← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وصولهم اليه سبحانه سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الموفق لهم الرقيب عليهم فِي سعة رَحْمَتِهِ وجوده بعد انقضاء النشأة الاولى إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوالهم غَفُورٌ لما صدر عنهم من المعاصي قبل ايمانهم رَحِيمٌ لهم يقبل بعد ايمانهم وإخلاصهم ما يتقربون به طلبا لمرضاته وَالسَّابِقُونَ في الايمان المبادرون الى التصديق وقبول الاحكام الْأَوَّلُونَ الأقدمون بمتابعة الرسول ﷺ مِنَ الْمُهاجِرِينَ الذين قد هاجروا من مألوفات نفوسهم ومشتهيات طباعهم الى الفناء في الله وَالْأَنْصارِ الأبرار الذين سلكوا نحو الحق بالرياضات والمجاهدات الشاقة المزيحة لدرن التعلقات ورين الإضافات المانعة من التوجه الحقيقي وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ واقتفوا أثرهم من اهل الطلب والارادة بِإِحْسانٍ اى بلا تمايل الى الرياء والسمعة والعجب والنخوة أولئك المبرورون المقبولون قد ﵃ لتحققهم بمرتبة الإخلاص والتسليم وَايضا هم قد رَضُوا عَنْهُ سبحانه لإيصالهم الى مقر التوحيد وفضاء الفناء المثمر للبقاء الأبدي والحيوة السرمدية وَأَعَدَّ لَهُمْ سبحانه في حوزة حمايته وروضة بقائه جَنَّاتٍ متنزهات تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ مملوة من مياه العلوم اللدنية والمعارف الحقيقية الحقية خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يتحولون عنها أصلا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ واللطيف الجسيم لأهل العناية من ارباب المحبة والولاء المنخلعين عن جلباب ناسوتهم بالكلية وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ ايها المؤمنون مِنَ الْأَعْرابِ الذين يسكنون في البوادي قوم هم مُنافِقُونَ معكم وان أظهروا المودة والإخاء والايمان على طرف اللسان لا تبالوا بايمانهم ولا تغفلوا عن مكرهم وخداعهم وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ايضا قوم قد مَرَدُوا رسخوا وثبتوا عَلَى النِّفاقِ ومن شدة نفاقهم وتمرنهم عليه صاروا بحيث لا تَعْلَمُهُمْ ايها المتصف بالفراسة الكاملة من نهاية تلبيسهم واخفائهم بل نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ونعلم ما في ضمائرهم من الخيالات الفاسدة سَنُعَذِّبُهُمْ في الدنيا مَرَّتَيْنِ مرة بتفضيحهم واظهار ما في قلوبهم من الأكنة والشقاق والشقاوة ومرة بقتلهم وسبيهم واجلائهم ثُمَّ يُرَدُّونَ بعد انقضاء النشأة الاولى إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ هو حرمانهم وانحطاطهم عن المرتبة الكاملة الانسانية التي هي مرتبة الخلافة والنيابة الجامعة لعموم المراتب الكونية والكيانية وَمن اهل المدينة ايضا قوم آخَرُونَ ليسوا من المصرين على النفاق المتمرنين فيه بل قد اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ التي صدرت عنهم من المخالفة والبغض والطعن والاستخفاف والغيبة حين خلوا مع المنافقين المتمرنين على النفاق وهم وان صدر عنهم الايمان والإخلاص ولكن هم قد خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً من الإخلاص والرضا والتسليم وَعملا آخَرَ سَيِّئاً وهو اتفاقهم مع المنافقين في خوضهم وطعنهم وبذلك قد انحطوا عن رتبة المؤمنين المخلصين في عموم أحوالهم عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ويوفقهم على التوبة والندامة ويقبل منهم توبتهم بعد ما أخلصوا فيها إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده غَفُورٌ لمن تاب وندم عن ظهر القلب رَحِيمٌ يقبل توبتهم وان افرطوا خُذْ يا أكمل الرسل مِنْ أَمْوالِهِمْ اى من اموال هؤلاء المذنبين التائبين النادمين عما صدر عنهم من المخالفة حين أذنوا لك ان تخرج أنت منها صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ عن ادناس الطبيعة المولعة لحب المال والحرص في جمعها ونمائها وَتُزَكِّيهِمْ بِها اى تصفى بواطنهم عن الشواغل العائقة عن اللذات الروحانية وَصَلِّ عَلَيْهِمْ واستغفر لذنوبهم وادع لهم بالدعاء الخير

стр. 317

إِنَّ صَلاتَكَ إياهم والتفاتك بحالهم سَكَنٌ لَهُمْ وسكينة لقلوبهم ووقار وطمأنينة لنفوسهم وسبب لتقررهم وتثبتهم على جادة التوحيد والايمان وَاللَّهُ المراقب عليهم في عموم حالاتهم سَمِيعٌ لإخلاصهم ومناجاتهم عَلِيمٌ بنياتهم وحاجاتهم أَلَمْ يَعْلَمُوا أولئك التائبون النادمون المخلصون المتضرعون المسترجعون نحو الحق على عفو زلاتهم وتقصيراتهم أَنَّ اللَّهَ المصلح لأحوالهم هُوَ سبحانه بلطفه وفضله يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ خلص عِبادِهِ بعد ما وفقهم عليها ويتجاوز عن سيئاتهم وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ من أموالهم اى يقبلها منهم تطهيرا لقلوبهم عما يشوشهم من رذائل هوياتهم وأثقال تعيناتهم ليشمروا نحو الحق محقين وَلم يعملوا أَنَّ اللَّهَ المتفضل لعباده هُوَ التَّوَّابُ الرجاع لهم من مقتضيات نفوسهم نحو جنابه الرَّحِيمُ عليهم يوصلهم الى بابه ان أخلصوا في سلوكهم وتوجههم وَقُلِ يا أكمل الرسل للمتخلفين من الاعراب اعْمَلُوا ما شئتم من الكفر والنفاق فَسَيَرَى اللَّهُ الرقيب عليكم عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ايضا بوحيه سبحانه والهامه وَالْمُؤْمِنُونَ ايضا بتبليغه ﷺ وَاعلموا ايها الغواة الطغاة المحرومون سَتُرَدُّونَ للحساب والجزاء إِلى عالِمِ الْغَيْبِ اى السرائر والخفايا التي أنتم تسرونها من الكفر والمعاصي وانواع الضلالات والجهالات وَالشَّهادَةِ اى التي أنتم تعلنون بها فَيُنَبِّئُكُمْ ويخبركم سبحانه على التفصيل الذي صدر عنكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من طغيان نفوسكم ويجازيكم عليها وَآخَرُونَ من المتخلفين بعد ما تنبهوا بقبح صنيعهم مُرْجَوْنَ مؤخرون منتظرون لِأَمْرِ اللَّهِ وحكمه وصاروا مترددين بين الخوف والرجاء في ما فعل الله معهم إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ أخذا على ما قد صدر عنهم بمقتضى عدله وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ويوفقهم على التوبة حسب فضله وسعة رحمته وَاللَّهُ المطلع لخفيات صدورهم عَلِيمٌ باخلاصهم ونياتهم حَكِيمٌ في فعله بهم بعد علمه بحالهم وَمن أشد الاعراب كفرا ونفاقا وأغلظهم بغضا وشقاقا هم الَّذِينَ اتَّخَذُوا تلبيسا وتغريرا مَسْجِداً قاصدين في بنائه ضِراراً مضرة وسوأ لرسول الله وللمؤمنين وَكُفْراً اى اشتدادا وزيادة فيه إذ هم قد قصدوا ببنائه وإنشائه قتل رسول الله ومن معه من المؤمنين فيه وَقصدوا ايضا تَفْرِيقاً وتشتيتا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ المجتمعين في مسجد قباء وَبالجملة انما يبنونه إِرْصاداً اى ترقبا وانتظارا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وهو ابو عامر الراهب الذي حارب مع المؤمنين مِنْ قَبْلُ يوم حنين فانهزم فهرب الى الشأم ليذهب الى قيصر فيأتى بجنود وهم منتظرون مجيئه وَبعد ما قد ظهر نفاقهم وخداعهم بوحي الله والهامه على رسوله لَيَحْلِفُنَّ وليقسمن بالإيمان الغليظة إِنْ أَرَدْنا وما قصدنا ببنائه إِلَّا الْحُسْنى والخير والصلاة المقربة لنا نحو الحق والذكر والتسبيح والتوسعة على المؤمنين وازدياد شعائر الإسلام ومعالم الدين القويم وَاللَّهُ المطلع لضمائرهم ومخايلهم يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في حلفهم وايمانهم هذه وإذا عرفت يا أكمل الرسل حالهم وحلفهم وسوء قصدهم وفعالهم لا تَقُمْ فِيهِ اى في المسجد الضرار أَبَداً للتوجه والصلاة إذ هو مبنى على الخداع والتزوير والله لَمَسْجِدٌ مبارك قد أُسِّسَ وبنى عَلَى التَّقْوى عن مطلق المحارم خالصا لرضاه سبحانه مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ بنى وهو مسجد قباء أَحَقُّ أليق واولى أَنْ تَقُومَ أنت يا أكمل الرسل فِيهِ للصلاة والميل نحو الحق والمناجاة معه سبحانه مع انه فِيهِ وفي حواليه رِجالٌ مؤمنون مخلصون كاملون في الايمان بحيث يُحِبُّونَ دائما مستمرا

стр. 318

أَنْ يَتَطَهَّرُوا عن المعاصي والآثام ويتوجهوا نحو الحق برفض الشواغل ونفض العوائق والعلائق وَاللَّهُ المطلع بنياتهم يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ القاصدين تطهير ذواتهم عن التوجه الى ما سوى الحق المطلق بل عن هوياتهم وتعيناتهم الباطلة مطلقا أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ ووضع بناءه عَلى تَقْوى الا وهي قاعدة محكمة وركن شديد وحصن منيع وسبب تحفظ وتحصن مِنَ غضب اللَّهِ وسخطه وَايضا على طلب رِضْوانٍ ومثوبة عظيمة ومنزلة رفيعة منه سبحانه خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ اى على طرف واد قد جوفه السيول والأمطار فسقط البعض واشرف الباقي على السقوط والانهدام فوضع عليه بناءه فَانْهارَ بِهِ وسقط معه من بناه واقامه فِي نارِ جَهَنَّمَ اى الوادي الغائر الهائر المملو من نيران الحرمان والخذلان وَاللَّهُ الهادي لخلص عباده لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى أوامره ونواهيه ومن شدة غيظهم وخبث باطنهم لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا يورث ويزيد رِيبَةً شكا وريبا متزايدا فِي قُلُوبِهِمْ مترشحا فيها إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ بنيران الحسرة وتفتتت وتلاشت بهجوم اهوال العذاب الهائل عليها الى حيث لا يتأتى منها الإدراك وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمخايلهم الكامنة في صدورهم حَكِيمٌ في جزائها وانتقامها ثم قال سبحانه تبشيرا للمؤمنين الباذلين مهجهم في سبيل الله إِنَّ اللَّهَ المتفضل بالفضل العظيم قد اشْتَرى واستبدل مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المخلصين الموقنين أَنْفُسَهُمْ وهوياتهم الفانية الباطلة الهالكة في حد ذاتها المبذولة في سبيله سبحانه في النشأة الاولى وَأَمْوالَهُمْ المصروفة فيها ايضا بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ الباقية واللذة المستمرة الدائمة بدلها لذلك يُقاتِلُونَ أولئك الممتثلون لأمر الله المصدقون لوعده فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ أعداءه ويستحقون المثوبة التي قد وعد من لدنه سبحانه للغزاة المجاهدين وَيُقْتَلُونَ ايضا يصلون الى درجة الشهداء الذين هم احياء عند الله يرزقون من موائد افضاله فرحون بما وعدوا من عنده سبحانه وَعْداً عَلَيْهِ بلا خلف فيه حَقًّا ثابتا مثبتا مكتوبا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ المنزلة من لدنه سبحانه وَبالجملة مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ ووفى المعهود فقد استحق مِنَ اللَّهِ الوعد الموعود فَاسْتَبْشِرُوا وافرحوا واربحوا ايها المؤمنون بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ مع ربكم حيث استبدلتم الفاني الزائل بالباقي المستمر الدائم وَبالجملة ذلِكَ الموعود الذي قد وعد لكم هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والفضل الكريم المعد لأرباب العناية والقبول الا وهم التَّائِبُونَ النادمون على ما جرى عليهم من المعاصي والآثام المحافظون عليها بلا مراجعة أصلا الْعابِدُونَ بالعزائم الصحيحة الخالصة الصافية عن مطلق الكدورات والإخلاص التام في نيات الطاعات الْحامِدُونَ الشاكرون الصارفون عموم ما اعطاهم الحق من النعم والقوى والآلات الى ما خلق لأجله السَّائِحُونَ السائرون السالكون في سبيل الهداية والرشد لازدياد المعارف والحقائق الرَّاكِعُونَ المتواضعون المنكسرون المتذللون عند عموم مظاهر الحق تكريما له سبحانه وتعظيما لشأنه السَّاجِدُونَ المتذللون الواضعون جباههم على تراب المذلة والهوان خضوعا وانقيادا ميلا ودعاء الى الله في عموم حالاتهم الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ المستحسن عقلا وشرعا بالقلب واللسان وعموم الجوارح والأركان وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ المستقبح عقلا وشرعا على الوجه الذي ورد الشرع به وَبالجملة هم الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ الموضوعة بين ارباب التكاليف قابلين لسلوك مسالك التوحيد

стр. 319

والتحقيق مطلقا وَبَشِّرِ يا أكمل الرسل الْمُؤْمِنِينَ الموصوفين بهذه الصفات الجميلة باللذات التي لا يمكن وصفها بلسان التعبير من لدن حكيم خبير. ثم قال سبحانه على طريق النهى عموما ما كانَ اى ما صح وما جاز لِلنَّبِيِّ الأمي الهاشمي المبعوث الى كافة البرايا بالهداية العامة والإرشاد الكامل الشامل وَالَّذِينَ آمَنُوا معه وأخلصوا فيه أَنْ يَسْتَغْفِرُوا ويشفعوا لِلْمُشْرِكِينَ المصرين على الكفر والعناد لا بتخفيف العذاب عنهم ولا بدخول الجنة وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى من النسب إذ لا عبرة لقرابة النسب بل القرابة المعتبرة عند الله هي قرابة الدين والايمان سيما مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ موت اقربائهم على الكفر والجاهلية وظهر عندهم أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ اى ملازموها وملاصقوها لا نجاة لهم منها لاصرارهم على موجباتها وَلا يرد على هذا استغفار ابراهيم ﵇ لأبيه إذ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ آزر على سبيل الشفقة والشفاعة والعطف الموجب لها بل ما هو إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعهد قد وَعَدَها إِيَّاهُ حين أراد ان يخرجه من الكفر والشرك بان يستغفر له ما تقدم من ذنبه ان آمن فاستغفر قبل الايمان انجازا لوعده ليلين قلبه فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وظهر عنده أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ مصر على كفره مطبوع على قلبه مختوم بختام الجهل والغفلة تَبَرَّأَ مِنْهُ واسترجع الى الله الخليل الجليل منيبا عن اجترائه واستغفاره في حق أبيه الكافر مع عدم علمه باستعداده وبتوفيق الله إياه وبالجملة إِنَّ إِبْراهِيمَ مع كونه متحققا بمقام الخلة مع الله لَأَوَّاهٌ كثير التأوه والتحزن عن أمثال هذه الجرأة حَلِيمٌ كثير الشفقة والمرحمة على اهل الغفلة لظهوره على مقتضى اللطف والجمال وَاعلموا ايها المؤمنون ما كانَ اللَّهُ المصلح لأحوال عباده لِيُضِلَّ قَوْماً ويسميهم ضلالا وفساقا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ على الايمان والإسلام حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ وينبه عليهم ما يَتَّقُونَ ويحذرون من المحارم والمعاصي لامتناع تكليف الغافل ثم بعد ارتكاب المحذر به يسميهم ما يسميهم ويأخذهم بما يأخذهم منتقما عليهم إِنَّ اللَّهَ المدبر لأمور عباده بِكُلِّ شَيْءٍ مما يتعلق بصلاحهم وإصلاحهم عَلِيمٌ لا يعزب عن علمه شيء فعليكم ايها المؤمنون ان تفوضوا أموركم كلها الى الله إذ الأمر كله لله إِنَّ اللَّهَ المستقل بالالوهية والوجود لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وما فيها من النجوم والبروج والجنود التي لا اطلاع لنا عليها وَكذا ملك الْأَرْضِ وما عليها وكذا ملك ما بينهما من الكائنات والفاسدات يُحْيِي ويظهر بلطفه متى تعلق ارادته وَيُمِيتُ ويعدم ويخفى بقهره متى جرت مشيئته وَما لَكُمْ ايها المؤمنون الموقنون بتوحيد الله مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس معه شيء ولا دونه حي مِنْ وَلِيٍّ يتولى أموركم وَلا نَصِيرٍ ينصركم عليها وبالجملة لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ووفقه على التوبة والندامة بعد ما صدر عنه ﷺ اذن المخالفين المستأذنين المعتذرين بالأعذار الكاذبة تغريرا له وتلبيسا عليه مع عدم علمه بحالهم وَقد تاب ايضا على الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ نحو تبوك حين خرج إليها فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ وايام القحط إذ ليس لهم في تلك السفر لا زاد ولا راحلة ولا ماء حيث تعاقب عشرة على بعير وقسم تمر بين اثنين في يوم وشرب الفظ والفرث من شدة العطش لذلك قد تمايل على المخالفة والمراجعة كثير من الناس مِنْ بَعْدِ ما كادَ وقرب يَزِيغُ ويميل عن المتابعة قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ من قلة التصبر وكثرة المقاسات والأحزان ثُمَّ تابَ الله عَلَيْهِمْ ووفقهم على التوبة مما اخطروا

стр. 320

ببالهم وتخيلوا في خيالهم وكيف لا يوفقهم سبحانه على التوبة إِنَّهُ بِهِمْ عليم باستعداداتهم وقابلياتهم رَؤُفٌ عطوف عليهم يعفو عنهم عموم زلاتهم التي صدرت عنهم وقت الاضطرار رَحِيمٌ يقبل منهم عموم ما جاءوا به من الانابة والاستغفار وَايضا قد تاب سبحانه ووفق عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا عن غزوة تبوك بلا عذر لهم وهم كعب بن مالك وهلال بن امية ومرارة بن ربيع وهم قد صاروا مضطرين مضطربين من عدم التفات رسول الله والمؤمنين إليهم سيما بعد امر الرسول على المؤمنين ان لا يتكلموا معهم خمسين ليلة حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ اى مع فسحتها ووسعتها بل وَقد صاروا من هجوم الأغراض النفسانية الى ان ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ واشتد عليهم الأمر وانسد دونهم أبواب التدابير مطلقا فاضطروا في أمرهم وشأنهم هذا والتجأوا نحو الحق مخلصين وَظَنُّوا لا بل كشفوا أَنْ لا مَلْجَأَ ولا مفر مِنَ اللَّهِ اى من غضبه وسخطه إِلَّا إِلَيْهِ إذ ليس لغيره وجود حتى يرجع اليه ويلتجأ نحوه لذلك قال ﷺ في أمثال هذه المضائق أعوذ بك منك ثُمَّ بعد ما أخلصوا في الانابة والرجوع وفوضوا أمورهم اليه سبحانه قد تابَ الله عَلَيْهِمُ اى أقدرهم ووفقهم على التوبة بل أمرهم في سرهم لِيَتُوبُوا ويرجعوا نحو الحق نادمين عما صدر عنهم من المخالفة فيغفر لهم ويعفو عن زلاتهم إِنَّ اللَّهَ المصلح الموفق لعباده هُوَ التَّوَّابُ الرجاع لعباده نحو جنابه حين صدر عنهم المعاصي الرَّحِيمُ لهم يرحمهم ويقبل توبتهم حين رجوعهم نحوه متضرعين مخلصين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم التقوى عن محارم الله اتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور عن مخالفة امره وحكمه وَكُونُوا في السراء والضراء مَعَ الصَّادِقِينَ المصدقين لرسوله المتابعين له في عموم أموره واعلموا انه ما كانَ وما صح وما جاز لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ يسكن فيما حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ المترددين في بواديها أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ حين خرج الى القتال واقتحم على الأعادي وَايضا لا يصح لهم ان يَرْغَبُوا ويميلوا بِأَنْفُسِهِمْ اى بحفظها وصيانتها عَنْ نَفْسِهِ ﷺ بل يجب عليهم ان يفدوا نفوسهم ويبذلوا مهجهم وأموالهم وأولادهم وعموم ما يضاف إليهم وينسب نحوهم لصيانته وحفظه ﷺ وحيث اقتحم ﷺ فلهم المبادرة والمسابقة ذلِكَ اى ما وجب عليهم من تحمل المشاق والمتاعب والاسراع والاقتحام والاقدام عليها بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم متى خرج ﷺ معهم وفي أظهرهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ عطش وَلا نَصَبٌ الم عناء من انواع الآلام وَلا مَخْمَصَةٌ ومجاعة فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء دينه وكلمة توحيده وَكذا لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً موضعا ولا يدوسون ولا يقطعون مسافة بحيث يَغِيظُ الْكُفَّارَ مرورهم عنها وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا من القتل والأسر والغلبة والنهب والغارة إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عند الله عَمَلٌ صالِحٌ موجب للمثوبة العظمى والدرجة العليا وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المحسن المتفضل لخواص عباده لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ الذين يحسنون الأدب مع الله ويعبدونه كأنهم يرونه ومع رسوله المستخلف منه النائب عنه سبحانه وَهؤلاء المحسنون المخلصون لا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً لا قليلة ولا كثيرة في سبيل الله طلبا لمرضاته وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً تجاه العدو حين أمرهم الله ورسوله إِلَّا وقد كُتِبَ لَهُمْ في صحف حسناتهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى

стр. 321

جزاء احسن بمراتب عن أعمالهم الحسنة التي قد أتوا بها. ثم قال سبحانه وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ اى ما صح لهم وما ينبغي لشأنهم وما يليق بحالهم لِيَنْفِرُوا عن بلدانهم وأماكنهم كَافَّةً بحيث تخلو بلادهم عن الحفظة والحراس مطلقا فَلَوْلا وهلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ الى الرسول لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وليتعلموا شعائره وما يتعلق به من الآداب وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ بذلك إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ويقيموا لهم ما يتعلمون ويتفقهون من شعائر الإسلام ومعالم الدين القويم لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ من منهيات الدين القويم ويتصفون بمأموراته ويصلحون عقائدهم بها فيؤمنون ويوقنون بالله ويتدينون بدينه. ومن معظم شعائر الإسلام القتال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ ويقرب منكم في حواليكم وحواشيكم مِنَ الْكُفَّارِ وَلتضيقوا ولتشددوا عليهم لْيَجِدُوا ويشاهدوا فِيكُمْ غِلْظَةً تشددا وتصبرا على القتال وجرأة وتهورا عليه فيخافوا منكم ويتركوا عنادهم وإصرارهم ولا تبالوا بكثرة عددهم وعددهم واجترءوا عليهم بلا مبالاة لهم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر بالقدرة التامة الكاملة مَعَ الْمُتَّقِينَ الذين يحفظون حدود ما انزل الله عليهم فتوكلوا عليه وامتثلوا بمأموراته ان كنتم موقنين وَكيف لا تقاتلون ولا تشددون ايها المؤمنون على الغواة الطغاة المستهزئين الذين إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من عندنا مشتملة على تكميل دينكم وزيادة ايمانكم ويقينكم فَمِنْهُمْ اى من المنافقين مَنْ يَقُولُ لأصحابه ورفقائه من خبث باطنه وركاكة فطنته استهزاء وسخرية أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ استحقارا لها واستهانة إياها إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالله وبعموم ما نزل من عنده لإصلاح احوال عباده فَزادَتْهُمْ بعد ما تأملوا فيها وتدبروا في مرموزاتها إِيماناً يقينا واطمئنانا وَهُمْ بعد ما اطلعوا على مطلعها يَسْتَبْشِرُونَ بنزولها وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الا وهو التعامي عن آيات الله وعن مقتضى إشاراتها ورموزها فَزادَتْهُمْ هذه رِجْساً كفرا وشركا منضما إِلَى رِجْسِهِمْ الأصلي وكفرهم الجبلي بحيث صاروا منغمسين منهمكين بالكفر والضلال وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ مصرون على كفرهم وشركهم فلحقوا بشياطينهم الذين مضوا قبلهم. خسر الدنيا والآخرة. الا ذلك هو الخسران المبين أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ من خباثة بواطنهم ورجاسة نفوسهم يُفْتَنُونَ ويقتلون ويصابون فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً بلية ومصيبة واحدة أَوْ مَرَّتَيْنِ بليتين كرتين لتلين قلوبهم بها ويتنبهوا فيتوبوا ثُمَّ لا يَتُوبُونَ الى الله من كفرهم ولا يرجعون نحوه بالإيمان والتوبة ليقبل عنهم بل يصرون على ما هم عليه وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ بها ولا يتذكرون ولا يتعظون منها بل يكابرون ويعاندون وَمن جملة إصرارهم وعنادهم انهم إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مفضحة لهم مفصحة مصرحة بما هم عليه من النفاق والشقاق ونقض العهد والميثاق نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يتغامزون بعيونهم ويقولون استهزاء وتهكما هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ من هؤلاء المؤمنين ثُمَّ انْصَرَفُوا من عنده مريدين النفاق والشقاق بأضعاف ما كانوا عليه بسبب تفضيحهم بهذه السورة لذلك صَرَفَ اللَّهُ المصرف المضل قُلُوبَهُمْ عن الايمان وجادة التوحيد والعرفان وما ذلك الا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ولا يفهمون لذة الايمان ولا يتخلقون على فطرة التوحيد وفطنة العرفان مثل المؤمنين الموحدين ولذلك لَقَدْ جاءَكُمْ ايها الاعراب المجبولون على الكفر والكفران والشرك والطغيان رَسُولٌ مؤيد بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة منتشئ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ومن جنسكم

стр. 322

وبنى صنفكم ومن غاية شفقته ومرحمته لكم عَزِيزٌ شاق شديد عَلَيْهِ ﷺ عموم ما عَنِتُّمْ اى عنتكم وهلاككم والقاؤكم انفسكم بالتهلكة والتقاؤكم بالمكروه مطلقا واتصافكم به إذ هي من امارات الكفر وعلامات الشرك وعدم الإطاعة والانقياد بأوامر الله ونواهيه مع انه ﷺ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ اى على ايمانكم وإسلامكم وإصلاح حالكم إذ هو ﷺ بِالْمُؤْمِنِينَ الموحدين المخلصين رَؤُفٌ عطوف مشفق رَحِيمٌ يرحمهم ويرضى عنهم بخروجهم عن ظلمة الكفر بنور الايمان وبالجملة كن أنت يا أكمل الرسل كما قد كنت عليه بمقتضى شفقة النبوة والمروءة والفتوة فَإِنْ تَوَلَّوْا واعرضوا عنك وانصرفوا عن الايمان بك وبدينك فَقُلْ في نفسك ملتجأ الى ربك مستظهرا منه سبحانه حَسْبِيَ اللَّهُ المراقب علىّ الكافي لعموم مهامى يكفى بي ويكف مؤنة خصومتهم عنى إذ لا إِلهَ يرجع اليه في الوقائع ويلجأ نحوه في الخطوب إِلَّا هُوَ سبحانه عَلَيْهِ لا على غيره إذ لا غير معه في الوجود تَوَكَّلْتُ فلا أرجو ولا أخاف الا منه سبحانه وَكيف لا أتوكل عليه ولا ارجع نحوه إذ هُوَ سبحانه بذاته وبعموم أسمائه وصفاته رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ اى مربى عروش ذرائر الأكوان الكائنة في برزخ الإمكان وهو المستوي عليها بالاستقلال والاحاطة والاستيلاء التام إذ لا شيء سواه. وكل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون خاتمة سورة البراءة عليك ايها الطالب المشمر لسلوك مسلك الفناء كي تصل الى فضاء البقاء شكر الله سعيك وهديك الى غاية مبتغاك ان تقتفى في تشمرك هذا اثر من نبهك عليها وهديك إليها الا وهو النبي الذي اختاره الله لرسالته واصطفاه من بين خليقته لتكميل بريته وأظهره على صورته وخلقه بعموم أخلاقه لذلك اتخذه حبيبا وجعله على سائر الأنبياء اماما ونقيبا وتشبث بأذيال لطفه فعلا وقولا وشيما وخلقا صارفا عنان عزمك الى سرائر ما جاء ﷺ به من عند ربه لإرشاد عباده وكذا ما سمح وجاد ﷺ به من تلقاء نفسه من الرموز والإشارات التي قد استنبطها ﷺ من كلام الله وفاض عليه بوحي الله والهامه لصفاء استعداده الفطري الذي قد صار ﷺ به مرآة لتجليات الحق وشئونه وتطوراته وخليفة لله في ارضه وسمائه وكذا ما التقط واستنبط من فحاوي كلماته وإشاراته ﷺ الأولياء الوارثون منه مقتفون اثره قدس الله أسرارهم وأرواحهم وكذا ما ورد عليهم وخطر في خواطرهم النقاوة وجرى على قرائحهم الوقادة على تفاوت طبقاتهم في طريق التوحيد من المواجيد والملهمات الغيبية المنتشئة من النفحات الإلهية والنفسات الرحمانية الناشئة من التجليات الجمالية والجلالية المتفرعة على الشئون والتطورات الكمالية الذاتية وبالجملة لا بدلك ان تفرغ همك عما سوى الحق مطلقا ولا يتيسر لك هذا الا بمتابعة المحققين المتحققين بمقام الكشف والشهود الواصلين الى مقام المراقبة والحضور مع الله وبالاستفادة منهم ومن ملتقطاتهم ووارداتهم حتى يمكن لك التمكن في مكمن الفناء والتقرر في مقر البقاء وحينئذ يصح لك ان تقول بلسان حالك ومقالك حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم جعلنا الله من عباده المفوضين المتوكلين الذين يتخذون الله وقاية ووكيلا ويعتقدونه حسيبا وكفيلا

стр. 323

[سورة يونس ﵇] فاتحة سورة يونس ﵇ لا يخفى على المنجذبين نحو التوحيد الإلهي من طريق السلوك والمجاهدة ورفض الشواغل وقطع العلائق ونفى الخواطر ودفع الوساوس وإسقاط الأوهام والخيالات المستندة الى الهويات الباطلة الجزئية المستلزمة للغيرية والامتياز والاستقلال في الوجود وما يترتب عليه من الآثار والإضافات ان السلوك من هذا الطريق لا يتم الا بالاستمداد والاسترشاد من اهل الخبرة والاستبصار وارباب الكشف والاعتبار الواصلين الى مقر التوحيد من جادة المجاهدة ومحجة الفناء المقتضية للموت الإرادي عن لوازم الهوية البشرية مطلقا وبالجملة ان الكاملين المكملين العارفين بأمارات الطريق وموانعه عرفوا ان قضية الحكمة وامر المناسبة الإلهية الواقعة بين الأوصاف الذاتية تقتضي ان تكون بين المفيد والمستفيد علاقة ورابطة إذ لا يمكن الاستفادة والاسترشاد من اى شخص كان بل لا بد من المناسبة والعلاقة المصححة للافادة والاستفادة في هذه الطرق الا من جذبه الحق بنفسه عن نفسه واخلع عنه جلباب ناسوته مطلقا او كساء خلعة لاهوته دفعة فصار هو هو بل قد ارتفعت الهوية واضمحلت الموضوعية والمحمولية ايضا عن بصر بصيرته وشهوده فهم تحت قباب العزة ولواء العظمة والكبرياء وسرادقات المجد والبهاء بحيث لم يبق عندهم سلوك وسالك ومسلك وقصد ومقصد وطلب ومطلب بل مطلوب ومقصود ايضا وبالجملة هم لا يعرفون سوى الحق وكذا لا يعرفهم الا هو كما نطق به الحديث القدسي لذلك ما يروا هؤلاء الا به وفيه واما اهل الطلب والارادة المتدرجون في سلوك طريق الفناء المتعطشون بزلال التوحيد والبقاء فلا بد لهم ان يتوسلوا ويتشبثوا بذيل من أيده الحق لتكميل العباد وإرشادهم الى مبدأهم ومعادهم الا وهم الأنبياء الذين قد جبلوا على النفوس القدسية المطهرة عن الكدورات الانسية والعلائق البشرية العائقة عن الفناء في هوية الحق ثم الأولياء الوارثون منهم الواصلون بمتابعتهم الى مرتبة التوحيد والعرفان التي هي عبارة عن الفناء في ذاته سبحانه. والمحجوبون المجبولون على الغفلة المنهمكون في الغي والضلال يتعجبون عن ارشاد الأنبياء والأولياء عباد الله الى فضاء توحيده وينكرون لياقتهم للنبوة والرسالة انما هو لجهلهم بدقائق المناسبات ورقائق الارتباطات الواقعة بين الحق والإنسان الكامل ويقيسون احوال الأنبياء والأولياء الى احوال آحاد الناس ولم يتفطنوا ان أفضل البشر أفضل من أفضل الملائكة لتحققهم في مرتبة الخلافة والنيابة الإلهية بجمعيتهم دونهم لعدم جمعيتهم لذلك رد الله سبحانه على هؤلاء الجهلة بما هم عليه من التعجب والإنكار ووبخهم بما وبخهم ليتنبه المؤمنون على ما هو الحق فقال متيمنا باسمه العظيم ومخاطبا على رسوله الكريم بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على ما ظهر بمقتضى أوصافه وأسمائه الكامنة في وحدة ذاته فتتراءى متكثرة بكثرة أسمائه وصفاته الرَّحْمنِ على عموم مظاهره بالامداد الدائم المتجدد حسب تجلياته الذاتية الحبية الرَّحِيمِ على خلاصة مظاهره وزبدة مكوناته التي هي الإنسان الجامع لجميع مراتب المظاهر بالنبوة العامة والولاية التامة الشاملة لكلتى مرتبتي الاول والآخر والظاهر والباطن في المبدأ والمعاد باعتبار النشأتين [الآيات] الر ايها الإنسان اللبيب الرشيد اللائق للرسالة العامة والرياسة الكلية الكاملة الشاملة على كافة البرية تِلْكَ الآيات المنزلة عليك في هذه السورة آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ اى بعض آيات الكتاب الإلهي الذي هو حضرة علمه المحيط ولوح قضائه المحفوظ ناطقة بالصدق والصواب على مقتضى

стр. 324

الحكمة المتقنة الإلهية نازلة من عنده لتصديقك وتأييدك يا أكمل الرسل في عموم تبشيراتك وانذاراتك وفي جميع لوازم نبوتك ورسالتك وارشادك لأهل الغي والضلال أَكانَ لِلنَّاسِ الناسين بطلان هوياتهم الباطلة عَجَباً اى سبب تعجب واستغراب أَنْ أَوْحَيْنا بان ألهمنا من محض فضلنا وجودنا إِلى رَجُلٍ فاش مِنْهُمْ ظاهر من جنسهم وبنى نوعهم أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ المنهمكين في الغي والضلال بمقتضى اهوية هوياتهم الباطلة وماهياتهم العاطلة تعجبا ناشئا واستغرابا منتشأ عن محض الغفلة والنسيان والاعراض عن الحق والانحراف عن طريق التوحيد وجادة الإسلام وَبَشِّرِ يا أكمل الرسل منهم ارباب المحبة والولاء الَّذِينَ آمَنُوا وأيقنوا برسالتك وارشادك نحو وحدة ذات الحق واستقلاله في الوجود وما يتفرع عليه من الأسماء والصفات والآثار المترتبة عليها والشئون المتجددة بها أَنَّ لَهُمْ اى بان لهم قَدَمَ صِدْقٍ اى اقداما صادقا وقدما راسخا ثابتا في جادة التوحيد وارادة خالصة مقبولة عِنْدَ رَبِّهِمْ وهم معدودون عنده سبحانه من زمرة السابقين المقربين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ثم لما ظهر شأن الرسول وعلا قدره وشاع دينه وكثر اتباعه قالَ الْكافِرُونَ المصرون على الشرك والعناد من خبث طينتهم وشدة بغضهم وشكيمتهم بعد ما أبصروا منه خوارق عجزوا عنها سيما القرآن الكامل في الاعجاز البالغ على مراتب البلاغة إِنَّ هذا المدعى للرسالة والنبوة لَساحِرٌ مُبِينٌ ماهر ظاهر متفرد في فن السحر وحيد في عصره فيه. ومن قرأ لسحر أراد به القرآن المعجز لجمهور البلغاء مع توفر دواعيهم في معارضته وصاروا من عجزهم بحيث لم يقدروا على إتيان اقصر آية منه وكيف يعارضون مع رسوله ومع الكتاب المنزل من عنده سبحانه اليه إِنَّ رَبَّكُمُ ايها المؤمنون اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد القيوم المطلق الَّذِي خَلَقَ وقدر ببسط عكوس أسمائه ومد اظلال أوصافه ورش رشحات نوره السَّماواتِ اى العلويات التي هي عبارة عن الأعيان الثابتة وَالْأَرْضَ اى عالم الطبيعة القابلة للانعكاس منها فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ اى في الجهات الست كلها إذ يتوهم الامتداد والابعاد والأقطار فيهما وفي ما بينهما وبالقياس إليهما ثُمَّ اسْتَوى واستولى بلا توهم التراخي والزمان والمهلة على ما يقتضيه لفظة ثم بل بلا اين وكيف وكم عَلَى الْعَرْشِ المفروش المبسوط القابل لانعكاس اشعة أسمائه وأوصافه مطلقا يُدَبِّرُ الْأَمْرَ اى شئون الحوادث الكائنة بالاستقلال ما مِنْ شَفِيعٍ من المظاهر والمصنوعات يشفع لاحد عنده سبحانه إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ وإمضاء مشيئته ونفاذ قضائه ذلِكُمُ اللَّهُ اى الموصوف المتفرد المتوحد في ذاته بالالوهية المستقل في آثاره وتدابيره بالربوبية رَبَّكُمُ اى مربيكم وموجدكم ايها الاظلال الهلكى فَاعْبُدُوهُ حق عبادته حتى تعرفوه حق معرفته أَفَلا تَذَكَّرُونَ وتتفكرون وحدة ذاته وعظمة أسمائه وصفاته ايها العقلاء المجبولون على التفكر والتذكر في آلاء الله وجلائل نعمائه وكيف لا تتفكرون آلاء الله ايها الغافلون مع انه إِلَيْهِ لا الى غيره إذ لا غير معه في الوجود مَرْجِعُكُمْ ورجوعكم جَمِيعاً كما قال سبحانه ثم إلينا مرجعكم. وإلينا ترجعون. الى غير ذلك من الآيات واعلموا ايها المكلفون ان وَعْدَ اللَّهِ العليم الحكيم الذي لا يخلف ميعاده أصلا حَقًّا محققا ثابتا لازما حتما بلا تغيير ولا تبديل وكيف لا يكون وعده سبحانه حقا إذ هو سبحانه قادر على عموم المقدورات والمرادات المثبتة في حضرة علمه ولوح قضائه ومن كمال قدرته إِنَّهُ بذاته وحسب أسمائه وصفاته

стр. 325

يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ويظهره من كتم العدم إظهارا إبداعيا بلا سبق مادة ومدة ثم يعدمه إظهارا لقدرته الغالبة ثُمَّ يُعِيدُهُ في النشأة الاخرى لإظهار سرائر تكاليفه التي قد كلف بها عباده في النشأة الاولى لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا بوحدته وصدقوا رسله فيما مضى وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المأمورة لهم من لدنه سبحانه بالسنة كتبه ورسله جزاء حسنا مقرونا بِالْقِسْطِ والعدل القويم ويتفضل على من تفضل عناية منه وامتنانا وَالَّذِينَ كَفَرُوا بالله وأشركوا له سبحانه شيأ من مظاهره بل قد شاركوه معه في أخص أوصافه واشرف أسمائه لَهُمْ في يوم العرض والجزاء بعد ما يحاسبون شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ بدل ما كانوا يتلذذون بالاشربة المحرمة في النشأة الاولى وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ بالله ويكذبون رسله عنادا وإصرارا وكيف يكفرون بالله أولئك الحمقى العمى الهالكون في تيه الغفلة والضلال وظلمة الجهل وسوء الفعال مع انه سبحانه هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً محضا ليكون دليلا على كمال ظهوره واشراقه وشدة جلاء وجوده وانجلائه وَجعل الْقَمَرَ نُوراً يعنى صير القمر مرآة مظلمة في نفسها مستنيرة من ضوء الشمس في ظلمات الليل ليكون دليلا على إضاءته سبحانه في مشكاة التعينات وظلمات الهويات وَقَدَّرَهُ اى للقمر مَنازِلَ متعددة تسهيلا لكم وتدبيرا لأموركم لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ التي تحتاجون إليها في معاملاتكم وتجاراتكم وحراثتكم كما قدر منازل نور النبوة والولاية في مشكاة الأنبياء والأولياء الوارثين منهم لتقتبسوا أنتم أنوار الايمان المزيحة لظلم الكفر والعصيان من مصابيح أولئك الأمناء الكرام وتتوسلوا بها الى ان تستضيئوا بضياء الشمس الحقيقية الحقية التي لا افول لها أصلا. ثم قال سبحانه ترغيبا لعباده وتنبيها لهم على اصل فطرتهم ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ اى ما اظهر وأوجد ما أوجد في عالمي الغيب والشهادة حسب أسمائه وأوصافه الا ملتبسا بالحق الثابت الصريح بلا احتياج فيه الى الدلائل والشواهد إذ لا شيء اظهر من ذاته سبحانه حتى يجعل دليلا عليها كما قال سبحانه يُفَصِّلُ ويوضح الْآياتِ المنبهة عليها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يتحققون بمرتبة اليقين العلمي ليترقوا منها الى اليقين العيني والحقي. واما المحجوبون فهم من عداد البهائم والانعام لا يرجى منهم الفلاح لكثافة حجبهم وغلظ غشاوتهم وبالجملة إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وإيلاجه في النهار وَالنَّهارِ وإيلاجه في الليل وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي أوضاع السَّماواتِ من الأمور المقتضية لاختلافهما وَالْأَرْضِ من المكنونات الكائنة فيها على مقتضى تربية العلويات وتدبيراتها لَآياتٍ دلائل واضحات وشواهد لائحات دالة على قدرة القادر الحكيم المتقن في امره وفعله لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ويحذرون عن قهر الله ويلتجئون اليه سبحانه عن غضبه وسخطه ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والوعيد إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لإنكارهم اعادتنا إياهم في يوم الجزاء لنجزيهم وفق ما عملوا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا المستعارة بلا التفات منهم الى دار القرار وَاطْمَأَنُّوا بِها اى وطنوا ومكنوا أنفسهم بلذاتها وَبالجملة أولئك الحمقى الجاهلون هم الَّذِينَ هُمْ من شدة قساوة قلوبهم وغباوة فطنتهم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ذاهلون مع غاية وضوحها وظهورها غفلة لا يرجى انتباهم منها أصلا وبالجملة أُولئِكَ البعداء المعزولون عن مقتضى العقل الفطري المستفاد من العقل الكل الذي هو عبارة عن حضرة العلم المحيط الإلهي مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والعصيان ومخالفة العقل المفاض ومتابعة الوهم والخيال. ثم قال سبحانه على مقتضى

