستهزءوا بي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً اى اتبعوا سادتهم ورؤساءهم المعروفين المشهورين بينهم بكثرة الأموال والأولاد الموجبة للثروة والوجاهة عند الناس وان كان أموالهم وأولادهم لم يزدهم الا خسارا وبوارا في النشأة الاخرى
وَبالجملة قد مَكَرُوا لهم اى لضعفاء الناس أولئك الرؤساء الماكرون مَكْراً كُبَّاراً قد بلغ غاية كبره ونهاية شدته في التلبيس والتغرير وذلك احتيالهم على الناس الى حيث لم يقبلوا دعوة نوح ﵇ مع كونه مؤيدا بأنواع المعجزات بل سفهوه متمسخرين به
وَقالُوا اى قال رؤساؤهم لضعفائهم وعوامهم في نصحهم وتذكيرهم إياهم لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ اى عبادتها أصلا سيما بقول هذا السفيه الطريد المختبط المختل الرأى والعقل وَلا تَذَرُنَّ ولا تتركن
стр. 1026
خصوصا وَدًّا فانه من أعظم آلهتكم وَلا سُواعاً ايضا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً فإنها كلها غرانيق عظام ترتجى منها الشفاعة لعصاة العباد وبالجملة عليكم ان لا تتركوا عبادة آلهتكم بقول هذا الطريد السفيه
وَهم بمكرهم هذا قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً من الناس بتزويراتهم الباطلة وتغريراتهم الهائلة الشاملة لأهل الحيرة والضلال وَبالجملة لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ يا ربي إِلَّا ضَلالًا فوق ضلال وإصرارا غب إصرار. ثم قال سبحانه بعد ما بالغ نوح ﵇ في الضراعة والمناجاة
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ اى من أجل وفور خطاياهم وكثرتها أُغْرِقُوا بالطوفان أولا فَأُدْخِلُوا ناراً نوعا من عذاب النار عقيب عذاب الطوفان في البرازخ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ حين طغيان الماء وطوافه عليهم مِنْ دُونِ اللَّهِ القادر المقتدر على رفع الموانع ودفع المضار أَنْصاراً شفعاء من الأصنام كما زعموا فلهذا لم ينصرهم الله فهلكوا بالغرق بالمرة
وَبعد ما قد يئس نوح ﵇ عن ايمان قومه وقنط عن فلاحهم وصلاحهم أخذ يدعو عليهم حيث قالَ نُوحٌ رَبِّ يا من رباني على فطرة الهداية والرشد ولا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ التي وضعتها للعبادة والطاعة مِنَ الْكافِرِينَ المصرين على الكفر والعناد والإلحاد عن سبيل الرشد والسداد دَيَّاراً أحدا يدور عليها
إِنَّكَ يا ذا الحكمة البالغة إِنْ تَذَرْهُمْ على الأرض على ما كانوا عليه يُضِلُّوا عِبادَكَ المؤمنين بك المصدقين بوحدانيتك وفردانيتك البتة وَمع ذلك لا يَلِدُوا ولا يتناسلوا بعد ذلك إِلَّا فاجِراً خارجا عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة لحفظ القسط والعدالة كَفَّاراً ستارا للحق بترويج الباطل عليه وانما دعا عليهم بهذا بعد ما قد جربهم ألف سنة الا خمسين سنة فعرف منهم جميع خصائلهم المذمومة. ثم نادى ربه لنفسه ولوالديه ولمن اهتدى بهدايته وإرشاده فقال
رَبِّ يا من ربيتني بمقتضى كرمك وجودك لمصلحة معرفتك وتوحيدك اغْفِرْ لِي بفضلك وإحسانك وَلِوالِدَيَّ اسم أبيه لمك بن متوشلخ واسم امه شمخا بنت أنوش وكانا مؤمنين موحدين وَاغفر ايضا بفضلك يا ربي لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ سفينتي وحرزي وديني ومذهبي مُؤْمِناً موقنا بارشادى وتكميلى وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ من الأمم السالفة واللاحقة الى يوم القيامة وَبالجملة لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ الخارجين عن عروة عبوديتك وربقة رقيتك إِلَّا تَباراً هلاكا وخسارا وبالا وبوارا. ونحن ندعو ايضا على الكافرين المصرين على كفرهم وشركهم المتوغلين في بحر الحيرة والضلال المتشبثين بأذيال التقليد الظاهرين على ارباب التوحيد والمعرفة بأنواع الجدال والمراء بما دعا به نوح ﵇ ونرجو ايضا ان نكون من الناجين ببركة دعائه ودعاء نبينا صلوات الله عليه وسلامه على نبينا وعليه وعلى عموم إخوانه من النبيين
خاتمة سورة نوح ﵇
عليك ايها الموحد المحمدي الداخل في سفينة الشريعة المصطفوية المنجية لنفسك عن طوفان القوى البشرية وطغيان اللذة البهيمية المانعة عن التلذذ باللذات المعنوية الروحانية ان تتشبث بذيل همة المرشد الكامل المكمل الذي يرشدك الى سرائر الشريعة وحكم الاحكام الموردة فيها ومصالح الأوامر والنواهي بارادة صادقة وعزيمة خالصة صافية عن شوب مطلق الرياء والرعونات العائقة عن الميل
стр. 1027
الفطري والفطنة الجبلية التي قد جبل الناس عليها إذا خلى وطبعه بلا تصرف من شياطين الوهم والخيال وجنود الامارة والهوى. وفقنا الله لما يحب ويرضى وجنبنا عن الميل الى البدع والأهواء
[سورة الجن]
فاتحة سورة الجن
لا يخفى على من تحقق بمقام القلب وسعته وكمال فسحته ووسعته ان مظاهر الحق وجنوده اكثر من ان يحيط به الآراء ويتفوه عنه ألسنة التعديد والإحصاء او يدرك نهايتها عقول العقلاء ومن جملتها جنود الجن ومن يختلط معهم ويصاحبهم من الانس ممن كان بينه وبينهم مناسبة معنوية مخصوصة توجب ائتلافهم واختلاطهم وذلك من جملة المواهب والإعطاءات الإلهية لبعض النفوس القدسية الزكية عن رذائل الطبيعة وإكدار الهيولى ولا شك ان نبينا ﷺ مبعوث إليهم مختلط معهم مرشد لهم هاد الى طريق التوحيد كما اوحى سبحانه اليه ﷺ في هذه السورة متيمنا بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى بمقتضى كرمه وجوده الرَّحْمنِ لعموم عباده من الثقلين حيث يدعوهم الى الايمان الرَّحِيمِ لخواصهم يوصلهم الى مرتبة اليقين والعرفان
[الآيات]
قُلْ يا أكمل الرسل لمن أنكر رسالتك على الثقلين وبعثتك إليهما قد أُوحِيَ إِلَيَّ من قبل الحق أَنَّهُ اسْتَمَعَ في بعض الأحيان التي انا تلوت فيها القرآن نَفَرٌ اى طائفة وهو يطلق على ما بين الثلاثة الى العشرة مِنَ الْجِنِّ وهو جنس من جنود الحق ومظاهره مثل جنس الملك لا مناسبة بيننا وبينهم حتى ندركهم ونعرف إنيتهم ولمّيتهم كسائر الأنواع المحسوسة من الحيوانات ومالنا الا الايمان بوجودهم ولوجود أمثالهم إذ لا يعلم جنود الحق الا هو ولا يسع لنا الإنكار سيما بعد ورود القرآن ناطقا بوجودهم وتحققهم وبعد ما سمعوا القرآن رجعوا الى أصحابهم فَقالُوا لهم إِنَّا سَمِعْنا من انسان قُرْآناً وكتابا عَجَباً بديعا نظما وأسلوبا معنى ودلالة حاويا لانواع المعارف والحقائق الإلهية محتويا على دقائق طريق التوحيد والعرفان ما هو من جنس كلام البشر بل هو خارج عن مداركهم مطلقا متعال عن مشاعرهم وعقولهم ومعظم خواصه انه
يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ والهداية الموصلة الى مقصد الوحدة الذاتية الإلهية وبالجملة فَآمَنَّا بِهِ واهتدينا بهدايته الى توحيد الحق ووحدته وَلَنْ نُشْرِكَ ابدا بِرَبِّنا الذي وفقنا وهدانا الى توحيده أَحَداً من مظاهره ومصنوعاته إذ المصنوع المربوب لا يصير شريكا للرب الصانع القديم الحكيم
وَكيف يكون للرب الواحد الأحد الفرد الصمد شريك مع أَنَّهُ تَعالى اى قد تبارك وتقدس جَدُّ رَبِّنا اى عظمته وكبرياؤه من ان يكون له شريك في ملكه وملكوته إذ هو الصمد الفرد الذي مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً ألا وهو من أخص أوصافه واشرف خواصه الذاتية وكيف يتخذ له شريك في الملك ونظير في الوجود فكبره تكبيرا ونزه ذاته عما يقول الظالمون تنزيها كبيرا كثيرا
وَبعد ما آمنا بوحدة الحق وعرفناه وحيدا فريدا بلا شبيه ونظير ولا وزير ولا مشير قد عرفنا أَنَّهُ ما كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا يعنى إبليس المردود المطرود عَلَى اللَّهِ المقدس ذاته عن مطلق المماثلة والمشاكلة في الوجود والقيومية وسائر الصفات الذاتية المصححة للالوهية والربوبية الا قولا شَطَطاً باطلا بعيدا عن الحق بمراحل متجاوزا عن الحد في الإفراط تعالى شأنه عما نسب اليه المبطلون المفرطون
وَبالجملة أَنَّا قد كنا قبل انكشافنا بوحدة الحق وتحققنا بمرتبة الكشف والشهود قد
стр. 1028
ظَنَنَّا أَنْ اى انه لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ اى جنس الانس والجن المجبولين على فطرة العبودية والعرفان عَلَى اللَّهِ المعبود بالحق على الإطلاق وفي حقه وشأنه العلى قولا كَذِباً زورا وباطلا صدر عنهم على قصد الافتراء والمراء لذلك اتبعناهم فيما قالوا ظلما وعدوانا وبعد ما قد ظهر الحق وكوشفنا بحقية الحق ووحدته وحقيقة الأمر تبرأنا عنهم وعن أقوالهم جميعا وتبنا الى الله والتجأنا بكنف حفظه وجواره أعاذنا الله بلطفه من زيغ الزائغين وإضلال الضالين المضلين
وَقد كنا قبل انكشافنا بوحدة الحق أَنَّهُ اى الشأن قد كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ ويحرسون بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ عند مرورهم بقفر وهم قد كانوا إذا امسوا فيها يقولون نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ومع استعاذتهم واستعانتهم فَزادُوهُمْ اى الجن الانس رَهَقاً اى كبرا وعتوا فيتحفظون عليهم ويحيطون بهم
وَما ذلك الكبر والطغيان منهم بعد ما استعاذوا الا أَنَّهُمْ اى الجن قد ظَنُّوا او زعموا كَما ظَنَنْتُمْ وزعمتم ايها الناس الموسومون بالجهل والنسيان المنسوبون الى الكفر والطغيان أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ القادر المقتدر على الإعادة والإبداء مطلقا أَحَداً من جنس الانس والجن حتى يستوفى عليه حسابه وجزاءه لذلك يجترءون ويزيدون في الارهاق والطغيان سيما بعد الاستعاذة والالتجاء
وَأَنَّا قد كنا قبل نزول القرآن لَمَسْنَا السَّماءَ اى طلبنا البلوغ إليها وأردنا الصعود نحوها لنسترق من اخبار الملائكة ونخبر بها الكهنة ونوقع الفتنة في العالم السفلى فَوَجَدْناها اى السماء اليوم عند بعثة هذا النبي المؤيد المبعوث الى كافة البرية من الثقلين قد مُلِئَتْ وامتلأت حَرَساً اى حراسا حافظين شَدِيداً قويا على الحفظ والحراسة وَشُهُباً جمع شهاب وهو المضيء المتراكم من أجزاء النار في الجو نرجم بها ونطرد من حواليها
وَبالجملة أَنَّا قد كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها اى من السماء مَقاعِدَ صالحة لِلسَّمْعِ والاستماع فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ بعد نزول القرآن ويقعد في تلك المقاعد يَجِدْ لَهُ وعنده شِهاباً رَصَداً راصدا قاصدا له يرجمه ويمنعه من الاستماع
وَأَنَّا اليوم لا نَدْرِي ولا نعلم أَشَرٌّ وفتنة أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ اى بالساكنين عليها بحراسة السماء ومنع اخبارها عنهم أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً يرشدهم ويهديهم الى التوكل والتسليم وتفويض الأمور الى العليم الحكيم بحيث لا يحترزون عما جرى عليهم من قضائه باخبار السماويين بل يفوضون أمورهم كلها الى الله راضين بعموم ما جرى عليهم من القضاء بلا كهانة وتنجيم
وَأَنَّا اى نحن المخبرون بالاخبار السماوية قد كنا صنفين مِنَّا الصَّالِحُونَ اى الأبرار المؤمنون والآمنون الأمينون حيث لا يخلطون الاخبار المسموعة بشيء من الأكاذيب وَمِنَّا قوم دُونَ ذلِكَ أدون وانزل ذلك اى لا امانة لهم ولا وثوق بقولهم حتى يؤدوا الاخبار على وجهها بل يوقعون انواع الفتن والمحن بين الناس إذ قد كُنَّا طَرائِقَ اى ذو طرق ومذاهب قِدَداً متفرقة مختلفة لذلك منعنا بأجمعنا عن استراق الاخبار السماوية سيما عند بعثة هذا المؤيد المبعوث وانحصر الأمر بالوحي والإلهام الإلهي على النفوس الزكية القدسية من كلا الجنسين لئلا يختل امر النظام الموضوع على القسط والعدالة
وَأَنَّا بعد ما كوشفنا بحقية القرآن وهدايته ورسالة محمد ﷺ تركنا ما كنا عليه من الضرر والإضرار بعباد الله إذ ظَنَنَّا بل قد علمنا يقينا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ القادر المقتدر على انواع الانتقام كائنين فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ ايضا هَرَباً منه سبحانه الى السماء او الى أى مكان شئنا إذ عموم الأماكن
стр. 1029
والجهات في جنب قدرته الغالبة سهل يسير بعد ما تعلقت ارادته ببطشنا وانتقامنا
وَبالجملة أَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى اى القرآن الموضح لطريق التوحيد والعرفان آمَنَّا بِهِ واهتدينا بهدايته فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ ويوقن بوحدانيته فَلا يَخافُ اى فهو لا يخاف بَخْساً نقصا في الجزاء والثواب وَلا رَهَقاً ذلة تذله في الدارين لان من آمن فقد اعتدل ولم يبخس حينئذ حق احد من الخلق ولم يذله بظلم فلذلك هو لا يبخس ولا يظلم
وَأَنَّا بعد ما سمعنا الهدى والرشد ما كنا نؤمن ونهتدي جميعا بل مِنَّا الْمُسْلِمُونَ المنقادون لحكم الله وعموم أوامره ونواهيه الواردة في كتابه المسلمون أمورهم كلها اليه سبحانه وَمِنَّا الْقاسِطُونَ الجائرون عنه المائلون عن الهداية القرآنية المنحرفون عن جادة العدالة الإلهية فَمَنْ أَسْلَمَ منا واعتدل وفوض الى الله امره وتوكل عليه فَأُولئِكَ المسلمون المسلمون المتوكلون المفوضون قد تَحَرَّوْا واجتهدوا ففازوا ونالوا رَشَداً وأى رشد رشدا يوقظهم عن سنة الغفلة ويوصلهم الى فضاء الوحدة
أَمَّا الْقاسِطُونَ
الجائرون الحائرون الضالون التائهون في تيه الطغيان والكفران كانُوا لِجَهَنَّمَ
البعد والخذلان وسعير الطرد والحرمان طَباً
توقد بهم النار كما توقد بعصاة الانس وطغاتهم. ثم قال سبحانه
وَأَنْ اى وان الأمر والشأن انهم اى الجن والانس المجبولين على فطرة التكليف لَوِ اسْتَقامُوا واعتدلوا عَلَى الطَّرِيقَةِ المعهودة التي هي جادة المعرفة والتوحيد لَأَسْقَيْناهُمْ تلطفا لهم وترحما عليهم ماءً محييا لأراضي أجسامهم الميتة بسموم الإمكان وبحموم الأماني والآمال الصاعدة من نيران الطبيعة والشهوات المورثة لهم من الحصة الناسوتية غَدَقاً وافرا كثيرا الى حيث يجعل لهم روضة من رياض الجنة وانما فعلنا معهم ذلك
لِنَفْتِنَهُمْ ونختبرهم فِيهِ اى في التنعم والترفه كيف يشكرون لنعمنا وكيف يواظبون على أداء حقوق كرمنا وبالجملة من شكر فإنما يشكر لنفسه ويزيد النعم عليها وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ وينصرف عن طاعته وعبادته ويكفر بنعمه ولم يواظب على أداء حقوق كرمه يَسْلُكْهُ يدخله عَذاباً صَعَداً يصعد عليه ويعلو فوقه وبالجملة عذابا شاقا شديدا قاهرا مشرفا عليه غالبا. ثم قال سبحانه على سبيل التوصية والتعليم لخلص عباده المؤمنين والتوبيخ والتعريض للمشركين
