ومتفقهة الزمان والمتشيخة من اهل التلبيس المقتفين اثر إبليس بل إِنْ هُوَ اى ما هذا القرآن وما فيه من العبر والاحكام والقصص المستلزمة لانواع المواعظ والتذكيرات إِلَّا ذِكْرٌ عام وفائدة جليلة شاملة
لِلْعالَمِينَ وَكَأَيِّنْ كثير مِنْ آيَةٍ دالة على وجود الصانع وتوحيده واستقلاله في التصرف والآثار كائنة فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى العلويات والسفليات او عالم الأسماء والصفات وعالم الطبيعة المنعكسة منها يَمُرُّونَ عَلَيْها مرور غفلة وذهول وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ حيث لا يعتبرون منها ولا يتأملون فيها وفي رموزها وإشاراتها وما ذلك الا من غاية توغلهم في الكثافة الطبيعية والحجب الظلمانية ونهاية تدنسهم بادناس الطبيعة الهيولانية
وَلذلك ما يُؤْمِنُ ويوقن أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ المستغنى في ذاته عن عموم المظاهر والمجالى المستقل بوجوده بحيث لا وجود لغيره أصلا إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ مشتركون له سبحانه من مصنوعاته في استحقاق العبادة ما لا وجود له في نفسه أصلا
أَيغفلون أولئك المسرفون عن مكر الله فَأَمِنُوا عن كمال قدرته على الانتقام ولم يخافوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ وترسل عليهم غاشِيَةٌ وعقوبة هائلة نازلة عليهم محيطة بهم مِنْ عَذابِ اللَّهِ في هذه النشأة حيث تغشيهم وتحيط بهم أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ الموعودة بَغْتَةً فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ اماراتها وعلاماتها وان أصروا على كفرهم واشراكهم بالله وعدم الالتفات بك وبقولك
قُلْ لهم يا أكمل الرسل مجاراة عليهم هذِهِ سَبِيلِي اى الدعوة الى التوحيد الذاتي واعداد الزاد ليوم المعاد طريقي وانا انما بعثت لأجلها وتبيينها أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ والى توحيده باذنه كافة عباده عَلى بَصِيرَةٍ تامة فائضة علىّ من عنده سبحانه أَنَا اى ادعو انا بمقتضى الوحى والإلهام وَمَنِ اتَّبَعَنِي من خيار أمتي بوسيلة إرشادي وهدايتي إليهم وَسُبْحانَ اللَّهِ وانزهه تنزيها تاما عن معتقدات اهل الزيغ والضلال في حقه سبحانه وَبالجملة ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ابرئ نفسي عماهم عليه من الشرك المنافى للتوحيد مطلقا.
ثم قال سبحانه وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ ايها المبعوث الى الكل إِلَّا رِجالًا مثلك من جنس البشر نُوحِي إِلَيْهِمْ ونخصهم بالوحي والإلهام مثل ما خصصناك لنجابة طينتهم في اصل خلقتهم مع انهم مِنْ أَهْلِ الْقُرى اى من جملة ما يسكنون فيها أَيصرون هؤلاء المصرون المعاندون على تكذيبك معللين بقولهم الباطل لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ قد كذبوا الرسل المبعوثين إليهم من جنسهم وبنى نوعهم مثل تكذيبهم إياك حتى يعتبروا منها وَالله لَدارُ الْآخِرَةِ المعدة للفوز والفلاح خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا اى للمؤمنين الذين يحفظون نفوسهم عن عموم ما حذرهم الله عنه أَفَلا تَعْقِلُونَ ايها المسرفون المكذبون بها خيريتها مع انكم مجبولون من زمرة العقلاء وهم ايضا أمثالكم ايها المسرفون المكابرون وتمادوا في الغفلة والإصرار على التكذيب مدة مديدة
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ وقنط الرُّسُلُ المبعوثون إليهم بل وَظَنُّوا من طول الامهال وعدم الأخذ والبطش أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا يقينا وصاروا كأنهم قد اخلف عنهم الوعد الذي وعدوا به من جانب الحق وبعد ما ازداد يأسهم وقنوطهم قد جاءَهُمْ نَصْرُنا الذي وعدناهم وعذابنا الذي قد اوعدنا به أممهم وبعد ما جاء أخذنا إياهم فَنُجِّيَ نوفق ونخلص مَنْ نَشاءُ إيمانه بنا وبرسلنا وانقياده إيانا وإياهم وَبالجملة لا يُرَدُّ بَأْسُنا الذي قد وعدنا به عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ الذين قد أجرموا علينا بتكذيب رسلنا وكتبنا وان
стр. 387
طالت مدة الامهال.
ثم قال سبحانه تنبيها وحثا لعباده على ما في كتابه من الإشارات لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ اى في قصص الأنبياء المذكورين في القرآن سيما قصة يوسف ﵇ عِبْرَةٌ واعتبار واستبصار لِأُولِي الْأَلْبابِ الذين يتأملون ويتعمقون في لب الكلام ويعرضون عن قشوره وبالجملة ما كانَ القرآن وما ذكر فيه من القصص والاحكام حَدِيثاً مموّها مختلقا يُفْتَرى به الى الله افتراء ومراء وَلكِنْ وحى قد نزل من عند الله ليكون تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب الإلهية اى مصدقا عموم أحكامها وآثارها وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ احتيج اليه في الدين والدنيا من الأمور المتعلقة لتهذيب الظاهر والباطن وَهُدىً مرشدا هاديا قائدا لمن تمسك به وعمل بما فيه قد أمن من الضلال ووصل الى فضاء الوصال وَرَحْمَةً عامة تامة شاملة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ به ويصدقون بما فيه ويعملون بمقتضاه
خاتمة سورة يوسف ﵇
عليك ايها المستبصر الخبير والمسترشد البصير بصرك الله بعيوب نفسك وجنبك عن غوائلها ان تعتبر عن القصة التي ذكرت في هذه السورة وتحترز عن مطلق المكائد المذكورة فيها والمخادعات المصرحة بها والمرموزة إليها وتصفى امارة نفسك عن مباديها وتبرئها حسب طاقتك وقدر وسعك وقوتك عما يئول إليها ويؤدّى نحوها وتشمر ذيل همتك لتهذيب ظاهرك وباطنك عما يعوقك عن سلوك طريق التوحيد المفضى الى اضمحلال الرسوم وانقهار التعينات العدمية والاظلال الهالكة المؤدّية الى الكثرة والثنوية الحاجبة عن صرافة الوحدة الذاتية بالنسبة الى ذوى الحجب الكثيفة والغشاوة الغليظة وعليك ان تتوجه بوجه قلبك الى افناء لوازم تعيناتك الباطلة واهويتك العاطلة التي هي شياطين طريقك نحو الحق المنزه عن مطلق التغير والتبدل المقدس عن عموم الانقلابات وعن مطلق التحول والتحويل إذ لا يشغله شأن عن شأن ولا يفتره كر الدهور ومر الأعوام والأزمان بل هو كل يوم وآن في شأن لا كشأن وكل من عليها فان وبالجملة بعد ما قد فنيت أنت عن وجوه تعيناتك رأسا يبقى وجه ربك الذي لا انقلاب له أصلا ذو الجلال الذاتي الأزلي والإكرام الأبدي السرمدي جعلنا الله ممن أيده الحق لسلوك طريق الفناء ووفقهم على افناء ما يعوقهم عن شرف اللقاء ودوام البقاء انه سميع مجيب
[سورة الرعد]
فاتحة سورة الرعد
لا يخفى على من ترقى من مرتبتي العلم والعين بلا تلوين وتحقق واستعلى على مرتبة حق اليقين مع تثبيت وتمكين ان الآثار الغريبة والتدابير العجيبة الكائنة في عالم الكون والفساد انما تصدر عن ذات متصفة بجميع أوصاف الكمال منزهة عن نقص الحدوث والزوال مستقلة في مطلق تصرفاتها بلا مزاحمة ضد وند ومظاهرة معاون وممد إذ لا وجود لغيرها ولا ثبوت لسواها أصلا الا بها ومنها فدلت الأفعال المتقنة والآثار المحكمة والنظام المحسوس المشاهد على هذا النمط البديع على وحدة فاعلها عند من تشبث بأذيال العقل المستدل واما اهل الكشف والشهود المستغرقون في مطالعة جمال الله وجلاله لا يرون في الوجود الا هو ولذلك لا يسندون الآثار والأفعال والحركات والسكنات والحوادث الكائنة مطلقا الا لله أولا وبالذات بلا رؤية الأسباب والوسائل في البين بل
стр. 388
انما لا يرون الكل وما يعتقدونه الا من لوائح تجلياته واشعة شئونه الذاتية وتطوراته لذلك نبه سبحانه في كتابه على عباده مخاطبا لحبيبه منبها عليه بان التدابير الكائنة انما تستند اليه تعالى وتصدر عنه بالاستقلال بلا مظاهر ومعين فقال متيمنا بِسْمِ اللَّهِ المتجلى على ظواهر الكائنات بأنواع التدبيرات الرَّحْمنِ لعموم عباده في النشأة الاولى بوفور العطيات الرَّحِيمِ لهم في النشأة الاخرى بأعظم المثوبات وارفع الدرجات
[الآيات]
المر ايها الإنسان الكامل اللبيب اللائق لملاحظة رموز آثار الوحدة الذاتية الإلهية اللائح من غرته الغراء مقتضيات لوامع الرشد والرضاء بعموم ما جرى عليه من القضاء تِلْكَ السورة المنزلة إليك يا أكمل الرسل آياتُ الْكِتابِ الجامع لفوائد الكتب المنزلة وأحكامها اى من جملة آياته وبعض منها وَايضا الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ قبل نزول هذه السورة مِنْ رَبِّكَ من الآيات الدالة على تهذيب الظاهر والباطن كلها هو الْحَقُّ المطابق للواقع النازل من عند الحكيم العليم وبالجملة عموم ما انزل إليك في كتابك هذا منجما حق مطابق للواقع بلا شك وارتياب في نزوله من لدنه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لانهماكهم في الغفلة والنسيان لا يُؤْمِنُونَ به ولا يصدقون بما فيه ولا يعتقدون بحقيته وحقية منزله وكيف لا يعتقدون حقيته أولئك الحمقى المعاندون إذ هو
اللَّهُ الواحد الأحد المبدئ الرفيع البديع الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ اى العلويات معلقا بِغَيْرِ عَمَدٍ وأساطين يعتمدن عليها ظاهرة كما تَرَوْنَها في بادى النظر لتكون أسبابا ووسائل للسفليات ثُمَّ لما رفعها وصورها على ابلغ النظام وابدعه اسْتَوى واستولى باسمه الرّحمن عَلَى الْعَرْشِ اى على عروش ذرائر الكائنات بالإظهار والإبراز وانواع التدبيرات المتعلقة لحفظها وإبقاء نظامها وانتظامها وَكذلك سَخَّرَ من بينها الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لتتميم التدبير كُلٌّ منهما يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى اى يدور دورة مقدرة شتاء وصيفا ربيعا وخريفا تكميلا لإصلاح ما يتعلق لمعاشهم وحفظهم وبالجملة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ اى امر معاشكم على ما ينبغي ويليق بلا فتور وقصور يُفَصِّلُ لكم الْآياتِ ويوضح لكم الدلائل والشواهد الدالة على توحيده هكذا لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ رجاء ان تتفطنوا وتتيقنوا بوحدة موجدكم ومربيكم من الدلائل الواضحة والشواهد اللائحة
وَكيف لا تتفطنون ايها المجبولون على فطرة الفطنة والذكاء بموجدكم ومربيكم مع انه هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وفرشها مبسوطة وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ جبالا شامخات لتكون أوتادا لها وَاجرى عنها وفي خلالها ووهادها أَنْهاراً منتشئة منها جارية على وجه الأرض لا نبات ما تقتاتون وتتفكهون به عليها وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ قد جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ٤ ليكون سببا لدوامها وبقائها ولانضاجها وإصلاحها يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ اى يلبس الليل بالنهار لتسكين البرودة والنهار بالليل لتسكين الحرارة ليحصل الاعتدال في طبيعة الهوا المنضج وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الحكم والتدابير العجيبة لَآياتٍ دلائل واضحات وشواهد لائحات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ويتأملون في حكم الصانع الحكيم المدبر العليم
وَايضا من بدائع قدرته وغرائب حكمته انه قد حصل وظهر فِي الْأَرْضِ حسب تدبيره البديع قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ متماثلات في الطبيعة والمزاج وَحدثت ايضا فيها جَنَّاتٌ وبساتين مملوة مِنْ أَعْنابٍ في بعض أطرافها وَفي بعض زَرْعٌ وَفي البعض الآخر نَخِيلٌ مختلفة أنواعها بعضها صِنْوانٌ اى نخلات متكثرة وأصلها
стр. 389
واحد وَغَيْرُ صِنْوانٍ اى متفرقات الأصول مع ان الكل يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَمع وحدة طبيعة الأرض والماء نُفَضِّلُ حسب حكمتنا المتقنة بَعْضَها اى بعض الثمرات عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إذ بعضها ضار لبعض وبعضها نافع وكذا بعضها حلو وبعضها حامض الى غير ذلك من التفاوت والاختلافات الواقعة في الفواكه والثمرات وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الاختلافات مع وحدة طبيعة القابل لَآياتٍ عظاما ودلائل جساما دالة على حكمة الفاعل العليم الحكيم ومتانة فعله وصنعته لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم في التفكر بمصنوعات الحق والتدبر بمبدعاته ومخترعاته
وَإِنْ تَعْجَبْ أنت يا أكمل الرسل انكار الكفار حشر الأجساد مع وضوح دلائله وسطوح براهينه فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ اى فعليك ان تتعجب من قولهم هذا إذ قولهم هذا محل العجب مع شهودهم بالشواهد والآثار التي ذكرت آنفا يقولون هكذا حال كونهم مستفهمين مستبعدين على سبيل التعجب أَإِذا كُنَّا تُراباً وعظاما ورفاتا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ كلا وحاشا ان نعود ونصير إنسانا بعد ما قد صرنا كذلك وبالجملة أُولئِكَ البعداء المعزولون من منهج الرشد هم الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ الذي أوجدهم وأظهرهم من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة ورباهم بأنواع التربية مع ان اعادتهم أيسر من ابدائهم وابداعهم وَبالجملة أُولئِكَ الضالون المقيدون بسلاسل الطبيعة في النشأة الاولى قد صارت الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ في النشأة الاخرى دائما مستمرا وَبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المردودون أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ابد الآباد
وَمن قبح صنيعهم ونهاية غفلتهم عن الله ٤ وشدة غيرة الحق وانتقامه إياهم يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ المهدد بها والموعد عليها اى يطلبون منك يا أكمل الرسل استعجال إتيانها استهزاء وتهكما قَبْلَ الْحَسَنَةِ الموعودة لهم على تقدير ايمانهم وَالحال انه قَدْ خَلَتْ ومضت مِنْ قَبْلِهِمُ على أمثالهم من الأمم الهالكة الْمَثُلاتُ اى انواع القصاصات والعقوبات التي قد صارت أمثالا متداولة بين الناس يضرب بها وحال أولئك الغواة الطغاة الهالكين السالفين يكفى لهم ويكف مؤنة استعجالهم واستهزائهم لو تأملوا وتدبروا وَبالجملة هم من غاية إصرارهم وكفرهم وان استحقوا على ما يستعجلون بل على اضعافها وآلافها على أقبح الوجوه لكن قد امهلهم الله العليم الحكيم زمانا حسب حلمه وحكمته إِنَّ رَبَّكَ الحليم الحكيم العليم لَذُو مَغْفِرَةٍ ستر وعفو لِلنَّاسِ المنهمكين في بحر الغفلة والنسيان عَلى ظُلْمِهِمْ اى مع ظلمهم على أنفسهم باستجلاب عذاب الله إياها وَإِنَّ رَبَّكَ ايضا على مقتضى عدله وقهره لَشَدِيدُ الْعِقابِ سريع الحساب على من خرج عن ربقة أطاعته استكبارا واستنكافا
وَمن شدة شكيمتهم وغيظهم معك يا أكمل الرسل يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا بك وبدينك وكتابك لَوْلا وهلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ قد اقترحناه بها مِنْ رَبِّهِ ان كان نبيا مثل سائر الأنبياء الماضين لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبكفرهم وقولهم هذا إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ مخبر بما جئت به من عند ربك لا هاد مصلح ما عليك الا البلاغ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ هو الله سبحانه ان تعلق ارادته بهدايتهم يهديهم إذ هو عالم بسرائرهم وضمائرهم وبعموم ما جرى عليهم وما يئول اليه أمرهم
إذ اللَّهُ يَعْلَمُ بعلمه الحضوري ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى من النطفة المصبوبة المدفوقة وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وتنقصها منها دفعا لفضلاتها وَما تَزْدادُ عليها لتنميتها وتصويرها وَبالجملة كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ اى حصول كل كائن مقدور ومقدر عنده انما هو بمقدار مخصوص من مادة
стр. 390
معينة في مدة مقررة لا ينقص منها ولا يزيد عليها والاطلاع عليها وعلى كيفياتها وكمياتها مما قد استأثر الله به في غيبه إذ هو بذاته
عالِمُ الْغَيْبِ اى مطلق الأمور التي قد خفى علينا وغاب عنا انيته ولميته وَالشَّهادَةِ اى الأمور التي قد ظهر لنا انيته دون لميته وكيف لا يعلم الغيب والشهادة سبحانه إذ هو الْكَبِيرُ في ذاته الْمُتَعالِ المنزه المستغنى بصفاته الكاملة عن الاتصاف بصفات كلا العالمين ولوازمهما وان كان كل منهما ايضا من اظلال أوصافه الذاتية وأسمائه الحسنى واعلموا ايها الاظلال الهالكة ان كل ما صدر عنكم وجرى عليكم
سَواءٌ عنده سبحانه بالنسبة الى حيطة حضرت علمه المحيط المتعلق بأحوال المكونات مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وأخفاه وأضمره في نفسه وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وأظهره وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ اى مستتر متغط بِاللَّيْلِ وَكذا من هو سارِبٌ بارز ظاهر بِالنَّهارِ إذ لا يشغله شأن عن شأن ولا يحجب عليه الأستار والسدول ولا يعين عليه البروز والظهور إذ لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء
بل لَهُ سبحانه بالنسبة الى كل شيء من الأشياء حتى الذرة والنملة والخطفة والطرفة مُعَقِّباتٌ من الأوصاف الإلهية مسميات بالملائكة يعقبن عليه متواليا دائما متتاليا محيطات إياه حافظات له مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ عما لا يعنيه وينافره ويؤذيه وما هو الا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إياهم وتعلق ارادته ومشيته بحصانته وحفظه على مقتضى لطفه وجماله إِنَّ اللَّهَ المدبر لأمور عباده المصلح لأحوالهم لا يُغَيِّرُ ولا يبدل ما بِقَوْمٍ من النعمة والعافية والرفاهية والفرح والسرور حَتَّى يُغَيِّرُوا ويبدلوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من محاسن الأخلاق ومحامد الأوصاف الى المقابح والمذام بترك أوامر الله وارتكاب نواهيه وَبالجملة إِذا أَرادَ اللَّهُ المطلع بسرائر عباده واستعداداتهم بِقَوْمٍ سُوْءاً ناشئا من خباثة طينتهم ورداءة فطرتهم فَلا مَرَدَّ لَهُ اى لا يمكن لاحد من خلقه ان يرد ارادته وَكيف يرد مراده سبحانه مع انه ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ سبحانه مِنْ والٍ يتولى أمورهم ويرجعون نحوه في الوقائع والخطوب
وكيف يرجعون الى غير الله ويستردون مراده سبحانه منه مع انه هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ بغتة ويورث منه فيكم خَوْفاً من ان يصابوا به وَطَمَعاً بما هو مستتبع له من المطر وَايضا يُنْشِئُ من الابخرة المتصاعدة السَّحابَ المتراكم من الابخرة الثِّقالَ بالمياه المتكثرة
وَحين اراءة البروق وإنشاء السحب يُسَبِّحُ الرَّعْدُ المتكون من اصطكاك الابخرة والادخنة المحتبسة بين السحب المتراكمة بِحَمْدِهِ اى بحمد الله بإلقاء الملائكة الموكلين عليه المعاقبين الممدين له إياه وَالْمَلائِكَةُ ايضا يسبحون حينئذ بحمده مِنْ خِيفَتِهِ وخشيته سبحانه ومن سطوة سلطنة قهره وجلاله وَايضا يُرْسِلُ سبحانه الصَّواعِقَ الكائنة من الابخرة والاجنة المحترقة بالاجزاء النارية فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ إهلاكه وقتله زجرا له وانتقاما عليه وَبالجملة هُمْ مع غاية ضعفهم وعدم قدرتهم وقوتهم يُجادِلُونَ ويكابرون فِي توحيد اللَّهِ وفي عموم ما جاءت به رسله من عنده من الأوامر والنواهي المتعلقة بالنشأة الاولى والاخرى وَالحال انه لكمال قدرته وبسطته وسلطنته القاهرة وجلاله الغالب هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ صعب المكابدة شديد الانتقام سيما لمن جادل معه وكذب رسله بالباطل
لكن لَهُ سبحانه دَعْوَةُ الْحَقِّ المطابق للواقع الصادرة من الرأى المحق المتحقق بمرتبة التوحيد اى قبولها وإجابتها وإنجاحها لمن دعا بها مخلصا في دعائه وتوجهه بها نحو الحق
стр. 391
وَالأصنام والأوثان الَّذِينَ يَدْعُونَ المشركون المسرفون المكابرون إياهم مِنْ دُونِهِ اى من دون الله لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ قليل مما يطلبونه فكيف بالكثير بل ما مثلهم في دعوة الأصنام ودعائهم إياهم إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ اى كمثل عطشان قد بسط كفيه الى الماء يدعوه لِيَبْلُغَ فاهُ ويرويه والحال انه غائر عميق وهو جماد لا شعور له ليجيب دعوته وَما هُوَ بِبالِغِهِ وبسبب ذلك قد زاد عطشه وحرقة قلبه وزفرة صدره كذلك المشركون يدعون أصنامهم ليشفعوا لهم ويصلوا الى مرامهم بواسطتهم والحال انه هم جمادات لا يقدرن على الإيصال والقبول أصلا وَبالجملة ما دُعاءُ الْكافِرِينَ الساترين باباطيلهم الكاذبة وأوثانهم الباطلة العاطلة نور الحق الحقيق بالحقية الوحيد في الألوهية الفريد بالمعبودية إِلَّا فِي ضَلالٍ ضياع وخسران وحرمان وخذلان وبطلان
