أحببت لا نقول لك مثل ما قال بنو إسرائيل اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون ولكن نقول اذهب أنت وربك فاننا معكما مقاتلون فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا الى برك الغما وهي مدينة بأقصى الحبشة قد مضينا معك بلا تكاسل ومخالفة فدعا ﷺ له خيرا ثم قال ﵇ اجتمعوا على ايها الناس يريد الأنصار القائلين له حين بايعوه على العقبة انهم برءاء من كل ذمامه حتى يصل الى ديارهم فتخوف ان لا يروا نصرته الا على عدو دهمه بالمدينة فقال له سعد بن معاذ لكأنك تريدنا يا رسول الله قال أجل قال آمنا بك وصدقناك وشهدنا ان ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودا ومواثيق على السمع والطاعة فامض لما أمرت فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت على البحر فخضته لخضنا معك بلا تخلف أتحسب انا إذ الا قينا العدو نتكاسل ونتساهل ولعل الله يريك منا ما تقربه عينك ففرح رسول الله ﷺ ونشطه قول سعد ثم قال سيروا على بركة الله وابشروا فان الله سبحانه قد وعدني الآن احدى الطائفتين والله لكأنى الآن انظر الى مصارع القوم
وَاذكروا ايها المؤمنون وقت إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ بالوحي على رسوله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها مغلوبة مقهورة لَكُمْ وَأنتم حين سمعتم مضمون الوحى تَوَدُّونَ وتحبون أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ اى العير تَكُونُ لَكُمْ لان أهلها قليل ومالها كثير ولا احتياج لكم الى المقاتلة معهم لقلتهم وعدم شوكتهم وَيُرِيدُ اللَّهُ حسب قهره وقدرته أَنْ يُحِقَّ يظهر ويثبت الْحَقَّ اى التوحيد المطابق للواقع الذي هو الإسلام بِكَلِماتِهِ الملقاة من عنده سبحانه بملائكته حين أمرهم بامداد حبيبه الذي بعث لإعلاء كلمة توحيده وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ اى يستأصلهم الى حيث لم يبق منهم من يستخلفهم كل ذلك فضل من الله وامتنان منه على رسوله
لِيُحِقَّ الْحَقَّ اى الإسلام المحقق المطابق لما عند الله وَيُبْطِلَ الْباطِلَ المخالف لدين الإسلام وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ المصرون على ما هم عليه قبل نزول الإسلام ما أراد الله من تحقيق الحق وتمكينه وابطال الباطل وتخذيله
اذكروا ايها المؤمنون فضل الله عليكم ورحمته سيما وقت إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ حين اقتحم العدو وأنتم غزى قلائل وهم متكثرون ذووا عدد وعدد فَاسْتَجابَ لَكُمْ ربكم مغيثا عليكم قائلا لكم على لسان نبيكم أَنِّي بحولي وقوتي مُمِدُّكُمْ معينكم ومغيثكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ على عدوكم يضربونهم من وراءهم وأنتم من قدامهم
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ اى امدادكم هذا بملائكة السماء إِلَّا بُشْرى لكم بفضلكم وكرامتكم عليهم وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ في عموم ما وعدكم الله به وَاعلموا ايها المؤمنون المتحققون بمقام التوحيد مَا النَّصْرُ والغلبة والظفر إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ القادر المقتدر على كل ما أراد واختار إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والجلال عَزِيزٌ غالب على عموم مقدوراته ومراداته حَكِيمٌ متقن في جميع أحكامه ومأموراته يفعل ما يشاء ارادة واختيارا ويحكم ما يريد اذكروا ايها المؤمنون فضل الله عليكم وامتنانه
إِذْ يُغَشِّيكُمُ ويغلب عليكم بلطفه سبحانه النُّعاسَ اى النوم ازالة لرعبكم حين كنتم في سهر من خوف العدو لتكون أَمَنَةً نازلة مِنْهُ لتستريحوا وتطمئن قلوبكم وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ حينئذ مِنَ السَّماءِ ماءً مع انكم قد كنتم مجنبين ليلتئذ باغواء الشيطان وعدوكم على الماء والشيطان يعيركم بجنابتكم ويوسوس عليكم بأنكم تدعون الامامة بالولاية كيف تخرجون غد اتجاه العدو وأنتم جنب ودعواكم ان القتال والجهاد من اشرف العبادات وبأمثال هذه الهذيانات
стр. 282
يوقع بينكم الفتنة لتتقاعدوا عن القتال وأنتم ايضا مضطربون عن عروض الجنابة عليكم قد انزل الله عليكم المطر من محض لطفه لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ اى بالماء أبدانكم عن الجنابة الصورية كما طهر قلوبكم بماء العلم اللدني المترشح من بحر التوحيد عن الجنابة المعنوية والخباثة الحقيقية التي هي الكفر والنفاق وَبالجملة يُذْهِبَ عَنْكُمْ بانزال المطر رِجْزَ الشَّيْطانِ ووسوسته وإيقاعه وتخويفه من العطش وغيره وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ بانزاله انه سبحانه يعين عليكم وينصركم حين اضطراركم ليزداد وثوقكم به وبنصره سبحانه ووعده وانجاز وعده وَايضا يُثَبِّتَ بِهِ اى بهذا الربط الْأَقْدامَ اى اقدامكم على جادة التوحيد والتوكل الى الله والتفويض نحوه في جميع الأمور اذكر يا أكمل الرسل أنت
وذكر بمن تبعك فضل الله عليكم وقت إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ المأمورين لعونك وامدادك حين ازداد رعب أصحابك من اقتحام القتال قائلا لهم أَنِّي بكمال حولي وقوتي مَعَكُمْ حاضر عندكم شهيد عليكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا في مكانهم تجاه العدو حتى لا يستدبروا إذ سَأُلْقِي من كمال نصرى وعوني للمؤمنين فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا اى في قلوب العدو الرُّعْبَ من المؤمنين فاستكثروهم واستدبروا منهم ومتى استدبر العدو فَاضْرِبُوا أنتم على الفور ايها المؤمنون فَوْقَ الْأَعْناقِ اى اعالى أعناقهم وَان وضعوا جننهم وأيديهم على أعناقهم حفظا لها اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ اى جميع أصابعهم لئلا يبقى لهم استعداد القتال أصلا حتى لا يكروا عليكم
ِكَ
اى انهزامهم وانخذالهم أَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
اى خاصموا وخالفوا مع الله ورسوله مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ
القادر المقتدر على عموم ما أراد من القهر والانتقام
يخاصم سُولَهُ
المؤيد من عنده لتبليغ الاحكام قد استحق انواع العقوبة والنكال من عنده إِنَّ اللَّهَ
المتعزز برداء العظمة والجلال دِيدُ الْعِقابِ
صعب الانتقام سريع الحساب على من خالف امره وعادى رسوله
ذلِكُمْ اى انواع العقوبة والعذاب نازل على من تعدى حدود الله وكذب رسوله فَذُوقُوهُ ايها المخالفون المصرون ما أعد لكم من العذاب وَاعلموا أَنَّ لِلْكافِرِينَ المصرين المتمردين عَذابَ النَّارِ يخلدون فيها ابد الآباد.
ثم قال سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم إعلاء كلمة الحق وانتصار دينه فعليكم إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ان تقاتلوا معهم وان كانوا زَحْفاً متكثرين بأضعافكم فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ اى لا ترجعوا منهم حين التقائكم إياهم الى إدباركم خائفين منهزمين حال كونهم بأضعافكم فكيف ان كانوا أمثالكم او اقل منكم
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ منكم يَوْمَئِذٍ اى يوم ملاقاة عدوكم دُبُرَهُ مدبرا خائفا مرعوبا إِلَّا مُتَحَرِّفاً يعنى يكون إدباره وانحرافه لِقِتالٍ على سبيل المكر والخدعة أَوْ مُتَحَيِّزاً اى قاصدا بالاستدبار والانحراف التحيز واللحوق إِلى فِئَةٍ ثابتة من المؤمنين ليستعين بهم فَقَدْ باءَ اى رجع ولحق بِغَضَبٍ نازل مِنَ اللَّهِ لمخالفة امره وحكمه وحكمته وَمَأْواهُ في النشأة الاخرى جَهَنَّمُ البعد والخذلان وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مرجعه ومصيره وعليكم ايها المؤمنون ان لا تنسبوا القتل بل جميع ما صدر عنكم الى نفوسكم مفاخرة ومباهاة بل انكم وان قتلتم عدوكم صورة
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ أنتم حقيقة وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ لان جميع الأمور الكائنة في الآفاق صادر من الله أولا وبالذات ومن آثار أوصافه وأسمائه وَبالجملة ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ أنت ايها النبي المأمور برمي الحصا عند هجوم الأعداء على أصحابك وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى إذ قد أوجد الرمي سبحانه بيدك التي هي يد الله حقيقة لذلك ترتب على
стр. 283
رميك صورة انهزامهم الذي قد استبعدتم أنتم وأولئك ايضا وَانما رماهم سبحانه بما رمى لِيُبْلِيَ ويجرب الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً اى من انعام نعمة الغنيمة والظفر هل يراجعون ويواظبون على شكر نعمه أم لا إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده سَمِيعٌ يسمع مناجاتهم الصادرة منهم على وجه الإخلاص عَلِيمٌ بعموم حاجاتهم التي هم يحتاجون إليها في معاشهم ومعادهم
ذلِكُمْ اى ابتلاء الله إياكم بالبلاء الحسن مختص بالمؤمنين المخلصين منكم وَاعلموا ايها المؤمنون أَنَّ اللَّهَ المتولى لأموركم مُوهِنُ مضعف ومبطل كَيْدِ الْكافِرِينَ ومكرهم وحيلهم التي يقصدون بها إهلاككم واذلالكم. ثم قال سبحانه على سبيل التهكم للكافرين الذين كانوا إذا اقبل عليهم المؤمنون للقتال يطوفون حول الكعبة متشبثين بأستارها متضرعين مستفتحين من الله قائلين اللهم انصر أعلى الجندين واهدى الفئتين وأكرم الحزبين
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا منا ايها الهالكون في تيه الضلال لمقاتلة نبينا ومن تبعه من المؤمنين فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ بقتلكم وسبيكم اى غلبة المؤمنين عليكم وَإِنْ تَنْتَهُوا عن مقاتلتهم ومعاداتهم وعن الاستفتاح لها بل آمنوا كما آمن هؤلاء لنبينا عن ظهر القلب وصميم الفؤاد فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في أولئكم وأخراكم وَإِنْ تصالحوا معهم وآمنوا على وجه النفاق ثم ارتدوا بان تَعُودُوا الى مقاتلتهم ومعاداتهم نَعُدْ ايضا الى نصرهم وتأييدهم الى ان يستأصلوكم ويخرجوكم من دياركم وَبالجملة لا تغتروا ايها المسرفون بكثرة عددكم وعددكم إذ لَنْ تُغْنِيَ ولن تدفع عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ التي أنتم تستظهرون وتستعينون بها شَيْئاً من غلبة المؤمنين وظفرهم وَلَوْ كَثُرَتْ فئتكم وَكيف تغنى فئتكم شيأ منهم أَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر بالقدرة الكاملة مَعَ الْمُؤْمِنِينَ المجاهدين في سبيله لإعلاء كلمة توحيده ونصر دينه ونبيه ينصرهم ويعين عليهم.
ثم قال سبحانه مناديا للمؤمنين توصية وتذكيرا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم اطاعة الله واطاعة رسوله أَطِيعُوا اللَّهَ المراقب المعاون لكم في جميع أحوالكم وَأطيعوا ايضا رَسُولَهُ المبلغ لكم احكام الحق وشعائر دينه وتوحيده وَعليكم ان لا تَوَلَّوْا عَنْهُ اى لا تتولوا معرضين عن رسوله حتى لا تنحطوا عن رتبة الخلافة وكيف لا تطيعون رسوله وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ كلمة الحق منه واسمعوها سمعا وطاعة
وَبالجملة لا تَكُونُوا في عدم الإطاعة والانقياد كَالَّذِينَ قالُوا كفرا ونفاقا سَمِعْنا ما تلوت علينا وَهُمْ من غاية بغضهم ونفاقهم لا يَسْمَعُونَ سمع اطاعة وتسليم فكأنهم لم يسمعوا أصلا بل لا يتأتى منهم السماع لانحطاطهم عن رتبة العقلاء بل لحقوا بالبهائم في عدم الفطنة بل أسوأ حالا منها
وبالجملة إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ عن استماع كلمة الحق من السنة الرسل الْبُكْمُ عن التكلم بها سيما بعد ما فهموها ولاحت عندهم حقيقتها وبالجملة هؤلاء الحمقى التائهون في تيه الغي والضلال هم الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ اى ليسوا من زمرة العقلاء وان ظهروا على صورهم واشكالهم
وَبالجملة لَوْ عَلِمَ اللَّهُ العليم الحكيم فِيهِمْ اى في استعداد هؤلاء السفهاء المنحطين عن رتبة العقلاء خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ كلمة الحق سمع قبول وطاعة وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ مع كونهم ليسوا مستعدين لها لَتَوَلَّوْا وانصرفوا البتة من خبث طينتهم عنها وَبالجملة هُمْ في اصل فطرتهم وبمقتضى جبلتهم مُعْرِضُونَ عن الحق مجبولون على الاعراض والانصراف عن اهله لا يرجى منهم الإطاعة والانقياد أصلا.
ثم قال سبحانه مناديا للمؤمنين تذكيرا لهم وتعليما
стр. 284
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم اجابة الله واجابة رسوله اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ بامتثال مأموراته وأحكامه واجتناب نواهيه وَلِلرَّسُولِ بقبول سنته وآدابه وأخلاقه سيما إِذا دَعاكُمْ الرسول وحده باعتبار ان دعوة الرسول هي بعينه دعوة الحق حقيقة لِما يُحْيِيكُمْ من العلوم اللدنية والمعارف الحقيقية المثمرة لانواع المكاشفات والمشاهدات التي قد اضمحلت دونها نقوش السوى والأغيار مطلقا المورثة الموجبة للحياة الازلية الابدية والبقاء السرمدي في جنة الوحدة الذاتية التي لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولى التي هي الانخلاع عن لوازم القوى البشرية ومقتضيات الآلات البهيمية المستدعية للكثرة ولا بد ان يكون اجابتكم وقبولكم على وجه الخلوص والتسليم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ المطلع لضمائر عباده يَحُولُ ويحجب ويسدل بَيْنَ الْمَرْءِ المتشخص بالهوية الشخصية المتعين بالتعين العدمي وَقَلْبِهِ الذي هو بيت الله المعظم إذ يسع فيه الحق المنزه عن سمة الإطلاق والتقييد المبرى عن وصمة الاحاطة والتحديد بالحجب الكثيرة فما دامت الحجب والأستار مسدولة بين المرء وقلبه لم يشم رائحة المحبة والولاء المؤدى الى الفناء المثمر الى البقاء والخلود في جنة الوحدة الذاتية وانفتاح أبواب المحبة والولاء انما يحصل بالإخلاص والتسليم والتفويض والتوكل والتبتل والتوحيد المسقط للاضافات مطلقا وَبالجملة أَنَّهُ اى الشان إِلَيْهِ لا الى غيره بعد رفع الاظلال الهالكة والتعينات الباطلة تُحْشَرُونَ وترجعون رجوع الظل الى ذي الظل
وَاتَّقُوا ايها المؤمنون فِتْنَةً واى فتنة هي معصية مسقطة للعدالة مزيحة للمروءة مطلقا مورثة للمصيبة الشامل أثرها لعموم عباد الله مثل الطاعون والوباء المترتب على الزنا واللواطة والقحط المترتب على البخس والتطفيف والاحتكار وغيرها من طرق الربوا مع ان أثرها لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ وهم الذين قد أتوا بها خَاصَّةً بل يعم الظالمين وغيرهم بشؤمهم لان غيرهم يداهنون معهم كأنهم راضون بفعلهم لذلك قد أصابهم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء شَدِيدُ الْعِقابِ صعب الانتقام سريع الحساب على من خرج عن مقتضيات أوامره ونواهيه
وَاذْكُرُوا ايها المؤمنون نعمنا إياكم واعانتنا لكم وداوموا بشكرها سيما وقت إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ بحيث يستضعفكم من فِي الْأَرْضِ يعنى ارض مكة شرفها الله ومن غاية ضعفكم وقلتكم تَخافُونَ أنتم ايضا أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ ويلتقطكم النَّاسُ عن وجه الأرض بحيث يستأصلكم بالمرة من غاية ضعفكم وقلتكم فَآواكُمْ الله بحوله وقوته واعادكم إليها بعد ما أخرجكم العدو منها ظلما وعدوانا وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ بان تغلبوا وتظفروا على عدوكم وتخرجوهم منها مهانين مغلوبين مستضعفين وَبعد ما أيدكم وأظفركم سبحانه قد رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ التي غنمتم منهم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رجاء ان تواظبوا على شكر هذه النعم العظام
ثم قال سبحانه على وجه العظة والتذكير تعليما للمؤمنين مناديا لهم ليقبلوا بما أمروا به ويعرضوا عما نهوا عنه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم ان لا تَخُونُوا اللَّهَ في امتثال أوامره واجتناب نواهيه وَالرَّسُولَ في سننه وأخلاقه وآدابه التي قد وضعها فيما بينكم لإصلاح حالكم وَبالجملة لا تَخُونُوا أَماناتِكُمْ التي قد ائتمنتم فيها ثقة عليكم واعتمادا وَالحال انه أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ قبح الخيانة من انفسكم بلا احتياج لكم الى إنذار منذر واخبار مخبر والخيانات في الأمانات انما تنشأ من جلب المنفعة والحرص المفرط على تكثير المال لمصالح العيال
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
اختبار وابتلاء
стр. 285
لكم من ربكم ليجربكم هل تضطربون في امر المال والعيال وتقعون لأجلها في المعارك والمهالك واباحة المحرمات وارتكاب الخيانات المسقطة لعموم المروآت والفتوات مطلقا أم تفوضون أموركم كلها الى الله وترضون بما قضى عليكم وقدر لكم سبحانه في سابق علمه ولوح قضائه «٢»
وَاعلموا أَنَّ اللَّهَ
المطلع بجميع أحوالكم عِنْدَهُ
وفي كنف حفظه وجواره أَجْرٌ عَظِيمٌ
للمفوضين الذين رضوا بقسمة الله في جميع حالاتهم ووفوا بما ائتمنوا من الأمانات مجتنبين عن الخيانة فيها
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وتحذروا عن محارمه ومحظوراته مطلقا وتؤدوا الأمانات التي ائتمنتم بها من الأموال والاعراض والشهادات بلا خيانة فيها وتفوضوا أموركم كلها اليه مجتنبين عن الخيانة يَجْعَلْ لَكُمْ وينزل على قلوبكم تفضلا وامتنانا فُرْقاناً ينور به قلوبكم بحيث تميزون الحق من الباطل والصواب من الخطأ والإلهام الإلهي من إغواء الشيطان وتغريره وَيُكَفِّرْ ويمح به وبامتثال أوامره واجتناب نواهيه عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ اى جرائمكم اللاتي قد مضت عليكم بالمرة وَبالجملة يَغْفِرْ لَكُمْ ويستر عنكم ذنوبكم مطلقا تفضلا وامتنانا وَلا تتعجبوا من افضاله هذا ولا تستبعدوا منه سبحانه أمثاله إذ اللَّهَ المراقب لأحوال عباده ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ واللطف الجسيم على من توكل عليه والتجأ نحوه في عموم حالاته على وجه الخضوع والخشوع
وَاذكر يا أكمل الرسل انجاءنا وتخليصنا إياك وقت إِذْ يَمْكُرُ ويخدع بِكَ لهلاكك ومقتك المفسدون المسرفون الَّذِينَ كَفَرُوا بك يعنى قريشا وهم قد شاوروا لأمرك في دار الندوة لِيُثْبِتُوكَ ويحبسوك في دار ليس لها منفذ إلا كوة يلقون منها طعامك أحيانا أَوْ يَقْتُلُوكَ مزدحمين بحيث لم ينسب قتلك الى معين منهم أَوْ يُخْرِجُوكَ من مكة محمولا على جمل ليقتلك القطاع وَبالجملة يَمْكُرُونَ بمقتك أولئك الكفرة الماكرون وَيَمْكُرُ اللَّهُ الرقيب الحفيظ عليك لإنجائك وخلاصك من أيديهم فغلب مكره سبحانه على مكرهم واخرجك من بينهم سالما وَبالجملة اللَّهُ المطلع لجميع مخايلهم خَيْرُ الْماكِرِينَ اى أشدهم وأقواهم تأثيرا وقوة وذلك انهم حين سمعوا ايمان الأنصار شاوروا على أظهرهم في امره ﷺ وارتفاع شانه وسطوع برهانه فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال انا من نجد سمعت اجتماعكم فاحضركم لا علم كيف تتدبرون في امر هذا الشخص الذي لو بقي زمانا على هذا يخاف عليكم من شره فقال ابو البختري رأيى ان تحبسوه في بيت وتشدوا منافذه غير كوة تلقون اليه طعامه وشرابه منها حتى يموت فقال الشيخ النجدي بئس الرأس هذا يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصونه من أيديكم فقال هشام بن عمرو رأيى ان تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم ولا يلحقكم ضرر بنى هاشم فقال الشيخ يفسد قوما آخر ويقاتلكم بهم اما رأيتم طلاقة لسانه وحلاوة كلامه ووجاهة منظره فقال ابو جهل انى ارى ان تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا فيضربوه دفعة واحدة فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنوا هاشم على حرب القريش كلهم فان طلبوا العقل عقلناه فقال الشيخ