стр. 326

سنته المستمرة من تعقيب الوعيد بالوعد وبالعكس إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله وأيقنوا بتوحيده وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المأمورة من عنده لإصلاح أحوالهم يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ الى فضاء وحدته بِإِيمانِهِمْ وبسبب يقينهم العلمي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ اى جداول المعارف والحقائق المنتشئة من بحر الوحدة الذاتية منصبغة باليقين العيني والحقي فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يعنى هم متمكنون مخلدون في مستلذاتهم الروحانية ابد الآباد دَعْواهُمْ ومناجاتهم مع ربهم وحاجاتهم معه فِيها بعد ما انقطعوا عن السلوك والتكميل سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ يا مولانا انما حسب ما علمتنا بمقتضى فضلك وجودك ننزهك تنزيها بليغا ونقدسك تقديسا كاملا عن عموم ما لا يليق بجناب قدسك وَتَحِيَّتُهُمْ اى ترحيب بعض ارباب الدرجات على بعض مع تفاوت مقاماتهم ومراتبهم فِيها سَلامٌ وتسليم لتحققهم بمقام الرضا ومقعد الصدق والتسليم وَآخِرُ دَعْواهُمْ بعد وصولهم الى غاية مأمولهم الذي هم جبلوا لأجله أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ والمنة والثناء لله المنعم المتفضل رَبِّ الْعالَمِينَ الذي رباهم بأنواع اللطف والكرم تفضلا منه سبحانه وامتنانا. ثم قال سبحانه حثا لعباده الى الرجوع والتوجه نحوه وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ المدبر لأمور عباده لِلنَّاسِ الشَّرَّ حين استعجلوه منه سبحانه لغرض من الأغراض او استحقوا له بعمل من الأعمال اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ كاستعجال الخير لهم حين طلبوا ودعوا لأجله او اعطاهم تفضلا منه إياهم لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ يعنى قد انقرض مدة حياتهم البتة بحلول أجلهم المقدر المعهود حين دعائهم واستحقاقهم ولكن قد امهلناهم رجاء ان يستغفر منهم من يستغفر وبالجملة فَنَذَرُ ونترك المصرين الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورضوا بالحياة الدنيا واقتصروا عليها وأنكروا يوم البعث والجزاء فِي طُغْيانِهِمْ المتجاوز عن الحد يَعْمَهُونَ ويترددون زمانا امهالا وتهويلا لعذابهم وَمن شدة عمههم وطغيانهم إِذا مَسَّ وعرض الْإِنْسانَ الضُّرُّ اى ما يضره من مضر مؤلم ومصيبة مفجعة مفزعة دَعانا مشتكيا إلينا مقترحا ملحا باثا شكواه عندنا ملقيا لِجَنْبِهِ ان لم يقدر على غيره من الأوضاع أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ان قدر متضرعا متفجعا مستكشفا فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ وعجلنا له مراده مَرَّ وتجاوز عنا وتباعد من أمرنا ولم يلتفت الى حكمنا أصلا بل صار من شدة عمهه وغفلته كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا قط إِلى كشف ضُرٍّ قد مَسَّهُ وبالجملة كَذلِكَ اى مثل ما سمعت يا أكمل الرسل قد زُيِّنَ اى حبب وحسن لِلْمُسْرِفِينَ المنهمكين في الغي والضلال ما كانُوا يَعْمَلُونَ من مخالفة امر الله ومخاصمة رسوله والمؤمنين المتابعين له والإصرار على ما هم عليه من العتو والعناد. ثم قال سبحانه مهددا مقسما وَالله يا اهل مكة لَقَدْ أَهْلَكْنَا حسب قهرنا وجلالنا الْقُرُونَ الماضية مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا اى حين ظلموا مثل ظلمكم وخرجوا عن طاعة الله واقامة حدوده مثل خروجكم وَهم ايضا أمثالكم إذ قد جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ اى بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة الدالة على صدقهم انما جاءوهم ليمتنعوا عماهم عليه من الظلم والعناد وَهم ما كانُوا اى أولئك الأمم لِيُؤْمِنُوا لرسلهم وأنبيائهم وما يصدقوهم فيما جاءوا به أمثالكم بل قد كذبوهم أمثالكم وأصروا على ما هم عليه بل زادوا عليه عنادا ومكابرة فأخذناهم بظلمهم وأهلكناهم بإصرارهم بعد ما نبهنا عليهم فلم ينتبهوا وبالجملة كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ المصرين على الجرائم مع ورود الزواجر والروادع ثُمَّ بعد إهلاكهم واستئصالهم قد

стр. 327

جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ منهم وصيرناكم خلفاء عنهم فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ واختبرناكم بما اختبرناكم وابتليناكم أمثالهم لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أنتم ايضا أتعملون الخير فنجازيكم خيرا أم تعملون الشر فنجازيكم شرا مثل ما جزيناهم وَهم قد كانوا من شدة انهماكهم في الغفلة والغرور والغي والضلال أمثالكم إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا الدالة على كمال عظمتنا ووفور قدرتنا على وجوه الانعام والانتقام مع كونها بَيِّناتٍ واضحات مبينات لأحوال النشأة الاخرى وأهوالها وانكالها قالَ الكافرون المسرفون الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا أمثالكم بل ينكرون الحشر والنشر والثواب والعقاب وعموم ما يترتب على النشأة الاخرى فكيف لقاءنا فيها ائْتِ ايها المدعى من عند ربكم بِقُرْآنٍ وكتاب غَيْرِ هذا القرآن والكتاب إذا أردت ان نؤمن لك أَوْ بَدِّلْهُ وغيره بعض آياته المشتملة على الإنذارات البليغة والتخويفات الشديدة فانا لا طاقة لنا بها وانما قصدهم وغرضهم بقولهم استهزاء وسخرية برسل الله واستخفاف بكتاب الله أمثال هؤلاء القائلين المسرفين المستهزئين بك وبكتابك يا أكمل الرسل قُلْ يا أكمل الرسل في جوابهم كما قال أولئك الرسل الكرام في جواب أممهم بمقتضى وحينا والهامنا ما يَكُونُ اى ما يصح وما يجوز لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ واحرفه مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي بمقتضى اهويتهم الفاسدة بل إِنْ أَتَّبِعُ اى ما اتبع وانتظر انا إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وليس في وسعى وطاقتي سوى الاتباع والانتظار وكيف أتصرف فيه إِنِّي أَخافُ بمجرد ان اسمع منكم قولكم هذا العصيان على نفسي فكيف إِنْ عَصَيْتُ بقصد التبديل والتغيير رَبِّي وقد استوجبت حينئذ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ كما استوجبتم أنتم بسؤالكم هذا على سبيل الإلحاح والاقتراح قُلْ يا أكمل الرسل ايضا إلزاما لهم وتبكيتا لَوْ شاءَ اللَّهُ اى لو تعلق مشيئته بغير هذا المتلو ما تَلَوْتُهُ انا عَلَيْكُمْ هذا وما أوحاه سبحانه على وما أجراه على لساني وَلا أَدْراكُمْ بِهِ اى ما أعلمكم بهذا وما أسمعكم من لساني ايضا ولكن قد تعلق مشيئته بهذا فاوحاه وأجراه وامر باسماعه فأسمعكم والا فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مدة أربعين سنة مِنْ قَبْلِهِ اى قبل وحى القرآن بلا تلاوة وادراء واعلام أَفَلا تَعْقِلُونَ وتستعملون عقولكم في هذا الأمر ولا تدبرون ولا تدربون فيه مع انكم من اهل الدرية والدراية متدربون بأساليب الكلام بالغون فيه أقصى الغاية حتى ينكشف لكم ان امر القرآن ليس منى بل هو خارج عن حيطة حولي وقدرتي مطلقا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ونسب اليه ما لم يصدر عنه افتراء ومراء أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ التي قد صدرت عنه ونزلت على رسله وأنبيائه لإصلاح احوال عباده وإرشادهم الى مبدئهم ومعادهم وبالجملة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ المفترون عليه بالأباطيل الزائغة المكذبون كلامه المنزل من عنده على رسله وَكيف يفلحون ويفوزون أولئك المسرفون بالفلاح وهم من شدة ضلالهم يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ المتوحد بذاته المستقل بألوهيته ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ إذ هم ليسوا من ذوى القدرة والارادة بل من جملة الجمادات المعطلة التي لا شعور لها أصلا وَيَقُولُونَ من كمال غفلتهم وضلالتهم هؤُلاءِ الأصنام والتماثيل العاطلة شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ينقذوننا من بأس الله وبطشه ان تحقق وقوعه قُلْ لهم يا أكمل الرسل تسفيها وتحميقا أَتُنَبِّئُونَ وتخبرون بقولكم هذا اللَّهِ العالم بالسرائر والخفايا بِما لا يَعْلَمُ من الأمور الكائنة فِي السَّماواتِ وَكذا بما لا يعلم ايضا فِي الْأَرْضِ من الكوائن فيها مع انه سبحانه في ذاته وحسب أسمائه وصفاته لا يعزب ولا يغيب

стр. 328

عن حيطة حضرة علمه المحيط شيء من الأشياء لا في الأرض ولا في السماء سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ من الأوثان والتماثيل التي لا شعور لها أصلا مع انها من أدون المظاهر واخس المخلوقات وبالجملة ما قدروا الله أولئك الحمقى حق قدره لذلك نسبوه اليه ما هو منزه عنه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وَما كانَ النَّاسُ المجبولون على مظهرية الحق المنعكسون من اظلال أسمائه الحسنى وصفاته العليا إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً ملتجئة الى الله مقتبسة من أنوار تجلياته منعكسة منها فَاخْتَلَفُوا اى الاظلال الهالكة باختلاف صور الأسماء المتقابلة والأوصاف المتضادة المتخالفة حسب شئون التجليات المتجددة في الكمالات المترتبة عليها وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يا أكمل الرسل لتسويتهم وتعديلهم في النشأة الاخرى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالعدالة والقسط فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ في هذه النشأة بلا تأخير الى اخرى لكن الحكمة المتقنة الإلهية تقتضي تأخيرها لذلك أخر أمرهم وحسابهم وعذابهم لئلا يبطل سر التكاليف وحكم الأوامر والنواهي ومطلق الاحكام الواردة من عنده سبحانه وَمن خبث طينتهم وشدة شكيمتهم يَقُولُونَ بعد ما اقترحوا عنه ﷺ بالآيات ولم تنزل لَوْلا وهلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ من الآيات المقترحة مع ان دعواه ان ربه قادر مقتدر على عموم المقدورات والمرادات بحيث لا يخرج عن حيطة قدرته شيء فَقُلْ في جوابهم بلى ان الله قادر على جميع المقدورات ومن جملتها مقترحاتكم الا ان في عدم انزالها وإنجاحها حكمة غيبية ومصلحة خفية إلهية لا يعلمها الا هو إِنَّمَا الْغَيْبُ كله لِلَّهِ وفي حيطة حضرة علمه فَانْتَظِرُوا بتعلق ارادته بمقترحاتكم إِنِّي مَعَكُمْ ايضا بلا تفاوت بيني وبينكم في عدم الاطلاع على غيبه مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع للمسرفين وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً خلاصا ونجاة مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ واضطرتهم الى الرجوع والتوجه نحونا إِذا لَهُمْ مَكْرٌ اى قد فاجؤا بعد نزول الكشف والرحمة نحو المكر والخديعة مع نبينا والطعن والقدح فِي آياتِنا قُلِ لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا اللَّهُ المطلع على ما في ضمائركم ومخايلكم أَسْرَعُ مَكْراً وأشد تدبيرا وانتقاما على مكركم وخداعكم قد أعد واثبت لكم سبحانه في حضرة علمه ولوح قضائه عذاب مكركم واشهد عليكم ملائكته كما قال إِنَّ رُسُلَنا الموكلين عليكم المراقبين لأحوالكم يَكْتُبُونَ في صحائف أعمالكم ما تَمْكُرُونَ وتحيلون مع الله ورسوله وكيف لا يراقبكم ويحافظ عليكم مع انه سبحانه هُوَ القادر المقتدر الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ اى يمكنكم على السير والسياحة فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ليجرب إخلاصكم وتقويكم ورسوخكم على الايمان حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ اى السفينة والجوار وَجَرَيْنَ الجواري بِهِمْ اى بمن فيها بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ معتدلة موافقة لسيرها وَفَرِحُوا بِها وبجريها على مرادهم جاءَتْها بغتة رِيحٌ عاصِفٌ شديد الهبوب مزلزل لها محرك إياها وَمن شدة هبوبها وتحريكها البحر قد جاءَهُمُ الْمَوْجُ الهائل مثل الجبال الرواسي مِنْ كُلِّ مَكانٍ اى جانب وجهة وَظَنُّوا من غاية ارتفاع الأمواج المتوالية المتتالية أَنَّهُمْ قد أُحِيطَ بِهِمْ بأسباب الهلاك فتقع عليهم وتستأصلهم وحينئذ دَعَوُا اللَّهَ ملتجئين متضرعين مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ مقتصرين الإطاعة والانقياد له سبحانه إذ لا تعارض حينئذ للأهواء الفاسدة والآراء الباطلة قائلين مقسمين والله لَئِنْ أَنْجَيْتَنا يا ربنا بفضلك وجودك مِنْ هذِهِ البلية الهائلة المحيطة بنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لنعمك المتذكرين دائما بحقوق جودك وكرمك فَلَمَّا أَنْجاهُمْ اجابة لدعائهم وكشفا لضرهم وبلائهم

стр. 329

إِذا هُمْ يفاجئون الى الكفران ويسارعون نحو الطغيان بحيث يَبْغُونَ ويطلبون الفساد فِي الْأَرْضِ المعدة للعبادة والصلاح بِغَيْرِ الْحَقِّ اى بلا رخصة شرعية بل عن بغى وعناد. التفت سبحانه من الخطاب الى الغيبة تنبيها على غاية بعدهم وطردهم عن ساحة عز الحضور والقبول لذلك ابعدهم بالغيبة بعد ما قربهم بالخطاب. ثم قال سبحانه يا أَيُّهَا النَّاسُ الناسون نعمة الإنجاء والتخليص عن ورطة الهلاك إِنَّما بَغْيُكُمْ وكفرانكم الذي قد فاجأتم به بدل الشكر والإطاعة في النشأة الاولى وبال عائد عَلى أَنْفُسِكُمْ في النشأة الاخرى إذ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا والتمتع بلذاتها وشهواتها والركون الى مزخرفاتها قليل حقير نزر يسير لا ينبغي للعاقل ان يترك الباقي لأجل الفاني واللذة الروحانية الدائمة المستمرة للذة الجسمانية المتناهية القصيرة ثُمَّ بعد انقضاء النشأة الاولى إِلَيْنا لا الى غيرنا إذ لا غير في الوجود معنا مَرْجِعُكُمْ ومصيركم رجوع الاظلال الى ذي الظل والأضواء الى الشمس فَنُنَبِّئُكُمْ اى نخبركم ونعمل بكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى بمقتضى عملكم ان خيرا فخير وان شرا فشر وبالجملة إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا اى شئونها الغريبة وحالاتها العجيبة التي كنتم تغترون بها وتميلون إليها وتفتخرون بمزخرفاتها ومموهاتها وأمتعتها وأبنيتها كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ وامتزج بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ اى ترابها المنبتة للنبات وحصل مِنَ اختلاطهما وامتزاجهماما يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ من انواع البقول والحشائش حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وشرعت القوة النامية لتربيتها وَازَّيَّنَتْ اى تزينت بأنواع البهجة والتزيينات وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ متمكنون عَلَيْها وعلى جمعها وحصادها وأخذ قطوفها وغلاتها أَتاها أَمْرُنا وحكمنا بغتة بإهلاكها واستئصالها لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً محصودا قبل بدو صلاحها بل مقطوعا عن أصلها الى حيث كَأَنْ لَمْ تَغْنَ ولم تنبت فيها منها شيء بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ نوضح ونمثل الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ويستعملون عقولهم بإدراك الممثل والممثل به وبعد تعقلهم وتفكرهم يتنبهون ان الدنيا وحياتها ما هي الا سراب غدار وغرار وبرق بلا قرار من اغتر بغرورها هلك عطش الأكباد ومن استنار بنورها فقد ضل عن سبيل الرشد والسداد وَبالجملة اللَّهُ الهادي لعموم عباده يَدْعُوا جميعهم إذ اصل جبلتهم وفطرتهم مجبولة على التوحيد والإسلام إِلى دارِ السَّلامِ اى الى مقر التوحيد الذي من تمكن فيه سلم عن جميع الآثام وسار عموم أموره الى العليم العلام القدوس السّلام وَبعد دعوته سبحانه عموم الأنام الى دار السّلام يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ويوفق من يشاء من خلص عباده إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى توحيده الا وهو دين الإسلام المنزل على خير الأنام تتميما لحكمة التكاليف المنزلة من عنده وتمييزا بين اهل الهداية والضلال من عباده واصحاب الجنة والنار على تفاوت طبقاتهم لذلك قال سبحانه لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الأدب في هذه النشأة مع الله ورسله وامتثلوا بعموم ما جاءوا من عنده سبحانه في كتبه المنزلة على رسله تعبدا وانقيادا ايمانا واحتسابا الْحُسْنى اى المثوبة العظمى والدرجة العليا بدل إحسانهم في الدنيا عدلا من الله وَزِيادَةٌ عليها الا وهي رضوان الله عنهم عناية وتفضلا وَصاروا من صفاء عقائدهم وإحسانهم مع الله بحيث لا يَرْهَقُ ولا يلحق وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ اى غبار الغفلة والندامة وَلا ذِلَّةٌ صغار وهوان من التواني والتكاسل في احتمال التكاليف الإلهية وبالجملة أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله أَصْحابُ الْجَنَّةِ المعدة لأرباب الفضل والعناية هُمْ فِيها خالِدُونَ جزاء بما كانوا يعملون من الخيرات والمبرات وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ

стр. 330

من طغيان نفوسهم ولم يلتفتوا الى ما أمرهم الحق وهديهم اليه رسله يجزون بمقتضى ما اقترفوا جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها عدلا منه سبحانه وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ اى تغطاهم غبار المذلة والخذلان بدل ما اكتسبوا من البغي والعدوان ما لَهُمْ حينئذ مِنَ اللَّهِ اى من عذابه وعقابه مِنْ عاصِمٍ حافظ يحفظهم او شفيع يشفع لهم ويخفف عنهم بل صاروا من ظلمة كفرهم وفسقهم كَأَنَّما أُغْشِيَتْ سترت وأحيطت وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً في غاية الظلمة لعدم استنارتهم بنور الايمان والعمل الصالح وبالجملة أُولئِكَ الأشقياء البعداء الهالكون في تيه الغي والضلال أَصْحابُ النَّارِ المعدة لأهل الغفلة والأهواء هُمْ فِيها خالِدُونَ جزاء بما كانوا يكسبون من الكفر والمعاصي وانواع الجرائم والآثام وَاذكر يا أكمل الرسل يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ اى كلا الفريقين جَمِيعاً مجتمعين في يوم العرض والجزاء ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا بنا غيرنا من التماثيل والأصنام الزموا مَكانَكُمْ واستقروا عليه أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ حتى تسألوا عما اجرمتم فَزَيَّلْنا اى فرقنا وفصلنا بَيْنَهُمْ بان رفعنا رابطة العابدية والمعبودية وعلاقة العبادة التي بها وصلتهم وارتباطهم وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ باقدار الله إياهم حينئذ مخاطبين لهم مشافهة براءة لنفوسهم وتنزيها ما كُنْتُمْ ايها الضالون المنهمكون في الغي والضلال إِيَّانا تَعْبُدُونَ بعلمنا وبمقتضى أمرنا إذ لسناح من ذوى العلم واولى الأمر بل تعبدون أنتم أهواءكم وشياطينكم الكامنة في نفوسكم قد افتريتم علينا ونسبتم وانتسبتم بنا عنادا ومكابرة فَكَفى بِاللَّهِ اليوم فيما مضى شَهِيداً شاهدا حاضرا على ما قد جرى بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ هو اعلم بعلمه القديم إِنْ كُنَّا اى انا كنا عَنْ عِبادَتِكُمْ وعن توجهكم ورجوعكم إلينا لَغافِلِينَ إذ لم نخلق من ذوى الشعور والإدراك في نشأة الاختبار حتى نضلكم ونستعبدكم وبالجملة هُنالِكَ اى حين احضروا للسؤال والجواب والجزاء والحساب تَبْلُوا اى تختبر وتتفطن كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما أَسْلَفَتْ وكسبت فيما سبق وَبعد تفطنهم وتنبههم رُدُّوا جميعا إِلَى اللَّهِ المتوحد المتفرد للجزاء إذ هو سبحانه مَوْلاهُمُ متولى نعمهم ومتولى أمورهم الْحَقِّ وَما سواه من الآلهة الكاذبة هي الباطلة مع بطلانها قد ضَلَّ غاب وضاع عَنْهُمْ عموم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ظلما وزورا وسموهم آلهة وشفعاء افتراء ومراء ولم يبق حينئذ في الوجود والشهود الا الله الواحد القهار ولو كشفوا بسريان وحدة الحق في عموم المظاهر والأكوان الكائنة في جميع الاحياز والأحيان لتحققوا بتوحيده دائما بلا توقف الى يوم القيمة الا انهم لانهماكهم في الغفلة والضلال لم يتنبهوا في النشأة الاولى قُلْ يا أكمل الرسل لمن أنكر توحيد الحق واستقلاله في الآثار والتدبيرات الواقعة في الأقطار إلزاما لهم وتبكيتا مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ بامطار الأمطار وتصعيد البخار وَالْأَرْضِ بالإنبات والإخراج أَمَّنْ يَمْلِكُ ويستطيع ان يخلق لكم السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ اللتين هما من أعظم اسباب حفظكم وحضانتكم انفسكم بهما وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ الحيوان السوى القوى مِنَ الْمَيِّتِ اى من النطفة الضعيفة وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ اى النطفة الجامدة من الحيوان وَبالجملة مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ في عالم الأسباب والمسببات فَسَيَقُولُونَ اضطرارا من غاية ظهوره ووضوحه بحيث لا يمكنهم ان يكابروا اللَّهُ المدبر لجميع الأمور الكائنة في الآفاق والأنفس وبالجملة هم من غاية ظهوره وجلائه لم يمكنهم ان يعاندوا او يكابروا فَقُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما اعترفوا بالله المدبر لعموم الكوائن

