← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الصمد المتصف بجميع أوصاف الكمال المستجمع لعموم الأسماء الحسنى التي لا تعد ولا تحصى ذِكْراً كَثِيراً مستوعبا بجميع أوقاتكم وحالاتكم وازمانكم وآناتكم وبالغوا في ذكره كي تصلوا من اليقين العلمي الى العيني وَسَبِّحُوهُ ونزهوه عن جميع ما لا يليق بشأنه من لوازم الحدوث وأوصاف الإمكان بُكْرَةً وَأَصِيلًا اى في جميع آنات أيامكم ولياليكم طالبين الترقي من اليقين العيني الى الحقي وكيف لا تذكرون الله ولا تسبحون له ايها المؤمنون مع ان شكر المنعم المفضل واجب عقلا وشرعا هُوَ الَّذِي سبحانه يُصَلِّي ويرحم عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون بذاته وبمقتضيات أسمائه وصفاته وَمَلائِكَتُهُ يستغفرون لكم باذنه وانما يفعل بكم سبحانه هذه الكرامة العظيمة لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ ظلمة العدم الأصلي وظلمة الطبيعة والهيولى وظلمة الحجب التعينية إِلَى النُّورِ اى نور الوجود البحت الخالص عن ظلمات التعينات والكثرات مطلقا وَكانَ سبحانه بِالْمُؤْمِنِينَ الموفقين على التوحيد الذاتي رَحِيماً يوفقهم على الايمان حسب رحمته الواسعة ثم يوصلهم الى رتبة التوحيد والعرفان مرقيا من مضيق الإمكان الى سعة فضاء الوجوب عناية لهم وتفضلا عليهم ثم يشرفهم بشرف لقائه بلا كيف ولا اين ولا وضع ولا اضافة محاذات ومقابلة بعد ما انخلعوا عن جلباب الناسوت وتشرفوا بخلعة اللاهوت تَحِيَّتُهُمْ وترحيبهم من قبل الحق يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سبحانه سَلامٌ تسليم وتطهير عن رذائل التعينات ونقائص الأنانيات والهويات المستتبعة لانواع الضلالات والجهالات وَأَعَدَّ لَهُمْ سبحانه نزلا عليهم أَجْراً كَرِيماً وجزاء عظيما مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ثم قال سبحانه يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المؤيد المختص بأنواع الفضائل والكمالات واصناف الكرامات والمعجزات إِنَّا من مقام عظيم جودنا قد أَرْسَلْناكَ الى كافة البرايا وعامة العباد شاهِداً تشهد لهم الحقائق وتحضرهم المعارف وتوصلهم بالتنبيهات الواضحة الى مرتبة الكشف والشهود لكون اصل جبلتهم وفطرتهم مجبولا من لدنا عليها وَمُبَشِّراً تبشرهم بالتوحيد المسقط لعموم الإضافات المستتبعة لانواع الكثرات المشوشة لنفوسهم وقلوبهم وَنَذِيراً تنذرهم عن مقتضيات القوى البهيمية من الشهوية والغضبية الموروثة لهم من عالم الناسوت الجالبة لانواع الخذلان والحرمان وَداعِياً تدعوهم إِلَى توحيد اللَّهِ المنزه عن مطلق التحديد والتعديد دعوة مسبوقة بِإِذْنِهِ سبحانه وبمقتضى توفيقه ووحيه والهامه وَبالجملة قد أرسلناك يا أكمل الرسل الى عموم العباد سِراجاً مُنِيراً تضيء لهم أنت بدعوتك وارشادك وهم يستضيئون منك بتوفيقنا إياهم في ظلمات الضلالات ومهاوي الجهالات المتراكمة من الحجب الظلمانية والكثافات الهيولانية المتولدة من ظلمات الأوهام والخيالات الباطلة الطبيعية الباقية فيهم من ظلمة العدم وَبعد ما سمعت يا أكمل الرسل سبب بعثتك وسره بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ الموقنين بتوحيد الله المترقين من اليقين العلمي الى العيني الطالبين الوصول الى اليقين الحقي بِأَنَّ لَهُمْ اى قد حق وثبت لهم مِنَ عناية اللَّهِ إياهم فَضْلًا كَبِيراً لا فضل اكبر منه واشرف ألا وهو الفوز بشرف اللقاء والرضاء بعموم ما جرى عليهم من القضاء وَبعد ما سمعت وظيفتك مع المؤمنين المسترشدين منك يا أكمل الرسل الطالبين هدايتك وارشادك إياهم وشرف صحبتك معهم لا تُطِعِ الْكافِرِينَ المصرين على الكفر والعناد المجاهرين به وَالْمُنافِقِينَ الذين يخفون كفرهم وضلالهم عنك لمصلحة دنيوية ويظهرون عندك خلاف ما في نفوسهم ولا تجلس معهم ولا تصاحبهم أصلا وَان آذوك في مرورك عنهم وملاقاتك معهم بغتة دَعْ

стр. 737

أَذاهُمْ واتركهم ومنازعتهم ولا تلتفت ايضا الى الانتقام عنهم واصبر على بغضهم فان صبرك يقتلهم عن الغيظ ويطفئ لهب غضبهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ المراقب لك في عموم احوالك لدفع شرورهم وثق اليه سبحانه وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا حسيبا كافيا يكفى عنك مؤنة أعدائك ويكف أذاهم عناية لك واهتماما بشأنك. ثم لما أشار سبحانه الى ما قد أباح على نبيه ﷺ بلا حرج أراد ان يشير الى ما أباح سبحانه على عموم المؤمنين بلا حرج لهم فيه وضيق فقال سبحانه مناديا لهم على وجه العموم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله وصدقوا بعموم أوامره ونواهيه المنزلة من عنده مقتضى ايمانكم إِذا نَكَحْتُمُ وعقدتم الْمُؤْمِناتِ اللاتي هن أكفاء أحقاء بنكاحكم من المسلمات والكتابيات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وتجامعوا معهن فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ يعنى وما لزمكم وما وجب عليكم فيما يتلى عليكم من شعائر الشرع وأحكامه مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها وتحصونها كما للمدخول بهن والمتوفى عنهن من المدة المقدرة في الشرع لاستبراء الرحم محافظة على امتزاج المائين واختلاط النسبين وبعد ما لم تلزم عليهن العدة ايها المطلقون لهن فَمَتِّعُوهُنَّ وأعطوهن المتعة المستحسنة عقلا وشرعا ان لم تكن صدقاتهن مقدرة معينة وان كانت مقدرة فاعطوهن نصف ما قدر من المهر بلا تنقيص ومماطلة وَبعد ما أعطيتموهن المتعة او النصف من المهر المقدر سَرِّحُوهُنَّ واخرجوهن من منازلكم سَراحاً جَمِيلًا إخراجا هينا لينا بلا ضرر واضطرار وتنقيص مما استحققن عليه. ثم أشار سبحانه الى تعداد ما قد أحل وأباح لحبيبه ﷺ من الأزواج فقال مناديا له تبجيلا وتعظيما يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المفضل المكرم من لدنا على سائر الأنبياء والرسل بالعنايات العلية والكرامات السنية إِنَّا من مقام عظيم جودنا معك قد أَحْلَلْنا وأبحنا لَكَ في شرعك ودينك أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ وأعطيت أُجُورَهُنَّ مهورهن معجلا وَقد أبحنا لك ايضا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من الإماء المردودة إليك مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ المنعم المفضل عَلَيْكَ ورده سبحانه من خيار المسبيات وصيفات المغنم إليك وصيفة رضى الله عنها منهن وَقد أحللنا لك في دينك وشرعك بَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ من مكة حبالك وطلبا لمرضاتك ومرضاة ربك وما أبحنا لك من لم تهاجر معك منهن من المشركات الباقيات على الكفر والشرك وَقد أبحنا لك ايضا خاصة من دون المؤمنين امْرَأَةً مُؤْمِنَةً قيدها لان الكافرة لا تليق بفراشه ﷺ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ تبرعا بلا جعل ومهر فعليه ﷺ بعد الهبة الخيار إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها اى يطلب ان يدخل عليها ويقبلها للفراش احللناها خالِصَةً خاصة لَكَ يا أكمل الرسل تكريما لك وتعظيما لشأنك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ يعنى لم نجها لغيرك من أمتك بل هي من جملة الأمور التي قد اختصصت أنت بها كالتزوج فوق الاربعة وغيرها وانما نخص أمثال هذا لك يا أكمل الرسل ولم نعممها لأمتك لأنا من وفور حكمتنا قَدْ عَلِمْنا بحضرة علمنا المحيط الحضوري من ظواهر احوال المؤمنين وبواطنهم استعدادهم وقابليتهم على ما فَرَضْنا وقدرنا عَلَيْهِمْ حتما فِي حقوق أَزْواجِهِمْ من المهر والولي والشهود وعموم متممات النكاح ومكملاته وَعلمنا ايضا منهم سبب ما قدرنا عليهم في حق ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من المسبيات الزائدة ان لا يدخلوا عليهن الا ان يتملكوا بالقسمة او بوجه آخر لكن قد أنزلنا عليك يا أكمل الرسل بعض ما أبحنا عليهم وما خصصناك به دونهم

стр. 738

لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وضيق في تحميلها عليك مع انا نعلم من ظواهرك وبواطنك انك لا تهمل شيأ من حقوق الله ولا من حقوق عباده ولا يقع منك ظلم وجور على احد من خلق الله لذلك لم نضيق عليك امر النكاح تضييقنا على آحاد المؤمنين وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المراقب لأحوال عباده المصلح لمفاسدهم غَفُوراً يستر ويعفو عنهم بعض ما يعسر عليهم التحرز في رعاية حقوق المؤمنين والمؤمنات رَحِيماً يرحم ويعين عليهم في حفظها ورعايتها حسب طاقتهم ثم لما وسّعنا عليك يا أكمل الرسل امر نكاحك وأبحنا لك ما لم نبح لغيرك فلك الخيار في أزواجك تُرْجِي اى تؤخر وتترك مضاجعة مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي تلصق وتضم إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ منهن بلا حرج وضيق بل وَمَنِ ابْتَغَيْتَ وطلبت نكاحها مِمَّنْ عَزَلْتَ وطلقت تطليقا ثلاثا او أقل فَلا جُناحَ ولا اثم عَلَيْكَ ان تعيدها الى نكاحك بلا تحليل وتزويج للغير إذ من جملة خواصك تحريم مدخول بها لك على الغير مطلقا ذلِكَ اى تفويض امورهن إليك أَدْنى واقرب أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ إذ نسبتك إليهن حينئذ على السواء بلا ميل منك وترجيح وَالمناسب لهن ان لا يَحْزَنَّ بعد التفويض بل وَلهن ان يَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ إذ لا تتفاوت نسبتك إليهن أصلا لأنك قد جبلت على الخلق العظيم والعدل القويم والصراط المستقيم سيما في حقوق أزواجك المنتسبات إليك كلهن نسبة واحدة وَاللَّهُ المطلع لضمائر عباده يَعْلَمُ ما يجرى فِي قُلُوبِكُمْ وضمائركم ايها المؤمنون من الميل الى بعض النساء دون بعض والنبي ﷺ منزه عن هذا الميل والانحراف وأمثاله وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المراقب لعموم أحوالكم عَلِيماً بما جرى في صدوركم من الميل الى الهوى حَلِيماً ينتقم عنه ولكن لا يعجل. ثم لما خير سبحانه حبيبه ﷺ في امر نسائه وفوض امورهن كلها اليه ﷺ وقد رضين ايضا كلهن بحكمه بلا إباء ومنع أراد سبحانه ان يمنع وينهى حبيبه ﷺ عن تطليقهن وتبديلهن والزيادة عليهن بعد ما بلغن التسعة فقال لا يَحِلُّ لَكَ يا أكمل الرسل النِّساءُ اى تزوجهن مِنْ بَعْدُ اى بعد ان يتفقن أولئك التسعة على حكمك وأمرك وفوضن امورهن إليك وَلا يحل لك ايضا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ يعنى ان تطلق بعضهن وتبدلهن مِنْ أَزْواجٍ أخر من الاجنبيات وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ يعنى حسن الاجنبيات وبالجملة لا يحل لك التزوج الزائد بعد اليوم كما قد حل لك فيما مضى إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من الإماء فلا حرج عليك بدخولها وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المطلع على مقادر افعال عباده عَلى كُلِّ شَيْءٍ مما جرى في ملكه وملكوته رَقِيباً يراقبه ويحافظه الى ان يكمل ثم يمنع بمقتضى حكمه المتقنة البالغة. ثم أشار سبحانه الى آداب المؤمنين مع النبي ﷺ في استيذانهم منه ودخولهم عليه ﷺ وتناولهم الطعام عنده وبين يديه وتكلمهم مع أزواجه ﷺ الى غير ذلك من الآداب فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله مقتضى ايمانكم رعاية الأدب مع رسولكم ﷺ من قبل بيوته ومحل محارمه ومساكنه عليكم انه لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ بغتة بلا سبق استيذان منكم بل بيوت سائر المسلمين ايضا إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ دعوة إِلى طَعامٍ حاضر عنده ﷺ حال كونكم غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ ولا منتظرين الى وقته وَعليكم ان لا تدخلوا بلا دعوة لكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا وأطعموا فَإِذا طَعِمْتُمْ

стр. 739

فَانْتَشِرُوا واخرجوا على الفور وتفرّقوا وَلا تتمكنوا بعد الطعام عنده ﷺ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ يتحدث بعضكم مع بعض او تسمعونه منه ﷺ او من اهل بيته او بمهم آخر من مهماتكم إِنَّ ذلِكُمْ اى لبثكم عنده ﷺ على وجه من الوجوه المذكورة قد كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي ﷺ مِنْكُمْ ان يخرجكم حسب حميته البشرية لأنه ﷺ احيى الناس حليم صبور على اذاكم ولا يخرجكم عنوة وَاللَّهُ المصلح لأحوال عباده المنبه عليهم عموم مصالحهم لا يَسْتَحْيِي مِنَ اظهار كلمة الْحَقِّ التي يجب إيصالها الى المؤمنين المسترشدين لتترسخ في قلوبهم ويتمرنوا عليها ويتصفوا بها وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ يعنى من أزواجه ﷺ مَتاعاً وحوائج فَسْئَلُوهُنَّ متسترين مِنْ وَراءِ حِجابٍ بحيث لا يقع نظركم إليهن أصلا ذلِكُمْ اى التستر والتحجب من ازواج النبي أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ من امارات الإثم ومخايل المعصية وسوء الأدب وَقُلُوبِهِنَّ ايضا ترغيما للشياطين وتطهيرا لنفوسكم من غوائلها وتلبيساتها وَبالجملة اعلموا ايها المؤمنون ما كانَ وما صح وما جاز لَكُمْ في حال من الأحوال أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ بشيء يكرهه ﷺ ويستنزه عنه مطلقا وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ المدخول عليها مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً سواء كن حرائر أم إماء إِنَّ ذلِكُمْ اى ايذاءه ﷺ ونكاح نسائه بعده قد كانَ عِنْدَ اللَّهِ المنتقم الغيور المقتدر على انواع الانتقام ذنبا عَظِيماً مستجلبا لأليم العذاب وعظيم العقاب واعلموا ايها المؤمنون إِنْ تُبْدُوا وتظهروا شَيْئاً حقيرا مما يتعلق بايذائه ﷺ من أزواجه في حياته او بعد وفاته أَوْ تُخْفُوهُ في انفسكم غير مجاهرين به فَإِنَّ اللَّهَ المطلع في مكنونات صدوركم قد كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ ظهر على ألسنتكم او خطر ببالكم عَلِيماً لا يعزب عن علمه المحيط شيء من الدقائق والرقائق ثم لما نزلت آية التستر والحجاب قيل يا رسول الله الآباء والأبناء والأقارب والعشائر ايضا تكلموا معهن من وراء حجاب نزلت لا جُناحَ ولا اثم ولا ضيق عَلَيْهِنَّ اى على أزواجه ﷺ فِي اختلاط آبائِهِنَّ والتكلم معهم بلا سترة وحجاب وَلا أَبْنائِهِنَّ ايضا وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ إذ الكل بعيد عن وصمة التهمة مصون من مطلق الريبة وَلا نِسائِهِنَّ يعنى النساء المؤمنات لا الكتابيات وَلا جناح ايضا في ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من العبيد والإماء وقيل من الإماء خاصة دون العبيد كما مرّ في سورة النور وَبالجملة يا نساء النبي المحفوظ المصون في ذاته عن ادناس الطبيعة وإكدار الهيولى مطلقا اتَّقِينَ اللَّهَ المنتقم الغيور واحذرن أنتن ايضا عن عموم محارمه ومنهياته مطلقا وامتثلن بأوامره ومندوباته حتى تشابهن وتشاركن معه ﷺ في أخص أوصافه إِنَّ اللَّهَ المطلع على ضمائر كن قد كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خلج في خواطركن من الإثم واللمم شَهِيداً حاضرا عنده سبحانه غير مغيب عنه بحيث لا يخفى عليه سبحانه خافية وان رقت ودقت. ثم أشار سبحانه الى تعظيم النبي ﵇ وتوقيره والاعتناء بشأنه وعلو منزلته ومكانه فقال إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء وَمَلائِكَتَهُ المهيمين عنده الوالهين بمطالعة جماله المستغرقين بشرف لقائه يُصَلُّونَ يعتنون ويهتمون بأنواع الرحمة والكرامة واصناف الاستغفار إظهارا لفضله ﷺ وتبجيلا وتعظيما عَلَى النَّبِيِّ الحقيق لانواع التوقير والتمجيد المستحق لأصناف الكرامة والتحميد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 740

بالله بوسيلة نبيه ﷺ وتحققوا بتوحيده سبحانه بإرشاده ﷺ أنتم اولى وأحق بتعظيمه وتوقيره وتصليته وتسليمه صَلُّوا عَلَيْهِ مهما سمعتم اسمه ﷺ او ذكرتم أنتم في انفسكم وقولوا اللهم صل على محمد وَسَلِّمُوا له تَسْلِيماً قائلين السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته. والآية تدل على وجوب الصلاة عليه ﷺ لعموم المؤمنين كلما جرى ذكره في أى حال من الأحوال وأى حين من الأحيان اللائقة للدعاء. ثم لما أشار سبحانه الى علو شأن نبيه ﷺ وسمو برهانه وأوجب على المؤمنين تعظيمه وتوقيره والانقياد له في عموم أوامره ونواهيه أراد ان يشير سبحانه الى ان من قصد أذاه ﷺ وأساء الأدب معه فقد استحق اللعن والطرد فقال إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حيث يأتون بالافعال الذميمة القبيحة المستكرهة عقلا وشرعا عنده ﷺ فيؤذونه ﷺ بهذه ذكر سبحانه نفسه هاهنا تعظيما لشأن حبيبه ﷺ إذ ايذاؤه ﷺ مستلزم لإيذائه سبحانه والا فهو في ذاته منزه عن التأذى والتأثر مطلقا قد لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ المنتقم عنهم وطردهم عن سعة رحمته وجنته وَأَعَدَّ لَهُمْ في النار عَذاباً مُهِيناً مؤلما مزعجا لا عذاب أسوأ منه وأشد ثم اردف سبحانه ايذاءه ﷺ بإيذاء المؤمنين فقال وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بذمائم الأفعال والأقوال وقبائح الأطوار والحركات سيما بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا يعنى بغير جريمة صدرت عنهم واستحقوا الجناية عليها بل افتراء ومراء فَقَدِ احْتَمَلُوا وتحتملوا هؤلاء المؤذين المفترين بُهْتاناً جالبا لانواع العقوبات وَإِثْماً مُبِيناً ظاهرا عظيما مستعقبا مستتبعا لأسوء الجزاء وأشد العقاب والنكال إذ رمى المحصنات من افحش الجنايات وأقبح القبائح والخيانات. ثم أشار سبحانه الى آداب النساء وصيانتهن عن الرجال واستحيائهن منهم ليسلمن من افتراء المفترين ورمى الرامين فقال مناديا لحبيبه ﷺ ليبلغ الى أمته وأزواجه ﷺ وأزواجهم ايضا يا أَيُّهَا النَّبِيُّ المؤيد من لدنا المبعوث الى ارشاد البرايا ذكورهم وإناثهم قُلْ لِأَزْواجِكَ أولا على سبيل الشفقة والنصيحة وَبَناتِكَ ايضا وَسائر نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ إذا ظهرن وبرزن لحوائجهن أحيانا يُدْنِينَ ويغطين عَلَيْهِنَّ اى على أيديهن وأرجلهن وعلى جميع معاطفهن مِنْ فواضل جَلَابِيبِهِنَّ وملاحفهن بحيث لا يبدو من مفاصلهن واعضائهن شيء سوى العينين بل عين واحدة ليتميزن بها عن الإماء والفتيات المريبات المطمعات لأهل الفجور والفسوق وبالجملة ذلِكَ التستر والتغطى على الوجه الأتم الأبلغ أَدْنى واقرب أَنْ يُعْرَفْنَ ويميزن أولئك الحرائر العفائف من الإماء وعن مطلق المريبات المطمعات وبعد ما عرفن فَلا يُؤْذَيْنَ ولا يفترين ببهتان وَكانَ اللَّهُ المطلع لعموم ما اختلج في جوانحهن وخواطرهن غَفُوراً لهن بعد ما تبن الى الله وانبن رَحِيماً يقبل توبتهن ويرحم عليهن ان اخلصن فيها. ثم قال سبحانه مقسما مبالغا والله لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ولم ينزجر الْمُنافِقُونَ المفترون الرامون الباهتون عن إيذاء المؤمنات الحرائر المصونات المحفوظات والسرايا العفائف سيما بعد ما تحفظن وتسترن على الوجه المذكور وَلم يكف عنهن المتعرضون الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وضعف ايمان واعتقاد وميل الى الفسوق والفجور وَلا سيما الْمُرْجِفُونَ المجاهرون المترددون فِي الْمَدِينَةِ بأنواع النميمة والأراجيف والاخبار الكاذبة والمفتريات الباطلة الغليظة ويذيعونها

