← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الخطاب الهائل وعاتبه بهذا العتاب الهائب ليتنبه المؤمنون ويتفطنوا بكمال غيرة الله المتفرد المتوحد القهار للاغيار مطلقا وَبعد ما قد ظهر عندك يا أكمل الرسل غوائل الشرك بالله ولاح دونك ما يترتب عليه من القهر الإلهي وغضبه أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ وقرابتك سيما الْأَقْرَبِينَ منهم واهتم بشأنهم أشد اهتماما حتى تنقذهم من الشرك المستجلب لانواع الغضب والعذاب من قبل الحق وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ وآمن لك منهم اى لين جانبك نحوهم وابسط موانستك معهم ومصاحبتك إياهم حتى صار كلهم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الموحدين الناجين من عذاب الله وسخطه فَإِنْ عَصَوْكَ وانصرفوا عنك واعرضوا عن موانستك بعد ما قد لنت لهم وواسيت معهم ولم يقبلوا منك دعوتك وإنذارك فَقُلْ مستبرأ منهم مستنزها نفسك عنهم وعن أعمالهم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ يعنى منكم ومن عملكم الذي أنتم تعملونه مصرين مستكبرين وَان عادوك وعاندوا معك الى ان قصدوا مقتك تَوَكَّلْ في دفعهم ورفع مؤنتهم عَلَى الْعَزِيزِ الغالب لقهر الأعداء القادر المقتدر على غضبهم وانتقامهم بأنواع البلاء والعناء الرَّحِيمِ على الأولياء ينصرهم على أعاديهم ويدفع عنهم شرورهم وكيف لا يرحمك يا أكمل الرسل ولا يكفيك ولا يكف عنك مؤنة أعدائك الَّذِي يَراكَ اى القيوم القادر الذي يشهدك ويشاهدك حِينَ تَقُومُ من منامك خلال الليالى طلبا لمرضاته ورفعا لحاجاتك نحوه وَايضا يشاهد تَقَلُّبَكَ وترددك جوف الليل فِي تفقد احوال المؤمنين السَّاجِدِينَ المتذللين نحو الحق الواضعين جباههم على تراب المذلة والانكسار شوقا اليه وتحننا نحوه من افراط المودة ومن شدة اشتعال نار العشق والمحبة الإلهية المطفئة لنيران الاهوية الفاسدة والآراء الباطلة وكيف لا يتذللون اليه سبحانه ولا يتمنون نحوه إِنَّهُ بذاته هُوَ السَّمِيعُ لمناجاتهم وعرض حاجاتهم الْعَلِيمُ لمقاصدهم وطيب أغراضهم وخلوص نياتهم وإخلاصهم في أعمالهم وبعد ما رد سبحانه قول من قال ان القرآن منزل من قبل الشياطين لا من الملائكة واثبت ان انزاله منه سبحانه وإيصاله من الروح الأمين على الرسول الأمين إذ المناسبة بينهما مرعية والمشاكلة مثبتة مرضية أراد ان يشير سبحانه الى ان تنزيل الشياطين وتسويلهم انما هو لأوليائهم الذين قد كملت نسبتهم إليهم وصحت مناسبتهم معهم فقال هَلْ أُنَبِّئُكُمْ وأخبركم ايها المسرفون المردودون في امر القرآن واعجازه وانزاله من قبل الحق القادحون فيه بنسبته الى تنزيل الشياطين او الى الشعر الذي من جملة وساوسهم وتخييلاتهم ايضا مع ان القرآن الفرقان مشتمل على معارف وحقائق ورموزات وشهودات لا يسع الإتيان بها والتعبير عنها الا لمن هو علام الغيوب مطلع على سرائر ارباب الكشف والشهود وأبين لكم عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ للاضلال والوسوسة والتحريف عن طريق الحق والتغرير بالأباطيل تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ مبالغ في الإفك والافتراء أَثِيمٍ مغمور في الإثم والعصيان وانواع الفسوق والطغيان لتحقق مناسبته مع الشياطين الذين يُلْقُونَ السَّمْعَ للملائكة ويصغون منهم بعض المغيبات ويخبرون بها لا على وجهها إذ ليس غرضهم من الإصغاء الا الإفساد والرد لا الإصلاح والقبول وَلذلك قد كان أَكْثَرُهُمْ هم كاذِبُونَ فيما يسمعون ويلقون إذ هم يحرفون ويزيفون ما سمعوا ترويجا لما هم عليه من الفساد والإفساد وتغريرا لأوليائهم بأنواع التغريرات وَمن جملة اولياء الشياطين المنتسبين إليهم بالنسبة الكاملة الكاذبة الشُّعَراءُ المذبذبون بين الأنام بأكاذيب الكلام واباطيله لذلك يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ الضالون من جنود الشياطين المتبعون لهم لترويج أباطيلهم الزائغة

стр. 632

أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ ومن تابعهم من الغواة فِي كُلِّ وادٍ من اودية الضلال والطغيان يَهِيمُونَ ويترددون حيارى سكارى تائهين بلا ثبات ولا قرار مترددين في معاشهم ومعادهم وَأَنَّهُمْ من غاية غفلتهم وسكرتهم في امور معاشهم يَقُولُونَ بأفواههم ويخبرون بألسنتهم تلقفا ما لا يَفْعَلُونَ ولا يتصفون به من الأخلاق والحكم والمواعظ والرموز والإشارات التي قد صدرت عنهم هفوة وهم لا يمتثلون بها أصلا إِلَّا الشعراء الحكماء الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الله واتصفوا بالحكمة المعتدلة المودعة في قلوبهم الظاهرة آثارها من ألسنتهم ومضوا على مقتضى الاعتدال المعنوي الذي قد جبلهم الحق عليه بلا تلعثم منهم وتزلزل عن مقتضى فطرتهم الاصلية وفطنتهم الجبلية وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال المصلحة لمفاسدهم المهذبة لأخلاقهم وأطوارهم وَمن اجلة أخلاقهم انهم قد ذَكَرُوا اللَّهَ المستوي على صراط العدالة والاستقامة في اشعارهم وقصائدهم كَثِيراً في عموم أوقاتهم وحالاتهم بل اكثر اشعارهم انما هو لإثبات توحيد الحق وتبيين معارفه وحقائقه وكذا لإظهار رموز ارباب الكشف والعيان والتذكيرات المتعلقة بترك المألوفات وقطع التعلقات المنافية لصفاء مشرب التوحيد وبعض اشعارهم متعلق بردع اهل الهواء والآراء الفاسدة وهتك محارمهم واعراضهم وتعداد مقابحهم ورذائلهم وَذلك بأنهم قد انْتَصَرُوا باشعارهم هذه مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا من أيدي الجهلة وألسنة الكفرة المتعنتين المستكبرين على ارباب المحبة والولاء من المنقطعين نحو الحق السالكين سبيل توحيده وَبالجملة سَيَعْلَمُ الظلمة المفسدون والكفرة المستهزءون المسرفون الَّذِينَ ظَلَمُوا على اهل الحق وآذوهم بالسنان واللسان وانواع القدح والطعنان ونسبوهم الى الإلحاد والعناد ورموهم بأنواع الفسوق والفساد مع انهم هم على صرافة التوحيد متمكنون ومن امارات الكثرة والتقليد متنزهون وسيعلمون أولئك المردة الرامون المفرطون المسرفون أَيَّ مُنْقَلَبٍ واى مرجع ومآب يَنْقَلِبُونَ ويرجعون أيدخلون في حفر النيران والخذلان وهم منكوسون أم الى روضة الرضا وجنة التسليم وهم مسرورون ألا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون خاتمة سورة الشعراء عليك ايها السالك المراقب لاعتدال الأطوار والأخلاق والأعمال وجميع الشئون والأحوال المتعلقة بنشأتى الدنيا والعقبى ان تراجع ذوقك ووجدانك في جميع ما جرى عليك من الأحوال وتتأمل فيه حق التأمل الى ان تطلع على مبدئه ومنشأه ثم تتفكر في صدوره هل هو على مقتضى الاعتدال والقسط الإلهي صدر ما صدر أم على مقتضى الهوى الغالب الذي من جنود الامارة المستمدة من إغواء الشيطان واغرائه فان وجدته على مقتضى القسط والهدى الإلهي والعدل الجبلي السوى فطوبى لك وان وجدته على مقتضى الهوى فعليك ان تعالجه وتلازم في إصلاحه واستقامته بالرياضات القالعة لعرق الأماني والآمال والمرادات المتعلقة بمستلذات الدنيا الفانية عن أصلها وتواظب على أشق الطاعات واتعب العبادات عن صوم الأيام ومشى الاقدام ومشق الأقلام وانقطاع صحبة الأنام والخروج من بين العوام والاعتزال نحو الجبال والآجام والعكوف في مطاوى الكهوف وخلال الخلوات والاشتغال بالميل والصلوات المقربة نحو الحق حتى تعتدل اوصافك واخلاقك وتستقيم افعالك واحوالك فحينئذ قد انكشف لك باب التوحيد وانفلق عليك وسد دونك مداخل الرياء

стр. 633

والسمعة والعجب وانواع الكدورات اللاحقة من الخلطة والمؤانسة مع الناس والمصاحبة معهم المكدرة لصفاء مشرب التوحيد. واعلم يا أخي احسن الله احوالك وأصلح شأنك ان ارباب المحبة الكاملة والولاء التام هم الذين يبذلون مهجم في سلوك سبيل الفناء والافناء بلا التفات منهم الى احد من الناس لا خيرا ولا شرا ولا نفعا ولا ضرا بل هم من كمال حيرتهم واستغراقهم في مطالعة جمال الله وجلاله لا يلتفتون الى نفوسهم فكيف الى غيرهم ولا يتيسر لك هذا الا بتوفيق الهى وجذب من جانبه ومتابعة حبيبه ﷺ في عموم أطواره وأخلاقه وجميع سننه وآثاره وبملازمة خدمة مرشد رشيد عاقل كامل منبه نبيه هاد مهتد يوقظك من منام غفلتك ويرشدك الى منتهى مقصدك وقبلتك. رب هب لي من لدنك حكمة وحكما والحقنى بالصالحين [سورة النمل] فاتحة سورة النمل لا يخفى على ارباب الهداية الكاملة من الراسخين في مقر العز والتمكين الواصلين الى سر الوحدة الذاتية بمقتضى اليقين الحقي متدرجين من مرتبتي العلم والعين إلهاما بعد ما سبقت لهم العناية الازلية والجذبة الإلهية والبشارة المتضمنة لانواع الرموز والإشارة من قبل الحق الحقيق بالحقية ان من اهتدى الى مرتبة التوحيد الذاتي وتمكن على تلك المرتبة مطمئنا راسخا بلا طريان تزلزل وتلوين لا بد ان يقيم ويديم صلاته وميله نحو الذات الاحدية مهذبا ظاهره وباطنه عن الميل والالتفات الى ما سواه من المزخرفات الفانية الشاغلة الملهية له عن الفناء فيه والبقاء ببقائه وايضا لا بد له ان يميت نفسه بالموت الإرادي عن مقتضيات أوصافه البشرية وقواه الناسوتية المبعدة عن التقرب بكنف اللاهوت وجوار حضرة الرحموت القيوم الذي لا ينام ولا يموت وبالجملة لا بدله الانخلاع عن خلعة التعيينات العدمية المقتضية للتعدد والكثرة مطلقا حتى يتصف بالطهارة الحقيقية والطيب المعنوي والسعادة السنية والسيادة السرمدية وبذلك خاطب سبحانه حبيبه ﷺ بعد ما تيمن باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا على ما ظهر وبطن من الأشياء الرَّحْمنِ لعموم عباده بالرزق الأوفى الرَّحِيمِ لخواصهم بالمثوبة العظمى والدرجة العليا وبالترقى من ارض الطبيعة الى سموات الصفات والأسماء واللحوق بالملإ الأعلى والوصول الى سدرة المنتهى [الآيات] طس يا طالب السيادة السرمدية والسعادة السنية الازلية الابدية تِلْكَ الآيات المتلوة عليك تعظيما لشأنك وتتميما لبرهانك آياتُ الْقُرْآنِ اى بعض آيات القرآن المبين المبين لدلائل التوحيد وبينات الفرقان الفارق بين الحق والباطل من الاحكام وَكِتابٍ مُبِينٍ منتخب من لوح القضاء وحضرة العلم الإلهي المحيط بجميع ما لمع عليه برق تجلياته الحبية انما أنزلت إليك يا أكمل الرسل من عنده سبحانه لتكون هُدىً هاديا لك الى مقام التمكن من التوحيد الذاتي وَلتكون ايضا بُشْرى بأنواع السعادات ونيل اصناف الخيرات والبركات ورفع الدرجات وانواع المثوبات لِلْمُؤْمِنِينَ التابعين لك في شأنك ودينك ان اطمأن قلوبهم بالإيمان اى اليقين العلمي المستجلب لليقين العيني والحقي والمطمئنون المتمكنون الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ المكتوبة المفروضة لهم من قبل الحق في الأوقات المخصوصة ويؤدونها على الوجه الذي وصل إليهم من صاحب الشرع الشريف والدين الحنيف بلا تخفيف ولا تسويف ليتقربوا بها نحو الحق ويزداد يقينهم وتصديقهم بسببها وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ المصفية لقلوبهم عن الميل الى ما سوى الحق من الزخرفة الفانية الدنية الدنيوية

стр. 634

ويتمكنوا بسببها على إسقاط عموم الإضافات العائقة عن الوصول الى وحدة الذات وَبالجملة هُمْ في عموم شئونهم وحالاتهم بِالْآخِرَةِ المعدة لجزاء الأعمال وتنقيد الأفعال هُمْ يُوقِنُونَ علما وعينا لان ارباب الخبرة والبصيرة المنكشفين بتعاقب النشأتين يرون في النشأة الاولى ما سيحلقهم في الاخرى لذلك يترددون في الاولى للأخرى ويزرعون فيها ما يحصدون فيها. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ولا يصدقون بِالْآخِرَةِ عنادا ومكابرة قد زَيَّنَّا وحسنا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ القبيحة الفاسدة الدنيوية وامهلناهم عليها زمانا ليستحقوا أشد العذاب وأسوأ العقاب فَهُمْ بواسطة امهالنا إياهم في سكرتهم وغفلتهم يَعْمَهُونَ يترددون ويتحيرون بطرين بما لهم من التنعم والترفه وبالجملة أُوْلئِكَ البعداء عن عز الحضور الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ في النشأة الاولى إذ هم مترددون في اودية الإمكان بأنواع الخيبة والحرمان مقيدون بأصناف الأماني والآمال الطوال في بيداء الوهم والخيال وصحراء الحيرة والضلال لا نجاة لهم منها ولا ثبات لهم فيها وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ المقصورون على الخسران الأبدي والخذلان السرمدي لا يرجى لهم نيل مثوبة ورفع درجة وتخفيف عذاب وقبول شفاعة ولا خسران أعظم من ذلك لذلك قد أصاب يوم بدر ما أصاب ويصيب لهم في الآخرة بأضعافه وآلافه قال سبحانه مخاطبا لحبيبه تفضلا عليه وامتنانا له في انزاله القرآن اليه ووحيه عليه وَإِنَّكَ يا أكمل الرسل لنجابة طينتك وطهارة فطنتك وفطرتك لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ ويؤتى بك وينزل إليك مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ مبالغ في الإتقان والاحكام عَلِيمٍ باستعدادات الأنام وقابلياتهم التي بها تتفاوت طبقاتهم فضلا وكرامة. ثم أخذ سبحانه بتعداد بعض ارباب الطبقات والكرامات حثا لحبيبه ﷺ الى التوجه نحوه والتحنن اليه والمواظبة على شكر نعمه فبدأ بموسى صلوات الرحمن عليه وسلامه فقال مخاطبا لحبيبه ﷺ اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالَ أخوك مُوسى الكليم صلوات الرحمن عليه وسلامه لِأَهْلِهِ وزوجته ابنة شعيب ﵇ حين سار معها من مدين الرشد الى مصر وهي حاملة والليلة شاتية مظلمة وهم ضالون عن الطريق فجاءها الطلق واضطر موسى في أمرها فرأى شعلة نار من بعيد فقال لأهله اثبتوا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ هذه الساعة مِنْها بِخَبَرٍ عن الطريق يخبر به من عندها إذ النار قلما تخلو عن ناس موقدين لها أَوْ آتِيكُمْ ان لم أجد عندها أحدا بِشِهابٍ اى جمر ذي قَبَسٍ اى مقتبس مشتعل منها لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ وتستدفئون من البرد وتستضيئون منها للطريق فاستقروا في مكانهم فذهب موسى نحوها فَلَمَّا جاءَها اى النار ووصل عندها نُودِيَ من وراء سرادقات العز والجلال تكريما لموسى وتعظيما له وتنبيها عليه من ان مرجع جميع مقاصدك وحوائجك هو الحق فاطلبه وصل اليه حتى تجد عنده عموم مقاصدك أَنْ بُورِكَ اى الشأن انه قد اكثر عليك الخير والبركات يا موسى مَنْ فِي النَّارِ اى من ظهر فيها ولاح عليها وَمَنْ ظهر حَوْلَها اى أطرافها وحواليها إذ هو سبحانه محيط بعموم الأماكن والجهات ظاهر منها متجل عليها غير متمكن فيها وَبعد ما تحققت بشهود الحق من جميع الأماكن ومن عموم الأشياء نزه ذاته عن الحلول فيها والاتحاد بها فقل سُبْحانَ اللَّهِ المنزه عن الأماكن كلها المتجلى في جميعها رَبِّ الْعالَمِينَ يربيها بدوام التجلي الحبى عليها وبامتداد الاظلال والعكوس الفائضة منه سبحانه عليها المظهرة لها المربية إياها

стр. 635

ثم لما سمع هذا الصدا وقلق وارتعد واستوحش عن هذا النداء وقرب الى ان صار مغشيا عليه من شدة هوله ودهشته وكمال ولهه وحيرته نودي ثانيا ايضا باسمه استيناسا له وازالة لاستيحاشه يا مُوسى إِنَّهُ اى ان من ناداك في النار وظهر عليك على صورتها أَنَا اللَّهُ المحيط بعموم المظاهر والأكوان احاطة البحر لجميع الأمواج والازباد والشمس لعوم الأضواء والاظلال والروح لجميع الأعضاء والاجزاء من البدن الْعَزِيزُ الغالب القادر المقتدر لقهر مطلق السوى والأغيار الْحَكِيمُ المتقن في جميع الأفعال والآثار الصادرة الظاهرة منى على أبدع ارتباط وابلغ انتظام ونظام وَبعد ما أزال الله سبحانه وحشته واذهب ولهه ودهشته بالمؤانسة والمواساة معه قال له سبحانه آمرا إياه أَلْقِ عَصاكَ التي قد أخذتها بيدك يا موسى على الأرض لترى من عجائب صنعتنا وغرائب حكمتنا ما ترى حتى تتنبه أنت من تبدل صورتها وسيرتها الى سرسريان وحدتنا الذاتية السارية في المظاهر فألقاها على الفور فإذا هي حية تسعى فَلَمَّا رَآها اى موسى العصا تَهْتَزُّ وتتحرك كَأَنَّها جَانٌّ اى حية صغيرة سريعة السير وَلَّى وانصرف موسى منها مُدْبِراً خائفا منها قلقا حائرا من أمرها وَلَمْ يُعَقِّبْ موسى نحوها ولم يرجع إليها ليأخذها هيبة وخوفا وقلنا له مناديا إياه ليقبل عصاه يا مُوسى لا تَخَفْ من عصاك ستعود على سيرتها الاصلية إِنِّي من كمال مرحمتى واشفاقى على خلص عبادي لا يَخافُ لَدَيَّ احد من أوليائي سيما الْمُرْسَلُونَ منهم المختارون للرسالة والتشريع العام ألا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون إِلَّا مَنْ ظَلَمَ من المرسلين بارتكاب ذنب صدر منه لا عن عمد ثُمَّ بَدَّلَ وتدارك ذنبه حُسْناً بالتوبة والندامة بَعْدَ سُوءٍ صدر عنه وهو يخاف عنى بسبب ذنبه فَإِنِّي ايضا غَفُورٌ له ولأمثاله اغفر لهم واعف عن زلاتهم رَحِيمٌ ارحمهم واقبل توبتهم بعد ما صدرت عن خلوص الطوية ومحض الندم وَبعد ما قد رأى موسى من عجائب العصا ما رأى قال له سبحانه ثانيا آمرا أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ يا موسى تَخْرُجْ على الفور منه اى أدخلها فأخرجها ترها بَيْضاءَ محيرة للعقول والأبصار مع ان بياضها مِنْ غَيْرِ سُوءٍ مرض عرض عليها برص وغيره ثم قيل له من قبل الحق هي اى اليد البيضاء آية ومعجزة جديدة دالة على نبوتك ورسالتك موهوبة لك من لدنا معدودة محسوبة فِي تِسْعِ آياتٍ عظام قد وهب لك وهي العصاء واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والجدب ثم بعد ما شهدت من يدك وعصاك ما شهدت يكفيك شهادتهما على صدقك في دعواك الرسالة مع ان لك معجزات كثيرة سواهما اذهب أنت مرسلا من عندي إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وبلغهم إنذاري وتخويفى ونزول عذابي إليهم من سوء صنيعهم إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ خارجين عن مقتضى الحدود الموضوعة فيهم من عندنا وبوضعنا فذهب موسى باذن الله ووحيه الى فرعون واظهر الدعوة عنده واقام البينة عليها فَلَمَّا جاءَتْهُمْ اى ظهرت على فرعون وقومه آياتُنا الدالة على كمال قدرتنا وحكمتنا وصدق من قد أرسلنا إليهم لإرشادهم وتكميلهم مع كونها آية مُبْصِرَةً موضحة مثبتة مبينة لهم صدق موسى في دعوى الرسالة ظاهرة لائحة في نفسها انها معجزة ما هي من جنس السحر والشعبذة قالُوا من فرط عتوهم وعنادهم ومن شدة بطرهم وسكرتهم هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ظاهر انه مجعول بمكر وحيل كثيرة وَمن كمال استنكافهم واستكبارهم قد جَحَدُوا بِها وأنكروا لها ولم يلتفتوا إليها ظاهرا وَالحال

