← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وبابه منيعا متعاليا عن ان يطلع عليه واحد بعد واحد ويرد حول حمى قدسه وارد غب وارد لذلك قد تجلى على بعض المظاهر حسب الأوصاف القهرية الجلالية المورثة للحزن الدائم والألم المخلد وكيف لا يدبر سبحانه امور عباده مع انه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ وأفاض مِنَ السَّماءِ ماءً محييا موات الأرض مثل احياء الروح وراضى الأجساد ليحصل لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ تشربون منه او تعصرون من القصب والفواكه الحاصلة به أنواعا من الأشربة وَايضا يحصل مِنْهُ شَجَرٌ وانواع النباتات الخارجة من الأرض لرعى مواشيكم إذ فِيهِ تُسِيمُونَ وتسرحون دوابكم للرعي الى ان يسمن فيؤكل وايضا يُنْبِتُ لَكُمْ لتقويتكم وتقويم امزجتكم وتقويتها بِهِ الزَّرْعَ بأنواعه واصنافه لتتخذوا منه اخبازا واقراصا وَالزَّيْتُونَ للادام وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ للتفكه والتقوت ايضا وَبالجملة يخرج لكم به مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ تتميما لأمور معاشكم وتقويما لأمزجتكم كل ذلك لتتفكروا في آلائه ونعمائه وتتذكروا ذاته كي تفوزوا بمعرفته وتوحيده إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من انعام هذه النعم العظام لَآيَةً عظيمة وبينة واضحة موضحة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ويستعملون عقولهم في تفكر آلاء الله ونعمائه ليواظبوا على أداء شكرها وَمن جملة آياته سبحانه المتعلقة لتدبير أحوالكم انه قد سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ لتسكنوا فيه وتستريحوا وَالنَّهارَ لتعيشوا فيه وتكسبوا وَايضا قد سخر لكم الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لإنضاج ما تتقوتون وإصلاح ما تتفكهون وَقد سخر لكم النُّجُومُ ايضا لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر حال كون كل منها مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ تابعات لحكمه وتقديره على تقدير قراءة النصب او مع ان الكل مسخرات في قبضة قضائه يصرفها حسب ارادته ومشيته على تقدير الرفع إِنَّ فِي ذلِكَ التسخير والتسهيل المذكور لَآياتٍ اى في كل منها دليل واضح وبرهان لائح قاطع لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ويستدلون من الآثار الى المؤثر ومن المصنوعات الى الصانع القديم الفرد وَايضا قد سخر لكم ما ذَرَأَ وبرأ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ واشكاله وطبعه وذوقه بمقتضى اهويتكم وامزجتكم من الحوائج المتعلقة لحظوظكم وترفهكم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ يتعظون ويتفطنون منها الى كرامة الإنسان من بين سائر الأكوان والى خلافته ونيابته عن الله وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ لكم الْبَحْرَ من كمال لطفه وتكريمه إياكم لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وهو السمك وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً وزينة من الجواهر النفيسة تَلْبَسُونَها وتتزينون بها ترفها وتنعما وَتَرَى ايها الرائي الْفُلْكَ السفن مَواخِرَ فِيهِ جواري في خلاله مشققات للبحر مسيرات لمن فيها على الماء وَما كل ذلك الا لِتَبْتَغُوا وتطلبوا مِنْ فَضْلِهِ وجوده ما يعنيكم ويليق بكم من الحوائج والأرباح وغيرها وَانما سخر لكم سبحانه ما سخر لكم من البر والبحر لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رجاء ان تواظبوا وتداوموا على شكر نعمه وتصرفوها الى ما خلق لأجله طلبا لمرضاته وَمن كمال لطفه ورحمته ايضا انه قد أَلْقى فِي الْأَرْضِ التي هي مستقركم ومنشأكم رَواسِيَ شامخات مخافة أَنْ تَمِيدَ وتتحرك بِكُمْ ولا يمكن استقراركم عليها لاضطرابها وتزلزلها إذ هي في طبعها كرة حقيقية ملقاة على الماء محفوفة به مغمورة فيه وانما القى سبحانه عناية منه رواسى ثقالا عليها حتى صارت متفاوتة الأطراف في الثقل فاستقرت حينئذ وثبتت وَايضا قد اجرى لكم سبحانه عليها أَنْهاراً ليمكنكم الاستقاء منها لدى الحاجة وَكذا قد عين وسهل لكم بين الجبال سُبُلًا نافذات

стр. 422

لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الى ما ترومون من البلاد البعيدة وَقد نصب لكم ايضا عَلاماتٍ دالة على مطالبكم ومقاصدكم في البوادي والبراري بالتلال والوهاد وَفي البحار بِالنَّجْمِ اى بالنجوم المتعارفة عند البحارين إذ هُمْ يَهْتَدُونَ بها حين وقوعهم في لجج البحار. وبالجملة كل ذلك من الدلائل الدالة على وحدة الفاعل المختار المتصف بعموم أوصاف الكمال المنزه عن مشاركة الاضداد والأمثال مبدع المكونات من كتم العدم بلا سبق مادة وزمان ومخترع عموم الموجودات بلا علل وأغراض على سبيل الفضل والإحسان أَتشركون مع الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شيء في الوجود سواه ولا اله الا هو يخلق ما يشاء بمقتضى رحمته وجوده من لا يخلق شيأ بل هو في نفسه من أدون المخلوقات فَمَنْ يَخْلُقُ ايها الحمقى العمى كَمَنْ لا يَخْلُقُ في المرتبة والمكانة واستحقاق العبادة ما عرض لكم ولحق بكم ايها المجبولون على فطرة الدراية والشهود لم تتفطنوا بالفرق الظاهر بينهما مع كمال جلائه وظهوره مع انكم من زمرة العقلاء المميزين أَفَلا تَذَكَّرُونَ فطرتكم المجبولة على العلم والتمييز وَكيف تشركون مع الله المنعم المفضل عليكم بأنواع النعم واصناف الكرم مع انكم إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ الفائضة عليكم وآلاءه الواصلة إليكم لا تُحْصُوها من غاية كثرتها ووفورها ومع ذلك قد أشركتم معه غيره وكفرتم بنعمه مع ان المناسب لكم الرجوع اليه والانابة نحوه إِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائر عباده لَغَفُورٌ لمن تاب وآمن وعمل عملا صالحا رَحِيمٌ يقبل توبتهم ويتجاوز عن سيئاتهم لو أخلصوا وَاللَّهُ المصلح لأحوال عباده يَعْلَمُ منكم ما تُسِرُّونَ في قلوبكم بلا موافقة ألسنتكم وَما تُعْلِنُونَ بألسنتكم بلا مطابقة قلوبكم فعليكم ايها المؤمنون المنيبون ان تنيبوا وتتوجهوا نحو الحق سرا وعلانية حتى لا تكونوا من زمرة المنافقين المخادعين مع الله وَاعلموا ايها المشركون المكابرون ان الشركاء الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ المعبود بالحق الآلهة وتعبدونها إفكا كعبادته سبحانه مع انهم في أنفسهم تماثيل عاطلة لا يستحقون الألوهية إذ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً حقيرا وَكيف بالعظيم والكبير بل هُمْ يُخْلَقُونَ مخلوقون بل هم من أدون المخلوقات إذ هم أَمْواتٌ جمادات لا شعور لها أصلا وهم غَيْرُ أَحْياءٍ ولا ذوو حس وحركة ارادية وَلذلك ما يَشْعُرُونَ شعور الحيوانات أَيَّانَ يُبْعَثُونَ والى اين يحشرون ويساقون من المرعى وبالجملة هم في أنفسهم ادنى واخس من الحيوانات العجم فكيف يتأتى منهم الألوهية المستلزمة للاطلاع على عموم المغيبات الجارية في العوالم كلها اطلاع حضور وشهود بل إِلهُكُمْ الذي أوجدكم من كتم العدم وأظهركم في فضاء الوجود ما هو الا إِلهٌ واحِدٌ احد فرد صمد لم يكن له كفو ولا شريك ليس كمثله شيء وليس هو مثل شيء وما يظهر وما ينكشف توحيده سبحانه الا لأولى العزائم والنهى من ارباب المحبة والولاء في النشأة الاولى والاخرى فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ المعدة لشرف اللقاء قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ بها وبلقاء الله فيها وَهُمْ من شدة شكيمتهم وكثافة حجبهم سيما مع إنزال الكتب المبينة لأحوالها وأهوالها وإرسال الرسل المنبهين لهم عليها مُسْتَكْبِرُونَ متمردون عتوا وعنادا لذلك لا جَرَمَ وحقا قد ثبت على الله حتما ان يعذبهم جزما مع أَنَّ اللَّهَ المطلع لسرائرهم وضمائرهم يَعْلَمُ بعلمه الحضوري عموم ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ من الكفر والضلال فيجازيهم حسب علمه بحالهم ولا يحسن سبحانه إليهم بدل إساءتهم إذ هم مستكبرون إِنَّهُ سبحانه لا يُحِبُّ

стр. 423

الْمُسْتَكْبِرِينَ لاشتراكهم معه سبحانه في أخص أوصافه إذ الكبرياء مخصوصة به سبحانه لا يسع لاحد ان يشارك معه فيه وَمن غاية عتوهم واستكبارهم إِذا قِيلَ لَهُمْ على طريقة الاستفسار ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ على نبيكم قالُوا متهكمين مستهزئين ليس ما انزل له ربه الا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى الأكاذيب الأراجيف التي قد سطرها الأولون فيما مضى من تلقاء نفوسهم. وبالجملة انما قالوا ذلك وأذاعوه بين الأنام لِيَحْمِلُوا ويقترفوا أَوْزارَهُمْ وآثامهم كامِلَةً بلا تخفيف شيء منها ولا نقصانه ليؤاخذوا عليها يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيحملوا ايضا مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ من ضعفاء الناس بقولهم هذا لهم والقائهم إليهم مع انهم هم خالوا الأذهان بِغَيْرِ عِلْمٍ يتعلق منهم بالقرآن واعجازه ومع ذلك لا يعذرون لعدم التفاتهم الى التأمل والتدبر حتى يظهر عندهم حقيته وبطلان قولهم أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ويعملون المضلون باضلالهم والضالون بضلالهم وعدم تأملهم وتدبرهم مع انهم مجبولون على التأمل والتدبر. وبالجملة ليس هذا التكذيب والإضلال والتهكم والاستهزاء من الأمور الحادثة بين أولئك الهالكين في تيه الشرك والطغيان بل هي من سنة الكفرة السالفة ومن ديدنتهم القديمة وعادتهم المستمرة إذ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ واحتالوا لإضلال العوام الى حيث قد بنوا ابنية رفعية للصعود الى السماء والمقاتلة مع سكانها والهها ثم لما تم بنيانهم وقصورهم فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ اى قد اتى امره سبحانه باهلاكهم وتعذيبهم بهدم بنيانهم مِنَ الْقَواعِدِ والأعمدة والأساس التي قد بنى عليها البناء فتضعضعت وتحركت الدعائم فَخَرَّ وسقط عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وهم تحته متمكنون مترفهون فهلكوا وَبالجملة قد أَتاهُمُ الْعَذابُ بغتة مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ اماراتها قبل نزوله ثُمَّ بعد تعذيبهم في النشأة الاولى يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ الله ويرديهم ويخذلهم بتكذيبهم كلام الله وكلام رسوله وَيَقُولُ لهم سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ ايها الضالون المضلون المنهمكون في الغي والضلال تُشَاقُّونَ وتعادون فِيهِمْ وفي حقهم وشأنهم المؤمنين وتعارضون معهم بادعاء الألوهية لأولئك التماثيل العاطلة الباطلة ادعوهم لينجوكم ويخلصوكم عن عذابي وبطشى قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من الأنبياء والرسل وخلفائهم الذين دعوهم الى الايمان فلم يؤمنوا بل يكذبونهم وينكرون عليهم وعلى دينهم ونبيهم حين أبصروا أخذ الله إياهم شامتين لهم متهكمين عليهم إِنَّ الْخِزْيَ اى الذلة والصغار الْيَوْمَ وَالسُّوءَ المفرط المجاوز عن الحد واقع نازل عَلَى الْكافِرِينَ المستكبرين الذين كذبوا الرسل وأنكروا الكتب واستهزؤا بهم مكابرة وعنادا وهم الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ الموكلون عليهم حين معارضتهم بالقرآن وتكذيبهم إياه وبمن انزل اليه مع كونهم ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ومعرضيها على العذاب الأبدي ثم لما عاينوا في النشأة الاخرى بحقيته وصدقه ومطابقته للواقع فَأَلْقَوُا السَّلَمَ اى الانقياد والتسلم اليه مبرئين نفوسهم عن التكذيب والإساءة مع القرآن قائلين ما كُنَّا في النشأة الاولى نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ وما نريد وما نقصد الإساءة في حقه فيقول الملائكة لهم على سبيل التهكم بَلى قد كنتم أنتم لا تسيئون الأدب مع الرسول والقرآن إِنَّ اللَّهَ المطلع بجميع ما كان وما يكون عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الرد والإنكار والتكذيب والإصرار فيجازيكم على مقتضى علمه ثم قيل لهم زجرا وقهرا فَادْخُلُوا ايها المشركون المستكبرون المعاندون المعادون المكابرون مع الله ورسوله أَبْوابَ

стр. 424

جَهَنَّمَ كل فرقة منكم من باب منها على تفاوت طبقاتكم في موجباتها واسبابها وادخلوا انواع عذابها ونكالها حال كونكم خالِدِينَ فِيها مخلدين مؤبدين فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ جهنم البعد والخذلان التي هي مطرح اصحاب الطرد والحرمان وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عن محارم الله وحفظوا نفوسهم عن العرض على المهالك الموجبة لسخط الله وغضبه ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ على نبيكم لتربية دينكم وتصفية مشربكم عن إكدار التقليدات والتخمينات قالُوا فرحين مسرورين قد انزل ربنا على رسولنا خَيْراً محضا في النشأة الاولى والاخرى اما في الاولى ف لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اى للمؤمنين الممتثلين بأوامر القرآن والمجتنبين عن نواهيه فِي هذِهِ الدُّنْيا وعملوا الصالحات المقربة الى الله المؤكدة لإيمانهم وإحسانهم حَسَنَةٌ كاملة من العلوم اللدنية والمعارف المثمرة للمكاشفات والمشاهدات وَاما في الاخرى ف لَدارُ الْآخِرَةِ المعدة للفوز بشرف اللقيا والوصول الى سدرة المنتهى خَيْرٌ لهم من جميع الكمالات القصوى والدرجات العليا وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ المتحفظين نفوسهم عن الالتفات الى ما سوى الحق دار الآخرة التي هي جَنَّاتُ عَدْنٍ متنزهات وحدة لاهوتية ومستقرات وجوب مصونة عن امارات الكثرة الامكانية المشعرة للاثنينية مطلقا يَدْخُلُونَها مجردين عن جلباب التعينات العدمية الناسوتية تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ المملوة من العلوم اللدنية المترشحة من بحر الجود المنتشئ من التجليات المترتبة على الأوصاف الذاتية الإلهية وبالجملة لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ من مقتضيات الأوصاف اللطفية الحبية الجمالية كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ ذو الفضل والقوة المتين عموم الْمُتَّقِينَ المائلين عن غير الله المعرضين عما سواه مطلقا الباذلين مهجهم في سبيله طوعا المنخلعين عن مقتضيات أوصاف بشريتهم رغبة وارادة واختيارا الصابرين على عموم ما جرى عليهم من القضاء تسليما ورضا وهم الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ الموكلون عليهم في نشأتهم الاولى حال كونهم طَيِّبِينَ طاهرين عن خبائث الإمكان ورذائل الخذلان والخسران الناشئة من ظلمات الطبائع والأركان يَقُولُونَ اى الملائكة المأمورون لقبض أرواحهم عند قبضها سَلامٌ عَلَيْكُمْ ايها الصابرون في البلوى السائرون الى المولى ادْخُلُوا الْجَنَّةَ التي هي خير المنقلب والمثوى وفوزوا بشرف اللقيا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في النشأة الاولى من الاعراض عن مقتضيات الهوى ومن الرضا بالقضاء ومن الصبر على العناء والشوق الى الفناء والفوز بشرف البقاء واللقاء. ثم قال سبحانه توبيخا وتقريعا على المشركين لْ يَنْظُرُونَ وما ينتظرون أولئك التائهون في تيه الغفلة والغرورلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ المأمورون لقبض أرواحهم الخبيثةوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ يا أكمل الرسل اى يوم القيمة المعد لتعذيبهم وانتقامهم ذلِكَ اى مثل إهمال هؤلاء الهالكين في امر الايمان قدعَلَ الَّذِينَ مضوانْ قَبْلِهِمْ في زمن الأنبياء الماضين بالجملةا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ المجازى لهم على مقتضى إساءتهم لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ اى يظلمون أنفسهم بعرضها على المهالك الموجبة لانواع العذاب والعقاب من تكذيب الرسل وانكار الكتب وترك المأمورات وارتكاب المنهيات فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا عتوا وعنادا وَحاقَ وأحاط بِهِمْ جزاء ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ استكبارا واستنكارا وَكيف لا قد قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا من غاية انهماكهم في الغي والضلال وشدة انكارهم وشكيمتهم متهكمين على وجه الاحتجاج لَوْ شاءَ اللَّهُ الواحد الأحد المستقل في عموم الأفعال بالإرادة والاختيار على زعمكم عدم عبادتنا

стр. 425

لآلهتنا وأصنامنا ما عَبَدْنا البتة مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ لا نَحْنُ وَلا آباؤُنا إذ مراده مقضي حتما وحكمه مبرم جزما وَايضا لا حَرَّمْنا نحن ولا آباؤنا من البحائر وغيرها مِنْ دُونِهِ وبلا رضاه وبدون اذنه ومشيته مِنْ شَيْءٍ إذ لا يعارض فعله وحكمه هذا صورة احتجاجهم واستدلالهم على سبيل التهكم والاستهزاء والمراء كَذلِكَ اى مثل استدلال هؤلاء الطغاة الغواة الهالكين في تيه الغفلة والعناد قد فَعَلَ الَّذِينَ خلوا مِنْ قَبْلِهِمْ هكذا متهكمين مستهزئين فأرسل الله عليهم رسلا فكذبوهم وأنكروا عليهم فاخذهم الله بذنوبهم فاهلكهم بأنواع العذاب والعقاب لان ارادة الله لم يتعلق بايمانهم وهدايتهم فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ وما عليهم وليس لهم إِلَّا الْبَلاغُ وتبليغ ما أرسلوا به الْمُبِينُ على وجه الوضوح والتبيين لئلا يبقى لهم شك وتردد في سماعه واما قبولهم واتصافهم به وهدايتهم بسببه فأمر قد استأثر الله به ليس لهم ان يخوضوا فيه إذ هو خارج عن وسعهم متعال عن طاقتهم ثم فصل سبحانه ما أجمل بقوله وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ من الأمم الهالكة السالفة حين اختل امور دينهم رَسُولًا منهم قائلا لهم أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ المتصف بالوحدانية والفردانية المستقل بالوجود والآثار المترتبة عليه المنزه عن الشريك والأشباه والأمثال مطلقا وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ اى الالهة المضلة التي أنتم تتخذونها من تلقاء انفسكم ظلما وزورا وتعبدونها كعبادة الله عنادا واستكبارا ثم لما بلغهم الرسول جميع ما جاء به من عندنا فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ بان أراد هدايته فهداه وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ قد استمرت وثبتت عَلَيْهِ الضَّلالَةُ وتمرنت بقلبه لتعلق مشية الله بغوايته وضلاله وان ترددتم فيه فَسِيرُوا ايها الشاكون المترددون فِي الْأَرْضِ التي هي مساكنهم ومنازلهم فَانْظُرُوا واعتبروا من آثارهم واطلالهم وتفرسوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ المستهزئين للرسل والكتب إِنْ تَحْرِصْ يا أكمل الرسل أنت عَلى هُداهُمْ وتريد هدايتهم مبالغة مع انك لا تهدى من أحببت فَإِنَّ اللَّهَ الهادي الحكيم لعباده بمقتضى علمه باستعداداتهم لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ اى لا يريد هداية من أراد ضلاله في سابق علمه ولوح قضائه وَما لَهُمْ بعد ما أراد الله ضلالهم مِنْ ناصِرِينَ ينصرونهم على الهداية ويشفعون لهم حتى ينقذوهم عن الضلال فأنت ايضا يا أكمل الرسل لا تتعب نفسك عليهم حسرات وَمن خبث طينتهم وشدة بغضهم وضغينتهم قد أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ واغلظوا فيها قائلين مؤكدين مغلظين لا يَبْعَثُ اللَّهُ ولا يحيي مرة اخرى مَنْ يَمُوتُ ويزول الروح الحيواني عنهم. ثم قال سبحانه ردا لهم وتخطئة على ابلغ وجه وآكده ايضا بَلى يبعثون إذ قد وعد الله البعث والحشر وَعْداً صدقا لازما عَلَيْهِ سبحانه انجاز عموم ما وعد حَقًّا حتما جزما ووفاء لوعده وإيفاء لحكمه مع انه القادر المقتدر بالقدرة الكاملة على كل ما دخل تحت حيطة ارادته ومشيته وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ حق قدره سبحانه وقدر قدرته وسطوته وبسطته وانما ينجز سبحانه الوعد الموعود لِيُبَيِّنَ ويوضح لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ بل يستبعدونه ويستحيلونه وَايضا لِيَعْلَمَ وليميز المفسدون المسرفون الَّذِينَ كَفَرُوا له وأنكروا عليه عنادا ومكابرة أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ في إصرار عدم وقوعه وتكذيبه وكيف تستبعدون ايها المنكرون أمثال هذا عن كمال قدرتنا ووفور علمنا وارادتنا مع انا إِنَّما قَوْلُنا وحكمنا حين تعلق ارادتنا لِشَيْءٍ اى لإظهار شيء من الأشياء

