← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَبالجملة ما نَرى لَكُمْ ايها السفلة الأراذل تابعا ومتبوعا عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ زيادة في العقل والمال والجاه والثروة والرياسة حتى نتبعكم ونقبل منكم قولكم بَلْ ما نَظُنُّكُمْ ونعتقدكم الا كاذِبِينَ في دعويكم مفترين فيها طالبين الرياسة والثروة بسببها بلا اظهار معجزة وبينة واضحة قالَ نوح متحسرا آيسا منهم قنوطا عن ايمانهم بعد ما سمع منهم ما سمع يا قَوْمِ أضافهم مع غاية يأسه بمقتضى شفقة النبوة أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كُنْتُ قد جئت لكم عَلى بَيِّنَةٍ واضحة دالة على صدقى في دعواي نازلة على مِنْ رَبِّي لتأييدى وتصديقى وَمع ذلك قد آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ سبحانه تفضلا وامتنانا مشعرة بنجابتى وطهارتى وصدقى في قولي وتذكيري فَعُمِّيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْكُمْ الدلائل والشواهد مع وضوحها وسطوعها أَنُلْزِمُكُمُوها بها وَالحال انه أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ تكرهون لها غير ملتفتين إليها ولا متأملين فيها ولا في إشاراتها ورموزاتها وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على تبليغى وإرشادي إياكم وهدايتي لكم مالًا جعلا واجرا بل إِنْ أَجرِيَ وما جعلى إِلَّا عَلَى اللَّهِ الذي قد أمرني به وبعثني لتبليغه وَان أردتم ان اطرد من معى من المؤمنين فاعلموا انى ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا وليس في وسعى وطاقتي ان اطردهم وكيف اطردهم إِنَّهُمْ من كمال سعادتهم وصلاحهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ الذي قد وفقهم على الايمان والهداية فيخاصم سبحانه مع طاردهم البتة وينتقم عنه لأجلهم وَلكِنِّي أَراكُمْ من خباثة بواطنكم وقساوة قلوبكم قَوْماً تَجْهَلُونَ وتنكرون لقاء الله ولا تعتقدون بحوله وقوته واعانته للمظلوم وانتقامه على الظالم الطارد وَيا قَوْمِ المكابرين المعاندين في طلب طرد المؤمنين مَنْ يَنْصُرُنِي ويدفع عنى مَنْ حلول عذاب اللَّهِ وبطشه وانتقامه على إِنْ طَرَدْتُهُمْ ابتغاء مرضاتكم ومواساة لكم بلا وحى وارد من قبل الحق واذن نازل من عنده أَفَلا تَذَكَّرُونَ ايها المجبولون على العقل المفاض المستلزم للتوحيد والعرفان لينكشف عندكم وتعرفوا عاقبة التماسكم طرد المؤمنين وتوفيقكم عليه وَيا قوم لا أَقُولُ لَكُمْ مدعيا بعدم طردهم وابعادهم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ فاغنيهم بها لذلك لم اطردهم وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ اى انا لا ادعى الاطلاع على غيوب أحوالهم في عواقبهم ومآلهم حتى يكون سبب ودادي لهم وَايضا لا أَقُولُ لكم مباهاة ومفاخرة إِنِّي مَلَكٌ حتى تقولوا ما أنت الا بشر مثلنا وَلا أَقُولُ ايضا لِلَّذِينَ اى للمؤمنين الذين تَزْدَرِي وتستحقرهم أَعْيُنُكُمْ يعنى قد استرذلتموهم وتقولون في حقهم ما نريك اتبعك الا الذين هم أراذلنا بادى الرأى لَنْ يُؤْتِيَهُمُ ولن يعطيهم اللَّهُ خَيْراً ابدا لا في الدنيا ولا في الآخرة إذ حالهم ومآلهم وعواقب أمورهم من جملة الغيوب التي قد استأثر الله بها ولم يطلعني عليها بل اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ من الإخلاص والرضاء وبالجملة مالي علم بأحوالهم الا بوحي الله والهامه ولم يوح الى شيء منها وان تفوهت عنهم وعن أحوالهم بلا وحى إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ المجترئين على الله في ادعاء الاطلاع على غيبه رجما به وتخمينا وبعد ما سمعوا من نوح ﵇ ما سمعوا قالُوا من فرط عتوهم وعنادهم يا نُوحُ نادوه استهانة واستحقارا قَدْ جادَلْتَنا وخاصمت معنا بالمقدمات الكاذبة الواهية الوهمية فَأَكْثَرْتَ علينا جِدالَنا وبالغت فيها وتماديت فَأْتِنا ايها المكثر المفرط بِما تَعِدُنا من العذاب فانا لن نؤمن بك ابدا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك وبعد ما سمع

стр. 352

منهم ما سمع قالَ نوح ﵇ متأسفا متحزنا مأيوسا قنوطا من ايمانهم يا قوم لست انابآت بموعدى حتى تعجزونى وتضطرونى وتستهزءوا بي بل إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اى بالعذاب الموعود اللَّهُ المنتقم منكم المقتدر على اخذكم وقهركم إِنْ شاءَ انتقامكم وتعلق ارادته لمقتكم وهلاككم وَبالجملة ما أَنْتُمْ حين حلول غضب الله عليكم بِمُعْجِزِينَ الله في فعله واخذه إذ هو القاهر فوق عباده بل أنتم حينئذ عاجزون مضطرون مقهورون وَبالجملة لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي اليوم حتى يلحقكم ما سيلحقكم من العذاب الموعود إِنْ أَرَدْتُ وأحببت أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ لأحفظكم إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ يعنى لا ينفعكم نصيحتي ان تعلق مشيئة الحق في حضرة علمه وسابق قضائه باغوائكم واضلالكم إذ هُوَ سبحانه رَبُّكُمْ ومتولى أموركم وَإِلَيْهِ لا الى غيره من وسائل العكوس والاظلال تُرْجَعُونَ في عموم أموركم وحالاتكم أتريد يا نوح نصحهم وإشفاقهم وهم لا يقبلون منك أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بل هم يقولون قد اختلقه من عنده ونسبه الى الوحى ترويجا وتغريرا قُلْ لهم حين قالوا لك هذا مجاراة عليهم ومماراة لهم إِنِ افْتَرَيْتُهُ واختلقت ما جئت به فَعَلَيَّ إِجْرامِي اى وبال امرى ونكاله عائد على وجزاؤه آئل الى وَالحال أَنَا بَرِيءٌ في نفسي مِمَّا تُجْرِمُونَ وتنسبون أنتم الىّ من الجرائم وَبعد ما بالغوا في العتو والعناد والإصرار على ما هم عليه من الجور والفساد وحان حين أخذهم وانتقامهم أُوحِيَ والهم إِلى نُوحٍ حين ظهر عليهم امارات الإنكار ولاح منهم علامات الاستخفاف والاستكبار أَنَّهُ اى الشان لَنْ يُؤْمِنَ لك ابدا بعد هذا احد مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ لك قبل هذا فاقنط عن ايمانهم ولا تجتهد في هدايتهم وإرشادهم فَلا تَبْتَئِسْ ولا تحزن ولا تغتم من إهلاكنا إياهم وإنزال العذاب عليهم واعلم جزما انهم مهلكون بِما كانُوا يَفْعَلُونَ من الاعراض والإنكار والعتو والاستكبار وَبعد ما حصل لك اليأس والقنوط عن ايمانهم اصْنَعِ الْفُلْكَ والسفينة لحفظك وحفظ من آمن معك من الغرق بِأَعْيُنِنا اى بكنفنا وجوارنا وحفظنا وحصارنا وَوَحْيِنا لك كيف تصنعها وتشيدها وَبعد ما صنعت لا تُخاطِبْنِي ولا تناج يا نوح معى فِي إنجاء القوم الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالمكابرة والعناد ونبذوا وراء ظهورهم ما جئت به من لدنا من الهداية والرشد إِنَّهُمْ بسبب انهماكهم في الغفلة والغرور مُغْرَقُونَ مهلكون حتما جزما لا نجاة لهم أصلا وَبعد ما أوحاه الحق وامره شرع يَصْنَعُ الْفُلْكَ بتعليم جبرائيل ﵇ إياه باذن الله وَقد كان حينئذ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ وطائفة مِنْ قَوْمِهِ حين اشتغاله بصنع الفلك قد سَخِرُوا مِنْهُ واستهزؤا معه لكونه في بادية لا ماء فيها وقالوا له على سبيل التهكم قد صرت نجارا بعد ما كنت نبيا مختارا قالَ لهم نوح المنكشف بما امره الحق له إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا الآن لجهلكم بسر صنيعنا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ ايضا حين كنا على الفلك وأنتم غرقى كَما تَسْخَرُونَ اليوم منا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وتدركون وبال ما أنتم عليه من الاستهزاء والسخرية الزموا مكانكم لتعلموا مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويرديه منا ومنكم وَمن يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ دائم مستمر وبالجملة هم قد صاروا مصرين على إصرارهم حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وحان حلول أجلنا الذي قد أجلنا وقدرنا لمقتهم وهلاكهم في حضرة علمنا ولوح قضائنا وَفارَ اى نبع وعلا حينئذ التَّنُّورُ المعهود في حضرة علمنا ولوح قضائنا نبع

стр. 353

ماء الطوفان منه وبعد فوران التنور المعهود وغليانه واطلعت عليه امرأته فأخبرته قُلْنَا له تفضلا عليه وامتنانا احْمِلْ فِيها اى في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ من الحيوانات التي تعيش في البر وفي الهواء اثْنَيْنِ ذكرا وأنثى وَاحمل ايضا عليها أَهْلَكَ اى جميع اهل بيتك إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ والحكم منا في سابق قضائنا بانه قد كان من الكافرين المغرقين وَاحمل ايضا فيها جميع مَنْ آمَنَ لك من قومك وَالحال انه ما آمَنَ مَعَهُ من قومه إِلَّا قَلِيلٌ قيل كانوا تسعة وسبعين زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونسائهم واثنان وسبعون رجلا من غيرهم والكل مع نوح ﵇. روى انه ﵇ قد أتم السفينة وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين وسمكها ثلثين وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في أسفلها الدواب والوحوش وفي أوسطها الانس وفي أعلاها الطير وَبعد ما نبع التنور وانتشر الماء وانبسط على الأرض قالَ نوح بوحي الله إياه والهامه ارْكَبُوا فِيها اى صيروا في جوفها متمكنين واستقروا عليها قائلين متيمنين بِسْمِ اللَّهِ إذ هو سبحانه بحوله وقوته مَجْراها وَمُرْساها حيث أراد إجرائها وارساءها اى إقامتها إِنَّ رَبِّي الذي رباني بلطفه واوحانى بصنعها ونحتها لَغَفُورٌ لمن استغفر له رَحِيمٌ يقبل توبته ويمحو ذلته وينجى عن عذابه فركبوا مسميين متيمنين على الوجه المأمور وَهِيَ اى السفينة تَجْرِي بِهِمْ فِي خلال مَوْجٍ وهو ما ارتفع من الماء من تهييج الرياح عال كَالْجِبالِ الشامخ وَحينئذ نادى نُوحٌ ابْنَهُ المسمى بكنعان وَكانَ فِي مَعْزِلٍ قد اعتزل عنه وانصرف عن دينه فرآه بين الماء فتحرك عطف الأبوة فصاح عليه يا بُنَيَّ صغره واضافه لشدة شفقته وترحمه ارْكَبْ مَعَنا لتنجو من الغرق وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ المغرقين وبعد ما سمع ابنه صيحة أبيه قالَ مستنكرا عليه سَآوِي والتجئ إِلى جَبَلٍ عال يَعْصِمُنِي مِنَ إغراق الْماءِ بشموخه وارتفاعه قالَ يا بنى لا عاصِمَ ولا منجى الْيَوْمَ لاحد مِنْ أَمْرِ اللَّهِ المبرم وحكمه المحكم إِلَّا مَنْ رَحِمَ الحق إياه وأنجاه إذ لا منجى ولا عاصم في الوجود غيره وَحينئذ قد حالَ بَيْنَهُمَا اى بين نوح وابنه كنعان الْمَوْجُ العظيم الهائل فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ وصار ابنه من زمرة الغرقى الهالكين وَبعد ما انبسط الماء على وجه الأرض وعلا على اعالى الجبال وإقلال الرواسي وهلك من عليها قِيلَ من وراء سرادقات العز والجلال مناديا آمرا على الأرض والسماء مثل نداء ذوى العقول المكلفين المبادرين الى امتثال الأوامر المأمورة لهم يا أَرْضُ النابعة للماء المخرجة له ابْلَعِي ماءَكِ اى انشفى واقبضى ما نبع عنك من الماء وَيا سَماءُ الماطرة الهامرة أَقْلِعِي وأمسكي ماءك ولا تمطرى ٢ إذ يمطر الماء مثل ما نبع من الأرض وَبعد ورود الأمر الوجوبي الإلهي غِيضَ الْماءُ ونقص من نشف الأرض وأقلعت السماء وَقُضِيَ الْأَمْرُ الموعود الذي هو إهلاك الكفار وإنجاء المؤمنين وَبعد انقضاء المأمور المعهود وانجاز الوعد الموعود قد اسْتَوَتْ السفينة واستقرت عَلَى الْجُودِيِّ هو جبل بالموصل وقيل بآمد. روى انه ﵇ قد ركب على السفينة عاشر رجب ونزل عنها عاشر المحرم فصام ذلك اليوم فصار صومه سنة سنية منه على من بعده وهو صوم يوم عاشوراء وَبعد إهلاك أولئك الكفرة العصاة الغواة قِيلَ من قبل الحق بُعْداً اى قد بعد بعدا وطرد طردا مقتا وهلاكا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الخارجين

стр. 354

عن مقتضى الوحى الإلهي المكذبين لرسله ابعادا لهم عن ساحة عز الحضور بحيث لا يرجى قربهم وقبولهم أصلا وَبعد ما وقع ما وقع نادى وناجى نُوحٌ رَبَّهُ باثّا له الشكوى في حق ابنه كنعان فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي ايضا مِنْ أَهْلِي وأنت بفضلك وجودك قد وعدتني بنجاة أهلي وَإِنَّ وَعْدَكَ الذي وعدتني به الْحَقُّ الصدق والصريح الذي لا خلف فيه وَبالجملة أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ واقسطهم وأعدلهم بل احكام جميع الحكام راجع الى حكمك يا رب قالَ سبحانه مجيبا له مزيلا لشكويه يا نُوحُ إِنَّهُ اى ابنك بسبب اعتزاله عنك وعن دينك لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إذ لا قرابة ولا الفة بين المؤمن والكافر وكيف يكون من أهلك إِنَّهُ من غاية فسقه وفساده كأنه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ يعنى هو مسمى به لكونه مغمورا فيه مجسما منه بحيث لا يرجى صلاحه وإصلاحه مطلقا فَلا تَسْئَلْنِ متعرضا معترضا على ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بوروده على إِنِّي أَعِظُكَ واذكر لك قبيل هذا مخافة أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ اى كذلك منهم بذهولك وغفلتك عما نبهت عليك بالاستثناء السابق يعنى قوله الا من سبق عليه القول وبعد ما سمع نوح من ربه ما سمع قالَ معتذرا الى ربه مستحييا رَبِّ إِنِّي بعد ظهور خطائى وزلتى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ بعد هذا ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا اى وان لم تَغْفِرْ لِي زلتى وسوء ادبى وَلم تَرْحَمْنِي بفضلك وجودك أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ خسرانا مبينا قِيلَ من قبل الله بعد ما غاض الماء واستوت وانكشفت الأرض ويبست يا نُوحُ اهْبِطْ وانزل أنت من السفينة ومن معك مقرونا بِسَلامٍ وسلامة ونجاة وأمن ناش مِنَّا عليك تفضلا وامتنانا وَبَرَكاتٍ وخيرات كثيرة نازلة من لدنا عَلَيْكَ اصالة وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ تبعك تبعا سماهم امما باعتبار العاقبة والمآل وَمن ذرية من معك أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ونربيهم في النشأة الاولى بأنواع النعم ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا في النشأة الاخرى بسبب كفرهم وفسقهم عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم بدل ما تلذذوا بنعم الدنيا وكفروا بها تِلْكَ اى قصة نبينا نوح ﵇ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ اى من بعض اخباره نُوحِيها إِلَيْكَ يا أكمل الرسل تعليما لك وتذكيرا لأمتك إذ ما كُنْتَ تَعْلَمُها لا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ لا بالدراسة ولا بالتعليم مِنْ قَبْلِ هذا الوحى والإنزال وان طعن المشركون لك ونسبوك الى الكذب والافتراء فَاصْبِرْ على اذياتهم وكن في تبليغك وارشادك على عزيمة خالصة صحيحة إِنَّ الْعاقِبَةَ الحميدة والأجر الجزيل في النشأة الاخرى لِلْمُتَّقِينَ الذين يحفظون نفوسهم عن الميل الى البدع والأهواء ويصبرون على عموم المكاره والأذى حتى يتحققوا بمقام الرضاء ويفوزوا بشرف اللقاء وَبعد ما تناسل قوم نوح وتكاثرت امم منهم فاستكبروا عن طريق التوحيد واتخذوا الأوثان والأصنام آلهة قد أرسلنا إِلى قوم عادٍ العادين عن طريق الحق المتجاوزين عن صراط التوحيد ظلما وعدوانا أَخاهُمْ هُوداً ليهديهم الى طريق الحق والصراط المستقيم قالَ بعد ما أوحينا اليه وإذنا له بتذكير قومه يا قَوْمِ أضافهم الى نفسه تحننا وإشفاقا على ما هو مقتضى الإرشاد اعْبُدُوا اللَّهَ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا اله الا هو واعتقدوا انه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ يعبد بالحق ويرجع اليه في الخطوب غَيْرُهُ إذ لا موجود سواه ولا اله الا هو إِنْ أَنْتُمْ اى ما أنتم بعد ما ظهر الحق باتخاذ الأوثان والأصنام آلهة غيره إِلَّا مُفْتَرُونَ مبطلون في اتخاذها افتراء ومراء يا قَوْمِ اسمعوا قولي واتعظوا به

стр. 355

وامضوا بمقتضاه واقبلوا نصحى إذ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ولا اطلب منكم عوضا بل انا مأمور بالتبليغ والتذكير من عند العليم الخبير إِنْ أَجْرِيَ وما جعلى إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي وجبلنى على جبلة الهداية والإرشاد أَتشكون في امرى وتترددون في شأنى وتذكيري ونصحى فَلا تَعْقِلُونَ ولا تستعملون عقولكم في أفعالكم القبيحة وأعمالكم الفاسدة الناكبة عن طريق العدالة التي هي صراط الله الأعدل الا قوم وَبعد ما ازدادوا الإصرار والاستكبار وأخذهم الله أولا بعقم الأرحام والأمطار فاضطروا قال هود ﵇ يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من فرطاتكم وهفواتكم واطلبوا المغفرة والنجاة منه سبحانه ثُمَّ تُوبُوا واسترجعوا إِلَيْهِ نادمين مخلصين يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ بأمر الله وبمقتضى ارادته مِدْراراً مغزارا وامطارا كثيرة على سبيل التتابع والإدرار تفضلا عليكم وامتنانا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ اى يضاعف أولادكم التي هي قوة ظهوركم وَعليكم ان لا تَتَوَلَّوْا ولا تتعرضوا على الله حال كونكم مُجْرِمِينَ معرضين عنه وعن رسله مصرين على ما أنتم عليه قالُوا بعد ما سمعوا منه ما سمعوا يا هُودُ نادوه باسمه استحقارا له واستكبارا عليه ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ واضحة مثبتة لدعواك حتى نقبل منك قولك وبعد ما لم تجئ إلينا بالبينة الملجئة ما كنا نعتقدك صدوقا صادقا ثقة معتمدا حتى نقبل منك قولك بلا بينة اترك ما أنت عليه من الدعوى الكاذبة وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا التي قد وجدنا آباءنا وأسلافنا لها عاكفين عَنْ قَوْلِكَ وعن مجرد دعواك بلا بينة ودليل وَبالجملة ما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ مصدقين بلا شاهد وبينة بل إِنْ نَقُولُ وما نتفوه في شأنك إِلَّا اعْتَراكَ اى سوى هذا القول وهوانك قد أصابك ورماك بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ من جنون وخفة عقل وخبط واختلال حال وقد كنت أنت تسئ الأدب معهم وتذكرهم وتهجوهم بما لا يليق بشأنهم لذلك اصابوك واستخفوا عقلك وبعد ما سمع منهم هود ما سمع ايس من ايمانهم وهدايتهم حيث قالَ أولا مبرئا نفسه من الشرك امحاضا للنصح إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ العالم بسرى واعلانى وخفيات أسراري وَاشْهَدُوا أنتم ايضا ايها الهالكون في تيه الغفلة والغرور على أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ أنتم الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس له شريك في الوجود أصلا سيما من العكوس والاظلال الهالكة المستهلكة في أنفسها والتماثيل الباطلة العاطلة المتخذة مِنْ دُونِهِ آلهة سواه سبحانه فَكِيدُونِي اى فعليكم ايها الحمقى المنحطون عن زمرة العقلاء بعد ما سمعتم قولي وحققتم برائتى ان تمكرونى وتصيبونى أنتم وشركاؤكم جَمِيعاً ثُمَّ بعد اليوم لا تُنْظِرُونِ اى لا تمهلوني في امرى ولا تضعفوا ولا تفتروا في مكري إِنِّي قد تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ لا أبالي بكم وشركائكم ولا اتحزن لمكركم ومكرهم بعد ما أتمكن بمقر التوحيد إذ ما مِنْ دَابَّةٍ تتحرك على الأرض إِلَّا هُوَ سبحانه بذاته وبيد قدرته آخِذٌ بِناصِيَتِها اى بوجوهها التي تلى الحق يقودها نحوه ويتصرف فيها كيف يشاء حسب ارادته اختيارا وبالجملة إِنَّ رَبِّي في جميع شئونه وتطوراته عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا اعوجاج له أصلا فَإِنْ تَوَلَّوْا اى ان تتولوا وتعرضوا أنتم عما جئت به من ربي فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ واجتهدت في تبليغه وبذلت وسعى فيه فاعلموا انه لا أبالي انا ولا يبالى الله ايضا بإعراضكم وإصراركم بل ان شاء يستأصلكم وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ليتعظوا بكم ويعتبروا منكم ومما جرى عليكم وَأنتم بإعراضكم وانصرافكم عنه سبحانه لا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً من الإضرار لا بالله ولأبي بل