стр. 286
صدق هذا الفتى واتفقوا على رأيه فأتى جبرئيل ﵇ وأخبره الخبر وامره بالهجرة فبيت ﷺ عليا كرم الله وجهه على مضجعه متسجيا ببردة وخرج ﷺ مع ابى بكر رضى الله عنه ومضيا الى الغار وبات المشركون يحرسون عليا رضى الله عنه يحسبون النبي ﷺ فلما أصبحوا ساروا ليقتلوه فرأوا عليا فقالوا اين صاحبك قال ما ادرى فاتبعوا اثره فلما وصلوا الغار رأوا نسج العنكبوت على بابه فقالوا لو دخله لم يبق لنسج العنكبوت اثر فانصرفوا فمكث ﷺ فيه ثلثة ايام ثم خرج نحو المدينة
وَمن جملة ما مكرنا معهم انا قد ختمنا على قلوبهم وعلى سمعهم بختم القساوة والغفلة بحيث إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا الدالة على كمال قدرتنا ووفور حكمتنا قالُوا من غلظة غشاوتهم وشدة قساوتهم قَدْ سَمِعْنا أمثال هذا من بلغائنا كثيرا بل لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا مع انهم قد عارضوا مدة ثم عجزوا مع وفور دواعيهم ثم لما عجزوا عن إتيان مثله قالوا عنادا ومكابرة إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى ما هو الا أكاذيبهم التي قد سطروها في دواوينهم لتغرير السفهاء
وَاذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالُوا من فرط عتوهم ونهاية انهماكهم في الغفلة والضلال وإصرارهم على تكذيب القرآن والرسول اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا المفترى هُوَ الْحَقَّ الثابت النازل مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا بسبب تكذيبنا إياه حِجارَةً مِنَ جانب السَّماءِ واستأصلنا بها أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ مؤلم مفزع وما هذا الا مبالغة منهم في تكذيب القرآن والرسول على سبيل التهكم
وَبالجملة ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وان استحقوا أشد العذاب والنكال والإهلاك الكلى بسبب تكذيبك وتكذيب كتابك يا أكمل الرسل وَأَنْتَ فِيهِمْ يعنى ما كان سبحانه معذبهم ما دمت أنت فيهم وفي ديارهم ومكانهم فان عذبهم الله فقد اصابك مما أصابهم وَان أمكن تخليصك وانقاذك من عذابهم حين تعذيبهم ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وما أراد تعذيبهم واستئصالهم وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ اى يتوقع من أنفسهم او من اخلافهم وذراريهم الايمان والاستغفار في الاستقبال بخلاف الأمم الهالكة السالفة
وَبالجملة ما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ المنتقم الغيور اى اى شيء يمنع تعذيب الله إياهم مع انهم مستحقون للعذاب وكيف لا يعذبون هؤلاء المستكبرون المعاندون وَهُمْ من شدة عتوهم وعنادهم يَصُدُّونَ ويصرفون المؤمنين عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ والطواف حول البيت مدعين ولايته وَالحال انهم ما كانُوا أَوْلِياءَهُ اى ليس لهم صلاحية الولاية في بيت الله لخباثة كفرهم وفسقهم وعدم لياقتهم بل إِنْ أَوْلِياؤُهُ وما يصلح لولايته وخدمته إِلَّا الْمُتَّقُونَ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ويتطهرون عن المعاصي والآثام مطلقا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ عدم ولايتهم ولياقتهم لها ومع ذلك يدعونها مكابرة واستكبارا وان كان بعضهم يعلم ولكن يعاند
وَبعد ما لم يصلحوا لولاية البيت ما كانَ صَلاتُهُمْ ودعاؤهم عِنْدَ الْبَيْتِ المعد للتوجه والتقرب نحو الحق على وجه الخضوع والانكسار والتذلل والافتقار إِلَّا مُكاءً صفيرا وصداء وَتَصْدِيَةً تصفيقا وتبخترا مع انهم يدعون ولايته ورعاية حرمته وما ذلك الا من امارات الاستهانة والاستخفاف المستلزم للكفر فَذُوقُوا الْعَذابَ ايها المنهمكون في الضلال بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ في النشأة الاولى والاخرى
. ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ستروا الحق وأصروا على الباطل عنادا واستكبارا الى حيث يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ على وجه الصدقة لأهل الجيش لِيَصُدُّوا ويمنعوا اهل الحق
стр. 287
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إعلاء للباطل على الحق وترويجا للضلالة على الهداية وذلك يوم بدر فَسَيُنْفِقُونَها ايضا على هذه النية تتميما لغرضهم الفاسد ورأيهم الكاسد فلا يصلون الى مبتغاهم ابدا وان بالغوا في الانفاق ثُمَّ بعد ما تنبهوا بعدم إفادتها تَكُونُ عَلَيْهِمْ وتصير تلك الصدقة والانفاق المبذول منهم حَسْرَةً متمكنة راسخة في قلوبهم مورثة لحزن طويل لتضييعهم المال بلا ترتب فائدة يبغونها ثُمَّ يُغْلَبُونَ وهذا أعظم مصيبة وَبالجملة الَّذِينَ كَفَرُوا بالله واعرضوا عن دينه ونبيه وكتابه جميعا إِلى جَهَنَّمَ البعد والخذلان وسعير الطرد والحرمان يُحْشَرُونَ ويساقون سوق البهائم نحو المسلخ
وانما يفعل بهم سبحانه هذا لِيَمِيزَ اللَّهُ الناقد البصير لاعمال عباده الْخَبِيثَ المنغمس في الكفر والضلال مِنَ الطَّيِّبِ الصافي عن شوب الكدر مطلقا وَبعد فصله وتمييزه يَجْعَلَ الْخَبِيثَ جملة واحدة بان يضم بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ ويجمعه جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ ويطرحه بعد جمعه وتركيمه فِي جَهَنَّمَ الإمكان وجحيم الخذلان وبالجملة أُولئِكَ البعداء المنغمسون في خباثة الكفر والطغيان هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران الأبدي المجبولون على الحرمان السرمدي ليس لهم نصيب من مستلذات الجنان وحظ من لقاء الرّحيم الرّحمن الكريم
قُلْ يا أكمل الرسل لِلَّذِينَ كَفَرُوا تبشيرا لهم ووعدا لا ييأسوا من روح الله وسعة رحمته وجوده عما هم عليه من الكفر والضلال بل إِنْ يَنْتَهُوا ويعرضوا عن الكفر والإلحاد نحو الباطل الزائغ الزائل والميل الى البدع والأهواء الفاسدة الكاسدة من تكذيب الرسل والكتب بالإيمان الخالص عن ظهر القلب ورفع المنازعة والمخاصمة مع رسول الله ومع من تابعه يُغْفَرْ لَهُمْ ويعف عنهم عموم ما قَدْ سَلَفَ منهم من الجرائم والآثام مطلقا وَإِنْ يَعُودُوا على كفرهم ونزاعهم ويرتدوا بعد ايمانهم وصلحهم فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ اى سنن الأمم الهالكة الذين كفروا بالله وخرجوا على رسله فأصابهم ما أصابهم فليتوقعوا
وَبعد ما خرجوا عن عهدهم ونقضوا ميثاقهم وارتدوا على ادبارهم قاتِلُوهُمْ ايها المؤمنون اى المرتدين واستأصلوهم حَتَّى لا تَكُونَ اى لا توجد ولا تبقى فِتْنَةٌ وبقية من شركهم مضلة لضعفاء الأنام وَبعد استئصالهم وانقطاع شركهم وعرقهم يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ الواحد الأحد الذي لا شريك له فَإِنِ انْتَهَوْا بالقتال عن شركهم وكفرهم وأقروا بالإيمان والإطاعة فخلوا سبيلهم فَإِنَّ اللَّهَ المطلع بضمائرهم بِما يَعْمَلُونَ في بواطنهم من الوفاق والنفاق بَصِيرٌ يجازيهم على مقتضى بصارته وخبرته
وَإِنْ تَوَلَّوْا واعرضوا ولم ينتهوا بالقتال عن كفرهم بل قد أصروا عليه وأخذوا أولياء من إخوانهم وشياطينهم واستعانوا منهم بمقاتلتكم ايها المؤمنون لا تبالوا بهم وبمعاونيهم ومظاهريهم فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على وجوه الانتقام مَوْلاكُمْ معينكم ومتولى أموركم نِعْمَ الْمَوْلى موليكم وَنِعْمَ النَّصِيرُ نصيركم وظهيركم
وَبعد ما انتصرتم وظفرتم عليهم اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ منهم وأخذتم مِنْ شَيْءٍ اى مما يطلق عليه اسم الشيء حتى الخيط فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ اى فاعلموا ان خمسه مخرج لله وَيصرف من مال الله خمسه لِلرَّسُولِ المستخلف منه النائب عنه وَبعد انقراضه يصرف الى الولاة المقيمين لحدود الله وسهم آخر منه لِذِي الْقُرْبى المنتمين الى رسول الله من بنى هاشم والمطلب وَآخر حق الْيَتامى الذين لا مال لهم ولا متعهد وَآخر حق الْمَساكِينِ
стр. 288
الذين أسكنهم الفقر والفاقة في زاوية الهوان والمذلة وَآخر حق ابْنِ السَّبِيلِ المنقطعين عن الأوطان والأموال لمصلحة شرعية فعليكم ايها الحكام ان تحافظوا على هذه القسمة ولا تتجاوزوا عنها إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ المستوي على العدل القويم وَما أَنْزَلْنا يعنى عليكم ان تؤمنوا ايضا على انزالنا بمقتضى لطفنا وجودنا من النصر والظفر على الأعداء والإمداد بالملائكة عَلى عَبْدِنا وحبيبنا يَوْمَ الْفُرْقانِ الفارق بين الحق والباطل والمحق والمبطل وذلك يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ اى وقت التقاء الصفين من الطرفين في بدر مع ضعف اهل الحق وقوة الكفار وَاللَّهُ المتعزز برداء العظمة والكبرياء عَلى كُلِّ شَيْءٍ من نصر ضعفاء الأولياء وانهزام أقوياء الأعداء قَدِيرٌ
اذكروا ايها المؤمنون ضعفكم ورثاثة حالكم وقت إِذْ أَنْتُمْ مترددون بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا اى على شفير الوادي الذي هو اقرب الى المدينة مع انه لا ماء فيه ورماله تسوخ ارجلكم وأنتم راجلون وَهُمْ متمكنون بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى اى على شفير الوادي الا بعد من المدينة والماء عندهم وَالرَّكْبُ اى العير التي أنتم قصدتم نحوه قد كان أَسْفَلَ وابعد مِنْكُمْ على ساحل البحر مقدار ثلثة أميال وأنتم حينئذ حيارى بين الاقدام والاحجام وَبالجملة لَوْ تَواعَدْتُمْ أنتم معهم القتال في وقت معين بلا وحى من الله ووعد من جانبه لَاخْتَلَفْتُمْ أنتم البتة لضعفكم وقوتهم وشدة شوكتهم وصولتهم فِي الْمِيعادِ الذي أنتم وعدتم معهم لرعبكم ورهبتكم منهم وَلكِنْ جمع سبحانه بلطفه شملكم ومكنكم في مكانكم وأمطر عليكم في ليلتكم لِيَقْضِيَ اللَّهُ المتولى لنصركم وغلبتكم أَمْراً وحكما مبرما من نصر الأولياء وقهر الأعداء قد كانَ مَفْعُولًا عنده سبحانه مثبتا في حضرة علمه وسابق قضائه وان لم يفعل بعد وانما فعل سبحانه بكم ما فعل من النصر والظفر وبهم من القهر والقمع لِيَهْلِكَ من الكفار مَنْ هَلَكَ ومات وانخذل غيظا عَنْ بَيِّنَةٍ واضحة قد شاهدها وَيَحْيى ايضا من المسلمين مَنْ حَيَّ فرحا وسرورا عَنْ بَيِّنَةٍ واضحة لائحة قد انكشف بها وَاعلموا إِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائر عباده لَسَمِيعٌ لمناجاة كلا الفريقين عَلِيمٌ بنياتهم وحاجاتهم فيها يفعل مع كل منهم على مقتضى علمه
اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ اى أعداءك فِي مَنامِكَ قَلِيلًا مما كانوا عليه تشجيعا لك يا أكمل الرسل ولأصحابك وتحريضا على قتالهم وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً وعلى شوكتهم التي هم فيها لَفَشِلْتُمْ وجبنتم البتة رهبة وهيبة وَبعد ما جبنتم لَتَنازَعْتُمْ البتة فِي الْأَمْرِ اى امر القتال سيما قد عرفتم كثرتهم وشوكتهم بل تسرعون أنتم بأجمعكم على الاستدبار والانهزام وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ اى أنعم عليكم بالسلامة عن القتل والتنازع بانزال السكينة والوقار على قلوبكم بسبب ذلك التقليل وبالجملة إِنَّهُ سبحانه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعلم مآل أمركم وعاقبته لذلك لبس عليكم ليجرئكم على القتال لإعلاء كلمة توحيده ونصر دينه
وَاذكر ايضا امداد الله إياكم بتلبيس الأمر عليكم إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ اى أعداءكم إِذِ الْتَقَيْتُمْ صافين من الطرفين فِي أَعْيُنِكُمْ كما في منامكم قَلِيلًا لتستقلوهم وتجترؤا عليهم وَيلبس أمركم عليهم ايضا تغريرا لهم ومكرا إذ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ حتى لا يبالوا بكم وبجمعكم لذلك قال ابو جهل حين تراءت الفئتان ان محمدا وأصحابه اكلة جزور وانما فعل سبحانه ما فعل من التلبيس على كلا الفريقين لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ عنده مَفْعُولًا حتما وفي لوح قضائه مقضيا جزما وَبالجملة إِلَى اللَّهِ لا الى
стр. 289
غيره من الوسائل والأسباب العادية تُرْجَعُ الْأُمُورُ اى تدابير الأمور الكائنة في عالم الكون والفساد إذ منه بدأ واليه يعود عموم ما هو مثبت وموجود
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم الاعتصام بحول الله وقوته عليكم إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً من الكفار فَاثْبُتُوا وتمكنوا تجاه العدو ولا تضطربوا ولا تستدبروا وَبعد استقراركم وثباتكم اذْكُرُوا اللَّهَ ذكرا كَثِيراً واستعينوا منه وتوكلوا عليه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وتفوزون بالنصر والظفر والغلبة والغنيمة ان اخلصتم النية
وَبالجملة أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في جميع حالاتكم سيما عند المقابلة والمقاتلة مع العدو وَلا تَنازَعُوا بينكم باختلاف الآراء والأهواء بل فوضوا أموركم كلها الى الله ورسوله وان وقع النزاع والمخالفة بينكم فَتَفْشَلُوا وتضعفوا فيفتر عزمكم وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ اى دولتكم وهيبتكم التي قد ظهرت عليكم من نور الإسلام وَبعد ما سمعتم ما سمعتم اصْبِرُوا على مشاق الجهاد ورابطوا قلوبكم الى الله ورسوله إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ المرابطين المتمكنين يعين عليهم وينصرهم
وَلا تَكُونُوا ايها المؤمنون القاصدون نحو الجهاد كَالَّذِينَ اى كالكفار الذين خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعنى مكة للقتال بَطَراً مفاخرين مباهين مستظهرين بعددهم وعددهم وَيقصدون بذلك الخروج رِئاءَ النَّاسِ ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة وَهم بمجرد هذا القصد الفاسد والنية الكاسدة يَصُدُّونَ ويصرفون عباد الله عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الموضوع على العدل القويم المسمى بالصراط المستقيم وَاللَّهُ المطلع بجميع أحوالهم بِما يَعْمَلُونَ ويأملون من المخايل الفاسدة مُحِيطٌ بعلمه الحضوري يجازيهم عليها بمقتضى علمه وخبرته
وَمن جملة ما يعين عليكم ويمد لنصركم تغرير الشيطان واغراؤه على أعداءكم امدادا لهم ونصرا فيصير وبالا عليهم وخزيا لا عونا ونصرا اذكروا وقت إِذْ زَيَّنَ اى حسن وحبب لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ اى عداوتهم وقتالهم معكم وَقالَ الشيطان تحريضا لهم على القتال ملقيا في روعهم على سبيل الوسوسة حتى تخيلوا انهم لا يغلبون أصلا اعتمادا على كثرة عددهم وعددهم لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ فلكم اليد والغلبة والاستيلاء والصولة والاستعلاء وَإِنِّي جارٌ مجير لَكُمُ مغيث فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ اى تلاقيا وتلاحقا فرأى اللعين من صفوف الملائكة ما رأى نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ورجع قهقرى وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ومن جواركم إِنِّي أَرى من جنود السماء ما لا تَرَوْنَ أنتم ينزلون منها لامداد هؤلاء باذن الله وبالجملة إِنِّي أَخافُ اللَّهَ من قهره وغضبه وَاللَّهُ القادر المقتدر على وجوه الانتقام شَدِيدُ الْعِقابِ اليم العذاب لا نجاة للعصاة الغواة من عذابه وعقابه
اذكروا وقت إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ اى الذين لم يصف عن شوب الشبهة صدورهم ولم يصلوا الى مرتبة الاطمئنان في الايمان حين خرجتم نحو العدو مجترئين مع قلتكم وكثرة عدوكم قد غَرَّ هؤُلاءِ الحمقى دِينُهُمْ فالقوا أنفسهم الى التهلكة بأيديهم بخروج ثلاثمائة عزل بلا عدة الى زهاء ألف مستعدين فلا تبالوا ايها المطمئنون بالإيمان بهم وبقولهم ولا تفتروا ولا تضعفوا من هذياناتهم بل توكلوا على ربكم وفوضوا أموركم كلها اليه وَاعلموا ان مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ مخلصا فهو حسبه فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب في ذاته قادر على اعانة من استعان منه حَكِيمٌ متقن في فعله وامره يفعل ويأمر ما تستبعده العقول وتدهش فيه الأحلام
وَلَوْ تَرى ايها الرائي وقت إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ
стр. 290
اى يتوفيهم الملائكة ويقتلهم يوم بدر حال كونهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ من يأتى منهم من امامهم وَأَدْبارَهُمْ اى يضربون من خلفهم من يأتى من ورائهم وَيقولون لهم حين ضربهم وقتلهم تقريعا وتوبيخا ذُوقُوا ايها المعاندون المعادون مع الله ورسوله عَذابَ الْحَرِيقِ اى أنموذج عذاب النار حتى تصلوا الى جلها وبالجملة لو رأيت حالهم حينئذ ايها المعتبر الرائي لرأيت امرا فظيعا فجيعا
ذلِكَ العذاب والنكال في النشأة الاولى والاخرى انما عرض عليكم ايها المسرفون بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وبشؤم ما اقترفتم لأنفسكم من الكفر والكفران ومعاداة الرسول وبغض عموم اهل الايمان وبمقدار ما كسبتم بلا ظلم عليكم وعدوان وَاعلموا أَنَّ اللَّهَ المستوي على العدل القويم لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ اى لا يظلم على الذين ظلموا أنفسهم باقتراف المعاصي والآثام بل يجازيهم حسب جرائمهم سواء بسواء عدلا منه سبحانه وكيف لا يجازيهم سبحانه إذ دأب هؤلاء المصرين المعاندين وديدنتهم القبيحة
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ اى سنتهم وعملهم كعمل آل فرعون وسنتهم وَكذا كدأب القوم الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ كعاد وثمود وهم قد كَفَرُوا اى أولئك البعداء الخارجون عن طريق الحق بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على رسله عتوا وعنادا كهؤلاء المصرين المستكبرين فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ المنتقم منهم بِذُنُوبِهِمْ التي قد كسبوها بأيديهم لنفوسهم كهؤلاء إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والجلال قَوِيٌّ على الانتقام شَدِيدُ الْعِقابِ على من خرج عن مقتضى امره بحيث لا يدفع عقابه شيء
ذلِكَ اى حلول الغضب والنكال عليهم بِأَنَّ اللَّهَ المنعم المفضل لَمْ يَكُ مُغَيِّراً مبدلا ومحولا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ تفضلا عليهم وامتنانا حَتَّى يُغَيِّرُوا ويبدلوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من مقتضيات العبودية والانقياد بالخروج عن حدود الله ونقض عهوده وارتكاب نواهيه ومحظوراته وبتكذيب آياته ورسله كما غيرها قريش خذلهم الله وَأَنَّ اللَّهَ المطلع لأحوال عباده سَمِيعٌ لما يقولون على الله وعلى رسوله حين بطرهم وغفلتهم عَلِيمٌ بما يخفون في نفوسهم من الأباطيل إذ دأب هؤلاء المسرفين المغيرين في ما هم عليه من الوفاق والمظاهرة والاخوة والقرابة
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ خلوا مِنْ قَبْلِهِمْ على ديدنتهم وسنتهم قد كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ كهؤلاء المشركين فَأَهْلَكْناهُمْ واستأصلناهم بِذُنُوبِهِمْ وبشؤم كفرهم وعدوانهم بأنواع العذاب بالطوفان والريح والخسف والكسف وغير ذلك من المصيبات اللاحقة إياهم وَلا سيما قد أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ المبالغين المسرفين في العتو والاستكبار في اليم لانهماكهم في بحر الغفلة والضلال وَبالجملة كُلٌّ من أولئك الطغاة وهؤلاء الغواة قد كانُوا ظالِمِينَ أنفسهم بالخرج عن ربقة العبودية ورق الإطاعة والانقياد لذلك جزيناهم بما جزيناهم وهل نجازي بأمثال هذه الاجزئة الا الكفور.