وَكيف يتوجه ويدعى لغير الحق مع انه لا اله الا هو ولا شيء سواه لذلك لِلَّهِ المتأصل في الوجود المتصف بالقيومية لا لغيره من الاظلال الهالكة في أنفسها يَسْجُدُ ويتذلل ويتضرع عموم مَنْ فِي السَّماواتِ اى في عالم الأسماء والصفات المسماة بالأعيان الثابتات وَكذا عموم من في الْأَرْضِ اى عالم الطبائع والأركان من الصور والهياكل المتكونة المنعكسة من الأسماء والصفات طَوْعاً طائعين راغبين عن خبرة واستبصار وَكَرْهاً كارهين عن حيرة وضلال وَايضا يسجد له سبحانه ظِلالُهُمْ اى لوازم هوياتهم وما يترتب عليها دائما بِالْغُدُوِّ اى في أول الظهور والبروز وَالْآصالِ اى في وقت الانمحاء والزوال
قُلْ يا أكمل الرسل لمن عاند الحق وجادل مع اهله مكابرة مستفهما على سبيل التبكيت والإسكات مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وموجدهما ومظهرهما من كتم العدم ومربيهما بأنواع التربية والكرم قُلْ أنت ايضا في جواب سؤالك إذ هم معزولون عن التنطق بكلمة الحق وكيف لا وقد ختم الله على قلوبهم وأفواههم اللَّهُ اى الموجد المربى هو الله المستقل بالالوهية والربوبية لا اله سواه ولأمر بي الا هو. ثم بعد ما ظهر الحق قُلْ لهم يا أكمل الرسل على سبيل التوبيخ والتقريع أَفَاتَّخَذْتُمْ وأخذتم ايها الجاهلون بحق الله وحق قدره مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ معبودات من جنس مصنوعاته سيما من أدونها وهي الجمادات التي لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ لا نَفْعاً وَلا ضَرًّا فضلا لغيرهم قُلْ لهم يا أكمل الرسل توبيخا وتقريعا ايها الجاهلون المعزولون عن مقتضى العقل الفطري هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى الفاقد البصر وَالْبَصِيرُ الواجد لها أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ اى الاعدام الهالكة في أنفسها وَالنُّورُ «٤» اى الوجود المتشعشع اللامع في ذاته ازلا وابدا أَمْ جَعَلُوا أولئك الحمقى العمى الهلكى في تيه الغفلة والضلال لِلَّهِ المنزه عن مطلق المثل والمثال شُرَكاءَ مثله وهم ايضا قد خَلَقُوا واوجدوا كَخَلْقِهِ وإيجاده فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ يعنى بحيث قد اشتبه عليهم وتشابه عندهم خلق شركائهم بخلقه سبحانه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا قُلْ يا أكمل الرسل إرشادا وتكميلا اللَّهُ المستجمع لصفات الكمال بأسرها والمربى لعموم الكائنات برمتها خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ومظهرها وموجدها بالاستقلال والانفراد بلا مظاهرة ولا مشاركة أصلا وَهُوَ بذاته الْواحِدُ الأحد المستقل في الوجود الْقَهَّارُ لعموم الأغيار الهالكة في أنفسها المنعكسة من اظلال أسمائه الحسنى وأوصافه العليا الباقية في صرافة عدميتها الاصلية ومن كمال اشفاقه سبحانه وشمول مرحمته على عباده
قد أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ اى من فضاء عالم اللاهوت
стр. 392
ماءً الا وهو ماء الايمان والعرفان المحيي لأموات العكوس والاظلال فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها اى قد امتلأت النفوس القدسية القابلة للمعارف والحقائق بقدر ما يسع في استعداداتها منها فسالت بعد ما امتلأت فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً اى دفع وأماط مياه المعارف والحقائق المترشحة من بحر الوحدة الذاتية السائلة من قلوب الكمل زبد التقليدات الحاصلة من رسوب القوى البشرية وغش الطبيعة لتسقطها على أطراف بحر الوجود وتصفيه عن الكدورات مطلقا وَمثل ذلك الزبد الباطل يحصل مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ اى من الأشياء التي يطرح في النار ويوقد عليها لتصفيها من الكدر من الذهب والفضة والنحاس والحديد وغيرها حين أرادوا ان يصفوها من الغش والكدر ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ اى طلب اتخاذها منها أَوْ مَتاعٍ آخر من الأواني وآلات الحرب زَبَدٌ فاسد باطل في نفسه مِثْلُهُ اى مثل الزبد الاول وبالجملة كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ المصلح لأحوال عباده الْحَقَّ وَالْباطِلَ لهم كي يتنبهوا ويتفطنوا فيتبعوا الحق ويجتنبوا عن الباطل ثم بين لهم سبحانه مآلهما توضيحا وتقريرا بقوله فَأَمَّا الزَّبَدُ المرتفع على الماء فَيَذْهَبُ جُفاءً ويضمحل ويتلاشى بالجفاف كما ان زبد التقليدات يسقط ويضمحل باشراق نور اليقين وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ من مياه المعارف والحقائق فَيَمْكُثُ ويستقر فِي الْأَرْضِ اى الطبيعة القابلة لانعكاس اشعة الأسماء والصفات الإلهية لينبت فيها منها شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ فطلبوا منه الْحُسْنى اى المثوبة الحسنى العظمى والمرتبة العليا معتقدين افاضتها واعطاءها إياهم وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ مثل ما استجاب اهل الحق ولم يعتقدوا مثل ما اعتقد أولئك المحقون لذلك لم ينالوا نصيبهم وحظهم منها مثل ما نالوا بحيث لَوْ فرض أَنَّ لَهُمْ وثبت في تصرفهم ملك ما فِي الْأَرْضِ من الزخارف والأموال جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ بل أمثاله وأضعافه معه لَافْتَدَوْا بِهِ جميعا لينالوا بما نال أولئك السعداء المقبولون لكن لم ينالوا البتة بل أُولئِكَ الأشقياء المردودون عن ساحة عز القبول لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ يحاسبون على عموم ما صدر عنهم من النقير والقطمير ويؤاخذون عليه وَفي الآخرة مَأْواهُمْ ومثواهم جَهَنَّمُ الخذلان وسعير الطرد والحرمان وَبالجملة بِئْسَ الْمِهادُ مهد أولئك الضالين عن منهج الرشد والسداد
أَيعتقد المشرك المتمرد عن متابعك وقبول دينك فَمَنْ يَعْلَمُ ويصدق أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لتأييدك من الكتاب الجامع لما في الكتب السالفة من الأوامر والنواهي والعبر والأمثال والرموز والإشارات هو الْحَقُّ المطابق للواقع بلا شك وارتياب فيه كَمَنْ هُوَ أَعْمى يعنى ايعتقدون ان هذا المؤمن المصدق مثل من هو أعمى عن ابصار ما يرى في الآفاق من المبصرات بل هو أشد عمى لأنه فاقد البصيرة إذ لا يمكن ادراك الأمور الدينية والمعارف اليقينية إلا بها وبالجملة إِنَّما يَتَذَكَّرُ ويتفطن بسرائر كتاب الله أُولُوا الْأَلْبابِ المستكشفون عن لب الأمور المعرضون عن قشورها ولا يحصل ذلك الا بالبصيرة الا وهم المؤمنون الموقنون
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ الذي عهدوا معه حين رش ورشح سبحانه من رشحات نور الوجود على أراضي استعداداتهم وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ الوثيق بل يحفظونه ويواظبون على حفظه دائما حسب ما وفقهم الحق
وَكذا هم الَّذِينَ يَصِلُونَ ويتصفون بعموم ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من المأمورات والمرضيات الإلهية والمعارف والحقائق والخصال الجميلة والأخلاق الحميدة وَ
стр. 393
مع ذلك يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ عن ارتكاب المنهيات والمحظورات وكذا عن مطلق الذمائم من الأخلاق والأطوار وَبالجملة هم يَخافُونَ من الله وعن مخالفة امره ونهيه سُوءَ الْحِسابِ ورداءة المنقلب والمآب
وَأيضا هم الَّذِينَ صَبَرُوا إذا اصابتهم مصيبة واحاطتهم بلية ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ اى ما سبب صبرهم الا طلب مرضات ربهم مسترجعين اليه سبحانه متضرعين نحوه وَأَقامُوا الصَّلاةَ واداموا الميل والتوجه نحوه في عموم الأحوال والأزمان وَمع ذلك أَنْفَقُوا للفقراء المستحقين مِمَّا رَزَقْناهُمْ ووفقناهم عليه واقدرناهم لكسبه وجمعه سِرًّا اى على وجه لا يشعر الفقير بالمنفق ولا يعرفه أصلا لئلا يتأذى بتوهم المن والأذى وَعَلانِيَةً على وجه يشعر به لكن يبالغ المنفق في التذلل والانكسار بحيث لا يتوهم المنة أصلا وَايضا هم الذين يَدْرَؤُنَ اى يدفعون ويسقطون بِالْحَسَنَةِ الخصلة الحميدة والخلق المرضى السَّيِّئَةَ الذميمة القبيحة من الخصائل والأخلاق وبالجملة أُولئِكَ السعداء الأولياء ذووا العهد والوفاء وأولوا الخوف والرجاء الصابرون على عموم البلاء الراضون بما جرى عليهم من سوء القضاء المتوجهون الى المولى في السراء والضراء المنفقون مما عندهم لرضاه سبحانه على الفقراء وبالجملة قوم سعداء قد حصل لَهُمْ حين كانوا في النشأة الاولى عُقْبَى الدَّارِ الاخرى وما يحصل فيها من اللذات والمثوبات ورفع الدرجات ونيل المرادات بلا انتظار لهم الى النشأة الاخرى والطامة الكبرى
ومن جملتها جَنَّاتُ عَدْنٍ ودار اقامة وخلود ومنزل كشف وشهودهم يَدْخُلُونَها اصالة واستحقاقا وَيدخل ايضا بشفاعتهم وتبعيتهم مَنْ صَلَحَ لصحبتهم ورفاقتهم مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وممن ينتمى إليهم وكذا من استرشد منهم واهتدى بهدايتهم من اهل الطلب والارادة وَحين استقروا وتمكنوا فيها يزورهم الْمَلائِكَةُ ويطوفون حولهم ترحيبا وتعظيما بحيث يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ من أبواب الجنة قائلين
سَلامٌ عَلَيْكُمْ ايها الفائزون بالفلاح والنجاح بِما صَبَرْتُمْ في دار الابتلاء بأنواع المحن والبلاء فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ منزلكم ومنقلبكم في دار القرار وعواقب أموركم فيها من الفرح الدائم وسرور المستمر ثم بين سبحانه على مقتضى سنته المستمرة من تعقيب حسن عواقب الأبرار بقبح احوال الأشرار وبوخامة عواقبهم بقوله
وَالمسرفون المفرطون الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ الذي عهدوا معه في بدء الوجود واصل الفطرة سيما مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ الوثيق وأحكامه المحكم البليغ وَمع ذلك يَقْطَعُونَ ويتركون عموم ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ويحافظ عليه وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بأنواع الفسادات من الظلم والزور والافتراء والمراء وانواع المكابرة والمعاداة مع الأنبياء والأولياء وسوء الظن مع ارباب المحبة والولاء أُولئِكَ البعداء المعزولون عن ساحة عز القبول لَهُمُ اللَّعْنَةُ والطرد والحرمان والرد والخذلان في النشأة الاولى وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ورداءة المرجع والمآب في النشأة الاخرى
ثم لما افتخر اهل مكة بما عندهم من الامتعة والزخارف وباهوائها واستحقروا فقراء المؤمنين وشنعوا عليهم رد الله عليهم هذياناتهم هذه بكلام ناش عن محض الحكمة فقال اللَّهُ المطلع على استعدادات عباده يَبْسُطُ يكثر ويوسع الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ من عباده في النشأة الاولى وَيَقْدِرُ يقبض وينقص على من يشاء ارادة واختيارا حكمة منه وتدبيرا وَهم في أنفسهم وحسب مفاخرتهم ومباهاتهم بحطام الدنيا قد فَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا المستعارة التي لإقرار لها ولا ثبات لنعيمها
стр. 394
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا وما يترتب عليها من اللذات الفانية والمشتهيات الغير الباقية فِي جنب حيوة الْآخِرَةِ وما يترتب عليها من اللذات الدائمة والمثوبات الباقية إِلَّا مَتاعٌ قليل لا يؤبه به ولا يلتفت اليه عند من كان له ادنى مسكة
وَمن خبث طينتهم ورداءة فطرتهم يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا بك وبكتابك ودينك لَوْلا وهلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ملجئة لنا بالإيمان مِنْ رَبِّهِ مع انه يدعى التأييد من لدنه ومع شدة شغفه وحرصه لان نؤمن له قُلْ لهم يا أكمل الرسل ما علىّ الا البلاغ إِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائر عباده يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ بمقتضى علمه وعدله لمن أراد إضلاله وانتقامه وَيَهْدِي إِلَيْهِ على مقتضى جوده مَنْ أَنابَ اليه عن ظهر القلب إذ كل ميسر لما خلق له
وبالجملة الَّذِينَ آمَنُوا وأيقنوا بتوحيد الحق وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ اى تسكن وتستقر عن دغدغة التقليد الباطل والتخمين المضمحل الزائل بِذِكْرِ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المستقل في الوجود بلا اضطراب وتردد فقد اضمحلت وتلاشت عن صحائف خواطرهم نقوش الأغيار والسوى مطلقا أَلا تنبهوا ايها الاظلال الطالبون للوصول الى مرتبة الكشف والشهود بِذِكْرِ اللَّهِ المسقط لعموم الإضافات تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ وتتمكن في مقام الحضور وتستريح عن تشويشات الأوهام
وبالجملة الَّذِينَ آمَنُوا وأيقنوا في أوائل سلوكهم وطلبهم حتى يتحققوا في مرتبة اليقين العلمي وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة لهم الى مطلوبهم ليصلوا الى مرتبة اليقين العيني طُوبى لَهُمْ الفوز بالفلاح والنجاح وَحُسْنُ مَآبٍ وقت تحققهم بمقام الكشف والشهود الذي هو مرتبة اليقين الحقي
وكَذلِكَ اى مثل ما أرسلنا الرسل على الأمم المنحرفة الماضية بمقتضى سنتنا السنية القديمة أَرْسَلْناكَ يا أكمل الرسل فِي أُمَّةٍ منحرفة عن طريق الحق وليس ارسالك عليهم ببدع مستحدث بل قَدْ خَلَتْ ومضت مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ أمثالهم مائلون عن طريق الحق وسواء السبيل وكما قد أرسلنا إليهم الرسل وايدناهم بالكتب والصحف وكانوا يتلون على أممهم لينجذبوا نحو الحق كذلك قد أرسلناك الى أمتك لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ وتبلغهم الكتاب الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ من المعارف والحقائق القدسية والآداب السنية والأخلاق المرضية المقبولة في جنابنا المودعة في استعدادات عبادنا ليفوزوا بها سعة رحمتنا وجودنا وَهُمْ لانهماكهم في الغفلات والشهوات يَكْفُرُونَ وينكرون بِالرَّحْمنِ الذي قد وسع كل شيء رحمة وعلما قُلْ يا أكمل الرسل للمنكرين الغافلين تنبيها عليهم وتبليغا وان كانوا من الحمقى الهالكين في تيه الغفلة والنسيان هُوَ الله المستجمع لعموم أوصاف الكمال رَبِّي وربكم ومتولى أموري وأموركم لا إِلهَ في الوجود يعبد له ويرجع اليه في الوقائع والخطوب إِلَّا هُوَ الله الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر الذي لا شريك له وبالجملة عَلَيْهِ لا على غيره من الوسائل والاظلال تَوَكَّلْتُ في عموم أموري وَإِلَيْهِ لا الى غيره من الأسباب العادية مَتابِ مرجعي ومعادي
وَبالجملة لَوْ أَنَّ قُرْآناً بمثابة ومكانة لو تلى وقرئ قد سُيِّرَتْ وتحركت بِهِ الْجِبالُ عن مكانها الأصلي واندكت وقلعت أَوْ قُطِّعَتْ انصدعت وانشقت بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى عند قراءته عليهم وإسماعه لهم بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ والحكم والقدرة الكاملة والحول التام والقوة الغالبة في الأمور المذكورة جَمِيعاً له سبحانه ان تعلق ارادته ومشيته لكان الكل مقضيا البتة ومع ذلك هم لم يؤمنوا به ولم يقبلوه منك لشدة شكيمتهم وغاية
стр. 395
قسوتهم ثم قال سبحانه أَفَلَمْ يَيْأَسِ ولم يقنط الَّذِينَ آمَنُوا عن ايمان أولئك المدبرين المعاندين مع ظهور امارات الكفر عليهم وعلامات الإنكار عنهم سيما بعد ما سمعوا في حقهم من الله ما سمعوا ولم يعلم هؤلاء المؤمنون أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ وتعلق ارادته بهداية الكل لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً فلم يهدهم لعدم تعلق ارادته بهداية البعض وَبالجملة لا تقنطوا ايها المؤمنون عن نصر الله إياكم على أعدائكم ولا تيأسوا عن روحه إذ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا وأصروا على الكفر عنادا واستكبارا تُصِيبُهُمْ وتدور عليهم بِما صَنَعُوا اى بقبح صنيعهم وإصرارهم عليه قارِعَةٌ داهية هائلة تقرع اسماعهم ويضطربون بها اضطرابا شديدا أَوْ تَحُلُّ وتنزل الداهية العظيمة في حواليهم قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ ومساكنهم لتدور عليهم حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ الذي قد وعده لنبيه بان ينتقم عنهم ويعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة في الدنيا بالفتح والظفر عليهم وفي الآخرة بأنواع العقاب والعذاب إِنَّ اللَّهَ المؤيد لأنبيائه المنجز لما وعدهم من إهلاك أعدائهم لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ثم لا تحزن أنت يا أكمل الرسل من استهزائهم وسخريتهم بك ولا تبال بعمههم وسكرتهم وبطرهم وثروتهم واشتهارهم بمالهم وجاههم
وَالله لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ أشد من استهزاء هؤلاء بك فَأَمْلَيْتُ وأمهلت لِلَّذِينَ كَفَرُوا اى للمستهزئين الذين كفروا حتى انهمكوا في الغفلة وتوغلوا فيها بطرين فرحين ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فجاءة واستأصلتهم بغتة فَكَيْفَ كانَ عِقابِ مع أولئك ومع هؤلاء أشد من ذلك.
ثم قال سبحانه أَينسى الحساب ويترك العقاب فَمَنْ هُوَ قائِمٌ مطلع محاسب ومراقب محافظ عَلى كُلِّ نَفْسٍ من النفوس الخيرة والشريرة ليحيط بِما كَسَبَتْ فيجازيها ان خيرا فخير وان شرا فشر وَلا سيما مراقبة اهل الشرك الذين قد جَعَلُوا لِلَّهِ الواحد الأحد المنزه عن الشريك والولد شُرَكاءَ فوق واحدة من اظلاله ومصنوعاته مع انه سبحانه قد تنزه وتعالى عن مطلق التعدد علوا كبيرا قُلْ لهم يا أكمل الرسل تبكيتا عليهم وإلزاما سَمُّوهُمْ اى أولئك الشركاء بأسماء وصفوهم بصفات يستحقون بها الألوهية والربوبية أَمْ تُنَبِّئُونَهُ وتخبرونه بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ٤ اى بأسماء وصفات لا يعلمها من في الأرض بل انما يعلمها من في السماء أَمْ سموهم بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ مجازا بلا اعتبار المعنى الحقيقي فيهم وبالجملة هم عاجزون عن الكل ساكتون عنه بَلْ انما زُيِّنَ وحسن لِلَّذِينَ كَفَرُوا وأشركوا مَكْرُهُمْ اى تمويههم وتلبيسهم الصادر من تلقاء أنفسهم بلا مستند عقلي او نقلي بل مع علمهم ببطلانها ايضا وَمع ذلك قد صُدُّوا واعرضوا بواسطة هؤلاء الأسامي المجردة الباطلة عَنِ سواء السَّبِيلِ وقصدوا ايضا أعراض ضعفاء المؤمنين عن طريق الحق وما هو الا من غيهم وضلالهم في اصل فطرتهم وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ وأراد ضلاله فَما لَهُ مِنْ هادٍ يهديهم ويوفقهم الى سبيل الرشد
بل لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
بغفلتهم عن معرفة الله وعن اللذات الروحانية مطلقا مع عدم شعورهم بها قطعا
وَالله لَعَذابُ الْآخِرَةِ
حين انكشف الحال وارتفع الحجب أَشَقُ
وأصعب
وَكيف لا يكون عذاب الآخرة أشق إذ ما لَهُمْ
فيها مِنَ اللَّهِ
من عذابه وانتقامه مِنْ واقٍ
حافظ شفيع يشفعهم ليخفف عنهم او يحفظهم من عذابه.
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته من تعقيب الوعيد بالوعد مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ المتحفظون نفوسهم عن ارتكاب المعاصي والآثام مطلقا الممتثلون بعموم ما أمروا ونهوا من العقائد والاحكام تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
стр. 396
الْأَنْهارُ لاجرائهم انهار المعارف والحقائق على أراضي استعداداتهم لا نبات ثمرات الكشوف والشهود أُكُلُها من الرزق المعنوي والاغذية الروحانية دائِمٌ غير منقطع وَكذا ظِلُّها الذي يستريحون فيه دائم غير زائل بحيث لا انقطاع له أصلا كاظلال الدنيا تِلْكَ الجنة التي قد وصفت بما وصفت عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا اى عاقبة امر المؤمنين الذين اتقوا عن محارم الله وَعُقْبَى الْكافِرِينَ المصرين على ارتكاب المعاصي والشهوات البهيمية النَّارُ المعدة لهم بدل لذاتهم وشهواتهم الحسية.