стр. 356

إِنَّ رَبِّي من كمال جوده وسعة رحمته عَلى كُلِّ شَيْءٍ كائن في حيطة جوده ووجوده حَفِيظٌ رقيب وَلَمَّا تمادوا في الغفلة والاعراض وبالغوا في الإصرار والاستكبار قد جاءَ أَمْرُنا وجرى حكمنا بالريح فعصفت عليهم السموم وكانت تدخل من أنوفهم أجوافهم فقطعت أمعاءهم فهلكوا ولما أخذناهم بما أخذناهم نَجَّيْنا من مقام جودنا هُوداً الداعي لهم الى سبيل الحق وَايضا قد نجينا الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ ناشئة مِنَّا تفضلا عليهم وامتنانا وَما اقتصرنا على انجاءهم من عذاب الدنيا بل قد نَجَّيْناهُمْ ايضا كرامة منا إياهم مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ معد لأولئك الكفرة في النشئة الاخرى وَتِلْكَ العصاة الغواة المقهورون بقهر الله وغضبه عادٌ المبالغون في العتو والعناد قد جَحَدُوا من غاية غفلتهم وغرورهم بِآياتِ رَبِّهِمْ المنزلة على السنة رسله وَعَصَوْا رُسُلَهُ ايضا بالتكذيب والاستحقار إذ يستلزم تكذيب الواحد تكذيب الجميع وَاتَّبَعُوا من غاية جهلهم ونهاية بغضهم مع الله ورسله أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ مبالغ في التجبر والتكبر عَنِيدٍ متناه في المكابرة والعناد فتركوا متابعة الداعي لهم الى سبيل الرشد وَلذلك أُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ايضا وبالجملة قد صاروا متبوعين لأصحاب الطرد والتخذيل في النشأة الاولى والاخرى أَلا تنبهوا يا اولى الأبصار وذوى الاعتبار إِنَّ عاداً المعاندين المكابرين قد كَفَرُوا رَبَّهُمْ نعمه وجحدوا توحيده أَلا بُعْداً طردا وتخذيلا وتبعيدا عن ساحة عز الحضور لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ اردفه بعطف البيان ليتميز من عاد ارم وَبعد ما انقرضوا وانقهروا بما انقهروا قد أرسلنا إِلى ثَمُودَ حين ظهروا بالكفر والشقاق والانصراف عن منهج الرشد باتخاذ الأوثان والأصنام آلهة أَخاهُمْ صالِحاً لأنه اولى وأليق بإرشادهم وهدايتهم قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر الذي لم يكن له كفوا احد ولا تشركوا به شيأ إذ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ موجد مظهر لكم من كتم العدم غَيْرُهُ بل هُوَ سبحانه بذاته وبمقتضى أسمائه وأوصافه الذاتية والفعلية قد أَنْشَأَكُمْ وأظهركم مِنَ الْأَرْضِ بامتداد اظلال أسمائه ورش رشحات انواره الذاتية التابعة لتجلياته الجلالية والجمالية وبعد ما أظهركم منها وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها وابقاكم عليها زمانا وربيكم بأنواع اللطف والكرم وبالجملة فَاسْتَغْفِرُوهُ واسترجعوا اليه على ما فرطتم في حقه ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ مخلصين نادمين عسى ان يقبل منكم ويعفو عن زلاتكم إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ لكم يعلم منكم توبتكم وإخلاصكم فيها مُجِيبٌ يجيب دعوتكم ويعفو عن زلتكم قالُوا بعد ما سمعوا منه دعوته وتذكيره يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ أنت فِينا مَرْجُوًّا مستشارا مؤتمنا وقد اعتقدناك سيدا سندا ذا رشد وامانة قَبْلَ هذا الزمان فالآن قد صرت أخرق اخرف ذا خلل ظاهر وخبط متناه أَتَنْهانا أنت وتمنعنا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ونهيتنا عن عبادة معبوداتنا ومعبودات آبائنا وأسلافنا القديمة وَالحال انه إِنَّنا لَفِي شَكٍّ وتردد عظيم مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من وحدة الا له المعبود بالحق وكذا من بطلان آلهتنا القديمة التي قد وجدنا آباءنا لها عابدون مُرِيبٍ ذي ريبة منتهية الى كمال الإنكار مع انك ايضا لم تأت ببينة معجزة تلجئنا الى تصديقك قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كُنْتُ قد جئت لكم مقرونا عَلى بَيِّنَةٍ واضحة موضحة دالة على صدق ما ادعيت نازلة مِنْ عند رَبِّي لتصديقي وتأييدى وَ

стр. 357

الحال انه قد آتانِي مِنْهُ رَحْمَةً نبوة ورسالة تامة مؤيدة بأنواع المعجزات فَمَنْ يَنْصُرُنِي يكفيني ويمنعني مِنْ عذاب اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ سيما في تبليغ رسالته واظهار ما أمرني بإظهاره وأوصاني بنشره وبالجملة فَما تَزِيدُونَنِي حين ابتلائى وأخذ الله إياي بعصيانى غَيْرَ تَخْسِيرٍ على تخسير وتخذيل فوق تخذيل وَبعد ما ايس عن ايمانهم قال يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً دالة على صدقى في دعواي وتأييد الله إياي فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ مسلمة بلا منع وإباء وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ لأجل الماء والكلأ فَيَأْخُذَكُمْ ويلحقكم ان أصبتموها بسوء عَذابٌ قَرِيبٌ اجله وحلوله وبعد ما قد ظهرت الناقة من الصخرة الصماء بين أظهرهم وأكلت كلأهم وشربت ماءهم فتضرروا منها وشاوروا في أمرها وتقرر رأيهم الى قتلها فَعَقَرُوها وأهلكوها ظلما وعدوانا بغيا وطغيانا فَقالَ لهم صالح بعد ما وقع الواقعة الهائلة تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ وعيشوا بعد ما خالفتم حكم الله وقد أتيتم بما قد نهيتم عنه ثَلاثَةَ أَيَّامٍ الأربعاء والخميس والجمعة فوادعوا فيها وتوادعوا واعلموا ان ذلِكَ وَعْدٌ قد اوحى الى من ربي ووعد ربي غَيْرُ مَكْذُوبٍ ولا منسوب الى كذب قط بل صادق مصدوق متيقن مجزوم به لا تشكوا فيه فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا بالعذاب المهلك بعد انقضاء الأيام الثلاثة التي قد ظهرت فيها علاماته من اصفرار وجوههم في اليوم الاول واحمرارها في الثاني واسودادها في الثالث نَجَّيْنا من فضلنا وجودنا صالِحاً الذي قد أصلح نفسه وأراد إصلاح نفوسهم فلم يقبلوا إصلاحها بل أفسدوها بأنفسهم وَنجينا ايضا الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وصلحوا باصلاحه بِرَحْمَةٍ نازلة مِنَّا على قلوبهم حتى وفقوا بها على قبول دعوته واظهار الايمان به وبسبب ايمانهم قد نجوا من خزي النشأة الاخرى وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ايضا إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل الموفق لهم على الايمان والإذعان هُوَ الْقَوِيُّ المحصور على القوة والقدرة إذ لا حول ولا قوة الا به وهو الْعَزِيزُ الغالب على إمضائه وإنفاذه حيث أراد وشاء وَبعد ما أنجاهم الله بلطفه أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالعتو والعناد الصَّيْحَةُ الهائلة المهولة التي قد وعدها الله لإهلاكهم فَأَصْبَحُوا بعد ما سمعوا الصيحة في أثناء الليل فِي دِيارِهِمْ التي قد كانوا متمتعين فيها جاثِمِينَ جامدين ميتين بحيث كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا ولم يسكنوا فِيها أصلا وعند وقوع تلك الواقعة الهائلة قد صاح اصحاب العبرة والاعتبار وأولو الخبرة والاستبصار أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ بكفران نعمه وتكذيب رسله أَلا بُعْداً لِثَمُودَ عن سعة رحمة الحق في النشأة الاولى والاخرى وَبعد ما انقرض أولئك الهالكون في تيه الغفلة والغرور حدث بعدهم قوم لوط المبالغون في الغفلة القبيحة والديدنة الشنيعة عقلا ونقلا ومروة المصرون عليها زمانا الى ان أخذناهم بما أخذناهم وحين أردنا أخذهم لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا اى الملائكة المأمورون لإهلاك قوم لوط إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى والبشارة بالولد بعد ما ايس هو وزوجته عن التوالد والتناسل قالُوا له حين لا قوة سَلاماً اى نسلم سلاما عليك ترحيبا منا إليك وتعظيما قالَ سَلامٌ عليكم دائما مستمرا ايها المستحقون للتحية والترحيب فَما لَبِثَ وما جلس بعد نزولهم الى أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ مشوى ضيافة لهم ونزلا لقدومهم ووضع بين أيديهم فانصرفوا عنه ولم يمدوا أيديهم نحوه فَلَمَّا رَأى ابراهيم أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ ولا يتناولون منه كما هو عادة المسافرين نَكِرَهُمْ اى أنكر منهم عدم أكلهم لان

стр. 358

الامتناع من الطعام دليل على قصد المكروه لصاحبه وَأَوْجَسَ واهمز مِنْهُمْ خِيفَةً خوفا ورعبا حتى أحسوا منه الخوف وعلامات الرعب قالُوا تسلية له وازالة لرعبه لا تَخَفْ منا إِنَّا وان كنا من اهل الإنذار والإهلاك قد أُرْسِلْنا إِلى إهلاك قَوْمِ لُوطٍ مالنا معك شغل وَحين قالوا له ما قالوا امْرَأَتُهُ اى سارة حاضرة قائِمَةٌ لخدمة الأضياف فَضَحِكَتْ بعد ما سمعت قولهم فرحا وسرورا لأنها كانت تقول اضمم إليك لوطا فانى اعلم ان البلاء ينزل على هؤلاء المسرفين فَبَشَّرْناها اى سارة تفضلا وامتنانا بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ ولده يَعْقُوبَ أب الأنبياء قالَتْ سارة بعد ما سمعت منهم التبشير مستحية مستغربة يا وَيْلَتى ويا هلكتي وفضيحتي أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ قد مضت علىّ تسع وتسعون سنة وَهذا بَعْلِي شَيْخاً فانيا ابن مائة وعشرين سنة وبالجملة إِنَّ هذا التوالد بيننا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ غريب خارق للعادة ان وقع قالُوا ازالة لشكها وتعجبها أَتَعْجَبِينَ وتستبعدين مِنْ أَمْرِ اللَّهِ القادر المقتدر بالقدرة الكاملة وحكمه وحكمته أمثال هذا اى التوالد بينكما تفضلا وامتنانا وما هذا الا رَحْمَتُ اللَّهِ اى انواع فضله وجوده وَبَرَكاتُهُ اى خيراته الكثيرة النازلة عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ الْبَيْتِ يعنى اهل بيت الخلة والنبوة إِنَّهُ سبحانه في ذاته حَمِيدٌ يفعل دائما ما يوجب الحمد له مَجِيدٌ محسن كثير الإحسان والانعام المستجلب لانواع المحامد والاثنية فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ اى الخوف والرعب بتسلية الرسل إياه وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بما لا ترقب له فيه أخذ يُجادِلُنا اى يجادل مع رسلنا ويناجى معنا فِي حق قَوْمِ لُوطٍ وأخذنا إياهم وما حمله على المجادلة والمناجاة إلا فرط اشفاقه ورقة قلبه إِنَّ إِبْراهِيمَ في نفسه لَحَلِيمٌ غير عجول على الانتقام كظيم الغيظ والغضب صبور على عموم المصيبات أَوَّاهٌ كثير التأوه والتأسف من الذنب الصادر عنه مُنِيبٌ رجاع الى الله في جميع حالاته فقاس حالهم على نفسه فأخذ يجادل في حقهم مؤملا انابتهم ورجوعهم قال الرسل له بوحي الله إياهم يا إِبْراهِيمُ المتحقق بمقام الخلة أَعْرِضْ عَنْ هذا الجدال وانصرف عن مدافعة حكم الله المبرم المحكم إِنَّهُ اى الشان قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وثبت منه الحكم بهلاكهم ولا تنفعهم مجادلتكم وممانعتكم وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عن قريب عَذابٌ حتم جزم غَيْرُ مَرْدُودٍ بتقويك وحمايتك وَاذكر يا أكمل الرسل لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً على اشكال مرد ملاح صباح متناسبة الأعضاء وهم ما رأوا طول عمرهم أمثال هؤلاء في الصباحة واللطافة وكمال الرشاقة سِيءَ بِهِمْ اى ساء مجيئهم على هذه الأشكال لوطا ومن آمن معه وَضاقَ مجيئهم على هذه الصور البديعة بِهِمْ ذَرْعاً قد شق واشتد على لوط والمؤمنين امر حفظهم وحضانتهم لأنهم عالمون بقبح صنيع قومهم لو علموا مجيئهم لقصدوا بهم ولهم ايضا مكروها واشتد عليهم ايضا مدافعتهم وإخراجهم إذ هم قد نزلوا ضيفا فاضطر لوط في أمرهم وشأنهم وتحير وَقالَ متأوها متضجرا متأسفا هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ شديد مظلم في غاية الشدة والظلمة وَبعد ما انتشر خبر نزولهم جاءَهُ قَوْمُهُ متجسسين يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ويطوفون حول بيته سريعا ويطلبون فرصة الدخول عليهم ويحتالون لدفع لوط والمؤمنين وَهم قوم خبيث مِنْ قَبْلُ قد كانُوا من غاية خباثتهم يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الخارجة عن مقتضى العقل والنقل والمروة وحين اضطر لوط من تبخترهم وترددهم ولم ير في نفسه مدافعتهم ومقاومتهم

стр. 359

قالَ لقومه من غاية غيرته وحميته في حق أضيافه يا قَوْمِ هؤُلاءِ الإناث بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ان أردتم الوقاع فَاتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور وَلا تُخْزُونِ ولا تخجلوني فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ ايها المجبولون على فطرة الإدراك رَجُلٌ رَشِيدٌ ذو مروءة وعقل كامل قالُوا في جوابه مبالغين مقسمين والله لَقَدْ عَلِمْتَ يقينا ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ اى ميل وحظ بل انما عرضت بناتك علينا لنترك اضيافك وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ يقينا ما نُرِيدُ ثم لما اضطر لوط ﵇ من مسارعتهم ومماراتهم قالَ مشتكيا الى الله مناجيا نحوه لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ادفع بها خزيي وخزي أضيافي لا دفعكم بتوفيق الله واقداره أَوْ آوِي وارجع حين ظهور عدم مقاومتى ومدافعتي معكم إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ هو حفظ الله وكنف وقايته وجواره وحصين حضانته وحصاره ثم لما رأى الرسل اضطرار لوط واضطرابه إذ هو غلق على أضيافه باب بيته فيجادل مع قومه ويتكلم معهم عند الباب وبعد ما امتدت مجادلته معهم قصدوا ان يثقبوا الجدار فاشتغلوا بالثقب والنقب قالُوا اى الرسل بعد ما بلغ الم لوط غايته يا لُوطُ لا تغم ولا تضطرب في أمرنا ولا تهلك نفسك غيرة وغيظا إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ابدا ولن ينالوا باضرارنا حتى اضطررت من أجلنا ذرنا معهم واخرج أنت من بيننا فخرج لوط ﵇ مفتحا باب بيته فدخلوا على الرسل بالفور فضرب جبرئيل بجناحه على وجوههم فأعماهم فانقلبوا خارجين صائحين النجاء النجاء فان في بيت لوط سحرة وبعد ما خرجوا فاقدين أبصارهم قال الرسل امر اللوط فَأَسْرِ اى سر ليلا بِأَهْلِكَ وبمن آمن معك بِقِطْعٍ اى بعد مضى طائقة مِنَ اللَّيْلِ وَبعد ما خرجتم لا يَلْتَفِتْ ولا ينظر مِنْكُمْ ايها الخارجون أَحَدٌ خلفه حين سمع حنينهم وأنينهم وتشدد العذاب عليهم إِلَّا امْرَأَتَكَ فإنها تلتفت البتة حين سمعت الصيحة فخرجوا على الوجه المأمور فنزل عليهم العذاب بعد خروجهم بالفور فصاحوا صيحة عظيمة ولم يلتفت احد من الخارجين الا مرأته فلما سمعت التفتت وصاحت وا قوماه فاصيبت هي ايضا بلا تراخ ومهلة إِنَّهُ اى الأمر والشان في علمنا مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ فلما سمع لوط من الرسل ما سمع واستسرع الى مقتهم من شدة ضجرته منهم قالوا له إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ اى موعد هلاكهم صبح هذه الليلة أَلَيْسَ الصُّبْحُ ايها المستعجل بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا على رسلنا باهلاكهم جَعَلْنا اى جعل الرسل باقدارنا وتمكيننا إياهم قريتهم عالِيَها سافِلَها اى يقلبون عليهم بيوتهم وَمع ذلك قد أَمْطَرْنا من جانب السماء عَلَيْها اى على أماكنهم وقراهم حِجارَةً تتحجر مِنْ سِجِّيلٍ وهو معرب سنك وكل مَنْضُودٍ ممتزج منضد بعضها على بعض مُسَوَّمَةً معلمة مقدرة عِنْدَ رَبِّكَ وحضرة علمه ولوح قضائه لإهلاك هؤلاء البغاة الغواة الهالكين في تيه الغفلة والغرور بها وَبالجملة ما هِيَ اى أمثال هذه البليات والمصيبات مِنَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن حدود الله وعن مقتضيات أوامره ونواهيه بِبَعِيدٍ غريب حتى يستغرب في حقهم وَاذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين المعتبرين من ذوى الاستبصار والاعتبار وقت إذ أرسلنا إِلى مَدْيَنَ حين بالغوا التطفيف والتخسير في المكيلات والموزونات أَخاهُمْ ومن شيعتهم شُعَيْباً المتشعب منهم ليكون ادخل في نصحهم واجهد في هدايتهم وإرشادهم قالَ موصيا لهم متحننا على وجه الشفقة والنصيحة يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ الواحد الأحد

стр. 360

الصمد الفرد الذي ليس له شريك في الوجود والألوهية والربوبية وتيقنوا انه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ مظهر لكم وكذا لعموم ما ظهر وما بطن غيبا وشهادة غَيْرُهُ بل الألوهية محصورة عليه مقصورة له منحصرة بذاته إذ لا شيء سواه ولا يستحق للعبادة الا هو وَعليكم ايها المأمورون من عنده بالاعتدال والاقتصاد في جميع الأخلاق والأفعال والأحوال ان لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ لبنى نوعكم إِنِّي أَراكُمْ وأخبركم بِخَيْرٍ اى سعة ورفاهية فائضة من الله عناية لكم وتفضلا عليكم فعليكم ان تزيدوها وتديموها بالشكر والإنصاف والانتصاف على مقتضى ما أمرتم به من عند ربكم وَان لم تسمعوا منى نصحى ولم تقبلوا قولي إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ من غيرة الله ومن كمال قهره وسطوة جلاله عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ فيه عذابه على عموم اهل الزيغ والضلال المنحرفين عن جادة الاعتدال وَبعد ما قدم المنهي للعناية والاهتمام بشأنه اردفه بالمأمور للتأكيد والمبالغة وزيادة التقرير والاحكام كأنه قد استدل عليه لمزيد اشفاقه بهم وكمال مرحمته إياهم فقال يا قَوْمِ ان أردتم خير الدارين ونفع النشأتين أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ على عباد الله لا تزيدوا عليهما ولا تنقصوا منهما إذ كلا الطرفين مذمومان بلا وفيهما فاوفوهما بِالْقِسْطِ والعدل السوى وَعليكم ان لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ في حال من الأحوال وَبالجملة لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ولا تظهروا عليها بالمكر والخداع والحيف والبخس والتطفيف وبالجملة بَقِيَّتُ اللَّهِ التي قد قدرها لعباده في حضرة علمه خَيْرٌ لَكُمْ ومزيد لأموالكم من تطفيفكم وتنقيصكم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالله وبكمال تدبيراته وتقديراته وَاعلموا يا قوم ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ احفظكم عن جميع ما لا يعنيكم بل ما انا الا مبلغ ما أرسلت به إليكم فلكم الامتثال والتوفيق من الله الكبير المتعال ثم لما سمعوا منه ما سمعوا قالُوا له مستهزئين متهكمين يا شُعَيْبُ المدعى دعوة الخلق الى الحق أَصَلاتُكَ الكثيرة التي تصليها في خلواتك تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام والأوثان أَوْ أَنْ نَفْعَلَ ونتصرف فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا يعنى أتأمرك صلاتك ان نترك أفعالنا التي قد كنا عملنا بها في ازدياد أموالنا وبضائعنا حسب ارادتنا واختيارنا إِنَّكَ ايها الداعي للخلق الى الحق لَأَنْتَ الْحَلِيمُ ذو الحلم والكرم لا تعجل في الانتقام الرَّشِيدُ العاقل الكامل الكافل لا تتكدر بأمثال هذه الأوهام وبالجملة ما قالوا له أمثال هذا الا استهزاء وسخرية قالَ شعيب ﵇ بعد ما تفرس بنور النبوة استهزاءهم يا قَوْمِ الساعين للباطل المصرين عليه أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كُنْتُ قد جئت لكم ملتبسا عَلى بَيِّنَةٍ مصدقة لي ناشئة مِنْ قبل رَبِّي معجزة لعموم من يقابلني ويعارضني وَمع ذلك قد رَزَقَنِي مِنْهُ اى من عنده سبحانه رِزْقاً حَسَناً معنويا وصوريا وروحانيا وجسمانيا فهو لا يليق بمثلي ان يفترى عليه سبحانه وينسب اليه امر ما لم يوح اليه من عنده كذبا او بهتانا وَاعلموا ايضا انى ما أُرِيدُ بنهي لكم عن التطفيف والتبخيس أَنْ أُخالِفَكُمْ فيما أنتم عليه وارجع انا بنفسي إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ لاستبد واتخصص به وبالجملة ما هذا الا إفساد وميل عن جادة الحق وصراط الله الا قوم فكيف يميل سيما الموحد المؤيد من عند الله بأنواع اللطف والكرم واصناف المعجزات الخارقة للعادات الى أمثال هذا بل إِنْ أُرِيدُ وما اقصد إِلَّا الْإِصْلاحَ مقدار مَا اسْتَطَعْتُ وَما انا متكفل للإصلاح ايضا ومدّع للاستقلال به إذ ما تَوْفِيقِي وليس اقتدارى وتمكينى وما حولي وقوتي