ثم قال سبحانه تسجيلا عليهم بالكفر والضلال إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ العليم الحكيم المتقن في إظهارها الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وبآياته ورسله وقد أصروا عليه بلا تمايل منهم الى الايمان لرسوخهم فيه فَهُمْ من خبث طينتهم وشدة شكيمتهم وضغينتهم لا يُؤْمِنُونَ اى لا يرجى منهم الايمان أصلا عبر سبحانه عن الكفرة بلفظ الدواب لانخلاعهم عن مقتضى الانسانية الذي هو الايمان والمعرفة مطلقا فلحقوا بالبهائم بل صاروا أسوأ حالا منها
لذلك قال سبحانه ان شر الدواب وانما صاروا من شر الدواب لأنهم هم الَّذِينَ قد عاهَدْتَ مِنْهُمْ يا أكمل الرسل وأخذت أنت عنهم مواثيقهم الغليظة
стр. 291
مرارا ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وما هي الا من شرارتهم وخباثة طينتهم وعدم فطنتهم لحكمة المعاهدة والمواثيق وَبالجملة هُمْ من تركب جهلهم لا يَتَّقُونَ ولا يحذرون من بطش الله تعالى ولا يتركون الغدر والنفاق مع اولياء الله ولا يوفون بالعهد والميثاق المؤكد
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ وتظفرن عليهم فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ ومزق جمعهم وشتت شملهم على الفور بحيث ينقطع عنهم مَنْ يأتى خَلْفَهُمْ من مظاهريهم ومعاونيهم لَعَلَّهُمْ بتشريدك وتفريقك إياهم عنوة وقهرا يَذَّكَّرُونَ يتعظون ويتنبهون من أمرك وشأنك وتأييدك فيؤمنون بك وبما جئت به
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ قد عاهدت معهم وأخذت الميثاق عنهم خِيانَةً ونقضا من امارات ظهرت منهم ولاحت عليهم فَانْبِذْ واطرح إِلَيْهِمْ أولا عهدهم عَلى سَواءٍ بلا غدر وخداع واظهر العداوة وارفع المعاهدة والهدنة على رؤس الملأ ثم اخرج عليهم بالقتال لئلا يؤدى الى الغدر والخيانة إِنَّ اللَّهَ المتصف بالعدل القويم لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ المخادعين الغادرين سيما من المؤمنين الموحدين
وَلا يَحْسَبَنَّ يا أكمل الرسل الكفرة الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وبك هم قد سَبَقُوا وانقرضوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ المؤمنين ولا يضطرونهم الى القتال بل يلزمكم جمع العدة والتهيئة
وَأَعِدُّوا ايها المؤمنون لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ اى هيئوا لقتالهم من الآلات والأسباب ما تحتاجون إليها في حربهم سيما آلات الرمي وَمِنْ جملة العدة رِباطِ الْخَيْلِ اى شد الفرس وارتياضه ليوم الحرب كما يشده الرجال الابطال المتشوقون للقتال تُرْهِبُونَ بِهِ اى بالاعداد والشد عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وهم الذين في حواليكم يقاتلونكم ويخاصمون معكم جهرا وعلانية يعنى كفار مكة وَترهبون به ايضا آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ يعنى الذين ينافقون معكم ويظهرون إطاعتكم واخاءكم ظاهرا ويريدون مقتكم وهلاككم في بواطنهم وأنتم لا تَعْلَمُونَهُمُ اى عداوتهم لإخفائهم واظهارهم صداقتهم بل اللَّهِ المطلع لضمائرهم يَعْلَمُهُمْ ويعلم عداوتهم ونفاقهم ويجازيهم عليها وَبالجملة ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ للاعداد والتجهيز فِي سَبِيلِ اللَّهِ ونصر دينه وإعلاء كلمة توحيده يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه بأضعاف ما تصرفون له وآلافه وَبالجملة أَنْتُمْ في انفاقكم واعدادكم لا تُظْلَمُونَ ولا تنقصون من عوضه وجزائه ولا تخسرون بل تربحون وتفوزون بما ترضى به نفوسكم وبما لا تدرك عقولكم من الكرامة تفضلا وامتنانا
وَبعد ما اعددتم عددكم وهيأتم اسباب الحرب إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ اى مال الأعداء للمصالحة والمعاهدة فَاجْنَحْ لَها أنت يا أكمل الرسل ومل إليها وارض بها ايها الداعي للخلق الى الخلق تليينا لهم وتلطيفا معهم بمقتضى مرتبة النبوة والتكميل وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في عموم أمورك وثق عليه سبحانه ولا تخف من مكرهم وخداعهم فان الله حسبك وظهيرك يحفظك من مكرهم وغدرهم إِنَّهُ سبحانه بذاته هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْعَلِيمُ بأعمالهم ونياتهم فيها
وَإِنْ يُرِيدُوا بعد ما صالحوا وعاهدوا أَنْ يَخْدَعُوكَ ويمكروا بك وباصحابك فلا تبالوا أنتم بهم وبغدرهم وخداعهم فَإِنَّ حَسْبَكَ اى كافيك وظهيرك ومتولى جميع أمورك اللَّهُ المراقب عليك في عموم حالاتك كيف لا يرقبك من مكرهم مع انه هُوَ الَّذِي قد أَيَّدَكَ وقواك وأظفرك على عموم من عاداك بِنَصْرِهِ بلا اعداد منك ورباط وَبعد تأييدك قد عززك ايضا بِالْمُؤْمِنِينَ بك بايمانهم واطاعتهم لك وبذل مالهم ومهجهم لتقويتك وإعلاء دينك
стр. 292
وملتك
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بحيث قد ارتفعت غشاوة الحمية وغطاء التعصب عن ضمائرهم مطلقا وصاروا في محبتك ومودتك مستوية الاقدام متحابين لله في الله منخلعين عن لوازم البشرية مطلقا مع كونهم في جاهليتهم مصرين على التغالب والتهالك حسب الحمية الجاهلية والغيرة البشرية بحيث لَوْ أَنْفَقْتَ وصرفت ما فِي الْأَرْضِ من الزخارف جَمِيعاً لائتلافهم واجتماعهم ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لشدة بغضهم ونفاقهم وَلكِنَّ اللَّهَ المحول لأحوال عباده قد أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بمقتضى لطفه وجماله لينصروك ويقبلوا دينك كي يصلوا الى مرتبة اليقين والعرفان ويتحققوا في مقر التوحيد والايمان إِنَّهُ عَزِيزٌ غالب على عموم مراداته ومقدوراته حَكِيمٌ متقن في جميع أفعاله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المؤيد من عند الله بالنصر والظفر على الأعداء حَسْبُكَ اللَّهُ المتولى لأمورك وَايضا حسب مَنِ اتَّبَعَكَ بارادة الله تعالى ومشيته مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الموقنين بتوحيد الله الموفين بعهوده الباذلين مهجهم في سبيله
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المظفر المنصور بنصر الله حَرِّضِ ورغب الْمُؤْمِنِينَ الموحدين عَلَى الْقِتالِ في سبيل الله لترويج توحيده وقل لهم نيابة عنا ووعدا منا إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ ايها المؤمنون عِشْرُونَ صابِرُونَ مستقرون ثابتون تجاه العدو يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ منهم بتأييد منا وعون من لدنا وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابرة راسخة متمكنة يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بامدادنا إياكم الى حيث يقاوم واحد منكم عشرة منهم وبالجملة تلك المغلوبية والانهزام انما عرض عليهم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ اى لا يصلون الى مرتبة اليقين العلمي بالله وكتبه ورسله حتى يترقوا منه الى مرتبة العين بل يبقون على المرتبة الحيوانية مهانين مغلوبين مخذولين هذا في بدأ الإسلام وضعف المسلمين وبعد ما ارتفع قدره وعلا رتبته وكثر اهله وانتشر في الآفاق هيبته
قال سبحانه الْآنَ اى حين كثر عددكم وعددكم ايها المؤمنون وثقل عليكم ما أمرتم فيما مضى قد خَفَّفَ اللَّهُ الميسر لأموركم أثقالكم عَنْكُمْ وَعَلِمَ بعلمه الحضوري أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً تستثقلون بتحمل المأمور به وأمركم ثانيا بقوله فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ ثابتة يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ منهم وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ونصره وتأييده وَاللَّهُ المراقب لأحوال عباده مَعَ الصَّابِرِينَ المتحملين في متاعب امور الدين.
ثم أشار سبحانه الى سر جواز أخذ الفدية والجزية للرسل والأنبياء ووقته وسببه فقال ما كانَ اى ما صح وما جاز لِنَبِيٍّ من الأنبياء أَنْ يَكُونَ لَهُ وفي يده أَسْرى من الكفار ان يفديهم على المال ويخلى سبيلهم حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ اى لا يجوز لهم أخذ الفدية الا ان يكثر القتل ويذل الكفار ويعز الدين ويغلب اهله الى حيث اضطر المخالفون لتخليص نفوسهم الى الفدية مع انه لا يتوقع منهم المنازعة والمخاصمة أصلا وصاروا مهانين مقهورين ومتى لم يصلوا الى هذه المرتبة لم يصح أخذ الفدية وإذا كان حكم الفدية هكذا كيف تُرِيدُونَ ايها المؤمنون بأخذها عَرَضَ الدُّنْيا ومتاعها وحطامها مداهنين في الأخذ وَاللَّهُ المصلح لأحوالكم المدبر لأموركم يُرِيدُ لكم الْآخِرَةَ وثوابها وما يترتب عليها من اللذات الروحانية وأنتم تقصدون ان تستلذوا بها من حطام الدنيا ومزخرفاتها مداهنة وَاللَّهُ المراقب لحالاتكم عَزِيزٌ غالب فيما أراد لاجلكم حَكِيمٌ يريد لكم ما يليق بحالكم
وبالجملة لَوْلا كِتابٌ حكم وامر ثابت نازل مِنَ اللَّهِ المنتقم الغيور قد سَبَقَ في سابق علمه بان لا يؤاخذ المجتهد المخطئ بخطئه لَمَسَّكُمْ قد
стр. 293
أصابكم ونزل عليكم فِيما أَخَذْتُمْ وافتديتم من أسارى بدر عَذابٌ عَظِيمٌ مقدار ما فوتم من حكمة الله وأبطلتم حكمه روى انه ﷺ اتى يوم بدر بسبعين أسيرا فيهم العباس وعقيل بن ابى طالب فاستشار رسول الله ﷺ فيهم فقال ابو بكر رضى الله عنه قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك وقال عمر رضى الله عنه اضرب أعناقهم فإنهم ائمة الكفر فان الله قد أغناك عن الفداء فمكني من فلان لنسيب له ومكن عليا وحمزة من اخويهما فلنضرب أعناقهم فقال رسول الله ﷺ مثلك يا أبا بكر مثل ابراهيم ﵇ حيث قال فمن تبعني فانه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثلك يا عمر مثل نوح ﵇ حيث قال لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا فخير أصحابه ﷺ فأخذوا الفداء فنزلت فدخل عمر رضى الله عنه على رسول الله ﷺ فإذا هو وابو بكر يبكيان فقال يا رسول الله اخبرني فان أجد بكاء بكيت والا تباكيت فقال ابكى على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض على عذابهم ادنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة عنده فقال ﷺ لو نزل العذاب لما بريء منه غير عمر وسعد بن معاذ ومتى اجتهدتم في أخذ الفدية من الأسرى فاخذتم الفدية وان كان اجتهادكم خطأ
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ بعد إخراج الخمس وافتديتم من الأسرى إذ هو من جملة الغنيمة حَلالًا مستحلين مستبيحين طَيِّباً خاليا عن وصمة الشبهة لاجتهادكم وجهادكم في أخذها وَاتَّقُوا اللَّهَ عن المبادرة في الأمور واحتاطوا فيها إِنَّ اللَّهَ المدبر لأموركم غَفُورٌ لما صدر عنكم من المبادرة الى الفدية رَحِيمٌ قد أباح لكم ما أخذتم
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المبعوث لتكميل الخلائق قُلْ على سبيل العظة والتذكير بمقتضى شفقة النبوة والإرشاد لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ المطلع لضمائركم واستعداداتكم فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ايمانا وإيقانا اطمينانا وعرفانا يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ من حطام الدنيا الا وهي اللذات الروحانية والمكاشفات والمشاهدات الحقيقية والحقية التي لا مقدار للذات الجسمانية دونها وَيَغْفِرْ لَكُمْ عموم ما صدر عنكم من الكفر والعصيان وَاللَّهُ الهادي لعباده نحو توحيده غَفُورٌ لذنوبهم بعد ما وفقهم على الايمان والإطاعة رَحِيمٌ يرحمهم بعد ما رجعوا نحوه وأنابوا اليه روى انها نزلت في العباس رضى الله عنه كلفه رسول الله ﷺ ان يفدى نفسه وابني أخويه عقيل بن ابى طالب ونوفل بن الحارث فقال يا محمد تركتني اتكفف قريشا ما بقيت فقال ﷺ فأين الذهب الذي دفعته الى أم الفضل وقت خروجك فقلت لها انى لا ادرى ما يصيبني في وجهى هذا فان حدث لي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم وقال العباس وما يدريك قال ﷺ أخبرني ربي قال اشهد انك صادق وان لا اله الا الله وانك رسول الله والله لم يطلع عليه احد الا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل فقال العباس فابدلنى الله خيرا من ذلك الى الآن عشرون عبدا أدناهم ليضرب عشرين الفا وأعطاني زمزم وما أحب ان لي بها اى بمقابلتها جميع اموال اهل مكة وانا انتظر المغفرة من ربكم يعنى الموعود بقوله ويغفر لكم والله غفور رحيم
وَإِنْ يُرِيدُوا أولئك الأسارى خِيانَتَكَ يا أكمل الرسل بعد ما عاهدت معهم وتلطفت بهم فلا تتعجب من خيانتهم ونقضهم فَقَدْ خانُوا اللَّهَ بالكفر والشرك في نقض العهد والخروج عن مقتضى المأمور مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ اى أمكنك ومكنك أولا عليهم حتى انتقمت مِنْهُمْ يوم بدر بالقتل والاسرفان
стр. 294
عادوا ورجعوا بالخيانة سيمكنك ثانيا وثالثا فلا تبال بهم وبخيانتهم معينك وناصرك يعصمك من مكائدهم وَاللَّهُ المطلع لمخائلهم عَلِيمٌ بنياتهم حَكِيمٌ بمجازاتهم يجازيهم على مقتضى علمه.
ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وأيقنوا بتوحيد الله تعالى ووجوب وجوده وَهاجَرُوا عن بقعة الإمكان طالبين الترقي الى المراتب العلية الوجوبية وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ منفقين لها ليتجردوا عنها ويطهروا نفوسهم عن الميل والمحبة إليها وَأَنْفُسِهِمْ ممسكين لها عن مقتضياتها ومشتهياتها باذلين بها فِي سَبِيلِ اللَّهِ ليتحققوا بمرتبة الفناء فيه وليفوزوا ببقائه الأزلي الأبدي وَهم المهاجرون الَّذِينَ تحققوا بمرتبة التوحيد وتمكنوا فيها بحيث قد آوَوْا اى مكنوا ووطنوا يقينا من يرجع إليهم ويسترشد منهم من اهل الطلب والارادة وَبعد تمكينهم وتوطينهم نَصَرُوا وأعانوا عليهم بالتنبيهات اللائقة امدادا لهم بالواردات الغيبية والإلهامات القلبية والمكاشفات العينية أُولئِكَ
السعداء المقبولون عند الله الوالهون في بيداء ألوهيته بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يتناصرون ويتعاونون الى ان يرتفع تعددهم وتضمحل كثرتهم وسقط الافتراق والاجتماع عنهم وانقطع السلوك والطلب منهم وفنى السالك والسلوك والمسلك وبقي ما بقي لا اله الا هو ولا شيء سواه وكل شيء هالك الا وجهه وَالأبرار الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسله وَلَمْ يُهاجِرُوا نحو الفناء فيه ما لَكُمْ ايها الوالهون الواصلون مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ويتشمروا لسلوك مسلك الفناء وَبعد ما دخلوا باب الطلب إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ واستعانوا منكم فِي الدِّينِ اى في سلوك طريق التفويض والانقياد والمعرفة واليقين فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ اى لزم عليكم ان تنصروهم وتعينوا عليهم ليغلبوا على جنود القوى البهيمية والشياطين الشهوية والغضبية إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ من جنود النفوس اللوامة المعطلة لغوائل الامارة الخبيثة ووخامة عاقبتها وَاللَّهُ المطلع لجميع حالاتكم بِما تَعْمَلُونَ من النصر والإعانة بَصِيرٌ يجازيكم على مقتضى بصارته وخبرته
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بالله ولم يتفطنوا لسر سريان وحدته الذاتية السارية في جميع الأكوان ولم ينبهوا للفناء في ذاته ومع ذلك قد كذبوا الرسل المنبهين المبشرين المنذرين لهم إصلاحا وارشاد أولئك الأشقياء المردودون عن ساحة القرب بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يتعاونون ويتعاضدون في كفرهم وجهلهم مع إخوانهم بلا ولاية وودادة بينكم وبينهم إِلَّا تَفْعَلُوهُ يعنى ان لم تفعلوا ايها المؤمنون ما أمرتم به من موالاة الأولياء ونصرهم ومعاداة الأعداء والاعراض عنهم بل توالون أنتم مع الأعداء مثل موالاتكم مع الأولياء تَكُنْ فِتْنَةٌ وتحصل حينئذ بلية بينة ومصيبة عظيمة سار أثرها فِي اقطار الْأَرْضِ وَيحدث فيها بسببها فَسادٌ كَبِيرٌ الا وهو ضعف الايمان وقلة أوليائه وقوة الكفر وكثرة اودائه إذ أنتم حينئذ تحبون الكفرة وكفرهم وهم في أنفسهم يبغضونكم وايمانكم ولا فساد اكبر منه
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا اى سلكوا وسافروا عن بقعة الإمكان نحو فضاء الوجوب بعد ما تحققوا باليقين العلمي وَجاهَدُوا وارتاضوا بحيث تحققوا بالموت الإرادي وانخلعوا عن جلباب التعين فِي سَبِيلِ اللَّهِ الذي هو الفناء فيه ليتحققوا باليقين العيني وَالَّذِينَ آوَوْا ووالوا اولياء الله اهل الارادة وَنَصَرُوا ارباب الطلب أُولئِكَ الواصلون المبرورون هُمُ الْمُؤْمِنُونَ المتحققون الثابتون المثبتون في مرتبة اليقين الحقي حَقًّا ثابتا لائقا بلا دغدغة استكمال ووسوسة انتظار متقررين في مقر التوحيد ومقعد الصدق عند مليك مقتدر
стр. 295
وبالجملة لَهُمْ بعد وصولهم الى مقرهم مَغْفِرَةٌ وستر لأنانيتهم التي قد كانوا عليها بمقتضى تعيناتهم الباطلة العاطلة وَرِزْقٌ كَرِيمٌ من الكشف والشهود نزلا من عند العزيز العليم
ثم بشر سبحانه بما بشر به من اقتفى اثركم ايها المكاشفون الواصلون وسلك سبيلكم من اصحاب الارادة والطلب فقال وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا مثل ما هاجرتم أنتم ايها الفانون الواصلون وَجاهَدُوا مَعَكُمْ في سبيل الله وترويج دينه وسنته بأنفسهم وأموالهم كما جاهدتم أنتم فَأُولئِكَ المجاهدون الباذلون مِنْكُمْ اى من جملتكم وعدادكم وأجرهم عند الله مثل اجركم وهم إخوانكم وأرحامكم في الدين وَأُولُوا الْأَرْحامِ وذووا المناسبات والقربات في سبيل الدين وطريق العرفان واليقين بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في الولاية والنصر والمصاحبة والمواخات فِي كِتابِ اللَّهِ تعالى اى في حضرة علمه ولوح قضائه إِنَّ اللَّهَ المتجلى على ذرائر الآفاق بِكُلِّ شَيْءٍ من رقائق المناسبات ودقائقها عَلِيمٌ بعلمه الحضوري لا يعرب عن حضوره شيء
خاتمة سورة الأنفال
عليك ايها المتوجه نحو الفناء المهاجر عن ورطة الغفلة والغرور ان تقتفى في سلوكك هذا اثر اهل الهجرة والنصرة المرابطين قلوبهم لتوحيد الحق الباذلين مهجهم في تقوية من ظهر عليه ﷺ وترويج دينه وسنته المتخلقين بأخلاقه المتعطشين بزلال مشربه المستظلين بظل لوائه المستمسكين بعروة ولائه ولا يحصل لك هذا الا بالركون الكامل والاعراض التام عن مقتضيات القوى البشرية ولوازم الطبيعة مطلقا كهؤلاء الكرام المنخلعين عن جميع ما يعوقهم ويشوشهم من لوازم هوياتهم حتى عن الأهل والأوطان لذلك قد انكشف لهم من الحقائق والمعارف والمكاشفات والمشاهدات ما انكشف بحيث اضمحلت عن عيون بصائرهم ما سوى الحق مطلقا وصاروا فانين في الله متحققين بمقام وبي يبصر وبي يسمع الحديث وعليك في عزيمتك هذه التشبث بكتاب الله الذي هو المرشد الحقيقي وبأحاديث الرسول ﷺ وبكلمات المشايخ العظام قدس الله أرواحهم ولا سيما لك ان تستمد في مطلبك هذا من قلوب البدلاء الوالهين الحائرين بمطالعة وجه الله الكريم إذ هم لاستغراقهم في بحر الشهود قد انخلعوا عن لوازم هوياتهم مطلقا وبالجملة ما لنا من حالاتهم الا الحسرة والعبرة ان كنا من ذوى الاعتبار والاستبصار ربنا اهدنا إليك باى طريق شئت انك بفضلك وجودك تهدى من تشاء من عبادك الى فضاء وحدتك وانك على عموم ما تشاء قدير بلطفك يا كريم
[سورة البراءة]
فاتحة سورة البراءة
لا يخفى على من تمكن في مقر التوحيد وتوطن في مكمن الفناء والتجريد خالصا عن توهمات التخمين والتقليد مستويا على جادة اليقين والتحقيق معرضا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط ان من لم يترق عن المرتبة الحيوانية ولم تثمر شجرة هويته الثمرة الانسانية التي هي المعرفة والتوحيد فهو والحيوانات العجم سواء في الرتبة بل هو أسوأ حالا منها ومتى لم يطع حكم المربى ولم ينفذ لأمره لينقذه من جهله ويوصله الى ما خلق لأجله سيما إذا تعنت وتجبر واستكبر على من بعث لتربيته وامر لإرشاده وتكميله بل كذبه وأنكر عليه وطغى على امره سبحانه بل أشرك به غيره
стр. 296