стр. 741

فيها عنادا وإفسادا لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ولنأمرنك يا أكمل الرسل بقتالهم واجلائهم ولنسلطنك عليهم بإقامة الحدود الشديدة والتعزيرات البليغة بحيث لا يمكنهم التمكن والاقامة فيها ويضطرون الى الجلاء ثُمَّ بعد ما قد وضعنا الحدود وامرناك بإقامتها وإجرائها لا يُجاوِرُونَكَ فِيها اى لا يستطيعون ولا يقدرون بمجاورتك في المدينة إِلَّا قَلِيلًا زمانا يسيرا يستعدون فيه للبعد والجلاء ويهيئون فيه اسباب الهرب والهزيمة من بين المسلمين والفرار عنهم والى اين يفرون ويهربون أولئك المطرودون المردودون حتى لا يؤاخذون ولا يؤسرون وهم قد كانوا بين المؤمنين مَلْعُونِينَ مطرودين مبعدين عن روح الله وعن كنف جوار رسول الله وجوار المؤمنين لكونهم مؤذين متعرضين لعوارت المسلمين الباهتين المفترين اياهن ببهتان عظيم والمتصفون بهذه الأوصاف المذمومة والديدنة المستهجنة أَيْنَما ثُقِفُوا ووجدوا أُخِذُوا وأسروا وَان لم يمكن اسرهم قُتِّلُوا تَقْتِيلًا شديدا بحيث استوصلوا بالمرة واستئصال أمثال هذه الغواة المطرودين المردودين ليس ببدع من الله بل قد كان هذا سُنَّةَ اللَّهِ القدير الحكيم المستمرة القديمة التي قد سنها سبحانه فِي انتقام مطلق المؤذين المفترين الَّذِينَ خَلَوْا ومضوا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ أنت يا أكمل الرسل لِسُنَّةِ اللَّهِ المستمرة الجارية حسب حكمته المتقنة البالغة تَبْدِيلًا اى لا يبدل حكمه ولا يغير حكمته بل له ان يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم نبه سبحانه على حبيبه ﷺ بما سيسأل عنه الكافرون تهكما واستهزاء وأشار سبحانه الى جواب سؤالهم تعليما له ﷺ وإرشادا فقال يَسْئَلُكَ يا أكمل الرسل النَّاسُ الناسون عهودهم التي عهدوا مع الله في مبدأ فطرتهم عَنِ السَّاعَةِ التي قد أخبرت أنت بها وبقيامها بمقتضى الوحى الإلهي والهامه كما اخبر بها سائر الرسل الكرام والأنبياء الأمناء العظام صلوات الله عليك وعليهم الى يوم القيام مستهزئين معك سائلين عن تعيين وقتها وقيامها أقريب هي أم بعيد قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما اقترحوا عليك عنها إِنَّما عِلْمُها وعلم قيامها وتعيين وقتها وزمان إلمامها عِنْدَ اللَّهِ المطلع العليم الحكيم لا يطلع أحدا عليها من خلقه بل هي من جملة الغيوب التي قد استأثر الله بها في علم غيبه بل قد اخبر واوحى سبحانه بعموم أنبيائه ورسله بوقوعها حتما وأبهم تعيين وقتها عليهم فمجرد تحقق وقوعها يكفى في الخوف من أهوالها وافزاعها وشدائدها وعذابها وَبعد ما قد اخبر سبحانه بوقوعها وأبهم وقتها ما يُدْرِيكَ وما يطلعك ايها المخاطب تعيينها ومن انى لك ان تبعدها او تنكر وقوعها لَعَلَّ السَّاعَةَ المعهودة الموعودة تَكُونُ قَرِيباً تقع عن قريب فلم لم تتزود لها ولم تتهيأ اسبابها ايها المغرور بالدنيا الدنية وأمتعتها الفانية ولذاتها المتناهية وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المنتقم عن عصاة عباده قد لَعَنَ رد وطرد عن ساحة عز حضوره وقبوله الْكافِرِينَ المصرين على انكار يوم الجزاء وعلى تكذيب الأمور الواقعة فيه وَأَعَدَّ لَهُمْ قهرا عليهم وزجرا سَعِيراً مسعرا مملوا من النار المسعرة خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يتحولون عنها أصلا لا بأنفسهم ولا بواسطة شفعائهم إذ يومئذ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يتولى أمرهم وينقذهم منها وَلا نَصِيراً ينصرهم ويعين عليهم لإخراجهم عنها اذكر يا أكمل الرسل يَوْمَ تُقَلَّبُ وتصرف وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يعنى من جهة الى جهة اخرى تشديدا لعذابهم يَقُولُونَ حينئذ متمنين متحسرين يا لَيْتَنا قد أَطَعْنَا اللَّهَ الواحد الأحد الفرد الصمد بمقتضى ما قد اخبر علينا الأنبياء والرسل وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا المبعوث إلينا المنذر بنا عن أمثال هذه العقوبات

стр. 742

التي قد طرأ علينا اليوم حتى لا نبتلى بهذا العذاب المؤبد المخلد وَقالُوا ايضا متضرعين الى الله على سبيل التمني والتناجي رَبَّنا يا من ربانا بأنواع الكرامات واحسن تربيتنا بإرسال الرسل وإنزال الكتب فكذبنا الكتب والرسل وقد أنكرنا عليهما عنادا ومكابرة وبالجملة إِنَّا يا ربنا قد أَطَعْنا في انكار كتبك ورسلك سادَتَنا وَكُبَراءَنا الذين هم اصحاب الثروة والرياسة بيننا فحل عموم أمورنا وعقدها بأيدي أولئك الرؤساء البعداء الضالين المضلين فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا السوى المستقيم الموصل الى توحيدك وتصديق رسلك وكتبك وأنت اعلم منا يا ربنا بانا ما ضللنا الا بإضلال أولئك الطغاة البغاة الضالين المضلين رَبَّنا آتِهِمْ جزاء اضلالهم وضلالهم ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ يعنى آتهم ضعف عذابنا ضعفا لضلالهم وضعفا لإضلالهم وَالْعَنْهُمْ واطرحهم يا ربنا وبعدّهم عن سعة رحمتك لَعْناً كَبِيراً طردا عظيما وتبعيدا بعيدا بحيث لا يرجى نجاتهم ابدا او طردا كثيرا متواليا متتاليا مستمرا على التعاقب والترادف. ثم وصى سبحانه عموم المؤمنين بان لا يكونوا مع نبيهم ﷺ مثل بنى إسرائيل مع موسى الكليم صلوات الرحمن عليه وسلامه ولا يقصدوا أذاه ﷺ كما قصدوا ولا يرموه ﷺ بشيء لا يليق بشأنه كما قد رموا به موسى ﵇ لان معاشر الأنبياء كلهم معصومون عن الكبائر مطلقا بل عن الصغائر ايضا على رأى صائب فلا بد لمن آمن بهم ان لا يرموهم بمكروه لا يليق بشأنهم مع انه سبحانه قد اظهر براءتهم وطهارة ذيلهم وعصمتهم عن مطلق المعاصي فما بقي الا اثم الافتراء والمراء على المفترين فينتقم سبحانه عنهم منه ويأخذ هم فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا محمدا رسول الله ﷺ مقتضى ايمانكم انه لا تَكُونُوا قاصدين أذاه ﷺ بنسبة المكروه والمنكر اليه ﷺ او بتعييره وتشنيعه بأمر صدر عنه ولم تفهموا سره وبالجملة لا تكونوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى صلوات الله عليه وسلامه فاغتم منه وتحزن حزنا شديدا فَبَرَّأَهُ اللَّهُ المطلع على نزاهته ونجابة طينته وطهارة ذيله واظهر سبحانه طهارته وبراءته مِمَّا قالُوا يعنى مما هو مضمون قولهم ومؤداه وذلك ان قارون قد استأجر بغية بجعل كثير من ان ترمى موسى ﵇ بنفسها فرموه بها ثم أحضروها في المجلس ليفضحوه على رؤس الملأ وأقرت بالهام الله إياها بعصمته ﵇ وأظهرت ما أعطوها من الجعل فدعا موسى ﵇ ففعل سبحانه بهم وبما معهم ما فعل من الخسف على الوجه الذي سمعت في سورة القصص او قذفوه بعيب بدنه ﵇ من برص او ادرة فبرأه الله سبحانه حيث ذهب الحجر بثيابه بين الملأ وهو يمشى على عقب ثيابه عريانا حتى يظهر براءته لهم من العيب وَكيف لا يبرئه سبحانه ولا يظهر طهارته إذ قد كانَ موسى الكليم ﵇ عِنْدَ اللَّهِ الذي اصطفاه واختاره للنبوة والرسالة والتكلم معه وَجِيهاً في كمال الوجاهة والقربة لذلك اختاره ليسمع كلامه سبحانه بلا واسطة صوت متقاطع وحرف متكيف وكلمة موضوعة وكلام مركب وبعد ما قد سمعتم حكاية ما جرى على أولئك البغاة الغواة المؤذين المفترين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله وبرسوله اتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور ولا تؤذوا رسوله ﷺ بقول وفعل وَقُولُوا له بعد ما تكلمتم معه وفي شأنه قَوْلًا سَدِيداً صحيحا سالما بعيدا عن وصمة الأذى والتهمة والافتراء والجدال والمراء حتى لا يلحقكم ما لحق على قوم موسى ولكم الإخلاص بالله وبرسوله أخلصوا واستقيموا في الأفعال والأقوال معه وأطيعوا في عموم الأحوال يُصْلِحْ لَكُمْ سبحانه

стр. 743

أَعْمالَكُمْ لتثمر لكم الثمرات العجيبة البديعة والدرجات العلية الرفيعة عنده سبحانه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ التي صدرت عنكم لو تبتم واخلصتم فيها وَبالجملة مَنْ يُطِعِ اللَّهَ حق أطاعته ويخلص في اعماله وَيطع رَسُولَهُ اطاعة خالية عن وصمة الأذى وعموم الرعونات المؤدية الى انواع المكروهات والمنكرات فَقَدْ فازَ ونال ذلك المطيع فَوْزاً عَظِيماً ألا وهو الدخول بدار الخلود والفوز بلقاء الخلاق الودود. ثم لما أراد سبحانه بمقتضى تجلياته الحبية اللطفية ان يطالع ذاته الكاملة المتصفة بصفات الكمال في مرآة مجلوّة تصير نائبة عنه خليفة له يتراءى فيها عموم أوصافه وأسمائه الذاتية على ما قد أشار اليه الحديث القدسي صلوات الله على قائله عرض سبحانه امانة الخلافة والنيابة على استعدادات المظاهر وقابليات المصنوعات كلها فامتنع الكل وابى عن قبولها وحملها كما قال سبحانه مخبرا إِنَّا بمقتضى تجلياتنا الجمالية المنبعثة عن الشئون الحبية والتطورات اللطفية قد عَرَضْنَا الْأَمانَةَ يعنى امانة الخلافة والنيابة وأردنا ان نحمل أعباء المعرفة والعبودية المشتملة على التخلق بالأخلاق الفاضلة الإلهية المستتبعة للتكليفات الشاقة الطبيعية لتحصل التصفية والتزكية من إكدار الهيولى المانعة عن الوصول الى الملأ الأعلى وعالم اللاهوت عَلَى استعدادات السَّماواتِ العلى وَعلى قابليات الْأَرْضِ السفلى وَكذا على قلل الْجِبالِ السنى وكذا على قوابل الممتزجات من المركبات العظمى والمولدات الكبرى فَأَبَيْنَ وامتنعن بأجمعهن أَنْ يَحْمِلْنَها إذ نحن في سابق حضرة علمنا المحيط ولوح قضائنا المحفوظ ما اودعنا في استعداداتهم وقابلياتهم ما يسع لحمل هذه الامانة العظيمة والكرامة الكريمة وَلذلك قد أَشْفَقْنَ جميعا وخفن وخشين مِنْها ومن حملها مخافة ان لا يقين حقها وَبعد ما قد امتنعن وخفن جميعا عن حملها وقبولها قد حَمَلَهَا وقبلها الْإِنْسانُ المصور على صورة الرحمن المنتخب عن عموم الأكوان بالقوة القدسية المودعة فيه المقتضية لحملها وقبولها وبالجملة إِنَّهُ اى الإنسان حينئذ من كمال شوقه ووفور تحننه وذوقه المنبعث من افراط محبته وعشقه الى مبدئه ومن نهاية تلذذه بجمال معشوقه المعنوي ومحبوبه الحقيقي وغاية ولهه وحيرته بمطالعة وجهه الكريم قد كانَ في حملها ظَلُوماً على نفسه بارتكاب التحميلات البليغة والتكليفات الشديدة العسيرة من قطع المألوفات الطبيعية والمشتهيات الشهية البهيمية وعموم اللذات الحسية الناسوتية ومن غاية تحننه الى مبدئه كان جَهُولًا ذهولا غافلا ايضا عن مقتضيات ناسوته وملائماتها حسب القوى البشرية بالقوة الغالبة الروحانية اللاهوتية الجالبة الجاذبة للسعادات الازلية الابدية على القوى الجسمانية والآلات الطبيعية المستتبعة للشقاوة السرمدية فأين هذا من ذلك. رزقنا الله المنعم المفضل ان لا نظلم نحن على أنفسنا ونمنعها عن مقتضياتها وأمانيها الناسوتية بمنه وجوده. ومن جملة الأمانات المحمولة على الإنسان حفظ السرائر ورعاية الآداب والحقوق الجارية بين ذوى الألباب من الرجال والنساء وانما حمل عليهم سبحانه ما حمل ابتلاء لهم واختبارا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الحكيم المتقن في أفعاله الْمُنافِقِينَ المخفين الساترين كفرهم وشركهم وعموم الخيانات الصادرة عنهم لمصلحة دنيوية وَالْمُنافِقاتِ منهم كذلك وَالْمُشْرِكِينَ المصرين المجاهرين بكفرهم وشركهم وعموم خياناتهم وَالْمُشْرِكاتِ ايضا كذلك تعذيبا شديدا وعقابا أليما مزيدا لعدم وفائهم على حفظ الأمانات المحمولة عليهم وَايضا يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ اى يوفقهم على التوبة والانابة بعد ما صدر عنهم شيء من الخيانات وشائبة

стр. 744

عدم الوفاء بالأمانة التي قد ائتمنوا بها من حقوق الله وحقوق عباده وبعد ما قد تابوا وأنابوا على وجه الندم والإخلاص فقد أدوا حق الامانة ووفوا بها على وجهها وَكانَ اللَّهُ المطلع باخلاصهم وندامتهم غَفُوراً لما صدر عنهم من الخيانة قبل التوبة رَحِيماً يقبل توبتهم ويعفو زلتهم ويرحم عليهم بعد ما تابوا وأخلصوا رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين خاتمة سورة الأحزاب عليك ايها الطالب لرتبة الخلافة والنيابة الفطرية القاصد لحمل الامانة الإلهية المتحمل لأعباء العبودية بالقوة القدسية والقابلية الفطرية القدوسية يسر الله عليك الأداء والوفاء بجميع حقوق الله وعموم عهوده وأماناته ومواثيقه وايضا حقوق جميع عباده ورعاية لوازم الإخاء والمصاحبة معهم واطاقك الحق وأقدرك على حمل عموم التكاليف المنزلة من عند الله في كتب الله من المفروضات وكذا من جميع المسنونات والمندوبات واعانك على التخلق بعموم أخلاقه الفاضلة المرضية ان تتوجه بوجه قلبك الى ربك وتتخذه وكيلا في أمرك وشأنك الذي هو تخلقك بأخلاقه سبحانه ليتيسر لك التحقق والتمكن بمرتبة الخلافة والنيابة فلك ان تعرف أولا شياطينك التي قد عاقك عنها ألا وهي آمالك وأمانيك النفسانية المتولدة من القوى البهيمية المانعة عن الوصول الى الدرجات العلية وتفصيلها وتحصيلها على وجه لا يشذ شيء منها عنك وتلازم على زجرها ومنعها الى ان تصير منزجرة مقهورة للقوى الروحانية بحيث لا تبقى لها قوة مقاومة ومجال مقابلة مع الروحانيات أصلا ثم لك ان تنفى وتفنى جميع اوصافك واخلاقك في أوصاف الحق وأخلاقه الى ان تضمحل أنت نفسك وذاتك وتتلاشى عموم اوصافك واخلاقك في ذاته وصفاته وأخلاقه سبحانه الى حيث يرتفع اسمك ورسمك عن البين ويتصفى عينك عن الغين وشأنك عن الشين فحينئذ لم يبق لك البون والبين بل قد اتصل العين بالعين وحينئذ صرت ما صرت وفزت بما فزت وقد تمكنت في مقعد صدق في الخلافة والنيابة عند مليك مقتدر بلا توهم تغيير وتحويل. رزقنا الله التقدر والتمكن في مقعد الصدق بلا تلوين وتبديل [سورة السبأ] فاتحة سورة السبأ لا يخفى على من انكشف بسعة حضرة العلم المحيط الإلهي اجمالا واعتقد احاطتها وشمولها واستيعابها بعموم ما ظهر وبطن في الاولى والاخرى غيبا وشهادة وكذا بما لا سبيل للعباد إليها لا تعقلا ولا تخيلا ولا توهما تفصيلا ان معلوماته سبحانه أجل من يحيط بها عقول مصنوعاته وخيالاتهم واوهامهم وأحلامهم وعموم مداركهم ومشاعرهم ومن تحقق من السالكين المجاهدين في سبيل الله المشمرين أذيال هممهم نحو الحق بكمال وسعهم وطاقتهم بسعة قلب الإنسان وكمال فسجته فقد انكشف هو في الجملة بسعة حضرة علمه سبحانه وبكثرة معلوماته حسب وجده ووجدانه بسعة قلبه الذي قد وسع الحق فيه لعموم أسمائه وصفاته فلهذا قد وجب الحمد والثناء عليه سبحانه على الوجه الذي انكشف له واستتر عنه ايضا لذلك حمد سبحانه نفسه بنفسه واثنى على ذاته تعليما لعباده وإرشادا لهم الى طريق شكر نعمه وأداء حقوق كرمه بعد ما تيمن باسمه الأعظم الجامع لجميع الأسماء والصفات فقال سبحانه بِسْمِ اللَّهِ المتجلى على عموم ما ظهر وبطن من مظاهره الرَّحْمنِ على عموم مصنوعاته بافاضة رشحات وجوب وجوده عليهم فيوجدهم بها الرَّحِيمِ على خواص عباده بافاضة

стр. 745

العقل المنشعب من حضرة علمه المحيط إليهم ليدركوا به احوال مبدئهم ومعادهم [الآيات] الْحَمْدُ المحيط المستوعب لجميع المحامد والاثنية الناشئة من ألسنة عموم ما لمع عليه برق الوجود ثابت حاصل لِلَّهِ المستجمع لجميع الأوصاف والأسماء المربية المظهرة لعموم الأشياء الكائنة غيبا وشهادة المالك الَّذِي قد ثبت لَهُ ملكا وتصرفا إظهارا واعداما إبداء واعادة جميع ما فِي السَّماواتِ اى علويات عالم الأسماء والصفات والأعيان الثابتة في الأزل وَكذا جميع ما فِي الْأَرْضِ اى سفليات عالم الطبعة المنعكسة من العلويات وَكذا ما بينهما من الكوائن والفواسد الممتزجة التي قد برزت بنور الوجود على مقتضى الجود الإلهي من مكمن العدم الى فضاء الظهور بعد ما قد ثبت ان الكل منه بدأ في الابتداء وماليه يعود في الانتهاء ثبت لَهُ الْحَمْدُ والثناء الصادر من ألسنة عموم المظاهر المتوجهة نحو المظهر الموجد طوعا لا لغيره من الوسائل والأسباب العادية إذ منتهى الكل اليه فِي الْآخِرَةِ كما ان مبدأه منه في الاولى فله الحمد في الاولى والاخرى وَكيف لا هُوَ الْحَكِيمُ المتقن في أفعاله بالاستقلال بلا شريك وظهير الْخَبِيرُ عن كيفية إيجاد المظاهر وإعدامها أولا وآخرا ازلا وابدا إذ هو سبحانه بمقتضى حضرة علمه المحيط الحضوري يَعْلَمُ ما يَلِجُ ويدخل فِي الْأَرْضِ اى ظلمة الطبيعة القابلة لفيضان مطلق الاستعدادات الفائضة من المبدأ الفياض وَما يَخْرُجُ مِنْها من المعارف والحقائق الكاملة المختفية فيها بمقتضى تربية مربيها ومظهرها وَكذا يعلم بعلمه الحضوري ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ اى عالم الأسماء الى ارض المظاهر والمسميات من الفيوضات والفتوحات الشاملة المشتملة على انواع الكمالات وَكذا يعلم ما يَعْرُجُ فِيها ويرتقى متصاعدا من المكاشفات والمشاهدات الحاصلة من تلك الفتوحات الهابطة منها على قلوب كمل المظاهر وخلص العباد وَبالجملة هُوَ الرَّحِيمُ لعباده بافاضة انواع الكرامات حسب رحمته الواسعة الْغَفُورُ الستار لذنوب انانياتهم وتعيناتهم الباطلة العاطلة بعد ما رجعوا اليه وتوجهوا نحوه سبحانه تائبين آئبين مخلصين. رزقنا الله الوصول الى محل القبول وَبعد ما قد اخبر سبحانه بقيام الساعة في كتبه وبألسنه رسله سيما في كتابك يا أكمل الرسل وعلى لسانك قالَ الجاحدون المنكرون الَّذِينَ كَفَرُوا بالحق وستروه بالباطل الزاهق الزائل وكذبوا الرسل وعاندوا معهم سيما معك يا أكمل الرسل مستهزئين متهكمين لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ الموعودة على لسانك ايها المدعى مع انك قد ادعيت الصدق في جميع اخبارك وأقوالك فكيف لا تأتى الساعة التي ادعيت إتيانها واختبرت بها وبوقوعها لعلك قد كذبت وافتريت الى ربك قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما استهزؤا معك ونسبوك الى الكذب والافتراء وأنكروا بإتيان الساعة وقيامها بَلى تأتى الساعة الموعودة علىّ وعلى عموم الرسل والأنبياء بلا شك وريب في إتيانها وقيامها وَبحق رَبِّي القادر المقتدر على انجاز جميع ما وعد به بلا خلف لَتَأْتِيَنَّكُمْ الساعة الموعودة من عنده إذ وعده سبحانه مقضي حتما جزما بلا شائبة شك وطريان غفلة وذهول عليه وسهو إياه وكيف يطرأ عليه سبحانه سهو وذهول مع انه هو بذاته عالِمِ الْغَيْبِ بالعلم المحيط الحضوري بعموم المغيبات حاضرة عنده غير مغيبة عنه إذ لا يَعْزُبُ ولا يغيب عَنْهُ سبحانه وعن حيطة حضرة علمه المحيط مِثْقالُ ذَرَّةٍ ومقدار خردلة لا من الكوائن فِي السَّماواتِ اى العلويات وَلا من الكوائن فِي الْأَرْضِ اى السفليات ولا من المكونات الحادثة بينهما وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ المقدار