стр. 426

المثبتة في الأعيان الثابتة والمسطورة المرقومة في لوح قضائنا وحضرة علمنا اى شيء كان عظيما او حقيرا إِذا أَرَدْناهُ ان يوجد ويتحقق في عالم الشهادة أَنْ نَقُولَ لَهُ بمقتضى صفتنا القديمة التي هي الكلام الحامل لحكمنا المؤدى النافذ لأمرنا فارضين مقدرين وجوده وتحققه إذ هو عدم صرف في نفسه ولا شيء محض في حد ذاته كُنْ كالمكونات الاخر فَيَكُونُ بلا تراخ ومهلة وبلا امتداد ساعة ولحظة وآن وطرفة بل التلفظ بحرف التعقيب بين الأمر الوجوبي الإلهي وحصول المأمور المراد له سبحانه انما هو من ضيق العطن وضرورة التعبير والا فلا ترتب بينهما الا وهما إذا الترتب انما يحصل من توهم الزمان والآن وعنده سبحانه لا زمان ولا آن ولا شأن لا يسع في زمان ومكان. ثم أشار سبحانه الى علو درجات المؤمنين وارتفاع شأنهم ورفعة قدرهم ومكانهم فقال وَالَّذِينَ هاجَرُوا عن بقعة الإمكان حال كونهم سائرين فِي اللَّهِ بعد ما حصل لهم مرتبة التمكن والاطمئنان سيما مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا بتسلط الامارة عليهم زمانا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ولنمكننهم فِي الدُّنْيا اى في نشأتهم الاولى حَسَنَةً اى حصة كاملة وحظا وافرا من المعارف والحقائق بحيث انخلعوا عن لوازم البشرية بالمرة وماتوا عن الأوصاف البهيمية مطلقا ارادة واختيارا وَمع ذلك لَأَجْرُ الْآخِرَةِ المعدة لرفع الحجب وكشف الغطاء والسدل أَكْبَرُ قدرا وأعظم شأنا وأتم لذة لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ويفهمون ويذوقون لذته بالذوق والوجدان لمالوا اليه البتة زيادة ميل واجتهدوا نحوه زيادة اجتهاد رزقنا الله الوصول اليه والحصول دونه واذاقنا حلاوة لذته وبالجملة هم الَّذِينَ صَبَرُوا على ما اصبهم من المصيبات والبليات راجعين مسترجعين الى الله في جميع الحالات وَعَلى رَبِّهِمْ لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية يَتَوَكَّلُونَ في عموم شئونهم وتطوراتهم وَكيف يستبعدون رسالتك يا أكمل الرسل أولئك المشركون المعاندون إذ ما أَرْسَلْنا للرسالة العامة رسلا مِنْ قَبْلِكَ مبشرين ومنذرين إِلَّا رِجالًا امثالك نُوحِي إِلَيْهِمْ شعائر الدين والايمان وننزل عليهم الكتب المبينة لأحكامها فان لم يقبلوا منك هذا ولم يعتقدوا صدقك فيه فقل لهم فَسْئَلُوا ايها المكابرون المعاندون الجاهلون بحال من مضى من الأنبياء أَهْلَ الذِّكْرِ والعلم منكم وهم الأحبار والقسيسون إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ صدقه ومطابقته للواقع وكما أيدنا الرسل والأنبياء الماضين بِالْبَيِّناتِ الواضحة وَالزُّبُرِ اللائحة ترويجا لما جاءوا به وأرسلوا معه ليبينوا ويوضحوا بها احكام اديانهم وَمثل ذلك ايضا قد أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل الذِّكْرَ اى الكتاب المعجز المشتمل على شعائر الإسلام وأحكامه لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ المتوغلين في الغفلة والنسيان عموم ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ من عند ربهم على مقتضى أزمانهم وأطوارهم من الأوامر والنواهي والآداب والأخلاق وَلَعَلَّهُمْ بعد تبليغك إياهم وتبيينك لهم يَتَفَكَّرُونَ في آياته وأحكامه ويتأملون في حكمه ومرموزاته كي يتفطنوا الى معارفه وحقائقه وكشوفاته وشهوداته المودعة فيه ثم قال سبحانه تهديدا على اهل الزيغ والضلال المنحرفين عن طريق الحق عتوا وعنادا أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ واحتالوا لإهلاك الأنبياء سيما معك يا أكمل الرسل ولم يخافوا أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ القادر الغالب على وجوه الانتقام بِهِمُ الْأَرْضَ كما خسفها على قارون أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ بغتة حال كونهم بائتين في مراقدهم مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ اماراته ومقدماته أصلا أَوْ يَأْخُذَهُمْ العذاب وهم فِي تَقَلُّبِهِمْ وتحركهم جائلين دائرين مترددين

стр. 427

فَما هُمْ حين اخذه وبطشه بِمُعْجِزِينَ مقاومين قادرين على دفع قهر الله وعذابه أَوْ يَأْخُذَهُمْ العذاب عَلى تَخَوُّفٍ وتنقص من أموالهم وأولادهم على سبيل التدريج الى ان يستأصلهم بالمرة فَإِنَّ رَبَّكُمْ ايها المجترئون على الله ورسوله المسيئون الأدب معهما لَرَؤُفٌ عطوف مشفق لا يعاجلكم بالعذاب رَحِيمٌ يمهلكم ويؤخر انتقامكم رجاء ان تتذكروا وتتعظوا أَيصرون ويستمرون أولئك المشركون المسرفون على الشرك والنفاق وَلَمْ يَرَوْا ولم ينظروا نظر عبرة واستبصار إِلى انقياد جميع ما خَلَقَ اللَّهُ وأظهره من كتم العدم إظهارا إبداعيا لحكمه وامره مِنْ شَيْءٍ من الأشياء يَتَفَيَّؤُا يميل وينقلب ظِلالُهُ بانقلاب الشمس وحركتها عَنِ الْيَمِينِ مرة وَالشَّمائِلِ اخرى على مقتضى اختلاف أوضاع الشمس حال كونهم سُجَّداً ساجدين متذللين واضعين جباحهم على تراب المذلة اطاعة وانقيادا لِلَّهِ الواحد الأحد المستقل بالالوهية والربوبية وَهُمْ في جميع حالاتهم وتقلباتهم داخِرُونَ صاغرون ذليلون خائفون من جلال الله وكبريائه مستوحشون عن سطوة قهره وبلائه وصولة استيلائه وَكيف يستكبرون أولئك المشركون المسرفون عن انقياد الله وأطاعته إذ لِلَّهِ لا لغيره من الاظلال الهالكة والتماثيل الباطلة يَسْجُدُ ويتذلل طوعا وطبعا عموم ما فِي السَّماواتِ وَكذا عموم ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ تتحرك وتخرج من العدم نحو الوجود بامتداد اظلال الأوصاف الإلهية وبرش رشحات زلال جود وجوده عليها وَلا سيما الْمَلائِكَةُ المهيمون المستغرقون في مطالعة جمال الله وجلاله وَهُمْ مع غاية قربهم وتنزههم عن العلائق المبعدة عن الله ونهاية تجردهم عن أوصاف الإمكان مطلقا لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عبادة الله وعن التذلل نحوه فكيف أنتم ايها الهلكى الغرقى المنغمسون في بحر الغفلة والضلال وانما يسجدون أولئك الساجدون المتذللون لأنهم يَخافُونَ رَبَّهُمْ القادر المقتدر على وجوه الانعام والانتقام من ان يرسل عليهم عذابا مِنْ فَوْقِهِمْ إذ هم مقهورون تحت قبضة قدرته وَلذلك يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ويجتنبون عما ينهون وَكيف لا تمتنعون عن اثبات الشركاء لله الواحد الأحد الفرد الصمد ايها المشركون المعاندون سيما بعد ما قالَ اللَّهُ عز شأنه وجل برهانه لا تَتَّخِذُوا ايها المكلفون بالإيمان والعرفان إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ مستحقين للعبادة والانقياد فكيف الزيادة بل إِنَّما هُوَ اى ليس في الوجود والشهود الا إِلهٌ واحِدٌ يعبد بالحق ويرجع نحوه في مطلق الوقائع والخطوب ويفوض اليه الأمور كلها وما هو الا انا المتصف بعموم أوصاف الكمال ونعوت الجلال والجمال فَإِيَّايَ لا الى غيرى من مخلوقاتي ومصنوعاتى الحاصلة من اظلال أسمائي وصفاتي فَارْهَبُونِ وخصوني بالخوف والرجاء وارجعوا نحوي عند هجوم البلاء وحلول القضاء إذ لا راد لقضائي الا فضلي وعطائي وَكيف لا يرجع اليه سبحانه ولا يستغاث منه مع ان لَهُ ملكا وتصرفا ومنه إبداء وإنشاء عموم ما ظهر فِي السَّماواتِ اى عالم الأسماء والصفات التي هي فواعل العلويات المفيضات المؤثرات وَكذا عموم ما في الْأَرْضِ اى عالم الطبيعة من الاستعدادات التي هي قوابل السفليات المتأثرات من العلويات وَايضا لَهُ لا لغيره من الأسباب والوسائل العادية الدِّينُ اى الإطاعة والانقياد والتوجه والرجوع واصِباً دائما حتما لازما جزما أَفَغَيْرَ اللَّهِ المحيط للكل احاطة شهود وحضور تَتَّقُونَ وتحذرون ايها الجاهلون بحق قدره مع انه لا ضار سواه ولا نافع غيره وَ

стр. 428

اعلموا ايها المجبولون على فطرة التكليف ان ما بِكُمْ وما وهب لكم ونسب إليكم مِنْ نِعْمَةٍ واصلة لكم نافعة لنفوسكم مسرة لقلوبكم فَمِنَ اللَّهِ المصلح لأحوالكم قد وصلت إليكم امتنانا عليكم وتفضلا إذ لا نافع الا هو ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ المشوش لنفوسكم القاسي لقلوبكم فَإِلَيْهِ ايضا لا الى غيره من الوسائل العادية تَجْئَرُونَ تتضرعون وتستغيثون ليدفع عنكم أذاكم إذ لا ضار ايضا الا هو ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ بعد استغاثتكم واستعانتكم ورجوعكم نحوه مع انه لا كاشف سواه إِذا فَرِيقٌ اى فاجاءت طائفة مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ الذي يدفع أذاهم ويكشف ضرهم يُشْرِكُونَ له غيره سيما من الأصنام والتماثيل العاطلة التي لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف لغيرهم وانما فعلوا ذلك وأشركوا لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من النعم ولم يقوموا بشكرها عنادا ومكابرة بل أسندوها الى ما لا شعور له أصلا ظلما وزورا وبالجملة فَتَمَتَّعُوا ايها المشركون بنا الكافرون لنعمنا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ما تكسبون لأنفسكم من العذاب المخلد والعقاب المؤبد والعجب كل العجب ينكرون بنا مع انا متصفون بجميع أوصاف الكمال منعمون عليهم بالنعم الجليلة الجزيلة وَيَجْعَلُونَ ويسندون نعمنا وانعامنا لِما لا يَعْلَمُونَ أولئك الحمقى اى لآلتهم العاطلة التي لا يعلمون ولا يفهمون منها حصول الفائدة لهم وجلب النفع إليهم أصلا إذ هي جمادات قد نحتوها بأيديهم نَصِيباً اى حظا كاملا مِمَّا رَزَقْناهُمْ وسقنا نحوهم جهلا وعنادا ومع ذلك خيلوا انهم لا يسألون عنه ولا يؤاخذون عليه بل يثابون به على زعمهم الفاسد ورأيهم الكاسد تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ ايها المسرفون المفسدون عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ علينا بإثبات الشركاء إيانا واسناد نعمنا إليهم افتراء ومراء وَمن جملة مفترياتهم بالله المنزه عن الأشباه والأولاد انهم يَجْعَلُونَ ويثبتون لِلَّهِ الْبَناتِ حيث يقولون الملائكة بنات الله مع انهم يكرهونها لأنفسهم هذه سُبْحانَهُ قد تنزه ذاته وتعالى شأنه عما يقولون علوا كبيرا وَلَهُمْ اى يثبتون لأنفسهم ما يَشْتَهُونَ من البنين وَالحال انهم إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى وبولادتها له قد ظَلَّ صار وَجْهُهُ مُسْوَدًّا اى اسود فاحما من غاية الحزن والكراهة وَهُوَ حينئذ كَظِيمٌ مملو من الغيظ والبغض على الزوجة والوليدة بل على الله ايضا وصار من شدة الغم والهمّ بحيث يَتَوارى ويستتر مِنَ الْقَوْمِ استحياء مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ اى بالوليدة المبشر بها ويتردد في أمرها أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ اى هوان ومذلة أَمْ يَدُسُّهُ ويخفيه فِي التُّرابِ غيرة وحمية أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ لأنفسهم ما يشتهون ولله المنزه عن الولد ما يكرهون ثم قال سبحانه لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ المعدة لعرض الأعمال على الله والجزاء منه على مقتضاها مَثَلُ السَّوْءِ في حق الله المنزه عن الأهل والولد سيما نسبتهم اليه ما يستقبحه نفوسهم من اثبات البنات له تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا بل وَلِلَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المستقل بالالوهية والربوبية المتفرد بالوجود القيومية الْمَثَلُ الْأَعْلى الذي هو الغنى عن العالم وما فيه فكيف الزواج والإيلاد اللذين هما من أقوى اسباب الإمكان المنافى للوجوب الذاتي الذي هو من لوازم الألوهية والربوبية كيف وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب المتفرد المنيع ساحة عزه عن الاحتياج الى غيره مطلقا فكيف الى الزوجة والولد الْحَكِيمُ المتصف بكمال الحكمة المتقنة البالغة كيف يختار لذاته ما لا يخلو عن وصمة النقصان. ثم قال سبحانه وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ الحكيم المتقن في أفعاله النَّاسَ الناسين عهود العبودية بمقتضى

стр. 429

عدله وانتقامه بِظُلْمِهِمْ ومعاصيهم الصادرة عنهم دائما ما تَرَكَ عَلَيْها اى على وجه الأرض مِنْ دَابَّةٍ ذي حركة تتحرك عليها إذ ما من متحرك الا وينحرف عن جادة العدالة كثيرا وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ ويمهلهم على مقتضى فضله ولطفه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قد سماه الله اى قدره وعينه في حضرة علمه لموتهم فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ المسمى المبرم المقضى به لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ اى لا يسع لهم الاستقدام والاستئخار بل لا بدّ وان يموتوا فيه حتما مقضيا وَايضا من خبث بواطنهم وقسوة قلوبهم يَجْعَلُونَ وينسبون لِلَّهِ المنزه عن الأنداد والأولاد ما يَكْرَهُونَ ويستقبحون لنفوسهم وهو اثبات البنات له سبحانه وَمع ذلك تَصِفُ وتقول أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ تصريحا وتنصيصا أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى اى بان لهم المثوبة العظمى والدرجة العليا عند الله بل لا جَرَمَ اى حقا عليهم جزما حتما من أَنَّ لَهُمُ النَّارَ اى جزاءهم مقصور على النار وهم مخلدون فيها ابدا وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ في العذاب مقدمون على عموم العصاة الطغاة الداخلين في النار المجزيين بها لاستكبارهم على الله ورسله تَاللَّهِ يا أكمل الرسل لَقَدْ أَرْسَلْنا رسلا إِلى أُمَمٍ قد مضوا مِنْ قَبْلِكَ حين نشأ الجدال والمراء بينهم فانحرفوا عن جادة الاعتدال وقد أيدنا الرسل بالكتب المبينة لطريق العدالة والاستقامة فبينوا لهم على ابلغ وجه فَزَيَّنَ وحسن لَهُمُ الشَّيْطانُ المضل المغوى أَعْمالَهُمْ التي قد كانوا عليها فاصروا على أعمالهم فلم يقبلوا قول الأنبياء فكذبوهم وأنكروا عليهم لذلك نزل عليهم من العذاب ما نزل في الدنيا وسينزل في الآخرة بأضعافه وآلافه فَهُوَ اى الشيطان وَلِيُّهُمُ ومتولى أمورهم اى لهؤلاء المستخلفين عنه الْيَوْمَ لذلك لم يقبلوا قولك ولم يسمعوا بيانك بل قد أصروا واستمروا على ما عليه أسلافهم من الغواية والضلال وَلَهُمْ ايضا مثل أسلافهم بل أشد منهم عَذابٌ في النشأة الاولى والاخرى أَلِيمٌ مؤلم أشد إيلام إذ أنت أفضل من الأنبياء الماضين وبيانك وتبليغك أكمل من بيان سائر الأنبياء وتبليغهم وَما أَنْزَلْنا من مقام فضلنا وجودنا عَلَيْكَ يا أكمل الرسل الْكِتابَ الجامع لما في الكتب السالفة مع زيادات قد خلت عنها تلك الكتب إِلَّا لِتُبَيِّنَ وتوضح لَهُمُ اى للناس الأمر الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ألا وهو التوحيد الذاتي واحوال النشأة الاخرى والمكاشفات والمشاهدات الواقعة فيها وَقد أنزلناه ايضا هُدىً هاديا يهديهم الى التوحيد ببيان براهينه وحججه الموصلة اليه بالنسبة الى ارباب المعاملات والمجاهدات من الأبرار السائرين الى الله بارتكاب الرياضات القالعة لدرك الإمكان ورين التعلقات وَرَحْمَةً اى كشفا وشهودا بالنسبة الى المجذوبين المنجذبين نحو الحق المنخلعين عن جلباب ناسوتهم بغتة بلا صنع صدر عنهم وامر ظهر منهم بل قد جذبهم الحق عن بشريتهم وبدلهم تبديلا كل ذلك لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ويوقنون بتوحيد الله وبصفاته الذاتية ويتأملون في آثاره ومصنوعاته تأملا صادقا ويعتبرون منها اعتبارا حقا الى ان ينكشفوا ويفوزوا بما يفوزوا وينالوا بما ينالوا وليس وراء الله مرمى ومنتهى وَاللَّهُ الهادي لعباده الى زلال وحدته قد أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ اى من عالم الأوصاف والأسماء ماءً اى معارف وحقائق وعلوما لدنية فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ اى الطبيعة الهيولانية بَعْدَ مَوْتِها اى بعد كونها عدما صرفا ولا شيأ محضا فاتصفت هي أولا بالعلوم والإدراكات الجزئية وترقت منها متدرجة الى ان وصلت الى مرتبة التوحيد المسقط للاضافات مطلقا إِنَّ فِي ذلِكَ التبيين والتذكير لَآيَةً دلائل وشواهد

стр. 430

قاطعة دالة على توحيد الحق لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سمع قبول وتأمل وتدبر وَإِنَّ لَكُمْ ايضا ايها المتأملون المتدبرون فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً واعتبارا لو تعتبرون بها وتتفكرون فيها حق التفكر والتدبر لانكشفتم بعجائب صنعتنا وكمال قدرتنا ومتانة حكمتنا وحيطة علمنا وارادتنا إذ نُسْقِيكُمْ ونشربكم مِمَّا فِي بُطُونِهِ اى في بطون بعض الانعام مستخرجا مستحدثا مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ اى اخلاط وفضلات متكونة في كرشها وَدَمٍ نجس سار سائل في الشرايين والعروق لَبَناً طاهرا خالِصاً صافيا عن كدورات كلا الطرفين بحيث لا يشوبه شيء منهما لا من لون الدم ولا من ريح الفرث سائِغاً سهل المرور والانحدار هنيئا مريئا لِلشَّارِبِينَ بلا تعسر لهم في شربه وبلا كلفة في سوغه وانحداره وَنسقيكم ايضا ايها المعتبرون مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ بحيث تَتَّخِذُونَ مِنْهُ اى من عصير كل منهما سَكَراً خمرا يترتب على شربه السكر وهو وان كان حراما شرعا الا انه تدل على عجائب صنع الله وغرائب مبدعاته ومخترعاته وَايضا تتخذون من كل منهما رِزْقاً حَسَناً كالتمر والزبيب والدبس والخل وانواع الأدم إِنَّ فِي ذلِكَ الاتخاذ لَآيَةً دالة على كمال قدرة الله وحكمته لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم بالنظر والتفكر في عجائب آلاء الله وغرائب نعمائه كي يتفطنوا الى وحدة ذاته وَمن جملة المبدعات والمخترعات التي تجب العبرة والاعتبار عنها انه قد أَوْحى والهم رَبُّكَ يا أكمل الرسل إِلَى النَّحْلِ الضعيف المنحول المستحقر إظهارا لكمال قدرته وحكمته أَنِ اتَّخِذِي اى بان اتخذى. أنثها باعتبار المعنى وان كان لفظ النحل مذكرا مِنَ شقوق الْجِبالِ بُيُوتاً تأوين إليها وَكذا مِنَ شقوق الشَّجَرِ في الآجام وَكذا مِمَّا يَعْرِشُونَ ويبنون لك من الابنية والأماكن واصنعي فيها بالهام الله إياك بيوتات من الشمعة المتخذة من انواع الأزاهير والنباتات التي لا علم لاحد بتعديدها وإحصائها ونضدها ونظمها وتأليفها واجزائها الا لعلام الغيوب كلها مسدسات متساويات الأضلاع والزوايا بحيث لا تفاوت بين أضلاعها وزواياها أصلا فأخذها ورتبها ترتيبا انيقا بحيث قد عجز عن تصويرها حذاق المهندسين فكيف عن لميتها وكنهها ثُمَّ بعد ما تم بناؤك كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ التي قد الهمناك بأكلها فَاسْلُكِي في اتخاذ العسل منها سُبُلَ رَبِّكِ اى السبل التي قد ألهمك وعلمك ربك بسلوكها على وجهها بلا انحراف واعوجاج ذُلُلًا حال كونك مسخرة في حكمه بلا تصرف صدر عنك ثم لما عملت بمقتضى ما اوحيت وألهمت يَخْرُجُ لكم ايها المكلفون بالإيمان والعرفان مِنْ بُطُونِها اى من بطون تلك البيوتات المسدسة شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ابيض واسود واخضر واصفر فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ عن الأمراض البلغمية بالأصالة وعن غيرها بالتبعية إِنَّ فِي ذلِكَ الإلهام والوحى والخطاب على النحل المنحول الضعيف بأوامر قد عجزت عنها فحول العقلاء الكاملين في القوة النظرية والعملية وامتثالها وصنعها على الوجه المأمور بلا فوت شيء منها لَآيَةً اى دليلا واضحا وبرهانا قاطعا لائحا على قدرة القادر العليم والصانع الحكيم الذي قد ألهمها ما ألهمها وأوحاها ما أوحاها لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ويتدبرون في الأمور ويتعمقون فيها متدبرين في إنيتها كي تصلوا الى لميتها. ثم قال سبحانه وَاللَّهُ القادر المقتدر للإحياء والاماتة خَلَقَكُمْ وأظهركم من كتم العدم حسب لطفه وجماله إظهارا إبداعيا وإيجادا اختراعيا مقدرا مدة معينة لبقائكم في النشأة الاولى ثُمَّ بعد