وَاعلموا ايها المكلفون من الثقلين أَنَّ الْمَساجِدَ المبنية للميل والتقرب نحو الحق مختصة لِلَّهِ خاصة خالصة فَلا تَدْعُوا ولا تعبدوا فيها الا الله ولا تنسبوا الى ما سواه مطلقا وبالجملة لا تشركوا فيها مَعَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الشريك والولد أَحَداً من مظاهره ومربوباته
وَبعد ما علمتم هذا بتعليم الله إياكم اعلموا أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ اى النبي المؤيد من عنده سبحانه بأنواع العناية والكرامة المستلزمة لانواع العبادة والإطاعة في المسجد الحرام المعد لعبادة العليم العلام القدوس السلام يَدْعُوهُ ويعبده ويتذلل نحوه قد كادُوا وقاربوا اى مشركوا الجن والانس يَكُونُونَ عَلَيْهِ ويزدحمون حوله متعجبين لِبَداً متراكمين كلبدة الأسد وهو ﷺ مستغرق في صلاته مع ربه بلا التفات إليهم الى ان اوحى اليه من قبل ربه بما هم عليه من التعجب والتحير من امره فقيل له من قبل الحق
قُلْ يا أكمل الرسل للمزدحمين حولك المتعجبين من أمرك وشأنك إِنَّما أَدْعُوا واعبد وأتوجه الى رَبِّي الذي رباني على فطرة المعرفة والإيقان وأرسلني لان ادعو عموم المكلفين الى توحيده وَلا أُشْرِكُ بِهِ ومعه أَحَداً
стр. 1030
من مظاهره ومصنوعاته فان قالوا استهزاء متمسخرا هل لك ان تشاركنا معك في عبادتك وخضوعك
قُلْ لهم يا أكمل الرسل إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ من تلقاء نفسي لا ضَرًّا اضركم به واعذبكم ان أردت اضراركم وتعذيبكم وَلا رَشَداً أرشدكم به وأهديكم ان أردت هدايتكم ورشادكم بل لا املك لنفسي لا ضرا ولا نفعا فكيف لكم بل ما اتبع انا الا ما يوحى الى والأمر كله بيد الله العليم الحكيم فان قالوا ما فائدة عبادتك وتخصيصها له
قُلْ لهم يا أكمل الرسل لم لم اعبد ربي ولم لم اخصصه بالعبادة والإطاعة إِنِّي اعلم منه سبحانه بتعليمه إياي انه لَنْ يُجِيرَنِي ولن يحفظني مِنَ عذاب اللَّهِ المنتقم الغيور أَحَدٌ من مظاهره ومصنوعاته لو أراد عذابي وتعلقت مشيته بمقتى وَبالجملة لَنْ أَجِدَ ابدا مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ملجأ وملاذا ينقذني من بطشه وعذابه لو مضت مشيته عليه فكيف لا أتوجه نحوه ولا أتضرع اليه وبالجملة لا املك لكم ولا لنفسي لا ضرا ولا نفعا
إِلَّا بَلاغاً وتبليغا مِنَ اللَّهِ العليم الحكيم ما اوحى الى على وجهه إليكم وَلا املك سوى أداء رِسالاتِهِ التي قد أرسلني وأمرني بها ومالي سوى الإبلاغ والتبليغ باذنه وَمن جملة ما اوحى الى انه مَنْ يَعْصِ اللَّهَ المنتقم الغيور ويعرض عنه وعن عبادته من عباده وَلم يصدق رَسُولَهُ المستخلف منه العالم بامره فَإِنَّ لَهُ اى قد حق وثبت له نارَ جَهَنَّمَ القطيعة والحرمان في النشأة الاخرى وبالجملة قد صار العاصون المعرضون خالِدِينَ مخلدين فِيها أَبَداً لا نجاة لهم منها أصلا وهم قد كانوا في النشأة الدنيا ما زالوا عن عتوهم وعصيانهم لله مستظهرين بما معهم من الجاه والثروة وكثرة الأموال والأولاد مستكبرين على ضعفاء عباد الله متفوقين عليهم كبرا وخيلاء
حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ في النشأة الاخرى جزاء ما ارتكبوا في النشأة الاولى فَسَيَعْلَمُونَ حينئذ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً أعدد النبي واتباعه أم المشركين ومن معهم وفي زمرتهم وبعد ما سمع المشركون كريمة إذا رأوا ما يوعدون قالوا على سبيل التهكم والإنكار والاستبعاد متى يكون فقيل من قبل الحق
قُلْ يا أكمل الرسل انه كائن لا محالة لكن وقته مفوض الى علم الله بحيث إِنْ أَدْرِي وما اعلم انا أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ اى وقوعه وقيامه أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ولوقوعه رَبِّي أَمَداً بعيدا وأجلا طويلا إذ هو من جملة الغيوب التي قد استأثر الله بها إذ هو
عالِمُ الْغَيْبِ بذاته وبخصوصه فَلا يُظْهِرُ ولا يطلع عَلى غَيْبِهِ المختص به علمه سيما امر البعث أَحَداً من خلقه
إِلَّا ان يطلع على بعض غيوبه حسب حكمته مَنِ ارْتَضى ورضى مِنْ رَسُولٍ مأمون على غيبه له قابلية الخلافة والنيابة عنه سبحانه فَإِنَّهُ سبحانه يطلعه على ما غيبه عنه على سبيل الوحى والإلهام حين يَسْلُكُ ويوكل سبحانه لحفظه وحراسته مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ اى بين يدي الرسول المرتضى وَكذا مِنْ خَلْفِهِ اى من جميع جوانبه وجهاته رَصَداً حرسا من الملائكة يحرسونه ويحفظونه من استراق الشياطين واختطافهم وتخبيطهم وتخليطهم وانما فعل كذلك عند اطلاعه ووحيه الى رسوله
لِيَعْلَمَ الرسول الموحى اليه أَنْ اى انه قَدْ أَبْلَغُوا يعنى حوامل الوحى مطلقا رِسالاتِ رَبِّهِمْ على وجهها مصونة محروسة عن اختطاف الشياطين وتخليطاتهم المغيرة لها وَالحال انه سبحانه قد أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ اى لدى الرسل والملائكة جميعا علما حضوريا بل وَقد أَحْصى سبحانه كُلَّ شَيْءٍ دخل في خيطة الحضور والشهود عَدَداً بحيث لا يشذ عن حيطة حضرة علمه وإحصائه شيء مما لمع عليه برق الوجود
стр. 1031
خاتمة سورة الجن
عليك ايها المحقق المنكشف باحاطة العلم الإلهي ولوح قضائه وقلم تصويره وتخطيطه ان تعتقد وتذعن ان عموم ما جرى في ملكه وملكوته انما هو بمقتضى امره ووحيه ونفوذ قضائه ومضاء حكمه على حسب الحضور بحيث يجتمع ويتحدد عند حضوره الأزل والأبد والاولى والاخرى والغيب والشهادة إذ لا انقضاء دونه ولا انصرام عنده ولا تجدد لديه ولا انخرام بالنسبة الى علمه وحضوره بل الكل بالنسبة الى قدرته وارادته سواء بلا تفاوت وتخالف جعلنا الله من المنكشفين بحضور الحق وشهوده مع كل شيء ودونه بمنه وجوده
[سورة المزمل]
فاتحة سورة المزمل
لا يخفى على ذوى الألباب والآداب من المتحملين لأمانة التوحيد الإلهي ان من تمكن على تلك المرتبة العلية وتقرر في تلك المكانة السنية لا بد ان لا يشغله شيء سواها ولا يلهيه امل دونها سيما المتحملين معها أعباء الرسالة واردية النبوة المشتملة على دعوة عموم المكلفين الى سبيل الوحدة الذاتية وإرشادهم نحوها بالتصبر على اذياتهم وتحمل المتاعب والمشاق في تبليغ الدعوة إليهم وتكميلهم فلا بد للنبي ان يبذل كمال وسعه وطاقته في اجراء احكام الشرع وإعلاء كلمة التوحيد بلا تكاسل وتغافل عنه لمحة وطرفة كما نبه سبحانه على حبيبه ﷺ مناديا له على وجه الخطاب المنبئ عن العتاب بعد التبرك بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بعموم كمالاته على من اختاره لرسالته واصطفاه لخلافته الرَّحْمنِ لعموم عباده بإرسال الرسل عليهم ووضع الشرع والدين القويم فيما بينهم الرَّحِيمِ لخواصهم يوصلهم الى سرائر التكاليف الواقعة في طريق التوحيد واليقين
[الآيات]
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ اى المتزمل المتغطى والمتلفف بثوبه وقطيفته نائما او مرتعدا عما دهشه من بدء الوحى شأن النبوة والرسالة ما هو هذا ايها المختار شأن النبوة والرسالة
قُمِ اللَّيْلَ وداوم على التهجد فيه إِلَّا قَلِيلًا منه للاستراحة والنوم تقوية وتقويما لمركب بدنك وتنشيطا لجوارحك وآلاتك على العبادة يعنى
نِصْفَهُ اى قم نصف الليل أَوِ انْقُصْ مِنْهُ اى من النصف قَلِيلًا ليقرب الثلث
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ اى على النصف حتى يقرب الثلثين وانما خير ﷺ بين هذه الثلاثة لأنه فرض أولا قيام الليل كله ثم لما تحرجوا ومرضوا او شق الأمر عليهم ارحمهم الله فخيرهم في هذه الأوقات المذكورة بناء على تفاوت امزجة الناس في عروض الكلال بالسهر وبعد ما قمت في خلاله تهجد فيه ليكون نافلة لك وَرَتِّلِ في تهجداتك الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا اى بين حروفه وقدرها في مخارجها حيث لا يشتبه على السامع العارف بأساليب الكلام ومنطوقات الألفاظ معانيها وبالجملة اقرأها على تؤدة تامة وطمأنينة كاملة بعزيمة خالصة وارادة صادقة الى حيث تتأثر من ألفاظ القرآن فطرتك وفطنتك التي هي خلاصة وجودك وزبدة أركانك وأس طبيعتك إذ بها توسلك ووصولك الى مقصد التوحيد واليقين وبالجملة
إِنَّا من مقام عظيم جودنا سَنُلْقِي عَلَيْكَ يا أكمل الرسل قَوْلًا جزلا سهلا خفيفا على اللسان نظم ألفاظه وكلماته ثَقِيلًا عظيما على القلب رموزه وإشاراته والاتصاف بما فيه والامتثال لمقتضيات أوامره ونواهيه والاطلاع على سرائر الاحكام الموردة فيه والاحاطة بقوادمه وخوافيه وبالجملة
стр. 1032
من تأمل فيه على وجه التدبر والتدرب فقد غرق في تيار بحاره الزخار وتخصيص الأمر بالليل وترتيل القرآن فيه حيث
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ اى القراءة التي تنشأ من النفس في جوف الليل حين خلو القلب عن جميع الاشغال والملاهي هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً تأثيرا ووقعا في القلب وتنبيها وتنبها له وان كانت أثقل للنفس واتعب للبدن وَأَقْوَمُ قِيلًا اى اعدل الأقوال بالنسبة الى القلب وارسخها فيه وأقواها أثرا وانتباها بخلاف ما في النهار
إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ الذي هو وقت الاشغال وأوان الانتقال وزمان الالتفات نحو المهمات ومحل انواع الملمات والواقعات لذلك عرض لك فيه سَبْحاً طَوِيلًا تقلبا وتصرفا ممتدا شاغلا لأوقاتك مشوشا لعموم حالاتك وبالجملة الفراغ الذي يحصل بالليل لا يحصل في النهار فعليك ان تجتهد في التهجد وتقرأ القرآن فيه سيما عند الفجر لان قرآن الفجر كان شهودا
وَبالجملة اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ودم على تسبيحه وتقديسه دائما في عموم أوقاتك وحالاتك على وجه لا تشغلنك عن ذكره مهماتك وَتَبَتَّلْ اى تجرد وانقطع عن عموم المهام إِلَيْهِ سبحانه تَبْتِيلًا بليغا وتجريدا كاملا بحيث لا يخطر ببالك الالتفات لحالك فكيف لحال غيرك وكيف لا تنقطع اليه ولا تتجرد نحوه مع انه هو سبحانه
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اى مربى جنس المشارق والمغارب التي هي ذرائر الكائنات باعتبار ظهور شمس الحق منها وشروقها عليها وباعتبار بطونها وخفاءها فيها إذ لا إِلهَ ولا موجود في الوجود إِلَّا هُوَ ولا شيء في الشهود سواه فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا سيما بعد ما لم يوجد في الوجود سواه أصيلا
وَبعد ما اتخذته وكيلا وجعلته حسيبا وكفيلا اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ اى المشركون المسرفون من الخرافات والجزافات التي لا تليق بشأنك وَان شق عليك الصبر والتحمل اهْجُرْهُمْ وانصرف عنهم هَجْراً جَمِيلًا بحيث تكون أنت حين الانصراف عنهم بشاشا بساما بلا التفات منك الى هذياناتهم الباطلة وبلا مبالاة بهم وبكلامهم وتوكل على الله وفوض امر الانتقام منهم اليه فانه يكفيك مؤنة شرورهم واستهزائهم. ثم قال سبحانه على سبيل التسلية لحبيبه ﷺ
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ يعنى لا تلتفت يا أكمل الرسل الى ما قد بالغوا به في قدحك وطعنك بل دعني معهم وفوض امر الانتقام منهم الى فانى انتقم عنهم من قبلك وادفع أذاهم عنك وأغلبك عليهم وان كانوا أُولِي النَّعْمَةِ وذوى الثروة والسيادة واصحاب الترفه والوجاهة يريد صناديد قريش خذلهم الله وَبالجملة لا تستعجل في الانتقام منهم بل مَهِّلْهُمْ امهالا قَلِيلًا او زمانا قليلا ولا تقنط عن مكرنا إياهم
إِنَّ لَدَيْنا من المعد لهم أنواعا من العذاب أَنْكالًا ضيقا ثقالا لتثاقلهم وعدم تحملهم وتصبرهم بمتاعب التكاليف الإلهية ومشاق الطاعات والعبادات المأمور بها من قبله سبحانه وَجَحِيماً عظيما بدل ما يتلذذون بنيران الشهوات ويظلمون الناس بأنواع الغضب والطغيان
وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ ينشب بالحلق ولا يسمن ولا يغنى من جوع بدل ما يأكلون من السحت والرشى والرباء واموال اليتامى ظلما وعدوانا وَعَذاباً أَلِيماً لا عذاب أشد ايلاما منه وهو حرمانهم عن لقاء الله وخذلانهم عن ما فات عنهم من التحقق والوصول بكنف حفظه وجواره اذكر لهم يا أكمل الرسل وان لم يصدقوا يَوْمَ تَرْجُفُ تضطرب وتتزلزل الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ من شدة الحركة والاضطراب قد اندكت وتناثرت فصارت كَثِيباً رملا مجتمعا مَهِيلًا منثورا تذروه الرياح حيث شاءت كسائر الرمال الآن في البواري والبوادي وكيف لا نأخذ المشركين المجرمين
стр. 1033
بظلمهم يومئذ ولا نعذبهم بأنواع العذاب
إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ يا اهل مكة بعد ما انحرفتم عن جادة العدالة على مقتضى سنتنا القديمة في الأمم السالفة رَسُولًا ناشئا منكم يعنى محمدا ﷺ شاهِداً يشهد عَلَيْكُمْ يوم القيامة بالاجابة والامتناع بعد ما أمرنا له وأوحينا اليه ان يدعوكم الى الايمان ويأمركم بالطاعات والإحسان كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي رَسُولًا يعنى موسى الكليم ﵇ ليدعوه الى الايمان ويأمره بلوازمه وبعد ما دعاه وامره بما امر به الحق وبالغ في دعوته
فَعَصى وتكبر فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ وعتا عليه واستكبر عن دعوته فَأَخَذْناهُ اى فرعون وقومه أَخْذاً وَبِيلًا ثقيلا شديدا الى حيث قد اغرقناه وجنوده في اليم وأورثنا ارضه ودياره وأمواله لموسى ومن معه هذا أخذنا إياهم في النشأة الاولى وفي الاخرى بأضعافها وآلافها فأنتم ايضا يا اهل مكة مثل فرعون عصيتم رسولكم الذي أرسل إليكم يعنى محمدا ﷺ فنأخذكم مثل ما أخذنا آل فرعون في الدنيا حيث نجعلكم صاغرين مهانين وفي الآخرة مسجونين معذبين بعذاب أليم مخلدين في النار ابد الآبدين. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع تهويلا عليهم وتعريضا