ثم قال سبحانه وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ واتبعناهم النبي المبين لهم ما فيه من الأوامر والنواهي يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ اى بكتابك الجامع لما في كتبهم لأنهم يجدونه موافقا مطابقا لكتبهم وَمِنَ الْأَحْزابِ اى من هؤلاء المتحزبين في امر القرآن مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ اى الآيات الناسخة لبعض احكام كتبهم قُلْ لهم انما نسخ ما نسخ من الاحكام الجزئية بمقتضى سنة الله في نسخ بعض الاحكام الجزئية الثابتة في الكتب السابقة باحكام الكتب اللاحقة وليس هذا منا ببدع واما العقائد الكلية المصونة عن طريان النسخ والتبديل فهي المتفق عليها بين جميع الكتب السماوية المنزلة على جماهير الأنبياء لذلك إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ الواحد الأحد الصمد الفرد الحقيق بالحقية المستقل في الألوهية والربوبية وَلا أُشْرِكَ بِهِ شيأ من اظلاله ومصنوعاته بمقتضى امره وحكمه سبحانه إِلَيْهِ لا الى غيره من الاظلال الهالكة في اشراق شمس ذاته أَدْعُوا دعاء مؤمل متضرع خاضع خاشع وَكيف لا ادعوه واتحنن نحوه وإِلَيْهِ مَآبِ منقلبي ومرجعي رجوع الظل الى ذي الظل
وَكَذلِكَ اى مثل انزالنا للأمم الماضية كتابا بعد كتاب ناسخا لبعض ما فيه على مقتضى الأزمان والأقوام كذلك أَنْزَلْناهُ اى القرآن إليك يا أكمل الرسل حُكْماً مبينا للقضايا بمقتضى الحكمة المتقنة عَرَبِيًّا مناسبا بلسانك ولسان قومك ليسهل لهم الاسترشاد والاستهداء به ناسخا لبعض ما في الكتب السالفة وَالله لَئِنِ اتَّبَعْتَ أنت بنفسك أَهْواءَهُمْ وان كانت قبل النسخ هدى سيما بَعْدَ ما جاءَكَ في كتابك مِنَ الْعِلْمِ المتعلق بنسخها وبصيرورتها بعد النسخ هوى ما لَكَ مِنَ اللَّهِ اى من غضبه وانتقامه عنك مِنْ وَلِيٍّ يتولى أمرك بالاستخلاص والاستشفاع وَلا واقٍ حافظ يحفظك ويمنعك من مقته.
ثم قال سبحانه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مثلك مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً مثل أولادك وأزواجك فلا تقدح في نبوتهم أزواجهم وأولادهم فكيف تقدح في نبوتك مع انك أفضل منهم وَايضا قد أرسلنا رسلا من قبلك ما كانَ وما صح وما جاز لِرَسُولٍ منهم أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ مقترحة إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ووحيه إذ لِكُلِّ أَجَلٍ ووقت يسع فيه امر من الأمور الكائنة والفاسدة كِتابٌ نازل من عنده سبحانه ناطق بوقوع عموم ما كان ويكون فيه
وبالجملة يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وينسخه بمقتضى حكمته وارادته وَيُثْبِتُ ما أراد إثباته وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ اى حضرة العلم المحيط ولوح محفوظ القضاء وحضرة القدر المتوالية المتتالية على مقتضى الأوصاف الذاتية الإلهية والتجليات اللطفية والقهرية والجلالية والجمالية
وَبالجملة لا تفرح يا أكمل الرسل إِنْ ما نُرِيَنَّكَ اى ان تحقق اراءتنا إياك بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من الإهلاك والاجلاء والقهر والغلبة أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ يعنى لا تغتم ايضا ان تحقق توفينا لك قبل رؤيتك بما نعدهم من العذاب والنكال فَإِنَّما عَلَيْكَ وليس في وسعك وطاقتك الا الْبَلاغُ بما أمرت بتبليغه وَعَلَيْنَا الْحِسابُ والجزاء
стр. 397
بمقتضاه عاجلا وآجلا
أَينكرون حسابنا إياهم وانتقامنا عنهم وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ التي قد شاع فيها كفرهم كيف نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وأرجائها حتى ضاقت عليهم بإظهار دين الإسلام وكثرة اهله وَاللَّهُ المدبر بمقتضى الحكمة يَحْكُمُ بحكم مبرم لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ أصلا ليبدله ويغيره وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ صعب الانتقام على من أراد تغيير حكمه وتبديله
وَقَدْ مَكَرَ القوم الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ مع أنبيائهم المبعوثين إليهم مثل مكر هؤلاء الماكرين معك يا أكمل الرسل فلحقهم ما لحقهم وهم غافلون عن مكر الله فَلِلَّهِ المطلع لعواقب الأمور الْمَكْرُ اى جنس المكر المعتد به جَمِيعاً إذ هو يَعْلَمُ بعلمه الحضوري ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ من خير وشر ونفع وضر فينتقم عنها بمقتضى علمه وَهم وان غفلوا عن مكر الله وما يترتب عليه من الوبال سَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ المصرون على الكفر والضلال لِمَنْ من الفريقين عُقْبَى الدَّارِ والعاقبة الحميدة في النشأة الاخرى
وَمن شدة شكيمتهم وغيظهم معك يا أكمل الرسل يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا بدينك وكتابك اى رؤساؤهم وصناديدهم لَسْتَ أنت مُرْسَلًا من عند الله مثل سائر الرسل لذلك ما نتبعك وما نؤمن بك وبكتابك قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ اى كفى الله بي شاهدا لإثبات رسالتي وادّعائى النبوة إذ أيدني بالمعجزات القاطعة والبراهين الساطعة وَكذا كفى بي شاهدا ايضا مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ اى من كان من اهل الكتب السالفة وله علم بها وعلم رسالتي منصوص مصرح فيها جزما او المعنى من كان له علم الكتاب من اصحاب الألسن والفصاحة وارباب الفطنة والذكاء المتأملين في رموزات الكتاب المتعمقين في استكشاف سرائره لو تأملوا فيه حق تأمل وتدبر لم يبق لهم شائبة شك وتردد في انه ما هو من جنس كلام البشر بل ما هو الا وحى يوحى الىّ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
خاتمة سورة الرعد
عليك ايها الطالب القاصد لاستكشاف سرائر المرتبة الجامعة المحمدية التي قد اتحد عندها قوسا الوجوب والإمكان واتصل دونها الغيب والشهادة ان تتأمل في القرآن المنزل عليه من عند ربه حسب نشأته وكمال استعداده وعزة شأنه وتتدبر حق التدبر في مرموزاته حسب وسعك وطاقتك وان كان الاطلاع على غوره من المستحيلات سيما بالنسبة الى ذوى الاستعدادات الضعيفة حتى يشهد له ذوقك ووجدانك وتصدق أنت من نفسك رسالته ونبوته وهدايته الى توحيد ربه وإرشاده الى سبيل الحق ولا يتيسر لك هذا الا بعد تصفية ظاهرك عن الشواغل الحسية والعلائق الدنياوية الدنية مطلقا وباطنك عن مطلق التقليدات والتخمينات المورثة لدرن الجهالات ورين الأوهام والخيالات الموقعة لانواع الشبهات والترددات وبالجملة لا يحصل لك هذا الا بعد تحققك بمرتبة الموت الإرادي وخروجك عن مقتضيات هويتك الناسوتية مطلقا جعلنا الله ممن أيده الحق لسلوك طريق توحيده ووفقه على سواء سبيله وهداه الى زلال مشرب تفريده بمنه وجوده
[سورة ابراهيم ﵇]
فاتحة سورة ابراهيم ﵇
لا يخفى على اولى البصائر والاستبصار وذوى الفهم والاعتبار من المستكشفين المستنيرين بلوا مع
стр. 398
نور الوجود المتشعشعة المتجلية على صفائح المكونات الغيبية والشهادية ان حكمة إرسال الرسل وإنزال الكتب انما هو لإخراج اصحاب الجهالات والغفلات عن ظلمات الضلالات ومهاوي التقليدات والتخمينات الى نور اليقين وفضاء العرفان ليتنبهوا على شأنهم في منشأهم ومآلهم في مبدئهم ومعادهم ويتفطنوا بسرائر إيجادهم واظهارهم وحكمه وبعد تنبههم وتفطنهم يتيسر لهم سلوك طريق التوحيد المنجى عن غياهب الشكوك وظلمات الأوهام ويحصل لهم الترقي من المنزل الأنزل الأدنى الى المقام الأرفع الأعلى لذلك خاطب سبحانه حبيبه بما خاطب وانزل عليه ما انزل تأييد اله وتتميما لإرشاد عباده الى توحيده فقال متيمنا باسمه الكريم بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بالكمالات اللائقة على صدور أنبيائه لتكميل من آمن لهم من عباده وهدايتهم الى طريق توحيده الرَّحْمنِ لهم بإرسال من هو من جنسهم ليسهل بهم الاستفادة والاسترشاد منه بلا كلفة الرَّحِيمِ لهم بانزال الكتاب الجامع لجميع شعائر سلوكهم في مبدئهم ومعادهم ليدوم هدايته وإرشاده فيهم
[الآيات]
الر ايها الإنسان الكامل الأحق الأليق لقبول لوامع لوائح رقائق رموز الربوبية بان تنزل على قلبك بطريق الوحى والإلهام فنذيعه أنت بين الأنام على سبيل الإرشاد والتكميل هذا كِتابٌ جامع لجميع آثار لوامع رقائق الربوبية واسرار لوائح رموز الألوهية مناسب مطابق لمرتبتك الجامعة قد أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ يا أكمل الرسل تأييدا لك في أمرك لِتُخْرِجَ النَّاسَ الناسين المقام الأصلي والمنزل الحقيقي مِنَ الظُّلُماتِ الامكانية الطبيعية الهيولانية إِلَى النُّورِ البحت الخالص عن شوب المادة والمدة وليس اخراجك يا أكمل الرسل إياهم الا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ الذي رباهم في اصل استعدادهم وفطرتهم بأنواع اللطف والكرم ووفقهم على قبول ما قد جئت به من عنده ليوصلهم إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الغالب في امره بمقتضى قدرته وارادته على الوجه الأقوم الأعدل الْحَمِيدِ في فعله لخلوه عن كلا طرفي الإفراط والتفريط وكيف لا يكون صراطه مستقيما وفعله معتدلا مقتصدا
إذ هو اللَّهِ المستجمع لجميع الكمالات القادر المقتدر الَّذِي لَهُ وفي قبضة قدرته تكوين عموم ما فِي السَّماواتِ من الكواكب السيارات والثابتات على النمط البديع والنظم العجيب وَكذا ما فِي الْأَرْضِ من العناصر والمركبات على أقوم الأمزجة وأعدلها وَوَيْلٌ اى طرد وتبعيد عن مرتبة التوحيد لِلْكافِرِينَ الساترين شمس الحق الظاهر في الآفاق بالعدالة التامة وكمال الاستحقاق بغيوم الاظلال الباطلة والعكوس المستهلكة العاطلة مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ هو مسخهم وتبديلهم عن كمال مظهرية الحق وخلافته الى مرتبة الحيوانات العجم بل الى مرتبة الجمادات التي هي انزل المراتب وبالجملة أولئك البعداء الضالون عن منهج الحق كالأنعام في عدم الشعور والإدراك بل هم أضل
الا وهم الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا المستعارة التي لا مدار لها ولا قرار إذ هي اظلال باطلة وعكوس عاطلة زائلة عَلَى الْآخِرَةِ اى على الحيوة الاخروية التي هي بقاء سرمدي وحيوة ازلية ابدية لا انقضاء لها أصلا وَهم مع اختيارهم وترجيحهم الحيوة الفانية على الباقية يَصُدُّونَ ويصرفون ايضا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الذي هو الايمان بالله وبرسوله وكتابه وَيَبْغُونَها عِوَجاً اى يطلبون ان يحدثوا فيها مع استقامتها عوجا وانحرافا أُولئِكَ الأشقياء المردودون عن طريق الحق الساعون في الباطل مكابرة وعنادا فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ عن الهداية بمراحل بحيث لا يرجى هدايتهم أصلا لأنهم هم المجبولون على الغواية والضلال في اصل فطرتهم
وَبالجملة ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ
стр. 399
من الرسل على امة من الأمم إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ اى ما أرسلناه الا بلغة موافقة بلغة قومه ليفقهوا منه حديثه ويفهموا لسانه ولِيُبَيِّنَ لَهُمْ طريق التوحيد ويجنبهم عن خلافه وما عليه وليس في وسعه الا البلاغ فَيُضِلُّ اللَّهُ المضل المذل لعباده مَنْ يَشاءُ إضلاله واذلاله حسب قهره وجلاله وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته بمقتضى لطفه وجماله وَهُوَ في ذاته الْعَزِيزُ الغالب على عموم ما أراد وشاء ارادة واختيارا الْحَكِيمُ المتقن في فعله على مقتضى ارادته
ثم ذكر سبحانه قصة إرسال موسى الى قومه حين فشا الجدال والمراء بينهم وانحرفوا عن طريق الحق ليتعظ بها المؤمنون ويعتبروا فقال وَلَقَدْ أَرْسَلْنا من مقام فضلنا وجودنا مُوسى المؤيد بِآياتِنا الباهرة مثل العصى واليد البيضاء وسائر المعجزات الظاهرة على يده وقلنا له أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ الضالين عن سواء السبيل بمتابعة الاهوية الفاسدة مِنَ انواع الظُّلُماتِ الطارئة عليهم من الكفر والفسوق والعصيان والتقليدات والتخمينات الناشئة من الأوهام والخيالات المنبعثة عن الكثرة المستدعية للانانية التي هي الظلمة الحقيقة إِلَى النُّورِ الحقيقي الذي هو صرافة التوحيد والوحدة الذاتية المسقطة لعموم الإضافات والكثرات وَذَكِّرْهُمْ ايضا بِأَيَّامِ اللَّهِ التي قد مضت على الأمم الهالكة من أمثال هذه الأفعال المورثة لانواع الظلمات لعلهم يعتبرون عن سماعها وينصرفون عماهم عليه من القبائح والذمائم إِنَّ فِي ذلِكَ اى في ذكر تلك الوقائع الهائلة والبليات العظيمة لَآياتٍ دلائل واضحة وعبرا ظاهرة لِكُلِّ مؤمن معتبر من أمثالها خائف عن بطش الله صَبَّارٍ على عموم ما جرى عليه من قضائه شَكُورٍ مبالغ في أداء الشكر على ما قد وصل اليه من آلائه ونعمائه
وَاذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ حين أراد تعديد نعم الله عليهم وإحسانه إليهم ليستحيوا عن مخالفة امره وترك طاعته وعبادته اذْكُرُوا ايها المغمورون بنعم الله نِعْمَةَ اللَّهِ الفائضة عَلَيْكُمْ من لدنه وواظبوا لأداء حق شيء منها سيما إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ حين يَسُومُونَكُمْ ويقصدون لكم سُوءَ الْعَذابِ وأسوأ العقاب وافضحه واقبحه وَهو انه يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ قمعا وقلعا لعرقكم وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ توبيخا وتقريعا عليكم وَبالجملة فِي ذلِكُمْ العذاب بَلاءٌ واختبار لكم نازل مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ إذ هو باقدار الله إياهم وتمكينه ولا بلاء أعظم منه والإنجاء عن أمثال هذه البليات من أعظم النعماء وأجل الآلاء فعليكم ان تواظبوا لشكره
وَاذكروا ايضا إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ وأعلمكم اعلاما بليغا وأوصاكم وصية عظيمة تتميما لتربيتكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ على ما أعطيتم من النعم العظام وقمتم لأداء حقها لَأَزِيدَنَّكُمْ واضاعفنكم بأمثالها واضعافها وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ في مقابلة الإحسان والعطاء لا يلحق علىّ اثر كفرانكم بل إِنَّ عَذابِي ونكالي على من انصرف عن امرى وخرج عن إطاعتي وانقيادي لَشَدِيدٌ مبرم محكم لا يندفع أصلا فعليكم ان تلازموا الشكر وتجانبوا عن الكفران
وَبعد ما فرغ عن التعديد والتذكير قالَ لهم مُوسى قولا ناشئا عن محض الحكمة والرزانة بمقتضى نور النبوة والولاية إِنْ تَكْفُرُوا ايها الغافلون عن كمال استغناء الله وعلو شانه وسمو سلطانه وبرهانه أَنْتُمْ بأجمعكم وَعموم مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فان ذلك لا يزن في جنب استغنائه سبحانه مقدار جناح بعوضة فَإِنَّ اللَّهَ المتردي برداء العظمة والكبرياء لَغَنِيٌّ في ذاته هما سواه من اظلاله مطلقا حَمِيدٌ بمقتضيات أوصافه وأسمائه
أَلَمْ يَأْتِكُمْ ايها التائهون في تيه الغفلة
стр. 400
والغرور نَبَؤُا الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِكُمْ مثل قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ من الأمم الهالكة لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ المطلع لعموم ما كان ويكون بحيث لا يعزب عن حيطة حضرة علمه مثقال ذرة لا في الأرض ولا في السماء حين جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ المبعوثون إليهم بِالْبَيِّناتِ الواضحات والمعجزات الباهرات المثبتة لرسالاتهم فدعوهم الى الايمان والتوحيد فامروهم بالمعروفات ونهوهم عن المنكرات فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ مشيرين إليها من غاية انكارهم واستهزائهم وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا وقد اعترفنا بالكفر بأفواهنا هذه. قد أخبروا عن كفرهم وكفرانهم بالجملة الماضويه تحقيقا وتقريرا لما هم عليه من الكفر والطغيان بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وبعموم ما قد جئتم به من عند ربكم وَكيف نؤمن لكم إِنَّا لَفِي شَكٍّ عظيم وارتياب تام مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ من الإله الواحد الأحد الفرد الصمد المتصف بجميع صفات الكمال الموجد المظهر للكائنات مُرِيبٍ موقع للريب القوى المؤدى الى الإنكار العظيم إذ المتصف بهذه الصفات لا بد ان يكون اظهر من الشمس مع انه أخفى من كل شيء بل لا وجود له أصلا
قالَتْ لهم رُسُلُهُمْ على سبيل التوبيخ والتقريع أَفِي اللَّهِ الظاهر المتجلى في الأنفس والآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق شَكٌّ وتردد مع كونه فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وموجدهما ومظهرهما من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة انما يَدْعُوكُمْ سبحانه الى توحيده بإرسال الرسل وإنزال الكتب لِيَغْفِرَ لَكُمْ بعضا مِنْ ذُنُوبِكُمْ وهو ما بينكم وبينه سبحانه إذ حق الغير لم يسقط ما لم يعف صاحب الحق عنه وَبعد دعوتكم يُؤَخِّرَكُمْ ويمهلكم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى مقدر من عنده وهو يوم الجزاء ليهيئ كل منكم زاد يومه هذا على الوجه المأمور المبين في الكتب المنزلة على الرسل وبعد ما سمعوا من الرسل ما سمعوا قالُوا مستكبرين عليهم مستهزئين لهم إِنْ أَنْتُمْ ولستم في انفسكم إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تأكلون وتشربون وتفعلون أنتم جميع ما نفعل نحن تُرِيدُونَ أنتم بأمثال هذه الحيل والتزويرات الباطلة أَنْ تَصُدُّونا وتنصرفونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا وأسلافنا من الآلهة والأصنام وان صدقتم في دعواكم هذه فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وبحجة واضحة لائحة نقترحها نحن منكم
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ مسلمين منهم المشاركة في الجنس إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ نشارك لكم في عموم احوال البشر وأوصافه ولوازمه على الوجه الذي قررتم أنتم وَلكِنَّ اللَّهَ المنعم المفضل يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ بمقتضى جوده وإحسانه بفضائل مخصوصة وكرائم غير شاملة حسب تفاوت مراتبهم واستعداداتهم المثبتة في علم الله ولوح قضائه وَاما امر مقترحاتكم فانه ما كانَ وما صح وما جاز لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ وبرهان أنتم تقترحون به إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وبتوفيقه ووحيه واقداره وتمكينه ان تعلق ارادته بصدوره منا وَعَلَى اللَّهِ لا على غيره من الأسباب والوسائل العادية فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ الموحدون المفوضون أمورهم كلها الى الله أولا وبالذات بحيث لا يعتقدون الحول والقوة الا بالله المستقل في ذاته وأوصافه وأفعاله
وَبعد ما ايسوا عنهم وعن صلاحهم اشتغلوا الى تزكية نفوسهم وتصفية قلوبهم حيث قالوا من كمال شوقهم وودادتهم ما لَنا واى عذر قد عرض لنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ المصلح لأحوالنا ولم لم نتخذه وكيلنا وكفيلنا وَالحال انه سبحانه بمقتضى لطفه وجماله قَدْ هَدانا وأوضح لنا سُبُلَنا لنسلك بها نحو توحيده وعرفانه مع ان عموم ما جرى علينا من المنافع والمضار انما
стр. 401
هو من عنده سبحانه وبمقتضى مشيته وارادته وَالله بعد ما تحققنا بمقام التوحيد وتمكنا في مقر التجريد والتفريد لَنَصْبِرَنَّ عَلى عموم ما آذَيْتُمُونا بالرد والإنكار والتكذيب والاستكبار وغير ذلك من الاستهزاء وسوء الأدب وكيف لا نصبر إذ الكل بيده سبحانه وبحيطة حضرة قدرته وارادته وانما وصل إلينا عموم ما وصل من المنح والمحن انما هو ابتلاء منه سبحانه إيانا واختبار لنا وَبعد ما قد تحقق وثبت ان الكل من عنده عَلَى اللَّهِ المستقل في عموم التصرفات الجارية في ملكه وملكوته لا على غيره من الأسباب والوسائل العادية فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ الموحدون المفوضون أمورهم كلها اليه وليبذلوا مهجهم في ترويج دينه وطريق توحيده وإعلاء كلمته
وَبالجملة قد ادّى امر استكبارهم واستنكارهم وتكذيبهم الى ان قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ حين بالغوا في دعوتهم وهدايتهم لَنُخْرِجَنَّكُمْ ايها المزورون الملبسون مِنْ أَرْضِنا اجلاء وإخراجا على وجه الاهانة والإذلال التام أَوْ لَتَعُودُنَّ أنتم كما كنتم منصفين ملجئين فِي مِلَّتِنا التي هي ملة آبائكم واسلافكم فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ حين اشتد الأمر عليهم واضطروا من ظلمهم وطغيانهم قائلا لهم على سبيل الوعد والتبشير لا تبالوا ايها الرسل المبلغون كلمة الحق إليهم عن تهديداتهم وتشنيعاتهم هذه ولا تخافوا عن شوكتهم وصولتهم إذ نحن أقوى منهم لَنُهْلِكَنَّ بمقتضى قهرنا وجلالنا ونستأصلن الظَّالِمِينَ الخارجين عن ربقة إطاعتكم وانقيادكم
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ نورثنكم ونقررنكم الْأَرْضَ التي هم يريدون إخراجكم منها مهانين صاغرين مِنْ بَعْدِهِمْ اى بعد إهلاكهم واستئصالهم ذلِكَ اى إهلاك العدو وايراث الأرض والديار لِمَنْ خافَ مَقامِي اى للمؤمنين الموحدين الخائفين عن قيامي وحفظي واطلاعى بعموم احوال عبادي وبسبب خوفهم هذا لا يخرجون عن مقتضى امرى ونهي وَمع ذلك قد خافَ وَعِيدِ وعن بطشى وانتقامي في يوم الجزاء بأنواع العذاب والنكال ومن غاية خوفهم ورعبهم عن الوعيدات الاخروية قد استعدوا لها وهيئوا اسباب النجاة عنها جعلنا الله ممن وفق لتهيئة اسباب أخراه في أولاه
وَكيف لا ينصرهم الحق ولا يهلك عدوهم إذ هم قد اسْتَفْتَحُوا واستنصروا من الله وطلبوا الفتح والنصرة على أعدائهم مفوضين أمورهم كلها اليه مسلمين أبدانهم وأرواحهم على قضائه سبحانه لذلك قد فتح عليهم ونصرهم سبحانه على عدوهم وَقد خابَ خيبة ابدية وخسر خسرانا سرمديا كُلُّ جَبَّارٍ متكبر متجبر على الله وعلى عباده عَنِيدٍ مبالغ في العتو والعناد مع أنبيائه ورسله ومع ذلك لا يقتصر عليهم بالعذاب العاجل
بل مِنْ وَرائِهِ اى في وراء العذاب العاجل الدنيوي جَهَنَّمُ البعد والخذلان وجحيم الطرد والحرمان الأخروي وَيُسْقى فيها حين اشتداد زفرتهم مِنْ ماءٍ اى مايع كالماء صَدِيدٍ قيح سائل من جراحات أجساد اهل النار المنهمكين في النشأة الاولى بأكل السحت واموال الأيتام والرشى في الاحكام وخبيث بشيع في غاية البشاعة
بحيث يَتَجَرَّعُهُ بتكلف شديد واضطراب بليغ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ ولا يقرب ان يجرى على حلقه وينحدر منه للزوجته وحرارته وشدة التصاقه وَلعدم اساغته وجوازه وغاية بشاعته يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ ويتوجه نحوه ويحيط به اسباب الموت والهلاك من كل عضو من أعضائه لوصول اثر اشتداده ورداءته وبشاعته كل جزء جزء من أجزاء بدنه حتى اصول شعره فتقشعر من هوله كما يشاهد بمثله عند شرب الأدوية الردية الكريهة الرائحة واللذة مثل السقمونيا والحنظل وغير ذلك وَمع إتيان اسباب الموت من
стр. 402
جميع الأعضاء ما هُوَ بِمَيِّتٍ حتى يخلص عن العذاب وَمِنْ وَرائِهِ وعقيب سقيه على هذا الوجه يأتيه عَذابٌ غَلِيظٌ من انواع العقاب.
