← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وَبعد ما قد سأل سبحانه عن جريمة شركهم وسألهم ايضا عن تكذيب رسلهم اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ يُنادِيهِمْ الحق فَيَقُولُ سبحانه معاتبا عليهم ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ حين دعوتكم الى الايمان والتوحيد والعمل الصالح والاجتناب عن المحضورات وترك المنكرات فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ يعنى قد ضلوا وتحيروا عن جميع طرق الكلام وسدت عليهم عموم سبل الاجوبة والتنطق والاخبار مطلقا وما ذلك الا من نهاية دهشتهم وحيرتهم وشدة ولههم وسكرتهم وبالجملة فَهُمْ حينئذ من غاية الهيبة والوحشة والهيمان لا يَتَساءَلُونَ ولا يتقاولون ولا يسأل بعضهم بعضا شيأ مجهولا حتى يعلمه بل كلهم حينئذ حيارى سكارى تائهون هائمون لا يسع لهم ولا يتأتى منهم الالتفات والتلقي أصلا فَأَمَّا مَنْ تابَ من عموم ما جرى من المعاصي وَآمَنَ بالله بمقتضى ما امره الحق بلسان رسله وأنبيائه وَعَمِلَ عملا صالِحاً امتثالا بما نطق به الكتب والرسل فَعَسى أَنْ يَكُونَ هذا التائب السعيد مِنَ الْمُفْلِحِينَ الفائزين بالتوبة العظمى والدرجة العليا عند الله ومن المبشرين من لدنه سبحانه بشرف اللقاء والوصول الى دار البقاء وسدرة المنتهى وَرَبُّكَ يا أكمل الرسل يَخْلُقُ ويظهر حسب تجلياته الحبية الجمالية جميع ما يَشاءُ من المظاهر وَيَخْتارُ منها ما يختار فالكل مجبور محكوم تحت قدرته ومشيته ما كانَ وما صح وما جاز وما ثبت لَهُمُ الْخِيَرَةُ والتخير والاختيار مطلقا حتى يريدوا لأنفسهم ما هو الأصلح لهم بل عموم أمورهم وشئونهم وأطوارهم مفوضة الى الله أولا وبالذات مستندة اليه سبحانه اصالة وهم مقهورون مجبورون تحت حكمه وقضائه حسب الارادة والاختيار وكيف لا يكونون مجبورين إذ هم في أنفسهم من عكوس أسمائه وظلال أوصافه ما لهم وجود في أنفسهم وتحقق في ذاتهم سُبْحانَ اللَّهِ المنزه عن المثل والشبه في الوجود وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ له من الشريك والنظير من الوجود وَرَبُّكَ يا أكمل الرسل يَعْلَمُ بعلمه الحضوري جميع ما تُكِنُّ وتخفى صُدُورُهُمْ اى ضمائرهم وقلوبهم وَما يُعْلِنُونَ اى يظهرون بجوارحهم وآلاتهم وَكيف يخفى عليه شيء إذ هُوَ اللَّهُ الواجب لذاته المستقل في وجوده وظهوره المستوي على عروش عموم مظاهره ومصنوعاته بالاستقلال التام والاستيلاء الكامل لا إِلهَ في الوجود سواه ولا موجود غيره يعبد ولا عالم لعموم ما ظهر وما بطن إِلَّا هُوَ لذلك قد ثبت لَهُ الْحَمْدُ والثناء على الإطلاق الصادر من ألسنة ذرائر الأكوان والمظاهر وعموم من رش عليه من رشحات جوده ولمعات وجوده فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ من نشأتى الظهور والخفأ والبروز والكمون والقبض والبسط وَلَهُ الْحُكْمُ والأمر في الصعود والهبوط والنزول والعروج وكذا في عموم الشئون والتطورات وَبالجملة إِلَيْهِ لا الى غيره إذ لا غير معه في الوجود ولا شيء سواه في عين الشهود تُرْجَعُونَ وتحشرون كما انه منه تبدؤن وتنشئون. ثم أشار سبحانه الى معظم ما أنعم على عباده من تجدد الملوين وتعاقب الجديدين امتنانا لهم وحثا على مواظبة شكره ومداومة ذكره والتذكر بانعامه وإحسانه وتعريضا للمشركين على كفرهم وكفرانهم فقال آمرا لحبيبه ﷺ قُلْ يا أكمل الرسل للناس الناسين توالى نعمنا المتوالية المترادفة عليهم مستفهما إياهم مستخبرا عنهم على سبيل التنبيه والتذكير أَرَأَيْتُمْ اى أخبروني ايها المغموزون بموائد نعمى إِنْ جَعَلَ اللَّهُ المحول للأحوال المدبر لعموم التدابير والأطوار عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ المظلم والعدم الصرف سَرْمَداً ممتدا مستمرا بلا تخلل ضوء الوجود بينه إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ

стр. 667

مَنْ إِلهٌ قادر على إيجاد الضوء في خلال الظلمة واظهار الوجود على العدم غَيْرُ اللَّهِ على زعمكم الفاسد يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ تفوزون أنتم الى امور معاشكم بسببه أَفَلا تَسْمَعُونَ أمثال هذه التذكيرات ولا تفهمون معناها ولا تنكشفون عن الحكم والمصالح المدرجة فيها ايها المجبولون على الفهم والاستكشاف. ثم قال سبحانه قُلْ لهم يا أكمل الرسل أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ جَعَلَ اللَّهُ المصلح لعموم أحوالكم وحالاتكم عَلَيْكُمُ النَّهارَ المضيء وشمس الوجود على صرافتها وإشراقها سَرْمَداً مستمرا دائما بلا طريان الضد عليها إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ الواحد الأحد المستقل بالالوهية والربوبية يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ وتستريحون من تعبكم اللاحق من اشغالكم ومن لذات تجدداتكم وتطوراتكم أَفَلا تُبْصِرُونَ آلاء الله الفائضة عليكم على التعاقب والتوالي لإصلاح أحوالكم ليلا ونهارا حتى تواظبوا على شكرها وتداوموا لأداء حقها سرا وجهارا وَمِنْ كمال رَحْمَتِهِ ووفور مرحمته قد جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ متجددين متعاقبين لِتَسْكُنُوا فِيهِ اى في الليل وتستريحوا عما عرض عليكم في النهار من المتاعب والمشاق وَلِتَبْتَغُوا وتطلبوا مِنْ فَضْلِهِ وسعة جوده في النهار وَبالجملة انما أفاض عليكم سبحانه كل ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمه سبحانه كي تفوزوا الى ما أعدلكم من موائد كرمه ولا تشركوا معه شيأ من مظاهره ومصنوعاته ولا تنظروا نحو الوسائل والأسباب العادية ولا تنسبوا الأفعال الحادثة في الآفاق على غيره سبحانه بل نزهوه عن مطلق المشاركة والمماثلة وقدسوه عن جميع ما لا يليق بشأنه وَاذكر للمشركين ايضا يا أكمل الرسل يَوْمَ يُنادِيهِمْ الحق فَيَقُولُ مغاضبا عليهم مستفهما على سبيل التوبيخ والتقريع أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ايها الحمقى شركاء معى احضروهم حتى يظهر الحق ويقمع الباطل الزاهق الزائل وَبعد ما سكتوا وبهتوا من الجواب قد نَزَعْنا وأخرجنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يشهد عليهم جميع ما صدر عنهم وجرى عليهم في دار الاختبار. والشهيد الشاهد العادل العدل السوى هو النبي المبعوث إليهم حين انحرافهم عن طريق السلامة وسبل الاستقامة فَقُلْنا للأمم بعد ما نزعنا شهداءهم منهم هاتُوا ايها الضالون المسرفون المفرطون بُرْهانَكُمْ مستندكم ودليلكم الذي أنتم تضلون لأجله وتشركون بسببه وتنحرفون عن جادة العدالة بواسطته وتنصرفون عن سبل السلامة بمتابعته فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ واللياقة المطلقة والاستحقاق التام على العبادة ثابتة لِلَّهِ الحقيق بالحقية الجدير بالالوهية اللائق بالربوبية ليس كمثله شيء يعبد له ويرجع اليه وَبعد ما جاء الحق وزهق الباطل قد ضَلَّ غاب وخفى حينئذ عَنْهُمْ عموم ما كانُوا يَفْتَرُونَ المعبودية اليه وينسبون الألوهية والربوبية نحوه جهلا وعنادا ويدعون اشتراكه مع الله في استحقاق العبادة والرجوع اليه لدى الحاجة. ثم قال سبحانه تذكيرا للمؤمنين وعبرة لهم عن تفظيع حال من تكبر على الله وعلى كليمه وخرج عن ربقة الايمان وقلادة الإخلاص وعروة العبودية بسبب ما قد بسط الله عليه من حطام الدنيا ومزخرفاتها ابتلاء وفتنة إِنَّ قارُونَ المتجبر المتكبر الذي قد ظهر على الله وعلى رسوله مفتخرا بماله وجاهه كانَ أولا مِنْ قَوْمِ مُوسى ومن جملة من آمن له وصدقه قيل هو ابن عمته وقيل ابن خالته وكان أميرا بين بنى إسرائيل قد امره عليهم فرعون وبعد ما قد ظهر موسى وهارون آمن له وحفظ التوراة واحسن حفظه بحيث يقرأه عن ظهر القلب ثم لما استولى موسى واخوه على مملكة العمالقة وانقرض الفراعنة رأسا؟؟؟

стр. 668

حسد لهما قارون وأنكر جاههما اتكاء بما عنده من الدفائن والكنوز فقال يوما لموسى لك الرسالة والنبوة ولأخيك الحبورة وانا في غير شيء الى متى اصبر فَبَغى عَلَيْهِمْ وقصد مغالبتهم وَما ذلك الا ان قد آتَيْناهُ وأعطينا له مكرا عليه وافتنانا له مِنَ الْكُنُوزِ اى الأموال والامتعة التي قد عهد ادخارها من الذهب والفضة وغيرهما وقد بلغت أمواله وخزائنه من الكثرة الى ما إِنَّ مَفاتِحَهُ اى الى حد ومرتبة قد كان مفاتح أقفال أبواب مخازنه وأقفال الصناديق الموضوعة فيها المختومة المقفولة لَتَنُوأُ وتثقل من الكثرة بِالْعُصْبَةِ بالجماعة الكثيرة من الحفظة أُولِي الْقُوَّةِ والقدرة أقوياء على حمل الأثقال جدا وقد كان مفتخرا بها بطرا فرحانا يمشى على وجه الأرض خيلاء اذكر وقت إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ اى بعض من أقربائه وقرنائه بعد ما قد أبصروا بطره المفرط ردعا له وتشنيعا عليه وحثا له على الانفاق والصرف في سبيل الخيرات وبناء المبرات لا تَفْرَحْ بما عندك من الزخارف الفانية يا قارون فإنها عن قريب سيفوت وأخرج حبها من قلبك إِنَّ اللَّهَ المطلع الغيور لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ من عباده سيما بحطام الدنيا ومزخرفاتها الملهية عن اللذات الروحانية وَابْتَغِ واطلب وترقب واكسب فِيما آتاكَ اللَّهُ المنعم المفضل من الرزق الصوري الزائل الغير القار الدَّارَ الْآخِرَةَ وما فيها من الرزق المعنوي القار المستمر في دار القرار وذلك لا يحصل لك الا بإنفاق ما في يدك من الرزق الصوري في سبيل الله لفقراء الله طلبا لمرضاته بلا شوب المن والأذى وبصرفها الى سد الثغور وبناء المساجد والقناطير والخانات وغير ذلك من بقاع الخيرات والمبرات من الأمور المتعلقة بمصالح عموم العباد من التسهيل عليهم ورفع العسرة عنهم وَان أردت ان تكون من اهل الثروة والجاه المخلد في النشأتين لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ألا وهو اجتهادك ان تتمكن في مرتبة الخلافة والنيابة الإلهية بمقتضى كريمة وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه الآية إذ العبد وما في يده انما هو لمولاه واعلم يقينا ان التصرفات الحادثة في عالم الكون والفساد انما هي مستندة الى الله أولا وبالذات وَبعد ما قد علمت ان حظك ونصيبك ما هو من الدنيا وما معك وليس قرينك منها في أخراك الا الإحسان والانفاق أَحْسِنْ مما قد جعلك الحق خليفة عليه ونائبا كَما أَحْسَنَ اللَّهُ المنعم المحسن إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ ولا تطلب بحال من الأحوال الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ اتكالا على ما في يدك من أسبابه التي هي الأموال المؤدية الى اصناف الفسادات وارتكاب انواع المحظورات والمنكرات إِنَّ اللَّهَ المطلع على عموم احوال عباده لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ منهم سيما بمظاهرة حطام الدنيا الدنية وبعد ما قد سمع قارون منهم المواعظ والتذكيرات المتعلقة بإصلاح حاله النافعة له في النشأة الاولى والاخرى اعرض عنهم وانصرف عن مقالتهم عتوا واستكبارا حيث قالَ متعظما بشأنه مستبدا برأيه إِنَّما أُوتِيتُهُ يعنى ما أوتيت عموم ما أوتيت من الرزق الصوري الا عَلى عِلْمٍ حاصل عِنْدِي يعنى منشأ اجتماع الأموال على وحصولها عندي اتصافى بعلم كامل كافل موجب لحصولها وتحصيلها وبالجملة ما هي وجمعها الا بحولي وقوتي وعلمي بطرق تحصيلها وانما قال ما قال بطرا واستغناء وكبرا وخيلاء قيل انه عالم بعلم الكيمياء قال سبحانه ردا عليه على سبيل التعيير والتقريع أَيتفوه ويقول هذا الطاغي الباغي الهالك في تيه الغي والضلال أمثال هذه الخرافات وَلَمْ يَعْلَمْ بالتواتر وبمطالعة كتب التواريخ ومن القصص المثبتة في التوراة أَنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء قَدْ أَهْلَكَ واستأصل كثيرا مِنْ قَبْلِهِ مِنَ اهل الْقُرُونِ الماضية مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً

стр. 669

بحسب الأولاد والاتباع وَأَكْثَرُ جَمْعاً لحطام الدنيا اما يستحى هذا الطاغي المسرف حتى ظهر على الله ولم يخف من بطشه وانتقامه بغتة وَمن سرعة نفوذ قضاء الله وقت ارادة إنفاذه عند الغضب على أعدائه لا يُسْئَلُ حينئذ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ إذ اطلاعه سبحانه على حالهم وضلالهم يكفى في انتقامهم فلا يحتاج الى سؤالهم وبعد ما ذكروا عنده من الزواجر والعبر فلم ينزجر ولم يعتبر بل ما زاد الا بطرا وخيلاء فَخَرَجَ يوما من الأيام من بيته بطرا مباهيا عَلى قَوْمِهِ مستكبرا عليهم مغرورا مستغرقا فِي زِينَتِهِ الكاملة إذ هو على بغلة شهباء وهي الأبلق الذي كثر بياضه على سواده وعليه ثياب فاخرة حمر كلها تسر الناظر إليها من صفاء لونها وبهائها وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه اربعة آلاف على زيه وقيل تسعون الفا كلهم على زيه وعلى خيولهم ومراكبهم ايضا اكسية حمراء وخرج الناس معه صافين حوله ناظرين نحوه متعجبين من حاله متمنين من الله رتبته وزينته حيث قالَ المفسدون المسرفون الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وزينتها وهمهم مقصورة إليها وغاية متمناهم حصول مثلها لهم متمنين متحسرين يا لَيْتَ لَنا من حظوظ الدنيا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ونصيب كامل من الدنيا وهو في دهره وحيد عصره فريد زمانه وشأنه وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ اللدني والمعرفة الكاملة المتعلقة منهم بالله وبالنشأة الاخرى ردا عليهم وازالة لتحسرهم وردعا لهم عن متمناهم على ابلغ وجه وآكده وَيْلَكُمْ اى يلزمكم ويلكم ويحل عليكم هلاككم ايها القاصرون عن معرفة الحق وما يترتب عليها من المكاشفات والمشاهدات التي هي مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر الحاصلة لأرباب المحبة والولاء الوالهين في بيداء الألوهية طالبين الفناء فيها ليصلوا الى شرف البقاء واللقاء بل ثَوابُ اللَّهِ المحسن المفضل ورضاه من عبيده الحاصل لأرباب المعاملات من الأبرار والأخيار المحسنين الأدب مع الله في عموم أحوالهم خَيْرٌ من الدنيا وما فيها بل من اضعافها وآلافها لِمَنْ آمَنَ له احتسابا على نفسه وَعَمِلَ عملا صالِحاً يعنى قرن إيمانه بالعمل الصالح إحسانا منه بالنسبة اليه سبحانه وطلبا لمرضاته وَبالجملة لا يُلَقَّاها ولا يصل الى تلك المثوبة العظمى والدرجة العليا التي قد أعدها الله لعباده إِلَّا الصَّابِرُونَ على عموم ما جرى عليهم من البليات وعلى مشاق الطاعات ومتاعب العبادات والرضوان بما اعطاهم الحق ورزقهم من الحظوظ بلا تمن منهم ولا تحسر على مرتبة احد من اصحاب الجاه والثروة بل هم بما عندهم راضون وبما اعطاهم الحق بمقتضى قسمته الازلية متمكنون مطمئنون ألا انهم هم المؤمنون حقا وأولئك هم الفائزون المفلحون. ربنا اجعلنا من زمرتهم بمنك العظيم وجودك الكريم وبعد ما قد أمهلنا قارون زمانا ورفهناه نشطا فرحانا قد أخذناه غضبانا فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ صاغرا مهانا يعنى قد طبقنا الأرض عليه وعلى أمواله وخزائنه بعد ما أخذتها وابتلعتها الأرض امتثالا بأمر نبينا موسى الكليم صلوات الله عليه وسلامه وذلك انه قد كان يؤذى موسى ﵇ دائما حسدا عليه وكان موسى يداريه صيانة لقرابته ثم لما نزلت الزكاة صالح معه من كل ألف بواحد من اى جنس كان فحاسبه فبلغ مبلغا عظيما فاستكثره فمنعه فعمد الى ان يفضح موسى بين بنى إسرائيل بغيا عليه وعدوانا فبرطل بغيّة واعطى لها رشوة لترمى موسى بنفسها فلما كان يوم العيد قام موسى خطيبا فقال في خطبته من سرق قطعناه ومن زنى غير محصن جلدناه ومن زنى محصنا رجمناه فقال قارون لو أنت يا موسى قال ولو كنت انا قال ان بنى إسرائيل يزعمون انك قد فجرت مع فلانة قال موسى

стр. 670

فاحضروها فاحضروها فناشدها موسى بالله الذي قد فلق البحر وانزل التوراة ان تصدقي أيتها المرأة فقالت بإلقاء الله في قلبها كرامة لموسى وتنزيها له عما لا يليق بشأنه وتفضيحا لقارون يا نبي الله ان قارون جعل لي جعلا كذا على ان أرميك بنفسي فخر موسى ساجدا وقال في سجدته الهى ان كنت نبيك ورسولك فانصرني واخذل عدوى فأوحى الله عليه في سجدته ان مر الأرض ان شئت فتجيبك يا موسى فرفع رأسه من سجدته مرتعدا غيورا غضبانا فقال يا ارض خذيه فابتلعته على الفور الى ركبته فأخذ يتضرع يا موسى ارحمني فانا حميمك وقرابتك ثم قال موسى مغاضبا على الأرض خذيه فأخذته الى وسطه فزاد في تضرعه وتفزعه ثم قال خذيه فأخذته الى عنقه فتضرع وصرخ نحو موسى من أول اخذه الى خسفه سبعين مرة لم يرحم عليه ثم قال خذيه فخسفت به وطبقت عليه فلم يرحمه موسى حتى عاتبه سبحانه بقوله ما افظك وما أبغضك يا موسى حتى استرحم منك فلم ترحمه ولم ترعه فو عزتي وجلالي لو دعاني مرة لأجبته وبعد ما خسف قارون قال بنو إسرائيل انما قتله ليرث أمواله فاشعر به فأمر الأرض بخسف داره وأمواله وخزينته بحيث لم يبق من منسوباته شيء على وجه الأرض فَما كانَ لَهُ حينئذ مِنْ فِئَةٍ وأعوان وأنصار يَنْصُرُونَهُ ويدفعون عذاب الله عنه مِنْ دُونِ اللَّهِ القادر المقتدر على دفع أمثاله والحال انه هو برىء من الله لذلك لم يلتجئ اليه ولم يتضرع نحوه حين أخذت الأرض إياه وَلذلك ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ الممتنعين من العذاب لا بنفسه ولا بمعاونيه وانصاره وَبعد ما قد خسف قارون بشؤم أمواله التي قد جعلها وسيلة الى انواع الفسادات من جملتها رمى كليم الله وأخلص رسله بالزنا التي هي بعيدة بمراحل عن طهارة زيله ونجابة طينته إذ معاشر الأنبياء كلهم معصومون عن الكبائر مطلقا قد أَصْبَحَ وصار الفقراء الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ ومنزلته بِالْأَمْسِ اى في الزمان الذي هو اقرب زمان بخسفه متحسدين بما عنده من التوراة والجاه أخذوا يَقُولُونَ متمنين على عكس ما قد تمنوا في الزمان السابق متعجبين من كمال علم الله ومتانة حكمته قائلين كل منهم لصاحبه وَيْكَأَنَّ المعنى على الانفصال بين ويك وان والاتصال بينهما انما هو بمتابعة المصحف يعنى ويل لك وهلاكك لازم عليك بمتمناك الذي قد تمنيته بالأمس واعلم ان اللَّهَ الحكيم المتقن في عموم أفعاله يَبْسُطُ الرِّزْقَ بمقتضى حكمته لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ بمقتضى استعداداتهم وَيَقْدِرُ ويقبض عمن يشاء ايضا على وفق قابليته وما لنا اطلاع على احاطة علمه ومتانة حكمته لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ المصلح لمفاسدنا عَلَيْنا بمنعنا عن متمنانا لَخَسَفَ بِنا ايضا من شؤم مبتغانا ومتمنانا مثل ما قد خسف بذلك الطاعى المغرور وانما من سبحانه علينا بما من سبحانه لايماننا به سبحانه واخلاصنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ولا يصلح أحوالهم وأعمالهم وهم لا يفوزون بالنجاة من عذابه سبحانه بل يوقعهم سبحانه على ما يوقعهم في عذابه افتنانا فيه إياهم وانتقاما لهم. ثم قال سبحانه تبشيرا للمؤمنين المتواضعين وتنشيطا للمتقين الموقنين تِلْكَ الجنة التي قد سمعتم ايها المؤمنون الموقنون وصفها وبلغكم نعتها وخبرها في كتب الله والسنة رسله وأنبيائه وأوليائه المنكشفين بها الفائزين بمقاماتها بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر التي هي مقر ارباب المحبة والولاء الباذلين مهجم في سبيل الفناء ليصلوا الى دار البقاء هي هذه الدَّارُ الْآخِرَةُ المعهودة الموصوفة بهذه الصفات المعروفة المشهورة بها إذ لا مقر لأهل الحق سواها لذلك سمينا بها نَجْعَلُها بمقتضى فضلنا وجودنا مقرا لِلَّذِينَ اى للمؤمنين الموحدين الذين لا يُرِيدُونَ من كمال حلمهم وعلمهم