стр. 431

انقضاء المدة المقدرة يَتَوَفَّاكُمْ يميتكم ويفنيكم حسب قهره وجلاله وَمِنْكُمْ مَنْ يقدر لبقائه في هذه النشأة مدة متطاولة بحيث يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وأسوئه واخسه ويصل الى مرتبة الخرف لِكَيْ لا يَعْلَمَ ويفهم سيما بَعْدَ تعلق عِلْمٍ منه بمعلوم مخصوص معين شَيْئاً من احوال ذلك المعلوم المعين يعنى يرجع الى رتبة الطفولية بعد كمال العقل وانما رده سبحانه الى تلك الحالة إظهارا للقدرة الكاملة وتذكيرا وعظة وعبرة للناس وتخويفا لهم لئلا يطلبوا من الله طول الاعمار وبعد الآجال ومع ذلك يطلبون ويقترحون وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المدبر لأمور عباده عَلِيمٌ بمصالحهم ومفاسدهم قَدِيرٌ مقتدر مقدر للاصلح لهم تفضلا عليهم وامتنانا وَاللَّهُ المقدر لمصالحكم ايها المكلفون قد فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ بان قدر للبعض غنى وللبعض فقرا وللبعض كفاية حسب تفاوت مراتبهم واستعداداتهم في علم الله ولوح قضائه ومن موائد كرمه ايضا قدر البعض مالكا للبعض والبعض مملوكا له فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بسعة الرزق والبسطة من الموالي والملاك بِرَادِّي رِزْقِهِمْ اى بعض ما رزقهم الله عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من المماليك بحيث لا يقدر للمماليك في قسمة الله رزقهم بل فَهُمْ اى المماليك والموالي فِيهِ اى في تقدير الرزق وقسمته سَواءٌ اى كما قدر سبحانه للملاك قدر للمماليك ايضا غاية ما في الباب ان الرزق المقدر للمماليك انما يصل إليهم من يد الموالي والملاك وبإقامتهم واخلافهم أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ينكرون ويكفرون باسناد أرزاق المماليك الى الموالي لا الى الله الرازق لجميع العباد وَاللَّهُ المدبر المصلح لأحوال عباده قد جَعَلَ لَكُمْ تفضلا عليكم مِنْ أَنْفُسِكُمْ اى من جنسكم وبنى نوعكم أَزْواجاً نساء تستأنسون بهن وتستنسلون منهن وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ ليخلفوا منكم ويحيوا اساميكم وَايضا جعل لكم من أبناءكم وبناتكم حَفَدَةً يسرعون الى خدمتكم وطاعتكم وَبالجملة قد رَزَقَكُمْ الله تفضلا عليكم وامتنانا مِنَ الطَّيِّباتِ المقوية المقومة لأمزجتكم وأبنيتكم لتواظبوا على طاعة الله وتداوموا الميل الى جنابه وتلازموا حول بابه شاكرين على نعمه أَتتركون متابعة الحق الحقيق بالتبعية الا وهو القرآن المعجز والرسول المبين له فَبِالْباطِلِ الذي هو الأصنام والأوثان يُؤْمِنُونَ يصدقون ويعبدون وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ المنعم المكرم بأنواع النعم والكرم هُمْ يَكْفُرُونَ حيث صرفوها الى خلاف ما أمروا بصرفها إذ إعطاء النعم إياهم انما هو لتقوية طاعة الله وكسب معارفه وحقائقه لا لعبادة الأصنام والأوثان الباطلة وَهم من خباثة بواطنهم وكفرانهم نعم الله يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ المالك لازمة الأمور الجارية في خلال الأزمان والدهور ما اى أصناما وأوثانا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً لا معنويا روحانيا فائضا مِنَ السَّماواتِ اى عالم الأسماء والصفات بمقتضى الجود الإلهي وَلا رزقا صوريا جسمانيا مقويا مقوما لاكتساب المعارف الروحانية مستخرجا من الْأَرْضِ اى عالم الهيولى والطبيعة شَيْئاً وَكيف هم لا يَسْتَطِيعُونَ ولا يملكون لأنفسهم شيئا فكيف لغيرهم فَلا تَضْرِبُوا ايها الجاهلون بقدر الله وعلو شأنه لِلَّهِ المنزه عن الأنداد والأشباه مطلقا الْأَمْثالَ إذ لا مثل له يماثله ولا شبه له يشابهه ولا كفو له يكافي معه فكيف يشاركون له دونه إِنَّ اللَّهَ المطلع لعموم الكوائن والفواسد يَعْلَمُ بعلمه الحضوري جميع أحوالكم واحوال معبوداتكم وعموم ما جرى عليكم وعليهم وَأَنْتُمْ

стр. 432

ايها الغافلون الجاهلون بحق قدره لا تَعْلَمُونَ منه شيأ فكيف تضربون له مثلا بل قد ضَرَبَ اللَّهُ العالم بعموم السرائر والخفايا مَثَلًا لنفسه ولمن اثبت المشركون له سبحانه شريكا من الأصنام والأوثان حيث مثل سبحانه شركاءهم عَبْداً مَمْلُوكاً رقيقا لا مكاتبا بحيث لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من التصرف في مكاسبه بغير اذن مولاه وَمثل نفسه سبحانه مَنْ رَزَقْناهُ اى بمن قد رزقناه مِنَّا يعنى بالاحرار المحسنين لأرقائهم من أموالهم التي وهبها الله لهم تفضلا وإحسانا رِزْقاً حَسَناً حلالا وافرا فَهُوَ يُنْفِقُ ويتصرف مِنْهُ اى من رزقه وكسبه سِرًّا بحيث لا يطلع لإنفاقه احد حتى الفقراء المعطون المستحقون وَجَهْراً على رؤس الملأ هَلْ يَسْتَوُونَ هؤلاء الأحرار المتصرفون في أموالهم بالاستقلال والاختيار وأولئك العبيد المعزولون عن التصرف رأسا الْحَمْدُ لِلَّهِ على ما أعطانا عقلا نجزم به عدم المساواة بين الفريقين ونميز به الحق عن الباطل والهداية عن الضلال بَلْ أَكْثَرُهُمْ لانهماكهم في الغي والضلال لا يَعْلَمُونَ الفرق بين كلا الفريقين لعدم صرفهم نعمة العقل المفاض لهم الى ما خلق لأجله الا وهو العلم بالامتياز المذكور وَضَرَبَ اللَّهُ ايضا مَثَلًا لنفسه ولتلك المعبودات الباطلة فقال مثلنا ومثلهم مثل رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ اخرس وأصم في اصل الخلقة بحيث لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من التفهم والتفهيم لا لنفسه ولا لغيره وَكيف يقدر على النفع للغير إذ هُوَ في نفسه كَلٌّ ثقل وعيال عَلى مَوْلاهُ حافظه ومتولى أموره ساقط عن خدمته معطل عن المعاونة والمظاهرة مطلقا بحيث أَيْنَما يُوَجِّهْهُ يصرفه ويرسله لطلب المهام لا يَأْتِ بِخَيْرٍ نجح ونيل وهذا مثل الأصنام العاطلة الكليلة التي لا خير فيها أصلا وبالجملة هَلْ يَسْتَوِي ايها العقلاء المميزون هُوَ اى هذا الموصوف بالأوصاف المذكورة وَمَنْ هو منطيق فصيح معرب يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وينال بالخير والحسنى أينما توجه بنفسه او يوجهه الآخر وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مائل عن كلا طرفي الإفراط والتفريط المذمومين وهذا مثل لله الواحد الأحد الفرد الصمد المتصرف المطلق المستقل في ملكه بالإرادة والاختيار. ثم أشار سبحانه الى علو شأنه وسمو برهانه وتخصصه باطلاع المغيبات التي لا اطلاع لاحد من عباده عليها الا باطلاعه فقال وَلِلَّهِ خاصة واستقلالا غَيْبُ السَّماواتِ وما فيها من جنود الحق ومصنوعاته وَكذا غيب الْأَرْضِ وما عليها ايضا من جنود لا اطلاع لاحد منا عليها وَاعلموا ايها المكلفون المترددون في قيام الساعة ما أَمْرُ السَّاعَةِ الموعودة وما قصة وقوعها وقيامها بالنسبة الى قبضة قدرته الغالبة إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ اى مثل رجع الطرف من أعلى الحدقة الى أسفلها في الدنوّ والقرب أَوْ هُوَ أَقْرَبُ بل هو ادنى واقرب من رجع الطرف إذ فيه الآن متحقق وفي سرعة نفوذ القضاء الإلهي بعد تعلق ارادته الآن موهوم مخيل إذ لا تراخى بين الأمر الإلهي ووقوع المأمور المراد له الا وهما كما مر في تفسير قوله كن فيكون وبالجملة لا تستبعدوا عن الله أمثال هذا إِنَّ اللَّهَ المتصف بجميع أوصاف الكمال عَلى كُلِّ شَيْءٍ داخل في حيطة حضرة علمه وقدرته قَدِيرٌ لا ينتهى قدرته دون مقدور أصلا وَكيف ينتهى قدرته سبحانه عن مقدوره إذ اللَّهُ المبدئ المبدع قد أَخْرَجَكُمْ وأظهركم أولا مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ وأنتم حينئذ خالون عن مطلق الإدراك بحيث لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً من المعلومات أصلا وَجَعَلَ وهيأ لشعوركم ودرككم أسبابا وأدوات تعلمون بها أنواعا من العلوم حيث هيأ لَكُمُ السَّمْعَ

стр. 433

لإدراك المسموعات الجزئية وَالْأَبْصارَ لإدراك المبصرات الجزئية وَالْأَفْئِدَةَ لإدراك الكليات والجزئيات والمناسبات والمباينات الواقعة بين العلوم والإدراكات كل ذلك قد صدر عنه سبحانه بمقتضى القدرة والارادة الإلهية لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رجاء ان تشكروا وتعدوا نعم منعمكم عليكم في شئونكم وتطوراتكم وتواظبوا على شكرها كي تعرفوا ذاته سبحانه وتتوجهوا نحوه أَلَمْ يَرَوْا وينظروا إِلَى جنس الطَّيْرِ كيف صارت مُسَخَّراتٍ مذللات للطيران والسيران بريشات واجنحة منتشرة فِي جَوِّ السَّماءِ في الهواء المتباعد عن الأرض ما يُمْسِكُهُنَّ بلا علاقة ودعامة إِلَّا اللَّهُ المتفرد بالقدرة التامة الكاملة الباعثة عن صدور أمثال هذه المقدورات وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الإمساك العجيب والشأن الغريب لَآياتٍ ودلائل قاطعات على كمال علم الله ومتانة قدرته وارادته لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بوحدة الحق ويعتقدون اتصافه بعموم أوصاف الكمال وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ اى من جملة مقدوراته المتعلقة بأمور معاشكم انه قد جعل لكم مِنْ بُيُوتِكُمْ التي أنتم قد بنيتم بأيديكم باقدار الله وتمكينه وتعليمه إياكم سَكَناً ومسكنا تسكنون أنتم فيه كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر والآجر والخشب وَجَعَلَ لَكُمْ ايضا مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها تحملونها وتنقلونها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ سفركم وترحالكم من مكان الى مكان وَكذا يَوْمَ إِقامَتِكُمْ وحضركم وَقد جعل لكم ايضا مِنْ أَصْوافِها هي للضأن والغنم وَأَوْبارِها هي للإبل وَأَشْعارِها هي للمعز أَثاثاً اى ما يلبس ويفرش وَصار ذلك مَتاعاً وتمتيعا لكم تتمتعون به إِلى حِينٍ ومدة متطاولة من الزمان وَاللَّهُ قد جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ من الابنية والأشجار ظِلالًا تتفيئون وتستظلون بها من حر الشمس وَجَعَلَ لَكُمْ ايضا مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً كهوفا وثقوبا تسكنون أنتم فيها لدفع البرد والحر وَقد جَعَلَ لَكُمْ ايضا سَرابِيلَ أثوابا واكسية متخذة من الصوف والقطن والكتان والحرير وغيرها تَقِيكُمُ الْحَرَّ اى تحفظكم من شدة الحرارة وَسَرابِيلَ اى الدروع والجواشن والسربالات تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ عند الحرب والقتال كَذلِكَ اى مثل ما ذكر من انواع النعم يُتِمُّ نِعْمَتَهُ الفائضة عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ تنقادون وتطيعون وتسلمون أموركم كلها اليه سبحانه وتتخذونه وكيلا كفيلا فَإِنْ تَوَلَّوْا انصرفوا واعرضوا عن حكم الله بعد ما قد تلوت عليهم يا أكمل الرسل ما تلوت من أوامر الله وحكمه وأحكامه ولم تقبلوا منك كلمة الحق لا تبال بهم وباعراضهم فَإِنَّما عَلَيْكَ وما أمرك وليس في وسعك وطاقتك الا الْبَلاغُ الْمُبِينُ والتبليغ الواضح فقد بلغت وأوضحت وعلينا الحساب والجزاء بالعذاب والعقاب وكيف لا يحاسبون ولا يعاقبون أولئك المشركون المكابرون إذ هم يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ التي قد عددها وهيأها لهم ثُمَّ يُنْكِرُونَها من خبث بواطنهم بحيث أسندوها الى شركائهم وشفعائهم وَبالجملة أَكْثَرُهُمُ اى عرفاؤهم وعقلاؤهم الذين يعرفون النعمة والمنعم ثم ينكرون انعامه ويسندونها الى شركائهم وكذا اتباعهم وضعفاؤهم في العقل والتمييز كلهم أصلا وفرعا تابعا ومتبوعا هم الْكافِرُونَ الجاحدون المنكرون الله وانعامه المقصورون على الكفر والشقاق يجازون على مقتضى جحودهم وانكارهم وَاذكر يا أكمل الرسل يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً الا وهو نبيهم القائم بأمرهم المشرف الناظر بحالهم من قبل الحق ليشهد لهم او عليهم بالإيمان او الكفر يوم العرض والجزاء

стр. 434

ثُمَّ اى بعد شهادة شهدائهم لهم او عليهم لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعنى لا يمهلون يومئذ لاعتذار ولا يقبل منهم الاعذار ان اعتذروا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ من العتبى وهي الرضا بالعتاب ليبثوا به ويبسطوه يعنى لا يسمع منهم الاعتذار مطلقا ولا يرضى منهم بالاعتاب «١» أصلا بل يعذبون حتما وَاذكر يا أكمل الرسل إِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالعرض على المهالك بالخروج عن حدود الله الموضوعة فيهم الْعَذابَ الموعود لهم بالسنة الرسل والكتب فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ يعنى تيقنوا وتحققوا حينئذ ان لا مخلص لهم منه ولا يخفف عنهم ايضا بشفاعة احد وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ويمهلون ليتداركوا ما فوتوا من الايمان والإطاعة مع انقضاء زمان التدارك والتلافي وَاذكر يا أكمل الرسل ايضا وقت إِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ حين أيسوا وقنطوا من شفاعتهم ومعاونتهم وقد عاينوا انهم هلكى أمثالهم قالُوا حينئذ متضرعين الى الله نادمين رَبَّنا يا من ربانا بأنواع اللطف والكرم فكفرنا بك وبنعمك وأنكرنا بأوامرك ونواهيك الجارية على السنة كتبك ورسلك هؤُلاءِ الهلكى الغاوون شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ عنادا ومكابرة وبواسطة هؤلاء الضلال الحمقى قد رددنا قول أنبيائك ورسلك وكتبك ثم لما سمع شركاؤهم منهم قولهم هذا فَأَلْقَوْا وأجابوا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ ما تدعون وما تعبدون ايها الضالون الظالمون المغرورون الا اهويتكم وأمانيكم إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ مقصورون على الكذب والزور في دعوى اطاعتنا وعبادتنا وَحين اضطر أولئك المشركون الضالون أَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ اى أظهروا الاستسلام والانقياد وما ينفعهم حينئذ انقيادهم وتسليمهم سيما بعد تعنتهم واستكبارهم في النشأة الاولى والحال انه قد انقضى وقت التدارك والتلافي وَضَلَّ عَنْهُمْ وخفى عليهم واضمحل عن قلوبهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ لشركائهم من الشفاعة لدى الحاجة حين تبرؤا منهم وكذبوهم. ثم قال سبحانه الَّذِينَ كَفَرُوا واعرضوا عن الحق بأنفسهم وَمع ذلك قد صَدُّوا ومنعوا ضعفاء الأنام عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الموصل الى توحيده ألا وهو الشرع الضريف المصطفى لذلك زِدْناهُمْ في النشأة الاخرى بسبب ضلالهم واضلالهم عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ في أنفسهم ويأمرون غيرهم ايضا بالفساد وَاذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وبنى نوعهم وهو نبيهم ورسولهم الذي أرسل إليهم من لدنا وَجِئْنا بِكَ يا أكمل الرسل حينئذ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ الغواة البغاة الطغاة المنهمكين في بحر الاعراض والإضلال وَالحال انا قد نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ المشتمل لفوائد جميع الملل والأديان والكتب والصحف وجعلناه تِبْياناً موضحا مفصلا لِكُلِّ شَيْءٍ يحتاج اليه في امور الدين من الشعائر والأركان والاحكام والآداب والأخلاق والمندوبات والمحظورات والمواعظ والتذكيرات والقصص التي يعتبر منها المعتبرون المسترشدون هذا بالنسبة الى عوام المؤمنين وَقد جعلناه ايضا هُدىً هاديا الى معارف وحقائق يهديهم الى طريق التوحيد المنجى عن غياهب التقليدات والتخمينات بالنسبة الى خواصهم وَقد جعلناه ايضا رَحْمَةً اى كشفا وشهودا مترتبا على الجذبة والخطفة والخطرة بالنسبة الى خواص الخواص وَبالجملة ما هو في نفسه الا بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ المنقادين لله بسرائرهم وظواهرهم مفوضين أمورهم كلها اليه بلا تلعثم وتذبذب وكيف لا يسلمون ولا يفوضون إِنَّ اللَّهَ المدبر لمصالح عباده يَأْمُرُ عباده أولا بِالْعَدْلِ اى بالقسط والاعتدال في عموم الأفعال والأقوال

стр. 435

والشئون والأطوار وَالْإِحْسانِ ثانيا لأنهم ما لم يعتدلوا ولم يستقيموا لم يتأت لهم التخلق بأخلاق الله التي هي كمال الإحسان والعرفان وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ثالثا اى إيصال ما حصل لهم من المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات الى مستحقيهم من ذوى القربى من جهة الدين المتوجهين نحو الحق عن ظهر القلب الراغبين اليه بمحض المحبة والوداد المتعطشين الى زلال توحيده لأنهم ما لم يتمكنوا ولم يتقرروا في مرتبة الإحسان لم يتأت منهم الاستكمال والاسترشاد وكما يرغب سبحانه عباده بموجبات الايمان والتوحيد ومعظمات أصوله وأركانه ينفرهم ايضا عن غوائله ومهلكاته ومغوياته فقال وَيَنْهى أولا عَنِ الْفَحْشاءِ اى افراط القوة الشهوية الموجبة لرذالة النفس وسقوطها عن جادة المروءة والعدالة المقتضية للتخلق بالأخلاق المرضية الإلهية وخروجها عن الحدود الشرعية الموضوعة لحفظ حكمة الزواج والتناسل بمتابعة القوى البهيمية الناشئة من طغيان الطبيعة الهيولانية الناسوتية المنافية لصفاء القوى الروحانية اللاهوتية وَعن الْمُنْكَرِ ثانيا إذ كل من ركب على جموح القوة الغضبية وأخذ سيف الهذيانات المثيرة لانواع الفتن والبليات بيده وعمل بمقتضاها ونبذ الحلم والترحم وراء ظهره فهو بمراحل عن رتبة الإحسان بل لا يرجى منه سوى الخذلان والخسران وَعن الْبَغْيِ ثالثا إذ كل من تمكن وتمادى بمقتضى كلتا القوتين الشهوية والغضبية فقد سقط عنه المروة والعدالة اللتين هما من أقوى اسباب الكمال المستلزم للإرشاد والتكميل وبعد ما سقطتا عنه فقد استكبر على خلق الله وتجبر وبغى وظلم فقد استحق اللعن والطرد الا لعنة الله على الظالمين وبالجملة انما يَعِظُكُمْ الله المصلح لأحوالكم بما يعظكم لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ رجاء ان تتعظوا وتمتثلوا بما أمرتم وتجتنبوا عما نهيتم كي تصلوا الى صفاء مشرب التوحيد المسقط لعموم المنافرات المترتبة على مطلق الإضافات وَمن علامة اتعاظكم وتذكركم الوفاء بالعهود والمواثيق أَوْفُوا ايها المجبولون على فطرة العدالة بِعَهْدِ اللَّهِ وميثاقه الذي قد عهدتم مع الله بالسنة استعداداتكم في مبدأ فطرتكم وايضا بمطلق العهود والمواثيق إِذا عاهَدْتُمْ مع إخوانكم وبنى نوعكم وَكذا لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ الجارية على السنتكم في الوقائع والخطوب سيما بَعْدَ تَوْكِيدِها وتغليظها وَكيف تنقضونها إذ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ المراقب عَلَيْكُمْ كَفِيلًا وكيلا ضمينا لتلك البيعة والعهد بذكر اسمه فيها إِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائركم ومخايلكم يَعْلَمُ بعلمه الحضوري عموم ما تَفْعَلُونَ من نقض الايمان والمواثيق واماراتها الدالة على نقضها وَبعد ما قد علم الله منكم جميع ما فعلتم ونقضتم من الايمان والعهود عليكم ان لا تَكُونُوا في النقض وعدم الوثوق كَالَّتِي اى كالمراة التي قد نَقَضَتْ وفتت غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ اى بعد ما غزلتها وفتلتها قوية محكمة ثم نقضتها أَنْكاثاً وفتتها تفتيتا بلا غرض يترتب على نقضها سوى الجنون والخرق فأنتم كذلك في نقضكم الايمان الوثيقة بذكر الله بلا غرض يتعلق بنقضها سوى انكم تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ ونقضها دَخَلًا خديعة ومكيدة واقعة بَيْنَكُمْ محفوظة عندكم الى أَنْ تَكُونَ وتقع أُمَّةٌ قوية هِيَ أَرْبى أقوى وأزيد عدد او عددا مِنْ أُمَّةٍ اخرى ضعيفة أنتم تحلفون معهم فتنقضون حلف الامة الضعيفة وتتبعون القوية بعد نقض العهد واليمين وما هذا الا مكر وخديعة مع الله ومع عباده وبالجملة إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ ويختبركم بِهِ اى بازدياد الامة القوية كي يظهر أتمسكون ايمانكم أم تنفضونها وَلَيُبَيِّنَنَّ ويوضحن لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فيثيبكم الله يومئذ بالوفاء والإيفاء او يفضحكم ويعاقبكم بالنقض وَبالجملة لَوْ شاءَ اللَّهُ الحكيم العليم القدير على عموم المقدورات

