← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

لخلافتكم وبعد ما قد فعل بكم سبحانه من انواع الكرم والإفضال وحسن الفعال ما فعل فَمَنْ كَفَرَ واعرض عن الايمان به سبحانه وبكتبه ورسله وبما جرى في لوح قضائه المحفوظ وحضرة علمه المحيط فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ اى يحمل عليه وبال كفره واعراضه وينتقم عنه سبحانه على مقتضاه بلا لحوق شين وعيب عليه سبحانه إذ هو في ذاته منزه عن ايمان عباده وكفرهم بل وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ وإصرارهم على الشرك واستنكافهم عن الايمان بالله وبالكتب والرسل عِنْدَ رَبِّهِمْ المطلع على سرائرهم وضمائرهم إِلَّا مَقْتاً غضبا وسخطا شديدا منه سبحانه إياهم وطرد الهم عن ساحة عز القبول وَبالجملة لا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ وشركهم في النشأة الاولى إِلَّا خَساراً نقصانا وحرمانا لهم في النشأة الاخرى عما أعد للمؤمنين من انواع الكرامات السنية والمقامات العلية لا خسران أعظم منه قُلْ يا أكمل الرسل للمشركين تقريعا لهم وتبكيتا بعد ما قد سجلنا عليهم المقت والطرد وانواع الخسران والخذلان أَرَأَيْتُمْ وابصرتم ايها المجبولون على الغواية والعناد شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ وتدّعون آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ مشاركين له سبحانه في الألوهية والربوبية انهم متصفون بالخلق والإيجاد أحيانا أَرُونِي وأخبروني ايها المكابرون المعاندون ماذا خَلَقُوا واوجدوا مِنَ الْأَرْضِ يعنى أى شيء خلق أولئك الهلكى في الأرض بالاستقلال والاختيار حتى يتصفوا بالالوهية أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ يعنى أروني ايضا هل لهم مشاركة مع الله فِي السَّماواتِ اى في خلقها وإبداعها أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً يعنى هل أنزلنا عليهم في حقهم وشأنهم كتابا دالا على مشاركتهم معنا في الألوهية والربوبية فَهُمْ اى أولئك المدعون المكابرون مطلعون فائزون عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ اى حجج ودلائل واضحة من الكتاب دالة على شركة أولئك التماثيل العاطلة مع العليم القدير الحكيم الخبير وظاهر انه ما انزل إليهم كتاب كذلك بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ وليس الباعث لهم في ادعاء الشرك أمثال هذه المذكورات من الدلائل العقلية او النقلية بل لا باعث لهم سوى الوعد الكاذب الذي يعد به بَعْضُهُمْ بَعْضاً وبالجملة ما يعد الظالمون الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية بعضهم بعضا إِلَّا غُرُوراً تلبيسا وتغريرا من الشرفاء بالأراذل منهم والرؤساء بالضعفاء وتزويرا من اصحاب الثروة على ذوى الأحلام السخيفة منهم حفظا لجاههم ورئاستهم وبالجملة الله المطلع لجميع حالات عباده يعلم تغريرهم وتلبيسهم ويمهلهم ولا يعاجل بالانتقام عنهم لكمال حلمه وكيف لا إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء يُمْسِكُ ويضبط السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ويمنعهما من أَنْ تَزُولا بشرك المشركين وافترائهم على الله بإثبات الشركاء له سبحانه وبشؤم عصيانهم وفسوقهم فيما بينهم وَلَئِنْ زالَتا ولم يمسكهما سبحانه إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ يعنى ما أمسكهما عن الزوال احد من بعد الله سبحانه لكنه سبحانه قد أمسكهما ولم يعاجل بانتقام عصاة عباده إِنَّهُ سبحانه قد كانَ في ذاته حَلِيماً لا يعاجل بالانتقام عند ظهور الجرائم والآثام غَفُوراً لمن تاب عنها وأناب الى الله مخلصا ومن كمال حلم الله امهاله على المستوجبين بأنواع المقت والانتقام سيما بعد ما عهدوا مع الله ونقضوا عهودهم وَذلك ان كفار قريش خذلهم الله قد أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يعنى اجتهدوا في توكيدها وبالغوافى تغليظها قبل بعثة النبي ﷺ حين سمعوا ان من اهل الكتاب قوما قد كذبوا رسلهم وأنكروا عليهم ولم يقبلوا من الرسل قولهم ودعوتهم مقسمين بالله لَئِنْ جاءَهُمْ يعنى قريشا

стр. 772

نَذِيرٌ مرسل من عند الله ينذرهم عما لا يعنيهم ويرشدهم الى ما يعنيهم لَيَكُونُنَّ في الإطاعة والانقياد للنبي النذير البشير أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ اى كل واحد منا اهدى وارشد من كل واحد واحد من النصارى واليهود وغيرهم من الأمم قد واثقوا عهودهم مع الله على ذلك فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ وبشير اى نذير واى بشير هو أكمل من سائر المرسلين المبشرين المنذرين وأفضل منهم يعنى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ما زادَهُمْ مجيئته وبعثته ﷺ إِلَّا نُفُوراً نفرة عن الحق واعراضا عن اهله وتباعدا عن قبول قوله ودعوته وانما أنكروا له واعرضوا عنه وعن دينه ﷺ اسْتِكْباراً يعنى قد طلبوا بالإعراض والانصراف ان يظهروا ويحدثوا كبرا وخيلاء فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ يعنى قد طلبوا ان يمكروا به المكر السيئ واصل التركيب هذا فعدل الى صورة المضاف الى السيئ اتساعا تأكيدا ومبالغة والمكر السيئ عبارة عن كل عمل قبيح قد صدر عنهم او الشرك او ارادة قتله ﷺ قال ﷺ لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فان الله يقول وَلا يَحِيقُ اى لا يحل ولا يحيط الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ الا وهو الماكر فلحق وبال الشرك للمشركين وكذا وبال كل قبيح ومكروه عائد الى فاعله فَهَلْ يَنْظُرُونَ ما يمهلون وينتظرون أولئك المشركون يعنى اهل مكة خذلهم الله إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ يعنى سنة الله فيهم بان عذب سبحانه مكذبيهم ومصريهم على الإنكار والتكذيب وبعد ما قد ثبت في علم الله المحيط وكذا في لوح قضائه المحفوظ تعذيبهم فلا بد ان يقع حتما فَلَنْ تَجِدَ أنت يا أكمل الرسل لِسُنَّتِ اللَّهِ وهي نزول العذاب على المكذبين تَبْدِيلًا ان تعلق مشيته به وثبت في لوح قضائه إذ لا يبدل الحكم دونه سبحانه وَايضا لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا بان ينتقل عذاب المكذبين العاصين الى المصدقين المطيعين المنزهين عن العصيان والطغيان أَينكرون سنة الله في الأمم الماضية الهالكة بتعذيب الله إياهم بسبب تكذيب الرسل والإنكار عليهم وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا بنظرة العبرة والاستبصار كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ القوم الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ مكذبين لرسلهم وَالحال انهم قد كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ اى من هؤلاء المكذبين لك يا أكمل الرسل قُوَّةً وقدرة واكثر عددا وعددا وشوكة وأموالا واولادا وَمع ذلك ما كانَ اللَّهُ المتعزز برداء العز والعلاء المطلع على عموم ما جرى في ملكه من الأشياء لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ بان يفوت عنه شيء حقير او يعزب عن حضرة علمه المحيط ذرة يسيرة لا فِي السَّماواتِ اى العلويات وَلا فِي الْأَرْضِ اى السفليات وكيف يفوت عن خبرته سبحانه شيء إِنَّهُ في ذاته قد كانَ عَلِيماً لا يعزب عن حضرة علمه المحيط شيء قَدِيراً على اظهار ما في خزانة علمه بلا فترة وفتور وقصور وفطور وَمن كمال علم الله على عباده ونهاية رأفته ورحمته معهم هذا لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ المطلع بجميع ما جرى في ملكه من الجرائم الموجبة للاخذ والانتقام النَّاسَ الذين كلفوا من عنده بترك الجرائم والآثام المانعة من الوصول الى المبدأ الحقيقي بِما كَسَبُوا وبشؤم ما اقترفوا لأنفسهم من المعاصي التي قد منعوا عنها ما تَرَكَ سبحانه البتة عَلى ظَهْرِها اى على ظهر الأرض مِنْ دَابَّةٍ متحركة من المكلفين عليها غير مأخوذة بجرم بل بجرائم كثيرة عظيمة إذ قلما ما يخلو انسان عن طغيان ونسيان وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ اى يؤخر سبحانه أخذهم ويمهلهم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معين مقدر للاخذ والانتقام ألا وهو يوم القيامة فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ الموعود المعين عند الله المعلوم له سبحانه