العياذ بالله فقد حل قتله واستباح دمه على الموحدين المتمكنين الذين يبذلون أرواحهم في ترويج كلمة التوحيد ونصرة الدين القويم والشرع المستقيم لذلك قد فرض الجهاد والغزاء على ارباب الولاء المستمسكين بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ليكون غزاتهم مع الله في عموم أحوالهم وشهداءهم احياء عند ربهم يرزقون من موائد افضاله ما لم تره عيونهم ولم تشتهيه نفوسهم ولهذا ما خلا نبي من الأنبياء من لدن آدم الى نبينا صلوات الله عليه وعليهم أجمعين من القتال والجهاد بينهم وبين مكذبيهم ومعانديهم كما فصل سبحانه بعض قصصهم وسيرهم في كتابه وأجمل البعض وقال مخاطبا لنبيه منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك والسرفى وجوب القتال للأنبياء والله اعلم ان بعثة الرسل والأنبياء انما هو لإصلاح احوال العباد وإرشادهم الى سبل الخير والصواب في معادهم ومعاشهم وذلك لا يتصور الا بعد ظهور الآراء الباطلة المتخالفة المتداعية الى انواع الاختلال وتزاحم الأهواء الفاسدة المستلزمة للضلال والإضلال وانتشار انواع البدع والجدال ورفع أمثال هذه المفاسد وقمع أهلها وقلع عرقها وأصلها انما هو باستئصال من تمسك بها وظهر عليها ولا يتيسر ذلك الا بالمقاتلة والمشاجرة لذلك قد جرت سنته سبحانه عليها وقد عدها من أفضل العبادات ثم لما كان المشركون المصرون على شركهم من أعدى الأعادي وأشدهم غيظا مع الله تعالى ورسوله وكان عهودهم ومواثيقهم غير معقول في علم الله قد تبرأ سبحانه منهم وامر رسوله ايضا بالتبري عنهم وعن عهودهم ومواثيقهم وان أكدوها وغلظوها
[الآيات]
فقال بَراءَةٌ اى هذه براءة ونقض عهد وإسقاط ذمة ورفع أمان قد كان بينكم ايها المؤمنون وبين المشركين نزلت إليكم مِنَ اللَّهِ المطلع على مخايل اهل الشرك اصالة وَمن رَسُولِهِ تبعا لتنبذوا أنتم وتطرحوا عهودكم ومواثيقكم إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وعليكم ان لا تبادروا ولا تفاجؤا الى المقاتلة بعد نبذ العهد
بل امهلوهم وقولوا لهم فَسِيحُوا اى سيروا ايها المسرفون فِي الْأَرْضِ اى في ارضنا هذا آمنين بلا خوف أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قيل هي عشرون من ذي الحجة وتمام المحرم والصفر وربيع الاول وعشر من ربيع الآخر واستعدوا في تلك المدة وهيئوا اسباب القتال فيها وَاعْلَمُوا ايها المصرون على الشرك يقينا وان زعمتم أنتم غلبتكم علينا بمظاهرة إخوانكم واستعانة قبائلكم وعشائركم أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ اى لستم أنتم غالبين على الله المتعزز برداء العظمة والكبرياء المتفرد بالمجد والبهاء وَاعلموا ايضا أَنَّ اللَّهَ المنتقم الغيور من عصاة عباده مُخْزِي الْكافِرِينَ اى مهينهم ومذلهم وان امهلهم زمانا بطرين على تجبرهم وتكبرهم
وَايضا هذه أَذانٌ اى اعلام وتشييع ونداء قد صدر مِنَ اللَّهِ وَمن رَسُولِهِ باذنه سبحانه إِلَى النَّاسِ المجتمعين من أقاصي البلاد يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وصف بالأكبر لان الوقوف بعرفة كان يوم الجمعة لذلك سمى به أَنَّ اللَّهَ اى بان الله المتعزز برداء العظمة والكبرياء بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اى من عهودهم ومواثيقهم مطلقا بحيث لا تؤمنوهم بعد عامكم هذا وَرَسُولِهِ ايضا مأمور من عنده سبحانه بالبراءة منهم ونقض العهد وإسقاط الذمة إليهم وبعد اليوم قد ارتفعت الهدنة وصار الأمر والحكم من الله اما السيف أم الإسلام فَإِنْ تُبْتُمْ ورجعتم عما أنتم عليه من الكفر والشرك الى الايمان والتوحيد فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في اولاكم وأخراكم وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ وأعرضتم عن الإسلام والايمان وأصررتم على الشرك والطغيان فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ اى لستم غالبين على جنوده سبحانه وَبالجملة بَشِّرِ يا أكمل الرسل الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وأصروا عليه ولم يرجعوا عنه
стр. 297
سيما مع ورود الزواجر المؤيدة بالخوارق بِعَذابٍ أَلِيمٍ في النشأة الاولى بالقتل والسبي والاجلاء وفي الآخرة بالحرمان عن رتبة الإنسان
ثم لما لم يصدر عن بعض المشركين شيء من امارات النقض والانباذ وعلامات المخالفة والمخادعة استثناهم الله سبحانه وامر المؤمنين بحفظ عهودهم الى انقضاء المدة المعلومة المعهودة فقال إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ بعد المعاهدة لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً مما عاهدوا عليه والتزموا حفظه بل داوموا على حفظها وَمع ذلك لَمْ يُظاهِرُوا ولم يعاونوا عَلَيْكُمْ أَحَداً من أعدائكم حفظا لعهودكم وميثاقكم فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ اى أنتم اولى بايفاء العهد وإتمام مدته إِلى انقضاء مُدَّتِهِمْ التي عاهدوا عليها إِنَّ اللَّهَ المستوي على العهد القويم يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يواظبون على إيفاء العهود وحفظ المواثيق حذرا عن تجاوز حدود الله وعهوده
فَإِذَا انْسَلَخَ وانقضى ومضى الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ المأمورة فيها السياحة والأمن فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ المصرين على الشرك الناقضين للعهد والميثاق حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في حل او حرم مستأمنين أم لا وَخُذُوهُمْ اى اسروهم واسترقوهم واستولوا عليهم وَان استحفظوا واستحصنوا احْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ ولاخذهم وقتلهم كُلَّ مَرْصَدٍ وممر من شعاب الجبال وشفا الوادي فَإِنْ تابُوا ورجعوا عن الشرك ومالوا الى الايمان وَبعد ايمانهم أَقامُوا الصَّلاةَ التي هي من أقوى اعمدة ايمانهم وتصديقهم وَآتَوُا الزَّكاةَ التي بها تطهر قلوبهم عن امارات النفاق فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ كسائر المسلمين ولا تتذكروا ولا تلتفتوا بما صدر عنهم من المخالفة والمقاتلة والشقاق فيما مضى إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده غَفُورٌ لما صدر عنهم من المعاصي والآثام رَحِيمٌ لهم يوصلهم الى دار السّلام بعد ما أخلصوا في الانابة والرجوع
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ المناقضين الذين قد أمرت بقتلهم واسرهم اسْتَجارَكَ وطلب منك يا أكمل الرسل جوارك ليأمن عما يؤذيه فَأَجِرْهُ اى فعليك يا أكمل الرسل على مقتضى شفقة النبوة والرسالة ان تجيره وتؤمنه في جوارك حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ الهادي لعباده منك ويفهم سرائر دينك وشعائر شرعك كأنه يطلع على حقيته إذ كل فرد من افراد الإنسان قد جبل على فطرة الإسلام ثُمَّ بعد حصول اليأس من إيمانه وتنبه أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ اى موضع امنه ومحل قراره تتميما للشفقة والمروءة ذلِكَ الأمن والمواساة والتليين المأمور بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ في غاية البعد عن الايمان وما يترتب عليه من المواخاة وانواع الخيرات والمبرات لا يَعْلَمُونَ اى لا يطمعون ولا يتوقعون صدورها من اهل الايمان سيما بالنسبة إليهم فمتى صدر منكم أمثال هذا عسى ان يتحابوا ويتقربوا إليكم
ثم قال سبحانه كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ المصرين على الشرك والفساد والمبالغين في العتو والاستكبار عَهْدٌ مقبول عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إذ هم من غاية انهماكهم في كفرهم وضلالهم لا يلتفتون الى الله ولا الى رسوله لذلك لا يقبل منهم العهد والميثاق بل أمرهم اما السيف واما الإسلام إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ معهم عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فإنهم وان كانوا ايضا من المشركين المصرين الا ان حرمة المسجد الحرام يوجب إيفاء عهودهم ما داموا موفين بها فَمَا اسْتَقامُوا واستحفظوا لَكُمْ عهدكم فيه فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ بل أنتم اولى برعاية حرمة المسجد الحرام إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يحفظون نفوسهم عن سوء الأدب مع الله في عموم أحوالهم وأوقاتهم سيما عند بيته الحرام
كَيْفَ يكون للمشركين معكم عهد ايها المؤمنون وَ
стр. 298
كيف تعتمدون أنتم على ميثاقهم وعهدهم وهم من غاية بغضهم وشدة شكيمتهم إِنْ يَظْهَرُوا ويظفروا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ اى لا يحافظوا ولا يراعوا في حقكم إِلًّا اى عهدا وميثاقا وَلا ذِمَّةً حقا لازما يلتزمون غايتها كالحقوق التي جرت بين المعاهدين بل حالهم انهم يُرْضُونَكُمْ ويعاهدون معكم بِأَفْواهِهِمْ مخادعة ومداهنة وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ عما صدر عن ألسنتهم من المعاهدة بل وَأَكْثَرُهُمْ في أنفسهم فاسِقُونَ خارجون متمردون عن العهد مطلقا لا يتفوهون به أصلا فكيف ان يعهدوا ومن غاية فسقهم وتمردهم ونهاية توغلهم في الغفلة والضلال
اشْتَرَوْا واستبدلوا بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على رسوله الدالة على توحيده مع وضوحها وسطوعها ثَمَناً قَلِيلًا اى بدلا حقيرا مبتذلا مردولا الا وهو اتباع الاهوية الباطلة والآراء الفاسدة التي قد ابتدعها المبتدعون بتسويلات شياطينهم فَصَدُّوا اى اعرضوا وانصرفوا بأنفسهم واتباعهم بسبب تلك الآراء عَنْ سَبِيلِهِ اى عن دين الله الموصل الى توحيده وبالجملة إِنَّهُمْ من غاية ضلالهم واضلالهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ هذا العمل ومن سوء عملهم ايضا وقبح صنيعهم انهم من غاية بغضهم مع المؤمنين
لا يَرْقُبُونَ ولا يراعون فِي حق مُؤْمِنٍ اى احد من اهل الايمان وان بالغ في ودادهم وإخائهم ومحافظة عهودهم ودممهم إِلًّا وَلا ذِمَّةً أصلا لشدة شكيمتهم وقوة بغضهم وضغينتهم وَبالجملة أُولئِكَ الأشقياء البعداء المردودون المطرودون عن عز القبول وشرف الوصول هُمُ الْمُعْتَدُونَ المقصورون على التجاوز والعدول عن حدود الله وعن مقتضى المروءة اللازمة للمرتبة الانسانية بخبث طينتهم وردائة فطرتهم
فَإِنْ تابُوا ورجعوا الى الايمان بعد ما بالغوا في العناد والاستكبار وَبعد رجوعهم أَقامُوا الصَّلاةَ المصفية لبواطنهم عن الميل الى غير الحق وَآتَوُا الزَّكاةَ المطهرة لظواهرهم عما يشغلهم عن الحق فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ أنتم وهم سواء في سلوك طريق الحق والرجوع نجوه وَما نُفَصِّلُ ونوضح الْآياتِ الدالة على توحيدنا الا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ويصلون الى مرتبة اليقين العلمي ويريدون الترقي منها الى اليقين العيني والحقي
وَإِنْ نَكَثُوا ونقضوا أَيْمانَهُمْ ونبذوا عهودهم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وراء ظهورهم وَمع ذلك قد طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ بتصريح التكذيب والتقبيح في الاحكام والمعتقدات وعموم الطاعات والعبادات فَقاتِلُوا ايها الغزاة المرابطون قلوبكم مع الله ورسوله أَئِمَّةَ الْكُفْرِ اى صناديدهم ورؤساءهم لأنهم ضالون مضلون وان تفوهوا بالعهد والميثاق لا تبالوا بهم وبعهودهم إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ أصلا لتخمر طينتهم على الشرك والشقاق لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ يفقهون ويتنبهون اى سفلتهم الضالون عما عليه رساؤهم المضلون بعد انقراضهم.
ثم قال سبحانه تحريضا للمؤمنين على القتال على وجه المبالغة أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا ونقضوا أَيْمانَهُمْ وَبعد نقضهم الايمان والعهود قد هَمُّوا قصدوا واهتموا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ من مكة وَالحال انه هُمْ قوم قد بَدَؤُكُمْ بالمعاداة والمخاصمة أَوَّلَ مَرَّةٍ في بدء الإسلام حين تحدوا مع رسول الله بالمعارضة مرارا فأفحموا والتجائوا الى المقارعة والمشاجرة أَتَخْشَوْنَهُمْ منهم ايها المؤمنون في مقاتلتهم ان يلحقكم مكروه من جانبهم أم تداهنون معهم وتضعفون عنهم وان خشيتم أنتم عن لحوق المكروه وعروض المنكر من قبلهم فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ لأنه قادر على وجوه الانتقامات فعليكم ان تخشوا من الله ومخالفة امره وحكمه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالله
стр. 299
وبأوامره ونواهيه
وبالجملة قاتِلُوهُمْ حيث وجدتموهم فإنكم منصورون عليهم بنصر الله إياكم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ بأنواع العذاب من الأسر والقتل والاجلاء وَيُخْزِهِمْ اى يذلهم ويهنهم ما بقي منهم ومن ذرياتهم وَيَنْصُرْكُمْ دائما عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ بقهرهم وإذلالهم صُدُورَ قَوْمٍ غرباء مُؤْمِنِينَ حيث صارت قلوبهم مرضى من وعيدات أولئك الطغاة الغواة المتجبرين المتكبرين
وَيُذْهِبْ بقتل أولئك الكفرة وقمعهم واستئصالهم غَيْظَ قُلُوبِهِمْ اى ما حدث وخدش في قلوب هؤلاء الغرباء المؤمنين الذين تركوا أوطانهم بحب دين الإسلام من استيلاء الكفار وخافوا من كثرة عددهم وعددهم وجاههم ومالهم وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ان يصرف ويرجع من الباطل بسبب قلعهم وقمعهم من في قلوبهم مرض من الأقاصي والأداني وَاللَّهُ المطلع لضمائر عباده عَلِيمٌ بمخايلهم وامراض قلوبهم حَكِيمٌ في علاجها ودفعها.
ثم قال سبحانه على وجه التشنيع للمؤمنين تحريكا الحمية الايمان أَمْ حَسِبْتُمْ وظننتم ايها المؤمنون الكارهون للقتال المتقاعدون عن امتثال الأوامر الواقعة فيه أَنْ تُتْرَكُوا
على ما أنتم عليه ولا تؤمروا بالقتال من بعد وَزعمتم ايضا زعما فاسدا لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ ولما يفصل ويميز سبحانه بعلمه الحضوري الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ في سبيله مخلصين مخلصين خالصا لرضاه وَمع ذلك لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا من دون رَسُولِهِ المستخلف منه النائب عنه وَلا من دون الْمُؤْمِنِينَ المرابطين قلوبهم مع الله ورسوله وَلِيجَةً اى بطانة ومرجعا من الكفار يوالونهم ويفشون إليهم سرائرهم بلى ان الله عليم بجميع ما صدر عنكم من علامات الإخلاص وامارات النفاق وَاللَّهُ المطلع بجميع أحوالكم خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ اى بعموم ما تتخيلون وتخطرون ببالكم من التكاسل والتواني والالتجاء الى الأعداء والرجوع إليهم في خلواتكم واسراركم وموالاتكم معهم في قلوبكم
ثم قال سبحانه ما كانَ اى ما صح وما جاز لِلْمُشْرِكِينَ المصرين على الشرك والعناد أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ المعدة لأهل الايمان ليعبدوا فيها حتى يتحققوا بمقام المعرفة والتوحيد حال كونهم شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ والشرك قولا وفعلا وشركهم مناف لتعميرها إذ أُولئِكَ البعداء الهالكون في تيه الجحود والضلال قد حَبِطَتْ اى سقطت عن درجة الاعتبار أَعْمالُهُمْ الصالحة عند الله بحيث لا ينفعهم أصلا لمقارنتها بالشرك بل وَمآل أمرهم انهم داخلون فِي النَّارِ المعدة لأهل الشرك والضلال بل هُمْ خالِدُونَ فيها لا نجاة لهم منها أصلا سواء صدر عنهم الأعمال الصالحة أم لا
بل إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ المعدة للعبادة والتوجه نحو الحق والمناجاة معه مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وتحقق بمرتبة اليقين العلمي في توحيده وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اى صدق باليوم الآخر الذي مصير الكل اليه وَأَقامَ الصَّلاةَ وادام الميل والرجوع نحو الحق بعموم الجوارح والأركان مستمرا دائما وَآتَى الزَّكاةَ تخفيفا وتطهيرا لنفسه عن العلائق العائقة عن التوجه الحقيقي الحقي وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ اى لم يكن في قلبه خشية من فوات شيء أصلا الا من عدم قبول الله اعماله ومن عدم رضاه سبحانه منه فَعَسى وقرب أُولئِكَ السعداء الأمناء الباذلون جهدهم في طريق التوحيد المشتاقون الى فضاء الفناء المتصفون بالأوصاف المذكورة المداومون عليها المحافظون إياها أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ المتحققين في مقام الرضا والتسليم ان وفقوا بالإخلاص من عنده سبحانه. اصنع بنا ما تحب أنت عنا وترضى يا دليل الحائرين
أَجَعَلْتُمْ اى صيرتم وسويتم ايها المشركون المعاندون المكابرون سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
стр. 300
مع كونهما صادرتين عنكم وأنتم على شرككم وضلالكم كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ اى كايمان من آمن بتوحيد الله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ المعد لجزاء الأعمال وَمع ذلك قد جاهَدَ بماله ونفسه فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء دينه وكلمة توحيده كلا وحاشا لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ عملة السقاية وعمرة المساجد مع المؤمنين الموقنين بتوحيد الله المجاهدين في سبيل الله لنصرة دينه وَاللَّهُ الهادي لعباده الى توحيده لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى أوامره ونواهيه المنزلة على رسله وأنبيائه
الَّذِينَ آمَنُوا اى تحققوا بمرتبة اليقين العلمي بتوحيد الله وَهاجَرُوا عن بقعة الإمكان طالبين مرتبة أعلى منها وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وفي طريق توحيده مع جنود النفوس الامارة واهل الشقاق والخلاف ساعين فيه بِأَمْوالِهِمْ اى ببذل ما نسب إليهم من امتعة الدنيا العائقة عن الوصول الى فضاء الوحدة وَأَنْفُسِهِمْ بمنعها عن مشتهياتها ومقتضياتها طالبين افناء انانياتهم وهوياتهم الباطلة في هوية الحق أَعْظَمُ دَرَجَةً وأعلى منزلة ومرتبة عِنْدَ اللَّهِ ما داموا سالكين سائرين وَبعد وصولهم وانقطاع سلوكهم أُولئِكَ السعداء الواصلون هُمُ الْفائِزُونَ المتحققون الواصلون بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
لذلك يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ إياهم اى باستعداداتهم الكامنة في عالم الأسماء والصفات بِرَحْمَةٍ وروح وراحة غير منقطعة نازلة ناشئة مِنْهُ سبحانه وَرِضْوانٍ فائض لهم من جانبه سبحانه قد كلت الألسن عن تفسيره وانحسرت العقول عن التعبير عنه وَجَنَّاتٍ متنزهات متجددات حسب تجددات التجليات الحبية لَهُمْ فِيها اى في تلك الجنات المتجددات نَعِيمٌ اى امداد عظيم من قبل الحق وفيض مُقِيمٌ دائم غير منقطع
خالِدِينَ فِيها أَبَداً مؤبدا لا تأبيد أمد ولا زمان بل لا يعرف كنهه الا هو وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المتجلى على قلوب خلص عباده عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ موهوب لهم حسب استعداداتهم وقابلياتهم بعد ما انكشفوا
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم الاجتناب عن اهل الغفلة والغرور حتى لا يسرى ضلالهم إليكم سيما اقرباءكم النسبية لا تَتَّخِذُوا ايها المهاجرون آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا واختاروا الْكُفْرَ والشرك عَلَى الْإِيمانِ والتوحيد وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ سيما بعد ورود النهى فَأُولئِكَ المتخذون المضلون الضالون هُمُ الظَّالِمُونَ المتجاوزون عن مقتضى حكم الله وامره ونهيه
قُلْ يا أكمل الرسل للمؤمنين الذين يقصدون موالاة أنسابهم إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ اى أقاربكم وذووا أرحامكم وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها اى اكتسبتموها بأيديكم وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها بمضى وقت ربحها ونمائها وَمَساكِنُ طيبة تَرْضَوْنَها اى ترضى بها نفوسكم وتطيب بها قلوبكم أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ المحبوب في قلوب أوليائه وَرَسُولِهِ الذي هو حبيبه وخليله وهو النائب المستخلف عنه سبحانه وَكذا من جِهادٍ هو عبارة عن الاجتهاد فِي سَبِيلِهِ سبحانه للفوز بشرف الوصول والشهود والنيل الى غاية المأمول والمقصود فَتَرَبَّصُوا اى فعليكم ان تتربصوا وتنتظروا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ المنتقم الغيور من المتخذين لغيره اولياء بِأَمْرِهِ الموجب لعذابه وَاللَّهُ الهادي لعباده لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن مقتضى ولائه وولايته اذكروا يا ايها المؤمنون