стр. 436

والمرادات هدايتكم جميعا لَجَعَلَكُمْ وخلقكم أُمَّةً واحِدَةً مقتصدة متفقة على الهداية والرشد وَلكِنْ حكمته تعالى تقتضي خلاف ذلك ولهذا يُضِلُّ عن جادة هدايته مَنْ يَشاءُ من عباده بمقتضى قهره وجلاله وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ منهم حسب لطفه وجماله وَبالجملة لَتُسْئَلُنَّ أنتم ولتحاسبن كل منكم يوم العرض والجزاء عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى عن عموم أعمالكم خيرا كان او شرا وَبعد ما أشار سبحانه الى قبح المكر والخديعة سيما بعد التوكيد باليمين والحلف ترويجا لما في أنفسهم من الظلم والعدوان صرح بالنهى تأكيدا ومبالغة ليحترز المؤمنون عن أمثاله فقال لا تَتَّخِذُوا ايها المؤمنون أَيْمانَكُمْ ومواثيقكم دَخَلًا مفسدة مبطنة مخفية بَيْنَكُمْ ترويجا لكذبكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ اى ان فعلتم كذلك واتصفتم بهذه الخصلة المذمومة قد تزل وتزلق قدم كل منكم عن شعائر الدين وجادة الايمان والتوحيد سيما بَعْدَ ثُبُوتِها واستقرارها فيها وَتَذُوقُوا السُّوءَ والعذاب في النشأة الاولى بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى بسبب ميلكم وانحرافكم عن طريق الحق الذي هو الوفاء بالعهود والمواثيق وَلَكُمْ بسبب ارتكاب هذا المنهي عَذابٌ عَظِيمٌ في النشأة الاخرى بأضعاف ما في الاولى وآلافه وَايضا لا تَشْتَرُوا ولا تستبدلوا ولا تأخذوا ايها المؤمنون بِعَهْدِ اللَّهِ اى بنقض عهده والارتداد عن دينه ثَمَناً قَلِيلًا من حطام الدنيا على سبيل الرشى إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ لوفائكم بعهده وثباتكم على دينه من اجر عظيم اخروى هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وانفع لبقائه وعدم زواله ودوام لذته إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ خيريته لاخترتموه البتة وكيف لا يكون ما عند الله خيرا لكم إذ ما عِنْدَكُمْ من حطام الدنيا ومزخرفاتها يَنْفَدُ يزول ويضمحل وَما عِنْدَ اللَّهِ من اللذات الاخروية والمعارف اليقينية باقٍ لا يزال بقاء ابديا سرمديا الى ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله. ثم قال سبحانه وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا على ما فوتوا من الامتعة الفانية والاعراض الدنية الدنياوية بسبب ثباتهم وتقررهم على الأمور الأخروية ولم ينقضوا العهود والمواثيق المتعلقة بالدين القويم وبالجملة لم يستبدلوا الأعلى الباقي بالأدنى الفاني والآجل الدائم بالعاجل الزائل الزائغ وقد لحقهم بسبب ذلك ما لحقهم من المحن والشدائد العاجلة وضاع عنهم ما ضاع من لذاتها وشهواتها فصبروا على جميعها ولأعطيناهم أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يعنى لنجزينهم ونثيبنهم بجزاء احسن وأوفر من مقتضى عملهم لوفائهم على عهودنا ومواثيقنا وجريهم بمقتضى أمرنا ونهينا وبالجملة مَنْ عَمِلَ منكم عملا صالِحاً لقبولنا ناشئا مِنْ ذَكَرٍ منكم أَوْ أُنْثى وَالحال انه هُوَ في حين العمل مُؤْمِنٌ موحد بالله مصدق للرسل والكتب المنزلة إليهم ممتثل بجميع ما جاء به الرسول ﷺ طالب للترقي من العلم الى العين ثم الى الحق فَلَنُحْيِيَنَّهُ بعد فنائه عن لوازم بشريته بموته الإرادي وبانخلاعه طوعا عن مقتضيات أوصاف بهيميته بإرادته واختياره حَياةً طَيِّبَةً معنوية خالصة عن وصمة الموت والفوت مطلقا خالية عن شوب الزوال والانقضاء صافية عن مطلق الكدورات المتعلقة للحياة الصورية وَبالجملة لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ اى اجر عملهم وصبرهم عن مقتضيات القوى البشرية والحيوة الصورية بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى احسن وأوفر من جزاء عملهم الذي قد جاءوا به حين كانوا سائرين إلينا طالبين الوصول الى صفاء توحيدنا ومن جملة الأعمال الصالحة المثمرة للحياة الطيبة المعنوية بل من أجلتها قراءة القرآن المشتمل على جميع المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات المترتبة على سلوك طريق التوحيد والعرفان فَإِذا

стр. 437

قَرَأْتَ الْقُرْآنَ قصدت قراءته ايها القارئ الطالب لاستكشاف غوامض مرموزاته ومعضلات إشاراته فَاسْتَعِذْ والتجئ أولا بِاللَّهِ المتجلى بصفة الكلام المعجز لقاطبة الأنام الحفيظ لخلص عباده من عموم ما لا يعنيهم من المعاصي والآثام مِنَ وساوس الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ المطرود المبعد عن ساحة عز الحضور برجوم آثار الأوصاف القهرية الإلهية ومن غوائله وتسويلاته التي هي عبارة عن جنود الهوى والغفلات والتخيلات الباطلة والتوهمات المثيرة لانواع الأماني والشهوات إِنَّهُ اى الأمر والشأن لَيْسَ لَهُ اى للشيطان وجنوده سُلْطانٌ اى استيلاء وغلبة عَلَى الموقنين الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الله وأيقنوا لحقية كتبه ورسله وباليوم الموعود وعموم ما فيه من العرض والجزاء وَمع ذلك هم عَلى رَبِّهِمْ ومربيهم لا على غيره من الأسباب والوسائل العادية يَتَوَكَّلُونَ يسلمون ويسندون عموم أمورهم اليه اصالة وكيف يكون للشيطان استيلاء على المؤمنين الموقنين إذ هم يعادونه عداوة شديدة ويخاصمون معه خصومة مستمرة ازلية ابدية إِنَّما سُلْطانُهُ واستيلاؤه عَلَى المبطلين المدبرين الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ويحبونه ويقبلون منه قوله ويستمعون إغواءه ويطيعون امره واغراءه وَكذا على الَّذِينَ هُمْ بِهِ اى بسبب اغوائه واغرائه ووسوسته مُشْرِكُونَ بالله الواحد الأحد المنزه عن الشريك والولد مطلقا. ثم قال سبحانه وَمن كمال قدرتنا ووفور حكمتنا نسخ بعض آياتنا وتبديله بالآيات الاخر بالنسبة الى بعض الأعصار والأزمان فانا إِذا بَدَّلْنا آيَةً ناسخة مَكانَ آيَةٍ منسوخة لحكمة ظهرت علينا ومصلحة لاحت لدينا حسب ما جرى في حضرة علمنا وثبت في لوح قضائنا فلا بد ان لا نسأل عن نسخنا وتبديلنا بل عن عموم أفعالنا مطلقا ولا يسند فعلنا الى غيرنا وَكيف يسند فعله سبحانه لغيره إذ اللَّهُ المطلع لعموم ما كان ويكون اطلاع حضور وشهود أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ حسب الأوقات والأزمان فله نسخ ما ثبت واثبات ما نسخ بالإرادة والاختيار ولهذا قالُوا اى المشركون المعاندون حين ظهر في القرآن نسخ بعض الآيات المثبتة فيه واثبات بعض المنسوخات القديمة متهكمين طاعنين إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ اى ما أنت ايها المدعى للرسالة والوحى الا مفتر كذاب قد قلت بقول من تلقاء نفسك ثم ظهر لك ما فيه من السماجة بدلته بأخرى بمقتضى اهويتك وأمانيك ونسبته الى ربك افتراء ومراء مع انك قد أخبرت ان ربك يقول ما يبدل القول لدى وبالجملة كل ذلك اى النسخ والتبديل والإنزال والإرسال من عندنا لحكمة ظهرت علينا بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ حكمة النسخ والتبديل في الاحكام لذلك ينكرونه قُلْ لهم يا أكمل الرسل ما انا مفتر في هذا النسخ والتبديل بل قد نَزَّلَهُ اى القرآن رُوحُ الْقُدُسِ يعنى جبرائيل ﵇ على هكذا وهو منزه عن جميع النقائص فكيف عن الافتراء وأوصاني انه منزل مِنْ رَبِّكَ الذي رباك بأنواع التربية إليك وقد ايدك بهذا الكلام المعجز ملتبسا بِالْحَقِّ وبالصدق المطابق للواقع بلا شائبة شك وتردد فيه وانما أنزله سبحانه لِيُثَبِّتَ ويقرر بامتثال ما فيه من الحكم والاحكام قلوب الَّذِينَ آمَنُوا تثبيتا شديدا وتقريرا بليغا في مرتبة اليقين العلمي وَليكون ايضا هُدىً اى هداية ورشدا للعارفين المتحققين المتمكنين في مرتبة اليقين العيني وَليكون ايضا بُشْرى اى بشارة وتمكينا وتشريفا وتوطينا لأرباب الكشف والشهود في مرتبة اليقين الحقي كل ذلك لِلْمُسْلِمِينَ المسلمين أمورهم كلها الى الله طوعا ورغبة ثم اخبر سبحانه عن مطاعن المشركين في حق القرآن والرسول فقال وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ

стр. 438

لا يسلمون نزول القرآن منا وحيا وإلهاما بل يكذبونك يا أكمل الرسل في نسبتك انزاله إلينا تكذيبا شديدا بل يَقُولُونَ لك ما هو الا مفتر بل إِنَّما يُعَلِّمُهُ هذا بَشَرٌ اى عبد رومي او رجل آخر من العجم او رجال أخر على ما قالوا وكيف يقولون وينسبون أولئك المعاندون المكابرون هذا إليك والى كتابك مع ان الشأن والأمر لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ اى يميلون وينسبون إِلَيْهِ هكذا عنادا ومكابرة أَعْجَمِيٌّ مغلق غير بين وأنت عرب لا تفهم لغتهم قط وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ فصيح مُبِينٌ ظاهر واضح بليغ في أعلى مراتب البلاغة بحيث قد عجزت عن معارضته مصاقع الخطباء مع وفور معارضتهم وتحديهم ومع ظهور اعجازه واعتراف الكل بانه معجز لم يقبلوا حقيته ولم يصدقوا انه كلام الله وبالجملة إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ الدالة على وحدة ذاته وكمالات أوصافه وأسمائه قد طبع الله على قلوبهم وختمها بحيث لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ المضل المذل الى حقية كتابه ورسوله الذي انزل اليه بل وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في النشأة الاولى والاخرى ثم قلب سبحانه ما افتروا برسول الله وإعادة عليهم فقال إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ على الله بنسبة كلامه الى غيره الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ولا يصدقون بِآياتِ اللَّهِ الدالة على كمال توحيده وَأُولئِكَ المفترون المسرفون هُمُ الْكاذِبُونَ المقصورون على الكذب والافتراء وكمال المراء من شدة قساوتهم وخباثة بواطنهم وبالجملة مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ المستحق للايمان والعبودية سيما قد ارتد مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ اى من بعد ما قد آمن له العياذ بالله فقد استحق المقت والغضب الإلهي إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على الكفر وهدد بالقتل وانواع العقوبات حين العجز فأجرى كلمة الكفر على لسانه وَلكن قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ متمكن فيه راسخ في الاتصال غير متزلزل بلا مطابقة ولا موافقة بلسانه فهو باق على إيمانه فلا غضب عليه ولا عذاب بل له الأجر الجزيل والجزاء الجميل إذ العبرة في الايمان والكفر انما هي بالقلب إذ هما فعلان له اصالة وَلكِنْ من المغضوبين الملعونين مَنْ شَرَحَ وملأ بِالْكُفْرِ صَدْراً اعتقادا ورضا مستحسنا له مستطيبا إياه فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وقهر نازل مِنَ اللَّهِ المنتقم الغيور وَلَهُمْ في النشأة الاخرى عَذابٌ عَظِيمٌ لعظم جرمهم الذي هو ارتدادهم العياذ بالله وما ذلِكَ اى تحسينهم الكفر واستطابتهم به الا بِأَنَّهُمُ قد اسْتَحَبُّوا واستطابوا الْحَياةَ الدُّنْيا اى الحيوة الصورية المستعارة الزائلة عَلَى حيوة الْآخِرَةِ التي هي الحيوة المعنوية الحقيقية السرمدية التي لا زوال لها أصلا وَايضا بسبب أَنَّ اللَّهَ المطلع على استعدادات عباده لا يَهْدِي الى الايمان والتوحيد ولا يوفق على جادة المعرفة واليقين الْقَوْمَ الْكافِرِينَ المجبولين على الكفر والعناد بحسب اصل فطرتهم واستعدادهم وبالجملة أُولئِكَ المجبولون على الكفر والعناد هم الَّذِينَ قد طَبَعَ اللَّهُ المنتقم الغيور وختم عَلى قُلُوبِهِمْ بحيث لا يفهمون ولا يتفطنون بسرائر الايمان والتوحيد أصلا ولا يتلذذون بلذاتها مطلقا لغلظ حجبهم وكثافتها وَقد طبع ايضا على سَمْعِهِمْ الى حيث لا يسمعون ولا يقبلون دلائل التوحيد واماراتها من ارباب الكشف واليقين وَعلى أَبْصارِهِمْ ايضا الى حيث لا ينظرون نظر عبرة وبصارة نحو المظاهر والآثار المترتبة على الأوصاف الذاتية الإلهية وَبالجملة أُولئِكَ البعداء المطرودون عن ساحة عز الحضور هُمُ الْغافِلُونَ المقصورون على الغفلة المؤبدة والنسيان التائهون في تيه الضلال والطغيان لا جَرَمَ أَنَّهُمْ بسبب طردهم

стр. 439

وخذلانهم فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران الأبدي والحرمان السرمدي ثُمَّ بعد ما سمعت احوال أولئك المقهورين المطرودين إِنَّ رَبَّكَ الذي رباك يا أكمل الرسل بأنواع الكرامات وأوصلك الى أعلى المقامات يجزى خير الجزاء تفضلا وإحسانا لِلَّذِينَ هاجَرُوا عن بقعة الإمكان سيما بعد ما كوشفوا بما فيها من الخذلان والخسران وانواع الرذائل والحرمان وذلك مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا بأنواع الفتن والمحن باستيلاء جنود الامارة عليهم ثُمَّ جاهَدُوا معها بترك مألوفاتها وقطع تعلقاتها وبصرفها عن مشتهياتها ومستلذاتها وَصَبَرُوا على متاعب الرياضات ومشاق المجاهدات الى ان صارت امارتهم مطمئنة راضية مرضية وبعد قطع مسالك السلوك ومنازل التزلزل والتلوين إِنَّ رَبَّكَ المفضل المحسن إليك يا أكمل الرسل والى من تبعك من خيار المؤمنين مِنْ بَعْدِها اى بعد ارتكاب المجاهدات والرياضات لَغَفُورٌ لهم يستر انانيتهم ويفنيهم عن هوياتهم مطلقا رَحِيمٌ لهم يمكنهم في مقام الرضا والتسليم مطمئنين مرضيين هب لنا من لدنك رحمة تنجينا عن التلوين وتوصلنا الى مكان التمكين بحولك وقوتك يا ذا القوة المتين. واذكر يا أكمل الرسل المبعوث الى كافة الأنام يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ عاصية ومطيعة تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وذاتها وتهتم بشأنها بلا التفات منها الى شفاعة غيرها إذ هي يومئذ رهينة بما كسبت من خير وشر وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما عَمِلَتْ طاعة او معصية وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ في جزائهم وأجورهم لا زيادة ولا نقصانا بمقتضى العدل الإلهي وَبعد ما أراد سبحانه ان ينبه على اهل النعمة وارباب الرخاء والرفاهية ان لا يبطروا ولا يباهوا بما في أيديهم من النعم بل يقيموا ويديموا على شكرها وأداء حقها خوفا من زوالها وفنائها وانقلابها شدة ونقمة ضَرَبَ اللَّهُ المدبر لأمورهم مَثَلًا يعتبرون منه ويتعظون به قَرْيَةً هي مكة اوايلة قد كانَتْ نفوس أهلها آمِنَةً عن الخوف من العدو والجوع من نقصان الغلات والأثمار مُطْمَئِنَّةً بما عندهم من الحوائج بلا تردد ومشقة إذ يَأْتِيها رِزْقُها على الترادف والتوالي رَغَداً واسعا وافرا مِنْ كُلِّ مَكانٍ من البلاد التي في حواليها ونواحيها وهم صاروا مترفهين متنعمين فيها الى ان بطروا وباهوا فَكَفَرَتْ أهلها بِأَنْعُمِ اللَّهِ الواصلة إليهم وأسندوها الى غير الله عنادا ومكابرة وخرجوا على رسول الله وطعنوا بكتاب الله المنزل عليه ونسبوه الى ما لا يليق بشأنه مكابرة فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بعد نزع خلعة الأمن والاطمئنان يعنى قد سار اثر الجوع والخوف في سائر أعضائهم وجوارحهم سريان اثر المذوقات في جميع أجزاء الجسد استعير لها اللبس لإحاطتها وشمولها والذوق لسريانها ونفوذها بحيث لا يخلو عن اثرهما جزء من أجزاء البدن كل ذلك بِما كانُوا يَصْنَعُونَ بشؤم ما صنعوا من الكفر والكفران والتكذيب والطعن والعناد والاستكبار على العباد وَكيف لا يأخذهم ولا يذيقهم لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ أفضل وأكمل من جميع الرسل الماضين مصحوبا مع كتاب كامل شامل أكمل واشمل من سائر الكتب السالفة فَكَذَّبُوهُ أشد تكذيب وأنكروا له افحش انكار فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ العاجل وهو الجدب الواقع بينهم او وقعة بدر وَالحال انه في تلك الحالة هُمْ ظالِمُونَ خارجون عن مقتضيات الحدود الإلهية منكرون مكذبون على الله وعلى رسوله وعلى العذاب الآجل مطلقا وسيأخذهم ويلحقهم في النشأة الاخرى بأضعاف ما في النشأة الاولى وآلافه وإذا سمعتم ايها المؤمنون المعتبرون نبذا من أوصاف أولئك الأشقياء المغمورين

стр. 440

في بحر الغفلة والغرور البطرين بما معهم من اللذة والشرور وسمعتم ايضا أحوالهم واهوالهم عاجلا وآجلا بسبب كفرانهم وطغيانهم فَكُلُوا أنتم مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ المصلح لأحوالكم حَلالًا مباحا بحسب الشرع طَيِّباً مما كسبتم بيمينكم على مقتضى سنة الله وحكمته وجرى عادته من خلق الأيدي والأرجل للمكاسب او مما اتجرتم وربحتم وهو ايضا معدود من الكسب وَبالجملة اشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ الذي قد أقدركم ومكنكم على الكسب إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ اى تطيعون وتقصدون عبادته برفع الوسائل والأسباب العادية عن البين إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ اى اعلموا ان ربكم ما حرم عليكم في دينكم هذا الا الميتة المائتة حتف انفه بلا تذكية وتسمية وَايضا قد حرم الدَّمَ المسفوح السائل من الحيوانات وَقد حرم ايضا لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَكذا ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وسمى عليه حين الذبح من اسماء الأصنام والأوثان وسائر المعبودات الباطلة فَمَنِ اضْطُرَّ منكم ايها المؤمنون الى أكل هذه المحرمات حال كونه غَيْرَ باغٍ خارج على السلطان العادل المقيم المقوم لأصول الشرائع ومعالم الدين وَلا عادٍ مجاوز عن الحدود الشرعية لغرض فاسد من انواع المعاصي وقطع الطريق والإباق وغيرها فَإِنَّ اللَّهَ المطلع على سرائر عباده وضمائرهم غَفُورٌ يستر عليهم زلتهم الاضطرارية رَحِيمٌ يقبل توبتهم عنها ثم نهاهم سبحانه عن التقاول بالأقوال الفاسدة من تلقاء أنفسهم ومقتضى اهوائهم كما يقوله المشركون المسرفون فقال وَلا تَقُولُوا ايها المتدينون بدين الإسلام المنزل على خير الأنام لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ اى لشيء تصف السنتكم إياه الوصف الكذب يعنى قد ظهر انه كاذب بلا ورود وحى واذن شرع بل من تلقاء انفسكم افتراء ومراء بان تقولوا هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ وتنسبوه الى الله لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ تزيينا لقولكم الباطل وترويجا له كما قالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا الآية إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ وينسبون عَلَى اللَّهِ المنزه عن مطلق الأباطيل الْكَذِبَ ظلما وزورا لا يُفْلِحُونَ ولا يفوزون بخير الدارين إذ نفعهم فيما يفترون ويكذبون مَتاعٌ قَلِيلٌ ومنفعة حقيرة لا اعتداد بها وَلَهُمْ بسبب ذلك في النشأة الاخرى عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم مؤبد لا نجاة لهم منه أصلا وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا قد حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ يا أكمل الرسل مِنْ قَبْلُ في سورة الانعام حيث قلنا وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر الآية وَبالجملة ما ظَلَمْناهُمْ في تحريم ما حرمنا عليهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ اى هم ما يظلمون الا أنفسهم بارتكاب المعاصي والمناهي وترك المأمورات ورفض المندوبات لذلك عوقبوا وأخذوا بما أخذوا ثُمَّ بشر سبحانه على عموم اصحاب المعاصي والآثام بالعفو والمغفرة والشفقة عليهم بعد ما تابوا وأنابوا الى الله وندموا عماهم عليه مخلصين فقال مخاطبا لحبيبه إِنَّ رَبَّكَ الذي بعثك يا أكمل الرسل الى كافة البرايا بشيرا ونذيرا يحسن ويرحم لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ والفعلة القبيحة والديدنة الشنيعة المذمومة في الشرع مع كونهم في حين ارتكابها ملتبسين متصفين بِجَهالَةٍ ناشئة من عدم التدبر والتأمل بوخامة عواقبها شرعا مع تدينهم وقبولهم احكام الشريعة او كانوا ممن لا يؤمن ولا يقبل ما ورد به الشرع ثُمَّ تابُوا وندموا مِنْ بَعْدِ ما ارتكبوا ذلِكَ السوء وَأَصْلَحُوا حينئذ بالتوبة والاستغفار ما أفسدوا على نفوسهم بالفسق والإصرار إِنَّ رَبَّكَ المحسن المفضل على التائب المخلص مِنْ بَعْدِها اى بعد التوبة