стр. 331

والفواسد توبيخا وتقريعا أَفَلا تَتَّقُونَ ولا تحذرون من بطشه وانتقامه فلم تشركون له ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى من الحق شيئا وبالجملة فَذلِكُمُ الذي قد اعترفتم به هو اللَّهُ المتوحد المستحق للالوهية والمعبودية إذ هو رَبُّكُمُ مربيكم ومدبر أموركم وهو لا غيره الْحَقُّ الثابت المتحقق الحقيق بالحقية فَماذا بَعْدَ ثبوت الْحَقُّ الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن التعدد والتكثر مطلقا مما اتخذتم آلهة ظلما وزورا إِلَّا الضَّلالُ الباطل العاطل فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ايها الحمقى المسرفون المفرطون وكيف تنصرفون وترجعون الى غيره من الاظلال الهالكة المستهلكة وتنسبونها الى الألوهية والربوبية ظلما وعدوانا كَذلِكَ اى مثل ما سمعت من ثبوت الألوهية والربوبية له سبحانه حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ اى قد ثبتت وتمت صدقا وعدلا بحيث لا تبديل لكلماته أصلا عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا وخرجوا عن عبادة الله ظلما وعدوانا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ولا يوقنون بالله ولا يصلون الى التوحيد أصلا لا علما ولا عينا قُلْ لهم يا أكمل الرسل إلزاما وتبكيتا هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ اى في وسعهم وقدرتهم مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ اى يوجده ثم يعدمه ثُمَّ يُعِيدُهُ في النشأة الاخرى كما هو شأن الإله المتفرد بالالوهية قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما بهتوا اللَّهُ القادر المقتدر على عموم المقدورات يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ وكيف تشكون والى اين تصرفون وتنصرفون عن جادة التوحيد بالميل الى هؤلاء التماثيل الزائغة العاطلة المعطلة قُلْ يا أكمل الرسل لهم ايضا تبكيتا وإلزاما هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى طريق الْحَقِّ وصراطه المستقيم الموصل الى توحيده سبحانه فان بهتوا قُلِ اللَّهُ الهادي لعباده يَهْدِي لِلْحَقِّ وطريق توحيده من يشاء من عباده ويوصله الى مرتبة حق اليقين أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ اى الى اليقين الحقي أَحَقُّ أليل وأحرى أَنْ يُتَّبَعَ اى يطاع وينقاد له أَمَّنْ لا يَهِدِّي ولا يهتدى بنفسه الى شيء أصلا إِلَّا أَنْ يُهْدى فاهتدى ان كان من اهل الاستعداد كبعض آلهتكم مثل عزيز وعيسى وبالجملة فَما عرض وأي شيء لحق لَكُمْ ايها الغفلاء المعزولون عن مقتضى العقل كَيْفَ تَحْكُمُونَ بالوهيتهم وشركتهم مع الله مع ان بديهة العقل تأبى عن ذلك وَبالجملة ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ اى اكثر المشركين في اشراك هؤلاء المنحطين عن درجة الاعتبار مع الله المنزه عن الشريك مطلقا إِلَّا ظَنًّا وتخمينا ناشئا عن تخيلات فاسدة وتوهمات كاسدة من اسناد الآثار الظاهرة الى ظواهر الأسباب مع الغفلة عن المسبب الموجد لها وبالجملة إِنَّ الظَّنَّ والتخمين الذي قد تمسكوا وتشبثوا به لا يُغْنِي ولا يفيد مِنَ الْحَقِّ الصريح الذي هو مناط الايمان والاعتقاد شَيْئاً من الإغناء إِنَّ اللَّهَ المطلع بجميع مخائلهم عَلِيمٌ خبير بصير بِما يَفْعَلُونَ بمقتضى ظنونهم وخيالاتهم واوهامهم فيجازيهم على مقتضى علمه وخبرته وبعد ما نبه سبحانه على بطلان اعتقاداتهم وظنونهم وجهالاتهم أراد ان ينبه ان مستند اهل الايمان الذي هو القرآن الموضح لهم طريق التوحيد والعرفان ليس كذلك فقال وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ المنزل على خير الأنام المبين لهم قواعد دين الإسلام أَنْ يُفْتَرى ويخيل انه قد صدر مِنْ دُونِ اللَّهِ العليم الحكيم وكيف يصدر هذا من غير الله إذ هو في أعلى مراتب البلاغة ونهاية درجات الاعجاز لصدوره عن الحكمة المتقنة الإلهية التي كلت الافهام دونها وعجزت عموم المدارك والآلات عن دركها فلا يتوهم صدوره عن غير الله أصلا وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ

стр. 332

مطابق لما نزل من عنده من الكتب السالفة بل هو أعلى حكمة وأتم فائدة منها وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ الذي هو عبارة عن حضرة علمه ولوح قضائه وبالجملة لا رَيْبَ فِيهِ انه نازل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ وليس في وسع بشران يأتى بمثله أيشكون نزوله على رسوله ﷺ أَمْ انزاله من لدنه سبحانه حيث قال يَقُولُونَ افْتَراهُ واخترعه من عنده ونسبه الى الله ترويجا وتعظيما قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما شككتم انه من عند الله بل قد جزمتم بانه من عند غيره مفترى عليه سبحانه فَأْتُوا بِسُورَةٍ قصيرة من مِثْلِهِ في الفصاحة والبلاغة ورعاية المقتضيات والحكم والمطابقات ووجوه الدلالات والتمثيلات والتشبيهات وانواع المجازات والكنايات وَان عجزتم أنتم ادْعُوا واستظهروا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ واستوثقتم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم بانه من كلام البشر مفترى على الله وبعد ما أفحموا عن الإتيان وعجزوا عن المعارضة ومع ذلك لم ينصفوا ولم يقروا بانه معجز ليس من كلام البشر بَلْ كَذَّبُوا وبادروا الى الرد والتكذيب بِما اى بشيء لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولم يعلموا ولم يفهموا ما فيه بقرائحهم وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ من معلم وملهم بل قد كابروا في تكذيبه بلا سند عقلي او نقلي وبالجملة كَذلِكَ اى مثل تكذيبهم هذا قد كَذَّبَ الأمم الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ أنبياءهم وكتبهم التي قد جاءوا بها من عند الله فَانْظُرْ ايها المعتبر الناظر كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الأوامر المبادرين الى تكذيب الله وتكذيب رسله واعتبر مما جرى عليهم من المصيبات الهائلة فانتظر يا أكمل الرسل وترقب لهؤلاء المكذبين المكابرين أمثالها وَمِنْهُمْ اى من المكذبين المكابرين مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ اى بالقرآن ويصدق بإعجازه في نفسه ويصر على التكذيب ظاهرا عنادا ومكابرة وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ مطلقا لغلظ غشاوته وشدة قساوته وشكيمته وَبالجملة رَبُّكَ الذي رباك يا أكمل الرسل بأنواع الهداية والصلاح أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ المكذبين المعاندين الذين يفسدون في الأرض بأنواع الفسادات وَإِنْ كَذَّبُوكَ وأصروا على تكذيبك مع وضوح دلائل صدقك فَقُلْ يا أكمل الرسل على سبيل التبري والتنزه والمجاراة لِي عَمَلِي وانا اجزى به وبمقتضاه وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ تجزون أنتم ايضا بأعمالكم وبمقتضاها وبالجملة أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ منكرون له وَأَنَا ايضا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ بأضعاف برائتكم وآلافها فانتظروا أنتم بجزاء أعمالكم وانا ايضا انتظر بجزاء عملي حتى يأتى وقت الجزاء ويوم العرض والحساب وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ استهزاء وأنت تلتفت الى اسماعهم ارادة ايمانهم وتبالغ فيه مهما أمكنك ليتعظوا وهم لا يسمعون ولا يفقهون لاكنة قلوبهم وصمم اسماعهم أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وتجتهد في اسماعهم واصغائهم وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ولا يفهمون كلامك لجهلهم المركوز في جبلتهم وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ ويعاين دلائل نبوتك ويشاهد اماراتها ومع ذلك ينكر بك وبنبوتك حسدا وبغيا أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وتقدر على تبصيره وَلَوْ كانُوا مجبولين بأنهم لا يُبْصِرُونَ لتعامي بصائرهم وأبصارهم وقساوة قلوبهم إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء لا يَظْلِمُ النَّاسَ المستوجبين للعذاب والنكال شَيْئاً مما لحقهم منه وَلكِنَّ النَّاسَ الناسين صرف ما أنعم الله لهم الى ما خلق لأجله أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ اى هم يظلمون أنفسهم بصرفه الى خلاف ما حكم الله وأظهره له لذلك استحقوا المقت والانتقام وَاذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ

стр. 333

الى أهواله المتطاولة وشدائده المترادفة المتوالية الى حيث يصور عندهم مدة حياتهم في الدنيا لطول ذلك اليوم وشدة أهواله كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ وهم حينئذ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ اى يعرف بعضهم بعضا هذا في أول النشر ثم يشتد عليهم الأمر ويرتفع التعارف والالتفات وتصير كل نفس رهينة بما كسبت وبالجملة قَدْ خَسِرَ وخاب خيبة عظيمة المسرفون الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ في الآخرة وأصروا على ما هم عليه من اقتراف المعاصي ولم يلتفتوا الى الأنبياء والكتب التي قد جاءوا بها من عنده سبحانه لإصلاح أحوالهم في مبدئهم ومعادهم وَما كانُوا ايضا مُهْتَدِينَ بطريق الصلاح والصواب من تلقاء نفوسهم بلا ارشاد مرشد لقصورهم عن الرشد والهداية سيما بلا مرشد هاد وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ اى ان تحقق اراءتنا إياك يا أكمل الرسل بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ بالهداية والإرشاد والسلوك في سبيل الصواب والسداد أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل إيصالهم الى فنائك ليسترشدوا منك وليستهدوا من زلال هدايتك وليسترشحوا من رشحات فيضك وجودك ويصفوا من كدر هوياتهم ورين انانياتهم فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ يعنى فاعلم يا أكرم الرسل إلينا مرجعهم جميعا ضالا ومضلا هاديا ومهديا رجوع الاظلال الى ذي الظل والأضواء الى الشمس ثُمَّ بعد رجوعهم اللَّهُ المظهر لهم من كتم العدم لمصلحة العبودية والعرفان شَهِيدٌ مطلع حاضر عالم بعلمه الحضوري عَلى عموم ما يَفْعَلُونَ من المعرفة والايمان والضلال والطغيان يجازيهم بمقتضى علمه وخبرته وَاعلموا انه لِكُلِّ أُمَّةٍ اى فرقة وطائفة رَسُولٌ معين في علم الله مثبت في لوح قضائه مرسل من عنده إياهم على مقتضى حكمه وحكمته ليهديهم الى توحيده فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ والعدل الموضوع من عند الله بمقتضى الحكمة البالغة لإصلاح احوال عباده وَبالجملة هُمْ لا يُظْلَمُونَ في يوم الجزاء ولا ينقصون من أجور أعمالهم بل يجازون حسب ما اقترفوا من المعاصي وَمن خبث بواطنهم يَقُولُونَ لك يا أكمل الرسل مستنكرين عليك مستكبرين مستهزئين معك مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي أوتيت أنت إتيان العذاب علينا فيه عين لنا وقته إِنْ كُنْتُمْ ايها المدعون تابعا ومتبوعا صادِقِينَ في هذه الدعوى مصدقين لمن يدعى الصدق فيه يعنون الرسول ﷺ والمؤمنين قُلْ يا أكمل الرسل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ولا اقدر ان اكتسب عليها ولا لها ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وقدره في سابق قضائه ومتى لم اقدر على افعال نفسي وأحوالها فانى يكون لي قدرة وقوة على استعجال ما في مشيئة الله وما في غيبه وتعيين وقته مع انه لم يأذن لي ولم يوح الى من عنده سبحانه سوى انه لِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم بل لكل شخص من الأشخاص سواء كانوا محقين او مبطلين أَجَلٌ معين ووقت مقدر في علم الله إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ الذي قد عينه الحق لإهلاكهم فيه لا يمكن التخلف فيه لا استعجال ولا استئخار فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ اى لا يمكنهم طلب التأخير لمحة وطرفة إذ الساعة مصروفة الى مطلق الزمان المتناول للآن والطرفة واللمحة ليدفعوا الضرر ولا يمكنهم ايضا طلب التقديم ليجلبوا النفع بل الأمر حتم في وقته والحكم مبرم في زمانه لا يتجاوز عنه أصلا فانتظروا فسيجيء اجلكم ووقتكم وينجز وعدكم ومتى كان الأجل مبهما ولم يكن لأحد أن يعين وقته قُلْ لهم توبيخا وتقريعا أَرَأَيْتُمْ اى أخبروني ايها المجرمون المستعجلون للعذاب والنكال إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً اى حال كونكم بائتين في الليل أَوْ نَهاراً حال كونكم

стр. 334

مترددين فيه وعلى اى شأن وفي كل حال يصعب عليكم امره إذ هو يفزعكم ويفجعكم البتة وإذا كان حالكم عند حلول هذا وشأنكم هكذا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ سبحانه حلوله الْمُجْرِمُونَ المستحقون لانواع العقوبة والعذاب مع انه مكروه كله سيما بالنسبة إليهم أَتنكرون وتكذبون وتصرون على ما أنتم عليه من الكفر والشرك الى وقت حلول العذاب ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ ونزل آمَنْتُمْ بِهِ والحال ما ينفعكم الايمان حينئذ إذ قيل لكم في تلك الحالة من وراء سرادقات العز والجلال آلْآنَ ايها الضالون المكذبون آمنتم به وَالحال انه قَدْ كُنْتُمْ من شدة انكاركم وإصراركم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ استهزاء وسخرية ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بالله بالخروج عن مقتضى أوامره وحدوده سبحانه ذُوقُوا بدل ذوقكم واستلذاذكم بتكذيب الرسل والاستهزاء بهم عَذابَ الْخُلْدِ المستمر الدائم الذي لا ينقطع ابد الآباد وبالجملة هَلْ تُجْزَوْنَ وما تعاقبون أنتم إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ في النشأة الاولى من الجرائم العظام والمعاصي والآثام وَبعد تبليغك إليهم يا أكمل الرسل مآل أمرهم وعاقبة حالهم انهم يَسْتَنْبِئُونَكَ ويستخبرونك على مقتضى أكنتهم المستكنة في قلوبهم أَحَقٌّ هُوَ اى ما أخبرت به من الوعيدات الهائلة يعنى أجدّ هو أم هزل وتخويف قُلْ يا أكمل الرسل مبالغا في تحقيقه وتقريره إِي وَرَبِّي اى اقسم بحق ربي الذي رباني على الصدق والعدالة وانواع الامانة والكرامة إِنَّهُ لَحَقٌّ اى عموم ما أخبرت به بوحي الله والهامه ثابت محقق مطابق للواقع بلا شبهة وتردد في وقوعه وثبوته وَما أَنْتُمْ ولستم في وسعكم وطاقتكم سيما بأمثال هذه الشبهات الواهية والظنون والجهالات الناشئة من الأوهام والخيالات بِمُعْجِزِينَ مسقطين العذاب النازل عليكم وَكيف تسقطون عذاب الله عنكم ايها الجاحدون الجاهلون مع انه لَوْ فرض وقدر أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ وخرجت عن مقتضى أوامر الله ونواهيه تملكا وتصرفا عموم ما فِي الْأَرْضِ من الخزائن والدفائن جميعا لَافْتَدَتْ بِهِ البتة بل بأضعافه وآلافه ان قبلت الفدية منها فافتدت وَبعد افتدائهم وافدائهم هذه قد أَسَرُّوا النَّدامَةَ واضمروا اليأس والحرمان في نجواهم لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ اى حين عاينوا به وبأهواله وافزاعه وهم حينئذ قد ندموا عما افتدوا بمقابلته وقنطوا عنها مطلقا مستقلين بما افتدوا وافدوا وَبالجملة لم تنفعهم الفدية ولم يفدهم الافتداء أصلا بل قُضِيَ بَيْنَهُمْ وحكم عليهم بِالْقِسْطِ والعدل السوى الإلهي وبمقتضى حكمته وحكومته وَبالجملة هُمْ لا يُظْلَمُونَ في جزاء ظلمهم وكفرهم وكيف يتصور الظلم والجور من لدنه سبحانه مع ان الكل من انجلال أسمائه وعكوس أوصافه أَلا إِنَّ لِلَّهِ وفي حيطة حضرة علمه وقدرته عموم ما ظهر فِي السَّماواتِ وَكذا عموم ما ظهر في الْأَرْضِ من الكائنات والفاسدات يعذب من يشاء عدلا منه ويرحم على من يشاء فضلا أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ الذي قد وعد لعباده من الثواب والعقاب حَقٌّ محقق ثابت لا محالة إذ لا يجرى الخلف في وعده أصلا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لقصور فهمهم وقلة تدبرهم في أحكامه المبرمة وحكمته المتقنة لا يَعْلَمُونَ حقية وعده ولا يؤمنون بها جهلا وعنادا وكيف يشكون ويترددون أولئك المصرون المعاندون في سعة حوله وقوته وكمال قدرته وتستبعدون منه سبحانه انجاز وعده ووعيده إذ هُوَ يُحيِي اى يظهر ويوجد بالتجلى الحبى الجمالي أولا هياكلهم وأشباحهم مع انهم لم يكونوا شيأ مذكورا وَبعد ما احيي واظهر عموم ما اظهر يُمِيتُ يعدم بالتجلى القهرى الجلالي

стр. 335

عموم ما ظهر على ما هو عليه من العدم وَكيف لا يقدر سبحانه على اعادتهم احياء بعد اماتتهم للحساب والجزاء وتعديد الأعمال والأحوال مع انهم بعموم أحوالهم وأعمالهم وذواتهم وصفاتهم إِلَيْهِ سبحانه لا الى غيره من الوسائل والأسباب العادية تُرْجَعُونَ رجوع عموم الأضواء والاظلال الى الشمس وذي الظل يا أَيُّهَا النَّاسُ الناسون المنشأ الأصلي والموطن الحقيقي قَدْ جاءَتْكُمْ لإيقاظكم وانتباهكم مَوْعِظَةٌ وتذكرة ناشئة مِنْ رَبِّكُمْ الذي رباكم على فطرة الهداية والدراية وَاعلموا ايها المكلفون ان تذكرتكم هذه شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ يعنى تشفى هذه التذكرة عليكم وتزيل عطش غليلكم وأكنتكم المستكنة في صدوركم وَايضا هي هُدىً يهدى ارباب العناية والقبول الى مقر الوحدة ومنزل الوصول وَبالجملة هي رَحْمَةٌ عامة شاملة لِلْمُؤْمِنِينَ اى لعموم ارباب البر والقبول الموفقين على الانابة والرجوع من لدنه سبحانه فعليكم ايها الأحرار ان تتعظوا وتتذكروا بحكمه وأحكامه وتتأملوا في رموزه وإشاراته وتدربوا في مفاتحه ومطالعه حتى تنكشفوا منه بقدر وسعكم وطاقتكم بما تنكشفون والله هو الهادي الى جنابه من يشاء من عباده وهو العزيز الحكيم قُلْ يا أكمل الرسل لمن تبعك من المؤمنين إرشادا لهم وتذكيرا بِفَضْلِ اللَّهِ المحسن المتفضل وبحسن قبوله وبشرف عز حضوره وَكذا بِرَحْمَتِهِ اى بمقتضى سعة رحمته الواسعة المتسعة لعموم مظاهره ومصنوعاته فليبسطوا وليتشرفوا فَبِذلِكَ التلذذ والحضور الحقيقي فَلْيَفْرَحُوا بدل ما لم يتلذذوا ولم يفرحوا بالمستلذات الجسمانية الفانية المتناهية وبالجملة هُوَ اى سروركم وفرحكم الروحاني خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من اهوية نفوسكم ومقتضيات هوياتكم ان كنتم موقنين مخلصين قُلْ أَرَأَيْتُمْ اى أخبروني كيف كفرتم وتصرفتم في ما أَنْزَلَ اللَّهُ المدبر لأموركم لَكُمْ لمعاشكم وتقوية امزجتكم مِنْ رِزْقٍ مسوق نحوكم محصل بأسباب سماوية مباح لكم فَجَعَلْتُمْ أنتم من تلقاء انفسكم مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا يعنى قد حرمتم أنتم على انفسكم بعضه وحللتم بعضا آخر بلا ورود وحى وشرع ونزول الهام وكتاب قُلْ لهم يا أكمل الرسل على سبيل المبالغة والإلزام والافحام آللَّهُ أَذِنَ لكم بهذه التفرقة والقسمة ايها المسرفون المفسدون أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ أنتم بنسبتها اليه وَما ظَنُّ اى اىّ شيء هو زعم أولئك المسرفين المفترين الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بأنهم لم يحاسبوا ولم يؤاخذوا ولم يجازوا يَوْمَ الْقِيامَةِ والجزاء على افترائهم على الله ما لم يصدر عنه ولم يوح منه بلى انهم مؤاخذون على اجترائهم على الله وافترائهم إياه سبحانه سيما بعد ورود انواع الزواجر والروادع من الآيات البينات والمعجزات الباهرات الظاهرات الدالة على امتناع هؤلاء الغواة الطغاة من غوايتهم وطغيانهم فلم يمتنعوا وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المدبر المصلح لأحوال عباده لَذُو فَضْلٍ عظيم ولطف عميم عَلَى النَّاسِ بانزال الكتب وإرسال الرسل المنبهين عليهم بما هو الأصلح لهم وأليق بحالهم وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لفرط جهلهم وخبث طينتهم لا يَشْكُرُونَ نعمه بل ينكرون عليها ويكفرون بها عنادا ومكابرة وَكيف ينكرون رسالتك من الله والوحى النازل إليك يا أكمل الرسل من لدنه سبحانه تأييدا لك وتعظيما لشأنك مع انك ما تَكُونُ أنت يا أكمل الرسل فِي شَأْنٍ ولست أنت في امر من ادعاء الرسالة من الله ودعوى التشريع من لدنه سبحانه بلا اذن منه وبلا وحى والهام نازل من عنده وَايضا ما أنت تَتْلُوا مِنْهُ اى من كلامه

