← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

العدل والإحسان الْعَزِيزُ الغالب القادر المقتدر على عموم مراداته ومقدوراته على سبيل الفضل والامتنان الْجَبَّارُ على عموم من خرج عن ربقة رقيته وعروة عبوديته بالإنكار والطغيان الْمُتَكَبِّرُ المتنزه المتعالي عن كل امر يشينه من العجز والنقصان وبالجملة سُبْحانَ اللَّهِ اى تنزه وتعالى شأنه عن مطلق الشين والنقصان سيما عَمَّا يُشْرِكُونَ ويثبتون له المشركون المفرطون علوا كبيرا وكيف يشركون له غيره أولئك المفسدون المسرفون مع انه سبحانه هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ المتوحد المستقل بخلق الأشياء وتقديرها وإظهارها من كتم العدم ثم حسب حكمته المتقنة البالغة بالإرادة والاختيار الْبارِئُ الموجد لها بمقتضى اسمه الرحمن بلا تفاوت ونقصان الْمُصَوِّرُ الذي يصور الأشياء وأشكالها وأشباحها وهياكلها على أبدع شأن وابلغ نظام وبالجملة لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى التي لا تعد ولا تحصى يتجلى سبحانه على مقتضاها في كل آن لا يسبقها شأن مثله ولا يلحقها شأن كذلك وبالجملة لا يشغله شأن عن شأن لذلك يُسَبِّحُ لَهُ مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وينزهه على الدوام عن كل ما لا يليق بشأنه وَبالجملة هُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر على عموم ما أحاط به حضرة علمه المحيط الْحَكِيمُ المدبر المتقن عموم أفعاله وآثاره على مقتضى علمه وإراداته بلا مدافعة احد ومظاهرته. جعلنا الله وإياكم ممن تحقق بوحدة ذاته سبحانه وانكشف بكمالات أسمائه وصفاته بمنه وجوده خاتمة سورة الحشر عليك ايها السالك المتحقق بمقر التوحيد المنكشف بوحدة الذات وبكمالات الأسماء والصفات الذاتية الإلهية مكنك الله في مقر عزك بلا تذبذب وتلوين ان تطالع آثار أسمائه الحسنى وصفاته العليا على صفائح الكائنات الغيبية والشهادية وتعتبر منها حسب استعدادك وقابليتك المودعة فيك من قبل الحق وإياك إياك ان تنحرف عن جادة العدالة الشرعية التي هي منتخبة عن العدالة الإلهية الواقعة بين مقتضيات أسمائه الذاتية وصفاته الفعلية ولك ان تطابق وتوافق عموم أعمالك واخلاقك واطوارك عليها بحيث لا تهمل شيأ من دقائقها ورقائقها إذ بقدر إهمالك من حدودها وأحكامها قد أحطت عن درجة التوحيد ومرتبة ارباب الوحدة الذاتية التي هي مرتبة الإنسان الكامل إذ الشريعة انما هي الوقاية الموضوعة بالوضع الإلهي بين الأنام ليوفقهم الحق بها الى دار السلام التي هي مقعد صدق الرضا والتسليم الذي هو أعلى مقامات العارفين وأقصى حالات الموحدين المكاشفين. هدانا الله وعموم عباده الى سواء السبيل وأعاذنا الله وإياهم عن الانحراف والتحويل بلطفه الجميل وكرمه الجزيل وهو حسبنا ونعم الوكيل [سورة الممتحنة] فاتحة سورة الممتحنة لا يخفى على من تمكن بمقام التوحيد وانكشف بسرائر الوحدة الذاتية مقدار ما يسر الله له ووفقه عليه فضلا منه سبحانه وطولا ان من تقرر في مقر عز الوحدة لا بد ان يجتنب عن اصحاب الغفلة والكثرة المترددين في اودية الضلال بأنواع الحيرة والحسرة ويعيشون في بقعة الإمكان بأنواع الخيبة والخذلان فلا بد لأرباب التمكن والرسوخ من الموحدين المخلصين ان لا يصاحبوا معهم ولا يوالوهم موالاتهم مع الموحدين ولا يلتفتوا إليهم والى عموم أطوارهم وأحوالهم إذ عدوى البليد الى الجليد

стр. 982

سريعة ولوازم الإمكان مشتركة وغواشي البشرية سارية وطلسمات الطبيعة البهيمية والقوى البشرية سارقة لذلك اوصى سبحانه خلص عباده المؤمنين الموحدين بما اوصى في هذه السورة ونهاهم عما نهاهم في محبة الأعداء وموالاتهم معهم في السراء والضراء فقال مناديا لهم بعد التيمن باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ المصلح لأحوال عبادة في عموم الأحوال الرَّحْمنِ عليهم بحفظهم عن سوء الأخلاق والأعمال الرَّحِيمِ لهم يوقظهم عن منام الغفلة ويوصلهم الى فضاء الوصال [الآيات] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى اتصافكم بالإيمان بالله وبوحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته انه لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وهم الذين خرجوا عن عروة عبوديتي بإثبات الوجود لغيري وَعَدُوَّكُمْ إذ عداوتهم إياي مستلزمة بعداوتهم إياكم ايضا إذ صديق العدو عدو كعدو الصديق أَوْلِياءَ أحباء بحيث توالون أنتم معهم موالاتكم مع احبائكم من المؤمنين وتظهرون محبتهم ومودتهم بحيث تُلْقُونَ وترسلون إِلَيْهِمْ رسالة مشعرة بِالْمَوَدَّةِ الخالصة المنبئة عن افراط المحبة والإخاء وَالحال انه هم قَدْ كَفَرُوا واعرضوا وانصرفوا بِما جاءَكُمْ اى بعموم ما قد نزل على رسولكم مِنَ الْحَقِّ الحقيق بالاطاعة والاتباع وبالغوا في الاعراض والإنكار الى حيث يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ اصالة وَإِيَّاكُمْ تبعا من بينهم بواسطة أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ الذي رباكم على فطرة التوحيد والايمان وبقبولكم دين الإسلام من النبي المبعوث الى كافة الأنام ليرشدهم الى دار السلام وبالجملة إِنْ كُنْتُمْ ايها المؤمنون الموحدون خَرَجْتُمْ عن أوطانكم وبقاع إمكانكم جِهاداً اى لأجل الجهاد والقتال فِي سَبِيلِي اى لتقوية طريق توحيدي وترويج ديني وإعلاء كلمة توحيدي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي في امتثال امرى واطاعة حكمى فلزمكم ترك موالاة أعدائي والمواخاة معهم مع انكم أنتم قد تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ وتميلون نحوهم سرا وخفية بِالْمَوَدَّةِ ظنا منكم ان لا اطلع على ما في سرائركم وضمائركم من محبة الأعداء ومودتهم وَالحال انه أَنَا أَعْلَمُ منكم بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ اى بعموم ما تسرون وما تعلنون وَبالجملة مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ اى الاتخاذ المذكور فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ اى قد انحرف عن جادة العدالة الإلهية وانصرف عن الصراط المستقيم الموصل الى مقصد التوحيد وبالغ في الانحراف والانصراف واعلموا ايها المؤمنون انكم وان بالغتم في اظهار المحبة والمودة بالنسبة إليهم لا تنفعكم إذ هم بمكان من العداوة والخصومة بحيث إِنْ يَثْقَفُوكُمْ ويظفروا بكم بالفرض والتقدير يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً البتة بل يظهروا العداوة حينئذ وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ اى بالقتل والأسر وقطع العضو والشتم المفرط وانواع الوقاحة وَكيف لا وهم في أنفسهم دائما قد وَدُّوا وتمنوا لَوْ تَكْفُرُونَ أنتم وترتدون عن دينكم ونبيكم حتى تلتحقوا بهم وتتصفوا بكفرهم وبالجملة عليكم ايها المؤمنون ان لا تبالوا بأقاربكم وأرحامكم من الكفرة ولا تلتفتوا نحوهم إذ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ لا اقرباؤكم وَلا أَوْلادُكُمْ الذين أنتم توالون المشركين لأجلهم وتوادون معهم من جهتهم يَوْمَ الْقِيامَةِ المعدة لتنقيد الأعمال الصادرة عن كل نفس من النفوس خيرة كانت او شريرة إذ الله يَفْصِلُ ويفرق بَيْنَكُمْ يومئذ ويميزكم عنهم فيجازى كلا منكم حسب ما كسب واقترف خيرا كان او شرا وَاللَّهُ المطلع على عموم افعال عباده بِما تَعْمَلُونَ من الحسنات والسيئات بَصِيرٌ يجازيكم عليه بمقتضى بصارته وخبرته ولا تستنكفوا عن حكم الله إياكم بقطع أرحامكم الكفرة وأقاربكم المشركين إذ قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ وقدوة حَسَنَةٌ

стр. 983

صالحة لائقة لان يؤتسى ويقتدى بها وقد كانت لكم تلك القدوة نازلة فِي شأن إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين المسترشدين منه المتدينين بدينه وقد كانوا يقولون بمقتضى تلك الأسوة الحسنة وقت إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ الذين هم أقاربهم وأرحامهم الكفرة وعبدة الأوثان إِنَّا بعد ما كوشفنا بوحدة الحق بُرَآؤُا مِنْكُمْ من انفسكم ومما ينتمى إليكم من ذوى ملتكم نحن بريئون عن مودتكم وخلطتكم مبرئون عن موانستكم ومواخاتكم مطلقا لانهماككم في الشرك والطغيان وَنحن ايضا برآء مِمَّا تَعْبُدُونَ وبعموم ما ترجعون نحوه في الخطوب والملمات مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام والأوثان الباطلة العاطلة وبالجملة نحن قد كَفَرْنا بِكُمْ وبمعبوداتكم الباطلة العاطلة مطلقا وَبعد اليوم قد بَدا وظهر بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً لا نصالح ولا نواسى معكم أصلا إذ لا مناسبة بيننا وبينكم حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وتتبرءوا عن معبوداتكم الباطلة مطلقا مثل تبرئنا فعليكم ايها المؤمنون اليوم ان تأتسوا وتقتدوا لجميع ما قال ابراهيم ﵇ ومن تبعه لقومهم فيما مضى إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ ﵇ لِأَبِيهِ الكافر لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ من الله الغفور يا ابى وبالجملة اقتدوا ايها المؤمنون بعموم اطوار ابراهيم ﵇ وأقواله سوى هذا القول لأبيه حال كونه معتذرا منه بقوله وَما أَمْلِكُ لَكَ اى ما اقدر وما ادفع منك يا ابى مِنْ غضب اللَّهِ المنتقم الغيور مِنْ شَيْءٍ قد نزل عليك من العذاب بمقتضى قهره وسخطه سبحانه سوى الاستغفار والشفاعة لأجلك ان قبل الملك الغفار منى وايضا انما صدر هذا القول من الخليل ﵇ قبل ورود النهى له عن ودادة اهل الكفر او صدر عنه ﵇ هذا القول انجازا لموعدة وعدها إياه وبعد ما أمرتم أنتم ايها المؤمنون الموحدون المحمديون بمحبة الله وبمحبة رسوله والذين آمنوا له وتدينوا بدينه ونهيتم عن مودة الأعداء وموالاتهم وعن مواساة أخلاقهم وأطوارهم قولوا مسترجين الى الله مناجين معه رَبَّنا يا من ربانا على فطرة التوحيد والإسلام عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا في كل الأمور بلا رؤية الوسائل والأسباب العادية في البين ثقة بك واعتمادا عليك وَإِلَيْكَ أَنَبْنا قد عدنا ورجعنا في الخطوب وعموم الملمات إليك لا الى غيرك من الأسباب العادية وَوبالجملة إِلَيْكَ الْمَصِيرُ اى مرجع كل الوسائل والأسباب إليك كما ان مصدره منك إذ لا موجود سواك ولا مقصد غيرك وبعد ما مكنتنا في مقر توحيدك يا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا بان تسلطهم علينا فيفتنوا بنا ويصيبونا بعذاب لا طاقة بحمله وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا ما فرطنا بمقتضى بشريتنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب القادر المقتدر على وجوه الانعام والانتقام الْحَكِيمُ المتقن في تدبير مصالح العباد وفي عموم ما جرى عليهم في المعاش والمعاد. ثم بالغ سبحانه في توصية تلك التأسى والاقتداء بملة ابراهيم ﵇ وقدوته فقال مؤكدا بالقسم والله لَقَدْ كانَ لَكُمْ ايها المؤمنون فِيهِمْ اى في ملة ابراهيم وأخلاقه واخلاق من آمن له وتدين بدينه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وقدوة صالحة لان يؤتسى بها ويقتدى عليها لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ اى تحقق برضاه والتسليم بقضاه وَايضا يرجو الْيَوْمَ الْآخِرَ ليتمكن فيه عند مولاه ويصل بعموم ما أعد له ربه وهيأه وَمَنْ يَتَوَلَّ ويعرض عن الله ولم يؤمن بالوقوف بين يدي الله فلن يضر الله شيأ فَإِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء هُوَ الْغَنِيُّ المستغنى بذاته لا احتياج له الى رجاءات الراجين ومناجاتهم إياه الْحَمِيدُ حسب أسمائه وصفاته الكاملة الكائنة في ذاته بلا افتقار له الى حمد

стр. 984

الحامدين وشكر الشاكرين. ثم لما ورد النهى الإلهي على وجه المبالغة والتأكيد عن موالاة ذوى الأرحام والأقارب من الكفرة تبرأ المؤمنون عن أقاربهم وعشائرهم المشركين حتما وعادوا معهم ظاهرا الا انهم قد اضمروا في نفوسهم حزنا وتغمموا غما فوعد لهم سبحانه ايمان أقاربهم تسلية لهم وازالة لحزنهم فقال عَسَى اللَّهُ المنعم المفضل أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ ايها المؤمنون وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً صادقة ومحبة خالصة جامعة بينكم وبينهم ألا وهي الإسلام المسقط لعموم الآثام والاجرام وَاللَّهُ المطلع على ما في استعدادات عباده قَدِيرٌ على ذلك الجمع المستلزم للمودة الخالصة والمحبة الحنيفية وَبالجملة اللَّهُ القادر المقتدر على عموم المقدورات غَفُورٌ لفرطاتكم التي صدرت عنكم ايها المكلفون رَحِيمٌ يقبل منكم توبتكم ويرحمكم بمقتضى سعة رحمته وجوده ثم لما تحرج المؤمنون عن موالاتهم مع اقربائهم الكفرة وذوى أرحامهم المشركين بحيث قد قدمت قبيلة بنت عبد العزى مشركة على بنتها اسماء بنت ابى بكر بهدايا فلم تأذنها بالدخول ولم تقبل منها هديتها فنزلت لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ العليم الحكيم عَنِ مخالطة المشركين الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ولم يأمر عليكم أَنْ تَبَرُّوهُمْ وتحسنوا إليهم وتميلوا نحوهم إذ لا سبب للنهى عن ودادة هؤلاء وَعليكم ان تُقْسِطُوا وتميلوا إِلَيْهِمْ بمقتضى القسط والعدل الإلهي الموضوع بينكم بالوضع الإلهي إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ المعتدلين في عموم الأحوال والأطوار سيما على ذوى القربى بل إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ العليم الحكيم عَنِ موالاة اقربائكم الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ يعنى مكة شرفها الله وَينهاكم ايضا عن موالاة أقاربكم الذين قد ظاهَرُوا أعانوا ونصروا عَلى إِخْراجِكُمْ منها وان لم يباشروا بجوارحهم لكن قد عاونوا على المباشرين المخرجين بالقول والمال وإيقاع الفتنة لذلك نهاكم سبحانه أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وتختلطوا معهم وتوالوهم اى مع المخرجين والمعاونين وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ منكم بعد ورود النهى فَأُولئِكَ المؤمنون الموالون معهم هُمُ الظَّالِمُونَ الخارجون عن مقتضى النهى الإلهي الوارد من لدنه سبحانه على وجه المبالغة والتأكيد فيستحقون الويل والعذاب الأليم بسبب خروجهم عن مقتضى النهى الإلهي. ثم قال سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ المذعنات للايمان حال كونهن مُهاجِراتٍ من قبل الكفار فَامْتَحِنُوهُنَّ واختبروهن وانظروا نحوهن بنور الله المقتبس من نور الايمان متفرسين هل تجدون مواطئة قلوبهن بألسنتهن مع انه اللَّهُ المطلع على ما في قلوبهن أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ وبعد ما تفرستم فيهن فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ وظننتموهن مُؤْمِناتٍ مخلصات فَلا تَرْجِعُوهُنَّ ولا تردوهن إِلَى الْكُفَّارِ حتى لا يصرن مرتدات وبالجملة بعد ظهور الايمان منهن لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ اى الأزواج الكفار وَلا هُمْ اى الأزواج الكفار يَحِلُّونَ لَهُنَّ لاختلافهما في الدين وَبعد ما حفظتموهن وحكمتم عليهن بالإيمان ان جاء أزواجهن في طلبهن آتُوهُمْ واعطوهم اى أنتم ايها المؤمنون لأزواجهم ما أَنْفَقُوا أولئك الأزواج الكفار في حقهن من مهورهن وَبعد ما أتيتم وأعطيتم مهورهن لأزواجهن لا جُناحَ اى لا ضيق ولا حرج عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ اى مهورهن مرة اخرى مثل مهور سائر المؤمنات يعنى لا تحسبوا عليهن ما أعطيتم لأزواجهن من المهور وَبعد ما ثبت انه لا رخصة لكم في دينكم لرد المؤمنات المهاجرات الى الكفار لا تُمْسِكُوا ولا تبقوا ايضا أنتم ايها المؤمنون

стр. 985

أزواجكم الكافرات بِعِصَمِ الْكَوافِرِ اى لا تقيموا ولا تديموا عقود أزواجكم الكافرات الملحقات الى الكفار بل خلوا سبيلهن وطلقوهن وَسْئَلُوا منهن ما أَنْفَقْتُمْ لهن من المهور بعد ما لحقن بالكفار وَلْيَسْئَلُوا اى الكفار ايضا ما أَنْفَقُوا من المهور لأزواجهم المؤمنات المهاجرات الملحقات بكم منكم ايها المؤمنون ذلِكُمْ اى جميع ما ذكر في هذه الآية حُكْمُ اللَّهِ المدبر لمصالحكم يَحْكُمُ بهذا الحكم بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يحكم بما يقتضيه علمه وحكمته وَإِنْ فاتَكُمْ ايها المؤمنون شَيْءٌ مِنْ مهور أَزْواجِكُمْ بعد ما لحقن إِلَى الْكُفَّارِ ولم يؤدوا جميع مهورهن إليكم فَعاقَبْتُمْ بعد ذلك وغلبتم على الكفار المتمردين عن الأداء وأخذتم الغنائم منهم فآتوا واعطوا ايها الحكام المؤمنون قبل قسمة الغنائم ما بقي من حقوق المؤمنين الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ الى الكفار مِثْلَ ما أَنْفَقُوا في مهور أزواجهم الكافرات الملحقات الى الكفار وَاتَّقُوا ايها الحكام المؤمنون اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ولا تضيعوا حق أخيكم المؤمن. ثم قال سبحانه مناديا لنبيه على سبيل الإرشاد والتعليم يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ ويعاهدن معك ويقبلن منك مطلق الحقوق والحدود المعتبرة في الشرع سيما عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ الواحد الأحد الصمد المنزه عن الشريك والولد شَيْئاً من الإشراك وَلا يَسْرِقْنَ من حرز انسان ماله وَلا يَزْنِينَ سواء كن محصنات او غير محصنات وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ كاسقاط الجنين ووأد البنات وغيرهما وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ يعنى لا تأتى المرأة بشيء فاحش بحيث تقذف بولدها بانه ليس من زوجها بسبب ذلك الشيء الذي صدر عنها وبهت الناس بسببه ووقعوا في الافتراء لأجله وَبالجملة يبايعنك على ان لا يَعْصِينَكَ يا أكمل الرسل فِي مَعْرُوفٍ قد استحسنه العقل والشرع تأمرهن به إصلاحا لهن وإذا بايعن معك على ترك هذه الخصائل المذمومة فَبايِعْهُنَّ ايضا وعاهد معهن وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ الغفور الرحيم بما صدر منهن قبل البيعة إِنَّ اللَّهَ المطلع على ما في نياتهن من الإخلاص غَفُورٌ يغفرهن بعد ما اخلصن في الانابة رَحِيمٌ يقبل توبتهن. ثم لما واصل بعض فقراء المسلمين اليهود لينتفعوا من ثمارهم نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم ترك مواصلة اليهود ومصاحبتهم لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً قد غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بمقتضى قهره وجلاله يعنى عامة الكفرة والمشركين إذ هم قَدْ يَئِسُوا وقنطوا مِنَ الْآخِرَةِ مطلقا لذلك لم يؤمنوا بها وبما فيها من المواعيد والوعيدات الهائلة كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ يعنى مثل يأسهم من البعث واحوال الآخرة كيأسهم من حياة اصحاب القبور وخروجهم عنها احياء فعليكم ان لا تصاحبوا معهم ان كنتم مؤمنين مصدقين بها جعلنا الله من المصدقين الموقنين بيوم الدين وبعموم ما فيه خاتمة سورة الممتحنة عليك ايها الموحد المحمدي مكنك الله في مقر عز التوحيد واليقين وحفظك الله عن طريان التردد والتلوين ان لا تصاحب اهل الغفلة واصحاب الجهالات المنهمكين في بحار الأوهام والخيالات المورثة لهم من مقتضيات الإمكان المستلزم لانواع الخذلان فلك ان تلازم زاوية الخمول بالعفاف قانعا من الدنيا بالكفاف مجتنبا عن مخايل اصحاب الجزاف متوكلا على الصمد المعين متوجها نحوه في كل تحريك وتسكين راضيا بعموم ما جرى عليك من القضاء مطمئنا بما وصل إليك من الآلاء والنعماء شاكرا