стр. 773

فقط بلا افشاء واطلاع لاحد من أنبيائه ورسله أخذوا حينئذ بما اقترفوا من الجرائم والمعاصي بلا فوت شيء منها فَإِنَّ اللَّهَ المراقب المحافظ على عموم ما جرى في ملكه وملكوته قد كانَ بِعِبادِهِ في جميع اوقات وجودهم بل باستعداداتهم وقابلياتهم وما جرى عليهم فيها بَصِيراً شهيدا مطلعا يجازيهم بمقتضى بصارته وخبرته بأعمالهم ونياتهم فيها. ربنا أصلح لنا عواقب أمورنا ويسر علينا كل عسير خاتمة سورة الفاطر عليك ايها السالك المتشمر لاعداد زاد يوم المعاد وفقك الله على إتمامه ان تلف شملك وتجمع همك المركوز الى الآخرة التي هي دار الخلود والقرار وتجتهد في رفع الموانع ودفع الشواغل العائقة عن هذا الميل فلك ان تنقطع عن مطلق مألوفاتك ومشتهياتك التي هي اسباب الأخذ والبطش وانواع العقاب والعتاب الإلهي وتنخلع من لوازم تعيناتك المشتملة على انواع الفتن واصناف المحن حسب ما يسر الله عليك معرضا عن الدنيا الدنية ومستلذاتها البهيمية ومشتهياتها الشهية إذ لا قرار لها ولا مدار لما يترتب عليها بل كلها فان زائل وباطل بلا طائل مورث لانواع الحسرات في النشأة الاولى ولأشد العذاب والزفرات في النشأة الاخرى والمؤيد من عند الله بالعقل المفاض المميز بين الصلاح والفساد وبين الفاني والباقي المرشد الهادي نحو فضاء التوحيد وبالجملة المتفطن المتذكر اللبيب الأريب كيف يختار الفاني على الباقي واللذات الجسمانية الزائلة سريعا الجالبة للاخزان الطويلة على اللذات الروحانية القارّة المستتبعة للحالات العلية والمقامات السنية التي لا يعرضها انقراض ولا انقضاء ولا نفوذ ولا انتهاء. رب اختم بفضلك عواقب أمورنا بالخير والحسنى انك على ما تشاء قدير وبرجاء الراجين جدير [سورة يس] فاتحة سورة يس لا يخفى على من ترقى عن حضيض الجهل واودية الضلال الى أوج المعرفة وفضاء الوصال ومن مهاوي الإمكان واغوار التعينات المقتضية لانواع الانحرافات والضلالات الى استقامة الحالات وارتفاع المقامات وعلو الدرجات في سبيل السعادات ونيل المرادات ومن دركات التلون وظلمات التقليد الى درجات اليقين ونور التوحيد ومقر التمكين والتقرر فيه بلا تذبذب وتزلزل ان الوصول والنيل الى مقعد الصدق الذي هو مقصد ارباب المحبة الخالصة والمودة الصادقة انما هو بالاستقامة والاعتدال في عموم الأوصاف والأفعال مائلا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط المذمومين عقلا وشرعا بحيث لا يبقى له انحراف عن صراط الله الأقوم الأعدل ليتيسر له التحقق في مرتبة التخلق بأخلاقه واللياقة برتبة النيابة واخلافه وأكمل المتخلقين وأليقهم للخلافة نبينا ﷺ لذلك ختم بعثته ﷺ امر الرسالة والنبوة وتم به ﷺ مكارم الأخلاق ولم يبق بعثته ﷺ شائبة شبهة في توحيد الذات وسقوط عموم الإضافات ولهذا قد اضمحل دون ظهور شرعه ﷺ جميع الرسوم والعادات لذلك أشار سبحانه الى كمال مرتبته الجامعة بجميع المراتب وخاطبه خطاب تعظيم وتكريم بعد ما تيمن باسمه الجامع لجميع الأسماء والصفات فقال بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى على حبيبه ﷺ باسمه الجامع الرَّحْمنِ على عموم عباده بإرساله ﷺ إليهم وبعثه عليهم الرَّحِيمِ عليه ﷺ حيث جعله مستويا على صراط مستقيم هو صراط توحيده الذاتي [الآيات] يس يا من تحقق بينبوع بحر

стр. 774

اليقين وسبح فيه سالما عن الانحراف والتلوين وَحق الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ المحكم نظمه وأسلوبه المتقن معناه وفحواه إِنَّكَ يا أكمل الرسل وخاتم الأنبياء المبعوث الى كافة البرايا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ المتمكنين عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى التوحيد الذاتي بلا عوج وانحراف وكيف لا يكون القرآن العظيم حكيما مع انه تَنْزِيلَ اى منزل من عند الْعَزِيزِ الغالب القادر على جميع المقدورات على الوجه الأحكم الأبلغ الرَّحِيمِ في انزاله على الأنام ليوقظهم عن نوم الغفلة ونعاس النسيان انما انزل الحكيم المنان عليك يا أكمل الرسل هذا القرآن لِتُنْذِرَ أنت قَوْماً لم يبعث فيهم نذير من قبلك بل ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ الأقربون ايضا إذ هم ليسوا من اهل الكتاب وتابعي الملة لتمادى مدة فترة الرسل بعد عيسى صلوات الله عليه وسلامه او المعنى لتنذر قوما بالذي انذر به آباؤهم الأبعدون وبعد ما قد تطاول ايام الفترة انقطع عنهم اثر الإنذار وصار كأن لم يكن شيأ مذكورا وبالجملة فَهُمْ غافِلُونَ اى القوم الذين قد أرسلت إليهم يا أكمل الرسل ذاهلون عن الإنذار والمنذر بل عن مطلق الرشد والهداية إذ هم متولدون في زمان فترة الرسل وكيف لا ينذرهم سبحانه ولا يرسل إليهم من يصلح أحوالهم لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ وسبق الحكم من الله ومضى القضاء منه سبحانه عَلى أَكْثَرِهِمْ اى اكثر اهل مكة بالكفر والعذاب وعدم الوصول الى خير المنقلب والمآب وبعد ما قد ثبت في حضرة علمه سبحانه كفرهم وضلالهم فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بالله ولا يصدقون برسوله وكتابه أصلا وكيف يؤمنون أولئك المصرون على الكفر والعناد المقضيون المحكومون عليهم من لدنا بالشقاوة الازلية إِنَّا بمقتضى قهرنا وجلالنا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ التي هي سبب التفاتهم وتمايلهم نحو الحق وآلة انعطافهم للاطاعة والانقياد بالدين القويم أَغْلالًا وصيرناهم مغلولين من الأيدي الى الأعناق بحيث لا يمكنهم الطأطأة والانخفاض أصلا ولا بد للتدين والانقياد من التذلل والخشوع وكيف يمكنهم هذا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ اى اغلالهم منتهية الى لحيهم فَهُمْ مُقْمَحُونَ رافعون رؤسهم مضطرون برفعها بسبب تلك الأغلال الضيقة بحيث لا يسع لهم الالتفات يمنة ويسرة وفوقا وتحتا ألا وهي أغلال الأماني والآمال وسلاسل الحرص والطمع لمزخرفات الدنيا الدنية وما يترتب عليها من اللذات الوهمية والشهوات البهيمية بل وَجَعَلْنا لهم من كمال غضبنا إياهم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ اى قدامهم سَدًّا حجابا كثيفا وَمِنْ خَلْفِهِمْ ايضا سَدًّا غطاء غليظا فصاروا محفوفين بين الحجب الكثيرة المانعة عن ابصار نور الهداية والتوحيد وبالجملة فَأَغْشَيْناهُمْ اى قد اعمينا عيون بصائرهم وأبصارهم التي هي سبب رؤية الآيات ودرك الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ الشواهد الظاهرة والآيات الباهرة حتى ترشدهم الى الهداية والايمان فحرموا عن قبول الحق وانصرفوا عن صراطه فهلكوا في تيه الغواية والضلال. أعاذنا الله وعموم عباده عن ذلك وَبعد ما قد سجلنا عليهم الكفر وحكمنا بشقاوتهم حكما مبرما لا يفيدهم إنذارك يا أكمل الرسل وارشادك إياهم بل سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بك وبدينك وكتابك أصلا إذ قد ختمنا نحن على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة غليظة مانعة عن قبول الحق والتذكر به وابصار علاماته وبالجملة هم مقضيون في سابق علمنا ولوح قضائنا بالعذاب الأليم والضلال البعيد فلا تتعب نفسك يا أكمل الرسل في هدايتهم وإرشادهم انك لا تهدى من أحببت من قرابتك وارحامك ولكن الله يهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ان الله عليم بما يصنعون من الكفر والإصرار