стр. 336

سبحانه مِنْ قُرْآنٍ قراءة وتلاوة مدعيا نزوله من عنده سبحانه وَلا تَعْمَلُونَ أنتم ايها المعاندون المكابرون مِنْ عَمَلٍ صالح او طالح خيرا او شرا إِلَّا قد كُنَّا بذاتنا وبجميع أسمائنا واوصافنا عَلَيْكُمْ ايها المكلفون شُهُوداً حضراء رقباء مطلعين على عموم ما قد جئتم وعملتم به بل نحن مطلعونه قبل إِذْ تُفِيضُونَ اى تخوضون وتقصدون الشيوع والشروع فِيهِ او الذب والانصراف عنه وكيف لا نطلع عليه ولا يحيط علمنا به وشهودنا إياه وَما يَعْزُبُ ولا يغيب ولا يفوت عَنْ رَبِّكَ ومربيك ايها المظهر الأكمل للاسم الأعظم الجامع لجميع المراتب الكلية والجزئية الكونية والكيانية المتخلق الكامل بعموم الأخلاق الإلهية مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ كائنة فِي اقطار الْأَرْضِ وأرجائها وَلا كائنة فِي السَّماءِ وفضائها وَكيف يعزب ويغيب عن حيطة حضرة علمه شيء مع انه لا شيء أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ المقدار المذكور وَلا شيء ايضا أَكْبَرَ منه إِلَّا هو مثبت مرقوم فِي كِتابٍ مُبِينٍ هو حضرة العلم الإلهي ولوح محفوظ القضاء والأعيان الثابتة على اختلاف العبارات وهو ظاهر الابانة والظهور بالنسبة الى ارباب الولاء الباذلين مهجهم في طريق الفناء المستغرقين في بحر الوحدة فانين عن هوياتهم بالمرة أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ المنخلعين عن لوازم بشريتهم بالكلية المنسلخين عن مقتضيات اهوية نفوسهم رأسا لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إذ الخوف والحزن انما هو من لوازم الطبيعة ومقتضياتها وبعد ما انسلخوا عنها وتجردوا عن لوازمها قد فنوا في هوية الحق وصاروا ما صاروا بحيث لم يبق فيهم مبدأ الخوف والحزن والأمن والسرور إذ لا يتصف المعدوم الفاني والموجود الحقيقي الباقي بأمثال هذه الأوصاف الاضداد. والأولياء هم الَّذِينَ آمَنُوا بالله في بداية سلوكهم وتحققوا بمقام اليقين العلمي وَبعد تمكنهم وتقررهم فيه كانُوا يَتَّقُونَ ويحذرون من سطوة سلطنة صفاته الجلالية لانغماسهم بشواغل اهوية الهويات وانهماكهم بعلائق التعينات ثم لما استخلصوا منها بالإخلاص التام والإخبات الصادق ُمُ الْبُشْرى من الله بالفوز العظيم الا وهو تحققهم بمقام الفناء والفناء عن الفناء ايضاي الْحَياةِ الدُّنْيا ما داموا فيها فِي الْآخِرَةِ بأضعافها وآلافها إذ هم قد تحققوا بمقام العبودية وتقرروا في مقر التوحيد ووصلوا الى ما اظهر هم الحق لأجله الا وهو المعرفة والشهود والحضور مع الخلاق الودود فنعم المقام المحمود ونعم الحوض المورود ونعم الشاهد المشهود وبالجملة تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ التامات الناطقة بأنواع البشارات والكرامات لِكَ التبشير الشامل حكمه للنشأتين والباقي اثره حسب المنزلتين وَالْفَوْزُ الْعَظِيمُ والفضل الجسيم لأهل العناية من ارباب القبول وَبعد ما تحققت أنت يا أكمل الرسل بولاية الله واتصفت بولائه ومحبته وفزت بما فزت لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ الفاسد الباطل بالكفر والشرك والتكذيب والاستهزاء ولا تغتم بتهديدهم إياك ولا تبال بمفاخرتهم وخيلائهم ومباهاتهم بالمال والجاه عليك إِنَّ الْعِزَّةَ المعتبرة العظيمة لِلَّهِ المتعزز برداء العظمة والجلال المتوحد بنعوت الكمال والجمال جَمِيعاً بحيث لا يعتد بعزة هؤلاء الغواة العصاة وسيخذلهم الله عن قريب بالقهر والانتقام وينصرك عليهم بالغلبة والاستيلاء إذ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الكاذبة الباطلة الْعَلِيمُ بنياتهم الفاسدة فيها فيجازيهم بمقتضى علمه وينتقم عنهم وفق خبرته. قل يا ايها النبي الهادي لمن يدعى ربوبية الاظلال الهالكة والوهية التماثيل الباطلة تنبيها عليهم وايقاظا لهم عن منام غفلتهم كيف تدعون ايها الحمقى شركة المصنوع المرذول مع الصانع

стр. 337

القديم العليم الحكيم أَلا إِنَّ لِلَّهِ اى تنبهوا ايها المسرفون الجاهلون بقدرة الله المتوحد المنفرد بذاته المتجلى في الآفاق حسب أسمائه وصفاته مظاهر مَنْ فِي السَّماواتِ اى العلويات من الأسماء والصفات الموسومات بالملائكة وَكذا مظاهر مَنْ فِي الْأَرْضِ من الثقلين وهم مع كمال فضلهم وشرفهم وعلو شأنهم لا يستحقون بالالوهية والربوبية فكيف تستحق هؤلاء الجمادات الساقطة عن درجة الاعتبار وَظاهران ما يَتَّبِعُ المشركون الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ في ألوهيته مستحقين للعبادة كعبادته الا الزور الباطل والزيغ الزائل بل إِنْ يَتَّبِعُونَ وما يقتدون هؤلاء الضالون المشركون المفرطون إِلَّا الظَّنَّ والتخمين الناشئ من جهلهم وغفلتهم عن سرسريان هوية الحق المطلق والثابت في المظاهر كلها لذلك حصروها في مظهر دون مظهر وَبالجملة إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ اى ما هم في ادعائهم وحصرهم هذا الا كاذبون كذبا مبينا آفكون إفكا عظيما تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا كيف تغفلون عن الله ايها الجاهلون وكيف تشركون معه غيره ايها الجاحدون المحجوبون مع انه سبحانه هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ بكمال قدرته وحكمته لباسا لكم لِتَسْكُنُوا فِيهِ وتستريحوا من المتاعب وَكذا قد جعل لكم النَّهارَ مُبْصِراً لتهتدوا الى مطالبكم في امور معاشكم إِنَّ فِي ذلِكَ الجعل والتقدير لَآياتٍ عظاما ودلائل جساما دالة على كمال قدرته ومتانة حكمه وحكمته وتوحده في ألوهيته وتفرده في ربوبيته واستقلاله في التصرف مطلقا بلا مظاهرة احد ومشاركة ضد وند لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سمع تدبر وتدرب واستكشاف تام بعزيمة صادقة صافية عن شوب الغفلة والذهول وهم من كثافة حجبهم وغشاوة قلوبهم واسماعهم وأبصارهم ما قدروا الله حق قدره لذلك نسبوا اليه ما هو منزه عنه سبحانه حيث قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ وتعالى عما يقول الظالمون في شأنه علوا كبيرا كيف يكون له سبحانه ولد مع انه هُوَ الْغَنِيُّ بذاته عن التعدد مطلقا وليس لغيره وجود أصلا بل لَهُ سبحانه مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ اى العلويات والسفليات حيث ظهر سبحانه حسب أسمائه الحسنى وصفاته العليا بمقتضى التجلي الحبى الشوقى اللطفى بلا انصباغ له بالكون بل بالتمثل والانعكاس وبامتداد الظل ورش النور إِنْ عِنْدَكُمْ وما معكم وليس دونكم ايها الجاهلون الجاحدون بمعرفة الله وحق قدره مِنْ سُلْطانٍ اى حجة وبرهان بِهذا الادعاء الكاذب والقول الباطل بل ما تتكلمون به الا افتراء ومراء أَتَقُولُونَ وتفترون عَلَى اللَّهِ المنزه المقدس ما لا تَعْلَمُونَ ولا تدركون لياقته بجنابه ايها المفترون المبطلون قُلْ يا أكمل الرسل نيابة عنا للمكذبين المفترين كلاما ناشئا عن محض حكمته إِنَّ المسرفين المفرطين الَّذِينَ يَفْتَرُونَ وينسبون عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ولا يفوزون في النشأة الاخرى بمرتبة التوحيد التي هي معراج اهل الكمال بل ما يحصل لهم بافترائهم هذا وان حصل الا مَتاعٌ اى تمتع قليل فِي الدُّنْيا من الرياسة والجاه ثُمَّ بعد انقضاء النشأة الاولى إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ في النشأة الاخرى ثُمَّ بعد تيقنهم وكشفهم فيها نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بدل ما قد تلذذوا بالمحرمات والمكروهات في النشأة الاولى بِما كانُوا يَكْفُرُونَ اى بشؤم كفرهم وشركهم وَاتْلُ يا أكمل الرسل عَلَيْهِمْ تذكيرا وتعريضا نَبَأَ نُوحٍ اى قصته مع قومه وقت إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ حين استعظموا امره وقصدوا إهلاكه عنادا ومكابرة يا قَوْمِ أضافهم الى نفسه بمقتضى شفقة النبوة إِنْ كانَ كَبُرَ اى قد

стр. 338

شق وعظم عَلَيْكُمْ مَقامِي فيكم وحياتي بينكم وَتَذْكِيرِي إياكم بِآياتِ اللَّهِ الدالة على توحيده واستقلاله في ألوهيته وربوبيته فَعَلَى اللَّهِ لا على غيره إذ لا غير معه ولا شيء سواه تَوَكَّلْتُ اى وثقت به وفوضت امرى اليه فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ اى فعليكم ان تجمعوا عموم تدابيركم في قتلى وإهلاكي وَمع ذلك ادعوا شُرَكاءَكُمْ واستظهروا منهم لدفعى ثُمَّ بعد تدبيركم في انفسكم واستظهاركم بهم أظهروا بحيث لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ وشأنكم ولم يبق فيه عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثلمة وسترة أنتم تغتمون بها وتحزنون بسببها بل رتبوا أموركم وأسبابكم كلها على الوجه الذي تقتضيه نفوسكم وترتضيه عقولكم ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وامضوا واصرفوا نحوي جميع ما اعددتم وهيأتم من الأسباب الموجبة لهلاكى ومقتى وَلا تُنْظِرُونِ ولا تمهلون طرفة بل امضوا على دفعة ما أنتم عليه من قتلى ومقتى فاعلموا انى لا أبالي بكم ولا بتدابيركم وظهراءكم إذ الله حسبي وعليه توكلي وبه اعتمادي واعتصامي اذكر لكم باذنه وأعظكم بوحيه على الوجه الذي أمرني واوحانى فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ اى أعرضتم أنتم وانصرفتم عن تذكيري بلا سبب وما هو الا من جهلكم وضلالكم فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ حتى يكون سبب توليكم وأعراضكم سؤالى منكم الجعل ويشق عليكم إعطاؤه فانصرفتم وأعرضتم بل إِنْ أَجْرِيَ اى ما اجرى وما جعلى إِلَّا عَلَى اللَّهِ الذي قد أمرني به وَكيف لا قد أُمِرْتُ انا من عنده أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ المسلمين الأمور كلها اليه المنقادين لحكمه وقضائه إذ الكل منه بدأ واليه يعود ومع ذلك النصح والشفقة والتليين التام المنبعث عن محض الحكمة وكذا مع انواع الحجج والبراهين الدالة على صدقه في دعواه فَكَذَّبُوهُ عنادا ومكابرة وأصروا على تكذيبه عتوا واستكبارا فأخذناهم بالطوفان لانهماكهم في الغي والطغيان فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ اى نجينا نوحا ومن آمن به من الغرق محفوظين فِي الْفُلْكِ التي قد نحتها نوح ﵇ بيده بوحي الله إياه وتعليمه وهم قد استهزؤا معه حين اشتغل بنحتها وترتيبها وَجَعَلْناهُمْ اى اصحاب السفينة خَلائِفَ من الهالكين وهم ثمانون مؤمنون بالله مصدقون لرسوله وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ ايها المعتبر الناظر كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ المكذبين لنذيرهم ومنذرهم والى اين ادى انكارهم واستكبارهم فاعتبروا يا اولى الأبصار ثُمَّ لما ازداد أولئك الخلفاء الناجون وتشعبوا الى ان صاروا امما وأحزابا ودار عليهم الأدوار والأكوار وصاروا منصرفين عن طريق الحق مائلين منحرفين عن سبيل الرشد والسداد بَعَثْنا لإصلاح أحوالهم مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد نوح رُسُلًا منهم كل واحد من الرسل إِلى قَوْمِهِمْ وأمتهم فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ الواضحة والمعجزات الساطعة القاطعة المثبتة لدعواهم من لدنا فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا اى ما تيسر لهم وما صح عندهم وما ثبت لديهم ان يؤمنوا ويصدقوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ اى قبل بعثة الرسل بل قد أصروا على ما هم عليه واعتادوا له بلا تغيير ولا تبديل لتركب جهلهم المركوز في جبلتهم وخباثة طينتهم وبالجملة كَذلِكَ نَطْبَعُ ونختم بختام الغفلة والنسيان عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ المتجاوزين عن حدود الله الراسخين على التجاوز والعدوان حسب فطرتهم ثُمَّ لما عتوا عن الأمم الماضية من عتوا وأخذنا منهم من أخذنا بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ اى بعد هؤلاء الرسل الماضين مُوسى وَهارُونَ الذي هو اخوه وظهيره إِلى فِرْعَوْنَ المبالغ في العتو والعناد الى حيث ادعى الربوبية لنفسه من شدة بطره وخيلائه حيث تفوه بكلمة انا ربكم الأعلى وَالى

стр. 339

مَلَائِهِ المؤمنين به المعاونين بشأنه الكافرين بالله مؤيدين بِآياتِنا الدالة على استقلالنا في الآثار وتفردنا في الألوهية والربوبية وعلى صدق رسولنا في عموم ما جاء به من لدنا فَاسْتَكْبَرُوا عن الانقياد واستقبلوا بالتكذيب والعناد وَبالجملة هم في سابق علمنا ولوح قضائنا قد كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ مجبولين بأعظم الجرائم مستحقين باشد العذاب لذلك أظهروا ما هو كامن مكنون في استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ الحقيق بالاتباع والانقياد مِنْ عِنْدِنا سيما بعد ما قد عارضوا معه مرارا قابلوا بمعجزاته ما قابلوا من السحر والشعبذة تكرارا قالُوا من فرط عتوهم وعنادهم بدل ما صدقوه وآمنوا له بعد ظهور امره وشأنه بالبراهين القاطعة والمعجزات الساطعة إِنَّ هذا الذي جاء به هذا الساحر الكذاب لَسِحْرٌ مُبِينٌ عظيم ظاهر فائق على سحر عموم السحرة قالَ مُوسى بعد ما سمع منهم هذا آيسا عن ايمانهم قنوطا عنهم متحسرا متحزنا بمقتضى شفقة النبوة موبخا لهم على وجه العظة والتذكير أَتَقُولُونَ ايها الحمقى لِلْحَقِّ الصريح الثابت الصحيح لَمَّا جاءَكُمْ وحين أتاكم لإصلاح حالكم ليورث في قلوبكم تصديقا بوحدانية ربكم ويؤثر فيها انه سحر باطل وزور أَما تستحيون من الله ولا تنصفون وما تخافون من بطشه تقولون سِحْرٌ هذا وَالحال انه لا يُفْلِحُ ولا يفوز بالخير ابدا السَّاحِرُونَ المزورون المبطلون وهذا خير كله عاجلا وآجلا وفوز بالفلاح والنجاح ظاهرا وباطنا قالُوا على سبيل المكابرة والعناد بعد ما سمعوا من موسى قوله ونصحه أَجِئْتَنا ايها الساحر الكاذب لِتَلْفِتَنا وتصرفنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وأسلافنا وَاشتهيت أنت يا موسى اصالة وأخوك تبعا لك ان تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ والعظمة فِي الْأَرْضِ التي كنا مستقرين عليها ساكنين فيها مرفهين وَبالجملة اذهبا الى حيث شئتما ما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ مصدقين منقادين وَبعد ما أفحموا عن براهينهما وحجتهما وعجزوا عن معجزاتهما صمموا العزم لمعارضتهما حيث قالَ فِرْعَوْنُ امرا لأعوانه وانصاره ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ماهر كامل فيه فأرسلوا شرطا لجميع اهل السحر فجمعوا واحضروا على فناء فرعون مجتمعين ثم عينوا الوقت والموعد فخرجوا اليه ليعارضوا معهما فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ الموعد الموعود وحضروا في الميقات المعهود قالوا لموسى تحقيرا له وتهوينا لأمره الق يا موسى ما جئت به من السحر قالَ لَهُمْ مُوسى مستعينا بالله معتصما عليه ملهما من عنده متوكلا عليه أَلْقُوا أنتم ايها المفترون المكذبون أولا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا عموم ما جاءوا به من انواع السحر واستحسنوا من فرعون وملائه واستأملوا منه الجعل الكثير وجزموا على الغلبة قالَ لهم مُوسى بعد ما رأى جميع ما القوا ما جِئْتُمْ بِهِ ايها المفسدون المعاندون هو السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ المطلع بعموم مخايلكم سَيُبْطِلُهُ عن قريب ثم القى موسى عصاه بالهام الله إياه فإذا هي تلقف وتلتقم عموم ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فانقلبوا هنالك وصاروا صاغرين وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ منهم لانهماكهم في الإفساد والإسراف المصرين على العتو والعناد وَبالجملة يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ الثابت عنده ويقرره في مكانه بِكَلِماتِهِ التامات اى بأوامره ونواهيه وآياته ومعجزاته وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ المحرومون عن نور الايمان والتوحيد ذلك التثبيت والتقرير ثم لما ظهر امر موسى وشاع غلبته بين الأنام وفاق معجزاته على عموم ما جاءوا به من السحر

стр. 340

والشعبذة فَما آمَنَ لِمُوسى منهم مع ظهور صدقه بين أظهرهم إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ شبان قَوْمِهِ اى بنى إسرائيل وسبب توقف شيوخهم بعد الدعوة انهم عَلى خَوْفٍ وخطر عظيم مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ الذين يجتمعون حولهم من القبط أَنْ يَفْتِنَهُمْ ويصول عليهم ليقتلهم وَكيف لا يخافون أولئك المظلومون إِنَّ فِرْعَوْنَ المتناهي في العتو والاستكبار لَعالٍ فِي الْأَرْضِ غالب قاهر على عموم من فيها وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ في الاستيلاء والبسطة والكبرياء حيث تفوه من كمال كبره بانا ربكم الأعلى وَبعد ما قد رأى موسى توقف قومه في امر الايمان سيما بعد وضوح البرهان قالَ لهم مُوسى على سبيل العظة والتذكير وتعليم التوكل والتفويض الذي هو من أقوى شعائر الايمان مناديا لهم ليقبلوه عن ظهر القلب يا قَوْمِ أراد به بنى إسرائيل إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ الرقيب الحسيب لعباده فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا في عموم أموركم وحالاتكم إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ مسلمين أموركم اليه سبحانه منقادين لحكمه وما جرى عليكم من قضائه ثم لما سمعوا مقالة موسى تأثروا منها وتذكروا فَقالُوا عَلَى اللَّهِ المتولى لأمورنا تَوَكَّلْنا رَبَّنا يا من ربانا بلطفك وهدانا الى توحيدك لا تَجْعَلْنا بحولك وقوتك فِتْنَةً اى محل فتنة ومصيبة لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الذين قصدوا ان يتسلطوا علينا ويفتنوا بنا وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ التي وسعت كل شيء مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ القاصدين ستر الحق باباطيلهم الزائغة الكائدين الماكرين المخادعين مع من توجه نحوك ورجع إليك وَبعد ما بثوا شكواهم إلينا وأخلصوا في تضرعهم وتوجههم نحونا قد أَوْحَيْنا إِلى مُوسى اصالة وَالى أَخِيهِ تبعا أَنْ تَبَوَّءا اى اتخذا مباءة ومسكنا ومبيتا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ وأموالهم ان يبنوا بُيُوتاً فيها وَبعد ما بنيتم بيوتا اجْعَلُوا اى كل واحد منكما ومنهم بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ومسجدا تتوجهون فيها الى الله وتتقربون نحوه وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فيها واديموا الميل والتوجه نحو الحق مخبتين خاشعين مخلصين وَبعد ما قد واظبوا على ما أمروا واستقاموا عليه مخلصين بَشِّرِ يا موسى الداعي لهم الى طريق الحق الْمُؤْمِنِينَ المتوجهين نحوه سبحانه بالنصرة على الأعداء في الدنيا وبالكرامة العظيمة في النشأة الاخرى الا وهي الفوز بالوصول الى فناء المولى وشرف لقائه وَقالَ مُوسى بعد ما تفرس الاجابة والقبول داعيا على الأعداء رَبَّنا إِنَّكَ بفضلك وجودك قد آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً هم يتزينون بها وَأَمْوالًا يميلون إليها ويفتخرون بها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ولم يشكروا لنعمك بل يكفرون بهايا رَبَّنا وانما افتخروا وباهوا بحطامهم لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ضعفاء المؤمنين المتلونين الذين لم يتمكنوا في مقر اليقين ولم يتوطنوا في موطن التمكين رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ اى امحها وأتلفها لئلا يتمكنوا على تضليل عبادك بها وَاشْدُدْ ختمك وطبعك عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا ولا ينكشفوا بالإذعان والقبول حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ المعد لهم بكفرهم وإصرارهم الْأَلِيمَ المؤلم في غاية الإيلام حين رأوا المؤمنين في سرور دائم ولذة مستمرة وجنة النعيم قالَ سبحانه مبشرا لموسى وأخيه قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ووقع مناجاتكما في محل القبول ثنى الضمير لان هارون يؤمن حين دعا موسى فَاسْتَقِيما على ما أنتما عليه من الدعوة والزام الحجة ولا تفتروا في شأنكما هذا والزما الصبر والاصطبار إذ الأمور مرهونة بأوقاتها وَلا تَتَّبِعانِّ في الاستسراع والاستعجال سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ولا يحسنون الأدب مع الله في الحاحهم واقتراحهم في طلب الحاجات