стр. 746

وَلا أَكْبَرُ منه إِلَّا وهو مثبت مسطور فِي كِتابٍ مُبِينٍ هو حضرة علمه المحيط ولوح قضائه المحفوظ انما اثبت واحضر الكل في لوح قضائه لِيَجْزِيَ سبحانه المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيده واعترفوا بتصديق رسوله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة اليه سبحانه المقبولة عنده خير الجزاء ويعطيهم احسن المواهب والعطاء وبالجملة أُولئِكَ السعداء المقبولون عنده سبحانه المستحقون لانواع الكرامات من لدنه لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لما تقدم من ذنوبهم تفضلا عليهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ صورى في الجنة ومعنوي عند وصولهم الى شرف لقائه بلا كيف واين وبون وبين وجهة ووجهة ومكان وزمان وشأن وَليجزي سبحانه ايضا أسوأ الجزاء وأشد العذاب والنكال الكافرين الَّذِينَ سَعَوْا واجتهدوا فِي ابطال آياتِنا الدالة على توحيد ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا حال كونهم مُعاجِزِينَ قاصدين عجزنا عن إتيان الآيات البينات منكرين لايجادنا وانزالنا إياها بل لوجودنا في ذاتنا مكذبين لرسلنا الحاملين لوحينا صارفين الناس عن تصديقهم وعن الايمان بنا وبهم وملتهم وبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المردودون المبعدون عن روح الله وسعة رحمته المنهمكون في الغىّ والضلال لَهُمْ عَذابٌ عظيم أشد وأسوأ مِنْ كل رِجْزٍ أَلِيمٌ وعقوبة مؤلمة لعظم جرمهم وسعيهم في ابطال آياتنا الناشئة عن كمال قدرتنا ووفور حكمتنا وانما سعوا واجتهدوا في ابطال آياتنا لجهلهم بنا وبها وبما فيها من الهداية العظمى والسعادة الكبرى وعدم تأملهم وتدبرهم في رموزاتها ومكنوناتها لذلك أنكروا بها واجتهدوا في ابطالها وتكذيبها جهلا وعنادا وَيَرَى يا أكمل الرسل العلماء العرفاء الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من قبلنا تفضلا منا إياهم المتعلق بان الكتاب الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ تأييدا لشأنك وترويجا لأمرك هُوَ الْحَقَّ المطابق للواقع الحقيق بالمتابعة والإطاعة الثابت نزوله من عندنا بلا ريب وتردد وَكيف لا يكون حقا مع انه هو يَهْدِي بأوامره ونواهيه وتذكيراته المندرجة فيه عموم الضالين المنصرفين عن جادة العدالة إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الغالب القادر المقتدر على انتقام عموم المنحرفين عن منهج الرشد الْحَمِيدِ المستحق في ذاته لجميع المحامد والكرامات لولا تحميد الناس له وتمجيدهم والأفعال المنبئة عن إسقاط عموم الإضافات ورفع مطلق التعينات وَبعد ما قد سمع المشركون من رسول الله ﷺ احوال الحشر والنشر والمعاد الجسماني واهوال الفزع الأكبر قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا اى بعضهم لبعض على سبيل الاستهزاء والتهكم مع رسول الله ﷺ مستفهمين مستنكرين متعجبين هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يعنون الرسول ﷺ وانما نكروه لاستبعادهم قوله وانكارهم على مقوله وانما يتحدثون بينهم به لغرابته يُنَبِّئُكُمْ بالمحال العجيب ويخبركم بالممتنع الغريب معتقدا إمكانه بل جازما بوقوعه ووجوده وهو انكم إِذا مُزِّقْتُمْ وفرقتم كُلَّ مُمَزَّقٍ يعنى تمزيقا وتفريقا بليغا وتشتيتا شديدا بحيث قد صرتم هباء فذهب بكم الرياح إِنَّكُمْ بعد ما صرتم كذلك لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ على النحو الذي كنتم عليه في حياتكم قبل موتكم بلا تفاوت كتجدد الاعراض بأمثالها وبعد ما قد سمعتم قوله كيف تتفكرون في شأنه وهو يدّعى النبوة والرسالة والوحى اليه من عند الله العليم الحكيم مع انه قد صدر عنه أمثال هذه المستحيلات واىّ شيء تظنون في امره وشأنه هذا أَفْتَرى وكذب عن عمد ونسبه عَلَى اللَّهِ كَذِباً تغريرا وتلبيسا على ضعفاء الأنام ليقبلوا منه أمثال هذه الخرافات الباطلة ويعتقدوه رسولا مخبرا عن المغيبات وعجائب الأمور

стр. 747

وغرائبه أَمْ بِهِ جِنَّةٌ خبط واختلال قد عرض دماغه فأفسده فيتكلم بأمثال هذه الهذيانات هفوة بلا قصد وشعور بها كما يتكلم بأمثالها سائر المجانين وسماها وحيا وإلهاما تغريرا وإلزاما. ثم لما بالغ المشركون المفرطون في قدحه وطعنه ﷺ وتجهيله وتخبيطه رد الله عليهم بانه لا افتراء ولا مراء في كلامه ﷺ وفي مطلق اخباره ولا خبط ولا اختلال في عقله ولا جنون له بل هو ﷺ من اعقل الناس وارشدهم وابعدهم عن الافتراء والمراء وأسلمهم عن الكذب وسائر الآراء والأهواء ومن عموم الكدورات الطبيعية مطلقا بَلِ الكافرون الضالون المفرطون الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ولا يعتقدون بالأمور التي قد اخبر الله بها وبوقوعها فيها ولا يصدقون بها ولا يمتثلون بما نطق به الكتب والرسل مطلقا هم يخلدون في النشأة الاخرى فِي الْعَذابِ المؤبد المخلد وَهم متوغلون في الضَّلالِ الْبَعِيدِ عن الهداية بمراحل ابد الآبدين ولا نجاة لهم منها وبالجملة من شدة غيهم وضلالهم تكلموا بأمثال هذه الهذيانات الباطلة سيما بالنسبة الى من هو منزه عن أمثالها مطلقا عنادا ومكابرة. ثم أشار سبحانه الى كمال قدرته سبحانه واقتداره على انتقام عموم المكذبين ليوم الحشر والجزاء والمفترين على رسوله على سبيل المراء من الخبط والجنون وغير ذلك من الأمور التي لا يليق بشأنه ﷺ فقال مستفهما على سبيل التقريع والتوبيخ أَهم قد عموا وفقدوا لوازم أبصارهم وبصائرهم اى أولئك المعاندون المفرطون فَلَمْ يَرَوْا ولم ينظروا ولم يبصروا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ المحيطة بهم خلفا ووراء وَالْأَرْضِ الممهدة لهم بين أيديهم يتمكنون عليها ويتنعمون بمستخرجاتها ومما نزل عليها من السماء وعالم الأسباب ولم يتفكروا ولم يتأملوا ان احياء الموتى أهون من خلق الأرض والسموات العلى والقدرة على ايجادهما أكمل من القدرة على اعادة المعدوم فينكرون قدرتنا عليها مع انهم قد رأوا وشاهدوا منا أمثال هذه المقدورات العظام ولم يخافوا عن بطشنا وانتقامنا ولم يعلموا انا من مقام قهرنا وجلالنا إِنْ نَشَأْ إهلاكهم واستئصالهم نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ كما قد خسفنا على قارون وأمثاله أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً بالتحريك والتسكين على القرائتين اى قطعا مِنَ السَّماءِ فنهلكهم بها إِنَّ فِي ذلِكَ البيان على وجه التقريع والتعيير لَآيَةً دالة على قدرتنا وقهرنا على انتقام من خرج عن ربقة عبوديتنا لِكُلِّ عَبْدٍ تحقق بمقام العبودية وفوض أموره كلها إلينا مُنِيبٍ رجع نحونا هاربا من مقتضيات قهرنا وجلالنا وبعد ما قد عرفت ان الكل منا بدأ وبحولنا وقوتنا ظهر ولاح وقد عاد ايضا كما بدأ إذ منا المبدأ وإلينا المنتهى وليس سوانا مقصد ومرمى وَمن كمال قدرتنا وفور حولنا وحكمتنا لَقَدْ آتَيْنا عبدنا داوُدَ المتحقق بمقام الخلافة والنيابة والحكومة التامة مِنَّا فَضْلًا له وامتنانا عليه مما لم نتفضل بأمثاله الى سائر الأنبياء وهو انا قد أمرنا عموم الجمادات والحيوانات بإطاعته وانقياده الى ان قلنا مناديا لها يا جِبالُ أَوِّبِي ورجعي مَعَهُ التسبيح وسيرى معه حيث سار ولا تخرجي عن حكمه وامره فانقادت له الجبال بحيث متى سبح سمع منها التسبيح والتذكير والى حيث سار قد سارت معه وَكذا قد سخرنا له الطَّيْرَ وصارت تنقاد لحكمه وامره كسائر العقلاء فيحكم عليها ويأمر لها ما شاء وأراد فامتثلت هي بامره واطاعت بحكمه بلا منع وإباء وَمن جملة ما قد فضلنا عليه انا قد أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ بلا نار ومطرقة حيث جعلناه لينا في يده كالشمعة كان يبدله كيف يشاء

стр. 748

بلا تعب ومشقة وبعد ما قد ألنا له الحديد أمرنا له أَنِ اعْمَلْ يا داود بارشادنا وتعليمنا سابِغاتٍ دروعات واسعات وَقَدِّرْ ضيق وكثف فِي السَّرْدِ والنسج بقدر الحاجة بحيث لا يمكن مرور السهام والنصال عنها أصلا وَبعد ما قد آتيناه واتباعه الملك والولاية التامة والنبوة العامة فضلا منا إياه وامتنانا له اصالة ولاتباعه تبعا قلنا لهم تعليما وإرشادا اعْمَلُوا يا آل داود عملا صالِحاً من الأعمال والأخلاق مقبولا عندي مرضيا لدىّ إِنِّي بمقتضى حضرة علمي واطلاعى بِما تَعْمَلُونَ من عموم الأعمال ناقد بَصِيرٌ انقد كلا منها اقبل صالحها وارد فاسدها وَمن مقام فضلنا وجودنا قد سخرنا لِسُلَيْمانَ بن داود ﵉ الرِّيحَ العاصفة وجعلناها مسخرة تحت حكمه وتصرفه بحيث تحمل كرسىّ سليمان وهو عليه ﵇ وجنوده عليها وتسير حيث أشار وشاء غُدُوُّها شَهْرٌ يعنى جريها في الغداة مسيرة شهر وَرَواحُها ورجوعها ايضا شَهْرٌ كذلك وَمع ذلك قد أَسَلْنا وأذبنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ اى النحاس فذاب في معدنه ونبع منها نبوع العيون الجارية في كل شهر ثلاثة ايام قيل اكثر ما في الناس من النحاس من ذلك وَسخرنا له ايضا عناية منا إياه مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ مقهورا تحت حكمه وتصرفه بِإِذْنِ رَبِّهِ قد أمرهم سبحانه بإطاعتهم وانقيادهم إياه بحيث لم ينصرفوا ولم يستنكفوا عن حكمه أصلا وَقد شرط معهم سبحانه تأكيدا لاطاعتهم إياه انه مَنْ يَزِغْ اى يعدل ويمل مِنْهُمْ اى من الجن عَنْ أَمْرِنا وحكمنا المبرم المحكم عليهم وهو اطاعتهم نبينا سليمان ﵇ نُذِقْهُ في هذه النشأة مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ إذ قد وكل سبحانه على الجن ملكا بيده سوط من نار فمن مال منهم عن حكم سليمان ضربه بها فأحرقه ولا يراه الجنى لذلك قد صاروا مقهورين تحت حكمه وأمرهم ﵇ ما شاء بحيث يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ مساجد لطيفة وحصون حصينة واماكن منيعة انما سمى بها لأنها قد يحارب عليها ويلتجأ إليها من الشدة ولدى الحاجة. ومن جملة ما قد عملوا له من المساجد الحصينة العجيبة بيت المقدس في غاية الحسن والبهاء ونهاية المنعة والدفاع ولم يزل على عمارته ﵇ الى ان قد خربه بختنصر وَتَماثِيلَ هي الصور من زجاج ورخام ونحاس وصفر وشبهه فكانوا يعملون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في البقاع الشريفة والمساجد والمعابد ترغيبا للناس في دخولها والعبادة فيها وتنشيطا لهم وقد عملوا له ﵇ في أسفل كرسيه أسدين وفي فوقه نسرين فإذا أراد الصعود عليه بسط له الأسدان ذراعيهما فارتقى وإذا تمكن عليه اظله النسران بجناحيهما وحرمة التصاوير شرع مجدد وَجِفانٍ اى يعملون له من صحاف عظيمة وقصاع كبيرة وسيعة كَالْجَوابِ والحياض الكبار ومن غاية كبرها يقعد على كل جفنة عند الاكل ألف رجل وَقُدُورٍ راسِياتٍ ثابتات على اثافيهن بحيث لا تنزل عنها لغاية ثقلها وكبرها قيل اثافيها متصلة بها وكان يرتقى إليها ويؤخذ منها ما فيها بالسلاليم وبعد ما قد اعطى آل داود من الجاه والثروة العظيمة ما لم يعط أحدا من العالمين قيل لهم من قبل الحق تنبيها عليهم وحثا لهم على مواظبة الشكر ومداومة الرجوع نحو المفضل الكريم اعْمَلُوا يا آلَ داوُدَ عملا صالحا مرضيا عند الله ولا سيما الشكر اشكروا له شُكْراً مستوعبا لعموم جوارحكم وجوانحكم وفي جميع أوقاتكم وحالاتكم بحيث لا يشذ عنكم نفس ووقت لم يصدر عنكم فيها شكر وَاعلموا انكم وان بالغتم في أداء شكر نعم الله وحقوق كرمه

стр. 749

وبلغتم المرتبة القصوى منه ما أديتم حق شكره إذ قَلِيلٌ نزير يسير في غاية القلة مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ لأنه وان استوفى واستوفر في ادائه بحيث يستوعب عموم أركانه وجوارحه وجوانحه وجميع خواطره وهواجس نفسه وسره ونجواه في عموم أوقاته وساعاته ومع ذلك لا يوفى حقه إذ توفيقه واقداره سبحانه عليه ايضا نعمة اخرى مستحقة للشكر مستدعية إياه وهلم جرا لا الى نهاية ولذا قيل الشكور من يرى نفسه عاجزا عن الشكر إذ لا يمكن الإتيان به على وجه لا يترتب عليه نعمة اخرى مستلزمة لشكر آخر. ثم لما كان داود ﵇ قد أسس بيت المقدس في موضع فسطاط موسى ﵇ فمات قبل إتمامه فوصى بإتمامه الى سليمان ﵇ فاستعمل الجن فيه فلم يتم ايضا إذ قد اخبر ﵇ من قبل الحق باجله فتغمم غما شديدا لعدم إتمامه البيت فأراد ان يعمى ويستر على الجن موته ليتموه فأمرهم ان يعملوا له صرحا من قوارير له باب فعملوا صرحا كذلك فدخل عليه على مقتضى عادته المستمرة من التحنث والتخلي للعبادة شهرا وشهرين وسنة وسنتين فاشتغل بالصلاة متكئا على عصاه فقبض وهو متكئ عليها فبقى كذلك حتى ان أكلت الارضة عصاه فخر ثم فتحوا عنه وأرادوا ان يعرفوا وقت موته فوضعوا الارضة على العصا فأكلت يوما وليلة مقدارا منها فقاسوا على ذلك فعلموا انه قد مات منذ سنة وكان عمره حينئذ ثلاثا وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ لعمارة البيت لأربع مضين من ملكه وقد اخبر سبحانه في كتابه على هذا الوجه الذي مضى وأوجزه فقال فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ على سليمان ﵇ الْمَوْتَ فأخبرناه بموته فدعا نحونا بان نعمى على الجن امر موته حتى يتموا عمارة البيت فأعميناهم موته الى ان قد تمت ثم ما دَلَّهُمْ وما هداهم واشعرهم عَلى مَوْتِهِ وما أخبرهم عنه إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ اى الارضة تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ اى عصاه التي هو متكئ عليها فَلَمَّا اكلتها وانكسرت عصاه خَرَّ وسقط ﵇ على الأرض فحينئذ قد تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ وظهر دونهم وانكشف امر موته عليهم وعلموا بعد ما التبس الأمر عليهم في موته بخروره وسقوطه فظهر حينئذ للانس ان الجن لم يكونوا من المطلعين على عموم الغيوب على ما زعموا في حقهم لأنهم لو كانوا مطلعين الغيب لعلموا موته أول مرة ولم يعلموا مع أَنْ اى ان الجن لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مطلقا لعلموا امر موته حين وقوعه ولو علموا ما لَبِثُوا وما استقروا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ الذي هو العمل المتضمن لانواع المتاعب والمشاق مع انهم لم يرضوا به لكنهم لبثوا وعملوا سنة بعد موته فظهر انهم ما كانوا عالمين بالغيوب كلها وبعد ما قد ذكر سبحانه قصة آل داود وسليمان ومواظبتهم على شكر نعم الله وأداء حقوق كرمه اردفه سبحانه بكفران اهل سبأ على نعمه سبحانه وانكارهم على حقوق كرمه فقال لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ اى لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان فِي مَسْكَنِهِمْ ومواضع سكناهم وهي باليمن يقال لها مأرب بقرب صنعاء مسيرة ثلاثة مراحل آيَةٌ عظيمة ونعمة جسيمة دالة على كمال معطيها وموجدها وعلى اتصافه بالأوصاف الكاملة والأسماء الحسنى الشاملة وهي جَنَّتانِ حافتان محيطتان عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ اى جنة عجيبة عن يمين بلدهم واخرى عن يسارهم وبعد ما قد أعطيناهم هاتين الجنتين العظيمتين المشتملتين على غرائب صنايعنا وبدائع مخترعاتنا قلنا لهم على طريق الإلهام كُلُوا ايها المتنعمون المتفضلون من عندنا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ الذي رباكم بأنواع الكرامات وَاشْكُرُوا لَهُ نعمه وواظبوا على أداء حقوق كرمه مع ان بلدتكم التي أنتم تسكنون فيها بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ماء وهواء بريئة عن مطلق

стр. 750

المؤذيات وَايضا ربكم الذي رباكم فيها بأنواع النعم رَبٌّ غَفُورٌ ستار عليكم عموم فرطاتكم بعد ما اخلصتم في شكر نعمه وأداء حقوق كرمه وبعد ما قد نبهنا عليهم بشكر النعم وبالمداومة عليه لم يتنبهوا ولم يتفطنوا بل قد استكبروا فَأَعْرَضُوا عن الشكر واشتغلوا بأنواع الكفران والإنكار على المفضل المنان والمكرم الديان وبعد ما انصرفوا عنادا عن شكر نعمنا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وهي الحجارة المركومة بالجص والنورة وانواع التدبيرات والترصيعات المحكمة للابنية والأساس وذلك انه قد كان لهم سد قد بنته بلقيس بين الجبلين وقد جعلت لها ثلاث كوات بعضها فوق بعض وقد بنت ايضا دونها بركة عظيمة فإذا جاء المطر اجتمع إليها مياه او ديتهم فاحتبس السيل من وراء السد فيفتح الكوة العليا عند الاحتياج ثم الثانية الوسطى ثم الثالثة السفلى فلا ينفد ماؤها الى السنة القابلة فلما طغوا وكفروا لنعم الله بعد ما أمروا بالشكر على ألسنة الرسل قيل قد أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا فكذبوا الكل وأنكروا لهم ولهذا قد سلط الله على سدهم الجرد قيل نوع من الفأرة فنقبت في أسفل السد بالهام الله إياها فسال الماء فغرقت جنتهم ودفنت بيوتهم في الرمل وقد كان ذلك من غضب الله عليهم على كفرانهم نعمه وَبعد ما قد اعرضوا عن شكرنا وأرسلنا عليهم من السيل ما أرسلنا بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ المذكورتين المشابهتين للجنة الموعودة الاخروية جَنَّتَيْنِ أخريين سماهما سبحانه جنتين على سبيل التهكم والاستهزاء ذَواتَيْ أُكُلٍ وثمر خَمْطٍ بشيع سمج كزقوم اهل النار وَذواتي أَثْلٍ طرفاء لا ثمر لها ولا ظل وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ نبق قَلِيلٍ النفع والفائدة إذ لا يسمن ولا يغنى من جوع وبالجملة ذلِكَ الجزاء الذي قد جَزَيْناهُمْ من تبديل النعمة عليهم نقمة والجنة جحيما واللذة ألما والفرح ترحا والمنح محنة بِما كَفَرُوا اى كل ذلك بشؤم كفرهم وكفرانهم على نعمنا وغيهم وطغيانهم على رسلنا وكما بدلوا الشكر بالكفران قد بدلنا عليهم الجنان بالنيران والحرمان وانواع الخيبة والخسران وَبالجملة هَلْ نُجازِي بضم النون وكسر الزاى وما ننتقم بأمثال هذا الجزاء إِلَّا الْكَفُورَ المعرض المتناهي في الاعراض عن شكر نعمنا الجاحد على حقوق لطفنا وكرمنا المبالغ في ستر الحق المصر على اظهار الباطل الزاهق الزائل وَمن كمال لطفنا وجودنا إياهم قد جَعَلْنا بَيْنَهُمْ اى بين بلاد اهل سبأ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي قد بارَكْنا فِيها وكثرنا الخير على ساكنيها بتوسعة الأرزاق والفواكه والمتاجر ألا وهي ارض الشأم قُرىً ظاهِرَةً متواصلة متظاهرة يرى كل منها عن الاخرى مترادفة متتالية على متن الطريق تسهيلا لهم ليتجروا نحوها بلا كلفة وتعب وَقد قَدَّرْنا لهم فِيهَا السَّيْرَ اى في تلك القرى المترادفة على قدر مقيلهم ومبيتهم غاديا ورايحا بحيث لا يحتاجون الى حمل زاد وماء لقرب المنازل والخصب والسعة. وبعد ما قد أعطيناهم هذه الكرامات قلنا لهم على ألسنة الرسل المبعوثين إليهم او إلهاما لهم على قلوبهم بلسان الحال سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً على التعاقب والتوالي حيث شئتم لحوائجكم ومتاجركم آمِنِينَ من عموم المؤذيات مصونين من مكر الأعداء شاكرين على عموم الآلاء والنعماء غير كافرين عليها وبعد ما توجه الفقراء الى ديارهم وازدحموا حولها لغاية الخصب والرفاهية والمعيشة الوسيعة وسهولة الطريق فَقالُوا باثين شكواهم عند الله من مزاحمة الفقراء وكثرة إلمامهم عليهم كافرين على نعمة التوسعة والسهولة رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ منازل أَسْفارِنا حتى نحتاج الى حمل الزاد وشد الرواحل والعقل ليشق الأمر