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ وتحفظون انفسكم عن عذاب الله ايها المنهمكون في انواع الغفلات والجهالات مع انكم إِنْ كَفَرْتُمْ وبقيتم على الكفر الى ان متم عليه مع انكم ستستقبلون يَوْماً وأى يوم يوما يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً من غاية طوله وشدة أهواله واحزانه هذا على سبيل التمثيل والتشبيه بحسب متفاهم العرف والا فلا يكتنه طول ذلك اليوم وهوله وشدته سيما بالوصف والبيان ومن جملة العلامات الدالة على شدة أهواله واحزانه انه
السَّماءُ المشيدة المحكمة مُنْفَطِرٌ بِهِ اى متشققة متضعضعة منخرمة بحلول ذلك اليوم ووقوعه بمقتضى قهر الله وجلاله وكيف لا يكون كذلك مع انه قد وعد الله القادر المقتدر على عموم ما دخل في حيطة حضرة علمه وارادته بوقوعه ولا شك انه قد كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا دائما وامره مقضيا ابدا وحكمه مبرما ازلا وقضاؤه نافذا ماضيا سرمدا وبالجملة
إِنَّ هذِهِ المقالات الدالة على انجاز وعد الله انما هي تَذْكِرَةٌ وعظة للمتعظين المتذكرين من ارباب العناية والتوفيق فَمَنْ شاءَ ان يتعظ بها اتَّخَذَ وأخذ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا بعد ما وفقه الحق وأعانه عليه بالخروج عن لوازم الإمكان وهداه للعروج الى معارج الوجوب مترقيا من درجة الى درجة ومقام الى مقام الى ان وصل الى مبدأ طريق الفناء ثم ترقى منه ايضا من حالة الى حالة الى ان فنى عن الفناء ايضا ثم بعد ذلك صار ما صار وليس وراء الله مرمى ومنتهى وبعد ما امر سبحانه بقيام الليل على الوجه المذكور قد حثه عليه ورغبه اليه على وجه المبالغة والتأكيد بان علله سبحانه بعلمه إياه على أى وجه وقع فقال مخاطبا
إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل يَعْلَمُ بعلمه الحضوري أَنَّكَ تَقُومُ الى التهجد في زمان أَدْنى واقل مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وأعلى واكثر من نصفه تارة وَتارة اخرى تقوم ادنى من نِصْفَهُ وَتارة اخرى تقوم ادنى من ثُلُثَهُ واكثر من ربعه وهذا ادنى تاراتك واعلها ما هو ادنى من ثلثى الليل إذ هي اقرب الى قيام الكل الذي قد فرض أولا ثم الثانية ثم الثالثة وَطائِفَةٌ يعنى يعلم سبحانه ايضا قيام طائفة مِنْ المؤمنين الَّذِينَ يقومون مَعَكَ ويوافقون لك في تهجدك وقيامك في خلال الليل يعنى سبحانه محيط بهذه الأوقات الثلاثة الواقعة منك ومنهم بخلاف علمكم بها فانه لا يقدر بتعينها على وجهها وَبالجملة اللَّهُ العليم الحكيم الذي يُقَدِّرُ بمقتضى حضرة علمه وارادته اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
стр. 1034
على وجه التجدد والتتابع والاختلاف طولا وقصرا وإيلاج بعض أجزاء كل منهما في الآخر وإخراجه منه وضبط اجزائهما وساعاتهما وآناتهما انما هي بعلمه لا يعلم غيره من المظاهر والمصنوعات وبالجملة هو سبحانه عَلِمَ بعلمه المحيط منكم ومن استعداداتكم إِنَّ اى انه لَنْ تُحْصُوهُ يعنى ليس في وسعكم وطاقتكم تقدير الأوقات وضبط الأحيان والساعات وإحصاء الآنات الواقعة في الليل والنهار وقيامكم في جميع الليل او بعضه على وجه التعيين والتخصيص وبعد ما ظهر عنده سبحانه عدم وسعكم وطاقتكم فَتابَ عَلَيْكُمْ اى خفف سبحانه عما ألزمكم وأزال عنكم تعبكم بالرخصة في ترك القيام المقدر المعين على الوجوه المذكورة إذ لا يسعكم ضبطها وبعد ما رخصكم سبحانه وخفف عنكم تفضلا عليكم وامتنانا قوموا في خلال الليل مقدار ما ييسر الله لكم ويوفقكم عليه ولو مقدار حلبة غنم على ما ورد في الحديث صلوات الله على قائله فَاقْرَؤُا اى صلوا تهجدكم بقراءة ما تَيَسَّرَ لكم مِنَ الْقُرْآنِ المقرون بصلاتكم قيل كان التهجد واجبا على التخيير المذكور ثم رخص بترك التقدير والتعيين ثم نسخ هذا ايضا بالصلاة الخمس المفروضة المقدرة في الأوقات الخمسة وانما نسخه إذ عَلِمَ سبحانه بمقتضى حضرة علمه وحكمته إِنَّ اى انه سَيَكُونُ بعض مِنْكُمْ مَرْضى من السهر المفرط إذ الأبدان متفاوتة في تحمل المتاعب والمشاق سيما ترك النوم المعد للاسترخاء واستراحة البدن في الليل وَايضا قوم آخَرُونَ منكم يَضْرِبُونَ ويسافرون فِي الْأَرْضِ سفرا مباحا حيث يَبْتَغُونَ ويطلبون بسفرهم مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ومن سعة جوده وكرمه مزيد رزق صورى او معنوي او طلب علم رسمي او حقيقى او صلة رحم او زيارة صديق الى غير ذلك من الاسفار المشروعة المباحة فيتحرجون بقيام الليل والتهجد فيه وَآخَرُونَ ايضا يُقاتِلُونَ لأعداء الله فِي سَبِيلِ اللَّهِ ترويجا لدينه وإعلاء لكلمة توحيده فإنهم لو تهجدوا لضعفوا البتة فشق عليهم حينئذ امر القتال وبعد ما أزال سبحانه عنكم حرجكم وتعبكم حسب حكمته المتقنة البالغة فعليكم ان لا تتركوا التهجد رأسا ولا تنسوه جملة بل قوموا في خلال الليل للتهجد ان استطعتم فَاقْرَؤُا في صلاته ما تَيَسَّرَ لكم مِنْهُ اى من القرآن وَبالجملة أَقِيمُوا الصَّلاةَ المفروضة وواظبوا على قيامها وأدائها حق المواظبة في الأوقات المخصوصة وراعوا أركانها وأبعاضها وهيآتها على وجوهها وبالجملة أدوها على وجه يرضى عنكم مولاكم ولا تهاونوا عنها ولا تقصروا فيها واعلموا ايها المؤمنون ان الفارق بين الايمان والكفر والهداية والضلال انما هي الصلاة التي هي أقوى اعمدة الدين وأقومها وَايضا آتُوا الزَّكاةَ المفروضة عليكم على سبيل الوجوب تزكية لأنفسكم عن الشح والإمساك وأموالكم عن الفضلات وتمرينا لأنفسكم على الانفاق وفعل الخيرات وَبعد أداء الواجب من الزكاة أَقْرِضُوا اللَّهَ القادر المقتدر على وجوه الإنعامات بإعطاء فواضل أموالكم على سبيل الصدقات للفقراء والمساكين واصرفوها على بناء المساجد والرباطات وغير ذلك من الخيرات والمبرات المتعلقة بمصالح المؤمنين المسلمين من المنافع الحاصلة بالمال قَرْضاً حَسَناً بلا شوب المن والأذى والسمعة والرياء والعجب وانواع الهوى والأهواء وَاعلموا ايها المؤمنون ان ما تُقَدِّمُوا وتؤخروا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ موجب لأجر مستلزم لثواب سواء كان ماليا او بدنيا قبل حلول الأجل وهجوم الموت تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ المتفضل المنعم هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وأكرم محلا وأعز درجة ومنزلا
стр. 1035
من الذي تدخرونه او تؤخرونه الى حين الوصية وقت حلول الأجل المقدر وَبالجملة قد جرى عليكم
في سالف ازمانكم ما جرى من ترك الاستغفار والانابة وعدم الندامة على ما صدر عنكم من البغي والضلال واصناف الجرائم والمعاصي المستتبعة لانواع العذاب والنكال اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ المتفضل المكرم لعموم ما صدر عنكم واشتغلوا بامتثال أوامره في بقية اعماركم تلافيا لما مضى إِنَّ اللَّهَ المطلع على انابتكم ورجوعكم وعلى نياتكم فيها غَفُورٌ يغفر زلتكم السابقة الماضية ايضا رَحِيمٌ يقبل منكم توبتكم اللاحقة لها التي تأتون بها الآن بمنه وجوده
خاتمة سورة المزمل
عليك ايها السالك المجاهد لسلوك طريق التوحيد والقاصد المجتهد نحو مقصد الفناء ان تبذل وسعك وطاقتك بل روحك ومهجتك في سبيله فعليك ان تجهد فيه ببدنك ومالك وبجميع احوالك واطوارك وعليك ان تصفى ظاهرك وباطنك وتخلى قلبك وسرك عن شوب مطلق الشواغل العائقة عن التوجه التام والالتفات الخالص والعزيمة الصادقة الصافية وان تلازم العزلة وتداوم الخلوة وتواظب على الاتصاف بالاطوار والأخلاق الموروثة لك من النبي المختار والمأثورة عنه من الآثار وعلى امتثال ما في كتاب الله من الأوامر والنواهي وعموم الاحكام الموردة فيه لتصفية الخاطر عن الميل الى ما سوى الحق من الأغيار الساقطة عن درجة الاعتبار لتكون أنت من الأبرار الأخيار الموسومين بأولى العبرة والأبصار كي تفوز أنت كما فازوا من الرموز والأسرار وإياك إياك ومصاحبة الأشرار المغترين بلذات زخرف الدنيا الغدارة وبشهوات عيش الحياة المستعارة المستلزمة لانواع الخسار والبوار. جعلنا الله الغفور الغفار من ذوى العبرة والاستبصار بفضله وطوله
[سورة المدثر]
فاتحة سورة المدثر
لا يخفى على ارباب الكشف والشهود من المتجردين عن جلباب عالم الناسوت الرافلين في حلل عالم اللاهوت انه من خرج عن بقعة الإمكان مهاجرا الى الله بعد ما جذبته العناية والتوفيق من جانبه سبحانه فحين خروجه وتفرقه عن مألوفات عالم الطبيعة وظهور طلائع سلطان الوحدة الذاتية واستيلائه بنظر شهوده قد تطرأ عليه حينئذ حالات عجيبة وصور بديعة الى حيث ارعدته وأزعجته الى الفرار والالتجاء نحو مألوفات الطبيعة والى التغطى بملابسها وملاحفها فصار فيها مترددا متلونا قلقا حائرا هائما الى ان تمكن في فطرة الوحدة وتمرن عليها بلا خوف ورعدة ان أدركته العناية الإلهية وشملته الجذبة الاحدية هكذا جرى على نبينا ﷺ في أوائل شهوده وانكشافه إذ كان هو ﷺ يوما من الأيام متوجها بحراء الفناء ومتخلصا عن لوازم عالم الناسوت بالمرة حتى ظهرت ولاحت عليه في تلك الحالة علامات عالم اللاهوت من وراء سرادقات عالم الجبروت فنودي حينئذ من قبل فناء الفناء ومن وراء عالم العماء نداء عجيبا وسمع صداء غريبا مهيبا بحيث لم يسمع مثله سمع سره ﷺ قط وقد كان ﷺ حينئذ في عالم التلون فنظر بعين شهوده يمنة ويسرة فلم ير شيأ فنظر نحو ذلك العالم فرأى ما رأى وانكشف بما انكشف فرعب رعبا شديدا وارتعد ارتعادا غريبا. ثم رجع هاربا مرعوبا مغلوبا قلقا حائرا هائما حتى وصل الى خديجة الطبيعة وتكلم معها بكلمة دثّرينى بملابسك وجلبابك فدثرته الطبيعة مرة اخرى
стр. 1036
فأدركه الخطاب الإلهي المشعر بنوع من العتاب فأدبه سبحانه وأخرجه من سجن الطبيعة وملابس الهيولى بالكلية حيث قال متيمنا بِسْمِ اللَّهِ الذي ربي حبيبه محمدا ﷺ على فطرة المعرفة والتوحيد الرَّحْمنِ عليه حيث أخرجه عن مضيق الإمكان المستلزم لانواع التخمين والتقليد الرَّحِيمِ عليه يوصله الى سماء التجريد ويمكنه الى فضاء التفريد
[الآيات]
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ المتدثر المتغطى بملابس الطبيعة وثياب الإمكان المورثة لانواع الخيبة والخسران واصناف الحرمان والخذلان الى متى كنت فيها مقيما
قُمْ من عالم الطبيعة واخرج من مضيق بقعة الإمكان وسجن عالم الناسوت سيما بعد انكشافك بطلائع فضاء عالم اللاهوت وبعد ما خلصت من قيود الطبيعة وأغلال الهيولى فَأَنْذِرْ منها عموم بنى نوعك وخوف المحبوسين في سجن الإمكان المقيدين بسلاسل الزمان وأغلال المكان من دركات النيران وعن اودية الضلالات والجهالات المترتبة على الأوهام والخيالات الباطلة الموجبة لانواع الحرمان والخسران في النشأة الاولى والاخرى
وَخصص يا أكمل الرسل رَبَّكَ الذي رباك على فطرة المعرفة والإيقان بأنواع التبجيل والتعظيم فَكَبِّرْ ذاته تكبيرا كاملا الى حيث لا يخطر ببالك معه شيء في الوجود إذ هو المتفرد المتعزز برداء العظمة والكبرياء لا شيء سواه ولا اله الا هو
وَبعد ما انكشفت بوحدة ربك وكبرته تكبيرا لائقا بشأنه ثِيابَكَ التي هي ملابس بشريتك وملاحف هويتك فَطَهِّرْ أوساخ الإمكان واقذار الطبيعة وإكدار الهيولى فان طهارتك عنها واجبة عليك سيما عند ميلك الى مقصد الوحدة
وَالرُّجْزَ اى الرجس العارض لبشريتك من التقليدات المورثة والتخمينات المستحدثة من الآراء الباطلة والأهواء الفاسدة المكدرة لصفاء مشرب التوحيد واليقين من الأخلاق الردية والملكات الغير المرضية الناشئة من الشهوية والغضبية المترتبة على القوى البهيمية الى غير ذلك من القبائح الصورية والمعنوية فَاهْجُرْ اى جانب وافترق ليمكن لك التخلق بأخلاق الله والاتصاف بأوصافه ومن جملة الأخلاق المذمومة بل من معظمها المنة على الله بالطاعة وفعل الخيرات وعلى عباده بالتصدق والانفاق عليهم
وَبعد ما سمعت ما سمعت لا تَمْنُنْ على الله مباهيا بطاعتك وعلى عباده تفوقا عليهم وترفعا تَسْتَكْثِرُ وتستجلب نعم الله على نفسك وإحسانه عليك وامتنانه لك بما لا مزيد عليه او المعنى لا تمنن تستكثر اى لا تعط أحدا شيأ على نية ان تستكثر وتستعوض منه بدلا مما أعطيته على مقتضى القراءتين
وَبالجملة لِرَبِّكَ الذي رباك على الخلق العظيم فَاصْبِرْ على مشاق التكاليف ومتاعب الطاعات والعبادات وعلى اذيات المشركين حين تبليغ الدعوة لهم وإيصال الوحى إليهم وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل ما سمعت من الوصايا امتثل بها واتصف بمقتضاها اتقاء عن اهوال يوم الجزاء وافزاعها
فَإِذا نُقِرَ ونفخ أولا فِي النَّاقُورِ اى الصور المصور لتصويت الأموات ليبعثوا من قبورهم احياء كما كانوا. ثم نفخ ثانيا ليحشروا ويحاسبوا بين يدي الله ثم يجازوا حسب ما يحاسبوا ان خيرا فخير وان شرا فشر
فَذلِكَ اى وقت النقر الثاني للحشر والوقوف بين يدي الله يَوْمَئِذٍ اى يوم القيامة يَوْمٌ عَسِيرٌ ووقت صعب وحين مهيب سيما
عَلَى الْكافِرِينَ إذ قد عسر عليهم حينئذ الأمر واشتد الهول وتشتتت أحوالهم واضطربت قلوبهم وبالجملة غَيْرُ يَسِيرٍ عليهم حسابهم لذلك قد عسر عليهم وبعد ما تحققت وانكشفت يا أكمل الرسل بقيام يوم القيامة ووقوعها وبتنقيد الأعمال فيها والجزاء عليها لا تستعجل بانتقام المشركين المسرفين ولا تعجل عليهم بل
ذَرْنِي واتركني يا أكمل الرسل
стр. 1037
وَمَنْ خَلَقْتُ اى مع شخص قد خلقته وَحِيداً فريدا من اهل عصره مفروزا منهم بكثرة الأموال والأولاد وبالجاه والثروة والسيادة والرياسة الى حيث لقب بين قومه بريحانة قريش يعنى وليد بن المغيرة
وَجَعَلْتُ لَهُ توسيعا عليه افتتانا له وابتلاء مالًا مَمْدُوداً كثيرا وافرا متزايدا يوما فيوما بالتجارة والنتاج والزراعة وغير ذلك من صور الأرباح
وَبَنِينَ شُهُوداً حضورا معه دائما لا ينفصلون عنه زمانا لاستغنائهم عن التجارة والحراثة وسائر الأعمال والمصالح لكثرة خدمهم وحشمهم بحيث لا احتياج في تهيئة الأسباب الى ترددهم بأنفسهم لذلك يحضرون معه في عموم المحافل والمجالس والأندية تكميلا لثروته ووجاهته
وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً اى قد جعلت له بسطة واستيلاء بحيث يتحسر من حاله جميع بطون العرب وافخاذه ومع تلك الوجاهة العظمى والكرامة الكبرى الموهوبة له من لدنى لم يشكر لى ولم يرجع الى قط
ثُمَّ يَطْمَعُ ويرجو منى أَنْ أَزِيدَ على ما آتيته وأعطيته من النعم العظام مع انه مصر على الكفر والكفران وانواع الفسوق والعصيان