стр. 636

انها قد اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ انها معجزة خارقة للعادة قد صدرت عن امر الهى لا عن مكر وخديعة فظلموا أنفسهم بتكذيب ما استقر في أنفسهم صدقه وكونه معجزة ظُلْماً صريحا وَعُلُوًّا على الحق وميلا منهم نحو الباطل حسدا وعنادا واستكبروا على موسى وأنكروا جميع ما جاء به من عند ربه علوا وعتوا فَانْظُرْ ايها المعتبر الناظر كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ المستكبرين الذين يكذبون ما يعلمون يقينا حقيته في نفوسهم وينسبونه بأفواههم الى السحر والشعبذة عنادا ومكابرة فانظر مآل أمرهم وعاقبته كيف اغرقوا واستوصلوا في بحر الغفلة والغرور بحيث لم يبق منهم احد يخلفهم ويحيى اسمهم ورسمهم وَمن سعة جودنا وعموم فيضنا وفضلنا لَقَدْ آتَيْنا وأعطينا داوُدَ وَابنه سُلَيْمانَ عِلْماً متعلقا بالحكم والاحكام وعموم تدبيرات الأنام وضبط أحوالهم وأوضاعهم المتداولة بينهم من الإنصاف والانتصاف واقامة الحدود وسد الثغور وغيرها من الأمور المتعلقة بضبط المملكة وَقالا بعد ما رأيا ترادف نعم الله عليهما وتواليها لهما حين أرادا ان يشكر الله ويؤديا حقوق نعمه الجليلة ومنحه الفاضلة الجزيلة الْحَمْدُ والمنة والثناء التام الناشئ عن عموم الألسنة وعن جميع الجوارح والآلات الممنونة من نعمه المغمورة بموائد لطفه وكرمه ثابت لِلَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المستحق لعموم المحامد والاثنية الصادرة من ذرائر الأكوان طوعا المفضل المكرم الَّذِي قد فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ له الموحدين بذاته المصدقين لأنبيائه ورسله وكتبه وبالحكمة المتقنة المتعلقة بمرتبتى الناسوت واللاهوت الفائضة علينا الموهوبة إيانا من حضرة الرحموت ومن الحي الذي لا يموت وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ يعنى بعد ما انقرض داود استخلف عنه ابنه سليمان وورث منه نبوته وحكمته وحكومته وقد سخر له عموم ما سخر لداود مع زيادات قد خلا عنها أبوه وهو تسخير الجن والريح ومنطق الطير فإنها ما تيسر لأبيه وَبعد ما تمكن سليمان على مقر الحكومة والنبوة قالَ يوما للملأ الجالسين حوله تنويها وتشهيرا لنعم الله على نفسه يا أَيُّهَا النَّاسُ قد عُلِّمْنا بلسان الوحى وترجمانه مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا من فضل الله علينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ اى كثير من الأشياء لم يؤت مثله أحدا من العالمين إِنَّ هذا الإعطاء والتخصيص والتفضل من الله العزيز العليم لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ الظاهر اللائح فضله على كل احد والملك العظيم الذي لم يؤت أحدا من الأنبياء الماضين وَاذكر يا أكمل الرسل يوم حُشِرَ وجمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ وقد كان معسكره مسيرة مائة فرسخ خمسة وعشرون للانس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للطير وخمسة وعشرون للوحش تمشى كل طائفة منهم من بنى نوعهم صافين مستوين وان تسابق بعضهم على بعض فَهُمْ حينئذ يُوزَعُونَ ويحبسون حتى يتلاحقوا ويتساوى صفوفهم وكان سليمان ﷺ يأمر الريح فترفعه فوق رؤسهم مشرفا عليهم فتسير معه رخاء من كمال فضل الله عليه انه ما تكلم احد منهم بكلام الا وقد حملته الريح والقته في سمعه فبينما هو يسير مع عسكره هكذا قد رآه وجنده حراث فقال مستغربا متعجبا والله لقد اوتى آل داود ملكا عظيما فسمع سليمان ﵇ قوله ومشى نحوه فقال له انما مشيت إليك لأوصيك ان لا تتمنى ما لا تقدر عليه وليس في وسعك تدبيره ثم قال والله لتسبيحة واحدة يتقبلها الله خير مما اوتى آل داود وقد كان سليمان ﷺ في يوم من الأيام مع جنوده على الوجه المذكور حَتَّى إِذا أَتَوْا ودخلوا عَلى وادِ النَّمْلِ هو واد في الشام كثير النمل ولذلك سمى به قالَتْ نَمْلَةٌ

стр. 637

بعد ما رأت سواد العسكر وأشعرت بعبورهم على الوادي منادية لاخوانها صائحة عليهم وصارخة يا أَيُّهَا النَّمْلُ الضعيف النحيف ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ مسرعين محترزين ولا تقفوا في الصحراء والبراء حتى لا يَحْطِمَنَّكُمْ ولا يطأنكم سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ بحوافر خيولهم وَهُمْ وان كانوا من ارباب البر والتقوى محترزين عن أمثالكم هذا الظلم الصريح الا انهم لا يَشْعُرُونَ بكم لصغركم وحقارتكم فيطئونكم بلا شعور وادراك وبعد ما سمع سليمان من النملة ما سمع فَتَبَسَّمَ تبسما ظاهرا الى ان قد صار ضاحِكاً متعجبا مِنْ قَوْلِها المشتمل على انواع التدبيرات والخبرات من حسن المعاشرة مع الجيران وآداب المصاحبة مع الاخوان والتحذير عن مظان المهالك والمتالف قبل الوقوع فيها وغير ذلك وَبعد ما اطلع سليمان على قولها وغرضها وتوجه نحو الحق عادا على نفسه جلائل نعمه تعالى وآلائه قالَ حينئذ مناجيا اليه سبحانه رَبِّ يا من رباني بأنواع الخيرات والكرامات التي ما أعطيتها أحدا من خلقك أَوْزِعْنِي والهمنى ويسر على أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ ووفقني على ان أؤدي حقوقها على الوجه الذي ينبغي ويليق بشأنك وشأنها ولا يتأتى منى هذا الا بتوفيقك وتيسيرك يا رب وفقني على إتمامها وتكميلها حسب فضلك وجودك وَيسر على ايضا أَنْ أَعْمَلَ في مدة حياتي عملا صالِحاً مقبولا عندك مرضيا لك تَرْضاهُ وَبعد ما توفيتني أَدْخِلْنِي في جنتك بِرَحْمَتِكَ وسعة فضلك وجودك فِي زمرة عِبادِكَ الصَّالِحِينَ المرضيين عندك المقبولين دونك وعدني من عدادهم واحشرني في حوزتهم ومن زمرتهم انك على ما تشاء قدير وبرجاء المؤملين جدير. ولما صار سليمان ﷺ في بعض أسفاره وقد كان الهدهد دائما رائده وبريد عسكره ودليلهم يدلهم على الماء عند الاحتياج إذ هو عالم بالمياه الى حيث يعرفه تحت الأرض ويعين موضعه وكان يأمر سليمان عفاريت الجن ليحفروها ويخرجوا منها الماء لدى الحاجة فاحتاج سليمان ﷺ في يوم من الأيام الى الماء ولم يكن الهدهد حاضرا عنده فغضب عليه وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ وتعرفها مفصلا حتى يجده بينهم فلم يجد فغضب فَقالَ مغاضبا ما لِيَ اى اى شيء عرض على ولحق بي حتى صرت كذلك لا أَرَى الْهُدْهُدَ بين الطيور اهو حاضر عندي قد ستر على فلم أره أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ المتخلفين عن خدمتي ورفاقتي فو الله لو وجدته لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً بحيث آمر بنتف ريشه وحبسه في حر الشمس في محبس مضيق مع ضده أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ جدا ليعتبر منه سائر الخدمة أَوْ لَيَأْتِيَنِّي وليقيمن على لإثبات عذره بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة واضحة ظاهرة الدلالة مقبولة من ذوى الاعذار الصادقة عند اولى البصائر والأبصار وذوى القدر والاعتبار فَمَكَثَ الهدهد بعد تفقد سليمان وتهديده زمانا غَيْرَ بَعِيدٍ مديد متطاول ثم حضر عنده بلا تراخ طويل فَقالَ معتذرا لغيبته ومكثه انما غبت عن خدمة السلطان لأني قد أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ أنت يا سيدي يعنى قد تعلق ادراكى بمعلوم لم يتعلق به قبل لا علمي ولا علمك ولا علم احد من جنودك وَبعد وقوفي واطلاعى عليه قد جِئْتُكَ تلك الساعة بالعجلة مِنْ بلاد قبيلة سَبَإٍ من نواحي المغرب وبمن ملك عليها بِنَبَإٍ وخبر يَقِينٍ مطابق للواقع قد حققته وتحققت به وجئتك لشرحه قال سليمان ﵇ مبتهجا مزيلا لغيظه وغضبه عنه مستكشفا عن خبره وما الخبر والنبأ ايها الصديق قال الهدهد إِنِّي بعد ما قد وصلت الى ديارهم بأقصر مدة قد وَجَدْتُ وصادفت امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ اسمها بلقيس بنت شراحيل

стр. 638

من نسل يعرب بن قحطان وأمها كانت جنية لأنه ما كان يرى التزوج من الانس ولم يكن له ولد غيرها لذلك قد ورثت منه الملك فملكت وَمن كمال عظمتها وشوكتها ورتبتها ووفور زينتها قد أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ نفائسه وعجائبه ما لا يعد ولا يحصى وَلَها من جملة البدائع عَرْشٌ عَظِيمٌ من جميع عروش ارباب الولاية والملك قيل كان ثمانين ذراعا في ثمانين وارتفاعه ثلاثين او ثمانين ايضا وهو متخذ من الذهب والفضة مكلل بالدر والزمرد والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر وقد كانت قوائمه من ياقوت احمر واخضر وزمرد وعليه سبعة بيوتات على كل بيت باب مغلق وبالجملة وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ ويعبدونها مِنْ دُونِ اللَّهِ المستحق للتذلل والعبادة وَمن غاية جهلهم بالله وغفلتهم عن كمال أوصافه العظمى وأسمائه الحسنى قد زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ هذه وعبادتهم هكذا فَصَدَّهُمْ الشيطان وصرفهم بتزيينه وتغريره عَنِ السَّبِيلِ السوى الموصل الى توحيد الحق الحقيق بالعبودية والتذلل فَهُمْ بسبب تضليل الشيطان وتغريره إياهم ورسوخهم على ما قد زينه لهم لا يَهْتَدُونَ الى التوحيد حسب فطرتهم الاصلية وجبلتهم الحقيقة فلا بد لهم من مرشد كامل وهاد مشفق يهديهم الى سواء السبيل مع انهم من زمرة العقلاء المميزين بين الهداية والضلال لأنهم لانهماكهم في الغفلة والغرور قد زين لهم الشيطان عبادة الشمس التي من جملة مظاهر الحق مقتصرين العبادة عليها لقصور نظرهم ولو نبههم منبه نبيه على توحيد الله واستقلاله سبحانه في عموم مظاهره لعل الله يوقظهم من منام الغفلة بان قال لهم مناديا إياهم أَلَّا يَسْجُدُوا يعنى تنبهوا ايها الفاقدون قبلة سجودكم ووجهة معبودكم وانصرفوا عنها ايها القوم الضالون المنصرفون عن المسجود الحقيقي والمعبود المعنوي بل اسجدوا وتذللوا لِلَّهِ المتجلى في الأكوان المنزه عن الحلول في الجهات والمكان المقدس عن تتابع الساعات عليه وتعاقب الآنات والأزمان إياه بل له شأن لا يشغله شأن ولا يجرى عليه زمان ومكان العليم القدير الَّذِي يُخْرِجُ ويظهر بمقتضى علمه المحيط وقدرته الكاملة الشاملة الْخَبْءَ اى الشيء الخفى المطوى المكنون الكائن فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى سموات الأسماء الإلهية وأوصافه الذاتية وَايضا يَعْلَمُ سبحانه بعلمه الحضوري عموم ما تُخْفُونَ تكتمون وتسترون أنتم في سرائركم وضمائركم بل بالخفيات التي لا اطلاع لكم عليها أصلا بمقتضى قابلياتكم واستعداداتكم وَكذا عموم ما تُعْلِنُونَ أنتم ايضا من أفعالكم وأحوالكم وكيف لا يظهر المكنون من الأمور ولا يعلم خفيات الصدور اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم الذي لا إِلهَ ولا موجود في الوجود إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ المحيط بجميع ما قد لمع عليه بروق تجلياته المتشعشعة المتجددة المترتبة على أسمائه الذاتية الكاملة المستدعية للظهور والبروز عن أوصافه الفعلية والمقتضية لإظهار ما قد كمن من الكمالات المندمجة في الذات الاحدية الى فضاء الوجود والشهود وبعد ما سمع سليمان منه ما سمع قالَ ممهلا عليه مستأخرا سَنَنْظُرُ ونصبر الى ان يظهر لدينا أَصَدَقْتَ فيما أخبرت به أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ المزورين قد زورت هذا للتخلص من العذاب الأليم. ولما صح الخبر ووضح صدقه عند سليمان صلوات الرحمن عليه وسلامه أراد ان يرسل الهدهد رسولا الى بلقيس فأمر الكتاب ان يكتبوا كتابا هكذا بسم الله الرحمن الرحيم السلام على من اتبع الهدى اما بعد فلا تعلوا على وأتونى مسلمين ثم طبعه بالمسك وختمه بخاتمه ثم قال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ بحيث لم يتفطنوا بك وبأمرك ثُمَّ تَوَلَّ وانصرف

стр. 639

عَنْهُمْ وكن متواريا في قربهم فَانْظُرْ وتأمل ماذا يَرْجِعُونَ وما يرجعون وما يراجعون ويتراجعون بعضهم بعضا في المشاورات والمحاورات فأخذ الهدهد الكتاب وأتى بلقيس وهي نائمة في قصرها فألقاه على نحرها فلما استيقظت رأت الكتاب في نحرها فارتعدت وخضعت خوفا ثم جلست مع اشراف قومها وتشاورت معهم في شأن الكتاب حيث قالَتْ منادية لهم مستفتية منهم يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي قد أُلْقِيَ اليوم إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ وصفته بالكرامة إذ هي نائمة في قصرها والأبواب مغلقة عليها فرأت في صدرها هذا بلا إحضار محضر وبعد ما سمعوا منها ما سمعوا كأنهم قالوا ممن وما مضمونه قالت إِنَّهُ اى الكتاب مرسل مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ اى مضمونه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا اى عليكم ان لا تترفعوا ولا تتكبروا عَلَيَّ ولا تبالوا ببسطتكم وبشوكتكم وبالجملة لا يليق بكم وبشأنكم الا الإتيان على وجه الخضوع بلا كبر وخيلاء وَبعد ما انحصر أمركم على الإتيان أْتُونِي مُسْلِمِينَ منقادين لأمر الله مطيعين لحكمه وحكم رسوله بلا ممانعة وإباء واظهار مقاتلة ومقابلة ثم قرأت مضمون الكتاب عليهم وشرحت لهم فحواه قالَتْ خائفة مضطربة منادية لهم ثانيا تأكيدا للتأمل والتدبر في هذا الأمر الهائل والشأن المهول يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي وأجيبوا على وأشيروا الى فِي أَمْرِي هذا واختاروا ما هو الأحوط واستصوبوا طريقا ورأيا اختر ذلك قطعا وآمر بها حكما وامض بها جزما إذ ما كُنْتُ قاطِعَةً جازمة أَمْراً امضى عليه واجزم به حَتَّى تَشْهَدُونِ له وتستصوبوه بل الأمر مفوض إليكم فاستصوبوا ما قد تقرر رأيكم عليه حتى امض على مقتضاه وبعد ما فوضت أمرها إليهم استعطافا واستظهارا قالُوا اى الأشراف مستعلين مستكبرين حسب خيلاء اصحاب القدرة والقوة وارباب الجاه والثروة نَحْنُ قوم أُولُوا قُوَّةٍ وقدرة تامة عددا وعددا وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ قد انتشر صيتنا في الآفاق بالشدة والشجاعة وبأنواع الجرأة والاستيلاء والصولة على الأعداء والغلبة عليهم فنحن هكذا ولا خوف لنا لا منهم ولا من غيرهم وَالْأَمْرُ بعد ذلك مفوض إِلَيْكِ ونحن عبيدك فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ من القتال او الصلح نعمل على وفق ما امرتنا به قالَتْ في جوابهم بعد ما تأملت وتعمقت في أمرها ورأيها نعم ان لنا كثرة وقوة وشوكة وشجاعة وصولة منتشرا في اقطار الأرض بأسها وصيتها الا ان الحرب خداع والقتال سجال لا تدرى عاقبتها ومآلها ولا اعتماد على الكثرة والجرأة بعد ما قد مضى القضاء ونفذ على الهزيمة ومن المقدمات المسلمة إِنَّ الْمُلُوكَ وارباب القدرة والاستيلاء إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وقهرا أَفْسَدُوها وغيروا أوضاعها وبدلوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً بالغلبة والاستيلاء وَبالجملة كَذلِكَ يَفْعَلُونَ هؤلاء لو دخلوا على بلادنا هذه وَبالجملة ما ينبغي ولا يليق بنا اليوم ولا يصلح بحالنا لا مقارعة باب المقاتلة بإمضاء السيوف ولا المصالحة ايضا بإعطاء الألوف بل إِنِّي مُرْسِلَةٌ رسلا إِلَيْهِمْ أولا مصحوبة بِهَدِيَّةٍ كثيرة لائقة بعظم شأننا وشأنهم لاختبرهم فَناظِرَةٌ انا منتظرة بعد ذلك بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ اى بأى شيء يعودون من عندهم بعد تجسسهم عن أحوالهم وأطوارهم ومعاشرتهم مع رسلنا حتى اعمل على مقتضى ما يرجعون هذا ما هو الا من كمال عقلها ورزانة رأيها وتدبيرها المملكة وصيانتها آداب السلطنة والامارة وضبط المملكة. روى انها قد أرسلت منذر بن عمرو في وفد وأرسلت معه غلمانا على زي الجواري وجواري على زي الغلمان وحقة فيها

стр. 640

درة عذراء لا ثقب لها وجزعة معوجة الثقب وقالت ان كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقبا مستويا وسلك في الجزعة خيطا وأرسلت ايضا أموالا عظاما من لبنات الذهب والفضة والعود والعنبر والكافور والمسك ومن أجناس الجواهر والنفائس من كل شيء فلما وصلوا معسكره قد رأوا عظمه ما شهدوا مثلها قط ولا سمعوا ايضا من احد فَلَمَّا جاءَ الرسل سُلَيْمانَ وحضروا عنده على الوجه المعروف نظر نحوهم بوجه حسن طلق وتكلم معهم لينا حزنا مستخبرا عن احوال ملكتهم ومملكتهم ثم قالَ ما أمركم وشأنكم فأعطوا كتاب بلقيس فنظر فيه فإذا هي قد فصلت فيه جميع ممتحناتها قال سليمان ﵇ اين الحقة فجئ بها فقال ان فيها درة ثمينة غير مثقوبة وجزعة معوجة الثقب فأمر سليما الارضة فأخذت شعرة فدخلت في الدرة حتى خرجت من الجانب الآخر وامر دودة اخرى حتى دخلت في الجزعة المعوجة الثقب بخيط وخرجت من الجانب الآخر وميز ايضا بين الجواري والغلمان حيث أمرهم بغسل الوجه واليد فكانت الجارية تأخذ الماء بإحدى يديها وتصبه في الاخرى ثم تضربه وجهها والغلام كما يأخذه يضرب به الوجه ثم أتوا ببقاء الهدايا المرسلة فأبى سليمان ﵇ وامتنع من قبولها ورد كله إليهم مهددا عليهم حيث قال أَتُمِدُّونَنِ وتزيدونني بِمالٍ يميل إليها أبناء الدنيا الدنية المحرومون عن اللذات الاخروية فَما آتانِيَ اللَّهُ المنعم المفضل على من الأمور الاخروية واللذات اللدنية من النبوة والرسالة وتسخير الثقلين والرياح والطيور والوحوش وجميع من في الجو وعلى وجه الأرض خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ من حطام الدنيا ومزخرفاتها الفانية فما لنا ميل والتفات إليها بَلْ أَنْتُمْ وأمثالكم من أبناء الدنيا بِهَدِيَّتِكُمْ هذه تَفْرَحُونَ تميلون وتسرون بها لفخركم بأمثال هذه الزخارف لقصور نظركم عليها وغفلتكم عن الأمور الاخروية ارْجِعْ ايها الرسول إِلَيْهِمْ اى الى ملكتكم ومن معها من الجنود وقل لهم ما مطلوبي منهم ومن أمثالهم الا الايمان بالله المتوحد بالالوهية والربوبية والانقياد له والإطاعة لأحكامه وبالجملة قد لزم عليهم الإتيان إلينا مؤمنين مسلمين موحدين منقادين والا فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ من الانس والجن واصناف الوحوش والطيور وانواع السباع والبهائم والهوام والحشرات بالغة من الكثرة الى حد لا قِبَلَ لَهُمْ بِها ولا يسع لهم مقابلتها من بعيد فكيف ممانعتها ومقاتلتها وَبعد ما لم يسع لهم المقابلة والمقاتلة لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها اى من بلادهم المألوفة أَذِلَّةً ضعفاء ذليلين وَهُمْ حينئذ صاغِرُونَ مهانون أسراء بأيدي هؤلاء العفاريت. ثم لما رجع الرسل مع ما اهدت من الهدايا على وجهها وقد حل جميع ممتحناتها ومشاكلاتها قالت بلقيس قد علم انه ليس بملك بل هو نبي من الأنبياء مؤيد بأمر سماوي وما لنا طاقة مقاومتها ومقابلتها معه وما لنا سوى المصالحة والإطاعة بامره والحضور عنده ثم أرسلت بلقيس اليه صلوات الرحمن عليه رسولا ثانيا قائلا منها حاكيا عنها انى قادمة الى شرف خدمتكم وحضوركم عن قريب وأخذت بتهيئة الأسباب حتى تخرج وجعلت سريرها داخل سبعة أبواب في قصرها وقد كان قصرها داخل سبعة قصور وأغلقت كل الأبواب ووكلت عليها حراسا متعددة وارتحلت نحو سليمان ﵇ فلما دنت اليه رأى سليمان حين كان على سريره جما غفيرا من السواد مسيرة فرسخ فسأل عنهم فقالوا هي بلقيس قد أتت بجنودها مطيعين مسلمين قالَ سليمان ﵇ لمن حوله من الجن والانس يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي ويحضروا عندي مُسْلِمِينَ مؤمنين إذ بعد ما قد أتوا لا يجوز إتيان عرشها الا باذنها إذ لا يصح