стр. 751

على الفقراء فيتنحوا عنا ولا يزدحموا علينا وَبالجملة قد ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بطلب هذا التعب فأجاب الله دعاءهم وخرب القرى التي بينهم وبين الشأم وانصرف الفقراء عنهم وانقطع دعاؤهم لهم فاشتد الأمر عليهم وتشتتوا في البلاد ولم يبق عليهم شيء من الخصب والتوسعة بل قد صاروا متشتتين متفرقين فَجَعَلْناهُمْ اى قصة امنهم ورفاهيتهم وجمعيتهم بعد ما قد عكسنا الأمر عليهم أَحادِيثَ لمن بعدهم يتحدثون بينهم متعجبين قائلين على سبيل التحسر في أمثالهم قد تفرق أيدي سبأ وَبالجملة قد مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ يعنى فرقناهم في البلاد تفريقا كليا الى حيث قد لحق غسان منهم بالشأم وانمار بيثرب وجذام بتهامة والأزد بعمان إِنَّ فِي ذلِكَ التبديل والتشديد والتشتيت وانواع المحن والنقم بعد النعم لَآياتٍ دلائل واضحات على قدرة العليم الحكيم القادر المقتدر على انواع الانعام والانتقام لِكُلِّ صَبَّارٍ على المتاعب والمشاق الواردة عليه حسب ما ثبت له في لوح القضاء الإلهي ومضى على الرضا بمقتضيات تقدير العليم الحكيم شَكُورٍ لنعم الله الفائضة عليه مواظبا على أداء حقوقها. ثم قال سبحانه مقسما وَالله لَقَدْ صَدَّقَ بالتشديد والتخفيف عَلَيْهِمْ اى على هؤلاء الهالكين في تيه الخسران والكفران إِبْلِيسُ العدوّ لهم المصرّ المستمر على عداوتهم من بدء فطرتهم ظَنَّهُ الذي قد ظن بهم حين قال لأبيهم آدم لأحتنكن ذريته الا قليلا وقال ولا تجد أكثرهم شاكرين وقال ايضا ولأضلنهم ولأمنينهم الى غير ذلك وبعد ما أضلهم عن طريق الشكر والايمان فَاتَّبَعُوهُ وكفروا النعم والمنعم جميعا إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الموقنين بتوحيد الله المصدقين لرسله المتذكرين لعداوة إبليس وخصومته المستمرة فانصرفوا عنه وعن إضلاله فبقوا سالمين عن غوائله وَالعجب كل العجب انهم قد اتبعوا له وقبلوا اغراءه واغراءه وتغريره مع انه ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ حجة قاطعة قاهرة ملجئة لهم الى متابعته وقبول وسوسته من قبله بل من قبلنا ايضا وبالجملة ما ابتلينا وأغرينا هؤلاء الغواة البغاة الطغاة بمتابعته لعنه الله إِلَّا لِنَعْلَمَ نميز ونظهر تفرقة مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وبجميع المعتقدات الاخروية التي قد اخبر الله بها وفصلها مِمَّنْ هُوَ مِنْها اى من النشأة الآخرة والأمور الكائنة فيها فِي شَكٍّ تردد وارتياب ولهذه التفرقة والتميز اتبعناهم اليه لعنه الله وَلا تستبعد يا أكمل الرسل أمثال هذه الابتلاءات والاختبارات من الله إذ رَبُّكَ الذي قد رباك على الهداية العامة والرشد التام عَلى كُلِّ شَيْءٍ من مقدوراته ومراداته الكائنة والتي ستكون والجارية على سرائر عباده وضمائرهم والتي ستجرى حَفِيظٌ شهيد لا يغيب عنه ايمان مؤمن وكفر كافر وشك شاك واخلاص مخلص. وبعد ما قد اثبت المشركون المصرون على كفران نعم الله أمثال هؤلاء الغواة المذكورين آلهة سوى الله سبحانه وسموهم شفعاء وعبدوا لهم مثل عبادته سبحانه قُلِ لهم يا أكمل الرسل إلزاما وتبكيتا ادْعُوا ايها الضالون المشركون آلهتكم الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنتم وأثبتم مِنْ دُونِ اللَّهِ ليستجيبوا لكم في مهماتكم ويستجلبوا لكم المنافع ويدفعوا عنكم المضار كما هو شأن الألوهية والربوبية وكيف تدعونهم لأمثال هذه المهام مع انهم في أنفسهم لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ من الخير والشر والنفع والضر لا فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ لا استقلالا إذ هم ليسوا في أنفسهم قابلين للالوهية وَلا مشاركة إذ ما لَهُمْ فِيهِما وفي خلقهما وايجادهما مِنْ شِرْكٍ ومشاركة مع الله الواحد الأحد الفرد الصمد في ألوهيته وربوبيته بل هم من جملة مخلوقاته سبحانه

стр. 752

بل من أدونها وَلا شك انه لا شركة للمخلوق المرذول مع خالقه ولا مظاهرة ايضا إذ ما لَهُ سبحانه مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ يعنى لا منهم ولا من غيرهم ايضا معاون له في ألوهيته وربوبيته إذ هو سبحانه مستقل في عموم تصرفاته منزه عن المعاونة والمظاهرة مطلقا وَكذلك ليس لهم عنده سبحانه شفاعة مقبولة حتى يشفعوا لهم ويخلصوهم عن عذاب الله بعد ما قد حل ونزل عليهم إذ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ سبحانه من احد من عباده إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ سبحانه بالشفاعة لغيره عنده لاتصافه بالشرف والكمال كنبينا ﵇ واذن لبعض العصاة بشفاعة الغير له من الشرفاء المأذونين لاستحقاقه بالكرامة والمرحمة في علم الله وان كان منغمسا بالرذالة والمعصية طول عمره وبعد ما وقعت الشفاعة واذن بها من عنده سبحانه لا بد وان ينتظر الشافعون والمشفعون بعد وقوعها وجلين خائفين مهابة وخوفا من سطوة سلطنة صفات جلاله سبحانه حَتَّى إِذا فُزِّعَ وكشف الفزع وأزيل الخوف والوجل عَنْ قُلُوبِهِمْ اى قلوب الشافعين والمشفعين والمشفوعين قالُوا اى بعضهم لبعض او المشفعون للشافعين ماذا قالَ رَبُّكُمْ في جواب شفاعتكم لنا أيقبلها أم يردّها قالُوا اى الشفعاء القول الْحَقَّ الثابت عنده المرضى دونه وهو سبحانه قد قبل شفاعتنا في حقكم وقد أزال عنكم عذابه بفضله ولطفه وَكيف لا يخافون من الله ولا يهابون من ساحة عز حضوره إذ هُوَ سبحانه الْعَلِيُّ ذاته وشأنه المقصور المنحصر على العلو الأعلى ولا أعلى الا هو الْكَبِيرُ حسب أوصافه وأسمائه إذ الكبرياء رداؤه والعظمة إزاره لا يسع لأحد ان يتردى بردائه ويتأزر بإزاره سواه سبحانه قُلْ لهم ايضا على سبيل التبكيت والإلزام مقرعا إياهم مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ اى عالم الأسباب وَالْأَرْضِ اى عالم المسببات فيبهتون البتة عن سؤالك هذا قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما بهتوا اللَّهُ إذ هو متعين للجواب وان سكتوا عنه عنادا او تلعثموا مخافة الإلزام والافحام الا انهم قد اضمروا في قلوبهم هذا إذ لا جواب لهم سواه ولا رازق في الوجود الا هو ولا معطى غيره وَبعد ما قد بهتوا وانخسروا واستولى الحيرة والقلق عليهم قل لهم على سبيل المجاراة والمداراة إِنَّا يعنى نحن فرق الموحدين أَوْ إِيَّاكُمْ يعنى أنتم فرق المشركين اى كل منا ومنكم لَعَلى هُدىً اى على منهج الصدق والصواب الموصل الى الحق المطابق للواقع أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ظاهر انحرافه موصل الى الباطل الزاهق الزائل المضاد للحق الحقيق بالمتابعة والانقياد فتربصوا وانتظروا أنتم بنا كما نتربص نحن بكم ثم قُلْ لهم ايضا على سبيل المجاراة والمبالغة في المداراة معهم بحيث تسند الجريمة والمعصية الى انفسكم والعمل إليهم مبالغة في الإسكات والتبكيت لا تُسْئَلُونَ أنتم عَمَّا أَجْرَمْنا وجئنا به من الآثام والمعاصي وَكذا لا نُسْئَلُ نحن ايضا عَمَّا تَعْمَلُونَ من الأعمال بل كل منا ومنكم رهين بما اكتسبنا من العمل فعليكم ما حملتم وعلينا ما حملنا ثم قُلْ يا أكمل الرسل إياهم ايضا على طريق الملاينة والملاطفة في الإلزام والتبكيت يَجْمَعُ بَيْنَنا وبينكم رَبُّنا وربكم يوم نحشر اليه ونعرض عليه جميعا ثُمَّ يَفْتَحُ يحكم ويفصل بَيْنَنا ويرفع عنا نزاعنا بِالْحَقِّ والعدل السوى بلا حيف وميل إذ لا يتصور هذا في شأنه سبحانه فحينئذ يساق المحقون الى الجنة والمبطلون الى النار وَكيف لا يحكم ولا يفصل ولا يفتح سبحانه مع انه هُوَ الْفَتَّاحُ الكشاف لمعضلات الأمور ولمغلقات مطلق القضايا والاحكام الْعَلِيمُ الذي

стр. 753

يكتنه عنده كل معلوم ولا يشتبه عليه شيء من المحسوس والمفهوم قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما قد أشبعت الكلام الدال على اسكاتهم وإلزامهم أَرُونِيَ وأخبروني ايها المشركون المفرطون الآلهة الباطلة الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ سبحانه وادعيتموهم أنتم من تلقاء انفسكم شُرَكاءَ معه سبحانه مستحقين للعبادة مثله ظلما وعدوانا وأخبروني عن أخص اوصافهم التي بها يستحقون الألوهية والعبودية لا تأمل ايضا في شأنهم وأتدبر في حقهم حتى ظهر عندي ولاح لدى ايضا استحقاقهم للشركة في الألوهية والربوبية. ثم رد عليهم سبحانه ردعا لهم وزجرا عليهم عماهم عليه وإرشادا لهم الى ما هو الحق الحقيق بالاتباع فقال كَلَّا اى ارتدعوا ارتداعا بليغا ايها المشركون المسرفون المفرطون عن دعوى الشركة مع الله الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر الذي ليس له شريك ولا نظير ولا وزير ولا ظهير مطلقا بَلْ هُوَ اللَّهُ الواحد الأحد المستقل بالالوهية والربوبية بل في الوجود والتحقق الْعَزِيزُ الغالب القادر القاهر على من دونه من الاظلال والأشباح الهالكة المستهلكة في شمس ذاته المتشعشعة المتجلية حسب شئون أسمائه وصفاته الْحَكِيمُ المتقن في أفعاله المترتبة على علمه المحيط وارادته الكاملة وقدرته الشاملة يفعل ما يشاء ارادة واختيارا ويحكم ما يريد استقلالا وانفرادا ليس لاحد ان يتصرف في ملكه وملكوته او يدعى الشركة معه او المظاهرة والمعاونة. تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وَبعد ما قد ثبت ان لا معبود في الوجود سوانا ولا مستحق للعبادة غيرنا فاعلم يا أكمل الرسل انا ما أَرْسَلْناكَ بعد ما قد انتخبناك من بين البرايا واصطفيناك لأمر الرسالة إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ يعنى الا رسالة عامة تامة شاملة لقاطبة الأنام لتكفهم أنت عن جميع الآثام وتمنعهم عن مقتضيات نفوسهم ومشتهيات قلوبهم مما يعوقهم عن سبيل السلامة وطرق الاستقامة وبعد ما قد أرسلناك إليهم هكذا قد صيرناك عليهم بَشِيراً تبشرهم بدرجات الجنان والفوز بلقاء الرحمن وَنَذِيراً تنذرهم وتبعدهم عن دركات النيران ولحوق انواع العذاب والخذلان فيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المجبولين على الكفران والنسيان لا يَعْلَمُونَ حكمة الإرسال والإرشاد والهداية الى سبيل الصواب والسداد ولذلك عاندوا معك يا أكمل الرسل وكذبوك وأنكروا بكتابك وبجميع ما جئت به من عندنا عنادا ومكابرة وَمن شدة انكارهم وعنادهم يَقُولُونَ لك يا أكمل الرسل منكرين ومتهكمين بعد ما قد وعدتهم بقيام الساعة وبعث الموتى من قبورهم وحشر الأموات من الأجداث مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي قد وعدتنا به عينوا لنا وقت وقوع الموعود إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في وعدكم ودعواكم هذه يعنون بالخطاب رسول الله صلّى الله عليه والمؤمنين جميعا قُلْ يا أكمل الرسل في جوابهم بعد ما اقترحوا على سبيل الإنكار قد يأتى ويبادر لَكُمْ ايها المنكرون للبعث بغتة مِيعادُ يَوْمٍ اى وعده وزمانه بحيث لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ يعنى لا يسع لكم متى فاجأتكم الساعة الموعودة ان تطلبوا التأخر عنه آنا ولحظة او التقدم عليه طرفة ولمحة وبالجملة قيام الساعة مثل حلول الأجل فكما إذا حل عليكم اجلكم لا يمكنكم طلب التقديم والتأخير فكذلك قيام الساعة إذا حل عليكم لا يمكنكم هذا ولذا قيل الموت هو القيامة الصغرى وقال ﷺ من مات فقد قامت قيامته وَمن كمال غيظ المشركين معك يا أكمل الرسل وشدة انكارهم على كتابك بسبب اشتماله على الأوامر والنواهي الشاقة والتكليفات الشديدة وكذا بواسطة ما اخبر فيه من قيام الساعة واهوال الفزع الأكبر والطامة الكبرى

стр. 754

قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ستروا الحق واعرضوا عن مقتضاه لَنْ نُؤْمِنَ ولن نصدق ابدا نحن بِهذَا الْقُرْآنِ المفترى وبما فيه من الإنذارات والتخويفات سيما حشر الأجساد واعادة المعدوم بعينه وَلا نصدق ايضا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب السالفة المشتملة على ذكر القيامة وغيرها وذلك انهم قد فتشوا من احبار اليهود والنصارى ومن جميع من انزل إليهم الكتب والصحف فسمعوا منهم جملة انه قد ذكر في كتابهم نعت محمد ﷺ وحليته ووصف كتابه ايضا وذكر الحشر والنشر وعموم المعتقدات الاخروية لذلك قد بالغوا في تكذيب الكتب الإلهية رأسا وصرفوا الناس ايضا عن تصديقها والايمان بها وبمن انزل إليهم سيما بالقرآن وبمحمد ﷺ وَلَوْ تَرى ايها الرائي لرأيت امرا فظيعا فجيعا وقت إِذِ الظَّالِمُونَ الخارجون عن ربقة العبودية بتكذيب الرسل وانكار الكتب وما فيها من احوال النشأة الاخرى سيما القرآن ومحمد ﷺ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ محبوسون للعرض والحساب قد يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يعنى يتحاورون فيما بينهم ويتراجعون في الأقوال ويتلاومون ويتلاعنون فيها حيث يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا من الاتباع والخدمة المتسمين بذل التبعية والفرعية لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا من المتبوعين المتعززين بعزّ الثروة والرياسة لَوْلا أَنْتُمْ موجودون مقتدون بيننا لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ مهتدين موقنين بتوحيد الله مصدقين لكتبه ورسله وبجميع ما جرى على ألسنة الرسل والكتب ثم قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا اى المتبوعون المتعظمون بعز الثروة والرياسة وبشرف الجاه والسيادة لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا اى للاتباع والسفلة أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى يعنى لم نكن نحن صادين صارفين لكم عن الايمان بالرسل والكتب بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ الرسل بالكتب المشتملة على الهدى والبينات ودعوكم الى الايمان بل نحن حينئذ ما صددنا وصرفنا الا أنفسنا بلا تغرير وتضليل منا إياكم بَلْ كُنْتُمْ حينئذ مُجْرِمِينَ تاركين الايمان والهداية تقليدا علينا بلا صد منا وذب من قبلنا وَقالَ الاتباع الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لم يكن اضلالكم وتغريركم علينا منحصرا في الصد والذب باللسان والأركان بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يعنى مكركم وخداعكم في تضليلنا قد كان دائما مستوعبا للأيام والليالى وليس مخصوصا بوقت دون وقت لأنكم رؤساء بيننا اصحاب الثروة والجاه فينا فتخدعون بنا قولا وفعلا وقد مالت قلوبنا الى ما أنتم عليه إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وبتوحيده وننكر رسله وكتبه وَنَجْعَلَ لَهُ اى نثبت ونعتقد لله الواحد الأحد الصمد المنزه عن الشريك مطلقا أَنْداداً شركاء معه سبحانه في استحقاق العبادة والإطاعة والتوجه والرجوع في مطلق الخطوب والمهام وَبالجملة هم قد أَسَرُّوا اى أظهروا او اخفوا النَّدامَةَ على ما قد فات عنهم يعنى لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ النازل عليهم بشؤم ما صدر عنهم في النشأة الاولى أظهروا الندامة تحسرا وتحزنا او اخفوها مخافة التعيير والتقريع وَبعد ما أردنا تعذيبهم قد جَعَلْنَا الْأَغْلالَ الممثلة لهم من تعديهم وظلمهم بالخروج عن مقتضى الحدود الإلهية فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا بوحدة الحق واثبتوا له أندادا وأنكروا لعموم رسله وكتبه تابعين ومتبوعين ضالين ومضلين وقلنا لهم حينئذ توبيخا وتقريعا هَلْ يُجْزَوْنَ ما يعذبون هؤلاء البعداء من ساحة عز القبول إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ يعنى بمقتضى أعمالهم وأفعالهم وبحسبها وطبقها بمقتضى العدل الإلهي وَكيف لا نأخذهم بشؤم أعمالهم وأفعالهم إذ ما أَرْسَلْنا وما بعثنا فِي قَرْيَةٍ من القرى الهالكة مِنْ نَذِيرٍ من النذر المبعوثين لإصلاح مفاسدهم

стр. 755

إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها ورؤساؤها ومتنعموها للرسل من فرط عتوهم وعنادهم اتكاء على ما عندهم من الجاه والثروة على سبيل التأكيد والمبالغة إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وبعموم ما قد جئتم لأجله ايها المدعون للرسالة والهداية والدعوة العامة واقامة الحدود بين الأنام كافِرُونَ جاحدون منكرون لا نقبل منكم أمثال هذه الخرافات وَقالُوا مفتخرين بما عندهم من الجاه والثروة نَحْنُ اولى وأحرى بما ادعيتم من الرسالة والنبوة منكم إذ نحن أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وبالأموال نقتنص عموم المطالب والآمال وبمظاهرة الأولاد ندفع كل ملمة ومكروه وَبالجملة ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ لا في الدنيا لما سمعت من كرامة الأموال والأولاد ولا في الآخرة ايضا ان فرض وقوعها لأنا قوم أكرمنا الله في الدنيا فكذا يكرمنا فيها قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما بالغوا في الافتخار والمباهات بما عندهم من حطام الدنيا ومتاعها إِنَّ رَبِّي القادر المقتدر على انواع الانعام والانتقام يَبْسُطُ ويكثر الرِّزْقَ الصوري الدنيوي لِمَنْ يَشاءُ من عباده اختبارا لهم وابتلاء وَيَقْدِرُ اى يقل ويقبض عمن يشاء تيسيرا له وتسهيلا عليه حسابه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المجبولين على السهو والنسيان لا يَعْلَمُونَ حكمة قبضه وبسطه سبحانه كذلك يفرحون بوجوده ويحزنون بعدمه ولم يتفطنوا ان وجوده يورث حزنا طويلا وعذابا أليما وعدمه يورث انواع الكرامات ونيل المثوبات ورفع الدرجات. ثم قال سبحانه تقريعا على المفتخرين بالأموال والأولاد وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ ايها المغرورون بهما المحرومون عن اللذات الاخروية بسببهما ان تكونا وسيلتين وواسطتين بِالَّتِي اى بالخصلة الحسنى التي تُقَرِّبُكُمْ ايها المأمورون بالتقرب إلينا بالأعمال المقبولة عِنْدَنا زُلْفى يعنى تقريبا مطلوبا لكم مصلحا لأعمالكم وأحوالكم ومواجيدكم إِلَّا مَنْ آمَنَ منكم ايها المتمولون المتكثرون للأولاد وأيقن بتوحيده سبحانه وصدق رسله وكتبه وَمع ذلك قد عَمِلَ عملا صالِحاً مقبولا مرضيا عند الله متقربا به اليه سبحانه بان أنفق ماله في سبيل الله بلا من ولا أذى طلبا لمرضاته او علم أولاده علم التوحيد والاحكام وكذا علم العقائد المتعلقة بدين الإسلام فَأُولئِكَ السعداء المتمولون المقبولون عند الله المبسوطون من عنده بالرزق الصوري في هذه النشأة لَهُمْ في النشأة الاخرى جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا يعنى جزاؤهم من الرزق المعنوي في النشأة الاخرى بأضعاف ما استحقوا بأعمالهم الدنيوية الى العشرة بل الى ما شاء الله من الكثرة وَبالجملة هُمْ فِي الْغُرُفاتِ المعدة لأهل الجنة آمِنُونَ مصونون محفوظون عن جميع المؤذيات والمكروهات. ثم قال سبحانه وَالكافرون المنكرون المكذبون لرسلنا وكتبنا الَّذِينَ يَسْعَوْنَ ويجتهدون فِي قدح آياتِنا الدالة على عظمة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا وعلى مطلق الاحكام الشرعية الجارية بين عبادنا المتعلقة لأحوالهم في النشأتين حال كونهم مُعاجِزِينَ ساعين قاصدين عجزنا عن اقامة حدودنا بين عبادنا واتخاذنا العهود والمواثيق منهم وعن وضع التكاليف والاحكام والآداب بينهم وبالجملة أُولئِكَ البعداء الطاعنون لآياتنا الكبرى الغافلون عن فوائدها العظمى فِي الْعَذابِ المؤبد المخلد مُحْضَرُونَ لا يتحولون منه ولا يغيبون عنه أصلا قُلْ يا أكمل الرسل للمسرفين المنحرفين عن جادة العدالة الإلهية متكئين بما عندهم من الأموال والأولاد الفانية الزائلة مفتخرين بها تفوقا وتبجحا إِنَّ رَبِّي العليم المطلع على عموم استعدادات عباده الحكيم المتقن في افاضة ما يليق بهم يَبْسُطُ الرِّزْقَ يزيد ويفيض الصوري لِمَنْ يَشاءُ