ثم قال سبحانه كلاما جمليا شاملا لعموم اصحاب الضلال مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ الذي رباهم بأنواع النعم فكفروا النعم والمنعم جميعا ولم يصلوا الى مرتبة توحيده وعرفانه ولم يؤمنوا به حتى يصلوا بالسلوك والمجاهدة اليه لذلك صار مثلهم وشأنهم العجيب وحالهم الغريب في ما يتلى عليكم هذا أَعْمالُهُمْ الحسنة من الصدقة والعتق والصلة وغير ذلك من الأعمال المقربة نحو الحق ان كانت مقرونة بالإيمان والمعرفة كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ذي رياح شديدة عاصفة فطار بها الرماد الى حيث لم يبق في مكانه اثر منه اى مثلهم وشأنهم في كون أعمالهم وحسناتهم ضايعة حبطة يوم القيمة كمثل ذلك الرماد بحيث لا يَقْدِرُونَ لدى الحاجة مِمَّا كَسَبُوا واقترفوا من الأعمال المنجية المخلصة عَلى شَيْءٍ قليل حقير فكيف بالعظيم الكثير منها ذلِكَ الإحباط وعدم النفع هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ بمراحل عن الهداية والفوز بالفلاح وما ذلك الا لعدم مقارنتها بالإيمان والعرفان ولتكذيب الرسل المبينين لهم طريق التوحيد والإيقان
أَلَمْ تَرَ ايها الرائي المستبعد لإحباط اعمال أولئك الكفرة المعاندين مع الله ورسله أَنَّ اللَّهَ تعالى القادر المقتدر بالقدرة التامة الكاملة بحيث لا ينتهى قدرته دون مقدور أصلا قد خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وأوجدهما من كتم العدم على سبيل الإبداع والاختراع خلقا ملتبسا بِالْحَقِّ الثابت المطابق للواقع الموافق للحكمة المتقنة البالغة الكاملة بحيث ما ترى فيها من فطور وفتور ليشاهد اهل البصائر والاعتبار هذا النمط البديع والنظام العجيب فينكشفوا منها الى مبدأها ومنشأها ومع ذلك إِنْ يَشَأْ سبحانه يُذْهِبْكُمْ ايها المائلون عن طريق الحق الناكبون عن مقتضى حكمته بمتابعة اهوية نفوسكم ومقتضيات هوياتكم الباطلة وَيَأْتِ بدلكم بِخَلْقٍ آخر جَدِيدٍ مستبدع مستحدث ليواظبوا على طاعته ويداوموا على مقتضيات حكمته
وَلا تستبعدوا من الله أمثال هذا إذ ما ذلِكَ وأمثاله عَلَى اللَّهِ المتعزز بالمجد والبهاء والعظمة والكبرياء والبسطة والاستيلاء بِعَزِيزٍ متعذر او متعسر إذ لا يتعسر عند قدرته الكاملة الغالبة مقدور ولا يتعذر دونه شيء من الأمور
وَكيف يتعسر او يتعذر عليه شيء من الأمور مع ان الكل منكم ومن غيركم قد بَرَزُوا وظهروا في النشأة الاولى ورجعوا وانصرفوا في النشأة الاخرى لِلَّهِ المظهر المبرز لعموم ما ظهر وبرز من كتم العدم جَمِيعاً مجتمعين إذ لا يخرج عن حيطته شيء فَقالَ الضُّعَفاءُ من ذوى الاستعدادات القاصرة حين أخذوا بجرائمهم لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عليهم في النشأة الاولى بالرياسة والمال والجاه والعقل التام وادعاء الفضل والكمال الى حيث جعلوا نفوسهم متبوعين لهم مضطربين مضطرين إِنَّا كُنَّا لَكُمْ ايها الأشراف تَبَعاً في دار الدنيا وأنتم ناصحون لنا آمرون إيانا بتكذيب الرسل وبارتكاب انواع الفواحش والقبائح الممنوع عنها بألسنة الرسل والكتب فَهَلْ أَنْتُمْ اليوم حين أخذنا على ما أمرتمونا مُغْنُونَ دافعون مانعون عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ المنتقم منا مِنْ شَيْءٍ اى بعض من عذابنا ونكالنا قالُوا اى الأشراف المستكبرون المتبوعون بعد ما عاتبهم الضعفاء لَوْ هَدانَا اللَّهُ الهادي لعباده لَهَدَيْناكُمْ نحوه البتة ولكن قد أضلنا حسب اسمه المضل فاضللناكم نحن فالآن نحن وأنتم ضالون مضلون ظالمون مؤاخذون سَواءٌ عَلَيْنا وعليكم
стр. 403
أَجَزِعْنا عن شدة العذاب والنكال أَمْ صَبَرْنا على مقاساة الأحزان ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ مخلص ومناص
وَقالَ الشَّيْطانُ اى الاهوية الفاسدة المفسدة لهم في نشأتهم الاولى مصورة على صورة الشيطان المضل المغوى لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ اى بعد استقرار اهل الجنة في الجنة واهل النار في النار إِنَّ اللَّهَ المصلح المدبر لأحوال عباده قد وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ بهذا اليوم الذي أنتم تؤاخذون فيه وَوَعَدْتُكُمْ انا اضلالا وإغواء لكم بخلافه وبالجملة فَأَخْلَفْتُكُمْ انا عموم ما وعدتكم به بخلاف ما وعد به ربكم فان إنجازه مقطوع به بلا شك فيه أصلا واتبعتم أنتم بمقتضى طباعكم قولي مع انه ما هو الا غرور وإضلال لا يرجى إنجازه منى وَالحال انه ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ حجة مرجحة وادلة ملجئة إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ وسوى ان اغريتكم بمقتضى اهويتكم وامنيتكم التي تقتضيها هويتكم وماهيتكم ومع ذلك فَاسْتَجَبْتُمْ لِي وصدقتم قولي وقبلتم تغريري بلا تردد ومماطلة طوعا ورغبة فَلا تَلُومُونِي اليوم بل وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ الباعثة الداعية على متابعتي مع جزمكم بمكرى وعداوتي وبالجملة ما أَنَا اليوم بِمُصْرِخِكُمْ مغيثكم ومعينكم وان ادعيت فيما مضى ذلك تغريرا وتلبيسا وَما أَنْتُمْ ايضا بِمُصْرِخِيَّ إذ قد انكشفت الحال وانقطعت علقة المحبة ورابطة المودة بيننا وصارت كل نفس رهينة بما كسبت إِنِّي اليوم بعد انكشاف السرائر والضمائر قد كَفَرْتُ أنكرت وتبرأت بِما أَشْرَكْتُمُونِ اى باشتراككم معى في الشرك بالله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له أصلا مِنْ قَبْلُ في دار التلبيس والتزوير والإغواء والتغرير وبالجملة إِنَّ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضيات أوامر الله ونواهيه عدوانا وظلما في ما مضى لَهُمْ اليوم عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم أشد إيلام. ثم بين سبحانه على مقتضى سننه المستمرة بعد ما بين وخامة احوال الهالكين المنهمكين في تيه العتو والعناد وفظاعة أمرهم في يوم الجزاء حال المؤمنين عن تغريرات الدنيا الدنية وتسويلات الشياطين الغوية فيها
فقال وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الله وصدقوا كتبه ورسله وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ التي هي نتائج الايمان وثمرات اليقين والعرفان جَنَّاتٍ متنزهات من العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ المملوة بمياه العلوم اللدنية لتنبت في أراضي استعداداتهم ومزارع قابلياتهم مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من المكاشفات والمشاهدات الخارجة عن طوق البشر وطور العقل ومع ذلك صاروا خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ اى برضاه وتوفيقه وتيسيره تَحِيَّتُهُمْ من قبل الحق بالسنة الملائكة حين وصولهم ونزولهم فِيها سَلامٌ لأنهم مسلمون منقادون مسلمون أمورهم كلها الى الله في النشأة الاولى
أَلَمْ تَرَ ايها المعتبر المنصف الخبير البصير كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ الهادي لعباده الى توحيده مَثَلًا ليتنبهوا منه حيث شبه كَلِمَةً طَيِّبَةً هي كلمة التوحيد القائلة المفصحة المعربة بان لا وجود لسوى الحق كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ هي النخلة التي أَصْلُها وعروقها ثابِتٌ في الأرض بحيث لا يقلعها ولا يشوشها الرياح أصلا وَفَرْعُها اى أفنانها وأغصانها مرتفعة فِي السَّماءِ وجانبها
تُؤْتِي أُكُلَها وثمارها كُلَّ حِينٍ من الأحيان المعينة للاثمار بِإِذْنِ رَبِّها وبمقتضى ارادته ومشيته يعنى كما ان النخلة تنمو وتثمر بسبب أصلها الثابت في الأرض وفرعها المرتفع نحو السماء ويحصل منها الثمر وقت حصولها كذلك شجرة الكلمة الطيبة التوحيدية المستقر أصلها في أراضي الاستعدادات الفطرية المرتفعة أغصانها وأفنانها نحو سماء العالم الروحاني المثمرة لثمرات المكاشفات والمشاهدات القالعة لعرق مطلق التقليدات
стр. 404
والتخمينات القامعة لاشواك عموم الكثرات الناشئة من النسب والإضافات العدمية وَلا حاجة لأولى البصائر والألباب المنكشفين بصرافة الوحدة الذاتية وبإطلاق الوجود الإلهي البحت الخالص عن مطلق القيود والحدود الى أمثال هذه التنبيهات بل ما يَضْرِبُ اللَّهُ المطلع لسرائر استعدادات عباده الْأَمْثالَ المذكورة الا لِلنَّاسِ الناسين عهودهم ومواثيقهم مع الله بالمرة بحجب تعيناتهم المستتبعة لعموم الإضافات والكثرات لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ رجاء ان يتذكروا ما نسوا من أمثال هذه الأمثال والتنبيهات
وَايضا مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ وهي كلمة الكفر المستتبعة لانواع الفسوق والعصيان المخالفة لجادة التوحيد النافية لصرافة الوحدة الذاتية كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ هي الحنظلة التي اجْتُثَّتْ اى أخذت تنمو جثتها مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ بلا استحكام عرقها وأصلها في الأرض وتعمقها فيها لذلك ما لَها مِنْ قَرارٍ وثبات إذ ادنى الرياح يقلبها كيف يشاء يعنى كما ان الشجرة الخبيثة الغير المستقرة يقلبها الرياح كيف يشاء كذلك اعتقادات الكفرة والفسقة المقلدة يقلبها ادنى رياح الشكوك والشبهات ويوقعها في مهاوي الأوهام واغوار الخيالات
وبالجملة يُثَبِّتُ اللَّهُ المدبر المصلح لأحوال عباده اقدام المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ اى بالإقرار المطابق للاعتقاد والواقع فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الى حيث قد بذلوا أرواحهم من كمال تثبتهم وتمكنهم ورسوخهم في الايمان والتوحيد ونهاية حرصهم وتشددهم لإعلاء كلمة الحق ونصرة الدين القويم بحيث لا ينصرفون عنها أصلا وَفِي الْآخِرَةِ ايضا بحيث لا يتلعثمون ولا يضطربون يوم العرض الأكبر بل في البرزخ ايضا عند سؤال المنكر والنكير وَكما يثبت ويقرر الله المعز الهادي اقدام المؤمنين على الايمان كذلك يُضِلُّ اللَّهُ المذل المضل الظَّالِمِينَ الخارجين عن ربقة العبودية عنادا واستكبارا ويثبت اقدامهم على الضلالة بحيث لا يفوزون بالفلاح والنجاح أصلا بل صاروا خالدين في النار ابد الآباد وَبالجملة يَفْعَلُ اللَّهُ المتعزز برداء العظمة والكبرياء ما يَشاءُ من الهداية والإضلال والإعزاز والإذلال
أَلَمْ تَرَ ايها المعتبر الرائي إِلَى الظالمين المسرفين الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ الفائضة عليهم من محض فضله وعطائه ليشكروا له ويواظبوا على أداء حقوقه كُفْراً وزادوا بها كفرانا وطغيانا حيث صرفوها الى نشر البغي والعدوان على الله وعلى خلص عباده مع ان المناسب صرفها الى إعلاء كلمة الله ونصر دينه ونبيه وَبذلك قد أَحَلُّوا وادخلوا قَوْمَهُمْ وأنفسهم دارَ الْبَوارِ ومنزل الهلاك والخسار
يعنى جَهَنَّمَ التي يَصْلَوْنَها ويدخلون فيها اذلّاء مهانين صاغرين مقهورين لا نجاة لهم منها أصلا وَبالجملة بِئْسَ الْقَرارُ والمقر مقرهم ومحل قرارهم الذي هو جهنم الطرد والخذلان
وَمن خبث بواطنهم وشدة شكيمتهم قد جَعَلُوا لِلَّهِ المتوحد في ذاته أَنْداداً واشباها شركاء له من اظلاله ومصنوعاته لِيُضِلُّوا بإثباتها ضعفاء الأنام عَنْ سَبِيلِهِ الذي هو دين الإسلام المنزل على خير الأنام الموصل الى توحيد الله العليم العلام وقُلْ لهم يا أكمل الرسل على سبيل التوبيخ والتقريع تَمَتَّعُوا ايها المسرفون بما أنتم عليه من الكفر والعناد فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ ومآل أمركم إِلَى النَّارِ المعدة لتخذيلكم وجزائكم
قُلْ يا أكمل الرسل لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا بجميع ما قد جئت به إليهم من امور الدين سيما الصلاة المصفية لبواطنهم والزكاة المزكية لظواهرهم عليهم ان يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويديموها في الأوقات المقدرة المحفوظة وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ على المستحقين سِرًّا بلا سبق سؤال وَعَلانِيَةً بعد السؤال وبالجملة استعدوا ايها الطالبون
стр. 405
للنجاة لأخريكم في أولئكم واعدوا زاد عقباكم في دنياكم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ يتدارك ويتلافى المقصر بالإنفاق والصدقة بعض تقصيراته وَايضا لا يقبل فيه خِلالٌ وشفاعة من خليل شفيع وصديق حميم يشفع للجرائم والتقصيرات وكيف لا تستعدون ايها المكلفون بعد ما أمركم الله باعداده وسهل أسبابه عليكم
إذ اللَّهُ الموفق على عباده اسباب معادهم هو الخالق المدبر المصلح الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ اى العلويات المعدة للافاضة والإحسان من الأسماء والصفات وَالْأَرْضَ اى السفليات القابلة للفيض والقبول من الطبائع والأركان وَأَنْزَلَ وأفاض مِنَ جانب السَّماءِ ماءً وعلما لدنيا فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ انواع الثَّمَراتِ الصورية والمعارف والمكاشفات والمشاهدات التي هي عبارة عن الثمرات المعنوية لتكون رِزْقاً لَكُمْ مقوما لأمزجتكم مبقيا لحياتكم الصورية والمعنوية لتواظبوا على طاعة الله واعداد زاد يوم الميعاد وَمع ذلك قد سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ والسفن الجارية التي هي أبدانكم واجسامكم لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ اى بحر الوجود بِأَمْرِهِ وبمقتضى مشيئته وارادته لتسيروا معها الى حيث شئتم وتتجروا بها وتربحوا من المعارف والحقائق وَايضا قد سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ الجارية والقوى الروحانية المملوة بمياه العلوم اليقينية السارية السائرة على بسيط الأرض وفضاء القوابل من السنة الأنبياء والأولياء ليسهل لكم إخراج الجداول منها للحراثة والزراعة الصورية والمعنوية
وَسَخَّرَ لَكُمُ ايضا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وقد صيرهما دائِبَيْنِ دائرين مختلفين في سيرهما شتاء وضيفا خريفا وربيعا لإنضاج ما تحرثونه وتزرعونه وايضا قد وضع بينكم مرتبتي النبوة والولاية وادارهما بينكم على تفاوت طبقاتكم أبرارا وشطارا اقطابا وابدالا لتنجذبوا نحو الحق وتتصلوا ببحر الوحدة وَايضا قد سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ والعدم والوجود لسباتكم ومعاشكم وسيركم وسلوككم نحو وحدة الذات
وَبالجملة قد آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ بلسان استعداداتكم وقابلياتكم من متممات نفوسكم ومكملات ادراككم وَبالجملة قد بلغ انعامه وإحسانه سبحانه إياكم في الكثرة الى حيث إِنْ تَعُدُّوا وتحصوا نِعْمَتَ اللَّهِ الفائضة عليكم لتربيتكم وتقويتكم لا تُحْصُوها ولا يسع لكم احصاؤها من نهاية كثرتها ووفورها فعليكم ان تواظبوا على شكرها وأداء شيء من حقها وان كانت القوة لا تفي بأدائها بل بأداء شيء منها على وجهها لكن قليل منكم تشكرون نعمه إِنَّ الْإِنْسانَ المجبول على الغفلة والنسيان في اصل فطرته باعتبار قوى بشريته وبهيميته لَظَلُومٌ مظلوم محزون عند لحوق الشدة وهجوم البلاء كَفَّارٌ مبالغ في الكفران والنسيان وقت الفرح والسرور
وَاذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالَ جدك إِبْراهِيمُ الخليل الجليل صلوات الله عليه حين ناجى مع الله بعد ما قد عمر مكة شرفها الله رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ الذي تأمرنى بتعميره آمِناً ذا أمن وأمان من تخريب العدو وتغييره وَاجْنُبْنِي وبعدنى وَبَنِيَّ ايضا عن أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ بتسويلات الاهوية الفاسدة وتغريرات الشياطين المضلة المغوية
رَبِّ إِنَّهُنَّ اى الأوثان والأصنام بإظهارك بعض الخوارق عليها ابتلاء منك وفتنة لعبادك قد أَضْلَلْنَ وصرفن كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عن جادة توحيدك فَمَنْ تَبِعَنِي منهم بعد دعوتي إياهم الى توحيدك فَإِنَّهُ مِنِّي وعلى ملتي وديني وَمَنْ عَصانِي ولم يقبل قولي وأصر على ما هو عليه فَإِنَّكَ بمقتضى فضلك وجودك غَفُورٌ قادر على العفو
стр. 406
المغفرة من عموم المعاصي الصادرة عنهم رَحِيمٌ يرحمهم حسب سعة رحمتك وحلمك
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ ومكنت بإذنك مِنْ ذُرِّيَّتِي اى بعضا منهم وهو إسماعيل وبنوه بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ إذ هي حجرية لا زرع فيها ولا حرث عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ سمى به إذ قد حرمت فيه المقاتلة والصيد والتعرض والتهاون مطلقا حفظا لحرمته لذلك لا يزال معظما مكرما يهابه الجبارة وانما اسكنتهم عنده ليكنسوا بيتك من الأقذار ويصفوه من الاكدار رَبَّنا ما أسكنت وأقمت ذريتي عند بيتك الا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ويديموا الميل المقرب نحو جنابك وفناء بابك فَاجْعَلْ حسب فضلك وجودك أَفْئِدَةً ووفدا كثيرا وقفلا عظيما مِنَ النَّاسِ تَهْوِي تميل وتتوجه إِلَيْهِمْ من الجوانب وَارْزُقْهُمْ مِنَ انواع الثَّمَراتِ الروحانية والنفسانية المهداة إليهم من البلاد البعيدة يأتى بها الزوار والتجار لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ نعمك ويواظبون على طاعتك وخدمة بيتك عن فراغ القلب وخلاء الخاطر
رَبَّنا يا من ربانا بأنواع اللطف والكرم إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي من حوائجنا وَما نُعْلِنُ منها ومالنا علم به إذ أنت اعلم بحوائجنا منا إذ علمك بنا وبعموم مظاهرك ومصنوعاتك حضورى ذاتى ولا علم لنا بذاتنا كذلك بل ما نحن الا عاجزون قاصرون عن ادراك أنفسنا كعجزنا عن ادراك ذاتك يا مولينا لذلك قال اصدق القائلين ﷺ في مقام العجز والقصور من عرف نفسه فقد عرف ربه وَكيف تخفى عليك حوائجنا إذ ما يَخْفى وليس شيء يستر ويغيب عَلَى اللَّهِ المحيط بعموم الأشياء لا مِنْ شَيْءٍ ظاهر ولا باطن لا فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وكيف خفى عليه شيء إذ هو عالم بها مظهر لهما محيط بهما بحيث لا يعزب عنه شيء منهما