стр. 361

إِلَّا بِاللَّهِ إذ لا حول ولا قوة بالأصالة الا بالله لذلك عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وثقت والتجأت وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ارجع وأتوقع في عموم ما رجوت إذ هو مولاي ومتولى أموري وعليه اعتمادي واعتضادى وَبعد ما تفرس منهم العصبية والمراء قال على مقتضى المحبة والشفقة وإرخاء العنان يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي اى لا يحملنكم بغضي وعداوتي المركوزة في قلوبكم على الجرائم المستجلبة لانواع العذاب والنكال إياكم وبالجملة انى أخاف عليكم أَنْ يُصِيبَكُمْ بسبب جرائمكم وعصيانكم مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ مثل ما أصاب قَوْمَ هُودٍ أَوْ مثل ما أصاب قَوْمَ صالِحٍ وَبالجملة ما قَوْمُ لُوطٍ وقصة استئصالهم وإهلاكهم وتقليب أماكنهم عليهم مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ متماد في البعد بحيث يحصل لكم الذهول عنه لقرب عهدهم وَيا قوم اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ الذي قد أظهركم من كتم العدم من جميع فرطاتكم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ وأخلصوا في انابتكم ورجوعكم نحوه ولا تغتموا بعد اخلاص التوبة بما جرى عليكم من الجرائم إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ يقبل توبتكم ويعفو زلتكم الصادرة عنكم فيما مضى وَدُودٌ يحبكم حينئذ ويرحمكم ويتفضل عليكم وبعد ما قد بالغ ﵇ في نصحهم وإرشادهم قالُوا له تسفيها وتخويفا يا شُعَيْبُ نادوه باسمه على سبيل الاستهزاء والاستحقار ما نَفْقَهُ ونعقل كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ اى بعض هذياناتك التي قد تكلفت أنت بها وَإِنَّا وان لم نفهم بعض كلماتك لابتنائها على الخبل والخرق لَنَراكَ في بادى الرأى فِينا ضَعِيفاً في غاية الضعف والحقارة وَبالجملة لَوْلا رَهْطُكَ اى عشائرك واقوامك لَرَجَمْناكَ بالحجارة البتة بسبب هذياناتك هذه وذكرك آلهتنا بالسوء ودخلك على أفعالنا وتصرفاتنا فيها وَاعلم يقينا انك بنفسك ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بل عزتك عندنا بسبب رهطك لكونهم إخواننا في الدين فلا نريد إذا هم بقتلك والافتتان بك ورجمك وبعد ما ايس شعيب ﵇ عن ايمانهم قالَ يا قَوْمِ أضافهم الى نفسه هنا تهكما بخلاف ما مضى إذ قد قنط عن صلاحهم بالمرة أَرَهْطِي واقوامى أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ الذي أوجدكم من كتم العدم فعززتموهم وراعيتم جانبهم وَاتَّخَذْتُمُوهُ اى الله سبحانه وأوامره ونواهيه واطاعة رسوله وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا مطروحا منبوذا وراء ظهوركم بل قد رجحتم جانب المصنوع المرجوح على صانعه الراجح وبالجملة إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ من المفاسد مُحِيطٌ بعلمه احاطة حضور بحيث لا يغيب عنه شيء فيفصلها عليكم ويجازيكم بها وَيا قَوْمِ الناكبين عن طريق الحق المصرين على الباطل اعْمَلُوا ما شئتم عَلى مَكانَتِكُمْ وعلى مقتضى مرتبتكم وشأنكم اىّ عمل شئتم إِنِّي ايضا عامِلٌ على شأنى سَوْفَ تَعْلَمُونَ أنتم وانا ايضا مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويرديه وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ منا بالله بسر ربوبيته وتوحيده وَارْتَقِبُوا وانتظروا وترقبوا أنتم بالعذاب والنكال إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ متربص منتظر وَلَمَّا جاءَ ونفذ أَمْرُنا باهلاكهم نَجَّيْنا وأخرجنا أولا من بينهم شُعَيْباً الناجي وَكذا الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وامتثلوا بما أمروا به من عنده بِرَحْمَةٍ نازلة مِنَّا إياهم تفضلا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم حين صاروا في فراشهم بائتين الصَّيْحَةُ الهائلة فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ التي كانوا مترفهين فيها جاثِمِينَ جامدين جثمانهم وأجسامهم بلا روح وصاروا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا ولم يسكنوا فِيها فصاح عليهم من صاح من ارباب الفطنة والعبرة أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ وَبعد ما انقرض أولئك الطغاة الغواة المهلكون في الغي والضلال

стр. 362

المفسدون في الأرض بأنواع الإفساد والإضلال لَقَدْ أَرْسَلْنا حين حدث على الأرض أمثال ما حدث في ازمنة أولئك الهالكين بل هؤلاء أسوأ منهم حالا وأقبح شيمة منهم وخصالا وأشد منهم بغضا وشكيمة على الحق واهله عبدنا مُوسى اى المختص من لدنا بتكليمنا بِآياتِنا الدالة على توحيدنا واستقلالنا في ملكنا وملكوتنا وَسُلْطانٍ اى قد أيدناه من لدنا بحجة واضحة وبرهان قاطع مُبِينٍ ظاهر الدلالة على صدقه في دعواه عند من له ادنى مسكة إِلى فِرْعَوْنَ الذي هو رأس اهل الضلال ورئيسهم حيث يتفوه بالالوهية من غاية عتوه واستكباره وَمَلَائِهِ المعاونين له في امره وشأنه ثم لما أمهلنا زمانا على غروره ورفعنا قدره في هذه الدنيا وصيرنا مسرورا تغريرا عليه مكرا وتلبيسا الى حيث فَاتَّبَعُوا من على الأرض أَمْرَ فِرْعَوْنَ وامتثلوا بمقتضاه وَالحال انه ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ وما حكمه وشأنه بِرَشِيدٍ هاد الى الحق موصل الى مقصد التوحيد بل هو غار موصل الى تيه الضلال والتقليد المستلزم للدخول الى نار الخذلان وسعير الحرمان إذ هو بنفسه يَقْدُمُ قَوْمَهُ ويتقدم عليهم يَوْمَ الْقِيامَةِ التي قد انكشفت فيها السرائر واضمحلت الأوهام والضمائر فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ مثل إيرادهم على ماء نيل في دار الدنيا شبه حالهم في النشأة الاخرى بحالهم في النشأة الاولى لذلك عبر عنه بالإيراد وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ نار الخذلان وجحيم الحرمان وَهم من غاية خبثهم وفسادهم أُتْبِعُوا فِي هذِهِ النشأة لَعْنَةً دائمة مستمرة وَيلعنون ايضا يَوْمَ الْقِيامَةِ بأضعاف هذه اللعنة وآلافها إيفاء لها وزيادة عليها وبالجملة بِئْسَ الرِّفْدُ والعون والعطاء الْمَرْفُودُ المعان المعطى رفدهم وعونهم الذي هو عبارة عن طردهم ولعنهم في الدارين وحسب النشأتين ذلِكَ المذكور مِنْ أَنْباءِ الْقُرى واخبارهم وما جرى عليهم نَقُصُّهُ عَلَيْكَ بالوحي يا أكمل الرسل ليكون عبرة لك ولمن تبعك مشاهدة وتذكيرا إذ مِنْها اى من تلك القرى ما هو قائِمٌ جدرانها بلا سقوف وَمنها ما هو حَصِيدٌ مدروس مندك كالزرع المحصود قد عفت آثاره واندرست اطلاله وَبالجملة ما ظَلَمْناهُمْ باهلاكهم وتخريب ديارهم وَلكِنْ هم قد ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ باتخاذ مصنوعاتنا آلهة أمثالنا مستحقة للعبادة ظنا منهم ان آلهتهم تنفعهم لدى الحاجة وتشفعهم وقت الشفاعة فَما أَغْنَتْ وما كفت وما دفعت عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ظلما وزورا مِنْ شَيْءٍ اى شيأ قليلا من القضاء لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ يا أكمل الرسل وحين نزل عذابه وحل عقابه إياهم بل وَما زادُوهُمْ آلهتهم حين حلول العذاب عليهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ اى هلاك وتخسير فوق هلاك وتخسير إذ هم بسبب عبادة هؤلاء قد صاروا مطرودين عن سعة رحمة الله وجوده وَكَذلِكَ اى ومثل ما سمعت يا أكمل الرسل أَخْذُ رَبِّكَ وانتقامه وبطشه وقت إِذا أَخَذَ الْقُرى وحين انتقم من أهلها بظلمهم وعصيانهم وَالحال انه هِيَ ظالِمَةٌ خارجة أهلها عن مقتضى الأمر الإلهي ونهيه وبالجملة إِنَّ أَخْذَهُ للمسرفين الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية أَلِيمٌ مؤم شَدِيدٌ في غاية الشدة والإيلام لكونهم مبالغين في الإصرار والاستكبار إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من قصص الأمم الهالكة لَآيَةً عظة وتذكيرا عظيما وعبرة كاملة لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ وحساب الله إياه فيها على رؤس الملأ والاشهاد إذ ذلِكَ اليوم يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ اى يجمع ويحشر الناس فيه لأجل الحساب والجزاء وَايضا ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يشهد فيه الجميع للجميع بل الجوارح والآلات على صاحبها

стр. 363

وَما نُؤَخِّرُهُ ونسوقه الى يوم الموعود والعذاب المعهود فيه إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ اى الى انقضاء مدة قصيرة اذكر يا أكمل الرسل عظة وتذكيرا لمن تبعك يَوْمَ يَأْتِ ذلك اليوم الموعود الهائل لا تَكَلَّمُ فيه نَفْسٌ ولا تشفع شافع لشدة هوله وفزعه إِلَّا بِإِذْنِهِ اى باذن الله واقداره إياها فَمِنْهُمْ اى من الموقنين في المحشر يوم العرض الأكبر شَقِيٌّ قد خرج من الدنيا على الشقاوة ووخامة العاقبة وَمنهم سَعِيدٌ قد خرج منها على السعادة وحسن العاقبة فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا في الدنيا وخرجوا منها على الشقاوة فَفِي النَّارِ اى هم في النشأة الاخرى داخلون في النار مضطرون مضطربون فيها إذ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ اى إخراج نفس من شدة الحرارة وَشَهِيقٌ اى رده يعنى حالهم فيها كحال من استولت الحرارة على قلبه وضاق الأمر عليه فيردد نفسه كما في سكرة الموت وما ذلك الا من شدة كربهم والمهم ولكونهم متناهيين في الشقاوة والقساوة في دار الدنيا لا ينقطع عذابهم فيها أصلا بل صاروا خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ اى ما تحقق الجهتان الحقيقيتان اى الفوق والتحت إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ وتعلق ارادته ومشيته بإخراج البعض منها كفساق المؤمنين وبالجملة إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ وله الاختيار التام في عموم مراداته ومقدوراته ومن جملتها إخراج بعض العصاة عن نيران الإمكان وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا في الدنيا وخرجوا على السعادة منها فَفِي الْجَنَّةِ اى هم في النشأة الاخرى في الجنة التي أعدت للسعداء الآمنين الفانين الفائزين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ متنعمين فيها مترفهين بأنواع النعم الجسام إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ وتعلق ارادته ان يرفعهم بأعلى منها الا وهو الانكشاف الذاتي والتجلي الشهودى كل ذلك لمن يعطى عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ متناه مقطوع إذ لا انقطاع للتجليات الذاتية ولا للذاتها المترتبة عليها بالنسبة الى الفائزين بها جعلنا الله من خدامهم وتراب اقدامهم وبعد ما تبين حال السعداء المقبولين والأشقياء المردودين فَلا تَكُ أنت يا أكمل الرسل فِي مِرْيَةٍ شك وتردد مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ المشركون ان يستجلب عليهم العذاب والنكال كما استجلب على أسلافهم إذ هم ما يَعْبُدُونَ لأوثانهم وأصنامهم إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ وأسلافهم إياها مِنْ قَبْلُ فيلحقهم مثل ما لحقهم لان اشتراك الأسباب يوجب اشتراك المسببات بالضرورة وَإِنَّا وان امهلناهم زمانا في الدنيا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ وحظهم من العذاب في الآخرة مثلهم غَيْرَ مَنْقُوصٍ عن عذابهم عدلا منا إياهم وَكيف لا نوفى العذاب على المشركين لَقَدْ آتَيْنا من عظيم جودنا مُوسَى الْكِتابَ اى التورية حين نشأ الجدال والمراء والكفر والفسوق بين بنى إسرائيل واضمحلت العدالة بالكلية فَاخْتُلِفَ فِيهِ مثل اختلافهم في كتاب الذي هو أفضل الكتب علما واحاطة واجمعها حكما وأشملها معرفة وأكملها حقيقة وكشفا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ في انظار هؤلاء الكفرة وإمهالهم الى يوم القيمة لَقُضِيَ حكم وفصل بَيْنَهُمْ الآن بحيث يتميز المحق من المبطل فيلحق المبطلين وبال ما صنعوا فهلكوا كما هلكوا وَإِنَّهُمْ اى كفار قومك يا أكمل الرسل من غاية انهماكهم في الغفلة وتماديهم في العناد والاستكبار لَفِي شَكٍّ مِنْهُ اى من امر القرآن مع انهم قد عارضوا معه مرارا فأفحموا مُرِيبٍ موقع في الريب والشك سيما بالنسبة الى الخرق المنحطين عن التأمل في مرموزاته والتدرب في إشاراته ثم قال سبحانه وَإِنَّ كُلًّا اى ما كلا

стр. 364

من المؤمنين المحقين والكافرين المبطلين لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ويوفون عليهم حين يحشرون ويعرضون على الله للحساب والجزاء بلا زيادة ولا تنقيص إظهارا للقدرة الغالبة الكاملة والعدالة التامة الشاملة رَبُّكَ الذي أظهرهم من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة أَعْمالَهُمْ اى اجورها وجزاءها ان خيرا فخير وان شرا فشر وكيف لا يوفيهم ولا يوفر عليهم سبحانه أجورهم إِنَّهُ سبحانه بذاته وأوصافه وأسمائه بِما يَعْمَلُونَ من الخير والشر والصلاح والفساد والعبادة وتركها خَبِيرٌ على وجه الحضور بحيث لا تغيب عن حضوره غائبة ولا تخفى عليه خافية ومتى تفطنت يا أكمل الرسل بخبرة الحق وحضوره تفطنا شوقيا وتنبهت تنبها وجدانيا حضوريا وانكشفت بها انكشافا عينيا شهوديا فَاسْتَقِمْ واعتدل في اوصافك وافعالك وأقوالك كَما أُمِرْتَ من قبل ربك وبموجب وحيه والهامه عليك وَامر ايضا بالعدالة والاستقامة مَنْ تابَ مَعَكَ وآمن لك واتبعك وَبالجملة لا تَطْغَوْا ولا تميلوا ولا تخرجوا ايها المتحققون بحقية التوحيد واستقامة صراطه ولا تنحرفوا عن سبيل السلامة التي هي جادة الشريعة المصطفوية أصلا إِنَّهُ سبحانه بذاته بِما تَعْمَلُونَ من عموم الأعمال الموجبة للعدالة او الانحراف بَصِيرٌ لا يخفى عليه شيء ولصعوبة الامتثال بهذه الآية الكريمة قال ﷺ شيبتني سورة هود وقال ايضا ﷺ هذه الآية قصمت ظهور أنبياء الله وأوليائه وَبالجملة لا تَرْكَنُوا ولا تميلوا ميلة يسيرة ولا تلتفتوا التفاتا قليلا ايها المستوون على صراط الحق المستقيمون في جادة عرفانه وتوحيده إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وخرجوا عن حدود الله الموضوعة لإصلاح احوال عباده فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ بادنى الميلة والالتفات وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ينقذونكم من النار لو توالونهم وتداومون الميل إليهم ثُمَّ اعلموا انكم لو اخترتم موالاة الظلمة واتخذتموهم إخوانا كسائر المؤمنين لا تُنْصَرُونَ أنتم ولا تنقذون من النار بولايتهم ونصرهم ايضا فعليكم ان لا تتخذوا الكفار اولياء من دون المؤمنين وَأَقِمِ الصَّلاةَ وداوم يا أكمل الرسل على الميل والركون الى الله بجميع الأعضاء والجوارح في عموم الأوقات والحالات سيما طَرَفَيِ النَّهارِ اى قبل الطلوع وقبل الغروب فإنهما وقتان محفوظان عن وسوسة الأوهام خاليان عن الشواغل غالبا وَعليك ان تختلس الفرصة لتوجهك زُلَفاً في آنات وساعات مِنَ أواخر اللَّيْلِ قريبة بالنهار فان مجرد اقدامك عليها وإقامتك لها حسنات سيما في تلك الساعات الخالية عن وساوس الشواغل والخيالات إِنَّ الْحَسَناتِ الخالية عن شوب الرياء والرعونات يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ وتصفى صاحبها عن كدر الغفلات ذلِكَ اى الأمر بالاستقامة على المتذكرين الذين يذكرون الله في السراء والضراء ويتعظون بجميع ما جرى عليهم من الخصب والرخاء انما هو ذِكْرى وعظة كافية وتذكرة وافية لِلذَّاكِرِينَ الله في عموم أحوالهم وحالاتهم وَبالجملة اصْبِرْ أنت يا أكمل الرسل على أذاهم واكظم غيظك فان الصبر على المصيبات من أعظم الحسنات والمثوبات فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ سيما على من أساء إليهم فَلَوْلا وهلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ الذين قد خلوا مِنْ قَبْلِكُمْ فيهم أُولُوا بَقِيَّةٍ وتقية وذووا رأى ونهية وفضل وتدبير يَنْهَوْنَ برأيهم الصائب وتدبيرهم المتين عَنِ الْفَسادِ الواقع فِي الْأَرْضِ لكن اليوم ما بقي منهم عليها احد إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ اى من عقلائهم ليتبع لهم العوام فينجوا من الآثام وَمع ذلك لم يتبعوا حتى ينجوا بل اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا

стр. 365

أنفسهم بالعرض على عذاب الله وبالخروج عن مقتضى حدوده في ما أُتْرِفُوا فِيهِ اى المترفهون المتنعمون من ذوى اللذات والشهوات فاهتموا بتحصيل اسبابها وَكانُوا بميلهم الى مقتضيات الهوى واللذات الجسمانية مُجْرِمِينَ مستحقين لانواع العقوبات وَما كانَ رَبُّكَ وليس من سنته وجرى عادته لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ اى بسبب شرك وكفر صدر عنهم وَأَهْلُها والحال ان أهلها مُصْلِحُونَ على الأرض لا مفسدون عليها يعنى لا يأخذهم سبحانه بمجرد حق الله بلا انضمام حقوق العباد اليه بل انما أخذهم الله حين فشا الفسوق والمراء وظهر الفساد والجدال بين العباد كيف وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ من غاية لطفه لعباده بمقتضى جماله لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً متفقة على التوحيد بلا مخالفة منهم وَلكن قد اظهر وأوجد البعض بمقتضى الجمال والبعض الآخر بمقتضى القهر والجلال لذلك لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في الهداية والضلالة والسعادة والشقاوة إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وجعل فطرته على صرافة الوحدة وَلِذلِكَ التوحيد والعرفان قد خَلَقَهُمْ وأظهرهم سبحانه وَبالجملة قد تَمَّتْ وجرت كَلِمَةُ رَبِّكَ بوضع الاختلاف بين استعدادات عباده حسب شئونه وتجلياته بمقتضى أوصافه المتضادة وأسمائه المتقابلة بحسب الكمال لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ التي قد أعدت للأشقياء المردودين المنحرفين عن جادة العدالة الإلهية والقسط الحقيقي مِنَ الْجِنَّةِ اى الشياطين وَالنَّاسِ التابعين لهم والمقتفين أثرهم أَجْمَعِينَ من جنسهما جميعا وَكُلًّا اى كل قصة نَقُصُّ عَلَيْكَ يا أكمل الرسل مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ العظام من جملة ما نُثَبِّتُ بِهِ ونقرر على مقر التوحيد فُؤادَكَ إذ بكل قصة من القصص المذكورة ينشرح صدرك لقبول التوحيد ونزول الوحدة الذاتية وَقد جاءَكَ وحصل لك فِي هذِهِ القصص الْحَقُّ اى الشهود الكامل والانكشاف التام المطابق للواقع خاصة وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ الذين يصدقونك ويقتفون اثرك وَقُلْ يا أكمل الرسل لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بك وبدينك وكتابك مماراة لهم ومباهلة اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ اى عمل شئتم إِنَّا عامِلُونَ ايضا على مكانتنا وشأننا بتوفيق الله إيانا وَانْتَظِرُوا باى شيء انتظرتم إِنَّا ايضا مُنْتَظِرُونَ بالعواقب وَالغايات عند الله العالم بالسرائر والخفيات إذ لِلَّهِ خاصة لا لغيره من الوسائل والأسباب العادية غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والاطلاع عليهما وعلى مكنوناتهما وَإِلَيْهِ لا الى غير يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ إذ لا مرجع سواه ولا آمر الا هو فَاعْبُدْهُ يا أكمل الرسل حق عبادته وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ حق التوكل والتفويض وَما رَبُّكَ يا أكمل الرسل المحيط حضرة علمه بعموم ذرائر الأكوان احاطة حضور بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من العبادة والإخلاص والتبتل والتوكل والرضا والتسليم وكذا من نقائضها خاتمة سورة هود ﵇ عليك ايها الموحد المحمدي المأمور بتهذيب الأخلاق من الرذائل والأوصاف من الذمائم والأفعال من القبائح والأقوال من الكواذب وعموم الأطوار من المخالفات المنافية لصرافة الوحدة ان تستقيم وتعتدل حسب عزائمك في هذه الأمور على الوجه المأمور لنبيك الذي هو قبلة جميع مقاصدك بقوله تعالى فاستقم كما أمرت واعتدل بجميع ما صدر عنك فلك ان تقتفى اثره صلّى الله عليه وسلّم