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ الحفيظ الرقيب عليكم فِي مَواطِنَ ومواقع كَثِيرَةٍ حين لا ينفعكم أحسابكم وانسابكم شيأ لا سيما في حربكم مع هوازن وثقيف وَلا سيما يَوْمَ حُنَيْنٍ هو واد بين مكة
стр. 301
والطائف إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ من ان تكونوا مغلوبين إذ أنتم اثنا عشر الفا وعدوكم اربعة آلاف فَلَمْ تُغْنِ حينئذ كثرتكم عَنْكُمْ شَيْئاً من غلبة العدو مع قلتهم وَقد صرتم أنتم حينئذ من شدة رعبكم وخوفكم الى حيث قد ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ اى مع وسعتها فلم تجدوا فيها مقرا تتمكنون عليها من غاية رهبتكم ثُمَّ ادى أمركم وخوفكم الى ان وَلَّيْتُمْ ورجعتم أنتم مُدْبِرِينَ صائرين ظهركم على العدو منهزمين منهم
ثُمَّ بعد انهزامكم وإدباركم قد أَنْزَلَ اللَّهُ المتولى لأموركم سَكِينَتَهُ اى رحمته الموجبة للقرار والوقار والطمأنينة عَلى قلب رَسُولِهِ وَعَلَى قلوب الْمُؤْمِنِينَ الذين تمكنوا معه واستقروا حوله اتكالا على الله واتفاقا مع رسوله وَبتثبيت الرسول وتمكينه وتقرير من تبعه قد أَنْزَلَ سبحانه نصرة لنبيه من الملائكة جُنُوداً مجندة لَمْ تَرَوْها باعينكم وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بنزولها عذابا شديدا من القتل والأسر والإذلال في النشأة الاولى وفي الاخرى بأضعافها وَذلِكَ اى ما لحقهم من انواع الإذلال جَزاءُ الْكافِرِينَ المحاربين مع الله ورسوله روى ان رسول الله ﷺ خرج بعد فتح مكة نحو حنين لقتال هوازن وثقيف مع عشرة آلاف من المهاجرين وألفين من الطلقاء وكان العدو اربعة آلاف فاعجب المسلمين كثرتهم فلما التقوا قالوا لن نغلب اليوم لان العدو في غاية القلة فكره الله منهم قولهم هذا وإعجابهم فاقتتلوا قتالا عظيما فغلب العدو عليهم فولوا منهزمين فبقى رسول الله ﷺ مع شرذمة قليلة فأراد ان يقتحم على العدو بنفسه فأخذ عمه العباس بعنانه فنزل ﷺ وقبض قبضة من التراب ورمى نحو العدو وذلك عند نزول الملائكة فقال حينئذ
انا النبي لا كذب ... انا ابن عبد المطلب
الآن قد حمى الوطيس اى التنور فأمر العباس ان يصيح على الناس المنهزمين فصاح يا عباد الله يا اصحاب الشجرة يا اصحاب سورة البقرة فكروا عنقا واحدا فاستقبلوا قائلين لبيك لبيك فصفوا خلف الملائكة وازدحموا وهجموا على العدو والريح من خلفهم ومن امام عدوهم فانهزم العدو بنصر الله وتأييده
ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ويوفق عَلى مَنْ يَشاءُ إيمانه من أولئك المنهزمين فأتوا رسول الله وآمنوا فاعطى ﷺ من سبى منهم بلا فدية وَاللَّهُ المصلح لأحوال عباده غَفُورٌ يغفر لمن تاب وآمن رَحِيمٌ يقبل توبته ويرحم عليه ان أخلص
ثم قال سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم ان تذبوا وتدفعوا اهل الشرك عن الحرم إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ المنغمسون في خباثة الشرك والضلال نَجَسٌ يجب ان يطهر بيت الله منهم فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا اى سنة حجة الوداع وَإِنْ خِفْتُمْ ايها المؤمنون بسبب إخراجهم ومنعهم عن الحرم عَيْلَةً فقرا وقلة زاد ومكسب فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وسعة رزقه إِنْ شاءَ ترفهكم واتساعكم إِنَّ اللَّهَ المدبر لأمور عباده عَلِيمٌ بمصالحهم حَكِيمٌ في إتيانها عند الحاجة ومقدارها
وبالجملة قاتِلُوا ايها الغزاة الحماة لدين الله المشركين الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وتوحيده وَلا يصدقون بِالْيَوْمِ الْآخِرِ المعد لجزاء الأعمال وان تفوهوا بالإيمان مداهنة ونفاقا لا تبالوا بايمانهم هذا وَهم ليسوا مراعين على مقتضى الايمان إذ لا يُحَرِّمُونَ من المحرمات ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ باذنه سبحانه وَبالجملة أولئك البعداء المنهمكون في بحر الغفلة والغرور لا يَدِينُونَ ولا ينقادون دِينَ الْحَقِّ المنزل على الحق ليصلوا الى مقر التوحيد وان كانوا؟؟؟
стр. 302
انهم مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى يدعون إتيانه إياهم وهم ليسوا على مقتضى الكتاب وان ادعوا وبالجملة لا تبالوا بهم وبادعائهم بل قاتلوهم الى ان تذلوهم وتصاغروهم حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ اى ٢ التي يجزى او يعفى بها دينهم إياهم حماية له عَنْ يَدٍ اى حال كون اعطائهم صادرا منهم عن يد قاهرة غالبة عليهم وَهُمْ في حين العطاء والإعطاء صاغِرُونَ ذليلون مهانون بحيث يؤخذ من لحاهم ويضرب في لهازمهم وبالجملة خذوا الجزية منهم على وجه تضطروهم وتلجؤهم الى الايمان
وَكيف لا يقتل هؤلاء الكفرة المشركون إذ قالَتِ الْيَهُودُ منهم عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ المنزه عن مطلق الزواج والازدواج والأبوة والبنوة إذ هي من لوازم البشر وَقالَتِ النَّصارى ايضا الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ذلِكَ المقول المهمل قَوْلُهُمْ دائما جاريا بِأَفْواهِهِمْ وان فرض مخالفة اعتقادهم قولهم هذا فلا اقل انهم يُضاهِؤُنَ ويشابهون بقولهم هذا قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا وأشركوا مِنْ قَبْلُ بأمثال هذه المهملات حيث قالوا الملائكة بنات الله لذلك قاتَلَهُمُ اللَّهُ واهلكهم بأمثال هذه المقالات المهملة أَنَّى يُؤْفَكُونَ اى كيف يصرفون أولئك الحمقى الناكبون عن الحق الصريح الى الباطل الزائغ الرائل
وبالجملة اتَّخَذُوا من فرط جهلهم وحيث طينتهم أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مستقلين في الوجود متأصلين فيه مِنْ دُونِ اللَّهِ المنزه عن الشريك مطلقا المستقل في الوجود المتفرد فيه بلا وجود لغيره أصلا الى حيث يعبدونهم كعبادة الله وَخصوصا الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَالحال انهم ما أُمِرُوا في كتبهم التي قد ادعوا العمل بمقتضاها إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً أحدا صمدا فردا وترا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا إذ لا إِلهَ ولا موجود إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ له من مصنوعاته واظلاله
وبالجملة يُرِيدُونَ بأمثال هذه المفتريات الباطلة أَنْ يُطْفِؤُا اى يخمدوا ويستروا نُورَ اللَّهِ المتجلى في الآفاق المتشعشع في الكائنات بِأَفْواهِهِمْ اى بشركهم الناشئ من أفواههم بلا سند من عقل او نقل او كشف صريح وشهود ظاهر وَيَأْبَى اى يمنع اللَّهِ المنزه عن التعدد مطلقا ان يكون له شريك في الوجود إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ اى سوى ان يتجلى بجميع أوصافه وأسمائه على من استخلفه من خلقه فيتراءى منه جميع آثار أسمائه وعكوس أوصافه وأخلاقه الا وهو المظهر الكامل الجامع المحمدي الذي قد اتحد دون مرتبته ﷺ قوس الوجوب والإمكان ودائرتا الغيب والشهادة لذلك قال ﷺ انا بعثت لأتمم مكارم الأخلاق قال ايضا انا سيد ولد آدم وقال ايضا آدم ومن دونه تحت لوائى وقال ايضا من أطاعني فقد أطاع الله ومن رآني فقد رأى الحق ونزل في شانه اليوم أكملت لكم دينكم الى غير ذلك مما دل على وحدة مرتبته واحاطتها على جميع المراتب لذلك ختم به ﷺ امر الرسالة والتشريع وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ الساترون ظهور الحق المريدون اطفاء نور الوجود في المشكاة المحمدية
وكيف يريدون اطفاء نوره اللائح اللامع من المظهر الجامع المحمدي مع انه سبحانه هُوَ القادر المقتدر والقيوم المطلق الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ الهادي بِالْهُدى العام الشامل لكافة البرايا وَدِينِ الْحَقِّ الا وهو الإسلام المنزل على خير الأنام لِيُظْهِرَهُ اى الرسول ودينه عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ اى على كل الأديان وينسخ جميعها به لابتناء دينه على التوحيد الصرف الخالي عن شوب الثنوية وشين الكثرة مطلقا وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ظهوره بالهداية العامة ونسخ دينه جميع الأديان لخبث باطنهم
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله وبرسوله
стр. 303
تحققوا وتيقنوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ الموسوسين لضعفاء العوام الملبسين لهم طريق الحق بالتغريرات المبتدعة من تلقاء أنفسهم كالشيخوخة التي قد ظهرت في زماننا هذا وانما غرضهم ومعظم مأمولهم لَيَأْكُلُونَ ويأخذون أَمْوالَ النَّاسِ المنحطين عن زمرة اهل الحق والتحقيق بِالْباطِلِ اى بترويج الباطل الزائغ الذي قد ابتدعوها من تلقاء أنفسهم بلا مستند لهم وَيَصُدُّونَ اى يصرفون ويضلون باباطيلهم وتلبيساتهم ضعفاء الأنام عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الذي هو الإسلام تلبيسا عليهم وتغريرا لهم ليأخذوا الرشى منهم ويكنزوها وَلم يعلموا ان الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ اى يجعلونهما مخزونين محفوظين من أية ملة كانوا وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ طلبا لمرضاته فَبَشِّرْهُمْ يا أكمل الرسل بِعَذابٍ أَلِيمٍ مؤلم مفزع اذكر لهم
يَوْمَ يُحْمى اى حين توقد وتحرق عَلَيْها اى على تلك الذهب والفضة المخزونة المحفوظة نار مع انها هي موضوعة فِي نارِ جَهَنَّمَ أمدا وهذا مبالغة لشدة احمائه وبعد ما قد حميت الى ان صارت جذوة نار وأية نار فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ ليوسموا بها ويعلموا على رؤس الاشهاد جزاء ما افتخروا بها في النشأة الاولى وَجُنُوبُهُمْ ايضا ليتألموا بها أشد تألم بدل ما قد تلذذوا بها أشد تلذذ وَتكوى بها ايضا ظُهُورُهُمْ بدل ما قد كانوا يستظهرون بها ويتعاونون بسببها ويقال لهم حين الكي والتعذيب هذا ما كَنَزْتُمْ واختزنتم لِأَنْفُسِكُمْ لتنتفعوا بها وتسروا بجمعها وادخارها وهذا نفعها فَذُوقُوا اليوم وبال ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ بدل ما قد كنتم تتلذذون بها.
ثم قال سبحانه تعليما للمؤمنين وتنبيها على ما قد ثبت عنده سبحانه من الأيام والشهور لتتميم مصالحهم ومعاملاتهم إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ على ما ثبت عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ اى في حضرة علمه ولوح قضائه يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى حين اظهر سبحانه عالم الكون والفساد المقدر بمكيال الأيام والليالى المنقسمتين الى الشهور والأعوام والأسبوع والساعات إذ في أزل الذات لا صباح ولا مساء ولا صيف ولا شتاء ولا فصول الفصول ولا شهرة الشهور ولا عدة السنين ولا الأيام ولا الساعات فسبحان من تنزه عن مطلق التبدل والتحول وتقدس عن الظهور والبطون مِنْها اى من تلك الشهور المثبتة في كتاب الله أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ هي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم سميت بها لان الله تعالى سبحانه قد حرم فيها لعباده بعض ما قد أباح لهم في الشهور الاخر كرامة لها واحتراما ولهذا جعل رأس السنة وأول العام منها فعليكم ايها المكلفون ان تواظبوا فيها على الطاعات وتداوموا على الخيرات والمبرات وتجتنبوا عن الآثام والجهالات وأكثروا فيها الأعمال الصالحات وتوجهوا نحو الحق في جميع الحالات سيما في تلك الشهور المعدة للتوجه نحوه سبحانه ذلِكَ اى تحريم الشهور الاربعة الدِّينُ الْقَيِّمُ المستقيم الموروث لكم من ملة أبيكم ابراهيم وإسماعيل ﵉ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بالخروج عن مقتضى تحريمها وهتك حرمتها حتى لا تستحقوا عذاب الله ونكاله وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ فيها ان قاتلوكم ولا تبادروا ولا تسابقوا الى قتالهم فيها وفي غيرها بل ان بادروا على قتالكم قاتلوهم واقتلوهم كَافَّةً اى جميعا كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً بلا ترحم وتوقيت وَاعْلَمُوا ايها المؤمنون أَنَّ اللَّهَ المستوي على العدل القويم مَعَ الْمُتَّقِينَ الذين يحفظون نفوسهم عن هتك حرمة الله قد حرمها الله لحكمة ومصلحة لم يطلعكم عليها
إِنَّمَا النَّسِيءُ اى تأخير حرمة الشهر المحرم الى شهر آخر بدله من غير المحرمات زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ إذ خصوصية هذه الأشهر معتبرة في الحرمة
стр. 304
واستبدالها ازدياد في الكفر لان هتك الحرمة كفر وتبديلها كفر آخر يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا اى بسبب تبديلهم ضلالا زائدا على ضلالهم الأصلي إذ يُحِلُّونَهُ اى النسيء الذي يؤخرونه عاماً وسنة وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً آخر وسنة اخرى بلا رعاية خصوصيته في التحريم وليس غرضهم من هذا التحليل والتحريم الا لِيُواطِؤُا ويوافقوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وهي الاربعة من غير التفات الى خصوصية فَيُحِلُّوا بفعلهم وتبديلهم هذا ما حَرَّمَ اللَّهُ بخصوصه وما ذلك الا ان زُيِّنَ اى حسن وحبب لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ اى تحليلهم وتبديلهم القبيح وَاللَّهُ الهادي لعباده الى صوب جنابه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ الخارجين عن مقتضى مأموراته
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ماذا عرض ولحق لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لنصرة دينه وإعلاء كلمة توحيده اثَّاقَلْتُمْ تثاقلتم وتعاللتم وتباطئتم أنتم وقد صرتم من غاية ثقلكم وتكاسلكم كأنكم تلزقون وتلصقون إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ ايها الحمقى المستبطئون المتثاقلون بِالْحَياةِ الدُّنْيا الدنية الحقيرة ومزخرفاتها الفانية بدلا مِنَ الْآخِرَةِ ولذاتها الباقية فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا والاستمتاع بها والتلذذ بمستلذاتها ومشتهياتها فِي الْآخِرَةِ اى في جنب لذاتها ودرجاتها وحالاتها الدائمة الباقية ازلا وابدا إِلَّا قَلِيلٌ مستحقر مسترذل بل فان مطلق لا وجود لها أصلا عند من كحل الله عين بصيرته واذهب عمى قلبه
إِلَّا تَنْفِرُوا وما تشتغلوا الى تهيئة اسباب النفر واعداد راده وعتاده بعد ما أمرتم به يُعَذِّبْكُمْ الله المنتقم منكم عَذاباً أَلِيماً باستيلاء عدوكم عليكم واستئصالكم بافظع الوجوه وأفزعها وَبعد إهلاككم يَسْتَبْدِلْ منكم قَوْماً غَيْرَكُمْ مطيعين لأمره منقادين لحكمه لينفروا في سبيله كأهل اليمن والفرس وَاعلموا انكم بتكاسلكم وتقاعدكم عن القتال المأمور به لا تَضُرُّوهُ شَيْئاً إذ هو سبحانه منزه في ذاته عن تقويتكم واضراركم وكفركم وايمانكم وَاللَّهُ المنتقم على من خرج عن مقتضى امره عَلى كُلِّ شَيْءٍ من صور الانتقام والانعام قَدِيرٌ لا يخرج عن حيطة قدرته شيء
إِلَّا تَنْصُرُوهُ أنتم اى ان لم تنصروا نبيه المؤيد من عنده فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ الرقيب عليه اذكروا نصر الله إياه وقت إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا اى اهل مكة من مكة حال كونه ثانِيَ اثْنَيْنِ اى ليس معه الأرجل واحد وهو أبو بكر رضى الله عنه فذهبا نحو الجبل فدخلا الغار واقتفى العدو اثرهما فوصلوا الغار إِذْ هُما حينئذ فِي الْغارِ فتحزن صاحبه من ادراك العدو اذكروا إِذْ يَقُولُ ﷺ في تلك الحالة لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ عن ادراكهم ولحوقهم ولا تيأس عن نصر الله وحفظه إِنَّ اللَّهَ الرقيب علينا حاضر مَعَنا غير مغيب عنا يكفينا ويكف عنا مؤنة ضررهم واضرارهم فَأَنْزَلَ اللَّهُ سبحانه بقوله ﷺ سَكِينَتَهُ اى اطمئنانه وقراره عَلَيْهِ اى على صاحبه وَبالجملة أَيَّدَهُ سبحانه حبيبه ﷺ بِجُنُودٍ اى ملائكة حافظين حارسين له ﷺ بحيث لَمْ تَرَوْها بعيونكم ايها النظار مثل أولئك الجنود وَبالجملة قد جَعَلَ سبحانه بنصره وتأييده إياه ﷺ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا اى ما يدعون ويخاصمون معه ﷺ لأجله وترويجه من الأصنام والأوثان السُّفْلى الدنيا النزلى لا يؤبه ولا يبالى بها أصلا وَكَلِمَةُ اللَّهِ اى كلمة توحيده التي قد ظهر بها حبيبه ﷺ هِيَ الْعُلْيا إذ الحق يعلو ولا يعلى عليه وَاللَّهُ القادر المقتدر على عموم ما يشاء عَزِيزٌ غالب في نصر أوليائه
стр. 305
وقهر أعدائه حَكِيمٌ في عموم أفعاله وتدابيره
انْفِرُوا ايها الغزاة المجاهدون في سبيل الله خِفافاً نشطين فرحين مشتاقين منبسطين لمرتبة الشهادة وَثِقالًا قاصدين لاخذ الغنيمة ونيل الأحمال والأثقال من عدوكم او المعنى مشاة وركبانا وَبالجملة جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ لتهيئة الأسباب واعداد السفر وَأَنْفُسِكُمْ بتحمل المشاق والمتاعب فِي سَبِيلِ اللَّهِ لتفوزوا من عنده سبحانه بالمثوبة العظمى والمرتبة العليا التي لا درجة أعلى منها ذلِكُمْ اى ما أمرتم به من عند ربكم خَيْرٌ لَكُمْ في اولاكم واخراكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الخير وتميزونه من الشر ثم قال سبحانه في حق المتخلفين عن القتال المأمور به المستأدنين عن رسول الله المعتذرين له بالأعذار الكاذبة تعريضا وتوبيخا لهم وتقريعا
لَوْ كانَ ما تدعوهم اليه وتهديهم نحوه يا أكمل الرسل عَرَضاً متاعا دنيويا مما يشتهيه نفوسهم قَرِيباً سهلة الحصول وَمع ذلك كان السعى في حصوله سَفَراً قاصِداً متوسطا مساويا نفعه لمشقة تحصيله لَاتَّبَعُوكَ البتة طائعين طامعين لما يتأملونه من جلب النفع ولا يتبعونك لغرض ديني ونفع اخروى وان كان نفعه بأضعافه وآلافه وَلكِنْ قد بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ المسافة واشتدت الشُّقَّةُ والمشقة فيه مع جزمهم بعدم الفائدة فيه بزعمهم الفاسد واعتقادهم الكاسد وَمع ذلك سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ معتذرين متمنين بلا مواطأة قلوبهم بألسنتهم بعد ما رجعت من غزوة تبوك والله لَوِ اسْتَطَعْنا بالخروج استطاعة مالية او بدنية لَخَرَجْنا مَعَكُمْ البتة مع انهم قادرون مستطيعون تينك الاستطاعتين معا وهم من خباثة بواطنهم يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بهذا الحلف الكاذب ويعرضونها على عذاب الله ظلما وعدوانا وَاللَّهُ المطلع لمخايل عموم المنافقين يَعْلَمُ بعلمه الحضوري إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في حلفهم وعذرهم هذا
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ فيما قد جئت به يا أكمل الرسل من ترك الاولى لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حين استأذنوك بالقعود اى لهؤلاء المنافقين المتخلفين المعتذرين بالأعذار الكاذبة حَتَّى يَتَبَيَّنَ ويظهر لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الاعتذار والاعتلال وَتَعْلَمَ وتميز الْكاذِبِينَ فيه من الصادقين على مقتضى نفاقهم الكامنة في نفوسهم
وبالجملة لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اى ليس من عادة المؤمنين الاستيذان منك الى الخروج نحو القتال مطلقا بل هم منتظرون دائما مهيئون أسبابهم مترصدون الى أَنْ يُجاهِدُوا في سبيل الله بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وينتهزوا الفرصة بالمسابقة حين أمروا فكيف ان يستأذنوا بالقعود وعدم الخروج، والمعذورون منهم متألمون متحسرون يبكون في زوايا الخمول والحرمان محزونين ملهوفين متأسفين لذلك وعدلهم سبحانه من فضله درجة عظيمة وَاللَّهُ المطلع لضمائر عباده عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ الذين يحفظون نفوسهم عن مخالفة امر الله وامر رسوله بلا عذر شرعي