стр. 341

وبعد ما تمرنوا بالصبر واستقاموا على ما أمروا مخبتين فازوا بما ناجوا وطلبوا مؤملين وَاذكر يا أكمل الرسل وقت إذ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ اى عبرناهم من البحر سالمين وذلك حين هم فرعون وملاؤه ان يكبوا على بنى إسرائيل ويستأصلوهم بالمرة فأوحينا الى موسى ان أسر بعبادي ليلا فاسرى بهم فأخبروا فخرجوا على أثرهم على الفور فادركوهم على شاطئ البحر فأوحينا الى موسى بضرب البحر بالعصا فضرب فانفلق البحر وافترق فرقا فعبروا سالمين فلما ابصر فرعون وملاؤه انفلاق البحر وعبورهم منه سالمين فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ واقتحموا في البحر مغرورين بلا مبالاة وتأمل بَغْياً وَعَدْواً ظلما وزورا عتوا واستكبارا فاجتمع البحر بعد اقتحامهم وعاد على ما كان عليه فغرقوا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ اى فرعون وايس عن حياته وجزم ان لا نجاة له أصلا قالَ في حالة الاضطرار مصرخا صائحا باكيا راجيا الخلاص بمجرد الإقرار آمَنْتُ واعترفت أَنَّهُ اى بانه لا إِلهَ يعبد بالحق إِلَّا الا له الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ المنقادين لما جاء به رسوله موسى وحين تفوه بها فرعون قد هتف هاتف من وراء سرادقات العز والجلال قائلا آلْآنَ ايها الطاغي الباغي الغاوي آمنت حين انقرض وقت الايمان وانقضى زمانه وَقد أخذت على ما قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ في مدة حياتك وَقد كُنْتَ في زمان طغيانك وعصيانك الذي هو زمان الايمان والعرفان مِنَ الْمُفْسِدِينَ بأنواع الفسادات لا من المؤمنين فَالْيَوْمَ والآن لا ينفعك إيمانك بل نُنَجِّيكَ ونخرجك من البحر بِبَدَنِكَ بلا روح ونسقطك على الساحل عريانا لِتَكُونَ أنت لِمَنْ خَلْفَكَ من المتجبرين المتكبرين آيَةً زاجرة وعبرة رادعة لهم عن العتو والعناد صارفة لهم عن الجور والفساد وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ الناسين عهودنا ومواثيقنا التي قد عهدنا مع استعداداتهم في حضرة علمنا ولوح قضائنا عَنْ آياتِنا الدالة على شدة أخذنا وانتقامنا لَغافِلُونَ مثلك ايها الطاغي وَبعد ما أهلكنا فرعون وملائه بالغرق لَقَدْ بَوَّأْنا مكنا واسكنا حسب ما وعدنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ اى مقعد صدق وموضع ثبوت واستقرار وتمكين على ما تقتضيه نفوسهم وترتضيه عقولهم وَبعد تمكينهم وتوطينهم قد رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ اى من أطايب الاغذية والأشربة والفواكه ولذائذها فَمَا اخْتَلَفُوا في امر دينهم قبل نزول الكتاب عليهم بل هم متفقون مجتمعون على ما بلغهم رسولهم وهداهم اليه حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ وانزل عليهم الكتاب فما اختلفوا فيه وتفرقوا فرقا وتحزبوا أحزابا وانحرفوا عن طريق الحق وحرفوا كتابه سيما نعتك وحليتك واوصافك يا أكمل الرسل إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ويحكم عليهم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اى يفصل بينهم ويميز محقهم عن مبطلهم بالاثابة والعقاب فَإِنْ كُنْتَ يا أكمل الرسل فِي شَكٍّ وريب مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ في كتابك من قصصهم واخبارهم فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ وارجع إليهم لازالة شكك وحل شبهتك وتفحص عنهم حتى تنكشف لك وتحقق عندك وبالجملة لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ الصريح الصحيح الثابت المطابق للواقع بلا شوب ريب عليك مِنْ عند رَبِّكَ يا أكمل الرسل فَلا تَكُونَنَّ أنت فيه مِنَ المُمْتَرِينَ إذ ليس هذا محلا للشك والارتياب إذ لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه لأنه تنزيل من حكيم حميد عليم وَبعد ما سمعت ما سمعت يا أكمل الرسل لا تَكُونَنَّ

стр. 342

البتة مِنَ المسرفين المفرطين الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الدالة على كمال قدرته ومتانة علمه وحكمته فَتَكُونَ أنت حينئذ مع علو شأنك وسمو برهانك مِنَ الْخاسِرِينَ الساقطين عن مرتبة الخلافة النازلين عن درجة ارباب المعرفة والتوحيد وأمثال هذه الخطابات من الله العليم الحكيم لحبيبه الذي قد ظهر على الخلق العظيم وتمكن على الصراط المستقيم انما هي حث وترغيب للمؤمنين على ملازمة كتاب الله ومحافظة أوامره ونواهيه وتثبيت لهم في ايمانهم وتصديقهم إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ اى ثبتت وجرت عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ يا أكمل الرسل في سابق علمه ولوح قضائه بكفرهم وشركهم لا يُؤْمِنُونَ بدعوتك وتبليغك إليهم الآيات الرادعة الزاجرة والبراهين الساطعة القاطعة بل وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ مقترحة لهم منك لم يؤمنوا بك لشدة شكيمتهم معك وكثافة غشاوتهم حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ المعد لهم من عند الله العزيز العليم فاعرض عنهم يا أكمل الرسل ودعهم وأمرهم فانا ننتقم منهم فَلَوْلا وهلا كانَتْ قَرْيَةٌ من القرى الهالكة التي قد أخذوا بظلمهم آمَنَتْ حين حلول العذاب عليهم ولاح اماراته دونهم مثل ما آمن فرعون حين غشيه اليم فَنَفَعَها في تلك الحالة الملجئة إِيمانُها ونجى به عن العذاب إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا حين عاينوا بحلول العذاب وظهر عليهم علامات الغضب الإلهي وأخلصوا لله مخبتين خاضعين خاشعين قد كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ الذي هم يفتضحون بسببه فِي الْحَياةِ الدُّنْيا لو لم نكشف وَبعد ما كشفنا العذاب عنهم قد مَتَّعْناهُمْ بأنواع التمتع وصيرناهم مترفهين إِلى حِينٍ حلول آجالهم المقدرة وذلك انه لما بعث يونس ﵇ الى نينوى هي قرية من قرى الموصل كذبوه واستهزؤا به فوعدهم بالعذاب بعد ثلثين او أربعين فلما قرب الوعد الموعود خرج من الأفق سحاب غليظ وغيم اسود ودخان مظلم شديد فغشى قريتهم فهابوا هيبة عظيمة فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه وهموا الى الانابة والتضرع فلبسوا المسوح وخرجوا نحو الصحارى بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرقوا بين والدة وولدها وحن بعضها الى بعض فصاحوا وصرخوا وتضرعوا الى حيث قد علت الأصوات واختلطت الضجيج وأظهروا الندامة وأخلصوا التوبة والانابة فرحمهم الله وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة ولا تستبعد يا أكمل الرسل مثل هذه الألطاف من الله الغفور الرّحيم وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ وتعلقت ارادته بإيمان من على الأرض لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ بحيث لم يبق على وجه الأرض كافر أصلا بل يؤمنون جَمِيعاً مجتمعين بلا اختلاف وتفرقة لكن قضية الحكمة تقتضي الخلاف والاختلاف والكفر والايمان والحق والباطل والهداية والضلال ليظهر سرائر التكاليف والتحميلات الواردة من الله على السنة رسله وكتبه وكذا سر المجازاة في النشأة الاخرى وحكمة خلق الجنة والنار وجميع الأمور الاخروية والمعتقدات الدينية ومتى جرت حكمة الله على هذا أَفَأَنْتَ يا أكمل الرسل من حرصك على تكثير المؤمنين تُكْرِهُ النَّاسَ وتلجئهم الى الايمان حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ جميعا مع ان بعضهم مجبولون على كفرهم ولم يتعلق ارادة الله ومشيئته بايمانهم وَبالجملة ما كانَ لِنَفْسٍ اى ما تيسر لها وما وسع في وسعها وطاقتها أَنْ تُؤْمِنَ بالله باختيارها إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وتوفيقه واقداره إذ لا حول ولا قوة الا بالله. وافعال العباد كلها مستندة الى الله ناشئة من مشيئته اصالة ومادام لم تتعلق مشيئته لم يحدث حادث من الحوادث الكائنة فعليك يا أكمل الرسل ان لا تتعب نفسك في هداية من أراد الله إضلاله وضلاله وبالجملة انك لا تهدى من أحببت فكيف سعيت واجتهدت

стр. 343

وأتعبت نفسك ولكن الله يهدى من يشاء وهو العزيز الحكيم وَمن جملة حكمته سبحانه انه يَجْعَلُ الرِّجْسَ اى الخذلان والحرمان ابدا عَلَى الكافرين الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ولا يستعملون عقولهم التي هي مناط التكاليف الإلهية الى ما خلقوا لأجله ولا يتفكرون ولا يتأملون في الآثار الصادرة من القادر المختار حتى ينكشفوا بتوحيده قُلِ لهم يا أكمل الرسل على مقتضى رتبة النبوة تهييجا لهم وتحريكا على ما في استعداداتهم وقابلياتهم انْظُرُوا ايها المجبولون على النظر والتأمل ماذا اى اى شيء وذات عظيمة وسلطنة غالبة قاهرة قد ظهر بحسب أسمائه وصفاته فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مظاهر العلويات والسفليات والغيوب والشهادات وَان كان ما تُغْنِي ولا تكفى الْآياتُ الدالة على وحدة الذات المتجلية في عموم الكوائن والجهات وَلا تكفى ايضا النُّذُرُ المبينون المنبهون على مدلولاتها عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ لم يتعلق ارادة الله بايمانهم وتوحيدهم فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ وما يترصدون أولئك المتمردون عن الايمان إِلَّا مِثْلَ ما قد وقع ونزل على أمثالهم في الجرائم والآثام من الخسف والكسف والغرق وغير ذلك من المصائب التي قد أصابت على المشركين المسرفين في أَيَّامِ المفسدين الَّذِينَ خَلَوْا ومضوا مِنْ قَبْلِهِمْ اى قبل هؤلاء المسرفين فان عارضوا معك يا أكمل الرسل مثل ما قد عارض أسلافهم مع أنبيائهم ورسلهم قُلْ لهم تبكيتا وإلزاما مثل ما قالوا اخوانك من الأنبياء الماضين فَانْتَظِرُوا لمقتي وهلاكي إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لمقتكم وهلاككم فالامر بيد الله والحكم في قبضة قدرته ومشيئته ثُمَّ بعد ما أهلكنا الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل وإصرارهم على الكفر والشرك نُنَجِّي مما أصابهم رُسُلَنا الذين قد أرسلناهم إليهم وَايضا ننجي الَّذِينَ آمَنُوا بنا وصدقوا رسلنا وانقادوا بعموم ما جاء به رسلهم كَذلِكَ اى مثل انجائنا إياهم حَقًّا عَلَيْنا تفضلا منا وامتنانا على عبادنا نُنَجِّي عموم الْمُؤْمِنِينَ المنقادين لرسلنا المتدينين بديننا وعلى ذلك جرت سنتنا ومضت حكمتنا قُلْ يا أكمل الرسل للمترددين في أمرك ودينك المتمردين عن اطاعتك وانقيادك يا أَيُّهَا النَّاسُ المجبولون على الغفلة والنسيان إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ وريب مِنْ دِينِي الذي هو اسد الأديان وأصحها وأشملها واشرف الملل وأكملها إذ هو مرجع عموم الأديان كما هو مبدؤه لابتنائه على التوحيد الذاتي الذي قد اضمحلت دونه عموم الكثرات وسقطت عنده جميع الإضافات ومع ظهور فضله وكماله ووضوح حجته وبرهانه وعلو شأنه أنتم تشكون فيه فانا أحق ان أشك فيما أنتم عليه وعبدتم اليه فَلا أَعْبُدُ وأتوجه انا الأشباح والتماثيل الَّذِينَ تَعْبُدُونَ أنتم مِنْ دُونِ اللَّهِ لقصورهم عن المعبودية وعدم استحقاقهم للالوهية والربوبية مطلقا وَلكِنْ انا أَعْبُدُ اللَّهَ الواحد الأحد الفرد الصمد الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ اى يعدمكم ومعبوداتكم بعد ما أظهركم وإياهم من العدم وَأُمِرْتُ من عنده أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الموقنين لتوحيده المنقادين لعموم أحكامه وَايضا أمرت من عنده أَنْ أَقِمْ واستقم وَجْهَكَ اى توجه بوجهك الذي هو يلي الحق لِلدِّينِ الذي قد أنزله إليك لإصلاح حالك حال كونك حَنِيفاً مائلا عن عموم الأديان الباطلة والآراء الفاسدة وَبالجملة لا تَكُونَنَّ أنت بحال من الأحوال وشأن من الشئون سيما بعد ما ظهر عليك ولاح عندك حقية دينك وملتك مِنَ الْمُشْرِكِينَ الذين يدعون الوجود لغير الله ويشركون معه سبحانه

стр. 344

غيره عنادا وعدوانا وَمتى عرفت أنت حقيقة الحال وحقيتها وظهر عندك جلية المقال لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الواجب الوجود ما لا يَنْفَعُكَ من الموجودات الباطلة والاظلال الزائلة وَلا يَضُرُّكَ ايضا إذ لا اثر لها من ذواتها ولا وجود لها في أنفسها فَإِنْ فَعَلْتَ أنت وادعيت وجود غير الحق واعتقدت له أثرا فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ الذين يظلمون على الله بادعاء الوجود والأثر لغيره وَكيف تدعى وتثبت أنت لغيره وجودا وأثرا مع انه إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ الرقيب عليك ويصبك بِضُرٍّ يسوءك ويحزنك فَلا كاشِفَ لَهُ ولا يرفع ولا يدفع عنك ضرره إِلَّا هُوَ إذ لا شيء سواه ولا اله الا هو وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ يسترك تفضلا عليك وامتنانا لك فَلا رَادَّ ولا دافع لِفَضْلِهِ عنك غيره بل يُصِيبُ بِهِ اى بالفضل والحسنى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلا يمنع فضله سبحانه جرائمهم وعصيانهم إذ هُوَ الْغَفُورُ لذنوبهم بعد استغفارهم ورجوعهم الرَّحِيمُ عليهم يقبل توبتهم ويتجاوز عن سيئاتهم ان أخلصوا فيها قُلْ يا من بعث لكافة البرايا وأرسل إليهم بالتوحيد الذاتي الذي قد ختم به امر التشريع والإرسال والإنزال وبلغ إليهم عموم ما جئت به من ربك مناديا عليهم ليقبلوا بقبوله يا أَيُّهَا النَّاسُ المكلفون بالعبادة والعرفان قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ الصريح مِنْ رَبِّكُمْ الا وهو الإسلام المبين لشعائر الايمان والعرفان فَمَنِ اهْتَدى بمعالم الإسلام الى التوحيد الذاتي فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وما يكتب الهداية الا لها ولتكميلها ونال ثوابها عليها وَمَنْ ضَلَّ ولم يهتد بنور الإسلام فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما يقترف الضلالة الا إليها فعاد وبالها عليها وَقل لهم ايضا يا أكمل الرسل ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ حفيظ كفيل لأموركم ضمين لها بل ما انا الا نذير وبشير أبلغكم ما أرسلت به فلكم الخيار وعليكم الاختيار وَبالجملة اتَّبِعْ أنت يا أكمل الرسل بنفسك عموم ما يُوحى إِلَيْكَ من ربك وامض عليه وبلغ الى الناس على وجه أمرت به وَلا تبال باعراضهم عنك وتكذيبهم بك بل اصْبِرْ على أذاهم وتحمل بمكروهاتهم ولا تفتز عن دعوتك إياهم حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ المتولى لأمورك بنصرك وغلبتك عليهم بالقتال وبنسخ دينك عموم الأديان وبنشره في جميع الأنحاء والأقطار وَبالجملة هُوَ سبحانه خَيْرُ الْحاكِمِينَ وأفضل الفاضلين إذ هو سبحانه مطلع على سرائر الأمور وخفاياها قادر على عموم الانتقام لمن أراد مقتك واعرض عنك وانصرف عن دينك رب احكم بالخير والحسنى ووفقنا على متابعة سيد الورى خاتمة سورة يونس ﵇ عليك ايها الطالب لتحقيق الحق العازم الحازم على سلوك سبيل التوحيد والعرفان المستكشف عن اهل الكشف وارباب المحبة والولاء أنجح الله آمالك ويسر لك مآلك ويصونك عما عليك ان تحافظ على شعائر دين الإسلام الذي هو الحق الصريح المنزل من الحكيم العلام على خير الأنام بالعزيمة الصحيحة الخالصة عن شوب الرياء والسمعة الصافية عن كدر الهوى والغفلة وتلازم الاستفادة والاسترشاد من كتاب الله ومن أحاديث رسوله ﷺ وكذا ممن سمحت به أكابر الصحابة سيما الحضرة الرضوية المرتضوية وأولاده الكرام وأحفاده العظام سلام الله عليهم وكرم وجوههم والتابعين لهم بإحسان رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وكذا مما جاد به المشايخ العظام والا ماجد الكرام

стр. 345

أنار الله براهينهم وقدس الله أسرارهم وكن في عزمك هذا متوجها الى قبلة الوحدة وكعبة الذات مائلا عن الأديان الباطلة والآراء الفاسدة مصفيا قلبك عن امارات الكثرة والتعدد بحيث ارتفع عنك الالتفات الى نفسك وشأنك ايضا حتى تحل عليك الحيرة المفنية هويتك في هوية الحق المسقطة لتعيناتك رأسا ولا يتيسر لك هذا الا بالركون عن لوازم الطبيعة والخروج عنها وعن ما يترتب عليها من اللذات الوهمية والمشتهيات البهيمية التي هي مقتضيات التعينات العدمية والتشخصات الهيولانية ومتى صفا سرك وسريرتك عن أمثال هذه المزخرفات العائقة عن الاستغراق في بحر الذات قد فزت بما فزت وصرت بما صرت وحكم الله عليك بالخير والحسنى وأسكنك عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وليس وراء الله مرمى لا حول ولا قوة الا بالله وهو يقول الحق وهو يهدى السبيل [سورة هود ﵇] فاتحة سورة هود ﵇ لا يخفى على ذوى العبرة والاستبصار واولى الخبرة والاعتبار من المنقطعين نحو الحق المتأملين في كشف غوامض اسرار توحيده بقدر الاستطاعة والاقتدار بتوفيق من عند العليم القدير المجبولين على الحكمة والتدبير من لدن حكيم خبير. ان مبنى الأمر ومناط هذا الشأن العظيم الذي هو التوحيد والعرفان انما هو على العبودية المحضة والتذلل التام والانكسار المفرط المفضى الى افناء الهويات الباطلة في هوية الحق الحقيق بالحقية وفناء التعينات العدمية فيها وذلك لا يحصل الا بمتابعة الرسول البشير النذير المؤيد من لدن عليم قدير ليرشدهم ويهديهم بالتوجه والتبتل الى اللطيف الخبير إذ مرجع الكل اليه كما ان مبدأه من عنده ومصدره لديه ومعاده اليه كما قال سبحانه. وما من دابة في الأرض الا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين. لذلك اخبر سبحانه لرسوله المبعوث على كافة الخلق المبين لهم طريق الرشد في كتابه المنزل عليه بعد احكام آياته وتفصيلها تأييدا له وتقوية لأمره ليهدى به التائهين عن جادة التوحيد المنصرفين عنها بمتابعة الشيطان المريد فقال متيمنا باسمه العظيم مخاطبا على رسوله الكريم بِسْمِ اللَّهِ الذي احكم آيات كتابه الدالة على توحيده لتكون موصلة الى وحدة ذاته لمن تمسك بها الرَّحْمنِ على عباده بتفصيل تلك الآيات تسهيلا عليهم وتوضيحا لهم الرَّحِيمِ لهم بأمرهم بالعبادة والتذلل ليتحققوا بمرتبة حق اليقين الذي هو الصراط المستقيم [الآيات] الر ايها الإنسان الأحق الأليق لإعلاء لواء لوامع أنوار الألوهية وارتفاع رايات رموز اسرار الربوبية بين الأنام بالبيان والتبيان هذا كِتابٌ انزل إليك لتأييدك في أمرك وشأنك ومصدق لعموم ما في الكتب السالفة جامع لأحكامها وحكمها قد أُحْكِمَتْ ضممت ونظمت آياتُهُ أشد تنظيم وتضميم وابلغ احكام وإتقان بحيث لا يعرضه خلل واختلال أصلا لا في معناه ولا في لفظه لذلك عجزت عن معارضته عموم ارباب اللسان والبيان مع وفور دواعيهم ثُمَّ بعد أحكامه لفظا ومعنى قد فُصِّلَتْ وأوضحت فيه المعارف والحقائق والاحكام المتعلقة بالعقائد والعلوم اليقينية والقصص المشيرة الى العبر والمواعظ والأمثال المشعرة الى الرموز والإشارات الصادرة مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ متقن في أفعاله خَبِيرٍ تصدر منه الأفعال على وجه الخبرة والاعتبار ومن اجلة ما حكم فيه واحكم أَلَّا تَعْبُدُوا ايها الاظلال المجبولون على العبادة حسب الفطرة الاصلية إِلَّا اللَّهَ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي قد أوجدكم وأظهركم من كتم العدم بمقتضى جوده باستقلاله إيجادا إبداعيا بمد ظله عليكم ورش نوره إليكم وقل لهم يا أكمل