стр. 366

في عموم احوالك من امتثال الأوامر واجتناب النواهي وتهذيب الأخلاق والأطوار إذ هو ﷺ زبدة ارباب التوحيد الواصلين بمقعد الصدق ومقام التفريد. والسابقون واللاحقون كلهم مقتبسون من مشكاة انواره ومصابيح اسراره ﷺ فعليك ايها المستفيد المسترشد من الكلام المجيد ان تضبط عموم احوالك على الاستقامة والاعتدال وتجتنب عن كلا طرفي الإفراط والتفريط وتستعيذ بالله عن مداخلة الرياء والسمعة المنافيين للإخلاص واعلم ان خير قرينك في طريقك هذا الرضا والتسليم والتوكل والتفويض الى العزيز العليم ولك اختيار العزلة والفرار عن الخلطة والاجتناب عن الانخراط في سلك اهل الثروة واصحاب الغفلة ودوام القناعة بالكفاف والعزوبة بالعفاف سيما في زمانك هذا وإياك إياك ان تفرق همك وتشغل خاطرك في امور دنياك ولو لحظة حتى لا تورثك هما كثيرا وحزنا طويلا إذ المسافر في منزله لا يتصرف الا بمقدار مقيله اما تسمع قول النبي الأديب الأريب. كن في الدنيا كأنك غريب. واشدد حيازيمك للموت والرحيل. كأنك عابر سبيل. وبالجملة لا تغتر بحياتك في دار الغرور. وعدّ نفسك من اصحاب القبور. فهذا دأب اهل السرور. وديدنة ارباب الحضور. جعلنا الله من خدامهم وتراب اقدامهم [سورة يوسف ﵇] فاتحة سورة يوسف ﵇ لا يخفى على من تأمل في صور الرؤيا وتدبر في كيفية ظهورها وانمحائها سريعا وترتب الآثار الغريبة على تعبيراتها ان الوجود الخيالى الطف الموجودات وأرقها وأصفاها عن كدر الهيولى وأشبهها بالتجليات الإلهية المتجددة المتشعشعة دائما الا ان الآثار الغيبية التي هي منتزعة عنها مأخوذة منها ستوجد البتة لذلك وجب العبور عنها والتعبير لها ولهذا صار الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزء من أجزاء النبوة الا ان المطلعين عليها والمتأملين فيها لا يكونون الا ممن خصه الله بالنفوس القدسية والمرتبة الحدسية المتفرعة على التمرن والرسوخ في كشف سرسريان الوحدة الذاتية المتجلية على ذرائر المكونات وكذا في كيفية رقائق المناسبات والارتباطات الواقعة بين أجزاء المظاهر وجزئياتها والمتصف المتحقق بهذه المرتبة العلية في غاية الندرة إذ بواسطة ذلك الاتصاف قد صارت كمالاتهم اللائقة لنشأتهم كلها بالفعل وصاروا بذلك مستحقين للخلافة والنيابة الإلهية ومنهم يوسف الصديق صلوات الله عليه وسلامه قد أحاط بمقتضيات حضرة الخيال الى حيث لم يشذ عن تعبيره صورة من صور الرؤيا كما اخبر عنه الحق سبحانه في هذه السورة ويفصح عنه التواريخ والآثار المروية عن النبي المختار ﷺ ثم لما أراد سبحانه ان يشير الى مرتبته ﷺ وينبه على حبيبه ﷺ بعلو شأنه وسمو رتبته ذكر قصته في كتابه تتميما لسعة دائرة كمال حبيبه ﷺ والمقتفين اثره ﷺ من خلص اولياء الله لينال كل منهم الى ما قدر الله لهم من لطفه وحظوظ المراتب العلية فقال متيمنا باسمه الكريم بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بكمالاته على حضرة الخيال الرَّحْمنِ لعباده بالعبور عنها الى صور الهياكل العينية والتمثال الرَّحِيمِ لهم أوصلهم الى كيفية ظهوره بالتفصيل والإجمال [الآيات] الر ايها الإنسان الأكمل اللائق الرشيد لرفع لواء سرائر الربوبية ورموز التوحيد وتمييز أجل لباب الرؤيا والروايات الواردة البينة عن قشورها تِلْكَ العبر والأمثال والقصص والآثار المذكورة لك فيما يتلى عليك يا أكمل الرسل لتأييدك وارتفاع شأنك آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ الذي هو عبارة عن حضرة علمنا المحيط المشتمل

стр. 367

على عموم مراداتنا ومقدوراتنا إِنَّا من مقام عظيم لطفنا وجودنا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً منظما على صور الألفاظ والعبارات مترجما عما عليه الأمر في حضرة علمنا الحضوري عَرَبِيًّا أسلوبه عناية منا إليكم لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ معناها وتطلعون على مرموزاتها وإشاراتها وتطرحون عقولكم المموهة لكم لكشف سرائرها وخفياتها نَحْنُ من كمال لطفنا معك يا أكمل الرسل نَقُصُّ عَلَيْكَ تأييدا لأمرك تعظيما لشأنك أَحْسَنَ الْقَصَصِ سماعا واستماعا وأكملها انتفاعا وأشملها عبرة وأتمها فائدة وأعمها عائدة إذ الفطن اللبيب قد استفاد منها من العبر والتذكيرات والرموز والإشارات ما يكفى مؤنة سلوكه في امر دينه لو كان من ذوى الرشد واهل الخبرة والبصيرة وانما علمنا هالك ونبهنا عليك ملتبسا بِما أَوْحَيْنا وبمقتضى ايحائنا وانزالنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ المخبر عن المغيبات المكنونة المخزونة في حضرة علمنا ولوح قضائنا وَإِنْ كُنْتَ أنت في نفسك مِنْ قَبْلِهِ اى من قبل وحينا والهامنا إياك لَمِنَ الْغافِلِينَ اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ حين بلغ الحلم وترقى من الطفولية يا أَبَتِ ناداه تحننا اليه إِنِّي رَأَيْتُ في المنام أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً من الكواكب العظام وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ايضا معهن رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ جميعا واضعين جباههم على تراب المذلة والهوان عندي تعظيما وتكريما جمعها جمع العقلاء باعتبار ما يئول اليه ويأول به ثم لما تفرس أبوه من رؤياه ما تفرس بادر الى نهيه ومنعه عن الانتشار والإفشاء لإخوته حيث قالَ له أبوه قبل ان يشتغل بتأويلها وتعبيرها يا بُنَيَّ صغره تلطفا عليه وإشفاقا وتخوفا من كيد اخوته معه لا تَقْصُصْ ولا تذكر رُؤْياكَ التي قد رأيتها عَلى إِخْوَتِكَ لئلا يحسدوا لك من ارتفاع شأنك فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً باغواء الشيطان إياهم ويحتالوا لمقتك وهلاكك حسدا ومكرا عليك وبالجملة إِنَّ الشَّيْطانَ المغوى المضل لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة محيل عظيم يعاديهم في لباس الصداقة ويفسدهم في صورة الإصلاح ثم لما سارع يعقوب ﵇ بالنهى عن الإفشاء تحذيرا وتخويفا له من كيد اخوته اشتغل بتأويل رؤياه فقال وَكَذلِكَ اى ومثل اراءتك هذه الرؤيا وتخصيصك بها يَجْتَبِيكَ وينتخبك رَبُّكَ من بين الناس ويخصك بالرياسة العظمى والمرتبة العليا إلا وهي النبوة والنيابة الإلهية وَبعد ما يصطفيك ويجتبيك يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ اى يخصصك بعلم الرؤيا وتعبيرها بحيث قد انكشف لك حضرة الخيال انكشافا تاما وَبالجملة يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَبوسيلتك عَلى آلِ يَعْقُوبَ وبنيه وأحفاده ومن ينتمى اليه من ذرياته وان سفل كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ وجديك مِنْ قَبْلُ في سالف الزمان يعنى إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ قد أعطاهما من الانعام والإفضال ما لم يعط أحدا من الخلة والإنجاء والانقاذ والفدية والخلاص وغير ذلك من النعم الجسام إِنَّ رَبَّكَ الذي رباك بأنواع اللطف والكرم عَلِيمٌ بعلمه الحضوري باستعدادات عباده على مقتضى ما ثبت في لوح قضائه اجمالا حَكِيمٌ في صور تفاصيله وفق الإجمال بحيث لا يشذ عن حيطة علمه شيء واعلم يا أكمل الرسل انه لَقَدْ كانَ فِي قصة يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ وما جرى بينهم من الحيل والمخادعات وإسقاط المروءة وانواع الخيانات والجنايات الناشئة من القوى الطبيعية التي هي من مقتضيات الهيولى ولوازم الأركان والإمكان ومن الانابة والرجوع منها الى الله في الخلوات واظهار الندم والاستحياء من الله ومن يوسف وأبيه آياتٌ دلائل واضحات وشواهد لائحات دالة على سرائر التوحيد واسرار العرفان

стр. 368

لِلسَّائِلِينَ عن دقائق المعارف والحقائق ورقائق الايمان والعرفان لو تأملوا في رموزها وإشاراتها واعتبروا منها اذكر لهم يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالُوا اى اخوة يوسف حين بثوا الشكوى من أبيهم في خلواتهم حاسدين على يوسف وأخيه والله لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ بنيامين أضافوه اليه لكونه من امه وهم ليسوا كذلك أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا يؤانس بهما ويتحنن نحوهما وَنَحْنُ عُصْبَةٌ فرقة ذووا قوة وكفاية نحن نستحق وننبغى ان يحننا ويلتفت إلينا وبالجملة إِنَّ أَبانا في تفضيل المفضول وترجيح المرجوح لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ظاهر المخالفة بالعقل والعرف فعليكم ايها الاخوان ان تتأملوا في امر أبيكم وتحتالوا لمقت يوسف وهلاكه حتى لا يلحق العار عليكم ولا يمحقكم الحقد والحسد وبالجملة اقْتُلُوا يُوسُفَ حتى ييأس أبوكم منه ويقبل نحوكم بالمرة أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً بعيدة عن العمران غاية البعد حتى ينساه أبوه وحينئذ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ اى يخص ويخلص لكم مواجهة أبيكم خاليا عن اغياركم ويقتصر حينئذ التفاته وتحننه نحوكم وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ اى بعد فقد يوسف عن نظر أبيكم وغيبته من عنده قَوْماً صالِحِينَ لخدمته وصحبته وموانسته او المعنى بان تتوبوا بعد ما قد صدر عنكم هذه الجريمة وتكونوا من بعده قوما صالحين تائبين نادمين وبعد ما شاوروا في مقت يوسف وطرحه وطرده قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ وهو يهودا وكان أحسنهم رأيا لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ إذ نحن عترة الأنبياء لا يليق بنا قتله بلا رخصة شرعية وَان أردتم ان تدفعوه عن عند أبيكم أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ الذي على متن الطريق يَلْتَقِطْهُ ويذهب به بَعْضُ السَّيَّارَةِ اى بعض السائرين في اقطار الأرض الواردين على الماء فلا طريق لكم لطرده وتبعيده سوى هذا إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ قاصدين جازمين ان تفعلوا معه ما يبعده عن وجه أبيه وبعد ما سمعوا من يهودا ما سمعوا فقد استقر رأيهم على ما رأى فأخذوا يحتالون ويمكرون لينالوا ما قصدوا به فاجتمعوا يوما عند أبيهم تحننا عليه وتواضعا قالُوا له على سبيل الشكوى واظهار الحزن يا أَبانا نحن بنوك وعبيدك ويوسف أخونا وقرة أعيننا وقوة ظهرنا ما لَكَ واى شيء منا وصل إليك وحصل دونك لا تَأْمَنَّا ولا تجعلنا أمينا مشفقا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا في أنفسنا لَهُ لَناصِحُونَ مشفقون حافظون حارسون مريدون الخير له ثم لما تفرسوا بان كلامهم قد اثر في أبيهم ولاح منه امارات الرضا والتسليم أخذوا في المكر حيث قالوا متضرعين اليه متحننين نحوه أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً نخرج الى الصحراء مستنشقين يَرْتَعْ ويتفكه من انواع الفواكه وَيَلْعَبْ بأنواع اللعب من الاستباق والانتضال تفريجا وتفريحا وَلا تخف من ان يلحقه مكروه إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ بجمعنا من عموم المكاره وبعد ما قد الحوا بما الحوا بالغوا بما بالغوا قالَ أبوهم إِنِّي من شدة محبتي وشوقي اليه وتحننى وعطفي نحوه لَيَحْزُنُنِي مفارقته وأَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَمع ذلك أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ لان ارضنا هذه مذئبة وَأَنْتُمْ من شدة شغلكم على الرتع واللعب عَنْهُ غافِلُونَ حينئذ ذاهلون عن حصانته وحفظه وبعد ما سمعوا منه كلامه قالُوا على وجه الاستبعاد والإنكار مقسمين تغريرا وتأكيدا لمكرهم وخداعهم والله لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَكيف اكله إذ نَحْنُ عُصْبَةٌ وجماعة أقوياء وذوو عدة وعدة وقدرة وقوة إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ضعفاء ذليلون مغبونون انما قالوا ذلك على سبيل التشدد واظهار الجرأة والشجاعة كأنهم يستدلون على عدم وقوع المحذر به فَلَمَّا احتالوا وبالغوا في المكر والحيلة الى ان ذَهَبُوا بِهِ اى

стр. 369

بيوسف الى الصحراء فاشتغلوا أولا بضربه وشتمه والقهر عليه وانواع العذاب والعقاب وكادوا ان يقتلوه ظلما وعدوانا قال لهم يهودا أنتم قد عهدتم ان لا تقتلوه فما هذه المبالغة والاشتداد في زجره ايها الجاهلون المفرطون اما تستحيون من الله وَبعد ما قال لهم يهودا هذا أَجْمَعُوا واتفقوا على أَنْ يَجْعَلُوهُ ويطرحوه فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وهو جب مشهور بجب يوسف على ثلثة أميال من صفد يعقوب قريب بجسر يقال له جسر يعقوب بفرسخ تقريبا فقربوه على الجب وعزموا على القائه فيها فتعلق يوسف بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا منه قميصه ليلطخوا بالدم الكذب فالقوه مربوطة اليدين على الماء وكان فيها صخرة عظيمة فجلس عليها عريانا قلقا حائرا حزينا مضطربا مستوحشا وَبعد ما القوه وقضوا الوطر عنه قد أزلنا وحشته وكربه عنه عناية منا إياه بان أَوْحَيْنا وألهمنا من مقام لطفنا وجودنا إِلَيْهِ لا تغتم ايها الصديق الصدوق من صنيع هؤلاء الغواة الهالكين في تيه الحسد والعناد انا بمقتضى كرمنا وإحساننا لنفضلنك عليهم ونمكننك على انتقامهم بحيث لَتُنَبِّئَنَّهُمْ وتحدثنهم أنت معاتبا عليهم منتقما منهم بِأَمْرِهِمْ هذا معك وحيلتهم ومكرهم مع أبيك وَهُمْ في تلك الحالة لا يَشْعُرُونَ انك يوسف لعلو شانك وارتفاع قدرك وسلطانك اصبر ايها الصديق على أذاهم في الحال فان لك السطوة والسلطنة عليهم في المآل وَبعد ما فعلوا بيوسف ما فعلوا قد جاؤُ أَباهُمْ ملتبسين محتالين عِشاءً في آخر اليوم يَبْكُونَ صائحين صارخين فزعين فجعين تغريرا على أبيهم وتزويرا فلما سمع يعقوب صياحهم واضطرابهم فقال ما لكم واين يوسف قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ونتسابق بالعدو والرمي واستمر تسابقنا زمانا وَقد تَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا لحفظها فغفلنا عنه بغرور السباق فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وكنت قد تطيرت من أول الأمر فوقع وَقد كنا نعلم منك يا أبانا ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ مصدق لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ فيما أخبرنا لك لسوء ظنك بنا وفرط محبتك بيوسف وَبعد ما تفرسوا منه الإنكار والاستبعاد جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ اى معه بِدَمٍ كَذِبٍ يعنى جاءوا حال كونهم مثبتين لدعواهم بدم كذب ملطخ بقميصه مفترين بالذئب بانه قد اكله وبعد ما جاءوا بالقميص الملطخ طلبه منهم أبوهم فألقاه على وجهه فبكى بكاء فظيعا فجيعا وتمادى في البكاء زمانا طويلا حتى احمر وجهه من الدم الملطوخ به ثم كشف القميص فرآه لم يمزق فقال ما رأيت ذئبا احلم من هذا الذئب قد أكل ابني ولم يمزق قميصه ثم قالَ متوجها إليهم ما جئتم به معتذرين على ليس بمطابق للواقع بَلْ قد سَوَّلَتْ زينت وسهلت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً بإلقاء الشيطان وتعليمه إياكم لتعتذروا به على فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجمل على فيما ابتليت به وما امرى وشأنى سوى هذا وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى احتمال ما تَصِفُونَ بألسنتكم ايها المسرفون المفسدون المفرطون إذ لا طاقة لي بحمله الا بعون الله واقداره وَبعد ما مضى ثلثة ايام على الإلقاء جاءَتْ سَيَّارَةٌ رفقة وقفل عظيم يسيرون من مدين الى مصر فنزلوا قريب الجب فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ الذي قد كان يرد الماء للاستقاء وهو مالك بن ذعر الخزاعىّ فَأَدْلى دَلْوَهُ وألقاها لإخراج الماء فتدلى بها يوسف فأخرجها فرآه قالَ مستبشرا فرحانا يا بُشْرى تعالى فهذا أوانك إذ هذا الذي قد خرج في الدلو بدل الماء غُلامٌ صبيح مليح في كمال الصباحة والملاحة وَبعد ما أخرجه هو ومن معه من رفقائه أَسَرُّوهُ واخفوا امره ليكون بِضاعَةً لهم وقت

стр. 370

وصولهم الى مصر ليشتروه ويقسموا ثمنه وَاللَّهُ المطلع مخايل عباده عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ويأملون وهم يسرونه في نفوسهم ولما اطلع اخوة يوسف على قدوم السيارة ونزولهم حول الجب تسارعوا نحوهم ليبيعوه لهم حتى يخلصوا منه بالمرة فوصلوا الجب ولم يجدوه فبادروا نحو القفل وتجسسوا فوجدوه عندهم فقالوا لهم هذا عبدنا قد ابق منا ان اشتريتم نبيعه على ما رضيتم وأقر يوسف ايضا على الرقية خوفا من القتل ولم ينكر عليهم وَبالجملة شَرَوْهُ بعد اعترافه بالرقية وباعوه بِثَمَنٍ بَخْسٍ مبخوس منقوص دَراهِمَ لا دنانير مَعْدُودَةٍ قليلة وَانما شروه بها إذ هم قد كانُوا فِيهِ اى في شأن يوسف وفي حقه مِنَ الزَّاهِدِينَ الراغبين المعرضين عنه لذلك باعوه بها وبعد ما اشتراه مالك بن ذعر من اخوته بما اشتراه ذهب به الى مصر بضاعة فلما أوصله الى مصر وأراد ان يبيعه فسلمه الى النخاس فباعه وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ وهو العزيز الذي قد كان على خزائن ملك مصر واسمه قطفير او اطفير حين ذهب به الى بيته لِامْرَأَتِهِ زليخا أو راعيل أَكْرِمِي مَثْواهُ وأحسني حاله ومعاشه وتلطفى معه بأنواع اللطف والشفقة انى أتفرس منه الرشد والنجابة عَسى أَنْ يَنْفَعَنا بعقله ورشده وكفايته وتدبيره أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً يستخلف منا لأنه كان عقيما فأراد ان يتبناه وَكَذلِكَ اى مثل ما عطفنا قلب العزيز عليه بعد قهر اخوته وفرقة أبيه وأخيه وغربته من وطنه في صغر سنه ووحشته في غيابت الجب وذلة رقيته قد مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وجعلناه متصرفا عليها ذا قدرة واختبار تام ورشد كامل ليتصرف فيها كيف يشاء وَلِنُعَلِّمَهُ وننبه عليه مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ الواقعة في عالم الكون والفساد وطريق الرشد والعدالة ليصل بها الى العدالة الحقيقية الحقية التي هي عبارة عن النبوة والنيابة الإلهية وَبالجملة اللَّهُ المدبر لأمور عباده غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ المراد له المتعلق لمصالح عموم عباده وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ غلبته سبحانه واستقلاله في امره وتصرفه في ملكه لذلك اشتغلوا بخلاف مراده والسعى في ابطال مشيته كاخوة يوسف فلم يصلوا الى ما قصدوا وَلَمَّا بَلَغَ يوسف أَشُدَّهُ وكمال عقله وقوته وأوانه في الغالب ما بين الثلثين والأربعين قد آتَيْناهُ انجازا لما وعدنا عليه في سابق علمنا وقضائنا حُكْماً حكومة بين الناس مقارفة بالقسط والعدل السوى وَعِلْماً بسرائر الأمور ورقائق المناسبات ومن جملتها تعبير الرؤيا وَكَذلِكَ اى مثل ايتائنا إياه من الفضائل والفواضل المقدرة له في لوح القضاء نَجْزِي عموم الْمُحْسِنِينَ الذين يحسنون الأدب معنا في عموم حالاتهم اتقاء منا وتوجها إلينا وَاذكر يا أكمل الرسل اتقاء يوسف الصديق من الله سيما وقت اشتغال نار الشهوة في عنفوان الشباب وحين راوَدَتْهُ وخادعته والحت عليه بالوقاع الامرأة الَّتِي هُوَ اى يوسف فِي بَيْتِها والحال انه هي سيدة له حاكمة عليه وهي زليخا امرأة العزيز وقد احتالت عليه بأنواع الحيل حتى تخرجه عَنْ نزاهة نَفْسِهِ ونحبة فطرته الا وهي العصمة والعفاف وتوقعه الى ما تهواه نفسها وهو الوقاع والسفاح وَبالغت في ذلك المكر والاحتيال الى ان غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ السبعة يوما عليه وخلت معه في بيت وَقالَتْ متحننة عليه معرضة نفسها اليه هَيْتَ لَكَ يعنى بادريا يوسف الى التعانق والجمع معى قالَ يوسف حينئذ بمقتضى نجابة النبوة وطهارة الفطرة والفطنة بالهام الله إياه مع سورة شهوته ووفور ميله اتقاء من محارم الله ورعاية لحق من احسن اليه مَعاذَ اللَّهِ اى أعوذ بالله معاذا والوذ نحوه سبحانه ان يعصمني عن أمثال هذه الفعلة الذميمة