بل إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ بالقعود والتخلف المنافقون الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبتوحيده وَالْيَوْمِ الْآخِرِ المعد لجزاء الأعمال وَمع ذلك قد ارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ لعدم اطمئنانها ورسوخها بالإيمان والتوحيد فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ المركوز في جبلتهم يَتَرَدَّدُونَ يتحيرون ويتذبذبون لا إلى هؤلاء ولا الى هؤلاء
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ وقصدوا الوفاق والانفاق مع المؤمنين كما أظهروا لَأَعَدُّوا وهيئوا لَهُ عُدَّةً اهبة وأسبابا بوجه حسن طلق بشاش بسام وَلكِنْ لخبث بواطنهم وانهماكهم في الغفلة والضلال قد كَرِهَ اللَّهُ المطلع على قساوة قلوبهم انْبِعاثَهُمْ اهتزازهم وتحركهم نحو القتال فَثَبَّطَهُمْ لذلك وحبسهم بل اقعدهم في مكانهم بإلقاء الرعب والكسل
стр. 306
في قلوبهم وَكأنه قد قِيلَ لأسماعهم من قبل الحق تضليلا لهم وتغريرا حسب اسمه المضل المذل اقْعُدُوا ايها المنهمكون في الغفلة مَعَ الْقاعِدِينَ من النساء والصبيان والمرضى والزمنى وانما ثبطهم سبحانه وكره نهوضهم وانبعاثهم
إذ قد علم سبحانه منهم انهم لَوْ خَرَجُوا معكم وكانوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا فسادا وإفسادا بالغيبة والتميمة وإيقاع الفتنة بينكم وَلَأَوْضَعُوا اسرعوا وادخلوا ركائبهم خِلالَكُمْ ليخللوا بينكم ويفرقوا جمعكم حتى يشتغلوا بالنميمة وإذا ازدحم العدو هزموكم بتفريق جمعكم وتشتيت شملكم وبالجملة هم انما يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ويوقعونكم فيها باى وجه أمكن وَالحال انه فِيكُمْ ومن جمعكم وبين أظهركم قوم سَمَّاعُونَ لَهُمْ اى ضعفة يسمعون قولهم ويقبلون نصحهم ويرغبون إليهم ويطيعون أمرهم وَاللَّهُ المطلع لأحوال عباده عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى أوامره سرا وعلانية
والله لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ يعنى ليس هذا أول ابتغائهم وإيقاعهم بل هم قد أوقعوا الفتنة مِنْ قَبْلُ وأرجفوا بهلاكك وشتتوا شمل أصحابك وَقَلَّبُوا لَكَ ولأصحابك الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ اى النصر والتأييد الموعود لك يا أكمل الرسل المقرر دونه سبحانه من نصر دينك وإظهاره على عموم الأديان ونسخه إياها وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ ونفذ حكمه وقضيت حكمته وعلت كلمته وَهُمْ من خبث بواطنهم كارِهُونَ ظهور دينك وارتفاع شأنك وسمو برهانك
وَمِنْهُمْ من المستأذنين المتخلفين مَنْ يَقُولُ لك حين استأذن منك يا أكمل الرسل بالقعود ائْذَنْ لِي بالقعود إذ ليس لي قوة الخروج وَلا تَفْتِنِّي ولا توقعني في الفتنة والمعصية بالخروج انى أخاف على نفسي من انواع الفتن والمعاصي لو خرجت قل لهم يا أكمل الرسل توبيخا وتقريعا أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا يعنى تنبهوا ايها المؤمنون المتنبهون انهم قد وقعوا في فتنة التخلف واظهار النفاق والشقاق باستيذانهم هذا وقولهم هكذا واستحقوا سوء العذاب وأشد النكال وَبالجملة إِنَّ جَهَنَّمَ البعد والخذلان لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ في الدنيا والآخرة ومن شدة شكيمتهم وغيظ قلوبهم معك يا أكمل الرسل
إِنْ تُصِبْكَ في بعض أسفارك وغزواتك حَسَنَةٌ ظفر وغنيمة تَسُؤْهُمْ وتزيد غيظهم ونفاقهم وَإِنْ تُصِبْكَ أحيانا مُصِيبَةٌ كسر وهزيمة يَقُولُوا تصحيحا وتحسينا لرأيهم الفاسد قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا وقد أصبنا فيه مِنْ قَبْلُ اى حين تعوقنا وتخلفنا عن هؤلاء المستجسنين أمرهم وشأنهم وَيَتَوَلَّوْا عن مجمعهم الذي يشامتون فيه بحال المؤمنين تبحبحا وَهُمْ في رجوعهم وانصرافهم عند تفرقهم فَرِحُونَ مسرورون
قُلْ يا أكمل الرسل للمشامتين المنافقين بمقتضى كشفك وشهودك بربك لَنْ يُصِيبَنا من الحوادث والمصيبات الكائنة في علم الله ولوح قضائه إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ المقدر للآجال والأرزاق وجميع الأحوال والأفعال وعموم الحوادث والملمات الجارية في عالمي الغيب والشهادة لَنا وخصصنا به في حضرة علمه ولوح قضائه إذ هُوَ بذاته وبمقتضيات أسمائه الكاملة وأوصافه الشاملة مَوْلانا ومتولى عموم أمورنا يصنع بنا بمقتضى ما قد ثبت في حضرة علمه بلا تبديل ولا تغيير وَبالجملة مالنا الا الرضا بعموم ما جرى علينا من القضاء لذلك عَلَى اللَّهِ لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية إذ مرجع الكل اليه كما ان مبدأه منه أولا وبالذات فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ بتوحيد الذات وسريان سر الوحدة الذاتية الإلهية المتجلية على صفحات الكائنات وصحائف المكونات
قُلْ لهم ايضا هَلْ تَرَبَّصُونَ
стр. 307
وما تترقبون وتنتظرون أنتم بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ اى الا احدى العاقبتين الحميدتين اللتين كل منهما محض خير لنا ومنحة عظيمة وعطية كريمة كثيرة بالنسبة إلينا من ربنا وهما النصرة على الأعداء والشهادة في سبيل الله بيد أعدائه إذ قد وعدنا الله ايضا من فضله بأحدهما وَنَحْنُ ايضا نَتَرَبَّصُ بِكُمْ بمقتضى وحى الله والهامه أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ المنتقم الغيور بِعَذابٍ نازل مِنْ عِنْدِهِ سبحانه بلا صنع منا ودخل من قبلنا من كسف او خسف او زلزلة او طاعون او غيرها أَوْ بِأَيْدِينا اى بعذاب صادر منا واقع عليكم من القتل والأسر والاجلاء والإذلال وبالجملة فَتَرَبَّصُوا وانتظروا لما وعد لنا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ منتظرون لما اوعدتم به حتى ننظر نحن وأنتم كيف يجرى حكم الله وامره بنا وبكم
قُلْ يا أكمل الرسل للمنافقين المتخلفين الذين يريدون اعانتك بالمال بدل الخروج الى الجهاد لن ينفعكم اليوم انفاقكم عند الله سواء أَنْفِقُوا طَوْعاً طائعين فيه أَوْ كَرْهاً كارهين له لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إذ الانفاق انما يقبل عنده سبحانه من المؤمنين الموقنين المصلحين المخلصين إِنَّكُمْ بسبب كفركم ونفاقكم مع الله ورسوله قد كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ خارجين عن الحدود الإلهية مطلقا لا يقبل منكم الصدقات مطلقا لعدم مقارنتها بالإيمان والتوحيد
وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ اى ليس عدم قبول نفقاتهم وصدقاتهم عند الله إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ المتوحد بذاته وأشركوا له ما هو من مصنوعاته وَبِرَسُولِهِ بتكذيبه وعدم أطاعته وانقياده وَعلامة كفرهم ونفاقهم انهم لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ الفارقة بين الكفر والايمان إِلَّا يأتونها مداهنة وَهُمْ في إتيانها كُسالى مبطؤن مؤخرون عن أوقاتها بلا انبعاث قلبي وداعية شوقية وَايضا لا يُنْفِقُونَ عموم ما ينفقون إِلَّا وَهُمْ في إنفاقه كارِهُونَ كراهة قلبية إذ لا يعتقدون ترتب الثواب عليه لعدم ايمانهم بيوم الجزاء ودار الثواب والعقاب وبعد ما قد تحقق كفرهم ونفاقهم
فَلا تُعْجِبْكَ يا أكمل الرسل أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ اى كثرتها وتفاخرهم بها إذ هي من الأسباب الجالبة لانواع العذاب والنكال عليهم وبالجملة إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ المنتقم الغيور لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بجمعها وحفظها ونمائها وارتكاب الشدائد والمحن في تحصيلها وَمن كثرة محبتهم لها وحرصهم عليها تَزْهَقَ وتزول أَنْفُسُهُمْ وقت حلول الأجل عليهم وَهُمْ كافِرُونَ محجوبون عن توحيد الله والايمان به مائلون محرومون عنهما
وَمن جملة نفاقهم انهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ بالحلف الكاذب إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ اى من جملتكم وزمرتكم نفرح بفرحكم ونسر بسروركم ونتغمم بحزنكم ومصيبتكم وَالحال انه ما هُمْ مِنْكُمْ لشركهم وكفرهم المركوز في جبلتهم وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ يخافون ان تفعلوا أنتم بهم فعلكم مع المشركين فاضطروا الى المداهنة والنفاق فأظهروا الإسلام حفظا لدمائهم وأموالهم وهم مضطرون على اظهار الايمان ومن غاية تذللهم واضطرارهم
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً منيعا من الحصون والقلاع أَوْ مَغاراتٍ في شعاب الجبال أَوْ مُدَّخَلًا جحرا يمكنهم الانجحار والاستتار فيه لَوَلَّوْا وانصرفوا البتة إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ويسرعون في الانصراف والانجحار اليه كالفرس الجموح
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ يعيبك ويغمزك فِي الصَّدَقاتِ اى في قسمة الغنائم ويتردد حولك حين القسمة طامعا فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها سهما او شيأ يعتد به رَضُوا منك واثنوا عليك شكرا لاعطائك وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها لعدم استحقاقهم وبسبب تخلفهم ونفاقهم إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ
стр. 308
ويفاجئون بالغيظ والسخط إظهارا لما في قلوبهم من الأكنة
وَلَوْ أَنَّهُمْ كانوا مؤمنين كما ادعوا قد رَضُوا في تقاسيم الغنائم وغيرها على ما آتاهُمُ اللَّهُ واعطاهم من فضله إذ هو الحكيم في قسمة أرزاق عباده على تفاوت درجاتهم وَرَسُولُهُ المستخلف له الملهم من عنده وَقالُوا من كمال إخلاصهم وتفويضهم كسائر المؤمنين حَسْبُنَا اللَّهُ المدبر الكافي لأمورنا يكفينا علمه بنا سَيُؤْتِينَا اللَّهُ المتكفل لأرزاقنا مِنْ فَضْلِهِ وسعة لطفه وجوده ما يكفينا وَسيعطينا رَسُولُهُ النائب عنه باذنه من الغنائم والصدقات ما يشبعنا ويغنينا إِنَّا بعد ما قد آمنا بالله وتحققنا بتوحيده بإرشاد رسوله إِلَى اللَّهِ الباقي بالبقاء الأزلي السرمدي لا الى غيره من الاظلال والعكوس والأموال والمزخرفات الفانية راغِبُونَ ليرزقنا من موائد رزقه المعنوي وفوائد توحيده الذاتي اى هم لو رضوا كما رضى المؤمنون الموقنون واعترفوا كما اعترفوا لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وتقريرا في قلوبهم
ثم بين سبحانه مصارف الصدقات فقال إِنَّمَا الصَّدَقاتُ والزكوات تصرف لِلْفُقَراءِ وهم الذين لا مال لهم ولا مكسب من الحرف وغيرها كأنه يكسر فقار ظهرهم الفاقة والافتقار وَالْمَساكِينِ وهم الذين لهم مكسب وصنعة لكن لا تفي لعيالهم كأن احتياجهم قد أسكنهم في زاوية المسكنة والهوان وَالْعامِلِينَ عَلَيْها اى الساعين لتحصيلها وجمعها وإيصالها الى مصارفها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وهم الذين قرب عهد إسلامهم يجب على المسلمين موانستهم ومواساتهم ليتقرروا على الايمان ويترسخوا في جادة الإسلام وَتصرف منها ايضا على من فِي الرِّقابِ اى فك رقبة من الرق وتحريرها وهو من أهم مهمات الإسلام وَالْغارِمِينَ الذين استغرق أموالهم في ديونهم ولم تف لأدائها تصرف إليهم منها ليؤدوها وَايضا تصرف منها سهم فِي سَبِيلِ اللَّهِ لتجهيز جيوش اهل الجهاد وتهيئة أسبابهم وعددهم إذ هي من أهم مهمات الدين وَابْنِ السَّبِيلِ وهو الذي انقطع وبعد عن الأهل والمال لمصلحة شرعية وبالجملة انما جرى هذه القسمة لهؤلاء المستحقين فَرِيضَةً صادرة مِنَ اللَّهِ مقدرة من عنده ليحافظ المؤمنون عليها وَاللَّهُ المدبر لأمور عباده عَلِيمٌ بمصارف الصدقات حَكِيمٌ في صرفها إياهم تقوية لهم وامدادا
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويسيئون الأدب معه ﷺ وَيَقُولُونَ في حقة افتراء واستهانة هُوَ أُذُنٌ اى سمع كله ليس له درية ودراية وتعمق في المعارف والحقائق بل يسمع منا ويجرى على ما سمع بلا تفتيش وتدبر قُلْ لهم يا أكمل الرسل مبلغا منا ناقلا عنا هو اذن لا اذن شر وفتنة بل أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ان صدر عنكم ما يتعلق بأمور دينكم موافقا لما امر الله به هو ايضا يقبله منكم لأنه ﷺ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ اى يقر ويصدق بوحدانيته وَيُؤْمِنُ ايضا لِلْمُؤْمِنِينَ المخلصين فيما أتوا به من الأعمال والأقوال الصادرة عن محض الإخلاص والطواعية وَكيف لا يكون الرسول اذن خير إذ هو كله رَحْمَةٌ اى شفقة وعطف لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وأخلصوا في ايمانهم وَبالجملة الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ باى وجه كان لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في النشأة الاخرى جزاء لما أتوا به من إيذاء رسوله في النشأة الاولى
ومن جملة نفاق المنافقين وشقاقهم انهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ اى لتسليتكم وتلبيسكم ايها المؤمنون على ما صدر عنهم من التخلف والتقول على سبيل العذر لِيُرْضُوكُمْ اى لترضوا أنتم عنهم وتقبلوا عذرهم وَاللَّهُ المطلع لضمائرهم وَرَسُولُهُ الملهم من لدنه سبحانه بمخايلهم وأباطيلهم أَحَقُّ وأليق أَنْ يُرْضُوهُ اى رسوله أحق بالإرضاء والمراضاة
стр. 309
وجد الضمير لان إرضاء الرسول مستلزم لإرضاء الله بل هو عين ارضائه ورضاه سبحانه عند من رفع سبل التعدد عن عينيه وغشاوة الكثرة عن بصره مطلقا إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بالله وبحقية رسوله
أَلَمْ يَعْلَمُوا ولم يفهموا أولئك المتخلفون المؤذون لله ولرسوله أَنَّهُ اى الشان مَنْ يُحادِدِ ويشاقق اللَّهَ وَرَسُولَهُ ويتعد حدود الله ويخالف امر رسوله فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ جزاء لما اقترف من المعاداة فيكون خالِداً فِيها لا ينجو منها أصلا ذلِكَ اى الخلود في جهنم الحرمان الْخِزْيُ الْعَظِيمُ والهلاك الدائم الأليم ابدا دائما
ومن شدة نفاقهم وشقاقهم يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ المصرون على الكفر الكامن في قلوبهم المظهرون للايمان استهزاء ومداهنة أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ اى على المؤمنين سُورَةٌ طائفة من الكلام تُنَبِّئُهُمْ وتخبرهم بِما فِي قُلُوبِهِمْ من الكفر والنفاق فحينئذ فعلوا بهم ما فعلوا بالمشركين المجاهرين قُلِ لهم تهديدا وتقريعا اسْتَهْزِؤُا بالمؤمنين وامضوا على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق إِنَّ اللَّهَ المنتقم منكم مُخْرِجٌ ومظهر ما كنتم تَحْذَرُونَ منه وهو إنزال السورة لإفشاء حالكم انتقاما لكم
وَكيف لا ينتقم الله عنهم لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ اى لئن سألتهم واخذتهم حين استهزؤا بك وباصحابك وقت مرورهم عليك في غزوة تبوك قائلين انظروا الى هذا الرجل يريد ان يفتح قصور الشأم وحصونه هيهات هيهات فألهمت به أنت يا أكمل الرسل فدعوتهم وقلت لهم لم قلتم كذا وكذا فقالوا لا والله ما كنا في شأنك وشأن أصحابك في شيء بل إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ بالأراجيف مزاحا ليهون السفر علينا قُلْ لهم بمقتضى علمك إياهم بوحي الله والهامه توبيخا وتقريعا أَبِاللَّهِ المنزه ذاته عن ان يستهزئ به وَآياتِهِ البريئة عن النقص مطلقا وَرَسُولِهِ المطهر عن شوب الكذب كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ايها الحمقى فتربصوا وانتظروا حتى يستهزئ الله بكم فانا منتظرون
وبالجملة لا تَعْتَذِرُوا ايها المنافقون المخالفون لدين الله المعاندون لرسوله بالأعذار الفاسدة ولا تحلفوا بالحلف الكاذب انكم قَدْ كَفَرْتُمْ وأظهرتم الكفر بإيذاء الرسول وطعن دينه وقدح كتابه مدة اعماركم سيما بَعْدَ إِيمانِكُمْ اى بعد ما أظهرتم الايمان فارتفع الآن الامان عنا وعنكم بفعلكم هذا فلحقتم بالمشركين المجاهرين فنفعل بكم نحن بعد اليوم ما نفعل بهم إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ بعد ما تابوا عما صدر عنهم ورجعوا الى الله نادمين خاضعين عن ظهر القلب نُعَذِّبْ بالقتل والأسر والاجلاء والإذلال طائِفَةٍ اخرى منكم بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ مصرين على ما هم عليه من الكفر والنفاق وإيذاء الرسول والتخلف عن امره بلا توبة وندامة فعليكم ايها المؤمنون ان تعذبوهم حتما ذكرا وأنثى
إذ الْمُنافِقُونَ المصرون على النفاق اصالة وَالْمُنافِقاتُ المصرات عليه تبعا بَعْضُهُمْ ناش مِنْ بَعْضٍ يتظاهرون ويتعاونون في نفاقهم حيث يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ على عكس المؤمنين وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ عن عموم الخيرات والمبرات كلها وما ذلك الا انهم قد نَسُوا اللَّهَ المظهر الموجد لهم بالإعراض عن حكمه وإيذاء رسوله المبين لأحكامه فَنَسِيَهُمْ الله ايضا ولم ينظر إليهم بنظر الرحمة إِنَّ الْمُنافِقِينَ المصرين على النفاق المتمردين عن الوفاق هُمُ الْفاسِقُونَ المقصورون على الخروج عن مقتضى الحدود الإلهية لذلك
وَعَدَ اللَّهُ المنتقم المقتدر على انواع الانتقام الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ المجاهرين بلا تفاوت نارَ جَهَنَّمَ منزلا لا نجاة لهم منها أصلا بل صاروا خالِدِينَ فِيها ابدا هِيَ
стр. 310
حَسْبُهُمْ اى النار محسبهم وقرينهم وَمع ذلك قد لَعَنَهُمُ اللَّهُ اى طردهم وابعدهم عن سعة رحمته وَلَهُمْ بسبب طرد الله إياهم ولعنه عليهم عَذابٌ عظيم فوق عذاب جهنم مُقِيمٌ دائم غير منقطع يتأملون طرد الله إياهم ويتعذبون بها ولا عذاب أعظم من حرمان الوصول الى جنة الحضور نعوذ بك منك لا ملجأ لنا غيرك يا ذا القوة المتين وبالجملة مثلكم ايها المتمردون المنهمكون في الكفر والضلال المصرون على النفاق والعناد المعادون مع الله ورسوله
كَالَّذِينَ اى كمثل الكفرة الذين مضوا مِنْ قَبْلِكُمْ بطرين مفتخرين بما عندهم من حطام الدنيا ومزخرفاتها بل هم قد كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وقدرة وَأَكْثَرَ منكم أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ اى مع نصيبهم وحظهم مما قدر لهم من لذات الدنيا وشهواتها واستكبروا على من أرسل إليهم لتكميلهم وإرشادهم فَاسْتَمْتَعْتُمْ أنتم ايضا بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ اى أخذتم وشرعتم أنتم في الأباطيل وتكذيب الرسول والمعاداة معه وقصد إيذائه وقتله وقتل من آمن له كَالَّذِي خاضُوا اى كالمسرفين الذين خاضوا وشرعوا في حق أنبيائهم ورسلهم بما لا يليق بشأنهم انظروا الى وخامة عاقبتهم كيف استوصلوا فانتظروا أنتم لمثله بل باشد منها وبالجملة أُولئِكَ البعداء المردودون عن منهج الرشد والسداد قد حَبِطَتْ اى هلكت واضمحلت وبطلت أَعْمالُهُمْ التي قد عملوها لتفيدهم وتنفعهم فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فلم تنفعهم أصلا لا في الاولى ولا في الاخرى لعدم مقارنتها بالإيمان وتصديق الرسل وَأُولئِكَ الضالون عن طريق الحق هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران الأبدي المقضيون بالحرمان والخذلان السرمدي وبالجملة مثلكم ايها المنافقون كمثلهم بل أنتم أسوأ حالا منهم إذ نبيكم الذي أنتم قد كذبتم به أعلى رتبة من عموم الأنبياء
أَيصر المنافقون على النفاق والشقاق ولَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ خبر إهلاك القوم الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ كيف اهلكهم الله تعالى بظلمهم وذنوبهم مثل قَوْمِ نُوحٍ ﵇ كيف استوصلوا بالطوفان وَعادٍ بالريح وَثَمُودَ بالرجفة وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ ﵇ بالبعوض وَأَصْحابِ مَدْيَنَ اى قوم شعيب ﵇ قد اهلكوا بالنار النازلة عليهم من جانب السماء يوم الظلة وَالْمُؤْتَفِكاتِ قرى قوم لوط قد هلكوا بالزلزلة وامطار الأحجار عليهم بحيث يجعل عاليها سافلها كل من أولئك الهالكين قد أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ الواضحة الدالة على صدقهم في دعويهم فكذبوهم عنادا ومكابرة فلحقهم ما لحقهم بشؤم تكذيبهم فَما كانَ اللَّهُ المصلح لأحوال عباده لِيَظْلِمَهُمْ اى لم يكن من سنته سبحانه الانحراف عن القسط الى حيث يؤدى الى الظلم المتباعد عن ساحة ذاته سبحانه بمراحل إذ هو سبحانه مستو دائما على العدل القويم والصراط المستقيم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالخروج عن مقتضى العدل الإلهي الموضوع فيهم من قبل الحق بنيابة رسله