كَلَّا اى كيف أزيد عليه مع ان كفرانه وطغيانه يوجب زوال ما اعطى له وكيف لا يوجبه إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا الدالة على كمال عظمتنا واقتدارنا على انواع الانعام والانتقام عَنِيداً معاندا منكرا وعناده هذا امارة زوال ماله وثروته وجاهه وبالجملة
سَأُرْهِقُهُ اى سأغشيه وأكلفه بالعنف في النشأة الاخرى صَعُوداً هي عقبة شاقة المصعد والمهوى فاكلفه بالزجر التام على الصعود والهبوط دائما بحيث لا نجاة له منها ابدا. وعنه ﵇ الصعود جبل من نار يصعد فيه اهل النار سبعين خريفا ثم يهوى فيه كذلك ابدا وهو مثل لما يلقى من الشدائد وكيف لا أكلفه بصعود الصعود وهبوطه
إِنَّهُ من شدة شكيمته وخباثة طينته قد فَكَّرَ في آيات القرآن على وجه التدبر فلم يجد فيه قدحا وطعنا وَبعد ما لم يجد فيه مطعنا قَدَّرَ في نفسه بمقتضى خباثته ما يتفوه به ويقول فيه على سبيل القدح والطعن. ثم قال سبحانه على سبيل التعجب من افكه وتقديره
فَقُتِلَ اى لعن وطرد هذا الطاغي الباغي المتناهي في البغي والطغيان كَيْفَ قَدَّرَ للقرآن قدحا مع انه منزه عن القدح مطلقا
ثُمَّ قُتِلَ وطرد ذلك المعاند الطاغي كَيْفَ قَدَّرَ للقرآن ما هو بعيد عن شأن القرآن بمراحل كرره سبحانه مبالغة في التعجب والاستبعاد
ثُمَّ نَظَرَ كرة بعد اولى ومرة بعد اخرى في القرآن
ثُمَّ لما لم يجد فيه طعنا مع انه من ارباب اللسان والفصاحة والبيان والبلاغة عَبَسَ اى قطب وجهه وكلح واستكره منه استكراها شديدا وَبَسَرَ اهتم وبالغ في وجدان القدح اهتماما بليغا ومبالغة بليغة فلم يجد وأيس ملوما مخذولا
ثُمَّ بعد ما تدبر ذلك مرارا وفكر هكذا تكرارا فلم يجد ما يتمسك به وما يقدح فيه بسببه أَدْبَرَ عن الايمان به وعن تصديقه بعد ما اشرف على الإقبال بالإيمان به وقبوله وَبالجملة ما حمله على الأدبار الا انه قد اسْتَكْبَرَ واستحيا عن اتباعه
فَقالَ بعد اللتيا والتي إِنْ هذا اى ما هذا القرآن إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ اى يروى ويتعلم
إِنْ هذا وما هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ما هو من الوحى وكلام الله كما ادعاه محمد مفتريا على الله. روى انه مر الوليد بن المغيرة بالنبي ﵇ وهو يقرأ حم السجدة فسمعه بسمع الرضا متدبرا في أسلوبه ونظمه ثم اتى قومه فقال لقد سمعت من محمد آنفا كلاما والله ما هو من جنس كلام الانس والجن ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة وان أعاليه لمثمرة وان اسافله لمغدقة وانه يعلو ولا يعلى عليه ثم خرج فقال قريش والله قد صبأ الوليد ولتصبأن قريش كلهم فقال ابن أخيه ابو جهل انا أكفيكموه فجلس
стр. 1038
الى جنبه حزينا فقال الوليد مالي أراك حزينا يا ابن أخي فقال هذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنك يزعمون انك زينت كلام محمد لتنال من فضل طعامه فغضب وقال الم تعلم قريش انى أكثرهم مالا وولدا وهل يشبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل ثم قام مع ابى جهل حتى اتى قومه فقال تزعمون ان محمدا مجنون فهل رأيتموه يتجنن قط قالوا اللهم لا ثم قال تزعمون انه شاعر فهل رأيتموه ينطق بالشعر قط قالوا اللهم لا ثم قال تزعمون انه كاهن فهل رأيتموه يتكهن قط قالوا اللهم لا قال تزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيأ من الكذب قالوا اللهم لا ثم سكت قالت قريش فما هو فتفكر في نفسه وقدر في نحوه ثم قدر فقال ما هو الا ساحر اما رأيتموه يفرق بين المرء واهله وولده ومواليه وما يقوله مفتريا على ربه ليس الا سحر يؤثر فقال تعالى زجرا عليه وجزاء له
سَأُصْلِيهِ وادخله سَقَرَ
وَما أَدْراكَ وأعلمك يا أكمل الرسل ما سَقَرُ وما شأنها وأمرها ابهمها سبحانه تفخيما وتهويلا وغاية ما يدرك من شأنها انها
لا تُبْقِي شيأ يقع فيها بل تمحيه وتهلكه وَمع افنائه وإهلاكه لا تَذَرُ ولا تتركه على هلاكه وفنائه بل يوجده الله بكمال قدرته ثم تهلكه ثم يوجده فتهلكه ابدا كذلك وسرمدا هكذا ومن شأنها ايضا انها
لَوَّاحَةٌ مسودة من شدة إحراقها لِلْبَشَرِ اى البشرة التي هي عبارة عن ظاهر الجلد وايضا من شأنها ان قد وكل سبحانه
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ اى من الزبانية الموكلة عليها باذن الله وهم من الملائكة او شبيهة بهم انما اختص هذا العدد لان الأعمال الفاسدة والأفعال القبيحة الموجبة لدخول سقر انما تكتسب بالقوى البهيمية والقوى الطبيعية اما القوى البهيمية فاثنتا عشرة الشهوية والغضبية والحواس الظاهرة والباطنة واما القوى الطبيعية فسبع الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة وبالجملة يصور سقر من مقتضيات هذه القوى لذلك يوكل عليها من زواجر الزبانية على عدد مأخذها عدلا منه سبحانه لينزجر كل من القوى بزاجر يناسبها وبعد ما نزلت هذه الآية قال ابو جهل لقريش ثكلتكم أمهاتكم يخبر ابن ابى كبشة ان خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم اى الجمع الشجعان أيعجز كل عشرة ان يبطش بواحد منهم وبعد ما قالوا على سبيل التهكم والاستهزاء انزل سبحانه
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ وخزنتها إِلَّا مَلائِكَةً أقوياء قوتهم لا تقاس بقوى البشر بل لا يقاوم جميع من على الأرض من افراد البشر بواحد من الملك في القوة والصولة وَايضا ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ هذه وعددهم هذا إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اختبارا وابتلاء وبسبب افتتان لهم يفتنون بهذا العدد تارة يستقلون وتارة يستبعدون ويتعجبون من مقاومة هؤلاء المعدودين لعموم العباد المستحقين لدخول سقر من الثقلين وبالجملة يستهزؤن بهذا القول ويضحكون منه وانما أنزلنا هذه الآية وخصصنا هذا العدد وهؤلاء المعدودين لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى ليكتسبوا اليقين ويجزموا بنبوة محمد ﵇ وبصدق القرآن وحقيته وهذا ليس ببدع منا في كتابنا هذا بل قد أنزلنا كذلك في سائر الكتب المنزلة من عندنا وبعد ما وجدوه اى عموم اهل الكتاب موافقا لما في كتبهم تيقنوا البتة بصدق القرآن وبنبوة النبي ﷺ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وتصديقا على ايمانهم وتصديقهم اى يرسخ ايمانهم ويتأكد بتصديق اهل الكتاب كتابهم ونبيهم وَبعد ما استيقنوا واستقاموا على اليقين وتمكنوا فيه لا يَرْتابَ ولا يشك الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ جميعا في حقية هذا الكتاب وهذا النبي المؤيد به وَايضا انما خصصنا هذا العدد في الموكلين على سقر لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وشك في حقية هذا الكتاب
стр. 1039
وهذا النبي من اهل النفاق وَالْكافِرُونَ المجاهرون الجاحدون الجازمون في الإنكار والتكذيب صريحا ماذا أَرادَ اللَّهُ العليم الحكيم بِهذا اى شيء أراد بهذا العدد المستغرب المستبعد الى حيث صار في الاستغراب والاستبعاد مَثَلًا سائرا دائرا بين الناس يتداورونه ويتداولونه مستبعدين مستهزئين وبالجملة كَذلِكَ اى مثل ما سمعت يا أكمل الرسل من استيقان البعض واستنكار البعض الآخر بهذا العدد المذكور يُضِلُّ اللَّهُ الحكيم العليم حسب قهره وجلاله مَنْ يَشاءُ إضلاله من عباده ويريد مقته وضلاله وَيَهْدِي ايضا بمقتضى لطفه وجماله مَنْ يَشاءُ منهم إذ هو فاعل على الإطلاق بالإرادة والاختيار وكمال الاستقلال والاستحقاق وَبالجملة ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل اى مظاهر لطفه وقهره وجلاله وجماله إِلَّا هُوَ إذ هو المستقل بالاحاطة والشمول لا يعزب عنه شيء من الفروع والأصول إذ لا سبيل للعباد الى إحصاء أوصافه وأسمائه التي تترتب عليها مظاهره ومصنوعاته ما للعباد ورب الأرباب وَبالجملة ما هِيَ اى ذكر سقر ووصفها وعدة خزنتها إِلَّا ذِكْرى اى عظة وتذكرة نازلة من قبل الحق لِلْبَشَرِ المجبولين على العبرة والنظر المكلفين بجلب النفع ودفع الضرر وبالحذر عن مقتضى القهر والجلال والركون الى مقتضى اللطف والجمال
كَلَّا وحاشا ان يتذكر بها هؤلاء الحمقى الا من وفقه الحق وأدركته العناية من جانبه وَحق الْقَمَرِ المنير
وَاللَّيْلِ المظلم وكيفية تصاريف القمر المضيء في ظلمة الليل وانمحاء نوره إِذْ أَدْبَرَ اى قد ولى وانصرف ذاهبا يعنى بالقمر نور الايمان المشرق في الليل الذي هو عبارة عن ظلمة عالم الكون والفساد والمترتب على التعينات العدمية الحاصلة من انعكاس شمس الذات
وَالصُّبْحِ الذي هو عبارة عن ظهور نور الوجود وطلوع شمس الذات الاحدية التي انمحت وفنيت إِذا أَسْفَرَ اى أضاء وأشرق اظلال التعينات وانتثرت كواكب الهويات وأنطقت شهب العكوس واضمحلت مطلقا الإضافات المترتبة على تلك التعينات
إِنَّها اى سقر الطرد والحرمان وسعير الزجر والخذلان والخزنة المعدودين الموكلين عليها بقدرة الله وارادته لَإِحْدَى الْكُبَرِ اى احدى البلايا والمصائب الكبار النازلة لأصحاب الضلال بمقتضى القهر الإلهي وجلاله وانما أنزلها في كتابه واخبر عنها لتكون
نَذِيراً لِلْبَشَرِ ينذرهم ويحذرهم عن حر سقر
لِمَنْ شاءَ وأراد سبحانه مِنْكُمْ ايها المكلفون المجبولون على الهداية والضلالة أَنْ يَتَقَدَّمَ بالإيمان والأعمال الصالحة وفعل الخيرات وترك المنكرات فيهتدى بطريق النجاة منها أَوْ يَتَأَخَّرَ للكفر وارتكاب المناهي والمنكرات وفعل المحرمات فوقع فيها وازدجر وبالجملة
كُلُّ نَفْسٍ من النفوس الخيرة والشريرة بِما كَسَبَتْ واقترفت رَهِينَةٌ مرتهنة مرهونة عند الله بكسبها فكسبها ان كان لأجل الدنيا وما يترتب عليها من اللذات والشهوات البهيمية والوهمية والخيالية من الجاه والثروة والاستكبار والاستعظام بالأموال والأولاد ترتب عليها انواع العقوبات والمصيبات وان كان لأجل الآخرة من الايمان والإسلام وصوالح الأعمال والأفعال واحتمال المتاعب والمشاق في طريق الحق وتوحيده ترتب عليها اصناف المثوبات وانواع الكرامات والدرجات العلية والمقامات السنية من اللذات الروحانية
إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ وهم الصائرون الى الله السائرون نحوه بافناء هوياتهم الباطلة في هوية الحق المتجردون عن لوازم عالم الناسوت بالمرة المتلبسون بحلل عالم اللاهوت حسب جود حضرة الرحموت المتمكنون
فِي جَنَّاتٍ متنزهات موصوفة
стр. 1040
بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ومن كمال تمكنهم وتقررهم في مقر الوحدة يَتَساءَلُونَ
عَنِ الْمُجْرِمِينَ على سبيل التعجب والاستبعاد
ما سَلَكَكُمْ وأى شيء أدخلكم فِي سَقَرَ الإمكان وسعير الطرد والخذلان
قالُوا اى المجرمون في جوابهم متحسرين متأسفين لَمْ نَكُ في دار الاختبار ونشأة الاعتبار مِنَ الْمُصَلِّينَ المتوجهين نحو الحق في الأوقات المكتوبة علينا
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ بمقتضى الأمر الإلهي عطفا ولطفا
وَمع ذلك قد كُنَّا نَخُوضُ ونشرع في الباطل الزاهق الزائل ونروجه ونترك الحق ونهمله مَعَ الْخائِضِينَ الشارعين المزورين والمروجين عنادا ومكابرة
وَأعظم من الكل انا قد كُنَّا من غاية جهلنا وغفلتنا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ اى بوقوع الطامة الكبرى وقيام الساعة العظمى مقتفين في هذا الإنكار والتكذيب اثر الضالين المضلين مستظهرين بالمعبودات الباطلة مغترين بشفاعتهم العاطلة لدى الحاجة وبالجملة قد كنا مصرين على ما كنا عليه
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ وحل علينا الأجل وظهرت مقدماته وانقرضت نشأة الاختبار وبالجملة
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ حين أخذوا بظلمهم ولو شفعوا لهم اجمعهم
فَما لَهُمْ وأى شيء عرض لهم ولحق بهم مع انهم هم المجبولون على فطرة التوحيد واليقين حتى صاروا عَنِ التَّذْكِرَةِ المفيدة التي هي آيات القرآن المبينة لسرائر التوحيد والعرفان مُعْرِضِينَ منصرفين على سبيل الإنكار والاستكبار وبالجملة
كَأَنَّهُمْ في هذا الاعراض والنفرة المستتبعة لغاية السخافة ونهاية البلادة حُمُرٌ هي مثل في البلادة المتناهية مُسْتَنْفِرَةٌ من شدة رعبها وخوفها سيما قد
فَرَّتْ وهربت مِنْ قَسْوَرَةٍ اسد صائل هائل يريد ان يصول عليها شبه نفرتهم عن التذكر بآيات القرآن حسدا وحمية جاهلية بالحمر المستنفرة من الأسد والجامع بينهما البلادة المتناهية بل هم أسوأ حالا من الحمر إذ الحمر فرت من العدو خوفا من ضرره وهؤلاء قد فروا من الحق المشفق المفيد النافع لهم نفعا صوريا ومعنويا وما حملهم وحداهم على فتنة الاستنفار والاستنكاف الا غيرتهم وحميتهم الجاهلية بان لم يؤمنوا بما نزل على غيرهم
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى له من قبل الحق صُحُفاً قراطيس مدونة مُنَشَّرَةً تنشر وقت القراءة ثم تطوى كالصكوك والسجلات لذلك قالوا للنبي ﷺ لن نتبعك حتى تأتى كلامنا بكتاب من السماء مكتوب فيه من الله الى فلان اتبع محمدا فانه نبي صادق. ثم قال سبحانه
كَلَّا ردا عليهم وردعا لهم عن الاعراض عن الايمان والتذكر لا عن امتناع المقترح فانه لا يستحيل على الله شيء لو تعلق به مشيته بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ ولم يؤمنوا لها لذلك اعرضوا عن التذكرة
كَلَّا اى كيف يتأتى لهم الاعراض عن التذكرة إِنَّهُ اى القرآن تَذْكِرَةٌ وآية مذكرة بل هو تبصرة كاملة شاملة نافعة مفيدة
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ اى اتعظ وتذكر به فقد هدى واهتدى الى الله
وَغاية ما في الباب انه ما يَذْكُرُونَ اى يتذكرون ويتعظون به إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ تذكرهم وهدايتهم إذ افعال العباد كلها مستندة اليه سبحانه مخلوقة له وكيف لا يفوض الى مشيته سبحانه عموم امور عباده مع انه هُوَ الفاعل المطلق المختار الخالق لها بالإرادة والاختيار وهو ايضا بذاته وبمقتضى أسمائه وصفاته أَهْلُ التَّقْوى وأحق من يتقى من انتقامه وقهره إذ هو القادر المقتدر على وجوه الانتقام وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ حقيق بان يرجى منه العفو والغفران سيما على المتقين المستغفرين إذ هو ايضا القادر المقتدر بالاستقلال على عموم الكرم والانعام.