стр. 775

إِنَّما تُنْذِرُ أنت ويقبل منك الإنذار المصلح والإرشاد المفيد مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ اى سمع القرآن سمع قبول بتوفيق من لدنا وامتثل بأوامره ونواهيه عن تدرب تام وتأمل صادق واتعظ بتذكيراته عن تيقظ خالص واعتبر عن عبره وأمثاله وَمع ذلك خَشِيَ الرَّحْمنَ اى خاف عن قهره وانتقامه واجتنب عن سخطه وغضبه ملتبسا بِالْغَيْبِ اى قبل نزول العذاب وحلوله معتقدا انه سبحانه قادر على عموم انواع الانتقامات فَبَشِّرْهُ يا أكمل الرسل هذا السامع المتدرب بعد ما قد سمع بالآيات سمع قبول ورضى وامتثل بما فيها مخلصا خالصا خائفا راجيا بِمَغْفِرَةٍ لفرطاته المتقدمة وَأَجْرٍ كَرِيمٍ لأعماله الصالحة الخالصة بلا فوت شيء منها بل بأضعافها وآلافها عناية منا إياه وتفضلا عليه وكيف يفوت عن احاطة علمنا شيء من حقوق عبادنا إِنَّا من مقام عظيم جودنا وكمال قدرتنا نَحْنُ نُحْيِ ونهدي حسب اقتضاء تجلياتنا اللطفية الجمالية الْمَوْتى الهلكى الهالكين بموت الجهل والضلال التائهين في بيداء الوهم والخيال حيارى وسكارى مدهوشين محبوسين مسجونين في مضيق الإمكان بحياة العلم والايمان والتوحيد والعرفان وَنَكْتُبُ في لوح قضائنا وحضرة علمنا جميع ما قَدَّمُوا واسلفوا لأنفسهم من خير وشر وحسنة وسيئة بحيث لا يشذ منها شيء لنجازيهم بها على مقتضاها وَنكتب ايضا آثارَهُمْ من السنن المستحسنة والأخلاق المحمودة والآداب المرضية المقبولة وكذا ايضا مما سنوا ووضعوا من أسوأ العادات واخس الأخلاق وأقبحها وَبالجملة كُلَّ شَيْءٍ صدر ويصدر عن عبادنا قد أَحْصَيْناهُ وفصلناه بحيث لا يشذ عن حيطة احصائنا وتفصيلنا شيء من نقير وقطمير بل الكل مكتوب مثبت فِي إِمامٍ مُبِينٍ هو لوح قضائنا المحفوظ وحضرة علمنا المحيط وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا اى مثل يا أكمل الرسل للمشركين المصرين على الشرك والطغيان مثلا من الذين خلوا من قبلهم مصرين على الضلال والعناد أمثالهم بحيث لا ينفعهم إنذار منذر وارشاد مرشد يعنى أَصْحابَ الْقَرْيَةِ المصرين على الشرك والعناد المنهمكين في بحر الغفلة والغرور والقرية هي انطاكية والمبشر المنذر هو عيسى صلوات الرحمن عليه وسلامه اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ جاءَهَا اى الى اهل القرية الْمُرْسَلُونَ تترى من قبل عيسى ﵇ ليرشدوا أهلها الى الايمان والتوحيد إِذْ أَرْسَلْنا وأمرنا لنبينا عيسى ﵇ أولا بالإرسال إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ هما يونس ويحيى وقيل غيرهما فلما جاءا إليهم واظهرا دعوتهم الى التوحيد وكانوا من عبدة الأصنام فَكَذَّبُوهُما اى فاجؤا بتكذيبهما بلا تراخ ومهلة وتأمل وتدبر وبعد ما كذبوهما ولم يقبلوا منهما دعوتهما بل ضربوهما وحبسوهما واستهزؤا بقولهما ودعوتهما فَعَزَّزْنا اى قد قوينا وايدناهما بِثالِثٍ اى برسول ثالث وهو شمعون فَقالُوا اى الرسل بعد ما صاروا جماعة إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ من قبل عيسى المرسل من قبل الحق على الحق لترويج كلمة الحق ننذركم بالعذاب الشديد النازل عليكم بشؤم ما أنتم عليه من الباطل الفاسد ألا وهو عبادة الأوثان وندعوكم الى طريق الحق الحقيق بالالوهية والربوبية المستحق للمعبودية والعبودية ونرشدكم ونهديكم الى دينه المنزل عليه من قبل ربه وبعد ما سمع المشركون منهم ما سمعوا قالُوا في جوابهم مستبعدين منكرين ما أَنْتُمْ ايها المدعون للرسالة من عند الله الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد على ظنكم وزعمكم إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا مناسبة لكم مع مرسلكم الذي ليس هو من جنس البشر فلا بد من المناسبة بين المرسل والمرسل وَدعواكم الإنزال والإرسال من عند الإله المنزه عن المكان والجهة ما هي

стр. 776

الا غرور وتلبيس إذ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ المستغنى عن الزمان والمكان المنزه ذاته عن سمة الحدوث والإمكان مِنْ شَيْءٍ إذ أمثال هذه الأفعال انما هي من لوازم الأجسام وأوصاف الإمكان وهو سبحانه على الوجه الذي وصفتم شأنه مقدس عن أمثاله وبالجملة إِنْ أَنْتُمْ اى ما أنتم إِلَّا تَكْذِبُونَ كذبا صريحا يعنى قد ظهر من دعواكم هذه وإسنادكم أمثال تلك الأفعال الى ربكم انه ما أنتم في دعواكم ومدعاكم هذا الا كاذبون مفترون على ربكم ما هو منزه عنه سبحانه وبعد ما قد تفطن منهم الرسل الإنكار والإصرار المؤكد قالُوا في جوابهم ايضا على سبيل المبالغة والتأكيد تتميما لأمر التبليغ والرسالة رَبُّنا الذي قد أرسلنا إليكم بوحيه والهامه يَعْلَمُ بعلمه الحضوري إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ من عنده على مقتضى ارادته واختياره إذ لا يجرى في ملكه الا ما يشاء ولا يقع فيه الا ما يريد وَمالنا شغل بايمانكم وقبولكم ولا بكفركم وطغيانكم بل ما عَلَيْنا بمقتضى وحى الله إلينا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ اى التبليغ الصريح والبيان الواضح الموضح للرسالة بلا فوت شيء منها وتقصير وتهاون منا بأدائها وامر اهتدائكم وايمانكم انما هو مفوض اليه سبحانه وفي مشيته لا علم لنا به وبعد ما سمعوا من الرسل المبالغة والتأكيد انصرفوا عن المقاولة نحو التهديد بالقتل والرجم حيث قالُوا متطيرين متشأمين من نزولهم ومجيئهم مستبعدين دعوتهم منكرين لها إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ اى قد تشأمنا بقدومكم إذ منذ قدمتم ما نزل القطر علينا فاخرجوا من ارضنا وارجعوا الى أوطانكم سالمين وانتهوا عن دعوتكم هذه ولا تتفوهوا بها بعد والله لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عن هذياناتكم ومفترياتكم لَنَرْجُمَنَّكُمْ البتة بالحجارة وَبالجملة لو لم تنتهوا ولم تكفوا عما أنتم عليه من دعوى الرسالة لَيَمَسَّنَّكُمْ وليحيطن عليكم مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ وبعد ما سمعتم ايها الغرباء كلامنا هذا فعليكم الإصغاء والقبول والعمل بمقتضاه والا فقد لحق بكم ما لحق من المكروهات التي سمعتم قالُوا اى الرسل بعد ما سمعوا منهم وتفرسوا بغلظتهم وتشددهم في الإنكار والجحود طائِرُكُمْ مَعَكُمْ اى سبب شؤمكم انما هو من انفسكم وبسوء صنيعكم وأعمالكم أَلم تنتهوا ولم تتفطنوا انكم إِنْ ذُكِّرْتُمْ وقبلتم قولنا واتصفتم بما ذكرنا من الايمان والتوحيد لم يلحقكم شيء من المكروه ومتى لم تتعظوا ولم تتصفوا قد لحقكم ما لحقكم من القحط وعدم القطر وسيلحقكم أشد منه بشؤم انفسكم وبالجملة مجاوزون عن الحد في العناد والإلحاد عن سبل الهداية والرشد وايضا من كمال اسرافكم وافراطكم قد تطيرتم بدين الله وبدعوة رسله اليه وَبعد ما سمعوا من الرسل ما سمعوا صمموا العزم الى قتلهم واجتمعوا لرجمهم وانتشر الخبر بين اهل المدينة وسعى من يسمع نحوهم حتى جاءَ حينئذ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ من السامعين وهو حبيب النجار وكان مؤمنا موحدا يعبد الله وكان قد لقى له الرسولان الأولان حين دخلا المدينة أولا فسلم الحبيب عليهما وتكلم معهما فقال لهما من أنتما قالا نحن رسولا عيسى النبي ﵇ انما أرسلنا إليكم لندعوكم الى توحيد الحق وننقذكم عن عبادة الأوثان فقال أمعكما آية قال نشفى المريض ونبرئ الأكمه والأبرص فجاء بابنه المريض منذ سنين فمسحاه فقام الابن سالما فآمن لهما وصدقهما وانفصل عنهما مؤمنا واشتغل بعبادة الله فدخلا البلد واظهر الدعوة لأهلها وأنكروا عليهما واجتمعوا بقتلهما فأخبر الحبيب بذلك فجاء على الفور حال كونه يَسْعى ويذهب سريعا فلما وصل المجمع ورآهم مجتمعين عليهما فسألهما على رؤس الملأ من أنتما قالا رسولا عيسى ندعوكم الى توحيد الحق قال هل تسألان الأجر والجعل لرسالتكما قالا