стр. 371

والديدنة القبيحة سيما مع من يربيني ويحسن الى فكيف إِنَّهُ اى الشان هذا رَبِّي يربيني بأنواع اللطف والكرم سيما قد أَحْسَنَ مَثْوايَ وأوصلني بإحسانه فكيف اسئ في مقابلة احسان محسنى ومتولى امرى ومتولى نعمى وبالجملة إِنَّهُ اى الشان لا يُفْلِحُ ولا يفوز الظَّالِمُونَ بالخير والحسنى لو خرجوا عن مقتضى الأمر الإلهي سيما بالإساءة في مقابلة الإحسان وَبعد ما قد رد يوسف عليها أمرها وبالغت هي فيه ولم تفد بل هي لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ اى قصدت وتعلقت زليخا به ارادة واختيارا وَهَمَّ يوسف ايضا بِها بمقتضى بشريته مع انه لا ارادة له بمرادها ولا اختيار إذ الكف عن المنهي لا بد وان يكون عند القدرة عليه والا لم يكن ممدوحا ولا مستوجبا للمثوبة والقربة لَوْلا أَنْ اى ان يوسف رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ودليله الواضح الدال على قبح الزنا واساءة المحسن بإلقاء الله إياه والهامه في قلبه لهلك البتة بطغيان نيران القوة الشهوية لكن قد رآه باراءة الله إياه فأبى وامتنع وبالجملة كَذلِكَ فعلنا معه وألهمنا عليه لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ في مقابلة الإحسان وَالْفَحْشاءَ بدل العصمة والعفاف إِنَّهُ اى يوسف الصديق مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ الخالصين عن رين البشرية وشين شهويتها وغضبيتها المنزهين عن مقتضيات القوى البهيمية مطلقا وبعد ما قد غلب على يوسف الاتقاء عن محارم الله بمقتضى البرهان الذي قد رآه باراءة الله إياه بادر نحو الفرار منها وقصد ان يخرج من البيت وقصدت ايضا ان تمنعه عن الخروج وَاسْتَبَقَا الْبابَ وتسابقا نحوه فسبقها يوسف فأخذت ذيل قميصه وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ وشقت ذيله مِنْ دُبُرٍ إذ هي في عقبه ففتح يوسف الباب فخرجا متعاقبين مضطرين وَأَلْفَيا سَيِّدَها وصادفا زوجها لَدَى الْبابِ وعنده قالَتْ مسرعة باكية على سبيل الشكاية ما جَزاءُ واى شيء مكافاة مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً وقصد الزنا معها مكرها إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ غير ان يقيد ويدخل في السجن أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم أشد من السجن وانما فعلت كذلك وبادرت الى الشكوى متباكية لتظهر براءتها وعفتها عند زوجها وتحمل الخطأ على يوسف لتنتقم عنه او تلينه وترضيه وتضطره الى إنجاح مرادها منه مع انها قد شغفها حبا بحيث لم تصبر عنه لخطة قالَ يوسف حينئذ مستحييا من ربه يا سدى مالي في ذلك خطأ بل هِيَ بنفسها قد راوَدَتْنِي وخادعتنى عَنْ نَفْسِي مرارا وأمرت على بالفعل الشنيع تكرارا فلم اقبله منها ولم ارض به وَبعد ما تعارضا عند السيد قد شَهِدَ شاهِدٌ هو صبي في المهد شهد في غير أوانه إذ هو رضيع لم يتكلم بعد بإنطاق الله إياه واقداره عليه وأبهم في الشهادة وأجمل إذ هو مِنْ أَهْلِها وابن عمها او ابن خالها فقال الشاهد الرضيع إِنْ كانَ قَمِيصُهُ اى قميص يوسف قُدَّ وشق مِنْ قُبُلٍ ومن قدامه فَصَدَقَتْ زليخا وَهُوَ اى يوسف مِنَ الْكاذِبِينَ في دعوى البراءة والتنزه وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ وخلف فَكَذَبَتْ هي في دعوى العصمة والبراءة وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ فيما ادعى من البراءة والعفة فَلَمَّا رَأى اى السيد قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ تفرس الى براءته وطهارة ذيله مع ان الشاهد ايضا ليس من ارباب الولاية إذ هو صبي رضيع في المهد لم يتكلم الا بهذا فكوشف من نجابته وعفته ما كوشف وتوجه نحو زوجتها وقالَ مقرعا عليها معرضا إياها إِنَّهُ وما وقع من أمثال هذا الأمر والشان مِنْ كَيْدِكُنَّ ومكركن أيتها المحتالات إِنَّ كَيْدَكُنَّ وحيلتكن أيتها الماكرات المفسدات عَظِيمٌ من كيد الشيطان ومكره إذ الشيطان قد يستعين

стр. 372

ويستمد منكن وقت اضطراره ثم لما انكشف الأمر عند العزيز وجزم بطهارة ذيل يوسف ونجابة طينته بادر الى ستره واخفائه خوفا من الفضيحة فقال مناديا ليوسف أولا لصدقه وطهارته يا يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا التكلم واسكت منه واكتمه في سرك فقد ظهر على صدقك وبراءتك وَاسْتَغْفِرِي أنت ايضا يا زليخا لِذَنْبِكِ إِنَّكِ في هذا الأمر قد كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ المتعمدين القاصدين على الجريمة القبيحة والديدنة الشنيعة جمعه جمع المذكر للتغليب وَبعد ما شاع أمرهما وانتشر قصتهما بين الأنام قالَ نِسْوَةٌ جماعة من صناديد النسوان فِي الْمَدِينَةِ على سبيل التشنيع والتقريع امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ وتخادع فَتاها عَنْ نَفْسِهِ طلبا لمواقعته إياها ومجامعته معها إذ قَدْ شَغَفَها حُبًّا يعنى قد دخل حبه في جميع شغاف قلبها وشقوقه فصار قلبها مملوا بمحبته وعشقه لذلك راودته ما اشنعها وافضحها وبالجملة إِنَّا لَنَراها بقبح فعلها وسوء صنيعها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ من لحوق العار عليها وعلى زوجها وفشو الفضيحة سيما مع الرقيق وكسر عرض العزيز بين الأنام فَلَمَّا سَمِعَتْ راعيل بِمَكْرِهِنَّ وغيبتهن وتخطئتهن إياها خفية أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ قواصد ليدعوهن على سبيل الضيافة وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ وهيأت لكل واحدة منهن في بيتها مُتَّكَأً على حدة ليتكأن عليه على ما هو عادة بلدتهم ووضعت عند كل متكأ طبقا من الفواكه مثل الرمان والتفاح والكمثرى وغيرها وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ وبعدد رؤسهن سِكِّيناً شديد الحدة والمضأ وبعد تهيئة أماكنهن على الوجه المذكور قد جئن وجلسن عليها واشتغلن بأكل الفواكه وتنقية قشورها بالسكين وَبعد ذلك قالَتِ زليخا ليوسف اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فخرج فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وكبرن جميعا لله برؤية جماله وكمال حسنه البديع وبهائه وغاية نضارته وصفائه إذ يتشعشع ويلمع ضوء وجهه على الجدار مثل الشمس والقمر. وعن النبي ﷺ انه قال رأيت أخي يوسف الصديق ﵇ ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر ومن شدة حيرتهن بحسنه وجماله بهتن بأجمعهن وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ اى كل منهن وَبعد ما افقن قُلْنَ مستبعدات مستغربات حاشَ لِلَّهِ وتنزه ذاته من ان يعجز عن خلق مثله غير انه ما هذا الهيكل المرئي بَشَراً إذ لا نرى البشر قط على هذه الصورة إِنْ هذا ما هذا المشاهد المحسوس إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ نجيب مصور من الروح لا من الطين وبعد ما قد تفرست زليخا منهن ما تفرست من كمال الحيرة والحسرة والوله والهيمان برؤيته قالَتْ فَذلِكُنَّ وهذا ذلك العبد الكنعانى الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وفي مراودته والافتنان به وبمحبته ولما رأت راعيل منهن ما رأت من نفسها بل أشد منه أقرت عندهن ما فعلت معه لتستعين منهن ويحتلن هن وهي بأجمعهن في تليين قلبه فقالت متحسرة مقسمة وَالله لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ مرارا كثيرة فَاسْتَعْصَمَ وابى عن القبول من كمال عفته وعصمته ومن نجابة فطرته وطينته وَالله لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ولم ينجح ما انا آمرة به طالبة إياه ولم يقبل قولي ولم يقض حاجتي لَيُسْجَنَنَّ وليحصرن في السجن مدة وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ الذليلين المهانين الباقين في السجن مدة مديدة فلما قالت راعيل ما قالت وأقسمت بما أقسمت التفتت النسوة بأجمعهن على اعانتها واتفقن على إنجاح مرادها والحن واقترحن على يوسف بقبول قولها والإتيان بمطلوبها إلحاحا بليغا بل قد اضمرن في انفسهن كل منهن إتيانه عليهن بمقتضى شهوات النساء وبعد ما رأى يوسف منهن اتفاقهن واجتماعهن على منكر ناجى ربه من شرهن وتعوذ نحوه سبحانه

стр. 373

من فتنتهن حيث قالَ رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم والعصمة والعفاف السِّجْنُ الذي قد اوعدتنى به هذه المرأة أَحَبُّ إِلَيَّ وآثر عندي مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ هؤلاء الطغيات البغيات الغويات وَإِلَّا تَصْرِفْ بفضلك وعصمتك يا ربي عَنِّي كَيْدَهُنَّ ولم تحفظني من مكرهن بإلقاء البرهان العقلي والكشفى في سرى أَصْبُ امل انا إِلَيْهِنَّ واتحنن نحوهن بمقتضى القوى البهيمية وَحينئذ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ المتابعين لشيطان الشهوة الخارجين عن مقتضى العقل المفاض من المبدأ الفياض وبعد ما أخلص في مناجاته وأبر في رجوعه وعرض حاجاته فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ما ناجاه فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ وحفظه عن مكرهن إِنَّهُ لذاته وبمقتضى أوصافه وأسمائه هُوَ السَّمِيعُ لمناجات عباده الْعَلِيمُ بحاجاتهم منها ونياتهم فيها ثُمَّ بَدا ولاح لَهُمْ اى للعزيز وأصحابه مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ اى بعد رؤيتهم علامات الصدق وامارات العصمة والعفاف سيما بشهادة الطفل الرضيح بطهارته وصدقه مع انه لم يعهد من أمثاله هذه فتشاوروا في امره وتأملوا في شأنه فاستقر رأيهم لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ لئلا يلحق العار على راعيل ولا ينتشر بين الأنام صدقه وعصمته وقبح صنيعها وفاحشة فعلها بل يحسبونه مجرما وراعيل غير متهمة لذلك حملوا الجرم عليه وراموه افتراء فأدخلوه في السجن انتقاما ومراء وَدَخَلَ مَعَهُ اى مع يوسف السِّجْنَ في تلك المدة فَتَيانِ من أعوان الملك شرابيه وخبازه بتهمة قد اتهما بها وهي معروفة فلما تفرسا منه الرشد والنجابة وصفاء الصورة والأخلاق قالَ أَحَدُهُما وهو الشرابي مستعبرا عنه حاكيا عما مضى إِنِّي أَرانِي في المنام أَعْصِرُ ماء العنب لاتخذ منه خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ وهو الخباز إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً مع طبق تَأْكُلُ وتنهش الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ وأخبرنا عما يئول اليه ويئول به رؤيانا إِنَّا نَراكَ في بادى الرأى مِنَ الْمُحْسِنِينَ الصالحين المصلحين لمفاسد الأنام وتفصيل ما يشكل عليهم ومن جملته تعبير الرؤيا ثم لما تفرس يوسف منهم الإخلاص وحسن الظن بالنسبة اليه بادر قبل الاشتغال بالتعبير الى تمهيد مقدمة دالة على التوحيد والايمان والمعرفة والإيقان منبهة على استقلال الحق الحقيق بالحقية في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وجميع آثاره الحادثة في الكائنات والفاسدات وعلى نبوته وعلو رتبته وتشرفه بخلعة الخلة والخلافة من عنده سبحانه حيث قالَ أولا لا يَأْتِيكُما في المستقل طَعامٌ تُرْزَقانِهِ لسد الجوعة وتقويم المزاج إِلَّا نَبَّأْتُكُما وأخبرتكما انا أولا بِتَأْوِيلِهِ وتبيين ماهيته وكيفية تأثيره وتوليده من الأخلاط وتقويته للمزاج كيف هو وعلى اى وجه قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما وقبل ان يظهر عندكما بمدة ذلِكُما اى تعبير رؤيا كما وتأويل طعامكما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي من جملة الأمور التي قد علمني ربي من لدنه حيث اطلعنى على رقائق المناسبات ودقائق الارتباطات والازدواجات الواقعة بين أجزاء العالم وجريانها على التفصيل المشروح المثبت في الأعيان الثابتة في عالم الأسماء والصفات المنبسطة على ظواهر الأكوان إِنِّي بعد ما انكشف الغطاء عن بصرى وارتفعت الحجب عن بصيرتي قد تَرَكْتُ بتوفيق الله إياي مِلَّةَ قَوْمٍ ذوى حجب لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبتوحيده واستقلاله في الوجود وكذا في التصرفات والآثار الصادرة الظاهرة على صفحات الكائنات بمقتضى الجود وَمع ذلك هُمْ بِالْآخِرَةِ اى النشأة المعدة لجزاء ما جرى عليهم في هذه النشأة هُمْ كافِرُونَ منكرون جاحدون وَبالجملة قد اتَّبَعْتُ انا في سلوك طريق التوحيد مِلَّةَ آبائِي

стр. 374

وأجدادي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا وما صح وما جاز لنا معاشر الأنبياء والرسل أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ المتوحد بذاته وأوصافه وأسمائه المستقل في وجوده وحقيقته مِنْ شَيْءٍ لا وجود له أصلا سوى العكسية والظلية وبالجملة ذلِكَ الشهود والانكشاف مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ الذين قد أرسلنا إليهم وبعثنا بينهم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ الناسين حقوق نعم الله لا يَشْكُرُونَ نعمة الإرسال وبعثة الرسل ولا يواظبون على أداء شكرها ثم لما مهد يوسف ﵇ لصاحبيه طريق التوحيد ونبه عليهما السلوك عليه والتوجه نحوه اشارة الى دعوتهما اليه على سبيل التدريج كما هو دأب الأنبياء فقال مناديا لهما ليقبلا على قبول مقوله يا صاحِبَيِ السِّجْنِ الساكنين فيه المصاحبين معى أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ متكثرون في العدد متماثلون في عدم القدرة والاختيار خَيْرٌ عندكم وأحق بعبادتكم وانقيادكم أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الأحد المتوحد في ذاته المستقل في ألوهيته وربوبيته المستغنى عن المظاهر مطلقا الْقَهَّارُ الغالب على جميع السوى والأغيار واعلموا ايها الاخوان ان ما تَعْبُدُونَ أنتما ومن على دينكما في مصر من عبدة الالهة الباطلة مِنْ دُونِهِ اى من دون الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له في الوجود أصلا ما هو إِلَّا أَسْماءً مطلقة على اظلال معدومة وعكوس موهومة قد سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ من تلقاء انفسكم آلهة ومعبودات مع انه ما أَنْزَلَ اللَّهُ المنزل للكتب المرسل للرسل بِها مِنْ سُلْطانٍ اى بشأن آلهتكم من حجة وبرهان عقلي او نقلي حتى تكون تمسكا لكم في اتخاذكم هؤلاء التماثيل آلهة مستحقة للعبادة والإطاعة إِنِ الْحُكْمُ وما الأمر المطلق والاستحقاق التام للاطاعة والانقياد وعبادة العباد إِلَّا لِلَّهِ المتردي برداء العظمة والكبرياء المتفرد بالجلال والبقاء المتوحد في البسطة والاستيلاء إذ هو المستحق بالعبادة وهو المستقل بالربوبية والألوهية وهو في ذاته هو ولا شيء سواه ولا اله الا هو مع انه قد أَمَرَ في عموم ما انزل على أنبيائه ورسله من الكتب والصحف أَلَّا تَعْبُدُوا ولا ترجعوا ايها الاظلال الهالكة والعكوس المستهلكة الباطلة إِلَّا إِيَّاهُ إذ به وبمد اظلال أوصافه وأسمائه قد ظهرت أشباحكم ولاحت تماثيلكم وأرواحكم فلا رجوع لكم الا اليه ذلِكَ اى طريق التوحيد الذاتي هو الدِّينُ الْقَيِّمُ الأقوم الأعدل الذي لا عوج فيه أصلا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لكثافة حجبهم وغلظ اغطيتهم واغشيتهم لا يَعْلَمُونَ ولا يفهمون سرّ سريان الوحدة في الكثرة لذلك حجبوا بالمظاهر المتكثرة عن الوحدة الظاهرة فانصرفوا عن طريق الحق الى الباطل الزاهق الزائل ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ثم لما دعاهما يوسف ﵇ الى الايمان والتوحيد ونبه عليهما طريقه اشتغل بتعبير الرؤيا فقال مناديا لهما ايضا يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما وهو الشرابي فَيَسْقِي رَبَّهُ سيده خَمْراً على ما كان عليه بلا احتياج الى تأويل وَأَمَّا الْآخَرُ وهو الخباز فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ هذا ما ظهر لي في تأويل رؤياه بتوفيق الله إياي وبعد ما سمعا منه التأويل والتعبير قالا له قد كذبنا فيما قلنا لك واستعبرنا منك قال يوسف ﵇ قد قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ وحكم حكما مبرما على الوجه الذي ذكر في حضرة علم الله ولوح قضائه إذ الأمر الذي جرى على السنة الرسل والأنبياء لا بد وان يقع إذ لا جريان للكذب وعدم المطابق للواقع في ألسنتهم وَحينئذ قالَ يوسف الصديق لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا وهو الشرابي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ واذكر حالي وقصتي للملك

стр. 375

عند ملاقاتك وقل ان رجلا قد سجن بلا جرم صدر عنه أوصاه به رجاء ان يستخلصه ويستكشف عن امره ولم يستثن مع ان المناسب بحاله ورتبته العلية الاتكال على الله والتبتل والتفويض والتسليم بلا التفات الى الغير أصلا والرضاء بما جرى عليه من القضاء والتصبر على هجوم البلاء وتزاحم العناء فضلا عن ان يستمد بلا استثناء وذلك في صغر سنه وعنفوان شبابه وقبل نزول الوحى عليه وقبل عروجه الى معراج استعداده وقابليته وبالجملة فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ للناجى ذِكْرَ رَبِّهِ اى ذكر يوسف وحكاية حاله عند الملك حين جلس في مجلسه وسقى له خمرا فَلَبِثَ وبقي يوسف ﵇ بسبب ترك الاستثناء وطمع الإعانة والاستخلاص من المصنوع الأرذل الأنزل وطلب الاستعانة منه فِي السِّجْنِ بعد ما قد لبث فيه خمسا بِضْعَ سِنِينَ اى سبعا بعد الخمس مجازاة عليه وانتقاما عنه كما قال نبينا ﷺ رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعا بعد الخمس وَبعد ما لبث في السجن بضعا قد هيأ سبحانه لخلاصه سببا بعد ما ادّبه بترك الاستثناء بان قالَ الْمَلِكُ وهو ريان بن الوليد لأصحابه يوما من الأيام إِنِّي أَرى في المنام سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَايضا أرى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَسبعا أُخَرَ يابِساتٍ قد التففن وتعلقن على السبع الخضر فغلبن عليها فجمع من في ملكه من اهل التنجيم والتكهين وجميع العلماء والصلحاء وعرضها عليهم وقال يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ وعبروها لي واوّلوها على إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ اى ان كنتم من اهل التعبير والعبور والعبرة والاعتبار فلما سمعوا قوله وتأملوا في رؤياه قالُوا بأجمعهم متفقين ما هذه الا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وأباطيل قد صورتها القوة المتخيلة وخلطتها تخليطا بحيث لا تقبل التعبير والتأويل أصلا وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ الباطلة بِعالِمِينَ معبرين مأولين وَبعد ما عجز الملأ عن تعبير رؤيا الملك واجمعوا على انها أضغاث احلام قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما اى من صاحبي السجن وهو الشرابي الموصى له بالذكر فنسي وَادَّكَرَ تذكر بهذا التعبير وما اوصى له يوسف ﵇ لكن بَعْدَ أُمَّةٍ ومدة مديدة من الزمان أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ الى السجن فأرسله الملك ودخل عليه فقال يا يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ الصدوق الصادق سيما في تأويل الرؤيا أَفْتِنا وعبر لنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ملتفة الى سبع أخر وَأُخَرَ يابِساتٍ عبر لي هذه الرؤيا لَعَلِّي أَرْجِعُ بتأويلها إِلَى النَّاسِ الذين هم قد عجزوا عن تعبيرها وصيروها من الأباطيل والتخليطات الساقطة عن التعبير والتأويل لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ تأويله ويفحمون عما يقولون ان هذه الرؤيا للملك وهم قد جعلوها من قبيل الأضغاث وأنت إذا عبرتها أرجو ان تتخلص من هذا السجن قالَ يوسف مأولا للرؤيا مدبرا فيه طريق المعاش لئلا يضطروا في تدبيره أنتم تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً على ما هو دأبكم وعادتكم فَما حَصَدْتُمْ وحصلتم منها في تلك المدة فَذَرُوهُ واتركوه فِي سُنْبُلِهِ يعنى عليكم ان تدخروا ما حصدتم في سنى الخصب بان تتركوه في سنبله ولا تفرقوه منه ولا تدوسوه لئلا يقع فيه السوس إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ في تلك المدة ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى بعد انقراض سنى الخصب والرخاء سَبْعٌ شِدادٌ وذوات جدب وعناء بحيث لا ينبت فيها الزرع وتلك المدد يَأْكُلْنَ اى أهلها من ما قَدَّمْتُمْ وادخرتم لَهُنَّ في سنى الخصب إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ اى تحرزونه وتحفظونه للبذر والزرع