стр. 641

نقل مال المسلم الا باذنه قالَ عِفْرِيتٌ خبيث مارد مِنَ الْجِنِّ اسمه ذكوان او صخر أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ اى مجلسك الذي تجلس عليه أنت للحكومة وكان من دأبه الجلوس الى وقت الزوال وَبالجملة أتيك به قبل إتيانها وإِنِّي عَلَيْهِ اى على حمل العرش وإتيانه لَقَوِيٌّ احمله بلا تزلزل أركانه وقوائمه أَمِينٌ لا أتصرف شيأ من زينته وجواهره فاستبطأ ﵇ إتيانه وطلب السرع من ذلك قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ فائض عليه مِنَ الْكِتابِ اى من حضرة العلم المحيط الإلهي المعبر عنه بالقضاء واللوح المحفوظ وعالم الأسماء والأعيان الثابتة يقدر بذلك العلم على إحضار شيء واعدامه دفعة وهو كان وزيره آصف بن برخيا قد انكشف عليه خواص الأسماء الإلهية ففعل بها ما فعل أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اى قبل ان تعيد وتطبق اجفانك حين نظرك والتفاتك وهذا كناية عن كمال السرعة والعجلة فاتى به طرفة عين فَلَمَّا رَآهُ اى سليمان العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ في طرفة عين قبل إتيان بلقيس ساعة قالَ سليمان ﵇ متوجها الى ربه مذكرا نعمه الفائضة على نفسه مجددا الشكر إياها هذا اى حضور هذا العرش العظيم الثقيل في غاية الثقل والعظمة في آن واحد مع انه قد كان في مسافة بعيدة مِنْ فَضْلِ رَبِّي على ومن عداد جلائل العامة وافضاله الى انما تفضل سبحانه على بهذا لِيَبْلُوَنِي ويختبرني أَأَشْكُرُ وأخذ بمواظبة شكر نعمه المتواترة على بحيث أعجز عن أداء شكره واعترف بالعجز والقصور عن احاطة نعمه فكيف عن أداء حقوقها أَمْ أَكْفُرُ لنعمه ولا أقيم بمقام الشكر عليها وان كانت الاقامة والتوفيق عليها ايضا من جملة انعامه وافضاله وإكرامه وَلا عائدة من شكرنا اليه سبحانه إذ هو منزه عنها بل مَنْ شَكَرَ على نعم الحق وصرفها على مقتضى ما جبلها الحق لأجله فَإِنَّما يَشْكُرُ الشاكر لِنَفْسِهِ ولازدياد نعمه بمزيد الشكر وَايضا مَنْ كَفَرَ فإنما يكفر لنفسه ولانتقاص نعمه لانتقاص شكره فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ في ذاته من عموم الفوائد والعوائد كَرِيمٌ جواد لا يعلل فعله بالأغراض وانعامه بالاعواض ثم لما دنت بلقيس مع من معها من اشراف قومها بالدخول على سليمان ﵇ والعرش عنده قالَ سليمان لمن حوله نَكِّرُوا لَها عَرْشَها حين جلست وغيروا بعض أوضاعه وزينته نَنْظُرْ حينئذ أَتَهْتَدِي وتتعقل انه هو أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ لاستحالة ان يكون هذا هو عادة وانما قصد به ﵇ اختبار عقلها ورشدها للايمان بالمغيبات والمستبعدات الخارقة للعادات فغير عرشها على الفور وقد بنى سليمان ﵇ صرحا ممردا من قوارير ووضع سريره فيها وهي على الماء ومن غاية صفائها لا يتميز عن الماء وفي الماء حيوانات مائية المولد من الحوت والضفدع وغيرها فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس وهو ﵇ في ذلك الصرح على السرير قِيلَ لها أولا أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ بعد ما أمعنت نظرها نحو العرش كَأَنَّهُ هُوَ أتت حينئذ بكلمة التشبيه وقد تحقق عندها انه هو صيانة لنفسها عن الكذب وَبعد ما تفرست بلقيس منه ﵇ القبول والتحسين إياها في قولها بادرت الى تصديق نبوته ﵇ وقالت لا حاجة لنا الى اختبارك بأمثال هذه المعجزات والخوارق حتى نؤمن لك يا نبي الله إذ قد أُوتِينَا الْعِلْمَ المتعلق منا بصدقك وتصديق نبوتك مِنْ قَبْلِها اى قبل ظهور هذه المعجزة الخارقة للعادة بأمور قد اختبرناك بها وَبالجملة قد كُنَّا مُسْلِمِينَ منقادين لك مسلمين نبوتك وتأييدك من قبل الحق وَمن فضل الله إياها انه قد صَدَّها وصرفها بعد ما قد ظهر عندها نبوة سليمان ﵇ عن ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعنى قد

стр. 642

صرفها الحق عن عبادة الشمس إذ قد عبدتها تقليدا لاسلافها فلما وصلت الى التحقيق صرفها الحق عنها وعن عبادتها إِنَّها كانَتْ منتشئة مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ جاحدين بالله عابدين للشمس ثم لَ يعنى قال سليمان ﵇ آمراهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فبادرت الى الاجابةلَمَّا رَأَتْهُ اى القصرسِبَتْهُ لُجَّةً فيها انواع الحيوانات المائية كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها اى رجليها لتدخل فيها فلما رأى سليمان ﵇ ساقيها وقد اخبر ان ساقيها لا كساق الإنسان لذلك قد احتال ببناء قصر القوارير حتى يظهر عنده هل هو مطابق للواقع أم لا فلما رآها احسن ساقا وقدما لكن على ساقيها شعر صرف ﵇ وجهه عنها مستغفرا ثم الَ لهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ اى بنيان مملس مصنوع نْ قَوارِيرَ زجاجات فأرخت زيلها فدخلت وبعد ما قد رأت اللجة أولا ظنت انه يستغرقها بها عمدا ثم لما ظهر خلافه الَتْ مستغفرة عن سوء ظنها إياه بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بهذا الظن الفاسد على نبي الله أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ الواحد الأحد المستقل بالالوهية والربوبيةبِّ الْعالَمِينَ لا رب له سواه ولا اله الا هو. وقد اختلف في تزوجها والأصح انه قد تزوجها ثم انقرضت هي وسليمان ومن عليها جميعا إذ كل يوم هو في شأن وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وَمن وفور جودنا وإحساننا لخلص عبادنا لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ حين لاح عليهم امارات العدوان وعلامات الفسوق والعصيان أَخاهُمْ صالِحاً قائلا لهم أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ حق عبادته وتذللوا نحوه بأنواع الخشوع والخضوع ولا تتكبروا عليه بالخروج عن مقتضى أوامره وحدوده فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ اى بعد ما اظهر عليهم الدعوة فاجؤا على الافتراق حيث آمن له البعض وصدقه واعرض عنه البعض الآخر فكذبه فاختصما قالَ صالح للمعرضين المكذبين يا قَوْمِ شأنكم الحذر والاحتراز عن عذاب الله ونكاله وعن موجبات قهره واسباب غضبه وجلاله لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ الموجبة لانواع العذاب والقهر الإلهي قَبْلَ الْحَسَنَةِ المستجلبة لعموم الخيرات لَوْلا هلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ العفو الغفور لكفركم وذنبكم الذي قد صدر عنكم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قبل حلول عذابه عليكم إذ حين حلول العذاب لا ينفع توبتكم واستغفاركم وبعد ما ظهر عليهم امارات قهر الله وغضبه إياهم حيث وقع الجدب بينهم قالُوا مغاضبين على صالح اطَّيَّرْنا اى قد تطيرنا وتشأمنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ من المصدقين لك المتدينين بدينك إذ قد تواترت علينا المصائب مذ ظهرتم أنتم بدينكم هذا بيننا وقد وقع الوقائع الهائلة بشؤمكم وشؤم دينكم وبعد ما قد سمع صالح منهم ما سمع ايس عن ايمانهم وصلاحهم حيث قالَ في جوابهم طائِرُكُمْ اى اسباب خيراتكم وشروركم عِنْدَ اللَّهِ وفي لوح قضائه وحضرة علمه إذ قد كتب عليكم الخير والشر حسب ما صدر عنكم من الأعمال الصالحة والطالحة ولا معنى لتطيركم وتشاؤمكم بنا بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ تختبرون بتفاقم انواع المحن وبتلاطم امواج الفتن كي تستغفروا وتندموا عما أنتم عليه من الكفر والعصيان حتى لا تستأصلوا بنزول عذاب الله الموعود لاستئصالكم حتما وبعد ما سمعوا منه كلامه هذا قصدوا مقته وإهلاكه وَقد كانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يعنى تسعة رجال اتفقوا بحيث صاروا رهطا واحدا وطائفة متفقة على قتله والرهط جمع لا واحد له يطلق على مادون العشرة وكان شأنهم مقصورا على الفساد والإفساد يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بأنواع الفسادات وَلا يُصْلِحُونَ أصلا في حال من الأحوال وبعد ما ظهر عليهم امارات العذاب الإلهي وتحقق عندهم

стр. 643

نزوله قصدوا إهلاك صالح ومن معه قبل هلاكهم حيث قالُوا فيما بينهم تَقاسَمُوا بِاللَّهِ بان حلف كل منهم عند صاحبه لَنُبَيِّتَنَّهُ ولنهلكنه قبل إتمام العذاب علينا وَأَهْلَهُ ايضا ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ عند طلب ثأره مبالغين في الإنكار ما شَهِدْنا في مدة عمرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ يعنى المكان الذي أهلك فيه صالح فكيف قتلنا إياه ونؤكد قولنا هذا بالقسم ايضا عند وليه ونقسم وَالله إِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا هذا وَبالجملة ما لنا علم بإهلاكه ومهلكه ومهلكه وبالجملة قد مَكَرُوا واحتالوا لمقت نبينا مَكْراً بليغا وَقد مَكَرْنا ايضا لهلاكهم واستئصالهم مَكْراً ابلغ من مكرهم إذ قد أمرنا للملائكة حين يمّم أولئك الماكرون المفسدون لقتل نبينا صالح وأخذوا يطلبونه ليرجموه بالحجارة ان يصيحوا عليهم حين قصدهم واشتغالهم لرجمه فصاحوا حينئذ عليهم بالصيحة الهائلة وَهُمْ حالتئذ من شدة هولهم وفزعهم لا يَشْعُرُونَ لا الصائح ولا الصالح ولا الرماة ولا العداة الطغاة فهلكوا بالمرة بلا وصول الى مرامهم فَانْظُرْ ايها الناظر المعتبر كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ راجعة واصلة إليهم لاحقة بهم وبالجملة أَنَّا من مقام قهرنا وجلالنا قد دَمَّرْناهُمْ وأهلكناهم اى التسعة المتقاسمين وَقَوْمَهُمْ ومن معهم أَجْمَعِينَ بحيث لم يبق منهم احد يخلفهم فَتِلْكَ الاطلال الخربة والرسوم المندرسة والدور المنكوسة بُيُوتُهُمْ ومساكنهم التي شيدوها وحصنوها مدة حياتهم بأنواع التشييدات والترصينات والتجصيصات انظر كيف صارت خاوِيَةً ساقطة جدرانها على سقوفها منعكسة منكوسة كل ذلك بِما ظَلَمُوا وبشؤم ما خرجوا عن مقتضى الحدود الإلهية عتوا واستكبارا إِنَّ فِي ذلِكَ المكر والإهلاك لَآيَةً دالة على كمال قدرتنا على انتقام من خرج عن ربقة الانقياد واطاعتنا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَبعد ما أهلكناهم صاغرين قد أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيدنا وصدقوا رسلنا سالمين غانمين من أمتعتهم وأموالهم وَهم من كمال إخلاصهم في الايمان وخشيتهم عن ما له الظلم والعدوان قد كانُوا يَتَّقُونَ ويحذرون من قهرنا وغضبنا ولا يسيئون الأدب معنا ومع رسلنا وَمن مقتضيات حكمتنا المتقنة ايضا قد أرسلنا لُوطاً الى قوم قد خرجوا عن مقتضى حدودنا تاركين طريق حكمة التناسل والتوالد وإبقاء النوع مبدلين لها الى ما هو مذموم عقلا وشرعا وعرفا وعادة ومروءة وطبعا وفطنة وفهما اذكر يا أكمل الرسل إِذْ قالَ لوط ﵇ لِقَوْمِهِ مستفهما منهم على سبيل الإنكار والتوبيخ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ والفعلة القبيحة الشنيعة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ وتشاهدون قبحها وشنعتها وقت ما فعلتم وأتيتم أَإِنَّكُمْ ايها المسرفون المستعبدون العابدون للشهوة مثل الحمار لَتَأْتُونَ الرِّجالَ الذين هم أمثالكم في الرجولية شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ مع ان الحكمة الإلهية تقتضي إتيانهن للتناسل وبقاء النوع كسائر انواع الحيوانات وهؤلاء الحيوانات مع جهلهم لا يخرجون عن مقتضى الحكمة وأنتم ايها الحمقى مع انكم مجبولون على العقل الفطري المميز بين الذمائم من الأخلاق والأطوار وحميدتها تخرجون عن مقتضاها بَلْ أَنْتُمْ بفعلتكم هذه قَوْمٌ تَجْهَلُونَ منسلخون عن مقتضى الإدراك المميز للإنسان عن سائر الحيوانات العجم إذ لا يتأتى منها أمثال هذه الا من الحمار الأرذل الأنزل انظروا ماذا شريككم في فعلتكم هذه ايها الحمقى المسرفون المفرطون فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ بعد ما سمعوا منه انواع التشنيعات والتقريعات إِلَّا أَنْ قالُوا من فرط انهماكهم في الغي والضلال ونهاية عمههم وسكرتهم في رق شهواتهم ولذاتهم البهيمية

стр. 644

متشاورين بينهم أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ عن أفعالنا ويستنزهون منها ولا مناسبة بيننا وبينهم فلهم ان يخرجوا من بيننا حتى يتلوثوا بافعالنا انما قالوا هذا تهكما واستهزاء ثم لما استحقوا لحلول العذاب والإهلاك وحان نزول البوار عليهم فَأَنْجَيْناهُ اى أخرجنا لوطا من بينهم وَأمرنا له ان يخرج أَهْلَهُ ايضا عناية منا إياهم إِلَّا امْرَأَتَهُ المائلة عليهم الراضية بفعلتهم إذ هي منهم لذلك قَدَّرْناها في سابق قضائنا مِنَ الْغابِرِينَ الهالكين المصابين وَبعد ما أخرجنا لوطا واهله من بينهم قد أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً اى مطر هو مطر الحجارة المهلكة فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ مطرهم الذي قد امطروا به بحيث لم يبق منهم ومن مساكنهم ومواشيهم شيء أصلا. وبعد ما قص سبحانه لحبيبه ﷺ قصص بعض ارباب الطبقات من الأنبياء والرسل المختص بأنواع الفضائل والكرامات الموهوبة من عنده سبحانه إياهم تفضلا عليهم وامتنانا امره سبحانه بان بادر الى تجديد الشكر والثناء عليه سبحانه بما أولاهم من النعم العظام واعطاهم من الفواضل الجسام إبقاء لحقوق المواخاة والاتحاد الحقيقي الواقع بين الأنبياء العظام والرسل الكرام بعد رفع الإضافات ونزع البسة التعينات الناسوتية والتشرف بلبس الخلعة اللاهوتية فقال سبحانه قُلِ يا أكمل الرسل بعد ما تلونا عليك بعض فضائل اخوانك تحميدا علينا من قبلهم وتسليما منا إياهم الْحَمْدُ والثناء الكامل اللائق الصادر من ألسنة عموم اهل النعم والانعام من الثقلين وغيرهم ثابت لِلَّهِ الواحد الأحد الحقيق بجميع المحامد والاثنية الصادرة عن ألسنة عموم من رش سبحانه عليهم رشحات بحر وجوده وامتد عليهم اظلال أسمائه وصفاته بمقتضى جوده وَسَلامٌ منه سبحانه ورحمة نازلة من لدنه على التواتر والتوالي عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى سبحانه واختارهم من بين البرايا لإرشاد التائهين في بيداء الغفلة والضلال وتكميل الناقصين المنحطين عن رتبة الخلافة والنيابة بميلهم الى فضلات الدنيا العائقة عن الوصول الى دار الخلافة التي هي التوحيد المسقط لتوهم الإضافات مطلقا قل يا أكمل الرسل بعد ما قد ظهر الحق عندك مستفهما مقرعا للمشركين المتخذين غير الله الها جهلا وعنادا آللَّهُ الواحد الأحد القادر المقتدر المدبر لمصالح عباده الموصل لهم بعد تصفية ظواهرهم وبواطنهم الى ما قد جبلوا لأجله من معرفة مبدئهم ومعادهم خَيْرٌ واحسن وانفع واولى وأليق لهم أَمَّا يُشْرِكُونَ له عنادا ومكابرة من الاظلال الهالكة في أنفسها المجبورة المستهلكة تحت قهر الله وقدرته الكاملة ثم قرع عليه سبحانه من انواع التقريعات والتوبيخات ما قرع تتميما لردعهم وتكميلا لزجرهم فقال أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ اى عالم الأسباب العادية العلوية وَالْأَرْضَ اى عالم الطبيعة السفلية القابلة لقبول فيضان آثار الفواعل العلوية وَمن أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ جانب السَّماءِ ماءً محييا لأموات الأراضي القابلة اليابسة بالطبع فَأَنْبَتْنا بِهِ اى بالماء بعد ما أنزلناه من جانب السماء حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ وبهاء ونضارة وصفاء ما كانَ اى ما صح وما أمكن لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها بل شجرة واحدة من جملة أشجارها لولا امداد الله وانباته إياها أَإِلهٌ اى أتدعون وتعبدون وتدعون الها آخر مَعَ اللَّهِ المدبر لمصالحكم بالاستقلال وبكمال الارادة والاختيار بَلْ هُمْ اى المتخذون غير الله الها قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ويصرفون عن الحق الصريح الذي هو التوحيد الى الباطل الزاهق الزائل الذي هو الشرك في ألوهيته واثبات الغير معه في الوجود وادعاء استحقاق العبادة إياه عنادا ومكابرة أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً اى مقرا تستقرون عليها وتعيشون فيها

стр. 645

مع ان طبع الماء يقتضى الاحاطة بجميع جوانبها بحيث لا يبدو من كرة الأرض شيء خارجا عنه وَبعد ما ابدأ بعضها من الماء عناية منه سبحانه إياكم قد جَعَلَ خِلالَها اى اوساط الأرض البادية أَنْهاراً جارية تتميما لأمور معاشكم عليها وَايضا جَعَلَ لَها اى للأرض رَواسِيَ وجبالا شامخات وأودع فيها معادن الفلزات ومنابع المياه ومراتع الحيوانات تتميما وتكميلا لمصالحكم ومعايشكم وَايضا جَعَلَ سبحانه من كمال مرحمته ولطفه بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والمالح حاجِزاً مانعا حصينا لئلا يختلطا ولا يختل نظام معاشكم عليها أَإِلهٌ تدعون ايها الجاهلون مَعَ اللَّهِ المتوحد المتفرد في ذاته المستقل في تصرفاته الواقعة في مملكته بَلْ أَكْثَرُهُمْ لانهماكهم في الغفلة والجهل عن الله وعن حق قدره وقدر ألوهيته لا يَعْلَمُونَ شيأ من آداب عبوديته لذلك ينسبون اليه سبحانه ما لا يليق بشأنه جهلا ومكابرة أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ القلق الحائر في أموره بلا رشد منه الى مخرجه ومخلصه إِذا دَعاهُ وتضرع نحوه دعوة مؤمل صريع ومتمن فجيع سواه سبحانه وَمن يَكْشِفُ السُّوءَ المتفاقم على ذوى الأحزان واولى المصائب والملمات غيره سبحانه وَبالجملة من يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ من الاسلاف الذين مضوا عليها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد تدعون ايها الجاهلون المسرفون المكابرون وأنتم ايها المبطلون المفرطون من نهاية جهلكم المركوز في جبلتكم وغفلتكم من الوهية الحق ومن غاية غيكم وضلالكم عن توحيده قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ اى قليلا منكم تتذكرون آلاء الله ونعماءه المتوالية المترادفة عليكم آنا فآنا طرفة فطرفة ايها الكافرون المعاندون المكابرون أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ ويرشدكم ايها الحمقى فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بالنجوم الزاهرات وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ المبشرات لتكون لكم بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ اى بشارة بالمطر المحيي لأموات الأراضي بأنواع النباتات والحبوبات المبقية لأصناف الحيوانات أَإِلهٌ قادر على أمثال هذه الأفعال المتقنة والآثار المحكمة مَعَ اللَّهِ المستقل بالقدرة الكاملة والحكمة الباهرة والرحمة العامة الشاملة تدعون وتعبدون ايها الحمقى الجاهلون مع انه قد تَعالَى اللَّهُ وتنزه ذاته وتعاظمت أسماؤه وصفاته عن مشابهة الأمثال وعن مطلق المشاركة معها في عموم الآثار والأفعال سيما عَمَّا يُشْرِكُونَ له أولئك المشركون المسرفون من الأوثان والأصنام أَمَّنْ يَبْدَؤُا ويظهر الْخَلْقَ اى عموم المخلوقات والمكونات من كتم العدم إبداء إبداعيا وإيجادا اختراعيا بعد ما لم يكن شيأ مذكورا برش نوره عليها ومد ظله إليها بمقتضى لطفه وجماله ثُمَّ بعد إظهاره وإيجاده على الوجه الأغرب الابدع من يُعِيدُهُ ويبعثه بعد اعدامه وإماتته بمقتضى قهره وجلاله على النمط البديع العجيب الغريب ايضا وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ ويقوّم امزجتكم بأنواع الاغذية الحاصلة مَنْ امتزاج آثار فواعل السَّماءِ وَقوابل الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ القادر المقتدر على إنشاء انواع البدائع وإبداء اصناف الغرائب والعجائب المكونة في التراب اليابس الجامد لتكون غذاء لمن عليها من الحيوانات تثبتون وتشركون ايها الحمقى المشركون المسرفون المكابرون وان أصروا على شركهم وكفرهم سيما بعد ما سمعوا قوارع الدلائل القاطعة وشواهد الحجج والبراهين الساطعة المذكورة في كتابك هذا المثبتة لتوحيد الحق المبينة له على الوجه الأبلغ الأكمل قُلْ لهم يا أكمل الرسل إلزاما عليهم وتبكيتا هاتُوا ايها الحمقى بُرْهانَكُمْ على دعواكم الوهية معبوداتكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في هذه الدعوى وبعد ما قدمت