جعلنا الله من زمرة اهل التقوى والمغفرة بمنه وجوده
стр. 1041
خاتمة سورة المدثر
عليك ايها المريد المتحقق بسر سريان الوحدة الذاتية الإلهية السارية في عموم المظاهر والمجالى في الوجود وفي جميع الآثار الظاهرة في الأنفس والآفاق ان تذعن وتعرف ان عموم الأفعال الجارية في عالم الغيب والشهادة انما هي مستندة اليه سبحانه صادرة منه اصالة على وفق الارادة والاختيار وانما أظهرها سبحانه في مظاهر أسمائه وملابس صفاته إظهارا لكمال قدرته ومتانة حكمته واحاطة علمه وارادته وعجائب صنعه وصنعته فلك ان تعتقدها على الوجه المذكور وتجزم بها علما الى ان يصير علمك عينا وعينك حقا وبيانا وليس وراء الله مرمى ومنتهى. وفقنا بما تحبه منا وترضى به عنا يا مولانا
[سورة القيامة]
فاتحة سورة القيامة
لا يخفى على من تحقق في مقر التوحيد وتمكن على مقام التجريد والتفريد ان عموم المظاهر والمجالى منقهرة تحت سلطنة الوحدة الذاتية فانية فيها مضمحلة دونها وان التعينات المحسوسة والهويات الغير الموجودة انما هي من اظلال أسمائه وعكوس أوصافه الذاتية المتفرعة على شئونه وتطوراته القبضية والبسطية المترتبة على التجليات الجمالية والجلالية وبعد ما انكشف الأمر على هذا المنوال ثبت ان الكل برزوا لله الواحد القهار الكبير المتعال. ثم لما أراد سبحانه ان ينبه عباده على ظهور هذه الحالة وبروز هذه الواقعة الموعودة في النشأة الاخرى أشار سبحانه الى وقوعها وقيامها على وجه المبالغة والتأكيد بطريق مخصوص من طرق المبالغة والتوكيد واردفها بالإشارة الى النفس اللوامة المعينة على تصديقها وتهيئة ما يناسبها من الأخلاق والأعمال ايضا على طرزها من المبالغة والتأكيد فقال سبحانه بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي استغنى عن عموم مظاهره ومصنوعاته بمقتضى ذاته الرَّحْمنِ عليها في النشأة الاولى حيث أظهرها حسب آثار أسمائه وصفاته الرَّحِيمِ عليها في النشأة الاخرى حيث قهر الكل في وحدة ذاته وأفناها في هويته الذاتية
[الآيات]
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ اى بوقوع الطامة الكبرى وتحققها وقيامها إذ هي من غاية ظهورها وجلائها غنية ان يؤكد امر وقوعها وقيامها بالقسم عند العارف المحقق المتحقق بمقام التوحيد واليقين
وَلا أُقْسِمُ ايضا بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ اى وكذا لا حاجة الى القسم بظهور النفس اللوامة في عالم الكون والفساد إذ كل نفس من النفوس الكائنة الزكية المؤيدة بالتأييد الإلهي تعلم ان العالم ما هو إلا سراب باطل وعكس زائل عاطل لا قرار له ولا مدار لما فيه وتلوم دائما نفسها عليها الا انها لا تتنبه على سلطنة سلطان الوحدة الذاتية ولا تتفطن بسريانها واستيلائها على عموم ما ظهر وبطن وغاب وشهد حتى تصير لوامته مطمئنة ومطمئنته راضية وراضيته مرضية ومرضيته فقيرة وفقيرته فانية وفانيته باقية ببقاء الله وليس وراء الله مرمى ومنتهى. أدركنا بلطفك يا خفى الألطاف. ثم التفت سبحانه نحو حقيقة الإنسان المجبول على فطرة التوحيد والعرفان حسب حصة لاهوته ووبخه بما وبخه تشنيعا عليه وتقريعا فقال
أَيَحْسَبُ ويظن الْإِنْسانُ المجبول على الكفران والنسيان حسب حصة ناسوته أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ يعنى انا لن نقدر مع كمال قدرتنا على ابدائه وابداعه على إعادته وجمع عظامه مرة بعد اخرى وكرة بعد اولى في يوم البعث والجزاء
стр. 1042
وعند قيام الطامة الكبرى
بَلى نحن نقدر على إعادته وجمع عظامه وتسوية جميع أعضائه على الوجه الذي كان عليه من قبل بل نحن كما كنا في النشأة الاولى نكون قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ اى سلاماه ورؤس أصابعه في النشأة الاخرى خص البنان بالذكر لان جمع اجزائها أصعب من أجزاء سائر الجسد لاشتمالها على دقائق العظام ورقائق العروق والاعصاب والغضاريف والرباطات المعينة على القبض والبسط والأخذ والبطش ولصعوبة الاطلاع على اجزائها قد عجز الأطباء عن تشريحها وبالجملة انا نقدر على جمعها مع صعوبتها فكيف بجمع غيرها
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ المركب من الجهل والنسيان بظنه الباطل وحسبانه الزاهق الزائل لِيَفْجُرَ أَمامَهُ اى يدوم ويمضى دائما على الفجور والفسوق والخروج عن مقتضى الحدود الإلهية فيما يستقبله من الزمان كما كان عليها فيما مضى لذلك
يَسْئَلُ سؤال انكار واستبعاد أَيَّانَ متى يقوم واى آن يقع يَوْمُ الْقِيامَةِ اى يوم تبلى السرائر وتكشف الستائر فيها بين لي ايها المدعى وقت وقوعه حتى اكف وامنع نفسي عن الفجور وأتوب عنها ثقة ويقينا وانما قال ما قال على سبيل الاستهزاء والتهكم وكيف يستهزئ ويصر على الإنكار ذلك المستهزئ المسرف المصر
فَإِذا بَرِقَ وتحير الْبَصَرُ اى حاسة عالم الناسوت وجاسوس عالم الطبيعة والهيولى حين ظهور طلائع عالم اللاهوت وبروز مقدماته واماراته فزعا وهولا ودهشا مما يرى من العجائب والغرائب الموعودة التي كان ينكر ويكذب بها في دار الدنيا وبقعة الإمكان وعرصة الزمان والمكان
وَمع ذلك خَسَفَ الْقَمَرُ اى قد ذهب ضوء الوجود الإضافي المستعار وانمحى نوره واشرف على الأفول في أفق العدم
وَجُمِعَ الشَّمْسُ اى ظهر نور الوجود المطلق المستغنى عن عموم المظاهر والمجالى وَالْقَمَرُ اى اندرج ضوء الوجود المستعار الإضافي المنعكس من الشمس الحقيقية فيها واندمج وصار كما كان بحيث لم يبق كون ولون ولا بين ولا بون وبعد رجوع الكل إليها وانطماسها فيها وانقهارها دونها
يَقُولُ الْإِنْسانُ المنعزل عن اليقين والعرفان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ والملجأ حتى افرّ اليه والجأ نحوه
كَلَّا وحاشا ان يكون له حينئذ ملجأ ومفر في الوجود حتى يطلبه ويصل اليه إذ لا وَزَرَ اى لا حصن ولا حرز ولا مخلص ولا ملجأ يومئذ بل في عموم الأوقات والأزمان عند العارف غير الحق إذ لا شيء في الوجود سواه فثبت انه
إِلى رَبِّكَ
يا أكمل الرسل والى كنف حفظه وجواره يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
اى لا مفر ولا مقر يومئذ لعموم العباد الا عنده سبحانه إذ لا مرجع لهم سواه وبعد رجوع الكل اليه سبحانه وحضوره عنده يُنَبَّؤُا
ويخبر الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ
من الأعمال الصالحة وأتى بها
وَ
بما أَخَّرَ
منها ولم يأت بها وتركها بل قد أتى بأضدادها على التفصيل بلا فوت شيء منها
بَلِ
لا حاجة حينئذ الى الأنباء والاخبار عما صدر عنه وجرى عليه إذ الْإِنْسانُ
له حينئذ عَلى نَفْسِهِ
وبما صدر عنه من الأعمال الصالحة والطالحة بَصِيرَةٌ
كاملة وبينة واضحة موضحة إذ يشهد له او عليه جوارحه وأركانه التي قد اقترف بها ما اقترف من الحسنات والسيئات وَلَوْ أَلْقى
حينئذ مَعاذِيرَهُ
اى جميع ما يعتذر به من الاعذار الكاذبة لم يسمع مع حضور الشهود العدول التي هي أعضاءه وجوارحه بل يعامل معه بمقتضى ما يحاسب عليه ان خيرا فخير وان شرا فشر. ثم لما استعجل رسول الله ﷺ بادر بالتقاط الوحى من في جبرائيل ﵇ الى حيث سبق عليه بالتلفظ خوفا من ان ينفلت منه شيء نهى سبحانه حبيبه ﷺ عن
стр. 1043
ذلك الاستعجال تأديبا له وإرشادا فقال
لا تُحَرِّكْ
يا أكمل الرسل بِهِ
اى بالقرآن لِسانَكَ
حين التقاطك من حامل الوحى قبل ان يتم وحيه وإلقاءه لك لِتَعْجَلَ بِهِ
اى لتأخذ منه على عجلة خوفا من انفلات شيء منه عنك وبالجملة لا تعجل يا أكمل الرسل ولا تخف من الانفلات
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ
في خاطرك وضميرك
وَايضا علينا بعد جمعنا قُرْآنَهُ
وقراءته على لسانك على وجهه بلا فوت شيء من اجزائه وبالجملة لا تتعب نفسك بالعجلة ولا تستعجل بالالتقاط قبل التمام وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل فاجر عليه واذكر
فَإِذا قَرَأْناهُ
اى القرآن حين الوحى عليك بلسان حامله فَاتَّبِعْ
أنت قُرْآنَهُ
وتذكر قراءته ثم تتبع تلاوته وكرر حتى ينتقش في صحيفة خاطرك ويترسخ في ذهنك ثم اجر على لسانك مرارا كذلك
ثُمَّ ان بق لك شك وتردد في فحواه ومعناه وفي ما هو مقراه ومرماه إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ اى تبينه وتوضيحه لك وازالة ترددك وإشكالك عنه. ثم قال سبحانه
كَلَّا ردعا لرسوله ﷺ وكفا لعموم عباده عن العجلة في جميع الأمور مبالغة وتأكيدا إذ الإنسان مجبول على العجلة مطبوع عليها لذلك قد بالغ سبحانه في النهى عنه واردف بهذا النهى حب العاجل على الآجل فقال على سبيل الإضراب
بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ
وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ يعنى ان بنى آدم كلهم مجبولون على العجلة لذلك يحبون ويختارون اللذة العاجلة الدنياوية مع سرعة انقضائها وزوالها على اللذة الآجلة الاخروية مع بقائها ودوامها وعدم انقضائها أصلا ويتركون الأعمال المقتضية لها لذلك
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ اى يوم قيام الساعة ناضِرَةٌ طرية بهية مشرقة يتلالأ منها أنوار اليقين والعرفان وآثار الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية ألا وهي وجوه ارباب العناية الموفقين على صلاح الدارين وفلاح النشأتين لذلك حينئذ
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وبمطالعة لقائه مشرفة مسرورة
وَوُجُوهٌ أخر يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ عبوسة كلوحة متغيرة مسودة بحيث
تَظُنُّ بل يجزم كل من نظر إليها أَنْ يُفْعَلَ بِها ويعرض عليها فاقِرَةٌ داهية شديدة ومصيبة عظيمة تكسر فقار ظهرها من هولها وشدتها كَلَّا اى كيف تحبون وتختارون اللذة الفانية العاجلة على الباقية الآجلة ايها المشركون المفرطون المسرفون اما تتذكرون
إِذا بَلَغَتِ النفس التَّراقِيَ اى اعالى الصدر قريب المخرج وعزمت على التوديع والخروج
وَقِيلَ
حينئذ في حقه اى قالت الملائكة الموكلون على الموت والاماتة مستفهمين فيما بينهم على سبيل المشورة مَنْ
هو راقٍ
منا قابض روحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب
وَحينئذ ظَنَّ بل قد جزم المحتضر أَنَّهُ الْفِراقُ والافتراق من الدنيا وما فيها من عموم اللذات والشهوات المحبوبة فيها
وَبعد ما جزم بفراق الأحبة الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ اى التوت ساقه بساقه من كمال ضجرته وأسفه فلا يقدر على حركتها وتحريكها وبالجملة
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ اى السوق اليه ورجوعه نحوه وحكمه عنده وحسابه عليه وبالجملة إذا سئل الإنسان حينئذ عما امر له ونهى عنه في النشأة الاولى كيف يحسب مع انه
فَلا صَدَّقَ على من امر بتصديقه ولا قبل منه ما هو صلاحه في دينه وَلا صَلَّى وما مال الى الله في الأوقات المكتوبة المقدرة المعينة للتوجه والرجوع نحوه سبحانه
وَلكِنْ قد عكس الأمر إذ كَذَّبَ على من امر بتصديقه وَتَوَلَّى اى اعرض وانصرف عن الطاعات والعبادات المأمور بها مطلقا
ثُمَّ بعد انصرافه واعراضه عن المرشد الداعي ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ويتبختر فرحانا مسرورا مباهيا بفعله مفتخرا بشأنه
стр. 1044
قيل له حينئذ من قبل الحق مخاطبا إياه بالويل والهلاك بسبب فعله هذا ومباهاته به
أَوْلى وأليق لَكَ وبحالك وشأنك هذا الويل والهلاك فَأَوْلى لك وبحالك الويل والهلاك
ثُمَّ أَوْلى لَكَ الويل والهلاك لذلك فَأَوْلى لك كذلك تأكيدا على ذلك وتشديدا على عذابك ووخامة حالك ومآلك ايها المسرف المفرط المباهي بالإعراض والانصراف عن الايمان والطاعات المراد منه ابو جهل عليه اللعنة. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتهديد
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ المصر على الكفران والطغيان أَنْ يُتْرَكَ سُدىً مهملا لا يكلف ولا يحاسب بعد التكليف ولا يجازى ولا يعاقب على أفعاله مع انه انما جبل على فطرة التكليف والمعرفة وبمقتضى حسبانه هذا أنكر البعث والجزاء وخرج عن مقتضى الأوامر والنواهي الواردة عليه في نشأة الاختبار مصرا على الكفر والكفران ومن أين يتأتى له الخروج عن ربقة العبودية وأنى له الاعراض والانصراف عن مقتضى الأوامر والنواهي الموردة من لدنا
أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مهينة مرذولة حاصلة مِنْ مَنِيٍّ مهين مرذول يُمْنى وينصب في الرحم المرذول
ثُمَّ كانَ عَلَقَةً قذرة خبيثة باقية في الرحم كسائر الأقذار فَخَلَقَ اى قدر سبحانه اجزاءه وأعضاءه وعموم أركانه وجوارحه منها وبعد ما قدره وصوره فَسَوَّى اى عدله وقومه سبحانه بحوله وقوته فصار جسدا ذا حس وحركة ارادية وقواه فأقامه فَجَعَلَ وخلق بكمال قدرته ومتانة حكمته وصنعته لمصلحة التناسل والتكاثر وإبقاء النوع
مِنْهُ اى من منى الإنسان ونطفته الزَّوْجَيْنِ الصنفين الذَّكَرَ وَالْأُنْثى تتميما للحكمة البالغة المتقنة. ثم قال سبحانه موبخا مقرعا على وجه الاستبعاد عن كفران الإنسان وإصراره على انكار البعث والحشر واعادة الأموات احياء كما كانوا
أَلَيْسَ ذلِكَ القادر المقتدر الذي قدر على خلق هذه الصور المهينة الخبيثة وتبديلها الى صور عجيبة طيبة قابلة لفيضان انواع الكمالات لائقة للخلافة والنيابة الإلهية بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى مرة بعد اخرى وكرة بعد اولى مع ان الإعادة أهون من الإبداء بلى لك الإعادة والإبداء ايها القادر المقتدر على خلق الأشياء من كتم العدم كيف تشاء بل تفعل أنت ما تشاء وتحكم ما تريد لا تسأل عن فعلك انك حميد مجيد
خاتمة سورة القيامة