стр. 777

لا ليس اجرنا الأعلى ربنا ثم التفت الحبيب نحو القوم وقالَ يا قَوْمِ ناداهم وأضافهم على نفسه ليقبلوا منه كلامه وكان مشهورا بينهم بالورع والاعتدال الأخلاق اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ المبعوثين إليكم بالحق ليرشدوكم الى طريق الحق وتوحيده وانما جمع المرسلون مع انهما اثنان لان الحبيب منهم حقيقة وبالجملة اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً اى اتبعوا هاديا بالحق على الحق الى الحق خالصا لوجه الحق بلا غرض نفسانى من جعل وغيره كالمتشيخة المزورين الذين يجمعون بتلبيساتهم وتغريراتهم أموالا كثيرة من الضعفاء الحمقى المتماثلين نحو أباطيلهم وتزويراتهم الزائغة وَكيف لا تتبعون ايها العقلاء الطالبون للهداية والصواب إياهم مع انهم هُمْ مُهْتَدُونَ متصفون بالرشد والهداية قولا وفعلا. ثم لما سمع القوم من الحبيب ما سمعوا عيروه وشنّعوا عليه وقالوا له لست أنت ايضا على ديننا ودين آبائنا بل ما أنت الا على دين هؤلاء المدعين وَبعد ما تفرس الحبيب منهم الإنكار عليه ايضا قال كلاما ناشئا عن محض الحكمة والفطنة على وجه العظة والتذكير لنفسه ليتعظوا به على سبيل الالتزام إذ هو اسلم الطرق في العظة والتذكير وادخل في النصيحة والتنبيه ما لِيَ اى أىّ شيء عرض على ولحق لي لا أَعْبُدُ ولا أتوجه على وجه التذلل والانكسار المعبود الَّذِي فَطَرَنِي على فطرة العبودية اى ابدعنى وأظهرني من كتم العدم ولم أك شيأ مذكورا ورباني بأنواع اللطف والكرم وأفاض على من موائد لطفه وإحسانه سيما العقل المفاض المرشد الى المبدأ والمعاد وَكيف لا اعبد ولا أتوجه نحوه إذ إِلَيْهِ سبحانه يعنى الحق الموصوف بالأوصاف والأسماء الحسنى ونعوت الجلال والجمال لا الى غيره من اظلال الأوثان والأصنام الحادثة الهالكة في حدود ذواتها العاطلة عن الأوصاف الكاملة المنحطة عن رتبة الألوهية والربوبية تُرْجَعُونَ أنتم ايها الاظلال الهالكون التائهون في بيداء ظهوره حيارى هائمين رجوع الأضواء الى شمس الذات والأمواج الى بحر الوحدة الذاتية أَأنكر المعبود على الحق المظهر لما في الوجود وأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً باطلة من الأوثان عاطلة عن التصرفات مطلقا منحطة عن رتبة العبودية فكيف عن الربوبية والألوهية واسميهم شفعاء مغيثين لدى الحاجة مع انه إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ القادر المقتدر على اصناف الانعام والانتقام بِضُرٍّ اى مصيبة وسوء يتعلق مشيته سبحانه على انزاله الى لا تُغْنِ ولا تدفع عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً من بأس الله وعذابه بل لا تنفعني شفاعتهم أصلا وَلا يُنْقِذُونِ بالمعاونة والمظاهرة من عذابه سبحانه ايضا وبالجملة إِنِّي بواسطة اتخاذي إياهم شركاء لله شفعاء عنده إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وغواية عظيمة ظاهرة إذ اختيار ما لا ينفع ولا يضر على الضار النافع المعطى المانع او ادّعاء مشاركتهم معه او شفاعتهم عنده سبحانه من أشد الضلالات وأردإ الجهالات وبالجملة إِنِّي بعد ما تفطنت بوحدة الحق وباستقلاله في الوجود والآثار قد آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ الذي هو ربي ورب جميع ما في حيطة الوجود وتحت ظله من الأكوان غيبا وشهادة واعترفت بتوحيده واستقلاله بالتصرف في ملكه وملكوته بعد ما كوشفت بوحدة ذاته فَاسْمَعُونِ يا ايها العقلاء السامعون المدركون مضمون قولي واتصفوا بما فيه وتذكروا به ان كنتم تعلمون فلما سمعوا منه توصيته وتذكيره أخذوا في قتله وإهلاكه فوطئوه بأرجلهم الى حيث يخرج امعاؤه من دبره وهو في تلك الحالة قد زاد انكشافه بربه واستولى عليه سلطان الوحدة وجذبته العناية الإلهية وأدركته الكرامة القدسية حيث قِيلَ له من قبل الحق حينئذ اخرج من هويتك وانخلع

стр. 778

من انانيتك ادْخُلِ الْجَنَّةَ اى فضاء الوحدة التي لا فيها وصب ولا نصب ولا عناء ولا تعب فخرج وانخلع فدخل على الفور واتصل ثم بعد ما وصل الى ما وصل قالَ متمنيا متحسرا لقومه بعد ما قد لحق بفضاء الوصال يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وانكشف علىّ وجذبني نحوه بعد ما ستر عنى انانيتى ومحا منى هويتى وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ المكرمين الآمنين الفائزين المستبشرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وبعد ما قتلوه ظلما وعدوانا ورفعناه مكانا عليا عناية منا إياه وأدخلناه في جنة وحدتنا مغفورا ومسرورا وكشفنا عنه غطاءه كشفا كليّا شوقيا وذوقيا شهوديا قد أخذنا في انتقام قومه منه فأهلكناهم بصيحة واحدة قد صاح بها جبرائيل ﵇ بأمرنا إياه وَبالجملة ما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ اى قوم الحبيب وهم اهل انطاكية مِنْ بَعْدِهِ اى بعد قتله لننتقم عنهم لأجله مِنْ جُنْدٍ مِنَ جنود السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ اى وما ثبت منا وما جرى في لوح قضائنا إنزال الملائكة لإهلاكهم كما جرت سنتا لإهلاك سائر الأمم الهالكة بل إِنْ كانَتْ اى ما كانت علة إهلاكهم وهلاكهم من قبلنا إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً او ما وقعت وصدرت منا لإهلاكهم وهلاكهم الا صيحة واحدة على القراءتين بالرفع والنصب وذلك انا بمقتضى قهرنا وجلالنا قد أمرنا جبرائيل ﵇ بان يأخذ بعضادتي باب مدنيتهم فأخذ وصاح عليهم مرة واحدة فَإِذا هُمْ خامِدُونَ اى فاجؤا جميعا على الخمود والجمود وبعد ما سمعوا الصيحة الهائلة صاروا كالرماد بعد ما كانوا احياء كالنار المشتعلة الساطعة. ثم قال سبحانه من قبل عصاة عباده المأخوذين بشؤم ما اقترفوا من المعاصي والآثام يا حَسْرَةً وندامة وكآبة عظيمة وحزنا شديدا عَلَى الْعِبادِ المصرين على العناد بعد ما عاينوا العذاب الدنيوي والأخروي النازل عليهم حتما بسبب انكارهم على الرسل والمرسل جميعا وتكذيبهم بجميع ما جاءوا به من عند ربهم وليس لهم حينئذ قوة المقاومة والمدافعة لذلك صاروا حيارى سكارى هائمين متحسرين بلا ناصر ومعين وشفيع حميم من رسول ونبي كريم إذ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ في نشأتهم الاولى يصلح أحوالهم وأعمالهم لئلا يترتب عليها الوبال والنكال الموعود في النشأة الاخرى إِلَّا كانُوا من غاية كبرهم وخيلائهم بِهِ اى بالرسول المصلح المرشد لهم يَسْتَهْزِؤُنَ ويستحقرونه ويستنكفون عن قبول دعوته ودينه وينكرون عليه كهؤلاء المسرفين المشركين معك يا أكمل الرسل أَيستهزؤن معك يعنى اهل مكة وينكرون بدينك وكتابك لَمْ يَرَوْا اى لم يخبروا ولم يعلموا كَمْ أَهْلَكْنا اى كثرة إهلاكنا واستئصالنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ الماضية ولم يعتبروا مما جرى عليهم بشؤم تكذيبهم وانكارهم على رسله مع أَنَّهُمْ اى الأمم الهالكة السالفة إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ اى لا يرجعون الى هؤلاء المفسدين المسرفين في تكذيبك وإنكارك يا أكمل الرسل في نشأتهم هذه بل مضوا وانقرضوا الى حيث لم يعودوا الى ما كانوا وهؤلاء ايضا سينقرضون هم وأثرهم فلم لم يتنبهوا ولم يعتبروا مما جرى عليهم مع انهم ان أخذوا هؤلاء ايضا أمثالهم صاروا كأن لم يكونوا شيأ مذكورا أمثالهم وَبالجملة إِنْ كُلٌّ اى ما كل من الفرق والأحزاب المنقرضة عن الدنيا على التعاقب والترادف مردودين إلينا مجتمعين في وقت من الأوقات بل لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ يعنى لا يجتمعون جميعا الا لدينا في يوم العرض والجزاء وفي حضرة علمنا المحيط ولوح قضائنا المحفوظ وبالجملة لا اجتماع لهم بعد انقراضهم ما داموا مسجونين في سجن الإمكان مقيدين بسلاسل التعينات وأغلال الهويات