стр. 346

الرسل تبشيرا وتنبيها إِنَّنِي مع كوني من حملتكم وبنى نوعكم لَكُمْ مِنْهُ اى من الله المتوحد بذاته حسب امره ووحيه نَذِيرٌ أنذركم عما يبعدكم عن الحق حتى لا تستحقوا عذابه وعقابه وَبَشِيرٌ ايضا من لدنه سبحانه أبشركم بما بقربكم نحو جنابه حتى تستحقوا الفوز العظيم من عنده سبحانه وَايضا قد حكم فيه أَنِ اسْتَغْفِرُوا واسترجعوا في فرطاتكم رَبَّكُمْ الذي رباكم على فطرة المعرفة والتوحيد ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ وترجعوا نحوه وتوصلوا به سبحانه بعد رفع حجب الانابة عن البين وكشف سدل التعينات الوهمية عن العين يُمَتِّعْكُمْ بعد اضمحلال رسومكم وتلاشى هوياتكم في هويته بالرزق المعنوي والغداء الحقيقي من عنده مَتاعاً حَسَناً بمقتضى نشئات أوصافه وأسمائه وتطورات تجلياته الجمالية والجلالية إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو عبارة عن الطامات الكبرى التي قد انقهرت دونها توهمات الاظلال وتحيلات السوى والاعيار وَبعد تسييركم وتنزيلكم من عالم الغيب متنازلين الى عالم الشهادة لاقتراف المعارف والحقائق وترجيعكم منها اليه متصاعدين اظهار لقدرته وسلطته وكمال حكمته ومصلحته التي لا تنكشف الا له ولا تكتنه الا عنده يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ اى يؤتى ويعطى كلا من ذوى العناية الموفقين على الهداية التي قد خلقوا لأجلها فَضْلَهُ اى حقه وحراءه اى قبل منهم ما اكتسبوا من الحقائق والمعارف والمكاشفات والمشاهدات واقرهم في النهاية على مقر قد نزلوا عنه في البداية وَقل لهم يا أكمل الرسل امحاضا للنصح إِنْ تَوَلَّوْا وتعرضوا وتنصرفوا عن مقتضى إنذاري وتبشيرى فَإِنِّي من غاية اشفاقى لكم وتحننى نحوكم أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ اى من نزول العذاب عليكم سيما يوم العرض الأكبر الذي قد أشرقت فيه شمس الذات الى حيث اضمحلت دونها نقوش الاظلال والعكوس مطلقا وفنى في شروقها السوى والأغيار رأسا ونودي حينئذ من وراء سرادقات العز والحلال عند ارتفاع تراحم الاظلال والأغيار لمن الملك اليوم وأجيب ايضا من وراءها إذ لا مجيب غيره لله الواحد القهار وبالجملة اعلموا ايها الاظلال المقهورة والعكوس المستهلكة إِلَى اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المتجلى في الآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق مَرْجِعُكُمْ ورجوعكم جميعا رجوع الظل الى ذي الظل والعكوس الى ما انعكس هي منه وَبالجملة هُوَ سبحانه في ذاته مع انه قاهر فوق عباده عَلى كُلِّ شَيْءٍ من صور العذاب والانتقام قَدِيرٌ لا يخرج عن حبطة قدرته مقدور ولا يعزب عن حضرة علمه معلوم مما جرى عليهم من الأحوال أَلا إِنَّهُمْ اى المحجوبين الغافلين من غاية جهلهم وغفلتهم عن الله يَثْنُونَ ويعطفون ويحرفون صُدُورَهُمْ عن الميل الى الحق وعن التوجه نحوه طالبين لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ اى يستروا ويخفوا من الله ما تكن صدورهم من الاعراض عن الحق والمخالفة بأوامره ورسله أَلا انهم لم يعلموا ولم يتفطنوا ان الله المطلع بجميع ما جرى ويجرى في ملكه وملكوته يعلم منهم عموم ما جرى عليهم ولاح منهم حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ ويطلبون التدثر والتغطى بها وقت رقودهم في مضاجعهم بل يَعْلَمُ منهم جميع ما يُسِرُّونَ في ضمائرهم وَما يُعْلِنُونَ بأفواههم ومشاعرهم وكيف لا يعلم سبحانه إِنَّهُ بذاته وبمقتضى أسمائه وصفاته عَلِيمٌ بعلمه الحضوري بِذاتِ الصُّدُورِ وبما هو مكنون فيها من السرائر والضمائر وَكيف يستبعد أمثال هذا من حيطة حضرة علمه المحيط إذ ما مِنْ دَابَّةٍ تتحرك فِي الْأَرْضِ مثلا إِلَّا عَلَى اللَّهِ المتكفل لأرزاق مظاهره ومصنوعاته مطلقا رِزْقُها

стр. 347

اى ما تعيش وتتقوم به وَمع ذلك يَعْلَمُ منشأها ومصدرها في عالم الغيب ويعلم ايضا مُسْتَقَرَّها اى محل قرارها وبقائها في عالم الشهادة ومقدار ثباتها واستقرارها فيها وَيعلم ايضا مُسْتَوْدَعَها ومرجعها في عالم الغيب بعد انقضاء النشأة الاولى وبالجملة كُلٌّ من الأحوال والأطوار والنشأة الطارية عليها بحيث لا يشذ شيء منها مثبت مسطور يعلم تقديره ومحفوظ فِي كِتابٍ مُبِينٍ هو حضرة علمه ولوح قضائه وَكيف تنكرون ايها المنكرون احاطة علمه وتستخفون منه سبحانه شيأ من مخايلكم وانى يعزب ويغيب عن علمه شيء مع انه سبحانه هُوَ الَّذِي خَلَقَ اى أبدع واظهر السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى العلويات والسفليات اللتين هما بمثابة الآباء والأمهات والفواعل والقوابل لنشأتكم وظهوركم فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ لتحيطوا بالجهات كلها وَقد كانَ عَرْشُهُ اى مجلاه ومحل بروزه وتشعشع تجلياته قبل ظهور هذه المظاهر والمجالى الكائنة مستويا عَلَى الْماءِ اى على الحيوة المحضة الحقيقية والقيومية المطلقة والديمومية المستمرة الثابتة ازلا وابدا الخالية عن مطلق التغيرات والانقلابات المتوهمة من نقوش التعينات العدمية والتشخصات الهيولانية المترتبة على آثار الأسماء والصفات الإلهية وانما أظهرها سبحانه على هذا التمثال وابدعها على هذا المنوال لِيَبْلُوَكُمْ ويختبركم ايها العكوس والاظلال أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وقبولا وأتم توجها ورجوعا وأكمل تحققا ووصولا في يوم الجزاء وَبعد ما قد نبههم الحق على ما هو الا حق وأوجدهم على فطرة الفطنة والذكاء بمبدئهم ومنشأهم الأصلي لَئِنْ قُلْتَ يا أكمل الرسل تذكيرا لهم وإصلاحا لأحوالهم إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ للحساب والجزاء وتنقيد الأعمال فعليكم اليوم ان تتهيؤا لها وتدخروا لأجلها حتى لا تؤاخذوا ولا تعاقبوا لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا منهم من فرط غفلتهم وقسوتهم بعد ما سمعوا منك قولك هذا إِنْ هذا وما الذي تقول وتفوه هذا الرجل ان وقع وتحقق إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ظاهر سحريته عظيم امره لو وقع إذ احياء الموتى من العظام الرفات لا يتصور الا بالسحر الخارق للعادات فان وقع فهو في غاية الندارة ونهاية الغرابة وَبعد ما استوجبوا لا سوء العذاب واستحقوا باشد العقاب بكفرهم هذا وانكارهم يوم الجزاء لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ المعد لهم اى إتيانه لحكمة ومصلحة قد استأثرنا بها إِلى أُمَّةٍ اى الى ازمنة وساعات من الأوقات والأحيان مَعْدُودَةٍ قلائل لَيَقُولُنَّ مستهزئين مستسخرين من غاية جهلهم وجحودهم ما يَحْبِسُهُ واى شيء يعوقه ويمنعه عن إتيان ما يدعيه من العذاب ووقوع ما يعد به من الأخذ والبطش أَلا تنبهوا ايها المؤمنون وتذكروا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ العذاب الموعود عليهم لا يخفف عنهم مطلقا بل لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ساقطا عن ذمتهم أصلا بل حل عليهم حتما وَحاقَ وأحاط بِهِمْ جزاء ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من العذاب الموعود وقت ما انذرهم الرسول. ثم قال سبحانه وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ اى من غاية لطفنا وجودنا الى الإنسان المجبول على الكفران والنسيان ونهاية إحساننا معه وتفقدنا لحاله لئن أعطيناه وفضلنا عليه مِنَّا رَحْمَةً ونعمة تسره وتفرج همه ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ ومنعناها عنه لحكمة اظهار قدرتنا الغالبة وبسطتنا الكاملة إِنَّهُ من قلة تصبره وغاية ضعفه وتكسره لَيَؤُسٌ قنوط من فضلنا ورحمتنا كَفُورٌ لما وصل اليه من نعمتنا وَلَئِنْ أَذَقْناهُ وأنعمنا عليه نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ أعجزته وأزعجته لَيَقُولَنَّ مفتخرا مباهيا بطرا قد ذَهَبَ السَّيِّئاتُ المؤلمة المحزنة عَنِّي إِنَّهُ من غاية غفلته عن المنعم

стр. 348

لَفَرِحٌ فَخُورٌ بطر فرحان مغرور مفتخر بما في يده من النعم مشغول بها عن المنعم وعن شكرها وأداء حقها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على ما أصابهم من السيئات المملة المؤلمة واسترجعوا الى الله لكشفها وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وواظبوا على الخيرات والحسنات وداوموا على الإيثار والصدقات شكرا لما أنعمنا عليهم أُولئِكَ السعداء الصابرون على البلاء الشاكرون على الآلاء والنعماء لَهُمْ مَغْفِرَةٌ اى ستر ومحو لذنوبهم التي قد مضت عليهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ منا إياهم الا وهو الرضاء منهم تفضلا عليهم وامتنانا فَلَعَلَّكَ يا أكمل الرسل من غاية ودادك ايمانهم ونهاية محبتك بمتابعتهم لك تارِكٌ أنت بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ من لدنا مشتملا على توبيخهم وتقريعهم وزجرهم وتشنيعهم كراهة ان يركنوا عنك وينصرفوا عن متابعتك وَضائِقٌ بِهِ اى بسبب ما يوحى إليك صَدْرُكَ مخافة أَنْ يَقُولُوا لو أظهرت عليهم بما اوحيت به لَوْلا وهلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ بدل هذه التوبيخات والوعيدات من عند ربه ليتابع الناس له أَوْ هلا جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ مصدق لنبوته ورسالته ليطيعوا ويؤمنوا له طوعا بلا كلفة لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبهذياناتهم هذه ولا تخطر ببالك أمثال هذا إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ بلغ عموم ما انزل إليك من الإنذار والتخويف ولا تلتفت الى ردهم وقبولهم وتوكل على ربك وثق به واعتمد عليه فانه يكفى ويكف عنك مؤنة ضررهم وشرورهم وَبالجملة اللَّهُ المراقب عليهم عَلى كُلِّ شَيْءٍ صدر عنهم وَكِيلٌ حفيظ عليهم يعلم منهم ما هو مستوجب للعقوبة والعذاب وما هو موجب للنوال والثواب يجازيهم بمقتضى علمه وخبرته او لم يكف بتصديق نبوتك ورسالتك وصدقك في دعوى الهداية والرشد القرآن المعجز لعموم ارباب اللسن والبيان مع تشددهم في المعارضة والمقابلة أَمْ يَقُولُونَ مكابرة وعنادا افْتَراهُ واختلقه من تلقاء نفسه في نسبته الى الوحى والإلهام تغريرا وترويجا قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما نسبوك الى الافتراء والاختلاق فَأْتُوا ايها المكابرون المعاندون بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ اى مثل اقصر سورة من سور القرآن مُفْتَرَياتٍ مختلقات كما زعمتم مع انكم أنتم أحق باختلاقها لكثرة تمرنكم وتزاولكم في الإنشادات والانشاءات وتتبع كلام البلغاء والتعود بمدارسة القصص والقصائد وان عجزتم أنتم عن اختلاقها بأنفسكم فاستظهروا بإخوانكم ومعاونيكم وَبالجملة ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ واستمدوا منهم واتفقوا معهم في اختلاقها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ظنكم هذا فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ايها المؤمنون ولم يأتوا بما تحديتم إياهم فَاعْلَمُوا ايها المؤمنون واطمئنوا وتيقنوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وبكمال قدرته وارادته لا يمكن لاحد من مظاهره ومصنوعاته ان يأتى بمثله ويعارض معه وكيف يعارض معه سبحانه إذ لا شيء سواه وَأَنْ لا إِلهَ في الوجود إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ منقادون لحكمه مسلمون أموركم كلها اليه مخلصون مطمئنون متمكنون في جادة توحيده بل أنتم بحمد الله ايها الموحدون المحمديون هكذا. ثم قال سبحانه على سبيل العظة والتذكير مَنْ كانَ بارتكاب الأعمال الشاقة واحتمال شدائدها ومتاعبها يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها المزخرفة التي تترتب عليها من الأموال والأولاد نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها لأجلها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ اى لا ينقص شيء من أجور أعمالهم في النشأة الاولى ان كان غرضهم مقصورا عليها محصورا بها واما في النشأة الاخرى أُولئِكَ القاصرون المقصرون هم الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ

стр. 349

اى لم يبق لهم مما يترتب على أعمالهم فيها إِلَّا النَّارُ إذ حسناتهم قد وفيت في النشأة الاولى ولم يبق لهم سوى توفية السيئات وليس توفية السيئات الا بالنار وما يترتب عليها من انواع العذاب والآلام وَبالجملة قد حَبِطَ اى ضاع واضمحل عموم ما صَنَعُوا فِيها اى في النشأة الاولى من الخيرات والمبرات بإرادتهم مزخرفات الدنيا الدنية لأجلها وَبعدم إخلاصهم وانعكاس مرادهم باطِلٌ فاسد ضائع جميع ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الصالحات فيها بل قد صارت أعمالهم الصالحة طالحة من خساسة نيتهم وخباثة طويتهم أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ يعنى أتظنون وتحسبون ان من انكشف له برهان واضح وكشف صريح وشهود محقق من قبل ربه وتحقق بمقام التوحيد واطلع على سرسريان الوحدة الذاتية في جميع الكوائن والفواسد وَمع ذلك يَتْلُوهُ ويطرء عليه ويجرى على لسانه شاهِدٌ ناطق بتصديقه نازل مِنْهُ اى من عند ربه امتنانا له وتفضلا عليه يريد ويقصد من أفعاله واعماله الصادرة عنه ظاهرا مثل ما أراد أولئك المحجوبون المستورون عن الحق واحاطته وشموله واستقلاله في الآثار الظاهرة في الآفاق كلا وحاشا هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وبالجملة ما يتذكر منه الا أولوا الألباب وَكيف ينكرون شهادة القرآن على تصديق خير الأنام إذ قد جاء مِنْ قَبْلِهِ من قبل القرآن كِتابُ مُوسى من قبل ربه مصدقا له في دعواه وقد صار كتابه بكمال اشتماله على الحكم والاحكام إِماماً وقدوة لقاطبة الأنام وَرَحْمَةً شاملة للخواص والعوام ليهديهم الى دار السّلام وبالجملة أُولئِكَ اى عموم اهل التورية وهم الذين يؤمنون بها ويمتثلون بما فيها يُؤْمِنُونَ بِهِ اى بحقية القرآن لكونه مذكورا في كتابهم المنزل عليهم وَبالجملة مَنْ يَكْفُرْ بِهِ اى بالقرآن وينكر بحقيته مِنَ الْأَحْزابِ المتحزبين مع المحرفين للتورية المنحرفين عن جادة العدالة والايمان فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ لا بد وان يرد عليها بمقتضى العدل الإلهي فَلا تَكُ أنت يا أكمل الرسل فِي مِرْيَةٍ شك وارتياب مِنْهُ اى من ورودهم عليها انجازا لوعده سبحانه إِنَّهُ الْحَقُّ الثابت النازل مِنْ رَبِّكَ لا بد ان يتحقق وقوعه حتما وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لانهماكهم في الغفلة وغلظ حجبهم عن الله لا يُؤْمِنُونَ بحقيته سبحانه وحقية وعده وإنجازه الموعود لذلك حرفوا ما جاء من عند الله في كتابه وزادوا عليه ما لم يجيء من لدنه سبحانه ظلما وعدوانا وَمَنْ أَظْلَمُ على الله مِمَّنِ افْتَرى وقد نسب عَلَى اللَّهِ كَذِباً عمدا وحرف كتابه بتنقيص شيء منه او زيادة عليه قصدا أُولئِكَ الأشقياء المحرفون المجترؤون على الله بتبديل آياته يُعْرَضُونَ في يوم العرض الأكبر عَلى رَبِّهِمْ ويسألون عما فعلوا بكتاب الله فينكرون ويستنزهون أنفسهم عنه وَيومئذ يَقُولُ الْأَشْهادُ ويشهد عليهم الشهود العدول من أعضائهم وجوارحهم إلزاما لهم بانه هؤُلاءِ المسرفون المعاندون الَّذِينَ قد كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ وحرفوا كتابه افتراء ومراء ظلما وزورا وبعد إشهاد هؤلاء الاشهاد نودي من وراء سرادقات العز والجلال تفضيحا لهم وتخذيلا على رؤس الملأ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ وطرده وابعاده عن سعة رحمته نازلة عَلَى الظَّالِمِينَ المتجاوزين عن مقتضى حكمه وحكمته عنادا ومكابرة وهم الَّذِينَ يَصُدُّونَ ويصرفون عباد الله عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الذي هو الشرع المتين المبين المنزل من عنده على أنبيائه ورسله بالعدالة والتقويم وَيَبْغُونَها عِوَجاً اى يريدون ان يحدثوا فيها عوجا وانحرافا ليصرفوا عنها ويرتدوا منها أهلها سيما بعد ايمانهم بها وانقيادهم لها

стр. 350

فاستحقوا العذاب والنكال الأخروي وَالحال انه هُمْ بِالْآخِرَةِ المعدة للجزاء والانتقام هُمْ كافِرُونَ منكرون لخبث طينتهم وردائه فطنتهم وفطرتهم أُولئِكَ البعداء المسرفون المفترون على الله المفرطون في تحريف كتابه لَمْ يَكُونُوا من اهل الغلبة والاعجاز حتى صاروا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ كل من يتحدى معهم ويعارضهم وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ حتى ينصروهم ويحفظوهم من عذاب الله إياهم ان تعلق ارادته بتعذيبهم في الدنيا وانما امهلهم وأخر عذابهم الى يوم الجزاء ليقترفوا من موجباته وأسبابه اكثر مما كانوا عليه حتى يدوم وبالهم ونكالهم لأجلها بل يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ أضعافا وآلافا لأنهم بسبب اعراضهم عن الحق ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ إذ في آذانهم واسماعهم وقر وصمم وَما كانُوا يُبْصِرُونَ لتعاميهم عن ابصار آثاره ودلائله وبالجملة أُولئِكَ المعزولون عن استماع كلمة الحق وابصار علاماته هم الَّذِينَ قد خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بالافتراء على الله بما لا يليق بجنابه باشراك مصنوعاته معه في استحقاق العبادة وَمع ذلك قد ضَلَ وغاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الآلهة الباطلة ولم يبق لهم سوى الندامة والخسران لذلك لا جَرَمَ وحق عليهم أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ المقصورون على الخسران والحرمان الأبدي الا ذلك هو الخسران المبين أعاذنا الله منه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله وفوضوا أمورهم كلها اليه سبحانه وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة لهم الى جنابه وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ وتضرعوا له مطمئنين خاشعين أُولئِكَ السعداء المقبولون الصالحون المصلحون الخاشعون المخبتون أَصْحابُ الْجَنَّةِ التي هي دار السعداء هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون مطمئنون متمكنون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وبالجملة مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ اى المؤمن والكافر في السعادة والشقاوة والهداية والضلال كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ كل واحدة مع نقيضها هَلْ يَسْتَوِيانِ كل من النقيضين مَثَلًا ايها العقلاء أَفَلا تَذَكَّرُونَ التفاوت والتفاضل وهل تتنبهون وتتفطنون وَمن عدم تذكر الإنسان ووفور توغله في الغفلة والنسيان لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً الناجي عما سوى الحق المنجى للهالكين في تيه الضلال إِلى قَوْمِهِ حين ظهر عليهم امارات الكفر والعصيان ولاح منهم علامات الظلم والطغيان قائلا لهم على وجه العظة والنصيحة إِنِّي من غاية اشفاقى وعطفي لَكُمْ نَذِيرٌ من قبل الحق أنذركم من حلول عذابه ونزول غضبه وسخطه بسبب ظلمكم وكفركم مُبِينٌ مظهر مبين لكم ما يوجب تعذيبكم من أفعالكم وأعمالكم الدالة على كفركم وشرككم فعليكم ايها المسرفون المفرطون أَنْ لا تَعْبُدُوا ولا تتوجهوا إِلَّا اللَّهَ الواحد الأحد الصمد الذي لا شريك له ولا شيء سواه ولا تشركوا به غيره إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ لو أشركتم بالله وكفرتم به عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ مؤلم مفزع كأن الم العذاب يسرى في زمانه ايضا لفظاعة شأنه وشدة أهواله واحزانه ثم لما سمعوا قوله وفهموا مراده استكبروا عليه واستبعدوا امره فَقالَ الْمَلَأُ اى الأشراف الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مستكبرين عليه مستهزأين له ما نَراكَ يا نوح إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا كيف تدعى الرسالة والنيابة عن الله والوحى من جانبه وَمع ذلك لا شوكة لك ولا استيلاء ولا حول ولا قوة بسبب المال والأعوان والأنصار حتى تدّعى الرسالة علينا بل ما نَراكَ اتَّبَعَكَ منا إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا اى اسافلنا وادانينا عقلا وجاها سعة ومالا بادِيَ الرَّأْيِ اى يلوح رذالتهم للناظرين في بادى النظر بلا احتياج الى تأمل وتعمق