عليك ايها الموحد المتحقق بحيطة الحق وشموله واستقلاله في تصرفات ملكه وملكوته وجبروته ولاهوته ان تعتقد ان قدرته الكاملة لا يعتريها كلال ولا يعرض لها فترة ولا زوال بل له ان يظهر ويوجد بمقتضى قدرته جميع ما قد ثبت وتحقق في حضرة علمه ولوح قضائه من الصور البديعة التي لا يخطر ببالك مطلقا بل له ان يكوّن ويوجد من كل ذرة عوالم ما شاء الله وكذا له ان يدرج العوالم الغير المحصورة في كل ذرة من ذرائر الكائنات وبالجملة من وصل الى سعة قلب الإنسان وساحة صدره ظهر عنده ان المذكورات لا تمتنع ولا تستحيل من قدرته الغالبة وارادته الكاملة بل ما هو بأضعافها وآلافها فهيهات هيهات لو نظرت الى أجزاء العالم بنظرة الاستبصار بل الى دقائق نفسك ورقائق اعضائك وجوارحك ورفعت الالف والعادة عن البين لرأيت في كل شيء وفي كل ذرة من ذرائر العالم عجائب وغرائب لا تعد ولا تحصى غاية ما في الباب ان الفك قد حجبك عن هذا الإدراك وعادتك عاقتك عن رؤية البدائع الإلهية ولو تنور بصر بصيرتك ونظر سرك
стр. 1045
وسريرتك بكحل العبرة والاستبصار لرأيت من عجائب قدرة الله ومن بدائع صنعه وحكمته في كل طرفة ولمحة ما بجنبه امر الحشر والنشر والإعادة والأحياء سهل يسير. حققنا بحق حقيتك وبقدر قدرتك وقيوميتك يا ذا القوة المتين
[سورة الإنسان]
فاتحة سورة الإنسان
لا يخفى على من انكشف بحقيقة الإنسان وكيفية تطوراته المتلونة وشئونه المترقية من الخباثة والخساسة الى انواع النجابة والكرامة حتى وصل الى رتبة الخلافة والنيابة الإلهية ان مبنى ترقيه وترفعه من حضيض الإمكان الى أوج الوجوب انما هي بالتربية الإلهية وتكريمه بمقتضى تجليه عليه بعموم أسمائه الكاملة وأوصافه الشاملة ليرشده الى وحدة ذاته ويخلقه بأخلاقه وأوصافه ولا شك ان تربية الدنى المرذول انما هي بتغيير الخصلة المذمومة وتبديل الديدنة المستهجنة الراسخة المستقرة فيه وذلك لا يتيسر الا بوضع التكاليف وتحميل المتاعب والمشاق القالعة المصفية لأقذار الطبائع وإكدار الهيولى اللازمة للقوى البشرية وايضا بتلميظ المعارف والحقائق المشوقة الى اللذات الروحانية والمكاشفات اللدنية المخلصة للنفوس الزكية عن الرسوم العادية مطلقا لذلك أشار سبحانه في هذه السورة العظيمة الشأن الى احوال الإنسان وكيفية ترقيه من شأن الى شأن الى ان وصل الى الهداية والعرفان فقال متيمنا بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بمقتضى عموم أسمائه الحسنى وصفاته العليا في مظهر الإنسان الرَّحْمنِ عليه بأنواع التربية واصناف الإحسان حتى أوصله وهداه الى طريق الايمان والعرفان الرَّحِيمِ عليه يوصله الى مرتبة الكشف والعيان
[الآيات]
هَلْ أَتى اى قد سبق ومضى عَلَى الْإِنْسانِ المصور بصورة الرحمن حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ اى شأن محدود من الشئون الغير المحدودة الإلهية بحيث لَمْ يَكُنْ الإنسان فيه شَيْئاً إذ العدم والمعدوم ليس بشيء فكيف كان مَذْكُوراً مسمى باسم يذكر به ويشار اليه
إِنَّا خلقنا من مقام عظيم جودنا وبمقتضى كمال قدرتنا وارادتنا ووفور حكمتنا قد خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وقدرنا وجوده بعد ما أخرجناه وأظهرناه من العدم الصرف نحو فضاء البروز وحضرة العلم والأعيان الثابتة ثم صورناه بصور العناصر مِنْ نُطْفَةٍ مهينة مرذولة أَمْشاجٍ مختلطة مجتمعة من الذكر والأنثى وبعد ما قد صورناه هيكلا سويا قابلا واودعنا فيه من روحنا ما اودعنا وسميناه إنسانا مصورا بصورتنا نَبْتَلِيهِ نختبره ونجربه هل يتفطن الى موجده ومظهره أم لا وكيف لا نختبره فَجَعَلْناهُ يعنى انما خلقناه وصيرناه لحكمة الاختبار ومصلحة الاعتبار سَمِيعاً متمكنا قادرا على استماع آياتنا الدالة على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا بَصِيراً مقتدرا على مشاهدة بدائع صنعنا وغرائب صنعتنا وعجائب حكمتنا ليكون معتبرا منها متوجها الى فاعلها ومع إعطائه تلك الكرامات العظيمة
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ يعنى قد اودعنا فيه العقل الفطري الجزئى المنشعب من العقل الكلى الذي هو حضرة علمنا المحيط بكل ما لمع عليه برق الوجود وبواسطته هديناه إلينا سبيلا بان أرسلنا الرسل المنبهين عليه الموقظين له من نعاس النسيان العارض له من حصة ناسوته المشيرين له الى ما اودعنا فيه من الوديعة البديعة وأيدنا الرسل بالكتب والآيات النازلة من لدنا الدالة على صدقهم في الرسالة وبالبينات الواضحات لسلوك طريق توحيدنا وسبيل شهودنا وتفريدنا وبعد ما وضح الحق واتضح السبيل على وجه الأبلغ الأكمل فله الاختيار
стр. 1046
إِمَّا شاكِراً اى اما ان يكون شاكرا شكورا مشغولا بشكر النعم مواظبا على أداء حقوق الكرم صارفا عنان عزمه الى صوب الهداية والرشد حتى يكون من ارباب العناية والسداد المتنعمين في روضة الرضا وجنة التسليم وَإِمَّا كَفُوراً للنعم كافرا لمنعمها مقتفيا اثر اصحاب الغفلة والعناد واللدد والفساد حتى يكون من زمرة اصحاب الجحيم فهما عندنا سيان غاية الأمر
إِنَّا حسب قهرنا وجلالنا قد أَعْتَدْنا وهيأنا لِلْكافِرِينَ الساترين بغيوم هوياتهم الباطلة شمس الحق الحقيقية المشرقة الظاهرة على صفائح ذرائر الكائنات لذلك خرجوا عن ربقة الرقية وعروة العبودية وانصرفوا عن مقتضيات حدوده الموضوعة بين عباده سَلاسِلَ اى سلاسل الحرص وطول الأمل يقادون ويسحبون بها نحو نيران الإمكان وجحيم الطرد والحرمان بأنواع الخيبة والخسران وَأَغْلالًا يعنى أغلال الأماني والشهوات يغلّون ويقيدون بها طول دهرهم بأنواع الصغار والهوان وَسَعِيراً مسعرا مملوا بنيران الافتقار والاحتياج المترتبة على الأماني والآمال الغير المنقطعة يطرحون فيها ابدا ويعذبون بها خالدا مخلدا ثم اردف سبحانه وعيد الكفرة بوعد المؤمنين على مقتضى سنته المستمرة في كتابه فقال
إِنَّ الْأَبْرارَ الأخيار البارين المبرورين ذوى الأيدي والأبصار المستغرقين في بحار المعارف والأسرار يَشْرَبُونَ لدى الملك الغفار خمور الشهود ورحيق الاعتبار مِنْ كَأْسٍ من كؤس ذرائر العالم المستعار لذلك كانَ مِزاجُها اى ما يمزج بها ويخلط كافُوراً هو عبارة عن برد اليقين يعنى
عَيْناً معينا معينا هي ينبوع بحر الوجود يَشْرَبُ بِها ومنها عِبادُ اللَّهِ الواصلون الى عالم اللاهوت الفانون عن فنائهم في فضاء الجبروت الباقون ببقاء حضرة الرحموت لذلك يُفَجِّرُونَها ويجرونها تَفْجِيراً واجراء حيث شاءوا وصاروا من كمال وصولهم واتصالهم
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويوفرون على المنذور وَكيف لا يوفون ولا يوفرون أولئك السعداء الموفون الموفرون مع انهم هم يَخافُونَ يَوْماً وأى يوم يوما قد كانَ شَرُّهُ اى شدائده وأهواله مُسْتَطِيراً منتشرا مستفيضا شائعا بين عموم العباد
وَمن كمال استغراقهم بمطالعة الوجه الكريم يُطْعِمُونَ الطَّعامَ اى الرزق الصوري والمعنوي المسوق لهم من عنده سبحانه تقوية لهم وتقويما لأمزجتهم عَلى حُبِّهِ اى طلبا لمرضاته سبحانه مِسْكِيناً قد اسكنه الفقر وأزعجته المذلة اى المعاودة للسؤال وَيَتِيماً أدركه الذل وأحوجه الى الافتقار وَأَسِيراً اذله الرق والصغار والهوان وأفقره الى الرعاية والترحم. عن ابن عباس رضى الله عنهما ان الحسن والحسين سلام الله وصلواته على جدهما ووالديهما وعليهما مرضا مرضا هائلا مخوفا فعادهما رسول الله ﷺ في ناس فقالوا لعلى يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك فنذر على وفاطمة على النبي وعليهما وابنيهما الصلاة والسلام وفضة جارية لفاطمة رضى لله عنهما صوم ثلاثة ايام ان برئا فلما برئا صاموا وما معهم شيء فاستقرض على رضى الله عنه من شمعون الخيبرى ثلاثة أصوع من الشعير فطحنت فاطمة رضى الله عنها صاعا وخبزت خمسة اقراص على عدد رؤسهم فوضعوا بين يديهم ليفطروا فجاء على الباب مسكين فأعطوا له وآثروه على أنفسهم وباتوا فلم يذوقوا الا الماء وأصبحوا صياما فلما امسوا فعلوا ايضا كذلك فألم عليهم يتيم فآثروه كذلك فأصبحوا صياما ففعلوا اليوم الثالث مثل ذلك فجاء أسير فأعطوه فباتوا بلا طعام فنزل جبرائيل ﵇ بهذه الآية فقال هناك الله في اهل بيتك يا نبي الله. ثم لما اضمروا في نفوسهم ونجواهم حين صدور هذا
стр. 1047
الإحسان عنهم طلبا لمرضاة الله وتثبيتا لهم على دينه وطاعته وتشويقا منهم الى لقائه نزل في حقهم وفق ما نووا
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ اى ما نطعمكم ايها المطعمون المحتاجون الا لِوَجْهِ اللَّهِ الكريم وطلبا لمرضاته إذ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً ليصير عوضا لا طعامنا لا في الدنيا ولا في الآخرة وَلا شُكُوراً بان تدعوا أنتم لنا الأجر بل ما نطعمكم الا من مال الله يا عيال الله خالصا لوجهه الكريم ما لنا مع الشكر والجزاء امر وشأن وكيف يتأتى منا طلب الشكر والجزاء إذ قدرتنا على الإطعام ايضا انما هو باقدار الله إيانا واعطاؤنا انما هو من عطاياه حقيقة وبالجملة
إِنَّا نَخافُ بطلب الأجر والجزاء مِنْ غضب رَبِّنا يَوْماً وأى يوم يوما عَبُوساً تعبس فيه مطلق الوجوه من شدة هوله وحزنه بل قد صارت كل الوجوه قَمْطَرِيراً في غاية الشدة والعبوسة سيما على اهل الرياء والسمعة الطامعين بصدقاتهم الذكر الجميل والثناء الجزيل مع انهم انما يعطون من مال الله لعيال الله وبعد ما أخلصوا لله وخافوا من عذابه
فَوَقاهُمُ اللَّهُ الحكيم العليم الحفيظ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ اى قد رفع عنهم شره وأبدله لهم خيرا وَلَقَّاهُمْ اى لقى لهم يومئذ نَضْرَةً طراوة وصفاء في وجوههم وَسُرُوراً وبهجة في قلوبهم
وَبعد ما فعلوا ما فعلوا خالصا لوجه الله جَزاهُمْ سبحانه بِما صَبَرُوا وحبسوا نفوسهم عن المشتهيات المنهيات والمحرمات بل عن المباحات ايضا وعلى أداء الواجبات وإيثار الأموال والأرزاق المسوقة لهم لطلب المرضات جَنَّةً مصورة من صالحات أعمالهم وحالاتهم ومقاماتهم يتلذذون فيها باللذات الروحانية ابد الآباد وَيلبسون فيها حَرِيراً متخذا من حلل الأسماء والصفات التي لا يتصور فيها الهول والخشونة أصلا
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ يعنى مستظهرين فيها بالألطاف الإلهية مستظلين بكنف حفظه وجواره حيث لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً اى حرارتها المؤذية لهم وَلا زَمْهَرِيراً اى البرودة المضرة بهم بل يعتدل فيها الهواء والأهواء لتعديلهم الأخلاق والأعمال والأحوال
وَبالجملة ليس ظلال الجنة المذكورة بعيدة عنهم بل قد كانت دانِيَةً قريبة عَلَيْهِمْ ظِلالُها الموعودة لهم من قبل الحق وَلهم فيها ثمار متجددة متلونة من انواع المعارف والحقائق اللدنية المترتبة على أشجار الأسماء والصفات الإلهية التي قد اتصفوا بها وتخلقوا بمقتضاها ولا تكون تلك الأشجار وأغصانها وأثمارها بعيدة عنهم آبية سيما بعد ما اتصفوا بمقتضاها بل قد ذُلِّلَتْ وسخرت قُطُوفُها وثمارها لهم تَذْلِيلًا بحيث متى أرادوا تلذذوا بها بلا تردد إذ كمالاتها كلها حينئذ بالفعل بلا انتظار لهم إياها وترقب لها
وَلتكميل ترفههم وتنعمهم يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ متخذة مِنْ فِضَّةٍ اى من فضة عقائدهم الصافية البيضاء الشفافة الخالصة عن مطلق الكدورات وَأَكْوابٍ اى كيزان لا عروة لها وهي من غاية صفائها وجلائها كأنها كانَتْ قَوارِيرَا في الرقة وأية
قَوارِيرَا متخذة مِنْ فِضَّةٍ وهي من غاية صفائها وشفيفها لا يرى لها لون ولا كون بحيث قد اشتبه أمرها عند الرائي في بادى الرأى ولذلك قَدَّرُوها تَقْدِيراً بمقتضى ما رعوا من الاعتدال والأخلاق والأطوار
وَهم يُسْقَوْنَ فِيها اى في تلك الجنة الموعودة لهم كَأْساً مملوا من خمور المحبة والمودة قد كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا اى كالزنجبيل في المساغ وسرعة الانحدار يعنى
عَيْناً جارية فِيها مملوة بماء الحياة الازلية الابدية السرمدية تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا لهدايتها وارشادها الى مشرب التوحيد وبحر الوحدة الذاتية كأنها تلقى وتلقن تلك العين المترشحة من بحر الحياة الازلية
стр. 1048
الابدية لأرباب العناية بقولها سل ايها الطالب الحائر في بيداء الطلب سبيلا الى الوحدة الحقيقية الحقية واسترح عندها
وَايضا يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ثانيا وتصحيبا وِلْدانٌ حسان صباح ملاح مصورون من أعمالهم وأحوالهم مُخَلَّدُونَ دائمون مستمرون على صباحتهم وملاحتهم بحيث إِذا رَأَيْتَهُمْ ايها المعتبر الرائي حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً من صفاء ألوانهم وبهاء هياكلهم واشكالهم وصباحة خدهم ورشاقة قدهم ومن انعكاس اشعة وجوههم ومن كمال اللطافة والطراوة والصفاء المفرط نهاية النظافة
وَبالجملة إِذا رَأَيْتَ ايها الفطن الرائي ثَمَّ اى في الجنة المذكورة الموعودة رَأَيْتَ وما أدراك ما رأيت رأيت نَعِيماً وأى نعيم نعيما لا يكتنه غوره وطوره وَمُلْكاً وأى ملك ملكا عظيما كَبِيراً وسيعا فسيحا لا يدرك وسعته وقدره ولا يكتنه طوره وغوره ومع ذلك
عالِيَهُمْ اى يعلو عليهم ويحيط بهم فيها تعظيما لهم وتكريما ثِيابُ سُندُسٍ هو رقيق من الديباج خُضْرٌ على لون الحياة إذ حياتهم فيها سرمدية وَإِسْتَبْرَقٌ هو غليظ منه كذلك وَهم قد حُلُّوا فيها أَساوِرَ اى زينوا بأساور متخذة مِنْ فِضَّةٍ صافية عن الغش بصفاء عقائدهم عنه تتميما لتنعمهم وَبالجملة قد سَقاهُمْ رَبُّهُمْ بعد ما تمكنوا في مقعد الصدق عند المليك المقتدر شَراباً من كأس المحبة ورحيق التوحيد والتحقيق طَهُوراً خاليا خالصا عن شوب الثنوية وشين الكثرة مطلقا وبعد ما شربوا منه جرعة سكروا سرمدا ولم يصحوا ابدا ثم قيل لهم من قبل الحق
إِنَّ هذا الذي قد فزتم به الآن قد كانَ لَكُمْ جَزاءً موعودا معهودا في مقابلة أعمالكم وأخلاقكم وأحوالكم ومواجيدكم ومعارفكم التي أنتم عليها في النشأة الاولى وَبالجملة قد كانَ سَعْيُكُمْ الذي كنتم عليه في عالم الناسوت مَشْكُوراً مجازا عليه غير مضيع بل مع زيادات تفضلا وامتنانا عليكم. ثم لما جمع سبحانه جميع الفضائل والكمالات الانسانية وعموم المعارف والمشاهدات والمكاشفات اللدنية في المرتبة الجامعة الختمية الخاتمية المحمدية المحيطة المشتملة على عموم المراتب والمناصب العلية خاطبه سبحانه خطاب رحمة وامتنان على سبيل التعطف فقال