وبالجملة الْحَمْدُ الكامل والمنة التامة لِلَّهِ المنعم المفضل الَّذِي وَهَبَ لِي من يخلفني ويحيي اسمى حين أيست إذ قد بلغ سنى عَلَى غاية الْكِبَرِ والهرم يعنى إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ روى انه قد ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة واسحق لمائة وثنتى عشرة سنة وبالجملة إِنَّ رَبِّي الذي رباني بأنواع الكرم وشرفني بخلعة الخلة وكمال الحلم والكرم لَسَمِيعُ الدُّعاءِ الذي قد صدر عن لسان استعدادي وقابليتي باذنه واقداره سبحانه ومجيبه وهو طلب من يخلفني ويقوم مقامي
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومديم الميل والتوجه نحوك على وجه الخضوع والخشوع وكمال التبتل والإخلاص وَاجعل مِنْ ذُرِّيَّتِي ايضا من يقيمها ويديمها على الوجه المذكور رَبَّنا استجب منى وَتَقَبَّلْ دُعاءِ في حقي وفي حق أولادي واحفادى
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي بفضلك إذ لا املك لنفسي نفعا ولا ضرا وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ جميعا واعف حسب جودك عن زلتى وزلاتهم يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ وينشر الكتاب ويحاسب على كل نفس ما كسبت من الخير والإحسان والشر والعصيان
وَبالجملة لا تَحْسَبَنَّ يا أكمل الرسل اللَّهَ المطلع على سرائر الأمور وخفياتها غافِلًا ناسيا ذاهلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ الخارجون عن حدود الله بإمهالهم زمانا بل إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ويسوف عذابهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ وتتحير فِيهِ الْأَبْصارُ وصاروا من شدة الهول والمهابة بحيث لا يقدرون على ان يطرفوا عيونهم بل تبقى ابدا مفتوحة حائرة كعيون الموتى كأنهم قد انقطعت أرواحهم عن اجسادهم من شدة الهول والهيبة وهم مع هذه الحيرة والدهشة
مُهْطِعِينَ مسرعين نحو المحشر حيارى سكارى مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ اى رافعيها نحو السماء مترقبين لنزول البلاء مدهوشين هائمين حائرين بحيث لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ لشدة ولههم وهيمانهم وَفي تلك الحالة
стр. 407
أَفْئِدَتُهُمْ وقلوبهم التي هي محل الأماني والخيالات الفاسدة هَواءٌ خالية عارية لا يخطر ببالهم شيء مطلقا وان كانت لا تخلو عن الانخطار والخيال أصلا
وَمتى سمعت يا أكمل الرسل اهوال يوم القيمة واحوال الأنام فيه أَنْذِرِ النَّاسَ الناسين عهود الحق ومواثيقه التي قد عهدوا معه سبحانه في بدء فطرتهم وقل لهم اى شيء يفعلون يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ المعهود في اليوم الموعود وحينئذ قد انقطعت سلسلة اسباب النجاة وتدبيرات الخلاص ولا يسع لهم التدارك والتلافي أصلا فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بتكذيب الله وتكذيب رسله حين رأوا العذاب مناجين متضرعين متمنين رَبَّنا أَخِّرْنا وأعدنا وارجعنا الى الدنيا وأمهلنا فيها إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ وايام قلائل نُجِبْ دَعْوَتَكَ فيها ونقبلها عن السنة رسلك وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ونصدقهم بعموم ما جاءوا به من عندك فيقال لهم حينئذ على سبيل التهكم والتقريع أَوَلَمْ تَكُونُوا ايها الظالمون المسرفون أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ في دار الدنيا بطرين مغرورين ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ اى مالنا وبال ولا لأموالنا زوال ومالنا عن اماكننا وأوطاننا انتقال وارتحال
وَمع قولكم هذا ويمينكم عليه قد سَكَنْتُمْ وتمكنتم حينئذ ايها المسرفون المفرطون فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ قبلكم أمثالكم مثل عاد وثمود وَهم ايضا مقسمين بما أقسمتم كذلك وهلم جرا وقد تَبَيَّنَ لَكُمْ وظهر عندكم ولاح دونكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وكيف انتقمنا عنهم واستأصلناهم وَكيف لا قد صار امر إهلاكهم من الفظاعة الى ان قد ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ بالسنة انبيائنا ورسلنا مرارا وصرفناها تكرارا لتعتبروا أنتم عما جرى عليهم وتتركوا فعالكم وخصالكم لئلا تنتقموا أمثالهم ومع ذلك لم تعتبروا ولم تتركوا فالآن تؤاخذون وتصابون باشد مما أصيبوا وأخذوا
وَلا يفيدكم اليوم المكر والحيلة كما لا يفيد لهم مكرهم حين أخذهم إذ قَدْ مَكَرُوا حينئذ مَكْرَهُمْ الذي قد خيلوه دلائل قاطعة وظنوه براهين ساطعة وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ولم يفهموا ان عند الله سبحانه ما يزيل مكرهم وحيلهم وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ في المتانة والقوة لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ إذ لا يعارض فعله ولا ينازع حكمه بل له الغلبة والاستيلاء والتعزز والكبرياء وإذا كان الأمر كذلك
فَلا تَحْسَبَنَّ يا أكمل الرسل اللَّهَ القادر المقتدر على كل ما أراد وشاء مُخْلِفَ وَعْدِهِ الذي قد وعد به رُسُلَهُ من إهلاك عدوهم وتعذيبهم باشد العذاب إِنَّ اللَّهَ المتردي برداء العظمة والكبرياء عَزِيزٌ غالب قادر على عموم مراداته ومقدوراته ذُو انتِقامٍ شديد على من أراد انتقامه وبطشه من أعدائه نصرة على أوليائه قل لهم يا أكمل الرسل لا تغتروا بامهال الله إياكم ايها المسرفون المفرطون في دنياكم ان لا يهلككم الله ولا ينتقم عنكم
اذكر يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ وتغير تغييرا كليا بان قد دكت الجبال دكا دكا وصارت مسواة لا عوج فيها ولا امتا بل وقد صارت الأرض غَيْرَ الْأَرْضِ التي قد كانت قبل هذا وَايضا قد طويت السَّماواتُ المحسوسة وانتثرت الكواكب المركوزة عنها وكورت الشمس والقمر بحيث قد صارت السموات ايضا غير تلك السموات وبالجملة قد تضعضعت اركان العالم وتغيرت أوضاعها وأشكالها واضمحلت آثارها وتلاشت اجزاؤها وتداخلت ارجاؤها وانحاؤها وانحل نظامها وانفضح انتظامها وَبَرَزُوا ظهروا وخرجوا اى أموات بقعة الإمكان عن أجداث اجسادهم بعد نزع تعيناتهم وجلباب هوياتهم لِلَّهِ المظهر لهم الظاهر فيهم الْواحِدِ الأحد في ذاته وفي عموم أوصافه وأسمائه وأفعاله وجميع شئونه وتجلياته المستقل
стр. 408
في وجوده الْقَهَّارِ لعموم الأغيار والسوى مطلقا
وَبالجملة تَرَى ايها المعتبر الرائي الْمُجْرِمِينَ الذين قد أجرموا بالله بإثبات الوجود لغير الله واسناد الحوادث الى اسبابها العادية يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ مقيدين فِي الْأَصْفادِ اى سلاسل التقليدات والتقييدات وأغلال التعينات والتخمينات
بحيث قد صارت سَرابِيلُهُمْ يعنى قمائص تعيناتهم وسربالات تشخصاتهم وهوياتهم يومئذ مِنْ قَطِرانٍ اى من غرابيب الظلمة العدمية البعيدة بمراحل عن نور الوجود وهو في اللغة دهن الأبهل والعرعر اسود كالزفت في غاية الاسوداد منتن نتنه في غاية الكراهة وَبالجملة تَغْشى وتستر وُجُوهَهُمُ التي تلى الحق النَّارُ اى نيران الإمكان وجهنم البعد والحرمان وسعير الخذلان والخسران
وما ذلك الأخذ والانتقام الا لِيَجْزِيَ اللَّهُ العليم الحكيم المتقن في عموم أفعاله ومأموراته ومنهياته وفي جميع تدبيراته كُلَّ نَفْسٍ متعينة بتعين مخصوص جزاء ما كَسَبَتْ واقترفت وامتثلت بما أمرت به ونهيت عنه او أعرضت وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المراقب على عموم عباده المطلع بجميع ما صدر عنهم سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسبهم ويجازيهم على مقتضى حسابه عدلا منه
هذا اى ما ذكر من أوصاف يوم القيمة وأهوالها وافزاعها ما هو الا بَلاغٌ اى تذكرة كافية وموعظة وافية لِلنَّاسِ الذين نسوا طريق التوحيد واعرضوا عنه بعروض الغفلة لهم وليتعظوا وَلِيُنْذَرُوا بِهِ عن المعاصي والاجرام حتى لا يؤاخذوا عليها وليجتنبوا عن الشرك ولا يركنوا اليه وَلِيَعْلَمُوا اى عموم العباد علما يقينيا ايمانا وإذعانا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ يعبد بالحق ويرجع نحوه في الخطوب الى ان ينكشفوا بحقيقة حقيته عيانا وحقا وَلِيَذَّكَّرَ ويتعظ خصوصا أُولُوا الْأَلْبابِ الناظرون بنور الله الى لب الأمور الفانون فيه الباقون ببقائه جعلنا الله ممن ذكر له الحق فتذكر وتحقق في مقر التوحيد وتقرر
خاتمة سورة ابراهيم ﵇
عليك ايها اللبيب الأريب المتذكر لمرتبة الاحدية التي هي ينبوع بحر الوجود ان تتذكر وتتعظ بمواعظ الكتاب الإلهي وتذكيراته من مواعيده ووعيداته وانذاراته وتبشيراته وحكمه واسراره ورموزه وإشاراته لتتفطن بتطورات الحق وشئونه وتجلياته في مراتب تنزلاته حتى يسهل لك التيقظ من المنامات العارضة والغفلات الطارئة عليك من الإضافات الحاصلة بين آثار الشئون والتجليات الإلهية المبعدة عن صرافة الوحدة الذاتية ويتيسر لك الوصول الى منبع عموم الأسماء والصفات المستتبعة لانواع الكثرات ومرجع جميع الكائنات والفاسدات المترتبة عليها. فاعلم ايها الطالب القاصد لسلوك طريق الهداية الموصلة الى صفاء الوحدة الذاتية ان التوجه إليها والوقوف على اماراتها لا يتيسر الا بعد تنبيه منبه نبيه وارشاد مرشد رشيد كامل مكمل خبير بصير لذلك قد جرت عادة الله واستمرت سنته السنية على إرسال الرسل والأنبياء المؤيدين بالكتب والصحف ليتيسر لهم ارشاد الناقصين المنحطين عن درجة التدبر والتدرب في غوامض طرق العرفان ومغاليق مسالك التوحيد ومع ذلك لا يتيسر لهم الا البلاغ والتبليغ والتوفيق انما هو من عند العزيز العليم وأكمل الرسل نبينا ﷺ وأفضل الكتب القرآن الفرقان الجامع المنزل عليه الناسخ لعموم ما نزل قبله من الكتب لذلك قال سبحانه على سبيل العموم هذا اى القرآن بلاغ للناس اى كامل في التبليغ والإرشاد لقاطبة الأنام الى توحيد الملك العلام القدوس السّلام فلك ان تتأمل فيه وتتذكر به على الوجه المأمور لتتمكن في مقعد الصدق عند الملك الغفور
стр. 409
[سورة الحجر]
فاتحة سورة الحجر
لا يخفى على ذوى التمكن والاطمئنان من ارباب التوحيد والعرفان الواصلين الى مرتبة التحقيق والإيقان ان اصحاب التقليد والتلوين المترددين في مضيق الحسبان والتخمين متى ظهر عندهم ولاح عليهم امارات تسليم ارباب التوحيد المفوضين أمورهم كلها الى الله وشاهدوا من ظواهر أحوالهم واوصافهم وأفعالهم امارات الاعتدال وعلامات الرضا والتسليم تمنوا ان يكونوا أمثالهم وعلى اوصافهم وأخلاقهم وأحبوا ان يتدينوا باديانهم ويتخلقوا بأخلاقهم لعدم رسوخهم فيما هم فيه من التقليدات الباطلة والتخمينات العاطلة الموروثة لهم من آبائهم وأسلافهم ويتفطنوا من أنفسهم التزلزل والتذبذب في ظنونهم وجهالاتهم الا انهم من شدة شكيمتهم وضغينتهم وخبث طينتهم لم يقدموا على قبول الايمان والتدين بدين الإسلام مع نزول الآيات الظاهرة الدالة المثبتة لحقيته وورود المعجزات الباهرة المبينة لصدقه ومطابقته للواقع لذلك خاطب سبحانه حبيبه ﷺ على سبيل التنبيه بما يدل على تأييده وتعضيده في امره وأوصاه بترك مكالمتهم ودعوتهم وبشره باهلاكهم وانتقامهم فقال متيمنا باسمه العظيم بِسْمِ اللَّهِ الموفق لعباده بمقتضى مشيته ومراده الرَّحْمنِ لهم بتبيين دلائل دينه وبراهين توحيده حسب استعداداتهم وقابلياتهم الرَّحِيمِ لهم يوفقهم على الاتصاف به وبقبوله
[الآيات]
الر ايها الإنسان الأفضل الأكمل الأليق لان يفيض سبحانه عليك لطائف رموز اسرار ربوبيته ولوائح رقائق سرائر ألوهيته اللامعة اللائحة من مقر رحمته العامة الواسعة وكرامته الكاملة الشاملة تِلْكَ الآيات المذكورة في هذه السورة آياتُ الْكِتابِ اى بعض آيات الكتاب الجامع الناسخ للكتب السالفة وَبعض آيات قُرْآنٍ فرقان فارق بين الهداية والضلالة والرشد والغي مُبِينٍ ظاهر البيان والتبيان لأولى البصائر المتأملين في حكم إيجاد الموجودات سيما الإنسان الكامل المميز الممتاز بأنواع الفضائل والكرامات ولا سيما بالعقل المفاض له المنشعب من العقل الكل الذي هو عبارة عن حضرة العلم المحيط الإلهي ليتوجه به نحو موجده ويتدبر به امر مبدأه ومعاده ومن لم يصرفه الى ما خلق لأجله وجبل لمصلحته فقد كفر وضل ضلالا بعيدا بمراحل عن المرتبة الانسانية وذلك من غاية انهماكهم في الغفلة وعمههم وسكرتهم بمزخرفات الدنيا الدنية وحين أفاقوا عن سكرتهم وعمههم أحيانا
رُبَما يَوَدُّ وقلما يحب ويستحسن على وجه التمني المسرفون المفرطون الَّذِينَ كَفَرُوا اى ستروا الحق ولم يصرفوا عقولهم الى كشفه لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ مصرفين عقولهم الى معرفة الله مفوضين أمورهم كلها اليه متوكلين على الله في عموم أحوالهم لكن من شدة طغيانهم ونهاية غوايتهم وخسرانهم لم يقبلوا منك دعوتك ولم يؤمنوا بك وبكتابك يا أكمل الرسل عنادا واستكبارا حتى ينجوا من خذلان الدنيا وخسران الآخرة
وبالجملة ذَرْهُمْ يا أكمل الرسل وشغلهم في دنياهم يَأْكُلُوا من مأكولاتها المورثة لانواع المرض في قلوبهم وَيَتَمَتَّعُوا بمزخرفاتها الفانية ولذاتها الوهمية البهيمية وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ويشغلهم عن الاشتغال بالطاعات ويحرمهم عن اللذات الاخروية مطلقا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ قبح صنيعهم وسوء فعالهم حين انكشف الأمر وتبلى السرائر فحينئذ يتنبهون على ما فوتوا لأنفسهم من اللذات الروحانية باعراضهم عن الله وكتابه ونبيه
وَمن سنتنا القديمة انا ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ يعنى ما أردنا إهلاك قرية من القرى
стр. 410
الهالكة الا وقد كتبنا أولا في لوح القضاء وحضرة العلم لإهلاكها أجلا معلوما ووقتا معينا
بحيث ما تَسْبِقُ وما تتقدم مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها الذي قد عين لإهلاكها وَما يَسْتَأْخِرُونَ عنه بل متى وصلوا اليه هلكوا حتما بحيث لا يسع لهم التقديم والتأخير أصلا ولا يجرى فيه التقدم والتأخر مطلقا
وَكيف لا نهلكنهم ولا نعذبنهم باشد العذاب ولا ننتقم عنهم إذ هم قالُوا حين دعوتك إياهم والقائك إليهم شعائر الايمان والإسلام منادين لك مستهزئين معك متهكمين يا أَيُّهَا النبي الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ من عند ربه الذِّكْرُ والكتاب المبين له أمثال هذه الكلمات التي نسمع منك إِنَّكَ في دعوتك هذه وادعائك النبوة والكتاب لَمَجْنُونٌ مخبط مختل العقل يخبطك الجن ويعلمك أمثال هذه الكلمات والحكايات فتخيلت أنت انهم ملائكة ينزلون إليك بها وبأمثالها وان اطلعت أنت على الملائكة وصاحبت معهم مع انك بشر مثلنا
لَوْ ما وهلا تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ المنزلين إليك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك هذه حتى نريهم ونسمع منهم قولهم مثل رؤيتك إياهم وسماعك منهم
قل يا أكمل الرسل نيابة عنا ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ لكل احد من البشر بل لمن نؤتى الحكمة له في اصل فطرته واستعداده وهم الأنبياء والرسل المأمورون بالإرشاد والتكميل وما ننزلهم إِلَّا تنزيلا ملتبسا بِالْحَقِّ اى بالدين الثابت الجازم المطابق للواقع ليتدين بدينهم من يتبعهم ويؤمن لهم اطاعة وانقيادا ولو اطلع الكل على نزولهم ورأوا صورهم لبطل حكمة الإرسال والإطاعة والتكميل إذ الكل في الرشد والهداية على السواء حينئذ وَايضا ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ منتظرين الى يوم الجزاء إذ الكل ح ناجون مهديون في النشأة الاولى
وبالجملة إِنَّا نَحْنُ حسب حكمتنا المتقنة قد نَزَّلْنَا الذِّكْرَ اى الكتب والصحف على الأنبياء والرسل على وجه يعجز البشر عن إتيان مثله لكون ألفاظه ومعانيه ومعلوماته ونظمه واتساقه خارجة عن مقتضيات مداركهم وعقولهم لذلك ينسبون اكثر الأنبياء والرسل الى الجنون والخبط والاختلال وَمع ذلك إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ عن تحريف اهل الزيغ والضلال المنحرفين عن جادة التوحيد والاعتدال
وَبالجملة لا تحزن يا أكمل الرسل من استهزائهم بك وتكذيبهم فانه من الديدنة القبيحة القديمة بين اصحاب الضلال فانا لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رسلا وقت شيوع الفسوق والعصيان فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ فرقهم وفئتهم
وَهم من خبث طينتهم وشدة شكيمتهم وضغينتهم ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ بأنواع الاستهزاء من نسبة الكذب والجنون واصناف العيوب
وبالجملة كَذلِكَ نَسْلُكُهُ وندخله نحن بمقتضى حكمتنا فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ الذين قد تعلقت ارادتنا وجرت مشيتنا باهلاكهم وتعذيبهم بمقتضى اوصافنا القهرية الجلالية
لذلك لا يُؤْمِنُونَ بِهِ اى بالرسول المرسل والكتاب المنزل إليهم وكيف يؤمن بك يا أكمل الرسل هؤلاء الكفرة وَقَدْ خَلَتْ ومضت سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ اى سنة الله في الكفرة الماضين او سنة كل فرقة من أسلافهم وهم ايضا على أثرهم وطبقهم تقليدا لهم
وَمن خبث طينتهم ونهاية قسوتهم وغفلتهم لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ اى على هؤلاء المستهزئين المنهمكين في الغي والعناد باباً مِنَ السَّماءِ على خلاف العادة المستمرة ليؤمنوا بك وبدينك وكتابك فَظَلُّوا فِيهِ وصاروا يَعْرُجُونَ ويصعدون منه نحو السماء بحيث يستوضحون ما فيها
لَقالُوا البتة من شدة غيهم وضلالهم ونهاية جهلهم وانكارهم المركوز في فطرتهم إِنَّما سُكِّرَتْ وتحيرت أَبْصارُنا بسحر محمد وتلبيسه انما فعل بنا هذا لنؤمن له ونصدق قوله وكتابه
стр. 411
ونقبل دينه بَلْ الأمر كذلك وشأنه هكذا بلا شك وتردد وبالجملة ما نَحْنُ بمشاهدة هذا الفتح والعروج الغير المعهود الا قَوْمٌ مَسْحُورُونَ مخبوطون مخبطون البتة قد لبس علينا الأمر هذا الشخص بالسحر والشعبذة.