стр. 376

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى بعد انقضاء السبع الشداد عامٌ ذو بركة ورخاء فِيهِ يُغاثُ ويمطر النَّاسُ بعد ما منعوا من القطر والمطر مدة مديدة وَصار الناس من كمال الخصب والرخاء وكثرة الفواكه فِيهِ يَعْصِرُونَ الأدم من العنب والخرنوب وانواع الحبوب وبالجملة كل ما جاء به يوسف ﵇ من التأويل والتدبير انما هو مستند الى الوحى والإلهام والعلم برقائق المناسبات الواقعة بين ذرائر الأكوان ولما سمع الشرابي من يوسف ما سمع تسارع نحو الملك وأخبره ما سمع من التعبير وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فأرسل من يحضره فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ليخرجه من السجن قالَ يوسف لا اخرج من السجن ما لم يظهر براءتي وعصمتي وطهارة ذيلي وكمال عفتي مما يرموننى ويسجنوننى بسببه ارْجِعْ ايها الرسول إِلى رَبِّكَ سيدك فَسْئَلْهُ ان يكشف عن امرى وما جرى على من أولئك المفترين سيما ليسئل ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وما امرهن وشأنهن معى إِنَّ رَبِّي الذي رباني بكمال العصمة والعفة بِكَيْدِهِنَّ ومكرهن الذي قد قصدن معى عَلِيمٌ على التفصيل الذي يخفين في نفوسهن يجازيهن في يوم الجزاء بمقتضى علمه ثم لما رجع الرسول الى الملك واخبر عن حاله ومقاله بادر الملك الى إحضار تلك النسوان فحضرن قالَ الملك لهن مستفهما عنهن مفتشا عما جرى بينهن وبين يوسف ما خَطْبُكُنَّ وشأنكن أيتها الماكرات المحتالات إِذْ راوَدْتُنَّ وخادعتن بأنواع الحيل والخداع يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ واى شيء ظهر منه من امارات الفساد وعلامات الفسوق حتى تجترئن أنتن بمراودته قُلْنَ بأجمعهن بعد ما سمعن كلام الملك واستفساره على وجه الانتقام حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ وفعلة ذميمة وديدنة قبيحة باعثة لنا الى مراودته سوى انا قد رأيناه على صورة عجيبة وحسن بهى بديع وقد ملنا اليه وأردنا مخالطته فاستعصم من كمال عفته ونجابة طينته ثم قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ عند الملك بعد ما بدا ما اخفت وفشا ما سترت مقرة مقررة معترفة بطهارة ذيله الْآنَ قد حَصْحَصَ اى لاح وظهر الْحَقُّ وارتفع عنه الحجب وانكشف الأستار أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ بعد ما قد شغفنى حبه وازعجنى ميله وَإِنَّهُ في نفسه وعموم أقواله وأفعاله لَمِنَ الصَّادِقِينَ المبرئين المنزهين عما افترينا عليه ورمينا به ثم لما انكشف امره عند الملك وثبت براءته لديه أرسل الرسول اليه ثانيا ليخرجه من السجن قال يوسف حينئذ بمقتضى الحكمة الصادرة من السنة الأنبياء توطينا لنفس العزيز وتسلية له ليجزم انه ما أساء الأدب في السر والعلانية ذلِكَ الكشف والتفتيش انما هو لِيَعْلَمَ العزيز يقينا أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ حين انغلاق الأبواب السبعة على وانا مع زوجته فكيف مع غيرها وَليعلم العزيز ايضا أَنَّ اللَّهَ المطلع بعموم ما جرى على عباده لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ولا يوصل اهل الخيانة مطلقا الى ما يقصدونه اليه بكيدهم وحيلهم بل يفضحونهم بها على رؤس الاشهاد في الاولى والاخرى ثم قال هضما لنفسه وكسرا لها وَما أُبَرِّئُ وانزه نَفْسِي عن مطلق الفرطات والغفلات وعن عموم الخواطر القبيحة والديدنة الشنيعة بمقتضى القوى الشهوية واللذة البهيمية وكيف ابرئ وانزه إِنَّ النَّفْسَ المركوزة في الجبلة الانسانية لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ مائلة بالطبع الى الفساد متوجهة نحوه ان خليت وطبعها إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي وحفظها من كمال رحمته وشفقته من طغيانها ومن وسوسة الشيطان المضل المغوى إليها إِنَّ رَبِّي الذي رباني بالعصمة والعفاف غَفُورٌ لما صدر عنى من الخواطر النفسانية رَحِيمٌ يرحمني

стр. 377

بفضله ويعصمني بلطفه عما يبعدنى من كنف حفظه وجواره وَبعد ما فتش الملك عن أحواله وما جرى عليه وثبت وتحقق عنده أمانته وديانته ورعايته حقوق سيده وحفظ الغيب معه ورشده في الأمور سيما في التعبيرات والتأويلات وصدقه في جميع الأقوال الصادرة عنه قالَ الْمَلِكُ متحننا عليه متشوقا الى لقائه ائْتُونِي بِهِ سريعا أَسْتَخْلِصْهُ واجعله خالصا لِنَفْسِي ليكون أنيسي وجليسي ومولى أموري وظهيري في عموم تدبيرى فاحضروه عنده وسلّم على الملك ترحيبا وتعظيما فَلَمَّا كَلَّمَهُ وأخذ بحمد الملك وثنائه ودعائه باللغة العبرية قالَ الملك ما هذا اللسان قال هذا لسان آبائي وأجدادي وكان الملك يتكلم على سبعين لغة فكلم معه بجميعها فأجاب بجميعها واحسن فيها فتعجب الملك منه وقال أريد ان اسمع تأويل رؤيائي من فيك فحكاه وبين وجوه المناسبات بين البقرات والسنوات المجدبة والمخصبة وكيفية الانتقالات والتعبيرات على مقدار فهم الملك وتأويلات السنابل الخضرة واليابسة على الوجه الذي الهم واوحى فازداد الملك محبة ومودة لذلك قال إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ ذو مكانة ومرتبة علية ومنزلة رفيعة أَمِينٌ مؤتمن على عموم أمورنا فلك اليد والتصرف في ملكنا كيف تشاء وبعد ما تفرس يوسف ﵇ ان لا محيص له عنه ولا بد له من ارتكاب امر من امور الملك قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ اى ارض مصر إِنِّي بإقامة هذه الخدمة حَفِيظٌ بوجوه محافظة اى جنس من الأجناس عَلِيمٌ بطرق تدابيرها والتصرف فيها قيل قد اتفق وفات قطفير هو سيد يوسف ﵇ في تلك الليالى وقد كان هذا المنصب له لذلك طلبه وتزوج زوجته التي قد شغفها حبا فوجدها عذراء وولد ليوسف افرائيم وميشا وَكَذلِكَ ومثل ما سمعت من القصة قد مَكَّنَّا واقدرنا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ اى في ارض مصر بعد ما أدخلناه فيها رقيقا مهانا وصيرناه محبوسا مسجونا مدة متطاولة ورفعنا مكانته فيها الى حيث يَتَبَوَّأُ يتنعم ويترفه مِنْها اى من نواحيها وبلادها حَيْثُ يَشاءُ وتهوى نفسه ويميل إليها طبعه إذ من سنتنا القديمة وعادتنا المستمرة انا نُصِيبُ ونوفى بِرَحْمَتِنا التي قد وسعت كل شيء مَنْ نَشاءُ من خلص عبادنا المجبولين على فطرة توحيدنا السالكين سبيل الانابة والرجوع الى فضاء فنائنا وَبالجملة نا لا نُضِيعُ ولا نهمل ولا ننقص أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ الذين يحسنون الأدب مع الله في عموم أحوالهم وشئونهم ولا يغفلون عنه سبحانه طرفة ولا يلتفتون الى غيره لمحة ولا يخطر ببالهم سواه خطرة هذا مآلهم في النشأة الاولى وَالله لَأَجْرُ النشأة الْآخِرَةِ المعد لهم فيها خَيْرٌ منها بأضعاف وآلاف كل ذلك لِلَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الله عن ظهر القلب وصميم الفؤاد وَكانُوا يَتَّقُونَ عن محارم الله طلبا لمرضاته وقياما بحسن آدابه ورجاء من ثوابه وخوفا من عقابه وَحين استوزر الملك يوسف ﵇ واقام لضبط الممالك وقيام امور الناس من التدبيرات المتعلقة بأمور معاشهم من تكثير الغلات والزراعات وتحصيل الأرزاق والأقوات حتى دخلت السنون المجدبة وقد كانت البيوتات والمغلات المتعلقة للملك مملوة بأنواع الأقوات واصناف الحبوبات وبعد ما أحاط الجدب والقحط جميع بلاد المصر والشام وعمم البلوى في عموم الأماكن والجهات اضطر الناس من الأقاصي والأداني الى ان يلتجئوا الى باب العزيز ليستغلوا منه ويسدوا رمقهم بها لذلك قد جاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ من الكنعان ليستغلوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ بأجمعهم فَعَرَفَهُمْ في الفور وسألهم عن الوطن والمصلحة فقالوا نحن أولاد يعقوب عليه السّلام

стр. 378

نبي الله ابن اسحق ذبيح الله بن ابراهيم خليل الله قد جدبنا الآن واضطررنا الى ان جئنا لنستقوت من جاه العزيز ثم قال لهم يوسف أنتم بأجمعكم أبناء رجل واحد قالوا نعم ان لأبينا اثنى عشر ابنا عشرة من زوجة واثنان من زوجة اخرى ونحن تلك العشرة وواحد من الاثنين قد هلك في الصحراء والآخر عند أبينا يوانس معه ويدفع به وحشة أخيه إذ هو محبوب له مرغوب عنده وَهُمْ مع طول صحبتهم معه ومجالستهم عنده لَهُ مُنْكِرُونَ بحيث لا يتفطنون ولا يتنبهون فكيف يعرفونه وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ الخدام باذن العزيز بِجَهازِهِمْ وهيئوا رحالهم وأحمالهم وأرادوا ان يشدوا فدخلوا على العزيز للتوديع قالَ لهم العزيز ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ليدل على صدقكم ونجابة أصلكم أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وأتمه لكم وأوفره عليكم وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ واحسن المضيفين إياكم فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ اى بأخيكم فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي بعد اليوم وَلا تَقْرَبُونِ ولا تدخلوا دارى وأنتم حينئذ قوم كاذبون وبعد ما سمعوا منه كلاما موحشا تفرسوا انهم لو لم يأتوا بأخيهم لما كال لهم العزيز ولم ينزلهم فكيف ان يحسن إليهم ويضيفهم قالُوا له معتذرين ان له أبا شيخا كبيرا ضريرا اسيفا ضعيفا محزونا يتسلى به وبالجملة سَنُراوِدُ ونجتهد مقدار وسعنا وطاقتنا عَنْهُ أَباهُ ونخادع بأنواع الحيل والخداع حتى نأتى به وَإِنَّا لَفاعِلُونَ البتة وجوها من الخدعة لإتيانه ان قبل أبونا وَبعد ما هيئوا للسفر وأرادوا ان يرحلوا قالَ يوسف ﵇ لِفِتْيانِهِ أعوانه وخدامه اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ التي قد أتوا بها وهي الأدم والنعال فِي رِحالِهِمْ على وجه لا يشعرون لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها وقت إِذَا انْقَلَبُوا ورجعوا إِلى أَهْلِهِمْ وبعد رؤيتهم البضاعة ايسوا لَعَلَّهُمْ بعد ذلك يَرْجِعُونَ بأخيهم لو رجعوا فَلَمَّا رَجَعُوا من مصر إِلى أَبِيهِمْ وحكوا عنده جميع ما قد جرى بينهم وبين العزيز من الحكايات التي مضت ثم طلبه منهم من يصدقهم ويشهد لهم واضطرارهم من الشاهد وأمرهم العزيز بإحضار أخيهم بنيامين ليكون مصدقا لهم ثم بعد ما بسطوا الكلام عند أبيهم قالُوا متفقين يا أَبانا قد مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ بعد اليوم لو لم ترسل معنا بنيامين فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا ليكون مصدقا لنا عند العزيز وبعد تصديقه إيانا نَكْتَلْ لجميعنا وَلم لم ترسل معنا أخانا يا أبانا إِنَّا بجميعنا لَهُ لَحافِظُونَ من لحوق المكروه عليه إذ نحن عصبة ذوو قدرة وقوة قالَ لهم أبوهم متأسفا متحزنا هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ وأجعلكم وقاية له وكفيلا لحفظه إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ يوسف مِنْ قَبْلُ وبالجملة فَاللَّهُ المراقب على عباده في عموم أحوالهم خَيْرٌ لهم حافِظاً اى من جهة الحصانة والحفظ وَهُوَ في ذاته أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ إذ رحم كل راحم راجع اليه إذ هو رحيم بالذات ورحم غيره؟؟؟ يتشعب من رحمه وبعد ما قد الحوا مع أبيهم واقترحوا له بإرسال أخيهم وتفرسوا منه انه لم يرض بإرساله خرجوا من عنده محزونين وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ التي قد جاءوا بها وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ التي قد اشتروا بها الكيل رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ندموا وتحزنوا ثم رجعوا الى أبيهم شاكين مشتكين قالُوا يا أَبانا انا نجزم بمنع الكيل لو نكر ما نَبْغِي واى شيء نعمل وندبر هذِهِ بِضاعَتُنا قد رُدَّتْ إِلَيْنا على وجه لا نطلع عليها الا الآن وبالجملة قد جزمنا ان لا كيل لنا ان عدنا اليه مرة اخرى بلا إتيان أخينا بل نكون عند العزيز من الكاذبين الصاغرين المهانين وَبالجملة قد نسأل منك يا أبانا من كمال كرمك وجاهك ان ترسل معنا أخانا ليصدقنا عند العزيز

стр. 379

وبعد تصديقه إيانا نَمِيرُ ونحمل العطايا العظام من عنده أَهْلَنا ولأجلهم وَنَحْفَظُ في الذهاب والإياب أَخانا وَنَزْدادُ بسببه كَيْلَ بَعِيرٍ وحمله إذ من سنة العزيز ان يحمل لكل منا بعيرا ذلِكَ الكيل الذي قد جئنا به كَيْلٌ يَسِيرٌ نزر قليل لا يفي لمعاشنا الى وقت الخصب ما لم نزده ثم لما بالغوا في سؤالهم واقترحوا الاسعاف بما طلبوا قالَ لهم أبوهم معاتبا عليهم لَنْ أُرْسِلَهُ اى بنيامين مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ اى يمينا وقسما عظيما أثق به واعتمد عليه لَتَأْتُنَّنِي بِهِ البتة بلا خلاف إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ نوع من البلاء من إلمام العدو وغيره فَلَمَّا اضطروا الى ما طلبه أبوهم منهم آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ فرضي أبوهم بإرسال أخيهم معهم ضرورة قالَ أبوهم تأكيدا لهم وتغليظا وتفويضا لأمره الى ربه اللَّهِ المطلع لعموم احوال عباده عَلى ما نَقُولُ ويجرى بيننا وَكِيلٌ رقيب كفيل حفيظ يفعل بنا بمقتضى علمه وخبرته ما فعل ثم لما رضى يعقوب ﵇ بإرسال ابنه بنيامين معهم فشدوا الرحال وأرادوا ان يخرجوا وصى يعقوب ﵇ لبنيه ان يتفرقوا عند الدخول الى مصر ولا يدخلوها كوكبة واحدة خوفا منهم ان يعانوا إذ هم ذو جمال وبهاء كان الناس يتعجبون منهم حيث انصرفوا مجتمعين قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا على البلدة مِنْ بابٍ واحِدٍ مجتمعين بل وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ فرادى فرادى حتى لا يلحقكم ضرر العيون اللامة وَاعلموا انى ما أُغْنِي وادفع بقولي لكم هذا عَنْكُمْ مِنَ قضاء اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ بل إِنِ الْحُكْمُ وما الأمر والشان إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ لا على غيره من العكوس والاظلال تَوَكَّلْتُ في كل الأمور والأحوال وَعَلَيْهِ سبحانه في عموم الخطوب والملمات فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ إذ لا رجوع للكل الا اليه وَبالجملة لَمَّا دَخَلُوا مصر مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ وعلى الوجه الذي أوصاهم متفرقين من أبواب متعددة مع انه ما كانَ يُغْنِي ويدفع عَنْهُمْ تدبير أبيهم مِنْ قضاء اللَّهِ المقدر لهم في حضرة علمه ولوح قضائه إذ لا معقب لحكمه ولا مرد لقضائه مِنْ شَيْءٍ قليل إِلَّا حاجَةً يعنى سوى انه قد كانت حاجة اى هذه الوصية تختلج فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها واوصى بها لابنائه تفألا وتفريجا وَإِنَّهُ اى يعقوب ﵇ في نفسه لَذُو عِلْمٍ كامل ومعرفة تامة فائضة له من لدنا متعلقة بما لا مرد لقضائنا ولا مبدل لقولنا ولا معقب لحكمنا لذلك قال وما اغنى عنكم من الله من شيء وذلك لِما عَلَّمْناهُ بطريق الوحى والإلهام إياه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المجبولين على الجهل والنسيان لا يَعْلَمُونَ ان قضاءنا لا يرد وان الحذر لا يغنى عن القدر وان الكائن مقدر وان المقدر لا يدفع بالحذر وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ مع بنيامين أضافهم واجلس كل اثنين منهم على سماط فبقى بنيامين وحيدا فبكى وتأوه متحسرا وقال لو كان أخي يوسف حيا لما بقيت وحيدا ولما رأى يوسف حينئذ بكائه آوى إِلَيْهِ أَخاهُ ورجع نحوه وضمه الى نفسه وأجلسه على سماطه ثم امر يوسف ان ينزلوا كل اثنين منهم بمنزل واحد فبقى بنيامين لا ثانى له فاغتم حينئذ أشد اغتمام فذهب به يوسف ﵇ الى منزله فقال له أتحب ان أكون انا أخاك بدل أخيك الهالك قال فمن يجد مثلك أخا ايها العزيز غير انك لم يلدك يعقوب ولا راحيل ثم لما تفرس يوسف منه ازدياد الحزن والكربة والكآبة وشدة التأسف والتغمم قالَ لا تحزن ولا تغتم يا أخي بنيامين إِنِّي بشخصى أَنَا أَخُوكَ يوسف ابن يعقوب وراحيل قد احتال على إخوتك وخادعونى بأنواع الحيل والخداع الى ان فرقوا بيني

стр. 380

وبين ابى بمدة مديدة ضنا وحسدا فأنقذني الله عن مكرهم وكيدهم واخلصنى عن قيد الرقية والسجن وانواع المحن وقد رفع الآن قدري ومكانتى وشرفني بلقياك يا أخي وأعطاني من الكرامات ما لا يعد ولا يحصى فَلا تَبْتَئِسْ ولا تحزن يا أخي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ معى ومعك من انواع الصغار والهوان واصناف الأذيات ثم لما أقر عينا بنيامين بوجه يوسف وسر قلبه بلقياه سيما بعد ما ايس وقنط يأسا كليا قال يا أخي انا لا أفارقك ابدا قال له يوسف لا يتيسر لنا هذا الا بعد ان اتهمك بتهمة فآخذك لأجلها ان رضيت قال رضيت انا باية تهمة اتهمتنى أنت بها فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ على الوجه المعهود وشدوا رحالهم جَعَلَ السِّقايَةَ اى امر يوسف للخدمة ان يجعلوا السقاية التي بها يكال الأقوات وهي من الفضة وقيل من الذهب فِي رَحْلِ أَخِيهِ بنيامين وبعد ما شدوا الرحال ودعوا مع العزيز جميعا فخرجوا ثُمَّ بعد ما خرجوا من البلدة أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ وصاح عليهم صائح من شرطة العزيز أَيَّتُهَا الْعِيرُ والقفل الزموا مكانكم الى اين تمشون إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ قالُوا مدبرين وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ اى على الصائحين مضطربين خائفين ماذا تَفْقِدُونَ ايها الفاقدون المتفقدون قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ اى الظرف الذي يصاع ويكال به وَبالجملة لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ من الكيل وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ضمين اتكفل ان أتفحص من رحله قالُوا مضطربين مقسمين مستبعدين تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ايها الخدمة والعزيز ايضا انا ما جِئْنا عندكم وفي أرضكم لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ سيما السرقة فإنها من اكبر الفسادات في دين أبينا وَبالجملة ما كُنَّا سارِقِينَ أصلا إذ نحن أولاد الأنبياء ولا يليق بنا أمثال هذه قالُوا اى الشرطة والخدام فَما جَزاؤُهُ واى شيء جزاء السارق منكم إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في دعوى البراءة والنزاهة قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ نفسه وشخصه جَزاؤُهُ اى جزاء سرقته بان يسترق سنة وقد كان جزاء السارق في دين يعقوب استرقاق سنة وبالجملة كَذلِكَ ومثل ما قلنا نَجْزِي الظَّالِمِينَ السارقين في دين أبينا يعقوب ﵇ ثم لما أفتوا بما أفتوا أخذوا بالكشف والتفتيش فَبَدَأَ الزاعم بِأَوْعِيَتِهِمْ وتفتيشها وتفحصها قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ بنيامين ثُمَّ بعد ما استقصى الكل واستقرأه تفتيشا اسْتَخْرَجَها اى السقاية مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ لئلا يظن انهم يدسونها في رحله كَذلِكَ اى مثل كيد يوسف لاخذ أخيه بنيامين قد كِدْنا لِيُوسُفَ في اخذه من يد إخوتهم وخلاصه من الرق والسجن وكدنا له ايضا في أخذ أخيه من اخوته بفتواهم ايضا إذ ما كانَ وما صح وما جاز له لِيَأْخُذَ أَخاهُ بجرم السرقة فِي دِينِ الْمَلِكِ اى ملك مصر إذ في دينه الضرب وأخذ ضعف ما سرق منه إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هذا الحكم المخصوص في دين الملك وألهمه يوسف بنفاذه او يحكم يوسف ﵇ في هذه المسألة على دين آبائه او كان الملك قد اسلم بيده ودخل بدين آبائه على ما نقل إذ نَرْفَعُ ونعلو دَرَجاتٍ ومراتب ومنازل مَنْ نَشاءُ من عبادنا بازدياد انواع الفضائل والكمالات والحقائق والمعارف وَلا يبعد منا أمثال هذا إذ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ أعلى واعلم منه لا الى نهاية إذ لا انقطاع لتجددات التجليات أصلا لذلك قال سبحانه الا طال شوق الأبرار الى لقائي ومن وراء شئوني وتجلياتى ثم لما شاهد الاخوة استخراج الوعاء من رحل بنيامين اضطربوا اضطرابا شديدا وتحزنوا حزنا بليغا قالُوا مغاضبين عليه مريدين مقته إِنْ يَسْرِقْ هذا اللئيم فلا تتعجبوا منه إذ هي من ديدنة أخيه قد سرت عليه فَقَدْ