إِنَّا بمقتضى فضلنا وجودنا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ يا أكمل الرسل تأييدا لأمرك وتعظيما لشأنك الْقُرْآنَ الحاوي لعموم ما في الكتب السالفة من الأوامر والنواهي ومطلق الحكم والاحكام والحقائق والمعارف الموردة فيها المحتوى لجميع الكمالات اللائقة بسائر الأنبياء والرسل المجتازين في سبيل التوحيد تَنْزِيلًا مفرقا منجما على مقتضى الحكمة المتقنة البالغة الباعثة على انزاله حسب طاقتك اليه وانكشافك بما فيه لتتدرج أنت في سلوكك وشهودك وبعد ما سمعت من الكرامة والتعظيم
فَاصْبِرْ يا أكمل الرسل لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تستعجل في غلبتك وظهورك على عموم أعدائك من جنود اهل التقليد والضلال سيما كفار مكة خذلهم الله وَبعد ما قد كوشفت بحقية الحق وبوحدته واستقلاله في الوجود ومطلق الآثار لا تُطِعْ مِنْهُمْ اى من اهل التقليد واصحاب الضلال أحدا سواء كان آثِماً متناهيا في الفسوق والعصيان حيث ينتهى إثمه الى الشرك أَوْ كَفُوراً لنعم الله مبالغا في كفران نعمه ونسيان كرمه حيث ينتهى كفرانه الى الكفر. أعاذنا الله وعموم عباده منهما
وَبعد ما تحققت يا أكمل الرسل تمام الكشف والشهود اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا اى في عموم أوقاتك وحالاتك وداوم على ذلك دائما مستمرا
وَعليك ان تتخذ مِنَ اللَّيْلِ الموضوع للخلوة مع الله ودوام المراقبة والحضور معه
стр. 1049
فَاسْجُدْ لَهُ وتوجه نحوه توجها خالصا مقرونا بكمال الخضوع والخشوع والتذلل التام وَسَبِّحْهُ اى نزه ذاته عن جميع ما لا يليق بشأنه لَيْلًا اى في خلاله وآنائه تسبيحا طَوِيلًا خاليا عن مطلق الشواغل فارغ البال عن تشتت الآمال هكذا آداب اصحاب المآل وديدنة ارباب الوجد والحال
إِنَّ هؤُلاءِ اى اصحاب الضلال المنحرفين عن جادة الاعتدال يُحِبُّونَ اللذة الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ اى يتركون امامهم وخلفهم بلا مبالاة منهم يَوْماً ثَقِيلًا شديدا يشتد الأمر فيه عليهم ويصعب ومع ذلك ينكرونه ويكذبونه وكيف يذرونه وينكرونه مع انا نخبر به ونأمر بتصديقه وكيف لا نأمرهم إذ
نَحْنُ بمقتضى قدرتنا قد خَلَقْناهُمْ وقدرنا وجودهم أولا من أهون الأشياء وأخسها واخبثها وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ اى قد عدلنا اركانهم وجوارحهم وأحكمنا مفاصلهم واوصالهم وبالجملة قد سويناهم اشخاصا قابلين للتكليف ليترتب عليه الايمان والتصديق بعموم المعتقدات اللدنية وَبعد ما لم يؤمنوا ولم يصدقوا عنادا ومكابرة إِذا شِئْنا وتعلقت مشيتنا على إهلاكهم واستئصالهم أهلكناهم واستأصلناهم وبَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ في الخلقة وجميع لوازمها تَبْدِيلًا حسنا بحيث يكون المبدل خيرا واحسن وأكمل من المبدل منه وبالجملة
إِنَّ هذِهِ الآية الدالة على تهذيب الأخلاق والأطوار تَذْكِرَةٌ ناشئة من قبل الحق فَمَنْ شاءَ ان يتعظ بها ويتذكر بما فيها اتَّخَذَ أولا إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يعنى شرع أولا في مسالك القرب والوصول الى الله فتقرب نحوه بالمعاملات ثم بالأحوال والمقامات وبالجملة ليس وراء الله مرمى ومنتهى
وَلكن ما تَشاؤُنَ اى المتقربون الى الله السائرون نحوه حسب التوفيق والتيسير الإلهي إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ الموفق لهم الموجد المقدر لعموم أفعالهم وأعمالهم المنجى لهم عن غياهب الإمكان وظلمات الخيالات والأوهام
إِنَّ اللَّهَ المطلع على استعدادات عباده كانَ عَلِيماً بقابلياتهم اللائقة لفيضان الكشف والشهود حَكِيماً في تربيتهم وتكميلهم
يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ بهدايته ولطفه فِي رَحْمَتِهِ التي هي سعة وحدته وَلكن الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية المحرومين عن نظر العناية والتوفيق مطلقا قد أَعَدَّ لَهُمْ سبحانه عَذاباً أَلِيماً لا عذاب أشد منه ايلاما وأفزع انتقاما ألا وهو حرمانهم عن ساحة عز القبول. نعوذ بك منك يا ذا القوة المتين
خاتمة سورة الإنسان
عليك ايها المريد المتوحد بمشية الله وتيسيره وفقك الله على ما املك واعانك على انجاحه ان تفرغ همك وتخلى قلبك عن الالتفات الى الدنيا معرضا عن آمالها وأمانيها متوجها الى الآخرة وما فيها متعرضا لنفحات الحق مستنشقا من روائح روحه ورحمته راجيا من سعة لطفه وجوده ان ييسرك ويوفقك في عموم أوقاتك وحالاتك على ما هو خير لك في أولاك وأخراك ويدفع عنك شرور بشريتك ومقتضيات بهيميتك وقواك وبالجملة فاتخذه سبحانه وكيلا وثق اليه واجعله حسيبا وكفيلا وتوكل عليه إذ هو اعلم بما ينبغي لك منك وبما يليق بحالك فلك التفويض والتكلان والأمر بيد الله الحكيم المستعان
стр. 1050
[سورة المرسلات]
فاتحة سورة المرسلات
لا يخفى على من انكشف بوحدة الحق وانجذب نحو مرتبة الكشف والشهود والانجلاء التام المسقط لعموم الاعتبارات والاعتباريات ان الركون اليه سبحانه والانجذاب نحوه انما يحصل بجذبات الهية ونفحات غيبية ونسمات روحانية روحية هابة من نفسات الرحمن ناشئة منتشئة من قبل يمن عالم اللاهوت وحضرة الرحموت ولا شك ان الجذبات الإلهية متفاوتة بتفاوت الاستعدادات والقابليات المترتبة المتفرعة على تربية الأسماء والصفات الإلهية المتفاوتة في أنفسها حسب الشئون الكمالية والتطورات الذاتية الناشئة من التجليات الحبية فمنهم من جذبته العناية وأدركته النفحات والنسمات اللاهوتية كالبرق الخاطف فعصفن ونزعن عنهم ملابس الإمكان بالكلمة واخرجنهم عن سجن الطبيعة والهيولى على الفور بلا تراخ ومهلة ومنهم من نشرت عليهم هينات لينات بحيث يستروحون من هبوبها ويستريحون فيها حتى تترسخ في نفوسهم آثارها فيتدرجون إليها ويتحنون نحوها متشوقين فيتطرقون أثرها حتى يصلوا الى ما وصلوا بل اتصلوا ومنهم من يهببن عليهم ويفرقن في نفوسهم بين الحق والباطل والهداية والضلال على سبيل التدريج فيوقعن بينهم الفتن والبليات وانواع التجارب والاختبارات حتى يتفطن البعض منهم ويتنبه فيكون من اصحاب الجنة والبعض الآخر لا يتفطن ولا يتنبه فيكون من اصحاب النار ومنهم من يلقين لهم بعد هبوبهن عليهم ذكرا فقط حسب فطرتهم الاصلية التي هم فطروا عليها ناشئا من عالم اللاهوت مجردا عن الفكر والفطنة فكيف عن التحنن والشوق فكيف عن السيران والطيران فالاولى اشارة الى طريق الشطار الطائرين الى الله بعد ادراك الجذبة الاحدية كالبرق الخاطف بلا توقف وتأخر والثانية الى طريق الأبرار وارباب المواجيد والواردات الغيبة وذوى الأذواق الصافية المنجذبين نحو الحق من طريق السلوك والمجاهدة والثالثة الى طريق الأخيار واصحاب المعاملات والاستدلالات المتوجهين نحو الحق من طريق التدين والتخلق بالأخلاق الفاضلة والمعاملات الصالحة والرابعة الى طريق العوام القانعين بالذكر والتكرار بلا وجدان وفطنة وذوق ومعرفة لذلك قال سبحانه في شأن العوام أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا.
ثم لما أراد سبحانه ان يشير الى هذه الاربعة المذكورة اقسم بحوامل وحيه ونفسات رحمته الفائضة منه سبحانه على عموم عباده على الدوام ليستمدوا منه ويتطرقوا نحوه متذكرين لمبدئهم ومعادهم حسب استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ المظهر لعموم مظاهره بامتداد اظلاله المترتبة على أوصافه الذاتية وأسمائه الحسنى الرَّحْمنِ عليهم بافاضة نسمات روحه ونفسات رحمته الرَّحِيمِ عليهم يوصلهم الى فضاء وحدته بإرسال شمائم روحه وراحته
[الآيات]
وَحق الْمُرْسَلاتِ اى رياح الجذبات الهابة من قبل يمن عالم اللاهوت المنتشئة من حضرة الرحموت لاسترواح أرواح سكان عالم الناسوت وأشباحهم عُرْفاً لأجل اظهار التعارف والائتلاف الواقع بينهم بحسب الحقيقة والوحدة
فَالْعاصِفاتِ النازعات ملابس عالم الناسوت واكسية الإمكان عن أرواح المحبين المجذوبين المنجذبين نحو الحق بالهمم العالية عَصْفاً سريعا شديدا تخليصا لهم عن سجن الطبيعة تفريحا وترويحا
وَالنَّاشِراتِ المنتشرات على أراضي استعدادات ارباب الطلب والإرادات المتوجهين نحو الحق بالعزيمة الخالصة نَشْراً لينا هينا بحيث توقظهم عن سنة الغفلة ونعاس النسيان وتخلصهم عن مضيق الضلال وترشدهم الى فضاء
стр. 1051
الوصال
فَالْفارِقاتِ الواصلات الى بقعة الإمكان من قبل الرحمن ليفصلن ويفرقن لساكنيها بين الحق والباطل والحرام والحلال والهداية والضلال الواقعة في سلوك طريق الحق وسبيل توحيده فَرْقاً بينا واضحا ليتنبهوا الى مبدئهم ومعادهم
فَالْمُلْقِياتِ الملقنات لحوامل أثقال الطبيعة والأركان المسجونين في سجن الإمكان المقيدين بسلاسل الزمان وأغلال المكان المتفرعة على أثقال الطبائع والأركان ذِكْراً حسنا من عالم اللاهوت بحيث يجرونه على ألسنتهم لعلهم يتذكرون به مبدأهم الأصلي ويتفطنون منشأهم الحقيقي ليكون لهم ذكرهم هذا
عُذْراً يزيل ويمحو سيئات عالم الناسوت وآثام الإمكان بعد ما تنبهوا به الى عالم اللاهوت وتطرقوا نحوه مهاجرين من بقعة الناسوت أَوْ نُذْراً ينذرهم عن نيران الإمكان وسعير الطرد والخذلان بعد ما تذكروا نعيم عالم اللاهوت وفضاء الجبروت يعنى وبحق هذه المقسمات العظام المكرمات عند الله المنتشآت من لدنه سبحانه حسب حكمته المتقنة البالغة لمصلحة التوحيد والايمان والمعرفة والإيقان
إِنَّما تُوعَدُونَ ايها المكلفون من قبل الحق في يوم العرض والجزاء لَواقِعٌ محقق وقوعه وثبوته بلا ريب وتردد واعلموا انه بعد ما قد وقعت الواقعة الهائلة وقامت القيامة المبدلة
فَإِذَا النُّجُومُ اى الهويات المحسوسة المرئية في عالم الكون والفساد طُمِسَتْ انمحقت وانمحت وغابت وتلاشت عند ظهور شمس الحقيقة
وَإِذَا السَّماءُ اى نظام عالم الكون والفساد فُرِجَتْ صدعت وشقت وانفصمت وتلاشت
وَإِذَا الْجِبالُ الرواسي التي هي أوتاد الأرض وهي في الحقيقة عبارة عن الهياكل المحسوسة في عالم الأشباح نُسِفَتْ قلعت من أماكنها ثم ذريت برياح الفناء
وَإِذَا الرُّسُلُ المبعوثون للإرشاد ولإصلاح العباد وسداد فسادهم أُقِّتَتْ وقتت اى قد عين لهم وقت الشهادة على أممهم بعد ما أبهم عليهم وقتها في النشأة الاولى كأنه قيل لهم من قبل الحق
لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ وأخرت شهادتهم وأجيب ايضا من جانبه سبحانه
لِيَوْمِ الْفَصْلِ
وَما أَدْراكَ وأعلمك يا أكمل الرسل ما يَوْمُ الْفَصْلِ أبهمه سبحانه تهويلا وتعظيما وبالجملة
وَيْلٌ وهلاك مؤبد وزجر مخلد مستمر يَوْمَئِذٍ اى في يوم الفصل لِلْمُكَذِّبِينَ به المنكرين له في النشأة الاولى سيما بعد اخبار الرسل والكتب وكيف يكذبونه وينكرون عليه أولئك الضالون المكذبون مع انهم قد سمعوا حال المكذبين المنكرين الماضين
أَلَمْ نُهْلِكِ المكذبين الْأَوَّلِينَ كقوم عاد وثمود ولم نستأصلهم بسبب انكارهم وتكذيبهم بهذا اليوم الموعود
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ يعنى نتبع ونعقب إهلاك الأولين باهلاك الآخرين كقوم شعيب وموسى وعيسى ﵈ وغيرهم ايضا بسبب تكذيب هذا اليوم وتكذيب من اخبر به من الكتب والرسل وبالجملة
كَذلِكَ اى مثل ما فعلنا بالمكذبين السابقين والآخرين اللاحقين نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ اى بعموم هؤلاء المجرمين الحاضرين المكذبين على رسول الله وآياته النازلة عليه من عند ربه لذلك
وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وكيف تكذبون ايها المكذبون بما أمرتم بتصديقه من لدنا مع انكم قد عرفتم قدرتنا عليه وعلى أمثاله
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ ايها المجبولون على النسيان مِنْ ماءٍ مسترذل مَهِينٍ في غاية المهانة والخباثة وبعد نزوله
فَجَعَلْناهُ وصيرناه مستقرا فِي قَرارٍ يعنى مقر الرحم مَكِينٍ متمكن فيه
إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ وأجل معين قدره الله العليم الحكيم للولادة وتسوية الخلق والخروج الى عالم الشهادة وبالجملة
فَقَدَرْنا على خلقكم وايجادكم من النطفة المهينة المكينة في ظلمة الرحم وعلى إخراجكم واظهاركم منها الى
стр. 1052
فضاء العالم وتربيتكم فيه الى ان صار كل منكم ذا رأى ورشد قابلا لحمل التكاليف المثمرة بثمرة المعرفة والايمان فَنِعْمَ الْقادِرُونَ المقتدرون نحن ايضا على بعثكم وإخراجكم من قبوركم احياء كما كنتم في يوم البعث والجزاء فلم تكذبون به ايها المكذبون مع انكم قد سمعتم من الثقاة العدول ألا وهم الأنبياء والمرسلون انه
وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بقدرتنا على الإعادة وكيف تنكرون قدرتنا الكاملة الشاملة على مطلق المقدورات
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ اليابسة كِفاتاً جامعة كافتة ضامة لكم
أَحْياءً مرة وَأَمْواتاً اخرى اى تكفت وتجمع الأحياء والأموات من الإنسان على التعاقب والتوالي تارة فيها وتارة عليها
وَجَعَلْنا فِيها اى في الأرض اى عليها رَواسِيَ أوتادا واقطابا شامِخاتٍ عاليات متعاليات عن ان ينال بكنه معارفهم وشهوداتهم ادراك احد وَقد أَسْقَيْناكُمْ ايها المكلفون من لدنيات أولئك الأوتاد والأقطاب المتعالية اغوار أطوارهم عن ادراك الأنام وافهامهم ماءً علما لدنيا كشفيا ذوقيا محييا لأموات الجهل فُراتاً عذبا سائغا شرابه لأولى العزائم الصحيحة والمشارب الصافية عن كدر الرعونات مطلقا وبالجملة
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بقدرتنا واقتدارنا على اظهار هذه البدائع التي قد كلّت دونها وصف الألسن والأحلام ودرك العقول والافهام وكيف يسعهم التكذيب والإنكار وقت إذ عاينوه ويقال لهم حينئذ زجرا عليهم وتوبيخا
انْطَلِقُوا وادخلوا ايها المكذبون إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ من العذاب والنكال وانواع العقوبات والمكروهات.