стр. 986

لنعم الله في السراء والضراء مقتصدا بين الخوف والرجاء مفوضا عموم أمورك الى المولى متعطشا في جميع احوالك الى شرف اللقاء وما هذا الا التقوى والوصول الى الجنة المأوى وسدرة المنتهى. رزقنا الله وعموم عباده الوصول إليها والتحقق دونها بمنه وجوده [سورة الصف] فاتحة سورة الصف لا يخفى على من تحقق بمرتبة اليقين الحقي وتمكن عليها بعد ترقيه عن اليقين العلمي والعيني وخلص عن مطلق التلوين والتخمين وخاض في لجة بحر الوجود متصفا بأنواع الكشف والشهود وروى عن الحوض المورود ووصل الى المقام المحمود ان جميع ما صدر من أمثال هؤلاء الواصلين من الأعمال والأقوال وعموم المعاملات والأحوال انما هو على مقتضى الاعتدال مائلا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط إذ الواصلون انما هو المتخلقون بأخلاق الله المتصفون بأوصافه المعتدلة وأسمائه الغير المتبدلة والمؤمنون المخلصون لا بد وان يكون عموم مقاصدهم منتهيا الى الوصول بالوحدة الحقيقة الحقية والتحقق بالتخلق بعموم الأوصاف الذاتية بل توجه جميع المظاهر وتسبيحهم وتحننهم لأجل هذا المطلب الأعلى والمقصد الأقصى حقيقة ولكن لا يفقهون تسبيحهم الا قليلا لذلك اخبر سبحانه حبيبه ﷺ بتوجه عموم مظاهره نحوه طوعا ثم نادى المؤمنين بما نادى إرشادا لهم وإصلاحا لحالهم فقال بعد ما تيمن باسمه العزيز بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى على ما تجلى بمقتضى العدالة الرَّحْمنِ عليهم بوضع الميزان الموصل لهم الى دار السلام الرَّحِيمِ يوصلهم الى فضاء الوجوب بعد انخلاعهم عن لوازم الإمكان قد [الآيات] سَبَّحَ لِلَّهِ وتوجه نحوه بكمال التقديس والتنزيه عموم ما ظهر فِي السَّماواتِ اى فواعل العلويات وَما ظهر فِي الْأَرْضِ اى قوابل السفليات وَكذا المركبات والممتزجات الكائنة بينهما وكيف لا يتوجه نحوه عموم الموجودات إذ هُوَ الْعَزِيزُ الغالب على مطلق المرادات والمقدورات الْحَكِيمُ المتقن في جميع التقديرات والتدبيرات. ثم لما عاهد المسلمون مع الله عند رسول الله ﷺ وقالوا لو علمنا أحب الأعمال الى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فنزل ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله الآية فولوا يوم احد مدبرين منهزمين ولم يوفوا بعهدهم فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم الوفاء بالعهود لِمَ تَقُولُونَ وقت المعاهدة والميثاق مع الله ما لا تَفْعَلُونَ ولا توفونه وقت الوفاء واللقاء واعلموا ايها المؤمنون انه قد كَبُرَ مَقْتاً وعظم جريمة وذنبا عِنْدَ اللَّهِ المنتقم الغيور أَنْ تَقُولُوا وتعاهدوا معه سبحانه ما لا تَفْعَلُونَ في وقته ولا تنجزون المعهود والموعود وكيف لا إِنَّ اللَّهَ المفضل العليم الحكيم يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ لترويج دينه وإعلاء كلمة توحيده صَفًّا مصطفين متظاهرين متعاونين كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ منضد محكم مضموم بعضها مع بعض بحيث لا فرج فيها ولا شقوق ثم اعلموا ان عدم وفائكم بالعهود لا ينقص شيأ من عظمة الله كما ان وفاءكم بها لا تزيد فيها لكن نقضكم الميثاق يؤذى النبي وإيذاء النبي مستلزم لإيذاء الله وهو يستلزم بغضه سبحانه وأذاه ومقته وغضبه على المؤذى وَاذكر يا أكمل الرسل للمناقضين قصة تأذى أخيك موسى الكليم صلوات الله عليه من قومه وقت إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ حين رموه بالبغية وعيروه بالادرة يا قَوْمِ ناداهم وأضافهم الى نفسه على مقتضى ملاينة ارباب الرسالة مع أممهم لينزجروا عن سوء الأدب لِمَ تُؤْذُونَنِي بأمثال

стр. 987

هذه المفتريات الباطلة البعيدة بمراحل عن الصدق وَالحال انه قَدْ تَعْلَمُونَ أنتم يقينا بما جئت به من المعجزات الساطعة الدالة على صدقى في دعواي أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ المرسل من عنده بمقتضى وحيه إِلَيْكُمْ لأرشدكم الى سبيل الهداية الموصل الى معرفة الحق وتوحيده ومقتضى علمكم هذا ان لا تؤذوننى فلم تؤذوننى فَلَمَّا زاغُوا ومالوا عن الحق وانصرفوا عن مقتضى الفطرة الاصلية أَزاغَ اللَّهُ المقلب للقلوب قُلُوبَهُمْ وصرفها عن قبول الحق والميل اليه فانحرفوا نحو الباطل فضلوا عن سواء السبيل واستحقوا الويل العظيم والعذاب الأليم وَبالجملة اللَّهِ العليم الحكيم لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن مقتضى الفطرة الاصلية التي هي التحقق بمقام المعرفة والتوحيد وَاذكر لهم يا أكمل الرسل ايضا وقت إِذْ قالَ أخوك عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مناديا لقومه يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ قد أرسلني نحوكم لأرشدكم الى طريقه وصراط توحيده ولأكون انا في نفسي مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ المنزل من عنده سبحانه لضبط ظواهر الاحكام والأخلاق المستتبعة لتهذيب الباطن عن مطلق الزيغ والضلال المنافى لصفاء مشرب التوحيد وَمُبَشِّراً ايضا أبشركم بِرَسُولٍ اى ببعثة رسول كامل في الرسالة متمم لمكارم الأخلاق يَأْتِي مِنْ بَعْدِي مظهرا للتوحيد الذاتي خاتما لأمر النبوة والرسالة والتشريع اسْمُهُ أَحْمَدُ سمى به ﷺ لكون حمده أتم واشمل من حمد سائر الأنبياء والرسل إذ محامدهم لله انما هو بمقتضى توحيد الصفات والأفعال وحمده ﷺ انما هو بحسب توحيد الذات المستوعب لتوحيد الصفات والأفعال وبعد ما اظهر عيسى صلوات الله عليه وسلامه دعوته طالبوه بالبينة الدالة على صدقه فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ الواضحة والمعجزات الساطعة التي هي اكبر من معجزات موسى ﵇ ورأوا منه الخوارق التي ما اظهر مثلها من سائر الأنبياء بادروا الى تكذيبه مكابرة وعنادا حيث قالُوا هذا اى عيسى او ما جاء به من المعجزات سِحْرٌ مُبِينٌ ظاهر كونه سحرا او كامل في السحر الى حيث كأنه قد تجسم منه وليس تكذيبهم إياه صلوات الله عليه سيما بعد وضوح البرهان ونسبته الى شيء لا يليق بشأنه الا خروج عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة لأداء العبودية وَمَنْ أَظْلَمُ وأشد خروجا عن مقتضى الحدود الإلهية مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الحكيم المتقن في أفعاله الْكَذِبَ ونسب ما أنزله سبحانه من المعجزات الدالة على صدق رسوله المؤيد من عنده بالنفس القدسية المبعوث الى الناس ليرشدهم الى طريق توحيده وَالحال انه هُوَ اى المفترى الظالم يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ المتقدس عن جميع الآثام لو قبله وصدقه وامتثل بما فيه من الأوامر والنواهي وهو من غاية عتوه وعناده في موضع الاجابة ومحل القبول يرده ويكذبه وينسب معجزات الداعي الى السحر والشعبذة مراء وافتراء عدوانا وظلما وَبالجملة اللَّهِ المطلع على ما في استعدادات عباده لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الفطرة الاصلية الإلهية التي قد فطر الناس عليها ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون لذلك يخرجون وبالجملة ليس غرضهم عن هذا الافتراء والتكذيب بعد ثبوت الحجج والبراهين القاطعة الا انهم يُرِيدُونَ بفتنتهم هذه لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المتشعشع نوره من مطالع عموم الكائنات ومشارق جميع الذرات ألا وهو دين الإسلام المنزل على خير الأنام ليبين لهم توحيد الذات بِأَفْواهِهِمْ اى بمجرد قولهم الباطل الرهق الزائل بلا مستند عقل

стр. 988

او نقلي فكيف عن كشفى وشهودي وَاللَّهُ المتعزز برداء العظمة والكبرياء مُتِمُّ نُورِهِ مبالغ في اشاعة شرعه واذاعة دينه واشراقه غايتها وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ظهوره وشيوعه ارغاما لهم وإذلالا وكيف لا يتم سبحانه شيوع نور وحدته الذاتية مع انه هُوَ سبحانه المدبر الحكيم الَّذِي قد أَرْسَلَ رَسُولَهُ محمدا ﷺ لمصلحة هذا التتميم والتكميل وأيده بِالْهُدى والقرآن العظيم وَدِينِ الْحَقِّ القويم والملة الحنيفية السمحة البيضاء الموروثة له من جده ابراهيم الخليل الجليل صلوات الله عليهما وعلى اخوانهما من النبيين والصديقين والصالحين وانما أيده لِيُظْهِرَهُ ويغلبه اى الدين القويم المبين لصراط الحق وطريق توحيده الذاتي عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ اى على عموم الملل والأديان الواردة لبيان توحيد الصفات والأفعال وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ظهور توحيد الحق على هذا الوجه لما فيه من قطع عرق الشرك مطلقا عن أصله جليا كان او خفيا. ثم قال سبحانه بعد ما أشار الى ظهور دين الإسلام وإعلاء كلمة التوحيد حثا على المؤمنين وترغيبا لهم الى ترويج الدين القويم الذي هو الصراط المستقيم الموصل الى مرتبة حق اليقين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ كأنه قيل ما التجارة المنقذة المنجية قال سبحانه لبيانه تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مع اعداء الله سيما مع أعدى عدوكم الذي هو جنود امارتكم لترويج دينه وإعلاء كلمة توحيده بِأَمْوالِكُمْ اى ببذلها في الخطوب والملمات وَأَنْفُسِكُمْ بالاقتحام على الحروب في المقاتلات ذلِكُمْ الذي ذكر من الايمان والجهاد خَيْرٌ لَكُمْ ونفعه عائد إليكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما هو أصلح لكم وانفع في نشأتكم الاولى والاخرى وان تؤمنوا بالله وتصدقوا رسله وتجاهدوا في سبيله يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ التي صدرت عنكم قبل ذلكم وَبعد ما غفر سبحانه ذنوبكم يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق المترشحة من بحر الحياة التي هي حضرة العلم المحيط الإلهي وَمَساكِنَ طَيِّبَةً من الحالات والمقامات السنية والدرجات العلية فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ التي هي المعرفة واليقين مصونة عن شوب الشك وريب التخمين ذلِكَ الستر والإدخال هو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والفضل الكريم على ارباب المعرفة واليقين من الله العزيز العليم وَلكم ايضا ايها المعتبرون المجاهدون في ترويج دين الحق عنده سبحانه نعمة أُخْرى من النعم التي تُحِبُّونَها أنتم ألا وهي نَصْرٌ نازل مِنَ اللَّهِ العزيز الحكيم عليكم بحيث يغلبكم على عموم أعدائكم وَفَتْحٌ قَرِيبٌ في العاجل وَبالجملة بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ المجاهدين يا أكمل الرسل بأنواع البشارة الدنيوية والاخروية. ثم قال سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم نصرة دين الله وتقوية رسوله كُونُوا بأموالكم وانفسكم أَنْصارَ اللَّهِ وأنصار رسول الله وقولوا في مقابلة النبي ﵇ كما قال الحواريون في مقابلة عيسى ﵇ وحكاه الله عنهم بقوله كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مختبرا إخلاصهم واختصاصهم ومحبتهم ونهاية مرتبتهم في اليقين ودرجتهم في أعلى عليين مَنْ أَنْصارِي وأعواني في توجهي إِلَى اللَّهِ والى انتشار توحيده بين اظلاله المستمدين من اظلال أوصافه وأسمائه وبعد ما سمعوا قالَ الْحَوارِيُّونَ من كمال انكشافهم بالله وبتوحيده ومن تحققهم في مقام الشهود وتمكنهم فيه نَحْنُ الفانون في الله الباقون ببقائه المستغرقون بمطالعة لقائه أَنْصارَ اللَّهِ واحباؤه إذ لا مرجع لنا سواه ولا مقصد الا إياه والحواريون

стр. 989

هم أول من آمن بعيسى ﵇ من الحور وهو البياض وهم اثنا عشر سموا به لصفاء عقائدهم عن التردد والتلوين وبعد ما اظهر عيسى ﵇ دعوته بين الأنام فَآمَنَتْ به ﵇ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ به ﵇ طائِفَةٌ اخرى منهم وبعد وقوع الخلاف والاختلاف فَأَيَّدْنَا وغلبنا الطائفة الَّذِينَ آمَنُوا منهم عَلى عَدُوِّهِمْ يعنى الطائفة الذين كفروا به ﵇ فَأَصْبَحُوا وصاروا اى الطائفة المؤمنون ظاهِرِينَ غالبين على الطائفة الكفرة بالحراب والزام الحجة ألا ان حزب الله هم الغالبون خاتمة سورة الصف عليك ايها الموحد المحمدي المنجذب نحو الحق المنخرط في سلك ارباب التوحيد الملقبين بأنصار الله المهاجرين عن كورة بقعة الناسوت نحو مدينة الوحدة اللاهوتية وسواد أعظم الفقراء اعانك الله الى ان تصل أقصى مرامك وأعلى مطلبك ومقامك ان تجمع همك وتشمر ذيلك لسلوك سبيل الفناء من طريق الموت الإرادي المثمر للفناء المطلق عن الفناء ايضا لتفوز بالبقاء الأزلي السرمدي ألا وهي طريقة الحضرة الختمية المحمدية المبعوث الى كافة البرية لبيان طريق التوحيد الذاتي المسقط بجميع الكثرات والإضافات مطلقا فلك ان تصفى سرك وضميرك عن نقوش مطلق المعتقدات وصور عموم الرسوم والعادات المنافية لصرافة الوحدة الذاتية وتقتفى اثر نبيك ﷺ أمثال الحواريين اثر نبيهم ﵇ بلا شوب شك وريب وتقليد وتخمين لينكشف لك طريق المعرفة واليقين بعد توفيق الله وجذب من جانبه وطول خدمته الشريفة النبوية والنواميس المصطفوية وإياك إياك الالتفات الى الدنيا الدنية وما فيها من اللذات البهية البهيمية ليمكن لك التصفية والتخلية التي هي مقدمة الكشف والشهود. هدانا الله الى سبيل توحيده بمنه وجوده [سورة الجمعة] فاتحة سورة الجمعة لا يخفى على من انكشف له سرائر مرتبتي النبوة والولاية المنشعبتين عن حضرة العلم ولوح قضائه المشتمل على عموم ما كان ويكون وقلم تقديره المصور لنقوش عموم العكوس والاظلال الظاهرة على مرآة العدم حسب الارادة الكاملة والحكمة البالغة الباهرة الإلهية المقتضية لها ان ظهور هاتين المرتبتين انما هو بالوهب الإلهي وبمقتضى الفضل والعطاء بلا وسائل الاكتساب بالآلات والأسباب على مقتضى جرى العادة في تحصيل العلوم الرسمية الحاصلة باستعمال القوى المدركة الانسانية لذلك اخبر سبحانه عن كمال قدرته على بعث الرسول الأمي الأكمل من جميع الرسل على الأميين بلا وسائل الإملاء والإنشاء وختم ببعثته ﷺ امر الإرشاد والتكميل الذي هو المقصود الأصلي من مرتبة النبوة والرسالة. فقال سبحانه بعد ما نبه على اهل التوحيد برجوع عموم الكائنات نحوه سبحانه بكمال التسبيح والتقديس عما لا يليق بشأنه بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي اظهر جميع الأشياء بكمال قدرته من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة الرَّحْمنِ على عموم الأكوان ببعث الرسل من نوع الإنسان المصور بصورة الرحمن الرَّحِيمِ لهم يهديهم الى روض الجنان ويشوقهم بلقاء الحنان المنان لذلك [الآيات] يُسَبِّحُ ويقدس لِلَّهِ الواحد الأحد المنزه عن مطلق التعدد والتحديد مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ

стр. 990

تسبيحا مقرونا بكمال التذلل والخضوع الْمَلِكِ المتسلط بالاستيلاء التام والسلطنة القاهرة الغالبة على مملكة الوجود الْقُدُّوسِ المطهر المنزه ذاته عن سمة الحدوث ووصمة الإمكان الْعَزِيزِ الغالب على عموم المقدورات بكمال الاستيلاء والاستقلال الْحَكِيمِ المتقن في مطلق التدابير الجارية في عالم التصاوير بلا فتور وقصور هُوَ الَّذِي بَعَثَ حسب قدرته الكاملة وحكمته البالغة فِي الْأُمِّيِّينَ المنسلخين عن مطلق الإملاء والإنشاء المشعر بالتدبر والتفكر بمقتضى العقل الفطري الموهوب لهم من لدن حكيم عليم رَسُولًا اميا أمثالهم منتشأ مِنْهُمْ وأيده بروح القدس بعد ما صفاه عن دنس الجهل واصطفاه من بين الملل وفضله على عموم ارباب النحل وكمله في المعارف والحقائق الإلهية بحيث يَتْلُوا عَلَيْهِمْ عموم آياتِهِ الدالة على وحدة ذاته وعلى كمالات أسمائه وصفاته وَيُزَكِّيهِمْ عن مطلق النقائض والآثام المنافية لدين الإسلام المبين للتوحيد الذاتي وَبالجملة يُعَلِّمُهُمُ بمقتضى الوحى الإلهي الْكِتابَ اى القرآن الجامع لما في الكتب السالفة من الحكم والاحكام على ابلغ بيان وأبدع نظام وَالْحِكْمَةَ اى الاحكام الشرعية المنتشئة من الحكمة المتقنة الإلهية المنزلة من عند الحكيم العلام وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ اى وانهم قد كانوا قبل بعثته ﷺ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وغواية ظاهرة لأنهم كانوا على فترة من الرسل وَلم يختص بعثته ﷺ بالأميين من الاعراب الموجودين عند مبعثه ﷺ بل تعم آخَرِينَ مِنْهُمْ اى عموم المكلفين لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ حين يتبعون بالأولين هكذا واقتفوا أثرهم الى يوم القيامة إذ قد ختم ببعثته ﷺ امر البعثة وكمل عند ظهوره ﷺ بنيان الدين القويم الذي هو صراط التوحيد الذاتي وَهُوَ سبحانه الْعَزِيزُ الغالب على عموم التقادير الْحَكِيمُ المطلق في جميع الأفعال والتدابير ذلِكَ اى التوحيد الذاتي الذي ظهر به ﷺ رحمة للعالمين فَضْلُ اللَّهِ العزيز الحكيم يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ من عباده بلا سبق الوسائل والأسباب العادية وَبالجملة اللَّهِ المتعزز برداء العظمة والكبرياء ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الذي لا يكتنه وصف فضله وطوله أصلا. ثم قال سبحانه تعريضا على الكفرة المنكرين لنبوة محمد ﷺ مع انه قد ورد في كتبهم المنزلة عليهم حليته ﷺ وهم مؤمنون بها مصدقون بجميع ما فيها سوى بعثته ﷺ وما جاء فيها من أوصافه ﷺ الدالة على علو شأنه ورفعة قدره ومكانه وبالجملة مَثَلُ القوم الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ اى علموها وكلفوا بما فيها من الأوامر والنواهي ومطلق الاحكام والمعتقدات المذكورة فيها ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ولم ينتفعوا بها ولم يصدقوا بما فيها سيما نعوت الحضرة الختمية الخاتمية المحمدية مثلهم في حمل التوراة وعدم امتثالهم بما فيها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً كتبا من العلم يجهلها ويتعب بثقلها ولا ينتفع بها أصلا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الدالة على عظمة ذاته ومتانة حكمه وحكمته في عموم مأموراته ومنهياته وَبالجملة اللَّهِ العليم الحكيم المتقن في عموم أفعاله لا يَهْدِي الى توحيده الذاتي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن عروة عبوديته بمتابعة شياطين اماراته قُلْ يا أكمل الرسل على سبيل التبكيت والإلزام نيابة عنا لليهود الذين يدعون محبته وولايته بقولهم نحن اولياء الله واحباؤه مناديا لهم متهكما معهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا وتهودوا إِنْ زَعَمْتُمْ وظننتم أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ

стр. 991

فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ المقرب لكم الى الله إذ الانتقال من دار الغرور الى دار السرور يقرب العباد الى الرحيم الغفور إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى المحبة والولاية فتمنوه وَالله يا أكمل الرسل لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً اى لا يتمنى احد منهم الموت أصلا وما سبب اعراضهم وانصرافهم عن الموت المقرب منه تعالى الا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ اى بشؤم ما قدموا واقترفوا بأنفسهم من الكفر والعصيان وانواع الفسوق والطغيان وَبالجملة اللَّهُ المطلع بما في استعدادات عباده عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ منهم وبما في ضمائرهم من محبة الحياة والقساوة المفرطة يجازيهم على مقتضى علمه قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما قد اعرضوا عن تمنى الموت وابتغائه طلبا لمرضاة الله وشوقا اليه سبحانه ايضا على وجه التبكيت والإلزام إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ وتخافون ان تمنوه بألسنتكم مخافة ان لا يلحقكم بل تفرون عن مجرد التلفظ به فكيف عن لحوقه فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ وملاصقكم ولاحق بكم حتما إذ كل نفس ذائقة كأس الموت وكل حي بالحياة لا بد وان يموت سوى الحي الحقيقي الذي لا يموت ولا يفوت ثُمَّ بعد ما تموتون تُرَدُّونَ تحشرون وتساقون نحو المحشر وتعرضون إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ بعلمه الحضوري يعنى بما صدر منكم وما خفى في ضمائركم ونياتكم فَيُنَبِّئُكُمْ ويخبركم يومئذ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من خير وشر فيجازيكم عليه. ثم لما تهاون المسلمون في امر الجمعة وتكاسلوا في الاجتماع قبل الصلاة بل انفضوا وانصرفوا عن الجامع حين خطب رسول الله ﷺ لما سمعوا صدا الملاهي المعهودة لمجيء العير على ما هو عادتهم دائما عاتبهم الله سبحانه وانزل عليهم الآية وناداهم نداء عتاب وخطاب حيث قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم المبادرة الى مطلق الطاعات والعبادات سيما إِذا نُودِيَ واذن لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ اى في يوم الجمعة الا وهو الأذان المعهود قبيل الخطبة فَاسْعَوْا مجيبين مسرعين إِلى سماع ذِكْرِ اللَّهِ في الخطبة والتذكيرات الواردة فيها وَذَرُوا الْبَيْعَ واتركوا المبايعة بعد سماع الأذان ذلِكُمْ اى ترك البيع والسعى نحو المسجد والانصراف اليه خَيْرٌ لَكُمْ وانفع في عقباكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ صلاحكم وفسادكم في اولاكم واخراكم فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ المكتوبة لكم يوم الجمعة مع الامام وأديت على وجهها فَانْتَشِرُوا فِي اقطار الْأَرْضِ وَابْتَغُوا واطلبوا حوائجكم مِنْ فَضْلِ اللَّهِ المنعم المتفضل يعطكموها حسب إحسانه وسعة جوده وانعامه وَاذْكُرُوا اللَّهَ ذكرا كَثِيراً في عموم أحوالكم وأعمالكم ولا تحصروا ولا تقصروا ذكره سبحانه في الصلاة المفروضة فقط بل اشتغلوا بذكره وشكره في عموم الأوقات والحالات بالقلب واللسان وسائر الجوارح والأركان إذ ما من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم الا قليلا وواظبوا عليه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وتفوزون بخير الدارين وصلاح النشأتين وَهم من غاية حرصهم على مقتضيات القوى البهيمية بعد ما كانوا في الجامع والخطيب على المنبر إِذا رَأَوْا وسمعوا تِجارَةً حاضرة يدور الناس حولها أَوْ سمعوا لَهْواً طبلا مخبرا لهم عن مجيء العير انْفَضُّوا إِلَيْها اى مالوا وانصرفوا نحوها مسرعين فخرجوا من الجامع سوى اثنى عشر رجلا وامرأة وَتَرَكُوكَ يا أكمل الرسل قائِماً على المنبر وبالجملة ما هي الا ثلمة قد حدثت في الدين المبين موجبة مقتضية للتهاون باحكام الشرع المتين قُلْ لهم يا أكمل الرسل ازالة لها ولما يتفرع عليها ما عِنْدَ اللَّهِ من المثوبات الاخروية الموجبة للدرجات العلية والمقامات السنية خَيْرٌ لكم

стр. 992

وأصلح بحالكم وأعظم نفعا وأبقى فائدة مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ إذ لا نفع لهما عند اهل الحق وان فرض فهو متاه زائل عن قريب بخلاف الكرامة الاخروية فإنها تدوم ابدا وَان عللوا انفضاضهم وخروجهم بتحصيل الرزق الصوري قل لهم يا أكمل الرسل اللَّهِ المظهر لكم من كتم العدم المدبر المربى لأشباحكم بما ليس في وسعكم خَيْرُ الرَّازِقِينَ يرزقكم من حيث لا تحسبون ان توكلتم عليه مخلصين وفوضتم أموركم كلها اليه سبحانه واثقين بكرمه العميم وجوده العظيم خاتمة سورة الجمعة عليك ايها الموحد الخائض في لجج بحر الوجود المتحقق بمقام الكشف والشهود مكنك الله في مقر عز الوحدة وجنبك عن الزيغ والضلال ان تتوكل على الله وتتخذه وكيلا وتفوض أمورك كلها اليه وتجعله حسيبا وكفيلا فعليك ان لا تشتغل في آن وشأن ولا تغفل عنه في حين من الأحيان سيما في امر الرزق الصوري المقدر من عند الله المدبر الحكيم لكل من دخل في حيطة الوجود وظهر على صورة الموجود فانه يصل على من يصل حسب ارادة الله ومشيته وإياك إياك ان تطلبه وتعتقده بالتجارة او السؤال بل لك ان تستعمل آلاتك الموهوبة لك من الله العليم الحكيم الى ما قد جبلت لأجله لتكون من زمرة الشاكرين المتوكلين وبالجملة الرزق على الله ولا تكن من القانطين واعبد ربك واشكره على آلائه ونعمائه حتى يأتيك اليقين وكن في عموم احوالك من الشاكرين المتوكلين [سورة المنافقين] فاتحة سورة المنافقين لا يخفى على من وصل الى مرتبة حق اليقين وتمكن في مقعد الصدق مع الموقنين الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ان الكذب والافتراء والجدال والمراء الواقع بين اصحاب الضلال والآراء الفاسدة الحادثة في عالم الكون والفساد انما هو من عدم الوصول الى كعبة الوجود وقبلة الواجد والموجود ومن عدم التمكن والتحقق والرسوخ التام في مقام الرضاء والتسليم الحاصل من كمال المعرفة واليقين والا فلا يصدر من ارباب الوصول واليقين أمثال هذه الجرائم المنبئة عن النفاق والشقاق المستلزم للجهل والغفلة عن الله الظاهر المتجلى في الأنفس والآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق ولهذا اخبر سبحانه حبيبه ﷺ بما اخبر من اخبار اهل النفاق ونبهه على ما نبه عليه من ضلالهم فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي قد أحاط علمه بما لا يتناهى من المعلومات الرَّحْمنِ على عموم عباده بأمر المعروف ونهى المنكرات الرَّحِيمِ لهم يهديهم الى سبيل السلامة وطريق النجاة [الآيات] إِذا جاءَكَ يا أكمل الرسل الْمُنافِقُونَ على وجه الملاينة والخداع تغريرا لك ولمن تبعك من المؤمنين حيث قالُوا مبالغين في اظهار الايمان مؤكدين نَشْهَدُ نقر ونعترف عن محض الوداد وصميم الفؤاد إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ قد أرسلك الحق على الحق بالحق لتبيين الحق وَبعد ما قد أكدوا شهادتهم بأنواع التواكيد بالغوا ايضا في التأكيد لتشييد تغريرهم وتزويرهم حيث قالوا اللَّهِ المطلع على عموم السرائر والخفايا يَعْلَمُ ويشهد إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَبالجملة هم وان بالغوا في شهادتهم الكاذبة على سبيل التلبيس والتزوير اللَّهِ المطلع على ما في ضمائرهم من النفاق والشقاق

стр. 993

يَشْهَدُ حتما إِنَّ الْمُنافِقِينَ المصرين على ما هم عليه من الكفر والإنكار لَكاذِبُونَ في شهادتهم المزورة الصادرة منهم على وجه المبالغة والتأكيد وبالجملة اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ المغلظة الحاصلة من شهادتهم المؤكدة بها جُنَّةً وجعلوها وقاية لأموالهم وأنفسهم فَصَدُّوا وصرفوا غزاة المسلمين بسبب ذلك الحلف الكاذب عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الذي هو قتالهم واسرهم ونهبهم وبالجملة إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الصد والنفاق والإصرار على الشقاق ذلِكَ اى اجتراؤهم على تلك الشهادة على وجه المراء والنفاق وإصرارهم على الكفر والشقاق بِأَنَّهُمْ آمَنُوا اى بسبب انهم آمنوا أولا بالله ورسوله وأقروا بألسنتهم بما ليس في قلوبهم على وجه النفاق صونا لأموالهم ودمائهم ثُمَّ كَفَرُوا بعد ما أمنوا من مكر المؤمنين فَطُبِعَ الكفر حينئذ عَلى قُلُوبِهِمْ ورسخ فيها واستحكم وبعد الطبع والتمرن فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ولا يفهمون حقية الايمان ولذته وصحته ولا باطلية الكفر وفساده وَبالجملة هم من غاية غفلتهم عن الله ونهاية عرائهم وخلوهم عن نور الايمان إِذا رَأَيْتَهُمْ يا أكمل الرسل تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ اى سمنها وضخامتها وَإِنْ يَقُولُوا ايضا كلاما تَسْمَعْ أنت لِقَوْلِهِمْ لفصاحتهم وحلاوة نظمهم الا انهم لخلوهم عن العلم اللدني والرشد الجبلي والصفاء الفطري الذاتي الذي هي عبارة عن نقود ارباب المحبة والولاء كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ يابسة فاقدة للقابلية الفطرية مُسَنَّدَةٌ على جواهر الجهل والبلادة ومع ذلك يَحْسَبُونَ يظنون ويترقبون من شدة شكيمتهم وغيظهم على المؤمنين كُلَّ صَيْحَةٍ واقعة عَلَيْهِمْ مسموعة لهم هُمُ الْعَدُوُّ يصيح عليهم ليهلكهم وبعد ما صار بغضهم مع المؤمنين ووهمهم ومخافتهم من العدو بهذه الحيثية فَاحْذَرْهُمْ يا أكمل الرسل واترك مصاحبتهم واحترز من غيلتهم وطغيانهم إذ الخائن الخائف ربما يصول بلا سبب وداع عليه وقل في شأنهم دعاء عليهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ المنتقم الغيور أَنَّى يُؤْفَكُونَ وكيف يصرفون ومن اين ينحرفون عن الحق الصريح الى الباطل الغير الصحيح مع انه لا ضرورة تلجئهم اليه وَمن شدة بغضهم وضغينتهم مع المؤمنين المخلصين إِذا قِيلَ لَهُمْ امحاضا للنصح تَعالَوْا هلموا ايها المسرفون المفرطون الى مجلس رسول الله ﷺ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ويطلب المغفرة لكم من العفو الغفور لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وعطفوا أعناقهم عن القبول معتذرين باعذار كاذبة مخافة وصونا وَرَأَيْتَهُمْ ايها الرائي حينئذ في وجوههم التي هي عنوان بواطنهم وقلوبهم آثار الكفر والعناد ظاهرة لذلك يَصُدُّونَ ويعرضون عن المؤمنين مسرعين معتذرين وَهُمْ في أنفسهم مُسْتَكْبِرُونَ عن القبول والاعتذار وبالجملة سَواءٌ عَلَيْهِمْ يا أكمل الرسل أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ من الله المنتقم الغيور أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ العليم الحكيم المتقن في عموم الأفعال ابدا إِنَّ اللَّهَ المطلع على ما في استعدادات عباده لا يَهْدِي ولا يرشد الى جادة توحيده الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ منهم الخارجين عن مقتضى الحدود الاسلامية وكيف يهديهم ويغفر لهم سبحانه مع انهم هُمُ القوم المسرفون الَّذِينَ يَقُولُونَ للأنصار من نهاية عداوتهم وبغضهم مع الرسول والمؤمنين لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ يعنون فقراء المهاجرين حَتَّى يَنْفَضُّوا وينتشروا بعد ما اضطروا من حوله وَلم يعلموا هؤلاء الغفلة الضالون والجهلة الهالكون في تيه الجهل والعناد ان لِلَّهِ وفي قبضة قدرته وتحت ضبطه وملكته خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى الكنوز المكنونة المطوية في ضمن العلويات

стр. 994

والمدفونة المخزونة في السفليات وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ المصرين على الكفر والعناد لا يَفْقَهُونَ كمال قدرة الله وسعة خزائن كرمه وجوده ومن نهاية غفلتهم عن الله وعداوتهم مع المؤمنين يَقُولُونَ على سبيل التهور والتهديد لَئِنْ رَجَعْنا من سفرنا هذا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ يريدون أنفسهم مِنْهَا اى المدينة الْأَذَلَّ يريدون المؤمنين وذلك ان أعرابيا من المهاجرين نازع أنصاريا في بعض الغزوات على ماء فضرب الأعرابي رأسه بخشبة فشكى الى ابن ابى وملائه فقالوا حينئذ لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وإذا رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وَلم يعلموا أولئك الغواة الطغاة الضالون في تيه العتو والعناد انه لِلَّهِ الْعِزَّةُ والقوة والغلبة اصالة وَلِرَسُولِهِ تبعا وَلِلْمُؤْمِنِينَ بمتابعة الرسول وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ عزته وعزة اهل الله لفرط جهلهم وغرورهم بأموالهم وأولادهم لذلك يحصرون العزة والقوة لأنفسهم. ثم قال سبحانه تسلية للمؤمنين مشتملة على نوع من التعريض والحث والترغيب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم ان لا تلتفتوا لعزة الدنيا ولا تغتروا بكثرة الأموال والأولاد فيها لا تُلْهِكُمْ ولا تشغلكم أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعن التوجه نحوه والركون اليه في مطلق الأحوال وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ والتفت الى مزخرفات الدنيا وشغل بها عن الله فَأُولئِكَ البعداء المشغولون بالخسيس الأدنى عن الشريف الأعلى هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران الكلى والحرمان الحقيقي لاستبدالهم الباقي بالفاني والزاهق الزائل بالقار القديم وَبعد ما سمعتم مآل أموالكم وما يتفرع عليها من الحرمان والخسران أَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ وسقنا نحوكم من اموال الدنيا وزخارفها مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يعنى أنفقوا قبل حلول الأجل وظهور امارات الموت وعلامات الفزع فَيَقُولَ المحتضر منكم حينئذ متحسرا متمنيا رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي وهلا أمهلتني يا رب إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ وأمد غير بعيد فَأَصَّدَّقَ وأتصدق من مالي هذا على الوجه المأمور طلبا لمرضاتك وَبعد التصدق أَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ المنفقين الممتثلين لأمرك المقبولين عندك يا ربي وَاعلموا ايها المؤمنون يقينا انه لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ الحكيم العليم نَفْساً ولن يمهلها ابدا إِذا جاءَ أَجَلُها وحل ما قدر لها من الوقت الذي قدر فيه رد الامانة وكذا لن يقدمها عليه أصلا فعليكم التدارك والتلافي قبل حلول الأجل وَبالجملة اللَّهُ المراقب عليكم في عموم أحوالكم خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ في ايام حياتكم من خير وشر فيجازيكم على مقتضى خبرته بلا فوت شيء من عملكم خيرا كان او شرا خاتمة سورة المنافقين عليك ايها المحمدي المنكشف برجوع العكوس والاظلال الظاهرة الحادثة الى ما منه بدت وظهرت ألا وهي شمس الوحدة الذاتية ان تعرف ان اظهار المظاهر وبسط الظل عليها وامتداده فيها انما هو بغتة بلا سبق مادة ومدة وآلة ومقدمة كذلك القبض والإخفاء انما يكون كذلك فلك ان تكون في مدة ظهورك على ذكر من ربك بحيث لا يشغلك عن ذكره شيء ساعة ولا تغفل عنه وعن التوجه نحوه لحظة وطرفة فإنك ما تدرى متى يحل الأجل فإذا حل لم يمكنك التدارك والتلافي. جعلنا الله من زمرة المستيقظين في عموم الأحوال بمنه وجوده

стр. 995

[سورة التغابن] فاتحة سورة التغابن لا يخفى على من تحقق بحيطة الحق وشمول أسمائه وصفاته على عموم المظاهر والمجالى ان رجوع عموم الكوائن والفواسد الغير المحصورة في فضاء الإمكان اليه سبحانه وتوجه الكل نحوه طوعا ورغبة إذ ما من موجود الأولة حب ذاتى وميل جبلي الى دوام نشأته التي هو عليها بمقتضى هويته ولا شك ان له نحوا من الشعور بحدوثه ومسبوقيته بالعدم فثبت ان له شعورا بفاعله المظهر لهويته فبمقتضى حبه نشأته يكون له رجوع الى مبدئه يستمد منه ويحمد له كما اخبر سبحانه لحبيبه ﷺ بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى فيما تجلى بمقتضى سعة رحمته وجوده الرَّحْمنِ على عموم المظاهر والأكوان بالامداد عليها في كل آن وشأن الرَّحِيمِ على نوع الإنسان حيث اطلعهم على سرائر توحيده وصورهم بصورته [الآيات] يُسَبِّحُ لِلَّهِ ويقدس ذاته عن مطلق النقائص على وجه الإطلاق بعد ما لم يبلغ كنه أسمائه وصفاته ممن لا يعد ولا يحصى السنة ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من ذرائر عموم الأكوان وكيف لا يقدسه جميع الأعيان إذ لَهُ الْمُلْكُ والملكوت على سبيل الحصر والتخصيص لا مالك سواه ولا متصرف فيه ولا مستولى عليه الا هو وَلَهُ الْحَمْدُ ايضا كذلك إذ لا مستحق للحمد بالاستحقاق الا هو ولا مفيض للنعم على الآفاق غيره ولا مقدر للارزاق سواه وَبالجملة هُوَ بذاته عَلى كُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة جود وجوده قَدِيرٌ لا ينتهى قدرته عند مقدور وارادته دون مراد وكيف لا يكون سبحانه قديرا لعموم المقدورات ومريدا لجميع المرادات مع انه هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ وأظهركم وقدر خلقكم من كتم العدم على وجه الإبداع والاختراع بلا سبق مادة ومدة وفصلكم بعد ما أظهركم فَمِنْكُمْ كافِرٌ ساتر للحق موفق عليه محجوب بغيوم هوياته الباطلة الامكانية عن شمس الحقيقة وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ موفق على الايمان مجبول على فطرة التوحيد والعرفان ميسر لها لذلك يصير إيمانه عيانا وعيانه حقا وبيانا وَبالجملة اللَّهُ المطلع على ما في استعدادات عباده بِما تَعْمَلُونَ من عموم الأعمال في جميع الشئون والأحوال بَصِيرٌ فيعامل معكم حسب أعمالكم واعلموا ايها المكلفون قد خَلَقَ الله سبحانه واظهر بكمال قدرته السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ مظاهر ما في العلويات والسفليات ملتبسة بالحكمة المتقنة البالغة في الاحكام والإتقان جدا لا يبلغ كنهه احلام الأنام وبعد ما رتبها بحكمته على هذا النظام الأبلغ الابدع انتخب من مجموع الكائنات ما هو زبدته وخلاصته وَصَوَّرَكُمْ ايها المجبولون على فطرة التوحيد والتحقيق منها فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ إذ خلقكم على صورته قابلا لخلافته لائقا للتخلق بأخلاقه والاتصاف بصفوة أوصافه وجعل فطرتكم علة غائية مرتبة على عموم مظاهره ومصنوعاته وَكيف لا يصوركم بصورته ولا يحسن صوركم إذ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ اى مصير الكل نحوه ومرجعه لديه ومبدأه منه ومعاده اليه يَعْلَمُ بعلمه الحضوري جميع ما فِي السَّماواتِ اى عالم الأسماء والصفات من الكمالات اللائقة للظهور والبروز وَكذا ما في الْأَرْضِ اى عموم ما في استعدادات قوابل الطبائع والأركان من الماديات والمجردات وَيَعْلَمُ ايضا ما تُسِرُّونَ ايها المكلفون وَما تُعْلِنُونَ مما تعملون من عموم الأعمال في جميع الشئون وَبالجملة اللَّهُ المحيط بالكل بمقتضى تجليه وظهوره