стр. 646

إلزامك عليهم وتبكيتك إياهم قُلْ يا أكمل الرسل كلاما ناشئا عن محض التوحيد خاليا عن وصمة الكثرة مطلقا لا يَعْلَمُ مَنْ ظهر فِي السَّماواتِ اى العلويات وَمن ظهر في الْأَرْضِ اى السفليات من المظاهر المجبولة فيهما على فطرة الشعور والإدراك الْغَيْبَ الذي قد غاب وخرج عن مداركهم وعقولهم وكذا عن حيطة حواسهم وآلاتهم ولا يسع لهم ان يحيطوا بها ويتصفوا بشعورها وادراكها إِلَّا اللَّهُ المنزه عن مطلق الأماكن والأزمان بل الكل في حيطة أسمائه وأوصافه المبرى عن الاشتراك في جنس وعن الامتياز بفصل فانه واحد احد من كل الجهات ليس معه شيء ولا دونه حي فلا يشارك شيء في شيء حتى يميز عنه بشيء بل وحدته لا كسائر الوحدات وعلمه لا كسائر العلوم والإدراك وكذا جميع صفاته وأسمائه فانه سبحانه يعلم بعلمه الحضوري جميع ما ظهر وبطن وغاب وشهد بلا تفاوت من تقدم وتأخر وزمان ومكان واسباب وآلات وعلل وموجبات وشرائط ومقتضيات بل الكل في ساحة عز حضوره على السواء بلا اختلاف الخفاء والجلاء وَان اجتهد أولئك العالمون من اهل السموات والأرضين ما يَشْعُرُونَ ويدركون أَيَّانَ يُبْعَثُونَ اى متى يبعثون وفي أى آن يحشرون من قبور تعيناتهم وينشرون من أجداث هوياتهم للوقوف بين يدي الله وان وصلوا بعد ما اجتهدوا بتوفيق الله وتيسيره الى مقام قد عرفوا ان وقوفهم بين يديه سبحانه للعرض والجزاء كائن ثابت لا محالة لكنهم ما وصلوا الى مرتبة يسع وينكشف لهم تعيين وقت الحشر والنشر إذ تعيين وقت البعث من حملة الغيوب التي قد استأثر الله بها في علم غيبه ولم يطلع أحدا من أنبيائه وأوليائه عليها بَلِ ما ادَّارَكَ وما تدارك وبلغ وما وصل وتعلق عِلْمُهُمْ اى علم عموم العلماء ومشاعر جميع ارباب الشعور والإدراك بعد ما كوشفوا بالهام الله وجذب من جانبه الا فِي تحقق النشأة الْآخِرَةِ وانية ما فيها من المعتقدات الاخروية المحققة من الحشر والنشر والصراط والسؤال والجنة والنار والثواب والعقاب وجميع الأمور التي قد نطقت بها ألسنة الرسل والكتب وبالجملة ما بلغت بتعيين وقت البعث وتشخيص حينه وآن وقوعه الافهام واحلام الخواص والعوام بَلْ هُمْ اى اكثر الناس فِي شَكٍّ وتردد مِنْها اى من النشأة الآخرة ومن تحقق الأمور الكائنة فيها بَلْ هُمْ اى بل أكثرهم مِنْها اى من قيام الساعة ومن الأمور الموعودة فيها عَمُونَ غافلون منكرون لا يعتقدون وقوعها ولا يقبلون قيامها بل ينكرونها أشد انكار ويكذبونها ابلغ تكذيب وَمن شدة انكارهم وتكذيبهم قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وبعموم ما قد وعد سبحانه لهم في يوم العرض والجزاء على سبيل الاستبعاد والاستنكار مستفهمين مستهزئين أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا ايضا كذلك أَإِنَّا وانهم لَمُخْرَجُونَ من قبورنا احياء على الوجه الذي قد كنا عليه في مدة حياتنا قبل طريان الموت الطبيعي علينا كلا وحاشا إذ هي من جملة الأمور المستحيلة الممتنعة التي تأبى العقول السليمة عن قبولها ولا منشأ لها سوى انا لَقَدْ وُعِدْنا هذا اى البعث والحشر نَحْنُ اليوم على لسان هذا المدعى للنبوة والرسالة وَكذا قد وعد آباؤُنا ايضا مِنْ قَبْلُ على ألسنة المدعين الآخرين الذين مضوا وقد كان أسلافهم ايضا كذلك على ألسنة إسلاف أخر من المدعين وهكذا وهكذا وبالجملة إِنْ هذا اى ما هذا الوعد بالبعث والجزاء إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ الموروثة لأخلافهم اللاحقين المستخلفين المتأخرين عنهم وبالجملة ما هذا الا ديدنة قديمة وعادة مستمرة قد بقيت بين الأنام من قديم الأيام لتخويف العوام بلا وقوع ولا إمكان وقوع ايضا ثم

стр. 647

لما بالغ أولئك الهالكون في تيه الضلال في تكذيب يوم الجزاء وأصروا على ما هم عليه من الكفر والإنكار ومتابعة الأهواء والآراء قُلْ يا أكمل الرسل كلاما خاليا عن وصمة المجادلة والمراء صادرا عن محض الحكمة والعبرة والاستبصار آمرا لهم على سبيل الاعتبار سِيرُوا ايها المنكرون المكابرون ليوم العرض والجزاء فِي الْأَرْضِ التي هي محل العبرة ومنزل الاستبصار فَانْظُرُوا معتبرين متأملين كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ المكذبين كمال قدرة الله القادر المقتدر على كل ما أراد وشاء بلا فتور وقصور ولا ينتهى قدرته دون مقدوره بل له اعادة كما له ابداؤه مع جميع اجزائه ولوازمه وعوارضه من الزمان والمكان والحركات والسكنات ومع جميع الأطوار والأحوال الطارية عليه من مبدأ حدوثه الى منتهى حياته إذ جميع ما جرى عليه وصدر عنه حاضر عنده سبحانه مشهود له غير مغيب عنه بلا انقضاء من حضرة علمه وإمضاء من لوح قضائه إذ عنده سبحانه لا زمان ولا مكان حتى يتصور الانقراض والانقضاء واستبعاد أمثال هذه المسألة انما يجئ عن العقول السخيفة والأحلام الضعيفة المحبوسة في مضيق الزمان والمكان المتحصنة بحصون الجهات والابعاد المقيدة بسلاسل الأيام وأغلال الليالى ومن انكشف له بصر بصيرته وارتفع عنه سبل السدل وحول التحويل ورمد التغير والتبدل واكتحل عين عبرته وبصر بصيرته بكحل الكشف والشهود قد اضمحل دونه الزمان والمكان والجهات والأقطار وجميع ما يوهم الانقضاء والانصرام والتجدد والاستمرار ولم يبق في عين عبرته ونظر شهوده وخبرته سوى الله الواحد القهار لعموم الأغيار فسمع منه به وابصر به اليه وظهر منه عليه بحوله وقوته وفنى فيه وبقي لديه ولاح منه ورجع اليه وبدا عنه وعاد عليه قائلا دائما بلسان الحال والمقال انا لله وانا اليه راجعون. ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين برحمتك وجودك يا ارحم الراحمين وَبعد ما قد هدد سبحانه مكذبي وعده ووعيده بما هدد وقرعهم بما قرع أراد سبحانه ان يسلى حبيبه ﷺ بما لحق له من أذى المنكرين المكذبين بقوله لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ان كذبوك واعرضوا عنك يا أكمل الرسل وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ وسآمة مِمَّا يَمْكُرُونَ اى من مكرهم وحيلتهم فان الله يكفيك ويكف عنك مؤنة شرورهم وكن في نفسك يا أكمل الرسل وسيع الصدر طلق الوجه فرحان القلب يقظان السر فان الله ناصرك ومعينك في كل الأحوال يحفظك عن شرورهم ومكرهم وسيغلبك عليهم عن قريب ويظهر دينك على عموم الأديان كلها وينشر آثار هدايتك وارشادك في اقطار الأرض وانحائها وكفى بالله حسيبا وَمن شدة شكيمتهم وغاية انكارهم وضغينتهم معك يا أكمل الرسل يَقُولُونَ متهكمين مَتى هذَا الْوَعْدُ المعهود والعذاب الموعود وفي اىّ آن يظهر واىّ زمان يقوم عيّنوا لنا وقته ايها المدعون إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى الوقوع والنزول قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما قد اقترحوا عنك والحوا عَسى اى قد دنا وقرب أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ اى تبعكم ولحقكم واللام زائدة بَعْضُ العذاب الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ نزوله وحلوله فقد لحقهم عذاب يوم البدر وَسيلحقهم عن قريب كله ايضا لكن من سنته سبحانه امهال عباده زمانا رجاء ان يتنبهوا او يتوبوا عما أصروا عليه من الكفر والكفران والشرك والطغيان إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل لَذُو فَضْلٍ عظيم ورحمة واسعة شاملة عَلَى عموم النَّاسِ سيما الناسين سوابق عهودهم مع الله المدبر لأحوالهم يمهلهم وينبه عليهم رجاء ان يتنبهوا ويتفطنوا بمقتضى فطرتهم الاصلية وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ نعمة الامهال حتى يخلصوا من نقمته وعذابه لذلك لحقهم ما لحقهم من العذاب ومن جملة كفرانهم بنعم الحق

стр. 648

وطغيانهم عليه انهم أرادوا وقصدوا على وجه الاهتمام ان يخدعوا مع الله ورسله ولا يشكرون نعمة الإرسال والإرشاد بل ينكرون عليها في نفوسهم ويظهرون على الناس انهم مؤمنون مع انهم ليسوا كذلك بل ما قصدوا بذلك الا التلبيس والخداع على وجه النفاق وَبالجملة لا ينفع لهم مكرهم هذا وحيلتهم هذه إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل لَيَعْلَمُ بعلمه الحضوري ما تُكِنُّ وتخفى صُدُورُهُمْ من الغل والنفاق وَما يُعْلِنُونَ ويظهرونه بألسنتهم من ايمان وكفر وفساد وصلاح وعهد ونقض إذ لا يخفى عليه سبحانه شيء من احوال عباده وما جرى عليهم في ظواهرهم وبواطنهم وَكيف يخفى عليه شيء من أحوالهم إذ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي طي السَّماءِ وَالْأَرْضِ حتى النقير والقطمير وكذا ما يعقل ويحس ويعبر عنه ويومى اليه ويرمز نحوه ويعرب عنه الى ما شاء الله إِلَّا هو مثبت محفوظ فِي كِتابٍ مُبِينٍ هو لوح القضاء وحضرة العلم المحيط الإلهي الذي قد فصل فيه عموم ما كان وما يكون ازلا وابدا بحيث لا يشذ عن حيطته ما من شأنه ان يعلم ويحس به وايضا من جملة ما يدل على شمول قضائه وعلى حيطة حضرة علمه الكتب الإلهية النازلة المنزلة من عنده سبحانه المنتخبة من حضرة علمه ولوح قضائه سيما القرآن إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ من كمال جمعيته واحاطته يَقُصُّ يظهر ويبين عَلى علماء بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الأمر والشأن الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الأمور المتعلقة بدينهم وملتهم وَإِنَّهُ في نفسه لَهُدىً هاد موصل الى طريق التوحيد الذاتي وَرَحْمَةٌ نازلة لِلْمُؤْمِنِينَ الموحدين المحمديين من قبل الحق ليهديهم الى وحدة ذاته ويوصلهم الى غاية ما جبلوا لأجله من المعرفة والتوحيد واليقين إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل يَقْضِي بَيْنَهُمْ اى بين المختلفين في بنى إسرائيل ويحكم عليهم بِحُكْمِهِ المستنبط من حكمته البالغة المتقنة وَكيف لا هُوَ الْعَزِيزُ الغالب في احكام أحكامه المحكمة المبرمة الْعَلِيمُ في حكمته البالغة المتقنة المفرعة على عدالته الحقيقية وان كذبوك يا أكمل الرسل وأنكروا كتابك وجادلوا معك مراء ومجادلة عنادا ومكابرة فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ المتكفل لحفظك وحضانتك إِنَّكَ في امر دينك وكتابك ورسالتك وهدايتك وفي عموم ما جئت به من قبل ربك عَلَى الْحَقِّ والصدق الذي لا يأتيه الباطل والكذب لا من بين يديه ولا من خلفه الْمُبِينِ الظاهر حقيته عند ذوى البصائر واولى الألباب المستكشفين عن لب الأمور المعرضين عن قشرها فان اعرضوا عنك ولم يقبلوا منك ارشادك وهدايتك لا تبال بهم وباعراضهم وانصرافهم إذ هم عند التحقيق أموات لا حياة لهم حقيقة بل هم موتى إِنَّكَ وان بالغت واجتهدت في ارشادك وهدايتك إياهم لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ما جئت به من الأوامر والنواهي المأمورة بها الأحياء المقربة الى الله المبينة لطريق توحيده وكيف لا وهم عن السمع معزولون وَايضا أنت لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ اى ليس في وسعك إسماع الدعاء للاصمين الفاقدين آلة السماع والاستماع سيما إِذا وَلَّوْا وانصرفوا عنك مُدْبِرِينَ بلا التفات وتوجه منهم الى الاستماع والسماع والإصغاء وَبالجملة ما أَنْتَ ايها المرسل للهداية والمبعوث للإرشاد والتكميل بِهادِي الْعُمْيِ الفاقدين آلات الهداية واسبابها عَنْ ضَلالَتِهِمْ المركوزة في جبلتهم الراسخة في طبيعتهم بل إِنْ تُسْمِعُ اى ما تسمع أنت بهدايتك وارشادك ايها الهادي بوحينا وتوفيقنا إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا الدالة على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا وبالجملة ما تهدى أنت الا من يصدق بعموم ما جئت به من عندنا ووفق من لدنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ منقادون لأوامرنا وأحكامنا

стр. 649

مجتنبون عن نواهينا ومحظوراتنا قابلون للإرشاد والتكميل فهم من شدة شقاوتهم وغلظ غشاوتهم لا يؤمنون بك ولا يسلمون في أنفسهم لكنهم مجبولون على الشقاوة الاصلية والضلالة الجبلية فكيف يتأتى لك اسماعهم وإرشادهم وَاصبر يا أكمل الرسل وقت إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ الموعود عَلَيْهِمْ ولاح امارات الساعة وظهر علامات القيامة ودنا وقت قيامها أَخْرَجْنا لَهُمْ قبيل قيام الساعة دَابَّةً عظيمة مِنَ الْأَرْضِ لتكون امارة على قيامها دالة على كمال قدرتنا على احياء الأموات من العظام الرفات طولها سبعون ذراعا ولها قوائم وزغب اى شعرات صفر كريش الفرخ وريش وجناحان يقال لها الجساسة لا يفوتها هارب ولا يدركها طالب سئل ﵇ عن مخرجها فقال من أعظم المساجد حرمة على الله يعنى المسجد الحرام فإذا خرجت عليهم تُكَلِّمُهُمْ وتخاطب معهم بسوء فعالهم وحسن خصالهم فتفرق المؤمن من الكافر وتميزهم وحينئذ قد ظهر أَنَّ النَّاسَ المنهمكين في بحر الغفلة والنسيان لأي شيء كانُوا بِآياتِنا الواصلة إليهم من ألسنة رسلنا لا يُوقِنُونَ ولا يذعنون بل ينكرون ويكذبون عنادا ومكابرة وَاذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ نَحْشُرُ ونسوق عند قيام الساعة مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً فرقة وجماعة هي صناديدهم ورؤساؤهم مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا التي قد جاء بها الرسل لهدايتهم وإرشادهم فَهُمْ في حين حشرهم وسوقهم يُوزَعُونَ اى يحبس اولهم لآخرهم حتى يتلاحقوا ويزدحموا وبالجملة يساقون أولئك المجرمون هكذا حَتَّى إِذا جاؤُ المحشر وحضروا الموعد وعرضوا على الله صافين صاغرين جاثمين جالسين على ركبهم باركين قالَ قائل من قبل سرادقات العظمة والجلال معيّرا عليهم وموبخا أَكَذَّبْتُمْ أنتم ايها المسرفون المكذبون بِآياتِي في بادئ الرأى بلا تأمل وتدبر فيها وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تطرحوا نظركم وعقولكم عن فحص معانيها وضبط فحاويها حتى ظهر عندكم ولاح عليكم هل هي جدير بالرد والإنكار أم هي حقيق بالقبول والاعتبار فبادرتم الى تكذيبها دفعة بلا إمعان فيها أَمَّا ذا اى أم اى شيء شنيع وامر فظيع قد كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أنتم ايها الجاهلون المسرفون هذا. وبعد ما قد جرى من قبل الحق من انواع التوبيخ والتقريع ما جرى سكتوا حائرين خائبين منكوسين وَحينئذ قد وَقَعَ الْقَوْلُ المعهود منا وتحقق الوعد المحقق وحل العذاب الموعود عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا اى بسبب ظلمهم السابق الواقع منهم في النشأة الاولى فَهُمْ حينئذ لا يَنْطِقُونَ ولا يعتذرون ولا يتضرعون لانكبابهم على النار منكوسين بحيث لا يسع لهم التنطق والتضرع أصلا أَلَمْ يَرَوْا ولم ينظروا أولئك الحمقى العميان بنظر العبرة والاستبصار الى مصنوعاتنا المتبدلة المتغيرة المجبورة المقهورة تحت قدرتنا واختيارنا ليتحقق عندهم امر الساعة ولم يبادروا الى إنكارها حتى لا يلحقهم ما لحقهم أَنَّا من كمال قدرتنا ووفور حولنا وقوتنا كيف جَعَلْنَا اللَّيْلَ مظلما لِيَسْكُنُوا فِيهِ بلا دغدغة منهم الى الحركة والاشتغال وَكيف جعلنا النَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يتحركون ويترددون لشغل معاشهم إِنَّ فِي ذلِكَ الاضائة والاظلام على التعاقب والتوالي لَآياتٍ دلائل قاطعات وشواهد ساطعات دالة على قدرة القدير القادر المقتدر على أمثال هذه المقدورات المتقنة والمصنوعات المحكمة الصادرة عن محض الحكمة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ويذعنون بوحدة ذات الله وكمالات أسمائه وأوصافه وَاذكر يا أكمل الرسل تنبيها على التائهين في بيداء الغفلة يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ألا وهو البوق الموضوع المنفوخ فيه لحشر الأموات من اجداثها فَفَزِعَ

стр. 650

ارتعد من هول تلك الصدا جميع مَنْ فِي السَّماواتِ من سكانها وَكذا جميع مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ تمكنه وقرار قلبه مطمئنا بلا قلق واضطراب ألا وهم الأولياء المتمكنون في مقر الفناء في الله المتحققون بمقام البقاء ببقائه الواصلون الى شرف لقائه بلا تذبذب وتلوين منسلخين عن جلباب ناسوتهم رأسا وصاروا بحيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وَبعد ما أفاقوا من دهشتهم وهيبتهم العارضة إياهم من هول ما سمعوا كُلٌّ ممن يتأتى منهم الإتيان أَتَوْهُ على كلتا القرائتين فعلا او اسم فاعل اى حضروا عند الداعي النافخ او هم حاضروه داخِرِينَ صاغرين ذليلين منتظرين الى ما جرى عليهم من حكم الله أيساقون الى النار حسب قهره وعدله أم الى الجنة حسب فضله وطوله وَتَرَى ايها الرائي يومئذ الْجِبالَ الرواسي التي تَحْسَبُها وتظنها أنت جامِدَةً ثابتة مستقرة في مكانها بلا حركة وذهاب وَهِيَ في أنفسها يومئذ تَمُرُّ اى تتحرك وتذهب مَرَّ السَّحابِ كمروره وسرعة سيره إذ الأشياء العظيمة التي لا تحيط الأبصار بجميع جوانبها قلما يحس بحركتها وان اسرع فيها بل يظن انها ثابتة في مقره وهكذا حال الجبال وجميع الاظلال والاطلال المشهودة في عالم الحس والخيال كل طرفة وآن على التقضي والارتحال قبل قيام الساعة ولو تفطنت بمرورها ايها الفطن اللبيب لوجدتها في كل آن على التقضي والانصرام إذ الاعراض لا قرار لها ولا قيام والعكوس والأشباح لا مرار لها ولا نظام بل كل يوم وآن في شأن لا كشأن الذي سيمضى وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ومرور الجبال على هذا المنوال انما يكون صُنْعَ اللَّهِ اى من صنع الله القادر القوى الَّذِي أَتْقَنَ واحكم كُلَّ شَيْءٍ اتقانا بديعا ودبره تدبيرا انيقا عجيبا وأودع فيه من الحكم والمصالح ما لم يطلع عليها احد من عباده إذ لا يسع لهم الاطلاع على أفعاله سبحانه بل إِنَّهُ بذاته وبمقتضى أسمائه وصفاته خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ اى بعموم أفعالهم وأحوالهم وأقوالهم الظاهرة والباطنة يجازيهم عليها بمقتضى خبرته ان خيرا فخير وان شرا فشر لذلك مَنْ جاءَ من المكلفين في دار الابتلاء بِالْحَسَنَةِ اى الخصلة الواحدة المقبولة عند الله وعند الناس فَلَهُ في دار الجزاء خَيْرٌ مِنْها إذ يعطى له بدلها سبعمائة من الحسنة وقد أبدل الخسيس بالشريف سيما بأضعافه والفاني بالباقي وَهُمْ ايضا مع وفور هذه المثوبات مِنْ فَزَعٍ هائل مهول للناس يَوْمَئِذٍ اى يوم ينفخ في الصور آمِنُونَ مطمئنون متمكنون لا يضطربون من هولها ولا يفزعون وَمَنْ جاءَ في دار الاختبار بِالسَّيِّئَةِ المردودة عند الله وعند الناس من الأمور التي قد حرمها الشرع والعقل والمروءة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ اى كبوا على وجوههم في النار صاغرين ذليلين قيل لهم حينئذ زجرا عليهم وطرد الهم هَلْ تُجْزَوْنَ وما تجازون بهذا الهوان والصغار إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى بسبب عملكم من السيئات الجالبة له في النشأة الاولى. ثم لما امر سبحانه الرسول ﷺ بتبليغ ما اوحى اليه من الوعد والوعيد والأوامر والنواهي المصلحة لأحوال الأنام في النشأتين وبيان مبدأهم ومعادهم وما يئول اليه أمرهم بعد ما انقرضوا من هذه النشأة التي هي دار الابتلاء والاختبار اما الى دركات النيران واما الى درجات الجنان. ثم بين لهم سبحانه طريق الوصول الى مقر التوحيد والتمكين في مقام التجريد والتفريد حيث امر له ﷺ ايضا بان قال لهم امحاضا للنصح كلاما ناشئا عن محض الحكمة خاليا عن وصمة الميل الى الهوى إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ عبادة خاصة خالصة عن جميع الرياء والرعونات رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أراد بها مكة