стр. 756

مِنْ عِبادِهِ تارة بمقتضى مشيته ومراده وَيَقْدِرُ لَهُ اى ينقص ويقبض الرزق عنه تارة اخرى ارادة واختيارا على حسب حكمته ومصلحته التي قد استأثر بها في غيبه وحضرة علمه المحيط وَبعد ما قد سمعتم هذا اعلموا ايها المبسوطون المنعمون ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ مما قد استخلفكم الله سبحانه عليه من الرزق وأمركم بإنفاقه على فقرائه فَهُوَ سبحانه يُخْلِفُهُ ويعوض عنه بأضعافه وآلافه على وفق الحكمة ان صدر عنكم الانفاق في النشأة الاولى بالاعتدال بلا تبذير وتقتير وَكيف لا يخلف الرزق الصوري سبحانه لخلص عباده مع انه هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ بالرزق الصوري والمعنوي لعباده الخلص وهذا للمخلصين له عن مقتضيات بشريتهم ومشتهيات أهويتهم البهيمية وَاذكر يا أكمل الرسل لمن عبد الملائكة واتخذوهم أربابا من دون الله مستحقين للعبادة والرجوع في الملمات مثله سبحانه وسموهم شفعاء يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ في المحشر جَمِيعاً العابدين والمعبودين ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ على رؤس الاشهاد تفضيحا للعابدين وتقريعا لهم أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ يعنى أهؤلاء المشركون المسرفون يعبدون إياكم ايها الملائكة كعبادتى بل يخصونكم بالعبادة ويهتمون بشأنكم مزيد اهتمام هل تستعبدونهم أنتم وتسترضون بعبادتهم وتوالون معهم أم هم يعبدونكم من تلقاء أنفسهم قالُوا اى الملائكة خائفين من بطشه سبحانه مستحيين منه متضرعين نحو جنابه سُبْحانَكَ ننزهك يا مولانا عما لا يليق بشأنك أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ وأنت المراقب علينا المطلع على سرائرنا وضمائرنا المتولى لعموم ما قد صدر عنا وبالجملة أنت تعلم واعلم منا يا مولانا ان لا موالاة بيننا وبينهم إذ لا يخفى عليك خافية ومن اين يسع لنا ويتأتى منا الرضا بأمثال هذه الجرأة والجريمة العظيمة وأنت اعلم ايضا بمعبوداتهم التي قد اتخذوها وأخذوها هؤلاء الغواة الطغاة الهالكون في تيه الجهل والغفلة بعلو شأنك وبشأن الوهيتك وربوبيتك بَلْ هم قد كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ اى الشياطين الداعين لهم الى عبادتهم الراضين منهم بعد ما قيدوا لهم إذ هم قد يتمثلون بصور الملائكة ويدعون الألوهية والربوبية لأنفسهم ويأمرونهم بالعبادة بل أَكْثَرُهُمْ اى كل المشركين وعموم المتخذين لله أندادا بِهِمْ مُؤْمِنُونَ اى بالشياطين وباغوائهم واغرائهم وتغريرهم عابدون لهم متوجهون نحوهم في عموم مهامهم فَالْيَوْمَ تبلى السرائر وظهر ما في الضمائر وقد لاح سلطان الوحدة الذاتية وانقهر الاظلال والأغيار وظهر ان الأمور كلها مفوضة اليه سبحانه وان كان قبل ذلك ايضا كذلك وقد علمتم الآن انه لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ ايها الاظلال المستهلكة في شمس الذات لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا لا جلبا ولا دفعا ولا لطفا ولا قهرا وَبعد ما قد انقطع عنهم التصرف مطلقا ولم يبق لهم الاختيار لا صورة ولا معنى ولا حقيقة ولا مجازا نَقُولُ بمقتضى قهرنا وجلالنا لِلَّذِينَ ظَلَمُوا وخرجوا عن ربقة عبوديتنا ومقتضيات حدودنا الموضوعة لا صلاح احوال عبادنا ذُوقُوا ايها الضالون المنهمكون في بحر العدوان والطغيان عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ في النشأة الاولى سيما قد أخبرتم على ألسنة الرسل والكتب وَكيف لا نقول لهم ما نقول إذ هم قد كانوا من عدوانهم وظلمهم على الله ورسله وكتبه إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا الدالة على إصلاح أحوالهم المتعلقة بالنشأتين مع كونها بَيِّناتٍ في الدلالة على أهم مقاصدهم ومطالبهم لو كانوا من ذوى الرشد والهداية قالُوا من شدة شكيمتهم وغيظهم على رسول الله ما هذا المدعى للرسالة والنبوة يعنون الرسول صلّى الله عليه وسلم

стр. 757

إِلَّا رَجُلٌ حقير مستبد برأيه مستبدع امرا من تلقاء نفسه يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ ويصرفكم عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ ويستتبعكم بل يستعبدكم بأمثال هذا التلبيس والتغرير وَقالُوا ايضا في حق القرآن ما هذا الذي جاء به إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وكذب مختلق غير مطابق للواقع قد افتراه على الله تلبيسا وتغريرا على ضعفاء الأنام وَبالجملة قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ الصريح وستروه بالباطل عدوانا وعنادا لَمَّا جاءَهُمْ وحين عاينوا به وعلموا انه من الخوارق العجيبة وقد اضطروا عن معاوضته خائبين حائرين عن جميع طرق الرد والمنع غير انهم نسبوه الى السحر وقالوا إِنْ هذا ما هذا الذي سماه قرآنا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ظاهر سحريته عظيم اعجازه. ثم أشار سبحانه الى غاية تجهيل المشركين ونهاية تسفيههم فقال وَما آتَيْناهُمْ وما أنزلنا عليهم مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وفيها دليل الإشراك واثبات الآلهة بل كل الكتب والصحف انما هي منزلة على طريق التوحيد وبيان سلوكه وَكذلك ما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ يا أكمل الرسل مِنْ نَذِيرٍ ينذرهم عن التوحيد ويدعوهم الى الشرك المنافى له ثم أشار سبحانه الى تسلية رسول الله ﷺ وتهديدهم بالبطش والأخذ فقال وَكما كذب هؤلاء المكذبون بك يا أكمل الرسل وبكتابك كذلك قد كَذَّبَ الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم رسلهم وقد أنكروا الكتب المنزلة إليهم أمثالهم بل وَهم اى هؤلاء الغواة المكذبون لك يا أكمل الرسل ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ وعشر ما قد أعطينا لأولئك المكذبين الماضين من الجاه والثروة والامتعة الدنياوية وطول العمر فَكَذَّبُوا رُسُلِي فأخذناهم مع كمال قوتهم وشوكتهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ إنكاري وانتقامي إياهم بالتدمير والهلاك بسبب انكارهم وظهورهم على رسلي وكتبي بالتكذيب والاستخفاف نستأخذ هؤلاء المكذبين ايضا ونستأصلهم بأشد من ذلك قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما قد بلغ إلزامهم وتهديدهم غايته إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ يعنى ما اذكر لكم وما أنبه عليكم الا بخصلة واحدة كريمة وهي أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ وحده وتوحدوه عن وصمة الكثرة مطلقا وتواظبوا على أداء الأعمال الصالحة المقربة اليه المقبولة عنده سبحانه وتخلصوها لوجهه الكريم بلا شوب شركة ولوث كثرة وخباثة رعونة ورياء وسمعة وعجب وخديعة وتسترشدوا من رسول الله ﷺ مَثْنى اثنين اثنين وَفُرادى واحدا واحدا يعنى متفرقين بلا زحام مشوش للخاطر مخلط للأقوال والأصوات عنده ﷺ حتى يظهر لكم شأنه ﷺ ويتبين دونكم برهانه ثُمَّ بعد ما ترددتم عليه ﷺ على سبيل التعاقب والتفريق تَتَفَكَّرُوا وتتأملوا فيما لاح عليكم منه ﷺ وتتدبروا حق التأمل والتدبر على وجه الإنصاف معرضين عن الجدل والاعتساف لينكشف لكم ويظهر دونكم انه ما بِصاحِبِكُمْ يعنى محمدا ﷺ مِنْ جِنَّةٍ جنون وخبط يعرضه ويطرأ عليه هو يحمله على ادعاء الرسالة بلا برهان واضح يتضح له وينكشف دونه كما زعم في حقه ﷺ مشركوا اهل مكة خذلهم الله كي يفتضح على رؤس الاشهاد كما نشاهد من متشيخة زماننا احسن الله أحوالهم أمثال هذه الخرافات والمزخرفات بلا سند ومستند واضح صريح سوى التلبيس والتدليس الذي هو من شيم إبليس وبعد ما لم يساعدهم البرهان والكرامة افتضحوا بأصناف اللوم والملامة وهو ﷺ مع كمال عقله ورزانة رأيه ومتانة حكمته كيف يختار ما هو سبب الشنعة والافتضاح تعالى شأن رسول الله ﷺ عما

стр. 758

يقول في حقه الظالمون علوا كبيرا او المعنى ثم بعد ما جلستم عنده ﷺ على الوجه وتكلمتم معه على طريق الإنصاف تتفكروا وتتأملوا هل تجدونه ﷺ معروضا للخبط والجنون أم للأمر السماوي الباعث له صلّى الله على اظهار أمثال هذه الحكم والاحكام والعبر والأمثال التي قد عجزت دونها فحول العقلاء وجماهير الفصحاء والبلغاء البالغين أقصى نهاية الإدراك مع وفور دواعيهم بمعارضتها والتحدي معها بل إِنْ هُوَ وما هذا الرسول المرسل إليكم المؤيد بالبراهين الواضحة والمعجزات اللائحة المثبتة لرسالته إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ من قبل الحق بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ يعنى قبيل وقدام يوم القيامة المعدة لانواع العذاب والنكال على عصاة العباد وان اتهموك يا أكمل الرسل بأخذ الأجر والجعل على أداء الرسالة وتبليغ الاحكام بل قد حصروا ادعاك الرسالة ودعوتك على هذا فقط قُلْ لهم على سبيل الإسكات والإلزام ما سَأَلْتُكُمْ عنكم شيأ من الجعل أصلا وان فرض انى سألت منكم شيأ فاعلموا ان ما سألتكم مِنْ أَجْرٍ على إرشادكم وتكميلكم فَهُوَ لَكُمْ اى هو هبة موهوبة لكم من قبلي مردودة عليكم منى وبالجملة إِنْ أَجْرِيَ وما جعلى على تحمل هذه المشاق والمتاعب الواردة على في تبليغ الرسالة واظهار الدعوة إِلَّا عَلَى اللَّهِ الذي قد أرسلني بالحق وبعثني بالصدق على الصدق وهو المراقب المطلع على عموم أحوالي الحكيم المتقن بافاضة ما ينبغي ويليق بشأنى وحالي وَكيف لا يطلع سبحانه على احوال عباده إذ هُوَ بذاته عَلى كُلِّ شَيْءٍ ظهر من الموجودات ولاح عليه لمعة الوجود وبروق التجليات شَهِيدٌ حاضر دونه غير بعيد عنه ومغيب عليه قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما قد تمادى مراء اهل الضلال وتطاول جدالهم لا أبالي باستهدائكم واسترشادكم ولا أبالغ في تكميلكم ورشادكم بل إِنَّ رَبِّي العليم باستعدادات عباده الحكيم بافاضة الايمان والعرفان على من أراد هدايته وإرشاده يَقْذِفُ بِالْحَقِّ اى يلقيه وينزل على قلوب عباده الذين قد جبلهم على فطرة الإسلام واستعدادات التوحيد والعرفان إذ هو سبحانه عَلَّامُ الْغُيُوبِ يعلم استعدادات عموم عباده وقابلياتهم على قبول الحق ويميزهم عن اهل الزيغ والضلال المجبولين على الغواية الفطرية والجهل قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما قد بينت لهم طريق الحق كلاما ناشئا عن محض الحكمة خاليا عن وصمة الكذب مطلقا قد جاءَ الْحَقُّ الحقيق بالاتباع وظهر الإسلام الجدير للاطاعة والتسليم فلكم ان تغتنموا الفرصة وتنقادوا له مخلصين وَنبههم يا أكمل الرسل ايضا انه بعد ما قد ظهر نور الإسلام وعلا قدره وارتفع شأنه ما يُبْدِئُ الْباطِلُ الذي قد زهق واضمحل ظلمته بنور الإسلام وغار مناره في مهاوي الجهل واغوار النسيان أصلا وَقد صار بحيث ما يُعِيدُ ابدا في حين من الأحيان فسبحان من اظهر نور الإسلام ورفع اعلامه وقمع الكفر واخفض اصنامه. ثم لما طعن المشركون على رسول الله ﷺ وعيروه بانك قد تركت دين آبائك واخترعت دينا من تلقاء نفسك فقد ضللت باختيارك هذا وبتركك ذاك عن منهج الرشد وسبيل السداد رد الله سبحانه عليهم قولهم هذا وتعييرهم آمرا للنبي على وجه الامتنان قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما قد عيروك وطعنوا في شأنك ودينك إِنْ ضَلَلْتُ انا وانحرفت عن سبيل السلامة وجادة الاستقامة فَإِنَّما أَضِلُّ وانحرف عَلى نَفْسِي بمقتضى اهويتها ومشتهياتها وبشؤم لذاتها وشهواتها وَإِنِ اهْتَدَيْتُ الى التوحيد والعرفان ونلت الى اسباب درجات الجنان فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي بسبب وحيه والهامه على

стр. 759

وامتنانه بأنواع الهداية والكرامات وبأصناف اللذات الروحانية والمكاشفات والمشاهدات وبالجملة إِنَّهُ سبحانه سَمِيعٌ قَرِيبٌ يسمع عموم مناجاتي ويقضى جميع حاجاتي على وجهها ان تعلق ارادته ومشيته بها بعد ما قد جرى وثبت في حضرة علمه ومضى عليها قضاؤه في لوح المحفوظ بحيث لا يفوته شيء وَمن غاية قرب الله سبحانه لعباده لَوْ تَرى ايها المعتبر الرائي وقت إِذْ فَزِعُوا يعنى الكفرة والمشركين وقت حلول الأجل ونزول العذاب عليهم في يوم الساعة لرأيت امرا فظيعا فَلا فَوْتَ يعنى حين لا فوت لهم عن الله ولا غيبة عنده سبحانه لا منهم ولا من أعمالهم وأحوالهم شيء وَان تحصنوا بالحصون الحصينة والقلاع المنيعة المتينة والبروج المشيدة بل أُخِذُوا حيثما كانوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ من الله ولو كانوا في قعر الأرض او قلل الجبال او في قلب الصخرة الصماء او فوق السموات العلى وفي أى مكان من الأمكنة المخفية وبالجملة قد أخذوا من مكان قريب بالنسبة اليه سبحانه إذ هو سبحانه منزه عن مطلق الأماكن شهيد حاضر في جميعها غير مغيب عنها وَبعد ما قد اضطروا الى الموت والهلاك او العذاب في يوم الجزاء قالُوا حين انقرض وقت الايمان وقد مضى أوانه آمَنَّا بِهِ اى بمحمد ﷺ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ يعنى من أين يتأتى ويحصل لهم تناول الايمان وتلافيه وتداركه يومئذ سيما قد صاروا مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ بمراحل عن الايمان إذ قد انقرض مدة التكليف والاختبار وزمان التلافي والتدارك وَحين كانوا قريبا له قادرا على تناوله وتعاطيه لم يختاروه ولم يتصفوا به بل قَدْ كَفَرُوا بِهِ ﷺ وأنكروا على دينه وكتابه مِنْ قَبْلُ في النشأة الاولى او في الصحة وحين الدعوة يعنى قبل ما عاينوا بالعذاب والهلاك وَهم قد كانوا في زمان الايمان به ﷺ وبكتابه يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ يعنى يرمونه ﷺ ويرجمونه رجما بالغيب ويقولون في شأنه على سبيل التخمين والحسبان عدوانا وظلما انه شاعر كاهن مجنون ويقولون في شأن كتابه انه كلام المجانين وأساطير الأولين مع ان أمثال هذه الخرافات بالنسبة اليه ﷺ والى كتابه مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ بمراحل عن شأنه العظيم وعن شأن كتابه الكريم وبالجملة ايمانهم في حالة اضطرارهم ابعد عن محل القبول بمراحل ايضا وَبعد ما قد ايسوا عن قبول الايمان وقت الاضطرار قد حِيلَ وحجب بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ من الايمان والنجاة المترتبة عليه ففعل بهم حينئذ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ أحزابهم وأشباههم مِنْ قَبْلُ من الكفرة الماضين الهالكين الملتجئين الى الايمان وقت اضطرارهم وهجوم العذاب عليهم كفرعون وقارون وهامان وغيرهم إِنَّهُمْ قد كانُوا أمثال هؤلاء الغواة المنهمكين فِي شَكٍّ تردد وغفلة مُرِيبٍ موقع أصحابه في ريب عظيم وكفر شديد وانكار غليظ. أعاذنا الله وعموم عباده عن أمثاله بمنه وكرمه خاتمة سورة السبأ عليك ايها السالك المتدرج في درجات اليقين من العلم الى العين ثم الى الحق وفقك الله أعلى مطالبك واعانك على إنجاحها ان تتمكن في مقعد الصدق الذي هو مرتبة الرضاء معرضا عن الشك والتردد في مقتضيات القضاء ومبرمات الاحكام المثبتة في حضرة العلم المحيط الإلهي وان تتوجه نحوه سبحانه في حالاتك متشبثا بذيل كرم نبيه المؤيد من عنده سبحانه الذي أرشدك الى توحيده الذاتي مسترشدا

стр. 760

من آيات الكتاب المنزل على رسوله المبين لسلوك طريق التوحيد واليقين وكذا من أحاديث النبي الموضحة لمغلقات الكتاب المشيرة الى رموزه وإشاراته فلك في كل الأحوال التبتل الى الله والتوكل نحوه والتفويض اليه فاتخذه سبحانه وكيلك في جميع حوائجك وحسيبك في عموم مهامك يكفيك كافيا ومعينا ويكف عنك شرور عموم اعاديك مطلقا وإياك إياك ان تخلط مع اصحاب الغفلة وارباب الثروة والسيادة المفتخرين بما عندهم من المال والجاه والنسب العلى والحسب السنى على زعمهم الذي يباهي به صاحبه ويتفوق على اقرانه ويطلب الرياسة والسيادة بسببه وان أردت ان تجلس مع بنى نوعك وتصاحب معهم فاختر منهم من قطع علاقة الالفة عن الدنيا وأمانيها وتزهد عنها وعن عموم ما فيها سوى سد جوعة وستر عورة وكن يحفظه عن الحر والبرد وصاحب معه مصاحبة الحائر التائه في بيداء لا يدرى اين أطرافها وارجاءها متفكرين متدبرين للخروج منها والخلاص عن أهوالها واغوالها وبالجملة لك ان تتذكر في عموم أوقاتك وحالاتك قول نبيك المختار سيد الأبرار وسند الأحرار والأخيار الناجين المخلصين عن غوائل الدنيا الغرار الغدار وعن سرابها اللماع الخداع المكار وتجعله نصب عينيك في جميع احوالك ألا وهو هذا «كن في الدنيا كأنك غريب او عابر سبيل وعد نفسك من اصحاب القبور» جعلنا الله ممن امتثل به واتعظ بفحواه وعمل بمقتضاه ووجد في نفسه حلاوة معناه بفضله ولطفه [سورة فاطر] فاتحة سورة الفاطر لا يخفى على من تحقق بسعة قدرة الله واحاطة حضرة علمه وارادته وشمول عموم أوصافه وأسمائه الذاتية والفعلية ان مظاهر الحق ومجاليه حسب شئونه وتطوراته لا تكاد تنحصر وتحصى إذ لا يكتنه ذاته ووصفه واسمه فكيف تجلياته وتطوراته إذ لا يشغله شأن عن شأن بل كل آن في شأن لا كشأن وبعد ما كان شأنه سبحانه كذلك كيف يعد ويحصى مظاهره المترتبة على شئونه وتجلياته الغير المحصورة الا انه سبحانه قد حمد لنفسه باعتبار معظم مظاهره ومصنوعاته بالنسبة الى هؤلاء الارضيين تعليما لهم وإرشادا ليواظبوا على أداء حقوق كرمه بقدر وسعهم وطاقتهم فقال سبحانه حامدا لنفسه بعد ما تيمن باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي قد تجلى حسب أوصافه الكاملة وأسمائه العامة الشاملة الرَّحْمنِ لعموم مظاهره ومصنوعاته بافاضة رشحات نور الوجود عليهم بمقتضى الفضل والجود الرَّحِيمِ لخواص عباده باطلاعهم على منشأ الوجود ومنبع خزائن الفيض والجود [الآيات] الْحَمْدُ المحيط المشتمل على جميع الاثنية والمحامد الصادرة عن ألسنة عموم المظاهر والمجالى حالا ومقالا ثابت لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ اى الذي قد فطر وأبدع واظهر الاجرام العلوية من كتم العدم بعد ما شق وفلق ظلمته باشعة نور الوجود المنعكسة من الصفات السنى والأسماء الحسنى الإلهية وَالْأَرْضِ اى الأجسام السفلية ايضا كذلك ليتحقق مرتبتا الفاعل والقابل ويتكون منهما من الكوائن والفواسد ما شاء الله بحوله وقوته لا حول ولا قوة الا بالله جاعِلِ الْمَلائِكَةِ اى الذي قد جعل وصير الملائكة الذين هم سدنة سدته العلية وخدمة عتبته السنية رُسُلًا وسائل ووسائط بينه سبحانه وبين خواص عباده من الأنبياء والرسل والأولياء المؤيدين من عند الله سبحانه بالرتب العلية والدرجات الرفيعة يبلغون إليهم من قبل الحق جميع ما تفضل بهم سبحانه من الوحى المتعلق بخير الدارين ونفع