стр. 996

عليه المطلع على ما في استعدادات عباده عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ إذ لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عن حيطة علمه ذرة. ثم قال سبحانه توبيخا على من خرج عن ربقة عبوديته أَلَمْ يَأْتِكُمْ ايها الكافرون المنكرون بظهور الحق وثبوته وتحققه في الأنفس والآفاق بالاستقلال والاستحقاق نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ كقوم نوح وهود وصالح ﵈ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ يعنى كيف ذاقوا ضرر كفرهم وشركهم من العذاب النازل عليهم في النشأة الاولى بعد ما أصروا على ما هم عليه ولم يهتدوا بإرشاد الأنبياء والرسل وَلَهُمْ في النشأة الاخرى عَذابٌ أَلِيمٌ لا عذاب أشد ايلاما من ذلك ألا وهو حرمانهم عن ساحة عز القبول الإلهي ذلِكَ الويل والوبال عليهم في النشأة الاولى والاخرى بِأَنَّهُ اى بسبب ان الشأن والأمر فيما بينهم هكذا قد كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ مؤيدين من عند الله بِالْبَيِّناتِ الواضحة والمعجزات الباهرة اللائحة فَقالُوا بعد ما عجزوا عن معارضة معجزاتهم الساطعة وحججهم القاطعة على سبيل التعجب والإنكار أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا كلا وحاشا ان يكون بشر هاديا للبشر وبالجملة فَكَفَرُوا بالرسل والمرسل والمرسل به جميعا وَتَوَلَّوْا واعرضوا مستنكفين عن التدبر والتفكر في الحجج والبينات وَالحال انه قد اسْتَغْنَى اللَّهُ عن كل شيء فضلا عن هدايتهم وطاعتهم وَاللَّهُ المتعزز برداء العظمة والكبرياء غَنِيٌّ في ذاته عن مطلق مظاهره ومصنوعاته فكيف عن عبادتهم واطاعتهم حَمِيدٌ أوصافه وأسماؤه مستغن عن حمد عموم الحامدين ومن كمال جهلهم بالله وإصرارهم على انكار قدرة الله بعموم المقدورات زَعَمَ بل ادعى العلم واليقين المسرفون المعاندون الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وأنكروا قدرته سبحانه على الحشر والنشر أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا من قبورهم ولن يحشروا الى المحشر للحساب والجزاء وأصروا على هذا الزعم الفاسد والجهل الظاهر بل اعتقدوه حقا وتخيلوه صدقا مكابرة وعنادا قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما بالغوا في انكار البعث بَلى تبعثون أنتم ايها المنكرون الجاحدون وَحق رَبِّي الذي رباني قابلا لوحيه والهامه وجعلني مهبطا لعموم أحكامه المنزلة من عنده لَتُبْعَثُنَّ أنتم البتة ثُمَّ بعد البعث والحشر لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ اى بعموم ما اقترفتم في النشأة الاولى ولتحاسبن عليه ولتجازون بمقتضاه بحيث لا يشذ شيء منه وَذلِكَ التفصيل والإحصاء عَلَى اللَّهِ العليم البصير يَسِيرٌ وان كان عندكم صعبا عسيرا وبعد ما سمعتم ما سمعتم من كمال قدرة الله واحاطة علمه وخبرته فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ المستخلف منه وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا معه تأييدا له وتبيينا لدينه يعنى القرآن الفارق بين الحق والباطل وَاللَّهُ المطلع على ما في استعداداتكم بِما تَعْمَلُونَ بمقتضى القرآن وتمتثلون بأوامره ونواهيه وبما تذبون عنه او تعرضون عن قبوله منكرين لما فيه من الأوامر والنواهي والعبر والاحكام والمعارف والحقائق والرموز والإشارات خَبِيرٌ يجازيكم على مقتضى خبرته اذكروا ايها المكلفون يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ الله العليم القدير لِيَوْمِ الْجَمْعِ والحشر لأجل الحساب والجزاء إذ يجتمع فيه الملائكة والثقلان ايضا اعلموا انه ذلِكَ اليوم يَوْمُ التَّغابُنِ اى يوم ظهور الخسران والغرور الواقع في نشأة الاختبار والابتلاء وَبالجملة مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ويقر بوحدانيته سبحانه وَيَعْمَلْ عملا صالِحاً ليزيد به الايمان حتى يصير علمه عيانا وعيانه حقا وبيانا يُكَفِّرْ عَنْهُ سبحانه سَيِّئاتِهِ ويمحها عن صحيفة اعماله وَيُدْخِلْهُ حسب فضله ولطفه جَنَّاتٍ متنزهات

стр. 997

العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ المملوة بمياه المعارف والحقائق المترشحة من بحر الحياة الأزلي الأبدي بحيث لا يتحولون من التلذذ بها والتحقق دونها أصلا بل يصيرون خالِدِينَ فِيها أَبَداً وبالجملة ذلِكَ التكفير والإدخال لأرباب العناية والإفضال هو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ واللطف الجسيم لا فوز أعظم منه وأكمل. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة من تعقيب الوعد بالوعيد وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا أُولئِكَ الأشقياء المردودون أَصْحابُ النَّارِ وملازموها خالِدِينَ فِيها لا نجاة لهم منها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصير اهل النار أعاذنا الله وعموم عباده منها. ثم قال سبحانه على سبيل التقرير والتثبيت لأرباب المعرفة والإيقان على جادة التفويض والتوكل ما أَصابَ على من أصاب وما أصاب مِنْ مُصِيبَةٍ اى حادثة مفرحة او مؤلمة إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ المدبر الحكيم وبمقتضى ارادته وتقديره وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ويفوض امره اليه ويتخذه سبحانه وكيلا ويجعله حسيبا وكفيلا يَهْدِ قَلْبَهُ وينور خلده ويبصره على امارات التوحيد وعلامات اليقين وَبالجملة اللَّهِ المطلع على عموم ما غاب وشهد بِكُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة قدرته عَلِيمٌ بعلمه الحضوري بحيث لا يعزب عن علمه شيء مطلقا وَبالجملة أَطِيعُوا اللَّهَ المظهر الموجد لكم من كتم العدم يا معاشر المكلفين وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ المبلغ لكم طريق الهداية والرشد المبين لكم سبل السلامة والسداد في يوم المعاد فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ وأعرضتم عن دعوته بعد تبليغه وإرشاده فلا بأس عليه فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا حسب وحينا وأمرنا الْبَلاغُ والتبليغ الْمُبِينُ الظاهر الواضح وبعد تبليغه على وجهه لم يبق عليه شيء بل علينا حسابكم وجزاؤكم بمقتضاه وكيف يتأتى منكم الاعراض ايها المعرضون المبطلون مع انه اللَّهُ الواحد الأحد المستقل بالالوهية والربوبية لا إِلهَ ولا موجود في الوجود إِلَّا هُوَ بتوحيده واستقلاله وَعَلَى اللَّهِ لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ في عموم حوائجهم ومهماتهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وأيقنوا وحدة الحق واستقلاله في الوجود إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ اعرضوا عنهم حتى لا يشغلوكم عن طاعة الله وعن التوجه نحوه والتوكل عليه بالتقريع والتشنيع ولا يردوكم ولا يلجؤكم ولا يضطروكم في امر المعاش وتحصيله الى المعاتب والمهالك حتى تسئلوا من كل غنى غبى وبخيل دنى فتسترزقوا منهم وترزقوا إليهم فلا تثقون بالله ولا تتوكلون عليه ولا تعتمدون بكفالته سبحانه وترزيقه وتزل بذلك نعلكم عن طريق خالقكم ورازقكم وتزلق قدمكم عن التشبث في صراط التوكل والتفويض وبالجملة فَاحْذَرُوهُمْ اى عن الأولاد والأزواج ولا تأمنوا عن مكرهم وغوائلهم وَمع ذلك إِنْ تَعْفُوا عن جرائمهم وتشنيعاتهم وتوصلوهم الى ما أملوا وترقبوا منكم وَتَصْفَحُوا وتعرضوا أنتم عن أغراضهم بعدم الالتفات الى حالهم وَتَغْفِرُوا اى تمحوا وتستروا ما صدر منهم من التقريع والتشنيع فتشتغلوا الى إنجاح أغراضهم وأمانيهم فَإِنَّ اللَّهَ المطلع على ما في ضمائركم من مراعاة جانب الأولاد والأزواج غَفُورٌ لذنوبكم الذي صدرت عنكم متعلقة بمعايش أولادكم ان كانت برخصة شرعية رَحِيمٌ عليكم يرحمكم ويمحو زلتكم ان كان سعيكم للكفاية والقناعة الضرورية لا للقصور والفراغة والجاه والثروة كما نشاهد في زماننا هذا من أبناء زماننا احسن الله أحوالهم وبالجملة َّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ عظيمة وابتلاء شديد

стр. 998

لكم فعليكم ان لا تغتروا بهما فإنهما من شباك الشيطان وحباله يريد ان يصدكم عن سبيل الله بتزيينهما إليكم وتحبيبهما في قلوبكم لتشتغلوا بهما عن الله فتحطوا عن زمرة المخلصين المتوكلين اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ للمخلصين المتوكلين المجتنبين عن الالتفات الى الغير مطلقا وبالجملة فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ واتخذوه وكيلا واجعلوه سبحانه وقاية لنفوسكم عن تغرير الشيطان وفتنته وَاسْمَعُوا قول الله بسمع الرضا والقبول وَأَطِيعُوا امره ونهيه ولا تخرجوا عن مقتضى حكمه وأحكامه مطلقا وَأَنْفِقُوا مما رزقكم الله واستخلفكم عليه امتثالا لأمره وطلبا لمرضاته وافعلوا جميع ما أمركم الحق سيما الإيثار والانفاق ليكون امتثالكم وانفاقكم خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ في اولاكم وذخرا لكم في اخراكم ومن معظم فوائد الانفاق صون النفس عن الشح المطاع وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ بالبذل والانفاق فَأُولئِكَ السعداء المتصفون بالكرم والسخاء هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون من الله بالمثوبة العظمى والدرجة العليا وبالجملة إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ المنعم المتفضل ايها المنفقون المحسنون قَرْضاً حَسَناً مقرونا بالإخلاص والرضا ومصونا عن وصمة المن والأذى يُضاعِفْهُ لَكُمْ إحسانكم أضعافا كثيرة وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبكم وان عظمت وكثرت وَبالجملة اللَّهَ المطلع على اخلاص عباده في أعمالهم ونياتهم فيها شَكُورٌ يحسن المحسن جزاء إحسانه أضعافا مضاعفة ويزيد عليها تفضلا وامتنانا حَلِيمٌ لا يعاجل بعقوبة المسيء رجاء ان يعود ويتوب ويعتذر لما يصدر عنه من الذنوب وكيف لا وهو عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعلم بعلمه الحضوري منهم عموم ما في استعداداتهم وقابلياتهم من الإخلاص والانفاق وغيرهما الْعَزِيزُ الغالب القادر على وجوه الانعام والانتقام الْحَكِيمُ المتقن في عموم الأفعال والجزاء المترتب على الأعمال خاتمة سورة التغابن عليك ايها الموحد المتحقق بمقام الفناء في الله المستخلف منه سبحانه في عموم الأفعال والآثار الصادرة منك صورة ان تمتثل بمطلق الأوامر والنواهي الواردة عليك من عند ربك بمقتضى التكاليف المنبئة عن محض الحكمة المتقنة الإلهية الجارية على وفق المصلحة المصلحة لأمور العباد في معاشهم ومعادهم وتواظب على أداء الفرائض والواجبات الموجبة للعبودية بكمال التسليم والرضاء وتلازم على الإتيان بالنوافل والمندوبات المقربة الى الله المستلزمة لمزيد الفضل والعطاء فلك التبتل والإخلاص المقارن بالخضوع والخشوع والتذلل التام والانكسار المفرط في عموم ما جئت به من الطاعات والعبادات فاعلم ان الناقد بصير وحبائل الشيطان في حواليك كثير فلا تغفل عن غوائله فان إضلاله إياك سهل يسير واتكل على الله في عموم أوقاتك واستعذ به سبحانه من غوائله فانه سميع بصير. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير [سورة الطلاق] فاتحة سورة الطلاق لا يخفى على من تمكن في مقام العبودية وتقرر في محل التكاليف الإلهية من المنكشفين بسرائر الاحكام الحقيقة الحقية ان سر الزواج والازدواج الواقع في عالم الكون والفساد المنبئ عن المناسبات المعنوية والارتباطات الحبية الغيبة المترتبة على كمال الاعتدال والائتلاف بين الأسماء والأوصاف

стр. 999

الذاتية الإلهية الباعثة على الظهور والبروز في فضاء الكمال انما هو بمقتضى التجليات والشئون الإلهية وتطوراته المتوافقة والمتخالفة حسب القبض والبسط والجمال والجلال الظاهر آثارها في الأزمان والأدوار الصادرة من الملك الجبار حسب الارادة والاختيار ومن جملة الآثار الواقعة في الأقطار امر النكاح والطلاق المترتبين على المناسبة والمخالفة المتفرعتين على القبض والبسط المتفرعين على صفتي الجمال والجلال لذلك نبه سبحانه عباده وبين لهم احكام النكاح والطلاق الصوريين ووضع لهما حدودا وقواعد مضبوطة حتى لا يتجاوزوا عن الاعتدال والقسط الإلهي المتفرع على الحكمة المتقنة البالغة فقال بعد ما تيمن باسمه الأعلى مناديا لحبيبه ﷺ إذ هو ﷺ لائق بالخطابات الإلهية سيما في أمثال هذه الاحكام بِسْمِ اللَّهِ الذي احكم مطلق الاحكام الشرعية على مقتضى الحكمة والعدالة الرَّحْمنِ لعموم عباده بوضع الحدود الشرعية بينهم الرَّحِيمِ لخواصهم بتنبيههم على سرائر تكاليفه وحكم حدوده المتفرعة على حكمته البالغة والمصلحة الكاملة [الآيات] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المبعوث الى كافة البرايا ليرشدهم ويصلح أحوالهم فاعلم أنت يا أكمل الرسل اصالة والمؤمنين تبعا انكم إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ وقصدتم رفع رابطة العلقة بالرخصة الشرعية ايضا فَطَلِّقُوهُنَّ وارفعوا عنهن قيد الالفة المقتضية للزوجية لِعِدَّتِهِنَّ اى في اثنائها ووقتها الذي هو مدة الطهر قبل وقوع الوقاع فيه وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ الكاملة اى الاطهار الثلاثة مع الطلقات الثلاث حتى تقع كل طلقة في طهر وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ المنتقم الغيور الذي رباكم بمقتضى العدالة فعليكم ان لا تتجاوزوا عنها فلا تزيدوا على عدتهن بالمراجعة عليهن ثم تطليقهن وعليكم انه لا تُخْرِجُوهُنَّ بالتعدي بعد إيقاع الطلاق مِنْ بُيُوتِهِنَّ اى مساكنكم التي قد كن فيها قبل الفرقة حتى تنقضي عدتهن فيها وَلا يَخْرُجْنَ ايضا بأنفسهن بعد الفرقة من مساكنهن بلا رضى منكم إذ فوائد العدة والاستبراء انما هي عائدة إليكم ايها الأزواج المطلقون بل لا بد لهن ان يعتددن فيها إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ هي زنا يشهد له شهود على الوجه الذي اعتبر في الشرع فحينئذ يخرجن لإجراء الحد عليهن فيصح هذا الاستثناء على كلا الحكمين السابقين وَتِلْكَ الحدود المذكورة حُدُودُ اللَّهِ العليم الحكيم الصادرة عنه بمقتضى الحكمة المتقنة البالغة المقتضية للعدالة الكاملة وَمَنْ يَتَعَدَّ ويتجاوز حُدُودُ اللَّهِ المنتقم الغيور فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بالعرض على عذاب الله عاجلا وآجلا إذ لا تَدْرِي ولا تعلم نفس المطلق المتجاوز عن الحد الشرعي بالتطويل في العدة والتهاون على المرأة او نفس المرأة المطلقة بإتيان الفاحشة في أوان العدة وغيرها لَعَلَّ اللَّهَ المقتدر المنتقم يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ التفريق والبينونة أَمْراً بان يجعل للمطلق بدل تلك الزوجة المطلقة زوجة سليطة عليه او يجعل للمطلقة زوجا أشد ايلاما منه وبالجملة فَإِذا بَلَغْنَ اى المطلقات أَجَلَهُنَّ شارفن على انقضاء العدة فَأَمْسِكُوهُنَّ وراجعوا إليهن بِمَعْرُوفٍ مستحسن عقلا وشرعا ومروءة نادمين على ما صدر عنكم من الطلاق والسراح والفراق معطين لهن على وجه الإحسان من الامتعة جبرا لما كسرتم أَوْ فارِقُوهُنَّ بعد ما لم يبق بينكم وبينهن رابطة المحبة وعلاقة الالفة بِمَعْرُوفٍ مستحسن مرضى مقبول له اى الشارع محمود ومعهود عند عموم ارباب المروات بلا ضرر ولا إضرار وبلا أخذ شيء مما يتعلق بهن من الامتعة المنسوبة إليهن عرفا بل أعطوهن شيأ آخر معتدا به ليعترفن بثنائكم وشكركم دائما ويدعوا لكم بدل ما يدعون عليكم

стр. 1000

ابدا وَأَشْهِدُوا ايها المؤمنون عند اختيار الرجعة او بالفرقة ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ قطعا لعرق الخصومة والنزاع وبعدا عن التهمة وَأَقِيمُوا ايها الشهود الشَّهادَةَ الموكولة لكم لِلَّهِ طلبا لمرضاته سبحانه وحافظوا عليها كي تؤدوها لدى الحاجة ذلِكُمْ الذي سمعتم من محافظة الحدود واقامة الشهادة لحفظ الحقوق وبالعهود من جملة المواعظ والتذكيرات التي قد وضعها الحق بمقتضى حكمته المتقنة بين عباده ليحافظوا بها على آداب العبودية وانما يُوعَظُ ويتذكر بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويوقن بوحدة ذاته ويصدق برسله المبعوثين من عنده المؤيدين من لدنه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ المعد لتنقيد الأعمال وترتيب الجزاء عليها فان غير هؤلاء السعداء الأمناء هم التائهون في تيه الضلال بأنواع الوزر والوبال وهم لا يتعظون بها وبأمثالها وَبالجملة مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ويتحفظ نفسه عن قهره وغضبه ويحافظ على رعاية حدوده الموضوعة من لدنه لحفظ حقوق عباده سيما حقوق الزوجية والائتلاف من كلا الطرفين ويتوكل عليه في عموم أحواله ويفوض أموره كلها اليه يَجْعَلْ لَهُ سبحانه مَخْرَجاً عن مضيق الإمكان المورث لانواع الخذلان والخسران وَيَرْزُقْهُ ويسق اليه جميع حوائجه المحتاج إليها في معاش عياله مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ اى من مكان لا يترقبه ولا ينتظره وَكيف لا مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ مخلصا له مفوضا اليه امره فَهُوَ سبحانه حَسْبُهُ كافيه يكفيه جميع المؤنة المحتاج إليها في النشأة الاولى والاخرى وكيف لا إِنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على عموم المقادير بالِغُ أَمْرِهِ بعد ما فوض اليه سبحانه بالإخلاص والتسليم الى ما قد قدر الله له في حضرة علمه ولوح قضائه إذ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ القدير الحكيم لِكُلِّ شَيْءٍ من الأشياء الظاهرة حسب اظلال الأسماء والصفات الإلهية قَدْراً اى مقدارا معينا من الكمال في عموم أفعاله على مقتضى الاستعداد الفطري والقابليات الجبلية هذه المذكورات من الحدود والآداب في طلاق ذوات الأقراء من المعتدات وَاللَّائِي يَئِسْنَ وقنطن مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ لكبرهن إِنِ ارْتَبْتُمْ اى شككتم وترددتم في تعيين عدتهن فَعِدَّتُهُنَّ بعد ما طلقتموهن ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ اى مضيها. روى انه لما نزلت والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء قيل فما عدة النساء اللاتي يئسن من المحيض فنزلت وَكذا ايضا مضى ثلاثة أشهر عدة النساء اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ بعد لصغر سنهن او لمرض وَأُولاتُ الْأَحْمالِ من المطلقات أَجَلُهُنَّ ومنتهى عدتهن أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ سواء كان الوضع بعد الفرقة بزمان كثير او قليل وهذا الحكم متناول للمطلقة والمتوفى عنها زوجها وانما لم يعين الشارع لاولات الأحمال حدا معينا من اقراء او أشهر لان المقصود الأصلي من التزام المدة والعدة حفظ الماء واستبراء الرحم لئلا ينجر في خلط النسب وبالوضع يحصل المقصود على الوجه الأتم ولهذا لم يحد لهن سوى الوضع وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ويحفظ نفسه عن سخطه وطلق امرأته على الوجه المسنون ولم يركن الى الطلاق البدعى أصلا يَجْعَلْ لَهُ سبحانه مِنْ أَمْرِهِ الذي هو فراق زوجته يُسْراً اى يسهل عليه التزوج الآخر ويحسنها له ويحبله عليها ذلِكَ المذكور من الاحكام أَمْرُ اللَّهِ العليم الحكيم قد أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ايها المكلفون يصلح به مفاسدكم المتعلقة بأمر الطلاق وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ المنتقم الغيور ولم يتجاوز عن مقتضى امره المبرم وحكمه المحكم يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ بتغليب حسناته عليها وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً بتضعيف حسناته أضعافا كثيرة أَسْكِنُوهُنَّ اى المطلقات