стр. 779

والأنانيات بل متى خلصوا عن مضيق الطبيعة وانخلعوا عن لوازمها حضروا واجتمعوا عندنا ورجعوا إلينا بل وصلوا بنا واتصلوا بحضرة وحدتنا وحينئذ لم يبق الفرق وصاروا ما صاروا لا اله الا هو ولا موجود سواه هذا على قراءة لما بالتشديد واما على قراءة من قرأ بالتخفيف كان ان حينئذ مخففة من الثقيلة وما في لما مزيدة للتأكيد واللام للفرق بين المثقلة والمخففة والمعنى انه اى الشأن كل من الأمم الهالكة السالفة مجموعون البتة لدينا محضرون جميعا عندنا في يوم الجزاء او في حضرة لاهوتنا بعد انخلاعهم عن لوازم ناسوتهم وَآيَةٌ عظيمة منا دالة على كمال قدرتنا على جمعهم وإحضارهم يوم الجزاء لَهُمُ ان يستدلوا بها على صدقها الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ اى اليابسة الجامدة التي أَحْيَيْناها وخضرناها في وقت الربيع بانزال قطرات الماء المترشحة من بحر الحياة عليها وَأَخْرَجْنا بها مِنْها حَبًّا اى جنسا من الحبوبات التي يقتاتون بها فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وبه يعيشون ويتنعمون كذلك في يوم النشور نحيى حسب قدرتنا الكاملة الأبدان المائتة الجامدة اليابسة المتلاشية في أراضي الأجداث بانزال الرشحات الفائضة من بحر حياة الوجود بمقتضى الجود فاعدناهم احياء كما ابدعناهم أولا من العدم وَايضا من جملة الآيات التي تدل على قدرتنا انا جَعَلْنا فِيها اى في الأرض جَنَّاتٍ بساتين ومتنزهات مملوة مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ومن سائر ما يتفكهون به تتميما لتنعمهم وترفههم وَفَجَّرْنا اى قد أخرجنا وأجرينا فِيها اى في خلال البساتين مِنَ الْعُيُونِ والينابيع الجارية التي لا صنع لهم في إجرائها وإخراجها عناية منا إياهم إبقاء لنضارتها ونزاهتها لهم كل ذلك لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ اى من ثمر ما ذكر وقوته ويقوموا أمزجتهم بأنواع ما وهبنا عليهم من النعم حتى يقوموا ويواظبوا على شكرها أداء لحقوقنا الواجبة عليهم وَكذا علمناهم واقدرناهم على عموم ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ من إنشاء المزارع والبساتين والعقارات واجراء الأنهار والقنوات وحفر الآبار أَينكرون على كمال قدرتنا ووفور حولنا وقوتنا فَلا يَشْكُرُونَ نعمنا الفائضة إياهم على التعاقب والتوالي ولا ينسبونها إلينا بل الى الوسائل والأسباب العادية جهلا وعنادا طغيانا وكفرانا سُبْحانَ القادر المقتدر القيوم المطلق المنزه المقدس عن الشبيه والنظير المتبرى عن الشريك والوزير المستقل في التصرف والتدبير الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وقدر الأصناف المتوالدة المتزايدة برمتها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ من الشجر والنبات باجناسهما وأنواعهما واصنافهما وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ اى ذكورهم وإناثهم أنواعا وأصنافا واشخاصا وكذا من جميع ما يعلمون من أجناس الحيوانات وأنواعها وأصنافها وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ايضا من المخلوقات التي لا اطلاع لهم عليها إذ ما من مخلوق الا وقد خلق شفعا إذ الفردية والوترية والصمدية لوجوب الوجود والقيومية المطلقة من أخص أوصاف الربوبية والألوهية لا شركة فيها للمصنوع المربوب أصلا إذ لا يتوهم التعدد والكثرة في الوجود المطلق الذي هو عبارة عن الواجب قطعا وَايضا آيَةٌ عظيمة منا إياهم حق لَهُمُ ان تتأملوا وتستدلوا بها على كمال قدرتنا وحكمتنا وعلمنا وارادتنا اللَّيْلُ المظلم اى العدم الأصلي حين نَسْلَخُ ننزع ونظهر مِنْهُ اى من الليل المظلم النَّهارَ المضيء اى نور الوجود الفائض منا إياهم حسب امتداد اظلال أسمائنا وصفاتنا عليهم فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ مستقرون في ظلمة العدم لولا افاضة جود الوجود عليهم وَايضا من جملة آياتنا العظام الشَّمْسُ المضيئة المشرقة على صفائح الكائنات كاشراق نور الوجود الفائض منا على هياكل

стр. 780

الموجودات حسب التجليات الإلهية تَجْرِي وتسرى بلا قرار وثبات بمقتضى أمرنا المحكم وحكمنا المبرم لِمُسْتَقَرٍّ لَها قد قدرناه إياها منتهى ومنزلا حسب حكمتنا المتقنة المترتبة على تجلياتنا الحبية المنتشئة من ذاتنا المتصفة بالأوصاف اللطفية الجمالية ذلِكَ الجري والسراية على هذا النظام الأبلغ الابدع تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ القادر الغالب المقتدر على عموم المقادير الْعَلِيمِ بمطلق الاستعدادات والقابليات وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ وقد عينا ايضا لأجله حسب قدرتنا الغالبة وحكمتنا البالغة مع انه مرآة خالية عن النور الذاتي قابلة لان يكسبه من قرص الشمس حسب المقابلة والمحاذاة بينهما لذلك جعلنا له مَنازِلَ متفاوتة في الوضع مع الشمس فعند تمام المقابلة والمحاذاة يبدو بدرا كاملا بلا نقصان في قرصه أصلا ثم ينقص شيئا فشيئا يوما فيوما حَتَّى عادَ القمر في آخر المنازل الثمانية والعشرين التي وضعت له كما في علم التنجيم والتقويم لاستفادته النور من الشمس كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ اى كعذق النخلة العتيقة التي عليها الشماريخ المعوجة المصغرة من طول المدى وكذا عينا بمقتضى قدرتنا وحكمتنا لسير كل واحد منهما حسب الفصول الاربعة مقدارا من الزمان بحيث لا يتخلف سيرهما عنه لينتظم امر المعاش لذلك لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها اى لا يتيسر ولا يصح لها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ اى تسرع في سيرها الى ان تدرك القمر بل هي بطيئة السير بحيث تقطع البروج الاثنى عشر في سنة والقمر سريع السير يقطعها في شهر وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ اى لا يسع ولا يتيسر له ان يسبق ويدخل في النهار بل لكل منهما مدة مخصوصة مقدرة من عند العليم الحكيم لا يسع له التجاوز عنها وَكذلك كُلٌّ اى كل واحد من الشمس والقمر وسائر السيارات فِي فَلَكٍ مخصوص معين من الأفلاك السبعة يَسْبَحُونَ يسيرون فيه ويدورون على الانبساط والاستقلال بلا توهم السبق والإدراك وَايضا آيَةٌ عظيمة منا إياهم لَهُمْ ان يستدلوا بها على كمال قدرتنا ووفور حكمتنا وحولنا وقوتنا ويواظبوا على شكر نعمتنا وتلك الآية أَنَّا من كمال تربيتنا وتدبيرنا إياهم قد حَمَلْنا أولا عند طوفان نوح ﵇ ذُرِّيَّتَهُمْ اى آباءهم وأسلافهم فان اسم الذرية كما يطلق على الأبناء كذلك يطلق على الآباء ايضا باعتبار انهم كانوا أبناء لآباء أخر فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ المملو منهم ومن سائر الحيوانات التي لا تعيش في الماء عناية منا إياهم وإبقاء لنسلهم وَخَلَقْنا لَهُمْ اى قدرنا وجعلنا لهم اليوم بتعليم منا إياهم سفنا مِنْ مِثْلِهِ اى من جنسه وهي ما يَرْكَبُونَ عليها في متاجرهم وأسفارهم في البحار وَإِنْ نَشَأْ افناءهم واستئصالهم بالمرة نُغْرِقْهُمْ بالطوفان فَلا صَرِيخَ لا معين ولا مغيث لَهُمْ حينئذ ينصرهم وينجيهم من الغرق وَلا هُمْ ايضا يُنْقَذُونَ لا بناصرهم ولا بأنفسهم من تلك المهلكة إِلَّا رَحْمَةً ناشئة مِنَّا قد أدركتهم وانجتهم من الغرق وَبعد انجائنا إياهم أمهلنا لهم ليكون مَتاعاً وتمتيعا لهم ولا خلافهم إِلى حِينٍ اى الى قيام الساعة كي نختبرهم هل يصلون الى ما جبلوا لأجله من المعرفة والتوحيد والهداية والايمان مع انا قد أرسلنا إليهم الرسل والأنبياء مبشرين ومنذرين والى أسلافهم ايضا وَ؟؟؟؟؟ هم اى أسلافهم في غاية تعنتهم وعنادهم إِذا قِيلَ لَهُمُ على؟؟؟؟؟ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مما جرى على اسلافكم من الوقائع؟؟؟؟؟ المهائلة والنوائب الشديدة إليهم يشؤم مفاسدهم وطغيانهم على الله وعلى أنبيائه ورسله بالخروج عن إطاعتهما وانقيادهما وَاحذروا عن ما خَلْفَكُمْ من العذاب الموعود

стр. 781

للعصاة المتمردين الخارجين عن ربقة العبودية المنصرفين عن صراط التوحيد وجادة السلامة بترك مقتضيات الحدود الإلهية لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ من عند الله بتقواكم عن محارمه ومحظوراته وَهم ايضا أمثالكم ايها الأخلاف المفرطون في الاعراض عن الحق وسبيله بل ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مشيرة لهم الى ما يعنيهم ويليق بحالهم رادعة لهم عما لا يعنيهم مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ الصادرة عن محض الحكمة والعدالة إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ مكذبين لها مستهزئين ممن جاء به أمثالكم وَبالجملة هم من كمال قسوتهم وبغيهم أمثالكم إِذا قِيلَ لَهُمْ امحاضا للنصح وتنبيها لهم على محض الخير أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من فواضل نعمكم الى الفقراء الفاقدين لها لتتصفوا بالكرم وتفوزوا بمرتبة الإيثار قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وكذبوا منهم بآيات الله بعد ما سمعوا الأمر الإلهي الوارد على الانفاق من ألسن المرسلين لِلَّذِينَ آمَنُوا اى المصدقين الممتثلين بأوامر الله ونواهيه ايمانا واحتسابا على سبيل الإنكار والاستبعاد أَنُطْعِمُ اى أتأمروننا ايها الجاهلون الضالون ان نعطى ونطعم مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ القادر المقتدر على اطعام عباده جملة أَطْعَمَهُ وبعد ما لم يشأ مع قدرته لم يطعمهم فأنتم من تلقاء انفسكم تأمروننا بالاطعام وبالجملة إِنْ أَنْتُمْ اى ما أنتم بدينكم هذا أوامركم بما لا يشاء ولا يرضى منه سبحانه إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وغواية عظيمة ظاهرة ادّعيتم الايمان بالله وأمرتم بخلاف مشيته وارادته وَمهما سمعوا من المؤمنين أمثال هذه الأوامر الجالبة لروح الله ورحمته في اليوم الموعود يَقُولُونَ على سبيل الاستهزاء والتهكم مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي أوعدتمونا به عينوا لنا وقته إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم يعنون به ﷺ وأصحابه. ثم قال سبحانه في جواب هؤلاء الضالين المبطلين ما يَنْظُرُونَ وينتظرون هؤلاء المنكرون المعاندون إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً هائلة تَأْخُذُهُمْ بغتة وَهُمْ حين وقوعها يَخِصِّمُونَ اى يختصمون ويتخاصمون اى بعضهم مع بعض في العقود والمعاملات ومتى ما جاءتهم الصيحة الفظيعة الفجيعة فَلا يَسْتَطِيعُونَ ولا يقدرون تَوْصِيَةً وإيصاء كما هو المعروف من الناس في حال النزع اى لا يمهلهم الفزع المهلك مقدار ان يأتوا بالوصية وَلا يمهلهم ايضا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ اى ينقلبون الى بيوتهم ويتكلمون مع أهليهم وَبالجملة متى سمعوا الصيحة الاولى ماتوا فجاءة بلا امهال لهم ساعة وطرفة وبعد ما ماتوا بالصيحة الاولى وصاروا كسائر الأموات نُفِخَ فِي الصُّورِ مرة اخرى بعد الصيحة الاولى فَإِذا هُمْ اى جميع الأموات صاروا احياء قائمين هائمين خارجين مِنَ الْأَجْداثِ اى القبور إِلى رَبِّهِمْ الذي يناديهم للعرض والجزاء يَنْسِلُونَ يذهبون ويسرعون طوعا وكرها إذ لا مرجع لهم سواه ولا ملجأ الا هو. ثم لما أفاقوا من ولههم وحيرتهم ورأوا مقدمات العذاب والنكال قالُوا اى بعضهم لبعض متحيرين متحسرين يا وَيْلَنا وهلكنا تعال تعال فهذا أوانك مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا اى قبورنا التي قد كنا مقبورين مستورين فيها يعنى كل منا مستور عن صاحبه وان كان هناك عذاب ايضا لكن لا تفضيح فيه او المعنى من أيقظنا عن نومنا الذي كنا عليه قبل النفخة الثانية المحيية او بعد النفخة الاولى المميتة وبالجملة انما قالوا ما قالوا تحسرا وتحزنا ثم قيل لهم من قبل الحق هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ اى يومكم هذا هو اليوم الموعود الذي قد وعده الرحمن وأخبره على ألسنة رسله وكتبه لينقذكم من عذابه بمقتضى سعة رحمته وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ في جميع ما جاءوا به من قبل ربهم من الأمور المتعلقة بالنشأة الاخرى وأنتم من