ثم قال سبحانه امتنانا لعباده بتهيئة اسباب معاشهم وَلَقَدْ جَعَلْنا وقدرنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً اثنى عشر تدور وتبدل فيها الشمس في كل سنة شتاء وصيفا ربيعا وخريفا والقمر في كل شهر تتميما لأسباب معاشكم وتنضيجا لأقواتكم واثماركم وَمع ذلك زَيَّنَّاها وحسنا نظمها وترتيبها وهيئاتها وأشكالها لِلنَّاظِرِينَ المتأملين في كيفية حركتها ودوراتها وانقلاباتها ليستدلوا بها على قدرة مبدعها ومتانة حكمة صانعها وحكم مخترعها الى ان ينكشفوا بوحدة المظهر الموجد ورجوع الكل اليه
وَمع ذلك قد حَفِظْناها مِنْ اطلاع كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ على ما فيها من السرائر والحكم المودعة
إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ واختلس من الشياطين السَّمْعَ والاستطلاع من سكان السموات وتكلف في الصعود والرقى نحوها فَأَتْبَعَهُ من قهر الله إياه شِهابٌ جذوتنا على مثال كوكب مُبِينٌ بين ظاهر عند اولى الأبصار زجرا له ومنعا عن الاستطلاع بالسرائر
وَالْأَرْضَ ايضا قد مَدَدْناها مهدناها وبسطناها وَقد أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ شامخات لتقريرها وتثبيتها ولتكون مقرا للمياه والعيون ومعدنا للجواهر والفلزات وَبالجملة قد أَنْبَتْنا فِيها اى في الأرض مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مطبوع ملائم تستحسنه الطباع وتستلذ به
وَانما جَعَلْنا وخلقنا كل ذلك اى العلويات والسفليات ليحصل لَكُمْ فِيها مَعايِشَ تعيشون بها وتقومون امزجتكم منها لتتمكنوا على سلوك طريق التوحيد والعرفان الذي هو سبب ايجادكم والباعث على اظهاركم إذ ما خلقتم وما جبلتم الا لأجله وَايضا قد جعلنا فيها معايش مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ لذرياتكم من اخلافكم وأولادكم وان كنتم تظنون انكم رازقون لهم ظنا كاذبا بل رزقكم ورزقهم وكذا رزق عموم من في حيطة الوجود علينا
وَكيف لا يكون رزق الكل علينا إِنْ مِنْ شَيْءٍ وما من رطب ويابس ولا نقير ولا قطمير مما يطلق عليه اسم الشيء إِلَّا عِنْدَنا وفي حيطة قدرتنا وحوزة مشيتنا خَزائِنُهُ اى مخزونات كل شيء ومخازنه عندنا وفي قبضة قدرتنا وتحت ضبطنا وارادتنا بحيث لا ينتهى قدرتنا دون مقدور ولا تفتر عنه بل لنا القدرة الغالبة بإيجاد الخزائن من كل شيء وَلكن قد اقتضت حكمتنا المتقنة انا ما نُنَزِّلُهُ وما نظهره إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ عندنا مخزون في حيطة حصرة علمنا المحيط ولوح قضائنا المحفوظ وأجل مقدر معين لدينا لا اطلاع لاحد عليه
وَمن بدائع حكمتنا وعجائب صنعتنا انا قد أَرْسَلْنَا من مقام فضلنا وجودنا الرِّياحَ الهابة في فصل الربيع وجعلناها لَواقِحَ ملقحات يعنى يجعل الأشجار حوامل بالأثمار فَأَنْزَلْنا بعد صيرورتها حوامل مِنَ السَّماءِ ماءً مدرارا مغزارا تتميما لتربيتها وتنميتها فَأَسْقَيْناكُمُوهُ والحوامل به الى وقت الصلاح والحصاد وَبالجملة ما أَنْتُمْ لَهُ اى للماء بِخازِنِينَ حافظين حارسين وليس في وسعكم وطاقتكم حرزه وحفظه في الغدائر والحياض وكذا القاح الأشجار وإنباتها وإصلاحها وجميع ما يحتاج اليه إذ ليس عندكم خزائن كل شيء
وَايضا عن غرائب مبدعاتنا إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونظهر بمقتضى اوصافنا اللطفية البسيطة وَنُمِيتُ ونعدم حسب اوصافنا القهرية القبضية وَبالجملة نَحْنُ الْوارِثُونَ الدائمون الباقون بعد انقهار عموم المظاهر وفنائها
стр. 412
بالطامة الكبرى
وَمن كمال علمنا وخبرتنا انا لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ المتقدمين في الوجود مِنْكُمْ ومن اسلافكم بل من شئونكم ونشأتكم التي في أصلاب آبائكم وأرحام أمهاتكم بل قد علمنا استعداداتكم اللاتي في ذرائر العناصر بل حصصكم من الروح الأعظم والغوث المعظم وَبالجملة لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ المتأخرين ايضا منكم في الوجود على الوجه المذكور ازلا وابدا
وَبالجملة إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل هُوَ المطلع بسرائر الماضي والحال والمستقبل بل الازمنة كلها ساقطة مطوية منطوية عند حضوره وشهوده يَحْشُرُهُمْ في المحشر وموعد القيمة للحساب والجزاء حسب حكمته المتقنة وكيف لا إِنَّهُ في ذاته وأوصافه وأفعاله حَكِيمٌ متقن الفعل متين الصنع والعمل عَلِيمٌ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه شيء.
ثم قال سبحانه امتنانا لكم وتنبيها على دناءة منشأكم ثم على شرف مكانتكم وعلو شأنكم ايها المكلفون من الثقلين القابلون لفيضان الايمان والمعارف
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وأظهرنا جنسه وقدرنا جسمه مِنْ صَلْصالٍ طين يابس مصوت من غاية يبسه وبقائه على حر الشمس متخذ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ من طين اسود منتن كريه الرائحة يستكره ريحه عموم الحيوانات
وَالْجَانَّ اى جنسه ايضا قد خَلَقْناهُ وأظهرناه مِنْ قَبْلُ اى قبل إيجاد الإنسان وإظهاره من مادة دنية ايضا إذ هو متخذ مِنْ نارِ السَّمُومِ اى شديدة الحرارة المتناهية فيها انظروا أولا ايها المكلفون المعتبرون الى منشأكم ومادتكم
وَاذكروا تشريف ربكم إياكم كيف عدلكم وسويكم واسدكم وقويكم وكرمكم واجتباكم وكيف هديكم واصطفاكم الى حيث اخلفكم عن نفسه وانابكم مناب قدس ذاته اذكر وقت إِذْ قالَ رَبُّكَ يا أكمل الرسل. خصه سبحانه ﷺ بالخطاب للياقته وكمال استحقاقه من ان يكون مخاطبا لله كأنه لجميعه مرتبته عموم مراتب بنى نوعه عبارة عن جميعهم لِلْمَلائِكَةِ على سبيل الاخبار والتعليم إِنِّي لمطالعة جمالي وجلالي وعموم أوصاف كمالي على التفصيل خالِقٌ مقدر موجد بَشَراً تمثالا وهيكلا متخذا مِنْ صَلْصالٍ متخذ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ بعيد بمراحل عن مقاربتى ومقارنتي إذ هو اخس الأشياء وأدونها
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وعدلته وكملت شكله وأتممت هيكله وَقد نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ورششت عليه من رشحات نور وجودى ومن رشاشات حياتي حسب لطفي وجودي ليكون حيا بحياتي فيصير مرآة لي اطالع فيها عموم أسمائي وصفاتي فَقَعُوا لَهُ وخروا عنده يا ملائكتي حينئذ ساجِدِينَ واضعين جباهكم على تراب المذلة والهوان تعظيما لأمرنا وتكريما له. ثم لما خلق سبحانه ما خلق على الوجه الذي خلق وامر ما امر على سبيل الوجوب والقطع
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ بلا طلب مرجح ودليل راجح كُلُّهُمْ بلا خروج واحد منهم أَجْمَعُونَ مجتمعون معا بلا تقدم وتأخر وتردد وتسويف
إِلَّا إِبْلِيسَ الذي هو منهم تبعا لا اصالة قد أَبى عن السجود وامتنع عن أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ثم لما تخلف اللعين وركن عن امر الله
قالَ له سبحانه يا إِبْلِيسُ ناداه توبيخا وتقريعا ما لَكَ واى شيء عرض عليك ولحق بك ايها المزور أَلَّا تَكُونَ أنت مَعَ السَّاجِدِينَ الخاضعين الواضعين جباههم على تراب المذلة عند مرآتنا المجلوة المجبولة لمصلحة الخلة والخلافة امتثالا للأمر الوجوبي الصادر منا
قالَ إبليس محتجا على الله طالبا للرجحان والمزية على سبيل الإنكار والتعريض لَمْ أَكُنْ ولم يصح منى ولم يحسن عنى ولم يلق على رتبتي ومكانتى لِأَسْجُدَ
стр. 413
لِبَشَرٍ جسمانى ظلماني دنى كثيف قد خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ اكثف واظلم منه وقد أخذت الصلصال مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ لا شيء اظلم منه وابعد عن ساحة عز قبولك يا ربي وبالجملة التمثال المشتمل على هذه الظلمات المتراكمة لا يليق ان يخضع ويسجد له الروحاني النورانى
قالَ سبحانه بعد ما سمع منه الترفع والحجة المذكورة طردا له وتبعيدا حسب قهره وجلاله فَاخْرُجْ ايها اللعين المردود المطرود مِنْها اى من حيطة الملائكة وحوزتهم ولا تعد نفسك بعد اليوم من زمرتهم ومن عدادهم فَإِنَّكَ بتخلفك عن مقتضى أمرنا الوجوبي رَجِيمٌ مرجوم مبعد مطرود مردود عن كنف رحمتنا وكرامتنا
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ الطرد والتخذيل نازلة مستمرة ابدا إِلى يَوْمِ الدِّينِ واعلم ان مقرك ومنقلبك النار التي قد افتخرت بها وتكبرت بسببها المعدة لك ولمن تبعك من عصاة العباد وغواتهم أجمعين
ثم لما ايس إبليس عن القبول وقنط عن رحمة الله قالَ مشتكيا الى الله متحسرا متأسفا رَبِّ يا من رباني بأنواع النعم والكرم فكفرت نعمك بمخالفة أمرك وحكمك فَأَنْظِرْنِي وأمهلني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ويحشرون لأضل بنى آدم وانتقم عنهم
قال سبحانه بمقتضى حكمته المتقنة فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ فيما بينهم لتكون أنت عبرة للعالمين وعظة لهم
إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ اى الى وقت لا يمكن فيه تلافى التقصير وتداركه ولا كسب الزاد للمعاد ولا تهيئة الأسباب ليوم الميعاد قيل هو وقت النفخة الاولى لحشر الأموات
قالَ إبليس مقسما مبالغا رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي وبحق قدرتك التي قد أغويتني وأضللتني بها وحططتنى عن رفعة منزلتي ومكانتى بمقتضاها وأخرجتني بها من بين أحبتي وإخوتي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ أعمالهم الفاسدة واحسنن عليهم أفعالهم القبيحة فِي الْأَرْضِ واغرينهم الى ارتكاب انواع المفاسد والمقابح والى اتصاف اصناف الجرائم والآثام المائلة إليها طباعهم ونفوسهم طبعا وَبالجملة لَأُغْوِيَنَّهُمْ ولأضلنهم أَجْمَعِينَ بحيث لا يشذ عنهم احد من ذوى النفوس الامارة
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ المخلصين رقابهم عن ربقة رق الامارة وعن عروة العبودية لها المطمئنين المتمكنين في مقام الرضاء والتسليم
ثم قالَ سبحانه بمقتضى اشفاقه ورحمته على عباده هذا اى اخلاص المخلصين المطمئنين الراضين بما جرى عليهم من قضائي صِراطٌ عَلَيَّ وطريق مُسْتَقِيمٌ موصل الى والى وحدة ذاتى واستقلالى في عموم آثار أسمائي وصفاتي بحيث لا عوج ولا انحراف فيه أصلا. من توجه الى عن هذا الطريق قد فاز ونجا بحيث لا يعرض الضلال والانحراف أصلا وكيف يعرضه إذ هو حينئذ من خلص عبادي
إِنَّ عِبادِي الذين هم تحت قبابى لَيْسَ لَكَ ايها المضل المغوى عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ استيلاء وغلبة إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ منهم ايها المضل المغوى فيكون حينئذ مِنَ الْغاوِينَ الضالين باغوائك عن منهج الحق ومحجة اليقين وهم وان كانوا من جنسهم صورة ليسوا منهم حقيقة
ومعنى وَإِنَّ جَهَنَّمَ البعد والخذلان لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ تابعا ومتبوعا
لَها اى لجهنم سَبْعَةُ أَبْوابٍ على عدد مداخلها من الشهوات السبعة المقتضية إياها المذكورة في كريمة زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين الآية لِكُلِّ بابٍ من الأبواب السبعة الجهنمية مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ اى طائفة مفروزة وفرقة ممتازة منهم بالدخول من كل باب وان كان الكل شريكا في الكل بعد ما دخلوا.
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية في كتابه إِنَّ الْمُتَّقِينَ المخلصين المخلصين نفوسهم عن وسوسة الشياطين متمكنون فِي جَنَّاتٍ منتزهات العلم والحق وَعُيُونٍ جاريات من زلال الحقائق والمعارف المترشحة من بحر الوجود
стр. 414
صافيات عن كدر الرياء ودرن التقليدات وشين السمعة وشوب التخمينات ويقول لهم الملائكة حين وجدوهم متصفين بحلية التقوى
ادْخُلُوها بِسَلامٍ سالمين عن شدائد الحساب آمِنِينَ عن شوائب العذاب والعقاب
وَكيف لا يكونون سالمين آمنين إذ قد نَزَعْنا وأخرجنا بنور الايمان والتوحيد عموم ما فِي صُدُورِهِمْ وضمائرهم مِنْ غِلٍّ حقد وحسد متمكن في نفوسهم متعلق ببني نوعهم حتى صاروا جميعا إِخْواناً أصدقاء أخلاء متكئين عَلى سُرُرٍ متساوية من الصداقة مُتَقابِلِينَ متناظرين مطالعين كل منهم محامد أخلاقه ومحاسن شيمه وأطواره في مرآة أخيه وصديقه وكلهم فيها أصحاء سالمون معتدلون
بحيث لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ محنة وعناء حتى يشوشوا بها وَبالجملة ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ أصلا حتى يخافوا من ان يعودوا بل هم فيها خالدون مخلدون دائمون مستمرون ما شاء الله
ثم قال سبحانه تسلية لعموم عباده وتبشيرا لهم بسعة فضله ورحمته نَبِّئْ اخبر وأعلم يا أكمل الرسل المبعوث على كافة الأمم عموم عِبادِي مؤمنهم وكافرهم مطيعهم وعاصيهم أَنِّي من كمال اشفاقى ومن رحمتي إياهم أَنَا الْغَفُورُ المبالغ في الستر والعفو لكل من استرجع الى واستغفر منى واستعفى عن ظهر القلب وأناب عن محض الندم والإخلاص الرَّحِيمُ لهم ارحمهم واقبل منهم توبتهم وأعفو عنهم زلتهم
وَايضا نبئهم أَنَّ عَذابِي وبطشى وانتقامي على من أصر على عناده واستمر على ترك طاعتي وانقيادي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ المؤلم المستمر المقصور عليه الذي لا نجاة لاحد منه
وَان أنكروا على انعامى وانتقامي نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ تبيينا وتوضيحا لهم
واذكرهم وقت إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ وهم جرد مرد صباح ملاح فَقالُوا ترحيبا له وتكريما سَلاماً اى نسلم عليك سلاما ثم لما تفرس ابراهيم ﵇ منهم بنور النبوة انهم ملائكة قد جاءوا بأمر خطير قالَ على سبيل الرعب والمخافة إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ خائفون إذ هم قد جاءوا بغتة ودخلوا عليه هفوة بلا اذن واستيذان على عادة المسافرين ومع ذلك لا يظهر عليهم اثر السفر أصلا
قالُوا تأمينا له وتسكينا لخوفه واضطرابه لا تَوْجَلْ منا ولا تخف إِنَّا نُبَشِّرُكَ من عند ربك بِغُلامٍ عَلِيمٍ قابل للنبوة والرسالة والحكمة الكاملة
قالَ ابراهيم ﵇ بعد ما سمع منهم ما سمع متأوها آيسا مستفهما على سبيل الاستبعاد أَبَشَّرْتُمُونِي بالولد ايها المبشرون في زمان قد انقطع الرجاء فيه عادة بناء عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ المانع من الإيلاد والأمناء العادي إذ هو في سن قد انقطعت الشهوة عنه وعن زوجته ايضا إذ كلاهما في سن الهرم والكهولة وبعد ما كان حالي وحال زوجتي هكذا
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قالُوا قد بَشَّرْناكَ ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع باذن الحق وبمقتضى قدرته الكاملة بإيجاد شيء وابداعه بلا سبق سبب عادى له وبالجملة فَلا تَكُنْ أنت ايها النبي المتمكن في مقام الخلافة والخلة مع الله المستمسك بحبل الرضا والتسليم المسند المفوض عموم الحوادث الكائنة في عالم الكون والفساد الى الفاعل المختار بلا اعتبار الوسائل والأسباب العادية مِنَ الْقانِطِينَ الجازمين بفقدان الشيء عند فقدان أسبابه العادية مع ان القنوط لا يليق برتبتك
قالَ الخليل الجليل بعد ما سمع منهم ما سمع مستبعدا مستوحشا مستنزها نفسه عن أمثاله وَمَنْ يَقْنَطُ وييأس مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ التي قد وسعت كل شيء بمقتضى جوده تفضلا وإحسانا بلا سبق استحقاق واعداد اسباب إِلَّا القوم الضَّالُّونَ المقيدون بسلاسل الأسباب الطبيعية وأغلال الوسائل الهيولانية ونحن معاشر الأنبياء لا نقول بأمثال هذه الأباطيل الزائغة
ثم لما جرى بينهم ما جرى
стр. 415
قالَ ابراهيم ﵇ حسب تفرسه منهم فَما خَطْبُكُمْ وأمركم العظيم الذي قد جئتم لأجله أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ المهيبون المنكرون
قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى إهلاك قَوْمٍ مُجْرِمِينَ خارجين عن مقتضى العقل والشرع والطبع والمروءة إذ فعلتهم الشنيعة الفاحشة مما يستقبحه ويستكرهه العقل والطبع مطلقا فكيف الشرع والمروءة فنهلكهم اليوم بالمرة بمقتضى امر الله وقهره
إِلَّا آلَ لُوطٍ واهل بيته ومن آمن له إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ لكونهم معصومين مطيعين مؤمنين
إِلَّا امْرَأَتَهُ المجرمة العاصية قد قَدَّرْنا بإعلام الله إيانا واذنه علينا إِنَّها ايضا لَمِنَ الْغابِرِينَ الباقين مع الكفرة الهالكين لكونها باقية على اعتقادهم الفاسد وعنادهم المستمر بلا اقرار ولا ايمان
فَلَمَّا جاءَ ودخل على عادة المسافرين السياحين آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ المرد الصباح الملاح
قالَ لهم لوط إِنَّكُمْ ايها المسافرون قَوْمٌ مُنْكَرُونَ قد أخاف عليكم من قومي ومن سوء فعالهم وقبح ديدنتهم وخصالهم مع انى أخاف ايضا من جيئتكم على هذا الوجه حيث لا ارى عليكم امارات البشر وعلامات الإنسان
قالُوا بعد ما تفرسوا منه الرعب لا تخف لا علينا ولا منا إذ نحن ما جئناك لنخوفك ونوحشك بَلْ قد جِئْناكَ لنسرك ونؤيدك وننصرك على أعدائك بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ اى بإثبات ما يشكون فيه ويترددون بل يكذبونك فيه مراء الا وهو العذاب الذي قد ادعيت أنت نزوله عليهم بشؤم فعالهم وقبح خصالهم وهم يشكون فيه بل ينكرونه
وَنحن رسل الله قد أَتَيْناكَ تأييدا لك ونصرا عليك ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما قلنا لك والآن قد حان وقت انجاز ما وعد الله لك من إنزال العذاب عليهم
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ واذهب أنت معهم بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وطائفة من آناته وساعاته فقدمهم امامك وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وأثرهم والعذاب ينزل على قومك عقيب خروجك من بينهم بلا تراخ ومهلة وان كانوا خلفك قد اصابتهم منه وَبعد ما خرجتم من بينهم لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ خلفه ولا ينظر الى ما وراءه حتى لا يصيبه ما أصابهم ولا يهوله ولا يفزعه وَبالجملة امْضُوا واذهبوا ايها المأمورون حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
بالجملة قد وَقَضَيْنا إِلَيْهِ وحكمنا على لوط بالوحي والإلهام ذلِكَ الْأَمْرَ الفظيع الهائل وهو أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ يعنى ان عواقب هؤلاء المسرفين المفرطين مقطوعة مستأصلة بالمرة حال كونهم مُصْبِحِينَ اى حين دخولهم في الصبح وظهوره عليهم