ثم لما ذكر سبحانه احوال المنافقين ومظاهرتهم ومعاونتهم عقب أحوالهم بأحوال المؤمنين جريا على سنته المستمرة فقال وَالْمُؤْمِنُونَ الموقنون بتوحيد الله المصدقون لرسله وَالْمُؤْمِناتُ الملحقات بهم المتفرعات عليهم بَعْضُهُمْ في الأمور الدينية أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ بالمظاهرة والموالاة وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ بمقتضى ما وصل إليهم من رسلهم وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ المفروضة المصفية لبواطنهم عن الميل والانحراف الى غير الحق وَايضا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ المطهرة لظواهرهم عن الاشتغال بما سواه سبحانه وَبالجملة
стр. 311
يُطِيعُونَ اللَّهَ في جميع حالاتهم اطاعة تفويض وتسليم وَينقادون رَسُولَهُ في عموم ما جاء به ودعا اليه أُولئِكَ السعداء المفوضون أمورهم الى الله المنقادون لرسوله سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ الرقيب عليهم من فضله ولطفه إِنَّ اللَّهَ المدبر لأمور عباده عَزِيزٌ غالب مقتدر على عموم ما أراد بهم حَكِيمٌ متقن في جزائهم حسب أعمالهم واستعدادهم لذلك
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والمكاشفات المتجددات حسب تجددات التجليات الإلهية خالِدِينَ فِيها ابدا لا يتحولون منها أصلا وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ اى مقرا ومستقرا معدا لهم في مقام التوحيد خاليا عن وصمة الكثرة طاهرا عن لوث السوى والأغيار مطلقا وَبالجملة رِضْوانٌ وقبول مِنَ اللَّهِ المستوي على العدل القويم بحيث لا يسخط لهم أصلا لتحققهم بمقام التخلق بأخلاقه سبحانه بحيث لا يبقى لهم شائبة انحراف عن صراطه المستقيم الذي هو صراط الله الأقوم الأعدل أَكْبَرُ وأكرم وارفع وأعلى من جميع ما ذكر من قبل من الدرجات العلية والمقامات السنية ذلِكَ الرضا من الله والقبول من جانبه هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ واللطف الجسيم لأرباب الولاء الواصلين الى مرتبة الفناء فيه سبحانه والبقاء ببقائه لذلك وعدوا من عنده بما لا يمكن التعبير عن كنهه الا لمن كوشف به وشوهد
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ الهادي لعباد الله الى تلك المرتبة باذن الله جاهِدِ الْكُفَّارَ المتمردين عن الإطاعة والانقياد بإرشادك وتكميلك وَالْمُنافِقِينَ الذين يحيلون ويخدعون معك في اظهار الايمان وهم في سرهم ونجويهم على شركهم وكفرهم الأصلي متقررون ثابتون وَبعد ما أصروا على نفاقهم وشقاقهم اغْلُظْ عَلَيْهِمْ حسب إصرارهم واعراضهم وَلا تبال بهم إذ مَأْواهُمْ ومنقلبهم جَهَنَّمُ البعد والخذلان في الدنيا والآخرة وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصير أولئك المحرومين المطرودين عن ساحة عز القبول
ومن جملة نفاقهم وكفرهم انهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ كذبا ومينا انهم ما قالُوا ما قالوا من الطعن في كتاب الله وتكذيب رسوله وَالحال انهم لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ اى كلمة الطعن والتكذيب المستلزم للكفر فحلفوا على عدم القول كذبا وَهم في أنفسهم قد كَفَرُوا بالحق واعرضوا عنه سيما بَعْدَ إِسْلامِهِمْ اى انقيادهم وتسليمهم اى اختاروا الكفر بعد ما أظهروا الإسلام مرتدين وَمع ذلك ما اقتصروا على اظهار الكفر فقط بل هَمُّوا وقصدوا بِما لَمْ يَنالُوا ولم يصلوا بما أملوا من قتل الرسول والاقتحام عليه بغتة في الليل بلا علم من أصحابه او هموا بإخراجه وبإخراج من معه من أصحابه من المدينة وَبالجملة ما نَقَمُوا وما قصدوا إهلاك رسول الله او إخراجه إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ اى اهل المدينة بسبب رسول الله وأصحابه إذ فتح سبحانه أبواب الرزق والمكاسب عليهم مذ دخلوا المدينة وَرَسُولُهُ ايضا بإعطائه الغنائم إياهم كل ذلك مِنْ فَضْلِهِ سبحانه وهم في مقام الشكر واظهار المنة ينكرون له ويكفرون نعمه وبعد ما وقع ما وقع فَإِنْ يَتُوبُوا عما صدر عنهم توبة صادرة عن محض الندم والإخلاص يَكُ خَيْراً لَهُمْ عند الله يغفر لهم ويعف عن زلاتهم وَإِنْ يَتَوَلَّوْا ويعرضوا عن التوبة ويصروا على ما هم عليه من الكفر والنفاق يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ المنتقم منهم عَذاباً أَلِيماً مؤلما فجيعا فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي والاجلاء والإذلال وانواع العقوبات وَفي الْآخِرَةِ بأضعاف ما في الدنيا وآلافها لانحطاطهم عن الرتبة الانسانية وقبول التكليفات الإلهية المقتضية لإظهار الحكمة والكرامة المودعة
стр. 312
في هياكلهم وَان استظهروا واستنصروا من أوليائهم ما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ بعد انتشار دين الإسلام في أقطارها مِنْ وَلِيٍّ يعينهم ويتولى أمرهم وَلا نَصِيرٍ ينصرهم من بأس الله وعذابه
وَمِنْهُمْ اى من المنافقين مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ مالا وأعطانا رزقا كثيرا لَنَصَّدَّقَنَّ منها للفقراء المستحقين وَلَنَكُونَنَّ بالبذل والانفاق وأداء الشكر مِنَ الصَّالِحِينَ الشاكرين المنفقين طلبا لمرضاة الله
فَلَمَّا آتاهُمْ الله مِنْ فَضْلِهِ ما طلبوا منه بَخِلُوا بِهِ ومنعوا حق الله منه وَتَوَلَّوْا عن امتثال امر الله وانصرفوا عن اطاعة رسوله وَبالجملة هُمْ قوم مُعْرِضُونَ عادتهم الاعراض عن اطاعة الله ورسوله بخبث طينتهم
فَأَعْقَبَهُمْ الله بسبب فعلهم هذا نِفاقاً راسخا متمكنا فِي قُلُوبِهِمْ مستمرا إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ اى الله سبحانه في يوم الجزاء فيجازيهم حسب نفاقهم وشقاقهم أسوأ الجزاء ذلك بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ من الصدق والصلاح والشكر والفلاح ونقضوا عهده وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ اى بكذبهم حين العهد والميثاق بلا موافقة من قبلهم
أَلَمْ يَعْلَمُوا حين هموا الى القول الكذب مع الله أَنَّ اللَّهَ المطلع لضمائرهم يَعْلَمُ بعلمه الحضوري سِرَّهُمْ اى اخلافهم الوعد عند حصول مطلوبهم وَنَجْواهُمْ اى مناجاتهم معه لا عن اخلاص ناش من محض المعرفة والايمان بالله والإقرار بربوبيته لرسوخ الكفر والشرك في جبلتهم وَلم يعلموا ايضا أَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في الأرض ولا في السماء فمن آمن بتوحيده واحاطة علمه وقدرته كيف يخرج عن مقتضى امره وأطاعته
ومن المنافقين المصرين على النفاق والشقاق مع المؤمنين هم الَّذِينَ يَلْمِزُونَ ويستهزؤن الْمُطَّوِّعِينَ المتطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إعطاء الصَّدَقاتِ وَخصوصا المؤمنين الَّذِينَ لا يَجِدُونَ من الصدقة إِلَّا جُهْدَهُمْ اى يبذلون مقدار طاقتهم طلبا لمرضاة الله فَيَسْخَرُونَ أولئك اللامزون المستهزءون مِنْهُمْ اى من الذين بذلوا جهدهم في امر الصدقة قد سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ في الآخرة مجازاة عن سخريتهم هذه وَلَهُمْ فيها عَذابٌ أَلِيمٌ بدل ما تلذذوا بسخريتهم. وذلك انه ﷺ حث المؤمنين يوما على الصدقة فجاء عبد الرّحمن بن عوف باربعة آلاف دينار وقال لي ثمانية آلاف فاقرضت ربي اربعة وأمسكت لعيالي اربعة فقال ﷺ بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت. واتى عاصم بن عدى بمائة اوسق من تمر وجاء عقيل الأنصاري بصاع تمر فقال بت ليلتي اجرّ بالجرير على صاعين وتركت صاعا لعيالي وأتيت بها فأمره رسول الله ﷺ ان ينثر على الصدقات تبركا فلمزهم المنافقون فقالوا ما اعطى عبد الرّحمن وعاصم الارياء وسمعة
ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع عقيل ولكنه أحب ان يعد نفسه من المتصدقين فنزلت اسْتَغْفِرْ لَهُمْ يا أكمل الرسل لهؤلاء اللامزين المستهزئين المستسخرين من المؤمنين بانقاذهم من العذاب او تخفيفه أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سواء عند الله في انتقامهم وعذابهم بل إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لا مرة ولا مرتين بل سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ البتة لعظم جرمهم وفسقهم ذلِكَ اى عدم غفرانهم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وأشركوا معه غيره في الألوهية مع انه منزه عن الشريك مطلقا وَرَسُولِهِ اى كذبوا برسوله وبعموم ما جاء به من عند ربه واستهزؤا بالمؤمنين المصدقين له المتصدقين في سبيل الله وَاللَّهُ الهادي لعباده لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن مقتضى أوامر الله ونواهيه المسيئين الأدب مع الله ورسوله ومع المؤمنين.
ثم قال سبحانه
стр. 313
فَرِحَ المنافقون الْمُخَلَّفُونَ عن رسول الله المتخلفون لأمره المتمكنون بِمَقْعَدِهِمْ ومكان قعودهم خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ حين خرج الى غزوة تبوك وَما ذلك اى قعودهم واستقرارهم بعد رسول الله في مكانهم الا انهم قد كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لخبث بواطنهم وقساوة قلوبهم وَقالُوا ايضا للمؤمنين تغريرا وتكسيلا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ اى لا تجاهدوا ولا تقاتلوا في الصيف حتى لا تضعفوا أنتم ومواشيكم قُلْ لهم يا أكمل الرسل نارُ جَهَنَّمَ البعد والخذلان التي قد استوجبتم بها بتخلفكم وقعودكم عن الجهاد أَشَدُّ حَرًّا وابلغ احراقا وايلاما لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ويفهمون ما هي وكيف هي لم يختاروها على حر الدنيا
وبالجملة فَلْيَضْحَكُوا أولئك المتخلفون الهالكون في العذاب المؤبد والوبال المخلد قَلِيلًا في الدنيا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً فيها لما لحقهم بعد خروجهم منها من انواع العذاب والنكال جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ فيها من الجرائم العظام والمعاصي والآثام
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ وردك عن غزوتك هذه اى غزوة تبوك إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ اى من المتخلفين المستأذنين وهم الذين قعدوا في المدينة بلا عذر وبعد ما قصدت غزوة اخرى فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ تلافيا لما مضى فَقُلْ لهم لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ الى الجهاد أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا أصلا إِنَّكُمْ قوم قد رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ والتخلف أَوَّلَ مَرَّةٍ بلا عذر بل عن خديعة وغدر فَاقْعُدُوا أنتم دائما مَعَ الْخالِفِينَ المعذورين من النساء والصبيان والزمنى والمرضى
وَمتى ظهر لك حال أولئك الغواة الطغاة الهالكين في النقض والنفاق لا تُصَلِّ ولا تدع عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً اى بعد ورود النهى أصلا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ لتستغفر له إِنَّهُمْ من خبث بواطنهم قوم قد كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ في حال حياتهم وَماتُوا على الكفر ايضا وَهُمْ فاسِقُونَ مجبولون على الفسق في اصل فطرتهم
وَبعد ما تحقق عندك يا أكمل الرسل كفرهم وظهر فسقهم وخروجهم عن مقتضى الحدود الإلهية لا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ التي هي وبال عليهم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ المضل المذل لعصاة عباده أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا بأنواع الحوادث والمصيبات وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ اى يخرج أرواحهم عن اجسادهم وصار ميلهم ومحبتهم منوطة بها وَبالجملة هُمْ كافِرُونَ بالله غير معترفين بألوهيته وربوبيته
وَمن شدة نفاقهم وبغضهم مع الله ورسوله إِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من القرآن ناطقة أَنْ آمِنُوا ايها المكلفون بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ في سبيله اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ والسعة مِنْهُمْ اى صناديدهم وعظماؤهم خوفا من أموالهم وأنفسهم وَقالُوا ذَرْنا ودعنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ المعذورين الغير القادرين
وبالجملة قد رَضُوا أولئك الغواة مع قوتهم وسعتهم بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ اى الضعفاء الفاقدين للقوة والسعة وَما ذلك الا ان طُبِعَ وختم عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر والضلال فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ قبح ما جاءوا به من المخالفة والقعود مع أولئك المعذورين ولذلك لم يأتوا بالمأمور ولم يمتثلوا به
لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وامتثلوا لأمر الله وانقادوا لحكمه سمعا وطاعة قد جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سبيله ابتغاء لمرضاته وتثبيتا في دينه وَأُولئِكَ المؤمنون المجاهدون لَهُمُ الْخَيْراتُ والمثوبات العظمى والدرجات العليا عند الله وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون عنده سبحانه بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
وبالجملة قد أَعَدَّ اللَّهُ
стр. 314
المجازى لخلص عباده لَهُمْ اى لهؤلاء المجاهدين المرابطين قلوبهم مع الله ورسوله الباذلين مهجهم في سبيله جَنَّاتٍ متنزهات علمية وغيبية وحقية تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ الكشوف والشهود والواردات الغيبية والإلهامات القدسية لا دفعة ولا دفعات بل خالِدِينَ فِيها ابدا مستمرا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ واللطف العميم لهؤلاء المخلصين المختصين بالعناية الازلية والسعادة السرمدية
وَمتى جاءت ونزلت سورة ناطقة بالقتال والجهاد جاءَ الْمُعَذِّرُونَ بالأعذار الكاذبة ومن في قلوبهم مرض مِنَ الْأَعْرابِ الذين لا اطمئنان لهم في الايمان لِيُؤْذَنَ لَهُمْ بالقعود وعدم الخروج الى الجهاد وَقَعَدَ المصرون الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ من غير مبالاة بأمر الله واطاعة رسوله لا تبال بهم وبمخالفتهم وكذبهم إذ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ بعد افتضاحهم وظهور نفاقهم عَذابٌ أَلِيمٌ في الدنيا والآخرة بحيث لا نجاة لهم من العذاب أصلا
ثم قال سبحانه لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ الفاقدين استطاعة الحرب ولو كانوا أصحاء كالنسوان والصبيان والشيوخ وَلا عَلَى الْمَرْضى الفاقدين الاستطاعة بعروض العوارض كالعمى والعرج والزمانة وغيرها وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ للزاد والسلاح والمركب وغيرها حَرَجٌ اى اثم ومعصية في قعودهم وتخلفهم إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ اى أخلصوا في الايمان والإطاعة بالله ورسوله بلا مرض مكنون في قلوبهم ودعوا دائما للمجاهدين والغزاة خيرا وأحسنوا مع اهل بيتهم وأطفالهم وفعلوا معهم خيرا ان استطاعوا وبالجملة ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ القاعدين المعذورين المخلصين مع الله ورسوله والمؤمنين مِنْ سَبِيلٍ في المعاتبة والحرج الدنيوي فضلا عن العقاب والعتاب الأخروي بل هم من جملة المجاهدين وزمرتهم فيها وَاللَّهُ المطلع لضمائرهم غَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ لهم يجازيهم على قعودهم هذا خيرا لكونهم معذورين فيه
وَلا حرج ولا عقاب ايضا عَلَى المؤمنين المخلصين الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ حين هممت أنت يا أكمل الرسل وعزمت الى الخروج لِتَحْمِلَهُمْ على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وغيرهم حتى يبلغوا مكان العدو قُلْتَ لهم لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وانصرفوا من عندك آيسين وَأَعْيُنُهُمْ حين توليهم وانصرافهم تَفِيضُ وتسيل مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً وأسفا أَلَّا يَجِدُوا اى لئلا يجدوا ما يُنْفِقُونَ حتى يبلغوا المعركة ويحضروا الوغاء فهؤلاء ايضا لا عتاب لهم ولا عقاب بل يرجى لهم الأجر الجزيل من الله لإخلاصهم واسفهم
بل إِنَّمَا السَّبِيلُ بالمعاتبة والمعاقبة وانواع العذاب عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ بالقعود معتذرين وَالحال انه هُمْ أَغْنِياءُ مستطيعون قادرون بالجسد والمال الا انهم قد رَضُوا من خبث بواطنهم ومرض قلوبهم بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ المعذورين الغير المستطيعين وَما ذلك الا ان طَبَعَ اللَّهُ المذل المضل لأهل الغفلة والعناد عَلى قُلُوبِهِمْ بالجهل والضلال فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ جهلهم وضلالهم حتى يتسببوا لازاحتهما وازالتهما
ومع ذلك يَعْتَذِرُونَ أولئك المستأذنون المستطيعون إِلَيْكُمْ ايها المؤمنون إِذا رَجَعْتُمْ من غزوتكم هذه إِلَيْهِمْ بان يكونوا معكم في عموم غزواتكم ويأتون بالأعذار الكاذبة الغير المطابقة للواقع تسلية لكم وتغريرا وتتميما لنفاقهم قُلْ يا أكمل الرسل تعليما للمؤمنين في مقابلة اعذارهم لا تَعْتَذِرُوا منا مراء ومداهنة انا لَنْ نُؤْمِنَ ولن نصدق لَكُمْ سيما قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ المطلع لضمائركم وبما يجرى في صدوركم بالوحي على رسوله مِنْ أَخْبارِكُمْ التي
стр. 315
تكتمونها أنتم في نفوسكم من الشر والفساد بالنسبة إلينا والى نبينا وَكيف تعتذرون أنتم عن جرائمكم وتلبسونها مع انه سَيَرَى اللَّهُ الناقد البصير عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ فتفتضحون حينئذ على رؤس الاشهاد ثُمَّ تُرَدُّونَ في النشأة الاخرى إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وتحاسبون عنده عليه فَيُنَبِّئُكُمْ ويظهر عليكم مفصلا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في النشأة الاولى فيجازيكم على مقتضى علمه وخبرته
ومن جملة نفاقهم وتلبيسهم انهم سَيَحْلِفُونَ ويقسمون بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ ورجعتم مشتكين معاتبين إِلَيْهِمْ عن قعودهم وتخلفهم انما غرضهم من الحلف الكاذب تغريركم وتلبيسكم لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ وعن عتابهم ولا تسألوا عن مخالفتهم وقعودهم فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ وعن عتابهم قبل حلفهم وتلبيسهم ولا تلتفتوا إليهم إِنَّهُمْ في أنفسهم رِجْسٌ اى جبلتهم مجبولة على الخباثة والنجاسة لا تقبل التطهير بالتأديب أصلا وَمَأْواهُمْ اى مرجعهم ومنقلبهم في النشأة الاخرى جَهَنَّمُ الطرد والخذلان جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ في النشأة الاولى من الكفر والنفاق والإصرار على الشرك والشقاق
وانما يَحْلِفُونَ لَكُمْ حين عتابكم وشكواكم لِتَرْضَوْا أنتم عَنْهُمْ وتقبلوا إخلاصهم ومودتهم وتكونوا معهم كما كنتم فَإِنْ تَرْضَوْا أنتم عَنْهُمْ بمجرد حلفهم الكاذب وتغريرهم الفاسد لا يغنى ولا يدفع رضاكم عنهم شيأ من غضب الله عليهم فَإِنَّ اللَّهَ المطلع لما في ضمائرهم من الأكنة المكنونة والنفاق المدفون لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ الخارجين عن مقتضى الأوامر والنواهي الواردة لتطهير النفوس الخبيثة عن أرجاس الطبيعة وتصفيتها عن ادناس الأخلاق الذميمة العائقة عن الوصول الى مقر التوحيد.