стр. 441

والندم لَغَفُورٌ يستر عنهم زلتهم رَحِيمٌ يقبل منهم توبتهم ثم أشار سبحانه الى فضائل خليله صلوات الرّحمن عليه وسلامه وكمال كرامته ونجابة فطرته وطهارة أصله وطينته وعلو شانه ورتبته وارتفاع قدره ومنزلته فقال إِنَّ جدك يا أكمل الرسل إِبْراهِيمَ الخليل الجليل الذي اختاره سبحانه لخلته واصطفاه لرسالته قد كانَ أُمَّةً قدوة واماما مقتدى به حقيقا لائقا للاقتداء به في الأمور الدينية إذ كان قانِتاً مطيعا لِلَّهِ راغبا الى امتثال مأموراته طوعا مجتنبا عن منهياته رغبة حَنِيفاً مائلا عن الأديان الباطلة والآراء الفاسدة مطلقا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ في حال من الأحوال بل هو رأس الموحدين ورئيس ارباب التحقيق واليقين شاكِراً لِأَنْعُمِهِ سبحانه صارفا لها الى ما قد جبلها الحق لأجله على الوجه الأعدل الا قوم المأمور من عنده سبحانه بلا تبذير ولا تقتير طالبا في صرفه وإنفاقه رضا الله بلا شوب شائبة من الرياء والسمعة لذلك قد اجْتَباهُ واختاره ربه لخلته واصطفاه لرسالته وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى زلال وحدته بلا عوج وانحراف وَمن كمال خلتنا ومحبتنا إياه قد آتَيْناهُ فِي الدُّنْيا من لدنا تفضلا عليه وإحسانا حَسَنَةً صورية بحيث لا ينقطع ولا ينفد آثار كرمه وجوده الى يوم القيمة وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ لقبولنا الواصلين الى صفاء وحدتنا ثُمَّ بعد ما ذكرنا لك يا أكمل الرسل نبذا من كمال استحقاقه ولياقته للمتابعة والاقتداء به قد أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل تعظيما لشأنك ولشأنه ﵇ أَنِ اتَّبِعْ في إيصال الدعوة وتبليغ الرسالة واظهار الدين والاحكام وكذا في الرفق والتليين مع الأنام والحلم والتواضع معهم على ابلغ وجه ونظام مِلَّةَ إِبْراهِيمَ اى خصلة جدك الخليل الجليل عليك وعليه الصلاة والسّلام إذ قد كان هو في نفسه وملته ايضا بحسب حَنِيفاً مائلا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط في عموم الأطوار والأخلاق والأفعال والأقوال وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ المستكبرين لا في خلق من الأخلاق ولا في وصف من الأوصاف بل قد كان دائما مستويا على جادة التوحيد وعدالة اليقين والتحقيق لذلك صار اماما للأنام وقدوة لهم الى يوم القيام. ثم قال سبحانه تعييرا على المشركين وتقريعا إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ اى ما قدر وفرض لحوق وبال يوم السبت وانواع العقوبات والمسخ عن لوازم الانسانية الا عَلَى المشركين الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وجادلوا مع نبيهم في تعيينه واختياره إذ قد أمرهم موسى ﵇ بتعظيم يوم الجمعة واتخاذها عيدا فأبوا معللين ان الله قد فرغ من خلق السموات والأرض في يوم السبت فنحن نوافقه ونتخذه عيدا فألزمهم الله تعظيم السبت وتحريم الصيد فيه فاحتالوا للاصطياد فيه فاصطادوا بالمكر فمسخهم الله ولحقهم من الوبال ما لحقهم في النشأة الاولى وَإِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ويجادلون مع الرسل فيجازيهم ويعاقبهم على مقتضى ما صدر عنهم من الجرائم والآثام ثم أشار سبحانه الى تتميم تكريم حبيبه وتعظيم رتبته وتهذيب أخلاقه وتكميل حكمته في رسالته وتعميم رأفته ورحمته الى عموم البرية وكافة الخليقة إذ هو مبعوث على الكل بالرحمة العامة وهو خاتم الرسالة والنبوة ومكمل امر التشريع والتكميل إذ العلة الغائية والمصلحة العلية في عموم الشرائع والأديان وفي مطلق الإنزال والإرسال ما هي الا ظهور مرتبته ومكانته التي هي الدعوة الى التوحيد الذاتي ومتى ظهرت فقد كملت وتمت لذلك نزل في شأنه ﵇ كريمة اليوم أكملت لكم دينكم الآية وهي آخر آية نزلت من القرآن وقال ايضا ﷺ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق فقال

стр. 442

سبحانه مخاطبا له ﵇ خطاب تمكين وتكريم إرشادا له وتعليما ادْعُ يا أكمل الرسل إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ اى الى طريق توحيد مربيك الذي قد أرشدك الى معارج عنايته وهداك الى كمال كرامته كافة البرايا وعامة العباد بِالْحِكْمَةِ المتقنة البالغة الملينة لقلوبهم عن صلابة التقليدات الراسخة الموروثة لهم عن آبائهم وأسلافهم المصفية لنفوسهم عن الحمية الجاهلية المتمكنة فيها الخالية عن توهم السطوة والصولة والاستيلاء المثيرة لانواع الاعراض النفسانية المترتبة على القوى البشرية المزيلة لانواع الشبه والتخيلات الناشئة من الوسائل والأسباب العادية المقنعة لنفوسهم الى ان أخذوها دلائل مشيرة الى شواهد وتنبيهات متناسبة ملائمة للفطرة الاصلية التي فطر الناس عليها رجاء ان يتفطنوا ويتنبهوا بمقتضى جبلتهم وحسب فطرتهم الاصلية وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ المورثة لهم يقظة وانتباها من سنة الغفلة ورقود النسيان المحصلة لهم شوقا وسرورا الى مبدئهم ومنشئهم المرغبة لهم الى اللذات الروحانية الدائمة الباقية المستمرة ازلا وابدا بلا ورود زوال وانقضاء المنفرة عماهم عليه من العوائق والعلائق الناسوتية العائقة من اللذات الوهمية المقتضية المنقطعة المورثة لانواع المحن والأحزان وَان افتقرت يا أكمل الرسل في دعوتهم الى المجادلة معهم ومكالمتهم أحيانا جادِلْهُمْ بِالَّتِي اى بالطريقة التي هِيَ أَحْسَنُ الطرق وأسلمها واعدلها من المقدمات المعتدلة الدالة على المساواة من كلا الجانبين برفق تام وتليين كامل ومسكنة وإرخاء عنان خال عن السطوة والتهور والغضب والتكبر والتجبر وعن الضحك والتمسخر والاستهزاء والتجهيل والتسفيه والتشنيع الشنيع كما يفعله عوام العلماء في مباحثاتهم ومحاوراتهم إذ هي بعيدة عن الحكمة بمراحل مثيرة لانواع الفتن والخصومات واصناف الأغراض النفسانية والأمراض الهيولانية ولك ايضا ان لا تبالغ في هدايتهم وايمانهم ولا تتشوش من ضلالهم وطغيانهم إذ ما عليك الا تبليغ ما أرسلت به واما حصول الهداية او الضلالة فيهم فأمر خارج عن وسعك وطاقتك إِنَّ رَبَّكَ المطلع على استعدادات عباده وقابلياتهم هُوَ أَعْلَمُ منك بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ الموصل الى وحدة ذاته وَهُوَ أَعْلَمُ ايضا بِالْمُهْتَدِينَ منهم إذ قد قدر في سابق قضائه وحضرة علمه هدايتهم وضلالهم وكذا جميع ما جرى وسيجرى عليهم من شئونهم وتطوراتهم على التفصيل بحيث لا يشذ عن حيطة حضرة علمه شيء منها وبعد ما امر سبحانه حبيبه بما امر من آداب الدعوة واخلاق الرسالة والنبوة ومراعاة حقوق الأنام والمداراة معهم أشار الى المجاراة والمجازاة والقصاص والعقوبات الواقعة في امر الرسالة ووضع التشريع والتبليغ إذ هي مبنى على الأمر بترك المألوفات ورفض العادات والاعتقادات وترك التقليدات والتخمينات لذلك لا يخلو عن المنازعات والمخاصمات المؤدية الى انواع الجنايات فقال سبحانه مخاطبا له ولمن تبعه من المؤمنين وَإِنْ عاقَبْتُمْ ايها المؤمنون منتقمين عنهم فَعاقِبُوا اى فعليكم ان تعاقبوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ لا أزيد منه إذ الزيادة منافية لاعتدال الايمان والتوحيد وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ايها المؤمنون على ما أصابكم من العقوبات وأعرضتم عن الانتقام صفحا وكظمتم الغيظ كظما لَهُوَ اى العفو والكظم خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ الذين صبروا على ما أصابهم من المكاره المسترجعين الى الله مسندين انزاله اليه سبحانه بلا رؤية الوسائل في البين بل هم يعدون العناء عطاء والترح فرحا والنقمة نعمة والمحنة منحة لصدور الكل من الله سبحانه بلا رؤية الأسباب العادية في البين وبعد ما قد خاطب واوصى سبحانه للمؤمنين بالصبر والعفو على وجه العموم وترك الانتقام خص رسوله ﷺ من بينهم بهذا الخطاب

стр. 443

المستطاب لكونه أحق واولى بامتثال أمثاله إذ هو جامع جميع مراتب الكمال بالاستحقاق والاستقلال فقال وَاصْبِرْ ايها المتحقق المتمكن في مقر التوحيد المسقط لجميع الإضافات على عموم ما جرى عليك من الأذيات المترتبة على بشريتك وناسوتك وَاعلم يقينا انه ما صَبْرُكَ وكظمك بعد فنائك عن لوازم بشريتك إِلَّا بِاللَّهِ المتجلى عليك بكمال الإطلاق الى ان قد اخلع عنك لوازم ناسوتك بالمرة وما بقيت فيك الا لوازم لاهوتك وظاهر انه لا يجرى فيها المنكر والمكروه والجناية والقصاص والخطاب والعتاب وَايضا لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ اى مما جرى على المؤمنين من الأمور المشوشة لهم والمنافرة وَبالجملة لا تَكُ بعد انشراح صدرك بالتوحيد الذاتي فِي ضَيْقٍ اى ضيق صدر وكآبة وحزن مِمَّا يَمْكُرُونَ أولئك المحجوبون الماكرون المعاندون المكابرون معك ومع من تبعك من المؤمنين إِنَّ اللَّهَ المختبر لرسله وأنبيائه وأوليائه وخواص عباده بأنواع الأذى والمحن الجسمانية مَعَ الصابرين الَّذِينَ اتَّقَوْا وحفظوا أنفسهم عن المبادرة الى المعاداة وحذروها عن مطلق الانتقام سيما وقت القدرة طلبا لمرضاة الله وجريا على مقتضى توحيده وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ سيما على من أساء إليهم رفقا لهم وتلطفا معهم ابتغاء لمرضاة الله وتثبيتا في طريق توحيده. أذقنا حلاوة توحيدك وصبرنا على عموم ما جرى علينا من المحن والعناء طلبا لمرضاتك انك على ما تشاء قدير خاتمة سورة النحل عليك ايها المسترشد البصير والمستبصر الخبير أرشدك الله الى امتثال ما سمعت في هذه السورة من الأخلاق والمواعظ سيما في الكريمة المذكورة آنفا ورزقك الاتصاف بما فيها من الحكم والآداب والأخلاق المرضية والسجايا الفاضلة ان تتأمل وتتعمق فيها حق التأمل والتعمق حال كونك خاليا عن مطلق الكدورات العارضة لك من طغيان القوى البهيمية والحمية الجاهلية تاركا عموم ما غرض عليك من الاعراض النفسانية المترتبة على الأمور العادية المستلزمة لانواع الضلال والفساد من التفوق على الأقران والترفع على الاخوان والتكبر على ضعفاء الأنام والتلذذ بالسمعة والريا المثيرة لأصناف الأهواء الفاسدة والآراء الباطلة التي لا يمكن قلعها وقمعها أصلا سيما قد تمرنت ورسخت فلك ان تراجع وجدانك لتتنبه وتتذكر باى شيء أردت الترفع وقصدت التفوق والتفضل اما ترى ايها الأحمق ان منشأك ماذا اما استحييت التفوه من ذا وهذا واما قصة كرامتك وخلافتك التي هي من المواهب الإلهية والعطايا الغيبية فإنما هي مبنية على محض التذلل والتواضع والخضوع والانكسار مع كل ذرة من ذرائر الكائنات إذ مبناه على الحكمة المتقنة المنشعبة من اسرار الرسالة والنبوة وهي عبارة عن اعتدال جميع الأوصاف والأطوار وتزكية النفس عن عموم الرذائل والأخلاق الرديئة بل هي مبنية على افناء مقتضيات الأوصاف البشرية رأسا والانخلاع عن البسة الناسوت مطلقا ارادة واختيارا وبالجملة من أنصف على نفسه أدرك ان جميع ما في نفسه سوى التذلل والانكسار والمسكنة والافتقار حال كونه خاليا عن شوب الريا والسمعة والعجب والجربزة ما هي إلا رعونات صدرت عن طغيان القوى البهيمية المؤيدة بالعقل المستعار المموه بتمويهات الأوهام الباطلة وتزيينات الخيالات الكاذبة العاطلة هب لنا من لدنك جذبة تنجينا عن ظلمة انانيتنا ولذة تلجئنا الى سلوك طريق الفناء الموصل الى شرف البقاء واللقاء انك أنت الوهاب

стр. 444

[سورة الإسراء] فاتحة سورة الإسراء لا يخفى على من سلك نحو توحيد الحق سلوكا تدريجيا طالبا الترقي من مرتبة الى مرتبة أعلى منها وارفع رتبة ومكانة ان لكل واحد من ارباب الولاء الطالبين للعروج الى معارج التوحيد معراجا مخصوصا ومقصدا معينا ومشربا خاصا مقدرا عند الله مثبتا في لوح قضائه وحضرة علمه وان كان مقصدا لكل بحسب الذات واحدا الا انه قد وقع التفاضل والتفاوت في المعارج لحكم ومصالح لا يعلمها الا هو فلا بد للسالك المسترشد ان يستكمل ويسترشد الى ان يصل الى معراجه المعين المقدر له من عنده سبحانه فإذا وصل اليه وحصل دونه فقد أدرك معراجه ونال مقره ومقصده من التوحيد وعند ذلك انقطع سيره وتم سلوكه وبعد ذلك سار وسلك فيه لا به واليه الى ان حار وفنى وليس وراء الله مرمى ومنتهى واشرف المعارج وأكملها وأتم المراقي وأعلاها وأشملها معراج نبينا ﷺ إذ قد انكشف له التوحيد الذاتي الى حيث قد شهد الحق شهودا عينيا حقيا وتكلم معه كلاما تفصيليا بلا كيف واين وبلا وضع وجهة لا مقابلة ولا مقارنة ولا قرب ولا بعد بل حضور وسرور وحصول ووصول لا يفهمها الا ذوو الأذواق الصحيحة والمشارب الصافية من ارباب العناية الفائزين بالفوز العظيم بمتابعته ﷺ وذلك بعد انخلاعه عن جلباب ناسوته وتشرفه بخلعته اللاهوتية لذلك أسند سبحانه اسراءه ﷺ ليلة المعراج الى نفسه تفضلا عليه وتكريما فقال متيمنا باسمه العظيم بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى لحبيبه بمقتضى ذاته المستجمع لجميع أوصافه لذلك قد صارت مرتبته جامعة لجميع المراتب وغاية لعموم شئون الحق وتطوراته الرَّحْمنِ له يوصله الى ذروة معارج عنايته ظاهرا الرَّحِيمِ له يخرجه عن بقعة الإمكان ويهديه الى فضاء الوجوب باطنا [الآيات] سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى نزه سبحانه ذاته مما يجب تنزهه عنه في حضرة علمه وأبهم اسمه حسب تعاليه وترفعه في ذاته عن افهام عباده وأوصله بالاسراء الحقيقي الذي هو عبارة عن إخراج العبد من ظلمة الإمكان الذي هو الليل الحقيقي الى نور الوجوب الذي هو النهار الحقيقي بِعَبْدِهِ يعنى حبيبه محمدا ﷺ بعد ما قد اخلع عنه كسوة ناسوته بالمرة والبسه خلعة من خلع لاهوته بحيث قد تجرد عن مقتضيات بشريته مطلقا وارتفعت عنه حجب تعيناته جملة وانكشفت دونه سدول الغفلات وأستار الغشاوات عن بصر بصيرته رأسا وحينئذ قد انطوت المسافات مطلقا لَيْلًا اى في قطعة منه صرح به وان كان الإسراء في اللغة عبارة عن السير في الليل ليعلم ان ابتداءه وانتهاءه كان فيه مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الذي قد حرم عنده ما أبيح في الأماكن الاخر من الصيد وغيره الا وهو عبارة عن قلب الإنسان الكامل الذي هو بيت الله الأعظم حقيقة وقد حرم فيه التوجه الى الغير والسوى مطلقا وان كان مبنيا في بقعة جسدانية امكانية إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ وكثرنا الخير والبركة على زوارها وساكنيها الا وهو البيت المعمور الأبدي الأزلي الذي هو الوجود المطلق المفيض المنبسط على كافة المظاهر وحوله اى حواليه كناية عن مقتضيات الأوصاف والأسماء الإلهية وزوارها عبارة عن استعدادات المظاهر وقابلياتها المستفيدة منها الناشئة عن اظلال أوصافها وانما اسريناه هكذا لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا الدالة على كمال قدرتنا وحكمتنا ووفور جودنا وكرامتنا إِنَّهُ اى الشأن انه ﷺ بعد تجرده عن جلباب تعينه وهويته الناسوتية هُوَ السَّمِيعُ بسمعنا فيسمع بنا منا الْبَصِيرُ ببصرنا

стр. 445

فيبصر ببصرنا عجائب صنعنا وغرائب مبدعاتنا وَكما أيدنا حبيبنا بما أيدناه من الإسراء به واراءة عجائب صنعتنا وقدرتنا إياه بان سيرناه من مكة في ساعة وآن الى البيت المقدس ثم منها الى فوق السموات السبع وقد مثلنا له فيها أرواح الأنبياء والأولياء فتكلم معهم ثم منها الى ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله وقد اخبر عنه سبحانه وعن قربه وصوله ﷺ اليه بقوله دنى فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى فسمع كلاما بلا كيف لا من جنس الأصوات والحروف كذلك قد آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تأييدا له وتنفيذا لأمرنا إياه الى ان خصصناه بتكلمنا معه بلا كيف وكرمناه بأنواع الكرامات وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ هاديا لهم يهديهم الى توحيدنا وتقديس ذاتنا عن الأشباه والأنداد مطلقا وامرناهم فيه أَلَّا تَتَّخِذُوا ايها المتحيرون في الخطوب والوقائع مِنْ دُونِي وَكِيلًا وشريكا لي وكفوا تتكلون اليه في أموركم غيرى إذ ليس في الوجود سواي فعليكم ان تتخذونى وكيلا وتفوضوا أموركم كلها الى وتأخذونى كفيلا إذ لا معبود لكم غيرى ولا مرجع لكم سواي يا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا بمقتضى جودنا مَعَ نُوحٍ حين استولى الطوفان على وجه الأرض فهلك كل من عليها الا من آمن لنوح وحملناهم معه في السفينة فأنجيناه اصالة ومن معه تبعا له من المؤمنين إِنَّهُ يعنى نوحا قد كانَ عَبْداً شَكُوراً مبالغا في أداء الشكر مواظبا عليه على وجه الخضوع والخشوع فلكم ان تقتفوا اثر اسلافكم الذين هم اصحاب سفينة نوح ﵇ وهم مؤمنون مصدقون له فلكم ان تؤمنوا بمن أرسل إليكم لإصلاح أحوالكم وتصدقوا كتابه وَاعلموا انا قد قَضَيْنا وأوحينا مقسما إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ المنزل عليهم على وجه الإيذان والأعلام تنبيها وتذكيرا والله لَتُفْسِدُنَّ أنتم فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ مرة بمخالفة احكام التورية وقتل شعيا ومرة بقتل يحيى وزكريا وبقصد قتل عيسى ﵈ كل ذلك من أعظم الجرائم عند الله وَمع ذلك لَتَعْلُنَّ ولتستكبرن عتوا وعنادا على الأنبياء استيهانة واستخفافا وسخرية واستهزاء عُلُوًّا كَبِيراً بحيث لا تبالون لهم ولا تعدونهم من العقلاء بل تسفهونهم تارة وتكذبونهم اخرى فاعلموا ايها المسرفون انا ننتقم منكم في النشأة الاولى لكل جريمة صدرت عنكم من الجريمتين العظيمتين فَإِذا جاءَ وَعْدُ انتقام أُولاهُما اى اولى الجريمتين بَعَثْنا وسلطنا عَلَيْكُمْ حين أردنا الانتقام منكم والأخذ عليها عِباداً لَنا منتقمين عنكم من قبلنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ وشوكة عظيمة وصولة قوية قاهرة وهم إذا دخلوا عليكم فَجاسُوا اى تجسسوا وترددوا لطلبكم خِلالَ الدِّيارِ ووسطها للقتل والاستئصال وَقد كانَ ما ذكر من الانتقام وَعْداً من الله مَفْعُولًا حقا عليه سبحانه إنجازه وإيقاعه وذلك حين استولى بختنصر عليهم فقتل كبارهم وسبى صغارهم ونهب أموالهم وخرب بلدانهم وخرق التورية وخرب الأقصى ثُمَّ بعد ما ضعفناكم واخذناكم قد رَدَدْنا وأعددنا لَكُمُ الْكَرَّةَ اى الدولة والصولة والغلبة عَلَيْهِمْ اى على أعدائكم وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ عظام وَبَنِينَ معاونين ناصرين وَجَعَلْناكُمْ في الكرة الثانية أَكْثَرَ نَفِيراً من الكرة الاولى واكثر عسكرا وجنودا منها وبالجملة إِنْ أَحْسَنْتُمْ لبنى نوعكم خالصا لوجه الله وآمنتم بالله لتزكية نفوسكم أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ إذ فوائد الايمان والإحسان انما هي عائدة إليكم وَإِنْ أَسَأْتُمْ لهؤلاء وكفرتم بالله ورسله فَلَها اى وبال اساءتكم ايضا عائد عليها إذ الله في ذاته غنى عن احسان المحسن واساءة