وَبعد ما قد بلغ الرسل الى لوط ﵇ سبب ما جاءوا به من قبل الحق قد جاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وهي سدوم يَسْتَبْشِرُونَ باضياف لوط ويستحسنونهم طامعين وقاعهم مهرعين مسرعين حول بيته
قالَ لهم لوط بمقتضى شفقة النبوة وان كان الأمر عنده مقضيا حتما بلا تردد إِنَّ هؤُلاءِ المسافرين ضَيْفِي قد نزلوا في بيتي فَلا تَفْضَحُونِ باساءتهم لان إساءتهم وتفضيحهم عين إساءتي وتفضيحى
وَاتَّقُوا اللَّهَ عن ارتكاب محظوراته والركون الى محرماته وَلا تُخْزُونِ ولا تخجلوني منهم إذ فعلتكم هذه معهم مسقطة للمروءة بالمرة
قالُوا في جوابه أَتنهانا اليوم أنت كما نهيتنا عن أمثالهم فيما مضى وَلَمْ نَنْهَكَ من قبل ان تمنعنا أنت يا لوط عَنِ الْعالَمِينَ وكن أنت في نفسك زكيا صفيا مهذبا طاهرا مالك معنا وخبثنا اتركنا مع خبثنا وانصرف عنا والزم على طهارتك
ثم لما بالغوا في الإصرار والعناد قالَ لهم لوط هؤُلاءِ النسوان بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ فهن اولى بكم واطهر لقضاء وطركم
لَعَمْرُكَ يا أكمل الرسل
стр. 416
إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ المنبعثة عن شهوتهم المفرطة المحيرة المدهشة لعقولهم يَعْمَهُونَ ويهيمون الى حيث لا يسمعون نصحه فكيف يقبلونه ويفهمون
وبالجملة لما لم يتركوا الفضيحة ولم يقبلوا النصيحة فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ الهائلة المهلكة وقت الصبيحة بعد ما خرج لوط من بينهم مع اتباعه حال كونهم مُشْرِقِينَ داخلين وقت شروق الشمس
فَجَعَلْنا بالزلزلة الشديدة عالِيَها اى عالى المدينة سافِلَها وسافلها عاليها يعنى قد قلبنا دورهم عليهم وَمع ذلك قد أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً منعقدة منضمة مركبة مِنْ سِجِّيلٍ وهو معرب سنك وكل
وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الإهلاك والتقليب والأمطار لَآياتٍ علامات وعبر لِلْمُتَوَسِّمِينَ المتأملين المتفرسين المتعمقين في انية الأشياء الكائنة حتى ينكشف عليهم أمرها ولميتها وسمتها
وَبالجملة لا تترددوا ولا تشكوا ايها السامعون المعتبرون في انقلاب تلك المدينة وتخريبها إِنَّها اى المدينة المذكورة لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ وجادة ثابتة يطرقها الناس ويرون منها آثارها واطلالها
إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من قصة إهلاك أولئك الطغاة الهالكين في تيه الغفلة والشهوات لَآيَةً اى عبرة وعظة لِلْمُؤْمِنِينَ الخاشعين الخائفين من قهر الله وغضبه الراجين من عفوه ورحمته
وَاذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين المعتبرين ايضا قصة قوم شعيب ﵇ إِنْ كانَ اى انه قد كان أَصْحابُ الْأَيْكَةِ والغيضة وهم يسكنون فيها لَظالِمِينَ خارجين عن حدود الله الموضوعة للعدالة بين عباده ببخس المكيال والميزان ونقصهما وبعد ما بالغوا فيه بعثنا إليهم شعيبا ﵇ فكذبوه واستهزؤا به وقصدوا مقته
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ مثل ما انتقمنا من قوم لوط وَإِنَّهُما اى اصحاب السدوم والايكة لَبِإِمامٍ مُبِينٍ اى ملتبسين ملتصقين بسبيل واضح وطريق مستقيم مستبين ظاهر لائح قد جاء نبي لكل منهما فكذبوه عتوا وعنادا فأخذوا بما أخذوا
وَلَقَدْ كَذَّبَ ايضا مثل تكذيبهما أَصْحابُ الْحِجْرِ وهو واد بين المدينة والشأم يسكن فيه ثمود الْمُرْسَلِينَ يعنى صالحا القائم مقام جميع الأنبياء باعتبار اتحاد المرسل والمرسل به الا وهو الدعوة الى توحيد الحق
وَذلك حين بعثنا إليهم بعد ما خرجوا عن حدود الله وانحرفوا عن جادة توحيده وأيدنا امره بان قد آتَيْناهُمْ معه آياتِنا الدالة على وحدة ذاتنا فَكانُوا من نهاية عتوهم وعنادهم عَنْها مُعْرِضِينَ بحيث لا يقبلونها أصلا
وَمن عادتهم المستمرة بينهم انهم قد كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً يسكنون فيها آمِنِينَ من اللص وانواع المؤذيات والحشرات ولما لم يبالوا بالآيات والرسول وتمادوا على غيهم وضلالهم الذي قد كانوا عليه انتقمنا منهم
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ الشديدة الهائلة وهم كانوا حينئذ مُصْبِحِينَ داخلين في الصباح كقوم لوط فاهلكوا بالمرة
فَما أَغْنى وادفع عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ من الأموال والامتعة والعدد الكثيرة والحصون المنيعة والابنية الوثيقة المشيدة شيأ من عذاب الله ونكاله. ثم قال سبحانه قولا دالا على كمال قدرته ومشيته ولطفه وقهره وانعامه وانتقامه تنبيها على ذوى البصائر واولى الاعتبار المتفكرين في خلق الله وإيجاده واعدامه واستقلاله في تصرفاته في ملكه وملكوته
وَبالجملة ما خَلَقْنَا وما قدرنا السَّماواتِ وما فيها من الآثار والمؤثرات العلوية وَالْأَرْضَ وما عليها من المتأثرات السفلية وَما بَيْنَهُما من الكائنات والفاسدات الحادثة في الجو باطلا عبثا بلا طائل لا عبرة لها ولا اعتبار لإظهارها وظهورها أصلا بل ما خلقنا عموم
стр. 417
ما خلقنا إِلَّا ملتبسا بِالْحَقِّ المثبت لأصحاب الدلائل والبراهين توحيد الحق الثابت المحقق ازلا وابدا عند ارباب الكشف واليقين وَاعلموا ايها العقلاء المكلفون المعتبرون إِنَّ السَّاعَةَ الموعودة لانقهار التعينات مطلقا واضمحلال التشكلات رأسا لَآتِيَةٌ جزما بلا تردد وشبهة فيجازى فيها كل على مقتضى ما كسب في عالم التعينات والتطورات وإذا كان الكل مجازون مجزيين بأعمالهم مسئولين عنها فَاصْفَحِ أنت يا أكمل الرسل واعرض عن انتقام من يؤذيك ويرديك الصَّفْحَ الْجَمِيلَ والاعراض المستحسن عند الطباع السليمة واحلم معهم والطف عليهم
إِنَّ رَبَّكَ الذي رباك بأنواع اللطف والكرم واصطفاك من بينهم بأصناف الفضائل والكمالات هُوَ الْخَلَّاقُ لهم ولاعمالهم الْعَلِيمُ المميز المبالغ في التمييز بين صالحها وفاسدها يجازيهم بمقتضى علمه وخبرته
وَبالجملة لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبما عندهم من حطام الدنيا ومزخرفاتها الفانية ولا تحزن على أذاهم فانا من مقام فضلنا وجودنا لَقَدْ آتَيْناكَ وأعطيناك تتميما لتكريمك وتعظيمك سَبْعاً اى سبع آيات مِنَ الْمَثانِي اى الفاتحة التي قد ثنى نزولها تارة بمكة وتارة بالمدينة على عدد الصفات السبع الإلهية ليكون لك حظ كامل من جميعها والسبع الطباق الفلكية والكواكب السبعة التي فيها والأقاليم السبعة الارضية والمشتهيات السبعة الدنياوية المذكورة في كريمة زين للناس حب الشهوات الآية لتكون عوضا عنها والأودية السبعة الجهنمية لتكون منجية لك منها فيكون الفاتحة حينئذ أعظم واولى من الدنيا وما فيها وَمع ذلك لا نقتصر انعامنا عليك بل قد آتيناك الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ الجامع لفوائد جميع ما في الكتب السالفة الناسخ لها المعجز لعموم من اتى بمعارضته ومقابلته
فعليك بعد ما اصطفيناك يا أكمل الرسل من بين سائر الأنبياء بأمثال هذه الكرامات ان لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ نحوهم لا تنظرن إليهم نظر متحسر راغب بل نظر معتبر كاره إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ من الزخارف أَزْواجاً مِنْهُمْ وأصنافا من الامتعة معطاة للكفرة ابتلاء لهم بحيث قد صاروا بها مفتخرين بطرين بين الناس وَلا تَحْزَنْ ايضا عَلَيْهِمْ بعدم اتباعهم لك وايمانهم بك إذ هذه المزخرفات الدنية الدنياوية تحجبهم عن الايمان وتعوقهم عن العرفان وهم دائما مفتنون بها وَبالجملة اخْفِضْ جَناحَكَ وابسطها كل البسط لِلْمُؤْمِنِينَ الذين يتبعونك عن خلاء القلب وصفاء القريحة بلا شوب الرياء والسمعة وشين الاهوية الفاسدة
وَقُلْ للمعاندين المنكرين إِنِّي باذن ربي ووحيه على أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ والمنذر المبين أنذركم ببيان واضح وبرهان لائح نازل على من ربي ان العذاب والعقاب سينزل على من لم يؤمن بالله وبوحدة ذاته وصفات كماله
كَما أَنْزَلْنا اى مثل العذاب الذي قد أنزلناه من قبل عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وهم الرهط الذين قد تقاسموا ان يبيتوا صالحا ﵇
والمقتسمون اليوم هم الَّذِينَ قد جَعَلُوا الْقُرْآنَ المعجز لفظا ومعنى نصا ودلالة اقتضاء حدا ومطلعا عِضِينَ اى ذي أجزاء مختلفة بعضها حق لأنه مطابق للكتب السالفة وبعضها باطل إذ هو مخالف لها وبعضها شعر وبعضها كهانة مع ان الكل هداية لإضلال فيها أصلا تعالى شأنه وكتابه عما يقول الظالمون علوا كبيرا
فَوَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل وبعزته وجلاله لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وعن جميعهم على التفصيل
عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ يقدحون ويطعنون في القرآن وينسبون اليه من المفترات التي هو بريء منها بعيد عنها بمراحل وإذا كان نزول القرآن للهداية العامة والإرشاد الشامل الكامل
فَاصْدَعْ أنت واظهر بِما تُؤْمَرُ واجهر به
стр. 418
يا أكمل الرسل وافرق بين الحق والباطل على الوجه المأمور فيه وبين الهداية والضلال وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ واتركهم وأنفسهم ولا تلتفت إليهم ولا تتعرض لدفعهم ومنعهم ان استهزؤا بك
إِنَّا كَفَيْناكَ أذى الْمُسْتَهْزِئِينَ عنك وانتقمنا لأجلك منهم بأضعاف ما قصدوا بك من الاستهانة والاستهزاء وكيف لا ننتقم عنهم إذ هم المشركون المسرفون المفرطون
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ الواحد الأحد المتوحد في ذاته وأوصافه وأفعاله إِلهاً آخَرَ مستحقا للعبادة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عند انكشاف الحجب والأستار قبح ما يفترون وينسبون الى الله مراء وافتراء
وَبالجملة لَقَدْ نَعْلَمُ منك يا أكمل الرسل أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ من كظم غيظك ويقل صبرك على تحمل إذا هم سيما بِما يَقُولُونَ مما لا يليق بجنابنا من القدح والطعن في كلامنا ومن اثبات الشركاء لنا مع وحدة ذاتنا وبجنابك من استهزائهم بك وبمن تبعك من المؤمنين فعليك ان لا تلتفت إليهم ولا تسمع هذياناتهم هذه مطلقا وانما عليك الصبر والعظة منهم وتنزيهنا وتقديسنا عن مقالاتهم وهذياناتهم المفرطة
فَسَبِّحْ أنت بِحَمْدِ رَبِّكَ إذ تسبيحك وتحميدك إيانا خير لك من استماع ما قد تفوهوا به مراء وافتراء وَبالجملة كُنْ أنت في نفسك في عموم أوقاتك وحالاتك مِنَ السَّاجِدِينَ الواضعين جباهم على تراب المذلة والهوان تعظيما لنا وتكريما إيانا
وَاعْبُدْ رَبَّكَ واجتهد في سلوك طريق المعرفة حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ويحصل لك مرتبة الكشف والشهود ويرتفع عن بصرك وبصيرتك حجب الأنانية والوجود جعلنا الله من الموقنين المنكشفين بمنه وجوده
خاتمة سورة الحجر
عليك ايها السالك القاصد لسلوك طريق التوحيد انحج الله آمالك ان تبتدئ أولا بعد ما هذبت ظاهرك بالشرائع النبوية وباطنك بالخلاء عن الموانع بذكر الله الواحد الأحد الفرد الصمد المتصف بجميع أوصاف الكمال الى ان يؤدى ذكرك الى الفكر المورث للمجاهدة والانزعاج والشوق والابتهاج أحيانا وواظب عليه الى ان يستوعب عموم أوقاتك وحالاتك وحينئذ قد ظهرت ولاحت على قلبك مقدمات المحبة والمودة والعشق المزعج المفنى وصرت عليها زمانا الى ان اشتاق وتعطش قلبك الى فنائك وانقهارك واضمحلالك في محبوبك وفي تلك الحالة قد عرضت عليك الحيرة والحسرة والوحشة والقلق والاضطراب والخوف والرجاء واللذة والألم وصرت حينئذ بين بين واين اين وكيف كيف وبالجملة قد كنت حينئذ في تلوين وتكوين واطلاق وتقييد وما هي الا سكراتك عند موتك الإرادي واضطراباتك دونه وحينئذ لا يسع لك الا الرضاء والتسليم والتوكل والتفويض الى ان جذبك الحق منك نفسك وافناك عنك ووفقك بالتمكين والتسكين وأطلقك عن التقييد والتعيين وبالجملة افناك عنك وابقاك بذاته وفزت بما فزت وتكون حينئذ من الساجدين فحينئذ قد أتيك اليقين والتمكين وأخلصك عن التردد والتلوين هب لنا من لدنك رحمة توصلنا الى مرتبة حق اليقين
[سورة النحل]
فاتحة سورة النحل
لا يخفى على ذوى التمكين والتوطين من ارباب المحبة والولاء الواصلين الى مقر التوحيد الناجين
стр. 419
المخلصين عن ربقة التلوين والتقليد باستيلاء سلطان الإطلاق المفنى للاغيار مطلقا ان الأمور الإلهية الجارية على حسب الأوصاف الذاتية مرهونة بأوقات مقدرة وآجال معينة مخصوصة من عنده سبحانه بحيث لا تتقدم عليها ولا تتأخر عنها بل إذا وصل وقتها فقد وقعت فيه حتما حكما مبرما جزما لا تتخلف عنها أصلا الا إذا علق تقديمها او تأخيرها ووقتها في حضرة علمه القديم على امر من الأمور لذلك امر عباده بالدعاء والمناجاة معه ربما اتفق عليه ووافق له فالاستخبار والاستعجال انما هو من شيم اهل الزيغ والضلال المقيدين بسلاسل الأسباب وأغلال الوسائل واما ارباب الإطلاق المتحيرون في بيداء الألوهية الوالهون في فضاء الربوبية لا يستقدمون ولا يستأخرون في عموم الأمور الحادثة بل جريان الأمور كلها عندهم على سبيل التجدد الابداعى وعلقة الأسباب والوسائل العادية والروابط الرسمية ما هي عندهم الا توهمات باطلة وتخيلات عاطلة تنشأ من الإضافات العدمية والاعتبارات الوهمية الحاصلة من توهم الزمان والمكان المتفرعين عن الجهات العدمية بالنسبة الى المحبوسين في مضيق الأزل والأبد والاول والآخر والمبدأ والمنتهى لذلك اخبر سبحانه عباده بجريان امره على مقتضى مراده حسب تجلياته وتطوراته وقت تعلق ارادته ومشيته بإظهاره وإيجاده فقال متيمنا باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي قد تجلى بأسمائه الحسنى وأوصافه العليا على عموم ما تجلى من مظاهره ومصنوعاته بلا سبق زمان ومكان الرَّحْمنِ الذي قد دبر امور عباده على مقتضى مراده بأحسن التدبير في مبدأهم ومعادهم بلا مشاركة ظهير ومشير الرَّحِيمِ الذي قد هداهم الى سبيل توحيده بالإنذار والتبشير وأرسل إليهم الأنبياء ليبينوا لهم طريق الرشد ويجنبوهم عن سبيل الغي والضلال وانزل عليهم الكتب المبينة الفارقة بين الحق والباطل والحرام والحلال وأخبرهم فيها عن يوم الحشر والعرض الموعود للجزاء والسؤال عما جرى عليهم في النشأة الاولى من الأحوال فلهم ان يصدقوه ويؤمنوا له ولا يسئلوا عن وقت قيامه بل يهيئوا الزاد لأجله ويشمروا الذيل لوقوعه تعبدا وانقيادا لذلك اخبر سبحانه عن إتيانه ووقوعه بالجملة الفعلية الماضوية تنبيها على تحقق وقوعه
[الآيات]
فقال قد أَتى أَمْرُ اللَّهِ وقام يومه الموعود الذي قد انكشفت فيه السدول ولاحت الأسرار وارتفعت فيه حجب التعينات وعموم الأستار واضمحلت دونه مطلق السوى والأغيار ونودي من وراء سرادقات العز والجلال بعد انقهار الكل لمن الملك اليوم وأجيب ايضا من ورائها لله الواحد القهار وبالجملة فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ولا تطلبوا وقوعه بالفور ايها المترددون الشاكون في امره ولا تشركوا به شيأ ولا تشاركوه في حكمه سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ له من الآلهة الباطلة ويدعون شفاعتها لهم عند الله لدى الحاجة بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ المقربين عنده بِالرُّوحِ اى بالوحي النازل الناشئ مِنْ أَمْرِهِ توفيقا وتأييدا عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ خلص عِبادِهِ الا وهم الأنبياء والمرسلون المأمورون عليهم أَنْ أَنْذِرُوا وخوفوا عباد الله المنحرفين عن استقامة صراطه وجادة توحيده من بطشه وانتقامه إياهم وقولوا لهم نيابة عن الله أَنَّهُ لا إِلهَ يعبد بالحق إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ عن مخالفة امرى وحكمى وكيف تشركون ايها المشركون ما لا يقدر على خلق احقر شيء من الأشياء
وأضعفها للقادر القاهر المقتدر الحكيم العليم الذي قد خَلَقَ وأوجد السَّماواتِ مع كمال عظمتها ورفعتها وَالْأَرْضَ بكمال بسطتها وبالجملة ما خلق عموم ما خلق واظهر جميع ما اظهر الا ملتبسا بِالْحَقِّ بانبساط نور وجوده الكائن الثابت في نفسه
стр. 420
ازلا وابدا وبامتداد اظلال أوصافه وأسمائه عليهما ورش رشحات نور وجوده إياهما مع انه سبحانه باق على صرافة وحدته الذاتية وهما على عدميتهما الاصلية تَعالى وتقدس عَمَّا يُشْرِكُونَ له شيأ لا وجود له ولا تحقق سوى الظلية والعكسية
وكيف يشركون ويثبتون أولئك الحمقى الضالون الجاهلون شريكا للقادر الحكيم العليم الذي قد خَلَقَ وقدر الْإِنْسانَ خاصة وأوجده على احسن صورة واعدل تقويم مِنْ نُطْفَةٍ دنية مهينة لا تمييز لها أصلا ولا شعور ورباها الى ان صار ذا رشد تام وتمييز كامل وكمال ادراك ودراية وبعد ما تم تسويته وتعديله فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مجادل مبالغ في تمييز الحق من الباطل والهداية من الضلال مُبِينٌ ظاهر البيان بإقامة الدلائل والبراهين القاطعة وما هي الا من تربية مبدعه وخالقه القادر المقتدر بالإرادة والاختيار
وَالْأَنْعامَ ايضا قد خَلَقَها وأوجدها طفيلا لَكُمْ ايها المجبولون على الكرامة الفطرية فِيها اى في الانعام دِفْءٌ لكم تستدفئون به من الألبسة والاكسية والاغطية المتخذة من أصوافها واشعارها واوبارها لدفع الحر والبرد وَمَنافِعُ غير ذلك من الخباء والعباء والكساء وغيرها وَايضا مِنْها تَأْكُلُونَ لتقويم امزجتكم وتعديلها من لحومها وشحومها وألبانها
وَايضا قد يسر لَكُمْ فِيها جَمالٌ جلال وعظمة وجاه وزينة بين أظهركم وذلك حِينَ تُرِيحُونَ وتجمعونها في المراح من المرعى وقت الرواح مملوة الضروع والبطون وَحِينَ تَسْرَحُونَ وترسلونها نحو المرعى وقت الصباح
وَمن معظم فوائدها انها تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ واحمالكم التي أنتم تستثقلونها إِلى بَلَدٍ بعيد لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ ولم يحصل بلوغكم اليه وابلاغكم إياها لولاها إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ اى بالمشقة التامة والعسر المفرط فخلقها سبحانه تيسيرا لكم وتسهيلا لشأنكم تتميما لتربيتكم وتكرمتكم وبالجملة إِنَّ رَبَّكُمْ الذي رباكم بأنواع اللطف والكرم لَرَؤُفٌ عطوف مشفق لكم يسهل عليكم كل عسير رَحِيمٌ لكم يوفقكم ويهيئ أسبابكم لتواظبوا على أداء ما افترض عليكم من الطاعات والعبادات وتلازموا على تحصيل ما قدر لكم من اقتراف المعارف والحقائق الرافعة لكم الى ارفع المنازل وأعلى المراتب.