стр. 651

شرفها الله خصها بالإضافة للتعظيم والا فهو رب عموم البلاد والأماكن الَّذِي حَرَّمَها اى حرم في هذه البلدة من الأمور التي قد أباحها في غيرها من البلاد وَلَهُ سبحانه كُلُّ شَيْءٍ خلقه وملكه والتصرف فيه كيف يشاء ويريد بلا منازع ومخاصم وَبالجملة أُمِرْتُ من عنده سبحانه أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ المنقادين لأحكامه سبحانه الممتثلين بأوامره ونواهيه بلا التفات الى ايمان احد وكفره وهدايته وضلاله وَايضا قد أمرت أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ المنزل على من عند ربي وداوم على تلاوته بين اظهر الأنام لأنه اوحى للهدى والرشد بالنسبة الى عموم العباد فَمَنِ اهْتَدى به بعد ما سمعه وتأمل معناه وامتثل بمقتضاه فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ونفع هدايته عائد إليها مفيد لها وَمَنْ ضَلَّ واعرض عنه بعد ما سمع واستكبر وكذب فَقُلْ بمقتضى أمرنا ووحينا إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ اى امرى منحصر بالإنذار والتخويف كسائر الرسل المنذرين فالهداية والضلال انما هو مفوض الى الكبير المتعال وبعد ما قد أمرني ربي بهذه المأمورات المذكورة قد أمرني ايضا بتجديد التحميد على تبليغ ما اوحى الى به بقوله وَقُلِ يا أكمل الرسل بعد ما قد تلوت عليهم ما تلونا عليك الْحَمْدُ لِلَّهِ على ما علمني ربي من الحقائق والمعارف وشرفني بأنواع المكاشفات والمشاهدات ويسر على تبليغ ما اوحى الى وأمرني بتبليغه الى قاطبة الأنام وان اعرضوا عن قبول ما قد بلغت لهم من مصالح دينهم في النشأة الاولى والاخرى قل لهم على سبيل التهديد سَيُرِيكُمْ سبحانه في النشأة الاخرى عند قيام الساعة الموعودة صدق آياتِهِ الدالة على عظمة ذاته المثبتة لعموم مواعيده ووعيداته فَتَعْرِفُونَها حينئذ وتسمعونها سمع قبول ورضا ولا يجديكم قبولها حينئذ نفعا وفائدة إذ قد مضى وقت الإرشاد والامتثال بها والعمل بمقتضاها وَبعد ما قد بلغت لهم يا أكمل الرسل ما بلغت لا تبال باعراضهم وانكارهم إذ ما رَبُّكَ المطلع على عموم السرائر والخفايا بِغافِلٍ غائب ذاهل عَمَّا تَعْمَلُونَ من الرد والقبول سيما بعد ما سمعوا منك وفهموا معناه يجازيهم بمقتضى اطلاعه وعلمه وخبرته. ربنا اشرح لنا صدورنا بتأمل آياتك المنزلة من عندك ويسر لنا أمورنا بان نمتثل بمقتضاها بفضلك وجودك. خاتمة سورة النمل عليك ايها المحمدي المواظب على تلاوة كتاب الله الملازم للاسترشاد والاستهداء منه ان تلاحظ أولا منطوقات الألفاظ المفردة ثم مفهومات الكلام المركب منها ثم التأمل والتدبر في رعاية المطابقة بمقتضيات الأحوال المورد لأجلها ثم التعمق في الاساليب والأغراض المصوغ المسوق لها الكلام ثم سرائر الأوامر والنواهي الموردة فيه ورموز العبر والأمثال المشتمل عليها الكلام ثم الحكم والمصالح الباعثة لا يراد الكلام على وجهها ثم التفطن والتنبه من النظم المتلو المقرو على المعارف والحقائق والتجليات والمكاشفات والمشاهدات التي هي العلل الغائية لإنشائه والأسرار الباعثة لنظم كلماته وتأليف حروفه وعليك ايها الفطن اللبيب الخبير ان تدرك ان للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا الى سبعة ابطن على ما نطق به الحديث الصحيح صلوات الله على قائله وسلامه وإياك إياك ان تقنع منه بألفاظه ومنطوقاته التي تعرفها عوام العرب او تقنع عنه بمجرد الخواص والمزايا التي تعرفها ارباب اللسن منهم بل لك ان تلاحظ على الوجه المذكور الى ان يصير علمك المتعلق به لدنيا ذوقيا حاليا شهوديا وجدانيا شوقيا حضوريا بحيث تسمعه أنت من قلبك وتفهمه أنت منك بقلبك بلا وسائل الألفاظ والحروف الجارية على لسانك إذ الألفاظ والحروف انما هي من جملة القشور الكثيفة والحجب الغليظة

стр. 652

ايضا عند ذوى المعارف واولى الألباب الناظرين في لب القرآن فحينئذ قد فزت بحظك منه ونلت نصيبك من هدايته وإرشاده على قدر استعدادك واستجماع وسعك رب هب لي من فضلك من خزائن جودك التي او دعتها في كتابك الكريم انك أنت الوهاب والملهم بالخير والصواب [سورة القصص] فاتحة سورة القصص لا يخفى على من تحقق بوحدة الحق وانكشف باستقلاله وتوحده في التحقق والوجود وشهد حضوره في الأكوان كلها. بلا مزاحمة ضد وشريك ومظاهرة مثل وظهير ان وحدة الحق تستدعى نفى الكثرة والتعدد مطلقا ولهذا ما ظهر في فضاء الوجود الا ما لمع عليه بروق تجلياته الحبية حسب أوصافه وأسمائه الذاتية ومن انكشف له هذا المشهد العظيم لم يسمع من احد ان يدعى الوجود لنفسه فكيف ان يدعى الألوهية والربوبية والاستقلال بالآثار والتصرفات الواردة في عالم الغيب والشهادة ومن ظهر على الله الواحد الأحد الفرد الصمد بأمثال هذه الدعوى الكاذبة وترقى فيها جهلا وعتوا الى ان قال أنار بكم الأعلى فمن كمال غيرة الله وحميته على نفسه ان يطرد من يدعى أمثال هذه الدعوى عن ساحة عز حضوره ويهلكه باشد العذاب وأسوأ العقاب في النشأة الاولى والاخرى لذلك خاطب سبحانه حبيبه ﷺ بما خاطب وأخبره في هذه السورة من نبأ أخيه موسى ﵇ مع من تكبر واستعلى على الأرض الى حيث قد استعبد من عليها مدعيا الألوهية والربوبية لنفسه لذلك قد اخذه الله نكال الآخرة والاولى ان في ذلك لعبرة لمن يخشى من قهر الله وغضبه فقال سبحانه متيمنا باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بجمعيته في الأكوان على مقتضى الأوصاف والأسماء الحسان الرَّحْمنِ بعموم المكونات بافاضة الوجود على سبيل السواء بلا تفاوت في خلقه وإظهاره لعموم الوراء الرَّحِيمِ لخواص عباده يوصلهم الى توحيد ذاته بافاضة انواع الرشد واصناف الهدى [الآيات] طسم يا طالب السعادة المؤبدة المخلدة ويا طيب الطينة ويا سالم السر والسريرة المنزه المقدس عن المكدرات الطبيعية المورثة لانواع الجهالات والضلالات المنافية لصفاء مشرب التوحيد تِلْكَ الآيات المتلوة عليك يا أكمل الرسل في هذه السورة الحاكية عن قصص اخوانك من الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ اى نبذ مما ثبت في لوح القضاء وحضرة العلم المحيط الإلهي الظاهر احاطته وشموله لجميع ما لاح عليه شروق شمس الوجود نَتْلُوا عَلَيْكَ ونحكى لك يا أكمل الرسل مِنْ نَبَإِ مُوسى أخيك الكليم وَفِرْعَوْنَ المستكبر المستعلى المفرط في العتو والعناد انما أنزلناه إليك هذا ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع مع كونك خالي الذهن عنه وعن أمثاله لكونك اميا لا تقدر على مطالعة كتب التواريخ وانما أنزلناه إليك لتكون آية ودليلا لك على صدقك في دعواك الرسالة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بك ويصدقون رسالتك ونبوتك وذلك إِنَّ فِرْعَوْنَ المفسد المسرف قد عَلا وأفرط فِي الْأَرْضِ اى ارض مصر وترقى امره الى حيث تفوه بانا ربكم الأعلى وَمن كمال عتوه واستكباره قد جَعَلَ أَهْلَها اى اهل مصر ومن يسكنون حولها شِيَعاً اى فرقا وأحزابا يشايعون له لدى الحاجة ويزدحمون عليه عند الارادة طوعا وكرها وبعد ما قد رأى فرعون في منامه ليلا ان نارا تخرج من دور بنى إسرائيل وتقع على داره وتحرقه وما حولها من دور القبط ولم تضر بدور بنى إسرائيل أصلا فأصبح وامر بإحضار الكاهن العليم فاستعبر عنه الرؤيا فقال له الكاهن

стр. 653

سيخرج من بنى إسرائيل رجل يستولى عليك ويستأصلك ومن معك وبعد ما سمع من الكاهن ما سمع صار يَسْتَضْعِفُ اى يضعف طائِفَةً مِنْهُمْ اى من بنى إسرائيل وقد بالغ في أضعافهم الى حيث يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ يعنى امر بشرطته ووكلائه ان يقتلوا من ولد منهم ذكرا لئلا يتقووا على قتاله ولم يحدث بينهم من أخبر به الكاهن وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ليتزوجهن القبط ظلما ويزداد ويلحق العار والصغار على بنى إسرائيل وبالجملة إِنَّهُ كانَ مِنَ أعظم الْمُفْسِدِينَ في الأرض يريد ان يظهر على الله بقتل ما أوجده سبحانه عتوا واستكبارا وَبعد ما بالغ في الإفساد والفساد وتمادى في الجور والعناد زمانا نُرِيدُ بمقتضى جودنا وسعة رحمتنا أَنْ نَمُنَّ منة عظيمة عَلَى عبادنا الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ اى ارض العمالقة وهم بنوا إسرائيل الإسراء المظلومون في أيدي القبط وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وقدوة كراما كبراء عظماء اعزة متبوعين بعد ما كانوا اتباعا أذلاء صاغرين وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ من ظالميهم يرثون منهم ارضهم وديارهم وأموالهم وَنُمَكِّنَ لَهُمْ اى نقررهم ونوطنهم فِي الْأَرْضِ اى ارض مصر والشأم بعد ما كانوا مضطربين متزلزلين في أيدي العدو وَنُرِيَ بمقتضى قهرنا وجلالنا فِرْعَوْنَ المفرط في العتو والعناد وَظهيره هامانَ المفتخر على اهل الزمان بنيابته ووزارته وَجُنُودَهُما من القبط مِنْهُمْ اى من بنى إسرائيل ما كانُوا يَحْذَرُونَ منه وهو ظهور مولود منهم يذهب به دولة القبط وصار سببا لهلاكهم بالمرة وَبعد ما ولد موسى وظهر من أراد به سبحانه زوال ملك فرعون واستوحشت امه من وقوف الشرطة عليه وقتله قد أَوْحَيْنا عناية منا إياه وإظهارا لحكمتنا المتقنة المثبتة في حضرة علمنا ولوح قضائنا وألهمنا حينئذ إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ مهما أمكنك ارضاعه واخفاؤه فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ من وقوفهم إياه ضعيه في التابوت فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ اى النيل وَلا تَخافِي من هلاكه وغرقه وَلا تَحْزَنِي من فراقه إِنَّا من وفور لطفنا وعطفنا إياه وإياك قد رَادُّوهُ إِلَيْكِ لتحصنه وتحفظه أنت الى وقت فطامه وكبره البتة وَبعد ما استوى وبلغ أشده ورشده جاعِلُوهُ مِنَ جملة الْمُرْسَلِينَ المؤيدين من لدنا بالوحي والإلهام وظهور انواع المعجزات والخوارق من يده وبعد ما قد تفرست امه بوقوف الشرطة وتجسسهم بعد ما أرضعته ثلاثة ايام وضعته في التابوت على الوجه المأمور والقته في اليم مفوضة امره الى الله المتكفل بحفظه فذهب البحر بتابوته الى حذاء دار فرعون فرآه من فيها فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فأخذوه وأخرجوه من اليم واحضروه وبعد ما كشفوا عنه ستره رأوا فيه وليدا في غاية الحسن والجمال بحيث تبهر عيون الناظرين اليه يمضغ إبهامه فلما رآه فرعون وامرأته وجميع من في بيته من الخدمة احبوه واعجبوا حسنه وصفاءه وبهاءه وقد ألقينا محبته في قلوبهم جميعا الى ان اتفقوا لحفظه غافلين عن مكرنا معهم لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً اى موجب حزن طويل وعداوة شديدة مستمرة وبالجملة إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ مجبولين موافقين على الخطأ في عموم أفعالهم وأعمالهم كأنهم مجسمون متخذون من الخطأ ومن جملته محافظة العدو الموجب لانواع العذاب والنكال الواقع عليهم في النشأة الاولى والاخرى وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ آسية رضى الله عنها من كمال محبتها له وتحننها نحوه لفرعون مشيرة الى الوليد هذا قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ مثل أبناء بنى إسرائيل على ظن انه منهم بل نحفظه عَسى أَنْ يَنْفَعَنا اى رجاء ان ينفع بنا نفعا كليا

стр. 654

أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً خلفا لنا ويصير ولى عهدنا ان ظهر على رشد تام وعقل كامل كافل وَبالجملة هُمْ لا يَشْعُرُونَ انه عدوهم الذي يذهب به دولتهم وملكهم وبيده زوالهم وهلكهم وَبعد القائه في البحر قد أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً صفرا من العقل ومن مقتضياته بل قد صارت قلقة هائمة حائرة حاسرة خاسرة بحيث قد اضمحلت عنها امارات الحياة تحننا الى ولدها وشوقا اليه وخوفا من قتله سيما قد سمعت بالتقاط آل فرعون إياه ووقوعه بأيديهم إِنْ كادَتْ اى انها قد صارت من غاية الحزن والأسف الى ان قربت لَتُبْدِي بِهِ اى لتظهر وتبوح بامره صائحة عليه فجيعة في شأنه من التقاط عدوه لَوْلا أَنْ رَبَطْنا وألقينا عَلى قَلْبِها السكينة والطمأنينة لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدقين لما وعدنا إياها برد ولدها إليها بلا ضرر من العدو وَبعد ما سكنت من البوح والنوح وقصد الإظهار قالَتْ لِأُخْتِهِ اى مريم اخت موسى قُصِّيهِ اى اتبعى اثره وتتبعى امره كي تدركى وتدرى ما فعلوا معه فذهبت هي بأمرها فَبَصُرَتْ بِهِ اى بموسى عَنْ جُنُبٍ بعد واخفت حالها عنهم وَهُمْ بحيث لا يَشْعُرُونَ بقرابتها إياه وهم بعد ما اتفقوا على حفظه وتركوا قتله أرادوا ان يرضعوه فطلبوا المرضعة لحضانته ورضاعته وَقد كنا من متانة حكمتنا وحكمنا قد حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ اى قبل القائه في البحر وحين عهدنا مع امه برده إياها بقولنا انا رادوه إليك فاحضروا مراضع كثيرة فأبى موسى عن مص الكل فتحيروا في امره فَقالَتْ مريم بعد ما انتهزت الفرصة هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ان أردتم له مرضعة وَهُمْ اى اهل ذلك البيت لَهُ ناصِحُونَ حافظون الى ان كبر بحيث لا يغفلون عن تربيته وحفظه فلما سمع هامان منها ما سمع قال انها قد تعرفه واهله ومنشأه خذوها حتى تخبر ما حاله ومن أى قوم منشأه قالت انما أردت وهم للملك قوم ناصحون فأمرها فرعون باحضارها فأتت مريم بأمه وموسى على يد فرعون يبكى ويصيح فلما شم ريح أمه استأنس والتقم ثديها ومص بلا إباء فقال له فرعون من أنت منه فقد أبى من كل ثدي الا ثديك قالت انى امرأة طيبة الريح واللبن لم أوت بصبى إلا قبلني فدفعه إليها وعين اجرة حضانتها ورضاعتها فذهبت به الى بيتها من يومه كما قال سبحانه فَرَدَدْناهُ يوم القائه في البحر إِلى أُمِّهِ إيفاء لوعدنا إياها كَيْ تَقَرَّ وتنور عَيْنُها بولدها وَبعد ما قد رددناه إليها ألهمنا لها ان لا تَحْزَنَ بعد اليوم وتثق بوعدنا إياها وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ القادر المقتدر على إيفاء مطلق العهود حَقٌّ ثابت محقق مطابق للواقع فكما اوفى سبحانه وعد رده إليك يوفى ايضا وعد رسالته ونبوته ايضا بلا خلف منه فعليك ان تثقى بالله وتفوضى امره اليه سبحانه فانه سبحانه يكفى ويكف عنه مؤنة شرور أعدائه ويوصله الى منتهى ما جبله لأجله إذ هو سبحانه قادر مقتدر غالب على عموم ما أراد وشاء وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ اى اكثر الناس لا يَعْلَمُونَ كمال قدرته وحكمته سبحانه وَلَمَّا ربته امه وأحسنت تربيته بمعاونة عدوه الى ان بَلَغَ أَشُدَّهُ وكمال قوته في نشوه ونمائه وَاسْتَوى اى كمل وتم عقله ورشده الى ان صلح لحمل أعباء الرسالة قد آتَيْناهُ من كمال جودنا إياه إيفاء لما وعدنا له في سابق علمنا المحيط وكتبنا لأجله في لوح قضائنا المحفوظ حُكْماً نبوة ورسالة ليضبط به ظواهر الاحكام من الأنام وَعِلْماً لدنيا متعلقا بمعرفة نفسه وبمعرفة ذات الحق المتصف بجلائل الأوصاف والأسماء وكذا بمعرفة توحده وتنزهه في ذاته عن سمة الكثرة

стр. 655

والتعدد مطلقا وَكَذلِكَ اى مثل ما جزينا موسى بأحسن الجزاء نَجْزِي عموم الْمُحْسِنِينَ من خلص عبادنا البالغين رتبة الإحسان معنا وهم الذين يعبدون الله كأنهم يرونه. وانما اتى بلفظ الماضي مع انه انما أرسل بعد ما هاجر من بينهم الى مدين وتلمذ شعيبا ﵇ تنبيها على تحقق وقوعه وَبعد ما قد بلغ موسى أشده قد دَخَلَ الْمَدِينَةَ اى مصر يوما من الأيام عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها لأنهم لا يترقبونه في تلك الوقت قيل هو وقت القيلولة وقيل وقت العشاء فَوَجَدَ موسى حين دخل فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ قتالا شديدا هذا اى احد المقاتلين مِنْ شِيعَتِهِ اى بنى إسرائيل وَهذا الآخر مِنْ عَدُوِّهِ يعنى القبط وبعد ما وصل موسى إليهما فَاسْتَغاثَهُ اى طلب منه الغوث والإعانة الرجل الَّذِي هو مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الرجل الَّذِي هو مِنْ عَدُوِّهِ إذ القبطي غالب على السبطى وبعد ما وجد موسى صديقه مظلوما مغلوبا فَوَكَزَهُ اى العدو مُوسى يعنى ضم أصابعه مجتمعة مقبوضة فضرب بها العدو مرة فَقَضى عَلَيْهِ وهلك وانفصل روحه عنه بوكزة واحدة دفعة فخجل موسى من فعله هذا واسترجع الى الله مستحييا منه سبحانه حيث قالَ هذا اى ما جئت به من الفعلة الشنيعة مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إذ هو يغرينى ويغويني باغرائه واغوائه إِنَّهُ اى الشيطان المغرى المغوى عَدُوٌّ لأهل الحق وارباب اليقين مُضِلٌّ لهم يضلهم عن الطريق المستبين مُبِينٌ ظاهر العداوة والإضلال سيما بالنسبة الى ارباب الرشد والكمال قالَ موسى حينئذ متضرعا نحو الحق آئبا اليه تائبا عما صدر عنه مناجيا له عن محض الندم والحياء رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم بين يدي عدوى وخلصني من البلية العامة بمقتضى جودك إِنِّي بالاقدام على هذا الأمر الشنيع قد ظَلَمْتُ نَفْسِي وعرضتها على عذابك بالخروج عن مقتضى حدودك بقتل هذا الشخص بلا رخصة شرعية فَاغْفِرْ لِي يا ربي زلتى بعد ما تبت إليك وأنبت نحوك ورجعت عن ذنبي نادما والتجأت الى بابك راجيا فَغَفَرَ لَهُ ربه زلته بعد ما رجع اليه مخلصا إِنَّهُ سبحانه هُوَ الْغَفُورُ لذنوب عباده بعد ما رجعوا نحوه متذللين خائبين خاسرين الرَّحِيمُ يقبل توبتهم بعد ما أخلصوا فيها وبعد ما تاب ورجع عما قد عمله خطأ قالَ مقسما رَبِّ يا من رباني بأنواع الكرامات أقسمت بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ اى بعموم نعمك العظيمة الواصلة الى فَلَنْ أَكُونَ بعد اليوم وبحال من الأحوال ظَهِيراً مغيثا ومعينا لِلْمُجْرِمِينَ الذين قد أدت اغاثتهم الى جرم كبير وذنب عظيم وبعد ما صدر من موسى ما صدر فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً من اولياء المقتول يَتَرَقَّبُ منهم الاستقادة والقصاص فَإِذَا اى فاجأ موسى بغتة بالرجل الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ واستغاث منه بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ويستغيث منه ايضا مرة بعد اخرى لقبطى آخر يخاصم معه ويتغلب عليه قالَ لَهُ اى للمستغيث مُوسى على وجه الردع إِنَّكَ مع غاية ضعفك وقلة قوتك لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية والضلال فَلَمَّا أَنْ أَرادَ موسى بعد ما رأى غاية ضعف صديقه ومغلوبيته من العدو وان نسب الصديق الى الغواية أَنْ يَبْطِشَ غيرة وحمية عليه بِالَّذِي اى بالقبطي الذي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما اى لموسى والإسرائيلي المغلوب إذ كل قبطى عدو لكل سبطي لاستمرار العداوة فيما بينهم قالَ القبطي يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي ظلما وعدوانا كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ جبرا بلا رخصة شرعية إِنْ تُرِيدُ وما تقصد بفعلك هذا وظهورك هكذا