стр. 446

المسيء مطلقا فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ اى وقت انتقام الجريمة الاخيرة بعثنا عليكم ايضا عبادا لنا اولى بأس شديد وبسطة قوية وبطش محكم متناه في الصولة والسطوة هو ططوس الرومي وقيل ملك الفرس اسمه جودرز وقيل حردوس وانما بعثناهم عليكم لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ اى ليسؤا معكم بحيث قد ظهرت آثار أساءتهم وإذلالهم إياكم من وجوهكم وَلِيَدْخُلُوا هؤلاء ايضا الْمَسْجِدَ الأقصى وخربوه كَما دَخَلُوهُ وخربوه أَوَّلَ مَرَّةٍ في استيلاء بختنصر واحرق هؤلاء الكتب ايضا كما احرقوا وَلِيُتَبِّرُوا وليهلكوا ما عَلَوْا وما قدروا عليه وغلبوا تَتْبِيراً هلاكا كليا بحيث لا ينجو منهم احد قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلى فسألهم عنه فقالوا دم قربان لم يقبل منا فقال ما هو الا كذب فقتل منهم الوفا عليه ثم قال ان لم تصدقوني ولم تبينونى دم من هو هذا ما تركت منكم أحدا فلما اضطروا قالوا انه دم يحيى النبي ﵇ قد قتلناه ظلما فقال لمثل هذا ينتقم الله المنتقم الغيور عنكم ثم قال ملتفتا الى الدم يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاسكن من الغلى قبل ان لا أبقى أحدا منهم فسكن ولم يقتل بعد هذا. ثم قال سبحانه عَسى رَبُّكُمْ يا بنى إسرائيل وقرب أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد المرة الثانية ان تبتم عن جرائمكم ومعاصيكم وَإِنْ عُدْتُمْ إليها ثالثا عُدْنا الى الانتقام والعذاب ثالثا وهكذا رابعا وخامسا وقد عادوا في النوبة الثالثة بتكذيب محمد ﷺ وقصدوا قتله فأعاد الله عليهم الخزي بان سلط المسلمين عليهم فقتلوهم واسروهم وضربوا الجزية على ما بقي منهم وبالجملة قد صاروا مهانين أذلاء صاغرين الى قيام الساعة هذا في النشأة الاولى وَفي النشأة الاخرى جَعَلْنا جَهَنَّمَ البعد والخذلان وسعير الطرد والحرمان لِلْكافِرِينَ حَصِيراً محبسا ومضيقا بحيث لا ينجون منها ابد الآباد ومن أراد نجاة الدارين وخير النشأتين فعليه الامتثال والانقياد بعموم الاحكام الموردة في القرآن المنزل على خير الأنام إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ الفارق بين الهداية والضلال والحق والباطل والحرام والحلال يَهْدِي ويرشد لِلَّتِي للطريقة التي هِيَ أَقْوَمُ الطرق واعدلها وأوضح السبل وأبينها الى التوحيد المنجى عن ظلمات النشأتين وَيُبَشِّرُ ايضا الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ المأمورة فيه المقربة الى التوحيد الذاتي أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً الا وهو الفوز بشرف اللقاء والتحقق عند سدرة المنتهى وَيخبر القرآن ايضا أَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ولم يصدقوا ما فيها من الحساب والعقاب والصراط والسؤال وجميع ما فيها قد أَعْتَدْنا وهيأنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً مؤلما مخزنا لرؤيتهم المؤمنين مترفين متنعمين في الجنة مترفهين وهم في النار مهانون صاغرون وَمن جملة الأخلاق المذمومة والديدنة القبيحة المستهجنة يَدْعُ الْإِنْسانُ مسرعا مستعجلا بِالشَّرِّ الملحق له من غير علم بشريته ووخامة عاقبته دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ اى مثل دعائه بالخير في السرعة والاستعجال وَبالجملة قد كانَ الْإِنْسانُ خلق في جبلته واصل فطرته عَجُولًا مسرعا مستعجلا على كل ما يميل اليه وان كان مضر اله وَمن كمال رحمتنا واشفاقنا لعموم عبادنا قد جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ دالتين على قدرة القادر العليم الحكيم بتواليهما على نسق واحد مع إمكان غيره فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ باشراق النهار وإضاءته وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ذا نور واضاءة لِتَبْتَغُوا وتطلبوا فَضْلًا وعطايا ناشئة مِنْ رَبِّكُمْ لتعيشوا بها وتقوموا امزجتكم منها وَلِتَعْلَمُوا بتجدد الملوين وتكرر الجديدين عَدَدَ السِّنِينَ

стр. 447

وَالْحِسابَ المتداولة بينكم في معاملاتكم وحراثتكم وتجاراتكم وَبالجملة كُلَّ شَيْءٍ تحتاجون اليه في امور معاشكم ومعادكم قد فَصَّلْناهُ بيناه وأوضحناه لكم وعلمنا طريق وصولكم ونيلكم اليه تَفْصِيلًا وتبيينا واضحا لائحا فعليكم ان تتخذونى وكيلا في عموم حوائجكم الدنيوية والاخروية وَاعلموا ان كُلَّ إِنسانٍ يعنى كل فرد فرد من نوع الإنسان قد أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ يعنى بعد ما رتبنا امور معاش الإنسان ومعاده على ما ينبغي ويليق بحاله كتبنا جميع ما صدر عنه من الأعمال الصالحة والفاسدة في مكتوب جامع لها محيط بها وعلقناه في عنقه تعليقا لازما شبه الأعمال بالطائر لان الإنسان يطير ويميل نحو السعادة والشقاوة بما صدر عنه من الأعمال كأن الأعمال جناح له وَبعد انقضاء النشأة الاولى المعدة للاختبار والاعتبار نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً حاويا لعموم ما صدر عنه في دار الابتلاء يَلْقاهُ وينال اليه مَنْشُوراً على رؤس الملأ والاشهاد تعظيما وتكريما او تفضيحا وتقريعا وحين لقياه بكتابه يقال له اقْرَأْ ايها المكلف في دار الابتلاء بأنواع التكاليف والمأمور فيها بامتثال الأوامر وترك المناهي كِتابَكَ هذا اى صحيفتك المشتملة على عموم ما صدر عنك إذ قد كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ اى كفى نفسك اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً محاسبا كافيا وشهيدا شاهدا بلا احتياج لك الى محاسب آخر سواك وبالجملة مَنِ اهْتَدى في النشأة الاولى بمتابعة ما امر ونهى فَإِنَّما يَهْتَدِي وما يفيد الا لِنَفْسِهِ إذ نفع الهداية انما هو الوصول الى مرتبة الخلافة والنيابة الإلهية التي قد جبل الإنسان عليها وهذا عائد الى نفس الموحد بلا سراية الى غيره الا على وجه الإرشاد والتنبيه وَكذا مَنْ ضَلَّ عن طريق الحق وانحرف عن مسلك التوحيد بترك المأمورات وارتكاب المنهيات فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها اى ما يعود وما يرجع وبال ضلالها الا على نفسها بلا سراية الى غيرها الا تسببا واضلالا وَبالجملة لا تَزِرُ ولا تحمل نفس وازِرَةٌ عاصية آثمة وِزْرَ نفس أُخْرى مثلها بل كل نفس رهينة بما كسبت سواء كان خيرا او شرا وبعد ما قد قرر سبحانه ان الهداية والضلال لا تسرى الى الغير أراد ان يبين سبحانه ان الأخذ والانتقام على الضلال انما هو بعد الإرشاد والتنبيه فقال وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ لأهل الغفلة والضلال حَتَّى نَبْعَثَ ونرسل إليهم رَسُولًا منهم حين ظهر عنهم ولاح عليهم علامات الفسوق والعصيان وامارات الضلال والطغيان ليبين لهم أولا طريق الهداية ويرغبهم نحوها ويجنبهم عن الضلال وينفرهم عنه وبعد ما بعثنا عليهم وأرسلنا إليهم رسلا ان لم يقبلوا قول الرسل ولم يمتثلو بما أمروا على ألسنتهم ونهوا قد أصروا على ما هم عليه من الضلال أخذوا وعذبوا وَ بذلك قد جرت سنتنا المستمرة انا إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ ونستأصل قَرْيَةً مستحقة للاهلاك والاستئصال أَمَرْنا أولا مُتْرَفِيها ومتنعميها بالاطاعة والانقياد لنبي أرسل إليهم من لدنا فَفَسَقُوا فِيها وخرجوا عن مقتضى ما أمروا ونهوا على لسان نبيهم ولم يبالوا به فَحَقَ فقد ثبت واستقر عَلَيْهَا الْقَوْلُ اى على اهل القرية العذاب الموعود المعهود حقا حتما واستحقوا بحلوله جزما فَدَمَّرْناها وأهلكنا أهلها بسبب فسقهم وخروجهم عن الإطاعة والامتثال بالمأمور تَدْمِيراً اى إهلاكا كليا واستئصالا حقيقيا الى حيث لم يبق منهم ومن عمرانهم ودورهم ومنازلهم واطلالهم شيء وَليس أمثال هذا الإهلاك ببدع منا بل كَمْ اى كثيرا قد أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ الماضية مِنْ بَعْدِ إهلاك قوم نُوحٍ كعاد

стр. 448

وثمود لعتوهم وعنادهم مع رسل الله وَلا يحتاج في اثبات ضلال أولئك الضالين المضلين الى شاهد ومبين بل كَفى بِرَبِّكَ اى كفى ربك يا أكمل الرسل بِذُنُوبِ عِبادِهِ وخروجهم عن أطاعته وانقياده خَبِيراً إذ هو سبحانه عالم بعموم ما في سرائر عباده وبما في ضمائرهم بل بما في استعداداتهم وقابلياتهم بَصِيراً بما في علنهم وظواهرهم وبالجملة مَنْ كانَ منهم يُرِيدُ اللذات الْعاجِلَةَ والشهوات الفانية الزائلة عَجَّلْنا وأعطينا لَهُ فِيها اى في النشأة الاولى ابتلاء له واختبارا وتلبيسا عليه واغترارا ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ لأنا مطلعون على ما في سره وضميره ثُمَّ جَعَلْنا وهيأنا في النشأة الاخرى لَهُ جَهَنَّمَ منزل الطرد والحرمان حال كونه يَصْلاها ويطرح فيها مَذْمُوماً مشؤما محروما مَدْحُوراً مطرودا مقهورا وَمَنْ أَرادَ منهم بامتثال الأوامر المتعلقة بمصالح الدين وباجتناب نواهيه المخلة له الْآخِرَةَ اى اللذات الاخروية الابدية وَسَعى لَها سَعْيَها واجتهد فيها بمقتضى الأمر الإلهي وَالحال انه هُوَ في حال السعى والاجتهاد مُؤْمِنٌ موقن مصدق بوحدانية الله وبعموم ما نزل من عنده على رسله بلا شوب تزلزل وتردد فَأُولئِكَ السعداء المقبولون قد كانَ سَعْيُهُمْ واجتهادهم في امتثال الأوامر واجتناب النواهي مَشْكُوراً مقبولا مستحسنا وعملهم مبرورا وجزاؤهم موفورا وهم كانوا في دار الجزاء مغفورين مسرورين كُلًّا نُمِدُّ اى كل واحد من الفريقين المطيع والعاصي نيسر ونوفق له بمقتضى ما يهوى ويريد هؤُلاءِ المؤمنين المطيعين نوفقهم على الطاعات ونجنبهم عن المعاصي وَهَؤُلاءِ الكافرين العاصين نيسر لهم ما يميل اليه نفوسهم من الاهوية الفاسدة والآراء الباطلة إذ كل ميسر لما خلق له وبالجملة كل ذلك مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ يا أكمل الرسل الذي رباك وعموم عباده بأنواع اللطف والكرم وَكيف لا ييسرهم سبحانه ولا يوفقهم الى ما يعنيه نفوسهم إذ لا رازق لهم سواه ولا معطى لهم غيره لذلك ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ممنوعا عن الكافر لكفره وعصيانه موفورا على المؤمنين لإيمانه بل لا يعلل فعله بالإعراض والأعواض مطلقا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ارادة واختيارا والتفاوت الجاري بين عباده انما هو لحكمة ومصلحة قد استأثر الله به في غيبه لا اطلاع لاحد عليه لذلك قال سبحانه انْظُرْ ايها الناظر المعتبر كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ في النشأة الاولى بالمال والجاه والثروة والرياسة عَلى بَعْضٍ مبتلى بالفقر والمسكنة وانواع المذلة والهوان وَلَلْآخِرَةُ المعدة للذات الروحانية ولانواع الحقائق والمعارف والمكاشفات والمشاهدات أَكْبَرُ دَرَجاتٍ لبقاء لذاتها ابد الآباد وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا من الفضل المستعار الفاني الزائل بسرعة ومتى اعتبرت ايها المعتبر وتأملت ما فيه من العبر لا تَجْعَلْ ولا تتخذ مَعَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المتعزز برداء الفردانية إِلهاً آخَرَ كفوا له يعبد بالحق مثله وكيف تجعل وتأخذ ربا سواه والحال انه ليس في الوجود الا هو مع انك ان جعلت معه وأخذت الها سواه فَتَقْعُدَ أنت بعد جعلك واتخاذك ظلما وزورا خائبا خاسرا بل مَذْمُوماً عند الملائكة وعموم المؤمنين مَخْذُولًا عند الله يوم العرض الأكبر وَكيف يتخذ ويثبت اله سواه مع انه قد قَضى رَبُّكَ يا أكمل الرسل وحكم حكما محكما مقطوعا مبرما أَلَّا تَعْبُدُوا اى بان لا تعبدوا ايها البالغون حد التكليف القابلون للعبادة والانقياد إِلَّا إِيَّاهُ إذ لا مستحق للعبادة والانقياد سواه وكيف لا هو المستقل بايجادكم واظهاركم بلا

стр. 449

مشاركة ولا مظاهرة فعليكم ان تعظموه وتوقروه وانقادوا له وتذللوا عنده غاية التذلل والخضوع وَبأن تحسنوا بِالْوالِدَيْنِ اللذين هما السببان الظاهريان لتربيتكم وظهوركم إِحْساناً سلسا طلقا فرحانا ضحكا على وجوههم بلا شوب المن والأذى سيما إِمَّا يَبْلُغَنَّ اى ان يبلغن عِنْدَكَ ايها الولد الْكِبَرَ اى سن الكهولة بحيث يعجز عن خدمة نفسه أَحَدُهُما اى احد الوالدين أَوْ كِلاهُما معا وبالجملة فَلا تَقُلْ لَهُما في عموم الأحوال سيما عند الكبر والكهولة أُفٍّ اى صوتا شديدا دالا على زجرهما وضجرهما وردعهما وَان خرجا عن مقتضى العقل وفعلا فعلا يجب لك صرفهما عنه لا تَنْهَرْهُما ولا تقهرهما كذلك زجرا عليهما بل وَقُلْ لَهُما ولصرفهما عما كانا عليه وذبهما عنه قَوْلًا كَرِيماً هينا لينا بلا غلظة وتشدد وَبالجملة اخْفِضْ وابسط لَهُما جَناحَ الذُّلِّ والمسكنة والتواضع الناشئة مِنَ كمال الرَّحْمَةِ والشفقة عليهما وَلا تقتصر على الخفض والشفقة الدنياوية بل قُلْ لهما ولأجلهما مناجيا مع الله رَبِّ ارْحَمْهُما بمقتضى رحمتك الواسعة وجودك الشامل كَما رَبَّيانِي صَغِيراً اى ارحمهما حسب فضلك ورحمتك مثل رحمتهما وتربيتهما إياي في وقت صغرى وطفوليتى فعليكم ايها المكلفون ان تكونوا في دعائهما على العزيمة الصحيحة والمحبة الخالصة بحيث يكون بواطنكم موافقة لظواهركم مثل تربيتهما إياكم حالة صغركم ولا تتمنوا موتهما في قلوبكم إذ رَبُّكُمْ المطلع على سرائركم أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ من ابتغائكم موتهما او برهما وتكريمهما فالله سبحانه يعفو عنكم ويقبل توبتكم إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ مصلحين ما فوتم وأفسدتم على نفوسكم من حق تعظيمهما وتوقيرهما فَإِنَّهُ سبحانه من كمال فضله وجوده قد كانَ لِلْأَوَّابِينَ الرجاعين نحوه سبحانه النادمين عما صدر عنهم من المعاصي سيما بما يتعلق بعقوق الوالدين غَفُوراً يغفرهم ويتجاوز عنهم وَلا تقتصر ايها الولد على تعظيم والديك فقط بل عليك تعظيم كل ما ينتمى إليك من قبلهما لذلك آتِ وأعط ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ اى حق تواضعهم وتوقيرهم ان كانوا اغنياء وأنفق عليهم ان كانوا فقراء وَآت ايضا من زكوات أموالك ومن فواضل صدقاتك الْمِسْكِينَ من الأجانب وهو الذي لا يقدر على قوته وقوت عياله وَابْنَ السَّبِيلِ ايضا الذي قد بعد بلده وليس معه مؤنة معاشه وكن في عموم انفاقك مقتصدا معتدلا وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إسرافا مفرطا خارجا عن حد الاعتدال سيما فيما لا يعنى ولا ينبغي إذ التبذير والتقتير كلاهما مذمومان عقلا وشرعا لذلك قال سبحانه إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ المسرفين أموالهم رياء وسمعة كبرا وخيلاء قد كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أشباههم واتباعهم في صرف الأموال الموهوبة من الله غير المصرف وغير المستحق من المصارف بل قد صرفوها الى المحظورات والمكروهات باغواء الشياطين واغرائهم وَكانَ الشَّيْطانُ الغاوي الطاغي لِرَبِّهِ كَفُوراً لنعم الله فيغرى اتباعه الى الكفران ايضا. ثم قال سبحانه وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ اى ان تحقق اعراضك ومنعك عن هؤلاء المستحقين المذكورين سيما بعد ما سألوا عنك العطاء ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ اى طلب رحمة ومغفرة مرجوة مِنْ رَبِّكَ حال كونك تَرْجُوها اى الرحمة لهم لعلمك منهم بأنهم قد صرفوها الى المعاصي والقبائح فعليك ان تمنعهم وتردهم هينا لينا بلا غلظة وتشدد فَقُلْ لَهُمْ حين دفعهم ومنعهم قَوْلًا مَيْسُوراً سهلا سلسا بحيث لا ييأسوا ولا يحزنوا مثل ان تقول سهل الله علينا وعليكم ويسر لنا ولكم من فضله وجوده

стр. 450

وبعد ما نهى سبحانه عن التبذير صريحا والاعراض عمن صرف النعمة الى المعصية نهى سبحانه عن مطلق البخل والتبذير المذمومين تأكيدا ومبالغة فقال وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً معقودة إِلى عُنُقِكَ بحيث لا يسع لك إعطاء شيء مما رزق الله لك على مستحقيه شحا وبخلا إذ هو افراط وتقتير وَايضا لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ بحيث لا ثبات ولا قرار عندك وفي يدك للأموال والأرزاق المسوقة نحوك لمصلحة الخيرات وبناء الخانات والرباطات وسائر مصالح العباد أصلا فهذا تفريط وتبذير وكلاهما مذمومان شرعا وعقلا فعليك بالاقتصاد الذي هو عبارة عن الكرم والجود والسماحة الممدوحة عند ارباب المروة والفتوة ألا وهو صراط الله الأعدل الأقوم فَتَقْعُدَ بعد اتصافك بالبخل والتقتير مَلُوماً عند الله وعند الملائكة والناس أجمعين وان اتصفت بالإسراف والتبذير تقعد مَحْسُوراً نادما متحسرا قلقا حائرا في نظم معاشك إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ الصوري والمعنوي ويوسعه لِمَنْ يَشاءُ من عباده بمقتضى علمه بحالهم وسعة استعدادهم وقابلية حوصلتهم وَيَقْدِرُ اى يقبض ويضيق على من يشاء منهم بمقتضى علمه بضيق صدورهم وقلة تمكنهم ووقارهم وحكمتهم واعتدالهم إذ الله العليم الحكيم المتقن في أفعاله لا يتجاوز عن مقتضى حكمته وكيف يتجاوز إِنَّهُ سبحانه قد كانَ بِعِبادِهِ عليما خَبِيراً عن بواطنهم وضمائرهم وما يئول اليه أمورهم بَصِيراً بظواهر أحوالهم وتقلباتهم في شئونهم وتطوراتهم وَلا تَقْتُلُوا ايها البالغون لرتبة التكليف الإلهي أَوْلادَكُمْ الحاصلة لكم من أصلابكم سواء كانوا بنين او بنات بلا رخصة شرعية سيما خَشْيَةَ إِمْلاقٍ اى من خوف فقر وفاقة إذ نَحْنُ من سعة جودنا ووفور رحمتنا نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إذ لا رازق لكم ولهم سوانا وبالجملة إِنَّ قَتْلَهُمْ ان صدر عنكم كانَ خِطْأً كَبِيراً وذنبا عظيما عند الله وَعليكم ايها المؤمنون المتدرجون في مسالك التحقيق ان لا تَقْرَبُوا الزِّنى بترتيب مقدمات تترتب عليها تلك العفلة القبيحة فكيف الإتيان بها العياذ بالله إِنَّهُ اى الزنا قد كانَ فاحِشَةً مسقطة للعدالة مزيلة للمروءة مبطلة لحكمة التناسل التي هي المعرفة الإلهية إذ ولد الزنا لا يبلغ مرتبة الولاية ودرجة العرفان أصلا وَساءَ سَبِيلًا الزنا لقضاء الشهوة المعدة لسر الظهور والإظهار من لدن حكيم عليم وَعليكم ايضا ايها الموحدون القاصدون الى معارج التوحيد ان لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها إذ هي بيت الله وتخريب بيته من أعظم الكبائر إِلَّا بِالْحَقِّ اى برخصة شرعية من قصاص وحد وردة الى غير ذلك من الرخص التي قد عينها الشرع وَبالجملة مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً بلا رخصة شرعية فَقَدْ جَعَلْنا بمقتضى عدلنا لِوَلِيِّهِ اى لمن يلي امر المقتول بعده سُلْطاناً سطوة وغلبة على القاتل الظالم مع معاونة الحكام له فَلا يُسْرِفْ اى الولي المنتقم فِي الْقَتْلِ لقصاص المقتول المظلوم بان يقتل غير القائل بدله او يقتله مع غيره وكيف لا يقتل القائل الظالم بدل المقتول المظلوم إِنَّهُ قد كانَ اى المظلوم مَنْصُوراً مرحوما عند الله وعند عموم الخلائق وَعليكم ايضا ايها المتوجهون نحو الحق بالعزيمة الصحيحة والقصد الخالص ان لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ الذي لا متعهد له من الأبوين إِلَّا بِالَّتِي اى بالطريقة التي هِيَ أَحْسَنُ الطرق بحالهم من ازدياد أموالهم وتنميتها وحفظها وتعميرها على وجه العدالة والمروة حَتَّى يَبْلُغَ اليتيم أَشُدَّهُ اى رشده وإذا بلغ الى سن التمييز والتصرف فلكم ايها الأوصياء المتعهدون لأموال اليتامى ردها حينئذ إليهم بعد اختبارهم وامتحان