стр. 351

وَبالجملة ما نَرى لَكُمْ ايها السفلة الأراذل تابعا ومتبوعا عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ زيادة في العقل والمال والجاه والثروة والرياسة حتى نتبعكم ونقبل منكم قولكم بَلْ ما نَظُنُّكُمْ ونعتقدكم الا كاذِبِينَ في دعويكم مفترين فيها طالبين الرياسة والثروة بسببها بلا اظهار معجزة وبينة واضحة قالَ نوح متحسرا آيسا منهم قنوطا عن ايمانهم بعد ما سمع منهم ما سمع يا قَوْمِ أضافهم مع غاية يأسه بمقتضى شفقة النبوة أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كُنْتُ قد جئت لكم عَلى بَيِّنَةٍ واضحة دالة على صدقى في دعواي نازلة على مِنْ رَبِّي لتأييدى وتصديقى وَمع ذلك قد آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ سبحانه تفضلا وامتنانا مشعرة بنجابتى وطهارتى وصدقى في قولي وتذكيري فَعُمِّيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْكُمْ الدلائل والشواهد مع وضوحها وسطوعها أَنُلْزِمُكُمُوها بها وَالحال انه أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ تكرهون لها غير ملتفتين إليها ولا متأملين فيها ولا في إشاراتها ورموزاتها وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على تبليغى وإرشادي إياكم وهدايتي لكم مالًا جعلا واجرا بل إِنْ أَجرِيَ وما جعلى إِلَّا عَلَى اللَّهِ الذي قد أمرني به وبعثني لتبليغه وَان أردتم ان اطرد من معى من المؤمنين فاعلموا انى ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا وليس في وسعى وطاقتي ان اطردهم وكيف اطردهم إِنَّهُمْ من كمال سعادتهم وصلاحهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ الذي قد وفقهم على الايمان والهداية فيخاصم سبحانه مع طاردهم البتة وينتقم عنه لأجلهم وَلكِنِّي أَراكُمْ من خباثة بواطنكم وقساوة قلوبكم قَوْماً تَجْهَلُونَ وتنكرون لقاء الله ولا تعتقدون بحوله وقوته واعانته للمظلوم وانتقامه على الظالم الطارد وَيا قَوْمِ المكابرين المعاندين في طلب طرد المؤمنين مَنْ يَنْصُرُنِي ويدفع عنى مَنْ حلول عذاب اللَّهِ وبطشه وانتقامه على إِنْ طَرَدْتُهُمْ ابتغاء مرضاتكم ومواساة لكم بلا وحى وارد من قبل الحق واذن نازل من عنده أَفَلا تَذَكَّرُونَ ايها المجبولون على العقل المفاض المستلزم للتوحيد والعرفان لينكشف عندكم وتعرفوا عاقبة التماسكم طرد المؤمنين وتوفيقكم عليه وَيا قوم لا أَقُولُ لَكُمْ مدعيا بعدم طردهم وابعادهم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ فاغنيهم بها لذلك لم اطردهم وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ اى انا لا ادعى الاطلاع على غيوب أحوالهم في عواقبهم ومآلهم حتى يكون سبب ودادي لهم وَايضا لا أَقُولُ لكم مباهاة ومفاخرة إِنِّي مَلَكٌ حتى تقولوا ما أنت الا بشر مثلنا وَلا أَقُولُ ايضا لِلَّذِينَ اى للمؤمنين الذين تَزْدَرِي وتستحقرهم أَعْيُنُكُمْ يعنى قد استرذلتموهم وتقولون في حقهم ما نريك اتبعك الا الذين هم أراذلنا بادى الرأى لَنْ يُؤْتِيَهُمُ ولن يعطيهم اللَّهُ خَيْراً ابدا لا في الدنيا ولا في الآخرة إذ حالهم ومآلهم وعواقب أمورهم من جملة الغيوب التي قد استأثر الله بها ولم يطلعني عليها بل اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ من الإخلاص والرضاء وبالجملة مالي علم بأحوالهم الا بوحي الله والهامه ولم يوح الى شيء منها وان تفوهت عنهم وعن أحوالهم بلا وحى إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ المجترئين على الله في ادعاء الاطلاع على غيبه رجما به وتخمينا وبعد ما سمعوا من نوح ﵇ ما سمعوا قالُوا من فرط عتوهم وعنادهم يا نُوحُ نادوه استهانة واستحقارا قَدْ جادَلْتَنا وخاصمت معنا بالمقدمات الكاذبة الواهية الوهمية فَأَكْثَرْتَ علينا جِدالَنا وبالغت فيها وتماديت فَأْتِنا ايها المكثر المفرط بِما تَعِدُنا من العذاب فانا لن نؤمن بك ابدا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك وبعد ما سمع

стр. 352

منهم ما سمع قالَ نوح ﵇ متأسفا متحزنا مأيوسا قنوطا من ايمانهم يا قوم لست انابآت بموعدى حتى تعجزونى وتضطرونى وتستهزءوا بي بل إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اى بالعذاب الموعود اللَّهُ المنتقم منكم المقتدر على اخذكم وقهركم إِنْ شاءَ انتقامكم وتعلق ارادته لمقتكم وهلاككم وَبالجملة ما أَنْتُمْ حين حلول غضب الله عليكم بِمُعْجِزِينَ الله في فعله واخذه إذ هو القاهر فوق عباده بل أنتم حينئذ عاجزون مضطرون مقهورون وَبالجملة لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي اليوم حتى يلحقكم ما سيلحقكم من العذاب الموعود إِنْ أَرَدْتُ وأحببت أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ لأحفظكم إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ يعنى لا ينفعكم نصيحتي ان تعلق مشيئة الحق في حضرة علمه وسابق قضائه باغوائكم واضلالكم إذ هُوَ سبحانه رَبُّكُمْ ومتولى أموركم وَإِلَيْهِ لا الى غيره من وسائل العكوس والاظلال تُرْجَعُونَ في عموم أموركم وحالاتكم أتريد يا نوح نصحهم وإشفاقهم وهم لا يقبلون منك أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بل هم يقولون قد اختلقه من عنده ونسبه الى الوحى ترويجا وتغريرا قُلْ لهم حين قالوا لك هذا مجاراة عليهم ومماراة لهم إِنِ افْتَرَيْتُهُ واختلقت ما جئت به فَعَلَيَّ إِجْرامِي اى وبال امرى ونكاله عائد على وجزاؤه آئل الى وَالحال أَنَا بَرِيءٌ في نفسي مِمَّا تُجْرِمُونَ وتنسبون أنتم الىّ من الجرائم وَبعد ما بالغوا في العتو والعناد والإصرار على ما هم عليه من الجور والفساد وحان حين أخذهم وانتقامهم أُوحِيَ والهم إِلى نُوحٍ حين ظهر عليهم امارات الإنكار ولاح منهم علامات الاستخفاف والاستكبار أَنَّهُ اى الشان لَنْ يُؤْمِنَ لك ابدا بعد هذا احد مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ لك قبل هذا فاقنط عن ايمانهم ولا تجتهد في هدايتهم وإرشادهم فَلا تَبْتَئِسْ ولا تحزن ولا تغتم من إهلاكنا إياهم وإنزال العذاب عليهم واعلم جزما انهم مهلكون بِما كانُوا يَفْعَلُونَ من الاعراض والإنكار والعتو والاستكبار وَبعد ما حصل لك اليأس والقنوط عن ايمانهم اصْنَعِ الْفُلْكَ والسفينة لحفظك وحفظ من آمن معك من الغرق بِأَعْيُنِنا اى بكنفنا وجوارنا وحفظنا وحصارنا وَوَحْيِنا لك كيف تصنعها وتشيدها وَبعد ما صنعت لا تُخاطِبْنِي ولا تناج يا نوح معى فِي إنجاء القوم الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالمكابرة والعناد ونبذوا وراء ظهورهم ما جئت به من لدنا من الهداية والرشد إِنَّهُمْ بسبب انهماكهم في الغفلة والغرور مُغْرَقُونَ مهلكون حتما جزما لا نجاة لهم أصلا وَبعد ما أوحاه الحق وامره شرع يَصْنَعُ الْفُلْكَ بتعليم جبرائيل ﵇ إياه باذن الله وَقد كان حينئذ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ وطائفة مِنْ قَوْمِهِ حين اشتغاله بصنع الفلك قد سَخِرُوا مِنْهُ واستهزؤا معه لكونه في بادية لا ماء فيها وقالوا له على سبيل التهكم قد صرت نجارا بعد ما كنت نبيا مختارا قالَ لهم نوح المنكشف بما امره الحق له إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا الآن لجهلكم بسر صنيعنا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ ايضا حين كنا على الفلك وأنتم غرقى كَما تَسْخَرُونَ اليوم منا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وتدركون وبال ما أنتم عليه من الاستهزاء والسخرية الزموا مكانكم لتعلموا مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويرديه منا ومنكم وَمن يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ دائم مستمر وبالجملة هم قد صاروا مصرين على إصرارهم حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وحان حلول أجلنا الذي قد أجلنا وقدرنا لمقتهم وهلاكهم في حضرة علمنا ولوح قضائنا وَفارَ اى نبع وعلا حينئذ التَّنُّورُ المعهود في حضرة علمنا ولوح قضائنا نبع

стр. 353

ماء الطوفان منه وبعد فوران التنور المعهود وغليانه واطلعت عليه امرأته فأخبرته قُلْنَا له تفضلا عليه وامتنانا احْمِلْ فِيها اى في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ من الحيوانات التي تعيش في البر وفي الهواء اثْنَيْنِ ذكرا وأنثى وَاحمل ايضا عليها أَهْلَكَ اى جميع اهل بيتك إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ والحكم منا في سابق قضائنا بانه قد كان من الكافرين المغرقين وَاحمل ايضا فيها جميع مَنْ آمَنَ لك من قومك وَالحال انه ما آمَنَ مَعَهُ من قومه إِلَّا قَلِيلٌ قيل كانوا تسعة وسبعين زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونسائهم واثنان وسبعون رجلا من غيرهم والكل مع نوح ﵇. روى انه ﵇ قد أتم السفينة وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين وسمكها ثلثين وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في أسفلها الدواب والوحوش وفي أوسطها الانس وفي أعلاها الطير وَبعد ما نبع التنور وانتشر الماء وانبسط على الأرض قالَ نوح بوحي الله إياه والهامه ارْكَبُوا فِيها اى صيروا في جوفها متمكنين واستقروا عليها قائلين متيمنين بِسْمِ اللَّهِ إذ هو سبحانه بحوله وقوته مَجْراها وَمُرْساها حيث أراد إجرائها وارساءها اى إقامتها إِنَّ رَبِّي الذي رباني بلطفه واوحانى بصنعها ونحتها لَغَفُورٌ لمن استغفر له رَحِيمٌ يقبل توبته ويمحو ذلته وينجى عن عذابه فركبوا مسميين متيمنين على الوجه المأمور وَهِيَ اى السفينة تَجْرِي بِهِمْ فِي خلال مَوْجٍ وهو ما ارتفع من الماء من تهييج الرياح عال كَالْجِبالِ الشامخ وَحينئذ نادى نُوحٌ ابْنَهُ المسمى بكنعان وَكانَ فِي مَعْزِلٍ قد اعتزل عنه وانصرف عن دينه فرآه بين الماء فتحرك عطف الأبوة فصاح عليه يا بُنَيَّ صغره واضافه لشدة شفقته وترحمه ارْكَبْ مَعَنا لتنجو من الغرق وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ المغرقين وبعد ما سمع ابنه صيحة أبيه قالَ مستنكرا عليه سَآوِي والتجئ إِلى جَبَلٍ عال يَعْصِمُنِي مِنَ إغراق الْماءِ بشموخه وارتفاعه قالَ يا بنى لا عاصِمَ ولا منجى الْيَوْمَ لاحد مِنْ أَمْرِ اللَّهِ المبرم وحكمه المحكم إِلَّا مَنْ رَحِمَ الحق إياه وأنجاه إذ لا منجى ولا عاصم في الوجود غيره وَحينئذ قد حالَ بَيْنَهُمَا اى بين نوح وابنه كنعان الْمَوْجُ العظيم الهائل فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ وصار ابنه من زمرة الغرقى الهالكين وَبعد ما انبسط الماء على وجه الأرض وعلا على اعالى الجبال وإقلال الرواسي وهلك من عليها قِيلَ من وراء سرادقات العز والجلال مناديا آمرا على الأرض والسماء مثل نداء ذوى العقول المكلفين المبادرين الى امتثال الأوامر المأمورة لهم يا أَرْضُ النابعة للماء المخرجة له ابْلَعِي ماءَكِ اى انشفى واقبضى ما نبع عنك من الماء وَيا سَماءُ الماطرة الهامرة أَقْلِعِي وأمسكي ماءك ولا تمطرى ٢ إذ يمطر الماء مثل ما نبع من الأرض وَبعد ورود الأمر الوجوبي الإلهي غِيضَ الْماءُ ونقص من نشف الأرض وأقلعت السماء وَقُضِيَ الْأَمْرُ الموعود الذي هو إهلاك الكفار وإنجاء المؤمنين وَبعد انقضاء المأمور المعهود وانجاز الوعد الموعود قد اسْتَوَتْ السفينة واستقرت عَلَى الْجُودِيِّ هو جبل بالموصل وقيل بآمد. روى انه ﵇ قد ركب على السفينة عاشر رجب ونزل عنها عاشر المحرم فصام ذلك اليوم فصار صومه سنة سنية منه على من بعده وهو صوم يوم عاشوراء وَبعد إهلاك أولئك الكفرة العصاة الغواة قِيلَ من قبل الحق بُعْداً اى قد بعد بعدا وطرد طردا مقتا وهلاكا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الخارجين

стр. 354

عن مقتضى الوحى الإلهي المكذبين لرسله ابعادا لهم عن ساحة عز الحضور بحيث لا يرجى قربهم وقبولهم أصلا وَبعد ما وقع ما وقع نادى وناجى نُوحٌ رَبَّهُ باثّا له الشكوى في حق ابنه كنعان فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي ايضا مِنْ أَهْلِي وأنت بفضلك وجودك قد وعدتني بنجاة أهلي وَإِنَّ وَعْدَكَ الذي وعدتني به الْحَقُّ الصدق والصريح الذي لا خلف فيه وَبالجملة أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ واقسطهم وأعدلهم بل احكام جميع الحكام راجع الى حكمك يا رب قالَ سبحانه مجيبا له مزيلا لشكويه يا نُوحُ إِنَّهُ اى ابنك بسبب اعتزاله عنك وعن دينك لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إذ لا قرابة ولا الفة بين المؤمن والكافر وكيف يكون من أهلك إِنَّهُ من غاية فسقه وفساده كأنه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ يعنى هو مسمى به لكونه مغمورا فيه مجسما منه بحيث لا يرجى صلاحه وإصلاحه مطلقا فَلا تَسْئَلْنِ متعرضا معترضا على ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بوروده على إِنِّي أَعِظُكَ واذكر لك قبيل هذا مخافة أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ اى كذلك منهم بذهولك وغفلتك عما نبهت عليك بالاستثناء السابق يعنى قوله الا من سبق عليه القول وبعد ما سمع نوح من ربه ما سمع قالَ معتذرا الى ربه مستحييا رَبِّ إِنِّي بعد ظهور خطائى وزلتى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ بعد هذا ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا اى وان لم تَغْفِرْ لِي زلتى وسوء ادبى وَلم تَرْحَمْنِي بفضلك وجودك أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ خسرانا مبينا قِيلَ من قبل الله بعد ما غاض الماء واستوت وانكشفت الأرض ويبست يا نُوحُ اهْبِطْ وانزل أنت من السفينة ومن معك مقرونا بِسَلامٍ وسلامة ونجاة وأمن ناش مِنَّا عليك تفضلا وامتنانا وَبَرَكاتٍ وخيرات كثيرة نازلة من لدنا عَلَيْكَ اصالة وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ تبعك تبعا سماهم امما باعتبار العاقبة والمآل وَمن ذرية من معك أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ونربيهم في النشأة الاولى بأنواع النعم ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا في النشأة الاخرى بسبب كفرهم وفسقهم عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم بدل ما تلذذوا بنعم الدنيا وكفروا بها تِلْكَ اى قصة نبينا نوح ﵇ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ اى من بعض اخباره نُوحِيها إِلَيْكَ يا أكمل الرسل تعليما لك وتذكيرا لأمتك إذ ما كُنْتَ تَعْلَمُها لا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ لا بالدراسة ولا بالتعليم مِنْ قَبْلِ هذا الوحى والإنزال وان طعن المشركون لك ونسبوك الى الكذب والافتراء فَاصْبِرْ على اذياتهم وكن في تبليغك وارشادك على عزيمة خالصة صحيحة إِنَّ الْعاقِبَةَ الحميدة والأجر الجزيل في النشأة الاخرى لِلْمُتَّقِينَ الذين يحفظون نفوسهم عن الميل الى البدع والأهواء ويصبرون على عموم المكاره والأذى حتى يتحققوا بمقام الرضاء ويفوزوا بشرف اللقاء وَبعد ما تناسل قوم نوح وتكاثرت امم منهم فاستكبروا عن طريق التوحيد واتخذوا الأوثان والأصنام آلهة قد أرسلنا إِلى قوم عادٍ العادين عن طريق الحق المتجاوزين عن صراط التوحيد ظلما وعدوانا أَخاهُمْ هُوداً ليهديهم الى طريق الحق والصراط المستقيم قالَ بعد ما أوحينا اليه وإذنا له بتذكير قومه يا قَوْمِ أضافهم الى نفسه تحننا وإشفاقا على ما هو مقتضى الإرشاد اعْبُدُوا اللَّهَ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا اله الا هو واعتقدوا انه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ يعبد بالحق ويرجع اليه في الخطوب غَيْرُهُ إذ لا موجود سواه ولا اله الا هو إِنْ أَنْتُمْ اى ما أنتم بعد ما ظهر الحق باتخاذ الأوثان والأصنام آلهة غيره إِلَّا مُفْتَرُونَ مبطلون في اتخاذها افتراء ومراء يا قَوْمِ اسمعوا قولي واتعظوا به

стр. 355

وامضوا بمقتضاه واقبلوا نصحى إذ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ولا اطلب منكم عوضا بل انا مأمور بالتبليغ والتذكير من عند العليم الخبير إِنْ أَجْرِيَ وما جعلى إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي وجبلنى على جبلة الهداية والإرشاد أَتشكون في امرى وتترددون في شأنى وتذكيري ونصحى فَلا تَعْقِلُونَ ولا تستعملون عقولكم في أفعالكم القبيحة وأعمالكم الفاسدة الناكبة عن طريق العدالة التي هي صراط الله الأعدل الا قوم وَبعد ما ازدادوا الإصرار والاستكبار وأخذهم الله أولا بعقم الأرحام والأمطار فاضطروا قال هود ﵇ يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من فرطاتكم وهفواتكم واطلبوا المغفرة والنجاة منه سبحانه ثُمَّ تُوبُوا واسترجعوا إِلَيْهِ نادمين مخلصين يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ بأمر الله وبمقتضى ارادته مِدْراراً مغزارا وامطارا كثيرة على سبيل التتابع والإدرار تفضلا عليكم وامتنانا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ اى يضاعف أولادكم التي هي قوة ظهوركم وَعليكم ان لا تَتَوَلَّوْا ولا تتعرضوا على الله حال كونكم مُجْرِمِينَ معرضين عنه وعن رسله مصرين على ما أنتم عليه قالُوا بعد ما سمعوا منه ما سمعوا يا هُودُ نادوه باسمه استحقارا له واستكبارا عليه ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ واضحة مثبتة لدعواك حتى نقبل منك قولك وبعد ما لم تجئ إلينا بالبينة الملجئة ما كنا نعتقدك صدوقا صادقا ثقة معتمدا حتى نقبل منك قولك بلا بينة اترك ما أنت عليه من الدعوى الكاذبة وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا التي قد وجدنا آباءنا وأسلافنا لها عاكفين عَنْ قَوْلِكَ وعن مجرد دعواك بلا بينة ودليل وَبالجملة ما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ مصدقين بلا شاهد وبينة بل إِنْ نَقُولُ وما نتفوه في شأنك إِلَّا اعْتَراكَ اى سوى هذا القول وهوانك قد أصابك ورماك بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ من جنون وخفة عقل وخبط واختلال حال وقد كنت أنت تسئ الأدب معهم وتذكرهم وتهجوهم بما لا يليق بشأنهم لذلك اصابوك واستخفوا عقلك وبعد ما سمع منهم هود ما سمع ايس من ايمانهم وهدايتهم حيث قالَ أولا مبرئا نفسه من الشرك امحاضا للنصح إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ العالم بسرى واعلانى وخفيات أسراري وَاشْهَدُوا أنتم ايضا ايها الهالكون في تيه الغفلة والغرور على أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ أنتم الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس له شريك في الوجود أصلا سيما من العكوس والاظلال الهالكة المستهلكة في أنفسها والتماثيل الباطلة العاطلة المتخذة مِنْ دُونِهِ آلهة سواه سبحانه فَكِيدُونِي اى فعليكم ايها الحمقى المنحطون عن زمرة العقلاء بعد ما سمعتم قولي وحققتم برائتى ان تمكرونى وتصيبونى أنتم وشركاؤكم جَمِيعاً ثُمَّ بعد اليوم لا تُنْظِرُونِ اى لا تمهلوني في امرى ولا تضعفوا ولا تفتروا في مكري إِنِّي قد تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ لا أبالي بكم وشركائكم ولا اتحزن لمكركم ومكرهم بعد ما أتمكن بمقر التوحيد إذ ما مِنْ دَابَّةٍ تتحرك على الأرض إِلَّا هُوَ سبحانه بذاته وبيد قدرته آخِذٌ بِناصِيَتِها اى بوجوهها التي تلى الحق يقودها نحوه ويتصرف فيها كيف يشاء حسب ارادته اختيارا وبالجملة إِنَّ رَبِّي في جميع شئونه وتطوراته عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا اعوجاج له أصلا فَإِنْ تَوَلَّوْا اى ان تتولوا وتعرضوا أنتم عما جئت به من ربي فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ واجتهدت في تبليغه وبذلت وسعى فيه فاعلموا انه لا أبالي انا ولا يبالى الله ايضا بإعراضكم وإصراركم بل ان شاء يستأصلكم وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ليتعظوا بكم ويعتبروا منكم ومما جرى عليكم وَأنتم بإعراضكم وانصرافكم عنه سبحانه لا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً من الإضرار لا بالله ولأبي بل
следующие страницы →