стр. 761

النشأتين ولهذا قد صيرهم سبحانه أُولِي أَجْنِحَةٍ متعددة متفاوتة تسرعون بها نحو مصلحة قد بعثهم الله إليها وأمرهم بتبليغها مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يعنى لبعضهم اجنحة اثنين اثنين ولبعضهم ثلاثة ثلاثة ولبعضهم اربعة اربعة الى ما شاء الله بلا انحصار في عدد دون عدد بل يَزِيدُ سبحانه فِي الْخَلْقِ يعنى في جميع مخلوقاته الداخلة تحت قدرته واختياره ما يَشاءُ بلا عد وحد وحصر وإحصاء إذ لا ينتهى قدرته دون مقدور له بل له ان يتصرف فيه الى ما لا يتناهى. كما روى انه ﷺ قد رأى جبرائيل ﵇ ليلة المعراج وله ستمائة جناح وهذا دليل على ان ذكر العدد هاهنا ليس للحصر فالآية تدل ايضا على ان له سبحانه ان يتصرف في ملكه وملكوته كم شاء وكيف شاء ومتى شاء فيجوز ان يخلق أنواعا لم يخلقها قبل من أى جنس كان ويخلق ايضا في فرد من نوع أمورا عجيبة من الملاحة والصباحة والرشاقة وحسن الصوت والصورة وكمال العقل ورزانة الرأى وفطانة الذهن وخواص غريبة لم يخلقها قبل لافراد أخر من هذا النوع ولهذا يتفاوت اشخاص الإنسان في المعارف والحقائق وجميع الأمور المتعلقة بالعقل المتفرع على الإدراك بحسب الأدوار والأعصار بل في زمان واحد ايضا إذ بعضهم في نهاية البلادة وبعضهم في كمال الجلادة وبعضهم في كمال الحسن واللطافة وبعضهم في نهاية القباحة والكثافة وبالجملة له سبحانه التصرف المطلق في ملكه وملكوته بالاستقلال والاختيار بلا فترة وفتور في علمه وقدرته وارادته إذ هو سبحانه منزه عن المسامحة والملال وأوصافه بريئة عن وصمة الغرة والكلال وبالجملة إِنَّ اللَّهَ القادر المقتدر بالقدرة التامة عَلى كُلِّ شَيْءٍ تعلق به ارادته ومشيته قَدِيرٌ لا بد ان يتكون باختياره بلا خلف عموم ما قد لمع عليه برق ارادته ومن كمال قدرته سبحانه انه ما يَفْتَحِ اللَّهُ المدبر لأحوال عباده لِلنَّاسِ الناسين حقوق تربيته وتدبيره سبحانه مِنْ رَحْمَةٍ فائضة لهم بمقتضى جوده تفضلا عليهم من النبوة والرسالة والولاية والكرامة والعلم والمعرفة والرشد والهداية وغير ذلك من الكمالات الفائضة من عنده سبحانه فَلا مُمْسِكَ لَها ولا مانع يمنعهم عنها وَما يُمْسِكْ ويمنع سبحانه من امر بمقتضى قهره وجلاله فَلا مُرْسِلَ لَهُ يرسل إليهم مِنْ بَعْدِهِ يعنى بعد منعه سبحانه وإمساكه وَكيف يسع لاحد ان يرسل ما يمنعه إذ هُوَ الْعَزِيزُ المقصور المنحصر في ذاته على العزة والغلبة الذاتية إذ لا عزيز دونه الْحَكِيمُ المستقل في المنع والإرسال ارادة واختيارا لا يسأل عن فعله ولا مبدل لقوله ولا معقب لحكمه ثم نادى سبحانه اهل النعمة وخاطبهم ليقبلوا عليه ويواظبوا على شكر نعمه فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ المجبولون على الغفلة والنسيان اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ الفائضة عَلَيْكُمْ واشكروا له سبحانه أداء لحقوق كرمه وتفكروا في عموم آلائه ونعمائه وتذكروا هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ المتوحد بوجوب الوجود ودوام البقاء يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعنى من امتزاج العلويات بالسفليات واختلاط الفواعل والأسباب مع القوابل والمسببات المسخرة تحت قدرة الحكيم العليم لينكشف لكم ويتبين دونكم انه لا إِلهَ يعبد بالحق ويتوجه نحوه في الخطوب والملمات ويسند الحوادث الكائنة الى حكمه والنعم الفائضة الى فضله وجوده إِلَّا هُوَ الله الحق الحقيق بالاطاعة والرجوع إذ لا مرجع سواه ولا مقصد غيره فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ والى اين تنصرفون عن توحيده وكيف تردون عن بابه ايها الآفكون المجرمون وبعد ما قد بعثت يا أكمل الرسل لإرشاد اهل الحيرة والضلال وتبليغ الرسالة إليهم فلك ان تصبر على عموم المتاعب والمشاق الواردة في حملها وَ

стр. 762

بالجملة إِنْ يُكَذِّبُوكَ هؤلاء الضلال بعد ما دعوتهم الى الحق فتأس بإخوانك الرسل واصبر على أذى تكذيبهم فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ عظام كثيرة مِنْ قَبْلِكَ امثالك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا وَهم قد علموا انه إِلَى اللَّهِ الواحد الأحد القادر المقتدر على الانعام والانتقام لا الى غيره من الوسائل والأسباب العادية تُرْجَعُ الْأُمُورُ الكائنة من التكذيب والتصديق والصبر والأذى وغير ذلك من الحوادث إذ كلها مستند الى الله أولا وبالذات حاضر في حضرة علمه المحيط ثابت في لوح قضائه المحفوظ يجازى كلا من المحقين والمبطلين والمصدقين والمكذبين بمقتضى علمه وخبرته يا أَيُّهَا النَّاسُ المنهمكون في بحر الغفلة والنسيان التائهون في تيه الغرور والطغيان إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ الذي قد وعده في النشأة الاخرى لعموم عباده شقيهم وسعيدهم مطيعهم وكافرهم حَقٌّ ثابت لازم محقق إنجازه على الله بلا خلف فلكم ان تتزودوا لأخراكم وتهيئوا لأمر عقباكم كي تصلوا الى ما اعدّ لكم موليكم فَلا تَغُرَّنَّكُمُ ولا تعوقنكم الْحَياةُ الدُّنْيا ولذاتها الفانية وشهواتها الزائلة الغير الباقية عن الحيوة الابدية الازلية والبقاء السرمدي واللذات الروحانية وَبالجملة لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعنى لا يلبسن عليكم الشيطان المكار الغرّار الغدار بان يوقع في قلوبكم ان رحمة الله واسعة وفضله كثير ولطفه كبير وان الله سبحانه مستغن عن طاعتكم وعبادتكم وان فعل الإيلام لا يتصور من الحكيم العلام الى غير ذلك من الحيل العائقة لكم عن التقوى وعن التزود للنشأة الاخرى وبالجملة إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ يا بنى آدم عَدُوٌّ قديم مستمر عداوته من زمان أبيكم فَاتَّخِذُوهُ اى الشيطان أنتم ايضا عَدُوًّا لأنفسكم عداوة مستمرة بحيث لا تصغوا اليه ولا تقبلوا منه قوله ولا تلتفتوا الى تغريره وتلبيسه أصلا فانه يواسيكم ويغريكم الى مشتهيات نفوسكم ويوقعكم في فتنة عظيمة كما أوقع أباكم في ما مضى فعليكم ان تجتنبوا عن غوائله حتى لا تكونوا من حزبه إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ على الغواية والضلال البتة ويغريهم الى انواع البغي والعناد لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ المسعرة المعدة لأصحاب الشقاوة الازلية مثل الشيطان وسائر أحزابه واتباعه. نجنا بفضلك من سخطك واعذنا بلطفك من تغرير عدونا وعدوك. ثم قال سبحانه كلاما جمليا شاملا لعموم العباد تذكيرا وعظة مشتملا على الوعد والوعيد لكلا الفريقين الَّذِينَ كَفَرُوا ستروا الحق واعرضوا عنه في النشأة الاولى عنادا ومكابرة لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ اى إحراقهم بنار القطيعة في النشأة الاخرى جزاء بما اقترفوا في النشأة الاولى إذ لا عذاب أشد من الإحراق وَالَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الله وصدقوا رسله المؤيدين من عنده بالصحف والكتب المنزلة إليهم المبينة لسلوك طريق التوحيد والعرفان وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المأمورة لهم في تلك الكتب والصحف لَهُمْ في النشأة الاخرى مَغْفِرَةٌ ستر وعفو لما صدر عنهم من الذنوب قبل الايمان والتصديق وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وجزاء عظيم على ما قد عملوا بعده بمقتضى الأمر الإلهي المبين في الكتب المنزلة من عنده سبحانه أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً يعنى أيزعم الزاعم ان من زين وحسن الشيطان عمله السوء القبيح في الواقع فخيله حسنا بحسب زعمه الفاسد واعتقاده الباطل كمن كان عمله حسنا في الواقع حقا في نفس الأمر واعتقده ايضا كذلك حتى يكونا متساويين في استحقاق الأجر الجزيل والجزاء الجميل كلا وحاشا ان يكونا سيان بل شتان ما بينهما فَإِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء المقتدر على ما يشاء يُضِلُّ عن صراط توحيده حسب قهره وجلاله مَنْ يَشاءُ من عصاة عباده وَيَهْدِي اليه مَنْ يَشاءُ منهم بمقتضى لطفه

стр. 763

وجماله الى مقر وحدته وفضاء وجوبه وبقائه ومتى سمعت يا أكمل الرسل ان الإضلال والضلال والإرشاد والهداية انما هي مستندة أولا وبالذات الى مشية الله وارادته لا مدخل لاحد من خلقه فيها أصلا فَلا تَذْهَبْ أنت نَفْسُكَ اى تتعب ولا تهلك نفسك يا أكمل لرسل عَلَيْهِمْ يعنى على غواية من أردت وأحببت أنت هدايته ورشده حَسَراتٍ حال كونك متحسرا متأسفا تحسرا فوق تحسر وتحزنا غب تحزن على ضلالهم وعدم قبولهم الهداية والمعنى أفمن زين له سوء عمله فحسنة على نفسه واعتقده حقا جهلا وعنادا مع انه باطل في نفسه وبذلك ضل عن طريق الحق وانحرف عن سواء السبيل وبعد بمراحل عن الهداية بسبب هذا الاعتقاد الفاسد وأنت يا أكمل الرسل قد أذهبت وأهلكت نفسك عليهم حسرة وضجرة لم لم تهتدوا ولم تؤمنوا فان الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المراقب على جميع حالاتهم عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ يجازيهم حسب علمه بسوء صنيعهم فلا تتعب نفسك بما يفوتون على أنفسهم من الرشد والهداية وَكيف لا يعلم سبحانه ضمائر عباده واستعداداتهم مع انه اللَّهُ المدبر لأمور عباده المصلح لعموم أفعالهم وأحوالهم وحوائجهم هو الَّذِي أَرْسَلَ بلطفه وبمقتضى جوده الرِّياحَ العاصفة فَتُثِيرُ وتهيج تلك الرياح سَحاباً هامرا مركبا من الابخرة والادخنة المتصاعدة القابلة لان تتكون منها مياه بمجاورة الهوى البارد الرطب فَسُقْناهُ بعد ما قد تم تركيبه وتقاطر منه المطر عناية منا إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ يابس في غاية اليبس بحيث لا خضرة له أصلا فَأَحْيَيْنا بِهِ واخضررنا اى بالمطر الحاصل من السحاب الْأَرْضَ الجامدة اليابسة بَعْدَ مَوْتِها جفافها ويبسها كَذلِكَ اى مثل احيائنا الأرض اليابسة بعد يبسها وجمودها النُّشُورُ يعنى احياؤنا الأموات الجامدة ونشرهم من قبورهم بإعادة الروح المنفصل منهم الى أبدانهم التي قد تفتتت اجزاؤها بإرسال نفحات نسمات لطفنا ورحمتنا لتثير سحاب العناية الماطرة الفائضة قطرات ماء الحياة ورشحات الوجود المسوقة الى أراضي الأبدان اليابسة الجامدة بالموت الطبيعي انما احييناهم من الأجداث إظهارا لقدرتنا وتتميما لحكمتنا واستقلالنا في آثار تصرفاتنا في ملكنا وملكوتنا ولإظهار كمال تعززنا وكبريائنا في ذاتنا وبالجملة مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ التامة الكاملة التي لا يعقبها ذل أصلا فله ان يسترجع الى الله ويتوجه نحو توحيده فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ الذاتية والغلبة الوصفية والسلطنة الاصلية الكاملة والبسطة الشاملة جَمِيعاً ومن أراد ان يتعزز بعزة الله فله في أوائل سلوكه الى الله ان يتذكره سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا الى ان ينتهى تذكره الى التفكر الذي هو آخر العمل وصار حينئذ متفكرا في ذاته مستكشفا عن أستار جبروته سبحانه الى ان صار مستحضرا له مكاشفا إياه مشاهدا آثار أوصافه وأسمائه على صحائف الأكوان بلا مزاحمة الأعيان والأغيار وبالجملة فله ان يشتغل بالتذكر في أوائل الحال إِلَيْهِ لا الى غيره إذ لا غير معه في الوجود يَصْعَدُ ويرقى الْكَلِمُ الطَّيِّبُ من الأسماء الحسنى والأوصاف العظمى الناشئ من ألسنة المخلصين المتفكرين في آلاء الله ونعمائه وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ المقرون بالتبتل والإخلاص يَرْفَعُهُ يعنى يحمل ويرفع العمل المنبئ عن الإخلاص والكلم الطيب ويوصله الى درجات القرب من الله فمن كان إخلاصه في عمله أكمل كان درجات كلماته المرفوعة نحوه سبحانه ارفع وأعلى عند الله وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ مع الله المكرات السَّيِّئاتِ يعنى به سبحانه المكر السيئ الذي قد مكر به المشركون خذلهم الله مع حبيبه ﷺ لَهُمْ

стр. 764

في النشأة الاخرى عَذابٌ شَدِيدٌ جزاء بما مكروا به وَان كان مَكْرُ أُولئِكَ الماكرون هُوَ اى مكرهم في نفسه يَبُورُ يفسد ويبطل ويعود وباله ونكاله عليهم بلا اثر لمكرهم بالممكور عليه ﷺ وَكيف لا يعود ضرر مكركم إليكم ايها الماكرون المشركون إذ اللَّهُ القادر المقتدر الذي قد قصدتم المكر معه ومع من اختاره واصطفاه قد خَلَقَكُمْ وقدر وجودكم أولا مِنْ تُرابٍ جامد لا حس لها ولا شعور ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ مهينة مستحدثة من أجزاء النبات المتكون من الأرض ثُمَّ جَعَلَكُمْ وصيركم حيوانا ذا حس وحركة ارادية أَزْواجاً ذكورا وإناثا لتتوالدوا وتتكثروا وَبالجملة قد رباكم سبحانه على الوجه الأحسن الأصلح إذ هو سبحانه عليم بعموم حوائجكم وما يعنيكم وما لا يعنيكم وكذا بكل ما جرى ويجرى عليكم في اطواركم ونشآتكم السابقة واللاحقة بحيث ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ حمله إِلَّا بِعِلْمِهِ واذنه سبحانه وبمقتضى مشيته ومراده وهو معلوم له لا يغيب عن حظوره وَبعد ما وضع الحمل ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ قد بلغ عمره نهايته وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ حيث لم يبلغ ولم يصل إليها إِلَّا فِي كِتابٍ يعنى مثبت مسطور في حضرة العلم المحيط الإلهي ولوح القضاء المحفوظ إِنَّ ذلِكَ يعنى حفظه وثبته عَلَى اللَّهِ العليم الحكيم يَسِيرٌ وان كان عندكم عسيرا بل متعذرا ممتنعا إذ لا يسع لكم استحضار احوال آنكم ولحظتكم فكيف احوال يومكم وشهركم وحولكم فكيف احوال طفوليتكم وكونكم اجنة في بطون أمهاتكم ونطفة في أصلاب آبائكم ثم مثل سبحانه كلا الفريقين اى المؤمنين والكافرين بالبحرين العذب والمالح فقال وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ في النفع والفائدة الحاصلة منهما إذ هذا اى المؤمن المصدق كبحر الايمان والعرفان المترشح من بحر الوحدة الذاتية عَذْبٌ حلو في غاية الحلاوة فُراتٌ يكسر غليل أكباد المتعطشين في سراب الدنيا ببرد اليقين سائِغٌ شَرابُهُ سهل انحداره للمجبولين على فطرة التوحيد وَهذا اى الكافر المتوغل في بحر الغفلة والنسيان مِلْحٌ مالح مرّ لا مصلح يصلح من يذوق منه بل أُجاجٌ مرّ مفسد لمزاج من ذاق عنه فقد هلك هلاكا ابديا بحيث لا نجاة له وَالبحر الأجاج له نفع ولا نفع للكفر والضلال أصلا إذ مِنْ كُلٍّ من البحرين تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا مثل السمك وغيرها وَكذا تَسْتَخْرِجُونَ منهما حِلْيَةً أنواعا من الزينة التي تَلْبَسُونَها أنتم ايها المتنعمون المترفهون وَايضا تَرَى ايها الرائي الْفُلْكَ والجواري الجارية فِيهِ اى في كل من البحرين مَواخِرَ يفصل ويشق سطح الماء بجريها وما ذلك الشق والفصل الا لِتَبْتَغُوا وتطلبوا أنتم مِنْ مزيد فَضْلِهِ وطوله سبحانه مما تشتهي انفسكم بالبقلة فيها وَانما أباح لكم سبحانه منافع بره وبحره لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رجاء ان تشكروا نعمته وتزيدوا على انفسكم مزيد كرمه. ومن كمال فضل الله عليكم ورحمته انه يُولِجُ اللَّيْلَ ويدخل ظلمته فِي نور النَّهارِ يطول أجزاء النهار بايلاج أجزاء الليل فيه في فصل الصيف تتميما لمصالح معايش عباده وَكذا في فصل الشتاء يُولِجُ النَّهارَ ويدخل أجزاء منه فِي اللَّيْلِ فيطوله باجزائه تسكينا للقوى النامية وتمكينا لها ليجددها للخدمة المفوضة إليها في وقتها وَبالجملة قد سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ تتميما وتكميلا لمصالح عباده بحيث كُلٌّ منهما يَجْرِي ويدور باذن الله والهامه لِأَجَلٍ مُسَمًّى هي من مبدء دوره الى منتهاه او الى

стр. 765

انقراض نشأة الدنيا وبالجملة ذلِكُمُ المصرف المتصرف بالاستقلال والاختيار المدبّر بكمال العلم والخبرة ووفور الحكمة والدرية هو اللَّهُ رَبُّكُمْ الذي أظهركم من كتم العدم ورباكم بأنواع النعم والكرم وكيف لا يربيكم سبحانه بعد ما أبدعكم إذ لا متصرف في الكائنات سواه ولا اله في الوجود والشهود الا هو لَهُ الْمُلْكُ لا مالك سواه ولا مدبر غيره وَالمحجوبون المحرومون الَّذِينَ تَدْعُونَ ويدّعون مِنْ دُونِهِ سبحانه متصرفا آخر من التماثيل الباطلة والاظلال الهالكة العاطلة تعنتا وعنادا مع ان ما يسمونه أولئك الجاهلون آلهة سواه سبحانه ويسندون الأمور إليهم مكابرة ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ يعنى ليس لهم وفي وسعهم ان يتصرفوا في قشرة رقيقة ملتفة على ظهر النواة وهذه مثل في القلة عند العرب فكيف في غيره إذ الألوهية مسبوقة بوجوب الوجود والصفات الكاملة الذاتية والأسماء الحسنى السنى التي لا تعد ولا تحصى وليس لهؤلاء الاظلال الهلكى وجود في أنفسها ومن اين يتأتى منهم الألوهية وتتيسر لهم بل هم من ادنى الممكنات وأدون المكونات لكونها جمادات لا شعور لها أصلا بحيث إِنْ تَدْعُوهُمْ وتلتجئوا نحوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ إذ ليس لهم قابلية السماع والاستماع وَلَوْ سَمِعُوا يعنى لو فرض انهم سمعوا على سبيل فرض المحال مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ إذ ليس لهم القدرة والارادة والأوصاف الكاملة اللازمة للالوهية والربوبية وَهم مع عدم نفعهم إياكم ايها الجاهلون يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ وينكرون بِشِرْكِكُمْ واشراككم واتخاذكم إياهم شركاء مع الله وهم يتبرّءون عنكم وأنتم عنهم وَبالجملة لا يُنَبِّئُكَ ولا يخبرك ايها المخاطب النبيه الفطن ان كنت من ذوى الهداية والرشد بأحوال النشأة الاخرى وما سيجرى بينهم وبين شركائهم من براءة كلا الجانبين والملاعنة مِثْلُ خَبِيرٍ وهو الله العليم الحكيم الذي لا يعزب عن احاطة حضرة علمه المحيط مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء لا في الاولى ولا في الاخرى وعنده مفاتيح عموم الغيوب ومقاليد جميع الأمور لا يعلمها الا هو. ثم نادى سبحانه عموم عباده على سبيل الاستغناء عنهم وعن أعمالهم وعن محامدهم واثنيتهم الجارية على ألسنتهم فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ الناسون عهود الله ومواثيقه التي واثقتم بها مع ربكم مع انكم تنسون نعمه وتذهلون عن حقوق كرمه اعلموا انكم أَنْتُمُ الْفُقَراءُ المحتاجون بالذات المقصورون على الافتقار إِلَى اللَّهِ الذي أظهركم من كتم العدم ولم تكونوا شيأ مذكورا ورباكم بأنواع النعم سيما العقل المفاض الذي هو مذكركم عن مبدئكم ومنشئكم فلم لم تشكروا نعمة مبدعكم ومربيكم ايها الغافلون الجاهلون مع انكم دائما محتاجون اليه وَاللَّهُ المنزه بذاته عن شكر الشاكرين وطاعة المطيعين وكذا عن كفر الكافرين وعصيان العاصين هُوَ الْغَنِيُّ المنحصر على الغنى الذاتي بحيث لا احتياج له ولا استكمال أصلا إذ كمالاته سبحانه كلها بالفعل بحيث لا ترقب في كمالاته المترتبة على شئونه مطلقا الْحَمِيدُ المحمود في نفسه على الوجه الذي يليق بشأنه إذ لا يأتى عن السنة مصنوعاته الحمد الحقيق بذاته وانما أظهركم ايها الاظلال الهالكة بمقتضى لطفه وجماله لتواظبوا على عبادته وعرفانه كي تصلوا الى زلال توحيده مترقين صاعدين من حضيض الإمكان الى أوج الوجوب الذاتي علما وعينا وحقا فأنتم تتكاسلون وتتمايلون الى اهوية انفسكم البهيمية ومشتهيات قويكم البشرية اما تخافون وما تتأملون ايها المغرورون إِنْ يَشَأْ سبحانه يُذْهِبْكُمْ عن قضاء البروز بالمرة الى خفاء الكمون وَيَأْتِ بدلكم بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وبمخلوق سواكم تتميما لحكمة العبادة والمعرفة وَاعلموا ايها الهالكون في تيه الغفلة انه ما ذلِكَ التبديل

стр. 766

والإتيان عَلَى اللَّهِ القادر المقتدر على اظهار جميع ما لاح عليه برق علمه وارادته بِعَزِيزٍ مشكل متعذر بل عنده وبجنب سرعة نفوذ قضائه سهل يسير وَبعد ما قد عرفتم قدرة الله وسمعتم كمال استغنائه فلكل منكم الإتيان بمأموراته والاجتناب عن منهياته إذ لا تَزِرُ ولا تحمل نفس وازِرَةٌ آثمة عاصية وِزْرَ نفس عاصية أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ وتطلب نفس مُثْقَلَةٌ بالأوزار والمعاصي إِلى حِمْلِها اى حمل بعض من الأوزار المحمولة عليها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ يعنى لا يحمل احد شيأ من أوزاره وان رضى بحملها لا يحمل عليها بمقتضى العدل الإلهي وَلَوْ كانَ المدعو للحمل ذا قُرْبى اى من قرابة الداعي بل كل واحدة من النفوس يومئذ رهينة بما قد اقترفت من المعاصي ما حملت هي الا عليها وما حوسبت بها الا هي. ثم قال سبحانه مخاطبا لحبيبه ﷺ في شأن عباده إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ يعنى ما يفيد انذاراتك التي قد تلوت أنت يا أكمل الرسل على هؤلاء الغفلة الغواة الا القوم الذين يخافون من الله ومن عذابه حال كونهم غائبين عنه سامعين له خاشعين من نزوله خائفين من حلوله بغتة وَمع ذلك قد أَقامُوا الصَّلاةَ المأمورة المقربة لهم الى جناب قدسه مخلصين فيها مطهرين نفوسهم عن الميل الى ما سوى الحق وَبالجملة مَنْ تَزَكَّى وطهر نفسه عن الميل الى البدع والأهواء فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ إذ نفع تزكيته عائد اليه مفيد له في أولاه وأخراه وَبعد تزكيته عن لوازم بشريته ومقتضيات بهيميته العائقة عن الوصول الى مبدأ فطرته إِلَى اللَّهِ المنزه عن مطلق النقائص المبرى عن جملة الرذائل الْمَصِيرُ اى المنقلب والمآب يعنى مرجع الكل اليه ومقصده دونه سبحانه ومثواه عنده وَلكن ما يَسْتَوِي في القرب والرتبة بالنسبة اليه سبحانه الْأَعْمى الغافل الجناهل عن كيفية الرجوع والتوجه وَالْبَصِيرُ العارف العالم بأمارات الصعود والعروج وَلَا الظُّلُماتُ المتراكمة المتكاثفة بعضها فوق بعض ألا وهي ظلمة الطبيعة وظلمة الهيولى وظلمة التعينات والهويات الممتزجة المتكاثفة بالامنية الامكانية بحيث تصير حجابا غليظا وغشاء كثيفا يعمى ابصار المجبولين على الأبصار والاستبصار والعبرة والاعتبار على مقتضى الشئون القهرية الجلالية وَلَا النُّورُ المتشعشع المتجلى من وحدة الذات حسب شئونه باللطفية الجمالية وَلَا الظِّلُّ الإلهي المروح لأرواح ارباب المحبة والولاء بنفحات نسمات انواع الفتوحات والكرامات وَلَا الْحَرُورُ اى السموم المهلكة المنتشئة من فوحان الأماني الامكانية الممتزجة بيحموم الطبيعة المتصاعدة من ابخرة الاهوية الفاسدة ونيران الشهوات الملتهبة الموقدة لحطب اللذات الوهمية المورثة من القوى البهيمية وَبالجملة ما يَسْتَوِي عند الله العليم الحكيم الْأَحْياءُ بحياة المعرفة والايمان واليقين والعرفان حياة ازلية ابدية سرمدية لا امر لها حتى تنقضي ولا حدوث لها حتى تنعدم وَلَا الْأَمْواتُ بموت الجهل والضلال وانواع الغفلة والنسيان الهالكين في زاوية الإمكان الخالدين في هاوية النيران بأنواع الخمول والخذلان وبالجملة إِنَّ اللَّهَ العليم الحليم المتقن في عموم أفعاله يُسْمِعُ ويهدى مَنْ يَشاءُ من عباده عناية لهم وامتنانا عليهم الى صراط توحيده وَما أَنْتَ يا أكمل الرسل بِمُسْمِعٍ هاد مرشد مَنْ فِي الْقُبُورِ يعنى انك لا تهدى من كان راسخا متمكنا في هاوية الجهل المركب وجحيم الإمكان وأجداث الغفلة والنسيان إذ هم مجبولون على الغواية الفطرية والجهالة الجبلية لا يتأتى لك هدايتهم وإرشادهم أصلا بل إِنْ أَنْتَ اى ما أنت يا أكمل الرسل إِلَّا نَذِيرٌ لهم من قبلنا فلك ان تبلغ عموم ما

стр. 767

أوحينا إليك من الإنذارات والوعيدات الهائلة الواردة منا إياهم ولا تجتهد في هدايتهم وقبولهم إذ ما عليك الا البلاغ وعلينا الحساب إِنَّا أَرْسَلْناكَ من كمال لطفنا معك ملتبسا بِالْحَقِّ الصدق المطابق للواقع داعيا لعموم عبادنا الى توحيدنا الذاتي بَشِيراً بما قد أعددنا لهم من المراتب العلية والمقامات السنية وَنَذِيراً عليهم ايضا بما أعددنا لهم من دركات النيران الموجبة لزفرات القلوب وحسرات الجنان وَارسالنا لك يا أكمل الرسل ليس ببدع منا بل إِنْ مِنْ أُمَّةٍ وما من فرقة وطائفة من الأمم السالفة إِلَّا قد خَلا ومضى فِيها نَذِيرٌ ينذرهم عما لا يعنيهم وَبعد ما قد سمعت يا أكمل الرسل ما سمعت إِنْ يُكَذِّبُوكَ أولئك الكفرة المصرون على الشرك والعناد وأنكروا بك وبكتابك لا تبال بهم وبانكارهم فَقَدْ كَذَّبَ الكفرة الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ اى من قبل هؤلاء المشركين رسلهم مع انه قد جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ المبعوثون إليهم مؤيدين مثلك بِالْبَيِّناتِ اى بالدلائل الواضحة المؤيدة بالمعجزات المثبتة لنبوتهم ورسالتهم كذا وَبِالزُّبُرِ والصحف المنزلة إليهم المشتملة على اصول اديانهم وبيان طريقهم وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ المظهر لسرائر التوحيد بحججه وبراهينه القاطعة وحكمه وأحكامه الساطعة آثارها مثل دلائل كتابك وشواهد معجزاتك ثُمَّ بعد ما قد كذبوا رسلهم وأنكروا كتبهم التي قد جاءوا بها من لدنا بمقتضى وحينا وأصروا على كفرهم وشركهم قد أَخَذْتُ بحسب عزتي وقدرتي وبمقتضى جلالي وهيبتي الَّذِينَ كَفَرُوا واعرضوا عن الحق مستكبرين مصرين على الباطل مستمرين فيه فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ إنكاري إليهم بالنسبة الى انكارهم الى وإهلاكي إياهم بحيث لم يبق منهم احد يخلفهم ويحيى اسمهم ورسمهم أَلَمْ تَرَ ايها الرائي أَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر بالقدرة الكاملة كيف أَنْزَلَ وأفاض مِنَ جانب السَّماءِ اى سماء الأسماء والصفات الذاتية ماءً محييا لأموات الأراضي المائتة الجامدة الباقية على صرافة العدم فَأَخْرَجْنا بِهِ اى بالماء المفاض المترشح من بحر الوجود بمقتضى الجود على ارض الطبيعة ثَمَراتٍ فواكه متنوعة من المعارف والحقائق والخواطف القدسية والواردات الغيبية المختطفة على قلوب ارباب المحبة والولاء حسب حالاتهم ومقاماتهم مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وكيفياتها علما وعينا وحقا وَمِنَ الْجِبالِ التي هي عبارة عن الأوتاد والأقطاب والبدلاء الوالهين بمطالعة ذات الله القابلين بفيضان مطلق الكرامات والفتوحات اللدنية الفائضة عليهم من مبدأ الفياض جُدَدٌ ذوو طرق وسبل موصلة الى كعبة الذات وعرفات الأسماء والصفات بِيضٌ مصفى في غاية الصفاء بلا خلط ومزج لها بألوان التعينات وإكدار الهويات أصلا وَبعضها حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها باختلاف مراتب قربهم وبعدهم عن المرتبة الاولى وَبعضها غَرابِيبُ سُودٌ متناه في السواد والظلمة بحيث لا يبقى فيها شائبة شبه بالمرتبة الاولى بل هي مباين لها مناقض إياها بحيث لا يبقى المناسبة بينهما أصلا. قيل يشير سبحانه بالجدد البيض الى طائفة الصوفية الذين هم قد صفوا بواطنهم عما سوى الحق من الأمور المنصبغة بصبغ الأكوان وألوان الإمكان وبالحمر المختلف الألوان الى طائفة المتكلمين الذين قد بحثوا عن ذات الله وصفاته متشبثين بالدلائل العقلية والنقلية الغير المؤيدة بالكشف والشهود المفيدة للظن والتخمين الا نادرا وبالغرابيب السود الى غلاة فرق الفقهاء وهم الذين قد كثفت حجبهم وغلظت اغشيتهم بحيث لم يبق في فضاء قلوبهم موضع يليق لقبول انعكاس اشعة أنوار الحق بل قد سودوها وصبغوها بلون الباطل المظلم

стр. 768

الى حيث أخرجوها عن فطرة الله التي فطر الناس عليها وَأخرجنا به ايضا اى بآثار تربية الماء واحيائها أموات الأراضي مِنَ النَّاسِ المنهمكين في الغفلة والنسيان وَالدَّوَابِّ المنسلخة من رتبة الإدراك والشعور المتعلق بالمبدأ والمعاد وَالْأَنْعامِ المشغوفة بتوفية اللذات الجسمانية والمشتهيات النفسانية مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ وكذا أجناسه وأنواعه واصنافه واشكاله وهيآته وبالجملة إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ ويخاف من بطشه مِنْ عِبادِهِ الذين قد ابدعهم الحق وأظهرهم من كتم العدم بافاضة رشاشات رشحات بحر وجوده الفائض عليهم بمقتضى جوده الْعُلَماءُ العرفاء بالله وبأوصافه الكاملة وأسمائه الحسنى الشاملة المتحققون بمرتبة التوحيد المنكشفون بسر سريان الوحدة الذاتية على عموم المظاهر إذ أخشى الناس من الله أعرفهم بشأنه ولذا قال النبي ﷺ انى أخشاكم لله وأتقاكم له وكيف لا يخشى العارفون العالمون منه سبحانه إِنَّ اللَّهَ المتردي برداء العظمة والكبرياء عَزِيزٌ غالب على انتقام من أراد انتقامه من عباده غَفُورٌ ذنوب من تاب الى الله ورجع نحوه عن ظهر القلب. ثم أشار سبحانه الى خواص عباده ونبههم على ما هو المقبول منهم عنده سبحانه من أعمالهم وأحوالهم وحثهم عليه امتنانا لهم فقال إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ المنزل على رسوله وَأَقامُوا الصَّلاةَ المفروضة المكتوبة لهم في الأوقات المحفوظة في كتاب الله وَأَنْفَقُوا طلبا لمرضاتنا مِمَّا رَزَقْناهُمْ وسقنا نحوهم من الرزق الصوري والمعنوي سِرًّا خفية من الناس اتقاء عن وصمة الرياء والسمعة ومن الفقراء المستحقين ايضا صونا لهم عن ان يتأذوا حين أخذهم وَعَلانِيَةً ايضا بعد ما اقتضى المحل إعلانه ولم يتأت منه الإخفاء يَرْجُونَ من الله بالافعال المذكورة تِجارَةً رابحة من الأحوال والمقامات لَنْ تَبُورَ اى لن تهلك ابدا ولن تفسد وتفنى أصلا وانما فعلوا ذلك لِيُوَفِّيَهُمْ ويوفر عليهم سبحانه أُجُورَهُمْ التي يستحقون بأعمالهم بها وَيَزِيدَهُمْ عليها مِنْ فَضْلِهِ ما لا يعد ولا يحصى من الكرامات امتنانا عليهم وتفضلا وكيف لا يوفيهم ويزيدهم سبحانه إِنَّهُ عز شأنه وجل برهانه غَفُورٌ في ذاته لفرطات عباده يغفر لهم عظيم ذنوبهم شَكُورٌ يقبل منهم يسير طاعاتهم التي قد أتوا بها مخلصين فكيف عسيرها وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل مِنَ الْكِتابِ الجامع بما في الكتب السالفة الحاوي بمعظمات اصول الدين هُوَ الْحَقُّ المنزل من عندنا المثبت في حضرة علمنا مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وكذا ما تقدم عليه من الكتب والصحف المنزلة من عندنا المبينة لحكمنا وأحكامنا وبالجملة إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ مطلع بجميع أقوالهم وأحوالهم وأفعالهم الظاهرة والباطنة حتى ما جرى في استعداداتهم وقابلياتهم بَصِيرٌ بما جرى وسيجرى عليهم في أولاهم وأخراهم ثُمَّ بعد ما قد اصطفيناك يا أكمل الرسل للرسالة العامة وأيدناك بانزال القرآن المعجز الموجز المشتمل على عموم فوائد الكتب السالفة مع زيادات خلا عنها الكل قد أَوْرَثْنَا الْكِتابَ المنزل إليك وابقيناه بعدك بين القوم الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا واخترناهم بإرسالك إليهم وبعثتك بينهم فجعلناهم في اقتباس نور الهداية والتوحيد من مشكاة النبوة والرسالة الختمية الخاتمية المحمدية الحاوية لمراتب عموم الرسل الذين مضوا قبله ﷺ أصنافا ثلاثة فَمِنْهُمْ من كمال شوقهم الى مبدئهم الأصلي وغاية تحننهم نحو الفطرة الجبلية التي فطر الناس عليها في بدء الأمر ظالِمٌ لِنَفْسِهِ البشرية بحيث يمنع عنها جميع حظوظها النفسانية ومقتضيات قواها الجسمانية بحيث قد

стр. 769

اتصل بعضهم من كمال احتمائه ومنع نفسه عن مقتضياتها البهيمية بالملإ الأعلى قبل انقراض النشأة الاولى ألا وهم شطار الأولياء وهم الذين قد صرفوا هممهم العالية بالوصول الى مبدئهم الأصلي وموطنهم الحقيقي بلا التفات منهم الى ما سواه مطلقا وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ معتدل مائل عن كلا طرفي الإفراط والتفريط بحيث لا يمنع نفسه عن ضرورياتها المقومة لها ولا يكثرها عليها بل يمنعها عن الزيادة على الضروري في عموم الحوائج وبالجملة يقتصد على وجه الاعتدال في عموم الأعمال والأفعال والأقوال وجميع الأحوال ألا وهم الأبرار الأخيار من الأولياء المستوين على صراط الاستقامة والاعتدال بلا عوج وانحراف وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ مواظب على الطاعات مشمر ذيل جده وجهده دائما بالأعمال الصالحات وفواضل الصدقات والانفاق على طلب المرضات للفقراء المهاجرين عن بقعة الإمكان السائرين نحو سبيل الوجوب المنصرفين عن الدنيا وما فيها من اللذات والشهوات بِإِذْنِ اللَّهِ وعلى مقتضى ما قد ثبت في كتابه ونطق به لسان رسوله ألا وهم الأخيار المحسنون من الأولياء وان كان لهم ميل الى مزخرفات الدنيا الا انهم ما يقصدون بها ومنها الا وجوه الخيرات والمبرات وبالجملة ذلِكَ الإيراث والتوريث والإعطاء والاصطفاء هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ من الله إياهم في أولاهم والفوز العظيم والنوال الكريم لهم في أخراهم. جعلنا الله من خدامهم ومحبّيهم ومقتفى أثرهم ومن جملة فضل الله إياهم في أخراهم جَنَّاتُ عَدْنٍ معدة لهم نزلا ومنزلا من عند الله يَدْخُلُونَها فرحين مسرورين آمنين فائزين شاهدين فيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر يُحَلَّوْنَ فِيها تزينا وتفضلا مِنْ أَساوِرَ جزاء ما اقترفوا بأيديهم من الحسنات متخذة مِنْ ذَهَبٍ خالص في مقابلة إخلاصهم في أعمالهم وَيحلون ايضا لُؤْلُؤاً من انواع اللئالئ بدل ما يتقون ويحفظون أنفسهم من الميل إليها في نشأتهم الاولى وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ بدل ما يلبسون من الخشن في سبيل المجاهدة والسلوك نحو الحق في النشأة الاولى وَبعد ما قد وصلوا الى مقام القرب بل اتصلوا بعد رفع انانياتهم وهوياتهم الباطلة عن البين الى ما اتصلوا ووصلوا قالُوا بألسنة استعدادتهم موافقة لقلوبهم بعد ما عدوا نعم الله الفائضة عليهم وأخذوا بأداء حقوقها الْحَمْدُ اى جنس الحمد والثناء الشامل لمحامد عموم الحامدين قولا وفعلا حالا ومقالا مختص لِلَّهِ المستحق بالاستحقاق الذاتي والوصفي الَّذِي أَذْهَبَ وأزال عَنَّا الْحَزَنَ المورث لنا من لوازم انانياتنا وتعيناتنا المورثة من إمكاننا إِنَّ رَبَّنا الذي ربانا بأنواع الكرامة ونجانا عن مضيق الإمكان المورث لانواع الخذلان والحرمان لَغَفُورٌ لذنوب انانياتنا شَكُورٌ يقبل عنا أعمالنا التي يقربنا الى فضاء وحدته حسب توفيقه وتأييده إذ هو القادر المقتدر الَّذِي أَحَلَّنا وأقامنا حسب فضله ولطفه دارَ الْمُقامَةِ ومنزل الاقامة والخلود مِنْ فَضْلِهِ بنا ولطفه معنا بلا موجب منا يوجب لنا ولا يجب ايضا عليه سبحانه ايصالنا إليها آمنين مترفهين بحيث لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ تعب وعناء مثل ما قد مسنا في دار الابتلاء وَايضا لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ فترة وكلال تعقب الوصب والنصب قد نفى سبحانه اللازم بعد نفى الملزوم مبالغة وتأكيدا. ثم اردف سبحانه وعد المؤمنين بوعيد الكافرين على مقتضى سنته المستمرة في كتابه فقال وَالَّذِينَ كَفَرُوا بالله واعرضوا عن كتبه ورسله وأنكروا بالبعث والحشر واعادة المعدوم لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ معدة مسعرة ليعذبوا بها في النشأة الاخرى تعذيبا شديدا بحيث لا يُقْضى ولا يحكم عَلَيْهِمْ بالموت من عنده سبحانه

стр. 770

فَيَمُوتُوا ليستريحوا بل كلما قد أشرفوا على الهلاك يعادوا نحو الحياة ويعذبوا باشد من الذي مضى وَبالجملة لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها ابدا ولا يمهلون ساعة حتى يتنفسوا بل صاروا معذبين على التعاقب والتوالي ابدا بلا فرجة وخفة كعذاب أبناء الدنيا في دار الحرمان بنيران الإمكان بحيث يستوعب عموم أوقاتهم وأزمانهم ولا يسع لهم النفس والتفرج أصلا كَذلِكَ مثل ما نجازي أولئك المصرين على الكفر والعناد نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ لحقوق نعمنا منكر بمقتضيات جودنا وكرمنا وَهُمْ من شدة فزعهم وهولهم يَصْطَرِخُونَ فِيها ويستغيثون من الله صارخين متحسرين قائلين من كمال الضجرة والحسرة رَبَّنا يا من ربانا بأنواع اللطف والكرم فكفرنا بك وأعرضنا عنك وعن كتبك ورسلك أَخْرِجْنا واعدنا منها الى الدنيا كرة نَعْمَلْ صالِحاً مقبولا عندك مرضيا لديك غَيْرَ العمل الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فيها عنادا ومكابرة فالآن قد ظهر لنا الحق وبطلان ما قد كنا نعمل من الأعمال الفاسدة الغير المطابقة لكتبك ودين رسلك فلو أخرجتنا منها واعدتنا إليها لآمنا بك وبكتبك ورسلك وصدقنا بعموم ما جاءوا به من عندك وبعد ما قد تمادوا وتطاولوا في بث الشكوى قيل لهم من قبل الحق على سبيل التوبيخ والتقريع أَتطلبون المهلة منا وتستمهلون عنا وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ونمهلكم ايها المسرفون المفرطون في الدنيا زمانا طويلا بحيث يسع فيه جميع ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ قد أعطيناكم وقتا وسيعا وزمانا طويلا يسع فيه انواع التذكر والتيقظ بالنسبة الى من كان بصدد التذكر والتنبه ألا وهو من وقت البلوغ الى ستين سنة غالبا وَأنتم لم تتذكروا في تلك المدة لا من تلقاء انفسكم مع انكم مجبولون على فطرة التذكر ولا من ارشاد مرشد مذكر وتنبيه منيه نبيه إذ قد جاءَكُمُ النَّذِيرُ المنذر لكم عن أمثال ما أنتم عليه الآن فأنكرتم له ولم تتذكروا ايضا بقوله حتى ظهر عليكم امارات الشيب المخبر للرحيل الى السفر الطويل ومع ذلك لم تتزودوا له فالآن قد انقضى وقت التذكر والتدبر ومضى أوان التدارك والتلافي وقد أخذتم بشؤم ما اقترفتم من الكفر والعصيان أتطلبون العود والخروج هيهات هيهات ان وقت التلافي والتفقد قد فات فَذُوقُوا العذاب المخلد بدل تلك اللذات الوهمية الفانية وبالجملة فَما لِلظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضيات الحدود الإلهية مِنْ نَصِيرٍ ينصرهم في رفع العذاب او يشفع لهم عند الله لتخفيفه عنهم بل هم خالدون مخلدون في النار ابد الآباد لا سبيل لنجاتهم أصلا. ربنا نجنا عن سخطك وغضبك وأحينا وأمتنا حسب ارادتك ورضاك وارزقنا بلطفك لقياك انك على ما قد نشاء قدير وبرجاء المؤمنين جدير وكيف يسع لاحد من المخلوقات ان يشفع عنده سبحانه لعصاة عباده او ينصرهم في الانقاذ عن عذابه بعد ما ثبت جرائمهم في حضرة علمه وتعلق ارادته بأخذهم على ظلمهم إِنَّ اللَّهَ المطلع على عموم ما لاح عليه برق الوجود عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ اى بواطن ما في العلويات وَالْأَرْضِ اى بواطن ما في السفليات ايضا وكيف يخفى عليه سبحانه ما في سرائر عباده وضمائرهم إِنَّهُ سبحانه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اى بعموم مكنونات الصدور ومضمراتها بل بجميع ما في استعداداتهم وقابلياتهم مطلقا لأنه المراقب لهم حسب حالاتهم وتطوراتهم فكيف تغفلون عنه سبحانه وتذهلون عن تذكره ايها الغافلون مع انه سبحانه هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ عن ذاته وأظهركم على صورته واعطاكم التصرف فِي الْأَرْضِ وقد سلطكم على عموم ما عليها وسخر لكم جميع ما فيها من المواليد والأركان تكريما لكم وتتميما