стр. 451

رشدهم وكفايتهم مرارا وَلكم ايها المؤمنون الموحدون الإيفاء والوفاء بمطلق العهود والمواثيق مطلقا سواء كانت مما بينكم وبين الله او بين عباده أَوْفُوا بِالْعَهْدِ والميثاق مطلقا إِنَّ الْعَهْدَ والميثاق قد كانَ مَسْؤُلًا في النشأة الاخرى وناقضه مؤاخذا وموفيه مأجورا وَايضا أَوْفُوا الْكَيْلَ اى عليكم إيفاء الكيل إِذا كِلْتُمْ لغيركم وَزِنُوا ايضا إذا وزنتم بِالْقِسْطاسِ اى الميزان وهو لفظ سرياني الْمُسْتَقِيمِ الذي لا ميل له الى جانب بل قد صار كفتاه على السوية بلا ميل ذلِكَ اى ايفاؤكم ووفاؤكم واستقامتكم في المكيال والميزان خَيْرٌ جالب لانواع الخيرات في الدنيا وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا اى عاقبة ومآلا في العقبى وَلا تَقْفُ اى لا تتبع ايها المؤمن الموقن الموفق الطالب للوصول الى مرتبة التوحيد ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اى ما لم يتعلق علمك به تقليدا او تخمينا إذ أنت في يوم الجزاء مسئول عما رمته بلا علم وقصدت نحوه وأقدمت عليه باى عضو وجارحة وكذا عما قلته بلسانك رجما بالغيب بلا فكر وروية إِنَّ السَّمْعَ قدمه إذ قد نسبت اليه اكثر الكواذب والمفتريات وَالْبَصَرَ لان النفس تقع في اكثر الفتن والمهالك برؤية البصر وَالْفُؤادَ الذي هو اصل في إنشاء الكواذب والمزورات كُلُّ أُولئِكَ اى كل واحد واحد من القوى الثلاثة قد كانَ يوم القيمة عَنْهُ مَسْؤُلًا فتقر وتشهد تلك القوى بعد ما سئل عنها عن جميع ما صدر منها من المعاصي فيفتضح صاحبها على رؤس الاشهاد وَبالجملة لا تَمْشِ ايها الطالب لعدالة التوحيد والعرفان فِي الْأَرْضِ التي قد أعدت للتذلل والانكسار والتواضع والخشوع مَرَحاً ذا كبر وخيلاء وكيف تختال وتتكبر عليها ايها المهان المخلوق من المهين إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ بشدة قوتك ووطأتك وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ باستعلائك واستكبارك طُولًا اى من جهة الطول والعلو ولن تبقى مرة متطاولة عليها حتى تستعلى أنت بها على من دونك وبالجملة لا تتكبر ولا تتجبر ايها العاجز الضعيف مع ضعفك وقصر عمرك ودناءة مادتك وبالجملة كُلُّ ذلِكَ من النواهي المذكورة من قوله لا تجعل مع الله الها آخر الى هنا قد كانَ سَيِّئُهُ اى ثبت وتحقق كون كل واحدة منها سيئة وإثما عِنْدَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل لذلك قد كان مَكْرُوهاً منهيا عنه مبغوضا عليه من لدنه سبحانه ذلِكَ المذكور من الاحكام المتقدمة من أول السورة الى هنا مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ يا أكمل الرسل تربية لك وتأييدا لأمرك مِنَ الْحِكْمَةِ المتقنة التي يجب الامتثال والاتصاف بها على من أراد سلوك سبيل التوحيد المبنى على عدالة الأخلاق والأطوار والشئون وَاعلموا ان معظم المنهيات والمحظورات الشرك بالله العياذ به منه لذلك كرره سبحانه تأكيدا ومبالغة وبالغ في الاحتراز عنه حيث قال لا تَجْعَلْ ولا تتخذ مَعَ اللَّهِ المتوحد المتفرد في ذاته المعبود بالحق والاستحقاق إِلهاً آخَرَ يعبد له كعبادته وان اتخذت الها سواه فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ البعد والخذلان حال كونك مَلُوماً تلوم أنت نفسك بأنواع الملامات بما ضاع عنك من التوحيد المنجى عن عموم المضايقة والمهالك مَدْحُوراً مبعدا عن رحمة الله وسعة فضله وإحسانه أَتزعمون ايها المشركون المستكبرون ان الله المتعزز برداء العظمة والكبرياء قد فضلكم على نفسه فَأَصْفاكُمْ واصطفاكم على ذاته بحيث قد خصصكم واجتباكم رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ الذين هم أكرم الأولاد وأشرفها وَاتَّخَذَ وأخذ لنفسه اولادا مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً نواقص عقلا ودينا إِنَّكُمْ ايها المسرفون باقدامكم واجترائكم على الله وعلى ملائكته الذين هم اشرف

стр. 452

مخلوقاته بأمثال هذه الهذيانات الباطلة لَتَقُولُونَ في حق الله وفي حق أولئك الأصفياء الأمناء قَوْلًا عَظِيماً بهتانا وزورا تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا إذ نسبة الأولاد الى الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن مطلق الأشباه والأنداد في نهاية الشناعة والفساد واشنع منه نسبة الإناث اليه ثم نسبة الملائكة الذين هم من أفضل عباد الله وأشرفهم الى الأنوثة المستحقرة المذمومة شرعا وعقلا هذا مع غاية الإفراط في حق الله والتفريط في حق خلص عباده لذلك وصف سبحانه هذا القول الشنيع بالعظمة ثم قال سبحانه توبيخا لهم وتقريعا واشارة الى تناهيهم في الضلال والطغيان وَلَقَدْ صَرَّفْنا وكررنا مرارا شناعة هذا القول اى نسبة الولد الى الله الصمد المنزه في ذاته عن الأهل والولد وكذا أمثاله وأضرابه من الهذيانات التي لا يليق بجنابه فِي هذَا الْقُرْآنِ المنزل لهداية اهل الغي والضلال لِيَذَّكَّرُوا اى ليتذكروا ويتعظوا ويتفطنوا الى وخامة عواقبه ومآله ومع ذلك لم يتذكروا ولم يتفطنوا بل وَما يَزِيدُهُمْ ذلك التكرار والمبالغة إِلَّا نُفُوراً اعراضا عن الحق وإصرارا على ما هم عليه من الباطل قُلْ لهم يا أكمل الرسل إلزاما وتبكيتا لَوْ كانَ مَعَهُ سبحانه آلِهَةٌ أمثاله كَما يَقُولُونَ وتدعون أنتم ايها المشركون المدعون المعاندون انهم معبودون بالحق مستحقون للعبادة كما زعمتم إِذاً لَابْتَغَوْا ولطلبوا تلك الالهة البتة إِلى معاداة ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ليغلبوا عليه ويستولوا على ملكه كما يتخيل الولاة بعضهم بالنسبة الى بعض وإذا عجزوا عن مماراته ومقابلته لم يكونوا مثله فلم يستحقوا للعبادة المطلقة مثله سُبْحانَهُ اى نزه سبحانه ذاته تنزيها بليغا وقدسه تقديسا متناهيا في القدس والنزاهة وَتَعالى اى ترفع وتعاظم عَمَّا يَقُولُونَ هؤلاء الظالمون المسرفون المفرطون في شانه من اثبات الشريك المماثل له والكفو المتكافئ معه عُلُوًّا كَبِيراً اى تعاليا وتباعدا في غاية البعد والاستحالة والامتناع إذ لا موجود سواه ولا اله غيره وكيف تغفلون وتذهلون عن دلائل توحيد الحق وشواهد استقلاله ايها الضالون المضلون مع انكم أنتم مجبولون على فطرة المعرفة والتوحيد مخلوقون على جبلة اليقين والعرفان ومع ان عموم المظاهر ينزهون ذاته عن مطلق النقائص حالا ومقالا إذ تُسَبِّحُ لَهُ وتقدس ذاته عن الشريك والولد والكفو والنظير السَّماواتُ السَّبْعُ المطبقة المعلقة المنضدة المنظومة على ابلغ النظام وأعجبه مع ما فيها من الكواكب المختلفة الألوان والأشكال والمنازل والحركات والآثار المترتبة عليها ومع ما فيها من عجائب المخلوقات وغرائب المبدعات والمخترعات التي لا علم لنا الا بانياتها دون لمياتها كل ذلك يدل على وحدة مظهرها وبارئها وتفرد موجدها وَالْأَرْضُ وما عليها من انواع النباتات والمعادن والحيوانات التي قد عجزت عن عدها وإحصائها ألسنة اولى البصائر والنهى المعتبرين المتأملين في مصنوعات الحق وعجائب مخترعاته وَكذا مَنْ فِيهِنَّ من الملائكة والثقلين المجبولين على عبادة الحق وعرفانه وَبالجملة إِنْ مِنْ شَيْءٍ وما من ذرة يطلق عليه اسم الشيء ويمتد عليه ظل الوجود إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ اى يقدس ذاته وينزهه عن شوب الحدوث والإمكان بعضه بلسان الحال وبعضه بلسان القال سيما عن أقوى امارات الإمكان التي هي الإيلاد والاستيلاد وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ ولا تفهمون أنتم ايها المنهمكون في الغي والضلال تَسْبِيحَهُمْ لعدم التفاتكم واشتغالكم بالتدبر والتأمل في مصنوعات الحق والتفكر في آياته بل تنكرونها وتصرون على القدح فيها عنادا ومكابرة وتشركون بالله العياذ به منه أندادا وبذلك قد استوجبتم أشد العذاب وأسوأ النكال فامهلكم الله إِنَّهُ كانَ حَلِيماً

стр. 453

لا يعجل بالانتقام والعقوبة رجاء ان تتفطنوا وترجعوا نحوه بالتوبة والندم على الإخلاص فيغفر زلتكم كلها انه كان غَفُوراً للأوابين الرجاعين نحوه بكمال الندم والإخلاص وان عظمت زلتهم وكبرت معصيتهم وَمن كمال لطفنا معك يا أكمل الرسل وغاية حفظنا وحراستنا إياك إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ واستغرقت في لجج رموزه وإشاراته وخضت في تيار بحره الزخار لطلب فرائد فوائده وصرت من غاية استغراقك وتلذذك به وبما فيه الى ان غبت عن محافظة نفسك ومراقبة حالك إذ قد جَعَلْنا حسب حفظنا وحضانتنا لك بَيْنَكَ وَبَيْنَ القوم الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ولا يوقنون بالأمور المترتبة عليها فيها حِجاباً غليظا وغشاء كثيفا مَسْتُوراً نسترك به عن أعين أعدائك القاصدين لك سوء مع انهم لا يرون الحجب ايضا روى سعيد بن جبير رضى الله عنه انه لما نزلت تبت يد ابى لهب السورة جاءت امرأة ابى لهب بحجر لترضح به رأس رسول الله ﷺ وهو جالس مع ابى بكر رضى الله عنه فسألته اين صاحبك لقد بلغني انه هجانى فقال ابو بكر ما نطق صاحبي بالشعر قط ثم قال أبو بكر ما رأتك يا رسول الله فقال ﵇ لم يزل ملك بيني وبين أعدائي انا أراهم وهم لا يرونني وَكيف لا يكون الكافر محجوبا مستورا عن سرائر القرآن ومرموزاته إذ قد جَعَلْنا وغطينا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً واغطية كثيفة تمنعهم عن أَنْ يَفْقَهُوهُ ويفهموا معناه وَايضا قد جعلنا فِي آذانِهِمْ وَقْراً صمما وثقلا يمنعهم عن استماع ألفاظه حتى لا يتأملوا ولا يتدبروا في معناه وَمن غلظ غشاوتهم وكثافة حجبهم وأكنتهم إِذا ذَكَرْتَ أنت رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ منفردا بلا ذكر آلهتهم الباطلة وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ وانصرفوا من حولك معرضين كارهين نُفُوراً متنفرين ساخطين عليك ولا تبال يا أكمل الرسل بهم وبسماعهم واستماعهم وعدمه ولا تلتفت أنت نحوهم قط إذ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ اى بغرضهم المتعلق باستماعهم الذي هو الاستهزاء والسخرية وقت إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَكيف لا يكونون مستهزئين مستسخرين إِذْ هُمْ حين استماعهم كلامك نَجْوى اى ذو ومناجاة يضمرون في نفوسهم مقتك وهلاكك واقله الاستهزاء معك اذكر إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ منهم على سبيل العناد والمكابرة لأهل العدل والتوحيد إِنْ تَتَّبِعُونَ وما تقتفون أنتم ايها الضالون إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً قد سحر به فجن فاختلط كلامه وذهب عقله وتكلم من تلقاء نفسه كلاما لا يشبه كلام العقلاء انْظُرْ ايها الناظر بنور الله المؤيد من عنده كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ الحشوة البتراء من غاية اضطرابهم وتهالكهم مرة يقولون انك شاعر ومرة ساحر ومرة كاهن ومرة مجنون وبالجملة فَضَلُّوا عن طريق الحق في عموم ما نسبوا إليك والى ما جئت به من الكلام المعجز في أعلى مراتب الاعجاز فَلا يَسْتَطِيعُونَ الى مقتك وقدح كتابك سَبِيلًا واضحا موجها سوى هذه الهذيانات الباطلة بل قد خبطوا في جميعها خبط عشواء فضلوا عن السبيل السواء وَمن غاية انهماكهم في الغي والضلال ونهاية انكارهم بحقية القرآن وبما فيه من احوال يوم القيمة وأهوالها وافزاعها قالُوا مستبعدين متعجبين على سبيل التهكم والاستهزاء أَإِذا كُنَّا عِظاماً يعنى انبعث ونحيي بعد ما قد صرنا عظاما بالية رميمة وَرُفاتاً غبارا مرفوتا مشتوتا تذروه الرياح أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ محشورون من قبورنا خَلْقاً آخر جَدِيداً معادا للخلق الاول لا مثلا له بل عينا بلا مغايرة له أصلا كلا وحاشا من اين يتأتى لنا

стр. 454

هذا قُلْ يا أكمل الرسل في جوابهم إلزاما لهم وتبكيتا لا تستبعدوا ايها الضالون المعاندون أمثال هذا البعث والأحياء عن قدرة الله في الأشياء التي قد عهد حياتها من قبل إذ لا بعد ولا غرابة فيها بل كُونُوا حِجارَةً هي ابعد بمراحل عن قبول الحيوة أَوْ حَدِيداً هو أشد بعدا منها أَوْ خَلْقاً آخر مثلا هو ايضا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ويستحيل في نفوسكم اتصافه بالحيوة فالله القادر المقتدر بالقدرة الغالبة الكاملة والقوة الشاملة قادر على احيائه وإيجاده ان تعلقت ارادته ومضت مشيته ونفذت حكمه وقضاؤه على تكوينه وإظهاره وبعد ما أفحموا عن سماع الحجة القوية وانحسرت عقولهم عن المقابلة معها فَسَيَقُولُونَ مستفهمين عن تعيين الحق المبدئ المعيد على سبيل الإنكار مَنْ يُعِيدُنا بعد موتنا وبعد صيرورتنا عظاما ورفاتا قُلِ يا أكمل الرسل يعيدكم الَّذِي فَطَرَكُمْ وأظهركم من كتم العدم أَوَّلَ مَرَّةٍ إظهارا إبداعيا وإيجادا اختراعيا بلا سبق مادة ومدة فاعادتكم أهون عليه من ابدائكم وابداعكم وبعد ما سمعوا منك قولك فَسَيُنْغِضُونَ ويحركون إِلَيْكَ ايها المؤيد من عند الله لإلزام أولئك الغواة الطغاة الهالكين في تيه المكابرة والعناد رُؤُسَهُمْ على وجه الاستهزاء والاستبعاد وَيَقُولُونَ حينئذ مستسخرين مَتى هُوَ مع ان الأنبياء الماضين يدعون مثلك قيامها ووقوعها فلم تقع بعد وأنت ايضا تدعى فلا تقع وبالجملة ما هي الا مجرد الدعوى منك ومنهم بلا وقوع ولا ورود قُلِ لهم يا أكمل الرسل عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً يعنى بعد ما قد ختم امر الرسالة والتشريع وكمل بناء الدين وشيد أركانه وبنيانه فقد قرب وقوعها فانتظروا ايها المؤمنون المصدقون ليوم الحشر والنشر مترصدين مترقبين يَوْمَ يَدْعُوكُمْ الله للبعث والحشر فَتَسْتَجِيبُونَ له أنتم طائعين راغبين ملتبسين بِحَمْدِهِ معترفين بكمال قدرته ووفور حوله وقوته وَتذكروا من طول ذلك اليوم وشدة أهواله وافزاعه على الكافرين ومن داوم عيشه وحضوره عليكم قد تَظُنُّونَ أنتم وتعتقدون فيه حين حضوركم إِنْ لَبِثْتُمْ وما أقمتم وما سكنتم في النشأة الاولى إِلَّا قَلِيلًا يعنى تستقلون وتستقصرون مدة لبثكم في الدنيا يعنى مع كثرة شدائد يوم القيمة وأهوالها على الكفرة ودوام عيشها على المطيعين وَقُلْ يا أكمل الرسل على سبيل العظة والتذكير وتهذيب الأخلاق وتصفية الباطن لِعِبادِي يعنى المؤمنين الموقنين بشئونى وظهوري حسب تجلياتى في الاولى والاخرى الكاملين المكملين الراشدين المرشدين إذا أرادوا هداية التائهين في بحر الغفلة والضلال يَقُولُوا كل منهم وقت تذكيرهم وتنبيههم رفقا لهم وتليينا لقلوبهم بالكلمة الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الكلمات وألينها وأتمها نفعا وأقربها للقبول لا بالتي هي أخشن واغلظ لتكون مدخلا للشيطان مثيرة للفتن والطغيان إِنَّ الشَّيْطانَ المضل المغوى يَنْزَغُ ويوقع الفتنة بَيْنَهُمْ اى بين المرشد والمسترشد ويهيجها ويثيرها الى ان ادى الأمر الى المشاجرة والمقاتلة وانواع الخصومات المخلة للحكمة المقصودة من امر النبوة والرسالة والكلمة الغليظة كثيرا ما تفضى إليها فيفوت الغرض الأصلي منها وبالجملة إِنَّ الشَّيْطانَ قد كانَ في اصل فطرته وجبلته خلق لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ظاهر العداوة مستمر الفتنة بحيث لا يرجى رفع عداوته أصلا فلكم ايها الهادون الناصحون ان لا تغلظوا ولا تخشنوا في دعوة الناس الى طريق الحق ولا تبالغوا ايضا في إرشادهم وهدايتهم إذ ما عليكم الا تبليغ ما أمرتم بتبليغه وليس في وسعكم وطاقتكم رشدهم وهدايتهم البتة إذ هو مبنى على العلم باستعداداتهم وقابلياتهم ولا علم

стр. 455

لكم ايها الناصحون عليها بل رَبُّكُمْ الذي رباكم أَعْلَمُ بِكُمْ ايها المجبولون على فطرة المعرفة والايمان إِنْ يَشَأْ هدايتكم يَرْحَمْكُمْ بمقتضى جوده ويوفقكم على قبول الايمان وحصول العرفان عناية منه وفضلا أَوْ إِنْ يَشَأْ غوايتكم يُعَذِّبْكُمْ ويبقكم في تيه الحرمان والخذلان خاسرين خائبين بمتابعة الشيطان وَبالجملة ما أَرْسَلْناكَ يا أكمل الرسل وأفضل البرايا مع انك لولاك لما خلقنا الأفلاك إذ كل ما في العالم من المظاهر مربوط منوط بمرتبتك المحيطة الجامعة للكل ومع ذلك ما جعلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ليكون أمورهم كلها موكولا إليك بحيث إذا أردت أنت هداية بعض وضلال آخرين فيقع مرادك بلا خلف بل ما أرسلناك الا مبلغا بشيرا ونذيرا وما عليك الا البلاغ وعلينا الإصلاح او الإفساد إذ نحن بكمال استغنائنا عن مطلق مظاهرنا ومصنوعاتنا مستقلون في تدبيرات امور ملكنا وملكوتنا وشهادتنا وغيبنا وجبروتنا وناسوتنا ولاهوتنا وَبالجملة رَبُّكَ يا أكمل الرسل أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى باستعدادات الملائكة السماويين والارضيين وقابليات الثقلين السفليين وَلعلمنا باستعدادات عموم عبادنا لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ بسنة سنية وخصلة حميدة مثل تفضيلنا ابراهيم بالخلة وكمال الحلم ولوقار ونهاية الخشية والطمأنينة وموسى بالتكليم وسائر المعجزات وعيسى بأنواع الارهاصات والكرامات والمعجزات من الارتقاء نحو السماء والتكلم في غير أوانه ووجوده بلا أب وسليمان بالملك العظيم وقد فضلناك يا أكمل الرسل بخصائص ما أعطينا الأنبياء الماضين ولا أحدا من العالمين من شق القمر والمعراج الصوري والمعنوي وغير ذلك من الكمالات العلية والكرامات السنية التي لا تكاد تحصى وَمن جملة تفضيلنا إياهم ايضا انا قد آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً مشتملا على انواع الحكم وفصل الخطاب سيما على القاب خاتم الرسالة ومتمم مكارم الأخلاق ﷺ وعلى نسخ دينه عموم الأديان وكتابه جميع الكتب وكون أمته اشرف الأمم ودينه أكمل الأديان قُلِ يا أكمل الرسل للمشركين الذين يدعون آلهة غير الله ويعبدونهم كعبادته على سبيل التعجيز والتقريع ادْعُوا عند نزول البلاء وهجوم المحن والعناء عليكم شركاءكم الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنتم آلهة مِنْ دُونِهِ اى من دون الله سبحانه حتى ينقذوكم من الشدة والبأس وأنتم وان بالغتم في الدعاء والتوجه نحوهم والالتجاء إليهم فَلا يَمْلِكُونَ اى فهم لا يملكون ولا يقدرون يعنى آلهتكم كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ فكيف عنكم بل عن أنفسهم وَلا تَحْوِيلًا دفعا وترديدا منكم الى غيركم إذ أُولئِكَ الفقراء الضعفاء الَّذِينَ يَدْعُونَ إليهم ويدعونهم آلهة كالملائكة وعيسى وعزير ﵈ يَبْتَغُونَ ويطلبون من شدة احتياجهم إِلى رَبِّهِمُ الذي أوجدهم وأظهرهم من كتم العدم الْوَسِيلَةَ المقربة لهم اليه سبحانه من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية المقبولة عند الله ليظهر لهم أَيُّهُمْ أَقْرَبُ اليه واقبل عنده وَمع ذلك يَرْجُونَ في مناجاتهم وكذا خلال خلواتهم وصلواتهم مع ربهم رَحْمَتَهُ بمقتضى فضله ولطفه وَيَخافُونَ عَذابَهُ بمقتضى قهره وعدله إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل قد كانَ مَحْذُوراً واجب الحذر لكل من دخل تحت حيطة التكليف الإلهي سواء كان نبيا او وليا. ثم قال سبحانه وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ اى ما من قرية من القرى الهالكة إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها بالخسف او الكسف او الزلزلة او الطاعون او غير ذلك قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كالقتل والنهب والأسر وانواع البلايا والمصيبات قد كانَ ذلِكَ الإهلاك