стр. 1001

مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ايها المطلقون مِنْ وُجْدِكُمْ اى من وسعكم ومقتضى طاقتكم من ملك او اجارة او اعارة وَلا تُضآرُّوهُنَّ في السكنى لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ حتى يضطررن الى الخروج وَإِنْ كُنَّ اى المطلقات أُولاتِ حَمْلٍ منكم ايها المطلقون فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فيخرجن من العدة وهذا الحكم اى الانفاق على المعتدة مخصوص باولات الأحمال من المعتدات إذ الانفاق حقيقة انما هو لاولات الأولاد دون غيرهن من المعتدات إذ لا سبب يوجبها وإذا وضعن فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ أولادكم بعد رفع رابطة النكاح فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ على الإرضاع مثل سائر المرضعات الاجنبيات ولا تعللوا بكونهن أمهات الرضيع وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ اى ليأمر بعضكم بعضا ايها المؤمنون في إرضاع المطلقة ولدها من المطلق بِمَعْرُوفٍ مستحسن مقبول شرعا من إعطاء الاجرة الكاملة والزيادة عليها مراعاة للمروءة وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ وتضايقتم في الاجرة عليها فَسَتُرْضِعُ لَهُ امرأة أُخْرى غيرها الا ان المروءة تأبى ان تعرض الام عن إرضاع ولدها إذ هي اولى به من غيرها لِيُنْفِقْ المعتدة الحاملة ذُو سَعَةٍ ويسر مِنْ سَعَتِهِ ومقدار وسعه وطاقته على مقتضى نفقتها قبل الفرقة وَمَنْ قُدِرَ وضيق عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ من الرزق الصوري بلا جبر وتحميل إذ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ المنعم الحكيم نَفْساً إِلَّا مقدار ما آتاها وساق لها من الرزق الصوري إذ سَيَجْعَلُ اللَّهُ المنعم المتفضل بَعْدَ عُسْرٍ دنياوي يُسْراً حقيقيا أخرويا فاليسر في الآخرة اولى من الدنيا وما فيها. ثم قال سبحانه على وجه الوعيد للموسرين المقترين وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ اى كثيرا من اهل قرية قد عَتَتْ اى أعرضت واستكبرت عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَعن متابعة رُسُلِهِ المرسلين من عنده اتكالا على ما عندهم من المال والثروة والتفاخر على الأقران والتفوق عليهم بأنواع النخوة والعدوان فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً اى عن القليل والكثير والنقير والقطمير وَبعد ما حاسبناها كذلك قد عَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً منكرا فجيعا فظيعا والمراد حساب النشأة الاخرى وعذابها عبر بالماضي لتحقق وقوعها فَذاقَتْ حينئذ وَبالَ أَمْرِها اى اعراضها عن الله واهله ذوقا محيطا بها بحيث لا يخلو من العذاب شيء من اعضائها واجزائها وَبالجملة قد كانَ عاقِبَةُ أَمْرِها الذي كانت عليه في النشأة الاولى خُسْراً في النشأة الاخرى واى خسر أشد منها واكبر ألا وهو حرمانهم عن ساحة عز القبول الإلهي وانحطاطهم عن رتبة الخلافة والنيابة الانسانية وبالجملة قد أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً في العاجل والآجل فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ واعتبروا مما جرى على أولئك الغواة الطغاة الهالكين في تيه العتو والعناد من وخامة عاقبتهم ورداءة خاتمتهم واعلموا ايها المعتبرون الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق وصدق رسله قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ المدبر لمصالحكم إِلَيْكُمْ ذِكْراً ناشئا منكم مذكرا لكم اصل مبدئكم ومنشئكم وكذا مرجعكم ومعادكم وقد جعله سبحانه رَسُولًا مرسلا من عنده إليكم لإرشادكم وتكميلكم يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ الدالة على وحدة ذاته مُبَيِّناتٍ مشروحات واضحات كل ذلك لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله على وجه الإخلاص وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المؤكدة لإيمانهم مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ اى الظلمات الحاصلة لهم من تراكم الكثرات وتتابع الإضافات الناشئة من الأوهام والخيالات الباطلة الى نور الوجود الذي هو الوحدة الذاتية القاطعة لعموم الإضافات مطلقا وَبالجملة مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ويوقن بوحدته وَيَعْمَلْ

стр. 1002

عملا صالِحاً طالبا لمرضاته يُدْخِلْهُ سبحانه بمقتضى فضله ولطفه جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ المترشحة دائما من البحر المحيط الذي هو حضرة العلم الإلهي ولوح قضائه المحفوظ المشتمل على عموم الكوائن والفواسد الجارية في فضاء الوجود مطلقا خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يتحولون منها أصلا وبالجملة قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً صوريا ومعنويا وكيف لا يحسن سبحانه مع انه اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ اى اظهر وقدر حسب قدرته الكاملة سَبْعَ سَماواتٍ علويات مطبقات على عدد الأوصاف السبعة الذاتية الإلهية وجعلها مسكنا للمجردات من الملائكة والأرواح وَقدر مِنَ الْأَرْضِ السفلى اى عالم العناصر ايضا مِثْلَهُنَّ مطبقات بعضها فوق بعض طبقة الأثير الصرف وطبقة الأثير الممتزجة تحتها وطبقة الزمهرير من الهواء وطبقة الهواء الصرف وطبقة الماء الصرف وطبقة الطين المركب من الماء والتراب وطبقة التراب الصرف على عدد القوى السبع الانسانية الفائضة على أعضائه السبعة وهي الدماغ والكبد والعين والاذن والأنف واللسان وجميع البشرة مع الصانع الحكيم وانما رتبها سبحانه كذلك وطبعها عليها حتى يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ الإلهي بَيْنَهُنَّ يعنى كي تصير السفليات قوابل مستعدات لآثار العلويات يقبلن منها ما يفيض عليهن من الكمالات المترتبة على الأسماء والصفات الذاتية الإلهية كل ذلك لِتَعْلَمُوا ايها المجبولون على فطرة العلم والمعرفة أَنَّ اللَّهَ المستقل بالالوهية والربوبية عَلى كُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة الوجود ولمع عليه برق الشهود قَدِيرٌ لا ينتهى قدرته عند مقدور وَلتعلموا ايضا أَنَّ اللَّهَ المتصف بالقدرة الكاملة قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة قدرته عِلْماً إذ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم خاتمة سورة الطلاق عليك ايها السالك المتحقق بمقام القلب وسعته وقابليته لنزول سلطان الوحدة الذاتية الإلهية مع بعد غورها ورفعة طورها عن احلام الأنام مطلقا ان تعرف علما وعيانا بل حقا وبيانا ان الله المتجلى على كل جلى وخفى قدير على مقدورات لا تتناهى ومرادات لا تعد ولا تحصى بمقتضى حيطة علمه بمعلومات لا غاية تحدها ولا نهاية تحيطها فله سبحانه الإعادة والإبداء والاماتة والأحياء وله التصرف في ملكه كيف يشاء حسب اقتضاء الأوصاف والأسماء إذ لا اله الا هو له الأسماء الحسنى وله الحمد في الآخرة والاولى [سورة التحريم] فاتحة سورة التحريم لا يخفى على من رسخ على جادة التوحيد وتمكن في مقعد الصدق بلا تلوين وترديد ان ارباب المحبة والارادة الكاملة من المنقطعين عن غفلة الناسوت رأسا المنجذبين نحو فضاء اللاهوت مطلقا لم يبق لهم ارادة وكراهة وصداقة وعداوة بالنسبة الى كل احد من بنى نوعهم وغيرهم بل هم مستغرقون بالله فارغوا البال من غيره بحيث لا يشوشهم اللذة والألم ولا يزعجهم الرضاء والغضب لذلك خاطب سبحانه نبيه ﷺ على وجه العتاب وناداه ليرشده الى منهج الصواب فقال متيمنا بِسْمِ اللَّهِ الذي دبر مصالح عباده على الوجه الأبلغ الأحكم الرَّحْمنِ عليهم لا يكلفهم بما ليس في وسعهم الرَّحِيمِ لهم ينبههم على زلاتهم بعد ما صدرت عنهم ويعلمهم التدارك والتلافي

стр. 1003

بالتوبة [الآيات] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المؤيد بالوحي والإلهام من عند العليم العلام القدوس السلام مقتضى نبوتك وتأيدك ان لا تخالف حكم الله ولا تبادر الى الخروج عما قضى لِمَ تُحَرِّمُ وتمنع عن نفسك من عندك بلا ورود نهى من قبل ربك ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ واباحه عليك بمقتضى حكمته وعدالته تَبْتَغِي وتطلب أنت بتحريم الحلال على نفسك باستبدادك بلا ورود وحى ونزول الهام مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وتترك رضاء الله بمخالفة حكمه فارتدع عن فعلك هذا واستغفر الله لزلتك وَاللَّهُ المطلع على نيتك وإخلاصك غَفُورٌ يعفو عنك ما صدر منك من تلقاء نفسك رَحِيمٌ يرحمك ويقبل توبتك. روى ان رسول الله ﷺ خلا بأمته مارية في يوم حفصة فاطلعت حفصة على ذلك فعاتبته فقال ﷺ قد حرمت مارية على نفسي لأجلك لا تقولي لواحدة من أزواجي واستكتميها عنهن هذا التحريم واعلمي ايضا ان الخلافة بعدي لأبي بكر وبعده لعمر ولا تفش لاحد قط فأخبرت حفصة عائشة بكلا الخبرين بكونهما صديقتين فأخبرت عائشة رسول الله بها فغضب ﷺ وطلق حفصة طلاقا رجعيا وعزل عن نسائه تسعا وعشرين يوما لأجل هذه الواقعة فانزل الله تعالى يا ايها النبي لم تحرم الآية لما نهى سبحانه نبيه ﷺ على وجه المبالغة والتأكيد أراد سبحانه ان يبين كفارة اليمين الواقعة بين المؤمنين في أمثال هذا فقال قَدْ فَرَضَ اللَّهُ المدبر الحكيم وشرع لَكُمْ على سبيل الوجوب تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ اى لتحليل ايمانكم وتكفيرها لتكون كفارة مكفرة عنها وَاللَّهُ المصلح لأحوالكم مَوْلاكُمْ ومتولى أموركم وَهُوَ الْعَلِيمُ بعموم مصالحكم ومفاسدكم الْحَكِيمُ في ضبطها وإصلاحها وَاذكروا واعتبروا ايها المؤمنون وقت إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ يعنى حفصة حَدِيثاً وهو حديث تحريم مارية وحديث خلافة ابى بكر وعمر رضى الله عنهما بعده ﷺ فَلَمَّا نَبَّأَتْ وأخبرت حفصة بِهِ عائشة رضى الله عنهما وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ واطلع سبحانه نبيه ﷺ عَلَيْهِ اى على افشاء حفصة الحديث المعهود الذي اوصاها ﷺ بالاسرار فغضب ﷺ على حفصة لذلك قد عَرَّفَ بَعْضَهُ اى ذكر ﷺ بعض الحديث وهو حديث مارية وطلقها طلاقا رجعيا انتقاما عنها وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ وهو قصة الخلافة ولم يعرفها ولم يذكرها لها لئلا تقع الفتنة بين المسلمين ومع ذلك قد وقعت وبعد ما اطلع الله نبيه ﷺ على افشاء الحديث المعهود فَلَمَّا نَبَّأَها وخبر حفصة رسول الله ﷺ بِهِ اى بإفشاء الحديث معاتبا لها قالَتْ حفصة ظنا منها انه قد صدر هذا من عائشة مَنْ أَنْبَأَكَ وأخبرك هذا الحديث يا رسول الله قالَ ﷺ في جوابها نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ بالسرائر والخفايا الْخَبِيرُ بعموم ما يجرى في ضمائر عباده ونياتهم. ثم قال سبحانه من قبل نبيه ﷺ على وجه الخطاب المنبئ عن العتاب إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ أنتما يا حفصة وعائشة عما صدر عنكما توبة صادرة عن محض الندم والإخلاص منبئة عن كمال الموافقة والمخالصة مع رسول الله ﷺ فقد جبرتما بما كسرتما والا فَقَدْ صَغَتْ زاغت ومالت قُلُوبُكُما عن موافقة الرسول ومخالصته فجئتما بما يكرهه ﷺ بكراهتكما ما يحبه ﷺ وَإِنْ تَظاهَرا وتعاونا عَلَيْهِ اى على ما أنتما عليه من مخالفة الرسول فلن تضراه ﷺ شيأ من الضرر وكيف يلحقه صلّى الله عليه وسلم

стр. 1004

ضرر منكما فَإِنَّ اللَّهَ المراقب لعموم أحواله هُوَ مَوْلاهُ وناصره ومعينه وولى عموم أموره وَجِبْرِيلُ رئيس الكروبيين قرينه وملازمه وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ اتباعه وأعوانه وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ الملائكة ظهير له بعد أولئك المظاهرين المعاونين. ثم قال سبحانه على وجه التعريض لعموم ازواج النبي ﷺ عَسى رَبُّهُ الذي رباه ﷺ على الكرامة الاصلية والنجابة الجبلية إِنْ طَلَّقَكُنَّ جميعا أَنْ يُبْدِلَهُ بمقتضى قدرته وارادته أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ صورة وسيرة أخلاقا وأعمالا مُسْلِماتٍ في الاعتقاد مسلمات عن العيوب مُؤْمِناتٍ بوحدة الحق مصدقات لعموم ما نزل من عنده قانِتاتٍ راسخات على الطاعات مواظبات على عموم الخيرات خاضعات خاشعات لله في عموم الأوقات تائِباتٍ عن عموم المنكرات والمحظورات عابِداتٍ على وجه التذلل والخضوع وكمال الانكسار والخشوع سائِحاتٍ صائمات ممسكات عن مطلق المحارم او مهاجرات عن بقعة الإمكان نحو فضاء الوجوب شوقا ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً يعنى سواء كن ثيبات او أبكارا. ثم اوصى سبحانه لعموم المؤمنين بما يصلح لهم ويليق بحالهم فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم حفظ انفسكم عن مطلق المهالك الدينية قُوا أَنْفُسَكُمْ واحفظوها عن ارتكاب عموم المعاصي والالتفات الى مطلق المنكرات والتوجه نحو المحظورات وَأَهْلِيكُمْ اى من في حفظكم وحضانتكم من أزواجكم وأولادكم عن الوقوع في المهالك والفتن وانواع الآثام الموجبة للخذلان والحرمان وبالجملة اتقوا واحذروا ناراً وأي نار نارا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ اى ما يتقد به النار أجسام الأنام والحجارة وذلك من شدة حرارتها وإحراقها بخلاف سائر النيران فان وقودها الحطب ومع ذلك يوكل عَلَيْها مَلائِكَةٌ يوقدونها وهم الزبانية صفتهم انهم غِلاظٌ في أقوالهم وهياكلهم لا يتأتى منهم الملاينة والملاطفة أصلا شِدادٌ في البطش وعموم التعذيب لا يَعْصُونَ اللَّهَ ولا يتجاوزون عن امره سبحانه في عموم ما أَمَرَهُمْ بل يمضونها على الوجه المأمور بلا فوت شيء منها بعذر او شفاعة او شفقة او مروءة بل وَهم يَفْعَلُونَ عموم ما يُؤْمَرُونَ على وجهه خوفا من غيرته سبحانه وغضبه وبعد ما نادى سبحانه عموم المؤمنين بما نادى نادى ايضا عموم الكافرين على مقتضى المقابلة فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وكذبوا رسله المبعوثين إليكم ليرشدوكم الى سبيل الهداية والسلامة فانكرتموهم وجميع ما جاءوا به بلا تأمل وتوقف فعليكم انه لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ بان أعمالكم دون عذابكم وانقص منها بل إِنَّما تُجْزَوْنَ من العذاب على مقتضى ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الكفر والإنكار. ثم قال سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق من شأن ايمانكم تطهير قلوبكم عن مطلق المعاصي والآثام المنافية لصرافة وحدة الذات ولا يتيسر لكم هذا الا بالتوجه والرجوع على وجه الندم والإخلاص تُوبُوا ايها المخلصون المبتلون بفتنة الذنوب إِلَى اللَّهِ الملك القدوس المنزه ساحة حضوره عن سمة الحدوث والإمكان مطلقا تَوْبَةً نَصُوحاً خالصة لوجه الله قالعة لعرق الالتفات الى غير الله وأنتم نادمون على الذنوب الصادرة عنكم فيما مضى مجتنبين عن التي ستأتى وتوبتكم هذه مخلية مصفية لنفوسكم عن مطلق الكدورات المتعلقة بالغير محلية لها بالتقوى عن مطلق الرذائل العائقة عن التوجه الخالص نحو المولى عَسى رَبُّكُمْ بعد ما تبتم ورجعتم نحوه بكمال التبتل والإخلاص أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ويعفو عنكم زلاتكم ولم ينتقم منكم وَيُدْخِلَكُمْ تفضلا عليكم وإحسانا جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق

стр. 1005

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ انهار المعارف والحقائق المتجددة المنتشئة الجارية من أزل الذات الى ابد الأسماء والصفات وكيف لا يكفر ولا يدخل سبحانه خلص عباده في جنة وحدته يَوْمَ لا يُخْزِي يعنى سيما في يوم لا يخزى ولا يردى فيه اللَّهِ المنعم المتفضل على خلص عباده المنجذبين اليه سيما النَّبِيَّ المؤيد من عنده بأنواع الكرامة وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واهتدوا بهدايته مع ان شأنهم هكذا نُورُهُمْ الذي قد اقتبسوه من مشكاة النبوة المصطفوية يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ اى محيطا بهم محفوفا عليهم سيما وقت عبورهم من الصراط. ثم لما تفاوتت أنوارهم بحسب الجلاء والخفأ المترتب على أعمالهم واستعداداتهم الفطرية يَقُولُونَ مناجين رَبَّنا يا من ربانا على فطرة الهداية والرشد أَتْمِمْ لَنا نُورَنا تفضلا علينا ومزيد احسان بنا وَاغْفِرْ لَنا ذنوبنا اى استر ذنوب انانياتنا عن عيون بصائرنا إِنَّكَ بمقتضى جودك عَلى كُلِّ شَيْءٍ يدخل في حيطة علمك وارادتك قَدِيرٌ ثم قال سبحانه يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المبعوث لإعلاء كلمة التوحيد جاهِدِ الْكُفَّارَ الذين ستروا بغيوم هوياتهم الباطلة شمس الحق وأنكروا وجودها عنادا ومكابرة وقاتلهم بلا مبالاة بشوكتهم وكثرة عددهم وعددهم وَالْمُنافِقِينَ ايضا مع انك مؤيد من لدنا بالحجج القاطعة والبينات الساطعة وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ بالأقوال والأفعال ولا تكن معهم بعد اليوم ملاينتك كما كانت معهم قبله بل اشدد وطأتك عليهم وشرد بهم فان الله معينك وناصرك وهم سيغلبون عن قريب في الدنيا وَفي الآخرة مَأْواهُمْ المعد لهم جَهَنَّمُ البعد والحرمان وسعير الطرد والخذلان وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصيرهم ومرجعهم جهنم وبالجملة قد ضَرَبَ اللَّهُ العليم الحكيم مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ وشبه حال الكفرة الفجرة بحالهما في عدم نفع صحبتهم مع المؤمنين ومحبتهم لهم واختلاطهم بهم شيأ من عذاب الله إياهم إذ تانك المرأتان قد كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ كاملين مِنْ عِبادِنا وهما نوح ولوط ﵉ صالِحَيْنِ لقبولنا مصلحين لاعمالهما وأخلاقهما وعموم اطوارهما فَخانَتاهُما اى تانك المرأتان للكاملين المذكورين بالنفاق فَلَمْ يُغْنِيا ولم يدفعا عَنْهُما اى عن تينك المرأتين بشؤم نفاقهما وشقاقهما مِنْ عذاب اللَّهُ المنتقم الغيور شَيْئاً من الإغناء والدفع بل وَقِيلَ لهما في يوم القيامة على وجه الزجر والتعدي ادْخُلَا النَّارَ المعدة للكفار والعصاة مَعَ سائر الدَّاخِلِينَ فيها على سبيل التأبيد والخلود وَضَرَبَ اللَّهُ المدبر الحكيم ايضا مَثَلًا آخر لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ وشبه حال المؤمنين في وصلة الكفرة بحال امرأة فرعون وعدم تضررها منه بل تأكد إيمانها بمصاحبة فرعون ومخالطته اذكر إِذْ قالَتْ امرأة فرعون بعد ما انكشفت بالوحدة الذاتية واسرارها مناجية الى ربها رَبِّ يا من رباني بأنواع الكرامة ووفقني على توحيدك ابْنِ لِي عِنْدَكَ يا ربي بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وذلك لما آمنت رضى الله عنها حين غلب موسى صلوات الله وسلامه عليه على سحرة فرعون فآمنوا له بعد ما غلبوا فقتلهم فرعون وامر بزجرها حتى اوتدها بالأوتاد الاربعة في حر الشمس حتى ترجع عن الايمان والتوحيد ولم ترجع ثم امر اللعين ان يوضع فوقها صخرة عظيمة وقالت حينئذ مناجية مع ربها من كمال تحننها وانكشافها رب ابن لي عندك بيتا في الجنة وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ الخبيث وَعَمَلِهِ السيئ وَبالجملة نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الخارجين عن ربقة عبوديتك بايمانهم وانقيادهم بهذا اللعين الطاغي واعتقادهم بألوهيته وربوبيته فماتت قبل وضع الصخرة وَضرب الله