стр. 656

إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً قتالا فِي الْأَرْضِ ظلما وعدوانا بطرا مباهيا بقدرتك وقوتك وَبالجملة ما تُرِيدُ وما تقصد أنت بهذه الجرأة والجريمة أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ بين المتخاصمين بل ما أنت الا من المفسدين أشد إفساد وَبعد ما انتشر الخبر بين العوام وشاع بين الأنام الى ان وصل الى فرعون وملائه فحضر اولياء المقتول على باب السلطان طالبين القود من القاتل فهم فرعون وملاؤه بقتل موسى بعد ما قد شاوروا في شأنه مشاورة عظيمة قد جاءَ رَجُلٌ مؤمن بموسى مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ نحوه وهو ابن عمه حال كونه يَسْعى يسرع ويتبختر قالَ باكيا يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ اى فرعون واشراف قومه يَأْتَمِرُونَ بِكَ ويتشاورون في شأنك واستقر رأيهم لِيَقْتُلُوكَ قصاصا فَاخْرُجْ من المدينة في هذه الساعة وبالجملة إِنِّي من كمال عطفي ومرحمتى لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ أنصحك بالخروج من بينهم لئلا يلحقك شرهم وضرهم وبعد ما سمع موسى من المؤمن الناصح ما سمع فَخَرَجَ مِنْها اى من المدينة على الفور خائِفاً يَتَرَقَّبُ ادراكهم من الخلف قالَ حين خروجه منها ملتجأ الى الله مناجيا معه مستعينا مغيثا اليه رَبِّ يا من رباني بكنف حفظك وجوارك ونجاني من انواع الفتن والمحن نَجِّنِي بلطفك اليوم ايضا مِنَ ادراك الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ القاصدين لمقتي وقتلى وَلَمَّا تَوَجَّهَ موسى تِلْقاءَ مَدْيَنَ اى جهة قرية شعيب النبي صلوات الله عليه وسلامه قالَ راجيا الى الله ذاكرا سوابق نعمه عليه من كمال فضله وكرمه عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي حسب جوده العميم سَواءَ السَّبِيلِ اى الطريق المستقيم المنجى عن العدو الموصل الى الصديق المشفق المرشد ليهدينى الى صراط الله الأقوم الأعدل الذي هو التوحيد المخلص عن وساوس التقليد فعن له يومئذ ثلاث طرق فاختار أوسطها بالهام الله إياه وجاء الطلاب عقيبه فاختاروا الآخرين فنجى من شرورهم وَلَمَّا وَرَدَ ووصل بعد ما سار ثمانية ايام بلا زاد يأكل الكلأ ماءَ مَدْيَنَ اى بئرا قرب مدين قد كان أهلها يسقون منها مواشيهم وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً اى فرقة مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وأنعامهم بالدلو وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اى في مكان ابعد منهم وأسفل من مكانهم امْرَأَتَيْنِ معهما أغنام كثيرة وهما تَذُودانِ تطردان وتصرفان غنمهما عن اختلاط غنمهم وتبعدان عن الماء قالَ موسى سائلا عنهما بعد ما شاهد حالهما وذودهما ما خَطْبُكُما واى شيء شأنكما وأمركما واى شيء مقصودكما من الذود مع ان اغنامكما في غاية العطش قالَتا مع كمال الاستحياء والتحفظ من مكالمته في جوابه لا نَسْقِي أغنامنا مع هؤلاء الرجال إذ نحن من اهل بيت النبوة لا نجتمع معهم في السقي بل نصبر حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ويخلو الدلو ويخرجوا مواشيهم الى المرعى عن رأس الماء. الرعاء جمع راع كتجار جمع تاجر هذا على قراءة يصدر بضم الياء وكسر الدال واما على قراءة يصدر بفتح الياء وضم الدال اى يذهب الرعاة والحفظة بمواشيهم مرتوية وينصرفوا عن شفير البئر إذ نحن لا نختلط باجانب الرجال وَبالجملة نحن من غاية اضطرارنا وضرورتنا قد جئنا للسقي إذ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فاقد البصر وما لنا أخ وعم وليس لأبينا ظهير وهو شيخ ضرير وبعد ما سمع موسى منهما ما سمع ورأى ما رأى من كمال العفة والعصمة قام مع انه في غاية الضعف من شدة الجوع والعطش وفي رأس البئر حجر عظيم يقلبه عند الاستقاء جمع كثير فقلبه وحده فَسَقى لَهُما جميع اغنامهما فانصرفتا وذهبتا باغنامهما الى بيتهما ثُمَّ تَوَلَّى وانصرف موسى إِلَى الظِّلِّ وازداد جوعه وعناه من فرط

стр. 657

الحركة فَقالَ ملتجأ الى ربه رَبِّ إِنِّي من شدة جوعى وضعفى لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ ورزقتني من موائد افضالك وإنعامك مِنْ خَيْرٍ طعام وصل الى فَقِيرٌ مريد محتاج وأنت اعلم لحالي منى وبعد ما تم مناجاته مع ربه ورفع حاجاته اليه سبحانه فَجاءَتْهُ فجاءة إِحْداهُما اى احدى المرأتين تَمْشِي نحوه عَلَى اسْتِحْياءٍ تام منه وكمال تحفظ وتحصن فلما وصلت حوله سلمت عليه خافضة صوتها ناكسة رأسها ثم قالَتْ له مستحية إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ ويكافئ معك أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا تبرعا فأجابها موسى تبركا برؤية شعيب ﵇ لا طمعا لاجرته. روى انه لما دخل عليه قد أتى أولا بالطعام فامتنع موسى ولم يأكل وقال نحن من اهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا قال شعيب ﵇ هذا من عادتنا مع كل من ينزل علينا وان من أوتى بمعروف واهدى له لم يحرم أكله في عموم الأديان فقبل قوله موسى واشتغل بأكل الطعام فَلَمَّا جاءَهُ اى لما وصل موسى شعيبا ﵉ وتبرك بشرف صحبته وقد لاح على شعيب ﵇ حاله وشأنه بنور النبوة وَبعد ما ظهر على موسى ايضا انه قد لاح عليه قَصَّ موسى عَلَيْهِ الْقَصَصَ عن آخرها اى عموم ما جرى عليه من اوله الى آخره وسمع منه الشيخ على التفصيل وبعد ما سمع شعيب ﵇ قالَ لا تَخَفْ بعد اليوم فقد نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعنى فرعون وملئه وبعد ما قد جلس موسى عند شعيب ﵇ وقص عليه ما جرى عليه من الخوف والحزن والكآبة وانواع الملال والضلال وتشتت الحال وتفرق البال قالَتْ إِحْداهُما اى احدى ابنتين وهي التي استدعته للضيافة يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لرعى الغنم وأنت تريد الأجير إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ من الرجال هو لأنه الْقَوِيُّ القادر شديد القوة الْأَمِينُ ذو الامانة والديانة قال لها أبوها حمية وغيرة من اين عرفت قوته وأمانته فذكرت لأبيها ما رأت من إقلال الحجر العظيم وحده من رأس البئر مع ان الناس قد يقلون بجمع كثير فهذا دليل قوته واما دليل أمانته فانى بعد ما دعوته بإذنك قام ومشى قدامي وأمرني بالمشي خلفه صيانة على عن النظر الى فقال لي دلينى على الطريق ان ضللت ولما سمع شعيب ﵇ من ابنته ما سمع من امارات أمانته ومروءته مع انه قد شاهد منه ولاح عليه بنور النبوة نجابة طينته وفطرته رغب الى ألفته ومؤانسته حيث قالَ شعيب ﵇ بموسى إِنِّي بعد ما وجدتك شابا صالحا سويا نسيبا حسيبا ذا رشد وامانة أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ بصداق معين وهو عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً كاملا فَمِنْ عِنْدِكَ تبرعا وإحسانا وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ بان أحملك أزيد من ذلك سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ للخدمة والمصاحبة والمواخاة في أداء الحقوق والعهود قالَ موسى مجيبا له راغبا لقبول ما ألقاه من الكلام ذلِكَ الوقت الذي عينته ملزما على أولا بَيْنِي وَبَيْنَكَ معهود ثابت مقرر معقود عليه كما أمرتم وحكمتم والذي قلتم ثانيا تبرع منى ان قدرت على إتيانه بتوفيق الله وتيسيره كما قررتم أنتم ايضا وبالجملة أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ يعنى أجل الالتزام او أجل التبرع قَضَيْتُ يقع المعهود بلا تردد فَلا عُدْوانَ ولا تعدى عَلَيَّ بعد انقضاء كل واحد من الأجلين وَاللَّهُ الشهيد المطلع على عموم احوال عباده عَلى ما نَقُولُ من المشارطة والمعاهدة وَكِيلٌ حفيظ يحفظها على وجهها فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ اى أقصى الأجلين ومكث عنده عشرا أخر بعد ما تزوج ابنته للاسترشاد والاستكمال وكسب

стр. 658

الأخلاق والأطوار بعد ما قد كمل بصحبة المرشد الكامل المكمل وشرف بشرف تربيته أراد ان يرجع الى قومه بل أراد الحق ان يظهر منه ما جبله لأجله وهو زوال ملك فرعون وسلطنته بسببه فخرج من عنده باذنه ﵇ وَسارَ بِأَهْلِهِ نحو مصر وهي حاملة فجاءها الطلق في ليلة شاتية مظلمة وهم على جناح السفر ضالين عن الطريق آنَسَ وأبصر موسى مِنْ جانِبِ الطُّورِ اى من الجهة التي تجاه الطور ناراً ففرح من رؤيتها حيث قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا ساعة إِنِّي قد آنَسْتُ وأبصرت ناراً ومن هذا يعلم ان اهله لم يروها اذهب نحوها لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ من الطريق استخبر من عندها أَوْ جَذْوَةٍ اى عود غليظ مع شيء مِنَ النَّارِ ان لم أجد عندها أحدا لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ بها وتستدفئون من البرد فمكثوا فبادر موسى نحوها سريعا مسرعا فَلَمَّا أَتاها وقرب منها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ اى شفيره وجانبه الْأَيْمَنِ ذي اليمن والكرامة الواقعة فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ التي قد كثر الخير والبركة فيها مِنَ الشَّجَرَةِ التي توقد عليها النار نداء عجيبا معربا عن اسمه مصرحا به أَنْ يا مُوسى المتحير في بيداء الطلب القلق الحائر في فيافى التعب إِنِّي مع كمال اطلاقى وان ظهرت على صورة النار وتقيدت بها متنزلا عن كمال تنزهى وعلو شأنى عن عموم الصور والتعينات أَنَا اللَّهُ الجامع لعموم الأسماء والصفات المتجلى بجميع الصور والشئون وبعموم الهياكل والتماثيل الظاهرة من آثار أوصافي وأسمائي المحسوسة من عكوس شئوني وتجلياتى حسب تطوراتى بمقتضى كمالاتى المتعالي عن الحلول في الشيء منها والاتحاد معه فاطلبنى تجد عموم حوائجك عندي لأنى رَبُّ الْعالَمِينَ اى مربى الكل ومدبره بعد ما قد أظهرت الأشياء واوجدتها من كتم العدم حسب رش نوري ومد ظلي عليها وبعد ما سمع موسى ما سمع قد استوحش بل قد هام ووله من هذا النداء الهائل وارتعد من هيبة هذا الصداء المهول إذ هو في أول انكشافه وابتداء شهوده وبعد ما ظهر منه ما ظهر من الرعب المفرط آنس معه ربه ازالة لرعبه ووحشته فقال مخاطبا له آمرا وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ التي في يدك حتى ترى عجائب صنعتنا وبدائع حكمتنا ويزول استبعادك عن ظهورنا على صورة النار فألقاها على الفور فإذا هي حية تسعى فَلَمَّا رَآها موسى ﵇ تَهْتَزُّ وتتحرك على وجه السرعة كَأَنَّها جَانٌّ حية صغيرة سريعة السير قد وَلَّى موسى وانصرف عنها مُدْبِراً خائفا مرعوبا متنفرا إذ لم يرها قبل ذلك كذلك وَبعد ما أدبر هائلا هاربا لَمْ يُعَقِّبْ اى لم يرجع ولم يقبل نحوه ولم يلتفت الى اخذه خائفا منها هائبا قلنا له حينئذ مناديا ازالة لرعبه يا مُوسى أَقْبِلْ نحو عصاك وخذها بيدك وَلا تَخَفْ من صورتها المحدثة إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ من ضرر ما ظهر عليك من الصور الحادثة المهيبة فانا سنعيدها سيرتها الاولى وصورتها الاصلية ثم امر سبحانه ثانيا تأكيدا لتأنيسه بقوله اسْلُكْ وادخل يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مضيئة منيرة محيرة المعقول مفرقة الأبصار من كمال إشراقها وإضاءتها مع انها مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ومرض من برص وبهق وغيرها فادخل واخرج على الفور فرأى ما رأى وَبعد ما قد رأى موسى يده في غاية البياض والصفاء واستوحش ايضا منها واسترهب عن عروض المرض إليها بمقتضى بشريته امره سبحانه ثالثا ازالة لحزنه وتمرينا له بقوله اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ واطو كشحك واجمع شملك ويديك ولا تنشره مِنَ الرَّهْبِ والخوف والرعب المفرط وهذا كناية عن الطمأنينة والوقار وعدم اخطار الخوف مطلقا بالبال فَذانِكَ اى فاعلم

стр. 659

ان العصا واليد البيضاء بُرْهانانِ واضحان وشاهدان صادقان على دعواك النبوة والرسالة ومعجزتان باهرتان لك لمن يعارض معك وأنكر عليك وعلى رسالتك وذانك البرهانان منتشآن مِنْ رَبِّكَ موهوبان لك من عنده تأييدا لك ولأمرك وشأنك حين رسالتك وإتيانك إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ لتدعوهم الى توحيد الحق وصراطه المستقيم وتنذرهم عماهم عليه من الإفراط والتفريط إِنَّهُمْ من غاية انهماكهم في الغفلة والغرور كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ خارجين عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة في شرائع الأنبياء الماضين والرسل المنقرضين ثم لما سمع موسى من ربه ما سمع قالَ معتذرا مستظهرا رَبِّ يا من رباني بسوابق النعم الجليلة أنت اعلم منى بحالي إِنِّي قد قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً خطأ بإغراء الشيطان على واغوائه فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ويبادرون الى قتلى قبل دعوتهم الى دينك وتوحيدك لو اذهب نحوهم وحيدا فريدا بلا ظهير ومعين وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً وأوضح بيانا وأتم تقريرا وتبيانا فَأَرْسِلْهُ مَعِي واشركه في امرى ليكون رِدْءاً الى معاونا على يعينني في امرى يُصَدِّقُنِي قولي لدى الحاجة إِنِّي من كمال عداوتهم معى وشدة شكيمتهم وضغينتهم على أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ دفعة ولا ينطلق لساني بمجادلتهم ودفعهم بسبب لكنتى فافوت بلكنتى حكمة رسالتي واحكام دعوتي ونبوتي قالَ له سبحانه على سبيل التأييد والتعضيد سَنَشُدُّ عَضُدَكَ ونقوى ظهرك وأمرك بِأَخِيكَ وَمع ذلك لا تيأس من توفيقنا لك وتأييدنا إليك واعلما انا بعد ارسالكما الى فرعون وملائه نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً برهانا واضحا وحجة قاطعة بها تغلبان أنتما إليهم فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بسوء قطعا بل لا يمكن لهم ان ينظروا نحوكما بقهر واستيلاء سيما بعد اتيانكما مؤيدا مصحوبا بِآياتِنا التي قد آتيناكما وبالجملة لا تخافا من غلبتهم عليكما حسب شوكتهم وكثرتهم عددا بل أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا وآمن لكما الْغالِبُونَ المقصورون على الغلبة والاستيلاء وهم المغلوبون المنحصرون على المغلوبية والمهزومية لا يتجاوزون عنها أصلا حسب ما أثبتنا في لوح قضائنا وحضرة علمنا المحيط فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى مؤيدا بِآياتِنا الدالة على صدقه في دعواه مع كون تلك الآيات بَيِّناتٍ ظاهرات واضحات في انها من لدنا بلا ريب وتردد ومع ذلك قالُوا من شدة قسوتهم وانهماكهم في الضلال ما هذا الذي قد اتى على صورة المعجزة والبرهان إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً قد اختلقه من تلقاء نفسه ونسبه الى ربه تغريرا وترويجا لباطله في صورة الحق وَمن شدة حرصه على ترويج ما قد زخرفه من عند نفسه سماه دينا وهداية ورشدا ودراية ونسبه الى الوحى والإنزال من الإله الواحد الأحد الموهوم مع انا ما سَمِعْنا بِهذا اى بوحدة الإله الواحد الأحد المرسل الرسل المنزل الكتب بالوحي والإلهام الواضع الأديان والشرائع بين الأنام وما كان هذا ايضا كائنا ثابتا معروفا مشهورا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ بل ما هو الا افك وافتراء ولبس على الأنام امره تغريرا عليهم وتضليلا لهم وَبعد ما قد أبصروا بالآيات القاطعة والبراهين الساطعة ونسبوها من غاية غيهم وضلالهم الى السحر والشعبذة مع انها بعيد بمراحل عنها قالَ مُوسى بعد ما قنط عن ايمانهم وصلاحهم رَبِّي الذي رباني بأنواع الكرامات أَعْلَمُ منى بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى ومن اتصف بالرشد والهداية المنزلة مِنْ عِنْدِهِ حسب وحيه والهامه ومن اهتدى واسترشد به من عباده وَمَنْ تَكُونُ وتحصل لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ يعنى العاقبة الحميدة المترتبة على هذه النشأة التي هي دار الابتلاء والاختبار في النشأة الآخرة التي هي نشأة الجزاء

стр. 660

والعطاء وبالجملة إِنَّهُ اى الشأن والأمر حسب ارادة الله سبحانه وبمقتضى عدله وحكمته لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية ولا يفوزون بما فاز به المتقون من المثوبة العظمى والدرجة العليا وَبعد ما قد أتم موسى كلامه الصادر من محض الحكمة قالَ له فِرْعَوْنُ مستكبرا عليه مستحيا عمن حوله من الأنام لئلا ينسبوه الى العجز والافحام مناديا لهم على سبيل العظمة والكبرياء يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ يعبد بالحق ويستحق للعبادة غَيْرِي ومن اين يدعى هذا الكذاب ان في السماء الها سواي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ يعنى مر يا هامان للعملة على الفور ان يتخذوا من الطين لبنا ويوقدوها بالنار حتى صارت متحجرة آجرا فَاجْعَلْ لِي وابن لي منها صَرْحاً رفيعا وقصرا مشيدا منيعا سمكه متصل الى السماء فاستعلى انا عليها لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى فان اقبل بالقتال اغلب عليه واحطه على الأرض صاغرا مهانا وَبالجملة إِنِّي لَأَظُنُّهُ في هذه الدعوى مِنَ الْكاذِبِينَ القائلين بقول لا منشأ له في الواقع ولا اصل ولا مستند له لا في العقل ولا في العادة قيل قد بنى رصدا ليطلع على نظرات الكواكب هل يجد فيها نظرا يدل على زوال دولته باستيلاء موسى عليه وَمن غاية غفلته وسكرته ونهاية عمهه وقسوته قذ اسْتَكْبَرَ هُوَ اى فرعون اصالة وَجُنُودُهُ ايضا تبعا له إذ هم على دين ملكهم وطوره فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ والاستحقاق وترقوا في عتوهم وعنادهم الى ان قد ظهروا على الله بأمثال هذه الهذيانات الباطلة وَظَنُّوا بل تيقنوا وجزموا بالاقدام والجرأة على أمثال هذه الخرافات أَنَّهُمْ بعد انخلاعهم عن لوازم عالم الناسوت إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ رجوع الاظلال الى الأضواء المنعكسة من شمس الذات وصور الأمواج الحادثة على سطح الماء الى الماء وبعد ما بالغوا في العتو والعناد وظهروا على وجه الأرض بأنواع الجور والفساد فَأَخَذْناهُ اى فرعون حسب قهرنا وجلالنا إياه وَجُنُودَهُ ايضا بأنواع العذاب فَنَبَذْناهُمْ اى قد طرحنا الكل فِي الْيَمِّ وغطيناهم بالماء واغشيناهم مثل غشى وجوداتهم الباطلة بالوجود المطلق البحث الإلهي فَانْظُرْ يا أكمل الرسل وتأمل كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ومآل أمرهم وما يئول اليه حالهم وشأنهم وَمن كمال ابتلائنا إياهم ومكرنا معهم قد جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً وقدوة للضلال المستوجبين بأنواع الخسار والبوار بحيث يَدْعُونَ من تبعهم ويقتفى أثرهم إِلَى النَّارِ اى اسبابها وموجباتها إذ مآل الكل إليها تابعا ومتبوعا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ اى لا يدفع عنهم العذاب ولا يخفف بشفاعة احد وَكيف ينصرون أولئك الضلال الهالكون في تيه الضلال مع انا قد أَتْبَعْناهُمْ والزمنا عليهم فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً مستمرة جارية على ألسنة من على الأرض وَيَوْمَ الْقِيامَةِ المعد للجزاء هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ المطرودين عن ساحة عز القبول والحضور المسوقين بسياط العنف والجبر نحو جهنم البعد والخذلان صاغرين مهانين وَبعد ما قد نبذنا فرعون وجنوده في اليم لَقَدْ آتَيْنا وأعطينا مُوسَى الكليم الْكِتابَ العظيم اى التوراة المحتوية الجامعة على ظواهر الاحكام مِنْ بَعْدِ ما قد أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى واستأصلنا آثارهم وأحكامهم بحيث لم يبق حينئذ من شرائع المتقدمين وضوابطهم وقواعدهم وحدودهم وأحكامهم شيء بين الأنام كنوح وهود وصالح وابراهيم وغيرهم صلوات الرحمن عليهم دائما وانما آتيناه ليكون بَصائِرَ لِلنَّاسِ يعنى ينور باحكامه وأوامره عيون بصائرهم ويستيقظون به عن منام الجهل والغفلة ويشتغلون بسببه لطلب الحق وَهُدىً يهديهم الى