стр. 456

والتعذيب فِي الْكِتابِ الذي هو عبارة عن حضرة علمنا ولوح قضائنا مَسْطُوراً على التفصيل الذي وقع ويقع بلا مخالفة أصلا وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ما صرفنا عن إرسال الآيات المقترحة عنك يا أكمل الرسل وعن الإتيان بها إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا وبأمثالها الْأَوَّلُونَ اى الأمم الماضون بعد إتيان ما اقترحوا عتوا وعنادا فاستأصلناهم بتكذيبهم وعنادهم إذ من سنتنا القديمة وعادتنا المستمرة استئصال المقترحين المكذبين على انبيائنا سيما بعد إتياننا إياهم بمقترحاتهم فلو حصل مقترحات هؤلاء المقترحين ايضا ليكذبونك البتة فلزم حينئذ إهلاكهم واستئصالهم على مقتضى سنتنا المستمرة لكن قد مضى حكمنا على ان لا ننتقم من مكذبيك في النشأة الاولى لان منهم من يؤمن ومنهم من يولد مؤمنا لذلك ما جئنا بمقترحاتهم وَاذكر لهم يا أكمل الرسل ان كانوا شاكين مترددين فيما ذكرنا بعض قصص الأمم الماضية المشهورة في الآفاق وذكرهم كيف آتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ المقترحة حين اقترحوا على نبينا صالح ﵇ بإخراجها من الحجر المعين فأخرجها منه باذن الله وبكمال قدرته حال كون أعينهم مُبْصِرَةً خروجها منه ومع ذلك فَظَلَمُوا بِها اى بالناقة بعد ما أمرهم سبحانه بمحافظتها ورعايتها على لسان صالح ﵇ فكذبوه فعقروها واستأصلناهم لأجلها وبالجملة أمثالهم من الأمم الهالكة بتكذيبهم بعد إتيان ما اقترحوا اكثر من ان تحصى وَبالجملة ما نُرْسِلُ وما نأتى بِالْآياتِ المقترحة حين نأتى بها إِلَّا تَخْوِيفاً من نزول العذاب المهلك المستأصل على المقترحين وَاذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين وقت إِذْ قُلْنا موحيا لَكَ مسليا عليك لا تحزن من كثرة عدد عدوك وعددهم ولا تخف من شوكتهم وصولتهم إِنَّ رَبَّكَ الذي اصطفاك من بين البرية للرسالة العامة قد أَحاطَ بِالنَّاسِ احاطة ذوات الظل بأظلالها وذوات الصورة بعكوسها فهم مقهورون تحت قبضة قدرته يفعل بهم حسب ارادته ومشيئته فامض أنت يا أكمل الرسل على ما أمرت بلا خوف وتردد فلك الاستيلاء والغلبة عليهم وَايضا ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي قد أَرَيْناكَ حين نزولك ماء بدر وأصبحت تقول مشيرا بإصبعك هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان فأخبرت قريش بقولك واشارتك الى مصارعهم فاستهزءوا بك واستبعد بعض المؤمنين ايضا ذلك إِلَّا فِتْنَةً واختبارا لِلنَّاسِ هل يؤمنون بك ويصدقون قولك أم يكذبونك ينكرون بك ثم لما وقع الأمر على الوجه الذي اريتك في منامك اطمأن المؤمنون وازدادوا يقينا وإخلاصا وجحد الكافرون وازدادوا شقاقا ونفاقا ونسبوا أمرك هذا بعد ما وقع جزما الى السحر والكهانة والرجم بالغيب عنادا ومكابرة وَايضا ما جعلنا الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ المكروهة التي يلعنها كل من يذوقها ويطعمها الا وهي الزقوم المنبت على شفير الجحيم لذلك قد لعنت فِي الْقُرْآنِ حتى يحترز المؤمنون عن الأعمال المقربة إليها الموجبة لاكلها الا فتنة للناس وابتلاء لذلك لما سمعت قريش بشجرة الزقوم جعلوها منشأ الهزل والسخرية مع الرسول ﵇ حتى قال ابو جهل ان محمدا يخوفنا عن نار تحرق الحجارة ويزعم انها تنبت الشجرة وقد علمتم ان النار تحرق الشجر وما هي الا فرية بلا مرية. ثم اعلم ان الأمور الدينية سيما المعتقدات الاخروية كلها تعبدية فلو ظهر لها وجه عقلي فبها ولو لم يظهر لزم الإطاعة والانقياد بها على سبيل التعبد والتسليم من الصادق الصدوق مع ان نبت الشجر في النار مما لا يمتنع عقلا ايضا إذ وجود الحيوان في النار ابعد من وجود النبات فيها وحكاية الدويبة المعروفة التي يقال لها سمندر وعيشها في النار كالسمك في الماء متى خرج منها مات واتخاذ الناس من شعرها

стр. 457

منديلا متى اتسخت وتكدرت طرحت على النار فاحترقت اوساخها وأخرجت سالمة نظيفة منها مشهور معروف لا شك في وقوعها واعجب من ذلك ابتلاع النعامة الجمر والجذوة والحديد المحماة المحمرة بالنار ولا تضرها أصلا وَمن قساوة قلوب أولئك الغواة وغلظ حجبهم نُخَوِّفُهُمْ بأنواع المخاوف الدنيوية والاخروية فَما يَزِيدُهُمْ تلك التخويفات الهائلة إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً متجاوزا عن الحد غاية التجاوز لشدة عمههم وعتوهم وَليس طغيانهم وإصرارهم عليه الا بتسويلات الشياطين وتغريراتهم بمقتضى العداوة القديمة والخصومة المستمرة بين الشيطان وبنى آدم اذكر وقت إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ بأجمعهم بعد ما جاءوا بما جاءوا من الحجج والدلائل الدالة على عدم لياقة آدم بالخلافة والنيابة الى ان أفحموا والزموا اسْجُدُوا لِآدَمَ وتذللوا عنده ولا تجادلوا في حقه انا قد اخترناه لخلافتنا ونيابتنا فَسَجَدُوا سجود تواضع وتكريم امتثالا للأمر الوجوبي بعد ما تمادوا في إيراد الحجج والمناقضات استحياء منه سبحانه ورهبة من سطوة قهره بالإعراض عن امره وما خالف امر الله منهم إِلَّا إِبْلِيسَ فانه أصر على الإنكار ولم يرغب بامتثال المأمور بل قد زاد على الجدال والنزاع حيث قالَ مستبعدا مستنكرا أَأَسْجُدُ وأتذلل مع نجابة أصلي وشرف عنصري لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً اى لمن انشأته وصورته من طين منتن مذموم مرذول لا شرف له ولا نجابة وبالجملة ما هي الا تفضيل المفضول وتكريم المهان المرذول ثم لما طرده الحق عن ساحة عز الحضور وأخرجه من بين الملائكة ولعنه لعنة مؤبدة الى ان ايس عن القبول مطلقا قالَ إبليس معترضا على الله مسيأ الأدب معه سبحانه مستفهما على سبيل الاستبعاد والاستنكار أَرَأَيْتَكَ اى أخبرني يا مولاي عن وجه كرامة هذَا القالب المستحقر المسترذل الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ وأمرتني بسجوده وطردتني لأجله طردا مخلدا بناء على انه يعبدك ويعرفك ويوحدك حق توحيدك ويقدسك حق تقديسك وتنزيهك وبالجملة هو يتفطن على حق قدرك وقدر حقيتك والله بحق عظمتك وجلالك لَئِنْ أَخَّرْتَنِ وأبقيتني فيما بينهم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ المعدة لتنقيد الأعمال وعرضها على جنابك لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ولأضلنهم ولأغوينهم بأنواع الإغواء والإغراء بحيث امحون أسماءهم عن دفتر المؤمنين فكيف عن زمرة العارفين المكاشفين المشاهدين لان تركيبهم وبنيتهم هذه تقتضي انواع الفسادات واصناف العصيان والضلالات ولى فيهم مداخل كثيرة اوسوسهم واغريهم الى حيث أضلهم واغويهم عن منهج الرشد ومسلك السداد إِلَّا قَلِيلًا منهم فإنهم قد ثبتوا على ما جبلوا له بلا قدرة منى على اغوائهم لكونهم مؤيدين من عندك موفقين من لدنك ثم لما سمع سبحانه منه ما سمع قالَ سبحانه ساخطا عليه مغاضبا طاردا له أشد طرد وتبعيد اذْهَبْ يا ملعون فقد امهلناك فيما بينهم الى قيام الساعة فلك ان تفعل بهم ما تفعل فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ بعد ما قد جبلناهم على فطرة التوحيد والمعرفة ومع ذلك قد أرسلنا عليهم الرسل المنبهين المرشدين لهم طريق الهداية والرشد وأنزلنا عليهم من لدنا الكتب المبينة لهم احوال المبدأ والمعاد ومع ذلك يتركون متابعة الكتب والرسل ويتبعون لك ويقتفون اثرك فهم حينئذ خارجون عن زمرة عبادنا الصالحين لاحقون بك مستحقون بما استحققت به أنت وأعوانك من الجزاء فَإِنَّ جَهَنَّمَ الطرد والحرمان وانواع المذلة والخذلان حينئذ جَزاؤُكُمْ تابعا ومتبوعا ضالا ومضلا جَزاءً مَوْفُوراً مستوفى وافرا وافيا لا مزيد عليه مؤبدا مخلدا لا نجاة لكم منها وَبعد ما قد سمعت

стр. 458

جزاءك وجزاء من تبعك منهم اسْتَفْزِزْ ايها المطرود الملعون وحرك عن مواضع الثبوت والقرار وزلزل عن جادة التوحيد والمعرفة مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ وتمكنت على اضلالهم عن طريق الحق بِصَوْتِكَ اى بمجرد ان تصوت عليهم فتنحرفوا من غاية ضعفهم في الايمان وَان لم تقدر ولم تظفر عليهم بمجرد صوتك لرسوخهم وتمكنهم في الجملة أَجْلِبْ اى صح وصوّت عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ اى بركبان أعوانك وجنودك وَرَجِلِكَ اى بمشاتهم ورجالهم وَبالجملة تمم وأوفر جميع حيلك ومكرك مهما أمكنك حتى تستفزهم وتضعضعهم من مقر الايمان والعرفان وان شئت اتحادهم واخاءهم شارِكْهُمْ فِي جميع الْأَمْوالِ اى علمهم السرقة والغصب وقطع الطريق والربوا والحيل المشهورة المعروفة في هذا الزمان بالحيل الشرعية التي قد وضعها المتفقهة المتفسقة خذلهم الله من تلقاء أنفسهم الخبيثة الدنية ونسبوها الى الشريعة البيضاء المصطفية والملة الزهراء الزكية الخليلية وَشاركهم ايضا في الْأَوْلادِ اى علمهم طريق الاباحة والاستباحة وتحليل المحرمات المؤدية الى تخليط الأنساب وامتزاج المياه كما ابتدعها اهل التلبيس والتدليس من المتشيخة الذين هم من جنودك يا ملعون اهلكهم الله وقهر عليهم مثل ما لعنك وقهر عليك وَان شئت عِدْهُمْ بالمواعيد الكاذبة التي قد مالت إليها نفوسهم واقتضت شهواتهم من ترك التكاليف والأعمال الشاقة من الفرائض والسنن والآداب الشرعية والنوافل المقربة نحو الحق والإنكار على النشأة الآخرة وما يترتب عليها من الأمور المسئولة عنها والمؤاخذة عليها وكذا بإنكار الجنة والنار وغيرها وَبالجملة ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ المضل المغوى وما يزين ويحسن لهم إِلَّا غُرُوراً تزيينا وتحسينا للباطل بصورة الحق وادعاء الحقية والحقيقة له ليغريهم بها ويضلهم بسببها عن طريق الحق وبالجملة افعل بهم ايها الحريص على اضلالهم ما شئت من المكر والحيل وانواع الخداع وهم ان كانوا من زمرة ارباب الإيقان والاطمئنان المقررين في مقر التوحيد والعرفان الموفقين عليه من لدنا لا يتبعونك البتة ولا يقبلون منك وسوستك وهذياناتك وبالجملة ليس لك عليهم سلطان أصلا وان كانوا من المطبوعين المختومين من عندنا المجبولين على الضلالة والغواية من لدنا فيتبعونك ويقتفون اثرك فلحقهم ما لحق بك وهم من جنودك واتباعك فلا نبالى بهم وبخروجهم عن زمرة عبادنا المخلصين وبالجملة من لم يجعل الله له نورا فماله من نور. ثم قال سبحانه إِنَّ خلص عِبادِي أضافهم سبحانه الى نفسه لكمال إخلاصهم واختصاصهم لَيْسَ لَكَ ايها المضل المغوى عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ اى حجة واستيلاء تغلبهم بها عليهم سيما الذين اتخذوني خليلا وأخذوني حسيبا وكفيلا وَبالجملة كَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا يعنى كفى ربك كفيلا حفيظا يتوكلون عليه مخلصين ويستعيذون نحوه من اغوائك واغرائك ايها الطاغي ملتجئين اليه وكيف لا يحفظكم ولا يعيذكم ايها المؤمنون المخلصون عما يؤذيكم ويقصد مقتكم رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي اى يسرى ويجرى لَكُمُ الْفُلْكَ الجارية فِي الْبَحْرِ بتيسيره وتسهيله عناية منه إياكم لِتَبْتَغُوا وتطلبوا مِنْ فَضْلِهِ ما يوسع لكم طريق المعاش من انواع التجارات والأرباح واستخراج اصناف الجواهر منه وغير ذلك إِنَّهُ سبحانه من كمال جوده وسعة رحمته كانَ بِكُمْ رَحِيماً مشفقا عطوفا سيما بعد اتكالكم عليه سبحانه على وجه الإخلاص وَمما ارتكز في نفوسكم ورسخ في قلوبكم انكم إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ بان عرض لمركبكم ما يوجب كسرها وغرقها وصرتم فيها حيارى سكارى بحيث ضَلَّ وغاب عنكم

стр. 459

جميع مَنْ تَدْعُونَ وتستغيثون منه لو كنتم في البر وما بقي معكم من الامتعة والبضاعات التي تتوسلون بها لإنقاذكم حال كونكم في البر إِلَّا استعانتكم واستغاثتكم إِيَّاهُ سبحانه فانه بذاته لا يغيب عنكم ولا يفارقكم بحال من الأحوال إذ هو اقرب إليكم من حبل وريدكم فما تستغيثون ولا تستعينون إلا منه إذ لا مغيث لكم سواه حينئذ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ وخلصكم سبحانه عن تلك المضايق الهائلة وأوصلكم إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ عنه سبحانه وصرتم متعلقين بما معكم من الامتعة والاعراض وَبالجملة قد كانَ الْإِنْسانُ في اصل فطرته خلق كَفُوراً لأنعم الله هلوعا إذ امسه الشر جزوعا نحو الحق وإذ امسه الخير كفورا منوعا معرضا عنه منكرا له أَأعرضتم عنه سبحانه سيما بعد انجائه وإنقاذه إياكم فَأَمِنْتُمْ عن قهره وسخطه حين وصلتم الى البر مع انه سبحانه قادر على إهلاككم في البر ايضا اما تخافون أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ اى يقلب عليكم الأرض كما خسفها على قارون أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ ريحا شديدا حاصِباً فيها حصباء نرميكم ونرجمكم بها كما رجمنا قوم لوط ثُمَّ بعد ما اخذناكم في البر بأمثال هذه البليات لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا حفيظا يحفظكم عن أمثال هذه المصيبات او يشفع لكم بتخفيفها وكشفها سوى الله الواحد الأحد القادر المقتدر القيوم المطلق أَمْ أَمِنْتُمْ ايها القاصرون عن ادراك قدر الله وكمال قدرته عن أَنْ يُعِيدَكُمْ ويلجئكم الى الرجوع فِيهِ اى في البحر تارَةً أُخْرى بأسباب ووسائل لا تخطر ببالكم فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ في الكرة الاخرى لاخذكم وانتقامكم قاصِفاً كاسرا مِنَ الرِّيحِ لتكسر مركبكم فَيُغْرِقَكُمْ فيه بِما كَفَرْتُمْ عند النجاة عن مثله في الكرة الاولى ثُمَّ بعد ارجاعنا الى البحر واغراقنا فيه على نحو انعامنا وانجائنا من قبل لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً اى لا تجدوا ناصرا ومعينا لكم يظهر علينا ويجترئ باخذنا إياكم وانتقامنا عنكم ويطالب عنا قصاص ما فعلنا بكم إذ لا راد لفعلنا ولا معقب لحكمنا ولا معين ولا مستعان لكم سوانا نفعل ما نشاء ونحكم ما نريد. ثم قال سبحانه على سبيل الانعام والامتنان وَلَقَدْ كَرَّمْنا وفضلنا بَنِي آدَمَ بأنواع الكرامة والتفضيل على سائر المخلوقات من حسن الصورة والسيرة واعتدال المزاج واستواء القامة والعقل المفاض المنشعب من العقل الكل الذي هو حضرة العلم الحضوري الإلهي وكذا بالقدرة والارادة وسائر الصفات المترتبة على الصفات الذاتية الإلهية ليشعر بخلافته ونيابته وَمع ذلك قد حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ بركوب النجائب من الخيل والبغال والبعير وغير ذلك وَفي الْبَحْرِ بركوب الجواري والسفن وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ اى الأطائب التي يكسبونها بأيديهم بمقتضى اقدارنا إياهم واعدادنا لهم اسباب مكاسبهم وابحنا لهم ما تستلذ به نفوسهم وتشتهي قلوبهم على وفق ما نطق به السنة رسلهم وكتبهم وَبالجملة قد فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا والقليل المستثنى هم الملائكة المقربون المهيمون المستغرقون بمطالعة جمال الله وجلاله وان كان الوالهون الهائمون من افراد الإنسان في ولاء الله ومحبته المكاشفون بسر الخلافة والنيابة التي اخبر بها الحق الواصلون الى مرتبة الفناء الذاتي بالموت الإرادي أفضل منهم ايضا وارفع رتبة ومكانة وانما كرمناهم وفضلناهم بما فضلناهم لحكم ومصالح تقتضيها ذاتنا وهي انا أردنا ان نطالع ذاتنا المتصفة بعموم أوصاف الكمال ونعوت الجمال والجلال في مظهر تام كامل لائق لمرآتيتنا وخلافتنا فاظهرناهم وكرمناهم لأجل هذه الحكمة العزيزة والمصلحة الشريفة فمن لم يبلغ منهم الى هذه المرتبة العلية والدرجة السنية بسلوكه الذي قد ارشدناه اليه

стр. 460

وعلمناه بإرسال الرسل وإنزال الكتب إياه فهو نازل كل التنازل عن درجة الاعتبار ساقط عن رتبة ذوى الألباب والأبصار بل أولئك البعداء الضالون عن منهج الرشد كالأنعام بلا شعور الى ما جبلوا لأجله بل أضل سبيلا منها وأسوأ حالا ومآلا ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور اذكر يا أكمل الرسل للمفضلين المكرمين على سائر المخلوقات يَوْمَ نَدْعُوا ونحشر كُلَّ أُناسٍ منهم لنسألهم ونطلب عنهم ما كسبوا وما حصلوا من المعارف والحقائق والأعمال المقربة إلينا باقتدائهم بِإِمامِهِمْ الذي قد أرسل إليهم وانزل عليهم من الرسل والكتب لإرشادهم وهدايتهم مع انا قد كتبنا خيرهم وشرهم اللذين قد جاء كل منهم بهما في صحيفة ونعطيهم اليوم صحائف أعمالهم بأيديهم فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ منهم بِيَمِينِهِ فهو دليل خيرية اعماله وطيب أحواله فَأُولئِكَ السعداء المقبولون اصحاب اليمين يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ فرحين بما فيه مسرورين فيجازون بمقتضى ما كتب بل بأضعافها وآلافها عناية منا وفضلا وَهم لا يُظْلَمُونَ ولا ينقصون من أجور أعمالهم فَتِيلًا مقدار ما في ظهر النواة من الخط الأسود او بين الأصابع من الوسخ المفتولة وَمن اوتى كتابه بشماله فهو علامة شرية اعماله ووخامة أحواله ومآله فأولئك الأشقياء المردودون اصحاب الشمال والشآمة ينظرون الى كتابهم فيجدون ما فيه من انواع المعاصي والآثام فيغمضون عيونهم عن قراءتها آيسين محزونين فيجازون بمقتضى ما كتب مثلا بمثل عدلا منه سبحانه إذ مَنْ كانَ فِي هذِهِ النشأة أَعْمى عن مطالعة آثار الأوصاف الذاتية الإلهية وملاحظة عجائب صنعه وغرائب حكمته وبدائع تجلياته وتطوراته المتجددة آنا فآنا لحظة فلحظة فَهُوَ فِي النشأة الْآخِرَةِ ايضا أَعْمى إذ النشأة الاولى مزرعة لعموم الخيرات والاخرى وقت الحصاد فمن لم يزرع فيها فهو في وقت الحصاد مغبون أعمى عن وجدان الخيرات وَأَضَلُّ سَبِيلًا لفوات اسباب التدارك والتلافي عنه فيبقى متحيرا مدهوشا قلقا حائرا ضالا مستوحشا. ثم قال سبحانه مخاطبا لحبيبه ﷺ على وجه التأديب والتنبيه بعد ما ظهر عليه مخايل الميل والركون عن الحق بمخادعة اهل الكفر والنفاق وَإِنْ كادُوا اى ان الشأن ان الكفرة الضالين المسرفين قد قاربوا لَيَفْتِنُونَكَ يا أكمل الرسل ويوقعونك في الفتنة الشديدة بالميل والانصراف عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وأنزلنا في كتابك من الأوامر والنواهي والاحكام المتعلقة بتهذيب الظاهر والباطن ويرغبونك لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ اى غير ما أوحينا إليك وَإِذاً اى حين افترائك وانتسابك إلينا غير ما أوحينا لك من الأمور التي تشتهيها أنفسهم وترتضيها قلوبهم لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وآمنوا بك بواسطة انتسابك هذا إلينا واتفاقك معهم في ذلك الافتراء والمراء نزلت في ثقيف حين قالوا لا نؤمن بك حتى تخصنا بخصال نفتخر ونباهى بها على سائر العرب لا نعشر ولا نحشر ولا نجبى في صلاتنا وكل ربوا لنا فهو لنا وكل ربوا علينا فهو موضوع عنا وان تمتعنا باللات سنة وان تحرم وادينا كما حرمت مكة فان قالت العرب لم فعلت معهم هذا ولم خصصتهم بتلك الكرامات فقل ان الله قد أمرني وأوصاني بها وانتظر ان تنزل آية فيها فان فعلت بنا هذه نؤمن بك ونصدقك ونتخذك خليلا فتردد ﷺ وقرب ان يميل ويركن لشدة ميله الى ايمانهم واتباعهم فجاءه جبريل ﵇ ومنعه عن هذا الرأى لذلك قال سبحانه وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ اى ولولا اثباتنا وثثبيتنا إياك يا أكمل الرسل في مقر صدقك وتمكينك لَقَدْ كِدْتَ وقاربت أنت تَرْكَنُ وتميل إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا اى قد صرت في صدد
следующие страницы →