стр. 782

كمال بغيكم وبغضكم على الله ورسله في النشأة الاولى قد انكرتم الرحمن وكذبتم الرسل الكرام فاليوم يلقيكم ما كذبتم به. ثم قال سبحانه تقريعا وتوبيخا على المشركين المنكرين لقدرته وكمال عزته وسطوته واستقلاله في تصرفات ملكه وملكوته وإظهارا لعلو شأنه وسمو برهانه بان أمثال هذه المقدورات في جنب قدرتنا الكاملة في غاية اليسر والسهولة لذلك إِنْ كانَتْ اى ما كانت الفعلة منا في امر البعث وقيام الساعة وحشر الأموات إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً صادرة بأمرنا فجاءة ألا وهي الصيحة الثانية او ما وقعت الفعلة منا وبأمرنا الا صيحة واحدة فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ اى كل الأموات مجموعون لَدَيْنا مُحْضَرُونَ عندنا مع انه ما صدر عنا في إحضارهم وجمعهم الا صيحة واحدة دفعية فَالْيَوْمَ اى بعد ما حضر الكل لدينا واجتمع عندنا للعرض والحساب وتنقيد الأعمال وجزاء الأفعال الصادرة عنهم في دار الاختبار لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ولا تنقص من أجور أعمالها الصالحة وَلا تزاد ايضا على فاسدها على مقتضى عدلنا بل لا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى بمقتضى عملهم ان خيرا فخير وان شرا فشر ثم فصل سبحانه احوال الأنام في النشأة الاخرى فقال إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ ألا وهم الواصلون الى مقر التوحيد والمعرفة علما وعينا وحقا الْيَوْمَ اى يوم القيامة المعد للجزاء فِي شُغُلٍ عظيم من انواع المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات القالعة لعرق التقليدات والتخمينات التي هي من لوازم الإمكان الذي هو من أسفل دركات النيران فاكِهُونَ فرحون متلذذون ابدا بلا انقراض وانقضاء أصلا بل هُمْ في شهودهم وَكذا أَزْواجُهُمْ التي هي نتائج أعمالهم الصالحة متمكنون فِي ظِلالٍ هي ظلال الأسماء والصفات الإلهية عَلَى الْأَرائِكِ اى هم على السرر العلية والدرجات السنية مُتَّكِؤُنَ متمكنون راسخون ثابتون لا يتحولون منها ولا ينقلبون لَهُمْ فِيها عناية منا إياهم فاكِهَةٌ كثيرة من تجددات المعارف والحقائق وتلذذات الكشوفات والشهودات على مقتضى التجليات الإلهية وَبالجملة لَهُمْ فيها ما يَدَّعُونَ ويتمنون من مقتضيات التجليات المتشعشعة حسب الشئون والتطورات الإلهية التي لا نهاية لها بلا تناه وتكرر وقيل لهم من قبل الحق حينئذ سَلامٌ اى تسليم وترحيب لهم وتكريم قَوْلًا ناشئا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ اى مرب مشفق لهم يربيهم بمقتضى سعة رحمته على فطرة التوحيد ويوصلهم الى مقر الوحدة الذاتية بعد ما رفعوا الشواغل المانعة عن التوجه إليها ورفضوا العلائق العائقة عن التمكن دونها والتحلي بها وَقيل حينئذ للمشركين المصرين على الشرك والعناد امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ المفرطون المسرفون في الاعراض عن الله بمتابعة الشيطان المضل المغوى عن طريق توحيده وانصرفوا عن اهل التوحيد واليقين. ثم قرعهم سبحانه وعاتبهم زجرا لهم وطردا على وجه العموم لئلا يأمن ايضا المؤمنون المخلصون مع اطمئنانهم على الايمان ورسوخهم في العرفان أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ ولم آخذ منكم موثقا وثيقا في مبدأ فطرتكم بألسنة استعداداتكم واقوال قابلياتكم أَنْ لا تَعْبُدُوا اى بان لا تعبدوا الشَّيْطانَ ولا تطيعوا امره ولا تقبلوا منه وسوسته وقوله المبعد المحرف لكم عن طريق توحيده وبالجملة انما أحذركم يا ابن آدم عن أطاعته وانقياده إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة والنزاع يريد ان يصدكم عما جبلتم عليه باغرائه واغوائه وَأَنِ اعْبُدُونِي ووحدونى واعتقدوا كمال أسمائي وأوصافي واستقلالى في عموم تدبيراتى وتصرفاتي في ملكي وملكوتي وامتثلوا امرى ولا تشركوا معى في الوجود شيأ من مظاهري ومصنوعاتى هذا الموثوق صِراطٌ

стр. 783

مُسْتَقِيمٌ موصل الى توحيدي فاتخذوه سبيلا ولا تركنوا الى الذين ضلوا عن طريقي وظلموا أنفسهم بالخروج عن مقتضى حدودي واوامرى واحكامى وحكمى وتذكيراتى وَكيف تعبدون الشيطان وتتبعون اثره وتنقادون امره ايها العقلاء المجبولون في فطرة الهداية والرشد مع انه لَقَدْ أَضَلَّ واغوى هذا المضل المغوى مِنْكُمْ يا بنى آدم جِبِلًّا كَثِيراً وجماعة متعددة من بنى نوعكم فانحرفوا بإضلاله عن سواء السبيل ونقضوا باغوائه واغرائه المواثيق الوثيقة والعهود المعهودة فحرموا بذلك عن الجنة الموعودة لهم فاستحقوا جهنم البعد ونيران الخذلان أَتعبدون الشيطان وتقتفون اثره فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ اى لم تستعملوا عقولكم في فظاعة امره وشدة عداوته ووخامة عاقبة متابعته وفيما يترتب على إضلاله من العذاب المخلد والنكال المؤبد فتختارون متابعته ويقبلون منه تقريره وتتركون طريق الحق أفلا تعقلون ايها المسرفون المفرطون وقيل لهم حينئذ مشيرا الى منقلبهم ومثواهم هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي قد كُنْتُمْ ايها الضالون المغرورون تُوعَدُونَ في النشأة الاولى بألسنة الرسل والكتب اصْلَوْهَا وادخلوها الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ اى بشؤم ما تنكرون بذات الله وبكمال أسمائه وصفاته وبما تكذبون كتبه ورسله وتعرضون عنهم وعن دعوتهم ظلما وعدوانا وبعد ما عاينوا العذاب وانواع النكال وعلموا ان اسبابها ما هي الا أفعالهم الصادرة عنهم في دار الاختبار عزموا الى الإنكار وقصدوا ان يقولوا معتذرين والله ما كنا يا ربنا مشركين لك مكذبين كتبك ورسلك فيقول الله الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ ونمنعها عن الكلام والتكلم حتى لا يتفوهوا بالأعذار الكاذبة وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ بما صدر عنهن ظلما وعدوانا وَتَشْهَدُ ايضا أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بها من المعاصي والسعى في طلب المنهيات والمحرمات وبالجملة انطق الله العزيز العليم الخبير الحكيم جميع جوارحهم واركانهم فاعترف كل منها بما اقترف به صاحبه وفي الحديث صلوات الله وسلامه على قائله وحينئذ يقال للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا ثم قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقى فينطق كل بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول للجوارح بعد ما أقرت واعترفت بعد الكنّ وسحقا فعنكن كنت أناضل انتهى الحديث والسر في إنطاق الله سبحانه الأعضاء والجوارح بما صدر عنها هو الإشارة الى ان الالتفات الى السوى والأغيار مطلقا مضر لذوي الألباب والاعتبار وسبب تفضيح وتخذيل لدى الملك الجبار الغيور القهار فلا تذهب الا الى الله ولا تصحب الا مع الله ولا تعتمد الا بالله ولا تتوكل الا على الله وبالجملة فاتخذ الله وكيلا وكفاك سبحانه حسيبا وكفيلا. رزقك الله وإيانا حلاوة صحبته وجنبك وإيانا عن الالتفات الى غيره بمنه وجوده. ثم قال سبحانه اظهار الكمال قدرته واختياره وَكما ختمنا على أفواههم حينئذ وطبعنا على قلوبهم قبل ذلك حين لم يقبلوا دعوة الرسل لَوْ نَشاءُ ان نعميهم ونذهب بأبصارهم لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ وصيرناهم مطموسة ممسوجة كسائر أعضائهم بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق فَاسْتَبَقُوا وبادروا الصِّراطَ والطريق المعهود لهم وهم قد مروا عليها مرارا كثيرة فَأَنَّى يُبْصِرُونَ فكيف يبصرونه بعد ما صاروا مطموسين بل وَلَوْ نَشاءُ ان نسقطهم عن رتبة التكليف ودرجة الاعتبار لَمَسَخْناهُمْ واخرجناهم عن الرتبة الانسانية الى الحيوانية بل عن الحيوانية الى الجمادية ايضا الى ان صاروا جامدين خامدين عَلى مَكانَتِهِمْ كالجمادات الاخر بحيث لا يسع لهم ان يتحولوا عنها أصلا فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ يعنى لو نشاء مسخهم