стр. 381

سَرَقَ مثله أَخٌ لَهُ اكبر منه مِنْ قَبْلُ في أوان طفوليته يريدون منه يوسف ﵇ قيل ورثت عمة يوسف ﵇ من أبيها منطقة ابراهيم ﵇ وكانت تحضن يوسف ﵇ وتحبه فلما شب يوسف أراد يعقوب انتزاعه من عندها فلم ترض العمة فشدت المنطقة على وسطه ثم أظهرت ضياعها فتفحصت عنها فوجدتها مشدودة في وسطه فتحا كما فصارت أحق به في دينهم فلما سمع يوسف منهم ما سمع فَأَسَرَّها وكتمها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ ولم يظهر الإنكار عليهم بل أضمر حيث قالَ في نجواه وسره أَنْتُمْ ايها المسرفون المفرطون شَرٌّ مَكاناً وخصلة ومنزلة وشأنا وَاللَّهُ المطلع لأحوال عباده أَعْلَمُ منكم بِما تَصِفُونَ وتشرحون بألسنتكم افتراء ومراء ثم لما جزم العزيز بأخذ أخيه على جريمة السرقة واسترقاقه الى سنة قالُوا متضرعين متذللين منادين له على وجه الخضوع راجين منه قبوله يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ أدام الله عزك وجاهك إِنَّ لَهُ اى لهذا المفسد السارق أَباً شَيْخاً كَبِيراً في السن والمرتبة إذ هو نبي من الأنبياء وقد صار ضريرا من فراق ابنه الهالك يتسلى قلبه ويزول وحشته وكربه بمؤانسة هذا المفسد المسرف مع انا قد حلفنا معه وآتيناه موثقا عظيما ان نرجع به فَخُذْ من جاهك وإحسانك أَحَدَنا مَكانَهُ وبدّله بواحد منا ليخدم في بابك وأطلقه لنذهب به الى أبيه الضرير الضعيف لئلا يستوحش هو ولا نحنث نحن في حلفنا وبالجملة احسن إلينا كما احسن الله إليك إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ المتعودين للإحسان المتمرنين فيه فتمم علينا إحسانك وامتنانك سيما على الشيخ الضعيف الضرير قالَ يوسف مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ يعنى نعوذ بالله ان نأخذ غير السارق بدله ظلما لمصلحتكم إِنَّا ان فعلنا مثل ما طلبتم منا قد كنا إِذاً لَظالِمُونَ خارجون عن حدود الله بلا اذن شرعي فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ومن تبديله خَلَصُوا وخرجوا من عنده نَجِيًّا مناجين في نفوسهم بان ما عليه العزيز هو الحق لان أخذ البرئ بدل المجرم ظلم صريح ثم لما صمموا العزم الى الرجوع وايسوا من أخذ بنيامين قالَ كَبِيرُهُمْ رأيا او سنا وهو رؤبيل او شمعون أَلَمْ تَعْلَمُوا ايها المسرفون أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً عظيما وعهدا وثيقا مِنَ اللَّهِ القادر المقتدر على وجوه الغضب والانتقام بان ترجعوا به وَايضا لم تستحيوا من الله ولم تتذكروا قبيح صنيعكم مِنْ قَبْلُ في سالف الزمان اما تستحضرون ما فَرَّطْتُمْ فِي حق يُوسُفَ وشأنه من الإذلال والزجر التام والألم المفرط والإلقاء في الجب وبيعه بالدراهم المعدودة واسترقاقه وغير ذلك من انواع الأذيات معه ومع أبيه وأخيه بفراقه وأنتم ايها المفرطون ما استحييتم من الله تدّعون وراثة الأنبياء وتنسبون انفسكم إليهم وصنيعكم هذا وبعد اللتيا والتي قد فعلتم بأخيه هذا وبالجملة فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ انا ولن أزول عن ارض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بالخروج منها وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ارْجِعُوا أنتم إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا بسرقته وإسرافه إِلَّا بِما عَلِمْنا يقينا انه سارق وما علمنا سرقته الا بالمشاهدة والاحساس بان اخرج صاع الملك من رحله وَانا وان كنا حفيظا له رقيبا عليه لكن ما كُنَّا لِلْغَيْبِ المخفي المستتر عنا حافِظِينَ إذ لا اطلاع لنا على سره وضميره وَان لم تقبل يا أبانا منا قولنا سْئَلِ الْقَرْيَةَ اى من أهلها الَّتِي كُنَّا فِيها لرعى الحوامل وتهيئة الأسباب وَأسهل من ذلك اسئل الْعِيرَ والقفل الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها

стр. 382

إذ هم رفقاؤنا معنا حين سرق ابنك وأخذوه مع انا قد اجتهدنا كثيرا ان يأخذوا أحدا منا بدله لم يقبلوا منا وقالوا لا نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده وان مضينا وقضينا بمقتضى مقترحكم نكون إذا من الظالمين بأخذ البرئ بدل الجاني مع ان أخانا يهودا اوروبيل قد تخلف عنا خوفا من الحنث واستحياء منك وَالله يا أبانا إِنَّا لَصادِقُونَ فيما حكينا لك عما جرى علينا ثم لما رجعوا الى أبيهم وقالوا له ما قالوا على التفصيل المذكور وسمع منهم يعقوب ﵇ ما سمع تأسف وتأوّه وبكى كثيرا ثم قالَ من اين يعرف العزيز ان السارق يؤخذ بسرقته بَلْ سَوَّلَتْ زينت وحسنت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ان تفرقوا ابني عنى ظلما وعدوانا كما قد فرقتم أخاه فيما مضى فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وما امرى وشأنى في هذا ايضا الا صبر جميل إذ الصبر الجميل أجمل منى فيما فرطتم فيّ وفي ابنىّ ايها المفسدون المسرفون المفرطون عَسَى اللَّهُ الكريم الرّحيم المطلع بحالي وحزنى وبشدة كآبتى وكربتي أَنْ يَأْتِيَنِي بمقتضى لطفه وسعة جوده ورحمته بِهِمْ اى بيوسف وأخيه وبكبيركم المتخلف عنكم جَمِيعاً مجتمعين إِنَّهُ سبحانه بذاته هُوَ الْعَلِيمُ بمناجاة عباده وميلهم الى حاجاتهم الْحَكِيمُ في أفعاله على مقتضى مصالح عباده وَبعد ما سمع منهم أبوهم ما سمع قد تَوَلَّى اعرض وانصرف عَنْهُمْ مغاضبا عليهم مشتكيا الى ربه من سوء فعالهم وَقالَ من شدة حزنه وكآبته ونهاية ضجرته على مفارقة ابنيه يا أَسَفى ويا حزنى وشدة بلائي ويا حسرتى وحرقة كبدي وبالجملة يا هلكتي تعالى إذ لم يبق بيني وبينك ما يبعّدك عنى ويبعّدني عنك سيما عَلى يُوسُفَ خصه بالذكر إذ هو عمدة محبته وزبدة مودته مع انه متردد في حياته وجازم بحياة الآخرين وَبالجملة لما تجاوز عن الحد ألمه وتطاول حزنه وأسفه قد ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ كثرة الْحُزْنِ والكآبة قبل فقدان هذين الاثنين فكيف بعد فقدانهما وبالجملة فَهُوَ في نفسه كَظِيمٌ مملو من الغيظ والأسف والحزن والبلاء كأنه مجسم منها متجرع انواع الغصص والألم من بنيه ثم لما رأى الناس منه ما رأوا من قلة الاكل والشرب وذوبان البدن ونقصان القوى البشرية والسهر المفرط واستمرار الحزن والأسف ودوام التأوه والتلهف قالُوا متعجبين من حاله مقسمين على هلاكه تَاللَّهِ تَفْتَؤُا لا تزال تَذْكُرُ يُوسُفَ على هذا المنوال حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً مريضا مهزولا مدقوقا مشرفا على الهلاك أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ولما بالغوا في منعه عما عليه من الكآبة والحزن وكثرة التأوه والبكاءالَ في جوابهم مستنكرا عليهم نَّما أَشْكُوا بَثِّي وما أبث وابسط شكواي حُزْنِي المفرط الخارج من حد التصبر الالَى اللَّهِ المطلع لما في قلبي من الحرقة والا لم المفرط رجاء ان يزيل عنى ما يؤذيني ويوصلني بلطفه وجوده الى ما يسرني ويفرج همي عنى اعلموا ايها اللائمون المبالغون في منعى انى بالهام الله إياي ووحيه الى عْلَمُ مِنَ كرم لَّهِ ومن سعة رحمته وجوده وفضله الا تَعْلَمُونَ أنتم ايها اللائمون المبالغون بل انما حملني الله وازعجنى على بث الشكوى ونشر النجوى معه واظهار التذلل والخشوع والتضرع والخضوع نحوه حتى لا اقنط من ملاقاة يوسف ولا اترك المناجاة مع الله لأجله وان تطاولت المدة وتمادى الزمان ثم لما استروح يعقوب ﵇ من روح الله واستنشق من نسمات رحمته نادى بنيه نداء مرحمة واشفاق ليقبلوا اليه بعد ما ايسوا عنه وقنطوا من عطفه إذ هم قد بالغوا في سوء الأدب معه وإيقاعه بأنواع المحن والشدائد فقال يا بَنِيَّ اذْهَبُوا الى مصر كرة اخرى فَتَحَسَّسُوا تفحصوا وتطلبوا اصالة مِنْ

стр. 383

يُوسُفَ وَأَخِيهِ بنيامين تبعا وَلا تَيْأَسُوا ولا تقنطوا يا بنى مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وتنفيسه وتقريحه الهم إذ نحن معاشر الأنبياء لا يليق بنا اليأس والقنوط سيما عن كرم الله وجوده في حال من الأحوال إِنَّهُ لا يَيْأَسُ ولا يقنط مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ومن كمال قدرته وسعة جوده ورحمته إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ الساترون بغيوم هوياتهم الباطلة شمس الحق السارية المتجلية في الأنفس والآفاق والفائضة عليهم سجال الفضل والكرم على مقدار قابلياتهم واستعداداتهم فعليكم ان لا تقنطوا من الله بحال من الأحوال بل اعتقدوا ان له التصرف والقدرة الكاملة والارادة التامة المتعلقة بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم لما صمموا العزم بالخروج الى مصر كرة اخرى باذن أبيهم فخرجوا من عنده وساروا الى ان وصلوا مصر فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ اى على يوسف قالُوا أولا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ قد مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ والجدب وشدة الجوع وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ قليلة ردية فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وتممه لنا من جاهك وإحسانك وَقالوا ثانيا تَصَدَّقْ عَلَيْنا برد أخينا لنرده الى أبيه المحزون فانه قد اشرف على الهلاك من شدة الحزن والأسف إِنَّ اللَّهَ المجازى على اعمال عباده يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ المحسنين منهم جزاء حسنا لا جزاء احسن منه ثم لما سمع يوسف من أسف أبيه وشدة كربه وكآبته وابيضاض عينيه وهزال جسمه ونحوله واشرافه على الانهدام والانخرام شرع يظهر امره عليهم حيث قالَ تفضيحا لهم وتقريعا هَلْ عَلِمْتُمْ ايها المسرفون المفرطون قبح ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ من الزجر والإذلال والضرب والشتم وانواع المكروهات والمذمومات سيما قد اشتريتم بثمن بخس دراهم معدودة لتبعدوه عن وجه أبيه وتطردوه عن ساحة عز حضوره إِذْ أَنْتُمْ قوم جاهِلُونَ بان لا مرد لقضاء الله ولا معقب لحكمه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فاجتهدتم لهدم بناء الله وتغيير مراده ورد قضائه مبارزة عليه وخروجا بين يديه وبعد ما سمعوا منه ما سمعوا قالُوا مخبتين خاضعين متذللين بعد ما عرفوه مستفهمين على سبيل التقرير والتثبيت أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ايها العزيز قالَ أَنَا يُوسُفُ بن يعقوب الذي قد فعلتم به ما فعلتم وَهذا أَخِي بنيامين من ابى وأمي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بأنواع الكرم والإحسان ووقانا عما قصدتم علينا من السوء والعدوان وانواع الظلم والطغيان وبالجملة إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ عن محارم الله وعما لا يرضى به الله وَيَصْبِرْ على ما جرى عليهم من قضاء الله فَإِنَّ اللَّهَ الرقيب المطلع لأحوال عباده لا يُضِيعُ ولا يهمل ولا ينقص أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ الذين يحسنون الأدب مع الله ويعبدونه كأنهم يرونه ثم لما ظهر عليهم ما ظهر من الفضيحة والشناعة وانواع الندامة والكآبة قالُوا متضرعين مستحين متذللين مقسمين على سبيل التثبيت والتقرير تَاللَّهِ يا أخانا لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ واصطفاك عَلَيْنا وأراك في المنام ما أراك من سجود الشمس والقمر والكواكب المعتبرة وكفاك هذا دليلا على نجابتك واختيارك علينا مع ان أبانا قد علم منك ما علم من الرشد وكمال العلم والفضل لذلك آثرك علينا محبة وعطفا وَبالجملة إِنْ كُنَّا اى انا كنا لَخاطِئِينَ في إذلالك وارادة مقتك وإهلاكك وضربك وايذائك وبالجملة قد كنا ساعين في ابطال ارادة الله ومشيته وكمال حكمته وقدرته لا سيما في إيذاء أبينا بمفارقتك عنه وإيقاعه بأنواع البليات والنكبات الى حيث قد ابيضت كريمتاه من فراقك فالآن الحكم لك والأمر بيدك وانا مجرمون مقرون معترفون بأنواع الجرائم فلك الاختيار وعلينا الحسرة والندامة وانواع الكآبة

стр. 384

والسآمة ثم لما رأى يوسف منهم ما رأى من الندامة المفرطة والخجل الغير المتناهي والخذلان المتجاوز عن الحد وانواع الخيبة والخسران قالَ لهم تسلية عليهم وتزكية لنفسه بمقتضى نجابة طينته وكرامة فطرته لا تَثْرِيبَ اى لا لوم ولا تقريع عَلَيْكُمُ منى في حال من الأحوال سيما الْيَوْمَ الذي أنتم تعتذرون فيه وتستعفون عنى فاعلموا انى قد عفوت لكم مالي من الحقوق عليكم وقد ابرأت ذمتكم عنها جميعا بل يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ بعد ما استغفرتم اليه مخلصين وَهُوَ سبحانه في ذاته أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ إذ رحم عموم الرحماء انما هو منه ومن ظل رحمته التي وسعت كل شيء وبعد تسليتهم وعفوهم وأخلاء الرعب عن خواطرهم أمرهم بالذهاب سريعا نحو أبيهم المحزون المغبون ليخلص عما عليه من الحزن المفرط والكآبة الغير المتناهية فقال اذْهَبُوا يا إخوتي بِقَمِيصِي هذا وهو عليه فأخرجه ولفه بلا تنقية وغسل فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ يرجع ويصر بَصِيراً قريرا بعد ما كان مكفوفا ضريرا فاقد العينين وَبعد ما صار بصيرا صحيحا سالما سويا أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ وبجميع ما ينسب إليكم من النسوان والذراري والخدم والحشم أَجْمَعِينَ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ وخرجت الركب والقفل من عمران مصر نحو كنعان قالَ أَبُوهُمْ لمن في صحبته من المؤمنين له إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ وتسفهوني ايها الحضار وتنسبونى الى نقصان العقل والخرف لصدقتمونى قالُوا اى المؤمنون الحاضرون عنده تَاللَّهِ إِنَّكَ بتذكير يوسف ومن كثرة تخطيره ببالك لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ اى في ضلالك الذي قد كنت عليه زمانا مستمرا وهو وان سفهه القوم ومنعوه بتزايد شوقه ووجده زمانا فزمانا يترقى اشفاقه ونوحه ساعة فساعة فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ وهو يهودا مع القميص أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ على الوجه المأمور به فَارْتَدَّ رد وعاد فجأة بَصِيراً كما كان في سالف الزمان فشكر الله وحمده وسجد له سبحانه سجدة شكر على وجه الخضوع والخشوع وكمال التذلل والتفويض. ثم لما رفع رأسه من سجوده قالَ لبنيه ولحضار مجلسه أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ يا قوم حين لمتمونى بالاسف والحزن المفرط وكثرة المناجاة مع الله ورفع الحاجات اليه سبحانه لملاقاة يوسف إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ كرم اللَّهِ ومن سعة رحمته وجوده ما لا تَعْلَمُونَ أنتم ايها اللائمون ثم لما سر يعقوب ﵇ وخلص من المحن والشدائد وقر عيناه قالُوا اى بنوه منادين له متضرعين اليه متحننين نحوه يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا التي قد كنا نعمل معك ومع من أحببته واخترته علينا إِنَّا فيما فعلنا من الجرائم العظام وانواع المعاصي والآثام قد كُنَّا خاطِئِينَ جاهلين عن عواقبها وما تؤل اليه إذ هي من جملة ما قد قضى الله إيانا وحكم علينا لا مرد لقضاء الله ولا معقب لحكمه ثم لما تفرس يعقوب ﵇ منهم الإخلاص والانابة الصادقة والندامة الخالصة والرجوع عن ظهر القلب قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ في ذاته هُوَ الْغَفُورُ لذنوب عباده لا غافر لهم سواه سبحانه سيما لمن قد أخلصوا في رجوعهم وتوجههم نادمين الرَّحِيمُ لهم يقبل توبتهم وما سوف ﵇ امر استغفارهم الا الى ملاقاة يوسف ﵇ والمشورة معه ويدل عليه ما روى ان يعقوب ﵇ استقبل القبلة قائما يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفه اذلة خاشعين حتى نزل جبريل ﵇ فقال ان الله قد أجاب دعوتك في حق ابنائك وقد عقد سبحانه مواثيقهم بعدك على النبوة ثم لما صمموا عزم الرحيل الى مصر وشدوا ركائبهم وساروا حتى وصلوا الى قربها فسمع يوسف بقدومهم وخرج الى استقبالهم

стр. 385

مع الملك وجنوده وجميع اهل مصر فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ووصلوا اليه آوى إِلَيْهِ وحنن نحوه أَبَوَيْهِ فضمهما يوسف الى نفسه وواسى معهما وآنس بهما وزال وحشته ووحشتهما وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ عن نكبات الجدب والقحط واذيات الرحيل وَبعد ما دخلوا على بيته رَفَعَ أَبَوَيْهِ تعظيما لهما وتوقيرا عَلَى الْعَرْشِ الذي يجلس هو عليه وهو بنفسه يقوم بين يديهما وَبعد ما تمكن ابواه على عرشه خَرُّوا لَهُ وبنوهما سُجَّداً لله شكرا للقياه وشرف حضوره سجود شكر وخضوع ولما رأى يوسف سجود هؤلاء تذكر ما رأى في المنام في أوان الصبا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ في سالف الزمان قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا صدقا محققا مطابقا للواقع وَقَدْ أَحْسَنَ بِي بأنواع الإحسانات إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ بعد ما كنت فيه مدة مديدة وَأعظم منه انه قد جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ والبادية البعيدة سيما مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ وأوقع الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي بأنواع الإيقاعات والوساوس وبالجملة إِنَّ رَبِّي الذي رباني بأنواع اللطف والكرم لَطِيفٌ مدبر كامل وموفق كافل لِما يَشاءُ من الأمور ويريد إصلاحه إِنَّهُ بذاته هُوَ الْعَلِيمُ بعلمه الحضوري بمصالح عباده الْحَكِيمُ المتقن في أفعاله على مقتضى ما تعلق به علمه وارادته ثم دعا يوسف ﵇ لنفسه وناجى ربه مناجاة صادرة عن محض الحكمة والزكاء والفطنة بقوله رَبِّ يا من رباني بلطفك وفضلك بأنواع التربية واصناف النعم والكرامة بحيث قَدْ آتَيْتَنِي وأعطيتني مِنَ الْمُلْكِ الظاهر اى الحكومة المتعلقة بعالم الشهادة وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ والعبور من صور الحوادث الكائنة في عالم الشهادة والخيال الى ما في عالم الغيب من الصور المقتضية إياها يا فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى عالم الأسماء والصفات التي قد انعكست منها هذه الاظلال الهالكة الشهادية أَنْتَ بذاتك بعد ما قد تحققت بتوحيدك وانكشفت به وارتفعت الحجب بيني وبينك وَلِيِّي ومتولى امرى وحامل أسراري فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ اى في النشأة الاولى والاخرى تَوَفَّنِي واقبضنى يا ربي نحوك مُسْلِماً مسلما مفوضا عموم أموري إليك وَأَلْحِقْنِي بمقتضى فضلك ولطفك بِالصَّالِحِينَ الذين أصلحوا نفوسهم في النشأة الاولى والاخرى حتى يفوزوا من عندك بشرك اللقيا ذلِكَ المذكور من قصة يوسف وما جرى بينه وبين اخوته وبين امرأة العزيز وغير ذلك من الوقائع الهائلة الواقعة على يوسف وعلى أبيه وأخيه من حسد اخوتهما مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ومن الاخبارات التي قد سترت عنك وعن قومك يا أكمل الرسل نُوحِيهِ إِلَيْكَ ونعلمك نحن بالوحي والإلهام وَبالجملة ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ودونهم وفي جمعهم وقت إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ويقصدون المكر والخداع مع يوسف وأبيه بعد ما شاوروا كثيرا في إهلاك يوسف وابعاده من عند أبيه واستقرار رأيهم بعد تكرر المشاورة على ما فعلوا به واتفقوا عليه وما أنت ايضا من اهل الإملاء والنسخ حتى تضبط قصصهم من التواريخ ولا من اهل التعلم لتستفيد من الغير بل ما هي الا مجرد وحى يوحى إليك من عندنا وَما أَكْثَرُ النَّاسِ الذين يترددون بين يديك ودونك وَلَوْ حَرَصْتَ أنت بايمانهم وإذعانهم بِمُؤْمِنِينَ لك مصدقين بما جئت به من عند ربك وَما عرض لهم ولحق لنفوسهم من الغفلة لم يقبلوا منك ما قلت لهم إذ ما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ اى على تبليغ ما قد جئت به من عند الله مِنْ أَجْرٍ جعل ومال من حطام الدنيا كما يفعله حملة الاخبار