ثم قيل لهم ايضا تأكيدا وتشديدا على توبيخهم وتقريعهم
انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ واى ظل ظل ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ حاصلة منشعبة من القوى البهيمية الوهمية والشهوية والغضبية إذ بهذه الثلاثة تقترف عموم المعاصي وتكتسب جميع الآثام الموجبة لدخول النار
لا ظَلِيلٍ إذ لا يدفع ضرر الحرارة العارضة من نيران الغضب والشهوات وَلا يُغْنِي ولا يدفع مِنَ حر اللَّهَبِ الجهنمية وإحراق النيران الامكانية الحاصلة من القوى البشرية وكيف يمكن ان يدفع حر جهنم
إِنَّها اى جهنم الطرد والحرمان تَرْمِي بِشَرَرٍ وهو ما يتطاير من النار حين التهابها وسورتها وأى شرر كل شرر منها كَالْقَصْرِ الرفيع في الكبر والعظيم في المقدار
كَأَنَّهُ في الكثرة والتتابع والتوالي جِمالَتٌ وابل متسلسلة مترادفة متتابعة صُفْرٌ لونها شبهها بها في عظم أجرامها وتتابعها وصفرة لونها
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بتكذيبهم لهذا العذاب الهائل بعد ما أمروا بتصديقه على ألسنة الرسل والكتب وبعد ما قد ساقهم الخزنة إليها بالزجر التام والعنف المفرط أخذوا يطرحونهم إليها مهانين صاغرين وهم حينئذ يتضرعون صائحين فزعين وقيل لهم تقريعا وتوبيخا
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ إذ نطقهم بالأعذار الكاذبة كلا نطق في عدم الدفع والنفع
وَبالجملة لا يُؤْذَنُ لَهُمْ يومئذ فَيَعْتَذِرُونَ إذ لا يسمع منهم العذر لانقضاء نشأة التلافي والتدارك بالأعذار والتوبة وبالجملة
وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وأى ويل عظيم ويل لا يكتنه غوره ولا طوره ولا شدة هوله وحزنه. ثم قيل لهم من قبل الحق حينئذ
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ بين المحق والمبطل والمسيء والمحسن جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ اى قد جمعنا الآخرين مع الأولين والسابقين مع اللاحقين فيه
فَإِنْ كانَ لَكُمْ ايها المكلفون كَيْدٌ ومكر تقاوموننى به وتدفعون به عنكم عذابي فَكِيدُونِ وامكرونى ان استطعتم والا ف
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ حتما لازما جزما ومن اين يتأتى منهم المكر والحيلة حينئذ مع الله
стр. 1053
حتى يتخلصوا من عذابه سيما في تلك الحالة وبالجملة هؤلاء الضالون سيقوا نحو النار وطرحوا فيها مهانين وجذبوا إليها صاغرين خالدين. ثم اردف سبحانه وعيد المكذبين بوعد المصدقين فقال
إِنَّ الْمُتَّقِينَ المتحفظين على نفوسهم من الشرك ومن عموم المعاصي المصدقين بيوم الذين والجزاء مستغرقون في بحار الانعام والإحسان يومئذ متنعمون بأنواع التنعم والترفه إذ هم حينئذ متمكنون متكؤن فِي ظِلالٍ ممدودة من ظلال البساتين وَعُيُونٍ جارية فيها
وَفَواكِهَ كثيرة في حواليها مِمَّا يَشْتَهُونَ ويقال لهم حينئذ تلطيفا وتكريما
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً لكم مريئا كل ذلك بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في النشأة الاولى من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية المثمرة لتلك الحالات العلية والمقامات السنية وبالجملة
إِنَّا كَذلِكَ اى مثل ما أنتم عليه من الترفه والتنعم نَجْزِي عموم الْمُحْسِنِينَ المخلصين في الأعمال والأخلاق الراضين بما جرى عليهم من مقتضيات قضائنا وبالجملة
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ لكم ايها المخلصون المهتدون هذا النعيم المقيم ولهم ذلك العذاب الأليم. ثم يقال على سبيل الفرض والتقدير للمكذبين من قبل الحق زجرا عليهم وتوبيخا لهم بما اختاروا اللذة الفانية على اللذة الباقية كأنهم قد أمروا به في النشأة الاولى وقيل لهم على سبيل التهديد فيما مضى
كُلُوا من حطام الدنيا حيث شئتم رغدا واسعا وافرا وَتَمَتَّعُوا بامتعتها زمانا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ بالجرائم العظيمة مؤاخذون عليها بالآخرة في النشأة الاخرى بشؤم تكذيبكم بما أمرتم بتصديقه وبالجملة
وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وهم قد عرضوا أنفسهم على العذاب المخلد المؤبد
وَكيف لا يؤاخذون أولئك المعاندون المكابرون إذ هم قد كانوا من كمال استكبارهم وعتوهم إِذا قِيلَ لَهُمُ امحاضا للنصح ارْكَعُوا اى تواضعوا لأمر الله واخضعوا له سبحانه وانقادوا لحكمه وصلوا نحوه متذللين وهم لا يَرْكَعُونَ من غاية استكبارهم واستعظامهم ولا يمتثلون لحكم الله وأوامر رسله ولا يطيعونهم تعنتا وعنادا بل يكذبونهم ويستهزؤن بهم لذلك يحل عليهم
وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ المستهزئين برسل الله الظاهرين عليهم بالإساءة والاستكبار المنكرين المكذبين بعموم ما نزل عليهم من الكتب المبينة لمعالم الدين ومراسم التوحيد واليقين بعد ما لم يؤمنوا أولئك الضالون المكذبون بهذا الكتاب المبين المبين بطريق الحق ومنهج الصدق والصواب
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ وكلام مصلح مرشد هادلهم منقذ إياهم من الضلال بَعْدَهُ اى بعد القرآن يُؤْمِنُونَ أولئك المنكرون المعاندون المفسدون المفرطون. جعلنا الله ممن آمن به وامتثل لما فيه وتفطن برموزه وإشاراته بمنه وجوده
خاتمة سورة المرسلات
عليك ايها الموحد المحمدي القاصد لسلوك طريق الهداية والتوفيق العازم والجازم على التحقق والتمكن في مقعد صدق التوحيد والتحقيق يسر الله عليك مبتغاك وأوصلك الى غاية متمناك ان تتمسك بالحبل المتين القرآنى وتتشبث بأذيال هدايته وإرشاده وتمتثل بما فيه من الأوامر والنواهي والاحكام الموردة كي تتفطن أنت بما رمز فيه وأشير اليه من المعارف والحقائق المصفية لسرك عن الالتفات الى ما سوى الحق المعدة قلبك لفيضان الكشف والشهود فلك ان تتبتل الى الله حسب استعدادك وتتخلق بالأخلاق المحمدية التي هي القرآن المنزل الموروث الموهوب له من ربه
стр. 1054
مقدار ما يسر الله لك وقدره لأجلك في حضرة علمه والتوفيق بيد الله والهداية من عنده يهدى من يشاء الى صراط مستقيم
[سورة النبإ]
فاتحة سورة النبأ
لا يخفى على من انكشف له سرائر التكاليف الإلهية وحكم الاحكام الموردة من لدنه سبحانه ومصالح الأوامر والنواهي الناشئة من قدس ذاته ان مقتضى الألوهية والربوبية تربية المربوب وتأديبه بتحميل المتاعب والمشاق المانعة عن مقتضيات الهوى ومتابعة شياطين الأوهام والخيالات الباطلة التي هي جنود النفس الامارة بالسوء إياه وبعد ما لم يمتنع من مقتضيات القوى الطبيعية ولم يأت بالطاعات والعبادات المكلفة المأمور بها من قبل مربيه لم يعتدل على صراط العدالة الإلهية ولم يستقم له الوصول الى روضة الرضاء وجنة النعيم فالحكمة الإلهية تقتضي ان يعذبه بالعذاب الأليم ويدخله في نار الجحيم ابدا مؤبدا خالدا مخلدا لذلك وضع سبحانه بمقتضى حكمته نشأتين نشأة الاختبار والابتلاء ونشأة الانتقاد والجزاء فجعل الاولى منزل العبور والاعتبار والاخرى دار الثبوت والقرار فالعاقل العارف لا بد وان يؤمن ويوقن بكلتيهما ويستعد في أولاهما لاخريهما ومن اغتر بالأولى وشغل بها عن الاخرى فقد لحق بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ولكمال ظهور امارات النشأة الاخرى ووضوح براهين وقوعها وقيامها الى حيث يتساءلون مترددين مستبعدين ويتقاولون فيما بينهم بخبر وقوعها وقيامها ويتداولونها على سبيل المراء والاستهزاء فقال سبحانه بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على عموم ما ظهر وبطن حسب النشأتين الرَّحْمنِ للكل حسب النشأة الاولى الرَّحِيمِ لخواص عباده حسب النشأة الاخرى
[الآيات]
عَمَّ اى عن ما وعن اىّ شأن وامر يَتَساءَلُونَ ويتقاولون فيما بينهم مراء ومجادلة
عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ
الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ اى هم يختلفون في قيام الساعة الموعودة لتنقيد اعمال العباد والجزاء عليهم على وفقها مع ان امره اظهر من ان يشك فيه ويسأل عنه ويستهزأ به ويختلف فيه وفي وقوعه فلأى شأن وامر يختلفون ويترددون أولئك المسرفون المترددون
كَلَّا وحاشا من اين يتأتى لهم إنكاره والتساؤل فيه والتقاول في شأنه على وجه المراء مع انهم سَيَعْلَمُونَ عن قريب قيامه ووقوعه بل قربه اقرب إليهم من رجع الطرف ولمح البصر بل هو اقرب
ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ حين ينزل عليهم بغتة وهم لا يشعرون وبالجملة من اين يتأتى لهم انكار يوم البعث والجزاء هل ينكرون قدرتنا الكاملة على أمثاله أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً لهم ممهدة ينتشرون عليها ويستريحون فيها وَنجعل الْجِبالَ عليها أَوْتاداً تقريرا لها وتثبيتا
وَخَلَقْناكُمْ اى قدرنا أشباحكم ايها المكلفون أَزْواجاً أصنافا ذكرا وأنثى لتتآنسوا وتتناسلوا
وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ في خلال الليالى سُباتاً انقطاعا عن الاحساس والحركة ليحصل إرخاء الاعصاب والفضلات لتستريحوا بسببه ويزول كلال القوى وفتورها فتستمد بالاستراحة وتشتغل بافعالها في النهار بجرأة تامة وقوة كاملة
وَبالجملة قد جَعَلْنَا اللَّيْلَ لكم لِباساً غطاء وغشاء تستترون فيه وتختفون به فيما فيه إخفاء مطلوبكم
وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً لكم وقتا تطلبون فيه ما تعيشون به من حوائجكم ومطعوماتكم وملبوساتكم
وَ
стр. 1055
كذا قد بَنَيْنا بكمال قدرتنا ومتانة حكمتنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً طباقا شِداداً أقوياء محكمات مستحكمات لا يتأثرن بمر الدهور وكر الأعصار كسائر الابنية
وَجَعَلْنا في خلالها سِراجاً مضيئا متلألأ متشعشعا وَهَّاجاً حارا سخينا في غاية السخونة عند الانعكاس لتنضيج ما تحتاجون اليه في امور معاشكم
وَأَنْزَلْنا ايضا تتميما لتربيتكم وتربية معيشتكم مِنَ السحب الْمُعْصِراتِ بالرياح ماءً ثَجَّاجاً مطرا كثير الانصباب متتالى القطر
لِنُخْرِجَ بِهِ اى بالماء الماطر حَبًّا تقتاتون به وَنَباتاً تعتلف بها مواشيكم
وَجَنَّاتٍ متنزهات لكم وبساتين أَلْفافاً أشجارها وثمارها من كثرتها وكثافتها كل ذلك من المقدورات التي يتفطن منها العاقل المنصف على وقوع الحشر والنشر من الأمور الغيبة الموعودة في يوم الجزاء بل جميع المقدورات الداخلة تحت قبضة القدرة الإلهية إذ نسبة القدرة الكاملة الإلهية الى هذه المقدورات وأمثالها بل الى اضعافها وآلافها وكذا الى الأمور الموعودة فيها على السواء والارادة الكاملة الإلهية ترجح كلا منها عند حلول ما قدر الله له من الوقت والأجل وبالجملة من ترقى إدراكه عن مضيق الالف وخرق حجب الرسوم والعادات وخلص عن ظلمات الأوهام والخيالات العائقة عن الوصول الى وحدة الذات التي هي منبع عموم الخيرات ومنشأ جميع الكمالات قد انكشف له ولاح عنده ان امرى النشأة الاولى والاخرى وأمثالهما بل اضعافهما وآلافهما في جنب القدرة الغالبة الإلهية سهل يسير لكن المحجوب المحبوس في عالم المحسوس المقيد بعقال العقل المبهوت المشوب بالوهم المنحوس والخيال المزور المنكوس قد يتخيل حصر المظاهر والمجالى الإلهية بما لمع له من سراب عالم الطبيعة والهيولى لذلك وقع فيما وقع من البلوى وزلت قدمه في سبيل القرب من المولى. هب لنا من لدنك رحمة تنجينا عن أمثال هذه المهالك انك أنت الوهاب. ثم قال سبحانه
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ الفارق بين اصحاب الحيرة والضلال وارباب العناية والوصال قد كانَ له مِيقاتاً وقتا معينا في حضرة علم الله مقدرا في لوح قضائه لم يطلع أحدا عليه وعلى تعيينه بل أخبرهم باماراته وعلاماته اذكر يا أكمل الرسل
يَوْمَ اى يوم إذ حل فيه وقت الفصل وقيام الساعة وحينئذ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ النفخة الاولى لبعث الموتى وإذا وصل لهم ذلك النداء والصداء فيخرجون من قبورهم حيارى وسكارى مبهوتين ثم ينفخ فيه ثانيا للحشر فَتَأْتُونَ المحشر أَفْواجاً فرقا فرقا وزمرا زمرا
وَفُتِحَتِ السَّماءُ اى قد خرقت وشقت يومئذ فَكانَتْ الخرق والشقوق لها أَبْواباً
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ اى قلعت عن وجه الأرض وتحركت فطارت اجزاؤها كالهباء نحو الهواء
فَكانَتْ أشكالها وهيآتها سَراباً اى كالسراب يلمع ويرى على صورة الجبال ولا حقيقة لها كما هي الآن كذلك عند العارف المكاشف بحقيقتها وبالجملة
إِنَّ جَهَنَّمَ يومئذ قد كانَتْ مِرْصاداً مرصدا ومعبرا لعموم العباد يعبر منها اهل الجنة على تفاوت طبقاتهم سرعة وبطأ مترتبين على تفاوت أعمالهم وأحوالهم ومواجيدهم ومقاماتهم ومنهم من لا يلتفت نحوها ولا يدركها اين هي وان عبرها ومنهم من يعبرها كالبرق الخاطف ثم الأمثل فالأمثل فينجون من غوائلها ويسقط فيها اهل النار ويغلون باغلالها وسلاسلها فتصير
لِلطَّاغِينَ المصرين على طغيانهم وكفرهم مَآباً مرجعا ومأوى لا يخرجون منها أصلا بل يكونون
لابِثِينَ ماكثين فِيها أَحْقاباً وأى احقاب أحقابا لا كاحقاب الدنيا بل لا نهاية لها ولا غاية لحدها فذكرها كناية عن عدم التناهى وهم
لا يَذُوقُونَ فِيها في جهنم
следующие страницы →