стр. 661

سلوك مسالك التوحيد وَرَحْمَةً تبشرهم الى البقاء الأبدي السرمدي بعد انخلاعهم عن خلعة تعيناتهم العدمية وافنائهم عن هوياتهم الباطلة الناسوتية لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ رجاء ان يتذكروا ويتنبهوا من المواعظ والاحكام التي ذكرت فيه الى ما جبلوا لأجله من المعارف والحقائق والرموز والإشارات والمكاشفات والمشاهدات ومع ذلك لم يتنبهوا ولم يتفطنوا ولم يتعظوا بها الا قليلا. ثم لما قص سبحانه حبيبه ما قص من قصة موسى الكليم وكيفية انكشافه من النار الموقدة على الشجرة المذكورة وكيفية عروجه منها مترقيا من العلم الى العين ثم الى الحق أراد ان يمن عليه سبحانه بما اصطفاه وفضله من بين البرايا للرسالة العامة وأخبره من المغيبات بطريق الوحى والإلهام ما ليس في وسعه لولا وحيه والهامه سبحانه إياه فقال وَما كُنْتَ يا أكمل الرسل حين انكشف أخوك موسى بالواد المقدس وقد شهد من فضل الله عليه ما شهد بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ اى وادي الذي على شفيره الشجرة المعهودة بالطرف الغربي من مكان موسى وبالجملة ما كنت حينئذ حاضرا عنده وقت إِذْ قَضَيْنا وأوحينا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ الذي هو انكشاف مطلوبه الحقيقي من مطلوبه الصوري وَما كُنْتَ أنت حينئذ مِنَ الشَّاهِدِينَ الحاضرين المطلعين على شهوده وشأنه وَلكِنَّا من كمال لطفنا وجودنا قد اخبرناك بما قد جرى بينه وبيننا في تلك الليلة كما قد أخبرنا لك عن احوال امم كثيرة قد أَنْشَأْنا من بعد موسى ومن قبلك قُرُوناً وامما كثيرة في ازمنة متطاولة وأمد بعيد فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ومكثوا في الدنيا كثيرا ودار عليهم الدول وطال الحول وحدثت الفتن والمحن ووقع ما وقع من التغييرات والتحريفات الكلية في الشرائع والأديان الماضية واندرست معالم الهدى وفشا انواع الجدال والطغيان بين اشخاص الإنسان وبالجملة قد استولت الاهوية الفاسدة والآراء الباطلة على اهل الأعصار والأزمان السالفة والقرون الماضية ولقد أخبرنا لك يا أكمل الرسل ما في كتابك هذا من وقائعهم وأحوالهم وأطوارهم ومعاملاتهم ومقالاتهم مع رسل الله وخواص عباده ليكون تذكرة لك وعبرة للمؤمنين بك وَايضا ما كُنْتَ يا أكمل الرسل ثاوِياً مقيما متوطنا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا الدالة على كمال القسط والعدالة بلسان نبينا شعيب ﵇ وذلك عند انحرافهم عن جادة الاعتدال في المكيلات والموزونات واشتغلوا بالبخس والتطفيف وانواع التنقيص والتخسير وَلكِنَّا قد كُنَّا مُرْسِلِينَ مخبرين لك موحين إليك ما جرى عليهم من الأحوال وَما كُنْتَ ايضا حاضرا بِجانِبِ الطُّورِ الذي هو موعد موسى معنا وقت إِذْ نادَيْنا موسى لاخذ التوراة ووقت وحينا اليه وَلكِنْ قد علمناك به ليكون رَحْمَةً لك نازلة إليك مِنْ رَبِّكَ تأييدا لك وتقوية لشأنك بل انما اوحيناك عموم ما اوحيناك لِتُنْذِرَ أنت به قَوْماً ضلالا ظالمين قد بقوا على فترة من الرسل إذ ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ من لدن عيسى ﵇ وهي خمسمائة وخمسون سنة او من لدن جدك إسماعيل ﵇ وهي بأضعاف هذه المدة المذكورة بناء على ان دعوة بنى إسرائيل مختصة بهم لا يتعدى الى غيرهم لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ويتعظمون بما في كتابك ويتنبهون من حكمه وأحكامه الى مبدئهم ومعادهم ويفوزون منها الى المعارف والحقائق التي جبلوا لأجلها. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع وَلَوْلا كراهة أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ عظيمة جالبة موجبة لنزول انواع العذاب والنكال بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ اى بشؤم ما اقترفوا من المعاصي فَيَقُولُوا حينئذ محتجين علينا مجادلين بنا بعد ما

стр. 662

قد أخذناهم عليها رَبَّنا لَوْلا هلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا من عندك مؤيدا من لدنك بالآيات البينات فَنَتَّبِعَ آياتِكَ حينئذ البالغة إلينا برسالته ونصدقها ونعمل بمقتضاها وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الموقنين بوحدانيتك المخلصين في إيمانك وتوحيدك المخلصين من عذابك ما أرسلناك ولكن قد أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتب لذلك فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ اى الرسول المرسل مِنْ عِنْدِنا ملتبسا بالحق مؤيدا بالآيات الساطعة والبراهين القاطعة قالُوا من خبث طينتهم وشدة شكيمتهم وضغينتهم لَوْلا هلا أُوتِيَ بهذا الرسول المرسل إلينا من الدلائل والمعجزات مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى حتى نصدقه ونؤمن به وبالجملة ما هذا الا من غاية غيهم وضلالهم وغلظ حجبهم وكثافة غشاوتهم ولذا لو اوتى لك مثل ما اوتى موسى لكفروا لك البتة أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ حيث قالُوا بعد ما شاهدوا دلائل معجزاته مبالغين في رده وإنكاره سِحْرانِ او ساحران على القرائتين تَظاهَرا يعنون هارون وموسى مع ان ما أتيا به بعيد بمراحل عن السحر وأنتم ايضا ايها الضالون من بقية من كفروا بدلائل موسى ونسبوها الى السحر ولو آتينا محمدا ﷺ مثل ما أتينا موسى لكفرتم به البتة كما كفر اسلافكم بآيات موسى ومعجزاته مع ان دلائل محمد ﷺ أقوى من دلائل موسى ﵇ وكتابه اجمع من كتابه أتم نظما وأكمل معرفة وأعم حكما واشمل فائدة وَبعد ما سمعوا ما دل على خباثة فطرتهم قالُوا مظهرين ما في نفوسهم من الشرك والنفاق إِنَّا بِكُلٍّ ممن يدعى الرسالة والنبوة والإرشاد والهداية كافِرُونَ منكرون وبالجملة نحن لا نقبل مطلقا من أبناء جنسنا أمثال هذه المفتريات التي قد اختلقوا عن تلقاء أنفسهم ونسبوها ترويجا الى ما لا وجود له في الواقع وسموه الها واحدا أحدا صمدا فردا وترا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا قُلْ يا أكمل الرسل على سبيل التعجيز والتوبيخ بعد ما قد عاينت منهم الكفر على ابلغ وجه وآكده فَأْتُوا ايها المفسدون المسرفون بِكِتابٍ نازل مِنْ عِنْدِ اللَّهِ المنزل الكتب لإرشاد عباده هُوَ أَهْدى مِنْهُما اى من التوراة والقرآن أَتَّبِعْهُ اى ذلك الكتاب وما فيه من الاحكام وامتثل لأوامره واجتنب عما نهى فيه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في نسبتنا الى السحر فَإِنْ عجزوا عن الإتيان ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ما طلبت منهم فَاعْلَمْ يا أكمل الرسل يقينا أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ اى انهم ما يتبعون الا أهواءهم الفاسدة وآراءهم الباطلة بلا متابعة منهم الى ملة من الملل السالفة ودين من الأديان السابقة وَمَنْ أَضَلُّ طريقا وأشد غيا وأسوأ حالا ومآلا مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ حال كونه بِغَيْرِ هُدىً ولا توفيق وارشاد ناش مِنَ اللَّهِ الميسر لأمور عباده وكيف يوفقهم الحق ويهديهم إِنَّ اللَّهَ الحكيم المتقن في أفعاله لا يَهْدِي الى الطريق المستبين الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضيات أوامره ونواهيه إذ هم منهمكون في بحر الغفلة والضلال بحيث لا يرجى نجاتهم منها أصلا وَلَقَدْ وَصَّلْنا وفصلنا لَهُمُ الْقَوْلَ بان قد اتبعنا الاحكام بالحكم والأوامر بالمواعظ والتذكيرات والنواهي بالعبر والأمثال وقد أوضحنا الكل بالقصص والوعيدات الهائلة الواردة على اصحاب الغفلة والنسيان وبتنزيل انواع العذاب والنكال على اهل الكفر والإنكار كل ذلك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فيتعظون منها ويؤمنون بها ويقبلون ما فيها ومع ذلك لم يتعظوا ولم يتأثروا ولم يقبلوا ولم يؤمنوا. ثم قال سبحانه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ اى التوراة ووفقناهم على امتثال ما فيها من الأوامر والنواهي وعموم الأمور المتعلقة بالمعتقدات الدينية مِنْ قَبْلِهِ اى قبل نزول القرآن هُمْ بِهِ اى بالقرآن او بمحمد ﵇ يُؤْمِنُونَ

стр. 663

إذ هم مصدقون بعموم ما في كتابهم ومن جملة الأمور المثبتة فيه إرسال محمد ﷺ وإنزال القرآن اليه وهم يؤمنون به قبل بعثته ﷺ ونزول القرآن بمدة متطاولة وَبعد نزول القرآن إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا مسلمين مصدقين آمَنَّا بِهِ واعتقدنا إِنَّهُ الْحَقُّ المطابق للواقع النازل المنزل مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ اى قبل نزوله مُسْلِمِينَ منقادين لجميع ما فيه مصدقين له مؤمنين بمن انزل اليه إذ الايمان به من جملة المعتقدات المثبتة في كتابنا فالآن لم لم نؤمن مع انا قد وجدناه مطابقا لما علمناه وحفظناه في كتابنا وعلى الوجه الذي تلوناه فيه وبالجملة أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله يُؤْتَوْنَ ويعطون أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ وضعفين مرة على الايمان السابق بالقرآن وبمحمد حسب ما ثبت في كتابهم ومرة على الايمان اللاحق بعد ما عاينوا ما وصف لهم في كتابهم وانما ضعّفوا في جزائهم بِما صَبَرُوا وثبتوا على ما نزل عليهم من قبل الحق ولم يتركوا امتثاله لا سابقا ولا لاحقا وَهم بسبب دوامهم وثباتهم على ما أمروا في كتابهم يَدْرَؤُنَ يسقطون ويدفعون بِالْحَسَنَةِ اى الخصلة الحميدة الجميلة الموجبة لانواع الإفضال والانعام السَّيِّئَةَ الجالبة لانواع العذاب والخذلان وَهم ايضا من كمال اتصافهم بالإيمان والإحسان مِمَّا رَزَقْناهُمْ واقدرناهم على اقترافه وكسبه يُنْفِقُونَ في سبيلنا طلبا لمرضاتنا وَايضا هم من كمال تحفظهم وصيانتهم عن نواهينا إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ اى الكلام الخالي عن المصلحة الدينية أَعْرَضُوا عَنْهُ اتقاء وتحرزا عن وصمة المداهنة والمراضاة بما لا يرضى به سبحانه وَقالُوا من سلامة نفوسهم وكمال علمهم للمرتكبين به بعد ما لم يقدروا على نهيهم لَنا أَعْمالُنا التي قد اقترفناها بسعينا واجتهادنا اى جزاؤها وما يترتب عليها وَلَكُمْ ايضا أَعْمالُكُمْ التي أنتم عليها مصرون وبجزائها متربصون وقالوا لهم حين توديعهم والذب عنهم سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعنى سلمكم الله العفو الرحيم عن عوائد ما كنتم عليه ووفقكم على التوبة والانابة عنه ومالنا معكم مطالبة ومجادلة سوى انا لا نَبْتَغِي ولا نطلب مصاحبة الْجاهِلِينَ بسوء عواقب الخصائل الذميمة الغير المرضية عند الله وعند خلص عباده. ثم لما احتضر ابو طالب ودنا ان يخرج من الدنيا جاءه رسول الله صلّى الله عليه مهتما بإيمانه وتوحيده فقال له قل يا عمى مرة لا اله الا الله انا أحاج بها لك عند ربي فأخرجك بها عن زمرة المشركين قال يا ابن أخى والله لقد علمت يقينا انك لصادق صدق صدوق في جميع ما جئت به لكن اكره ان يقال قد جزع ابو طالب عند الموت اى ضعف وجبن لذلك آمن بابن أخيه انزل سبحانه هذه الآية تأديبا لحبيبه ﷺ وردعا عن طلب شيء لا يرجى حصوله فقال إِنَّكَ يا أكمل الرسل من شدة حرصك واهتمامك لا تَهْدِي ولا ترشد الى طريق الحق وسبيل توحيده عموم مَنْ أَحْبَبْتَ وأردت إيمانه وَلكِنَّ اللَّهَ المطلع على استعدادات عباده يَهْدِي ويوفق على الايمان والإطاعة بدين الإسلام مَنْ يَشاءُ هدايته واثبت سعادته وتوحيده في لوح قضائه وَهُوَ سبحانه أَعْلَمُ بعلمه الحضوري بِالْمُهْتَدِينَ من عباده بعد ما بلغت لهم ما قد أمرك الحق بتبليغه وبالجملة ما عليك الا البلاغ والهداية والرشد والإرشاد الى سبيل السداد انما هو بإرادته سبحانه وبمقتضى اختياره ومشيئته ومن الاعراب قوم جاءوا الى رسول الله ﷺ وَقالُوا انا قد علمنا يقينا انك على الحق والهداية والرشد لكنا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ ونؤمن بك ونعمل بدينك ونمتثل بجميع ما قد جئت به من عند ربك على الوجه الذي اعتقدناك نُتَخَطَّفْ ونخرج مِنْ أَرْضِنا التي كنا مستقرين عليها بمخالفتنا

стр. 664

العرب إذ نحن معاشر العرب أكلة رأس متفقين في عموم الخطوب ومتى خالفناهم في امر لم يرضوا عليه قد أخرجونا من بينهم البتة صاغرين مهانين فرد الله سبحانه عليهم عذرهم هذا بقوله أَيخافون أولئك الخائفون وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ فيما مضى ولم نجعل مكانهم الذي يستقرون فيه حَرَماً ذا حرمة عظيمة آمِناً ذا أمن وأمان من عموم المكاره جالبا لانواع الخيرات والبركات إذ يُجْبى إِلَيْهِ ويجمع فيه ويحمل نحوه ويجر اليه ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ونفائسه من كل أمد بعيد وفج عميق لتكون رِزْقاً لهم مِنْ لَدُنَّا نحوهم وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ اى اكثر الناس المجبولين على الجهل والنسيان لا يَعْلَمُونَ كمال لطفنا معهم ووفور رحمتنا إياهم وَقل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا لا تغرنكم الحياة الدنيا وامهالنا إياكم فيها مترفهين متنعمين إذ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ اى كثيرا من اهل قرية أهلكناهم مع انهم قد بَطِرَتْ مَعِيشَتَها وكان أهلها بطرين فيها من سعة عيشها ووفور نعمها ومعيشتها أمثالكم فدار عليهم الدول فأخذناهم بأنواع النقم بدل نعمنا وانعامنا إياهم بشؤم كفرهم وكفرانهم فأهلكناهم واستأصلناهم صاغرين فانظر كيف كان عاقبة البطرين المفسدين فَتِلْكَ الاطلال الخربة والآثار الكربة الكئبة التي تجاه وجوهكم مَساكِنُهُمْ وأوطانهم التي كانوا يتمكنون فيها مترفهين بطرين انظروا كيف اندرست وخربت وتفتتت بحيث لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ في بلادهم وأماكنهم إِلَّا قَلِيلًا من اهل السفر والعبور ينزلون فيها ساعة ويرحلون بلا اقامة فيها ووراثة لها هكذا حال الدنيا وحياتها والاستقرار عليها والتمتع بمتاعها دائما عند العارف المحقق المتحقق ببطلان حقيقتها وماهيتها وَبعد ما أهلكناهم وخربنا بلادهم ودورهم قد كُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ منهم لا نمكن فيها خلفاء من أبناء نوعهم من شؤم آثامهم وجرائمهم التي قد كانوا عليها مصرين غير ممتنعين وان أرسلنا عليهم الرسل وأنزلنا عليهم الكتب وَبالجملة ما كانَ رَبُّكَ يا أكمل الرسل مُهْلِكَ الْقُرى وما ينبغي وما يليق بشأن الحكيم العليم ان يأخذهم بغتة بلا منبه منذر بل ما أخذناهم على ظلمهم وعدوانهم حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها اى البلدة التي هي أم القرى الهالكة ومعظمها إذ أهلها اقبل للرشد والهداية من اصحاب حواليها ونواحيها وهم يتبعون لهم في معظمات أمورهم أولا رَسُولًا مؤيدا من لدنا مرسلا إليهم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا الدالة على عظمة ذاتنا وكمال قدرتنا على وجوه الانعام والانتقام ويدعوهم الى توحيدنا والتدين بالدين الموضوع من عندنا فتلا عليهم آياتنا فدعاهم الى توحيدنا وديننا فلم يقبلوا قوله ولم يستجيبوا له بل قد كذبوه وجميع ما جاء من الرشد والهداية مصرين على ما هم عليه من الغواية فاستحقوا العذاب والهلاك فلذلك أهلكناهم وَبالجملة ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ يعنى ما كنا مبادرين على إهلاك القرى الهالكة بلا سبق اسباب قد صدرت عنهم واستوجبت إهلاكهم بل انما أخذناهم بعد ما ظلموا أنفسهم بالخروج عن مقتضى حدودنا الموضوعة فيهم ظلما وعدوانا وصاروا مصرين مفتخرين بطرين بما آتيناهم من زخرفة الدنيا المستعارة الفانية التي قد الهاهم عن اللذات الاخروية الباقية وَالحال انه ما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ في هذه النشأة فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا الدنية التي هي على طرف التمام مشرفة على التقضي والانصرام مبنية على السقوط والانهدام وَزِينَتُها الزائلة الذاهبة بلا قرار ولا دوام وَما عِنْدَ اللَّهِ من المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات المعدة الموعدة

стр. 665

لأرباب المراتب العلية والمناصب السنية من المنقطعين نحو الحق بعد انخلاعهم عن لوازم هوياتهم الباطلة البشرية العائقة عن التلذذ باللذات الاخروية الروحانية خَيْرٌ محض لا يتخلل بينه شر ونفع صرف ولا يطرؤ عليه ضرر وَأَبْقى وأدوم إذ لا يلحقه انصرام ولا انقضاء ولا زوال ولا فناء أَتستبدلون أنتم ايها الحمقى الأدنى الفاني بالأعلى الباقي بل تختارون اللذة الجسمانية على اللذات الروحانية فَلا تَعْقِلُونَ ولا تستعملون عقولكم الموهوبة لكم بمقتضاها ليتميز عندكم ما هو الأليق بحالكم والاولى بمآلكم أَتستوون وتعدلون الآجل الباقي بالعاجل الزائل الفاني مع ان الكل من عندنا وتحت قدرتنا فَمَنْ وَعَدْناهُ من لدنا وعهدنا معه وَعْداً حَسَناً اى موعدا ذا حسن وكرامة وبهجة وبهاء فَهُوَ لاقِيهِ ومدركه وموصل اليه البتة إذ لا خلف لوعدنا الموعود من عندنا ولا نقض لعهدنا المعهود من لدنا أصلا أتظنون وتعتقدون ايها الجاهلون ان منزلة هذا السعيد الموفق على السعادة من عندنا كَمَنْ مَتَّعْناهُ كالشقى الذي متعناه في هذه النشأة مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا الدنية الامكانية الظلمانية التي هي مكدرة بأنواع الكدورات مشوبة بأصناف الآلام والحسرات منغمسة بالخبائث والقاذورات ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ بعد انقراض النشأة الاولى مِنَ الْمُحْضَرِينَ عند الله يوم العرض الأكبر للحساب والجزاء على ما قد تمتعوا به في النشأة الاولى. ثم قال سبحانه وَاذكر يا أكمل الرسل لمن أشرك بالله واثبت شريكا في الوجود سواء يَوْمَ يُنادِيهِمْ الله المتعزز برداء العظمة والكبرياء حين ظهر على مظاهره باسم القهار المفنى لأظلال السوى والأغيار مطلقا فَيَقُولُ بمقتضى غيرته وجلاله مخاطبا لمن قد أشرك له شيأ من عكوسه واظلاله مع ان الكل مطموس مقهور تحت حوله وقوته أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ايها الزاعمون المشركون المثبتون لي شركاء وتعبدونهم مثل عبادتي عدوانا وظلما. ثم أظهرهم الحق وأوجدهم جميعا تابعا ومتبوعا عابدا ومعبودا بعد ما قد قهرهم واعدمهم جميعا إظهارا للقدرة الكاملة وإلزاما للحجة البالغة وبعد ما أظهرهم وسألهم قالَ الَّذِينَ حَقَّ اى ثبت وتوجه عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ والسؤال من الله أولا وهم المعبودون مناجين نحو الحق متضرعين قائلين رَبَّنا يا من ربانا على فطرة التوحيد كيف تصدر منا أمثال هذه الجرأة بل هؤُلاءِ الغواة الهالكون في تيه الغي والضلال هم الَّذِينَ قد أَغْوَيْنا عن منهج الاستقامة والسداد بأنواع التذلل والانقياد والإطاعة والعبادة إيانا بمقتضى اهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة مع انا لا نستحق بها بل فعلوا ذلك على توهم منهم انا قادرون على إنجاح ما في نفوسهم وطباعهم من الأماني والشهوات ونحن ايضا قد أَغْوَيْناهُمْ بأنواع التغريرات والتضليل كَما غَوَيْنا ٧ هؤلاء إيانا بعباداتهم وطاعاتهم إلينا فتعارض اغواؤنا باغوائهم وحين ظهر الحق قد تساقطا فالآن قد تَبَرَّأْنا عنهم وعن عبادتهم والتجأنا إِلَيْكَ تائبين آئبين مع انهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ حين ادعوا عبادتنا بل انما عبدوا اهوية نفوسهم وأماني قلوبهم وتوسلوا بنا فيها وكذا العابدون الضالون يتبرءون عن معبوداتهم باشد من ذلك متلائمين متعارضين وَقِيلَ حينئذ من قبل الحق للمشركين على سبيل التهكم والاستهزاء ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ الذين كنتم تطمعون وتدعون شفاعتهم إياكم فَدَعَوْهُمْ صائحين متضرعين فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ من كمال عجزهم وحيرتهم في أنفسهم وَبعد ما قد رَأَوُا الْعَذابَ النازل على أربابهم قالوا متمنين على سبيل التلهف والتحسر لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ في النشأة الاولى لينقذوا أنفسهم عن العذاب اليوم فكيف إنقاذهم بنا