стр. 771

لخلافتكم وبعد ما قد فعل بكم سبحانه من انواع الكرم والإفضال وحسن الفعال ما فعل فَمَنْ كَفَرَ واعرض عن الايمان به سبحانه وبكتبه ورسله وبما جرى في لوح قضائه المحفوظ وحضرة علمه المحيط فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ اى يحمل عليه وبال كفره واعراضه وينتقم عنه سبحانه على مقتضاه بلا لحوق شين وعيب عليه سبحانه إذ هو في ذاته منزه عن ايمان عباده وكفرهم بل وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ وإصرارهم على الشرك واستنكافهم عن الايمان بالله وبالكتب والرسل عِنْدَ رَبِّهِمْ المطلع على سرائرهم وضمائرهم إِلَّا مَقْتاً غضبا وسخطا شديدا منه سبحانه إياهم وطرد الهم عن ساحة عز القبول وَبالجملة لا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ وشركهم في النشأة الاولى إِلَّا خَساراً نقصانا وحرمانا لهم في النشأة الاخرى عما أعد للمؤمنين من انواع الكرامات السنية والمقامات العلية لا خسران أعظم منه قُلْ يا أكمل الرسل للمشركين تقريعا لهم وتبكيتا بعد ما قد سجلنا عليهم المقت والطرد وانواع الخسران والخذلان أَرَأَيْتُمْ وابصرتم ايها المجبولون على الغواية والعناد شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ وتدّعون آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ مشاركين له سبحانه في الألوهية والربوبية انهم متصفون بالخلق والإيجاد أحيانا أَرُونِي وأخبروني ايها المكابرون المعاندون ماذا خَلَقُوا واوجدوا مِنَ الْأَرْضِ يعنى أى شيء خلق أولئك الهلكى في الأرض بالاستقلال والاختيار حتى يتصفوا بالالوهية أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ يعنى أروني ايضا هل لهم مشاركة مع الله فِي السَّماواتِ اى في خلقها وإبداعها أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً يعنى هل أنزلنا عليهم في حقهم وشأنهم كتابا دالا على مشاركتهم معنا في الألوهية والربوبية فَهُمْ اى أولئك المدعون المكابرون مطلعون فائزون عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ اى حجج ودلائل واضحة من الكتاب دالة على شركة أولئك التماثيل العاطلة مع العليم القدير الحكيم الخبير وظاهر انه ما انزل إليهم كتاب كذلك بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ وليس الباعث لهم في ادعاء الشرك أمثال هذه المذكورات من الدلائل العقلية او النقلية بل لا باعث لهم سوى الوعد الكاذب الذي يعد به بَعْضُهُمْ بَعْضاً وبالجملة ما يعد الظالمون الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية بعضهم بعضا إِلَّا غُرُوراً تلبيسا وتغريرا من الشرفاء بالأراذل منهم والرؤساء بالضعفاء وتزويرا من اصحاب الثروة على ذوى الأحلام السخيفة منهم حفظا لجاههم ورئاستهم وبالجملة الله المطلع لجميع حالات عباده يعلم تغريرهم وتلبيسهم ويمهلهم ولا يعاجل بالانتقام عنهم لكمال حلمه وكيف لا إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء يُمْسِكُ ويضبط السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ويمنعهما من أَنْ تَزُولا بشرك المشركين وافترائهم على الله بإثبات الشركاء له سبحانه وبشؤم عصيانهم وفسوقهم فيما بينهم وَلَئِنْ زالَتا ولم يمسكهما سبحانه إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ يعنى ما أمسكهما عن الزوال احد من بعد الله سبحانه لكنه سبحانه قد أمسكهما ولم يعاجل بانتقام عصاة عباده إِنَّهُ سبحانه قد كانَ في ذاته حَلِيماً لا يعاجل بالانتقام عند ظهور الجرائم والآثام غَفُوراً لمن تاب عنها وأناب الى الله مخلصا ومن كمال حلم الله امهاله على المستوجبين بأنواع المقت والانتقام سيما بعد ما عهدوا مع الله ونقضوا عهودهم وَذلك ان كفار قريش خذلهم الله قد أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يعنى اجتهدوا في توكيدها وبالغوافى تغليظها قبل بعثة النبي ﷺ حين سمعوا ان من اهل الكتاب قوما قد كذبوا رسلهم وأنكروا عليهم ولم يقبلوا من الرسل قولهم ودعوتهم مقسمين بالله لَئِنْ جاءَهُمْ يعنى قريشا

стр. 772

نَذِيرٌ مرسل من عند الله ينذرهم عما لا يعنيهم ويرشدهم الى ما يعنيهم لَيَكُونُنَّ في الإطاعة والانقياد للنبي النذير البشير أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ اى كل واحد منا اهدى وارشد من كل واحد واحد من النصارى واليهود وغيرهم من الأمم قد واثقوا عهودهم مع الله على ذلك فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ وبشير اى نذير واى بشير هو أكمل من سائر المرسلين المبشرين المنذرين وأفضل منهم يعنى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ما زادَهُمْ مجيئته وبعثته ﷺ إِلَّا نُفُوراً نفرة عن الحق واعراضا عن اهله وتباعدا عن قبول قوله ودعوته وانما أنكروا له واعرضوا عنه وعن دينه ﷺ اسْتِكْباراً يعنى قد طلبوا بالإعراض والانصراف ان يظهروا ويحدثوا كبرا وخيلاء فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ يعنى قد طلبوا ان يمكروا به المكر السيئ واصل التركيب هذا فعدل الى صورة المضاف الى السيئ اتساعا تأكيدا ومبالغة والمكر السيئ عبارة عن كل عمل قبيح قد صدر عنهم او الشرك او ارادة قتله ﷺ قال ﷺ لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فان الله يقول وَلا يَحِيقُ اى لا يحل ولا يحيط الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ الا وهو الماكر فلحق وبال الشرك للمشركين وكذا وبال كل قبيح ومكروه عائد الى فاعله فَهَلْ يَنْظُرُونَ ما يمهلون وينتظرون أولئك المشركون يعنى اهل مكة خذلهم الله إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ يعنى سنة الله فيهم بان عذب سبحانه مكذبيهم ومصريهم على الإنكار والتكذيب وبعد ما قد ثبت في علم الله المحيط وكذا في لوح قضائه المحفوظ تعذيبهم فلا بد ان يقع حتما فَلَنْ تَجِدَ أنت يا أكمل الرسل لِسُنَّتِ اللَّهِ وهي نزول العذاب على المكذبين تَبْدِيلًا ان تعلق مشيته به وثبت في لوح قضائه إذ لا يبدل الحكم دونه سبحانه وَايضا لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا بان ينتقل عذاب المكذبين العاصين الى المصدقين المطيعين المنزهين عن العصيان والطغيان أَينكرون سنة الله في الأمم الماضية الهالكة بتعذيب الله إياهم بسبب تكذيب الرسل والإنكار عليهم وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا بنظرة العبرة والاستبصار كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ القوم الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ مكذبين لرسلهم وَالحال انهم قد كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ اى من هؤلاء المكذبين لك يا أكمل الرسل قُوَّةً وقدرة واكثر عددا وعددا وشوكة وأموالا واولادا وَمع ذلك ما كانَ اللَّهُ المتعزز برداء العز والعلاء المطلع على عموم ما جرى في ملكه من الأشياء لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ بان يفوت عنه شيء حقير او يعزب عن حضرة علمه المحيط ذرة يسيرة لا فِي السَّماواتِ اى العلويات وَلا فِي الْأَرْضِ اى السفليات وكيف يفوت عن خبرته سبحانه شيء إِنَّهُ في ذاته قد كانَ عَلِيماً لا يعزب عن حضرة علمه المحيط شيء قَدِيراً على اظهار ما في خزانة علمه بلا فترة وفتور وقصور وفطور وَمن كمال علم الله على عباده ونهاية رأفته ورحمته معهم هذا لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ المطلع بجميع ما جرى في ملكه من الجرائم الموجبة للاخذ والانتقام النَّاسَ الذين كلفوا من عنده بترك الجرائم والآثام المانعة من الوصول الى المبدأ الحقيقي بِما كَسَبُوا وبشؤم ما اقترفوا لأنفسهم من المعاصي التي قد منعوا عنها ما تَرَكَ سبحانه البتة عَلى ظَهْرِها اى على ظهر الأرض مِنْ دَابَّةٍ متحركة من المكلفين عليها غير مأخوذة بجرم بل بجرائم كثيرة عظيمة إذ قلما ما يخلو انسان عن طغيان ونسيان وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ اى يؤخر سبحانه أخذهم ويمهلهم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معين مقدر للاخذ والانتقام ألا وهو يوم القيامة فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ الموعود المعين عند الله المعلوم له سبحانه

стр. 773

فقط بلا افشاء واطلاع لاحد من أنبيائه ورسله أخذوا حينئذ بما اقترفوا من الجرائم والمعاصي بلا فوت شيء منها فَإِنَّ اللَّهَ المراقب المحافظ على عموم ما جرى في ملكه وملكوته قد كانَ بِعِبادِهِ في جميع اوقات وجودهم بل باستعداداتهم وقابلياتهم وما جرى عليهم فيها بَصِيراً شهيدا مطلعا يجازيهم بمقتضى بصارته وخبرته بأعمالهم ونياتهم فيها. ربنا أصلح لنا عواقب أمورنا ويسر علينا كل عسير خاتمة سورة الفاطر عليك ايها السالك المتشمر لاعداد زاد يوم المعاد وفقك الله على إتمامه ان تلف شملك وتجمع همك المركوز الى الآخرة التي هي دار الخلود والقرار وتجتهد في رفع الموانع ودفع الشواغل العائقة عن هذا الميل فلك ان تنقطع عن مطلق مألوفاتك ومشتهياتك التي هي اسباب الأخذ والبطش وانواع العقاب والعتاب الإلهي وتنخلع من لوازم تعيناتك المشتملة على انواع الفتن واصناف المحن حسب ما يسر الله عليك معرضا عن الدنيا الدنية ومستلذاتها البهيمية ومشتهياتها الشهية إذ لا قرار لها ولا مدار لما يترتب عليها بل كلها فان زائل وباطل بلا طائل مورث لانواع الحسرات في النشأة الاولى ولأشد العذاب والزفرات في النشأة الاخرى والمؤيد من عند الله بالعقل المفاض المميز بين الصلاح والفساد وبين الفاني والباقي المرشد الهادي نحو فضاء التوحيد وبالجملة المتفطن المتذكر اللبيب الأريب كيف يختار الفاني على الباقي واللذات الجسمانية الزائلة سريعا الجالبة للاخزان الطويلة على اللذات الروحانية القارّة المستتبعة للحالات العلية والمقامات السنية التي لا يعرضها انقراض ولا انقضاء ولا نفوذ ولا انتهاء. رب اختم بفضلك عواقب أمورنا بالخير والحسنى انك على ما تشاء قدير وبرجاء الراجين جدير [سورة يس] فاتحة سورة يس لا يخفى على من ترقى عن حضيض الجهل واودية الضلال الى أوج المعرفة وفضاء الوصال ومن مهاوي الإمكان واغوار التعينات المقتضية لانواع الانحرافات والضلالات الى استقامة الحالات وارتفاع المقامات وعلو الدرجات في سبيل السعادات ونيل المرادات ومن دركات التلون وظلمات التقليد الى درجات اليقين ونور التوحيد ومقر التمكين والتقرر فيه بلا تذبذب وتزلزل ان الوصول والنيل الى مقعد الصدق الذي هو مقصد ارباب المحبة الخالصة والمودة الصادقة انما هو بالاستقامة والاعتدال في عموم الأوصاف والأفعال مائلا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط المذمومين عقلا وشرعا بحيث لا يبقى له انحراف عن صراط الله الأقوم الأعدل ليتيسر له التحقق في مرتبة التخلق بأخلاقه واللياقة برتبة النيابة واخلافه وأكمل المتخلقين وأليقهم للخلافة نبينا ﷺ لذلك ختم بعثته ﷺ امر الرسالة والنبوة وتم به ﷺ مكارم الأخلاق ولم يبق بعثته ﷺ شائبة شبهة في توحيد الذات وسقوط عموم الإضافات ولهذا قد اضمحل دون ظهور شرعه ﷺ جميع الرسوم والعادات لذلك أشار سبحانه الى كمال مرتبته الجامعة بجميع المراتب وخاطبه خطاب تعظيم وتكريم بعد ما تيمن باسمه الجامع لجميع الأسماء والصفات فقال بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى على حبيبه ﷺ باسمه الجامع الرَّحْمنِ على عموم عباده بإرساله ﷺ إليهم وبعثه عليهم الرَّحِيمِ عليه ﷺ حيث جعله مستويا على صراط مستقيم هو صراط توحيده الذاتي [الآيات] يس يا من تحقق بينبوع بحر

стр. 774

اليقين وسبح فيه سالما عن الانحراف والتلوين وَحق الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ المحكم نظمه وأسلوبه المتقن معناه وفحواه إِنَّكَ يا أكمل الرسل وخاتم الأنبياء المبعوث الى كافة البرايا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ المتمكنين عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى التوحيد الذاتي بلا عوج وانحراف وكيف لا يكون القرآن العظيم حكيما مع انه تَنْزِيلَ اى منزل من عند الْعَزِيزِ الغالب القادر على جميع المقدورات على الوجه الأحكم الأبلغ الرَّحِيمِ في انزاله على الأنام ليوقظهم عن نوم الغفلة ونعاس النسيان انما انزل الحكيم المنان عليك يا أكمل الرسل هذا القرآن لِتُنْذِرَ أنت قَوْماً لم يبعث فيهم نذير من قبلك بل ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ الأقربون ايضا إذ هم ليسوا من اهل الكتاب وتابعي الملة لتمادى مدة فترة الرسل بعد عيسى صلوات الله عليه وسلامه او المعنى لتنذر قوما بالذي انذر به آباؤهم الأبعدون وبعد ما قد تطاول ايام الفترة انقطع عنهم اثر الإنذار وصار كأن لم يكن شيأ مذكورا وبالجملة فَهُمْ غافِلُونَ اى القوم الذين قد أرسلت إليهم يا أكمل الرسل ذاهلون عن الإنذار والمنذر بل عن مطلق الرشد والهداية إذ هم متولدون في زمان فترة الرسل وكيف لا ينذرهم سبحانه ولا يرسل إليهم من يصلح أحوالهم لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ وسبق الحكم من الله ومضى القضاء منه سبحانه عَلى أَكْثَرِهِمْ اى اكثر اهل مكة بالكفر والعذاب وعدم الوصول الى خير المنقلب والمآب وبعد ما قد ثبت في حضرة علمه سبحانه كفرهم وضلالهم فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بالله ولا يصدقون برسوله وكتابه أصلا وكيف يؤمنون أولئك المصرون على الكفر والعناد المقضيون المحكومون عليهم من لدنا بالشقاوة الازلية إِنَّا بمقتضى قهرنا وجلالنا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ التي هي سبب التفاتهم وتمايلهم نحو الحق وآلة انعطافهم للاطاعة والانقياد بالدين القويم أَغْلالًا وصيرناهم مغلولين من الأيدي الى الأعناق بحيث لا يمكنهم الطأطأة والانخفاض أصلا ولا بد للتدين والانقياد من التذلل والخشوع وكيف يمكنهم هذا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ اى اغلالهم منتهية الى لحيهم فَهُمْ مُقْمَحُونَ رافعون رؤسهم مضطرون برفعها بسبب تلك الأغلال الضيقة بحيث لا يسع لهم الالتفات يمنة ويسرة وفوقا وتحتا ألا وهي أغلال الأماني والآمال وسلاسل الحرص والطمع لمزخرفات الدنيا الدنية وما يترتب عليها من اللذات الوهمية والشهوات البهيمية بل وَجَعَلْنا لهم من كمال غضبنا إياهم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ اى قدامهم سَدًّا حجابا كثيفا وَمِنْ خَلْفِهِمْ ايضا سَدًّا غطاء غليظا فصاروا محفوفين بين الحجب الكثيرة المانعة عن ابصار نور الهداية والتوحيد وبالجملة فَأَغْشَيْناهُمْ اى قد اعمينا عيون بصائرهم وأبصارهم التي هي سبب رؤية الآيات ودرك الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ الشواهد الظاهرة والآيات الباهرة حتى ترشدهم الى الهداية والايمان فحرموا عن قبول الحق وانصرفوا عن صراطه فهلكوا في تيه الغواية والضلال. أعاذنا الله وعموم عباده عن ذلك وَبعد ما قد سجلنا عليهم الكفر وحكمنا بشقاوتهم حكما مبرما لا يفيدهم إنذارك يا أكمل الرسل وارشادك إياهم بل سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بك وبدينك وكتابك أصلا إذ قد ختمنا نحن على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة غليظة مانعة عن قبول الحق والتذكر به وابصار علاماته وبالجملة هم مقضيون في سابق علمنا ولوح قضائنا بالعذاب الأليم والضلال البعيد فلا تتعب نفسك يا أكمل الرسل في هدايتهم وإرشادهم انك لا تهدى من أحببت من قرابتك وارحامك ولكن الله يهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ان الله عليم بما يصنعون من الكفر والإصرار

стр. 775

إِنَّما تُنْذِرُ أنت ويقبل منك الإنذار المصلح والإرشاد المفيد مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ اى سمع القرآن سمع قبول بتوفيق من لدنا وامتثل بأوامره ونواهيه عن تدرب تام وتأمل صادق واتعظ بتذكيراته عن تيقظ خالص واعتبر عن عبره وأمثاله وَمع ذلك خَشِيَ الرَّحْمنَ اى خاف عن قهره وانتقامه واجتنب عن سخطه وغضبه ملتبسا بِالْغَيْبِ اى قبل نزول العذاب وحلوله معتقدا انه سبحانه قادر على عموم انواع الانتقامات فَبَشِّرْهُ يا أكمل الرسل هذا السامع المتدرب بعد ما قد سمع بالآيات سمع قبول ورضى وامتثل بما فيها مخلصا خالصا خائفا راجيا بِمَغْفِرَةٍ لفرطاته المتقدمة وَأَجْرٍ كَرِيمٍ لأعماله الصالحة الخالصة بلا فوت شيء منها بل بأضعافها وآلافها عناية منا إياه وتفضلا عليه وكيف يفوت عن احاطة علمنا شيء من حقوق عبادنا إِنَّا من مقام عظيم جودنا وكمال قدرتنا نَحْنُ نُحْيِ ونهدي حسب اقتضاء تجلياتنا اللطفية الجمالية الْمَوْتى الهلكى الهالكين بموت الجهل والضلال التائهين في بيداء الوهم والخيال حيارى وسكارى مدهوشين محبوسين مسجونين في مضيق الإمكان بحياة العلم والايمان والتوحيد والعرفان وَنَكْتُبُ في لوح قضائنا وحضرة علمنا جميع ما قَدَّمُوا واسلفوا لأنفسهم من خير وشر وحسنة وسيئة بحيث لا يشذ منها شيء لنجازيهم بها على مقتضاها وَنكتب ايضا آثارَهُمْ من السنن المستحسنة والأخلاق المحمودة والآداب المرضية المقبولة وكذا ايضا مما سنوا ووضعوا من أسوأ العادات واخس الأخلاق وأقبحها وَبالجملة كُلَّ شَيْءٍ صدر ويصدر عن عبادنا قد أَحْصَيْناهُ وفصلناه بحيث لا يشذ عن حيطة احصائنا وتفصيلنا شيء من نقير وقطمير بل الكل مكتوب مثبت فِي إِمامٍ مُبِينٍ هو لوح قضائنا المحفوظ وحضرة علمنا المحيط وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا اى مثل يا أكمل الرسل للمشركين المصرين على الشرك والطغيان مثلا من الذين خلوا من قبلهم مصرين على الضلال والعناد أمثالهم بحيث لا ينفعهم إنذار منذر وارشاد مرشد يعنى أَصْحابَ الْقَرْيَةِ المصرين على الشرك والعناد المنهمكين في بحر الغفلة والغرور والقرية هي انطاكية والمبشر المنذر هو عيسى صلوات الرحمن عليه وسلامه اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ جاءَهَا اى الى اهل القرية الْمُرْسَلُونَ تترى من قبل عيسى ﵇ ليرشدوا أهلها الى الايمان والتوحيد إِذْ أَرْسَلْنا وأمرنا لنبينا عيسى ﵇ أولا بالإرسال إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ هما يونس ويحيى وقيل غيرهما فلما جاءا إليهم واظهرا دعوتهم الى التوحيد وكانوا من عبدة الأصنام فَكَذَّبُوهُما اى فاجؤا بتكذيبهما بلا تراخ ومهلة وتأمل وتدبر وبعد ما كذبوهما ولم يقبلوا منهما دعوتهما بل ضربوهما وحبسوهما واستهزؤا بقولهما ودعوتهما فَعَزَّزْنا اى قد قوينا وايدناهما بِثالِثٍ اى برسول ثالث وهو شمعون فَقالُوا اى الرسل بعد ما صاروا جماعة إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ من قبل عيسى المرسل من قبل الحق على الحق لترويج كلمة الحق ننذركم بالعذاب الشديد النازل عليكم بشؤم ما أنتم عليه من الباطل الفاسد ألا وهو عبادة الأوثان وندعوكم الى طريق الحق الحقيق بالالوهية والربوبية المستحق للمعبودية والعبودية ونرشدكم ونهديكم الى دينه المنزل عليه من قبل ربه وبعد ما سمع المشركون منهم ما سمعوا قالُوا في جوابهم مستبعدين منكرين ما أَنْتُمْ ايها المدعون للرسالة من عند الله الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد على ظنكم وزعمكم إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا مناسبة لكم مع مرسلكم الذي ليس هو من جنس البشر فلا بد من المناسبة بين المرسل والمرسل وَدعواكم الإنزال والإرسال من عند الإله المنزه عن المكان والجهة ما هي
следующие страницы →