стр. 1006

مثلا ايضا للذين آمنوا مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي من كمال نجابتها وكرامتها وطهارة ذيلهما وغاية عصمتها وعفتها قد أَحْصَنَتْ فَرْجَها عن مخالطة الرجال وبالغت في التحصن والتحفظ بحيث قد رضى الله عنها وكرمها وأعطاها ما أعطاها من الارهاصات والكرامات التي قد خلت عنها سائر نساء الدنيا بل رجالها ايضا وبعد ما قد كرمناها كذلك فَنَفَخْنا فِيهِ اى في جوفها من جيب درعها مِنْ رُوحِنا الذي قد كنا نفخنا منه في قالب آدم ﵇ ومن تلك النفخة قد حبلت بعيسى ﵇ ولهذا صار عيسى في الصفوة كآدم وظهرت منه ﵇ معجزات لم تظهر من نبي قط وَبالجملة قد صَدَّقَتْ مريم بِكَلِماتِ رَبِّها اى بعموم كلمات مربيها الذي رباها على كمال العفة والكرامة ومن جملة تلك الكلمات التامة خلق عيسى ﵇ من ذلك النفخ وَصدقت ايضا بجميع كُتُبِهِ المنزلة من عنده على عموم رسله وَمن كمال مجاهدتها في طريق الحق وإخلاصها في الطاعات والعبادات واتكالها على الله في عموم الملمات وكمال توكلها وتفويضها عليه سبحانه وتسليمها اليه قد كانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ اى من عداد الكمل من ارباب القنوت المنجذبين الى حضرة الرحموت بكمال الخضوع والخشوع وفي هذين التمثيلين تعريض لازواج النبي ﷺ وحث لهن الى حسن المعاشرة ومراعاة الأدب معه ﷺ وكمال المصادقة وتبعيد لهن من النفاق والمراء والمجادلة معه ﷺ سيما في امر قد اباحه الله له ﷺ بمقتضى حكمته المتقنة البالغة وانما ضرب سبحانه لهن ووعظهن بأمثال هذه الأمثال لينزجرن بها عما جئن به ولتكون عظة وتذكيرا لسائر المؤمنين المتعظين. جعلنا الله منهم ومن زمرتهم وجملتهم بمنه وجوده خاتمة سورة التحريم عليك ايها المحمدي المراقب لكمالات الحق النازلة من عالم الغيب الى الشهادة المتفرعة على الأسماء والصفات الذاتية الإلهية ان تترصد في عموم أوقاتك وحالاتك الى ما سيتجدد ويحدث من عالم الخفأ والكمون الى فضاء البروز والظهور ثم منه الى الغيب والبطون بمقتضى التجليات والنشئات الحبية الإلهية فلا بد لك ان تخلى همك وبالك عن مطلق الاشغال الشاغلة لك عن الالتفات والتوجه الى الله والتفرج على عجائب مصنوعاته وغرائب مخترعاته وإياك إياك ان تغفل عنه سبحانه ساعة فإنها تورثك حسرة طويلة وخسرانا عظيما ان كنت من جملة المستيقظين. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب [سورة الملك] فاتحة سورة الملك لا يخفى على من انكشف بوحدة الحق وكثرة شئوناته وتجلياته المترتبة على أسمائه وصفاته الفائتة للحصر والإحصار ان سعة مملكة الحق وملكه وملكوته انما هو بمقتضى رقائق أسمائه وصفاته الغير المتناهية المتجلية بها الظاهرة على مرآة العدم فيلوح منها هياكل الأشباح التي لا غاية لها ولا نهاية تحيطها بعضها مترتب على البعض وبعضها مقابل للبعض متصفا بالشهادة والجلاء وبعضها بالغيب والخفأ وبالجملة جميع ذرائر الكائنات مربوط بعضها ببعض برقائق المناسبات ودقائق الارتباطات الواقعة في عالم الأسماء والصفات لذلك اخبر سبحانه في كتابه عن عظمة ملكه وملكوته وعن كثرة

стр. 1007

خيراته واستقلاله في عموم تصرفاته الواقعة في مظاهره ومصنوعاته فقال بعد التيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على ما ظهر وبطن بعموم أسمائه وصفاته التي لا تعد ولا تحصى الرَّحْمنِ لعموم مظاهره بالرزق الأوفى الرَّحِيمِ لخواصهم يوصلهم الى جنة المأوى وسدرة المنتهى [الآيات] تَبارَكَ تعاظم وتعالى من كثرة الخيرات والبركات الملك الكامل الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وبقبضة قدرته جميع التدابير والتصاريف الجارية في ملكه وملكوته على وجوه الصور والتقادير وكيف لا وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من متفرعات جود وجوده قَدِيرٌ بالقدرة الشاملة والارادة الكاملة الخالق الموجد الَّذِي خَلَقَ وقدر الْمَوْتَ وَالْحَياةَ حسب قهره ولطفه وجلاله وجماله وادارهما بينكم ايها المكلفون لِيَبْلُوَكُمْ ويختبركم أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وأصوبه وأصلحه وأخلصه واعلموا انكم ان لم تحسنوا العمل ولم تصلحوه بعد ما أمركم سبحانه بالإخلاص والإصلاح فينتقم عنكم بمقتضى قهره وغيرته وكيف لا وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر المقتدر على وجوه الانتقام لمن خرج عن ربقة عبوديته الْغَفُورُ المقتدر على وجوه الانعام للمحسنين المخلصين المصلحين وكيف لا وهو الَّذِي خَلَقَ أوجد واظهر سَبْعَ سَماواتٍ على عدد الصفات السبع الذاتية وجعلها طِباقاً متطابقة بعضها فوق بعض وبعضها جوف بعض وجعل تطبيقها ونظمها على وجه احكم ونظام ابلغ وأبدع بحيث ما تَرى ايها المعتبر الرائي فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ المستوي على عروش الأكوان مِنْ تَفاوُتٍ ينبئ عن عدم رعاية الحكمة والمصلحة فيه بل كله على مقتضى الحكمة المتقنة البالغة فان شككت ايها المعتبر الرائي فيه لقصور نظرك عن احاطة ما فيه من الحكم والمصالح في بادى الرأى فَارْجِعِ الْبَصَرَ وكرر النظر ثم بعد ذلك هَلْ تَرى وتجد فيه مِنْ فُطُورٍ خلل وشقوق وقعت فيه لا بمقتضى الحكمة والاحكام ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ ان شئت وشككت كَرَّتَيْنِ مرتين او مرارا كثيرة الى حيث يَنْقَلِبْ ويرجع إِلَيْكَ الْبَصَرُ اى بصرك خائبا خاسرا خاسِئاً بعيدا عن المطلوب الذي هو رؤية الفطور وَهُوَ اى نظرك حين رجوعه إليك حَسِيرٌ كئيب كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة بلا فائدة تترتب عليه وعائدة تفوز بها من ادراك الفطور والقصور وَمن كمال قدرتنا ومتانة حكمتنا لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا اى السماء القريبة من الدنيا او المرئية منها بِمَصابِيحَ اى بكواكب كثيرة مضيئة منيرة في الليل كالسرج هي سبب رؤيتها والا فلا ترى وَمن جملة اختباراتنا الواقعة بين عبادنا انا قد جَعَلْناها اى تلك المصابيح رُجُوماً اى اسباب ظنون وجهالات لِلشَّياطِينِ ألا وهم المنجمون المرجفون الذين يرجمون بالغيب متمسكين بها وبحركاتها وأوضاعها وَبعد ما أضللناهم بها في الدنيا أَعْتَدْنا لَهُمْ في الآخرة عَذابَ السَّعِيرِ اى النار المسعرة جزاء ما اجترءوا على الله بدعوى الاطلاع على المغيبات مع انه من الخصائص الإلهية وما ذلك الا من كفرهم بالله وباستقلاله وتوحده في مطلق التصرفات الواقعة في ملكه وملكوته وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وادعوا معه الشركة في أخص أوصافه وهو علم الغيب عَذابُ جَهَنَّمَ البعد والخذلان والطرد والحرمان وَبالجملة بِئْسَ الْمَصِيرُ مصير اهل الكفر ومأواهم ومن شدة اهوال جهنم وافزاعها انهم إِذا أُلْقُوا فِيها اى قصد الزبانية القاءهم فيها بالعنف والزجر المفرط بعد ما أمرهم سبحانه بإلقائهم زجرا قد سَمِعُوا لَها اى لجهنم حينئذ شَهِيقاً صوتا هائلا مهولا على وجه التغيظ والغلظة كصوت الحمار وَالحال انه

стр. 1008

هِيَ اى جهنم حينئذ تَفُورُ وتغلى غليان المرجل غيظا وغضبا لأعداء الله ومن شدة غضبها وسخطها تَكادُ وتقرب تَمَيَّزُ وتفترق اجزاؤها مِنَ الْغَيْظِ المفرط كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ اى جماعة وفرقة من المنافقين المجتمعين على ديدنة قبيحة وخصلة ذميمة خارجة عن مقتضى الحدود الإلهية سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها سؤال توبيخ وتقريع أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يخوفكم عن هذا العذاب الهائل مع ان سنة الله قد جرت على ان لا يدخل عباده فيها الا بعد الإنذار والتخويف قالُوا حينئذ متحسرين بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فانذرنا عنها على ابلغ الوجوه فَكَذَّبْنا النذير وأفرطنا في تكذيبه الى حيث قد نفينا الإنزال والإرسال مطلقا بل قد كفرنا وأنكرنا للحق ولجميع ما جاء به النبي النذير من عنده ونسبنا دعوته ودعواه الى السفه والضلال وَبالجملة قد قُلْنا له حين دعوته وادعائه نزول الكتاب ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ اى ما أنتم ايها المدعون للرسالة إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ عظيم لإضلال أعظم من ضلالكم وَبعد ما قد حكوا للخزنة أولئك الضالون ما حكوا قالُوا من غاية سفههم وحسرتهم على سبيل التمني لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ كلام الرسل المؤيدين بالمعجزات الظاهرة أَوْ نَعْقِلُ نتأمل ونتفكر في حججهم الساطعة ودلائلهم القاطعة ما كُنَّا الآن فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ اى في عدادهم ومن جملتهم وبالجملة فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ وندموا وما ينفعهم الاعتراف والندم لمضى وقته بل فَسُحْقاً طردا وتبعيدا عن ساحة عز القبول وعن سعة رحمة الحق وكنف لطفه ومغفرته لِأَصْحابِ السَّعِيرِ اى لمطلق من دخل بشؤم كفره وإنكاره فيها. ثم اردف سبحانه حال الكفرة بحال المؤمنين تنشيطا للسامع وحثا على التثبت في الايمان فقال إِنَّ المؤمنين الَّذِينَ يَخْشَوْنَ ويخافون رَبَّهُمْ اى عذابه بِالْغَيْبِ اى حال كونهم في النشأة الاولى غائبين غير معاينين له لَهُمْ عند ربهم مَغْفِرَةٌ ستر ومحو لذنوبهم الصادرة عنهم بمقتضى بشريتهم جزاء لإيمانهم بالله وخشيتهم عن عذابه وَأَجْرٌ كَبِيرٌ تصغر دونه الدنيا وما فيها تفضلا عليهم وامتنانا ألا وهو رضاء الله منهم ورضوان من الله اكبر من الآخرة وما فيها فكيف عن الدنيا. ثم لما قال بعض المشركين لبعضهم على سبيل التهكم والاستهزاء أسروا قولكم كي لا يسمعه رب محمد نزلت وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ ايها المشركون أَوِ اجْهَرُوا بِهِ وهما سيان بالنسبة الى علمه المحيط وكيف لا وإِنَّهُ سبحانه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اى بما في الضمائر قبل ان يعبر عنه ويقصد بتعبيره بل هو عليم بما في استعداداتكم وقابلياتكم من المكنون في عالم الأسماء والصفات قبل ظهوركم في عالم الأشباح أَلا يَعْلَمُ العليم الحكيم مَنْ خَلَقَ وقدر بمقتضى علمه المحيط وقدرته الشاملة وارادته الكاملة وَكيف لا وهُوَ اللَّطِيفُ الواصل آثار علمه الى خفيات الأشياء واسرارها الْخَبِيرُ المحيط خبرته بظواهر المظاهر وبواطنها وبالجملة هُوَ سبحانه القادر المقتدر الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ايها المكلفون بمقتضى سعة رحمته وجوده الْأَرْضَ ذَلُولًا لينة سهلة قابلة للسلوك عليها فَامْشُوا فِي مَناكِبِها جبالها او جوانبها حيث شئتم وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ رغدا واسعا متى أردتم واشكروا المنعم المتفضل ولا تكفروا به وبنعمه وَاعلموا انه إِلَيْهِ لا الى غيره من الوسائل والأسباب العادية النُّشُورُ اى نشور الكل ورجوعه إذ لا مرجع لكم سواه ولا مقصد الا اليه فيسألكم عما أنعم عليكم ويحاسبكم عليه وكيف لا تشكرون نعمه ولا تواظبون على أداء حقوق كرمه أَأَمِنْتُمْ ايها المكلفون المسرفون

стр. 1009

مَنْ فِي السَّماءِ اى من هو مستعل على سماء الأسماء ان يظهر ويغضب عليكم حسب اسمه المنتقم سيما على من لم يشكر منكم لنعمائه المتوالية وآلائه المتتالية من أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ويطويكم بها ويغيبكم فيها كما فعل بقارون فَإِذا هِيَ اى الأرض حينئذ تَمُورُ تفتطر وتتحرك وتتزلزل غيظا عليكم أَمْ أَمِنْتُمْ من عذاب مَنْ فِي السَّماءِ ومن أَنْ يُرْسِلَ ويمطر عَلَيْكُمْ حاصِباً حجارة وحصباء من قبل السماء فيهلككم بها كما فعل بقوم لوط فَسَتَعْلَمُونَ حينئذ ايها المسرفون المفرطون في كفران النعم ونسيان حقوق الكرم كَيْفَ نَذِيرِ وإنذاري عليكم وان كذبوك يا أكمل الرسل وبالغوا في تكذيبك وإنكارك لا تبال بهم وبتكذيبهم بل انتظر وترقب الى ما سيئول أمرهم اليه وَبالجملة لَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ من الكفرة المكذبين لرسلهم أمثالهم مبالغين في تكذيبهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ وإنكاري إياهم وانتقامي منهم فسيلحق ايضا بهؤلاء الضالين المكذبين لك بأضعاف ما لحقهم أَينكرون قدرتنا على الانتقام منهم وإهلاكهم وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ باسطات أجنحتهن في الجو عند الطيران وَبعد ما أردن السرعة يَقْبِضْنَ ويضممن أجنحتهن الى جنوبهن استظهارا بها على سرعة الحركة مع ان ميلهن بالطبع الى السفل لثقلهن ما يُمْسِكُهُنَّ في الجو على خلاف الطبع إِلَّا الرَّحْمنُ المستعان الشامل برحمته العامة على كل شيء دخل في حيطة قدرته وارادته وبالجملة إِنَّهُ سبحانه بِكُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة الوجود بَصِيرٌ يدبر امره على وجه يليق به وينبغي له بمقتضى سعة رحمته وجوده. ثم قال سبحانه مستفهما منهم على سبيل الإنكار والتقريع أَمَّنْ هذَا الناصر الظهير الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ وعونتكم يَنْصُرُكُمْ ويعينكم حين بطش الله بكم ايها المسرفون مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ المستوعب بالرحمة العامة على عموم الأكوان مع انه لا شيء في الوجود سواه وبالجملة إِنِ الْكافِرُونَ اى ما هم إِلَّا فِي غُرُورٍ باطل وزور ظاهر لا وثوق لهم ولا اعتماد أَمَّنْ هذَا الرازق المتكفل لأرزاقكم الَّذِي يَرْزُقُكُمْ ويسوق إليكم دائما ما يسد رمقكم إِنْ أَمْسَكَ سبحانه رِزْقَهُ عنكم يعنى ألكم رازق كذلك تتمسكون به وتتقون عليه سواه سبحانه أصلا كلا وحاشا ليس لكم الا هذا بَلْ لَجُّوا اى قد تمادوا وأصروا على اللجاج وصاروا دائما فِي عُتُوٍّ لدد وعناد وَنُفُورٍ عن الحق وقبوله تعنتا واستكبارا. ثم قال سبحانه مستفهما على سبيل التوبيخ أَتعتقدون الآثار الظاهرة في الأقطار من الوسائل والأسباب العادية ولم تنسبوها الى المؤثر المسبب المختار وسلكتم في هذا الطريق بأنواع الإنكار والإصرار فَمَنْ اى فهل من يَمْشِي مُكِبًّا ساقطا عَلى وَجْهِهِ لوعورة طريقه وظلمة سبيله أَهْدى الى مقصده وارشد الى مطلبه أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا مستقيما سالما عن التزلزل والسقوط راكبا عَلى متن صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وطريق واضح بلا عثور وقصور قد مثل بهما سبحانه للمشرك المتشبث بالعقل المنعزل عن الرشد والهداية وللمؤمن المستمسك بالعروة الوثقى التي هي الشرع القويم الموصل الى توحيد الحق قُلْ يا أكمل الرسل لمن أنكر وحدة الحق واستقلاله في مطلق التصرفات الواقعة في عالم الكون والفساد هُوَ سبحانه القادر المقتدر الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وأظهركم من كتم العدم إنشاء إبداعيا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لتسمعوا به المواعظ والآثار والاخبار الصادرة عن اولى العزائم الصحيحة المجتازين نحو فضاء اللاهوت بانخلاعهم عن كسوة الناسوت مطلقا وَالْأَبْصارَ لتنظروا بها في ملكوت

стр. 1010

السموات والأرض فتعبروا منها الى مبدعها العليم الحكيم وَالْأَفْئِدَةَ لتتفطنوا بها الى عجائب حكمته وبدائع قدرته كي تنكشفوا بوحدته وتتشرفوا بوصلته لكن قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ اى الشاكرون الصارفون هذه النعم العظام الى ما خلقت لأجله قليلون في غاية القلة قُلْ يا أكمل الرسل لمن أنكر قدرتنا على الحشر والنشر والحساب والجزاء وعلى جميع الأمور الواقعة في النشأة الاخرى هُوَ سبحانه العزيز الغالب ذو القدرة والاختيار الَّذِي ذَرَأَكُمْ اى بثكم وبسطكم بمقتضى قدرته فِي الْأَرْضِ التي هي محل الكون والفساد وكلفكم بالإيمان والأعمال واختبركم بالأوامر والنواهي وَكما أبدعكم أولا بامتداد اظلاله ورشّ انواره على مرآة العدم اعادكم ايضا بقبض اظلاله وانواره الى ذاته فثبت انكم إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ للجزاء فيجازيكم بمقتضى ما اقترفتم من المأمورات الإلهية وَيَقُولُونَ من كمال استبعادهم مَتى هذَا الْوَعْدُ الموعود الذي قد وعدتم بالجزاء والحساب والثواب والعقاب فيه أخبرونا عن وقوعه في أى زمان وآن إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعنون النبي ﷺ والمؤمنين قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما ألحوا عليك والجأوك الى التعيين إِنَّمَا الْعِلْمُ المتعلق بتعيين وقته عِنْدَ اللَّهِ لا يطلع عليه احد من خلقه وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ بمقتضى الوعيد الإلهي مُبِينٌ مظهر مبلغ ما يوحى الى من عنده سبحانه على وجهه لا طريق لعلمي بوقوع الموعود سوى الوحى ولم يوح الى في تعيينه فأتكلم عنه فعليكم ان لا تستعجلوا وقوعه وبعد ما تحقق قرب وقوعه وحل وقته فَلَمَّا رَأَوْهُ اى العذاب الموعود في الآخرة زُلْفَةً قريبا منهم سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا اى اسودت وقبحت من شدة الكآبة والحزن المفرط وَقِيلَ لهم حينئذ من قبل الحق هذَا العذاب هو العذاب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ تتطلبون وتستعجلون وقوعه مراء واستهزاء على وجه التهكم فالآن يلحقكم ما تنكرون منه فيما مضى قُلْ يا أكمل الرسل لمشركي مكة بعد ما تطيروا بحياتك وتمنوا بموتك وموت من معك من المؤمنين ليتخلصوا منكم ومن شروركم على زعمهم أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ العليم الحكيم حسب قهره وجلاله وَأهلك ايضا مَنْ مَعِيَ من المؤمنين أَوْ رَحِمَنا سبحانه بان أخر آجالنا بمقتضى لطفه وجماله ونحن مؤمنون مخلصون له مقرون بوحدته وبانه الفاعل على الإطلاق بكمال الاختيار والاستحقاق يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فَمَنْ يُجِيرُ وينقذ الْكافِرِينَ المنكرين الله وارادته واختياره وألوهيته وربوبيته مطلقا مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ نازل عليهم من لدنه سبحانه بشؤم ما اقترفوا من الكفر والعصيان وانواع الفسوق والطغيان قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما قد تمادى نزاعهم وتطاول جدالهم ولم تنفعهم الدعوة والتبليغ كلاما خاليا عن وصمة الجدال والمراء منبعثا عن محض الحكمة والمصلحة هُوَ الرَّحْمنُ المستعان المستوي على عروش عموم الأكوان بكمال الاستيلاء والاستحقاق قد آمَنَّا بِهِ مخلصين مستوثقين بحبل كرمه وجوده وَعَلَيْهِ لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية تَوَكَّلْنا وفوضنا أمورنا كلها اليه بالعزيمة الصادقة الخالصة واتخذناه وكيلا واعتقدناه حسيبا وكفيلا فَسَتَعْلَمُونَ ايها المفسدون المسرفون مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أنحن أم أنتم قُلْ يا أكمل الرسل للمنكرين بوجود الصانع الحكيم على سبيل التبكيت والإلزام أَرَأَيْتُمْ أخبروني ايها المسرفون المكابرون إِنْ أَصْبَحَ وصار ماؤُكُمْ غَوْراً غائرا عميقا الى حيث لا يصل اليه السجال والدلاء بحبال طوال وحيل فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ

стр. 1011

جار ظاهر سهل المأخذ سوى الله رب العالمين فكيف تنكرون وجوده مع انكم مغمورون بسوابغ نعمه مستغرقون بسوابق كرمه خاتمة سورة الملك عليك ايها المحمدي المتمسك بعروة الشريعة المصطفوية التي لا عروة أوثق منها ولا جادة أقوم واعدل ان تتشبث بها وتعمل بمقتضاها متوكلا على الرحمن المستعان مفوضا أمورك كلها اليه على وجه الإيقان معرضا عن جنود امارتك ومقتضياتها مجاهدا معها مخاصما إياها حتى تصير مطمئنة راضية بعموم ما جرى عليها من مقتضيات القضاء صابرة على ما اصابها من البلاء الى ان تصير فانية عن هوياتها الباطلة باقية بهوية الحق وبقائه. جعلنا الله ممن فنى فيه وبقي ببقائه بمنه وجوده [سورة القلم] فاتحة سورة ن لا يخفى على من تحقق بحيطة الحق وشمول أوصافه الذاتية على عموم مظاهره ومصنوعاته ان قلم تقديره الذي هو أول مصنوع صدر عنه سبحانه قادر غالب على تصويرات لا تتناهى وتشكيلات لا غاية لها فاثبت به سبحانه في لوح قضائه صدور عموم مظاهره ظاهرا وباطنا غيبا وشهادة ازلا وابدا ومن كمال عظمته ورفعة قدره ومكانته اقسم به سبحانه لبراءة حبيبه ﷺ عما يتهمه الظالمون ويقولون في حقه ما يقولون عنادا ومكابرة أولئك المفسدون المفرطون فقال بعد ما تيمن باسمه مخاطبا لحبيبه ﷺ على طريق الرمز والإيماء بِسْمِ اللَّهِ المطلع على عموم ما في استعدادات عباده من الفضائل والكمالات الرَّحْمنِ لهم يهديهم الى سبيل الخيرات الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى أعلى الدرجات وارفع المقامات [الآيات] ن ايها النبي النائب عن الحق الناظر بنور الله النقي عن جميع الرذائل والآثام المنافية لمرتبتى النبوة والولاية وَحق الْقَلَمِ الأعلى الذي هو عبارة عن حضرة القدرة الغالبة الإلهية وَبحق ما يَسْطُرُونَ ويكتبون به الملأ الأعلى والاخرى حسب آثار الأوصاف والأسماء الإلهية التي لا تعد ولا تحصى ما أَنْتَ يا أكمل الرسل المبعوث الى كافة البرايا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الذي رباك على الهداية العامة والولاية المطلقة واعطاك من الفضائل والكمالات المتعلقة بمرتبتى النبوة والولاية مما لا يعد ولا يحصى بِمَجْنُونٍ اى ما أنت بغافل عنها ذاهل عن أداء حقها جاهل بشكر مولاها ومنعمها وَإِنَّ لَكَ يا أكمل الرسل لَأَجْراً عظيما عند الله غَيْرَ مَمْنُونٍ منقطع ابد الآباد إذ ما يترتب على مرتبتك الجامعة من الكرامات البديعة اللائقة لا انقطاع لها أصلا وَإِنَّكَ من كمال تخلقك بالأخلاق الإلهية وتحققك بمقام الخلة والخلافة لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ لا خلق أعظم من خلقك لحيازتك وجمعك خلق الأولين والآخرين حسب جامعية مرتبتك وبالجملة فَسَتُبْصِرُ يا أكمل الرسل وَيُبْصِرُونَ ايضا أولئك المسرفون المفرطون بنسبتك الى الجنون حين تبلى السرائر وينكشف ما في الضمائر وينزل العذاب على اهله بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ اى مع أيكم الفتنة وأيكم يفتن بالجنون المؤمنون المهتدون بهدايتك وارشادك او الكافرون الضالون بغوايتهم وضلالهم وبالجملة إِنَّ رَبَّكَ الذي رباك على الرشد والهداية هُوَ أَعْلَمُ بعلمه الحضوري بِمَنْ ضَلَّ وانحرف عَنْ سَبِيلِهِ الموصل الى توحيده وَهُوَ ايضا أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ

стр. 1012

المتمكنين منهم على جادة التوحيد والصراط المستقيم الموصل الى جنة الرضا وروضة التسليم وبعد ما سمعت نبذا من شأنك في نشأتك الاخرى فَلا تُطِعِ ايها النبي المجبول على فطرة الهداية والفلاح الْمُكَذِّبِينَ المجبولين على فطرة الغواية والضلالة يعنى مشركي مكة خذلهم الله فإنهم كانوا يدعونه الى دين آبائه فنهاه سبحانه ان يطيعهم ويقبل منهم دعوتهم فإنهم وان وَدُّوا وأحبوا لَوْ تُدْهِنُ وتلاين أنت معهم وتوافقهم في دينهم فَيُدْهِنُونَ ايضا معك ويلاينونك ويوافقونك ولا يطعنون لدينك حينئذ لكن لا يليق بشأنك هذا وَبعد ما قد صرت يا أكمل الرسل متخلقا بالخلق العظيم ومتصفا بالأوصاف الحميدة الإلهية لا تُطِعْ آراء ذوى الأخلاق الذميمة والأطوار القبيحة مطلقا سيما كُلَّ حَلَّافٍ مبالغ بالحلف الكاذب لترويج الباطل الزاهق الزائل مَهِينٍ مهان عند الناس بسبب الكذب المفرط والحلف الكاذب عليه هَمَّازٍ عياب طعان يغتاب ويطعن بعض الناس عند بعضهم مَشَّاءٍ يدور بين الناس بِنَمِيمٍ اى بنقل حديث بعض عند بعض حتى يوقع بينهم الفتنة والبغضاء مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ شحيح بخيل لا ينفق من ماله على المستحقين ويمنع ايضا صديقه وصاحبه عن الانفاق لئلا يلحق العار والتعيير عليه خاصة مُعْتَدٍ متجاوز الحد في أنواع الظلم واصناف الفسوق والعصيان أَثِيمٍ مبالغ في اقتراف الإثم والعدوان بلا مبالاة بوخامة شأنه عُتُلٍّ غليظ الهيكل قاسى القلب كريه المنظر عريض القفاء متناه في البلادة سيما بَعْدَ ذلِكَ اى بعد الاتصاف بالأوصاف المذمومة المذكورة زَنِيمٍ دعىّ بين القوم لا يكون له نسب معروف ولا حسب مستحسن مقبول ومن كمال دناءته وخساسته أَنْ كانَ ذا مالٍ اى انه كان ذا مال عظيم وَبَنِينَ كثيرة فلا بد له ان يشكر المنعم المتفضل ومع ذلك لم يشكره بل يكفره لأنه إِذا تُتْلى عَلَيْهِ وعنده آياتُنا الدالة على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا قالَ من غاية كفره وكفرانه ونهاية بغيه وعدوانه ما هذا الا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى الأكاذيب القديمة التي سطرها الأولون ودونوها في كتبهم قيل هذا هو الوليد بن المغيرة الذي جمع الله فيه هذه المثالب الذميمة والمساوى القبيحة وبالجملة لا تطعه أنت يا أكمل الرسل ولا تلتفت الى ثروته وسيادته بحال من الأحوال فانا بمقتضى قهرنا وجلالنا سَنَسِمُهُ ونعلمه بالكي عَلَى الْخُرْطُومِ اى على انفه بحيث يعرف ويعلم به في عرصات المحشر إِنَّا بمقتضى جلالنا وقهرنا وانتقامنا من اهل مكة قد بَلَوْناهُمْ اى أصبناهم وابتليناهم بالقحط سبع سنين لكفرانهم بنعمنا التي من معظمها بعثة الرسول الذي هو أكمل الرسل منهم ومن شيعتهم فكذبوه وأنكروا عليه وعلى دينه وكتابه واستهزؤا به كَما بَلَوْنا وأصبنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ التي اسمها ضروان كانت دون صنعاء بفرسخين لصالح قد كان ينادى الفقراء وقت الصرام والقطع فلما مات الصالح قال بنوه ان فعلنا مثل ما كان يفعل أبونا لضاق علينا الأمر فان المال قليل والعيال كثير وكان مال أبينا كثيرا وعياله قليلا فحلفوا فيما بينهم ليصر منها مصبحين خوفا من شدة هجوم المساكين كما حكى عنهم سبحانه إِذْ أَقْسَمُوا يعنى أولاد الصالح وورثته لَيَصْرِمُنَّها وليقطعنها مُصْبِحِينَ داخلين في الصباح وَلا يَسْتَثْنُونَ اى لا يتكلمون بكلمة ان شاء الله حين تقاولوا وتقاسموا وهم بعد ما اتفقوا على حرمان الفقراء ومع ذلك لم يفوضوا أمورهم الى مشية الله فَطافَ عَلَيْها اى على تلك الجنة طائِفٌ اى بلاء مخصوص بها حيث أحاط جميع جوانبها ولم يضر ما في حواليها من الجنان والبساتين الاخر

стр. 1013

ناش مِنْ رَبِّكَ يا أكمل الرسل وَهُمْ حينئذ نائِمُونَ في بيوتهم فَأَصْبَحَتْ الجنة وصارت بعد ما أصاب عليها ما أصاب كَالصَّرِيمِ اى التي صرم ثمارها بحيث لم يبق فيه شيء او صارت كالليل في اسودادها واحتراقها او كالنهار في غاية يبسها وجفافها فَتَنادَوْا اى نادى بعضهم بعضا حال كونهم مُصْبِحِينَ داخلين في الصباح المعهود للصرام صايحين أَنِ اغْدُوا واخرجوا غدوة ايها الملاك عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ قاصدين الصرم والقطع فخرجوا فَانْطَلَقُوا بأجمعهم نحوها وَهُمْ حين خروجهم يَتَخافَتُونَ ويكتمون ذهابهم عن الناس ويسرون كلامهم فيما بينهم أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَبالجملة غَدَوْا وذهبوا غدوة عَلى حَرْدٍ اى مع قصد تام وسرعة كاملة قادِرِينَ على القطع بلا مشاركة ومعين فَلَمَّا وصلوا إليها رَأَوْها كذلك قالُوا في بادى الرأى ما هي جنتنا هذه بل إِنَّا لَضَالُّونَ طريقها ثم لما تأملوا في اماراتها وجزموا بعلاماتها قالوا على سبيل الإضراب عن القول الاول من غاية الحسرة والأسف بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قد حرمنا عنها وعن ثمارها وخيراتها لخساستنا وخباثة نفوسنا وبعد ما حرموا عنها قالَ أَوْسَطُهُمْ أعدلهم رأيا وعقلا على وجه التقريع والتشنيع لإخوانه أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ وقت مشاورتكم على حرمان الفقراء واتفاقكم على منعهم لَوْلا تُسَبِّحُونَ وهلا تذكرون الله بالخير ولم لا تشكرون نعمه بالإنفاق على الفقراء حتى يزيد عليكم سبحانه نعمه وهو كان قاله هكذا حين عزموا أولا على المنع وشاوروا فيه وبعد ما وقع ما وقع اعترفوا بالظلم والعدوان حيث قالُوا عن غاية الندامة والإنابة سُبْحانَ رَبِّنا ننزهك من ان ننازع في ملكك وسلطانك ونخالف حكمك وشأنك وبالجملة إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ خارجين عن مقتضى أمرك بالإنفاق عارضين أنفسنا على انتقامك تب علينا بفضلك وكرمك انك أنت التواب الرحيم وبعد وقوع الواقعة الهائلة فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ اى يلوم بعضهم بعضا فان منهم من كان استصوب ومنهم من أشار ومنهم من سكت وبالجملة قالُوا اى الكل متحسرين يا وَيْلَنا وهلكتنا ادركينا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ متجاوزين حدود الله مستحقين للويل والثبور وبعد ما أنابوا الى الله وتضرعوا نحوه عن محض الندم والإخلاص قالوا على سبيل التمني والرجاء عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها ببركة التوبة والانابة بالإخلاص والاعتراف بالخطإ والاستغفار بالندم والانكسار التام إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ مائلون راجون منه العفو طالبون الخير والمغفرة. وقد روى انهم قد ابدلوا خيرا منها عناية وفضلا وبالجملة كَذلِكَ الْعَذابُ لمن خرج عن مقتضى الحدود الإلهية في الدنيا وَالله لَعَذابُ الْآخِرَةِ المعدة لأصحاب الغفلة عن الله أَكْبَرُ وأعظم واقطع بل بأضعافه وآلافه لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ويعتقدون وقوعه لاحترزوا البتة عما يئول بهم اليه ويوقعهم فيه. ثم قال سبحانه إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ الحافظين المتحفظين نفوسهم عن غضب الله المحترزين عن الخروج عن مقتضى الحدود الإلهية عِنْدَ رَبِّهِمْ الذي وفقهم على صيانة النفس عن المعاصي والمنكرات حين وصولهم الى كنف حفظه وجوار قدسه جَنَّاتِ النَّعِيمِ اى روضة الرضاء وجنة التسليم ولهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها ابدا والله عنده اجر عظيم لمن وصل اليه وتحقق دونه. ثم لما كانت الكفرة يقولون ان صح انا نبعث كما يزعم محمد وأصحابه لا يتفوقون بنا ولا يفضلون علينا أولئك الأراذل هناك ايضا بل نحن هناك ايضا احسن حالا منهم كما

стр. 1014

في الدنيا رد الله عليهم زعمهم هذا بقوله أَفَنَجْعَلُ يعنى أيزعم الكفرة المفسدون المفرطون انا نجعل الْمُسْلِمِينَ المتصفين بالإيمان والأعمال الصالحة المنزهين عن مطلق العصيان ولوازمها كَالْمُجْرِمِينَ الموصوفين بأنواع الجرائم والآثام الخارجة عن مقتضى الاحكام الإلهية الجارية على مقتضى الحكمة والعدالة ما لَكُمْ وما عرض ولحق بكم ايها العقلاء حتى أخرجكم عن مقتضى العقل الفطري كَيْفَ تَحْكُمُونَ وتدعون مساواة المسيء مع المحسن فكيف يفضله سيما عند العليم الحكيم المتقن في عموم الأفعال بمقتضى القسط والعدل السوى أتحكمون هذا بمقتضى رأيكم الفاسد ايها الضالون أَمْ لَكُمْ كِتابٌ نازل عليكم من السماء فِيهِ اى في الكتاب المنزل تَدْرُسُونَ وتقرءون هكذا إِنَّ لَكُمْ فِيهِ اى في الكتاب النازل لَما تَخَيَّرُونَ اى ما تختارونه لأنفسكم وتشتهونه من خير ما تجدون فيه أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عهود ومواثيق مؤكدة لازمة عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مشتملة متضمنة لهذا إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ به علينا من ان الخير والكرامة لكم عندنا اكثر مما لهم وبالجملة سَلْهُمْ يا أكمل الرسل وفتش عنهم على سبيل التبكيت والإلزام أَيُّهُمْ بِذلِكَ الحكم زَعِيمٌ قائم متكفل يستدل عليه ويصححه أهو اى الزعيم المستدل واحد منهم أَمْ لَهُمْ في هذه الدعوى شُرَكاءُ متشاركون في هذا القول والحكم وهم يقلدونهم فان ادعوا شركاء قل لهم نيابة عنا فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ حتى يثبتوا الدعوى ويصححوها إِنْ كانُوا صادِقِينَ في هذه الدعوى وبعد ما بهتوا اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ يُكْشَفُ الأمور والخطوب عَنْ ساقٍ اى عن أصلها وحقيقتها وتبلى السرائر برمتها وارتفعت حجب الأعيان وسدل الاعتبارات بأسرها وبالجملة ثم لم يبق الا الله الواحد القهار وَيُدْعَوْنَ حينئذ هؤلاء الاظلال الهالكون في تيه الحيرة والضلال إِلَى السُّجُودِ والتذلل على وجه الانكسار لدى الملك الجبار فَلا يَسْتَطِيعُونَ حينئذ لمضى نشأة الاختيار وأوان الاختبار بل قد صاروا خاشِعَةً ذليلة خاسرة أَبْصارُهُمْ هائمة عقولهم وبالجملة تَرْهَقُهُمْ وتلحقهم ذِلَّةٌ عظيمة محيطة بجميع جوانبهم وَكيف لا يكونون كذلك يومئذ إذ هم قَدْ كانُوا في نشأة الاختبار يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ حينئذ سالِمُونَ متمكنون قادرون عليه فلم يفعلوا عنادا ومكابرة فالآن قد انقضى وقت الاختبار فلا ينفعهم التذلل والانكسار سواء قدروا او لم يقدروا وبعد ما بالغ المنكرون المكذبون في قدح القرآن وطعنه وأصروا على العناد والاستكبار فَذَرْنِي اى خلنى يا أكمل الرسل وَفوض على امر مَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ يعنى القرآن ولا تتعب نفسك في معارضتهم ومجادلتهم ولا تعجل في أخذهم وانتقامهم فانى انتقم منهم وأكفيك مؤنة شرورهم فاعلم انا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ اى ندنيهم درجة درجة الى أسوأ العذاب بان نهملهم في الدنيا وننعم عليهم ونديم صحتهم ونوفر عليهم اسباب الشقاوة حتى صاروا مغمورين في الكفران والطغيان منهمكين في الضلال والعصيان ثم نبطشهم مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ اى من جهة وطريق لا يفهمون انه جهة الأخذ وطريقه مكرا عليهم وزجرا لهم وَبالجملة أُمْلِي لَهُمْ وامهلهم كيدا عليهم وهم لا يشعرون إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ محكم لا يفهمه احد ولا يدفعه شيء أينكرون ارشادك وتبليغك إياهم عنادا ومكابرة أَمْ يدعون انك تَسْئَلُهُمْ أَجْراً جعلا على ارشادك وتكميلك إياهم فَهُمْ حينئذ مِنْ مَغْرَمٍ اى من أجل غرامة مُثْقَلُونَ بحملها فيعرضون عنك ويكذبونك بسببها أَمْ يدعون الاطلاع على المغيبات ويزعمون انه

стр. 1015

عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ اى لوح القضاء فَهُمْ يَكْتُبُونَ منه جميع ما يحكمون به من الإقرار والإنكار وبه يستغنون عن تعليمك وارشادك لذلك يكذبونك وينكرون عليك وهم وان بالغوا في العناد والإنكار فَاصْبِرْ أنت يا أكمل الرسل لِحُكْمِ رَبِّكَ وهو تأخير نصرتك عليهم وإمهالهم زمانا على حالهم ولا تستعجل في مؤاخذتهم وَلا تَكُنْ في الاستعجال كَصاحِبِ الْحُوتِ يعنى يونس بن متى صلوات الله عليه قد استعجل العذاب لقومه حين بالغوا في العصيان عليه وتكذيبه ثم لما ظهر اماراته خرج من بينهم مغاضبا عليهم حتى اقتحم البحر فساهم في السفينة فكان من المدهضين فالتقمه الحوت وهو حينئذ مليم نفسه اذكر إِذْ نادى ربه في بطن الحوت وَهُوَ حينئذ مَكْظُومٌ مملو غضبا وغيظا مبتلى بالبلاء العظيم لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ وأدركته نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعنى لو لم يوفقه سبحانه على نعمة التوبة والانابة والرجوع الى الله على وجه الإخلاص والندامة لَنُبِذَ وطرح هو البتة بِالْعَراءِ اى الأرض الخالية من الشجر وَهُوَ حينئذ مَذْمُومٌ مليم مطرود من الرحمة والكرامة لكن قد أدركته العناية الإلهية وانفتح له باب التوبة والاستغفار على وجه الندم والانكسار فاستغفر ربه وتاب عليه واستجاب له تفضلا وامتنانا فَاجْتَباهُ رَبُّهُ ايضا لمصلحة النبوة وقبله فأرسله مرة اخرى الى قومه فَجَعَلَهُ حسب فضله وطوله مِنَ الصَّالِحِينَ الكاملين في الصلاح الفائزين بالعصمة والفلاح اللائقين لشأن النبوة والهداية والإرشاد والتكميل وَمن غلظ غيظهم معك يا أكمل الرسل وشدة شكيمتهم وضغينتهم بالنسبة إليك إِنْ يَكادُ انه يقرب الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وستروا محامد أخلاقكم ومحاسن شيمكم لَيُزْلِقُونَكَ يا أكمل الرسل ويزيلونك عن الحياة بل يريدون ان يصرعوك ميتا على الأرض بِأَبْصارِهِمْ اى بحدة نظرهم نحوك حسدا عليك لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ اى حين سمعوا منك تلاوة القرآن المعجز معجبين من بدائع نظمه وغرائب أسلوبه وكمال فصاحته وبلاغته ومتانة تركيباته الفائقة على تراكيب عموم اللسن والفصاحة وعجائب معانيه التي قرعت اسماعهم لذلك قد حسدوا عليك خفية وقصدوا مقتك باصابة العين اللامّة وَان كانوا يَقُولُونَ عند الملأ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ يتكلم بكلام المجانين ما هو من جنس كلام الناس تلبيسا على ضعفاء الأنام وتغريرا لهم لئلا يتفطنوا على عظمة شأنك ورفعة قدرك ومكانك وهم في خلواتهم على ضنة تامة وحسد كامل مما صدر منك وظهر عنك من الخوارق وَيقولون لك مجنون وينسبون كلامك الى الجنون ظاهرا مع انه ما هُوَ اى القرآن المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إِلَّا ذِكْرٌ اى محض هداية ورشد وتبصرة كاملة وتذكير شامل لِلْعالَمِينَ اى لعموم المكلفين ممن يوفقهم الحق الى صراط مستقيم. جعلنا الله ممن تذكر به واتعظ بما فيه بمنه وجوده خاتمة سورة ن عليك ايها المريد القاصد لسلوك طريق التوحيد هداك الله الى سواء السبيل ان تتصبر في مشاق الطاعات ومتاعب التكاليف الواقعة في سلوك طريق الفناء وسيما على اذيات اصحاب الزيغ والضلال المائلين عن سبيل الهداية والرشد المنحرفين عن جادة العدالة الإلهية فعليك ان لا تلتفت نحوهم ولا تبالي بشأنهم ولا تستعجل بانتقامهم فان ربك يكفى لك مؤنة شرورهم وبالجملة فعليك بالوقار والاصطبار والأمر بيد الله الحكيم الجبار القدير القهار فسينتقم قريبا عن اهل البغي والإنكار