стр. 386

ومتفقهة الزمان والمتشيخة من اهل التلبيس المقتفين اثر إبليس بل إِنْ هُوَ اى ما هذا القرآن وما فيه من العبر والاحكام والقصص المستلزمة لانواع المواعظ والتذكيرات إِلَّا ذِكْرٌ عام وفائدة جليلة شاملة لِلْعالَمِينَ وَكَأَيِّنْ كثير مِنْ آيَةٍ دالة على وجود الصانع وتوحيده واستقلاله في التصرف والآثار كائنة فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى العلويات والسفليات او عالم الأسماء والصفات وعالم الطبيعة المنعكسة منها يَمُرُّونَ عَلَيْها مرور غفلة وذهول وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ حيث لا يعتبرون منها ولا يتأملون فيها وفي رموزها وإشاراتها وما ذلك الا من غاية توغلهم في الكثافة الطبيعية والحجب الظلمانية ونهاية تدنسهم بادناس الطبيعة الهيولانية وَلذلك ما يُؤْمِنُ ويوقن أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ المستغنى في ذاته عن عموم المظاهر والمجالى المستقل بوجوده بحيث لا وجود لغيره أصلا إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ مشتركون له سبحانه من مصنوعاته في استحقاق العبادة ما لا وجود له في نفسه أصلا أَيغفلون أولئك المسرفون عن مكر الله فَأَمِنُوا عن كمال قدرته على الانتقام ولم يخافوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ وترسل عليهم غاشِيَةٌ وعقوبة هائلة نازلة عليهم محيطة بهم مِنْ عَذابِ اللَّهِ في هذه النشأة حيث تغشيهم وتحيط بهم أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ الموعودة بَغْتَةً فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ اماراتها وعلاماتها وان أصروا على كفرهم واشراكهم بالله وعدم الالتفات بك وبقولك قُلْ لهم يا أكمل الرسل مجاراة عليهم هذِهِ سَبِيلِي اى الدعوة الى التوحيد الذاتي واعداد الزاد ليوم المعاد طريقي وانا انما بعثت لأجلها وتبيينها أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ والى توحيده باذنه كافة عباده عَلى بَصِيرَةٍ تامة فائضة علىّ من عنده سبحانه أَنَا اى ادعو انا بمقتضى الوحى والإلهام وَمَنِ اتَّبَعَنِي من خيار أمتي بوسيلة إرشادي وهدايتي إليهم وَسُبْحانَ اللَّهِ وانزهه تنزيها تاما عن معتقدات اهل الزيغ والضلال في حقه سبحانه وَبالجملة ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ابرئ نفسي عماهم عليه من الشرك المنافى للتوحيد مطلقا. ثم قال سبحانه وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ ايها المبعوث الى الكل إِلَّا رِجالًا مثلك من جنس البشر نُوحِي إِلَيْهِمْ ونخصهم بالوحي والإلهام مثل ما خصصناك لنجابة طينتهم في اصل خلقتهم مع انهم مِنْ أَهْلِ الْقُرى اى من جملة ما يسكنون فيها أَيصرون هؤلاء المصرون المعاندون على تكذيبك معللين بقولهم الباطل لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ قد كذبوا الرسل المبعوثين إليهم من جنسهم وبنى نوعهم مثل تكذيبهم إياك حتى يعتبروا منها وَالله لَدارُ الْآخِرَةِ المعدة للفوز والفلاح خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا اى للمؤمنين الذين يحفظون نفوسهم عن عموم ما حذرهم الله عنه أَفَلا تَعْقِلُونَ ايها المسرفون المكذبون بها خيريتها مع انكم مجبولون من زمرة العقلاء وهم ايضا أمثالكم ايها المسرفون المكابرون وتمادوا في الغفلة والإصرار على التكذيب مدة مديدة حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ وقنط الرُّسُلُ المبعوثون إليهم بل وَظَنُّوا من طول الامهال وعدم الأخذ والبطش أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا يقينا وصاروا كأنهم قد اخلف عنهم الوعد الذي وعدوا به من جانب الحق وبعد ما ازداد يأسهم وقنوطهم قد جاءَهُمْ نَصْرُنا الذي وعدناهم وعذابنا الذي قد اوعدنا به أممهم وبعد ما جاء أخذنا إياهم فَنُجِّيَ نوفق ونخلص مَنْ نَشاءُ إيمانه بنا وبرسلنا وانقياده إيانا وإياهم وَبالجملة لا يُرَدُّ بَأْسُنا الذي قد وعدنا به عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ الذين قد أجرموا علينا بتكذيب رسلنا وكتبنا وان

стр. 387

طالت مدة الامهال. ثم قال سبحانه تنبيها وحثا لعباده على ما في كتابه من الإشارات لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ اى في قصص الأنبياء المذكورين في القرآن سيما قصة يوسف ﵇ عِبْرَةٌ واعتبار واستبصار لِأُولِي الْأَلْبابِ الذين يتأملون ويتعمقون في لب الكلام ويعرضون عن قشوره وبالجملة ما كانَ القرآن وما ذكر فيه من القصص والاحكام حَدِيثاً مموّها مختلقا يُفْتَرى به الى الله افتراء ومراء وَلكِنْ وحى قد نزل من عند الله ليكون تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب الإلهية اى مصدقا عموم أحكامها وآثارها وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ احتيج اليه في الدين والدنيا من الأمور المتعلقة لتهذيب الظاهر والباطن وَهُدىً مرشدا هاديا قائدا لمن تمسك به وعمل بما فيه قد أمن من الضلال ووصل الى فضاء الوصال وَرَحْمَةً عامة تامة شاملة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ به ويصدقون بما فيه ويعملون بمقتضاه خاتمة سورة يوسف ﵇ عليك ايها المستبصر الخبير والمسترشد البصير بصرك الله بعيوب نفسك وجنبك عن غوائلها ان تعتبر عن القصة التي ذكرت في هذه السورة وتحترز عن مطلق المكائد المذكورة فيها والمخادعات المصرحة بها والمرموزة إليها وتصفى امارة نفسك عن مباديها وتبرئها حسب طاقتك وقدر وسعك وقوتك عما يئول إليها ويؤدّى نحوها وتشمر ذيل همتك لتهذيب ظاهرك وباطنك عما يعوقك عن سلوك طريق التوحيد المفضى الى اضمحلال الرسوم وانقهار التعينات العدمية والاظلال الهالكة المؤدّية الى الكثرة والثنوية الحاجبة عن صرافة الوحدة الذاتية بالنسبة الى ذوى الحجب الكثيفة والغشاوة الغليظة وعليك ان تتوجه بوجه قلبك الى افناء لوازم تعيناتك الباطلة واهويتك العاطلة التي هي شياطين طريقك نحو الحق المنزه عن مطلق التغير والتبدل المقدس عن عموم الانقلابات وعن مطلق التحول والتحويل إذ لا يشغله شأن عن شأن ولا يفتره كر الدهور ومر الأعوام والأزمان بل هو كل يوم وآن في شأن لا كشأن وكل من عليها فان وبالجملة بعد ما قد فنيت أنت عن وجوه تعيناتك رأسا يبقى وجه ربك الذي لا انقلاب له أصلا ذو الجلال الذاتي الأزلي والإكرام الأبدي السرمدي جعلنا الله ممن أيده الحق لسلوك طريق الفناء ووفقهم على افناء ما يعوقهم عن شرف اللقاء ودوام البقاء انه سميع مجيب [سورة الرعد] فاتحة سورة الرعد لا يخفى على من ترقى من مرتبتي العلم والعين بلا تلوين وتحقق واستعلى على مرتبة حق اليقين مع تثبيت وتمكين ان الآثار الغريبة والتدابير العجيبة الكائنة في عالم الكون والفساد انما تصدر عن ذات متصفة بجميع أوصاف الكمال منزهة عن نقص الحدوث والزوال مستقلة في مطلق تصرفاتها بلا مزاحمة ضد وند ومظاهرة معاون وممد إذ لا وجود لغيرها ولا ثبوت لسواها أصلا الا بها ومنها فدلت الأفعال المتقنة والآثار المحكمة والنظام المحسوس المشاهد على هذا النمط البديع على وحدة فاعلها عند من تشبث بأذيال العقل المستدل واما اهل الكشف والشهود المستغرقون في مطالعة جمال الله وجلاله لا يرون في الوجود الا هو ولذلك لا يسندون الآثار والأفعال والحركات والسكنات والحوادث الكائنة مطلقا الا لله أولا وبالذات بلا رؤية الأسباب والوسائل في البين بل

стр. 388

انما لا يرون الكل وما يعتقدونه الا من لوائح تجلياته واشعة شئونه الذاتية وتطوراته لذلك نبه سبحانه في كتابه على عباده مخاطبا لحبيبه منبها عليه بان التدابير الكائنة انما تستند اليه تعالى وتصدر عنه بالاستقلال بلا مظاهر ومعين فقال متيمنا بِسْمِ اللَّهِ المتجلى على ظواهر الكائنات بأنواع التدبيرات الرَّحْمنِ لعموم عباده في النشأة الاولى بوفور العطيات الرَّحِيمِ لهم في النشأة الاخرى بأعظم المثوبات وارفع الدرجات [الآيات] المر ايها الإنسان الكامل اللبيب اللائق لملاحظة رموز آثار الوحدة الذاتية الإلهية اللائح من غرته الغراء مقتضيات لوامع الرشد والرضاء بعموم ما جرى عليه من القضاء تِلْكَ السورة المنزلة إليك يا أكمل الرسل آياتُ الْكِتابِ الجامع لفوائد الكتب المنزلة وأحكامها اى من جملة آياته وبعض منها وَايضا الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ قبل نزول هذه السورة مِنْ رَبِّكَ من الآيات الدالة على تهذيب الظاهر والباطن كلها هو الْحَقُّ المطابق للواقع النازل من عند الحكيم العليم وبالجملة عموم ما انزل إليك في كتابك هذا منجما حق مطابق للواقع بلا شك وارتياب في نزوله من لدنه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لانهماكهم في الغفلة والنسيان لا يُؤْمِنُونَ به ولا يصدقون بما فيه ولا يعتقدون بحقيته وحقية منزله وكيف لا يعتقدون حقيته أولئك الحمقى المعاندون إذ هو اللَّهُ الواحد الأحد المبدئ الرفيع البديع الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ اى العلويات معلقا بِغَيْرِ عَمَدٍ وأساطين يعتمدن عليها ظاهرة كما تَرَوْنَها في بادى النظر لتكون أسبابا ووسائل للسفليات ثُمَّ لما رفعها وصورها على ابلغ النظام وابدعه اسْتَوى واستولى باسمه الرّحمن عَلَى الْعَرْشِ اى على عروش ذرائر الكائنات بالإظهار والإبراز وانواع التدبيرات المتعلقة لحفظها وإبقاء نظامها وانتظامها وَكذلك سَخَّرَ من بينها الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لتتميم التدبير كُلٌّ منهما يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى اى يدور دورة مقدرة شتاء وصيفا ربيعا وخريفا تكميلا لإصلاح ما يتعلق لمعاشهم وحفظهم وبالجملة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ اى امر معاشكم على ما ينبغي ويليق بلا فتور وقصور يُفَصِّلُ لكم الْآياتِ ويوضح لكم الدلائل والشواهد الدالة على توحيده هكذا لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ رجاء ان تتفطنوا وتتيقنوا بوحدة موجدكم ومربيكم من الدلائل الواضحة والشواهد اللائحة وَكيف لا تتفطنون ايها المجبولون على فطرة الفطنة والذكاء بموجدكم ومربيكم مع انه هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وفرشها مبسوطة وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ جبالا شامخات لتكون أوتادا لها وَاجرى عنها وفي خلالها ووهادها أَنْهاراً منتشئة منها جارية على وجه الأرض لا نبات ما تقتاتون وتتفكهون به عليها وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ قد جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ٤ ليكون سببا لدوامها وبقائها ولانضاجها وإصلاحها يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ اى يلبس الليل بالنهار لتسكين البرودة والنهار بالليل لتسكين الحرارة ليحصل الاعتدال في طبيعة الهوا المنضج وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الحكم والتدابير العجيبة لَآياتٍ دلائل واضحات وشواهد لائحات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ويتأملون في حكم الصانع الحكيم المدبر العليم وَايضا من بدائع قدرته وغرائب حكمته انه قد حصل وظهر فِي الْأَرْضِ حسب تدبيره البديع قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ متماثلات في الطبيعة والمزاج وَحدثت ايضا فيها جَنَّاتٌ وبساتين مملوة مِنْ أَعْنابٍ في بعض أطرافها وَفي بعض زَرْعٌ وَفي البعض الآخر نَخِيلٌ مختلفة أنواعها بعضها صِنْوانٌ اى نخلات متكثرة وأصلها

стр. 389

واحد وَغَيْرُ صِنْوانٍ اى متفرقات الأصول مع ان الكل يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَمع وحدة طبيعة الأرض والماء نُفَضِّلُ حسب حكمتنا المتقنة بَعْضَها اى بعض الثمرات عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إذ بعضها ضار لبعض وبعضها نافع وكذا بعضها حلو وبعضها حامض الى غير ذلك من التفاوت والاختلافات الواقعة في الفواكه والثمرات وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الاختلافات مع وحدة طبيعة القابل لَآياتٍ عظاما ودلائل جساما دالة على حكمة الفاعل العليم الحكيم ومتانة فعله وصنعته لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم في التفكر بمصنوعات الحق والتدبر بمبدعاته ومخترعاته وَإِنْ تَعْجَبْ أنت يا أكمل الرسل انكار الكفار حشر الأجساد مع وضوح دلائله وسطوح براهينه فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ اى فعليك ان تتعجب من قولهم هذا إذ قولهم هذا محل العجب مع شهودهم بالشواهد والآثار التي ذكرت آنفا يقولون هكذا حال كونهم مستفهمين مستبعدين على سبيل التعجب أَإِذا كُنَّا تُراباً وعظاما ورفاتا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ كلا وحاشا ان نعود ونصير إنسانا بعد ما قد صرنا كذلك وبالجملة أُولئِكَ البعداء المعزولون من منهج الرشد هم الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ الذي أوجدهم وأظهرهم من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة ورباهم بأنواع التربية مع ان اعادتهم أيسر من ابدائهم وابداعهم وَبالجملة أُولئِكَ الضالون المقيدون بسلاسل الطبيعة في النشأة الاولى قد صارت الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ في النشأة الاخرى دائما مستمرا وَبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المردودون أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ابد الآباد وَمن قبح صنيعهم ونهاية غفلتهم عن الله ٤ وشدة غيرة الحق وانتقامه إياهم يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ المهدد بها والموعد عليها اى يطلبون منك يا أكمل الرسل استعجال إتيانها استهزاء وتهكما قَبْلَ الْحَسَنَةِ الموعودة لهم على تقدير ايمانهم وَالحال انه قَدْ خَلَتْ ومضت مِنْ قَبْلِهِمُ على أمثالهم من الأمم الهالكة الْمَثُلاتُ اى انواع القصاصات والعقوبات التي قد صارت أمثالا متداولة بين الناس يضرب بها وحال أولئك الغواة الطغاة الهالكين السالفين يكفى لهم ويكف مؤنة استعجالهم واستهزائهم لو تأملوا وتدبروا وَبالجملة هم من غاية إصرارهم وكفرهم وان استحقوا على ما يستعجلون بل على اضعافها وآلافها على أقبح الوجوه لكن قد امهلهم الله العليم الحكيم زمانا حسب حلمه وحكمته إِنَّ رَبَّكَ الحليم الحكيم العليم لَذُو مَغْفِرَةٍ ستر وعفو لِلنَّاسِ المنهمكين في بحر الغفلة والنسيان عَلى ظُلْمِهِمْ اى مع ظلمهم على أنفسهم باستجلاب عذاب الله إياها وَإِنَّ رَبَّكَ ايضا على مقتضى عدله وقهره لَشَدِيدُ الْعِقابِ سريع الحساب على من خرج عن ربقة أطاعته استكبارا واستنكافا وَمن شدة شكيمتهم وغيظهم معك يا أكمل الرسل يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا بك وبدينك وكتابك لَوْلا وهلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ قد اقترحناه بها مِنْ رَبِّهِ ان كان نبيا مثل سائر الأنبياء الماضين لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبكفرهم وقولهم هذا إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ مخبر بما جئت به من عند ربك لا هاد مصلح ما عليك الا البلاغ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ هو الله سبحانه ان تعلق ارادته بهدايتهم يهديهم إذ هو عالم بسرائرهم وضمائرهم وبعموم ما جرى عليهم وما يئول اليه أمرهم إذ اللَّهُ يَعْلَمُ بعلمه الحضوري ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى من النطفة المصبوبة المدفوقة وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وتنقصها منها دفعا لفضلاتها وَما تَزْدادُ عليها لتنميتها وتصويرها وَبالجملة كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ اى حصول كل كائن مقدور ومقدر عنده انما هو بمقدار مخصوص من مادة

стр. 390

معينة في مدة مقررة لا ينقص منها ولا يزيد عليها والاطلاع عليها وعلى كيفياتها وكمياتها مما قد استأثر الله به في غيبه إذ هو بذاته عالِمُ الْغَيْبِ اى مطلق الأمور التي قد خفى علينا وغاب عنا انيته ولميته وَالشَّهادَةِ اى الأمور التي قد ظهر لنا انيته دون لميته وكيف لا يعلم الغيب والشهادة سبحانه إذ هو الْكَبِيرُ في ذاته الْمُتَعالِ المنزه المستغنى بصفاته الكاملة عن الاتصاف بصفات كلا العالمين ولوازمهما وان كان كل منهما ايضا من اظلال أوصافه الذاتية وأسمائه الحسنى واعلموا ايها الاظلال الهالكة ان كل ما صدر عنكم وجرى عليكم سَواءٌ عنده سبحانه بالنسبة الى حيطة حضرت علمه المحيط المتعلق بأحوال المكونات مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وأخفاه وأضمره في نفسه وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وأظهره وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ اى مستتر متغط بِاللَّيْلِ وَكذا من هو سارِبٌ بارز ظاهر بِالنَّهارِ إذ لا يشغله شأن عن شأن ولا يحجب عليه الأستار والسدول ولا يعين عليه البروز والظهور إذ لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء بل لَهُ سبحانه بالنسبة الى كل شيء من الأشياء حتى الذرة والنملة والخطفة والطرفة مُعَقِّباتٌ من الأوصاف الإلهية مسميات بالملائكة يعقبن عليه متواليا دائما متتاليا محيطات إياه حافظات له مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ عما لا يعنيه وينافره ويؤذيه وما هو الا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إياهم وتعلق ارادته ومشيته بحصانته وحفظه على مقتضى لطفه وجماله إِنَّ اللَّهَ المدبر لأمور عباده المصلح لأحوالهم لا يُغَيِّرُ ولا يبدل ما بِقَوْمٍ من النعمة والعافية والرفاهية والفرح والسرور حَتَّى يُغَيِّرُوا ويبدلوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من محاسن الأخلاق ومحامد الأوصاف الى المقابح والمذام بترك أوامر الله وارتكاب نواهيه وَبالجملة إِذا أَرادَ اللَّهُ المطلع بسرائر عباده واستعداداتهم بِقَوْمٍ سُوْءاً ناشئا من خباثة طينتهم ورداءة فطرتهم فَلا مَرَدَّ لَهُ اى لا يمكن لاحد من خلقه ان يرد ارادته وَكيف يرد مراده سبحانه مع انه ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ سبحانه مِنْ والٍ يتولى أمورهم ويرجعون نحوه في الوقائع والخطوب وكيف يرجعون الى غير الله ويستردون مراده سبحانه منه مع انه هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ بغتة ويورث منه فيكم خَوْفاً من ان يصابوا به وَطَمَعاً بما هو مستتبع له من المطر وَايضا يُنْشِئُ من الابخرة المتصاعدة السَّحابَ المتراكم من الابخرة الثِّقالَ بالمياه المتكثرة وَحين اراءة البروق وإنشاء السحب يُسَبِّحُ الرَّعْدُ المتكون من اصطكاك الابخرة والادخنة المحتبسة بين السحب المتراكمة بِحَمْدِهِ اى بحمد الله بإلقاء الملائكة الموكلين عليه المعاقبين الممدين له إياه وَالْمَلائِكَةُ ايضا يسبحون حينئذ بحمده مِنْ خِيفَتِهِ وخشيته سبحانه ومن سطوة سلطنة قهره وجلاله وَايضا يُرْسِلُ سبحانه الصَّواعِقَ الكائنة من الابخرة والاجنة المحترقة بالاجزاء النارية فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ إهلاكه وقتله زجرا له وانتقاما عليه وَبالجملة هُمْ مع غاية ضعفهم وعدم قدرتهم وقوتهم يُجادِلُونَ ويكابرون فِي توحيد اللَّهِ وفي عموم ما جاءت به رسله من عنده من الأوامر والنواهي المتعلقة بالنشأة الاولى والاخرى وَالحال انه لكمال قدرته وبسطته وسلطنته القاهرة وجلاله الغالب هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ صعب المكابدة شديد الانتقام سيما لمن جادل معه وكذب رسله بالباطل لكن لَهُ سبحانه دَعْوَةُ الْحَقِّ المطابق للواقع الصادرة من الرأى المحق المتحقق بمرتبة التوحيد اى قبولها وإجابتها وإنجاحها لمن دعا بها مخلصا في دعائه وتوجهه بها نحو الحق
следующие страницы →