стр. 671

عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ جاها وثروة تفوقا وتكبرا على من عليها من عباد الله ولا يمشون عليها خيلاء غافلين عن تزود الآخرة وَلا يقصدون فيها فَساداً مؤديا الى هتك محارم الله والخروج عن مقتضى حدوده وَبالجملة الْعاقِبَةُ الحميدة التي قد عبر عنها بلفظ الجنة ودار الآخرة ودار السلام ودار الخلود وغير ذلك من الألفاظ والعبارات المتداولة في ألسنة الكتب والرسل انما هي معدة مهيأة لِلْمُتَّقِينَ الذين يحفظون نفوسهم عن ارتكاب المنهيات والمحظورات مطلقا ويجتنبون عن عموم ما يؤدى الى إسقاط المروات رأسا ويتصفون بجميع ما جاء به الرسل ونطق به الكتب من الأمور المشعرات للهداية والصلاح والفوز بالفلاح والنجاة جملة فأولئك السعداء المقبولون هم الواصلون الى درجة القرب والشهود الوالهون بشرف مطالعة لقاء الخلاق الودود ثم أشار سبحانه اشارة جملية محتوية على اصول عموم المواعظ والتذكيرات المتعلقة بجميع عباده فقال مَنْ جاءَ في النشأة الاولى بِالْحَسَنَةِ والخصلة المقبولة عند الله المستحسنة عند عموم عباده ابتغاء لمرضاته سبحانه وأداء لحقوق عباده فَلَهُ عند الله في النشأة الاخرى جزاء عليها حسنة مستحسنة هي خَيْرٌ مِنْها بل بأضعافها وآلافها تفضلا وإحسانا وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ والخصلة الذمية ايضا فيها المستقبحة عقلا وشرعا المستهجنة عند الله وعند عموم عباده عرفا وعادة فَلا يُجْزَى من قبل الحق في يوم الجزاء المسيئون الَّذِينَ قد عَمِلُوا السَّيِّئاتِ التي لا يرضى بها الله ولا خلص عباده إِلَّا مثل ما كانُوا يَعْمَلُونَ عدلا منه سبحانه. ثم لما اغتم رسول الله ﷺ حين هاجر من مكة بسبب مكر المشركين ووصل الى جحفة واشتد اشتياقه الى مولده وموطن آبائه فتحزن حزنا شديدا بحيث أراد ان يعود منها إليها فنزلت تسلية له ﷺ وازالة لحزنه إِنَّ الله القادر المقتدر الَّذِي قد فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ وقدر لك انزاله وأقدرك على الامتثال بعموم ما فيه من الأوامر والنواهي وكشف عليك جميع ما فيه من الحقائق والمعارف والرموز والإشارات المتعلقة بصفاء مشرب التوحيد وذكر لك فيه من القصص والعبر والأمثال إرشادا لك الى مقامك الذي قد وعد لك الحق تفضلا وامتنانا وسماه من عنده مقاما محمودا لَرادُّكَ ومعاودك البتة إِلى مَعادٍ معهود فهو مولدك ومحتدك الأصلي وكذا موطن آبائك واسلافك على احسن وجه وأكمله وبعد ما عدت ورجعت إليهم بعد هجرتك من بينهم ان اضلوك وخيلوك على ما هو عادتهم وأساؤا الأدب معك ونسبوك الى ما لا يليق بشأنك قُلْ لهم على سبيل المجاراة رَبِّي الذي قد وسع كل شيء علما أَعْلَمُ منى بعلمه الحضوري مَنْ جاءَ بِالْهُدى منا انا او أنتم وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ منا ومنكم وَعليك يا أكمل الرسل ان تفوض بعموم أمورك إلينا اتكالا علينا واعتصاما بحولنا وقوتنا ولا تلتفت الى المشركين وايمانهم ولا تداريهم ايضا خوفا او مداهنة ولا تك في رعب منهم انا قد كفيناك ونكف عنك مؤنة شرورهم إذ ما كُنْتَ أنت في حال من احوالك تَرْجُوا وتأمل أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ الجامع لفوائد جميع الكتب المنزلة من عندنا لكن ما انزل إليك هذا إِلَّا رَحْمَةً ناشئة نازلة مِنْ رَبِّكَ تفضلا عليك وتلطفا معك بلا تطلب منك وترقب من قبلك فكذلك يكفيك ربك عموم مهامك على الوجه الأصلح الأحسن فاتكل عليه واتخذه وكيلا وفوض أمورك كلها اليه واجعله حسيبا وكفيلا ومتى سمعت نبذا من شأنك الذي أنت عليه في ابتداء حالك فَلا تَكُونَنَّ أنت بعد اليوم ظَهِيراً معاونا ومعينا لِلْكافِرِينَ ولا مستظهرا ولا

стр. 672

مستعينا منهم بل لك ان تبلغ وتمضى على الوجه الذي أمرت بلا مبالاة لهم ومداراة معهم وَلا يَصُدُّنَّكَ ولا تصرفنك مواساتهم ومداراتهم على المسامحة معهم عَنْ تبليغ آياتِ اللَّهِ المشتملة على انواع الإنذارات والوعيدات الهائلة إليهم سيما بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وأمرت أنت بتبليغها وَادْعُ إِلى توحيد رَبِّكَ بعد ما بعثك الى كافة البرايا وعامة الأمم بشيرا ونذيرا لكل من جبله الحق على صورة الإنسان وفطرة العرفان وكلفه بالمعرفة والايمان وَلا تَكُونَنَّ أنت بحال من الأحوال لا بالمداهنة ولا بالمسامحة معهم مِنَ الْمُشْرِكِينَ المشاركين إياهم في شركهم وكفرهم لا صورة ولا معنى ولا حقيقة ولا مجازا وَبعد ما قد ظهرت أنت يا أكمل الرسل على فطرة التوحيد الذاتي وأكملت بتوفيق منا مراسم الدين المستبين وأقمت مكارم الأخلاق واليقين لا تَدْعُ في حال من الأحوال وفي شأن من الشئون مَعَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الوتر الذي لم يلد ولم يولد ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له كفوا احد إِلهاً آخَرَ شريكا له لا في الوجود ولا في الألوهية والربوبية ولا مطلق التصرفات الواقعة في مملكته ومظاهره إذ لا إِلهَ في الوجود ولا موجود في الشهود إِلَّا هُوَ هذا هو نهاية ما قد نطق العارف عند التحقق به سبحانه وبعد ذلك يقلق ويدهش ويهيم ويفنى ويتلاشى إذ كُلُّ شَيْءٍ من جماد وحى يتراءى لك ويلوح في عالم العيان وعرصة الأكوان من اظلال أسمائه الحسنى وعكوس أوصافه الأسنى هالِكٌ في حد ذاته باق على عدمه الأصلي مستمر على استحالته الذاتية وامتناعه الحقيقي إِلَّا وَجْهَهُ الذي قد اقتبس به النور من تجليات الحق وشئونه حسب تطورات أسمائه وصفاته واستمد به العكس من شوارق بوارق لمعاته المتشعشعة وتجلياته المتجددة وكذا من رقائق لوائح لوامع بروق تطوراته التي بها تخطف ابصار ارباب الكشف والشهود من المنجذبين نحو الحق المتأملين في شأنه الوالهين بمطالعة جماله وجلاله وبالجملة بعد ما قد ثبت وتحقق هلاك الكل واستحالتها في حد ذاتها وظهورها وانعكاسها ابتداء انما هو من اظلال أوصافه وأسمائه الذاتية قد ثبت لَهُ الْحُكْمُ المطلق والتصرف التام المستقل والأمر الكامل المقارن بالإرادة والاختيار وبكمال الاقتدار والاستقلال في عموم ما كان وما يكون ازلا وابدا وَإِلَيْهِ انتهاء لا الى غيره إذ لا غير في الوجود معه تُرْجَعُونَ رجوع الأمواج الى الماء والاظلال الى الأضواء فسبحان من ظهر من الكل فأهلكها وبطن في الكل فاوجدها وسبق على الكل فابدأها ولحق بالكل فافناها وبقي مع الكل فابقاها وهو الاول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ألا الى الله تصير الأمور ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين خاتمة سورة القصص عليك ايها السالك المتوجه نحو الحق بوجه الحق الذي قد ظهر فيك وتقتبس أنت بوجهه من اشعة أنوار تجلياته الذاتية المتشعشعة حسب أسمائه الحسنى وصفاته العليا ان تتأمل في كيفية نشآت الكثرات الغير المحصورة ونشرها من الواحد الأحد الفرد الصمد من كل الوجوه وتتعمق أنت بمقتضى العقل المفاض لك من حضرة علمه سبحانه على سبيل التوديع لتتدبر وتدرك به معرفة مبدئك ومعادك حسب استعدادك الفطري وقابليتك الجبلية التي بها امتيازك عن سائر المظاهر والمصنوعات وبها تستحق الخلافة والنيابة عن الله وبواسطة تلك الوديعة البديعة المودعة فيك قد كلفك الحق الى ما كلفك

стр. 673

وأعدلك من المراتب العلية والمقامات السنية عنده سبحانه ما أعدلك حسب صعودك وترقيك في معارفك وحقائقك بمقتضى التكاليف التي توصلك إليها ان أخلصت فيها فلك ان تتحمل على مشاق التكليفات ومتاعب الرياضات ما دمت أنت مقيدا في محال التكاليف ومنازل العروج الى ان جذبك الحق منك نحوه وافناك عن بشريتك وحصة ناسوتك التي بها بعدك عن الحق وابقاك ببقائه حسب حصة لاهوتك ومكنك بموعدك المعهود وبمقامك المحمود الموعود الذي هو مرتبة الكشف والشهود وحينئذ قد اتحد دونك قوسا الوجوب والإمكان وارتفعت الزبد والأمواج الحادثة من فضلات التعينات عن بحر العيان وقد فزت بما فزت من موائد اللطف والإحسان فظهر لك ولاح عندك حينئذ معنى قوله لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون [سورة العنكبوت] فاتحة سورة العنكبوت لا يخفى على من تدرج في درجات الكمال وترقى من حضيض الجهل ومضيق الوهم والخيال الى سعة ذروة المعرفة والتوحيد وفضاء الوصال وتمكن بمقر الوحدة بلا تلوين وانتقال وانكشف له ما في استعداده من ودائع البدائع الإلهية المقتضية للظهور الباعثة للبروز من موطن الكمون والخفاء الى فضاء الجلاء والانجلاء ان الاختبارات والابتلاءات الإلهية الواقعة بين مظاهره ومصنوعاته انما هي لحصول الاعتدال الحقيقي والقسط المعنوي المنبئ عن مرتبة الخلافة والنيابة عن الله المستلزم للتخلق بأخلاقه العظيمة والتثبت على الصراط المستقيم لذلك قد جرت سنته السنية وعادته العلية على نقد اعمال جميع المكلفين بالإيمان والعرفان بالعرض على محك الإخلاص ليتميز المغشوش المكدر بأنواع الكدورات من الرياء والسمعة والعجب وانواع الاهوية الفاسدة والرعونات الكاسدة الناشئة من النفوس الخبيثة عن الصافي الخالص الخالي عن شوب اللوث بالأمور الطبيعية الطاهر المطهر عن الأدناس البشرية الحاصلة من تسويلات النفوس الامارة بالسوء وتلبيسات الشياطين المنبعثة عن القوى البهيمية المورثة لانواع الجهالات والضلالات لذلك خاطب سبحانه حبيبه ﷺ بما خاطبه وبين في خطابه على ابلغ وجه وآكده ما عاتب به عباده من ترك الإخلاص والاغترار على مجرد الأقوال بلا مطابقة الاعتقاد متيمنا باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي كلف عباده بما كلف ليتأدبوا بآداب عبوديته حتى يستعدوا لفيضان آثار ربوبيته الرَّحْمنِ عليهم بافاضة ما يصلحهم عما هم عليه من المفاسد البشرية الرَّحِيمِ لهم يوصلهم بعد ما امتثلوا بما أمروا الى أقصى ما أعدلهم من الدرجات العلية والمقامات السنية [الآيات] الم ايها الإنسان الكامل الأكمل الأعلم اللائق لفيضان لوامع أنوار الوجود ولوائح آثار الفضل والجود المؤيد الملازم لاستكشاف مكنونات ما في مظاهر المكونات من معظمات آثار الألوهية ومكرمات أنوار الربوبية اللامعة اللائحة على نواصي عموم ما ظهر وبطن غيبا وشهادة على التعاقب والتوالي بلا انقطاع ولا انصرام ازلا وابدا وبلا ذهول وغفلة وفتور وفترة بحيث لا يعزب عن حيطة حضرة علمه المحيط ذرة من ذرائر ما ظهر ولاح دون اشراق شمس وجهه الكريم أَحَسِبَ زعم وظن وتخيل النَّاسُ المنهمكون في الغفلة والنسيان أَنْ يُتْرَكُوا ويهملوا على ما هم عليه من عدم مطابقة قلوبهم بأفواههم وأعمالهم بنياتهم وأفعالهم بحالاتهم بمجرد أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا بلا موافقة من قلوبهم مع ان الايمان في الأصل ما هو الا الإذعان والقبول والإخلاص بالقلب والانقياد والتسليم بالجوارح والآلات من لوازمه ومتمماته وَهُمْ بمجرد ما يلقلق به

стр. 674

لسانهم ويظهره بيانهم قد ظنوا انهم لا يُفْتَنُونَ ولا يمتحنون ولا يجربون بل والله لنبلونهم ولنختبرنهم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات حتى ظهر إخلاصهم ولاح اعتقادهم في جميع ما آمنوا فيترتب خلاصهم حينئذ على إخلاصهم وَليس افتتاننا واختبارنا إياهم ببدع منا بل لَقَدْ فَتَنَّا وامتحنا القوم الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم السالفة مع انهم قد يدعون الايمان ويتفوهون به أمثالهم ومع ذلك لم نتركهم عبثا سدى بلا ابتلاء منا إياهم واختبار لهم وليس اختبارهم وامتحانهم الا لإظهار محبتنا البالغة عليهم والا فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ المطلع على ضمائر عباده وسرائرهم وليميزن حسب علمه الحضوري المؤمنين الموقنين الَّذِينَ صَدَقُوا منهم وأخلصوا في ايمانهم وَايضا لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ منهم وهم الذين لا يخلصون مع الله في حال من الأحوال وعمل من الأعمال ولا يسمعون أوامر الله ونواهيه من السنة رسله سمع قبول ورضا وانما أرادوا بايمانهم الظاهر الذي قد أتوا به على سبيل الكراهة والمراء إسقاط لوازم الكفر من حقن الدماء وسبى الذراري ونهب الأموال والافهم ليسوا ممن يذعنون بدلائل التوحيد وبراهين الايمان عن صميم قلوبهم ظنا منهم انا غافلون عن بواطنهم ونياتهم أَمْ حَسِبَ بل ظن المسرفون المفرطون الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ مصرين عليها مبالغين في إتيانها أَنْ يَسْبِقُونا ويفوتوا عنا جزاء ما عملوا ويسقطوا عن حسابنا ما أتوا به من المعاصي والآثام عنهم بالفعل وبالجملة قد ساءَ ما يَحْكُمُونَ علينا وينسبون إلينا حكمهم هذا ونسبتهم هذه أعاذنا الله وعموم عباده عن أمثال هذه الظنون الفاسدة بالنسبة اليه سبحانه وما كل ذلك الا عن جهلهم بالله وبمقتضى علو شأنه وعزة سلطانه وانكارهم بلقائه والوقوف عند يديه والا مَنْ كانَ يَرْجُوا ويأمل لِقاءَ اللَّهِ المتجلى على الأكوان حسب أسمائه العلية وصفاته السنية ويترصد مترقبا ان ينكشف له ما هو الموعود من لدنه سبحانه من الدرجات العلية والمقامات السنية حال كونه متأدبا بالآداب المنزلة من عنده بوساطة أنبيائه ورسله متحملا على متاعب التكاليف ومشاق الطاعات المفروضة المشروعة له مترقبا للانكشاف والشهود راجيا لقياه سبحانه بلا يأس وقنوط فاز بمبتغاه على الوجه الذي وعد بعد ما وفقه الحق وجذبه الى نفسه فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ الذي قد وعده لعباده الخلص من ان يشرفهم بشرف لقائه لَآتٍ جاء حالّ نازل بلا شك وارتياب وَكيف لا يشرفهم سبحانه بمطالعة وجهه الكريم سيما بعد ما وعدهم إذ هُوَ السَّمِيعُ بمناجاتهم الْعَلِيمُ بحاجاتهم التي هي الفوز بشرف اللقاء والوقوف عند سدرة المنتهى والتدلي الى مقام دنى فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى وَمَنْ جاهَدَ واجتهد في الوصول الى ما ذكر من المقام المحمود وسعى في حصول الموعود المعهود الذي هو مرتبة الكشف والشهود فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إذ نفع جهاده وجهده انما يعود اليه وهو واصل الى منتهى مطلوبه بعد ما كان مستكملا طالبا إِنَّ اللَّهَ المنزه عن مطلق الطلب والاستكمال المبرأ عن عموم الترقب والانتظار لَغَنِيٌّ في ذاته عَنِ الْعالَمِينَ وعن مطلق طاعاتهم وعباداتهم ورجوعهم اليه وتوجههم نحوه. ثم قال سبحانه حثا لعموم عباده على التوجه نحو بابه ليفوزوا بما وعدوا وينالوا بما قد أعد لهم من الحسنات والدرجات وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله وأخلصوا في ايمانهم وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المشعرة المؤيدة لإخلاصهم بلا شوب الهوى والرياء وعموم الرعونات أصلا لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ ولنمحون عن صحف أعمالهم عموم سَيِّئاتِهِمْ التي قد جاءوا وقت جهلهم وضلالهم وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ ولنعاملن معهم

стр. 675

أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ يعنى احسن واولى وأوفر من الجزاء الذي يستحقون بأعمالهم بعد ايمانهم وأزيد منه بل بأضعافه وآلافه تفضلا منا إياهم وإحسانا عليهم وبعد ما قد حثهم سبحانه على الايمان والعمل الصالح اوصى لهم وأمرهم ببر الوالدين وبحسن المعاشرة معهما والتحنن نحوهما إذ هما من اقرب اسباب ظهورهم في نشأة الشهادة والبروز بمقتضى سنة الله سبحانه فقال وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بعد ما كلفناهم بالإيمان والعمل الصالح من ان يأتى كل منهم ويعمل بِوالِدَيْهِ حُسْناً اى معاملة ذات حسن يستحسنها العقل والشرع ويرتضيها الحق وتقتضيها الفتوة بحيث لا يحوم حولها شائبة من ولا أذى ولا استخفاف ولا استحقار بل يتذللون لهما ويتواضعون معهما على وجه الانكسار التام والتذلل المفرط وعليكم ايها المكلفون امتثال عموم أوامرهما ونواهيهما سوى الشرك بالله والطغيان على الله والعدوان معه سبحانه ومع أنبيائه ورسله وخلص عباده وَإِنْ جاهَداكَ ايها المؤمن المأمور على بر الوالدين ابواك وبالغا في حقك مقدمين أشد اقدام والحا عليك ابلغ إلحاح وأتم إبرام لِتُشْرِكَ بِي شيأ من مظاهري ومصنوعاتى سيما ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يعنى ليس علمك ويقينك متعلقا بألوهيته وربوبيته واستحقاقه للعبادة ولياقته للرجوع اليه في الخطوب والمهمات فَلا تُطِعْهُما ولا تقبل منهما أمرهما المتعلق بالإضلال والإشراك ولا تمتثل بقولهما هذا بل اعرض عنهما وعن قولهما وأمرهما هذا ولا تمض على دينهما وملتهما إذ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ورجوعكم جميعا أصلا وفرعا مؤمنا وكافرا موحدا ومشركا وبعد رجوعكم الىّ فَأُنَبِّئُكُمْ وأخبركم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في دار الاختبار أحاسب عليكم أعمالكم واجازيكم على مقتضاها ان خيرا فخير وان شرا فشر وَالَّذِينَ آمَنُوا منكم في دار الاختبار مخلصين وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ تكميلا لإيمانهم وتتميما له بما هو من لوازمه ومتمماته لَنُدْخِلَنَّهُمْ حين رجوعهم إلينا فِي السعداء الصَّالِحِينَ المقبولين الآمنين المستبشرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا منكم في النشأة الاولى وأصروا على الكفر والشرك والجحود والإنكار العياذ بالله ولم يرجعوا عنه سيما مع بعثة الرسل ونزول الكتب وورود الزواجر والروادع الكثيرة فيها لنعذبنهم البتة عذابا شديدا ولندخلنهم يوم يعرضون عليها في زمرة الأشقياء المردودين المغضوبين الذين لا نجاة لهم من النار ولا يرجى خلاصهم منها ابدا وَمِنَ النَّاسِ المجبولين على التزلزل والتذبذب مَنْ يَقُولُ خوفا من عذاب الله آمَنَّا بِاللَّهِ بلا تمكن له واطمئنان في قلبه فَإِذا أُوذِيَ فِي سبيل اللَّهِ من اعداء قد انقلب على كفره وحيث جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ وإذا هم في شدة كَعَذابِ اللَّهِ القادر المقتدر بالقدرة الكاملة والقوة الشاملة على انواع المحن والابتلاءات وبالجملة هم يسوون بين خوف الله وخوف الناس فكما يؤمنون بالله من خوف عذابه يكفرون به من خوف عذاب الناس وتقريعهم وتشنيعهم بلا تفاوت بين الخوفين والعذابين بل يرجحون خوف الناس على خوف الله لذلك يختارون الكفر على الايمان من ضعف يقينهم وعدم رسوخهم وتمكنهم على الايمان وذلك من عدم ترقيهم من حضيض الجهل والتقليد الى ذروة المعرفة والتوحيد وَمن غاية تزلزلهم وتلونهم لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ وعون للمؤمنين الباذلين مهجهم في سبيل الله مِنْ رَبِّكَ يا أكمل الرسل وصاروا غالبين على اعداء الله بنصر الله إياهم وفازوا بالفتح والغنائم وانواع الكرامات لَيَقُولُنَّ أولئك المذبذبون المتزلزلون مبالغين في دعوى الموافقة والمواخاة إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ومن عدادكم موافقين ظاهرا وباطنا وفي دين الإسلام متمكنين مطمئنين سرا وجهرا

стр. 676

فاشركونا فيما نلتم من الغنيمة وأعطونا قسمنا وسهمنا منها وهم ما يقصدون بقولهم هذا الا التغرير والتلبيس على المؤمنين بل على الله ايضا بزعمهم لذلك قال سبحانه مستفهما مستنكرا أَتعتقدون التلبيس والتشبيه علينا ايها الجاهلون بعلو شاننا وَلَيْسَ اللَّهُ المتجلى على عموم ما ظهر وما بطن في الأكوان غيبا وشهاة بِأَعْلَمَ بعلمه الحضوري بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ بل بما في استعداداتهم وقابلياتهم الفطرية التي قد كانوا عليها في حضرة علمنا ولوح قضائنا حيث لم يكونوا شيأ مذكورا وان كان شأنهم ايضا كذلك الآن عند من له ادنى حظ من المعرفة واليقين وَالله لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ المطلع لضمائر عباده وليميزن الَّذِينَ آمَنُوا بالله وبذلوا جهدهم في سبيله وليظهرن إخلاصهم ورسوخهم على الدين وتمكنهم واطمئنانهم في مرتبة اليقين بعد ما أمرهم بالجهاد والقتال الصوري والمعنوي وَلَيَعْلَمَنَّ وليظهرن ايضا كيد الْمُنافِقِينَ ومكرهم وتقاعدهم عن القتال واحتيالهم في التخلف عن المؤمنين وَمن جملة مكرهم واحتيالهم مع المؤمنين وخداعهم إياهم قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا قاصدين اضلالهم عن الطريق الحق وانصرافهم عن الدين المستبين اتَّبِعُوا ايها الحمقى المتذللون في أيدينا سَبِيلَنا واختاروا طريقنا الذي كنا عليه من عبادة الأوثان والأصنام التي هي دين آبائنا وديدنة أسلافنا وَان خفتم بمقتضى زعمكم من أثقال ذنوبكم يوم العرض والجزاء لْنَحْمِلْ نحن أثقال خَطاياكُمْ عنكم حينئذ فتصيروا يومئذ مخففين بلا وزر وذنب وَبالجملة انما قالوا لهم هكذا تغريرا عليهم وتضليلا لهم واستهزاء والافهم هم المنكرون بالآخرة وبجميع ما فيها من الوعيدات الهائلة والإنذارات البليغة وهم وان فرض انهم قد اعتقدوا النشأة الاخرى وما فيها ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ اى شيأ قليلا من خطاياهم لدى الحاجة فكيف بجميعها وبالجملة إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في عموم مواعدهم وعهودهم إذ الكل لا يطابق اعتقادهم ولا الواقع إذ لا تحمل يومئذ نفس وازرة وزر نفس اخرى كذلك كل نفس لاقية ما كسبت حاملة ما اقترفت عدلا منه سبحانه ولهذا قال سبحانه مقسما وَالله لَيَحْمِلُنَّ حينئذ أَثْقالَهُمْ وخطاياهم التي قد اقترفوها بأنفسهم بل وَنزيد عليها أَثْقالًا أخر حاصلة من اضلالهم وتضليلهم عباد الله منضمة مَعَ أَثْقالِهِمْ الاصلية وَالله مع تلك الأثقال على الأثقال لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ على الله من اثبات الشريك له في الوجود والتحقق وفي استحقاق العبادة وعن نسبتهم اليه سبحانه ما لا يليق بشأنه افتراء ومراء ثم ذكر سبحانه نبذا من احوال اهل الضلال والإضلال من المفترين الذين مضوا في سالف الزمان تسلية لرسول الله وازالة للحزن الذي قد لحقه ﷺ من تمادى المشركين في الغفلة والفساد ومن تطاولهم في الغي والعناد فقال وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ وقت إذ ظهر فيهم انواع الفسوق والجدال واصناف الغي والضلال فَلَبِثَ فِيهِمْ وتحمل على مشاق دعوتهم وانواع أذاهم أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فهم كانوا يضربونه ويشتمونه وينسبونه الى الجهل والجنون والخرق والخرف وانواع الاستخفاف والاستحقار ومع ذلك لم يتقاعد عن دعوتهم ولم ينزجر عن زواجرهم بل كان يبلغهم ما امره الحق بتبليغه من الآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة وهم من شدة شكيمتهم وخباثة طينتهم لم يزيدوا من سماعها الا تعنتا واستكبارا وعتوا واغترارا وإصرارا على ما هم عليه من الكفر والجحود وبعد ما قد استحقوا أشد العذاب وأسوأ النكال فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ حين خرج الماء من التنور المعهود وطاف عليهم فأغرقهم واستأصلهم

стр. 677

وَهُمْ في أنفسهم ظالِمُونَ خارجون عن مقتضيات الحدود الإلهية منهمكون في بحر الغفلة والغرور ضالون في تيه الجهل والطغيان لذلك قد أخذهم الله بالطوفان واستأصلهم بالمرة بحيث لم يبق منهم احد على وجه الأرض وبعد ما أغرقناهم وأهلكناهم فَأَنْجَيْناهُ يعنى نبينا نوحا ﵇ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وهم المؤمنون الذين قد ركبوا معه عليها حين نبع الماء من التنور قيل كانوا ثمانين او سبعين وقيل عشرة نصفهم ذكور ونصفهم إناث وَبالجملة قد جَعَلْناها اى قصة إهلاكهم وهلاكهم بالطوفان آيَةً عظيمة لِلْعالَمِينَ تستدلون بها على كمال قدرتنا ووفور حكمتنا في انتقام من خرج من مقتضيات حدودنا وأحكامنا وأوامرنا ونواهينا وَلقد أرسلنا ايضا يا أكمل الرسل جدك الأعلى إِبْراهِيمَ الخليل صلوات الرحمن عليه وسلامه الى قومه الذين تمادوا زمانا في الغفلة والغرور ليصلح مفاسدهم ويرشدهم الى توحيدنا اذكر وقت إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ بعد ما قد بعثناه إليهم ليهديهم الى طريق الحق اعْبُدُوا اللَّهَ الواحد الأحد الفرد الصمد المستحق للعبادة والإطاعة استحقاقا ذاتيا ووصفيا وَاتَّقُوهُ حق تقاته عن ارتكاب محارمه ومنهياته واجتنبوا عن عموم ما لا يرضى به سبحانه حتى لا تستجلبوا سخطه وغضبه عليكم ذلِكُمْ الذي اوصيكم به من العبادة والعرفان والاجتناب عن المحارم والطغيان والاتصاف بالتوحيد والتقوى وجميع لوازم الايمان خَيْرٌ لَكُمْ واولى بحالكم وانفع لنفوسكم في اولاكم وأخراكم مما أنتم عليه من عبادة التماثيل التي تنحتونها أنتم بأيديكم وتسمونها من تلقاء انفسكم آلهة دون الله ظلما وزورا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ اى ان كنتم من ذوى العقول المستكملين بالقوة النظرية المفاضة لكم من حضرة العلم الإلهي ليميزكم بها عن سائر الحيوانات ويعدكم بسببها للخلافة والنيابة عن الله. ثم نبه سبحانه على خطأهم في عبادة غير الله فقال إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ المستحق للعبادة بالاستقلال بلا شريك ومثال أَوْثاناً وتسمونهم آلهة ظلما وعدوانا وتعبدونهم مثل عبادة الله عنادا وطغيانا وَتَخْلُقُونَ اى تفترون وتنسبون الى الله بإثبات الشريك له سيما هذه التماثيل الباطلة العاطلة إِفْكاً كذبا وافتراء مجادلة ومراء مع ان هؤلاء التماثيل الهلكى لا تنفعكم ولا تضركم ولا ترزقكم ولا تمنع رزقكم بل إِنَّ مطلق الالهة الباطلة الَّذِينَ تَعْبُدُونَ أنتم وأمثالكم مِنْ دُونِ اللَّهِ الحقيق بالاطاعة والعبادة مطلقا سواء كانوا هؤلاء الجمادات او ذوى الحس والحركات من الحيوانات لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً يعنى امر الرزق مقصور على الله المتكفل لأرزاق عباده وليس في وسع غيره ان يرزق أحدا من عباده رزقا صوريا او معنويا وانما خص سبحانه الرزق بالذكر مع انهم لا يملكون سواه ايضا إذ هو اظهر للوازمهم وأتم لشدة احتياجهم اليه وان أردتم رزقا جسمانيا او روحانيا فَابْتَغُوا واطلبوا عِنْدَ اللَّهِ القادر المقتدر الرِّزْقَ الصوري المقوم لمزاجكم وكذا المعنوي الموصل الى مبدأكم ومعادكم لتتزودوا برزقه في اولاكم وأخراكم وَإذا سمعتم وعلمتم ان لا رازق لكم سوى الله اعْبُدُوهُ حق عبادته واعرفوه حق معرفته وَاشْكُرُوا لَهُ أداء لحق شيء من حقوق نعمه ونبذ من موائد فضله وكرمه واعلموا انكم إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ رجوع الظل الى ذي الظل والأمواج الى الماء وَإِنْ تُكَذِّبُوا اى ان تكذبوني في قولي ولم تقبلوا منى رسالتي ولم تتعظوا بنصحي وإرشادي فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ أمثالكم رسلهم مثلي مِنْ قَبْلِكُمْ ومن قبلي فصار تكذيبهم وبالا عليهم وسبب هلاكهم وحلول العذاب عليهم وهم ما بالوا على تكذيبهم وَانا ايضا لا أبالي بتكذيبكم

стр. 678

كما لم يبالوا بتكذيب أممهم إذ ما عَلَى الرَّسُولِ المبلغ المرسل من عند الله الى قوم إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ اى تبليغ ما أرسل به مكشوفا ظاهرا بلا سترة وحجاب وبلا زيادة ولا نقصان واما امر القبول والامتثال بالمأمور فوض الى مشية الله وارادته وقدرته له ان يتصرف في عباده بان يجعل الكافر الجاحد مؤمنا مطيعا والمطيع المؤمن كافرا نافيا للصانع العياذ بالله من سخطه وغضبه فالكل مقدور له مثبت في لوح قضائه حاضر في حضرة علمه المحيط لا يسأل عن فعله وحكمه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أَوَلَمْ يَرَوْا اى كمال قدرته ومتانة حكمه وحكمته كَيْفَ يُبْدِئُ اى يبدع ويظهر اللَّهُ القادر المقتدر الْخَلْقَ اى عموم المخلوقات والموجودات من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة ثُمَّ يُعِيدُهُ ويعدمه كما ابدأه وأظهره بمقتضى النشأتين نزولا وعروجا هبوطا وصعودا ظهورا وبطونا مدا وقبضا نشرا وطيا لطفا وقهرا جلالا وجمالا إِنَّ ذلِكَ التبديل والتحويل عَلَى اللَّهِ المتجلى في الأكوان في كل آن وبكل شأن يَسِيرٌ إذ لا يعرضه العسر والفتور ولا يعتريه العجز والقصور ولا يبرمه مر الدهور وكر الشهور وان أنكروا لك ولم يقبلوا منك تنويرك الذي جئت به قُلْ لهم يا أكمل ذوى الحكم والخلة سِيرُوا فِي الْأَرْضِ سير معتبر خبير فَانْظُرُوا بنظر الاعتبار والاستبصار كَيْفَ بَدَأَ واظهر الله العليم الحكيم الْخَلْقَ في اقطار الآفاق وكيف نشرهم فيها وبسطهم عليها بامتداد اظلال أسمائه وعكوس صفاته ثُمَّ اللَّهُ القادر المقتدر على كل ما أراد وشاء بالاختيار والاستقلال يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ المقابلة لنشأة الظهور والإبداء الا وهي نشأة الكمون والإخفاء والفناء والافناء بان قبض سبحانه حسب قهره وجلاله جميع ما مد من الاظلال وطوى نحوه عموم ما نشر من الآثار المترتبة على الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية إِنَّ اللَّهَ المتردي برداء العظمة والكبرياء عَلى كُلِّ شَيْءٍ من مقدوراته ومراداته قَدِيرٌ لا ينتهى قدرته عند مقدور بل له ان يتصرف فيه كيف شاء ومتى أراد ازلا وابدا ومن كمال قدرته ومقتضى حكمته ومشيته يُعَذِّبُ من عباده مَنْ يَشاءُ تعذيبه بلا سبق اسباب عادية حسب قهره وجلاله وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ برحمته الواسعة ايضا كذلك بمقتضى لطفه وجماله وَكيف لا يرحمهم سبحانه مع انه لا ملجأ لهم دونه ولا مرجع لهم سواه إذ إِلَيْهِ لا الى غيره ولا غير في الوجود معه تُقْلَبُونَ انقلاب الزبد هواء والأمواج ماء وَبعد ما ثبت ان منقلبكم اليه ومرجعكم نحوه فعليكم الإطاعة والايمان بالله وبوحدانيته طوعا بلا تذبذب وتلعثم إذ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ معاجزين الله المنتقم الغيور عن اخذكم ودرككم ما دمتم فِي الْأَرْضِ ولو تحصنتم فيها بقلاع حصينة وبروج مشيدة متينة وَلا فِي السَّماءِ ايضا لو تصعدتم إليها وترقيتم نحوها إذ الكل في قبضته وتحت قدرته بحيث لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء وَبالجملة ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ المبدئ المعيد المحيي المميت مِنْ وَلِيٍّ يتولى أموركم بالاستقلال ويتصرف فيكم بالإرادة والاختيار وَلا نَصِيرٍ ينصركم على أعدائكم ويدفع ضررهم عنكم. ثم قال سبحانه حثا لهم الى الايمان وترغيبا لهم الى التوحيد والعرفان وَالَّذِينَ كَفَرُوا وكذبوا بِآياتِ اللَّهِ الدالة على عظمة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته وَلِقائِهِ اى أنكروا بلقاء الله الموعود المعهود لأرباب الكشف والشهود أُولئِكَ البعداء المطرودون عن ساحة عز القبول هم الذين قد يَئِسُوا وقنطوا مِنْ رَحْمَتِي مع وسعتها ووفورها وَأُولئِكَ الأشقياء

стр. 679

المردودون المترددون في تيه الغفلة والغرور لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في النشأة الاولى والاخرى بحيث لا يرجى نجاتهم وخلاصهم منه أصلا وبعد ما قد بالغ الخليل الجليل صلوات الرحمن عليه وسلامه في الدعوة والإرشاد وأيد دعوته بأنواع المواعظ والتذكيرات واصناف الرموز والإشارات ونبذ من الوعيدات الهائلة والإنذارات المهولة رجاء ان يتنبهوا منها ويتفطنوا بها على ما هو الحق الحقيق بالاطاعة والاتباع فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ بعد استماعهم بمقالاته تفصيلا إِلَّا أَنْ قالُوا متفقين مجتمعين اقْتُلُوهُ حدا فانه قد اعرض عن دينكم وانصرف عن آلهتكم وشفعائكم أَوْ حَرِّقُوهُ فانه حرى بالإحراق لعظم جرمه وكبر ذنبه وبعد ما اتفقوا على إحراقه أوقدوا نارا عظيمة بحيث لا يمكن التقرب نحوها الا من مسافة بعيدة فوضعوه في المنجنيق فرموه بها إليها فَأَنْجاهُ اللَّهُ المراقب عليه المطلع على إخلاصه فأخلصه مِنَ النَّارِ سالما بل قد جعلها له بردا وسلاما وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الإنجاء والانقاذ مع ان طبع النار انما هي على الإحراق والافناء لَآياتٍ عظاما ودلائل جساما دالة على كمال قدرة الله ومتانة حوله وقوته لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بوحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته إذ هم المنتفعون بأمثال هذه الشواهد الساطعة والبراهين القاطعة وَبعد ما أنجاه الله منها وأيس من ايمان قومه قالَ لهم موبخا عليهم موعدا لهم بوحي الله والهامه إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ وأخذتم مِنْ دُونِ اللَّهِ المتوحد بالالوهية والربوبية أَوْثاناً وسميتموهم أنتم من تلقاء انفسكم آلهة لتكون أسبابا لكم توجب مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ وتوقع المحبة والمواخاة بين أظهركم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بان تجتمعوا عندها وتعكفوا حولها وتتقربوا عندها بالهدايا والقرابين ثُمَّ اعلموا ايها الضالون المنهمكون في بحر الغفلة والضلال والتائهون في تيه الجهل بالله وقدر حوله وقوته وقدرته انكم وان اتفقتم في شأنكم هذا على الايمان بهؤلاء الهلكى المنحطين عن درجة الاعتبار وتتألفون بسببها في الحيوة الدنيا الا انكم يَوْمَ الْقِيامَةِ المعدة للعرض والجزاء وحساب عموم ما صدر عنكم في نشأة الابتلاء يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ يعنى يقع التناكر والتخاصم بينكم فيكفر بعضكم بعضا وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إذ كل منكم ومن معبوداتكم تتلاعنون وتتخاصمون حال كونكم متبرئين إذ كل منكم متبرئ عن صاحبه تابعا ومتبوعا عابدا ومعبودا وَبالجملة مَأْواكُمُ النَّارُ ومرجعكم إليها بل أنتم وآلهتكم جميعا خالدون فيها لا نجاة لكم منها لا بأعمالكم وأفعالكم ولا بنياتكم وإخلاصكم فيها وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ليشفعوا لكم وينقذوكم منها بشفاعتهم وبعد ما قد أنجى سبحانه خليله صلوات الرحمن عليه وسلامه من النار وخرج منها سالما سويا بلا طوق ضرر وطريان الم فَآمَنَ لَهُ ابن أخته لُوطٌ ﵇ وهو أول من آمن له وأنكره غيره ونسبوه الى السحر والشعبذة وانواع الخرافات وَبعد ما ايس عن ايمان قومه وصلاحهم قالَ ابراهيم للوط ولزوجته سارة ابنة عمه إِنِّي بعد ما قد أيست عن ايمان هؤلاء الجهلة الضالين ونجوت عن مكرهم ومكائدهم بعون الله ولطفه وجوده مُهاجِرٌ متبعد عنهم إِلى ارض قد أمرني رَبِّي بالهجرة إليها واوحانى ان اذهب نحوها فعلىّ ان امتثل بامره سبحانه وامضى على موجب حكمه ووحيه إِنَّهُ سبحانه في ذاته وأسمائه وأوصافه وأفعاله هُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر على عموم ما قد جرى عليه مشيته وقضاؤه الْحَكِيمُ المتقن في جميع ما صدر عنه ارادة واختيارا وَبعد ما قد خرج ﵇ من سواد الكوفة مع لوط وزوجته وصل

стр. 680

الى حران ثم منها الى الشأم فنزل هو بفلسطين ونزل لوط بسدوم ثم لما استقر وتمكن متوطنا على فلسطين قد وَهَبْنا لَهُ من كمال لطفنا معه وفضلنا إياه ابنه إِسْحاقَ وَنافلته يَعْقُوبَ ليزيل بهما كربة الغربة ووحشة الجلاء مع ان هبة الولد إياه انما هي من محض الجود والعطاء على سبيل خرق العادة إذ هو في سن الكبر والكهولة وامرأته عاقر عقيم وَمن كمال لطفنا معه ايضا قد جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ مستمرة الى يوم الجزاء وَالْكِتابَ ايضا اى قد آتينا الكتاب لبعض منهم يعنى رسلهم وانما فعلنا معه كذلك لئلا ينقطع سلسلة كرامتنا عنه وتعظيمنا إياه بل يستمر الى انقراض النشأة الاولى وَبالجملة بعد ما هاجر إلينا خليلنا بالكلية وانخلع عن خلعة الإمكان بالمرة وتجرد عن كسوة الناسوت رأسا فقد آتَيْناهُ أَجْرَهُ اى اجر هجرته فِي الدُّنْيا على وجه لا ينقطع صيته عن الآفاق ابدا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ بقبولنا المقبولين في ساحة عز حضورنا وَمن كمال فضلنا وجودنا أرسلنا ايضا لُوطاً الى قوم قد انحرفوا عن جادة العدالة وطريق الاستقامة وضلوا عن سواء السبيل اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالَ لوط ﵇ لِقَوْمِهِ بوحي الله إياه والهامه إِنَّكُمْ ايها المفسدون المسرفون لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ اى الفعلة الذميمة التي ما سَبَقَكُمْ بِها وعليها لغاية هجنتها وقبحها ونهاية شنعتها وخباثتها مِنْ أَحَدٍ اى احد مِنَ الْعالَمِينَ اى من بنى نوعكم بل أنتم قد ابتدعتموها واخترعتموها من خباثة نفوسكم وشؤم شهوتكم ثم وبخهم وقرعهم سبحانه بهجنة أفعالهم وأعمالهم فقال أَإِنَّكُمْ ايها المسرفون المفرطون في اطاعة القوة الشهوية لَتَأْتُونَ وتطئون الرِّجالَ من ادبارهم وهم أمثالكم واشباهكم في الرجولية وَمع ذلك تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ المعهود يعنى سبيل التناسل والتوالد وتبطلون الحكمة المتقنة البالغة الإلهية المتعلقة بابقاء النوع وَمع ذلك تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ اى في مجالسكم ومحافلكم الْمُنْكَرَ اى هذه الفعلة الذميمة القبيحة المتناهية في الهجنة والفضاحة يعنى تأتون بها على رؤس الملأ والاشهاد بلا مبالات واستحياء وإخفاء بل تباهون وتفتخرون بإظهارها مع ان إعلان عموم المنكرات من أعظم الجرائم وأقبح الفواحش عند الله وعند عموم المؤمنين سيما هذا المنكر المستبدع المستقذر فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ بعد ما سمعوا منه التشنيع الشنيع والتقبيح الفضيح على ابلغ وجه وآكده إِلَّا أَنْ قالُوا متهكمين له مصرين على ما هم عليه من الفعلة المستهجنة والديدنة المستقبحة ائْتِنا يا لوط المتطهر المتنزه بِعَذابِ اللَّهِ الذي قد ادعيت نزوله علينا بسبب فعلتنا هذه إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك فنحن لم نمتنع عن فعلتنا بهذياناتك قط ولم نقبل منك وعظك ونصيحتك أصلا وبعد ما ايس لوط عن صلاحهم وإصلاحهم قالَ مشتكيا الى الله ملتجأ نحوه مستنصرا منه رَبِّ يا من رباني على الطهارة والنظافة انْصُرْنِي بحولك وقوتك بانزال العذاب عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ المسرفين المفرطين في الإفساد الخارجين عن مقتضيات حدودك وأحكامك وَبعد ما استحقوا الإهلاك والاستئصال بإصرارهم عليها وعدم امتناعهم عنها مع كونهم مجاهرين بها مفاخرين بإظهارها أخذناهم بغتة واستأصلناهم مرة وذلك لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى ليبشروه بهبة الولد والنافلة قالُوا مخبرين له على طريق الوحى من الله إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ يعنى سدوم وجاعلوها منقلبة على أهلها إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ خارجين عن مقتضى الحدود الإلهية قلابين الحكمة المتقنة البديعة الإلهية بالبدعة الشنيعة

стр. 681

وبعد ما سمع ابراهيم ﵇ منهم ما سمع قالَ مضطربا قلقا إِنَّ فِيها لُوطاً من خلص عباد الله قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ منك بِمَنْ فِيها بتعليم الله إيانا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ مما سيصيب قومه بأمر الله علينا بانجائه وإنجاء من معه من اهل بيته والمؤمنين له إِلَّا امْرَأَتَهُ قد كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ الهالكين لنفاذ قضاء الله على هلاكها بينهم وفيهم إذ هي منهم ومن جملتهم وفي عدادهم وزمرتهم وَبعد ما قد بشروا ابراهيم بما بشروا وأخبروا له ما أخبروا توجهوا نحو قرى قوم لوط ﵇ اذكر يا أكمل الرسل لَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ يعنى قد فاجأته المساءة والسآمة والكرب المفرط والكآبة بقدومهم وَضاقَ لوط بِهِمْ وبقدومهم ذَرْعاً يعنى قد ضاق طاقته بقدومهم ونزولهم إذ قد اشتد وصعب عليه حفظهم عن اهل القرية وضاقت طاقته عن تدبير خلاصهم منهم إذ هم قد جاءوا على صورة صبيان صباح وملاح أمارد في غاية الحسن وكمال اللطافة والجمال فهم مشغوفون بطلب أمثالهم بل هم ما رأوا أمثالهم قط وَلما تفرس الرسل من لوط الخوف والحزن والضجرة المفرطة وانواع الغموم والهموم العارضة له من إلمامهم إياه هكذا قالُوا له تفريجا لهمه لا تَخَفْ يا لوط من إضرار هؤلاء الضلال الهلكى بنا وَلا تَحْزَنْ من لحوق العار عليك بسببنا فانا رسل الله قد أرسلنا الله لنصرك وتأييدك وإنزال العذاب على قومك ولا تحزن ايضا من تعذيبنا لك ولمن اتبعك إِنَّا باذن ربنا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ مما يصيبهم من العذاب والهلاك إِلَّا امْرَأَتَكَ قد كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ الهالكين البتة هكذا ثبت في لوح القضاء وحضرة العلم المحيط الإلهي ثم فصلوا له العذاب وقالوا إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ اى عذابا ذا رجز اى قلق واضطراب يقلقل المعذب به ويضطرب به اضطرابا شديدا حين نزوله وحلوله وما ذلك الا بِما كانُوا يَفْسُقُونَ اى بفسقهم الذي قد باهوا به وافتخروا بسببه وقد تمادوا فيه مصرين مجاهرين وَبعد ما انتقمنا منهم وأخذناهم بفسقهم لَقَدْ تَرَكْنا وأبقينا مِنْها اى من حكاياتهم وقصصهم آيَةً بَيِّنَةً وعبرة ظاهرة لائحة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يعنى يستعملون عقولهم في مواضع العبر ويتأملون فيها معتبرين مستبصرين بها فاعتبروا يا اولى الأبصار واعلموا ان الأبرار والأخيار انما يتميزون عن الأشرار بالاعتبار والاستبصار. بصرنا الله بعيوب أنفسنا وجعلنا من زمرة المعتبرين بعيوب الغير بمنه وجوده وَمن مقتضيات حكمتنا ايضا قد أرسلنا إِلى مَدْيَنَ حين ظهر فيهم الخبط والخيانة في المكيلات والموزونات أَخاهُمْ شُعَيْباً ليصلح ما فيهم من المفاسد فَقالَ بعد ما بعثنا إليهم مناديا لهم ليقبلوه ويطيعوا امره يا قَوْمِ أضافهم الى نفسه لكمال العطف والشفقة وإمحاض النصح اعْبُدُوا اللَّهَ الواحد الأحد الحقيق بالعبادة والإطاعة وَارْجُوا من الله الْيَوْمَ الْآخِرَ اى ائتوا بالإيمان والإخلاص والأعمال الصالحة راجين من الله الثواب في يوم الجزاء وَعليكم ان لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ ولا تتحركوا عليها حال كونكم مُفْسِدِينَ لمصالح عباد الله وامور معاشهم ومعادهم وبعد ما قد سمعوا مقالته فَكَذَّبُوهُ فاجئوا لتكذيبه بلا مبالاة بشأنه وبكلامه فاستحقوا المقت العظيم فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ والزلزلة الشديدة مع الصيحة الهائلة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ التي بنوها للمعاش والحياة وصاروا فيها جميعا جاثِمِينَ مائتين هالكين باركين على ركبهم ساقطين على وجوههم وَاذكر يا أكمل الرسل عاداً المبالغين في الظلم والعدوان وَثَمُودَ المتجاوزين عن مقتضيات الحدود الإلهية بالبغي والطغيان وَقَدْ

стр. 682

تَبَيَّنَ لَكُمْ وظهر عندكم ولاح لديكم ايها الناظرون المعتبرون عتوهم واستكبارهم مِنْ مَساكِنِهِمْ الرفيعة وحصونهم الحصينة المنيعة وَذلك بأنهم قوم ضالون منحرفون عن جادة العدالة قد زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وحسنها في نفوسهم فاستبدوا بها فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ يعنى قد اعرضهم الشيطان بتزيين أعمالهم الفاسدة عليهم عن الصراط المستقيم والطريق المستبين وَهم كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ مجبولين على العبرة والبصارة متمكنين قادرين على الاستبصار والاعتبار فلم يعتبروا مع انه لم يسلب عنهم لوازم عقولهم بل قد لبس عليهم الشيطان أفعالهم وحسن عندهم أعمالهم فظنوا انهم مهتدون وهم ما كانوا مهتدين وَاذكر يا أكمل الرسل قارُونَ المباهي بالمال والنسب على اهل عصره وزمانه وَفِرْعَوْنَ المستعلى بالسلطنة والملك الى ان تفوه من غاية عتوه واستكباره بدعوى الألوهية لنفسه وَهامانَ وزيره وقد تفوق على اقرانه واهل زمانه بالثروة والجاه والنيابة الكاملة وعلو المكانة والمنزلة بين الأنام وَمن كمال تعنت هؤلاء المفسدين المسرفين المفرطين وغاية استعلائهم ونهاية كبرهم وخيلائهم لَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى مصحوبا بوحينا رسولا منا إياهم ليهديهم الى طريق الحق والصراط المستقيم فكذبوه ولم ينالوا به وبكلامه مع كونه مؤيدا من لدنا بِالْبَيِّناتِ القاطعة والمعجزات الساطعة فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ على الله وعلى رسله وعموم عباده وانصرفوا عن مطلق أوامره سبحانه ونواهيه منكرين وجوده وإرساله ووحيه عنادا ومكابرة وَمع ذلك ما كانُوا سابِقِينَ بنا حافظين نفوسهم عن عذابنا إياهم وانتقامنا عنهم فَكُلًّا منهم قد أَخَذْنا بِذَنْبِهِ الذي قد صار علة موجبة لبطشنا وانتقامنا بمقتضى عذلنا. ثم فصل سبحانه كيفية اخذه إياهم بعد ما أجمل فقال فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً اى ريحا عاصفة فيها حصباء رميناهم بها ورجمناهم كقوم لوط وعاد وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ الهائلة المهولة كثمود واصحاب مدين وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ كقارون وبما معه من زخارفه التي هي سبب بغيه وطغيانه وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا كقوم نوح وفرعون وهامان وجميع جنودهما واتباعهما وبالجملة ما أخذنا كلا منهم الا بذنوب عظيمة قد صدرت عنهم على سبيل الإصرار والاغترار وَما كانَ اللَّهُ المستوي على العدل القويم والطريق المستقيم وما صح عليه وما حق له سبحانه لِيَظْلِمَهُمْ ويأخذهم عدوانا بلا ذنب صدر عنهم موجب لاخذهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ اى وهم قد كانوا يظلمون أنفسهم باستجلاب عذاب الله عليها بارتكاب أسبابه وموجباته وعرضها على غضب الله بالخروج عن مقتضى أوامره ونواهيه وما ذلك الا من رسوخ التقليدات والتخمينات في نفوسهم واستقرار الرسوم والعادات المألوفة المأنوسة الموروثة لهم من أسلافهم في جبلتهم لذلك قد أصروا على ما هم عليه وانصرفوا عن سواء السبيل فكذبوا الرسل الهادين اليه وأنكروا عليهم عتوا واستكبارا فهلكوا خسارا وبوارا. ثم أشار سبحانه الى توهين عموم التقليدات والتخمينات الحاصلة من اهوية النفوس الخبيثة المعتادة بالماديات والعقول السخيفة المكدرة بكدورات الأوهام والخيالات فقال على سبيل التمثيل والتشبيه بمقتضى ادراك العوام توضيحا لهم ليتنبهوا على طريق الحق ويتفطنوا بالتوحيد القويم مَثَلُ القوم الَّذِينَ اتَّخَذُوا وأخذوا مِنْ دُونِ اللَّهِ المنزه عن الأشباه والأنداد مطلقا أَوْلِياءَ يوالونهم كولاية الله ويعبدونهم مثل عبادته متوهمين انهم شركاء معه سبحانه أم شفعاء لهم عنده سبحانه مع انهم في أنفسهم لا يتأتى منهم لا الشركة ولا الشفاعة قطعا انما مثلهم في هذا الاتخاذ والاعتقاد

стр. 683

كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ التي قد اتَّخَذَتْ بَيْتاً من لعابها ثم تركته واتخذت آخر مثلها ثم تركته وهكذا حالها دائما مع ان هذه الابنية والبيوتات المتخذة لا تدفع حرا ولا بردا ولا تصير مانعا له من العدو ولا حجابا حاجزا من المكاره إياه كهؤلاء المقلدين الضالين الذين اتخذوا بتقليد بعض الضلال المتقدمين منهم دينا ومذهبا ثم تركوه بتقليد آخر منهم بلا تمكن ولا تمرن وهكذا حالهم دائما مع ان الأديان المتخذة لا تكشف لهم طريق الحق ولا توصلهم الى معرفته وتوحيده ولا تنقذهم من ظلمات الأوهام والخيالات الباطلة العائقة عن مشرب التوحيد ولا تخلصهم من سجن الطبيعة وقيود الإمكان وأغلال الأنانيات وسلاسل الهويات والتعينات مطلقا قال سبحانه على سبيل التأكيد والمبالغة على وجه التنصيص والتصريح بالضعف والتوهين بعد ما قد كنى ورمز لينزجروا ويرتدوا عن ما هم عليه من الأديان الباطلة وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ وأضعف الابنية لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ إذ لا بيت أضعف منه واشرف الى التخريب والانهدام واقل وقاية من الحر والبرد ودفع الضر والشر لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وهنه وضعفه وعدم نفعه لما اتخذوها لكنهم لم يعلموا فاتخذوا جهلا وعنادا فسيعلمون عاقبة ما اتخذوا ووبال ما عبدوا. ثم قال سبحانه على وجه الوعيد إياهم آمرا لحبيبه ﷺ قل لهم يا أكمل الرسل إِنَّ اللَّهَ المطلع على ضمائر عباده وسرائرهم يَعْلَمُ بعلمه الحضوري ما يَدْعُونَ وما تعبدون مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ من الأوثان والأصنام على التفصيل إذ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه المحيط شيء مما ظهر وبطن وخفى وعلن ولكن يمهلكم ويؤخر اخذكم بها زمانا لحكم ومصالح قد استأثر الله بها ولم يطلع أحدا عليها وَكيف لا يأخذكم سبحانه بما صدر عنكم مع انه هُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر المقتدر على الانتقام بالقوة الكاملة والبطش الشديد الْحَكِيمُ المتقن في أفعاله بما لا مزيد عليه وَان استهزؤا معك يا أكمل الرسل متهكمين بما في كتابك من التمثيلات بأحقر الأشياء وأضعفها مثل الذباب والعنكبوت والنمل وغيرها لا تبال بهم وبتهكمهم واستهزائهم إذ تِلْكَ الْأَمْثالُ التي نَضْرِبُها لِلنَّاسِ المتمكنين في الغفلة والنسيان لنوضح لهم طريق التوحيد والعرفان وسبيل السلامة والايمان انما هي للموفقين منهم المجبولين على استعداد القبول وفطرة الإسلام لا لكل احد من اهل الغفلة والضلال التائهين المترددين في اودية الجهل واغوار الخيال لطلب المحال وفي هاوية الوهم بأنواع المراء والجدال وَلذلك ما يَعْقِلُها وما يفهم معناها وما يصل الى قعرها ومرماها إِلَّا الْعالِمُونَ العارفون الواصلون بما أفاض الله عليهم سبحانه من رشحات حضرة العلم المحيط الإلهي الى ينبوع بحر الوحدة الذاتية التي هي منبع عموم الكمالات اللائحة على صحائف الأنفس والآفاق وصفحات الأعيان والأكوان بكمال الاستقلال والاستحقاق وكيف لا قد خَلَقَ اللَّهُ المتجلى بجميع صور الكمالات واظهر بمقتضى الأسماء والصفات السَّماواتِ اى العلويات المتفاوتة المتخالفة باختلافات الأسماء والصفات المنتشئة المنعكسة من الذات الاحدية حسب الشئون والتطورات المترتبة على الكمالات المندمجة فيها وَالْأَرْضَ اى طبيعة العدم القابلة لجميع الانعكاسات المنعكسة من اشعة التجليات الذاتية غيبا وشهادة ظهورا وبطونا بروزا وكمونا جمالا وجلالا وبالجملة ما خلق واظهر سبحانه عموم ما ظهر وبطن الا ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع بلا شائبة شك فيه وارتياب إِنَّ فِي ذلِكَ الإيجاد والإظهار على الوجه الابدع الأبلغ والنظام الأتم الأكمل لَآيَةً عظيمة وحجة قاطعة لِلْمُؤْمِنِينَ الموحدين الموقنين بوحدة ذاته وكثرة أسمائه وصفاته حسب شئونه

стр. 684

وتطوراته على مقتضى تجلياته المتجددة الغير المتكررة ازلا وابدا اتْلُ يا أكمل الرسل ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ الجامع لما في النشأتين الحاوي لعموم الأمور الجارية في المنزلتين وتأمل في رموزه وإشاراته حق التأمل والتدبر واتصف بأوامره واجتنب عن نواهيه واعتبر من عبره وأمثاله وذق حلاوة معارفه وحقائقه بتوفيق الله وتيسيره وَأَقِمِ الصَّلاةَ وداوم على الميل المقرب نحو الحق بعموم جوارحك وأركانك بعد ان تنوي وتقصد في صلاتك هذه الانخلاع عن لوازم ناسوتك مطلقا محرما على نفسك عموم حظوظك من دنياك مقبلا على شأنك في أخراك متوجها الى قبلة الوحدة وكعبة الذات الاحدية وعرفات الأسماء والصفات وبالجملة مستأنسا بالله متشوقا الى لقاء الله مستوحشا عن غير الله مطلقا إِنَّ الصَّلاةَ على الوجه المذكور تَنْهى وتكف صاحبها عَنِ الْفَحْشاءِ المترتبة على القوى البهيمية من الشهوية والغضبية وَالْمُنْكَرِ المترتب على مطلق القوى البشرية المنغمسة بالعلائق المادية والشواغل الجسمية والجسمانية وَبالجملة لَذِكْرُ اللَّهِ المنزه في ذاته عن عموم الأكوان المبرى أوصافه وأسماؤه عن وصمة النقصان وسمة الحدوث والإمكان والاشتغال بذكره سبحانه حسب إطلاقه أَكْبَرُ شمولا وأتم توجها وقبولا وأكمل حصولا ووصولا سيما لو جذبتك العناية من لدن جنابه ووافقك التوفيق من عنده نحو بابه وَكن يا أكمل الرسل في نفسك متوجها الى ربك متقربا اليه على الوجه الذي أمرت به ولا تلتفت الى هذيانات اهل البدع والأهواء الفاسدة إذ اللَّهِ المطلع بجميع حالاتهم يَعْلَمُ منهم بعلمه المحيط الحضوري عموم ما تَصْنَعُونَ من الاستخفاف والاستهزاء وعدم المبالات بمعالم الدين والاستحقار بمراسم التوحيد واليقين فسيجازيهم سبحانه حسب علمه بهم وَبعد ما سمعتم ايها المؤمنون خطاب ربكم مع نبيكم لا تُجادِلُوا ولا تخاصموا أَهْلَ الْكِتابِ اى مع الأحبار الذين واظبوا على محافظة كتاب الله المنزل إليهم واستنبطوا منه الاحكام وامتثلوا بأوامره واجتنبوا عن نواهيه إِلَّا بِالَّتِي اى بالطريقة التي هِيَ أَحْسَنُ الطرق وابعد عن المكابرة واقرب الى الصواب هينين لينين معهم بلا قلق واضطراب وفضول من الكلام ما داموا منصفين معتدلين بلا ميل منهم وانحراف الى المكابرة والاغتساف إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ جهلا وعنادا وخرجوا عن منهج الصدق والصواب بغيا وعدوانا وَقُولُوا لهم بمقتضى ما أمرتم به في كتابكم آمَنَّا وصدقنا بِالَّذِي اى بالكتاب الذي أُنْزِلَ إِلَيْنا من عند ربنا بطريق الوحى لنبينا وَآمنا ايضا بالكتاب الذي أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ منه سبحانه ايضا وحيا على نبيكم وَكيف لا نؤمن بكتابكم ونبيكم إذ إِلهُنا الذي قد انزل علينا كتابا وَإِلهُكُمْ الذي انزل عليكم كتابا ايضا واحِدٌ لا تعدد فيه ولا شريك له يشاركه ولا مثل له يماثله ولا كفؤ له يشابهه وَبالجملة نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ مؤمنون منقادون مطيعون وبجميع ما حكم به سبحانه في كتبه وعلى ألسنة رسله مصدقون ممتثلون سوى ما قد نسخ في كتابنا حكمه وَكيف لا يقول لهم المؤمنون هكذا ولا يؤمنون بالكتب المنزلة من عندنا إذ كَذلِكَ وعلى وفق ذلك وطبقه قد أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل الْكِتابَ الجامع لما في الكتب السالفة لتكون أنت ومن تبعك من المؤمنين مصدقين بعموم الكتب والرسل بلا تفاوت وتفرقة بينهم فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ قبل كتابك يُؤْمِنُونَ بِهِ اى بكتابك ويصدقون بك ايضا كذلك على الوجه الذي وعدناهم في كتبهم من انا سنرسل رسولا من لدنا ومعه كتاب جامع مصدق

стр. 685

لجميع الكتب السالفة والرسل السابقة وان كان مشتملا على النسخ والتبديل لبعض احكام الكتب السابقة المنزلة على الأمم السالفة وَمِنْ هؤُلاءِ الاعراب مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ اى بهذا الكتاب وان لم يسبق لهم وعد لأنهم ليسوا من اهل الكتاب في وقت من الأوقات بل انما آمنوا به لكونهم من ارباب اللسن والفصاحة قد تأملوا في نظم ألفاظه العجيبة واتساق معانيه البديعة الغريبة قد انكشف لهم انه ما هو من جنس كلام البشر فجزموا بإعجازه وآمنوا له وصدقوه انه نازل من عند الله على سبيل الوحى بلا تردد وَبالجملة ما يَجْحَدُ وينكر بِآياتِنا الظاهرة الاعجاز العجيبة الشأن الباهرة البيان والتبيان إِلَّا الْكافِرُونَ الساترون نور الهداية والايمان بظلمة الكفر والطغيان عنادا ومكابرة وَكيف لا يكون القرآن وحيا معجزا نازلا من عند الله حسب ارادته واختياره إذ ما كُنْتَ أنت يا أكمل الرسل تَتْلُوا وتتعلم مِنْ قَبْلِهِ اى من قبل القرآن ونزوله مِنْ كِتابٍ من الكتب المنزلة وَلا تَخُطُّهُ ولا تنسخه أنت نفسك بِيَمِينِكَ على سبيل النقل يعنى ما كنت أنت بحال من الأحوال من اهل النسخ والإملاء والكتابة والإنشاء إذ هي مسبوقة بالتعلم وأنت أمي عار عن الدراسة والكتابة والتعلم مطلقا ولم يعهد منك أمثال هذه الأمور الدالة على الأخذ والاستبصار ولو كنت أنت متصفا بها وأهلا لها إِذاً لَارْتابَ شك وتردد الْمُبْطِلُونَ المجاهرون بالقول الزور الباطل في شأنك وشأن كتابك وكونه معجزا مع انه ما هو اى القرآن حينئذ ايضا محل ارتياب لأنه في نفسه وفي حد ذاته وباعتبار نظمه البديع ومعناه الغريب العجيب وأسلوبه المحكم معجز خارق للعادة عند من له ادنى دريبة بأساليب الكلام وبالجملة لا ينبغي ولا يليق لاحد من ذوى العقول السليمة والطباع المستقيمة سيما من ذوى الأذواق الصحيحة وارباب الوجدان ان يشك في اعجازه الا من هو متناه في البلادة وسخافة العقل وركاكة الفهم بَلْ هُوَ اى القرآن في نفسه وعند اولى العزائم الخالصة الصحيحة عن مطلق المكدرات المنافية لصفاء مشرب التوحيد آياتٌ شواهد ودلائل دالة على الحق بَيِّناتٌ واضحة الدلالات في أنفسها ثابتة فِي صُدُورِ العارفين المحققين الموحدين الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ اللدني المترشح من حضرة العلم المحيط الإلهي المفاض لهم منها حسب استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية تفضلا عليهم وامتنانا لهم وَبالجملة ما يَجْحَدُ وينكر بِآياتِنا سيما قواطع برهانها وسواطع تبيانها إِلَّا القوم الظَّالِمُونَ الخارجون عن مقتضى العلم والعين والكشف والشهود وَمن غاية بغضهم مع رسول الله ﷺ وشدة شكيمتهم وضغينتهم معه قالُوا مقترحين منه على سبيل التعجيز والإنكار لَوْلا وهلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ عجيبة غريبة مِنْ رَبِّهِ ان كان صادقا في دعوى الرسالة كالآيات التي أنزلت على الأنبياء الماضين مثل عصا موسى وناقة صالح ومائدة عيسى وسائر معجزاته وغير ذلك قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما ناشئا عن محض الحكمة خاليا عن وصمة الشبهة إِنَّمَا الْآياتُ كلها عِنْدَ اللَّهِ وفي قبضة قدرته وعلى مقتضى ارادته ومشيته متى تعلق ارادته بانزال آية منها أنزلها على من أرسله ارادة واختيارا وليس في وسعى وطاقتي ولا في وسع كل من مضى قبلي من الأنبياء والرسل إنزال ما طولبوا وإتيان جميع ما اقترحوا من الآيات وَهكذا حالي بكم ومقترحاتكم بل إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ من قبل ربي إياكم مُبِينٌ ظاهر الإنذار والتخويف وكل من الأنبياء والرسل الماضين قد كانوا ايضا كذلك بالنسبة الى أممهم إذ نحن معاشر الأنبياء والرسل

стр. 686

مالنا الا التبليغ والإنذار بمقتضى الوحى والإلهام الإلهي بلا تحريف منا وتبديل. واما امر التنزيل والإنزال من قبل الحق وكذا امر القبول منكم فمفوض الى القادر الحكيم موكول اليه سبحانه مترتب على توفيقه واقداره ثم قال سبحانه توبيخا على المقترحين وتقريعا لهم أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ ولم يغنهم من جميع الآيات التي اقترحوا عنك يا أكمل الرسل أَنَّا قد أَنْزَلْنا عَلَيْكَ من مقام لطفنا وجودنا الْكِتابَ الجامع لما في الكتب السالفة المحتوى على احوال النشأتين على الوجه الأبلغ الأتم مع انه لا يغيب عنهم بل يُتْلى عَلَيْهِمْ ويقرأ عندهم دائما ويدوم بينهم ابدا بخلاف سائر الآيات فإنها كما ظهرت غابت هي وأثرها ايضا وهو واثره حاضر عندهم غير مغيب عنهم وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الكتاب الذي هو في نفسه مشتمل على آيات عظام كثيرة الفوائد دائمة العوائد غير منقطعة آثارها عن من تمسك بها واستهدى بها لَرَحْمَةً اى نعمة عامة نازلة من قبل الحق وَذِكْرى اى عظة وتذكيرا شاملا لعموم عباده ملقاة من عنده سبحانه لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بتوحيده سبحانه وبكمالات أسمائه وصفاته ويصدقون المبدأ والمعاد والعرض والجزاء والفوز بشرف اللقاء وجميع ما وعد لهم الحق في النشأة الاخرى. ثم لما اتى قوم من ضعفاء المسلمين الى رسول الله ﷺ بكتف قد رقم فيها بعض اراجيف اليهود وأقاويلهم الكاذبة متبركين بها متيمنين لما فيها فقال ﷺ مبغضا عليهم كفى بضلال قوم ان يرغبوا عما جاء به نبيهم من قبل ربهم الى ما جاء به غير نبيهم وصدقوا ما جاء به غير نبيهم مع انه كذب مفترى وكذبوا ما جاء به النبي مع انه صدق كلمه مطابق للواقع فنزلت حينئذ تسلية لرسول الله ﷺ قُلْ يا أكمل الرسل للمكذبين لك وبما جئت به مصدقين لأعدائك وبما جاءوا به كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ايها المكابرون شَهِيداً حاضرا معى ومعكم مطلعا على حالي وحالكم وما جرى في ضميري وضمائركم إذ هو سبحانه يَعْلَمُ بعلمه الحضوري جميع ما ظهر فِي السَّماواتِ وَكذا ما ظهر الْأَرْضِ وكذا ما ظهر بينهما وبطن فيهما فيجازى كلامنا ومنكم بمقتضى علمه بنا وبكم وَكيف لا يجازى القادر المقتدر على انتقام عصاة عباده سيما الَّذِينَ آمَنُوا واطاعوا بِالْباطِلِ الذي هو بمراحل عن الحق والصدق وَكَفَرُوا بِاللَّهِ الحق الحقيق بالحقية المستوي على منهج الصدق والصواب بالعدالة دائما واعرضوا عن أطاعته وانقياده عنادا ومكابرة وبالجملة أُولئِكَ البعداء المطرودون عن ساحة عز الحضور والأشقياء المحرومون عن سعة رحمة الملك الرحيم الغفور هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران والخذلان لا يرجى ربحهم وتفريجهم منه أصلا وَمن غاية غيهم وضلالهم وانهماكهم في بحر الغفلة والغرور يَسْتَعْجِلُونَكَ تهكما واستهزاء بك بِالْعَذابِ الذي قد أنذرتهم به بوحي منا إليك بنزوله إياهم وحلوله عليهم وما ذلك الا من كمال انكارهم وتكذيبهم إياه وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى ووقت معين موعود مثبت في لوح قضائنا لَجاءَهُمُ الْعَذابُ اليوم فجاءة عاجلا لاستحقاقهم بنزوله وحلوله الا انه موقت موعود بمقتضى سنتنا القديمة المستمرة من ترهين الأمور على الأوقات المعينة المثبتة في لوح القضاء وحضرة العلم حسب الحكمة المتقنة قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا لا تغتروا بامهالنا إياكم زمانا وَالله لَيَأْتِيَنَّهُمْ ولينزلن عليهم العذاب الموعود بَغْتَةً اى دفعة وفجاءة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ولا يطلعون بنزوله وامارات إتيانه وحلوله ومن غاية عمههم وسكرتهم ونهاية انهماكهم في اسباب العذاب

стр. 687

ولوازمه وموجباته يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ظنا منهم ان ما هم عليه انما هو من موجبات الثواب واسباب النجاة والجنة بل هو عينهما إذ لا ايمان لهم بالنشأة الاخرى وما فيها وَكيف لا يعذبون في النشأة الاخرى ولا يدخلون النار إِنَّ جَهَنَّمَ المعدة الموعودة لهم فيها لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ محتوية عليهم الآن في النشأة الاولى ايضا باعتبار احاطة اسبابها وموجباتها التي هي سلاسل الأماني والآمال الامكانية المحيطة لهم دائما في عموم أوقاتهم وحالاتهم في النشأة الاولى المستجلبة لهم دركات النيران واودية الحرمان والخذلان في النشأة الاخرى اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ في الآخرة كغشى الأسباب التي هي عبارة من لوازم الإمكان إياهم اليوم الى حيث صاروا محفوفا بها مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ اى من أعلاهم واسفلهم محيطا بجميع جوانبهم وَيَقُولُ لهم حينئذ قائل من قبل الحق زجرا لهم وتوبيخا ذُوقُوا ايها المستكبرون المصرون على الكفر والعناد جزاء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ايها المعاندون المكابرون. ثم قال سبحانه على سبيل التعليم والتنبيه مناديا لخلص عباده الذين جل هممهم الإخلاص في عموم ما جاءوا به من الأعمال يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا أضافهم سبحانه الى نفسه تفضيلا وتكريما مقتضى ايمانكم الإخلاص والحضور معى والتوجه الى مع فراغ البال في كل الأحوال فان لم تجدوا الفرصة والفراغة المذكورة في ارض لا تستقروا فيها ولا تتمكنوا عليها بل عليكم ان تفروا وتخرجوا منها طالبين الجمعية والحضور إِنَّ أَرْضِي مقر عبادي وعبادتي واسِعَةٌ فان لم تجدوا لذة التوجه وحلاوة الرجوع الى في ارض ولم يتيسر لكم الجمعية الحاصلة المنعكسة من صفاء مشرب التوحيد ومن عالم العماء المفضى الى التجريد والتفريد فعليكم الخروج والجلاء منها وبالجملة فَإِيَّايَ في عموم الأماكن والأحوال فَاعْبُدُونِ عبادة مقارنة بالإخلاص والخضوع والخشوع والتبتل والتوكل والتفويض والرضاء والتسليم ولا تغتموا ولا تتحزنوا بالخروج عن الأوطان المألوفة والبلدان المأنوسة والبيوت الموروثة وبالجلاء منها خوفا من الموت الطبيعي ان كنتم مائلين إلينا راغبين نحونا مؤملين الفناء فينا والبقاء ببقائنا والفوز بشرف لقائنا إذ كُلُّ نَفْسٍ من النفوس المستحدثة بحدوث البدن ذائِقَةُ كأس الْمَوْتِ الطبيعي في اى مكان كان ثُمَّ بعد ما قد ذقتم حلاوة كأس الموت الإرادي ولذة الفناء الاختياري فقد خلصتم عن قيود الهويات العدمية المانعة عن الإطلاق الحقيقي فحينئذ إِلَيْنا لا الى غيرنا إذ لا موجود في فضاء الوجود سوانا تُرْجَعُونَ رجوع الأضواء الى الذكاء والأمواج الى الماء وَبعد ما رجع الموحدون الَّذِينَ آمَنُوا بالله موقنين وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مقارنين ايمانهم بها مخلصين فيها إلينا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ وننزلنهم تفضلا منا إياهم وتكريما مِنَ الْجَنَّةِ وفضاء الوحدة المعدة لأرباب المعرفة والتوحيد غُرَفاً اى لكل منهم غرفة معينة تصير له مقرا ومنزلا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق مملوة بمياه المكاشفات والمشاهدات على تفاوت طبقاتهم وقدر قابلياتهم خالِدِينَ فِيها دائمين غير متحولين عنها أصلا وبالجملة نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الجنة وما فيها مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ألا وهم أولو العزائم الصحيحة الَّذِينَ صَبَرُوا على عموم مشاق التكاليف الإلهية ومتاعب الطاعات واذيات الأعادي والجلاء عن الأوطان ومفارقة الأقران والخلان وغير ذلك مما جرى عليهم من طوارق الحدثان ومن تجدد الملوان وَمع ذلك هم في جميع حالاتهم وفي عموم ما جرى عليهم من المحن والمنح والترح

стр. 688

والفرح عَلى رَبِّهِمْ لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية يَتَوَكَّلُونَ وينسبون اليه عموم ما ينسبون لا الى الوسائط والوسائل إذ الكل منه بدأ واليه يعود بل الوسائل كلها مطوية عندهم منسية لديهم ودونهم بل نظرهم مقصور على المسبب الواحد الأحد الفرد الصمد القيوم المطلق الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد وبعد ما امر سبحانه المؤمنين بالجلاء ومفارقة الأوطان لكسب الجمعية وحضور القلب قالوا متحوفين عن العيلة والاضطرار في امر المعاش كيف نعمل ونعيش في بلاد الغربة ولا معيشة لنا فيها قال سبحانه تسلية لهم وازالة لخوفهم وَكَأَيِّنْ اى كثيرا مِنْ دَابَّةٍ تحرك على الأرض محتاجة الى الغذا المقوم لمراحها مع انها لضعفها وعدم مكنتها لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اى لا تطيق لحمل الرزق وادخاره وكسبه اللَّهُ المتكفل لأرزاق عموم عباده يَرْزُقُها من حيث لا يحتسب وَإِيَّاكُمْ ايضا كذلك وأنتم حسب حصة ناسوتكم من حملة الدواب التي قد تكفل الله برزقها بل من حلتها فلا تغتموا لأجل الرزق الصوري ولا تقولوا قولا به نزل بعلكم عن خالقكم ورازقكم وَلا تخطروا ايضا ببالكم أمثال هذا إذ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم الْعَلِيمُ بأحوالكم ونياتكم فعليكم ان تثقوا في كل الأحوال بالله المتولى لأموركم مفوضين كلها اليه متوكلين عليه متمكنين في توكلكم وتفويضكم راسخين فيه بلا تلعثم وتزلزل. ثم قال سبحانه قولا على سبيل الإلزام والتبكيت وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يا أكمل الرسل اى اهل مكة مع كفرهم وشركهم مَنْ خَلَقَ واظهر السَّماواتِ وَالْأَرْضَ من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة وَمن سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وصيرهما دائبين دائرين لَيَقُولُنَّ اللَّهُ المظهر للكائنات المستقل في إيجادها والمتصرف فيها بالاستقلال والاختيار حسب ارادته ومشيته وبعد ما أقروا بوحدة الحق وانتهاء مراتب عموم الكثرات والممكنات اليه سبحانه قل فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ والى اين ينصرفون عن توحيده والايمان به والامتثال بأوامره والاجتناب عن نواهيه الجارية على ألسنة رسله وكتبه وان صرفهم عن الايمان فقر اهله وفاقتهم قل لهم نيابة عنا اللَّهُ المطلع لاستعدادات عباده وقابلياتهم يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ حسب استعداده وقابليته وَيَقْدِرُ لَهُ ويقبض عنه ايضا بحسنه ارادة واختيارا إِنَّ اللَّهَ المتقن في عموم أفعاله بِكُلِّ شَيْءٍ صدر عنه ارادة واختيارا عَلِيمٌ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه شيء من لوازمه ومتمماته وجميع مقتضياته وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ايضا يا أكمل الرسل مَنْ نَزَّلَ مِنَ جانب السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ اى بواسطة الماء بمقتضى عادته المستمرة من تعقيب الأسباب بالمسببات الْأَرْضَ الجامدة اليابسة مِنْ بَعْدِ مَوْتِها وجمودها ويبسها طبعا لَيَقُولُنَّ طوعا اللَّهُ القادر المقتدر على مطلق الأحياء والاماتة ومع اعترافهم بوحدة الله وانتساب معظم الأشياء اليه سبحانه يشركون له غيره عنادا ومكابرة قُلِ يا أكمل الرسل بلسان الجمع بعد ما قد عصمك الحق عن الشرك وانواع الجهالات بافاضة العقل المفاض وهداك نحو توحيده بالرشد الكامل المكمل المميز لك أكمل التمييز حامدا به شاكرا لنعمه سيما نعمة العصمة عن الشرك والضلال الْحَمْدُ المطلق والثناء العام الصادر عن ألسنة ذرائر الكائنات المتذكرة لمبدئها ومنشئها طوعا وطبعا ثابت حاصل لِلَّهِ راجع اليه سبحانه اصالة إذ لا مظهر لهم سواه ولا موجد بل لا موجود في الوجود الا هو بَلْ أَكْثَرُهُمْ من نهاية غفلتهم وضلالهم عن الله لا يَعْقِلُونَ ولا يفهمون وحدة الحق واستقلاله في الآثار والتصرفات الواقعة في الأنفس والآفاق ولا يستعملون عقولهم المفاضة لهم للتدبر والتأمل

стр. 689

في هذا المطلب العزيز الشأن حتى يستعدوا لفيضان زلال الوحدة بطريق الكشف والشهود فخلصوا عن التردد في هاوية الجهالات واودية الأوهام والخيالات وما يعوقهم ويمنعهم عن الوصول الى هذا المطلب العلى والمقصد السنى الا المزخرفات الدنية الدنياوية الملهية للنفوس البشرية عن اللذات الروحانية مع انها ما هي في أنفسها الا اوهام وخيالات باطلة عاطلة فكيف ما يترب عليها من اللذات الوهمية والشهوات البهيمية كما قال سبحانه مشيرا الى فناء زخرفة الدنيا وعدم قرارها وثباتها وبقاء النشأة الاخرى وما يترتب عليها من اللذات الروحانية والدرجات العلية النورانية المتفاوتة علما وعينا وحقا على تفاوت طبقات ارباب الكشف والشهود ومقتضيات استعداداتهم الثابتة في لوح القضاء وحضرة العلم الإلهي وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا التي لا قرار لها ولا مدار حقيقة بل لا اصل لها أصلا سوى سراب قد انعكس من شمس الذات وامواج قد حدثت في بحر الجود إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ يعنى كما ان السراب يلهى ويخدع العطشان بالتردد والتبختر نحوه على اعتقاده انه ماء فيتعب نفسه ويزيد عطشه بل يهلكه كذلك الحياة الدنياوية ومزخرفاتها الفانية ولذاتها الزائلة الذاهبة الامكانية تتعب صاحبها طول عمره ولا ترويه ثم تميته بأنواع حسرة وضجرة وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ وما يترتب عليها من المكاشفات والمشاهدات اللدنية وانواع الفتوحات والكرامات الفائضة لأرباب التوحيد لَهِيَ الْحَيَوانُ اى هي مقصورة على الحياة الازلية الابدية التي لا يطرأ عليها زوال ولا يعقبها فناء ولا يعرض للذاتها القارة انصرام وانقضاء لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ويوقنون بها وبما فيها من الكرامات لم يؤثروا الدنيا الدنية وحياتها الفانية المستعارة عليها ولم يختاروا اللذات الوهمية البهيمية على لذاتها الازلية الابدية وبجهلهم وضلالهم قد اختاروا الفاني على الباقي والزائل على القار والشراب المهلك على الفرات المحيي. والعجب منهم ومن أحوالهم كل العجب انهم مع شركهم وإصرارهم على الكفر وعدم تأثرهم بالزواجر والدواعي الواردة من قبل الحق وظهور المعجزات المزعجة الى الايمان فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ متضرعين نحوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حينئذ كائنين كالمؤمنين المطيعين الخالصين في اطاعتهم وانقيادهم لله بلا شوب الشرك وشين الكفر فَلَمَّا نَجَّاهُمْ من كمال فضلنا وجودنا إياهم إِلَى الْبَرِّ وأخلصناهم من المهلكة آمنين إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ يعنى هم قد فاجؤا على الفور بعيد ما خلصوا عن التهلكة الى الشرك والطغيان وانواع العصيان والكفران قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا آمرا لهم على سبيل التهديد لِيَكْفُرُوا أولئك الكافرون بِما آتَيْناهُمْ من النعم العظام سيما نعمة الإنجاء عن مضيق البحر وَلِيَتَمَتَّعُوا أولئك المتمتعون بما عندهم من الحطام الدنياوية وبما هم عليه من الإصرار على الكفر والضلال فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ما يترتب على كفرانهم وتمتعهم وشركهم وضلالهم أَينكرون نعمنا وانعامنا إياهم أولئك الكافرون المبطلون وَلَمْ يَرَوْا ولم يعلموا سيما اهل مكة أَنَّا من مقام فضلنا وجودنا إياهم قد جَعَلْنا بلدهم يعنى مكة حَرَماً ذا حرمة عظيمة يأوى إليها الناس من جميع اقطار الأرض من كل مرمى سحيق وفج عميق آمِناً ذا أمن اهله من النهب والسبي وانواع الأذى وَيُتَخَطَّفُ اى يختلس ويؤخذ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ نهبا وسبيا وهم آمنون فيها مصونون عن المؤذيات كلها ومع ذلك يكفرون نعمنا ويشركون بنا غيرنا أَما يستحيون من الله أولئك المبطلون اما يخافون من بطشه أولئك المفسدون المسرفون فَبِالْباطِلِ العاطل الزاهق الزائل يعنى الأصنام والأوثان يُؤْمِنُونَ يطيعون ويعبدون مع انهم لا يقدرون

стр. 690

على جلب نفع ودفع ضر وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ القادر المقتدر القوى على البطش والانتقام يَكْفُرُونَ فسيعلمون أولئك الجاهلون الظالمون أى منقلب ينقلبون. ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والوعيد الشديد وَمَنْ أَظْلَمُ وأشد ظلما وعدوانا على الله وخروجا عن مقتضيات حدوده وعلى نفسه ايضا بالعرض على بطشه وعذابه سبحانه مِمَّنِ افْتَرى ونسب عَلَى اللَّهِ مراء وافتراء كَذِباً عظيما بان يشرك معه غيره مع انه ليس في الوجود الا هو ولا اله سواه أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ المطابق للواقع الثابت المرسل من عنده سبحانه يعنى الرسول ﵇ لَمَّا جاءَهُ كذبه فجاءة بلا تأمل وتدبر عنادا ومكابرة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ يعنى أيزعمون أولئك المسارعون المبادرون في التكذيب المجترئون على الإنكار انهم لا يدخلون في جهنم الطرد وجحيم الخذلان خالدين مخلدين بسبب هذا الجرم العظيم والافتراء البالغ نهاية البغي والعناد على الله وعلى كتابه ورسوله بل هم المستوجبون المقصورون على الخلود فيها ابدا مهانين صاغرين. ثم قال سبحانه بمقتضى سنته المستمرة من تعقيب الوعيد بالوعد وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا يعنى المؤمنين الموقنين الذين قد حازوا كلتا مرتبتي العلم والعين بمقتضى استعداداتهم الفطرية ثم اجتهدوا ببذل وسعهم حتى أفنوا أنفسهم فينا وبقوا ببقائنا باذلين مهجهم في سبيلنا تاركين مقتضى هوياتهم وأعيانهم الباطلة وتعيناتهم العاطلة في هويتنا وعيننا الحقة الحقيقية لَنَهْدِيَنَّهُمْ ولنوفقن عليهم سُبُلَنا ولنزيدن هديهم ورشدهم إلينا جذبا منا إياهم وعناية لهم وإحسانا معهم وَكيف لا يجذبهم الحق ولا يعتنى بشأنهم ويزيد برشدهم وتوفيقهم إِنَّ اللَّهَ المتجلى لخلص عباده بمقتضى أسمائه وصفاته لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ منهم ألا وهم الذين يحسنون الأدب مع الله ويجتهدون في افناء ذواتهم الباطلة في الحق سبحانه بعد ما قد تحققوا بمقام الكشف والشهود وتيقنوا ان لا موجود سواه ولا اله في الوجود الا هو بل اجتهدوا حينئذ ان يحكوا اظلال هوياتهم الباطلة وعكوس تعيناتهم الهالكة العاطلة عن دفتر الوجود مطلقا لئلا يبقى لهم لا اسم ولا رسم ولا عين ولا اثر بعد ما قد طرحوا بتوفيق الله وجذب من جانبه ما طرحوا من أباطيل التعينات ولوازم الهويات والأنانيات وعموم الاعتباريات عن دفتر الوجود وفضاء الشهود بحيث لم يبق لهم شائبة الهوية والأنانية والاثنينية مطلقا وحينئذ لم يبق للمعية والمصاحبة والمقارنة معنى أصلا بل لم يبق في الوجود وعين الشهود الا هو فثبت انه ما هو في الحقيقة الا هو ولا اله في الوجود سواه بل كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون وبالجملة لا يشوشك منطوقات الألفاظ والعبارات ان كنت من ارباب الرموز والإشارات هو يقول الحق وهو يهدى السبيل حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير خاتمة سورة العنكبوت عليك ايها المجتهد المتوجه نحو الحق المتعطش بزلال توحيده المعرض عن الباطل وعما يترتب عليه من غوائل الشيطان ووساوسه ان تجتهد أولا في استخلاص نفسك البشرية عن أمانيها مطلقا سيما انية امارتك المائلة الى انواع الفجور البغية على الله بأصناف الكفر والفسوق الغبية التي لا تفهم مقتضيات الوحدة وإشارات ارباب التوحيد أصلا العرية عن مبدأ المعارف والحقائق والأسرار والمكاشفات الواقعة في طريقه رأسا فلك ان تروضها بمتاعب الرياضات ومشاق التكليفات

стр. 691

الى ان تجعلها مطمئنة راضية بما جرى عليها من القضاء ثم بعد ما قد صارت امارتك مطمئنة راضية انبعث شوقك وافضى ذوقك مع جذب من جانب الحق الى ان تجعلها فانية في هوية الله مضمحلة في ذاته متلاشية في أوصافه وأسمائه بحيث لا يبقى لها عين ولا اثر فحينئذ قد صرت من زمرة المحسنين المهديين المرضيين الذين هم مع الله في عموم أحوالهم لا بطريق المصاحبة والمقارنة ولا بطريق الحلول والاتحاد على ما يخيلك الألفاظ والعبارات بل بطريق الصيرورة والرجوع اليه والفناء فيه والبقاء ببقائه جعلنا الله ممن اجتهد في طريق التوحيد وجاهد في نفسه في مسلك الفناء حتى بذلها في سبيل الله وأفناها في هويته سبحانه بمنه وجوده [سورة الروم] فاتحة سورة الروم لا يخفى على من تحقق بتجددات التجليات الإلهية وتبدلات شئونه وتطوراته لطفا وقهرا قبضا وبسطا جمالا وجلالا ان دوام العسر واليسر والنعمة والنقمة والجدب والرخاء والفرح والترح والغالبية والمغلوبية وكذا عموم الأوصاف المتضادة المتناقضة والأطوار المتخالفة الحاصلة من الإضافات والارتباطات الواقعة بين الشئون والتطورات الحادثة في الأكوان والأزمان بين اهل الزمان المحبوسين في مضيق الإمكان والحدثان انما هي بحسب التجليات الإلهية المقتضية لحدوثها كل ذلك وأمثاله مما لا يتصور امتداده ودوامه ابدا مستمرا بلا تبدل وتحول بل ما هي الا أعراض متبدلة متجددة على تعاقب الأمثال وتوارد الاضداد لا تبقى زمانين متطاولة بالنسبة الى قوم دون قوم بل يتداول ويتداور بينهم بمقتضى سنة الله وجرى عادته المستمرة كما هو المتعارف المشهور المشهود من جريان الزمان وتوارد الحدثان حسب تجدد الملوان لذلك رد الله سبحانه على مشركي مكة خذلهم الله فرحهم وسرورهم حين أخبروا بغلبة فارس الذين هم ليسوا من اهل الكتاب على الروم الذين هم نصارى من اهل الكتاب ومن غاية فرحهم وجهلهم قالوا للمؤمنين تفألا على سبيل التبجح نحن نظهر ونغلب عليكم كما قد ظهر إخواننا على إخوانكم فاغتم المؤمنون من هذه الواقعة الهائلة انزل الله سبحانه هذه السورة تسلية لهم وازالة لغمهم مخاطبا لحبيبه ﷺ مخبرا إياه متيمنا باسمه الكريم بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بمقتضى جماله وجلاله حسب ارادته واختياره الرَّحْمنِ لعموم عباده بسعة رحمته وسبقتها على غضبه الرَّحِيمِ لخواصهم بدوام الرحمة عليهم والرضاء عنهم والبسط معهم بلا تخلل الغضب والقبض [الآيات] الم ايها الإنسان الأفضل الأكمل اللبيب اللائق الملازم المداوم لاستكشاف غوامض اسرار الوجود ورقائق دقائق آثار الكرم والجود الفائض من الخلاق الودود على خواص مظاهر الأكوان وزبدة الأعيان المحبوسين في مضيق الإمكان ليوصلهم الى فضاء الوجوب وصفاء الكشف والشهود مخلصين عن عموم الأوهام والخيالات المستتبعة لانواع القيود قد غُلِبَتِ الرُّومُ وصاروا مغلوبين من عسكر الفرس فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وأقربها من ارض العرب وارض الروم وهي أذرعات الشام والأردن او فلسطين على اختلاف الروايات من اصحاب التواريخ وَلا تغتموا ايها المؤمنون من مغلوبية اهل الكتاب وضعفهم إذ هُمْ اى الروم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ ومغلوبيتهم من الفرس سَيَغْلِبُونَ ويصيرون غالبين عليهم آخذين انتقامهم عنهم على ابلغ وجه وأشده لا بعد زمان بعيد ومدة متطاولة بل فِي بِضْعِ سِنِينَ والبضع عند العرب من الثلاث الى التسع. روى ان فارس قد عزوا الروم فتلاحقا باذرعات الشأم

стр. 692

وهي اقرب ارض الروم من الفرس والعرب ايضا فلما اقتحما قد غلب الفرس على الروم فوصل الخبر الى مكة فأخذ المشركون في فرح عظيم وسرور مفرط شامتين بالمسلمين متطيرين بهم قائلين إياهم أنتم والنصارى اهل الكتاب ونحن وفارس أميون لا كتاب لنا وقد ظهر إخواننا على إخوانكم فنحن لنظهرن ايضا عليكم مثلهم عن قريب فنزلت الآية فقرأها ﷺ على ابى بكر رضى الله تعالى عنه فخرج عليهم فقال لهم لا يقرن الله أعينكم ايها المشركون المسرفون فو الله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين فقال له ابى ابن خلف كذبت اجعل بيننا أجلا اناحبك وأراهن معك فناحبه ابو بكر رضى الله عنه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعلا الأجل ثلاث سنين فأخبر ابو بكر رضى الله عنه ما جرى بينهما على رسول الله ﷺ فقال ﷺ والبضع ما بين الثلاث الى التسع فرجع رضى الله عنه الى ابى فزايده الجعل والمدة ايضا فجعلاها مائة قلوص الى تسع سنين ومات ابى من طعن قد طعنه رسول الله ﷺ يوم احد وظهر الروم على فارس يوم الحديبية او بدر فأخذ ابو بكر الخطر والرهن من ورثة ابى وجاء به الى رسول الله ﷺ فقال تصدق به فتصدق فهذا قبل تحريم القماز فلا يصح الاستدلال به على جواز العقود الفاسدة فهذه الآية من جملة دلائل النبوة والرسالة لكونها اخبارا عن الغيب بوحي الله والهامه إذ لِلَّهِ وفي قبضة قدرته واختياره الْأَمْرُ كله غيبا وشهادة دنيا وعقبا مِنْ قَبْلُ ازلا وَمِنْ بَعْدُ ابدا سرمدا لا راد لأمره ولا معقب لحكمه بل يفعل الله بمقتضى ارادته واختياره ما يشاء حسب حكمته ويحكم ما يريد بحوله وقوته وَيَوْمَئِذٍ اى حين غلب الروم على الفرس في رأس السنة التاسعة انجازا لما وعد به سبحانه المؤمنين يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ مثل ما فرح المشركون في الواقعة السابقة الا ان فرح المؤمنين انما هو بِنَصْرِ اللَّهِ وتأييده باهل الكتاب والملة وبتقوية دينه وكتابه النازل من عنده إليهم وبتغليبهم على اهل الهواء والآراء الباطلة وبالجملة فرحهم انما هو لتقوية الدين واهله لا لمجرد الغيرة والحمية الجاهلية والعصبية المفرطة كما هو ديدنة اهل الزيغ والضلال والا فالله سبحانه يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ من عباده بمقتضى مراده سواء كان من اهل الهداية او الضلالة او السعادة او الشقاوة لا يسأل عما يفعل وَكيف يسئل عن فعله سبحانه مع انه هُوَ الْعَزِيزُ المنيع ساحة عز حضوره عن ان يسأل عن كيفية أفعاله الغالب المقتدر بالقدرة الكاملة على عموم مراداته الرَّحِيمُ لعباده يتفضل عليهم حسب سعة رحمته إحسانا لهم وامتنانا عليهم وما ذلك النصر والتأييد الا وَعْدَ اللَّهِ وعهده الذي قد وعده وعهده مع المؤمنين حين اشتد عليهم الحزن وهجم الهموم وقت مغلوبية الروم غيرة منهم على دين الله واهله ومن سنته سبحانه انه لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ الذي وعده سيما مع خلص عباده وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المجبولين على الغفلة والنسيان لا يَعْلَمُونَ وعده ولا يؤمنون ولا يصدقون بانجازه الوعد وعدم خلفه في الموعود بل ما يَعْلَمُونَ وما يأملون الا ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعنى لا يترقى علمهم من المحسوسات الظاهرة مثل الحيوانات العجم بل هم أسوء حالا منها إذ هم مجبولون على التأمل والتدبر والتفطن بما هو المقصود منها ومن ظهورها والتفكر في حكمة إظهارها على هذا النمط البديع والنظم العجيب وفي كيفية ارتباطها بالأسماء الإلهية والأوصاف الذاتية وانعكاسها منها وهم مكلفون عليها قابلون لها بخلاف سائر الحيوانات وَبالجملة هُمْ عَنِ النشأة الْآخِرَةِ المعدة لكشف السدل والستائر ولرفع الحجب وعموم الاغطية والأستار المانعة عن ظهور الحق وانكشاف لقائه على جميع عباده بلا سترة وحجاب هُمْ غافِلُونَ غفلة مؤبدة تامة

стр. 693

بحيث لا يرجى منهم الاطلاع والوقوف أصلا لكثافة حجبهم وغلظ اغطيتهم واغشيتهم لذلك لم يتدرجوا من عالم الكون والفساد ومضيق الإمكان وما يترتب عليه من اللذات الوهمية البهيمية الى عالم الغيب وفضاء وجوب الوجود وما يترتب عليه من الكشف والشهود وانواع المعارف والحقائق الفائضة منه سبحانه بمقتضى الجود أَيقنعون بهذه المزخرفات الفانية أولئك الضالون الغافلون ويرضون أنفسهم بلذاتها الوهمية وشهواتها البهيمية وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ولم يتدبروا في آلائه ونعمائه الفائضة على الترادف والتوالي في الآفاق على الصور العجيبة والهيآت الغريبة سيما فِي أَنْفُسِهِمْ التي هي اقرب الأشياء إليهم وابدعها نظما وتركيبا وأعجبها ظهورا وبروزا وأشملها تصرفا وأكملها علما ومعرفة وأعلاها شأنا وأوضحها برهانا لذلك ما وسع الحق الا فيها وما انعكس أوصافه وأسماؤه الا منها وقد استحقت اى بخصوصها من بين سائر مظاهره سبحانه بخلعة خلافته ونيابته أيطمئنون بهذه المزخرفات الزائلة الخسيسة ولم يعبروا منها الى مباديها التي هي الأوصاف الذاتية والأسماء الإلهية مع انهم هم مجبولون على الجواز والعبرة بحسب اصل الفطرة ولم يعلموا ولم يتفطنوا انه ما خَلَقَ واظهر اللَّهُ الحكيم المتقن في عموم أفعاله السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى عموم العلويات والسفليات وَما بَيْنَهُما من البرازخ المتكونة من امتزاجاتهما واختلاطاتهما أثرا وأجزاء إِلَّا خلقا وإظهارا ملتبسا بِالْحَقِّ منتهيا اليه اعادة وإبداء لكنه قد قدر بقاءه وظهوره بوقت معين وَأَجَلٍ مُسَمًّى عنده وحين انقضائه قد انتهى اليه ورجع نحوه عموم ما ظهر من الموجود وانتفى وفنى جميع ما قد لمع عليه برق الوجود وحينئذ لم يبق في فضاء الوجود سوى الله الواحد القهار لعموم الاظلال والأغيار وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ المجبولين على النسيان والكفران بِلِقاءِ رَبِّهِمْ في النشأة الاخرى لَكافِرُونَ منكرون جاحدون عتوا واستكبارا مغرورين بما عندهم من حطام الدنيا ومزخرفاتها الفانية أَوَلَمْ يَسِيرُوا أولئك المسرفون المفرطون فِي اقطار الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا بنظر العبرة والاستبصار كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المسرفين الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ كعاد وثمود مع انهما قد كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً لدلالة آثارهم واطلالهم على غاية تمكنهم واقتدارهم وَمن دلائل قوتهم وتمكنهم انهم قد أَثارُوا الْأَرْضَ وقلبوها للمعادن وإخراج العيون والقنوات واجراء الأنهار واحداث الحرث والزراعات وغير ذلك وَبالجملة قد عَمَرُوها أولئك فيما مضى أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها هؤلاء اليوم فدل زيادة عمارتهم على ازدياد قوتهم وتمكنهم وبعد ما أفسدوا على أنفسهم بأنواع الفسادات مباهين بمالهم وجاههم قد قلبنا عليهم أمرهم وشأنهم حيث أرسلنا إليهم رسلا مؤيدين من لدنا بأنواع المعجزات والبينات وَلما جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ القاطعة والبراهين الساطعة فاجؤا أولئك الضالون المسرفون على تكذيبهم وانكارهم بلا تأمل وتدبر فيما جاءوا به فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر فاستأصلناهم وقلبنا عليهم أماكنهم وخربنا بلادهم ومزارعهم فَما كانَ اللَّهُ العزيز المقتدر الحكيم المتقن لِيَظْلِمَهُمْ ويفعل بهم فعل الظلمة بان يأخذهم بلا جرم صدر عنهم موجب لانتقامهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ اى يظلمون أنفسهم بعتوهم واستكبارهم على ضعفاء عباد الله وتكذيب خلص أنبيائه ورسله وأوليائه وخروجهم عن مقتضى حدوده الموضوعة على محض العدالة ثُمَّ بعد ما قد تمادوا في الغفلة والعصيان وتكذيب الرسل والطغيان على خلص العباد وانواع الإساءة والأذى عليهم قد كانَ عاقِبَةَ القوم الَّذِينَ

стр. 694

أَساؤُا مع الله ورسله والمؤمنين السُّواى والعذاب المخلد والنكال المؤبد المترتب على إساءتهم في النشأة الاخرى جزاء ما كانوا عليه في الاولى كل ذلك بسبب أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وأنكروا عليها واستخفوا بها وبمن أنزلت اليه وَكانُوا من غاية عتوهم واستكبارهم بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ويستسخرون وينسبون إليها ما لا يليق بشأنها افتراء ومراء وكيف يستهزؤن أولئك المسرفون المفرطون مع الله ورسلهم وآياته النازلة من عنده إذ اللَّهُ المستقل بالتصرف في ملكه وملكوته يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ويبدع المخلوقات أولا من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة ويظهرها في فضاء الوجود على الوجه المشهود ثم يميته ويعدمه ثُمَّ يُعِيدُهُ حيا كذلك في النشأة الآخرة بعد انقراض النشأة الاولى للعرض والجزاء ثُمَّ بعد العرض وتنقيد الأعمال إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ رجوع الأمواج الى البحر والاظلال الى الأضواء وَاذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ المعدة للعرض والجزاء يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ويسكتون حيارى سكارى تائهين هائمين مأيوسين عن الخلاص وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حينئذ مِنْ شُرَكائِهِمْ ومعبوداتهم شُفَعاءُ يجتهدون لخلاصهم وإنقاذهم من عذاب الله بمقتضى ما هو زعمهم إياهم بل وَهم حينئذ قد كانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ ينكرونهم ويكفرون بهم حيث يئسوا عنهم وقنطوا عن شفاعتهم وَاذكر يا أكمل الرسل يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ التي يحشر فيها الأموات ويعرضون على الله بما اقترفوا في دار الابتلاء من الحسنات والسيئات يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ويتحزبون حزبا حزبا فرقا فرقا فوجا فوجا كل مع شاكلته في الايمان والكفر والضلال والفساد فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالله وكتبه ورسله في دار الاختبار وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المؤيدة المؤكدة لإيمانهم فيها فَهُمْ حينئذ من كمال فرحهم وسرورهم متمكنون فِي رَوْضَةٍ ذات ازهار وأنوار وانهار يُحْبَرُونَ يتنزهون ويسرون مسرورين متنعمين وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وأنكروا بتوحيدنا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة من لدنا على رسلنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ اى أنكروا بلقائنا في النشأة الاخرى مع انا قد وعدناهم على ألسنة رسلنا إياهم فَأُولئِكَ الأشقياء المردودون عن ساحة عز الحضور فِي الْعَذابِ المؤبد المخلد مُحْضَرُونَ لا نجاة لهم منه أعاذنا الله من ذلك. ثم أشار سبحانه الى اسباب النجاة والخلاص عن الوعيدات الاخروية والى نيل لذاتها ومتنزهاتها الروحانية فقال فَسُبْحانَ اللَّهِ اى سبحوا الله الواحد الأحد الصمد المنزه المقدس عن شوائب النقص وسمات الكثرة والحدوث مطلقا ايها الأحرار المتوجهون نحوه في السرائر والإعلان سيما حِينَ تُمْسُونَ وتدخلون في المساء الذي هو أول وقت الفراغ عن الشواغل الجسمانية وفتح باب الخلوة مع الله والعزلة عن اسباب الكثرة مطلقا وَكذا حِينَ تُصْبِحُونَ وتدخلون في الصباح الذي هو نهاية مرتبة خلوتكم مع ربكم فاغتنموا الفرصة فيه وتعرضوا للنسمات المهبة بأنواع النفحات من قبل الرحمن ويمن عالم اللاهوت وبعد ما تزودتم بأنواع الفتوحات الروحانية في تلك الساعة الشريفة التي هي البرزخ بين اللذائذ الروحانية والجسمانية فاشتغلوا بالاشغال الجسمانية المتعلقة لتدبير المعاش النفساني وَلكم ايها المتوجهون نحو الحق ان تحمدوه وتشكروا نعمه وتداوموا على أداء حقوق كرمه في خلال أيامكم ولياليكم مطلقا سيما طرفي النهار إذ لَهُ الْحَمْدُ والثناء الصادر عن ألسنة عموم ما فِي السَّماواتِ وَما في الْأَرْضِ من المظاهر التي قد لمع عليها برق الوجود وانبسطت على صفحاتها اظلال شمس الذات واضواؤها وَلا سيما عَشِيًّا إذ هو وقت مصون عن الكثرة غالبا وَكذا حِينَ تُظْهِرُونَ وتدخلون وقت

стр. 695

الظهر ايضا إذ فيها يحصل الفراغ من امور المعاش غالبا وكيف لا تتوجهون نحو الحق ولا تديمون الميل اليه في اوقات حياتكم إذ هو سبحانه بمقتضى لطفه وجماله يُخْرِجُ ويظهر لكمال قدرته الْحَيَّ اى ذا الحس والحركة الارادية الذي هو انواع الحيوانات مِنَ الْمَيِّتِ الذي هو النطفة الجامدة وَكذا يُخْرِجُ ويظهر بمقتضى قهره وجلاله الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ يعنى يعقب الموت بالحياة والحياة بالموت وَمن كمال قدرته يُحْيِ الْأَرْضَ بأنواع النضارة والبهاء بَعْدَ مَوْتِها اى يبسها وجمودها وَكَذلِكَ اى مثل اعادة الحياة والنضارة للأرض وقت الربيع تُخْرَجُونَ أنتم من قبوركم ايها المنكرون للبعث والحشر واعادة المعدوم وَمِنْ آياتِهِ الدالة على كمال قدرته على الإعادة والإبداء على السواء أَنْ اى انه قد خَلَقَكُمْ وقدر جسمكم وصوركم أولا مِنْ تُرابٍ يابس ثم بدلكم أطوارا وادوارا لتكميلكم وتشريفكم امدادا وادوارا الى ان صوركم في احسن صورة وعدلكم في أقوم تعديل ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ اى بعد ما قد كمل صورتكم وتم تمثالكم وشكلكم واستوى بشريتكم ففاجأتم تَنْتَشِرُونَ في الأرض على سبيل التناسل والتوالد وبالجملة من قدر على ابدائكم على الوجه المذكور وابداعكم قدر على حشركم واعادتكم بل هي أسهل من الإبداء وَايضا مِنْ آياتِهِ الدالة على كمال قدرته أَنْ خَلَقَ وقدر لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ اى من جنسكم وبنى نوعكم أَزْواجاً نساء حتى توانسوا بهن وتستأنسوا معهن بل انما قدر لكم أزواجا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وتتوطنوا معها وتتألفوا بها توطنا خاصا وتألفا تاما بحيث يفضى الى التوالد والتناسل وَلهذه الحكمة البديعة قد جَعَلَ بَيْنَكُمْ وبينهن مَوَدَّةً ومحبة خاصة خالصة منبعثة عن محض الحكمة الإلهية بحيث لا تكتنه لميتها وكيفيتها أصلا وَمن كمال قدرته ومتانة حكمته جعل من امتزاج النطف النازلة منكم ومنهن الناشئة من المودة المذكورة والمحبة المقررة بينكم رَحْمَةً ولدا مثلكم محييا لكم اسمكم ورسمكم إِنَّ فِي ذلِكَ الخلق والإيجاد والتكميل والتمكين والتقدير والانبعاث والانزعاج وانواع التدبيرات الواقعة فيها والحكم العجيبة المحيرة لعقول ارباب الفطنة والذكاء لَآياتٍ عظاما ودلائل جساما لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ويتأملون في آثار صنائع الحكيم القدير العليم الخبير وَايضا مِنْ آياتِهِ العجيبة الشأن والبديعة البرهان خَلْقُ السَّماواتِ وإيجاد العلويات متطابقة متوافقة مع ما فيها من الكواكب المتفاوتة في الإضاءة والإشراق على أبدع نظام وابلغ التيام وانتظام بحيث لا يكتنه عند ذوى العقول واولى الافهام المجبولين على الاستعلام والاستفهام بل لا حظ لهم منها سوى الحيرة والعبرة وانواع الوله والهيمان وَخلق الْأَرْضِ ممهدة منبسطة مشتملة على جبال راسيات وبحار واسعات وانهار جاريات وأشجار مثمرات ومعادن وحيوانات واصناف من نوع الإنسان المجبول على صورة الرحمن الجامع لانواع التبيان والبيان واصناف الدلائل والبرهان ليصير مرأة مجلوة يتراءى فيها صور الأسماء والصفات الإلهية وتنعكس عنها شئونه وتطوراته وَايضا من آياته العظيمة اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وتكلمكم ولغاتكم ايها المجبولون على فطرة النيابة والخلافة الإلهية وَكذا اختلاف أَلْوانِكُمْ من السواد والبياض وانواع التخليطات والتشكيلات والهيآت الصورية والمعنوية التي قد اشتملت عليها هياكلكم وهوياتكم كل ذلك انما هو من آثار الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية التي قد امتدت وانبسطت على ماهيتكم وتعيناتكم اظلالها وآثارها وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ الانطباق والالتصاق وانواع الائتلاف والانتظام الواقعة في الأنفس على اغرب الوجوه

стр. 696

وأبدع الطرق لَآياتٍ دلائل واضحات وشواهد لائحات على كمال قدرة العليم الحكيم لِلْعالِمِينَ لكل من يتأتى منه التفطن والتدبر للمبدأ والمعاد من ارباب الهداية والرشد والتأمل والتفكر على سبيل النظر والاستدلال من الصنائع والآثار الى الصانع المؤثر المختار وَمِنْ آياتِهِ العظام ايضا مَنامُكُمْ واستراحتكم تقويما لا مزجتكم وتقوية لقواكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وقت عروض الفتور والعناء وَابْتِغاؤُكُمْ وطلبكم المعاش فيهما مِنْ فَضْلِهِ وسعة رحمته وجوده او على طريق اللف والنشر بان قدر لمنامكم زمان الليل وابتغائكم النهار إِنَّ فِي ذلِكَ التقدير والتدبير المبنى على كمال العطف واللطف لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ دلائل توحيده سبحانه سمع قبول ورضاء ويتأملون في حكمة الحكيم المدبر لمصالح عباده وما هو الأصلح لهم وَمِنْ جملة آياتِهِ ايضا انه سبحانه يُرِيكُمُ الْبَرْقَ المنبئ عن هجوم البلاء ونزول المطر ايضا انما أراكم سبحانه هكذا خَوْفاً من خشية الله وحلول غضبه وعذابه وَطَمَعاً لنزول فضله ورحمته وانما فعل سبحانه معكم كذلك لتكونوا دائما وفي كل حين من الأحيان وحال من الأحوال خائفين من سخطه وبطشه راجين من فضله وجوده وَيُنَزِّلُ مِنَ جانب السَّماءِ ماءً بعد ما أراكم البرق المخيف المطمع فَيُحْيِي بِهِ اى بالماء النازل الْأَرْضَ اليابسة بَعْدَ مَوْتِها جمودها ويبسها إِنَّ فِي ذلِكَ الاراءة والإخافة والأطماع والإنزال والأحياء لَآياتٍ ودلائل قاطعة دالة على حكمة القادر المختار المستقل بالتصرف والآثار لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ويستعملون عقولهم في التفكر والتدبر في المصنوعات العجيبة والمخترعات البديعة الصادرة من الفاعل المطلق بالإرادة والاختيار وَمِنْ آياتِهِ المحكمة ايضا أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ يعنى من جملة آياته الظاهرة الباهرة قيام السماء والأرض بلا عمد وأوتاد وأسانيد وقرارهما ومدارهما في مكان معين بلا تبدل وتحول وانما هو بِأَمْرِهِ وحكمه وعلى مقتضى ارادته ومشيته بحيث لا يسع لهما الخروج عن امره وحكمه أصلا ثُمَّ بعد ما تأملتم نفاذ حكمه سبحانه ومضى قضائه في معظم المخلوقات فلكم ان تتيقنوا إِذا دَعاكُمْ وقت ارادة اعادتكم واحيائكم دَعْوَةً متضمنة لاخراجكم مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ يعنى بعد ما أسمعكم سبحانه بكمال قدرته مضمون دعوته إليكم قد فاجأتم أنتم الى الخروج منها احياء بلا تراخ ومهلة تتميما لسرعة نفوذ قضائه وَكيف لا تسمعون ولا تخرجون منها احياء بعد ما تعلق ارادته سبحانه باخراجكم واعادتكم إذ لَهُ سبحانه ملكا وتصرفا ابداعا وإنشاء عموم مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة المغمورين في آلاء الله ونعمائه المستغرقين بمطالعة وجهه الكريم وَكذا عموم من في الْأَرْضِ من ارباب المحبة والولاء الوالهين التائهين في بيداء الألوهية الفانين الحائرين في فضاء الربوبية الهائمين في صحراء الوجود لذلك كُلٌّ ممن أشرقت عليه شمس الذات ولاح عنده نور الوجود ولمع دونه بروق التجليات الحبية اللطفية لَهُ قانِتُونَ منقادون مطيعون طوعا وطبعا وَكيف لا ينقادون ولا يطيعون لحكمه أولئك المسخرون المقهورون تحت صولجان قضائه وقدره مثل الكرات مع انه هُوَ القادر المقتدر الَّذِي يَبْدَؤُا ويظهر الْخَلْقَ من كتم العدم في فضاء الوجود بمقتضى اللطف والجود ثم يعدمه ويميته بمقتضى قهره وجلاله ايضا فيه في النشأة الاولى ثُمَّ يُعِيدُهُ ايضا على ما ينشئه في النشأة الاخرى إظهارا لكمال قدرته ومقتضى حكمته كي يظهر مصالح الإبداء والإبراز في النشأة الاولى ويلوح فوائد ما يترتب عليها في النشأة الاخرى يوم العرض والجزاء وَاهل

стр. 697

الأهواء والآراء الباطلة ينكرون الإعادة مع انه هُوَ اى الإظهار بعد الاعدام أَهْوَنُ وأسهل عَلَيْهِ سبحانه بالنسبة الى عقولهم السخيفة وأحلامهم الضعيفة من الإبداء والإبداع عن لا شيء وبلا سبق مادة وان كان نسبة قدرته وارادته سبحانه الى كل ما دخل تحت حيطة حضرة علمه وخبرته على السواء إذ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر وكرر النظر تكرارا هل ترى من فطور وفتور وقصور في مبدعات الحق ومخترعاته ما ترى البتة وَكيف تتفاوت دون قدرته الأشياء إذ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى واليد الطولى والتصرف التام والاقتدار العام الشامل لكل ما لاح عليه برق الوجود سواء كان فِي السَّماواتِ اى العلويات التي هي عالم الأسماء والصفات باعتبار التنزلات من مرتبة الاحدية والعماء الذاتي التي لا يسعها ادراك مدرك وخبرة خبير وَالْأَرْضِ اى السفليات التي هي عبارة عن عالم الهيولى والطبيعة القابلة لان تنعكس منها اشعة أنوار العلويات المتفاوتة حسب تفاوت الشئون والتطورات المترتبة على الأسماء والصفات المتخالفة المتكثرة بحسب التجليات الحبية الإلهية حسب الكمالات الذاتية المشتمل عليها الوجود المطلق وَكيف لا يكون له سبحانه المثل الأعلى إذ هُوَ الْعَزِيزُ الغالب في ذاته قد تفرد بوجوب الوجود ودوام البقاء المنيع فناء عز سرادقات سطوته وسلطنته عن وصمة الكثرة وسمة التعدد والحدوث وكذا عن شوب النقص والقصور مطلقا الْحَكِيمُ المتقن في عموم أفعاله وآثاره بالاستقلال حسب حيطة حضرة علمه المحيط بجميع وجوه الكمالات اللائقة لكل ذرة من ذرائر الكائنات لذلك قد ضَرَبَ لَكُمْ سبحانه تبيينا وتنبيها مَثَلًا متخذا منتزعا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ايها المشركون المتخذون لله شركاء من مصنوعاته وعبيده إذ هي اقرب الأشياء إليكم وأوضحها عندكم هَلْ لَكُمْ ايها الأحرار المتصرفون بالاستقلال في منسوباتكم متصرف آخر سواكم سيما مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وحصلت من اكسابكم من العبيد والإماء الذين من جملة منسوباتكم وهل يصح ويجوز لمملوكاتكم ان يكونوا ويعدوا مِنْ شُرَكاءَ معكم يتصرفون أمثالكم فِي ما رَزَقْناكُمْ اى في أموالكم المنسوبة إليكم مثل تصرفكم بلا اذن منكم وبالجملة فَأَنْتُمْ ايها المالكون وكذا ما ملكت ايمانكم فِيهِ اى في التصرف والاحتياج الى الأموال سَواءٌ إذ هم أمثالكم فباىّ شيء تحتاجون اليه أنتم هم ايضا محتاجون اليه بلا تفاوت لكن أنتم تَخافُونَهُمْ وتحذرون منهم ان يتصرفوا في أموالكم واكسابكم بلا اذن منكم كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ اى كخوفكم من سائر الأحرار من بنى نوعكم يعنى تخافون أنتم على تضييع أموالكم منهم مثل خوفكم من احرار بنى نوعكم بل أشد من ذلك وبالجملة أنتم تخافون منهم ان تساووا معكم في التصرف في أموالكم فلذلك منعتموهم ولم ترضوا بتصرفهم وشركتهم معكم في حطام الدنيا فكيف ترضون أنتم لنا شركة عبيدنا ومخلوقاتنا بل أدونهم وأرذلهم سيما في أخص اوصافنا الذي هو الوهيتنا وربوبيتنا والتصرف في ملكنا وملكوتنا ايها الغافلون المسرفون المفرطون في علو شأننا والجاهلون بقدرتنا وقدر مكانتنا وبالجملة كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ اى دلائل توحيدنا وبراهين وحدتنا وتفردنا لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ويستعملون عقولهم في تأمل الآيات والتدبر فيها على وجه العبرة والاستبصار فاعتبروا يا اولى الأبصار بَلِ اتَّبَعَ الجاهلون الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالخروج عن مقتضيات الآيات الواضحة والبراهين اللائحة أَهْواءَهُمْ الباطلة وآراءهم الزائغة الزائلة مع ان اتباعهم بها بِغَيْرِ عِلْمٍ فائض عليهم من المبدأ الفياض بل عن جهل مركوز

стр. 698

في جبلتهم مركب مع طبيعتهم في اصل فطرتهم بمقتضى الشقاوة الازلية والغباوة الفطرية الجبلية وإذا كان الأمر على ذلك فَمَنْ يَهْدِي ويرشد مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وأراد ضلالهم وقد أثبته في لوح قضائه وحضرة علمه المحيط من جملة الضالين وزمرة الجاهلين وَما لَهُمْ بعد ما نفذ القضاء على شقاوتهم وضلالهم مِنْ ناصِرِينَ ينصرون ويرشدونهم الى سبيل الهداية وطريق السعادة والرشد وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل ان الهداية والضلال انما هو مفوض الى الكبير المتعال فَأَقِمْ وَجْهَكَ فاستقم واعتدل بوجه قلبك الذي فاض عليك من ربك تتميما لتكميلك وتخليصك عن قيود بشريتك وأغلال طبيعتك لتصل به الى مقرك من التوحيد الذاتي الذي قد جبات لأجله لِلدِّينِ النازل لك من عند ربك تأديبا لك يا أكمل الرسل وتديينا لمن تبعك وإصلاحا لشأنك وشأن متابعيك حَنِيفاً اى حال كونك منصرفا مائلا من عموم الأديان الباطلة والآراء الفاسدة مطلقا واعلم يا أكمل الرسل ان فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها وصبغتهم التي قد صبغهم بها اصلية جبلية لا تزول عنهم أصلا إذ لا تَبْدِيلَ ولا تغيير ولا تحويل لِخَلْقِ اللَّهِ الحكيم العليم وتقديره الذي قد قدره بمقتضى علمه وحكمته كما قال عز شأنه ما يبدل القول اى الحكم لدىّ ذلِكَ الدِّينُ المنزل عليك من ربك يا أكمل الرسل لوقاية الفطرية الاصلية المذكورة ورعاية لوازمها المساوية لها من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة المرضية هو الدين الْقَيِّمُ والطريق الأعدل الأقوم الموصل الى توحيده سبحانه على الاستقامة بلا عوج وانحراف وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المجبولين على الغفلة والنسيان لا يَعْلَمُونَ حقيته ولا يفهمون استقامته فكيف إيصاله الى التوحيد فعليكم ايها المحمديون ان تتدينوا بدين الإسلام وتطيعوا بجميع ما فيه من أوامر الله ونواهيه مُنِيبِينَ إِلَيْهِ راجعين نحوه بالإخلاص التام وَاتَّقُوهُ واحذروا عن محارمه خائفين من انتقامه بالخروج عن مقتضيات حدوده ومع ذلك لا تقنطوا من وسعة رحمته وجوده وَبالجملة أَقِيمُوا الصَّلاةَ واديموا الميل نحوه في عموم أوقاتكم وحالاتكم سيما في الأوقات المكتوبة والساعات المحفوظة وَلا تَكُونُوا ايها المنيبون المتوجهون نحو الحق المتدينون بدين الإسلام مِنَ الْمُشْرِكِينَ المشركين له سبحانه غيره في حال من الأحوال ولا تنسبوا الحوادث الكائنة في ملكه وملكوته الى غيره من الاظلال والأسباب الهالكة المستهلكة في شمس ذاته مع كمال توحده واستقلاله في الوجود والتصرفات الواقعة في مظاهره مطلقا وبالجملة لا تكونوا ايها المحمديون المتدينون بالدين النازل من عند الله لحفظ فطرتكم الاصلية التي هي التوحيد الذاتي مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ الوحدانى الذي هو وقاية توحيدهم فرقا مختلفة وابتدعوا فيه مذاهب متفاوتة متخالفة فتشعبوا شعبا كثيرة وَكانُوا شِيَعاً يعنى هم بسبب هذا الاختلاف والافتراق قد صاروا شيعا وأحزابا كثيرة يشايع ويروج كُلُّ حِزْبٍ وشيعة منهم بِما لَدَيْهِمْ وبما هو عندهم من المذهب المستبدع المستحدث من تلقاء نفوسهم فَرِحُونَ مسرورون مدعون كل منهم حقية ما هم عليه من الباطل الزائع الزائل حمية وغيرة عليه بلا سند عقلي وشرعي. ثم أشار سبحانه الى ما حداهم وأغراهم على هذا الزيغ والضلال من الخصلة الذميمة المركوزة في جبلتهم فقال وَإِذا مَسَّ النَّاسَ المجبولين على الكفران والنسيان ضُرٌّ اى شدة وبلاء ومصيبة وعناء يزعجهم الى الدعوة والتوجه نحو الحق لكشفه وتفريجه دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ مائلين عن الأسباب العادية مطلقا مسترجعين نحوه عن محض الندم والإخلاص ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ اى

стр. 699

من الحق يعنى بعد ما أنجاهم وأخلصهم من الضر المزعج ومن آثاره ولوازمه المستتبعة رَحْمَةً خلاصا لهم وعطفا إياهم ناشئا من لدنه سبحانه بمقتضى اللطف والجمال إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ اى فاجأ فريق منهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ اى يشركون بربهم وينسبون الكشف والتفريج الى الأسباب والوسائل العادية بل الى ما اتخذوها وأخذوها من دون الله من الآلهة الباطلة التي اعتقدوها شفعاء ينقذونهم عن أمثاله عدوانا وظلما وانما فعلوا ذلك ونسبوا ما نسبوا الى الاظلال الباطلة لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وأعطيناهم من النعم العظام والفواضل الجسام ولم يشكروا لها وما ذلك الا من خبث طينتهم وتركب جهلهم المركوز في جبلتهم قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا فَتَمَتَّعُوا ايها الكافرون لنعمنا وفواضل لطفنا وكرمنا وتعيشوا بها بطرين مسرورين هكذا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة تمتعكم وكفرانكم وما يترتب عليهما من انواع العذاب والنكال إذ سيأتى عليهم زمان يعترف كل منهم جميع ما جرى عليه من الكفران والعصيان وقت رؤيتهم احوال الكافرين واهوالهم في النار أَمْ أَنْزَلْنا يعنى بل قد أنزلنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً ملكا ذا سلطنة وسطوة فَهُوَ يَتَكَلَّمُ معهم ويذكرهم بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ اى بجميع ما صدر عنهم من الشرك والكفران وانواع الفسوق والعصيان بلا فوت شيء منها فنجازيهم حينئذ بمقتضى ما اعترفوا وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً وأعطيناهم نعمة وسعة في الرزق وصحة في الجسم على الترادف والتوالي فَرِحُوا بِها وافرطوا في السرور الى ان بطروا وباهوا مفتخرين بما عندهم من الأسباب وَإِنْ تُصِبْهُمْ أحيانا سَيِّئَةٌ مثل جدب وعناء ومصيبة وبلاء تسؤهم مع انه انما أصابهم ما أصابهم بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وبشؤم ما اقترفوا من المفاسد والمعاصي الموجبة للبطش والانتقام فانتقمناهم لذلك إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ يعنى فاجؤا حين البأس على اليأس والقنوط منا بحيث لا يتوجهون إلينا لكشفها وتفريجها بل لا يعتقدون قدرتنا على كشفها ورفعها مع انهم قد جربوا كشفنا عنهم مرارا وتفريجنا إياهم تكرارا أَينكرون قدرتنا أولئك المنكرون المفرطون وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على انواع اللطف والكرم كيف يَبْسُطُ ويفيض الرِّزْقَ الصوري والمعنوي لِمَنْ يَشاءُ بسطه إياه وَكيف يَقْدِرُ ويقبض عمن يشاء قبضه عنه حسب حكمته المتقنة إِنَّ فِي ذلِكَ القبض والبسط لَآياتٍ دلائل واضحات وشواهد لائحات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بتوحيد الحق وبكمالات أسمائه وأوصافه الذاتية الكاملة الجارية آثارها على مقتضى الحكمة والعدالة الإلهية المعبر عنها بالصراط القويم والقسطاس المستقيم وبعد ما قد أشار سبحانه الى بسط الرزق على من يشاء وقبضه عمن يشاء ارادة واختيارا أراد ان يشير الى مصارفه فقال مخاطبا لحبيبه ﷺ إذ هو جدير بأمثال هذه الخطابات العلية الإلهية فَآتِ وأعط يا أكمل الرسل من فواضل ما رزق لك من النعم ذَا الْقُرْبى المنتمين إليك من قبل أبويك حَقَّهُ اى ما يليق به وبحفظه ورعاية غبطته فهم اولى وأحق بالرعاية من غيرهم وَبعد أولئك فالاولى بالرعاية الْمِسْكِينَ وهو الذي قد اسكنه الفقر في هاوية الهوان وزاوية الحرمان وَبعده ابْنَ السَّبِيلِ وهم الذين فارقوا عن الأموال والأوطان والأقران والخلان والاخوان بأسباب قد أباحها الشرع لهم ذلِكَ الصرف المذكور والانفاق المأمور خَيْرٌ في الدنيا والآخرة لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ بأموالهم وصرفها وَجْهَ اللَّهِ وابتغاء مرضاته وخوضا في مواظبة

стр. 700

شكره أداء لحق شيء من جلائل نعمه وفواضل كرمه وَبالجملة أُولئِكَ الباذلون أموالهم في سبيل الله على الوجه الذي أمرهم الحق به هُمُ الْمُفْلِحُونَ المقصورون على الفوز والفلاح من عنده سبحانه. ثم أشار سبحانه الى احوال الجهلة الذين قد بذلوا أموالهم لطلب الجاه والثروة والرياء والسمعة وازدياد مال صديقه بلا ارادة وجه الله وابتغاء رضوانه وطلب الثواب منه بل لمجرد الكبر والخيلاء فقال وَما آتَيْتُمْ وأعطيتم مما عندكم مِنْ رِباً اى زيادة حاصلة من أموالكم بطريق الربا انما أعطيتم وآتيتم ايضا لِيَرْبُوَا ويزيد فِي أَمْوالِ النَّاسِ مكافاة لهم أو نية فاسدة اخرى بلا امتثال امر الله وطلب مرضاته فَلا يَرْبُوا يعنى فاعلموا انه لا يزيد لكم صرفكم هذا عِنْدَ اللَّهِ شيأ من الثواب بل لا يقبل صرفكم هذا عنده سبحانه أصلا لفساد اغراضكم ونياتكم فيها وَاما ما آتَيْتُمْ وأعطيتم للفقراء الفاقدين وجه المعاش مِنْ زَكاةٍ قد فرضها سبحانه عليكم امتثالا لأمره واطاعة لدينه على الوجه الذي أمرتم به مع انكم تُرِيدُونَ وتقصدون بإخراجها وصرفها وَجْهَ اللَّهِ ومحض رضاه بلا خلط شيء من أماني اهويتكم وتسويلات امارتكم معها فَأُولئِكَ الفاعلون للزكاة على الوجه المذكور المأمور هُمُ الْمُضْعِفُونَ عند الله ثوابها الى سبعين بل الى سبع مائة بل الى ما شاء الله عناية من الله وإفضالا لهم وكيف لا تطلبون ولا تقصدون بخيراتكم وصدقاتكم خالص وجه الله وتشركون معه غيره من التماثل والاظلال الهالكة الباطلة العاطلة إذ اللَّهُ المتوحد المتفرد في ذاته القادر المقتدر الحكيم العليم الَّذِي خَلَقَكُمْ وأظهركم أولا من كتم العدم ولم تكونوا شيأ مذكور الا بالقوة ولا بالفعل ثُمَّ بعد ما أظهركم في بيداء الوجود رَزَقَكُمْ وأنعم عليكم من انواع النعم ليربيكم بها على مقتضى اللطف والكرم ثُمَّ بعد ما انقضى الأجل المسمى عنده لبقائكم في النشأة الاولى يُمِيتُكُمْ بمقتضى قهره وجلاله تتميما لقدرته الكاملة الغالبة ثُمَّ بعد ما انقرض النشأة الاولى المعدة لانواع الابتلاءات والاختبارات الإلهية المتعلقة لحكمة اظهاركم وايجادكم في عالم الكون والفساد لتتزودوا فيها من المعارف والحقائق والاتصاف بالأخلاق الإلهية لنشأتكم الاخرى يُحْيِيكُمْ فيها للعرض والجزاء وتنقيد ما اقترفتم من الأعمال والأحوال في النشأة الاولى لتجازوا بها على مقتضاها فيها وبعد ما سمعتم ما سمعتم تأملوا وتدبروا منصفين ايها المشركون بالله المتوحد المتفرد المستقل في التصرفات الواقعة في ملكه غيرة منه وحمية لحمى قدس ذاته من ان يحوم حول سرادقات عزه وجلاله شائبة فتور وقصور وإذا سمعتم نبذا من خواص أوصافه سبحانه تأملوا هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ الذين قد ادعيتم أنتم شركتهم مع الله القادر على أمثاله بالاستقلال والاختيار مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ الذي قد سمعتم صدوره منه سبحانه بل قد رأيتم وابصرتم طول عمركم في الآفاق وفي انفسكم مِنْ شَيْءٍ حقير قليل كلا وحاشا ان يصدر شيء من الأشياء من غيره سُبْحانَهُ بل هو في ذاته منزه عن شوب الشركة والمظاهرة مطلقا وَتَعالى شأنه عَمَّا يُشْرِكُونَ أولئك المشركون المسرفون علوا كبيرا ومن غاية جهلهم بالله وغفلتهم من علو قدره وسمو مكانته قد ظَهَرَ الْفَسادُ وانواع البليات والمصيبات الواقعة فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ من الجدب والعناء والزلزلة والوباء والحرق والغرق وانواع الضلالات الواقعة في السفن الجارية مع ان اصل الظهور والبروز باعتبار الفطرة الاصلية على العدالة والاستقامة وما ظهر عموم ما ظهر من الانحرافات والانصرافات المنافية لصرافة الاعتدال الحقيقي الإلهي الا بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ وبشؤم ما اقترفوا من الكفر والكفران والفسوق والعصيان والخروج عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة

стр. 701

على الاعتدال والقسط القويم والحكمة في صدور هذه الانحرافات والفسادات عنهم مع انها انما صدرت عنهم باقدار الله إياهم وتمكينه لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا اى يذيق لهم العليم الحكيم في الدنيا وبال بعض أعمالهم الفاسدة ويبقى بعضها في الآخرة ليستوفيها فيها وانما يذيقهم سبحانه نبذا منها عاجلا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ رجاء ان يرجعوا اليه بعد ما ذاقوا ما ذاقوا من انواع المحن والشدائد وان أنكر هؤلاء المشركون أذاقتنا العذاب لأمثالهم قُلْ لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا سِيرُوا فِي الْأَرْضِ المعدة لانواع الكون والفساد فَانْظُرُوا نظر معتبر منصف ومتأمل مستبصر ليظهر عندكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلُ مع انهم كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ أمثالكم مشاركين معكم في الشرك والكفر وانواع الفسوق والعصيان وبعد ما قد أشار سبحانه الى وخامة عاقبة اصحاب الآراء الفاسدة والأهواء الباطلة من المنحرفين عن جادة الاستقامة المنصرفين عن سبيل السلامة امر حبيبه ﷺ بالإقامة والاستقامة في منهج العدالة التي هي دين الإسلام الناسخ لعموم الأديان الباطلة والآراء الزاهقة الزائلة فقال فَأَقِمْ وَجْهَكَ فاستقم وتوجه واعتدل يا أكمل الرسل بوجه قلبك الذي هو يلي الحق لِلدِّينِ الْقَيِّمِ المنزل من عنده سبحانه على الاستقامة والعدالة تفضلا عليك وامتنانا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ ويحل عليك يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ اى لا يرد فيه ما نفذ من القضاء المبرم إذ إتيانه انما هو مِنَ اللَّهِ العليم الحكيم على هذا الوجه إذ لا استكمال ولا رجوع حينئذ ايضا ولا ينفع الطاعة والعبادة حين حلوله بل يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ اى يتفرق الناس فرقا ويتحزبون أحزابا بمقتضى ما كانوا عليه في نشأة الاختبار والابتلاء مَنْ كَفَرَ فيما مضى فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ اى وبال كفره وفسقه ملازم معه يدخله في النار ويخلده مهانا وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فيما مضى فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ يعنى فهم بايمانهم وعملهم الصالح يمهدون ويبسطون لأنفسهم منزلا ومهادا في الجنة هم فيها خالدون والسر في قيام الساعة وتعاقب النشأة الاخرى لِيَجْزِيَ سبحانه المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا به سبحانه وأيقنوا بوحدة ذاته وبجميع ما جاء من عنده سبحانه على رسله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقبولة عنده امتثالا لما أمروا به على ألسنة رسله مِنْ فَضْلِهِ اى يجزيهم من محض فضله ولطفه معهم ومحبته إياهم بأضعاف ما استحقوا بأعمالهم وايمانهم ويجزى الكافرين ايضا بمقتضى عدله بمثل ما اقترفوا من الكفر والشرك والظلم والضلال إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ المصرين على الكفر والضلال سيما بعد إرساله سبحانه إليهم من يصلحهم ويهديهم الى صراط مستقيم فكذبوه وأنكروا له عنادا واستكبارا وَمِنْ جملة آياتِهِ سبحانه الدالة على كمال رأفته ورحمته للمؤمنين المتحققين بمرتبة التوحيد المتمكنين بمقر الوحدة الذاتية أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ المشتملة لانواع الروح والراحة المهبة من نفحات النفسات الرحمانية لتعرضوا لها وتستنشقوا منها فيضان آثار اللطف والجمال مع كونها مُبَشِّراتٍ لمزيد فضله وطوله ونزول انواع رحمته وجوده وَلِيُذِيقَكُمْ ويفيض عليكم مِنْ سعة رَحْمَتِهِ ما ينجيكم ويخلصكم من لواز بشريتكم وناسوتكم وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ اى سفن تعيناتكم الجارية في بحر الوجود بِأَمْرِهِ وعلى مقتضى ارادته ومشيته وَلِتَبْتَغُوا وتطلبوا بعد ما فوضتم أموركم كلها اليه واتخذتموه وكيلا مِنْ موائد فَضْلِهِ وإحسانه وعوائد كرمه وجوده ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وَانما فعل معكم سبحانه هذه الكرامات لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رجاء ان تشكروا نعمه وتفوزوا بمزيد كرمه

стр. 702

وتحققوا بمقام معرفته وتوحيده الذي قد جبلتم لأجله. ثم قال سبحانه مقسما تسلية لرسوله وازالة لهمه وحزنه العارض له من تكذيب الجهلة المسرفين المشركين بالله إياه المستهزئين معه جهلا وعنادا الله قَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا أكمل الرسل سُلًا مبشرين ومنذرين لى قَوْمِهِمْ الذين قد ظهرت عليهم امارات الكفر والطغيان وعلامات الظلم والعدوان جاؤُهُمْ مؤيدين من عندناالْبَيِّناتِ الواضحة والمعجزات اللائحة ففاجأوا على تكذيبهم عنادا واستكبارا بلا تأمل وتدبر منهم في آياتهم وبيناتهم انْتَقَمْنا بمقتضى قهرنا وجلالنانَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا بالجرائم العظام سيما تكذيب الرسل الكرام عليهم التحية والسلام كيف لا ننتقم عنهم بتكذيبهم رسلنا مع انه قدانَ حَقًّا عَلَيْنا حسب لطفنا حتما لازما ثبت في لوح قضائنا وحضرة علمناصْرُ الْمُؤْمِنِينَ اى نصر الرسل والمؤمنين بهم وتغليبهم على الكافرين بعد ما امتثلوا باوامرنا واجتنبوا عن نواهينا وبلغوا جميع ما امرناهم واوحيناهم الى من أرسلناهم فكذبوهم ولم يقبلوا منهم أولئك البعداء المنكرون المسرفون وحى الحق إياهم والهامه عليهم مع انه اللَّهُ الجامع لجميع مراتب الأسماء والصفات الكاملة الظاهرة المتجلى على مقتضاها بالاستقلال ارادة واختيارا هو القادر المقدر الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ المنتشئة من محض فضله وجوده بلا سبق سبب يوجبها وعلة تقتضيها على ما جرى عليه عادته سبحانه في سائر الموجودات فَتُثِيرُ وتحرك أجزاء البخار والدخان وتمزج بعضها مع بعض فتركمها وتكشفها حتى صارت سَحاباً هامرا فَيَبْسُطُهُ سبحانه فِي جو السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ عرضا وطولا سائرا وواقفا مطبقا وغير مطبق الى غير ذلك من الأوضاع الممكنة الورود عليه وَبعد ما مهده سبحانه وبسطه يَجْعَلُهُ كِسَفاً وقطعا مختلفة فَتَرَى ايها المعتبر الرائي الْوَدْقَ والمطر يَخْرُجُ ويفيض مِنْ خِلالِهِ فتوقه ومنافذه بعد ما قد تكون فيه بقدرة الله من اجتماع أجزاء الابخرة والادخنة المتصاعدة الممتزجة المتراكمة المتكاثفة المتفاعلة بعضها مع بعض الى ان صارت ماء فتقطر وتسيل فَإِذا أَصابَ بِهِ اى بالماء مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ اى أراضيهم ومزارعهم منا منه سبحانه إياهم وتفضلا عليهم إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يعنى هم قد فاجؤا بنزوله الى انواع البشارة والابتهاج واظهار الفرح والسرور متفألين بنزوله الى الخصب والرخاء وانواع البهجة والصفاء وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ المطر مِنْ قَبْلِهِ اى من قبل ثوران الابخرة والادخنة وانعقاد السحب وتراكمها منها لَمُبْلِسِينَ آيسين قانطين لطول عهد عدم نزوله إياهم وامتداد مدة حبسه عنهم فَانْظُرْ ايها المؤمن المعتبر الناظر بنور الله إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ والى كمال فضله وجوده كَيْفَ يُحْيِ ويخضر الْأَرْضَ سيما بَعْدَ مَوْتِها اى جمودها ويبسها وعدم نضارتها ونزاهتها ويظهر عليها انواع الازهار والأثمار عناية منه سبحانه لعباده وفضلا لهم ليتزودوا بها ويسلكوا سبيل هدايته وتوحيده إِنَّ ذلِكَ القادر المقتدر بالإرادة التامة والاختيار الكامل لَمُحْيِ الْمَوْتى في الحشر والجزاء ومخرجها البتة من قبورهم وقت تعلق ارادته باحيائهم وَكيف لا هُوَ بذاته عَلى كُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة حضرة علمه وارادته قَدِيرٌ على الوجه الأتم الأكمل بلا فتور ولا قصور وَمن عدم رسوخهم في الدين القويم وقلة تثبتهم على الصراط المستقيم لَئِنْ أَرْسَلْنا عليهم رِيحاً فَرَأَوْهُ اى ما هبت عليه من الزروع مُصْفَرًّا من أثرها بعد ما كان مخضرا يعنى لا تربى زروعهم ولا تنميها بل تضعفها وترديها

стр. 703

مع ان اضرارها واصفرارها ايضا انما هو بشؤم ما اقترفوا من المعاصي والآثام لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ وصاروا بعد ما أبصروا اضرارها واصفرارها ايضا يَكْفُرُونَ بالله وبنعمه وينكرون بعموم فضله وكرمه مع ان أخذهم بالبأساء والضراء انما هو لأجل ان يتضرعوا نحوه ويلتجئوا اليه منيبين خاشعين خاضعين ليكشف عنهم ما يضرهم إذ لا كاشف الا هو ولا منجى لهم سواه وبالجملة هم في أنفسهم من خبث طينتهم وجمود قريحتهم أموات حقيقة ومعنى وان كانوا من الأحياء صورة فعليك ان لا تبالي يا أكمل الرسل بهم وبشأنهم ولا تجتهد الى هدايتهم وتكميلهم فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى اى ليس في وسعك وطاعتك إسماع الموتى بل ما عليك الا الدعوة والتبليغ وَلا تُسْمِعُ ايضا الصُّمَّ الجبلي الدُّعاءَ والدعوة سيما إِذا وَلَّوْا وانصرفوا عنه مُدْبِرِينَ معرضين منكرين لك مكذبين رسالتك ودعوتك وَكيف تجتهد أنت وتسعى يا أكمل الرسل في تحصيل ما هو خارج عن وسعك وطاقتك مع انك لا تؤمر به من لدنا إذ ما أَنْتَ باستبدادك واستقلالك بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إذ هم مجبولون على الغواية الجبلية في اصل فطرتهم فاقدون بصائر قلوبهم المدركة بها دلائل التوحيد وشواهد الوحدة الذاتية ولا يتأتى لك ان تهديهم الى طريق التوحيد وترشدهم اليه إِنْ تُسْمِعُ بتبليغك وارشادك وما تهدى أنت بسعيك واجتهادك إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا ونحن نوفقهم على الايمان من لدنا بمقتضى ما ثبت وجرى في لوح قضائنا وحضرة علمنا فَهُمْ بعد ما سبقت العناية منا إياهم مُسْلِمُونَ منقادون لك مسلمون منك جميع ما بلغت لهم من شعائر الدين ودلائل التوحيد واليقين. ثم قال سبحانه على سبيل الامتنان إظهارا لكمال قدرته على إبداء الشئون والتطورات الواردة على عباده حسب تعاقب الازمنة والأوقات في النشأة الاولى فكيف ينكرون إعادتها في النشأة الاخرى مع ان الإعادة أهون من الإبداء وان كان الكل في جنب قدرته على السواء اللَّهُ القادر المقتدر الحكيم المتقن في عموم أفعاله وأحكامه العليم بمقتضاها هو القادر المقتدر الَّذِي خَلَقَكُمْ وقدر وجودكم بعد ما أراد ابداعكم من كتم العدم وايجادكم في عالم الطبيعة والهيولى مِنْ ضَعْفٍ هو ماء النطفة الضعيفة المهينة ثُمَّ جَعَلَ صير وخلق وقدر مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ كائن في نشأة النطفة قُوَّةً جسمانية متزايدة مستكملة فيها يوما فيوما الى ان قد بلغت كمال القوة والشباب ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ كائنة في عالم الشباب ضَعْفاً وانحطاطا وَشَيْبَةً مضعفة طارية لعموم القوى والآلات منتهية الى الهرم الذي قد عبر عنه سبحانه بارذل العمر كيلا يعلم صاحبه من بعد علمه شيأ وبالجملة يَخْلُقُ ويظهر سبحانه عموم ما يَشاءُ ويقضى ويحكم جميع ما يريد ارادة واختيارا وَكيف لا هُوَ الْعَلِيمُ بجميع ما أحاطت عليه ارادته ومشيته الْقَدِيرُ المقتدر لإيجاده وإظهاره في فضاء العيان بلا فتور وقصور ونقصان وفطور وَكيف ينكر من ينكر الحشر والنشر واعادة الموتى احياء سيما بعد مشاهدة هذه التطورات المترادفة والنشآت المتخالفة المتعاقبة اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ الموعودة المعدة لحشر الأموات من الأجداث يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ويحلف حينئذ كل منهم عند صاحبه بمدة لبثهم في الدنيا مترفهين متنعمين واتفقوا بعد ما اختلفوا وترددوا كثيرا في مكثهم فيها على انهم ما لَبِثُوا فيها غَيْرَ ساعَةٍ واحدة بالنسبة الى طول يوم القيامة وبالجملة من شدة عذاب يوم القيامة وصعوبة أهوالها وكثرة الهموم والأحزان فيها صار لبثهم في الدنيا ومدة اعمارهم فيها ساعة واحدة

стр. 704

عندهم بل بعضهم قد تخيلوا اقصر منها كَذلِكَ اى مثل ترددهم وانصرافهم عن طول مدة مكثهم في الدنيا في يوم القيامة قد كانُوا يُؤْفَكُونَ يترددون وينصرفون في النشأة الاولى عن طريق التوحيد وسبيل الهداية والرشد من كمال غفلتهم وقسوتهم وَبعد ما سمع منهم المؤمنون الموحدون استقصارهم مدة لبثهم فيها وانصرافهم عن الحق قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ اللدني من قبل الحق وَالْإِيمانَ بالمغيبات التي قد أمروا بتصديقها على ألسنة الرسل والكتب سيما يوم البعث والنشور ردا عليهم وتخطئة لهم لَقَدْ لَبِثْتُمْ في الدنيا بمقتضى ما ثبت فِي كِتابِ اللَّهِ ولوح قضائه وحضرة علمه المحيط إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ وحشر الموتى وقيام الساعة فَهذا اليوم الذي أنتم فيه معذبون الآن يَوْمِ الْبَعْثِ الموعود لكم في الدنيا على ألسنة الرسل والكتب وَلكِنَّكُمْ من خبث طينتكم وجهلكم قد كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ولا تؤمنون به ولا تصدقون قيامه بل تنكرونها وتكذبون من اخبر بها من الرسل العظام مع انهم مؤيدون من قبل الحق بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة والمعجزات الباهرة الظاهرة وبالجملة هم بعد ما قد فوّتوا الفرص في دار الاختبار وضيعوا عين العبرة فيها فَيَوْمَئِذٍ اى حين قيام الساعة وانقضاء ايام التفقد والتدارك لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالخروج عن حدود الله والعرض على عذابه مَعْذِرَتُهُمْ وعذرهم ليعتذروا من قصورهم ويتوبوا عن فتورهم متداركين لما فوتوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ولا يطلب منهم العتبى ولا يسمع منهم المعذرة حتى يزول عتابهم بالتوبة والانابة والندم والرجوع إذ قد انقضى نشأة الابتلاء والاختبار فحينئذ لا يقبل منهم التوبة والعبادة أصلا. ثم قال سبحانه على سبيل التأكيد والمبالغة مشيرا الى كمال قسوة اهل الزيغ والضلال وَلَقَدْ ضَرَبْنا وبيّنا لِلنَّاسِ الناسين طريق الوصول الى توحيدنا ووحدة ذاتنا فِي هذَا الْقُرْآنِ المنزل من عندنا لنبين طريق توحيدنا وسلوك سبيل الاستقامة والرشد مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ينبئ لهم عنه وينبههم عليه ويبين لهم كيفية التنبه والتفطن منه ومع ذلك لم يتنبهوا ولم يتفطنوا الا قليلا منهم وَمن غلظة غشاوتهم ونهاية غفلتهم وضلالهم لَئِنْ جِئْتَهُمْ يا أكمل الرسل بِآيَةٍ من آيات القرآن ملجئة لهم الى الايمان لو تأملوا معناها وتدبروا فحواها لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا واعرضوا عن الحق وانصرفوا عن توحيده والايمان به على سبيل الحصر والمبالغة بلا مبالاة لهم بك وبآياتك إِنْ أَنْتُمْ وما كنتم في دعواكم هذه ايها المدعون الكاذبون يعنون الرسول والمؤمنين إِلَّا مُبْطِلُونَ مفترون مزورون تفترون على الله ما تختلقونه من تلقاء انفسكم تغريرا وترويجا كَذلِكَ اى مثل طبعهم وختمهم الذي قد شهدت يا أكمل الرسل من هؤلاء الجهلة يَطْبَعُ اللَّهُ الحكيم المتقن في أفعاله ويختمه عَلى قُلُوبِ عموم الكفرة والجهلة الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الحق ولا يذعنون به لتركب جهلهم في جبلتهم والجهل المركب لا يزول بالقواطع والشواهد قطعا ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور ومتى سمعت يا أكمل الرسل من أحوالهم وأوضاعهم ما سمعت من عدم قابليتهم واستعدادهم الى الهداية والرشد فَاصْبِرْ على أذاهم وثق بالله وبوعده الذي قد وعدك بان يظهر دينك على الأديان كلها إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ وإنجازه لما وعد به حَقٌّ بلا خلف وتردد وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ ولا يحملنك ولا يبعثنك يا أكمل الرسل على الخفة والاضطراب وقلة التصبر وعدم الثقة بالله القوم الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ولا يتصفون باليقين في امر من الأمور أصلا فكيف بالمعارف والحقائق الإلهية إذ هم مجبولون على فطرة الضلال مترددون في بيداء الوهم والخيال لا نجاة

стр. 705

لهم منها في حال من الأحوال. هب لنا من لدنك جذبة تنجينا عن مضيق الجهل والضلال وتوصلنا الى سعة العلم وفضاء الوصال نحمدك على كل حال ونستعيذ بك منك ومن جميع الأهوال خاتمة سورة الروم عليك ايها المحمدي المتحقق بمراتب اليقين العلمي والعيني والحقي مكنك الحق في مقر لاهوتك وجنبك عن لوازم ناسوتك مطلقا ان تتصبر على اذيات اصحاب التقليدات والتخمينات وتتحمل على تشنيعات ارباب الظنون والجهالات المترددين في تيه الجهل والضلال بمتابعة الوهم والخيال وتصفى خاطرك وضميرك عن معارضتهم ومقابلتهم والبغض معهم والالتفات إليهم مطلقا إذ هم قوم قد خذلهم الله واحطهم عن الرتبة الانسانية التي هي التحقق بمقام اليقين والعرفان والتمكن على مرتبة الخلافة والنيابة من الرحمن المستعان والتخلق بخلق الحنان المنان وأسكنهم في مضيق الإمكان مقيدين بسلاسل التقليد وأغلال الحسبان لا نجاة لهم منها ابدا وعليك ان تتوجه بوجه قلبك الى ربك وتفوض أمورك كلها اليه وتتخذه وكيلا وتجعله حسيبا وكفيلا فانه سبحانه يكفيك ويكف عنك مؤنة شرور أعدائك وحاسديك ولك التبتل والانقطاع الى الله في كل الحالات والرجوع نحوه في عموم المهمات والملمات إذ ما من خير يسرك ويفرحك وشر يؤلمك ويضرك إلا منه بدأ وبقدرته ظهر وعلى مقتضى علمه صدر وبموجب حكمته جرى وقدر فلك ان تسترجع اليه وتتضرع نحوه وتستعيذ به منه إذ الكل من عنده لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم [سورة لقمان] فاتحة سورة لقمان لا يخفى على من تحقق بالمرتبة الحكمية العلية من مقامات مسالك التوحيد وتمكن عليها مطمئنا راضيا مداوما على الميل المعنوي والتوجه التام بعموم الجوارح والأركان نحو الحق مسقطا عن نفسه جميع ما يشغله عن التوجه والالتفات الى المبدأ الحقيقي والمنشأ الأصلي على الوجه الأتم الأكمل ان الوصول والتحقق بمرتبة التوحيد والهداية الحقيقية الحقية والتمكن في مقر الاطمئنان واليقين والنيل الى شرف الفناء في الله والبقاء ببقائه انما يحصل برفع الموانع ورفض الرسوم والعادات العائقة عن ادراك السعادات ونيل المرادات وذلك لا يتم الا بعد نزع خلعة الناسوت مطلقا وترك مقتضيات الأوصاف البشرية والقوى الجسمانية رأسا وذلك لا يتيسر الا بارتكاب متاعب الطاعات ومشاق التكليفات القاطعة القالعة عرق التعلقات المرتكزة في القوى البشرية واصول اللذات الوهمية اللازمة للنفوس البهيمية والهياكل الهيولانية المستحدثة من خبث الطبيعة المكدرة بادناس الإمكان المفضى بالطبع الى الدناءة والنقصان وانواع الخساسات والخسران والخلاص عن أمثال هذه الموانع والشواغل العائقة لا يتيسر ولا يحصل الا بتوفيق الله وجذب من جانبه وارشاد مرشد نبيه مؤيد من عنده سبحانه بالدلائل والتنبيهات وانواع المعجزات والتبيينات الخارقة للعادات ولهذه المصلحة العلية والحكمة السنية خاطب سبحانه حبيبه ﷺ بما خاطب بعد ما تيمن بذكره الأجل الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي انشأ ينابيع الحكمة في قلوب أنبيائه وأوليائه واجرى على ألسنتهم انهار المعارف والحقائق المنتشئة منها إرشادا لعموم عباده الرَّحْمنِ عليهم بإرسال الرسل المؤيدين من عنده بنزول
следующие страницы →