ثم أشار سبحانه ايضا الى ما يعزكم ويدفع اذاكم ويرفع جاهكم ومكانتكم تتميما لتعظيمكم وتربيتكم فقال وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ انما خلقها وأظهرها سبحانه لِتَرْكَبُوها وَتجعلوها زِينَةً وحلية لأنفسكم بين بنى نوعكم وَبالجملة يَخْلُقُ لكم ربكم بمقتضى علمه بحوائجكم ومزيناتكم ما لا تَعْلَمُونَ ولا تأملون أنتم لأنفسكم مما يعنيكم ويعينكم في النشأة الاولى والاخرى
وَكما يدبر سبحانه امور معاش عباده على الوجه الأحسن الأليق بحالهم كذلك له سبحانه ان يدبر لهم امور معادهم بل هي اولى بالتدبير لذلك عَلَى اللَّهِ المصلح لأحوال عباده قَصْدُ السَّبِيلِ اى إرشادهم وهدايتهم الى طريق مستقيم موصل الى توحيده ليصلوا اليه ويفوزوا بما وعدوا من عنده وَكيف لا يرشدهم سبحانه الى سواء السبيل إذ مِنْها اى بعض من السبيل جائِرٌ مائل منصرف منحرف عن طريق الحق وسبيل توحيده بمقتضى غلبة أوصافه الجلالية المذلة المضلة تتميما للقدرة الكاملة الغالبة والسلطنة العامة الشاملة لكلا طرفي اللطف والقهر والجمال والجلال وَلَوْ شاءَ وأراد سبحانه هدايتكم جميعا لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ على مقتضى تجليات الأوصاف اللطفية الجمالية المثمرة للذة الدائمة والسرور المستمر الغير المنقطع لكن قد اقتضى حكمته المتقنة البالغة ان يكون جنابه رفيعا
стр. 421
وبابه منيعا متعاليا عن ان يطلع عليه واحد بعد واحد ويرد حول حمى قدسه وارد غب وارد لذلك قد تجلى على بعض المظاهر حسب الأوصاف القهرية الجلالية المورثة للحزن الدائم والألم المخلد وكيف لا يدبر سبحانه امور عباده
مع انه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ وأفاض مِنَ السَّماءِ ماءً محييا موات الأرض مثل احياء الروح وراضى الأجساد ليحصل لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ تشربون منه او تعصرون من القصب والفواكه الحاصلة به أنواعا من الأشربة وَايضا يحصل مِنْهُ شَجَرٌ وانواع النباتات الخارجة من الأرض لرعى مواشيكم إذ فِيهِ تُسِيمُونَ وتسرحون دوابكم للرعي الى ان يسمن فيؤكل وايضا
يُنْبِتُ لَكُمْ لتقويتكم وتقويم امزجتكم وتقويتها بِهِ الزَّرْعَ بأنواعه واصنافه لتتخذوا منه اخبازا واقراصا وَالزَّيْتُونَ للادام وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ للتفكه والتقوت ايضا وَبالجملة يخرج لكم به مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ تتميما لأمور معاشكم وتقويما لأمزجتكم كل ذلك لتتفكروا في آلائه ونعمائه وتتذكروا ذاته كي تفوزوا بمعرفته وتوحيده إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من انعام هذه النعم العظام لَآيَةً عظيمة وبينة واضحة موضحة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ويستعملون عقولهم في تفكر آلاء الله ونعمائه ليواظبوا على أداء شكرها
وَمن جملة آياته سبحانه المتعلقة لتدبير أحوالكم انه قد سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ لتسكنوا فيه وتستريحوا وَالنَّهارَ لتعيشوا فيه وتكسبوا وَايضا قد سخر لكم الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لإنضاج ما تتقوتون وإصلاح ما تتفكهون وَقد سخر لكم النُّجُومُ ايضا لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر حال كون كل منها مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ تابعات لحكمه وتقديره على تقدير قراءة النصب او مع ان الكل مسخرات في قبضة قضائه يصرفها حسب ارادته ومشيته على تقدير الرفع إِنَّ فِي ذلِكَ التسخير والتسهيل المذكور لَآياتٍ اى في كل منها دليل واضح وبرهان لائح قاطع لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ويستدلون من الآثار الى المؤثر ومن المصنوعات الى الصانع القديم الفرد
وَايضا قد سخر لكم ما ذَرَأَ وبرأ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ واشكاله وطبعه وذوقه بمقتضى اهويتكم وامزجتكم من الحوائج المتعلقة لحظوظكم وترفهكم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ يتعظون ويتفطنون منها الى كرامة الإنسان من بين سائر الأكوان والى خلافته ونيابته عن الله
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ لكم الْبَحْرَ من كمال لطفه وتكريمه إياكم لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وهو السمك وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً وزينة من الجواهر النفيسة تَلْبَسُونَها وتتزينون بها ترفها وتنعما وَتَرَى ايها الرائي الْفُلْكَ السفن مَواخِرَ فِيهِ جواري في خلاله مشققات للبحر مسيرات لمن فيها على الماء وَما كل ذلك الا لِتَبْتَغُوا وتطلبوا مِنْ فَضْلِهِ وجوده ما يعنيكم ويليق بكم من الحوائج والأرباح وغيرها وَانما سخر لكم سبحانه ما سخر لكم من البر والبحر لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رجاء ان تواظبوا وتداوموا على شكر نعمه وتصرفوها الى ما خلق لأجله طلبا لمرضاته
وَمن كمال لطفه ورحمته ايضا انه قد أَلْقى فِي الْأَرْضِ التي هي مستقركم ومنشأكم رَواسِيَ شامخات مخافة أَنْ تَمِيدَ وتتحرك بِكُمْ ولا يمكن استقراركم عليها لاضطرابها وتزلزلها إذ هي في طبعها كرة حقيقية ملقاة على الماء محفوفة به مغمورة فيه وانما القى سبحانه عناية منه رواسى ثقالا عليها حتى صارت متفاوتة الأطراف في الثقل فاستقرت حينئذ وثبتت وَايضا قد اجرى لكم سبحانه عليها أَنْهاراً ليمكنكم الاستقاء منها لدى الحاجة وَكذا قد عين وسهل لكم بين الجبال سُبُلًا نافذات
стр. 422
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الى ما ترومون من البلاد البعيدة
وَقد نصب لكم ايضا عَلاماتٍ دالة على مطالبكم ومقاصدكم في البوادي والبراري بالتلال والوهاد وَفي البحار بِالنَّجْمِ اى بالنجوم المتعارفة عند البحارين إذ هُمْ يَهْتَدُونَ بها حين وقوعهم في لجج البحار. وبالجملة كل ذلك من الدلائل الدالة على وحدة الفاعل المختار المتصف بعموم أوصاف الكمال المنزه عن مشاركة الاضداد والأمثال مبدع المكونات من كتم العدم بلا سبق مادة وزمان ومخترع عموم الموجودات بلا علل وأغراض على سبيل الفضل والإحسان
أَتشركون مع الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شيء في الوجود سواه ولا اله الا هو يخلق ما يشاء بمقتضى رحمته وجوده من لا يخلق شيأ بل هو في نفسه من أدون المخلوقات فَمَنْ يَخْلُقُ ايها الحمقى العمى كَمَنْ لا يَخْلُقُ في المرتبة والمكانة واستحقاق العبادة ما عرض لكم ولحق بكم ايها المجبولون على فطرة الدراية والشهود لم تتفطنوا بالفرق الظاهر بينهما مع كمال جلائه وظهوره مع انكم من زمرة العقلاء المميزين أَفَلا تَذَكَّرُونَ فطرتكم المجبولة على العلم والتمييز
وَكيف تشركون مع الله المنعم المفضل عليكم بأنواع النعم واصناف الكرم مع انكم إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ الفائضة عليكم وآلاءه الواصلة إليكم لا تُحْصُوها من غاية كثرتها ووفورها ومع ذلك قد أشركتم معه غيره وكفرتم بنعمه مع ان المناسب لكم الرجوع اليه والانابة نحوه إِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائر عباده لَغَفُورٌ لمن تاب وآمن وعمل عملا صالحا رَحِيمٌ يقبل توبتهم ويتجاوز عن سيئاتهم لو أخلصوا
وَاللَّهُ المصلح لأحوال عباده يَعْلَمُ منكم ما تُسِرُّونَ في قلوبكم بلا موافقة ألسنتكم وَما تُعْلِنُونَ بألسنتكم بلا مطابقة قلوبكم فعليكم ايها المؤمنون المنيبون ان تنيبوا وتتوجهوا نحو الحق سرا وعلانية حتى لا تكونوا من زمرة المنافقين المخادعين مع الله
وَاعلموا ايها المشركون المكابرون ان الشركاء الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ المعبود بالحق الآلهة وتعبدونها إفكا كعبادته سبحانه مع انهم في أنفسهم تماثيل عاطلة لا يستحقون الألوهية إذ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً حقيرا وَكيف بالعظيم والكبير بل هُمْ يُخْلَقُونَ مخلوقون بل هم من أدون المخلوقات
إذ هم أَمْواتٌ جمادات لا شعور لها أصلا وهم غَيْرُ أَحْياءٍ ولا ذوو حس وحركة ارادية وَلذلك ما يَشْعُرُونَ شعور الحيوانات أَيَّانَ يُبْعَثُونَ والى اين يحشرون ويساقون من المرعى وبالجملة هم في أنفسهم ادنى واخس من الحيوانات العجم فكيف يتأتى منهم الألوهية المستلزمة للاطلاع على عموم المغيبات الجارية في العوالم كلها اطلاع حضور وشهود
بل إِلهُكُمْ الذي أوجدكم من كتم العدم وأظهركم في فضاء الوجود ما هو الا إِلهٌ واحِدٌ احد فرد صمد لم يكن له كفو ولا شريك ليس كمثله شيء وليس هو مثل شيء وما يظهر وما ينكشف توحيده سبحانه الا لأولى العزائم والنهى من ارباب المحبة والولاء في النشأة الاولى والاخرى فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ المعدة لشرف اللقاء قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ بها وبلقاء الله فيها وَهُمْ من شدة شكيمتهم وكثافة حجبهم سيما مع إنزال الكتب المبينة لأحوالها وأهوالها وإرسال الرسل المنبهين لهم عليها مُسْتَكْبِرُونَ متمردون عتوا وعنادا
لذلك لا جَرَمَ وحقا قد ثبت على الله حتما ان يعذبهم جزما مع أَنَّ اللَّهَ المطلع لسرائرهم وضمائرهم يَعْلَمُ بعلمه الحضوري عموم ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ من الكفر والضلال فيجازيهم حسب علمه بحالهم ولا يحسن سبحانه إليهم بدل إساءتهم إذ هم مستكبرون إِنَّهُ سبحانه لا يُحِبُّ
стр. 423
الْمُسْتَكْبِرِينَ لاشتراكهم معه سبحانه في أخص أوصافه إذ الكبرياء مخصوصة به سبحانه لا يسع لاحد ان يشارك معه فيه
وَمن غاية عتوهم واستكبارهم إِذا قِيلَ لَهُمْ على طريقة الاستفسار ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ على نبيكم قالُوا متهكمين مستهزئين ليس ما انزل له ربه الا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى الأكاذيب الأراجيف التي قد سطرها الأولون فيما مضى من تلقاء نفوسهم. وبالجملة انما قالوا ذلك وأذاعوه بين الأنام
لِيَحْمِلُوا ويقترفوا أَوْزارَهُمْ وآثامهم كامِلَةً بلا تخفيف شيء منها ولا نقصانه ليؤاخذوا عليها يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيحملوا ايضا مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ من ضعفاء الناس بقولهم هذا لهم والقائهم إليهم مع انهم هم خالوا الأذهان بِغَيْرِ عِلْمٍ يتعلق منهم بالقرآن واعجازه ومع ذلك لا يعذرون لعدم التفاتهم الى التأمل والتدبر حتى يظهر عندهم حقيته وبطلان قولهم أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ويعملون المضلون باضلالهم والضالون بضلالهم وعدم تأملهم وتدبرهم مع انهم مجبولون على التأمل والتدبر. وبالجملة ليس هذا التكذيب والإضلال والتهكم والاستهزاء من الأمور الحادثة بين أولئك الهالكين في تيه الشرك والطغيان بل هي من سنة الكفرة السالفة ومن ديدنتهم القديمة وعادتهم المستمرة
إذ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ واحتالوا لإضلال العوام الى حيث قد بنوا ابنية رفعية للصعود الى السماء والمقاتلة مع سكانها والهها ثم لما تم بنيانهم وقصورهم فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ اى قد اتى امره سبحانه باهلاكهم وتعذيبهم بهدم بنيانهم مِنَ الْقَواعِدِ والأعمدة والأساس التي قد بنى عليها البناء فتضعضعت وتحركت الدعائم فَخَرَّ وسقط عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وهم تحته متمكنون مترفهون فهلكوا وَبالجملة قد أَتاهُمُ الْعَذابُ بغتة مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ اماراتها قبل نزوله
ثُمَّ بعد تعذيبهم في النشأة الاولى يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ الله ويرديهم ويخذلهم بتكذيبهم كلام الله وكلام رسوله وَيَقُولُ لهم سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ ايها الضالون المضلون المنهمكون في الغي والضلال تُشَاقُّونَ وتعادون فِيهِمْ وفي حقهم وشأنهم المؤمنين وتعارضون معهم بادعاء الألوهية لأولئك التماثيل العاطلة الباطلة ادعوهم لينجوكم ويخلصوكم عن عذابي وبطشى قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من الأنبياء والرسل وخلفائهم الذين دعوهم الى الايمان فلم يؤمنوا بل يكذبونهم وينكرون عليهم وعلى دينهم ونبيهم حين أبصروا أخذ الله إياهم شامتين لهم متهكمين عليهم إِنَّ الْخِزْيَ اى الذلة والصغار الْيَوْمَ وَالسُّوءَ المفرط المجاوز عن الحد واقع نازل عَلَى الْكافِرِينَ المستكبرين الذين كذبوا الرسل وأنكروا الكتب واستهزؤا بهم مكابرة وعنادا
وهم الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ الموكلون عليهم حين معارضتهم بالقرآن وتكذيبهم إياه وبمن انزل اليه مع كونهم ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ومعرضيها على العذاب الأبدي ثم لما عاينوا في النشأة الاخرى بحقيته وصدقه ومطابقته للواقع فَأَلْقَوُا السَّلَمَ اى الانقياد والتسلم اليه مبرئين نفوسهم عن التكذيب والإساءة مع القرآن قائلين ما كُنَّا في النشأة الاولى نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ وما نريد وما نقصد الإساءة في حقه فيقول الملائكة لهم على سبيل التهكم بَلى قد كنتم أنتم لا تسيئون الأدب مع الرسول والقرآن إِنَّ اللَّهَ المطلع بجميع ما كان وما يكون عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الرد والإنكار والتكذيب والإصرار فيجازيكم على مقتضى علمه
ثم قيل لهم زجرا وقهرا فَادْخُلُوا ايها المشركون المستكبرون المعاندون المعادون المكابرون مع الله ورسوله أَبْوابَ
стр. 424
جَهَنَّمَ كل فرقة منكم من باب منها على تفاوت طبقاتكم في موجباتها واسبابها وادخلوا انواع عذابها ونكالها حال كونكم خالِدِينَ فِيها مخلدين مؤبدين فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ جهنم البعد والخذلان التي هي مطرح اصحاب الطرد والحرمان
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عن محارم الله وحفظوا نفوسهم عن العرض على المهالك الموجبة لسخط الله وغضبه ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ على نبيكم لتربية دينكم وتصفية مشربكم عن إكدار التقليدات والتخمينات قالُوا فرحين مسرورين قد انزل ربنا على رسولنا خَيْراً محضا في النشأة الاولى والاخرى اما في الاولى ف لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اى للمؤمنين الممتثلين بأوامر القرآن والمجتنبين عن نواهيه فِي هذِهِ الدُّنْيا وعملوا الصالحات المقربة الى الله المؤكدة لإيمانهم وإحسانهم حَسَنَةٌ كاملة من العلوم اللدنية والمعارف المثمرة للمكاشفات والمشاهدات وَاما في الاخرى ف لَدارُ الْآخِرَةِ المعدة للفوز بشرف اللقيا والوصول الى سدرة المنتهى خَيْرٌ لهم من جميع الكمالات القصوى والدرجات العليا وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ المتحفظين نفوسهم عن الالتفات الى ما سوى الحق دار الآخرة
التي هي جَنَّاتُ عَدْنٍ متنزهات وحدة لاهوتية ومستقرات وجوب مصونة عن امارات الكثرة الامكانية المشعرة للاثنينية مطلقا يَدْخُلُونَها مجردين عن جلباب التعينات العدمية الناسوتية تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ المملوة من العلوم اللدنية المترشحة من بحر الجود المنتشئ من التجليات المترتبة على الأوصاف الذاتية الإلهية وبالجملة لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ من مقتضيات الأوصاف اللطفية الحبية الجمالية كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ ذو الفضل والقوة المتين عموم الْمُتَّقِينَ المائلين عن غير الله المعرضين عما سواه مطلقا الباذلين مهجهم في سبيله طوعا المنخلعين عن مقتضيات أوصاف بشريتهم رغبة وارادة واختيارا الصابرين على عموم ما جرى عليهم من القضاء تسليما ورضا
وهم الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ الموكلون عليهم في نشأتهم الاولى حال كونهم طَيِّبِينَ طاهرين عن خبائث الإمكان ورذائل الخذلان والخسران الناشئة من ظلمات الطبائع والأركان يَقُولُونَ اى الملائكة المأمورون لقبض أرواحهم عند قبضها سَلامٌ عَلَيْكُمْ ايها الصابرون في البلوى السائرون الى المولى ادْخُلُوا الْجَنَّةَ التي هي خير المنقلب والمثوى وفوزوا بشرف اللقيا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في النشأة الاولى من الاعراض عن مقتضيات الهوى ومن الرضا بالقضاء ومن الصبر على العناء والشوق الى الفناء والفوز بشرف البقاء واللقاء.
ثم قال سبحانه توبيخا وتقريعا على المشركين لْ يَنْظُرُونَ
وما ينتظرون أولئك التائهون في تيه الغفلة والغرورلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ
المأمورون لقبض أرواحهم الخبيثةوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
يا أكمل الرسل اى يوم القيمة المعد لتعذيبهم وانتقامهم ذلِكَ
اى مثل إهمال هؤلاء الهالكين في امر الايمان قدعَلَ الَّذِينَ
مضوانْ قَبْلِهِمْ
في زمن الأنبياء الماضين
بالجملةا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
المجازى لهم على مقتضى إساءتهم لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
اى يظلمون أنفسهم بعرضها على المهالك الموجبة لانواع العذاب والعقاب من تكذيب الرسل وانكار الكتب وترك المأمورات وارتكاب المنهيات
فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا عتوا وعنادا وَحاقَ وأحاط بِهِمْ جزاء ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ استكبارا واستنكارا
وَكيف لا قد قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا من غاية انهماكهم في الغي والضلال وشدة انكارهم وشكيمتهم متهكمين على وجه الاحتجاج لَوْ شاءَ اللَّهُ الواحد الأحد المستقل في عموم الأفعال بالإرادة والاختيار على زعمكم عدم عبادتنا
стр. 425
لآلهتنا وأصنامنا ما عَبَدْنا البتة مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ لا نَحْنُ وَلا آباؤُنا إذ مراده مقضي حتما وحكمه مبرم جزما وَايضا لا حَرَّمْنا نحن ولا آباؤنا من البحائر وغيرها مِنْ دُونِهِ وبلا رضاه وبدون اذنه ومشيته مِنْ شَيْءٍ إذ لا يعارض فعله وحكمه هذا صورة احتجاجهم واستدلالهم على سبيل التهكم والاستهزاء والمراء كَذلِكَ اى مثل استدلال هؤلاء الطغاة الغواة الهالكين في تيه الغفلة والعناد قد فَعَلَ الَّذِينَ خلوا مِنْ قَبْلِهِمْ هكذا متهكمين مستهزئين فأرسل الله عليهم رسلا فكذبوهم وأنكروا عليهم فاخذهم الله بذنوبهم فاهلكهم بأنواع العذاب والعقاب لان ارادة الله لم يتعلق بايمانهم وهدايتهم فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ وما عليهم وليس لهم إِلَّا الْبَلاغُ وتبليغ ما أرسلوا به الْمُبِينُ على وجه الوضوح والتبيين لئلا يبقى لهم شك وتردد في سماعه واما قبولهم واتصافهم به وهدايتهم بسببه فأمر قد استأثر الله به ليس لهم ان يخوضوا فيه إذ هو خارج عن وسعهم متعال عن طاقتهم
ثم فصل سبحانه ما أجمل بقوله وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ من الأمم الهالكة السالفة حين اختل امور دينهم رَسُولًا منهم قائلا لهم أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ المتصف بالوحدانية والفردانية المستقل بالوجود والآثار المترتبة عليه المنزه عن الشريك والأشباه والأمثال مطلقا وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ اى الالهة المضلة التي أنتم تتخذونها من تلقاء انفسكم ظلما وزورا وتعبدونها كعبادة الله عنادا واستكبارا ثم لما بلغهم الرسول جميع ما جاء به من عندنا فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ بان أراد هدايته فهداه وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ قد استمرت وثبتت عَلَيْهِ الضَّلالَةُ وتمرنت بقلبه لتعلق مشية الله بغوايته وضلاله وان ترددتم فيه فَسِيرُوا ايها الشاكون المترددون فِي الْأَرْضِ التي هي مساكنهم ومنازلهم فَانْظُرُوا واعتبروا من آثارهم واطلالهم وتفرسوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ المستهزئين للرسل والكتب
إِنْ تَحْرِصْ يا أكمل الرسل أنت عَلى هُداهُمْ وتريد هدايتهم مبالغة مع انك لا تهدى من أحببت فَإِنَّ اللَّهَ الهادي الحكيم لعباده بمقتضى علمه باستعداداتهم لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ اى لا يريد هداية من أراد ضلاله في سابق علمه ولوح قضائه وَما لَهُمْ بعد ما أراد الله ضلالهم مِنْ ناصِرِينَ ينصرونهم على الهداية ويشفعون لهم حتى ينقذوهم عن الضلال فأنت ايضا يا أكمل الرسل لا تتعب نفسك عليهم حسرات
وَمن خبث طينتهم وشدة بغضهم وضغينتهم قد أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ واغلظوا فيها قائلين مؤكدين مغلظين لا يَبْعَثُ اللَّهُ ولا يحيي مرة اخرى مَنْ يَمُوتُ ويزول الروح الحيواني عنهم.
ثم قال سبحانه ردا لهم وتخطئة على ابلغ وجه وآكده ايضا بَلى يبعثون إذ قد وعد الله البعث والحشر وَعْداً صدقا لازما عَلَيْهِ سبحانه انجاز عموم ما وعد حَقًّا حتما جزما ووفاء لوعده وإيفاء لحكمه مع انه القادر المقتدر بالقدرة الكاملة على كل ما دخل تحت حيطة ارادته ومشيته وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ حق قدره سبحانه وقدر قدرته وسطوته وبسطته
وانما ينجز سبحانه الوعد الموعود لِيُبَيِّنَ ويوضح لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ بل يستبعدونه ويستحيلونه وَايضا لِيَعْلَمَ وليميز المفسدون المسرفون الَّذِينَ كَفَرُوا له وأنكروا عليه عنادا ومكابرة أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ في إصرار عدم وقوعه وتكذيبه وكيف تستبعدون ايها المنكرون أمثال هذا عن كمال قدرتنا ووفور علمنا وارادتنا
مع انا إِنَّما قَوْلُنا وحكمنا حين تعلق ارادتنا لِشَيْءٍ اى لإظهار شيء من الأشياء