стр. 666

وَبعد ما قد سأل سبحانه عن جريمة شركهم وسألهم ايضا عن تكذيب رسلهم اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ يُنادِيهِمْ الحق فَيَقُولُ سبحانه معاتبا عليهم ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ حين دعوتكم الى الايمان والتوحيد والعمل الصالح والاجتناب عن المحضورات وترك المنكرات فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ يعنى قد ضلوا وتحيروا عن جميع طرق الكلام وسدت عليهم عموم سبل الاجوبة والتنطق والاخبار مطلقا وما ذلك الا من نهاية دهشتهم وحيرتهم وشدة ولههم وسكرتهم وبالجملة فَهُمْ حينئذ من غاية الهيبة والوحشة والهيمان لا يَتَساءَلُونَ ولا يتقاولون ولا يسأل بعضهم بعضا شيأ مجهولا حتى يعلمه بل كلهم حينئذ حيارى سكارى تائهون هائمون لا يسع لهم ولا يتأتى منهم الالتفات والتلقي أصلا فَأَمَّا مَنْ تابَ من عموم ما جرى من المعاصي وَآمَنَ بالله بمقتضى ما امره الحق بلسان رسله وأنبيائه وَعَمِلَ عملا صالِحاً امتثالا بما نطق به الكتب والرسل فَعَسى أَنْ يَكُونَ هذا التائب السعيد مِنَ الْمُفْلِحِينَ الفائزين بالتوبة العظمى والدرجة العليا عند الله ومن المبشرين من لدنه سبحانه بشرف اللقاء والوصول الى دار البقاء وسدرة المنتهى وَرَبُّكَ يا أكمل الرسل يَخْلُقُ ويظهر حسب تجلياته الحبية الجمالية جميع ما يَشاءُ من المظاهر وَيَخْتارُ منها ما يختار فالكل مجبور محكوم تحت قدرته ومشيته ما كانَ وما صح وما جاز وما ثبت لَهُمُ الْخِيَرَةُ والتخير والاختيار مطلقا حتى يريدوا لأنفسهم ما هو الأصلح لهم بل عموم أمورهم وشئونهم وأطوارهم مفوضة الى الله أولا وبالذات مستندة اليه سبحانه اصالة وهم مقهورون مجبورون تحت حكمه وقضائه حسب الارادة والاختيار وكيف لا يكونون مجبورين إذ هم في أنفسهم من عكوس أسمائه وظلال أوصافه ما لهم وجود في أنفسهم وتحقق في ذاتهم سُبْحانَ اللَّهِ المنزه عن المثل والشبه في الوجود وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ له من الشريك والنظير من الوجود وَرَبُّكَ يا أكمل الرسل يَعْلَمُ بعلمه الحضوري جميع ما تُكِنُّ وتخفى صُدُورُهُمْ اى ضمائرهم وقلوبهم وَما يُعْلِنُونَ اى يظهرون بجوارحهم وآلاتهم وَكيف يخفى عليه شيء إذ هُوَ اللَّهُ الواجب لذاته المستقل في وجوده وظهوره المستوي على عروش عموم مظاهره ومصنوعاته بالاستقلال التام والاستيلاء الكامل لا إِلهَ في الوجود سواه ولا موجود غيره يعبد ولا عالم لعموم ما ظهر وما بطن إِلَّا هُوَ لذلك قد ثبت لَهُ الْحَمْدُ والثناء على الإطلاق الصادر من ألسنة ذرائر الأكوان والمظاهر وعموم من رش عليه من رشحات جوده ولمعات وجوده فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ من نشأتى الظهور والخفأ والبروز والكمون والقبض والبسط وَلَهُ الْحُكْمُ والأمر في الصعود والهبوط والنزول والعروج وكذا في عموم الشئون والتطورات وَبالجملة إِلَيْهِ لا الى غيره إذ لا غير معه في الوجود ولا شيء سواه في عين الشهود تُرْجَعُونَ وتحشرون كما انه منه تبدؤن وتنشئون. ثم أشار سبحانه الى معظم ما أنعم على عباده من تجدد الملوين وتعاقب الجديدين امتنانا لهم وحثا على مواظبة شكره ومداومة ذكره والتذكر بانعامه وإحسانه وتعريضا للمشركين على كفرهم وكفرانهم فقال آمرا لحبيبه ﷺ قُلْ يا أكمل الرسل للناس الناسين توالى نعمنا المتوالية المترادفة عليهم مستفهما إياهم مستخبرا عنهم على سبيل التنبيه والتذكير أَرَأَيْتُمْ اى أخبروني ايها المغموزون بموائد نعمى إِنْ جَعَلَ اللَّهُ المحول للأحوال المدبر لعموم التدابير والأطوار عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ المظلم والعدم الصرف سَرْمَداً ممتدا مستمرا بلا تخلل ضوء الوجود بينه إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ

стр. 667

مَنْ إِلهٌ قادر على إيجاد الضوء في خلال الظلمة واظهار الوجود على العدم غَيْرُ اللَّهِ على زعمكم الفاسد يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ تفوزون أنتم الى امور معاشكم بسببه أَفَلا تَسْمَعُونَ أمثال هذه التذكيرات ولا تفهمون معناها ولا تنكشفون عن الحكم والمصالح المدرجة فيها ايها المجبولون على الفهم والاستكشاف. ثم قال سبحانه قُلْ لهم يا أكمل الرسل أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ جَعَلَ اللَّهُ المصلح لعموم أحوالكم وحالاتكم عَلَيْكُمُ النَّهارَ المضيء وشمس الوجود على صرافتها وإشراقها سَرْمَداً مستمرا دائما بلا طريان الضد عليها إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ الواحد الأحد المستقل بالالوهية والربوبية يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ وتستريحون من تعبكم اللاحق من اشغالكم ومن لذات تجدداتكم وتطوراتكم أَفَلا تُبْصِرُونَ آلاء الله الفائضة عليكم على التعاقب والتوالي لإصلاح أحوالكم ليلا ونهارا حتى تواظبوا على شكرها وتداوموا لأداء حقها سرا وجهارا وَمِنْ كمال رَحْمَتِهِ ووفور مرحمته قد جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ متجددين متعاقبين لِتَسْكُنُوا فِيهِ اى في الليل وتستريحوا عما عرض عليكم في النهار من المتاعب والمشاق وَلِتَبْتَغُوا وتطلبوا مِنْ فَضْلِهِ وسعة جوده في النهار وَبالجملة انما أفاض عليكم سبحانه كل ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمه سبحانه كي تفوزوا الى ما أعدلكم من موائد كرمه ولا تشركوا معه شيأ من مظاهره ومصنوعاته ولا تنظروا نحو الوسائل والأسباب العادية ولا تنسبوا الأفعال الحادثة في الآفاق على غيره سبحانه بل نزهوه عن مطلق المشاركة والمماثلة وقدسوه عن جميع ما لا يليق بشأنه وَاذكر للمشركين ايضا يا أكمل الرسل يَوْمَ يُنادِيهِمْ الحق فَيَقُولُ مغاضبا عليهم مستفهما على سبيل التوبيخ والتقريع أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ايها الحمقى شركاء معى احضروهم حتى يظهر الحق ويقمع الباطل الزاهق الزائل وَبعد ما سكتوا وبهتوا من الجواب قد نَزَعْنا وأخرجنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يشهد عليهم جميع ما صدر عنهم وجرى عليهم في دار الاختبار. والشهيد الشاهد العادل العدل السوى هو النبي المبعوث إليهم حين انحرافهم عن طريق السلامة وسبل الاستقامة فَقُلْنا للأمم بعد ما نزعنا شهداءهم منهم هاتُوا ايها الضالون المسرفون المفرطون بُرْهانَكُمْ مستندكم ودليلكم الذي أنتم تضلون لأجله وتشركون بسببه وتنحرفون عن جادة العدالة بواسطته وتنصرفون عن سبل السلامة بمتابعته فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ واللياقة المطلقة والاستحقاق التام على العبادة ثابتة لِلَّهِ الحقيق بالحقية الجدير بالالوهية اللائق بالربوبية ليس كمثله شيء يعبد له ويرجع اليه وَبعد ما جاء الحق وزهق الباطل قد ضَلَّ غاب وخفى حينئذ عَنْهُمْ عموم ما كانُوا يَفْتَرُونَ المعبودية اليه وينسبون الألوهية والربوبية نحوه جهلا وعنادا ويدعون اشتراكه مع الله في استحقاق العبادة والرجوع اليه لدى الحاجة. ثم قال سبحانه تذكيرا للمؤمنين وعبرة لهم عن تفظيع حال من تكبر على الله وعلى كليمه وخرج عن ربقة الايمان وقلادة الإخلاص وعروة العبودية بسبب ما قد بسط الله عليه من حطام الدنيا ومزخرفاتها ابتلاء وفتنة إِنَّ قارُونَ المتجبر المتكبر الذي قد ظهر على الله وعلى رسوله مفتخرا بماله وجاهه كانَ أولا مِنْ قَوْمِ مُوسى ومن جملة من آمن له وصدقه قيل هو ابن عمته وقيل ابن خالته وكان أميرا بين بنى إسرائيل قد امره عليهم فرعون وبعد ما قد ظهر موسى وهارون آمن له وحفظ التوراة واحسن حفظه بحيث يقرأه عن ظهر القلب ثم لما استولى موسى واخوه على مملكة العمالقة وانقرض الفراعنة رأسا؟؟؟

стр. 668

حسد لهما قارون وأنكر جاههما اتكاء بما عنده من الدفائن والكنوز فقال يوما لموسى لك الرسالة والنبوة ولأخيك الحبورة وانا في غير شيء الى متى اصبر فَبَغى عَلَيْهِمْ وقصد مغالبتهم وَما ذلك الا ان قد آتَيْناهُ وأعطينا له مكرا عليه وافتنانا له مِنَ الْكُنُوزِ اى الأموال والامتعة التي قد عهد ادخارها من الذهب والفضة وغيرهما وقد بلغت أمواله وخزائنه من الكثرة الى ما إِنَّ مَفاتِحَهُ اى الى حد ومرتبة قد كان مفاتح أقفال أبواب مخازنه وأقفال الصناديق الموضوعة فيها المختومة المقفولة لَتَنُوأُ وتثقل من الكثرة بِالْعُصْبَةِ بالجماعة الكثيرة من الحفظة أُولِي الْقُوَّةِ والقدرة أقوياء على حمل الأثقال جدا وقد كان مفتخرا بها بطرا فرحانا يمشى على وجه الأرض خيلاء اذكر وقت إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ اى بعض من أقربائه وقرنائه بعد ما قد أبصروا بطره المفرط ردعا له وتشنيعا عليه وحثا له على الانفاق والصرف في سبيل الخيرات وبناء المبرات لا تَفْرَحْ بما عندك من الزخارف الفانية يا قارون فإنها عن قريب سيفوت وأخرج حبها من قلبك إِنَّ اللَّهَ المطلع الغيور لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ من عباده سيما بحطام الدنيا ومزخرفاتها الملهية عن اللذات الروحانية وَابْتَغِ واطلب وترقب واكسب فِيما آتاكَ اللَّهُ المنعم المفضل من الرزق الصوري الزائل الغير القار الدَّارَ الْآخِرَةَ وما فيها من الرزق المعنوي القار المستمر في دار القرار وذلك لا يحصل لك الا بإنفاق ما في يدك من الرزق الصوري في سبيل الله لفقراء الله طلبا لمرضاته بلا شوب المن والأذى وبصرفها الى سد الثغور وبناء المساجد والقناطير والخانات وغير ذلك من بقاع الخيرات والمبرات من الأمور المتعلقة بمصالح عموم العباد من التسهيل عليهم ورفع العسرة عنهم وَان أردت ان تكون من اهل الثروة والجاه المخلد في النشأتين لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ألا وهو اجتهادك ان تتمكن في مرتبة الخلافة والنيابة الإلهية بمقتضى كريمة وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه الآية إذ العبد وما في يده انما هو لمولاه واعلم يقينا ان التصرفات الحادثة في عالم الكون والفساد انما هي مستندة الى الله أولا وبالذات وَبعد ما قد علمت ان حظك ونصيبك ما هو من الدنيا وما معك وليس قرينك منها في أخراك الا الإحسان والانفاق أَحْسِنْ مما قد جعلك الحق خليفة عليه ونائبا كَما أَحْسَنَ اللَّهُ المنعم المحسن إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ ولا تطلب بحال من الأحوال الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ اتكالا على ما في يدك من أسبابه التي هي الأموال المؤدية الى اصناف الفسادات وارتكاب انواع المحظورات والمنكرات إِنَّ اللَّهَ المطلع على عموم احوال عباده لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ منهم سيما بمظاهرة حطام الدنيا الدنية وبعد ما قد سمع قارون منهم المواعظ والتذكيرات المتعلقة بإصلاح حاله النافعة له في النشأة الاولى والاخرى اعرض عنهم وانصرف عن مقالتهم عتوا واستكبارا حيث قالَ متعظما بشأنه مستبدا برأيه إِنَّما أُوتِيتُهُ يعنى ما أوتيت عموم ما أوتيت من الرزق الصوري الا عَلى عِلْمٍ حاصل عِنْدِي يعنى منشأ اجتماع الأموال على وحصولها عندي اتصافى بعلم كامل كافل موجب لحصولها وتحصيلها وبالجملة ما هي وجمعها الا بحولي وقوتي وعلمي بطرق تحصيلها وانما قال ما قال بطرا واستغناء وكبرا وخيلاء قيل انه عالم بعلم الكيمياء قال سبحانه ردا عليه على سبيل التعيير والتقريع أَيتفوه ويقول هذا الطاغي الباغي الهالك في تيه الغي والضلال أمثال هذه الخرافات وَلَمْ يَعْلَمْ بالتواتر وبمطالعة كتب التواريخ ومن القصص المثبتة في التوراة أَنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء قَدْ أَهْلَكَ واستأصل كثيرا مِنْ قَبْلِهِ مِنَ اهل الْقُرُونِ الماضية مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً

стр. 669

بحسب الأولاد والاتباع وَأَكْثَرُ جَمْعاً لحطام الدنيا اما يستحى هذا الطاغي المسرف حتى ظهر على الله ولم يخف من بطشه وانتقامه بغتة وَمن سرعة نفوذ قضاء الله وقت ارادة إنفاذه عند الغضب على أعدائه لا يُسْئَلُ حينئذ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ إذ اطلاعه سبحانه على حالهم وضلالهم يكفى في انتقامهم فلا يحتاج الى سؤالهم وبعد ما ذكروا عنده من الزواجر والعبر فلم ينزجر ولم يعتبر بل ما زاد الا بطرا وخيلاء فَخَرَجَ يوما من الأيام من بيته بطرا مباهيا عَلى قَوْمِهِ مستكبرا عليهم مغرورا مستغرقا فِي زِينَتِهِ الكاملة إذ هو على بغلة شهباء وهي الأبلق الذي كثر بياضه على سواده وعليه ثياب فاخرة حمر كلها تسر الناظر إليها من صفاء لونها وبهائها وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه اربعة آلاف على زيه وقيل تسعون الفا كلهم على زيه وعلى خيولهم ومراكبهم ايضا اكسية حمراء وخرج الناس معه صافين حوله ناظرين نحوه متعجبين من حاله متمنين من الله رتبته وزينته حيث قالَ المفسدون المسرفون الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وزينتها وهمهم مقصورة إليها وغاية متمناهم حصول مثلها لهم متمنين متحسرين يا لَيْتَ لَنا من حظوظ الدنيا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ونصيب كامل من الدنيا وهو في دهره وحيد عصره فريد زمانه وشأنه وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ اللدني والمعرفة الكاملة المتعلقة منهم بالله وبالنشأة الاخرى ردا عليهم وازالة لتحسرهم وردعا لهم عن متمناهم على ابلغ وجه وآكده وَيْلَكُمْ اى يلزمكم ويلكم ويحل عليكم هلاككم ايها القاصرون عن معرفة الحق وما يترتب عليها من المكاشفات والمشاهدات التي هي مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر الحاصلة لأرباب المحبة والولاء الوالهين في بيداء الألوهية طالبين الفناء فيها ليصلوا الى شرف البقاء واللقاء بل ثَوابُ اللَّهِ المحسن المفضل ورضاه من عبيده الحاصل لأرباب المعاملات من الأبرار والأخيار المحسنين الأدب مع الله في عموم أحوالهم خَيْرٌ من الدنيا وما فيها بل من اضعافها وآلافها لِمَنْ آمَنَ له احتسابا على نفسه وَعَمِلَ عملا صالِحاً يعنى قرن إيمانه بالعمل الصالح إحسانا منه بالنسبة اليه سبحانه وطلبا لمرضاته وَبالجملة لا يُلَقَّاها ولا يصل الى تلك المثوبة العظمى والدرجة العليا التي قد أعدها الله لعباده إِلَّا الصَّابِرُونَ على عموم ما جرى عليهم من البليات وعلى مشاق الطاعات ومتاعب العبادات والرضوان بما اعطاهم الحق ورزقهم من الحظوظ بلا تمن منهم ولا تحسر على مرتبة احد من اصحاب الجاه والثروة بل هم بما عندهم راضون وبما اعطاهم الحق بمقتضى قسمته الازلية متمكنون مطمئنون ألا انهم هم المؤمنون حقا وأولئك هم الفائزون المفلحون. ربنا اجعلنا من زمرتهم بمنك العظيم وجودك الكريم وبعد ما قد أمهلنا قارون زمانا ورفهناه نشطا فرحانا قد أخذناه غضبانا فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ صاغرا مهانا يعنى قد طبقنا الأرض عليه وعلى أمواله وخزائنه بعد ما أخذتها وابتلعتها الأرض امتثالا بأمر نبينا موسى الكليم صلوات الله عليه وسلامه وذلك انه قد كان يؤذى موسى ﵇ دائما حسدا عليه وكان موسى يداريه صيانة لقرابته ثم لما نزلت الزكاة صالح معه من كل ألف بواحد من اى جنس كان فحاسبه فبلغ مبلغا عظيما فاستكثره فمنعه فعمد الى ان يفضح موسى بين بنى إسرائيل بغيا عليه وعدوانا فبرطل بغيّة واعطى لها رشوة لترمى موسى بنفسها فلما كان يوم العيد قام موسى خطيبا فقال في خطبته من سرق قطعناه ومن زنى غير محصن جلدناه ومن زنى محصنا رجمناه فقال قارون لو أنت يا موسى قال ولو كنت انا قال ان بنى إسرائيل يزعمون انك قد فجرت مع فلانة قال موسى

стр. 670

فاحضروها فاحضروها فناشدها موسى بالله الذي قد فلق البحر وانزل التوراة ان تصدقي أيتها المرأة فقالت بإلقاء الله في قلبها كرامة لموسى وتنزيها له عما لا يليق بشأنه وتفضيحا لقارون يا نبي الله ان قارون جعل لي جعلا كذا على ان أرميك بنفسي فخر موسى ساجدا وقال في سجدته الهى ان كنت نبيك ورسولك فانصرني واخذل عدوى فأوحى الله عليه في سجدته ان مر الأرض ان شئت فتجيبك يا موسى فرفع رأسه من سجدته مرتعدا غيورا غضبانا فقال يا ارض خذيه فابتلعته على الفور الى ركبته فأخذ يتضرع يا موسى ارحمني فانا حميمك وقرابتك ثم قال موسى مغاضبا على الأرض خذيه فأخذته الى وسطه فزاد في تضرعه وتفزعه ثم قال خذيه فأخذته الى عنقه فتضرع وصرخ نحو موسى من أول اخذه الى خسفه سبعين مرة لم يرحم عليه ثم قال خذيه فخسفت به وطبقت عليه فلم يرحمه موسى حتى عاتبه سبحانه بقوله ما افظك وما أبغضك يا موسى حتى استرحم منك فلم ترحمه ولم ترعه فو عزتي وجلالي لو دعاني مرة لأجبته وبعد ما خسف قارون قال بنو إسرائيل انما قتله ليرث أمواله فاشعر به فأمر الأرض بخسف داره وأمواله وخزينته بحيث لم يبق من منسوباته شيء على وجه الأرض فَما كانَ لَهُ حينئذ مِنْ فِئَةٍ وأعوان وأنصار يَنْصُرُونَهُ ويدفعون عذاب الله عنه مِنْ دُونِ اللَّهِ القادر المقتدر على دفع أمثاله والحال انه هو برىء من الله لذلك لم يلتجئ اليه ولم يتضرع نحوه حين أخذت الأرض إياه وَلذلك ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ الممتنعين من العذاب لا بنفسه ولا بمعاونيه وانصاره وَبعد ما قد خسف قارون بشؤم أمواله التي قد جعلها وسيلة الى انواع الفسادات من جملتها رمى كليم الله وأخلص رسله بالزنا التي هي بعيدة بمراحل عن طهارة زيله ونجابة طينته إذ معاشر الأنبياء كلهم معصومون عن الكبائر مطلقا قد أَصْبَحَ وصار الفقراء الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ ومنزلته بِالْأَمْسِ اى في الزمان الذي هو اقرب زمان بخسفه متحسدين بما عنده من التوراة والجاه أخذوا يَقُولُونَ متمنين على عكس ما قد تمنوا في الزمان السابق متعجبين من كمال علم الله ومتانة حكمته قائلين كل منهم لصاحبه وَيْكَأَنَّ المعنى على الانفصال بين ويك وان والاتصال بينهما انما هو بمتابعة المصحف يعنى ويل لك وهلاكك لازم عليك بمتمناك الذي قد تمنيته بالأمس واعلم ان اللَّهَ الحكيم المتقن في عموم أفعاله يَبْسُطُ الرِّزْقَ بمقتضى حكمته لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ بمقتضى استعداداتهم وَيَقْدِرُ ويقبض عمن يشاء ايضا على وفق قابليته وما لنا اطلاع على احاطة علمه ومتانة حكمته لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ المصلح لمفاسدنا عَلَيْنا بمنعنا عن متمنانا لَخَسَفَ بِنا ايضا من شؤم مبتغانا ومتمنانا مثل ما قد خسف بذلك الطاعى المغرور وانما من سبحانه علينا بما من سبحانه لايماننا به سبحانه واخلاصنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ولا يصلح أحوالهم وأعمالهم وهم لا يفوزون بالنجاة من عذابه سبحانه بل يوقعهم سبحانه على ما يوقعهم في عذابه افتنانا فيه إياهم وانتقاما لهم. ثم قال سبحانه تبشيرا للمؤمنين المتواضعين وتنشيطا للمتقين الموقنين تِلْكَ الجنة التي قد سمعتم ايها المؤمنون الموقنون وصفها وبلغكم نعتها وخبرها في كتب الله والسنة رسله وأنبيائه وأوليائه المنكشفين بها الفائزين بمقاماتها بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر التي هي مقر ارباب المحبة والولاء الباذلين مهجم في سبيل الفناء ليصلوا الى دار البقاء هي هذه الدَّارُ الْآخِرَةُ المعهودة الموصوفة بهذه الصفات المعروفة المشهورة بها إذ لا مقر لأهل الحق سواها لذلك سمينا بها نَجْعَلُها بمقتضى فضلنا وجودنا مقرا لِلَّذِينَ اى للمؤمنين الموحدين الذين لا يُرِيدُونَ من كمال حلمهم وعلمهم
следующие страницы →