ثم قال سبحانه الْأَعْرابُ اى اهل الوبر المترددون في البوادي المنهمكون في الغي والضلال والعتو والعناد أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً من اهل المدر المستأنسين مع العقلاء المستفيدين منهم وَلشدة شكيمة أولئك الاعراب وفرط جهلهم وعدم قابليتهم أَجْدَرُ اى أحق وأليق أَلَّا يَعْلَمُوا اى بان لا يعلموا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ المدبر المصلح لأحوال عباده عَلى رَسُولِهِ النائب عنه المتكفل لإرشاد عباده بوحيه والهامه بإقامة حدوده المنزلة من الأوامر والنواهي المستلزمة لتأديبهم في معاشهم ومعادهم إذ هم في غاية البعد عن الهداية والصلاح وتحمل التكاليف الإلهية مطلقا وَاللَّهُ المطلع لسرائر عباده عَلِيمٌ باستعداداتهم الكامنة فيهم حَكِيمٌ في الزام التكليف عليهم
وَمِنَ منافقي الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ اى يعد ويحسب ما يُنْفِقُ بأمر الله في سبيله مَغْرَماً ويتخيله غرامة وخسرانا لعدم إيمانه واعتقاده بترتب الثواب عليه بل انما ينفق ما ينفق رياء وسمعة وتقية وَمن خباثة باطنه يَتَرَبَّصُ اى يترقب وينتظر بِكُمُ الدَّوائِرَ اى نوائب الزمان الدائرة عليكم لينقلب الأمر ويتحول الحال ويخلص من الانفاق بالنفاق بل يدور عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ على عكس مرامهم دائما متجددا مستمرا وَاللَّهُ المراقب عليهم سَمِيعٌ لمناجاتهم عَلِيمٌ بنياتهم وحاجاتهم يدبر عليهم ويعيد إليهم ما يتربصون بكم من الدوائر
وَمِنَ مخلصى الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ اى يوقن ويذعن بتوحيده وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اى يصدق باليوم الآخر المعد لجزاء الأعمال وترتب المثوبات بالقربات والصدقات وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ في سبيل الله قُرُباتٍ ونيل مثوبات ورفع درجات عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ اى سبب استغفاره ﷺ ودعائه له أَلا إِنَّها اى تنبهوا ان ما يتصدقون به أولئك المؤمنون المخلصون المتقربون قُرْبَةٌ لَهُمْ وسبب
стр. 316
وصولهم اليه سبحانه سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الموفق لهم الرقيب عليهم فِي سعة رَحْمَتِهِ وجوده بعد انقضاء النشأة الاولى إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوالهم غَفُورٌ لما صدر عنهم من المعاصي قبل ايمانهم رَحِيمٌ لهم يقبل بعد ايمانهم وإخلاصهم ما يتقربون به طلبا لمرضاته
وَالسَّابِقُونَ في الايمان المبادرون الى التصديق وقبول الاحكام الْأَوَّلُونَ الأقدمون بمتابعة الرسول ﷺ مِنَ الْمُهاجِرِينَ الذين قد هاجروا من مألوفات نفوسهم ومشتهيات طباعهم الى الفناء في الله وَالْأَنْصارِ الأبرار الذين سلكوا نحو الحق بالرياضات والمجاهدات الشاقة المزيحة لدرن التعلقات ورين الإضافات المانعة من التوجه الحقيقي وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ واقتفوا أثرهم من اهل الطلب والارادة بِإِحْسانٍ اى بلا تمايل الى الرياء والسمعة والعجب والنخوة أولئك المبرورون المقبولون قد ﵃ لتحققهم بمرتبة الإخلاص والتسليم وَايضا هم قد رَضُوا عَنْهُ سبحانه لإيصالهم الى مقر التوحيد وفضاء الفناء المثمر للبقاء الأبدي والحيوة السرمدية وَأَعَدَّ لَهُمْ سبحانه في حوزة حمايته وروضة بقائه جَنَّاتٍ متنزهات تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ مملوة من مياه العلوم اللدنية والمعارف الحقيقية الحقية خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يتحولون عنها أصلا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ واللطيف الجسيم لأهل العناية من ارباب المحبة والولاء المنخلعين عن جلباب ناسوتهم بالكلية
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ ايها المؤمنون مِنَ الْأَعْرابِ الذين يسكنون في البوادي قوم هم مُنافِقُونَ معكم وان أظهروا المودة والإخاء والايمان على طرف اللسان لا تبالوا بايمانهم ولا تغفلوا عن مكرهم وخداعهم وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ايضا قوم قد مَرَدُوا رسخوا وثبتوا عَلَى النِّفاقِ ومن شدة نفاقهم وتمرنهم عليه صاروا بحيث لا تَعْلَمُهُمْ ايها المتصف بالفراسة الكاملة من نهاية تلبيسهم واخفائهم بل نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ونعلم ما في ضمائرهم من الخيالات الفاسدة سَنُعَذِّبُهُمْ في الدنيا مَرَّتَيْنِ مرة بتفضيحهم واظهار ما في قلوبهم من الأكنة والشقاق والشقاوة ومرة بقتلهم وسبيهم واجلائهم ثُمَّ يُرَدُّونَ بعد انقضاء النشأة الاولى إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ هو حرمانهم وانحطاطهم عن المرتبة الكاملة الانسانية التي هي مرتبة الخلافة والنيابة الجامعة لعموم المراتب الكونية والكيانية
وَمن اهل المدينة ايضا قوم آخَرُونَ ليسوا من المصرين على النفاق المتمرنين فيه بل قد اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ التي صدرت عنهم من المخالفة والبغض والطعن والاستخفاف والغيبة حين خلوا مع المنافقين المتمرنين على النفاق وهم وان صدر عنهم الايمان والإخلاص ولكن هم قد خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً من الإخلاص والرضا والتسليم وَعملا آخَرَ سَيِّئاً وهو اتفاقهم مع المنافقين في خوضهم وطعنهم وبذلك قد انحطوا عن رتبة المؤمنين المخلصين في عموم أحوالهم عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ويوفقهم على التوبة والندامة ويقبل منهم توبتهم بعد ما أخلصوا فيها إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده غَفُورٌ لمن تاب وندم عن ظهر القلب رَحِيمٌ يقبل توبتهم وان افرطوا
خُذْ يا أكمل الرسل مِنْ أَمْوالِهِمْ اى من اموال هؤلاء المذنبين التائبين النادمين عما صدر عنهم من المخالفة حين أذنوا لك ان تخرج أنت منها صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ عن ادناس الطبيعة المولعة لحب المال والحرص في جمعها ونمائها وَتُزَكِّيهِمْ بِها اى تصفى بواطنهم عن الشواغل العائقة عن اللذات الروحانية وَصَلِّ عَلَيْهِمْ واستغفر لذنوبهم وادع لهم بالدعاء الخير
стр. 317
إِنَّ صَلاتَكَ إياهم والتفاتك بحالهم سَكَنٌ لَهُمْ وسكينة لقلوبهم ووقار وطمأنينة لنفوسهم وسبب لتقررهم وتثبتهم على جادة التوحيد والايمان وَاللَّهُ المراقب عليهم في عموم حالاتهم سَمِيعٌ لإخلاصهم ومناجاتهم عَلِيمٌ بنياتهم وحاجاتهم
أَلَمْ يَعْلَمُوا أولئك التائبون النادمون المخلصون المتضرعون المسترجعون نحو الحق على عفو زلاتهم وتقصيراتهم أَنَّ اللَّهَ المصلح لأحوالهم هُوَ سبحانه بلطفه وفضله يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ خلص عِبادِهِ بعد ما وفقهم عليها ويتجاوز عن سيئاتهم وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ من أموالهم اى يقبلها منهم تطهيرا لقلوبهم عما يشوشهم من رذائل هوياتهم وأثقال تعيناتهم ليشمروا نحو الحق محقين وَلم يعملوا أَنَّ اللَّهَ المتفضل لعباده هُوَ التَّوَّابُ الرجاع لهم من مقتضيات نفوسهم نحو جنابه الرَّحِيمُ عليهم يوصلهم الى بابه ان أخلصوا في سلوكهم وتوجههم
وَقُلِ يا أكمل الرسل للمتخلفين من الاعراب اعْمَلُوا ما شئتم من الكفر والنفاق فَسَيَرَى اللَّهُ الرقيب عليكم عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ايضا بوحيه سبحانه والهامه وَالْمُؤْمِنُونَ ايضا بتبليغه ﷺ وَاعلموا ايها الغواة الطغاة المحرومون سَتُرَدُّونَ للحساب والجزاء إِلى عالِمِ الْغَيْبِ اى السرائر والخفايا التي أنتم تسرونها من الكفر والمعاصي وانواع الضلالات والجهالات وَالشَّهادَةِ اى التي أنتم تعلنون بها فَيُنَبِّئُكُمْ ويخبركم سبحانه على التفصيل الذي صدر عنكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من طغيان نفوسكم ويجازيكم عليها
وَآخَرُونَ من المتخلفين بعد ما تنبهوا بقبح صنيعهم مُرْجَوْنَ مؤخرون منتظرون لِأَمْرِ اللَّهِ وحكمه وصاروا مترددين بين الخوف والرجاء في ما فعل الله معهم إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ أخذا على ما قد صدر عنهم بمقتضى عدله وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ويوفقهم على التوبة حسب فضله وسعة رحمته وَاللَّهُ المطلع لخفيات صدورهم عَلِيمٌ باخلاصهم ونياتهم حَكِيمٌ في فعله بهم بعد علمه بحالهم
وَمن أشد الاعراب كفرا ونفاقا وأغلظهم بغضا وشقاقا هم الَّذِينَ اتَّخَذُوا تلبيسا وتغريرا مَسْجِداً قاصدين في بنائه ضِراراً مضرة وسوأ لرسول الله وللمؤمنين وَكُفْراً اى اشتدادا وزيادة فيه إذ هم قد قصدوا ببنائه وإنشائه قتل رسول الله ومن معه من المؤمنين فيه وَقصدوا ايضا تَفْرِيقاً وتشتيتا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ المجتمعين في مسجد قباء وَبالجملة انما يبنونه إِرْصاداً اى ترقبا وانتظارا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وهو ابو عامر الراهب الذي حارب مع المؤمنين مِنْ قَبْلُ يوم حنين فانهزم فهرب الى الشأم ليذهب الى قيصر فيأتى بجنود وهم منتظرون مجيئه وَبعد ما قد ظهر نفاقهم وخداعهم بوحي الله والهامه على رسوله لَيَحْلِفُنَّ وليقسمن بالإيمان الغليظة إِنْ أَرَدْنا وما قصدنا ببنائه إِلَّا الْحُسْنى والخير والصلاة المقربة لنا نحو الحق والذكر والتسبيح والتوسعة على المؤمنين وازدياد شعائر الإسلام ومعالم الدين القويم وَاللَّهُ المطلع لضمائرهم ومخايلهم يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في حلفهم وايمانهم هذه وإذا عرفت يا أكمل الرسل حالهم وحلفهم وسوء قصدهم وفعالهم
لا تَقُمْ فِيهِ اى في المسجد الضرار أَبَداً للتوجه والصلاة إذ هو مبنى على الخداع والتزوير والله لَمَسْجِدٌ مبارك قد أُسِّسَ وبنى عَلَى التَّقْوى عن مطلق المحارم خالصا لرضاه سبحانه مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ بنى وهو مسجد قباء أَحَقُّ أليق واولى أَنْ تَقُومَ أنت يا أكمل الرسل فِيهِ للصلاة والميل نحو الحق والمناجاة معه سبحانه مع انه فِيهِ وفي حواليه رِجالٌ مؤمنون مخلصون كاملون في الايمان بحيث يُحِبُّونَ دائما مستمرا
стр. 318
أَنْ يَتَطَهَّرُوا عن المعاصي والآثام ويتوجهوا نحو الحق برفض الشواغل ونفض العوائق والعلائق وَاللَّهُ المطلع بنياتهم يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ القاصدين تطهير ذواتهم عن التوجه الى ما سوى الحق المطلق بل عن هوياتهم وتعيناتهم الباطلة مطلقا
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ ووضع بناءه عَلى تَقْوى الا وهي قاعدة محكمة وركن شديد وحصن منيع وسبب تحفظ وتحصن مِنَ غضب اللَّهِ وسخطه وَايضا على طلب رِضْوانٍ ومثوبة عظيمة ومنزلة رفيعة منه سبحانه خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ اى على طرف واد قد جوفه السيول والأمطار فسقط البعض واشرف الباقي على السقوط والانهدام فوضع عليه بناءه فَانْهارَ بِهِ وسقط معه من بناه واقامه فِي نارِ جَهَنَّمَ اى الوادي الغائر الهائر المملو من نيران الحرمان والخذلان وَاللَّهُ الهادي لخلص عباده لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى أوامره ونواهيه ومن شدة غيظهم وخبث باطنهم
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا يورث ويزيد رِيبَةً شكا وريبا متزايدا فِي قُلُوبِهِمْ مترشحا فيها إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ بنيران الحسرة وتفتتت وتلاشت بهجوم اهوال العذاب الهائل عليها الى حيث لا يتأتى منها الإدراك وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمخايلهم الكامنة في صدورهم حَكِيمٌ في جزائها وانتقامها
ثم قال سبحانه تبشيرا للمؤمنين الباذلين مهجهم في سبيل الله إِنَّ اللَّهَ المتفضل بالفضل العظيم قد اشْتَرى واستبدل مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المخلصين الموقنين أَنْفُسَهُمْ وهوياتهم الفانية الباطلة الهالكة في حد ذاتها المبذولة في سبيله سبحانه في النشأة الاولى وَأَمْوالَهُمْ المصروفة فيها ايضا بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ الباقية واللذة المستمرة الدائمة بدلها لذلك يُقاتِلُونَ أولئك الممتثلون لأمر الله المصدقون لوعده فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ أعداءه ويستحقون المثوبة التي قد وعد من لدنه سبحانه للغزاة المجاهدين وَيُقْتَلُونَ ايضا يصلون الى درجة الشهداء الذين هم احياء عند الله يرزقون من موائد افضاله فرحون بما وعدوا من عنده سبحانه وَعْداً عَلَيْهِ بلا خلف فيه حَقًّا ثابتا مثبتا مكتوبا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ المنزلة من لدنه سبحانه وَبالجملة مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ ووفى المعهود فقد استحق مِنَ اللَّهِ الوعد الموعود فَاسْتَبْشِرُوا وافرحوا واربحوا ايها المؤمنون بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ مع ربكم حيث استبدلتم الفاني الزائل بالباقي المستمر الدائم وَبالجملة ذلِكَ الموعود الذي قد وعد لكم هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والفضل الكريم المعد لأرباب العناية والقبول
الا وهم التَّائِبُونَ النادمون على ما جرى عليهم من المعاصي والآثام المحافظون عليها بلا مراجعة أصلا الْعابِدُونَ بالعزائم الصحيحة الخالصة الصافية عن مطلق الكدورات والإخلاص التام في نيات الطاعات الْحامِدُونَ الشاكرون الصارفون عموم ما اعطاهم الحق من النعم والقوى والآلات الى ما خلق لأجله السَّائِحُونَ السائرون السالكون في سبيل الهداية والرشد لازدياد المعارف والحقائق الرَّاكِعُونَ المتواضعون المنكسرون المتذللون عند عموم مظاهر الحق تكريما له سبحانه وتعظيما لشأنه السَّاجِدُونَ المتذللون الواضعون جباههم على تراب المذلة والهوان خضوعا وانقيادا ميلا ودعاء الى الله في عموم حالاتهم الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ المستحسن عقلا وشرعا بالقلب واللسان وعموم الجوارح والأركان وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ المستقبح عقلا وشرعا على الوجه الذي ورد الشرع به وَبالجملة هم الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ الموضوعة بين ارباب التكاليف قابلين لسلوك مسالك التوحيد
стр. 319
والتحقيق مطلقا وَبَشِّرِ يا أكمل الرسل الْمُؤْمِنِينَ الموصوفين بهذه الصفات الجميلة باللذات التي لا يمكن وصفها بلسان التعبير من لدن حكيم خبير.
ثم قال سبحانه على طريق النهى عموما ما كانَ اى ما صح وما جاز لِلنَّبِيِّ الأمي الهاشمي المبعوث الى كافة البرايا بالهداية العامة والإرشاد الكامل الشامل وَالَّذِينَ آمَنُوا معه وأخلصوا فيه أَنْ يَسْتَغْفِرُوا ويشفعوا لِلْمُشْرِكِينَ المصرين على الكفر والعناد لا بتخفيف العذاب عنهم ولا بدخول الجنة وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى من النسب إذ لا عبرة لقرابة النسب بل القرابة المعتبرة عند الله هي قرابة الدين والايمان سيما مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ موت اقربائهم على الكفر والجاهلية وظهر عندهم أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ اى ملازموها وملاصقوها لا نجاة لهم منها لاصرارهم على موجباتها
وَلا يرد على هذا استغفار ابراهيم ﵇ لأبيه إذ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ آزر على سبيل الشفقة والشفاعة والعطف الموجب لها بل ما هو إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعهد قد وَعَدَها إِيَّاهُ حين أراد ان يخرجه من الكفر والشرك بان يستغفر له ما تقدم من ذنبه ان آمن فاستغفر قبل الايمان انجازا لوعده ليلين قلبه فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وظهر عنده أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ مصر على كفره مطبوع على قلبه مختوم بختام الجهل والغفلة تَبَرَّأَ مِنْهُ واسترجع الى الله الخليل الجليل منيبا عن اجترائه واستغفاره في حق أبيه الكافر مع عدم علمه باستعداده وبتوفيق الله إياه وبالجملة إِنَّ إِبْراهِيمَ مع كونه متحققا بمقام الخلة مع الله لَأَوَّاهٌ كثير التأوه والتحزن عن أمثال هذه الجرأة حَلِيمٌ كثير الشفقة والمرحمة على اهل الغفلة لظهوره على مقتضى اللطف والجمال
وَاعلموا ايها المؤمنون ما كانَ اللَّهُ المصلح لأحوال عباده لِيُضِلَّ قَوْماً ويسميهم ضلالا وفساقا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ على الايمان والإسلام حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ وينبه عليهم ما يَتَّقُونَ ويحذرون من المحارم والمعاصي لامتناع تكليف الغافل ثم بعد ارتكاب المحذر به يسميهم ما يسميهم ويأخذهم بما يأخذهم منتقما عليهم إِنَّ اللَّهَ المدبر لأمور عباده بِكُلِّ شَيْءٍ مما يتعلق بصلاحهم وإصلاحهم عَلِيمٌ لا يعزب عن علمه شيء فعليكم ايها المؤمنون ان تفوضوا أموركم كلها الى الله إذ الأمر كله لله
إِنَّ اللَّهَ المستقل بالالوهية والوجود لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وما فيها من النجوم والبروج والجنود التي لا اطلاع لنا عليها وَكذا ملك الْأَرْضِ وما عليها وكذا ملك ما بينهما من الكائنات والفاسدات يُحْيِي ويظهر بلطفه متى تعلق ارادته وَيُمِيتُ ويعدم ويخفى بقهره متى جرت مشيئته وَما لَكُمْ ايها المؤمنون الموقنون بتوحيد الله مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس معه شيء ولا دونه حي مِنْ وَلِيٍّ يتولى أموركم وَلا نَصِيرٍ ينصركم عليها
وبالجملة لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ووفقه على التوبة والندامة بعد ما صدر عنه ﷺ اذن المخالفين المستأذنين المعتذرين بالأعذار الكاذبة تغريرا له وتلبيسا عليه مع عدم علمه بحالهم وَقد تاب ايضا على الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ نحو تبوك حين خرج إليها فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ وايام القحط إذ ليس لهم في تلك السفر لا زاد ولا راحلة ولا ماء حيث تعاقب عشرة على بعير وقسم تمر بين اثنين في يوم وشرب الفظ والفرث من شدة العطش لذلك قد تمايل على المخالفة والمراجعة كثير من الناس مِنْ بَعْدِ ما كادَ وقرب يَزِيغُ ويميل عن المتابعة قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ من قلة التصبر وكثرة المقاسات والأحزان ثُمَّ تابَ الله عَلَيْهِمْ ووفقهم على التوبة مما اخطروا
стр. 320
ببالهم وتخيلوا في خيالهم وكيف لا يوفقهم سبحانه على التوبة إِنَّهُ بِهِمْ عليم باستعداداتهم وقابلياتهم رَؤُفٌ عطوف عليهم يعفو عنهم عموم زلاتهم التي صدرت عنهم وقت الاضطرار رَحِيمٌ يقبل منهم عموم ما جاءوا به من الانابة والاستغفار
وَايضا قد تاب سبحانه ووفق عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا عن غزوة تبوك بلا عذر لهم وهم كعب بن مالك وهلال بن امية ومرارة بن ربيع وهم قد صاروا مضطرين مضطربين من عدم التفات رسول الله والمؤمنين إليهم سيما بعد امر الرسول على المؤمنين ان لا يتكلموا معهم خمسين ليلة حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ اى مع فسحتها ووسعتها بل وَقد صاروا من هجوم الأغراض النفسانية الى ان ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ واشتد عليهم الأمر وانسد دونهم أبواب التدابير مطلقا فاضطروا في أمرهم وشأنهم هذا والتجأوا نحو الحق مخلصين وَظَنُّوا لا بل كشفوا أَنْ لا مَلْجَأَ ولا مفر مِنَ اللَّهِ اى من غضبه وسخطه إِلَّا إِلَيْهِ إذ ليس لغيره وجود حتى يرجع اليه ويلتجأ نحوه لذلك قال ﷺ في أمثال هذه المضائق أعوذ بك منك ثُمَّ بعد ما أخلصوا في الانابة والرجوع وفوضوا أمورهم اليه سبحانه قد تابَ الله عَلَيْهِمُ اى أقدرهم ووفقهم على التوبة بل أمرهم في سرهم لِيَتُوبُوا ويرجعوا نحو الحق نادمين عما صدر عنهم من المخالفة فيغفر لهم ويعفو عن زلاتهم إِنَّ اللَّهَ المصلح الموفق لعباده هُوَ التَّوَّابُ الرجاع لعباده نحو جنابه حين صدر عنهم المعاصي الرَّحِيمُ لهم يرحمهم ويقبل توبتهم حين رجوعهم نحوه متضرعين مخلصين
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم التقوى عن محارم الله اتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور عن مخالفة امره وحكمه وَكُونُوا في السراء والضراء مَعَ الصَّادِقِينَ المصدقين لرسوله المتابعين له في عموم أموره
واعلموا انه ما كانَ وما صح وما جاز لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ يسكن فيما حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ المترددين في بواديها أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ حين خرج الى القتال واقتحم على الأعادي وَايضا لا يصح لهم ان يَرْغَبُوا ويميلوا بِأَنْفُسِهِمْ اى بحفظها وصيانتها عَنْ نَفْسِهِ ﷺ بل يجب عليهم ان يفدوا نفوسهم ويبذلوا مهجهم وأموالهم وأولادهم وعموم ما يضاف إليهم وينسب نحوهم لصيانته وحفظه ﷺ وحيث اقتحم ﷺ فلهم المبادرة والمسابقة ذلِكَ اى ما وجب عليهم من تحمل المشاق والمتاعب والاسراع والاقتحام والاقدام عليها بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم متى خرج ﷺ معهم وفي أظهرهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ عطش وَلا نَصَبٌ الم عناء من انواع الآلام وَلا مَخْمَصَةٌ ومجاعة فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء دينه وكلمة توحيده وَكذا لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً موضعا ولا يدوسون ولا يقطعون مسافة بحيث يَغِيظُ الْكُفَّارَ مرورهم عنها وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا من القتل والأسر والغلبة والنهب والغارة إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عند الله عَمَلٌ صالِحٌ موجب للمثوبة العظمى والدرجة العليا وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المحسن المتفضل لخواص عباده لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ الذين يحسنون الأدب مع الله ويعبدونه كأنهم يرونه ومع رسوله المستخلف منه النائب عنه سبحانه
وَهؤلاء المحسنون المخلصون لا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً لا قليلة ولا كثيرة في سبيل الله طلبا لمرضاته وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً تجاه العدو حين أمرهم الله ورسوله إِلَّا وقد كُتِبَ لَهُمْ في صحف حسناتهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى