← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

على الاعتدال والقسط القويم والحكمة في صدور هذه الانحرافات والفسادات عنهم مع انها انما صدرت عنهم باقدار الله إياهم وتمكينه لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا اى يذيق لهم العليم الحكيم في الدنيا وبال بعض أعمالهم الفاسدة ويبقى بعضها في الآخرة ليستوفيها فيها وانما يذيقهم سبحانه نبذا منها عاجلا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ رجاء ان يرجعوا اليه بعد ما ذاقوا ما ذاقوا من انواع المحن والشدائد وان أنكر هؤلاء المشركون أذاقتنا العذاب لأمثالهم قُلْ لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا سِيرُوا فِي الْأَرْضِ المعدة لانواع الكون والفساد فَانْظُرُوا نظر معتبر منصف ومتأمل مستبصر ليظهر عندكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلُ مع انهم كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ أمثالكم مشاركين معكم في الشرك والكفر وانواع الفسوق والعصيان وبعد ما قد أشار سبحانه الى وخامة عاقبة اصحاب الآراء الفاسدة والأهواء الباطلة من المنحرفين عن جادة الاستقامة المنصرفين عن سبيل السلامة امر حبيبه ﷺ بالإقامة والاستقامة في منهج العدالة التي هي دين الإسلام الناسخ لعموم الأديان الباطلة والآراء الزاهقة الزائلة فقال فَأَقِمْ وَجْهَكَ فاستقم وتوجه واعتدل يا أكمل الرسل بوجه قلبك الذي هو يلي الحق لِلدِّينِ الْقَيِّمِ المنزل من عنده سبحانه على الاستقامة والعدالة تفضلا عليك وامتنانا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ ويحل عليك يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ اى لا يرد فيه ما نفذ من القضاء المبرم إذ إتيانه انما هو مِنَ اللَّهِ العليم الحكيم على هذا الوجه إذ لا استكمال ولا رجوع حينئذ ايضا ولا ينفع الطاعة والعبادة حين حلوله بل يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ اى يتفرق الناس فرقا ويتحزبون أحزابا بمقتضى ما كانوا عليه في نشأة الاختبار والابتلاء مَنْ كَفَرَ فيما مضى فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ اى وبال كفره وفسقه ملازم معه يدخله في النار ويخلده مهانا وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فيما مضى فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ يعنى فهم بايمانهم وعملهم الصالح يمهدون ويبسطون لأنفسهم منزلا ومهادا في الجنة هم فيها خالدون والسر في قيام الساعة وتعاقب النشأة الاخرى لِيَجْزِيَ سبحانه المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا به سبحانه وأيقنوا بوحدة ذاته وبجميع ما جاء من عنده سبحانه على رسله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقبولة عنده امتثالا لما أمروا به على ألسنة رسله مِنْ فَضْلِهِ اى يجزيهم من محض فضله ولطفه معهم ومحبته إياهم بأضعاف ما استحقوا بأعمالهم وايمانهم ويجزى الكافرين ايضا بمقتضى عدله بمثل ما اقترفوا من الكفر والشرك والظلم والضلال إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ المصرين على الكفر والضلال سيما بعد إرساله سبحانه إليهم من يصلحهم ويهديهم الى صراط مستقيم فكذبوه وأنكروا له عنادا واستكبارا وَمِنْ جملة آياتِهِ سبحانه الدالة على كمال رأفته ورحمته للمؤمنين المتحققين بمرتبة التوحيد المتمكنين بمقر الوحدة الذاتية أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ المشتملة لانواع الروح والراحة المهبة من نفحات النفسات الرحمانية لتعرضوا لها وتستنشقوا منها فيضان آثار اللطف والجمال مع كونها مُبَشِّراتٍ لمزيد فضله وطوله ونزول انواع رحمته وجوده وَلِيُذِيقَكُمْ ويفيض عليكم مِنْ سعة رَحْمَتِهِ ما ينجيكم ويخلصكم من لواز بشريتكم وناسوتكم وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ اى سفن تعيناتكم الجارية في بحر الوجود بِأَمْرِهِ وعلى مقتضى ارادته ومشيته وَلِتَبْتَغُوا وتطلبوا بعد ما فوضتم أموركم كلها اليه واتخذتموه وكيلا مِنْ موائد فَضْلِهِ وإحسانه وعوائد كرمه وجوده ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وَانما فعل معكم سبحانه هذه الكرامات لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رجاء ان تشكروا نعمه وتفوزوا بمزيد كرمه

стр. 702

وتحققوا بمقام معرفته وتوحيده الذي قد جبلتم لأجله. ثم قال سبحانه مقسما تسلية لرسوله وازالة لهمه وحزنه العارض له من تكذيب الجهلة المسرفين المشركين بالله إياه المستهزئين معه جهلا وعنادا الله قَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا أكمل الرسل سُلًا مبشرين ومنذرين لى قَوْمِهِمْ الذين قد ظهرت عليهم امارات الكفر والطغيان وعلامات الظلم والعدوان جاؤُهُمْ مؤيدين من عندناالْبَيِّناتِ الواضحة والمعجزات اللائحة ففاجأوا على تكذيبهم عنادا واستكبارا بلا تأمل وتدبر منهم في آياتهم وبيناتهم انْتَقَمْنا بمقتضى قهرنا وجلالنانَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا بالجرائم العظام سيما تكذيب الرسل الكرام عليهم التحية والسلام كيف لا ننتقم عنهم بتكذيبهم رسلنا مع انه قدانَ حَقًّا عَلَيْنا حسب لطفنا حتما لازما ثبت في لوح قضائنا وحضرة علمناصْرُ الْمُؤْمِنِينَ اى نصر الرسل والمؤمنين بهم وتغليبهم على الكافرين بعد ما امتثلوا باوامرنا واجتنبوا عن نواهينا وبلغوا جميع ما امرناهم واوحيناهم الى من أرسلناهم فكذبوهم ولم يقبلوا منهم أولئك البعداء المنكرون المسرفون وحى الحق إياهم والهامه عليهم مع انه اللَّهُ الجامع لجميع مراتب الأسماء والصفات الكاملة الظاهرة المتجلى على مقتضاها بالاستقلال ارادة واختيارا هو القادر المقدر الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ المنتشئة من محض فضله وجوده بلا سبق سبب يوجبها وعلة تقتضيها على ما جرى عليه عادته سبحانه في سائر الموجودات فَتُثِيرُ وتحرك أجزاء البخار والدخان وتمزج بعضها مع بعض فتركمها وتكشفها حتى صارت سَحاباً هامرا فَيَبْسُطُهُ سبحانه فِي جو السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ عرضا وطولا سائرا وواقفا مطبقا وغير مطبق الى غير ذلك من الأوضاع الممكنة الورود عليه وَبعد ما مهده سبحانه وبسطه يَجْعَلُهُ كِسَفاً وقطعا مختلفة فَتَرَى ايها المعتبر الرائي الْوَدْقَ والمطر يَخْرُجُ ويفيض مِنْ خِلالِهِ فتوقه ومنافذه بعد ما قد تكون فيه بقدرة الله من اجتماع أجزاء الابخرة والادخنة المتصاعدة الممتزجة المتراكمة المتكاثفة المتفاعلة بعضها مع بعض الى ان صارت ماء فتقطر وتسيل فَإِذا أَصابَ بِهِ اى بالماء مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ اى أراضيهم ومزارعهم منا منه سبحانه إياهم وتفضلا عليهم إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يعنى هم قد فاجؤا بنزوله الى انواع البشارة والابتهاج واظهار الفرح والسرور متفألين بنزوله الى الخصب والرخاء وانواع البهجة والصفاء وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ المطر مِنْ قَبْلِهِ اى من قبل ثوران الابخرة والادخنة وانعقاد السحب وتراكمها منها لَمُبْلِسِينَ آيسين قانطين لطول عهد عدم نزوله إياهم وامتداد مدة حبسه عنهم فَانْظُرْ ايها المؤمن المعتبر الناظر بنور الله إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ والى كمال فضله وجوده كَيْفَ يُحْيِ ويخضر الْأَرْضَ سيما بَعْدَ مَوْتِها اى جمودها ويبسها وعدم نضارتها ونزاهتها ويظهر عليها انواع الازهار والأثمار عناية منه سبحانه لعباده وفضلا لهم ليتزودوا بها ويسلكوا سبيل هدايته وتوحيده إِنَّ ذلِكَ القادر المقتدر بالإرادة التامة والاختيار الكامل لَمُحْيِ الْمَوْتى في الحشر والجزاء ومخرجها البتة من قبورهم وقت تعلق ارادته باحيائهم وَكيف لا هُوَ بذاته عَلى كُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة حضرة علمه وارادته قَدِيرٌ على الوجه الأتم الأكمل بلا فتور ولا قصور وَمن عدم رسوخهم في الدين القويم وقلة تثبتهم على الصراط المستقيم لَئِنْ أَرْسَلْنا عليهم رِيحاً فَرَأَوْهُ اى ما هبت عليه من الزروع مُصْفَرًّا من أثرها بعد ما كان مخضرا يعنى لا تربى زروعهم ولا تنميها بل تضعفها وترديها

стр. 703

مع ان اضرارها واصفرارها ايضا انما هو بشؤم ما اقترفوا من المعاصي والآثام لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ وصاروا بعد ما أبصروا اضرارها واصفرارها ايضا يَكْفُرُونَ بالله وبنعمه وينكرون بعموم فضله وكرمه مع ان أخذهم بالبأساء والضراء انما هو لأجل ان يتضرعوا نحوه ويلتجئوا اليه منيبين خاشعين خاضعين ليكشف عنهم ما يضرهم إذ لا كاشف الا هو ولا منجى لهم سواه وبالجملة هم في أنفسهم من خبث طينتهم وجمود قريحتهم أموات حقيقة ومعنى وان كانوا من الأحياء صورة فعليك ان لا تبالي يا أكمل الرسل بهم وبشأنهم ولا تجتهد الى هدايتهم وتكميلهم فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى اى ليس في وسعك وطاعتك إسماع الموتى بل ما عليك الا الدعوة والتبليغ وَلا تُسْمِعُ ايضا الصُّمَّ الجبلي الدُّعاءَ والدعوة سيما إِذا وَلَّوْا وانصرفوا عنه مُدْبِرِينَ معرضين منكرين لك مكذبين رسالتك ودعوتك وَكيف تجتهد أنت وتسعى يا أكمل الرسل في تحصيل ما هو خارج عن وسعك وطاقتك مع انك لا تؤمر به من لدنا إذ ما أَنْتَ باستبدادك واستقلالك بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إذ هم مجبولون على الغواية الجبلية في اصل فطرتهم فاقدون بصائر قلوبهم المدركة بها دلائل التوحيد وشواهد الوحدة الذاتية ولا يتأتى لك ان تهديهم الى طريق التوحيد وترشدهم اليه إِنْ تُسْمِعُ بتبليغك وارشادك وما تهدى أنت بسعيك واجتهادك إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا ونحن نوفقهم على الايمان من لدنا بمقتضى ما ثبت وجرى في لوح قضائنا وحضرة علمنا فَهُمْ بعد ما سبقت العناية منا إياهم مُسْلِمُونَ منقادون لك مسلمون منك جميع ما بلغت لهم من شعائر الدين ودلائل التوحيد واليقين. ثم قال سبحانه على سبيل الامتنان إظهارا لكمال قدرته على إبداء الشئون والتطورات الواردة على عباده حسب تعاقب الازمنة والأوقات في النشأة الاولى فكيف ينكرون إعادتها في النشأة الاخرى مع ان الإعادة أهون من الإبداء وان كان الكل في جنب قدرته على السواء اللَّهُ القادر المقتدر الحكيم المتقن في عموم أفعاله وأحكامه العليم بمقتضاها هو القادر المقتدر الَّذِي خَلَقَكُمْ وقدر وجودكم بعد ما أراد ابداعكم من كتم العدم وايجادكم في عالم الطبيعة والهيولى مِنْ ضَعْفٍ هو ماء النطفة الضعيفة المهينة ثُمَّ جَعَلَ صير وخلق وقدر مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ كائن في نشأة النطفة قُوَّةً جسمانية متزايدة مستكملة فيها يوما فيوما الى ان قد بلغت كمال القوة والشباب ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ كائنة في عالم الشباب ضَعْفاً وانحطاطا وَشَيْبَةً مضعفة طارية لعموم القوى والآلات منتهية الى الهرم الذي قد عبر عنه سبحانه بارذل العمر كيلا يعلم صاحبه من بعد علمه شيأ وبالجملة يَخْلُقُ ويظهر سبحانه عموم ما يَشاءُ ويقضى ويحكم جميع ما يريد ارادة واختيارا وَكيف لا هُوَ الْعَلِيمُ بجميع ما أحاطت عليه ارادته ومشيته الْقَدِيرُ المقتدر لإيجاده وإظهاره في فضاء العيان بلا فتور وقصور ونقصان وفطور وَكيف ينكر من ينكر الحشر والنشر واعادة الموتى احياء سيما بعد مشاهدة هذه التطورات المترادفة والنشآت المتخالفة المتعاقبة اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ الموعودة المعدة لحشر الأموات من الأجداث يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ويحلف حينئذ كل منهم عند صاحبه بمدة لبثهم في الدنيا مترفهين متنعمين واتفقوا بعد ما اختلفوا وترددوا كثيرا في مكثهم فيها على انهم ما لَبِثُوا فيها غَيْرَ ساعَةٍ واحدة بالنسبة الى طول يوم القيامة وبالجملة من شدة عذاب يوم القيامة وصعوبة أهوالها وكثرة الهموم والأحزان فيها صار لبثهم في الدنيا ومدة اعمارهم فيها ساعة واحدة

стр. 704

عندهم بل بعضهم قد تخيلوا اقصر منها كَذلِكَ اى مثل ترددهم وانصرافهم عن طول مدة مكثهم في الدنيا في يوم القيامة قد كانُوا يُؤْفَكُونَ يترددون وينصرفون في النشأة الاولى عن طريق التوحيد وسبيل الهداية والرشد من كمال غفلتهم وقسوتهم وَبعد ما سمع منهم المؤمنون الموحدون استقصارهم مدة لبثهم فيها وانصرافهم عن الحق قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ اللدني من قبل الحق وَالْإِيمانَ بالمغيبات التي قد أمروا بتصديقها على ألسنة الرسل والكتب سيما يوم البعث والنشور ردا عليهم وتخطئة لهم لَقَدْ لَبِثْتُمْ في الدنيا بمقتضى ما ثبت فِي كِتابِ اللَّهِ ولوح قضائه وحضرة علمه المحيط إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ وحشر الموتى وقيام الساعة فَهذا اليوم الذي أنتم فيه معذبون الآن يَوْمِ الْبَعْثِ الموعود لكم في الدنيا على ألسنة الرسل والكتب وَلكِنَّكُمْ من خبث طينتكم وجهلكم قد كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ولا تؤمنون به ولا تصدقون قيامه بل تنكرونها وتكذبون من اخبر بها من الرسل العظام مع انهم مؤيدون من قبل الحق بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة والمعجزات الباهرة الظاهرة وبالجملة هم بعد ما قد فوّتوا الفرص في دار الاختبار وضيعوا عين العبرة فيها فَيَوْمَئِذٍ اى حين قيام الساعة وانقضاء ايام التفقد والتدارك لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالخروج عن حدود الله والعرض على عذابه مَعْذِرَتُهُمْ وعذرهم ليعتذروا من قصورهم ويتوبوا عن فتورهم متداركين لما فوتوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ولا يطلب منهم العتبى ولا يسمع منهم المعذرة حتى يزول عتابهم بالتوبة والانابة والندم والرجوع إذ قد انقضى نشأة الابتلاء والاختبار فحينئذ لا يقبل منهم التوبة والعبادة أصلا. ثم قال سبحانه على سبيل التأكيد والمبالغة مشيرا الى كمال قسوة اهل الزيغ والضلال وَلَقَدْ ضَرَبْنا وبيّنا لِلنَّاسِ الناسين طريق الوصول الى توحيدنا ووحدة ذاتنا فِي هذَا الْقُرْآنِ المنزل من عندنا لنبين طريق توحيدنا وسلوك سبيل الاستقامة والرشد مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ينبئ لهم عنه وينبههم عليه ويبين لهم كيفية التنبه والتفطن منه ومع ذلك لم يتنبهوا ولم يتفطنوا الا قليلا منهم وَمن غلظة غشاوتهم ونهاية غفلتهم وضلالهم لَئِنْ جِئْتَهُمْ يا أكمل الرسل بِآيَةٍ من آيات القرآن ملجئة لهم الى الايمان لو تأملوا معناها وتدبروا فحواها لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا واعرضوا عن الحق وانصرفوا عن توحيده والايمان به على سبيل الحصر والمبالغة بلا مبالاة لهم بك وبآياتك إِنْ أَنْتُمْ وما كنتم في دعواكم هذه ايها المدعون الكاذبون يعنون الرسول والمؤمنين إِلَّا مُبْطِلُونَ مفترون مزورون تفترون على الله ما تختلقونه من تلقاء انفسكم تغريرا وترويجا كَذلِكَ اى مثل طبعهم وختمهم الذي قد شهدت يا أكمل الرسل من هؤلاء الجهلة يَطْبَعُ اللَّهُ الحكيم المتقن في أفعاله ويختمه عَلى قُلُوبِ عموم الكفرة والجهلة الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الحق ولا يذعنون به لتركب جهلهم في جبلتهم والجهل المركب لا يزول بالقواطع والشواهد قطعا ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور ومتى سمعت يا أكمل الرسل من أحوالهم وأوضاعهم ما سمعت من عدم قابليتهم واستعدادهم الى الهداية والرشد فَاصْبِرْ على أذاهم وثق بالله وبوعده الذي قد وعدك بان يظهر دينك على الأديان كلها إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ وإنجازه لما وعد به حَقٌّ بلا خلف وتردد وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ ولا يحملنك ولا يبعثنك يا أكمل الرسل على الخفة والاضطراب وقلة التصبر وعدم الثقة بالله القوم الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ولا يتصفون باليقين في امر من الأمور أصلا فكيف بالمعارف والحقائق الإلهية إذ هم مجبولون على فطرة الضلال مترددون في بيداء الوهم والخيال لا نجاة

стр. 705

لهم منها في حال من الأحوال. هب لنا من لدنك جذبة تنجينا عن مضيق الجهل والضلال وتوصلنا الى سعة العلم وفضاء الوصال نحمدك على كل حال ونستعيذ بك منك ومن جميع الأهوال خاتمة سورة الروم عليك ايها المحمدي المتحقق بمراتب اليقين العلمي والعيني والحقي مكنك الحق في مقر لاهوتك وجنبك عن لوازم ناسوتك مطلقا ان تتصبر على اذيات اصحاب التقليدات والتخمينات وتتحمل على تشنيعات ارباب الظنون والجهالات المترددين في تيه الجهل والضلال بمتابعة الوهم والخيال وتصفى خاطرك وضميرك عن معارضتهم ومقابلتهم والبغض معهم والالتفات إليهم مطلقا إذ هم قوم قد خذلهم الله واحطهم عن الرتبة الانسانية التي هي التحقق بمقام اليقين والعرفان والتمكن على مرتبة الخلافة والنيابة من الرحمن المستعان والتخلق بخلق الحنان المنان وأسكنهم في مضيق الإمكان مقيدين بسلاسل التقليد وأغلال الحسبان لا نجاة لهم منها ابدا وعليك ان تتوجه بوجه قلبك الى ربك وتفوض أمورك كلها اليه وتتخذه وكيلا وتجعله حسيبا وكفيلا فانه سبحانه يكفيك ويكف عنك مؤنة شرور أعدائك وحاسديك ولك التبتل والانقطاع الى الله في كل الحالات والرجوع نحوه في عموم المهمات والملمات إذ ما من خير يسرك ويفرحك وشر يؤلمك ويضرك إلا منه بدأ وبقدرته ظهر وعلى مقتضى علمه صدر وبموجب حكمته جرى وقدر فلك ان تسترجع اليه وتتضرع نحوه وتستعيذ به منه إذ الكل من عنده لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم [سورة لقمان] فاتحة سورة لقمان لا يخفى على من تحقق بالمرتبة الحكمية العلية من مقامات مسالك التوحيد وتمكن عليها مطمئنا راضيا مداوما على الميل المعنوي والتوجه التام بعموم الجوارح والأركان نحو الحق مسقطا عن نفسه جميع ما يشغله عن التوجه والالتفات الى المبدأ الحقيقي والمنشأ الأصلي على الوجه الأتم الأكمل ان الوصول والتحقق بمرتبة التوحيد والهداية الحقيقية الحقية والتمكن في مقر الاطمئنان واليقين والنيل الى شرف الفناء في الله والبقاء ببقائه انما يحصل برفع الموانع ورفض الرسوم والعادات العائقة عن ادراك السعادات ونيل المرادات وذلك لا يتم الا بعد نزع خلعة الناسوت مطلقا وترك مقتضيات الأوصاف البشرية والقوى الجسمانية رأسا وذلك لا يتيسر الا بارتكاب متاعب الطاعات ومشاق التكليفات القاطعة القالعة عرق التعلقات المرتكزة في القوى البشرية واصول اللذات الوهمية اللازمة للنفوس البهيمية والهياكل الهيولانية المستحدثة من خبث الطبيعة المكدرة بادناس الإمكان المفضى بالطبع الى الدناءة والنقصان وانواع الخساسات والخسران والخلاص عن أمثال هذه الموانع والشواغل العائقة لا يتيسر ولا يحصل الا بتوفيق الله وجذب من جانبه وارشاد مرشد نبيه مؤيد من عنده سبحانه بالدلائل والتنبيهات وانواع المعجزات والتبيينات الخارقة للعادات ولهذه المصلحة العلية والحكمة السنية خاطب سبحانه حبيبه ﷺ بما خاطب بعد ما تيمن بذكره الأجل الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي انشأ ينابيع الحكمة في قلوب أنبيائه وأوليائه واجرى على ألسنتهم انهار المعارف والحقائق المنتشئة منها إرشادا لعموم عباده الرَّحْمنِ عليهم بإرسال الرسل المؤيدين من عنده بنزول

стр. 706

الكتب والصحف تتميما لمكارم أخلاقهم ومحاسن أطوارهم وشيمهم ليستعدوا لقبول دلائل التوحيد ونزول سلطان الوحدة على قلوبهم الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى مبدئهم الأصلي ومنشئهم الحقيقي بعد رفع تعيناتهم ونفى هوياتهم الباطلة [الآيات] الم ايها الإنسان الأكمل الأليق لفيضان لوامع لطائف أنوار الوجود الإلهي ولوائح آثار جوده المكرم المؤيد من عنده بمزيد اللطف والكرم الممتاز المتخلص من بين عموم مظاهره بالمرتبة الجامعة المستجمعة لجميع المراتب العلية تِلْكَ الآيات المتلوة عليك يا أكمل الرسل امتنانا لك واختصاصا بشأنك آياتُ الْكِتابِ اى نبذ من آيات الكتاب الْحَكِيمِ المشتمل على الحكمة المتقنة المنبعثة عن اجتماع القدرة الكاملة والارادة الخالصة المترتبتين على العلم الكامل الإلهي الذي لا يغيب عن حضرة حضوره ذرة من ذرائر ما لاحت عليه شمس الوجود ولجمعيته وشموله وصدق نزوله من عند الله قد اتصف بوصفه سبحانه تأكيدا ومبالغة ولكونه نازلا من عنده سبحانه بمقتضى الحكمة البالغة لتأييد أكمل الرسل المبعوث الى كافة الأمم قد صار هُدىً عاما ورشدا تاما كله للممتثلين بما فيه من الأوامر والنواهي والاحكام والقصص والتذكيرات والعبر والرموز والإشارات وَرَحْمَةً خاصة نازلة من عنده سبحانه لِلْمُحْسِنِينَ الذين لا يرون غير الله في الوجود ولا يعبدون سواه من الوسائل ولا ينسبون الحوادث الكائنة في الآفاق الى الأسباب العادية والمحسنون المرضيون عند الله الراضون بما جرى عليهم من نفوذ القضاء هم الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويواظبون عليها في جميع أوقاتهم وحالاتهم سيما الأوقات المحفوظة المكتوبة وَيُؤْتُونَ وينفقون جميع ما في أيديهم من الرزق الذي يسوق الحق إليهم في سبيله طلبا لمرضاته سيما الزَّكاةَ المفروضة عليهم من عنده سبحانه تزكية لظواهرهم عن التفات الى ما يشغلهم عن الحق وَمع ذلك لا يقتصرون أولئك السعداء المقبولون بتهذيب الظاهر والباطن بل هُمْ بِالْآخِرَةِ المعدة لتنقيد الأعمال وجزاء الأفعال هُمْ يُوقِنُونَ علما وعينا وحقا وبالجملة أُولئِكَ السعداء المتصفون بالخصائل السنية والأخلاق المرضية عَلى هُدىً صريح صحيح فائض نازل إياهم مِنْ رَبِّهِمْ تفضلا عليهم وامتنانا لهم وَأُولئِكَ الأمناء المقبولون المرضيون عند الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ المقصورون على الفوز والفلاح لا خوف عليهم ولا هم يحزنون جعلنا الله من خدامهم وتراب اقدامهم وَمِنَ النَّاسِ المجبولين على كفران نعم الله ونسيان حقوق كرمه وجوده مَنْ يَشْتَرِي ويستبدل آيات الكتاب المشتمل على انواع الفضائل والكمالات واصناف الهدى والكرامات لَهْوَ الْحَدِيثِ اى يستبدل الآيات الإلهية ويختار بدلها من الأراجيف الكاذبة ما يلهى النفوس ويشغلها عما يعنيها ويقربها الى ما لا يعنيها بل يضرها ويرديها وما ارتكب ذلك الضال المضل بما ارتكب من الاشتراء والاستبدال الفاسد الا لِيُضِلَّ ويصرف عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ من يميل اليه ويتوجه نحوه ليتدين بدين الله وينقاد لنبيه على مقتضى الفطرة الاصلية مع انه قد صدر عنه هذا الصرف والمنع رغبة ورضاء من تلقاء نفسه بِغَيْرِ عِلْمٍ يتعلق به نقلا او عقلا بل عن جهل مرتكز في جبلته وحميته مركوزة في خبث طينته وخسة طبيعته وَبسبب ذلك الجهل الجبلي يَتَّخِذَها اى الآيات الموصلة الى طريق الحق وتوحيده هُزُواً اى محل استهزاء وسخرية لجهله وغفلته عن السرائر المودعة فيها والحكم المكتومة في مطاويها والأسرار المكنونة في فحاويها أُولئِكَ البعداء المجبولون على الغواية والضلالة أصلا وفرعا تابعا ومتبوعا لَهُمْ في النشأة الاخرى عَذابٌ مُهِينٌ

стр. 707

يهينهم فيها بدل ما استهانوا بكتاب الله واستهزؤا برسله ظلما وزورا بلا تدرب وتدبر وَمن شدة شكيمته وبغضه بالله ورسوله وكتابه ونهاية عتوه وعناده إِذا تُتْلى عَلَيْهِ وقرئ عنده آياتُنا الدالة على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا وَلَّى عنها واعرض عن استماعها وانصرف عن قبولها حال كونه مُسْتَكْبِراً عليها متجافيا كشحه عنها كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها مع انها تتلى عليه مرارا قصدا لاستماعه ولم يلتفت إليها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً صمما يعوقه عن السماع والاستماع فَبَشِّرْهُ يا أكمل الرسل بعد ما اعرض عن كتاب الله واستنكف عن استماعه واصغائه مستحقا عليه مستحقرا إياه بِعَذابٍ أَلِيمٍ مؤلم في غاية الشدة والألم ثم عقب سبحانه وعيد الكفرة الهالكين في تيه الغي والضلال بوعد المؤمنين بمقتضى سنته المستمرة فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الله وصدقوا رسله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المرضية له سبحانه المقبولة عنده بمقتضى ما نزل عليهم من الآيات الواردة من لدنه سبحانه إياهم المصفية لظواهرهم وبواطنهم لَهُمْ في النشأة الاخرى جزاء ما أتوا به من الايمان والعمل الصالح في النشأة الاولى جَنَّاتُ النَّعِيمِ متنزهات مملوة بأنواع النعم واصناف الجود والكرم لا يتحولون منها أصلا بل يصيرون خالِدِينَ فِيها مترفهين بنعيمها لا يمسهم فيها نصب ولا وصب وَعْدَ اللَّهِ الذي قد وعد لخلص عباده من عنده بمقتضى علمه وارادته لا بد له ان ينجزه حَقًّا صدقا بلا خلف وتردد وَكيف يخلف سبحانه في وعده مع انه سبحانه هُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر على جميع ما دخل في حيطة حضرة علمه المحيط وارادته التامة الْحَكِيمُ المتقن في إيجاده وإظهاره على الوجه الذي أراد وشاء ومن جملة حكمته المتقنة المتفرعة على حضرة علمه المحيط وقدرته الشاملة وارادته الكاملة انه قد خَلَقَ واظهر السَّماواتِ وعالم الأسباب بِغَيْرِ عَمَدٍ وأسانيد وأسطوانات على الوجه الذي تَرَوْنَها معلقة على الأرض بلا استناد واتكاء وَكذا قد أَلْقى فِي الْأَرْضِ التي هي عالم المسببات رَواسِيَ شامخات وجبالا راسيات كراهة أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وتميل عليكم وقت ترددكم وتحرككم عليها وَبَثَّ فِيها وبسط عليها ونشر مِنْ كُلِّ دابَّةٍ تتحرك عليها متبادلة متقابلة كيف اتفق لتستقر وتمكن لان طبيعتها في حد ذاتها كانت على الحركة والاضطراب إذ هي محفوفة بالماء السائل المجبول على الحركة والسيلان وهو بالهواء المتموج بالطبع وهي بالنار المضطربة وهي بالأفلاك المتحركة بطبقاتها وَبعد ما مهدناها وألقينا عليها من الرواسي العظام تتميما لتقريرها أَنْزَلْنا مِنَ جانب السَّماءِ ماءً مستحدثا من الابخرة والادخنة المتصاعدة المتراكمة المستحيلة بالماء بمجاورة الكرة الزمهريرية فَأَنْبَتْنا فأخرجنا بانزال الماء عليها فِيها اى في الأرض المنبسطة اليابسة بالطبع مِنْ كُلِّ زَوْجٍ صنف من النباتات مزدوج مع شاكلته كَرِيمٍ كثير المنافع والفوائد مصلح للامزجة مقوم لها لتعيشوا عليها مترفهين متنعمين شاكرين لنعمنا غير كافرين بمقتضيات جودنا وكرمنا. ثم قال سبحانه من مقام العظمة والكبرياء وكمال المجد والبهاء على سبيل الإسكات والتبكيت لمن أشرك معه غيره عنادا ومكابرة هذا الذي سمعتم ايها المجبولون على السمع والإصغاء خَلْقُ اللَّهِ القادر القوى المقتدر ذي الحول والقوة الغالبة والطول العظيم فَأَرُونِي ايها المشركون المسرفون المفرطون في دعوى الشرك معه سبحانه ماذا خَلَقَ وأى شيء اظهر وأوجد شركاؤكم الَّذِينَ تعبدونهم وتدعون نحوهم في الخطوب والمهام وتذعنون انهم آلهة مِنْ دُونِهِ سبحانه مستحقة للعبادة

стр. 708

والرجوع قادرة على لوازم الألوهية والربوبية فسكتوا بعد ما سمعوا ما سمعوا تائهين وانقلبوا حينئذ صاغرين بَلِ الظَّالِمُونَ المجبولون على الظلم والخروج عن مقتضى الحدود الإلهية سيما بدعوى الشركة واتخاذ اله سواه العياذ بالله منه فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وغواية ظاهرة وطغيان عظيم. أعاذنا الله وعموم عباده من أمثاله. ثم قال سبحانه على سبيل اظهار الفضل والامتنان والتفرد بمقتضى الألوهية والربوبية وَلَقَدْ آتَيْنا من مقام عظيم لطفنا وجودنا لُقْمانَ ابن باعورا ابن ناخور بن آزر وكان ابن اخت أيوب ﵇ او خالته وعاش الى ادراك داود ﵇ فأخذ منه العلم والْحِكْمَةَ وهي عبارة عن اعتدال الأوصاف الجبلية الموعودة في النفوس البشرية بمقتضى الفطرة الاصلية والتخلق بالأخلاق المرضية المنتشئة من الأوصاف الذاتية الإلهية وقلنا له بعد ما قد أنعمنا عليه نعمة الحكمة واعددناه لقبول فيضان انواع اللطف والكرامات أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ واصرف بمقتضى الحكمة الموهوبة لك من عندنا عموم ما أعطيناك من النعم العظام على ما جبلناها لأجله لتكون أنت من زمرة الشاكرين المواظبين على أداء حقوق جودنا وكرمنا ومن جملة المطيعين بمقتضيات حكمتنا وأحكامنا وَاعلم ايها المجبول على الحكمة الفطرية انه مَنْ يَشْكُرْ نعمنا عادا على نفسه عوائد كرمنا فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ إذ فائدة شكره انما هي عائدة اليه مزيدة لنعمنا إياه مستجلبة لانواع لطفنا وإحساننا معه وَمَنْ كَفَرَ لنعمنا من خبث طينته واعرض عن أداء حقوق كرمنا إياه فوبال كفرانه وطغيانه ايضا عائد اليه إذ عندنا الشكر والكفران سيان ونحن منزهون عن الربح والخسران فَإِنَّ اللَّهَ المتجلى على عموم الأنفس والآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق غَنِيٌّ مطلقا بذاته عن جميع صور احسان عباده معه حَمِيدٌ حسب أوصافه وأسمائه الذاتية الظاهرة آثارها على صفائح الأكوان والمكونات المتوجهة نحو مبدعها المثنية له سبحانه حالا ومقالا سرا وجهارا وَاذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من المؤمنين تذكيرا لهم وعظة عليهم وقت إِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ المسمى بأنعم او اشكم او ماثان قولا ناشئا عن محض الحكمة المتقنة الموهوبة له من عنده سبحانه وَهُوَ يَعِظُهُ ويقصد تهذيب ظاهره وباطنه عن الأخلاق الردية والملكات الدنية الغير المرضية مناديا إياه مصغرا على سبيل التحنن والتعطف وكمال الترحم والتلطف مضيفا الى نفسه ليقبل منه ما أوصاه يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ المنزه عن الشريك والشبيه والكفو والنظير واعلم ان أجل اخلاقك وأعز اوصافك التوحيد وتنزيه الحق عن التشبيه والتعديد وأخس اوصافك وأرذل اخلاقك وأردأ ما جرى في خلدك وضميرك الشرك بالله إِنَّ الشِّرْكَ واعتقاد التعدد والاثنينية في حق الحق الحقيق بالحقية الوحيد بالقيومية الفريد بالديمومية المستحق بالالوهية والربوبية استحقاقا ذاتيا لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لا ظلم أعظم منه وافحش أعاذنا الله وعموم عباده منه. ثم قال سبحانه على سبيل التوصية والمبالغة تأكيدا وتحقيقا على ما قد وصى به لقمان ابنه من النهى عن الشرك والزجر عنه وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ والزمنا عليه أولا بعد ما قد أظهرناه قابلا لحمل التكاليف المكملة لذاته لائقا للكمالات المعدة له في خزانة كرمنا وجودنا بِوالِدَيْهِ اى باطاعتهما وبحفظ آداب المعاشرة والمصاحبة معهما ورعاية حقوقهما على ما ينبغي ويليق بلا فوت شيء من حقوقهما سيما والدته المتحملة لأجله انواع المحن والمشاق إذ قد حَمَلَتْهُ أُمُّهُ بواسطة حمله في بدء وجوده وَهْناً عَلى وَهْنٍ وضعفا على ضعف إذ كلما ازداد نشوه ونماؤه في بطنها قد ازداد ضعفها الى ان انفصل عنها وبعد انفصاله تداوم لحفظه وحضانته الى فطامه

стр. 709

وَفِصالُهُ فطامه انما هو فِي عامَيْنِ وبعد ما انفطم تلازم ايضا على حفظه الى وقت بلوغه وبعد ما قد بلغ سن التكليف قلنا له أَنِ اشْكُرْ لِي ايها المكلف المتنعم بأنواع النعم منى اصالة وتسببا لأني قد خلقتك واظهر تك من كتم العدم ولم تك شيأ وَاشكر ايضا لِوالِدَيْكَ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة لإقامتهما على حفظك وحضانتك الى ان كبرت وبلغت مرتبة اشدك وكمال عقلك ورشدك واعلم ان شكرك إليهما راجع إِلَيَّ ايضا إذ انا قد اقدرتهما ومكنتهما على حفظك وألقيت انا المحبة بالنسبة إليك في قلبهما وبالجملة الى الْمَصِيرُ والمرجع في عموم الأفعال الصادرة من العباد ظاهرا إذ هم وما صدر عنهم من الأفعال والأعمال مستندون إلينا أولا وبالذات كيف لا تستند أفعالهم إلينا إذ جميع ما صدر من العباد ظاهرا تابع لوجوداتهم مترتب عليها والحال انه ليس لهم وجود في أنفسهم بل وجوداتهم انما هي رشحة من رشحات وجودنا الحق وفيء من اظلال اوصافنا وأسمائنا الذاتية وَبعد ما قد أكدنا عليكم ايها المكلفون حفظ حقوق والديكم وبالغنا فيه إِنْ جاهَداكَ يعنى والديك ايها المكلف واجتهدا في شانك وبالغا في الجهد والسعى الى ان قاتلا معك وأرادا مقتك وهلاكك عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي وتعتقد ربا سواي وتعبده مثل عبادتك إياي مع انك أنت في نفسك خالي الذهن ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يتعلق بنفي الشريك ولا بإثباته ايضا فَلا تُطِعْهُما بحال من الأحوال في أمرهما هذا وسعيهما فيه إذ اصل فطرتك مجبولة على التوحيد من لدنا سواء تعلق علمك به او لم يتعلق فلك ان لا تطيعهما بل تنصرف عن أمرهما هذا وَمع انصرافك عن أمرهما هذا صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا وان كانا مشركين مَعْرُوفاً مستحسنا عقلا وشرعا ومروة حفظا لحقوقهما وَبالجملة لا تتبع بشركهما وكفرهما مطلقا بل اتَّبِعْ في الدين والملة سَبِيلَ مَنْ أَنابَ ورجع إِلَيَّ ودين من توجه نحوي موحدا إياي بريئا من الشرك مطلقا وبالجملة امض على التوحيد واسلك طريقه ما دمت في دار الابتلاء ثُمَّ اعلم انكم بعد ما انقرضت النشأة الاولى إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ تابعا ومتبوعا موحدا ومشركا أصلا وفرعا فَأُنَبِّئُكُمْ حينئذ وأخبركم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى بتفاصيل أعمالكم التي قد صدرت عنكم في دار الاختبار واجازيكم على مقتضاها ان خيرا فخير وان شرا فشر وبعد ما قد سجل لقمان على ابنه توحيد الحق بنفي ضده على وجه المبالغة والتأكيد أراد ان ينبه عليه بانه لا بد له ان يحفظ على نفسه الأدب مع الله في كل الأحوال بحيث لا يصدر عنه شيء يخالف توحيده ولا يلائمه ولو كان مقدار ذرة حقيرة إذ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه المحيط من أفعاله شيء فقال ايضا مناديا يا بُنَيَّ إِنَّها اى الخصلة الذميمة التي قد أتيت أنت بها المنافية للتوحيد او الخصلة الحميدة الملائمة له لا يعزب كلاهما عن علم الله المحيط مطلقا بعموم الكوائن والفواسد الكائنة في الأنفس والآفاق وبالجملة إِنْ تَكُ أنت فرضا وكذا ما جئت به من الخصلة الذميمة او الحميدة في صغر الجثة او الوزن والمقدار مِثْقالَ حَبَّةٍ واحدة مقدرة كائنة مِنْ خَرْدَلٍ إذ هي مثل في الحقارة والصغر فَتَكُنْ تقع وتحصل أنت بعد ما جئت بها فِي صَخْرَةٍ اى في جوفها وهي أخفى الموضع واستر الأمكنة أَوْ فِي أعلى السَّماواتِ وفوقها وهو ما وراء الفلك الأطلس أَوْ فِي أسفل الْأَرْضِ وقعرها وبالجملة ان كنت في أخفى الأماكن واحفظها يَأْتِ بِهَا اى بك وبخصلتك التي قد صدرت عنك اللَّهُ الرقيب عليك في جميع حالاتك ويجازيك بمقتضاها ان

стр. 710

تعلق ارادته ومشيته سبحانه باتيانك وإحضار ما صدر عنك من الأفعال والآثار وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المطلع على مطلق السرائر والخفايا لَطِيفٌ لا يحجبه حجب ولا يمنعه سدل خَبِيرٌ ذو خبرة تامة يعلم كنه الأشياء وان دقت ورقت ولا يكتنه ذاته مع انه اظهر وأبين في ذاته من عموم مظاهره ومصنوعاته بل ظهور عموم المظاهر فرع ظهوره وعكس نوره وبعد ما سمعت يا بُنَيَّ وصف ربك وحيطة علمه وشمول قدرته ولطافة اطلاعه وخبرته أَقِمِ الصَّلاةَ وأدم ميلك نحوه بجميع أركانك وجوارحك مخلصا في ميلك ورجوعك اليه سبحانه محرما على نفسك جميع ما يشغلك عن ربك مجردا مصفيا عاريا قلبك عن عموم منسوباتك ومقتضيات بشريتك ولوازم هويتك وَأْمُرْ يا بنى على بنى نوعك أولا ان قصدت تكميلهم وإرشادهم الى مقصد التوحيد بِالْمَعْرُوفِ المستحسن عقلا وشرعا وكلم معهم على قدر عقولهم بلا إغراء ولا إغواء ولا تفش عليهم سر التوحيد ما لم يستحقوا لفهمه وحفظه ولم يستعدوا لقبوله وَانْهَ ايضا عَنِ الْمُنْكَرِ المستهجن عقلا وشرعا عادة ومروءة ونبههم على وجوه القبيح والهجنة والطف معهم في تبيينه لعلهم يتفطنون بقبحه بمقتضى فطرتهم وفطنتهم التي قد فطروا عليها في بدء الأمر وَبالجملة اصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ في تمشية سلوك التوحيد وتقوية طريقه وكن متحملا على مشاق الطاعات ومتاعب العبادات وارض من ربك بجميع ما جرى عليك وثبت لأجلك في لوح قضائه وحضرة علمه إِنَّ ذلِكَ المذكور اى كل واحد من الأمور المذكورة والخصائل المأمورة لك انما هو مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ اى من الأمور التي قد عزم الحق عليها وأوجبها على ذوى العزائم الصحيحة من خلص عباده إرشادا لهم الى وحدة ذاته وزلال هدايته الصافية عن كدر مطلق الضلالات والجهالات وَكن يا بنى في تمدنك ومعاشرتك مع بنى نوعك لينا ملينا بشاشا بساما ولا تُصَعِّرْ اى لا تمل ولا تعرض ولا تصرف بحال من الأحوال ووقت من الأوقات خَدَّكَ وصفحة وجهك التي بها مواجهتك لِلنَّاسِ ولا تلو عنقك عنهم كبرا وخيلاء كما يفعله ارباب النخوة من الجهلة المستكبرين المتفوقين على الأقران المفتخرين بما عندهم من المال والجاه والثروة والسيادة النسبية ولا سيما اصحاب العلوم الرسمية والفضائل الكسبية من الاعتبارات الحكمية والعويصات الفلسفية والحيل الفقهية على الفقراء والضعفاء الفاقدين لها العارين عن تلك المكدرات الظلمانية مع ان صفاء قلوب هؤلاء الفقراء اكثر وأوفر من قلوب أولئك المتكبرين المفتخرين بما معهم من موجبات النخوة وَبالجملة لا تَمْشِ يا بنى فِي الْأَرْضِ التي قد بسطت للتذلل والانكسار مَرَحاً ذا فرح وسرور مفتخرا بما عندك من الحطام الفانية او العلوم الرسمية الدينية او الرياسة النسبية إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ يمشى على وجه الأرض خيلاء بحيث يتبادر منه الكبر والنخوة في بادى النظر فَخُورٍ بما عنده من الحسب والنسب والجاه والمال بطر بها مباه بسببها وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وتوسط يا بنى واعتدل في مشيك بين الاسراع المذهب بهاء المؤمن ووقاره وبين الدبيب الموجب للعجب والخيلاء وَاغْضُضْ ايضا مِنْ صَوْتِكَ وانقص منه ولا ترفع وان كان حسنا يستحسنه السامعون فإنك بقصدك رفعة صوتك مبالغا فيها تشبه الحمار إذ هو مخصوص من بين سائر الحيوانات بترفيع الصوت والمبالغة فيه ومن بالغ في رفع صوته وان كان حسنا مرغوبا مقبولا فقد أشبه نفسه به ولا شك ان صوت الحمار

стр. 711

منكر عند جمهور العقلاء بل عند عموم الحيوانات ايضا حتى ان الكلب يتأذى من صوته ويفزع منه عند سماعه من غاية تأثر وتألم به وبالجملة إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ وأوحشها واقرعها الآذان لَصَوْتُ الْحَمِيرِ وكيف تشبهون انفسكم ايها المجبولون على الشرف والكمال الى أدون الحيوانات وأرذل المخلوقات وأنزلها رتبة. ثم أشار سبحانه الى شرف الإنسان وعلو رتبته وسمو مكانته فقال أَلَمْ تَرَوْا ولم تعلموا ايها المجبولون على الدرية والدراية أَنَّ اللَّهَ الحكيم المتقن في عموم أفعاله قد سَخَّرَ لَكُمْ وسهل عليكم تتميما لفضلكم وكرامتكم جميع ما فِي السَّماواتِ اى العلويات التي هي علل واسباب وفواعل وان كانت معلولات في أنفسها ومسببات في حدود ذواتها وَكذا عموم ما فِي الْأَرْضِ اى السفليات التي هي مسببات عن العلويات وقوابل لما يفيض عنها بطريق جرى العادات الإلهية ليحصل من امتزاجها ما يعيشون به مترفهين متنعمين من انواع الفواضل والنعم وَبالجملة قد أَسْبَغَ اكثر وأوفر سبحانه عَلَيْكُمْ ايها المجبولون على الكرامة الفطرية والكمال الجبلي نِعَمَهُ ظاهِرَةً تدركون بها ظواهر الآيات من المبصرات والمسموعات والملموسات والمشمومات والمذوقات وَباطِنَةً تدركون بها سرائر المعلومات واسرار المعقولات وتنكشفون بها الى المعارف والحقائق الفائضة على قلوبكم التي قد اودعها الله العليم الحكيم في بواطنكم كل ذلك ليسع فيها وينزل عليها سلطان وحدته الذاتية السارية في ظواهر الأكوان وبواطنها الكائنة ازلا وابدا مع انه سبحانه لا يسع في سعة السموات والأرض وان فرض لها أضعاف أضعاف وآلاف آلاف من السعة بل يسع في قلب عبده العارف المؤمن الموقن المنكشف بوحدته الذاتية الظاهرة المتجلية على صفائح عموم ما ظهر وبطن وغاب وشهد وَمع ظهور وحدته سبحانه في ذاته واستقلاله في اظهار المظاهر الكامنة ازلا وابدا مِنَ النَّاسِ المجبولين على الجدال والنسيان المنهمكين في بحر العناد والطغيان مَنْ يُجادِلُ فِي توحيد اللَّهَ المتوحد المتفرد بالالوهية والربوبية المستقل بالتصرف في ملكه وملكوته ارادة واختيارا ويثبت له شريكا سواه ويعبده كعبادته مع ان جداله هذا ما يستند الى سند يصلح للاستناد بل بِغَيْرِ عِلْمٍ ودليل عقلي فاض عليه يمكن التوصل به الى اثبات ادعائه بطريق النظر والاستدلال وَلا هُدىً وكشف صريح لدنى قد نبع من قلبه بلا افتقار الى مقدمات الوسائل العادية التي يستنتج منها المطالب وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ودليل نقلي ينور خلده ويعده لفيضان المعارف والحقائق من المبدأ الفياض بل ما نشأ عموم ما نشأ منه من الدعاوى والمجادلات الا من محض التقليد والتخمين الحاصل من متابعة القوى الوهمية والخيالية الغالبة المستولية على القوى العقلية الفطرية التي هي من بدائع الودائع الإلهية المودعة في قالب الإنسان المصور على صورة الرحمن وَلذلك إِذا قِيلَ لَهُمُ على سبيل العظة والتذكير امحاضا للنصح اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ المصلح لأحوالكم من الدين والكتاب المشتمل على انواع الرشد والهداية والنبي المؤيد من عنده المبعوث إليكم لهدايتكم وإصلاحكم قالُوا في الجواب ما نتبع بمفترياتكم المستحدثة التي قد ابتدعتموها أنتم من تلقاء انفسكم ونسبتموها الى الله تغريرا وترويجا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا إذ هو مستمر قديم فنحن بأثرهم متبعون وبدينهم راضون متخذون قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا أَيتبعون آباءهم أولئك الضالون المسرفون وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ المغوى المضل إياهم يَدْعُوهُمْ وآباءهم ايضا الى الباطل ليصرفهم عن

стр. 712

الحق ويوصلهم إِلى عَذابِ السَّعِيرِ قد أعد سبحانه له ولمتابعيه ولمن يقتفى اثره ويقبل منه دعوته ووسوسته. ثم قال سبحانه وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ الذي يلي الحق إِلَى اللَّهِ ويخلص في توجهه نحوه سبحانه وَالحال انه هُوَ مُحْسِنٌ مع الله نفسه بتوفيق الله وتيسيره ناظر الى الله سبحانه مطالع بوجهه الكريم فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بل تمسك وتشبث بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى التي لا انفصام لها ألا وهي حبل الله الممدود من أزل الذات الى ابد الأسماء والصفات ومن تمسك بها فقد فاز بكنف حفظه وجواره وأمن من شر الشيطان وغوائله وتضليلاته عن طريق الحق وصراطه المستقيم وَكيف لا إِلَى اللَّهِ المستجمع لجميع الأسماء والصفات المظهرة المرتبة لما في الكائنات لا الى غيره من الوسائل والاظلال العادية عاقِبَةُ الْأُمُورِ ومصيرها ومن تشبث بحبل الله مخلصا فقد لحق بخلص أوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وَمَنْ كَفَرَ واعرض عن التشبث بحبل توفيقه سبحانه وانصرف عن الاستمساك بدلائل وحدته وشواهد استقلاله في آثاره فَلا يَحْزُنْكَ يا أكمل الرسل كُفْرُهُ واعراضه عنا وعن مقتضى الوهيتنا وربوبيتنا إذ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ومصيرهم كما ان منا مبدأهم ومنشأهم فَنُنَبِّئُهُمْ ونخبرهم ونفصل عليهم بِما عَمِلُوا بعد ما رجعوا إلينا ونجازيهم على مقتضاه بلا فوت شيء مما صدر عنهم وكيف لا يجازون بأعمالهم ولا يحاسبون عليها إِنَّ اللَّهَ المطلع على عموم ما ظهر وبطن من ذرائر الأكوان عَلِيمٌ يحيط حضرة علمه المحيط بِذاتِ الصُّدُورِ وخفيات الأمور وان دقت ولطفت بحيث لا يعزب عن حيطة حضرة علمه شيء قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا لا يغتروا بامهالنا وتمتيعنا إياهم وعدم التفاتنا نحوهم وعدم انتقامنا منهم ولا يحملوا امهالنا على الإهمال إذ نُمَتِّعُهُمْ زمانا قَلِيلًا ومدة يسيرة تسجيلا للعذاب عليهم وتغريرا لهم ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ بعد بطشنا إياهم إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ لا عذاب أشد منه لغلظ غشاوتهم وقساوتهم وَكيف لا نأخذ أولئك المكابرين المعاندين مع انهم لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ سؤال اختبار والزام مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وأوجد العلويات وما فيها من الكواكب والبروج وانواع الفجاج وَالْأَرْضَ ومن عليها وما عليها مما لا يعد ولا يحصى لَيَقُولُنَّ في الجواب مضطرين حاصرين مخصصين اللَّهُ إذ لا يسع لهم اسناد خلقها وإيجادها الى غير سبحانه لظهور الدلائل والشواهد المانعة من الاسناد الى غيره سبحانه قُلِ يا أكمل الرسل بعد ما اعترفوا بان الموجد للعلويات والسفليات ليس الا الله سبحانه بالأصالة والاستقلال الْحَمْدُ لِلَّهِ قد اعترفتم بتوحيد الله مع انكم اعتقدتم خلافه وبالجملة قد لزمكم بقولكم هذا توحيد الحق بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ لزومه ولا يفهمون استلزامه لذلك ينكرون له ويشركون معه غيره عنادا واستكبارا تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وكيف لا يعلمون ويفهمون مع انه لِلَّهِ الواحد الأحد المستحق للالوهية والربوبية وفي حيطة حضرة علمه وقبضة قدرته وتحت تصرفه عموم ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى العلويات والسفليات والممتزجات سواء علموا وحدته واستقلاله في ملكه او لم يعلموا واعتقدوا توحيده او لم يعتقدوا إذ لا يرجع له سبحانه نفع من اعتقادهم وضر من عدمه بل نفع اعتقادهم وايمانهم انما يرجع إليهم وضر كفرهم وشركهم ايضا كذلك إذ هو سبحانه منزه في ذاته عن ايمان المؤمن وكفر الكافر وكذا عن فسق العاصي وزهد المطيع إِنَّ اللَّهَ المستغنى عن عموم ما ظهر وما بطن هُوَ الْغَنِيُّ المقصور على الغنى الذاتي بالاستحقاق الذاتي الْحَمِيدُ بمقتضى أوصافه الذاتية وأسمائه الحسنى التي بها ظهر ما ظهر

стр. 713

وبطن ما بطن سواء نطقت بجملته ألسنة مظاهره واظلاله أو لم تنطق إذ هو في ذاته متعال عن النقص والاستكمال واستجلاب النفع وإجلال الغير مطلقا ثم لما أمرت اليهود وفد قريش بان يسئلوا رسول الله ﷺ عن قوله تعالى وما أوتيتم من العلم الا قليلا كيف قال سبحانه هذا مع انا قد انزل إلينا التوراة وفيها علم كل شيء ظاهرا وباطنا رد الله عليهم حصرهم علم الحق بالتوراة بل بعموم الكتب والصحف المنزلة من عنده على عامة الرسل وكافة الأنبياء إذ كل ما دخل في حيطة الإنزال والإتيان متناه وحضرة علمه سبحانه في نفسه غير متناه ولا نسبة بين المتناهي وغير المتناهي بل علمه سبحانه بالنسبة الى معلوم ومقدور واحد مشخص معين باعتبار شئونه وتطوراته غير متناه فكيف بعموم المعلومات والمقدورات فقال سبحانه بمقتضى استعداد من على الأرض وحسب قابليتهم وبقدر عقولهم مبينا لهم عدم نهاية حضرة علمه منبها عليهم وَلَوْ أَنَّ جميع ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ وهي كل ماله ساق من هذا الجنس أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ المحيط الذي هو عبارة عن كرة الماء الكائن الطائف حول الأرض يَمُدُّهُ ويصير مدادا لها وحبرا لثبتها ومدها بل فرض ايضا مِنْ بَعْدِهِ اى بعد نفاد البحر المحيط سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مثلا محيطات كذلك تشيعه وتمد مده فكتبت بهذه الأقلام والمداد المذكورة على الدوام كلمات الله العليم العلام القدوس السلام ما نَفِدَتْ وما تناهت وما تمت مطلقا كَلِماتُ اللَّهِ وتنفد المداد والأقلام المذكورة بل وان فرض أمثالها واضعافها وآلافها ابدا مدادا وأقلاما كذلك إذ الأمور الغير المتناهية لا تقدر بمقدار متناه ولا تكال بمكيال مقدر وكيف يكال ويقدر علمه سبحانه إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء عَزِيزٌ غالب قادر على ما جرى في حضرة علمه المحيط مع انه لا نهاية لمعلوماته حَكِيمٌ لا ينتهى حكمته وقدرته بالنسبة الى مقدور دون مقدور بل له التصرف في كل واحدة من مقدوراته ومراداته الى ما لا يتناهى ازلا وابدا إذ لا يكتنه طور علمه وخبرته وحكمته وقدرته مطلقا ومن جملة مقدوراته الصادرة منه سبحانه بمقتضى حكمته ارادة واختيارا خلقكم وايجادكم أولا على سبيل الإبداع بمقتضى اللطف والجمال واعدامكم ثانيا على مقتضى القهر والجلال واعادتكم وبعثكم ثالثا إظهارا للحكم الموعود في هوياتكم وأشباحكم والمصلحة المندرجة في ايجادكم واظهاركم والمحجوبون المقيدون بسلاسل الازمنة والساعات والآنات يتوهمون بين الأطوار الثلاثة والنشآت المتعاقبة أمدا بعيدا وازمنة متطاولة وعند الله بعد ما تعلق ارادته ونفذ قضاؤه وصدر عنه الأمر بقوله كن يكون الكل مقضيا بلا تراخ ومهلة في اقصر مدة من آن وطرفة ولمحة إذ لا يشغله سبحانه شأن عن شأن ولا يقدر أفعاله زمان ومكان لذلك قال سبحانه ما خَلْقُكُمْ واظهاركم في فضاء الوجود في النشأة الاولى وَلا بَعْثُكُمْ وحشركم في المحشر في النشأة الاخرى بعد ما انقرضتم عن الاولى إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ يعنى ايجادكم جملة أولا وبعثكم ثانيا كذلك في جنب قدرتنا وارادتنا كايجاد نفس واحدة بلا تفاوت إذ متى صدر عنا قولنا كن اشارة منا الى خلقكم وبعثكم جملة فيكون الكل مقضيا في الحال ككون نفس واحدة إِنَّ اللَّهَ المطلع لسرائر ما ظهر وبطن سَمِيعٌ لعموم ما صدر عن ألسنة استعدادتهم وقابلياتهم بَصِيرٌ بعموم ما قد لاح عليهم من اشراق نور الوجود وكيف لا يطلع سبحانه بجميع الكوائن والفواسد أَلَمْ تَرَ ايها الرائي المتأمل المتدبر أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ ويدخل اللَّيْلَ اى أجزاء منه فِي النَّهارِ ويطيله بها في الربيع تتميما لتربية أرزاقكم واقواتكم

стр. 714

وَيُولِجُ ايضا في الخريف النَّهارِ اى اجزاءه فِي اللَّيْلِ ويطيله بها تقوية وتعميرا واعدادا للأرض لتربية ما حدث منها ونبت عليها وَبالجملة قد سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لمصلحة معاشكم وتربية نفوسكم الى حيث كُلٌّ يَجْرِي ويدور بامره وتتم دورته بحكمه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قد عينه الله سبحانه وسماه من عنده بمقتضى حكمته تربية لعباده وتقويما لأمزجتهم ليشتغلوا على ما جبلوا لأجله وَاعلموا ايها المجبولون على فطرة المعرفة والتوحيد أَنَّ اللَّهَ المراقب عليكم في عموم حالاتكم بِما تَعْمَلُونَ اى بجميع ما صدر عنكم من الأعمال والأفعال خَبِيرٌ لا يعزب عن خبرته ذرة من ذرائر ما لمع عليه نور الوجود وانما ظهر منه سبحانه كل ذلِكَ الذي قد سمعت ايها المجبول على فطرة الدراية والعرفان والمترصد لانكشاف سرائر التوحيد والإيقان من بدائع القدرة الإلهية ومن عجائب العلم والارادة وغرائب الشئون والأطوار اللامعة من لوايح لوامع شروق شمس الذات الاحدية ليدل بِأَنَّ اللَّهَ المتجلى على عروش الأنفس والآفاق بالأصالة والاستحقاق هُوَ الوجود المطلق الْحَقُّ الثابت المثبت ازلا وابدا القيوم المطلق الدائم الباقي بلا انقضاء ولا انصرام وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ويدعون الوجود له من العكوس والاظلال الهالكة في شروق شمس الذات هو الْباطِلُ المقصور المنحصر على العدم الصرف والبطلان المستهلك في مضيق الإمكان بأنواع الخذلان والحرمان وَبالجملة اعلموا ايها المتأملون في آثار الوجود الإلهي المتحققون بوحدة ذاته وكثرة شئونه وتطوراته حسب أسمائه وصفاته أَنَّ اللَّهَ المستقل بالالوهية والربوبية المستحق لانواع التذلل والعبودية إياه هُوَ الْعَلِيُّ بذاته لا بالإضافة الى غيره إذ لا غير معه الْكَبِيرُ في شئونه وتطوراته حسب تجلياته الجمالية والجلالية واللطفية والقهرية وكيف لا يستقل سبحانه بتصرفات ملكه وملكوته أَلَمْ تَرَ ايها الرائي المعتبر المستبصر أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ حاملة بِنِعْمَتِ اللَّهِ المنعم المفضل عليكم بمقتضى لطفه وسعة جوده لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ الدالة على توحيده لتتفطنوا منها الى وحدة ذاته إِنَّ فِي ذلِكَ الإجراء والإمداد بالرياح المعينة لجريها والحفظ من الغرق والهلاك لَآياتٍ دلائل قاطعات وشواهد ساطعات لِكُلِّ صَبَّارٍ قد صبر على متاعب ما جرى عليه من القضاء شَكُورٍ لما وصل اليه من الآلاء والنعماء وَمن كمال صبرهم وشكرهم إِذا غَشِيَهُمْ وغطاهم أحيانا مَوْجٌ عظيم هائل واستعلى مغلقا عليهم كَالظُّلَلِ المغطية إياهم من الجبال والسحب دَعَوُا اللَّهَ الواحد الأحد الفرد الصمد المنجى لهم عن أمثاله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حاصرين التوجه والانقياد نحوه بلا ميل منهم الى الأسباب والوسائل العادية متضرعين نحوه داعين اليه بلا رؤية الوسائل في البين على ما هو مقتضى فطرة التوحيد فَلَمَّا نَجَّاهُمْ سبحانه بفضله عن احوال البحر ومضيقة وأوصلهم إِلَى الْبَرِّ وسعة فضائه سالمين غانمين فَمِنْهُمْ حينئذ مُقْتَصِدٌ معتدل في قصده نحو الحق غير مائل الى طرفي الإفراط والتفريط ومنهم مائل عن الاعتدال منحرف عنه ساع الى تحصيل ما يضاده ويخالفه وَبالجملة ما يَجْحَدُ وينكر منهم بِآياتِنا الدالة على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ غدار ناقض للعهد الفطري والميثاق الجبلي كَفُورٍ للآلاء والنعماء المترادفة المتدالية صروف لها الى ما لا يعنى الله ولا يأمره يا أَيُّهَا النَّاسُ المجبولون على الكفران والنسيان المشغوفون على البغي والعدوان اتَّقُوا رَبَّكُمْ الذي قد أظهركم من

стр. 715

كتم العدم ولم تكونوا شيأ مذكورا واحذروا عن بطشه وانتقامه فان بطشه شديد وعذابه لعصاة عباده اليم مزيد وَاخْشَوْا يَوْماً اىّ يوم هو يوم لا يَجْزِي لا يسقط ولا يحمل والِدٌ مع كمال عطفته ورأفته عَنْ وزر وَلَدِهِ شيأ حقيرا قليلا وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ متحمل قاض عَنْ وزر والِدِهِ شَيْئاً بل كل نفس يومئذ رهينة بما كسبت ضمينة بما اكتسبت بمقتضى ما وعد الله لها وكتب وبالجملة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ الذي قد وعده لعباده حَقٌّ لا ريب في إنجازه ولا خلف في وقوعه فَلا تَغُرَّنَّكُمُ ايها المجبولون على الغفلة والغرور الْحَياةُ الدُّنْيا بتغريراتها وتلبيساتها من مالها وجاهها ولذاتها الفانية الغير القارة وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ وعفوه وغفرانه وسعة رحمته وجوده الْغَرُورُ اى الشيطان المبالغ في الغرور والتغرير بان يجبركم على المعاصي اتكالا على عفو الله وغفرانه. ثم لما اتى الحرث بن عمرو رسول الله ﷺ فقال متى تقوم الساعة وانى قد ألقيت بذرا على الأرض فمتى تمطر السماء وامرأتى ذات حمل وحملها ذكر أم أنثى وما اعمل انا غدا وفي اين أموت وادفن فنزلت إِنَّ اللَّهَ المستقل باطلاع الغيوب عِنْدَهُ وفي حيطة حضرة علمه ولوح قضائه عِلْمُ السَّاعَةِ وتعيين وقت قيامها ولم يطلع أحدا عليها سوى انه سبحانه قد اخبر بوقوعها وقيامها في جميع الكتب المنزلة من عنده سبحانه على رسله وَايضا هو سبحانه يُنَزِّلُ الْغَيْثَ حسب اطلاعه ولم يطلع أحدا بوقت نزوله وَيَعْلَمُ ايضا هو سبحانه حسب علمه الحضوري ما فِي الْأَرْحامِ ولم يطلع أحدا عليه وَايضا ما تَدْرِي وما تعلم نَفْسٌ من النفوس الخيرة والشريرة مطلقا ماذا تَكْسِبُ وأى شيء تعمل غَداً وان تدبرت وتدربت وبذلت جهدها وسعيها لا تفوز الى دراية احوال غدها بل يومها بل ساعتها ولحظها وطرفتها بل ما هي ايضا في نفسها الا من جملة المغيبات التي قد أحاط بها علمه سبحانه خاصة بلا اطلاع احد عليها وَما تَدْرِي وما تعلم نَفْسٌ ايضا وان بالغت في السعى وبذل الجهد والطاقة بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ بل هو ايضا من جملة الغيوب التي قد استأثر الله بها وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المستقل بالالوهية والربوبية المستجمع لجميع أوصاف الكمال عَلِيمٌ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه المحيط ذرة خَبِيرٌ لا يخرج عن حيطة خبرته طرفة وان كان لا يكتنه لمية علمه وخبرته والله اعلم بحقائق أسمائه وصفاته وبدقائق معلوماته ورقائق آثاره ومصنوعاته المترتبة عليها. ربنا زدنا بفضلك وجودك علما منك ينجينا عن الجهل بك وباسمائك واوصافك انك على ما تشاء قدير وبانجاحه حقيق جدير خاتمة سورة لقمان عليك ايها الموحد المتحقق بمقام التوحيد المتمكن في مقعد الصدق خاليا عن امارات التخمين والتقليد ان لا تتأمل ولا تتمنى بل لا تتخمن في نفسك حصول ما لا يسع في وسعك وطاقتك من الأمور التي ليس في استعدادك وقابليتك حصولها وانكشافها دونها إذ الإنسان وان سعى وبذل جهده في طريق العرفان بعد ما وفقه الحق وجذبه نحوه لا يبلغ الا الى التخلق بأخلاق الله تعالى والفناء في ذاته منخلعا عن لوازم ناسوته بقدر ما يمكن له ويسع في قابليته واستعداده واما الاطلاع على جميع معلوماته سبحانه والانكشاف بالمغيبات التي قد استأثر الله في غيب ذاته فأمر لا يحوم حوله ادراك احد من الأنبياء والرسل والكمل من ارباب الولاء والمحبة الخالصة بل لا ينبغي ولا يليق ان يتفوه

стр. 716

به احد من خلص عباده أصلا إذ هو خارج عن استعداداتهم مطلقا واما امر المعجزات والكرامات الخارقة للعادات الصادرة عن خواص عباد الله من الأنبياء والأولياء فما صدرت ايضا منهم هذه الأمور الا باطلاع الله إياهم وتوفيقهم عليها وهم مجبورون مضطرون في ظهور أمثال تلك الكرامات عنهم مع ان بعض ارباب المحبة والولاء الوالهين بمطالعة جمال الله وجلاله قد تحزنوا وتغمموا عند ظهور أمثاله كثيرا كما يشاهد من بعض بدلاء الزمان ادام الله بركته على معارف اهل الايمان والعرفان وبالجملة لا بد ان يكون الموحد في عموم أحواله وأوقاته متمسكا بحبل الرضاء والتسليم راضيا بما جرى عليه من صولجان القضاء بلا تطلب منه وترقب لشيء. جعلنا الله ممن تمكن بمقام الرضاء ورضى بجميع ما ثبت له بلا ترقب نحو شيء لا يرد عليه بل له ان يترصد في جادة الرضاء منتظرا بعموم ما يرد عليه من القضاء الحق في لوح القضاء [سورة السجدة] فاتحة سورة السجدة لا يخفى على اهل العناية الموفقين من عند الله باستكشاف ما في طي كتابه من المعارف والحقائق المتعلقة بسرائر التوحيد والمسترشدين منه بقدر ما يسر الله لهم من الأخلاق الإلهية المودعة فيهم ان أمثال هذه الأسرار والرموز والإشارات المندرجة في هذا الكتاب لا يليق الا بجناب الحكيم الوهاب المطلع على سرائر ما ظهر وما بطن من آثار الوجود غيبا وشهادة دنيا وعقبا إذ لا يسع لبشر ان يتفوه بهذه الحكم والاحكام على هذا النهج والنظام الأبلغ الأكمل وليس في طاقتهم واستعدادهم الوقوف على المغيبات التي قد تخصص بها سبحانه وبالاحاطة بالأمور التي تعلقت بالنشأتين وترتبت على المنزلتين ومن له ادنى درية بأساليب الكلام ودراية في اتساقه وانتظامه وترتيب ألفاظه وكلماته وتطبيق معانيه وترصيف محاويه ومبانيه جزم انه خارج عن طور البشر ومعلوماته إذ لا مناسبة لعقولهم به وبما فيه من الرموز والإشارات الخارجة عن طور البشر وطوقه. ثم لما بلغ المرتابون في قدحه وطعنه ونسبته الى الاختلاق والافتراء مجادلة ومراء رد الله سبحانه عليهم على ابلغ وجه وآكده مخاطبا لحبيبه ﷺ متيمنا باسمه الكريم بِسْمِ اللَّهِ الذي قد انزل على عباده الكتاب ليبين لهم طريق الصدق والصواب في سلوك سبيل التوحيد والعرفان الرَّحْمنِ لهم بإرسال الرسول الهادي الى دار السلام وروضة الجنان الرَّحِيمِ لهم يشرفهم فيها بلقاء الرحمن [الآيات] الم ايها الإنسان الكامل الأعلم للوازم لوامع أنوار الوجود اللائح على صفائح الأكوان بمقتضى الجود الملاحظ المطالع لها بتوفيق الله الملك الودود تَنْزِيلُ الْكِتابِ الجامع لما في الكتب السالفة المبين لأحكام دين الإسلام المنزل عليك يا أكمل الرسل لتأييدك وترويج دينك لا رَيْبَ فِيهِ انه نازل من الله الجامع لجميع الأسماء والصفات كما ان مرتبتك جامعة لجميع مراتب اهل العلم وأنت مبعوث الى كافة الأمم هكذا قد صار كتابك نازلا مِنْ الله رَبِّ الْعالَمِينَ أيشكون ويترددون في نزوله من عنده أولئك الطاعنون الضالون أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ واختلقه من تلقاء نفسه ونسبه الى الله افتراء ومراء تغريرا وتلبيسا لا تحزن يا أكمل الرسل عليهم ولا تلتفت الى قولهم هذا بَلْ هُوَ الْحَقُّ الثابت المحقق المثبت نزوله مِنْ رَبِّكَ الذي رباك بأنواع الكرم واصطفاك من بين البرايا بالرسالة العامة قد أنزله إليك مشتملا على الإنذارات الشديدة والتخويفات البليغة لِتُنْذِرَ أنت بوعيداته قَوْماً قد انقطع عنهم آثار النبوة والرسالة لبعد العهد إذ ما أَتاهُمْ بعد عيسى صلوات الله عليه وسلامه مِنْ نَذِيرٍ انذرهم

стр. 717

عن الباطل وأرشدهم الى طريق الحق مِنْ قَبْلِكَ يا أكمل الرسل بل هم كانوا على فترة من الرسل فارسلك الحق إليهم لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ بهدايتك وارشادك الى توحيد الحق واتصافه بأوصاف الكمال وكيف لا يوحدونه سبحانه ولا يؤمنون بوحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته مع انه اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد الَّذِي خَلَقَ وأوجد بقدرته الكاملة السَّماواتِ اى العلويات وَالْأَرْضَ اى السفليات وَما بَيْنَهُما اى الممتزجات فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وساعات وآنات منبسطة في عموم الأقطار والجهات الست ثُمَّ بعد ما قدتم التمهيد والبسط اسْتَوى واستولى وتمكن سبحانه عَلَى الْعَرْشِ اى قد انبسط وامتد اظلاله على عروش عموم ما ظهر وبطن من الأنفس والآفاق بالاستقلال التام والتصرف العام مع صرافة وحدته الذاتية بلا شوب شركة وطرق كثرة لذلك ما لَكُمْ ايها الاظلال المنعكسة من شمس ذاته مِنْ دُونِهِ سبحانه مِنْ وَلِيٍّ يتولى أموركم ويتصرف فيكم وَلا شَفِيعٍ ينصركم ويعاون عليكم سواه سبحانه أَتشكون وتترددون في وحدته وولايته سبحانه ايها المنهمكون في بحر الغفلة والضلال فَلا تَتَذَكَّرُونَ ولا تتعظون بمواعظه وتذكيراته مع انه قد كررها مرارا وكيف لا هو الذي يُدَبِّرُ الْأَمْرَ اى عالم الأمر المنبئ عن الإيجاد والإظهار بانزال الملائكة الذين هم مظاهر أوصافه وأسمائه مِنَ السَّماءِ اى سماء الأسماء المتعالية عن الأقطار والجهات مطلقا إِلَى الْأَرْضِ اى عالم الطبيعة والهيولى القابلة لقبول آثارها وانما أنزلهم واهبطهم سبحانه ليعد ويستعد حسب حكمته خلاصة المظاهر والمصنوعات لقبول فيضان سلطان توحيده ثُمَّ بعد ما تم على الوجه الابدع والنظام الأتم الأبلغ يَعْرُجُ ويصعد إِلَيْهِ سبحانه عموم ما يترتب على عالم الأمر من المعارف والحقائق والأسرار الكلية في سريان الوحدة الذاتية بعد انقراض النشأة الاولى فِي يَوْمٍ معد لعروجه وصعوده كانَ مِقْدارُهُ اى مقدار ذلك اليوم في الطول والامتداد أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ في هذه النشأة من الأيام والأعوام وانما دبر سبحانه ما دبر من المعارف والحقائق المترتبة على الإيجاد والإظهار وقدر للعروج والصعود ما قدر لحكم ومصالح قد استأثر بها سبحانه في غيبه ولم يطلع أحدا عليها إذ ذلِكَ الذات البعيد ساحة عز حضوره عن ان يحوم حوله ادراك احد من مظاهره ومصنوعاته عالِمُ الْغَيْبِ الذي لم يتعلق به علم احد سواه وَالشَّهادَةِ المنعكسة منه حسب تجلياته الجمالية والجلالية الْعَزِيزُ الغالب القادر على جميع ما دخل في حيطة حضرة علمه المحيط بان يتصرف فيه كيف يشاء ارادة واختيارا الرَّحِيمُ الَّذِي وسعت رحمته كل ما لاحت عليه بروق تجلياته لذلك قد أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وقدر وجوده بعد ما دخل في حيطة حضرة علمه وقدرته وارادته وَبَدَأَ من بينه خَلْقَ الْإِنْسانِ يعنى آدم وقدر وجوده أولا مِنْ طِينٍ إذ هو اصل في عالم الطبيعة قابل لفيضان آثار الفاعل المختار مستعد لها استعدادا اصليا وقابلية ذاتية ثُمَّ بعد ما تعلق ارادته سبحانه بابقاء نوعه جَعَلَ نَسْلَهُ اى قدر بصنعه وجود ذرياته المتناسلة المتكثرة المتخلفة المستخلفة منه على سبيل التعاقب والترادف والتوالي مِنْ سُلالَةٍ وفضلة منفصلة منه كائنة حاصلة مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ممتهن مسترذل مستقذر لخروجه عن مجرى الفضلة ثُمَّ بعد ما قدر خلقه أولا من الطين وثانيا من الماء المهين قد سَوَّاهُ سبحانه إظهارا لقدرته وعدّ له وقوّم أركانه على احسن التقويم وَبعد تسويته وتعديله قد نَفَخَ فِيهِ سبحانه مِنْ رُوحِهِ ووجوده وحياته المضافة الى ذاته المستجمع

стр. 718

لجميع أوصافه وأسمائه تتميما لرتبة خلافته ونيابته واستحقاقه لمرآتية الحق وقابلية انعكاس شئونه وتطوراته ولياقته للتخلق بأخلاقه وَبالجملة قد جَعَلَ وهيأ لَكُمُ ايها المجبولون على فطرة المعرفة والتوحيد السَّمْعَ لتسمعوا بها آيات التوحيد ودلائل اليقين والعرفان وَالْأَبْصارَ لتشاهدوا بها آثار القدرة والارادة الكاملة المحيطة بذرائر الأكوان وَالْأَفْئِدَةَ المودعة فيكم لتتأملوا بها سريان الوحدة الذاتية على هياكل الأشباح الكائنة والفاسدة وتتفكروا بها في آلاء الله ونعمائه المتوالية المتوافرة ومع وفور تلك النعم العظام والفواضل الجسام قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ وتؤدون حقها وتصرفونها الى مقتضياتها التي قد جبلها الحق لأجلها وَمن غاية كفرانهم بنعم الله ونهاية عمههم وسكرتهم فيه قالُوا اى ابىّ ومن معه من المنافقين بعد ما سمعوا امر البعث والحشر ويوم العرض والجزاء مستبعدين مستفهمين مكررين على سبيل المبالغة في الإنكار أَإِذا ضَلَلْنا وقد اضمحللنا وغبنا فِي الْأَرْضِ وصرنا من جملة الهباآت المنبثة المتلاشية المتناثرة التي لا تمايز فيها أصلا أَإِنَّا بعد ما قد كنا كذلك ايها العقلاء المجبولون على فطرة الدراية والشعور لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ووجود مجدد معاد مثل ما كنا عليه قبل موتنا كلا وحاشا مالنا عود الى الدنيا سيما بعد ما متنا وصرنا ترابا وعظاما وايضا ما يقتصرون بمجرد قولهم هذا بَلْ هُمْ من غلظ غشاوتهم وغطائهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ الذي رباهم بأنواع النعم وأفاض عليهم سجال اللطف والكرم في النشأة الاخرى وبقبض ملك الموت أرواحهم بأمر الله إياه في النشأة الاولى كافِرُونَ منكرون جاحدون قُلْ لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا بعد ما سمعت قولهم وانكارهم هذا يَتَوَفَّاكُمْ ويستوفى اجلكم أولا ايها المنهمكون في الغفلة والضلال مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ باذن الله لقبض أرواحكم ثُمَّ بعد ما قبضتم في النشأة الاولى وبعثتم من قبوركم احياء في النشأة الاخرى إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ للعرض والجزاء وَلَوْ تَرى ايها المعتبر الرائي يومئذ بعد ما قد بعث الخلائق وعرضوا على ربهم حيارى سكارى تائهين هائمين إِذِ الْمُجْرِمُونَ المنكرون بالبعث والنشور والعرض وبشرف اللقاء حينئذ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ من غاية الخجالة والحياء قائلين من نهاية اضطرارهم واضطرابهم مناجين معه سبحانه رَبَّنا يا من ربانا بأنواع الكرامة فكفرناك وأرسلت إلينا رسلا فكذبناهم عنادا وأنكرنا عليهم وعلى دعوتهم مكابرة فاليوم قد أَبْصَرْنا ما هو الحق المطابق للواقع وَسَمِعْنا منك حقا صدق رسلك وجميع ما جاءوا به من عندك فَارْجِعْنا بفضلك ولطفك الى الدنيا مرة بعد اخرى وكرة بعد اولى نَعْمَلْ فيها عملا صالِحاً مرضيا عندك مقبولا لديك بمقتضى ما ابصرتنا واسمعتنا الآن وبالجملة إِنَّا مُوقِنُونَ اليوم بعموم ما قد جاء به رسلك ونطق به كتبك فيما مضى لو رأيت ايها المعتبر الرائي حالهم هذا وسمعت مناجاتهم هذه حينئذ لرأيت امرا فظيعا فجيعا ثم نودوا من وراء سرادقات العز والجلال الآن قد مضى وقت الاختبار والابتلاء وانقرض زمان التدارك والتلافي وَلَوْ شِئْنا وتعلق ارادتنا ومشيتنا بهدايتكم أولا لَآتَيْنا في دار الابتلاء كُلَّ نَفْسٍ منكم هُداها ووفقكم عليها كما قد آتينا لخلص عبادنا ويسرنا لهم الهداية والرشد ووفقناهم عليها وَلكِنْ قد حَقَّ صح وثبت الْقَوْلُ والحكم مِنِّي حسب حكمتى ومصلحتي لَأَمْلَأَنَّ انا بمقتضى عزى وجلالي جَهَنَّمَ المعدة لأصحاب الشقاوة الازلية مِنَ الْجِنَّةِ التي هي جنود إبليس وَمن النَّاسِ الناسين بمقتضى العهود الفطرية والمواثيق الجبلية بتغريرات شياطين

стр. 719

نفوسهم الامارة بالسوء أَجْمَعِينَ وبالجملة ما يبدل القول الذي لدىّ ولا معقب لحكمي فَذُوقُوا اى قلنا لهم بعد ما لم نستجب دعوتهم ذوقوا اليوم ايها الضالون المسرفون بِما نَسِيتُمْ اى بشؤم نسيانكم وطغيانكم لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا مع ان الرسل قد بالغوا باخباره إياكم والكتب قد نطقت بتبيينه عليكم على ابلغ وجه وآكده وأنتم قد أصررتم على الإنكار غافلين ناسين مكابرين وبالجملة إِنَّا قد نَسِيناكُمْ اليوم في انواع العذاب والنكال كما نسيتم أنتم إيانا فيما مضى وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ اى المخلد المؤبد بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الكفران الدائم والنسيان المستمر في النشأة الاولى أعاذنا الله وعموم عباده من ذلك. ثم قال سبحانه بمقتضى سنته المستمرة إِنَّما يُؤْمِنُ ويذعن بِآياتِنَا الدالة على وحدة ذاتنا وبكمالات أسمائنا وصفاتنا الموحدون المخبتون الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها اى بالآيات تبشيرا وانذارا خَرُّوا وسقطوا سُجَّداً متذللين مستقبلين مبادرين لقبولها وامتثال ما فيها من الأوامر والنواهي والعبر والتذكيرات الواردة في محاويها وَمع ذلك قد سَبَّحُوا ونزهوا ربهم عما لا يليق بجناب قدسه قائلين بِحَمْدِ رَبِّهِمْ عادّين نعمه على أنفسهم مواظبين على شكرها خاضعين خاشعين أذلاء واضعين جباههم على تراب المذلة تواضعا واسقاطا للكبر والخيلاء المذمومين عقلا وشرعا وَهُمْ حينئذ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عبادة الله وعن الانقياد بأوامره وأحكامه الواردة الموردة في كتابه ومن كمال اطاعتهم وانقيادهم تَتَجافى اى تتخى وترتفع جُنُوبُهُمْ وضلوعهم عَنِ الْمَضاجِعِ والبسط والوسائد التي هم رقدوا عليها في الليل يعنى قد بعدوا في خلال الليالى عن مواضع رقودهم واستراحتهم يَدْعُونَ رَبَّهُمْ حينئذ خَوْفاً من بطشه واخذه حسب قهره وجلاله وَطَمَعاً لمرضاته وسعة رحمته وجوده ومغفرته حسب لطفه وجماله وَهم لا يقتصرون بمجرد قيام الليل وصلاة التهجد فيه بل مِمَّا رَزَقْناهُمْ وسقناهم نحوهم من الرزق الصوري والمعنوي يُنْفِقُونَ في سبيلنا على الطالبين المتوجهين إلينا منقطعين عن لذائذ الدنيا ومزخرفاتها سوى سد جوعة وستر عورة وهم بارتكاب هذه المتاعب والمشاق ما يريدون الا وجه الله وما يطلبون الا رضاه سبحانه موثرين رضاء الله على أنفسهم مخلصين فيه وبالجملة فَلا تَعْلَمُ ولا تعرف ولا تأمل نَفْسٌ منهم كيفية ما أُخْفِيَ وأعد لَهُمْ من قبل الحق قُرَّةِ أَعْيُنٍ ألا وهي فوزهم بشرف لقائه ورؤية وجهه الكريم بلا كيف واين ووضع وجهة واضافة. اللهم ارزقنا لقاءك وجنبنا عما سواك وانما أعد لهم سبحانه ما أعد لهم جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ على وجه الإخلاص من إيثارهم جانب الحق على أنفسهم أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً يعنى أتظنون ايها الظانون المسرفون الجاحدون المنكرون ان من كان مؤمنا موقنا بوحدانية الله متصفا بالأعمال الصالحة المؤيدة لإيمانه كَمَنْ كانَ فاسِقاً خارجا عن ربقة الايمان والإخلاص وعن عموم حدود الشرائع والأديان الواردة لحفظ الايمان كلا وحاشا انهم لا يَسْتَوُونَ في الشرف والكمال والفوز والنوال بل أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بوحدانية الحق وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المأمورة لهم على وجهها مع كونهم مخلصين فيها خاشعين خاضعين فَلَهُمْ في النشأة الاخرى بعد ما انقرضوا عن دار الدنيا جَنَّاتُ الْمَأْوى اى المتنزهات المعدة لأرباب المحبة والولاء تأوى إليها نفوسهم على الرغبة الكاملة والطوع التام لتكون نُزُلًا لهم ومنزلا يسكنون فيه ويستريحون بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعنى بمقابلة ما يتحملون من المتاعب والمشاق في طريق التوحيد والعرفان

стр. 720

وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا وتركوا الايمان بالله وخرجوا عن مقتضيات الأوامر والنواهي الموردة في كتبه سبحانه وعلى ألسنة رسله فَمَأْواهُمُ مرجعهم ومثواهم في النشأة الاخرى النَّارُ المعدة لأهل الشقاوة الازلية هم فيها خالدون مخلدون مؤبدون لا نجاة لهم منها أصلا بل كُلَّما أَرادُوا وأملوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها حيث امهلهم الخزنة الموكلون عليهم الى ان يصلوا الى شفيرها ثم بعد ذلك أُعِيدُوا فِيها زجرا وقهرا تاما مهانين صاغرين وَقِيلَ لَهُمْ اى قال لهم الزبانية الموكلون بالهام الله إياهم ذُوقُوا ايها المنكرون المصرون عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ حين أخبركم به الرسل والكتب وأنذركم به النبيون المنذرون. ثم أشار سبحانه الى رداءة فطنة اصحاب الضلال وخباثة طينتهم فقال على سبيل المبالغة والتأكيد مقسما وَالله لَنُذِيقَنَّهُمْ ولنصبن عليهم في دار الابتلاء مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى الأنزل الأسهل مثل القحط والطاعون والوباء والقتل والسبي والزلزلة وانواع المحن والبليات التي هي أسهل وأيسر بمراحل دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ عند عذاب الآخرة الذي هو في غاية الشدة ونهاية الألم والفظاعة وانما أخذناهم بما أخذناهم في النشأة الاولى لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ مما هم عليه من الكفر والشقاق ويتفطنون عنها الى كمال قدرتنا واقتدارنا على اضعافها وآلافها ومع ذلك لم يتفطنوا ولم يرجعوا عن غيهم وضلالهم بل قد أصروا واستكبروا عدوانا وظلما وَمَنْ أَظْلَمُ على الله وأسوأ أدبا معه سبحانه مِمَّنْ قد ذُكِّرَ ووعظ بِآياتِ رَبِّهِ ليهتدى بها الى الايمان والتوحيد ويمتثل بمقتضاها ليتخلص عن الكفر والشرك ثُمَّ بعد ما قد سمعها أَعْرَضَ عَنْها فجاءة بلا تفكر وتأمل في معناها وأنكر على مقتضاها واستكبر على ما انزل الله اليه فكذبه ونسبه بما لا يليق بشأنه وأصر على ما هو عليه عنادا ومكابرة وبالجملة إِنَّا من مقام قهرنا وجلالنا مِنَ الْمُجْرِمِينَ المصرين على جرائمهم وآثامهم مُنْتَقِمُونَ يعنى قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا بعد ما قد بالغوا في الإنكار والإصرار نحن منتقمون منهم على ابلغ وجه وأشده من عموم المجرمين الظالمين فكيف هو أجرم واظلم منهم وأصر على البغي والعناد فانا ننتقم عنهم ونخلدهم في عذاب النار مهانين إذ لا عذاب أسوأ منه وأشد أعاذنا الله وعموم عباده منها وَلا تظنن أنت يا أكمل الرسل انا لا ننجز وعدنا الذي قد وعدنا معك في كتابك من انا ننتقم من اهل الشرك والكفر واصحاب الإنكار والإصرار على ابلغ وجه وآكده بل لك ان تتيقن وتذعن انجاز وعدنا إياك مثل ما قد أنجزنا مواعيدنا مع أخيك موسى الكليم إذ لَقَدْ آتَيْنا من مقام جودنا أخاك مُوسَى الكليم الْكِتابَ اى التوراة مثل ما قد آتيناك الفرقان وواعدنا فيه معه مثل ما قد وعدنا معك في كتابك هذا من انتقام اهل الفساد والعناد بل قد وعدنا هذا الوعد مع كل نبي ورسول آتيناه الكتاب والصحف وبالجملة ما ارتاب وتردد موسى ﵇ ولا احد من الرسل في انجاز وعدنا فَلا تَكُنْ أنت ايضا يا أكمل الرسل بل أنت أحق منهم بعدم الارتياب فِي مِرْيَةٍ اى شك وارتياب مِنْ لِقائِهِ اى من انجاز هذا الموعود وإتيانه على الوجه الذي قد وعدناك به ومن ملاقاتك إياه وَكيف يرتاب كليمنا وحبيبنا أنت يا أكمل الرسل في وعدنا هذا مع انا قد جَعَلْناهُ اى التوراة هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ هاديا لهم في المعالم الدينية والمعارف اليقينية والحقائق العلية والمكاشفات السنية كما قد جعلنا كتابك هذا لأمتك هكذا بل هذا أكمل من ذاك وَكيف لا وهم اى بنو إسرائيل من خواص عبادنا وخلصهم إذ قد جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً أمناء هادون مهديون مهتدون مقتدون

стр. 721

يَهْدُونَ الناس بِأَمْرِنا ووحينا إياهم والهامنا إليهم الى ديننا وتوحيدنا وانما أعطيناهم ما أعطيناهم من الكرامات لَمَّا صَبَرُوا وحين وطّنوا أنفسهم على تحمل ما لحقهم في إعلاء كلمة الحق وافشاء اعلام الدين ومعالم التوحيد واليقين وانتشارها في الأقطار من المتاعب والمكروهات المؤدية الى إتلاف النفس وبذل المهج وانواع المصيبة وَهم قد كانُوا في أنفسهم بِآياتِنا النازلة إياهم الدالة على كمال قدرتنا الواردة في إيجاد اىّ شيء أردناه يُوقِنُونَ يذعنون لا يترددون فيها ولا يتذبذبون وأنت يا أكمل الرسل اولى وأحق منهم بإيقان آياتنا واذعانها إِنَّ رَبَّكَ الذي رباك بأنواع الكرامات وايدك بأصناف الخوارق والمعجزات هُوَ بذاته وحسب حكمته المتقنة وأحكامه المبرمة يَفْصِلُ ويقضى بَيْنَهُمْ اى بين المحقين والمبطلين ويميز كلا منهم عن صاحبه يَوْمَ الْقِيامَةِ المعد للقطع والفصل وتنفيذ الاحكام واجراء الحكومات فيومئذ يظهر لهم الحق فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الأمور الدينية والمعارف اليقينية أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ اى اهل مكة الى سبيل الرشد ولم يوقظهم عن هجعة الغفلة ورقاد العناد كَمْ أَهْلَكْنا اى كثر إهلاكنا واستيصالنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ اهل الْقُرُونِ الماضية الهالكة المغرورين أمثالهم بالكبر والخيلاء بما عندهم من المال والجاه والثروة مع ان هؤلاء المعاندين يَمْشُونَ ويمرون فِي مَساكِنِهِمْ الخربة ودورهم المندرسة الكربة وقت ترحالهم نحو متاجرهم وما يعتبرون منها إِنَّ فِي ذلِكَ المرور والعبور وفي رؤية تلك المنازل والاطلال المغمورة والبلاد المقهورة لَآياتٍ دلائل واضحات وشواهد لائحات على كمال قدرتنا واختيارنا وشدة انتقامنا وقهرنا أَفَلا يَسْمَعُونَ مقتضيات الآيات ولا يتدبرون حق التدبر والتفكر حتى يتخلصوا عن اودية الضلالات واغوار الجهالات ويتصفوا بأنواع الهدايات والكرامات أَوَلَمْ يَرَوْا ولم يبصروا أولئك المعاندون المنكرون على كمال قدرتنا ووفور حكمتنا واختيارنا أَنَّا من مقام لطفنا وجودنا كيف نَسُوقُ الْماءَ بالتدابير العجيبة والحكم البديعة في تصعيد الابخرة والادخنة وتراكم السحب منها وتقاطر المطر من فتوقها وخلالها إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ التي قد انقطع نباتها من غاية يبسها وجمودها فَنُخْرِجُ بِهِ اى بالماء الذي سقنا إليها منها زَرْعاً وأنواعا من الأوراق والحبوب تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ أوراقه وتبنه وَأَنْفُسُهُمْ حبوبه وثمرته أَفَلا يُبْصِرُونَ أولئك المصرون المنكرون هذه القدرة العجيبة فيستدلوا بها على قدرتنا الكاملة وحكمتنا البديعة البليغة البالغة وَبعد ما سمعوا منك يا أكمل الرسل ان ربك يفصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون يَقُولُونَ مستهزئين معك متهكمين مَتى هذَا الْفَتْحُ والفصل الذي قد وعدتم به أخبرونا وقته إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم نتهيأ له ونتزود لأجله ونؤمن به كما آمنتم قُلْ يا أكمل الرسل في جوابهم يَوْمَ الْفَتْحِ هو يوم القيامة المعدة لتنقيد الأعمال والحساب فيومئذ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا في النشأة الاولى مدة اعمارهم إِيمانُهُمْ فيها وَلا هُمْ يومئذ يُنْظَرُونَ ولا يمهلون حتى يتداركوا ما فوّتوا على أنفسهم طول عمرهم من الايمان بالله والامتثال بأوامره والاجتناب عن نواهيه وتصديق الرسل والكتب وجميع معالم الدين وشعائر الإسلام وبعد ما قد تمادوا في الغفلة والضلال وبالغوا في العتو والعناد فَأَعْرِضْ يا أكمل الرسل عَنْهُمْ ولا تلتفت الى هذياناتهم واصرف عنان عزمك عن هدايتهم وإرشادهم بعد ما تاهوا في تيه الغي والضلال وأصروا عليه وَانْتَظِرْ النصر والظفر والغلبة عليهم إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ايضا ليغلبوا عليك ويظفروا. وقل ربنا افرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين

стр. 722

خاتمة سورة السجدة عليك ايها السالك القاصد سلوك سبيل التوحيد والناسك المجاهد مع أعدى عدوك الذي بين جنبيك اعانك الله ونصرك على عدوك ان تتصبر على متاعب العبودية ومشاق التكاليف الواقعة في إتيان المأمورات الشرعية وترك المألوفات الطبيعية سيما ما أشكل امره عليك ودفعه عندك من انقهار امارتك وانزجارها وانتقامك عنها مفوضا أمورك كلها الى ربك منتظرا الى ان يغلبك الحق عليها بعد ما قد وعدك به بان يجعل سلطانه امارتك مأمورة لك مطمئنة بحكمك راضية بجميع ما جرى عليها من سلطان القضاء بلا امتناع وإباء فلك ان تتمكن في مقام الرضا والتسليم حتى تصير مطمئنتك فانية مضمحلة متلاشية بحيث لا يبقى فيها من هوية ناسوتها شيء بل قد فنيت هويتها في هوية الحق واضمحلت في عالم اللاهوت مطلقا فحينئذ قد فزت بدوام أبدى وبقاء سرمدي بلا عروض انقضاء وانصرام ولحوق انتهاء وانخرام. هب لنا من لدنك جذبة تنجينا من هوية ناسوتنا وتفنينا في هوية لاهوتك يا ارحم الراحمين [سورة الأحزاب] فاتحة سورة الأحزاب لا يخفى على من تحقق بمقام التقوى وخلص عن مهلكات الهوى ورجع نحو المولى متزهدا عن الدنيا وغرورها وامانيّها مطلقا ان الموحد المتحقق بمقام التمكن والرضا لا بد وان تكون همته منحصرة على التوجه نحو الحق مطمئنا به راضيا بما جرى عليه من سلطان القضاء متوكلا على الله في السراء والضراء والمنح والعطاء والمحن والبلاء مترصدا للوحى الإلهي مترقبا لالهاماتها الغيبية إذ كل من تجرد عن جلباب الناسوت مخلصا فقد تستر بخلعة اللاهوت ووقع اجره على حضرة الرحموت ورجع امره اليه وعاد شأنه على ما كان عليه في بدء الأمر فصار محفوظا في كنف حفظ الحق وجواره فله ان يتخذه سبحانه وكيلا ويجعله حسيبا وكفيلا ويفوض أموره كلها اليه فيصير منتظرا لوحيه والهامه مترصدا لموائد افضاله وانعامه إذ هو سبحانه بذاته عليم بحاله وحاجاته حكيم في تربيته وإرشاده وماله الا الإطاعة والتسليم والمتابعة لما يوحى اليه من عند الله العليم الحكيم ماحيا عن لوح قلبه الالتفات الى غيره كما امر سبحانه لحبيبه ﷺ تربية له وتأديبا اليه وليتأدب به من تابعه وتخلق به من آمن له مخلصا فقال مناديا إياه متلطفا معه متيمنا باسمه بِسْمِ اللَّهِ الذي اصطفى حبيبه ﷺ من بين البرايا بالخلق العظيم الرَّحْمنِ عليه في النشأة الاولى بإضافة انواع الكمالات اللائقة على سبيل التبجيل والتكريم الرَّحِيمِ له في النشأة الاخرى بتمكينه في مقعد الصدق والمقام المحمود الذي هو مقام الرضا والتسليم [الآيات] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المؤيد من عند العليم الحكيم مقتضى نبوتك التي قد صرت بها خاتما لدائرة النبوة والرسالة متمما لمكارم الأخلاق مكملا لأمر التشريع والتديين التقوى والتحفظ عن مقتضيات الآراء الباطلة والأهواء الفاسدة والتحصن بالله والثقة اليه وجعله وقايتك عند نزول البلاء وهجوم الأعداء اتَّقِ اللَّهَ حق تقاته واجتنب عما لا يرضى به ربك مطلقا وَلا تُطِعِ بحال من الأحوال الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ الذين قد خاصموا معك في أسرارهم واعلانهم ولا تتبع أهواءهم الفاسدة وآراءهم الكاسدة الباطلة وابتغ فيما آتيك الله من مقتضيات استعدادك فيما تفضل عليك امتنانا

стр. 723

لك رضاء الله والفوز بشرف لقائه إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده قد كانَ عَلِيماً حسب حضرة علمه الحضوري بقابليتك وبمقتضياتها حَكِيماً في افاضة ما يعنيك وينبغي لك ويليق بشأنك وأمرك وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ تأييدا لك وتدبير أمورك واحوالك ولا تلتفت الى هذيانات من عاداك ولا تبال بمكرهم وحيلهم إِنَّ اللَّهَ الرقيب المراقب عليك وعليهم قد كانَ بِما تَعْمَلُونَ من المخائل الفاسدة والتلبيسات الباطلة المتعلقة لمقتك وهلاكك خَبِيراً يكفيك ويكف عنك مؤنة شرورهم ومكرهم ويغلبك عليهم ويظهر دينك على الأديان كلها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ايها المتحصن بكنف حفظه وجواره وثق بكرمه ولطفه وَكَفى بِاللَّهِ اى كفى الله المراقب على عموم احوالك وحالاتك وَكِيلًا لك يراقبك ويحفظك من شرور من قصد مقتك وهجومهم عليك ومكرهم معك وكن في نفسك متوجها الى ربك مخلصا فيه مائلا بوجه قلبك الى قبلة وجهه الكريم ولا تلتفت الى من سواه ولا تخطر ببالك غيره إذ لا يسع في القلب الواحد الا هم واحد ولهذه الحكمة العلية ما جَعَلَ وخلق اللَّهُ العليم الحكيم المتقن في أفعاله لِرَجُلٍ واحد مِنْ قَلْبَيْنِ مشعرين مدركين فِي جَوْفِهِ حتى لا يتفتت ميله ولا يتعدد قبلة مقصده ومرماه وان خلق له عينين وأذنين ويدين وغيرها وَكذا ما جَعَلَ الله العليم الحكيم أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ وتقولون لهن اى كل منكم لزوجته ايها المؤمنون المكلفون أنت على كظهر أمي أُمَّهاتِكُمْ حقيقة لتترتب عليها احكام الأمهات من تحريم القربان والفراش معها وغيرهما وَما جَعَلَ ايضا سبحانه أَدْعِياءَكُمْ اى الأجانب الذين تدعونهم أنتم أبناء من افراط المودة أَبْناءَكُمْ حقيقة او حكما حتى تترتب عليهم احكام الأبناء من أخذ الميراث والمحرمية وحرمة زوجتهم وابنتهم وغير ذلك من الاحكام ذلِكُمْ اى الأمور الثلاثة المذكورة قَوْلُكُمْ اى مجرد قول قد صدر عن ألسنتكم وتلفظتم أنتم بِأَفْواهِكُمْ لا حقيقة لها سوى الاشتهار في المحبة والمودة وَاللَّهُ المدبر لأموركم المصلح لأحوالكم يَقُولُ الْحَقَّ اى الحكم المطلق الثابت المتحقق عنده سبحانه المترتب عليه أحكامه إرشادا لكم وإصلاحا لحالكم وَكيف لا هُوَ بمقتضى ألوهيته وربوبيته يَهْدِي السَّبِيلَ السوى والصراط القويم المستقيم عباده الذين انحرفوا عن سبل السلامة وطرق الاستقامة في الوقائع والاحكام وبعد ما قد سمعتم حقيقة القول والحكم في ادعيائكم وحقيته ادْعُوهُمْ وسموهم أدعياءكم بأسمائهم وانسبوهم حين دعائكم وندائكم إياهم لِآبائِهِمْ المولدين لهم حقيقة لا الى الداعي ان علمتم آباءهم الاصلية النسلية هُوَ اى انتسابهم الى آبائهم الاصلية أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ واقرب بين المؤمنين الى الصدق وابعد عن الكذب والفرية إذ كثيرا ما قد اشتهر دعىّ باسم من تبناه فأراد ان يأخذ منه الميراث فعليكم ايها المؤمنون ان لا تنسبوهم الا الى آبائهم الحقيقية فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ لتنسبوهم إليهم فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ يعنى فهم إخوانكم في الدين واولياؤكم فيه كسائر المؤمنين فخاطبوهم مثل خطاب بعضكم بعضا فقولوا له يا أخي او يا صاحبي او يا وليي في الدين وغير ذلك وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون جُناحٌ اثم ومؤاخذة فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ اى بقولكم هذا ونسبتكم هذه إذا صدرت عنكم هفوة على سبيل الخطأ والنسيان سواء كان قبل ورود النهى او بعده وَلكِنْ تؤاخذون أنتم في ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وقد صدرت عنكم هذه قصدا إذ قصدكم به يؤدى الى الافتراء وتضييع حقوق المؤمنين وَكانَ اللَّهُ

стр. 724

غَفُوراً في حق من اخطأ ونسى ثم ذكر وتاب رَحِيماً عليه يقبل توبته ويغفر زلته. ثم أشار سبحانه الى تأديب كل من الأمم مع نبيه المؤيد من عنده سبحانه بأنواع التأييدات والمعجزات الخارقة للعادات المبعوث إليهم لإرشادهم وتكميلهم وأمرهم بحسن الأدب معهم والمحافظة على خدمتهم وحرمتهم وكيف لا يحسنون الأدب مع الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم إذ كل نبي بالنسبة الى أمته كالأب المشفق العطوف بالنسبة الى ابنه بل هو خير آبائهم يرشدهم الى ما هو أصلح لدينهم الذي هو عبارة عن الحقيقة لهم فلهم ان يكونوا معه في مقام التذلل والانكسار التام والانخفاض المفرط بأضعاف ما وجب عليهم من حقوق الوالد النسبي إذ آثاره تربية الأنبياء مؤبدة مخلدة وآثار تربية هؤلاء متناهية منقطعة وان ترتب على تأديبهم وانخفاضهم معهم من المثوبة الاخروية فإنما هي راجعة ايضا الى تربية نبيهم ولا شك ان نبينا صلّى الله عليهم أفضل الأنبياء واكملهم في التربية والإرشاد فيكون أبوته ايضا أكمل واشفاقه ومرحمته لامته التي هي أفضل الأمم أتم وأوفر لذلك قال سبحانه النَّبِيُّ يعنى هذا النبي المبعوث الى كافة الأمم المتمم لمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم المكمل لمعالم الدين ومراسم المعرفة واليقين أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ وأحق لهم ان يرجحوا جانبه على أنفسهم ويختاروا غبطته مِنْ غبطة أَنْفُسِهِمْ إذ نسبة تربيته الى أشباحهم وأرواحهم كنسبة تربية الأب المشفق المحافظ ابنه عن جميع ما لا يعنيه المراقب له في عموم أحواله ليوصله الى الحياة الابدية والبقاء الأزلي السرمدي ونسبة تربية نفوسهم المدبرة لأبدانهم وان كانت هي ايضا بتوفيق الله واقداره انما هي مقصورة الى حفظ أجسامهم لئلا تنهدم وتنخرم ولا تزول عنها الحياة المستعارة وشتان ما بين النسبتين والتربيتين وَأَزْواجُهُ ايضا أُمَّهاتُهُمْ يعنى بعد ما قد ثبت ان تربيته ﷺ شاملة وأبوته كاملة صارت أزواجه اللاتي في حجوره ﷺ وتحت حضانته أمهات المؤمنين في الدين وجرمتهن أعظم واولى من حرمات أمهاتهم النسبية إذ هن اتباع له ﷺ واهل بيته فيسرى الأدب معه إليهن وهن ايضا في انفسهن من الكاملات اللائقة لانواع الحرمات والمكرمات ومن جملتها لياقتهن بشرف صحبة النبي ﷺ فعليكم ايها المؤمنون ان لا تنكحوا أزواجه ابدا إذ هن أمهاتكم وَبعد ما سمعتم ايها السامعون المؤمنون ان النبي خير آبائكم في الدين وأزواجه فضليات أمهاتكم ايضا فيه وسائر المؤمنات والمؤمنين إخوانكم وأخواتكم في الدين لا تظنوا ان حكم أبوته ﷺ وامومتهن رضى الله عنهن واخوة المؤمنين تسرى في احكام الميراث والعصوبة ايضا بل أُولُوا الْأَرْحامِ وذوو القرابة المنتمون إليكم بالقرابة النسبية على تفاوت طبقاتهم ذكورا كانوا او إناثا بَعْضُهُمْ أَوْلى وأحق شرعا بِبَعْضٍ اى بأخذ الميراث من بعض يعنى هم اصحاب الفروض والعصبات يأخذون متروكات المتوفى عنهم ويحرزونها لقرابتهم النسبية بمقتضى سهامهم المقدرة فِي كِتابِ اللَّهِ المنزل عليكم المطابق لما في حضرة علمه المحيط ولوح قضائه الشامل الجامع مِنْ النبي وأزواجه وأجانب الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ وهم وان كانوا إخوانا وآباء وأمهات في الدين لا يأخذون شيأ من أموالهم ومواريثهم بلا قرابة سببية إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا ايها المؤمنون وتخرجوا أموالكم وصية على الوجه المشروع المستحسن إِلى أَوْلِيائِكُمْ في الدين مع كونهم أجانب لكم مَعْرُوفاً وصية مشروعة مستحسنة عقلا وشرعا غير مؤدية الى احراز التركة وحرمان الورثة وهي التي لا تكون أزيد من ثلث المال قد كانَ ذلِكَ اى إخراج الوصية على الوجه المعروف

стр. 725

فِي الْكِتابِ الذي يتلى عليكم وفيما قبله ايضا من الكتب المنزلة على الأمم الماضية مَسْطُوراً مثبتا فللموصى له ان يأخذها على مقتضى ما ثبت في حكم الله وكتابه وَكيف لم يحسنوا الأدب أولئك المؤمنون الماضون السابقون مع أنبيائهم وهؤلاء اللاحقون معك مع انا ما بعثنا الأنبياء والرسل الى أممهم الا لإرشادهم وهدايتهم الى توحيدنا وإيصالهم الى زلال تفريدنا على ذلك قد أخذنا العهود والمواثيق المؤكدة من عموم الأنبياء والرسل تأكيدا وإلزاما اذكر يا أكرم الرسل لمن تبعك من المؤمنين ليحافظوا على ما أمروا وقت إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ المبعوثين الى الأمم الماضية مِيثاقَهُمْ وعهودهم الوثيقة المؤكدة وَلا سيما مِنْكَ يا أكمل الرسل وَمِنْ نُوحٍ المنجى وَإِبْراهِيمَ الخليل وَمُوسى الكليم وَعِيسَى الصفي الخالص عن كدر الناسوت من قبل الأب لأنه ابْنِ مَرْيَمَ لم يمسها ذكر من بنى نوعها بل انما ولدته بلا أب إرهاصا لها ومعجزة لابنها خص سبحانه هؤلاء الكرام بالذكر اهتماما بشأنهم صلوات الله عليهم وسلامه وَأَخَذْنا مِنْهُمْ كرره تأكيدا ومبالغة اى من كل واحد منهم وممن لم نذكر أساميهم من ذوى العزائم الخالصة مِيثاقاً غَلِيظاً وعهدا وثيقا محكما مؤكدا على ان لا تتهاونوا ولا تتكاسلوا في ارشاد العباد وابعادهم عن الجور والفساد وإيصالهم الى ما أعددنا لهم من المراتب العلية والدرجات السنية وقد أنزلنا عليهم الكتب والصحف المشتملة على الأوامر والاحكام المقربة لتوحيدنا والعبر والنواهي المبعدة عن الكفر والضلال وامرناهم ايضا بتبيين الأوامر والنواهي الى أممهم وتنبيها عليهم ليتفطنوا على فطرتهم التي هم جبلوا عليها في عالم الغيب وليتميز عندهم الحق الحقيق بالاتباع عن الباطل الزاهق الزائل كل ذلك لِيَسْئَلَ سبحانه في النشأة الاخرى عن الأنبياء ورسله صلوات الله عليهم من احوال العباد الصَّادِقِينَ الممتثلين بأوامر الله المجتنبين عن نواهيه عَنْ صِدْقِهِمْ وإخلاصهم في أعمالهم ونياتهم فيها وعن أحوالهم ومواجيدهم واعتقاداتهم وتلقيهم لقبول الحق والمحافظة عليه ليشهد الأنبياء لهم فيفوزوا الى ما قد أعد لهم وهيّئ لأجلهم من المراتب والمقامات وانواع السعادات والكرامات مع ان علمه سبحانه بحالهم يغنى عن شهاداتهم وليسأل ايضا سبحانه عن عناد العباد المصرين على الجور والفساد المجترئين على الله بالخروج عن حدوده ومقتضيات أحكامه ليشهدوا صلوات الله عليهم فيساقوا صاغرين مهانين الى ما قد أعد الله لهم من الدركات الهوية الجهنمية وَاعلموا ان الله سبحانه قد أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ الجاحدين لأوامر الله ونواهيه المنزلة في كتبه على رسله عَذاباً أَلِيماً لا عذاب أشد ايلاما منه. ثم نادى سبحانه المؤمنين الموحدين المواظبين على الطاعات بامتثال الأوامر واجتناب المنهيات كي تصلوا الى ما قد أعد لهم ربهم من المثوبات والمكرمات فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم تعداد نعم الله عليكم وإحصاء فواضله المتوالية المتتالية المتسعة اذْكُرُوا في عموم أوقاتكم وأحوالكم نِعْمَةَ اللَّهِ الفائضة عَلَيْكُمْ على تعاقب الأزمان وتلاحق الآنات والأحيان سيما نعمة انجائكم من أعدائكم ونصركم عليهم مع كونكم آيسين مأيوسين منه اذكروا يا اهل يثرب وقت إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ متعددة واحزاب متعاقبة متلاصقة قاصدين لمقتكم واستئصالكم وهم قريش وغطفان ويهود بنى قريظة وبنى النضير وكانوا زهاء اثنى عشر الفا وأنتم قليلون فخفرتم الخندق على المدينة ثم خرجتم تجاه الأعداء وأنتم ثلاثة آلاف والخندق بينكم وبينهم فقعدتم متقابلين وقد مضى عليها قريب شهر لا حرب بينكم الا

стр. 726

بالترامي بالنبل والحجارة فاضطررتم بل اضطربتم وقد اوجستم في انفسكم خيفة خفية منهم وصرتم مذبذبين متزلزلين لا الى الفرار ولا الى القرار وبعد ما قد ابصرناكم كذلك واطلعنا على قلوبكم أمددناكم بإرسال الريح وإنزال الملائكة اعانة لكم وتأييدا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً يعنى الصبا وهبت عليهم عاصفة بحيث تقلع أوتادهم وتسقط الخيام عليهم وتطفئ نيراتهم وتكفئ قدورهم وتجيل خيولهم وكانت هذه في ليلة شاتية باردة في غاية البرودة وَأرسلنا عليهم ايضا جُنُوداً من الملائكة قد ظهروا جوانب معسكرهم بحيث لَمْ تَرَوْها جنودا مثلها أصلا فقال حينئذ صناديدهم وكبراؤهم النجا النجا فان محمدا قد بدا بالسحر فانهزموا من غير قتال فنجوتم سالمين عناية من الله وانجازا لوعده ومعجزة لرسوله ﷺ وَكانَ اللَّهُ المطلع لأحوال عباده بِما تَعْمَلُونَ أنتم من حفر الخندق والتزلزل والتذبذب والرعب الخفى وبما يعملون ايضا أولئك المسرفون من التحزب والتوافق على استئصالكم بَصِيراً رائيا عليما منكم امارات التذبذب والتزلزل وكيف لا تزلزلون أنتم وقت إِذْ جاؤُكُمْ وهم غطفان مِنْ فَوْقِكُمْ اى من أعلى الوادي من قبل المشرق وَقد جاؤكم القريش مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ اى من أسفل الوادي من قبل المغرب واضطررتم وليس معكم من يقابل احد الجانبين حينئذ فكيف بكليهما وَاذكر وقت إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ حينئذ منكم ومالت عن مستوى نظرها وتقلقلت واضطربت حيرة وشخوصا وَقد اضطربتم في تلك الحالة بحيث قد بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ يعنى قد بلغت من غاية الرعب والخوف قلوبكم حناجركم لان ريتكم قد انتفخت من الرعب المفرط فارتفع القلب بارتفاعها الى رأس الخنجرة وهي عبارة عن منتهى الحلقوم الذي هو مدخل الطعام والشراب وَحينئذ كنتم تَظُنُّونَ ايها الظانون المرعوبون بِاللَّهِ الذي قد وعدكم بالنصر والغلبة على الأعداء وبإظهار دينكم واعلائه على الأديان كلها الظُّنُونَا اى أنواعا من الظنون بعضها صحيح وبعضها فاسد على تفاوت طبقاتكم في الإخلاص وعدمه فمنكم من يظن ان الله منجز وعده الذي قد وعده لرسوله من إعلاء دينه ونصره على أعدائه إذ لا خلف لوعده سبحانه ومنكم من يتردد ويتحير بين الأمرين الى حيث لا يرجح أحدهما لذلك يخاف من ضعف وثوقه بالله وعدم رسوخه في الايمان وبالجملة هُنالِكَ في تلك الحالة قد ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وجربوا واختبروا كي يتميز المخلص منهم من المنافق والثابت الراسخ من المتردد المتزلزل وَلذلك قد زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً من شدة الفزع والهول المفرط بحيث كاد ان يخرج أرواحهم من اجسادهم وَاذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ حينئذ وَالمؤمنون الَّذِينَ قد بقي فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ من امارات الشقاق ولم يصفوا بعد لحداثة عهدهم حتى يتمكنوا على الوفاق ويتمرنوا بالاتفاق ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ من الظفر على الأعداء وانتشار هذا الدين في الأقطار والأنحاء إِلَّا غُرُوراً باطلا زورا زاهقا زائلا وبالجملة قد بالغوا في ذلك حيث قال معقب بن قشير يعدنا محمد بفتح فارس والروم واحدنا لا يقدر ان يتبرز للقتال مع هؤلاء الفرق فظهر ان وعده ما هو الا غرور باطل وَاذكر لهم يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ اى من منافقي المدينة والذين في قلوبهم مرض وضعف اعتقاد ويقين وهم يعدون أنفسهم من المؤمنين يا أَهْلَ يَثْرِبَ واصحاب المدينة لا مُقامَ لَكُمْ ولا يحسن اقامتكم الآن ومقاومتكم في مقابلة هذه الأحزاب ذوو عدد وعدد كثيرة وأنتم شرذمة قليلون بالنسبة إليهم فَارْجِعُوا عن دين محمد وانتشروا عن

стр. 727

حوله حتى تسلموا من يد الأعادي وَبعد ما سمع المؤمنون قول أولئك المنافقين الآمرين بالارتداد والرجوع صاروا مترددين متزلزلين في دينهم وأدّى أمرهم في التزلزل والتذبذب الى حيث يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ حيث يَقُولُونَ معتذرين معللين للرجوع والذب عن حول النبي ﷺ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ غير حصينة خالية من المحافظ المراقب فأذن لنا حتى نرجع الى بيوتنا ونستحفظها وَالحال ان بيوتهم ما هِيَ بِعَوْرَةٍ بل هي حصينة محفوظة لا خلل فيها بل إِنْ يُرِيدُونَ وما يقصدون من هذا القول المزور إِلَّا فِراراً عن الزحف واعراضا عن الدين القويم وَمن غاية ضعفهم في الدين وعدم تثبتهم ورسوخهم في الاعتقاد واليقين لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ المدينة وحبست مِنْ أَقْطارِها وحصنت من جميع جوانبها بحيث لم يمكن الظفر عليها لا لهؤلاء الأحزاب ولا لغيرهم ايضا من عساكر الأعادي بل من أضعافهم وآلافهم ثُمَّ بعد ما تحصنت عليهم بيوتهم كذلك وصاروا آمنين من ظفر العدو مطلقا سُئِلُوا الْفِتْنَةَ اى ان طلب احد منهم إيقاع الفتنة بين المؤمنين والهزيمة والفرار من الزحف والارتداد عن الايمان والإسلام وعن النصر للمؤمنين لَآتَوْها البتة هؤلاء الجهلة الضعفة المتمائلون الى الكفر ومواخاة الكفرة عن صميم فؤادهم وجاءوا بالفتنة والفرار وبالردة عن الدين وبالقتال مع المسلمين على الفور وَما تَلَبَّثُوا وتوقفوا بها اى بإتيان الفتنة والردة بعد ما سئلوا عنها وطولبوا بِها إِلَّا يَسِيراً اى آنا واحدا لا زمانا بل مقدار ما يفهمون سؤال السائل ومقصوده منه وكيف لا يؤتونها وَهم في أنفسهم لَقَدْ كانُوا يعنى بنى حارثة وبنى سلمة منهم قد عاهَدُوا اللَّهَ عهدا وثيقا مؤكدا مِنْ قَبْلُ اى قبل حفر الخندق وذلك في يوم احد حين أرادوا ان يفشلوا عن رسول الله وقد تخلفوا عنه يوم بدر فلما رأوا ما اعطى الاحديون والبدريون من الكرامة العظيمة عاجلا وآجلا قالوا معاهدين لئن اشهدنا الله قتالا فلنقاتلن وحلفوا غليظا شديدا لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ أصلا فالآن قد تذبذبوا وتضعضعوا وكادوا ان يولوا وَلم يعلموا انه قد كانَ عَهْدُ اللَّهِ الذي قد عهدوا معه سبحانه من قبل مَسْؤُلًا عنه وعن نقضه ووفائه وهم مجزيون بمقتضى ما ظهر منهم من النقض والوفاء قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما قد تحقق عندك قصد فرارهم وانهزامهم وذبهم عنك لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ ابدا بل إِنْ فَرَرْتُمْ من ضعف يقينكم ووهن اعتقادكم مِنَ الْمَوْتِ حتف الأنف كما يفر عوام الناس من الطاعون والوباء والزلزلة وغير ذلك من الابتلاءات الإلهية أَوِ الْقَتْلِ في يوم الوغاء وَإِذاً يعنى بعد ما تفرون حينئذ لا تُمَتَّعُونَ تمتيعا كثيرا مؤبدا بل ما تمتعون إِلَّا قَلِيلًا في زمان قليل إذ لكل منكم أجل مقدر عنده سبحانه ولكل أجل قضاء وانقضاء ومضاء ولا دوام الا لمن هو متعال عن مطلق الأجل والقضاء والانقضاء منزه عن توهم الابتداء والانتهاء وعن الإعادة والإبداء مقدس عن تعديد الازمنة وتحديد الأمكنة مطلقا وان جادلوا معك يا أكمل الرسل وعاندوا بالفرار والتحصن للنجاة من العدو وإهلاكه بحيث لا تبقى لهم يد علينا قُلْ لهم يا أكمل الرسل على سبيل التبكيت والإلزام مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ اى يحفظكم ويحرزكم مَنْ قهر اللَّهِ المنتقم الغيور وعذابه إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً واصابة بلاء وشدة ومحنة أَوْ من ذا الذي يمنع عنكم لطفه سبحانه ان أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً عطفا ومحبة وَبالجملة لا يَجِدُونَ أولئك المتذبذبون المتضعضعون لَهُمْ اى لأنفسهم

стр. 728

مِنْ دُونِ اللَّهِ المراقب عليهم في عموم أحوالهم وَلِيًّا يتولى امور تحصنهم وتحفظهم وَلا نَصِيراً ينصرهم على أعدائهم وبالجملة جميع اعمال العباد وأفعالهم مفوضة الى الله أولا وبالذات مقهورة تحت قدرته الكاملة فلهم ان يفوضوا اليه ليسلموا عن غوائل العناد والإصرار وان اعتذروا بك وتبرؤا عما كانوا وصاروا عليه قل لهم يا أكمل الرسل قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ بحضرة علمه المحيط الحضوري الْمُعَوِّقِينَ المثبطين مِنْكُمْ عن رسول الله ﷺ المتخلفين عنه في الحروب والمعارك ألا وهم المنافقون وَيعلم ايضا الْقائِلِينَ منكم ايها المنافقون من اهل المدينة لِإِخْوانِهِمْ ممن في قلوبهم مرض من المؤمنين هَلُمَّ إِلَيْنا من المخاوف والمهالك وَبعد ما سمعوا منكم إخوانكم قولكم هذا لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ الحرب والقتال إِلَّا قَلِيلًا اى اتيانا قليلا بل يثبطون ويسوفون ويعتذرون بالأعذار الكاذبة وبالجملة هم اى المنافقون المثبطون ما أتوا ما أتوا الا أَشِحَّةً بخلاء عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون المخلصون بما معكم من المعاونة والنفقة في سبيل الله او خوف الظفر وفوت الغنيمة عنهم او من خوف العاقبة وانما فعلوا ذلك قبل القتال فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ وظهر امارات الوغاء وهاج امواج الفتن والحرب ولمع بروق الفناء وتشعشع صوارم القضاء رَأَيْتَهُمْ ايها الرائي حين يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ من شدة خوفهم وخشيتهم تَدُورُ تتحرك وتضطرب أَعْيُنُهُمْ احداقهم في آماقهم كَالَّذِي يُغْشى يحل ويدور عَلَيْهِ مِنَ امارات الْمَوْتِ وظهر عليه علامات السكرات فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ وزال الرعب والخشية وانهزم العدو واجتمعت الغنائم سَلَقُوكُمْ وجاؤكم متسلقين متسلطين عليكم بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ ذرابة قاطعة باسطين أيديهم الى الغنائم وقت قسمتكم صائحين عليكم قائلين لكم لستم أنتم اولى منا وأحق بهذه الغنائم مع انا قد شهدنا القتال معكم بل نحن لا نقصر وأنتم قاصرون مقصرون فبم ترجحون أنتم علينا وانما سلقوكم بها لكونهم أَشِحَّةً بخلاء عَلَى الْخَيْرِ الذي وصل إليكم من الغنائم العظام وبالجملة أُولئِكَ البعداء الهالكون في تيه النفاق والشقاق لَمْ يُؤْمِنُوا بتوحيد الله ولم يخلصوا الايمان به وبرسوله وكتابه قصدا وعزما بل انما آمنوا واعترفوا باللسان لحقن الدماء والأموال خداعا ومكرا ولذلك قد مكر الله المطلع على نياتهم بهم فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ الصالحة وأبطلها عليهم بلا ترتيب الجزاء والمثوبات الاخروية كما لاعمال المخلصين من المؤمنين وَكانَ ذلِكَ الإحباط والابطال عَلَى اللَّهِ القادر المقتدر بعموم ما ثبت في لوح قضائه يَسِيراً سهلا غير عسير عنده وان استعسرتم ايها المحجوبون بالحجب الظلمانية الكثيفة ومن كمال غيهم وضلالهم ونهاية جبنهم ورعبهم من الأحزاب يَحْسَبُونَ ان الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا فكيف ان ينهزموا مع انهم قد ذهبوا منهزمين بحيث لم يبق منهم احد وَهم مع كمال محبتهم ومودتهم مع الأحزاب إِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ ويكروا بعد الفرار يَوَدُّوا يعنى هؤلاء المنافقون يودون إتيانهم بحيث تمنوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ ظاهرون فِي البدو خلال الْأَعْرابِ الأحزاب اى بينهم خارجون من بين اظهر المسلمين لاحقون بالكفرة معدودون منهم يَسْئَلُونَ كل قادم من قبلكم عَنْ أَنْبائِكُمْ وأخباركم وما جرى عليكم ايها المؤمنون من الوقائع الهائلة والمصيبات المهولة وَمن كمال ودادتهم مع الكفرة لَوْ فرض انهم كانُوا فِيكُمْ وقت كر الكفرة عليكم ما قاتَلُوا اى المنافقون من قبلكم مع أعداءكم إِلَّا قَلِيلًا منهم وهو ايضا على سبيل الرياء والسمعة وبمقتضى ما زعموا من جلب النفع

стр. 729

او دفع الضر لا لرضاء الله وإعلاء دينه ونصرة نبيه. ثم قال سبحانه تحريكا لحمية المؤمنين لَقَدْ كانَ لَكُمْ ايها المؤمنون المخلصون الطالبون المتخلقون بأخلاق الله تعالى الهاربون عن اخلاق عدوه فِي رَسُولِ اللَّهِ المبعوث لإرشادكم وهدايتكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وخصلة حميدة بديعة يجب لكم التأسى والاتصاف بها لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ اى لقاءه ومطالعة وجهه الكريم وَيرجو ايضا الْيَوْمَ الْآخِرَ الموعود فيه هذه الكرامة العظيمة وَبواسطة هذا الرجاء وغلبة هذه الامنية العظيمة في خاطره قد ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً في عموم الأحيان والاحياز لتلذذه بذكره سبحانه حتى ينال ما وعد من الفوز بشرف اللقاء والبقاء ومن كان شأنه كذلك وهمه هكذا فهو مؤتس الى الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم في تلك الخصلة المحمودة والديدنة المسعودة المقبولة عند الله التي هي الرضا بجميع ما جرى عليه من القضاء ومن علاماتها الثبات على العزيمة وتحمل الشدائد ومقاساة الأحزان وارتكاب المتاعب والمشاق في إعلاء دين الله وافشاء كلمة توحيده والتوكل نحوه في السراء والضراء وكظم الغيظ عند هجوم الغضب والعناء والعفو عند القدرة عن الأعداء وغير ذلك من الخصلة الحميدة والأخلاق الجميلة المرضية وَمن شدة تأثير هذه الخصائل الجميلة في قلوب المؤمنين لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ المخلصون الْأَحْزابَ حواليهم قالُوا متذكرين لوعد الله متثبتين على دينه متشمرين لإعلاء كلمة توحيده هذا الوقت وقت انجاز ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ من النصر والغلبة على الأعداء والفوز بأنواع الغنائم والعطاء آجلا وعاجلا بقوله سبحانه أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الآية. وقوله ﵇ سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم وقوله ﷺ انهم سائرون إليكم بعد تسع او عشر وَقد صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ في جميع ما جاءنا من قبل الله وقبل رسوله من الوعد والوعيد وانواع النعم والعطاء والمحن والبلاء وَمن كمال تثبتهم وتفويضهم على الله وتوكلهم نحوه ما زادَهُمْ إلمام الخطوب وحدوث الوقائع وحلول المحن والبليات إِلَّا إِيماناً بالله وبكمال قدرته وعلمه وارادته وسائر صفاته الذاتية والفعلية وَتَسْلِيماً لعموم ما جرى عليهم من صولجان قضائه بلا تلعثم وتذبذب في ايمانهم واعتقادهم ومن غاية خلوصهم في ايمانهم وتسليمهم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المشمرين لإعلاء دين الله ونصرة رسوله على العزيمة الكاملة الصادقة رِجالٌ ابطال كاملون في الإخلاص والشجاعة والوفاء قد صَدَقُوا في جميع ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ وانجزوا جميع مواثيقهم ووفوا عموم عهودهم التي قد عهدوا مع الله ورسوله من الثبات على العزيمة والتصبر في المعركة وعدم التزلزل من المحل الذي قد عين لهم الرسول ﷺ في صف القتال وبالجملة لم يجبنوا ولم يضعفوا أصلا فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ووفى نذره بان قاتل مع اعداء الله بمقتضى ما قد عهد ونذر حتى استشهد ووصل الى مرامه ومبتغاه كحمزة ومصعب بن عمير وانس بن النضر رضوان الله عليهم أجمعين وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ الشهادة كعثمان وطلحة فقاتلوا مع الأعداء وقتلوهم ونجوا منهم سالمين منتظرين الى قتال آخر ليستشهدوا فيه وَمن كمال تمكنهم وتثبتهم في يقينهم وإخلاصهم في ايمانهم ما بَدَّلُوا وما غيروا من النذور والعهود المنذورة المعهودة التي قد أتوا بها عازمين عليها جازمين ولا اضمروا ايضا في أنفسهم كالمنافقين تَبْدِيلًا وتغييرا قليلا نذرا يسيرا من التبديل والنقض فكيف بالعظيم الكثير بل قد زادوا عليها وأكدوها كل ذلك

стр. 730

لِيَجْزِيَ اللَّهُ المجازى لاعمال عباده الصَّادِقِينَ المخلصين منهم بِصِدْقِهِمْ وبمقتضى وفائهم وايفائهم جزاء حسنا يناسب صدقهم وإخلاصهم او بواسطة صدقهم وإخلاصهم وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ منهم ويجازيهم حسب كفرهم ونفاقهم تعذيبا مخلدا مؤبدا إِنْ شاءَ سبحانه وتعلق ارادته ومشيته بتخليدهم في العذاب أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ويوفقهم على الايمان والإخلاص ان تعلق ارادته بانقاذهم من العذاب الأبدي إِنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على عموم ما أحاط به تحت علمه وقدرته كانَ غَفُوراً ساتر الذنوب ممن وفقهم على التوبة من عصاة عباده رَحِيماً يقبل توبتهم ويرحم عليهم بعد ما أخلصوا فيها وَمن غاية لطف الله على المؤمنين ووفور رحمته وإحسانه عليهم رَدَّ اللَّهُ عنهم كيد أعدائهم الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى الأحزاب المزدحمين حواليهم المتفقين على مقتهم بِغَيْظِهِمْ يعنى مع شدة غيظهم وشكيمتهم في مقت المؤمنين ووفور تهورهم وجرأتهم عليه لذلك طردهم سبحانه خائبين خاسرين بحيث لَمْ يَنالُوا خَيْراً مما أملوا في نفوسهم من الظفر على المؤمنين واستئصالهم وَمن كمال رأفته سبحانه على المؤمنين قد كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ اى أسقط وكف مؤنة قتالهم مع الأحزاب بريح الصبا وجنود الملائكة بحيث لم يقدم احد من المؤمنين لقتالهم فانهزموا الى حيث لم يلتفت احد منهم خلفه ولم يعاون أخاه وَليس ببدع من الله أمثال هذه الكرامات سيما لأنبيائه وأوليائه إذ قد كانَ اللَّهُ المراقب لأحوال عباده قَوِيًّا قديرا في نفسه يقوى أولياءه عَزِيزاً غالبا ينصرهم ويغلبهم على أعدائهم فضلا لهم وكرامة عليهم وَبعد ما قد كفى الله المؤمنين مؤنة الأحزاب أراد ان يكفيهم مؤنة معاونيهم ايضا لذلك قد أَنْزَلَ سبحانه الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ وعاونوهم اى الأحزاب مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعنى يهود قريظة والنضير مِنْ صَياصِيهِمْ اى حصونهم وقلاعهم جمع صئصئة وهي ما يتحصن به من الجبل وغيره وذلك بعد ما انهزم الأحزاب ورجعوا خائبين خاسرين الى بلادهم ورجع ﷺ الى المدينة مع أصحابه وشرع يغسل رأسه والأصحاب قد انتزعوا عن أسلحتهم فجاءه جبرائيل ﷺ معتجرا بعمامة من إستبرق والنقع على ثناياه وعلى فرسه الذي اسمه حيزوم وقال قد وضعتم أنتم السلاح ان الملائكة لم تضع أسلحتها منذ أربعين ليلة ان الله يأمرك بالمسير الى قريظة وانى نزلزل حصونهم وكان ﷺ قد غسل نصف رأسه فعصبه واذن بالرحيل فقال من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر الا في بنى قريظة واعطى رايته عليا كرم الله وجهه فسار بالناس حتى دنى من الحصن فحاصرهم ﵇ احدى وعشرين او خمسا وعشرين ليلة وأجهدهم الحصار وضعفوا وَقد قَذَفَ الله والقى فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ والخوف مع كونهم متحصنين فأرسل ﵇ عليهم فقال لهم أتنزلون بحكمي فأبوا فقال على حكم سعد بن معاذ فرضوا بحكمه فنزلوا فحكم سعد بقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم ونسائهم فكبر النبي ﷺ فقال لقد حكمت بحكم الله يا سعد من فوق سبعة ارقعة فقتل منهم ستمائة او اكثر وأسر منهم سبعمائة كما قال سبحانه فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَبعد ما استأصلوا بالأسر والقتل قد أَوْرَثَكُمْ الله سبحانه إليكم ايها المؤمنون أَرْضَهُمْ مزارعهم وَدِيارَهُمْ التي يسكنون فيها مع ما فيها من الامتعة والرخوة وَأَمْوالَهُمْ مواشيهم ونقودهم وتجاراتهم تفضلا عليكم وامتنانا وَكذا قد يتفضل عليكم سبحانه ويورثكم أَرْضاً كثيرة لَمْ تَطَؤُها قط ولم تتحركوا عليها بل لم تبصروها ولم

стр. 731

تسيروا إليها وهي خيبر او مكة او فارس او الروم او كل ارض يفتح الله الى يوم القيامة وَلا تتعجبوا من كمال فضل الله وسعة جوده من أمثال هذه الكرامات إذ كانَ اللَّهُ المتعزز بالقدرة الكاملة والقوة التامة الشاملة عَلى كُلِّ شَيْءٍ من مقدوراته ومراداته قَدِيراً لا يعسر عنده مقدور دون مقدور بل الكل في جنب قدرته على السواء فارجع البصر هل ترى من فطور في مقدور حكيم قدير ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير. ثم لما اشتكت ازواج النبي ﷺ من العسرة في المأكل والملبس وسألن منه ثياب الزينة والزيادة في النفقة والسعة في المعيشة وليس معه ﷺ من حطام الدنيا ما يكفى مؤنتهن على هذا الوجه اغتم ﷺ وتحزن حزنا شديدا فقال تعالى مناديا له يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المفتخر المباهي بالفقر والفاقة قُلْ لِأَزْواجِكَ حين سألن عنك اسباب التنعم والترفه وسعة العيش على وجه التخيير إِنْ كُنْتُنَّ أيتها الحرائر العفائف تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها مطاعمها الشهية وملابسها البهية فَتَعالَيْنَ وتراضين أنتن أُمَتِّعْكُنَّ انا واعطكن المتعة حسب ما ترضين وَأُسَرِّحْكُنَّ وأطلقكن بعد اعطائها سَراحاً جَمِيلًا طلاقا رجعيا سنيا لا بدعيا بلا ضرر وإضرار وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ اى رضاء الله ورسوله وَتطلبن الدَّارَ الْآخِرَةَ والمثوبات المعدة فيها والجنات المعهودة دونها فعليكن ان تصبرن عن لذائذ الدنيا ومشتهياتها وسعة مطعوماتها ولين ملبوساتها حتى تكن من زمرة المحسنات اللاتي تحسن في توجههن نحو الحق واللذة الاخروية مائلات عن امتعة الدنيا وعن عموم لذاتها وشهواتها معرضات عنها وعن أطعمتها وألبستها بالمرة سوى سد جوعة وستر عورة فَإِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائر عباده قد أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ المرجحات جانب الله وجانب رسوله على مقتضيات اهوية نفوسهم واللذات الاخروية على لذات الدنيا وما فيها من اللذائذ والزخارف مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً يستحقر دونها الدنيا وما فيها من اللذات الفانية والشهوات الغير الباقية. ثم لما نبه سبحانه عليهن طريق الإحسان وعلمهن سبيل الفوز الى درجات الجنان أراد ان يجنبهن ويبعدهن عن دركات النيران فقال مناديا عليهن ليقبلن الى قبول ما يتلى عليهن يا نِساءَ النَّبِيِّ قد اضافهن سبحانه إياه ﷺ للتعظيم والتوقير من شأنكن التحصن والتحفظ عن مطلق الفحشاء والتحرز عن عموم المحارم والمكاره مطلقا واعلمن مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ وفعلة قبيحة وخصلة ذميمة عقلا وشرعا سيما مُبَيِّنَةٍ بينة ظاهر فحشها بنفسها او ظاهر واضح قبحها شرعا وعرفا على كلتا القرائتين يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ يعنى عذابكن ضعف عذاب سائر الحرائر لا أزيد فيها حتى لا يؤدى الظلم المنافى للعدالة الإلهية كما يضاعف عذاب سائر الحرائر بالنسبة الى الإماء وَكانَ ذلِكَ التضعيف والتشديد عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ليعذبكن البتة ان تأت إحداكن بها وَمَنْ يَقْنُتْ ويطع على وجه الخضوع والخشوع مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ويداوم على إطاعتهما وانقيادهما بإتيان الواجبات وبترك المحظورات وعموم المنكرات والمكروهات وَتَعْمَلْ عملا صالِحاً من النوافل والمندوبات نُؤْتِها أَجْرَها وجزاء أعمالها وطاعاتها في يوم الجزاء مَرَّتَيْنِ مرة على مقابلة الأعمال المأتى بها وبمقتضى الطاعات المرضى عنها ومرة على ترجيحها رضى الله ورضى رسوله على مشتهيات نفسها وأمانيها وَمع ذلك التضعيف قد أَعْتَدْنا لَها وهيأنا لأجلها تفضلا منا إياها وامتنانا عليها وراء ما استحقت بالأعمال والطاعات رِزْقاً كَرِيماً صوريا في الجنة مما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ومعنويا

стр. 732

من الحالات الطارئة عليها عند استغراقها بمطالعة جمال الله وجلاله ثم ناداهن سبحانه تعظيما لهن وتنبيها عليهن فقال يا نِساءَ النَّبِيِّ الأفضل الأكمل من عموم الأنبياء والرسل كما انه ﷺ ليس في الكرامة والنجابة كآحاد الناس بل ليس كآحاد الأنبياء والرسل كذلك لَسْتُنَّ أنتن ايضا لنسبتكن اليه ﷺ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ وواحدة منهن إذ فضيلته ﷺ قد سرت إليكن فعليكن ان لا تغفلن عنها ولا تذهلن عن مقتضاها ورعاية حقوقها بل من شأنكن التحصن والتقوى والتحرز مطلقا عن ملهيات الهوى فلكن إِنِ اتَّقَيْتُنَّ يعنى ان تردن ان تتصفن بالتقوى عن محارم الله وعن مقتضيات الهوى فَلا تَخْضَعْنَ ولا تلن ولا تلطفن بِالْقَوْلِ والتكلم وقت احتياجكن الى المكالمة مع آحاد الرجال من الأجانب ولا تجبن عن سؤالهم هينات لينات مريبات مثل تكلم النساء المريدات لانواع الفتن والفسادات مع المفسدين من الرجال فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وميل الى الفجور إليكن بعد ما سمع منكن تلينكن في قولكن وَبالجملة قُلْنَ بعد ما تحتجن الى التكلم معهم عن ضرورة قَوْلًا مَعْرُوفاً مستحسنا عقلا وشرعا بعيدا عن الريبة المثيرة للطمع خاليا عن وصمة الملاينة المحركة للشهوات وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ يعنى يا نساء النبي من شأنكن التقرر والتخلي في البيوت بلا تبرز الى الملأ بلا ضرورة رعاية لمرتبتكن التي هي أعلى من مراتب سائر النساء وَان تحتجن الى التبرز والخروج أحيانا عليكن انه لا تَبَرَّجْنَ ولا تبخترن في مشيكن مظهرات زينتكن مهيجات لشهوات المناظرين تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى مثل تبختر النساء المثيرات لشهوات الرجال في الجاهلية القديمة التي هي جاهلية الكفر والجاهلية الاخرى جاهلية الفسوق والعصيان في الإسلام خض سبحانه الاولى بالذكر وان كانت كلتاهما مذمومتين محظورتين شرعا لأنها افحش وأقبح واظهر فسادا لان النساء فيها يتزين بأنواع الزينة ويظهرن على الرجال بلا تستر واستحياء بل بملاينة تامة وملاطفة كاملة على سبيل الغنج والدلال وانواع الحركات المطمعة للرجال وَبالجملة من حقكن واللائق بشأنكن يا نساء النبي الاجتناب عن مطلق المنكرات والاشتغال بالطاعات والأعمال الصالحات سيما المواظبة على الصلوات النوافل والمفروضات أَقِمْنَ الصَّلاةَ المفروضة المقربة لكن الى الله على الوجه الذي علمتن من النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم وَآتِينَ الزَّكاةَ المطهرة لانفسكن عن الشح المطاع وانواع الأمراض العضال المتولدة من حب الدنيا وأمانيها ان بلغ اموالكن النصاب المقدر في الشرع وَبالجملة أَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ اطاعة مقارنة بكمال الخشوع والخضوع والتذلل التام بالعزيمة الصيحة الخالية عن شوب الرياء والرعونات مطلقا في جميع ما امرتن بها ونهيتن عنها وبالجملة إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ المراقب المصلح لأحوال عباده الخلص بإتيان أمثال هذه المواعظ والتذكيرات البليغة والتنبيهات العجيبة البديعة لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ويزيل عنكم القذر المستقبح المستهجن عقلا وشرعا بالمرة يا أَهْلَ الْبَيْتِ المجبولين على كمال الكرامة والنجابة والعصمة والعفاف وَيُطَهِّرَكُمْ عن ادناس الطبيعة وإكدار الهيولى المانعة عن الصفاء والنقاء الجبلي الذاتي تَطْهِيراً بليغا وتنظيفا لطيفا متناهيا بحيث لا يبقى فيكم شائبة شين ووصمة عيب ونقصان أصلا. ذكر الضمير لان النبي وعليا وابنيه صلّى الله عليه وعليهم فيهم فغلب هؤلاء الذكور الأشراف السادة على فاطمة وازواج النبي رضوان الله عليهن وَبعد ما قد سمعتن يا نساء النبي ما يليق وينبغي بشأنكن اذْكُرْنَ في عموم الأوقات والحالات ما يُتْلى عليكن لإصلاح احوالكن وتكميلكن في الدين

стр. 733

فِي بُيُوتِكُنَّ غير مخرجات لطلبه إذ بيوتكن مهبط الوحى ومحل نزول الآيات المنزلة فلكن ان تلازمن خدمة النبي ﷺ وتشاهدن عليه ﷺ من برحاء الوحى الموجب لقوة الايمان وكمال اليقين والعرفان فليس لكن ان تخرجن من بيوتكن وتتعبن انفسكن في طلب ما يتلى مِنْ آياتِ اللَّهِ الدالة على وحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته وَالْحِكْمَةِ المتقنة الدالة على متانة فعله ووثاقة تدبيره إِنَّ اللَّهَ المطلع لعموم السرائر والخفايا كانَ لَطِيفاً يعلم دقائق ما في ضمائر عباده ورقائقه خَبِيراً ذو خبرة تامة كاملة على سوانح صدورهم وخواطر قلوبهم فعليهم ان يخلصوا الله جميع ما أتوا به ويجتنبوا عن مطلق التهاون والتواني في امتثال الأوامر والنواهي الإلهية وينقادوا له ويسلموا اليه مفوضين أمورهم كلها إِنَّ الْمُسْلِمِينَ المسلمين المخلصين المفوضين وَالْمُسْلِماتِ المفوضات المخلصات وَالْمُؤْمِنِينَ الموقنين الموحدين وَالْمُؤْمِناتِ الموقنات الموحدات وَالْقانِتِينَ الخاضعين المتذللين مع الله في عموم الطاعات والعبادات بل في جميع الحالات وَالْقانِتاتِ الخاضعات الخاشعات وَالصَّادِقِينَ في جميع الأقوال المخلصين في عموم الأعمال وَالصَّادِقاتِ كذلك وَالصَّابِرِينَ في البأساء والضراء بجميع ما جرى عليهم من سلطان القضاء وَالصَّابِراتِ ايضا كذلك وَالْخاشِعِينَ المتواضعين المتضرعين نحو الحق بجوانحهم وجوارحهم وَالْخاشِعاتِ ايضا كذلك وَالْمُتَصَدِّقِينَ بما عندهم من فواضل الصدقات طلبا لمرضاة الله وهربا عن مساخطه وَالْمُتَصَدِّقاتِ ايضا كذلك وَالصَّائِمِينَ الممسكين الحافظين نفوسهم مطلقا عما لا يرضى عنه سبحانه وَالصَّائِماتِ الممسكات انفسهن كذلك وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ عن امارات الزنا ومقدمات السفاح مطلقا وَالْحافِظاتِ ايضا كذلك وَالذَّاكِرِينَ المشتغلين بذكر الله باللسان والجنان وعموم الجوارح والأركان المتذكرين اللَّهَ باسمه الجامع الشامل لجميع الأسماء والصفات لا على سبيل التعديد والإحصاء ولا في حين دون حين بل كَثِيراً مستوعبا لعموم الأحيان والأزمان والأمكنة والاحياز وفي جميع الأوقات وعموم الحالات والآنات وَالذَّاكِراتِ ايضا كذلك قد أَعَدَّ اللَّهُ المصلح لأحوالهم المطلع على عموم ما قد جرى في ظواهرهم وبواطنهم من الإخلاص على وجه التذلل والانكسار وهيأ لَهُمْ اى لهؤلاء المتصفين بالصفات المرضية المذكورة والأخلاق المحمودة المقبولة عند الله مَغْفِرَةً سترا وعفوا لما صدر عنهم من الصغائر هفوة ومن الكبائر ايضا بعد ما تابوا وأنابوا عنها وأخلصوا فيها على وجه الندم وَأَجْراً جزيلا جميلا لصالحات أعمالهم عَظِيماً بأضعاف ما استحقوا بحسناتهم تفضلا عليهم وامتنانا. ثم لما أراد رسول الله ﷺ ان يزوج بنت عمته التي هي اميمة بنت عبد المطلب المسماة بزينب بنت جحش لزيد بن الحارث الذي هو مولى رسول الله ﷺ ودعيّه وعتيقه فأبت هي وأمها اميمة وأخوها عبد الله بن جحش فاعرضوا عن تزويجها اليه لئلا يلحق العار عليهم من تزويج الشريفة بالمولى فنزلت وَما كانَ يعنى ما صح وما جاز لِمُؤْمِنٍ اى لواحد من المؤمنين وَلا مُؤْمِنَةٍ واحدة من المؤمنات بعد ما أخلصوا الايمان بالله ورسوله ان يتخلفوا عن حكمهما أصلا سيما إِذا قَضَى اللَّهُ الحكيم المتقن في أفعاله وَقد نفذ ايضا رَسُولُهُ أَمْراً من الأمور المقضية وحكما من الاحكام المحكومة المبرمة أَنْ يَكُونَ اى يثبت ويبقى لَهُمُ الْخِيَرَةُ والاختيار والترجيح بان يختاروا مِنْ أَمْرِهِمْ المحكوم به والمقضى عليه شيأ يخالف الحكم

стр. 734

الواقع منهما او يوافقه بل لهم ان يطيعوا وينقادوا لحكم رسول الله الذي هو حكم الله حقيقة وَبالجملة مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ سيما بتغيير ما قد حكم به رسول الله ﷺ وادعاء الخيرة والاختيار في المأمور به من قبله ﷺ فَقَدْ ضَلَّ به عن طريق الهداية ضَلالًا مُبِيناً وانحرف عن منهج الصواب والرشد انحرافا عظيما وبعد ما قد نزلت الآية رضيت زينب وأمها وأخوها فخطبها رسول الله ﷺ على زيد ومضى عليها زمان الى ان جاء ﷺ يوما من الأيام الى بيت زيد وليس هو في بيته فرأى زينب فأعجبته فقال صلّى الله تعالى عليه وسلّم متعجبا سبحان الله مقلب القلوب فسمعتها زينب وانصرف ﷺ فلم جاء زيد أخبرته زينب بمجيئه ﷺ وتسبيحه هكذا فالفى زيد في نفسه كراهتها فاتى النبي ﷺ فقال أريد ان اطلق صاحبتي فقال ﷺ أرى بك منها شيء قال والله ما رأيت منها الا خيرا ولكنها قد تترفع على بمقتضى شرافتها ونسبها وَبعد ما قد سمعت يا أكمل الرسل من زيد ما سمعت اذكر وقت إِذْ تَقُولُ أنت لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذ قد وفقه للايمان وقبول الإسلام وشرفه بشرف صحبتك يعنى زيدا وَقد أَنْعَمْتَ ايضا عَلَيْهِ حيث أعتقته ودعوته وزوجته أَمْسِكْ يا زيد عَلَيْكَ زَوْجَكَ بعد ما لم ير بك منها شيء وَاتَّقِ اللَّهَ المنتقم الغيور واحذر عن بطشه بطلاق العفيفة والمفارقة منها بلا وصمة عيب ظهرت عنها وسمة نقص لاحت منها وَالحال انه أنت يا أكمل الرسل حينئذ تُخْفِي وتضمر فِي نَفْسِكَ حين قولك لزيد هكذا مَا اللَّهُ المطلع لما في القلوب العليم بما في الصدور مُبْدِيهِ يعنى شيأ وامرا هو سبحانه مظهره ومعلنه وهو ميلك الى زينب ونكاحها وارادتك بطلاق زيد وافتراقه عنها وَما سبب اخفائك هذا وإظهارك ضد مطلوبك الا انك تَخْشَى النَّاسَ من ان يعيروك بمناكحة زوجة عتيقك ودعيّك ويرموك بما لا يليق بشأنك مع انك برئ عنه وَاللَّهُ المطلع على عموم ما ظهر وبطن أَحَقُّ واولى من أَنْ تَخْشاهُ أنت وتستحي منه وتخاف إذ سبحانه غيور ينتقم عمن يشاء ويأخذه على ما يشاء بالإرادة والاختيار وما هذه الآية الا عتاب شديد وتأديب بليغ قالت عائشة لو كتم النبي شيأ مما انزل اليه لكتم هذه الآية البتة وبالجملة قد طلقها زيد ومضت عليها العدة قال ﷺ لزيد اذهب فاذكرها على فذهب زيد فقال يا زينب ان نبي الله أرسلني إليك بذكرك قالت ما انا بصانعة شيأ حتى اومر من ربي وقامت الى الصلاة فنزلت فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها اى من زينب وَطَراً ومصاحبته وطلقها باينا ومضت عدتها قد زَوَّجْناكَها يعنى زوجناك يا أكمل الرسل زينب بلا نصب ولى من الجانبين على الرسم المعهود في الشرع بل قد أبحنا لك الدخول عليها بلا عقد معروف وصيرناها زوجتك بلا مهر وعقر لذلك قد كانت تباهي على سائر النساء قائلة ان الله قد تولى نكاحي وأنتن زوجكن اولياؤكن فدخل ﷺ عليها بلا اذن ولا عقد نكاح ولا صداق ولا شهود واطعم الناس خبزا ولحما. ثم قال سبحانه لِكَيْ لا يَكُونَ يعنى قد فعلنا ذلك كذلك لكيلا يكون عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ وضيق واثم فِي تزوج أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ الذين تبنوهم وسموهم أبناء محبة وولاء إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً يعنى بعد ما طلقوهن وسرحوهن سراحا جميلا وَبالجملة قد كانَ أَمْرُ اللَّهِ وحكمه المبرم المثبت في لوح قضائه مَفْعُولًا مقضيا نافذا كائنا على تعاقب الأحيان والأزمان. ثم قال سبحانه تسلية لنبيه وحطا

стр. 735

عنه ﷺ العار سيما في أمثال هذه الأفعال الكائنة في قضاء الله المقضية في حضرة علمه المحيط ما كانَ اى ما لحق وما عرض عَلَى النَّبِيِّ المؤيد من عند الله بأنواع التأييدات المنتظر على الوحى والإلهام في ما عنده سبحانه في عموم أحواله واعماله مِنْ حَرَجٍ ضيق واثم وسآمة ووخامة عاقبة فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ﷺ وما قدر لأجله وما كتب واثبت في لوح قضائه وحضرة علمه المحيط من مطلق الحوادث الكائنة الجارية عليه على تعاقب الأزمان والأوقات أصلا ومن جملتها هذا النكاح وبالجملة ليس أمثال هذا ببدع من الله مخصوص بهذا النبي بل سُنَّةَ اللَّهِ الحكيم العليم المتقن في أفعاله المستمرة القديمة التي قد سنها سبحانه فِي الَّذِينَ خَلَوْا ومضوا مِنْ قَبْلُ من الأنبياء والرسل بان لا حرج ولا جريمة لهم أصلا فيما صدر عنهم من أمثاله وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ المثبت في لوح قضائه وحكمه المبرم المحكوم به في حضرة علمه المحيط قَدَراً مَقْدُوراً حتما مقضيا مبرما محكوما به البتة وكيف لا يقضى ولا يحكم بالسنن المقدرة للأنبياء والرسل وهم الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ المحمولة عليهم من قبل الله بوحي الله والهامه الى من أرسلوا إليهم من الأمم بلا تبديل ولا تغيير وَيَخْشَوْنَهُ وهم يخافون عنه سبحانه في عموم أحوالهم وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ يعنى من ديدنة الأنبياء العظام والرسل الكرام ومن خصلتهم الحميدة ان لا يخافوا من الناس ولا يستحيوا منهم لا من لوم لائم ولا من تعييره وتهديده بالقتل والضرب وغير ذلك بل ما يخافون ولا يخشون الا الله المنتقم الغيور المقتدر على انواع العذاب والعقاب وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً ظهيرا ومعينا لهم يكفى مؤنة أعدائهم ويدفع عنهم شرورهم ويكف عنهم جميع ما قصدوا عليهم من المقت والمكر وانواع الأذى والضرر. ثم لما عير الناس رسول الله ﷺ بانه قد تزوج زوجة ابنه ودعيّه وهو زيد رد الله عليهم تعييرهم هذا وتشنيعهم هكذا فقال ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ ايها الأجانب من المؤمنين على الحقيقة سواء كان زيدا او غيره حتى تسرى حكم الحرمة في تزوج زوجته بعد ما قضى الوطر عنها وَلكِنْ كان ﷺ رَسُولَ اللَّهِ الهادي لعباده قد أرسله سبحانه إليكم ليهديكم الى طريق الرشد بمقتضى سنته المستمرة في الأمم السالفة وَلكن من شأنه انه قد صار ﷺ خاتَمَ النَّبِيِّينَ وختم المرسلين إذ ببعثته ﷺ قد كملت دائرة النبوة وتمت جريدة الرسالة والفتوة كما قال ﷺ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وقال تعالى في شأنه ﷺ اليوم أكملت لكم دينكم يعنى ببعثته ﷺ والسرفيه والله اعلم انه ﷺ قد بعث على محض التوحيد الذاتي وسائر الأنبياء انما بعثوا على التوحيد الوصفي او الفعلى وبعد ما بعث ﷺ على توحيد الذات فقد ختم به امر البعثة والرسالة وكمل قصر الدين القويم إذ ليس وراء توحيد الذات مرمى ومنتهى لذلك قد صار ﷺ خاتم النبيين وختم المرسلين وَكانَ اللَّهُ المطلع على جميع ما ظهر وما بطن بِكُلِّ شَيْءٍ وامر قد جرى في ملكه وملكوته وسيجرى عَلِيماً يعلم بعلمه المحيط الحضوري عموم ما قد لمع عليه نور وجوده حسب لطفه وجوده حكيما في بعثة الرسل لتنبيه من وفقه وجبله في سابق قضائه على فطرة التوحيد والايمان مختارا في ختم البعثة وتكميل الدين بعد ما قد وصل غاية كماله وظهوره يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله وعرفوه حق معرفته وتوحيده وعرفوا ايضا كمالات أسمائه وصفاته مقتضى ايمانكم وعرفانكم المداومة على ذكره سبحانه اذْكُرُوا اللَّهَ الواحد الأحد الفرد

стр. 736

الصمد المتصف بجميع أوصاف الكمال المستجمع لعموم الأسماء الحسنى التي لا تعد ولا تحصى ذِكْراً كَثِيراً مستوعبا بجميع أوقاتكم وحالاتكم وازمانكم وآناتكم وبالغوا في ذكره كي تصلوا من اليقين العلمي الى العيني وَسَبِّحُوهُ ونزهوه عن جميع ما لا يليق بشأنه من لوازم الحدوث وأوصاف الإمكان بُكْرَةً وَأَصِيلًا اى في جميع آنات أيامكم ولياليكم طالبين الترقي من اليقين العيني الى الحقي وكيف لا تذكرون الله ولا تسبحون له ايها المؤمنون مع ان شكر المنعم المفضل واجب عقلا وشرعا هُوَ الَّذِي سبحانه يُصَلِّي ويرحم عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون بذاته وبمقتضيات أسمائه وصفاته وَمَلائِكَتُهُ يستغفرون لكم باذنه وانما يفعل بكم سبحانه هذه الكرامة العظيمة لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ ظلمة العدم الأصلي وظلمة الطبيعة والهيولى وظلمة الحجب التعينية إِلَى النُّورِ اى نور الوجود البحت الخالص عن ظلمات التعينات والكثرات مطلقا وَكانَ سبحانه بِالْمُؤْمِنِينَ الموفقين على التوحيد الذاتي رَحِيماً يوفقهم على الايمان حسب رحمته الواسعة ثم يوصلهم الى رتبة التوحيد والعرفان مرقيا من مضيق الإمكان الى سعة فضاء الوجوب عناية لهم وتفضلا عليهم ثم يشرفهم بشرف لقائه بلا كيف ولا اين ولا وضع ولا اضافة محاذات ومقابلة بعد ما انخلعوا عن جلباب الناسوت وتشرفوا بخلعة اللاهوت تَحِيَّتُهُمْ وترحيبهم من قبل الحق يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سبحانه سَلامٌ تسليم وتطهير عن رذائل التعينات ونقائص الأنانيات والهويات المستتبعة لانواع الضلالات والجهالات وَأَعَدَّ لَهُمْ سبحانه نزلا عليهم أَجْراً كَرِيماً وجزاء عظيما مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ثم قال سبحانه يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المؤيد المختص بأنواع الفضائل والكمالات واصناف الكرامات والمعجزات إِنَّا من مقام عظيم جودنا قد أَرْسَلْناكَ الى كافة البرايا وعامة العباد شاهِداً تشهد لهم الحقائق وتحضرهم المعارف وتوصلهم بالتنبيهات الواضحة الى مرتبة الكشف والشهود لكون اصل جبلتهم وفطرتهم مجبولا من لدنا عليها وَمُبَشِّراً تبشرهم بالتوحيد المسقط لعموم الإضافات المستتبعة لانواع الكثرات المشوشة لنفوسهم وقلوبهم وَنَذِيراً تنذرهم عن مقتضيات القوى البهيمية من الشهوية والغضبية الموروثة لهم من عالم الناسوت الجالبة لانواع الخذلان والحرمان وَداعِياً تدعوهم إِلَى توحيد اللَّهِ المنزه عن مطلق التحديد والتعديد دعوة مسبوقة بِإِذْنِهِ سبحانه وبمقتضى توفيقه ووحيه والهامه وَبالجملة قد أرسلناك يا أكمل الرسل الى عموم العباد سِراجاً مُنِيراً تضيء لهم أنت بدعوتك وارشادك وهم يستضيئون منك بتوفيقنا إياهم في ظلمات الضلالات ومهاوي الجهالات المتراكمة من الحجب الظلمانية والكثافات الهيولانية المتولدة من ظلمات الأوهام والخيالات الباطلة الطبيعية الباقية فيهم من ظلمة العدم وَبعد ما سمعت يا أكمل الرسل سبب بعثتك وسره بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ الموقنين بتوحيد الله المترقين من اليقين العلمي الى العيني الطالبين الوصول الى اليقين الحقي بِأَنَّ لَهُمْ اى قد حق وثبت لهم مِنَ عناية اللَّهِ إياهم فَضْلًا كَبِيراً لا فضل اكبر منه واشرف ألا وهو الفوز بشرف اللقاء والرضاء بعموم ما جرى عليهم من القضاء وَبعد ما سمعت وظيفتك مع المؤمنين المسترشدين منك يا أكمل الرسل الطالبين هدايتك وارشادك إياهم وشرف صحبتك معهم لا تُطِعِ الْكافِرِينَ المصرين على الكفر والعناد المجاهرين به وَالْمُنافِقِينَ الذين يخفون كفرهم وضلالهم عنك لمصلحة دنيوية ويظهرون عندك خلاف ما في نفوسهم ولا تجلس معهم ولا تصاحبهم أصلا وَان آذوك في مرورك عنهم وملاقاتك معهم بغتة دَعْ

стр. 737

أَذاهُمْ واتركهم ومنازعتهم ولا تلتفت ايضا الى الانتقام عنهم واصبر على بغضهم فان صبرك يقتلهم عن الغيظ ويطفئ لهب غضبهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ المراقب لك في عموم احوالك لدفع شرورهم وثق اليه سبحانه وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا حسيبا كافيا يكفى عنك مؤنة أعدائك ويكف أذاهم عناية لك واهتماما بشأنك. ثم لما أشار سبحانه الى ما قد أباح على نبيه ﷺ بلا حرج أراد ان يشير الى ما أباح سبحانه على عموم المؤمنين بلا حرج لهم فيه وضيق فقال سبحانه مناديا لهم على وجه العموم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله وصدقوا بعموم أوامره ونواهيه المنزلة من عنده مقتضى ايمانكم إِذا نَكَحْتُمُ وعقدتم الْمُؤْمِناتِ اللاتي هن أكفاء أحقاء بنكاحكم من المسلمات والكتابيات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وتجامعوا معهن فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ يعنى وما لزمكم وما وجب عليكم فيما يتلى عليكم من شعائر الشرع وأحكامه مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها وتحصونها كما للمدخول بهن والمتوفى عنهن من المدة المقدرة في الشرع لاستبراء الرحم محافظة على امتزاج المائين واختلاط النسبين وبعد ما لم تلزم عليهن العدة ايها المطلقون لهن فَمَتِّعُوهُنَّ وأعطوهن المتعة المستحسنة عقلا وشرعا ان لم تكن صدقاتهن مقدرة معينة وان كانت مقدرة فاعطوهن نصف ما قدر من المهر بلا تنقيص ومماطلة وَبعد ما أعطيتموهن المتعة او النصف من المهر المقدر سَرِّحُوهُنَّ واخرجوهن من منازلكم سَراحاً جَمِيلًا إخراجا هينا لينا بلا ضرر واضطرار وتنقيص مما استحققن عليه. ثم أشار سبحانه الى تعداد ما قد أحل وأباح لحبيبه ﷺ من الأزواج فقال مناديا له تبجيلا وتعظيما يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المفضل المكرم من لدنا على سائر الأنبياء والرسل بالعنايات العلية والكرامات السنية إِنَّا من مقام عظيم جودنا معك قد أَحْلَلْنا وأبحنا لَكَ في شرعك ودينك أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ وأعطيت أُجُورَهُنَّ مهورهن معجلا وَقد أبحنا لك ايضا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من الإماء المردودة إليك مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ المنعم المفضل عَلَيْكَ ورده سبحانه من خيار المسبيات وصيفات المغنم إليك وصيفة رضى الله عنها منهن وَقد أحللنا لك في دينك وشرعك بَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ من مكة حبالك وطلبا لمرضاتك ومرضاة ربك وما أبحنا لك من لم تهاجر معك منهن من المشركات الباقيات على الكفر والشرك وَقد أبحنا لك ايضا خاصة من دون المؤمنين امْرَأَةً مُؤْمِنَةً قيدها لان الكافرة لا تليق بفراشه ﷺ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ تبرعا بلا جعل ومهر فعليه ﷺ بعد الهبة الخيار إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها اى يطلب ان يدخل عليها ويقبلها للفراش احللناها خالِصَةً خاصة لَكَ يا أكمل الرسل تكريما لك وتعظيما لشأنك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ يعنى لم نجها لغيرك من أمتك بل هي من جملة الأمور التي قد اختصصت أنت بها كالتزوج فوق الاربعة وغيرها وانما نخص أمثال هذا لك يا أكمل الرسل ولم نعممها لأمتك لأنا من وفور حكمتنا قَدْ عَلِمْنا بحضرة علمنا المحيط الحضوري من ظواهر احوال المؤمنين وبواطنهم استعدادهم وقابليتهم على ما فَرَضْنا وقدرنا عَلَيْهِمْ حتما فِي حقوق أَزْواجِهِمْ من المهر والولي والشهود وعموم متممات النكاح ومكملاته وَعلمنا ايضا منهم سبب ما قدرنا عليهم في حق ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من المسبيات الزائدة ان لا يدخلوا عليهن الا ان يتملكوا بالقسمة او بوجه آخر لكن قد أنزلنا عليك يا أكمل الرسل بعض ما أبحنا عليهم وما خصصناك به دونهم

стр. 738

لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وضيق في تحميلها عليك مع انا نعلم من ظواهرك وبواطنك انك لا تهمل شيأ من حقوق الله ولا من حقوق عباده ولا يقع منك ظلم وجور على احد من خلق الله لذلك لم نضيق عليك امر النكاح تضييقنا على آحاد المؤمنين وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المراقب لأحوال عباده المصلح لمفاسدهم غَفُوراً يستر ويعفو عنهم بعض ما يعسر عليهم التحرز في رعاية حقوق المؤمنين والمؤمنات رَحِيماً يرحم ويعين عليهم في حفظها ورعايتها حسب طاقتهم ثم لما وسّعنا عليك يا أكمل الرسل امر نكاحك وأبحنا لك ما لم نبح لغيرك فلك الخيار في أزواجك تُرْجِي اى تؤخر وتترك مضاجعة مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي تلصق وتضم إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ منهن بلا حرج وضيق بل وَمَنِ ابْتَغَيْتَ وطلبت نكاحها مِمَّنْ عَزَلْتَ وطلقت تطليقا ثلاثا او أقل فَلا جُناحَ ولا اثم عَلَيْكَ ان تعيدها الى نكاحك بلا تحليل وتزويج للغير إذ من جملة خواصك تحريم مدخول بها لك على الغير مطلقا ذلِكَ اى تفويض امورهن إليك أَدْنى واقرب أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ إذ نسبتك إليهن حينئذ على السواء بلا ميل منك وترجيح وَالمناسب لهن ان لا يَحْزَنَّ بعد التفويض بل وَلهن ان يَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ إذ لا تتفاوت نسبتك إليهن أصلا لأنك قد جبلت على الخلق العظيم والعدل القويم والصراط المستقيم سيما في حقوق أزواجك المنتسبات إليك كلهن نسبة واحدة وَاللَّهُ المطلع لضمائر عباده يَعْلَمُ ما يجرى فِي قُلُوبِكُمْ وضمائركم ايها المؤمنون من الميل الى بعض النساء دون بعض والنبي ﷺ منزه عن هذا الميل والانحراف وأمثاله وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المراقب لعموم أحوالكم عَلِيماً بما جرى في صدوركم من الميل الى الهوى حَلِيماً ينتقم عنه ولكن لا يعجل. ثم لما خير سبحانه حبيبه ﷺ في امر نسائه وفوض امورهن كلها اليه ﷺ وقد رضين ايضا كلهن بحكمه بلا إباء ومنع أراد سبحانه ان يمنع وينهى حبيبه ﷺ عن تطليقهن وتبديلهن والزيادة عليهن بعد ما بلغن التسعة فقال لا يَحِلُّ لَكَ يا أكمل الرسل النِّساءُ اى تزوجهن مِنْ بَعْدُ اى بعد ان يتفقن أولئك التسعة على حكمك وأمرك وفوضن امورهن إليك وَلا يحل لك ايضا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ يعنى ان تطلق بعضهن وتبدلهن مِنْ أَزْواجٍ أخر من الاجنبيات وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ يعنى حسن الاجنبيات وبالجملة لا يحل لك التزوج الزائد بعد اليوم كما قد حل لك فيما مضى إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من الإماء فلا حرج عليك بدخولها وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المطلع على مقادر افعال عباده عَلى كُلِّ شَيْءٍ مما جرى في ملكه وملكوته رَقِيباً يراقبه ويحافظه الى ان يكمل ثم يمنع بمقتضى حكمه المتقنة البالغة. ثم أشار سبحانه الى آداب المؤمنين مع النبي ﷺ في استيذانهم منه ودخولهم عليه ﷺ وتناولهم الطعام عنده وبين يديه وتكلمهم مع أزواجه ﷺ الى غير ذلك من الآداب فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله مقتضى ايمانكم رعاية الأدب مع رسولكم ﷺ من قبل بيوته ومحل محارمه ومساكنه عليكم انه لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ بغتة بلا سبق استيذان منكم بل بيوت سائر المسلمين ايضا إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ دعوة إِلى طَعامٍ حاضر عنده ﷺ حال كونكم غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ ولا منتظرين الى وقته وَعليكم ان لا تدخلوا بلا دعوة لكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا وأطعموا فَإِذا طَعِمْتُمْ

стр. 739

فَانْتَشِرُوا واخرجوا على الفور وتفرّقوا وَلا تتمكنوا بعد الطعام عنده ﷺ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ يتحدث بعضكم مع بعض او تسمعونه منه ﷺ او من اهل بيته او بمهم آخر من مهماتكم إِنَّ ذلِكُمْ اى لبثكم عنده ﷺ على وجه من الوجوه المذكورة قد كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي ﷺ مِنْكُمْ ان يخرجكم حسب حميته البشرية لأنه ﷺ احيى الناس حليم صبور على اذاكم ولا يخرجكم عنوة وَاللَّهُ المصلح لأحوال عباده المنبه عليهم عموم مصالحهم لا يَسْتَحْيِي مِنَ اظهار كلمة الْحَقِّ التي يجب إيصالها الى المؤمنين المسترشدين لتترسخ في قلوبهم ويتمرنوا عليها ويتصفوا بها وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ يعنى من أزواجه ﷺ مَتاعاً وحوائج فَسْئَلُوهُنَّ متسترين مِنْ وَراءِ حِجابٍ بحيث لا يقع نظركم إليهن أصلا ذلِكُمْ اى التستر والتحجب من ازواج النبي أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ من امارات الإثم ومخايل المعصية وسوء الأدب وَقُلُوبِهِنَّ ايضا ترغيما للشياطين وتطهيرا لنفوسكم من غوائلها وتلبيساتها وَبالجملة اعلموا ايها المؤمنون ما كانَ وما صح وما جاز لَكُمْ في حال من الأحوال أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ بشيء يكرهه ﷺ ويستنزه عنه مطلقا وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ المدخول عليها مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً سواء كن حرائر أم إماء إِنَّ ذلِكُمْ اى ايذاءه ﷺ ونكاح نسائه بعده قد كانَ عِنْدَ اللَّهِ المنتقم الغيور المقتدر على انواع الانتقام ذنبا عَظِيماً مستجلبا لأليم العذاب وعظيم العقاب واعلموا ايها المؤمنون إِنْ تُبْدُوا وتظهروا شَيْئاً حقيرا مما يتعلق بايذائه ﷺ من أزواجه في حياته او بعد وفاته أَوْ تُخْفُوهُ في انفسكم غير مجاهرين به فَإِنَّ اللَّهَ المطلع في مكنونات صدوركم قد كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ ظهر على ألسنتكم او خطر ببالكم عَلِيماً لا يعزب عن علمه المحيط شيء من الدقائق والرقائق ثم لما نزلت آية التستر والحجاب قيل يا رسول الله الآباء والأبناء والأقارب والعشائر ايضا تكلموا معهن من وراء حجاب نزلت لا جُناحَ ولا اثم ولا ضيق عَلَيْهِنَّ اى على أزواجه ﷺ فِي اختلاط آبائِهِنَّ والتكلم معهم بلا سترة وحجاب وَلا أَبْنائِهِنَّ ايضا وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ إذ الكل بعيد عن وصمة التهمة مصون من مطلق الريبة وَلا نِسائِهِنَّ يعنى النساء المؤمنات لا الكتابيات وَلا جناح ايضا في ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من العبيد والإماء وقيل من الإماء خاصة دون العبيد كما مرّ في سورة النور وَبالجملة يا نساء النبي المحفوظ المصون في ذاته عن ادناس الطبيعة وإكدار الهيولى مطلقا اتَّقِينَ اللَّهَ المنتقم الغيور واحذرن أنتن ايضا عن عموم محارمه ومنهياته مطلقا وامتثلن بأوامره ومندوباته حتى تشابهن وتشاركن معه ﷺ في أخص أوصافه إِنَّ اللَّهَ المطلع على ضمائر كن قد كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خلج في خواطركن من الإثم واللمم شَهِيداً حاضرا عنده سبحانه غير مغيب عنه بحيث لا يخفى عليه سبحانه خافية وان رقت ودقت. ثم أشار سبحانه الى تعظيم النبي ﵇ وتوقيره والاعتناء بشأنه وعلو منزلته ومكانه فقال إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء وَمَلائِكَتَهُ المهيمين عنده الوالهين بمطالعة جماله المستغرقين بشرف لقائه يُصَلُّونَ يعتنون ويهتمون بأنواع الرحمة والكرامة واصناف الاستغفار إظهارا لفضله ﷺ وتبجيلا وتعظيما عَلَى النَّبِيِّ الحقيق لانواع التوقير والتمجيد المستحق لأصناف الكرامة والتحميد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 740

بالله بوسيلة نبيه ﷺ وتحققوا بتوحيده سبحانه بإرشاده ﷺ أنتم اولى وأحق بتعظيمه وتوقيره وتصليته وتسليمه صَلُّوا عَلَيْهِ مهما سمعتم اسمه ﷺ او ذكرتم أنتم في انفسكم وقولوا اللهم صل على محمد وَسَلِّمُوا له تَسْلِيماً قائلين السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته. والآية تدل على وجوب الصلاة عليه ﷺ لعموم المؤمنين كلما جرى ذكره في أى حال من الأحوال وأى حين من الأحيان اللائقة للدعاء. ثم لما أشار سبحانه الى علو شأن نبيه ﷺ وسمو برهانه وأوجب على المؤمنين تعظيمه وتوقيره والانقياد له في عموم أوامره ونواهيه أراد ان يشير سبحانه الى ان من قصد أذاه ﷺ وأساء الأدب معه فقد استحق اللعن والطرد فقال إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حيث يأتون بالافعال الذميمة القبيحة المستكرهة عقلا وشرعا عنده ﷺ فيؤذونه ﷺ بهذه ذكر سبحانه نفسه هاهنا تعظيما لشأن حبيبه ﷺ إذ ايذاؤه ﷺ مستلزم لإيذائه سبحانه والا فهو في ذاته منزه عن التأذى والتأثر مطلقا قد لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ المنتقم عنهم وطردهم عن سعة رحمته وجنته وَأَعَدَّ لَهُمْ في النار عَذاباً مُهِيناً مؤلما مزعجا لا عذاب أسوأ منه وأشد ثم اردف سبحانه ايذاءه ﷺ بإيذاء المؤمنين فقال وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بذمائم الأفعال والأقوال وقبائح الأطوار والحركات سيما بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا يعنى بغير جريمة صدرت عنهم واستحقوا الجناية عليها بل افتراء ومراء فَقَدِ احْتَمَلُوا وتحتملوا هؤلاء المؤذين المفترين بُهْتاناً جالبا لانواع العقوبات وَإِثْماً مُبِيناً ظاهرا عظيما مستعقبا مستتبعا لأسوء الجزاء وأشد العقاب والنكال إذ رمى المحصنات من افحش الجنايات وأقبح القبائح والخيانات. ثم أشار سبحانه الى آداب النساء وصيانتهن عن الرجال واستحيائهن منهم ليسلمن من افتراء المفترين ورمى الرامين فقال مناديا لحبيبه ﷺ ليبلغ الى أمته وأزواجه ﷺ وأزواجهم ايضا يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المؤيد من لدنا المبعوث الى ارشاد البرايا ذكورهم وإناثهم قُلْ لِأَزْواجِكَ أولا على سبيل الشفقة والنصيحة وَبَناتِكَ ايضا وَسائر نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ إذا ظهرن وبرزن لحوائجهن أحيانا يُدْنِينَ ويغطين عَلَيْهِنَّ اى على أيديهن وأرجلهن وعلى جميع معاطفهن مِنْ فواضل جَلَابِيبِهِنَّ وملاحفهن بحيث لا يبدو من مفاصلهن واعضائهن شيء سوى العينين بل عين واحدة ليتميزن بها عن الإماء والفتيات المريبات المطمعات لأهل الفجور والفسوق وبالجملة ذلِكَ التستر والتغطى على الوجه الأتم الأبلغ أَدْنى واقرب أَنْ يُعْرَفْنَ ويميزن أولئك الحرائر العفائف من الإماء وعن مطلق المريبات المطمعات وبعد ما عرفن فَلا يُؤْذَيْنَ ولا يفترين ببهتان وَكانَ اللَّهُ المطلع لعموم ما اختلج في جوانحهن وخواطرهن غَفُوراً لهن بعد ما تبن الى الله وانبن رَحِيماً يقبل توبتهن ويرحم عليهن ان اخلصن فيها. ثم قال سبحانه مقسما مبالغا والله لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ولم ينزجر الْمُنافِقُونَ المفترون الرامون الباهتون عن إيذاء المؤمنات الحرائر المصونات المحفوظات والسرايا العفائف سيما بعد ما تحفظن وتسترن على الوجه المذكور وَلم يكف عنهن المتعرضون الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وضعف ايمان واعتقاد وميل الى الفسوق والفجور وَلا سيما الْمُرْجِفُونَ المجاهرون المترددون فِي الْمَدِينَةِ بأنواع النميمة والأراجيف والاخبار الكاذبة والمفتريات الباطلة الغليظة ويذيعونها
следующие страницы →