стр. 1016

[سورة الحاقة] فاتحة سورة الحاقة لا يخفى على من تمكن في مقر التوحيد وانكشف بوقوع الطامة الكبرى التي اندكت دونها الأرض السفلى والسموات العلى وفنيت عندها هياكل الأشباح وهويات الأشياء ان ظهور عموم المظاهر والمجالى انما هي على حسب الأوصاف الذاتية الإلهية والأسماء التي امتدت وانبسطت على مرآة العدم وانعكس من ذلك الانبساط عموم ما انعكس من سراب العالم واظلال السوى والأغيار وبالجملة قد قبض الحق ما أبدى وانقهرت ماهيات الأشياء وتلاشت هوياتها الباطلة ولم يبق الا الحق الحقيق بالحقية الوحيد بالقيومية الفريد بالديمومية بحيث لا يعرضه تغير وزوال ولا يعتريه تبدل وانتقال لذلك اخبر سبحانه حبيبه ﷺ عن وقوع الحاقة الحقيقية الحقية وابهمها عليه ﷺ تهويلا وتفخيما لشأنها فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على عموم ما ظهر وبطن إظهارا لقدرته الغالبة الرَّحْمنِ عليه بامتداد اظلاله للظهور والبروز الرَّحِيمِ عليه بقبضه الى ذاته للخفاء والبطون [الآيات] الْحَاقَّةُ اى النشأة الاخرى التي ظهرت فيها حقية الحق وثبوته وتحقق دونها من على الحق وفاز بمبتغاه واستقر في دار السرور ومن على الباطل ولحق العذاب المعد له واستقر على الويل والثبور ثم استفهم سبحانه عنها تهويلا وتعظيما فقال مَا الْحَاقَّةُ التي قد انقهرت دونها اظلال الأغيار وأشباح العكوس والسوى مطلقا وبرزوا لله الواحد القهار ثم زاد سبحانه على تهويلها بان نفى احاطة علم حبيبه ﷺ الذي قد جاء من عنده رحمة للعالمين إياها حيث قال وَما أَدْراكَ وأى شيء أعلمك وأفهمك يا أكمل الرسل مَا الْحَاقَّةُ الحقية الحقيقية التي طويت دونها عموم المراتب ونقوش مطلق الكثرات والإضافات واضمحلت عندها عكوس الأسماء والصفات رأسا وبالجملة قد انقهرت وقت قيامها رسوم الناسوت ولم يبق الا الحي القيوم اللاهوت وحضرة الرحموت ولا شك انه متعال عن مطلق الإدراك والاطلاع المترتب على نشأة الناسوت بل على نشأتى الملكوت والجبروت. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع للمكذبين المنكرين عليها كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ اى بالحاقة المذكورة التي يقرع الأسماع سماع أهوالها ويدهش العقول ذكر افزاعها فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ اى بسبب طغيانهم المتجاوز عن الحد في تكذيبها اهلكوا بصيحة هائلة متجاوزة عن حد الصياح وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ باردة في غاية البرودة عاتِيَةٍ شديدة العصف بحيث لم يقدروا على دفعها وردها اصلاحين سَخَّرَها وسلطها سبحانه حسب قهره عَلَيْهِمْ وانتقامه عنهم بمقتضى سخطه وجلاله لذلك قد أبقى عليهم سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً متتابعة مترادفة قاطعة قالعة فَتَرَى ايها المعتبر الرائي الْقَوْمَ فِيها اى في تلك الأيام ولياليها صَرْعى هلكى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ساقطة عن أصولها لا جوف لها فَهَلْ تَرى لَهُمْ وما ترى منهم بعد تلك الأيام مِنْ باقِيَةٍ يعنى لم يبق منهم بعد تلك الواقعة الهائلة نفس لها حياة قد استؤصلوا بالمرة في تلك الأيام وَبعد انقراض أولئك الغواة الطغاة الهالكين في تيه الجهل والعناد جاءَ فِرْعَوْنُ العتو العتل الطاغي المتجاوز عن الحد في البغي والعدوان وَمَنْ قَبْلَهُ ونقدم عليه من الأمم المكذبة الباغية او ومن معه من ملائه واشرافه على القرائتين وَجاء ايضا الْمُؤْتَفِكاتُ اى قرى قوم لوط والمراد من فيها من المكذبين وبالجملة كلهم جاءوا بِالْخاطِئَةِ

стр. 1017

المعهودة التي هي انكار يوم الحاقة الحقيقية على وجه المبالغة وبعد نزول الوحى ومجيء الرسل إليهم فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ اى عصى كل امة لرسولها المبعوث إليهم ليهديهم الى طريق الرشد فكذبوه واستهزؤا معه وبالغوا في تكذيبه وعصيانه فَأَخَذَهُمْ سبحانه اى كلا منهم أَخْذَةً رابِيَةً زائدة شديدة بمقتضى ما ازدادوا في العصيان والتكذيب اذكر يا أكمل الرسل شدة أخذنا إياهم إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ بعد ما أمرناه بالطغيان في يوم الطوفان الى حيث حَمَلْناكُمْ اى آباءكم الذين آمنوا بنوح ﵇ وأنتم حينئذ في أصلابهم فِي الْجارِيَةِ السفينة التي قد صنعها نوح ﵇ بتعليمنا له قبل الطوفان بمدة وأغرقنا الكفرة بأجمعهم بحيث لم يبق على الأرض سوى اصحاب السفينة احد من البشر وانما حملناكم عليها وأنجيناكم بها لِنَجْعَلَها اى هذه الفعلة الجميلة التي هي نجاة المؤمنين من الطوفان العظيم لَكُمْ ايها المستخلفون المكلفون تَذْكِرَةً اى عظة وعبرة وتبصرة دالة على كمال قدرة الصانع الحكيم ومتانة حكمته وَتَعِيَها اى تستحضر وتستحفظ هذه التذكرة والتبصرة الكاملة أُذُنٌ واعِيَةٌ حافظة لعموم العبر والتذاكير المورثة للقلوب الصافية الخائفة خيرا كثيرا ونفعا كبيرا وبعد ما بالغ سبحانه في وصف القيامة وشرح أهوالها وأحوالها وذكر حال من كذب بها ومآل امره أراد أن يشرح ما يظهر فيها من الأمور الهائلة والوقائع العظيمة عند قيامها فقال فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وهي النفخة الاولى التي عندها خراب العالم وَحين سماعها وظهورها حُمِلَتِ ورفعت الْأَرْضُ وَالْجِبالُ من أماكنهما التي قد استقرتا عليها بان امر لهما سبحانه بالحركة والاضطراب على مقتضى القدرة الغالبة القاهرة فَدُكَّتا بعد ما سمعتا الأمر الوجوبي وانكسرتا بحيث اضمحلت اجزاؤهما وتفتتت فصارتا دَكَّةً واحِدَةً اى قاعا صفصفا مسواة ملساء بحيث لا عوج لها ولا أمتا نتوا فَيَوْمَئِذٍ اى حين وقوع هذه الحالة الهائلة قد وَقَعَتِ الْواقِعَةُ العظمى وقامت الطامة الكبرى وَقد انْشَقَّتِ السَّماءُ وانحلت التيامها ونظامها وتضعضعت بنيانها وأركانها فَهِيَ اى السماء يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ منهدمة منحلة الاجزاء والتراكيب وَالْمَلَكُ يومئذ اى جنس الملائكة ينزلون عَلى أَرْجائِها اى أقطارها وانحائها بعد ما كانوا في حافاتها وحواقها وَبعد ما خربت السموات وانهدمت يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل فَوْقَهُمْ اى فوق الملائكة النازلين على الارجاء يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ من الملائكة بعد ما كانوا قبل ذلك اربعة إذ حملة العرش في النشأة الاولى اربعة وفي النشأة الاخرى تكون ثمانية على ما أشار اليه ﷺ في الحديث كأنه أشار بالأربعة الى أمهات الصفات الإلهية التي هي الحياة والعلم والقدرة والارادة وبالثمانية الى مجموع الصفات الثمانية الذاتية وبالجملة يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ أنتم ايها الاظلال الهالكة والعكوس المستهلكة على الله عرض العسكر على السلطان بحيث لا تَخْفى ولا تتستر مِنْكُمْ في يوم العرض خافِيَةٌ اى سر مستور مكتوم على الله حتى يكون العرض للاطلاع والشعور بل الكل في حضرة علمه حاضر غير مغيب ومخفي وانما تعرضون ليظهر كمال القسط والعدل الإلهي بالنسبة الى عموم العباد وحتى يظهر عندهم ان الحجة البالغة الغالبة لله ثم فصل سبحانه احوال العباد في الحساب والجزاء وإتيان صحف أعمالهم ليطالعوا فيها جميع ما اقترفوا في نشأة الاختبار فقال فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ لمن حوله فرحا وسرورا هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ اى تعالوا فاقرؤا كتابي هذا إِنِّي ظَنَنْتُ

стр. 1018

في النشأة الاولى ظنا قريبا الى الجزم واليقين إِنِّي اليوم مُلاقٍ حِسابِيَهْ هكذا على الوجه الأحسن وبواسطة يقيني وجزمى قد كنت قدما أخاف ان يصدر عنى شيء يعاقب على بسببه وبالجملة فَهُوَ حينئذ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ صاحبها لكونها صافية عن مطلق الكدورات متمكنا فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ رفيعة مكانا ومكانة قُطُوفُها وثمارها دانِيَةٌ قريبة لمن ناولها مهما أراد تناولها نالها وناولها بلا تعب ومشقة ويقال لهم حينئذ كُلُوا وَاشْرَبُوا من ثمار الجنة ومائها هَنِيئاً سائغا مريئا كل ذلك بِما أَسْلَفْتُمْ وقدمتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ الماضية في نشأة الاختبار فيصور لكم أعمالكم بهذه الصور البديعة في النشأة الاخرى وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ بعد ما رأى تفصيل المعاصي والقبائح الصادرة منه في نشأة الاختبار متمنيا متحسرا من غاية الضجرة والأسف المفرط يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ ولم اعط كِتابِيَهْ هذا وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ فيه يا لَيْتَها كانَتِ هذه الحالة الآتية على الْقاضِيَةَ الفارقة بيني وبين حياتي بحيث لم أصر حيا بعد هذه الحالة حتى لا افتضح على رؤس الاشهاد. ثم قال متأسفا متحسرا على ما مضى عليه قائلا ما أَغْنى ودفع العذاب عَنِّي مالِيَهْ اى ما نسب الى من الأموال والأولاد والاتباع بل هَلَكَ اى قد ضل وضاع اليوم عَنِّي سُلْطانِيَهْ اى تسلطي على الناس وتفوقى على الأقران وهو في أمثال هذه الهواجس على سبيل الضجرة والحسرة قيل للموكلين من قبل الحق خُذُوهُ فَغُلُّوهُ بالاغلال الضيقة الثقيلة ثُمَّ الْجَحِيمَ المسعر العظيم المعهود الذي يعد لأصحاب الثروة والجاه من الكفرة صَلُّوهُ اطرحوه ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها وقدرها طولا سَبْعُونَ ذِراعاً بذراع لا يعرف قدرها الا الله فَاسْلُكُوهُ أدخلوه ولفوه بها بحيث يصير محفوفا بها لا يقدر على الحركة أصلا ألا وهي أغلال الأماني وسلسلة الآمال الطويلة الامكانية وكيف لا يعذب الكافر كذلك إِنَّهُ من غاية نخوته وتجبره قد كانَ لا يُؤْمِنُ ولا يذعن بِاللَّهِ الْعَظِيمِ المستحق للعبودية والايمان عتوا وعنادا ولا شك ان من تعظم على الله العلى العظيم قد استحق أسوأ العذاب وأشد النكال وَمع هذا الكفر والكفران لا يَحُضُّ اى لا يحث ولا يرضى فيما مضى عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ان أطعمه احد من ماله فضلا ان يطعمه هو بنفسه عن ماله فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا اى في يوم العرض والجزاء حَمِيمٌ قريب من أقاربه يحميه ويشفع له كما في الدنيا وَلا طَعامٌ يأكله ويشبع منه إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ اى من غسالة اهل النار وما يسيل منهم من القيح والصديد وبالجملة لا يَأْكُلُهُ اى الغسلين إِلَّا الْخاطِؤُنَ اى اصحاب الخطايا والمعاصي العظام والجرائم الكبيرة والآثام وبعد ما شرح سبحانه من احوال يوم القيامة وأهوالها وافزاعها وما جرى فيها من الوعيدات الهائلة والمصائب الشديدة الشاملة فرع عليه قوله فَلا أُقْسِمُ يعنى لا حاجة في اثبات ما ثبت وتبين الى تأييده بالقسم بِما تُبْصِرُونَ من المظاهر والمجالى وَما لا تُبْصِرُونَ منها من المقسمات التي لم نطلع أحدا عليها فعليكم ايها المكلفون ان تتوجهوا الى القرآن المنزل عليكم لأجل التبيان والبيان فتعتقدوا جميع ما فيها حقا صدقا وتمتثلوا باوامرها وتجتنبوا عن نواهيها إِنَّهُ اى القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ نفسه لا يتأتى منه الجرأة والافتراء على الله إذ هو ملك منزه عن أمثال هذه الرذائل المنافية لمنصب الرسالة التي هي مرتبة الخلافة والنيابة عن المرسل الكريم وَما هُوَ اى القرآن بِقَوْلِ شاعِرٍ كما يقول في حقه بعض الكفرة الجاهلين

стр. 1019

بقدره وشأنه لكن قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ بصدقه وحقيته منكم ايها الكافرون لفرط عنادكم واستكباركم وَلا هو بِقَوْلِ كاهِنٍ كما زعم بعضهم ان محمدا كاهن لكن قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ وتتعظون منه ان ما فيه ليس من جنس كلام الكهنة لا لفظا ولا معنى إذ ليس في القرآن من السرائر والاحكام إلا وهي مشعرة بالحكمة المتقنة الإلهية التي هي بمراحل عن احلام الكهنة المنحرفين عن جادة التوحيد والإسلام بل ما هو الا تَنْزِيلٌ صادر ناش مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ لتربية عموم العباد على مقتضى الحكمة المتقنة ليستعدوا بفيضان التوحيد واليقين وَلَوْ تَقَوَّلَ اى اختلق وافترى عَلَيْنا محمد بَعْضَ الْأَقاوِيلِ من تلقاء نفسه بلا وحى منا اليه لَأَخَذْنا البتة وانتقمنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ اى بالقدرة الكاملة كما ننتقم عن سائر العصاة المفترين ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ زجرا عليه وتعذيبا له الْوَتِينَ اى نياط قلبه الذي منه عموم إدراكاته فَما مِنْكُمْ ايها المكلفون مِنْ أَحَدٍ حينئذ عَنْهُ اى عن أخذنا وعذابنا إياه حاجِزِينَ مانعين يمنعوننا عن بطشه وتعذيبه يعنى ان محمدا ﷺ لا يفترى علينا شيأ لاجلكم ايها الكافرون وهو ﷺ يعلم منا انه لو افترى علينا شيأ من تلقاء نفسه ونسبه إلينا ظلما وزورا لعذبناه عذابا شديدا بحيث لا يقدر احد ان يدفع عذابنا عنه وَبالجملة إِنَّهُ اى القرآن لَتَذْكِرَةٌ صادرة منا متعلقة لِلْمُتَّقِينَ المتحفظين نفوسهم عن مقتضيات قهرنا وجلالنا وَإِنَّا لَنَعْلَمُ بحسب علمنا الحضوري أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ للقرآن ولمن انزل اليه ايها المنكرون المسرفون فنجازيكم على مقتضى تكذيبكم وَبالجملة إِنَّهُ اى القرآن لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ في الدنيا والآخرة يتحسرون في الدنيا من نزوله على المؤمنين وان كانوا لا يظهرونه ويتحسرون ايضا في الآخرة بترتب الثواب على من صدقه وآمن به وهم حينئذ يتحسرون ويتندمون على عدم الايمان والتصديق به وَكيف لا يكون القرآن تذكرة وسبب حسرة عظيمة وندامة بليغة على اهل الإنكار والتكذيب إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ فائض نازل من الحق على من وصل الى مرتبة اليقين الحقي مترقيا من اليقين العلمي والعيني فَسَبِّحْ يا أكمل من وصل الى مرتبة اليقين الحقي بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ الذي رباك على الخلق العظيم وأوصلك الى روضة الرضا وجنة التسليم بلطفه العميم خاتمة سورة الحاقة عليك ايها الموحد المتحقق بمرتبة حق اليقين مكنك الله فيها عن تذبذب وتلوين ان تتأمل في مرموزات القرآن وتتدبر في كشف السرائر المودوعة فيه بقلب خال عن مطلق الوساوس والأوهام صاف عن جميع الكدورات الحاصلة من تقليدات ذوى الأحلام الحائضين فيه بمقتضى الآراء والافهام الركيكة بلا تأييد من جانب العليم العلام القدوس السلام فلك ان تتوجه نحوه بقلب فارغ عن عموم الاشغال مائل عن مطلق الزيغ والضلال الواقع فيه من اصحاب الظواهر القانعين منه بالقيل والقال حسب تفاهم عرفهم ومقتضى فهمهم وإياك إياك ان تكتفى بمجرد منطوقات الألفاظ وتقتصر عليها بلا خوض في تيار بحاره الزخارات التي هي مملوة بدرر المعارف ولآلى الحقائق الموصلة الى مرتبة حق اليقين وإذا خضت وغصت فيه على الوجه المذكور واستخرجت من درر فرائده بقدر حوصلتك واستعدادك حق لك ان تقول حينئذ انه لحق اليقين وان تكون مرجعا للخطاب الإلهي بقوله فسبح باسم ربك العظيم

стр. 1020

[سورة المعارج] فاتحة سورة المعارج لا يخفى على من انكشف له الحجب وارتفع عن بصر بصيرته السدل والاغشية المانعة عن الاطلاع والشهود لوجه الحق الكريم ان المراقي والمعارج من حضيض الإمكان الذي هو عبارة عن مضيق عالم الناسوت نحو ذروة الوجوب الذي هو عبارة عن فضاء عالم اللاهوت اكثر من ان تعدو تحصى لكن المنجذبين نحو الحق من ارباب المحبة والولاء هم الذين قد شملت لهم العناية الازلية وأدركتهم الكرامة السرمدية بحيث رفعت عنهم الاغطية والحجب الظلمانية البشرية وطويت دونهم مطلق المسافات الى ان صار سيرهم من عالم مضيق الناسوت نحو فضاء اللاهوت سيرا كشفيا وعروجهم نحوه عروجا معنويا وتحققهم دونه انما هو بالفناء والموت الإرادي عن لوازم الهوية الصورية وبالانسلاخ والانخلاع عن مقتضيات القوى البشرية فمن كان شأنه هذا وحاله هكذا فلا يكال مدارج ترقيه بمكيال الزمان والآن وما يتركب منهما ويتفرع عليهما من مطلق المقادير التي يقدر بها عموم التقادير واما المحجوبون المقيدون بسلاسل الزمان وأغلال المكان المعذبون بنيران الإمكان ولوازم نشأة الناسوت فلا مخلص لهم عن مقتضيات الطبائع والأركان وعن لوازم بقعة الإمكان ولواحق عرصة الأكوان كما اخبر سبحانه حبيبه ﷺ حيث قال بعد التيمن والتبرك بِسْمِ اللَّهِ الذي كشف ذاته لأرباب المحبة والولاء بعد رفع الحجب والغطاء الرَّحْمنِ عليهم يوفقهم للصعود نحو عالم الأوصاف والأسماء الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى مرتبة البقاء بعد الفناء [الآيات] سَأَلَ سائِلٌ من اصحاب الفطنة والاعتبار بِعَذابٍ اى عن كيفية عذاب واقِعٍ لِلْكافِرينَ او المعنى جرى على سبيل السيل والطغيان وادي الإمكان مملوا بعذاب اى بأنواع من العذاب الهائل واقع للكافرين الساترين بطبائعهم الكثيفة وهوياتهم الباطلة السخيفة شمس الحق الظاهرة في الأنفس والآفاق بمقتضى الاستقلال والاستحقاق الى حيث لَيْسَ لَهُ دافِعٌ يرده ويدفعه عنهم مِنَ اللَّهِ اى من قبله وجهته لتعلق مشيته المحكمة ومضاء قضائه المبرم على وقوعه لاعدائه ذِي الْمَعارِجِ والدرجات العلية والمقامات السنية من القرب والكرامة لأوليائه تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ اى حوامل آثار الأسماء والصفات الإلهية من مجردات العالم السفلى وَالرُّوحُ الفائض من لدنه سبحانه على هياكل الهويات من ماديات عالم الطبيعة والأركان القابلة لآثار العلويات من الأسماء والصفات المسميات بالأعيان الثابتة إِلَيْهِ اى الى الذات البحت الخالص عن مطلق القيود والإضافات بعد ما جذبهم الحق وأدركتهم العناية الإلهية مترقين من درجة الى درجة فِي يَوْمٍ وشأن لا كأيام الدنيا وشئونها وان قسته الى ايام الدنيا وأضفته الى المسافة الدنية الدنياوية كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ من سنى الدنيا الا انهم يقطعونها بعد ورود الجذبة الإلهية والخطفة الغالبة الغيبية اللاهوتية كالبرق الخاطف في اقصر من لمحة وطرفة وبعد ما انكشف لك الأمر فَاصْبِرْ يا أكمل الرسل على اذيات الأعداء واستهزائهم صَبْراً جَمِيلًا بحيث لا يشوبه قلق واضطراب وضجرة وسآمة واستعجال للانتقام وترقب بالعذاب على وجه الهتك فانه سيصيبهم العذاب الموعود عن قريب إِنَّهُمْ بمقتضى انكارهم وإصرارهم يَرَوْنَهُ اى نزول العذاب بَعِيداً في غاية البعد الى حيث يعتقدونه محالا خارجا عن الإمكان وَنَراهُ قَرِيباً من لمح البصر بل هو اقرب
следующие страницы →