стр. 784

وإخراجهم عن رتبة الخلافة والنيابة وفطرة التكليف والتوحيد لصيرناهم جمادات لا قدرة لها على الذهاب والإياب أصلا وبالجملة هم بسبب أعمالهم الفاسدة وأفعالهم القبيحة واوصافهم الذميمة وأخلاقهم الغير المرضية أحقاء ان يفعل بهم ما ذكرنا لكن لقد سبقت رحمتنا واقتضت حكمتنا ان نمهلهم زمانا الى ان يتنبهوا او يتولد منهم من يتنبه ويتفطن وَكيف لا نقدر على الطمس والمسخ مع انا بمقتضى قدرتنا وقوتنا مَنْ نُعَمِّرْهُ منهم ونطول عمره في الدنيا نُنَكِّسْهُ ونضعفه فِي الْخَلْقِ بالآخرة الى ان نرده الى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيأ ثم نميت الكل ونصيرهم ترابا وعظاما ولا شك ان من قدر على الأحياء والاماتة والتطويل والتنكيس فهو قادر على المسخ والتطميس فمن اين يتأتى لهم ان ينكروا قدرتنا واختيارنا في أفعالنا واستقلالنا في تصرفات ملكنا وملكوتنا أَفَلا يَعْقِلُونَ ولا يتأملون آثار قدرتنا الغالبة الكاملة الظاهرة على الآفاق والأنفس أولئك العقلاء المتأملون حتى يتفطنوا ويتيقنوا بها. ثم لما قال كفار مكة خذلهم الله ان محمدا شاعر وما جاء به مفترى الى ربه من جملة الاشعار والقياسات المخيلة المشتملة على الترغيبات والتنفيرات والمواعيد والوعيدات وادعاء النبوة والوحى والمعجزة ما هو الا قول باطل وزور ظاهر رد الله عليهم قولهم هذا على وجه المبالغة والتأكيد فقال وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ اى ما جعلنا فطرته الاصلية واستعداده الجبلي قابلة على القياسات الشعرية المبتنية على محض الكذب والخيال المرغب والمنفر بل ما جعلناها الا منزهة عنها بريئة عن أمثالها طاهرة عن ادناس الطبيعة مطلقا خالصة عن شوائب الإمكان ولوث الجهل والتقليد متحلية باليقين والبرهان المنتهى الى الكشف والعيان ثم الى الحق الذي هو منتهى الأمر في باب العرفان وَما يَنْبَغِي لَهُ ويليق بشأنه وبشأن كتابه المنزل عليه ان ينسب هو وهو الى الشعر والشعراء الذين هما ابعد بمراحل عن ساحتي عز جلالهما بل إِنْ هُوَ اى ما الكلام المنزل على خير الأنام إِلَّا ذِكْرٌ عظة وتذكير ناشئ عن العلم والحكمة المتقنة الإلهية مشيرا الى التوحيد الذاتي منبها عليه وَقُرْآنٌ مُبِينٌ مشتمل على احكام ظاهرة وآيات واضحة وبينات لائحة محتو على الأوامر والنواهي الإلهية والحدود والقوانين الموضوعة بالوضع الإلهي بين عباده ليوصلهم الى طريق توحيده منزل على رسوله المستعد لحمله وقبوله لِيُنْذِرَ أنت يا أكمل الرسل بالتبليغ ان قرئ على صيغة الخطاب او القرآن ان قرئ على الغيبة مَنْ كانَ حَيًّا بحياة الايمان موفقا من عندنا باليقين والعرفان معدودا عن عداد السعداء في حضرة علمنا ولوح قضائنا وَالا يَحِقَّ الْقَوْلُ ويصدر الحكم منا بلحوق العذاب حتما عَلَى الْكافِرِينَ المصرين على الكفر والعناد المائتين بموت الجهل والإنكار أَينكرون أولئك المنكرون المشركون توحيدنا ويكفرون نعمنا الفائضة عليهم على التعاقب والتوالي وَلَمْ يَرَوْا ولم يعلموا أَنَّا بمقتضى جودنا خَلَقْنا لَهُمْ بمحض قدرتنا وحكمتنا مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا بلا صنع لهم وتسبب ومظاهرة أَنْعاماً أجناسا وأنواعا وأصنافا فَهُمْ لَها مالِكُونَ متصرفون فيها ضابطون لها قاهرون عليها وَكيف لا يملكون ولا يتصرفون فيها بأنواع التصرفات مع انا قد ذَلَّلْناها وسخرناها اى أجناس الانعام مع كمال قوتها وقدرتها لَهُمْ ولم نجعلها آبية وحشية عنهم بل مقهورة لهم مذللة لحكمهم لذلك فَمِنْها رَكُوبُهُمْ اى مراكبهم التي يركبون عليها كالإبل والخيل وَمِنْها يَأْكُلُونَ من لحومها وشحومها وَمع ذلك لَهُمْ فِيها اى في الانعام مَنافِعُ كثيرة من أصوافها واوبارها واشعارها ونتائجها وَمَشارِبُ من ألبانها أَفَلا يَشْكُرُونَ

стр. 785

النعم الفائضة عليهم المهمة لهم المقوية لأمزجتهم وَمن علامة كفرانهم بنعم الله ونسيانهم حقوق كرمه انهم اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الصمد المستقل بالالوهية والربوبية اولياء وسموهم آلِهَةً مستحقة للعبادة والرجوع في المهمات وكشف عموم الملمات لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ بهم وبشفاعتهم عن بأس الله وبطشه مع انهم جمادات لا يَسْتَطِيعُونَ ولا يقدرون نَصْرَهُمْ اى نصر عابديهم بل وَهُمْ اى العابدون لَهُمْ اى للمعبودين جُنْدٌ مُحْضَرُونَ حولهم حافظون لهم مزينون إياهم بأنواع التزيينات وبالجملة هم اى العابدون منسلخون عن مقتضى العقل بعبادتهم إياهم واتخاذهم اولياء شفعاء وتسميتهم آلهة دون الله وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل حالهم وحال معبوداتهم فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ لك بانك شاعر او مجنون وبان كتابك شعر او من أساطير الأولين وبانك كاذب في دعوى الرسالة والنبوة وبان اخبارك بالبعث زور باطل إِنَّا نَعْلَمُ بحضرة علمنا الحضوري عموم ما يُسِرُّونَ ويضمرون في صدورهم وضمائرهم من الكفر والإنكار بتوحيدنا وباستقلالنا في ملكنا وملكوتنا وَايضا نعلم جميع ما يُعْلِنُونَ من الفسوق والعصيان والخروج عن مقتضى الحدود ظلما وعدوانا فنجازيهم على مقتضى علمنا بهم وبأعمالهم. ثم لما بالغ الكفرة المنكرون المصرون في انكار البعث وتكذيبه وجادلوا مع رسول الله ﷺ على وجه العناد والمكابرة حتى اتى ابى بن خلف بعظم بال وفته عند النبي ﷺ فقال متعجبا على سبيل الإنكار مستبعدا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما كذلك انا لمخرجون مبعوثون هيهات هيهات لما توعدوننا رد الله عليهم وعلى عموم من أنكر قدرته على البعث فقال أَينكر المنكر المصر قدرتنا على اعادة الروح الى الأبدان وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ المجبول على الدراية والشعور ولم يتذكر ولم يعلم أَنَّا خَلَقْناهُ وقدرنا وجوده أولا مِنْ نُطْفَةٍ مهينة وهي أرذل من التراب وانزل رتبة فَإِذا هُوَ اليوم بعد ما قد سويناه رجلا كاملا في العقل والرشد خَصِيمٌ مُبِينٌ مجادل مكابر زعيم ظاهر المراء والمجادلة معنا منكرا لقدرتنا مع انه قد كان جمادا أرذل في نهاية الرذالة والخساسة وَما يستحيى منا ومن قدرتنا حتى ضَرَبَ لَنا مَثَلًا موضحا لنفى قدرتنا وَقد نَسِيَ خَلْقَهُ اى خلقنا إياه ومن كمال نسيانه وضلاله قالَ متعجبا مستبعدا على سبيل الإنكار مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ البالية وَالحال انه هِيَ رَمِيمٌ بال في غاية البلى بحيث تفتت اجزاؤها وتطيرت بالرياح قُلْ يا أكمل الرسل في جوابهم بعد ما قد بالغوا في الإنكار والاستبعاد يُحْيِيهَا اى العظام ويعيد الروح إليها القادر المقتدر الَّذِي أَنْشَأَها اى أوجدها وابدعها أَوَّلَ مَرَّةٍ من كتم العدم إنشاء إبداعيا بلا سبق مادة ومدة وَان استبعدوا واستحالوا جمع الاجزاء المنبثة المفتتة الممتزجة بعضها مع بعض الى حيث يستحيل امتيازها وافتراقها أصلا قل هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ ومخلوق من نقير وقطمير عَلِيمٌ بعلمه الحضوري لا يغيب عن حيطة حضرة علمه ذرة ولا يشتبه عليه شيء من معلوماته فله سبحانه ان يميز أجزاء كل شخص شخص ويركبها على الوجه الَّذِي كان عليه في النشأة الاولى ثم يعيد الروح اليه فصار حيا كما كان وما ذلك على الله بعزيز وكيف لا يقدر العليم الحكيم على امتياز أجزاء الأنام والتيامها واعادة الروح إليها إذ هو القادر المقتدر الذي جَعَلَ لَكُمْ ايها المكلفون حسب علمه وقدرته مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ الرطب الذي يتقاطر منه الماء ناراً مع ان بين الماء والنار من التضاد وكيف تنكرون إخراج النار من الشجر الرطب فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ

стр. 786

حينا كثيرا قال ابن عباس رضى الله عنهما شجرتان معروفتان يقال لأحدهما المرخ وللآخر العفار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنتين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما ماء فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار باذن الله تعالى ولهذا قال الحكماء لكل شجر نار الا العناب. ثم أشار سبحانه ايضا الى كمال قدرته واختياره فقال أَينكر المنكرون قدرتنا على البعث وحشر الموتى وَلَيْسَ القادر المقتدر الَّذِي خَلَقَ أوجد واظهر السَّماواتِ اى العلويات وما فيها وَالْأَرْضَ اى السفليات وما عليها بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ويعيدهم احياء كما كانوا بَلى من قدر على خلق السموات العلى والأرضين السفلى قادر على بعث الموتى وحشرهم في النشأة الاخرى بالطريق الاولى وَكيف لا هُوَ الْخَلَّاقُ المبالغ في تكثير الخلق والإيجاد ابداعا وإبداء واعادة الْعَلِيمُ بعموم المعلومات والمقدورات ازلا وابدا على التفصيل بحيث لا يخرج عن حيطة حضوره ذرة من ذرائر ما كان ويكون بل الكل عنده ممتاز محفوظ وبالجملة لا تستبعدوا ايها الجاهلون بالله وبعلمه وقدرته وسائر أوصافه الكاملة وأسمائه العامة الشاملة أمثال هذا بل بالنسبة اليه سبحانه سهل يسير وكيف لا يسهل عليه سبحانه أمثال هذا إِنَّما أَمْرُهُ وشأنه انه إِذا أَرادَ شَيْئاً اى تعلق ارادته بتكوين شيء من معلوماته ومقدوراته أَنْ يَقُولَ لَهُ بعد ما تعلق عليه ارادته كُنْ المؤدى لأمره وحكمه فَيَكُونُ المأمور المحكوم على الفور بلا تراخ ومهلة والتعقيب انما ينشأ من العبارة والا فلا تأخير ولا تعقيب في سرعة نفوذ قضائه سبحانه وبالجملة إياك إياك ومحتملات الألفاظ ومنطوقات العبارات فإنها بمعزل عن ادراك كيفية امر الله وشأن حكمه ومضاء قضائه على وجهه ومتى سمعت ما سمعت من كمال قدرة الله ومتانة حكمه وحيطة علمه وقدرته وشمول ارادته واستقلال اختياره فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وله التصرف بالاستحقاق والاستقلال في ملكه وملكوته يعنى تنزه وتقدس ذات من في يده وقبضة قدرته مقاليد الملك ومفاتيح الملكوت من ان يعجز عن اعادة الأموات احياء سيما بعد ما ابدأهم من العدم كذلك ولم يكونوا حينئذ شيأ مذكورا تعالى شأنه عما يقول الظالمون في حقه علوا كبيرا وَكيف لا يقدر سبحانه على البعث والأحياء إذ إِلَيْهِ لا الى غيره إذ لا غير معه في الوجود ولا اله سواه موجود مشهود تُرْجَعُونَ رجوع الأمواج الى الماء والأضواء الى الذكاء سبحان من لا يجرى في ملكه الا ما يشاء خاتمة سورة يس عليك ايها السالك المتدبر المتأمل في كيفية رجوع الكائنات الى الوحدة الذاتية وارتباط عموم المظاهر والمصنوعات الى المبدأ الحقيقي والمنشأ الأصلي أزال الله عن بصر بصيرتك سبل الحول واعانك على رفع الحجب وكشف العلل ان تصفى باطنك عن الميل الى الغير والسوى مطلقا بحيث يصير باطنك مملوا بمحبة الله فتترسخ تلك المحبة فيه وتتمرن الى ان قد خفى عليك جميع خواطرك وهواجس نفسك سواها ثم تسرى من باطنك الى ظاهرك فتشغلك عن عموم مشتهياتك ومستلذاتك ومقتضيات جوارحك وقواك وبالجملة يمتلئ بها ظاهرك وباطنك فحينئذ لم يبق لك التفات الى الغير مطلقا فصرت حيرانا مدهوشا مستغرقا بمطالعة وجه الله الكريم وبعد ما صرت كذلك قد جذبك الحق عنك نفسك وستر عليك رمسك الى ان قد غبت فيه وفنيت

стр. 787

فحينئذ حق لك ان تقول بلسان استعدادك بعد ما فنيت رسومك وآثارك في الله انا لله وانا اليه راجعون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء واليه ترجعون [سورة الصافات] فاتحة سورة الصافات لا يخفى على ارباب الصفوة من المنجذبين نحو الحق المنكشفين بانبساط وحدته الذاتية حسب شئونه وتطوراته المنتشئة من أسمائه وصفاته الذاتية على صفائح المظاهر والمجالى الغير المحصورة والعكوس والاظلال الغير المتناهية ان الوحدة الحقيقية الحقية لما أرادت ان تتجلى بالتجلى الحبى لإظهار الكمالات المندمجة في ذاتها المقتضية للظهور والجلاء والاستجلاء تنزلت أولا من مرتبة الاحدية والعماء الذاتي الذي لا يتصور فيها الشعور والإدراك مطلقا الى الواحدية ثم منها الى ما شاء الله فظهرت المراتب والكثرات فأول كثرة ظهرت منها هي الأسماء الحسنى والصفات العليا الغير المنحصرة الموسومة عند ارباب الأذواق بالملائكة المهيمين الوالهين بمطالعة وجهه الكريم الصافين حول عرشه العظيم ثم ظهرت من تلك الأسماء والصفات كثرة الآثار والاظلال المنعكسة منها ثم ترتبت على تلك العكوس والاظلال اللوازم والعوارض والإضافات والتعلقات الفائتة للحصر والإحصاء وبعد ما قد بلغت الكثرة نهايتها تكونت الطبائع والهيولى والجواهر والاعراض وحدثت الفتن والأمراض واختلفت المذاهب والأغراض وتشعبت الطرق والأحزاب وتكثرت الملل والنحل وتزاحمت الأفكار والآراء وتعارضت الأماني والأهواء فحينئذ اقتضت الحكمة الإلهية وضع الحدود والقوانين وتحميل التكاليف الشافة على العباد وتشريع الطاعات والعبادات عليهم وإرسال الرسل والأنبياء المؤيدين من عند الله بالكتب المنزلة الفارقة بين الحق والباطل من السبل والاحكام المبينة للأمم براهين التوحيد وحجج اليقين ليتميز المحق من المبطل والموحد من الملحد والمؤمن العارف من الكافر الجاهل ولهذا المطلب العلى والمقصد السنى الذي هو التوحيد الذاتي اقسم سبحانه بأعظم مخلوقاته وأقربها الى صرافة الذات ألا وهم الملائكة الصافون حول الذات الاحدية المهيمون عند سرادقات العز والجلال بمطالعة الجمال فقال ﵎ مفتتحا بعد ما تيمن باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى على ملائكته الحافين لذاته الصافين حول عرشه العظيم الرَّحْمنِ عليهم بعموم فيضه وشمول رحمته الرَّحِيمِ لهم يأمرهم بعكوف بابه ويقربهم عند جنابه [الآيات] وَالصَّافَّاتِ اى وحق الأسماء والصفات الإلهية الصافين حول الذات الاحدية المنتظرين لشئونه وتجلياته إذ هو سبحانه في كل آن في شأن ولا يشغله شأن عن شأن صَفًّا مستقيما مستويا بحيث لا يتحولون عنه أصلا بل هم هائمون دائمون والهون مستغرقون منتظرون بماذا يأمرهم ربهم من التدبيرات المخزونة في حضرة علمه المحيط والتصويرات المثبتة المكنونة في لوح قضائه المحفوظ ومتى تعلق ارادته بمقدور من مقدوراته ومراداته المأمورة إياهم وهم حينئذ زاجرات فَالزَّاجِراتِ المدبرات على الفور لما يأمرهم الحق من التدبيرات المتعلقة بنظام الكائنات غيبا وشهادة زَجْراً تاما وتدبيرا كاملا حسب المأمور والمقدور بلا فتور وقصور وبعد ما صدر امره سبحانه وجرى قضاؤه بقوله كن فهم حينئذ التابعات الطالبات لامتثال الأمر المقضى بلا فترة وتسويف فَالتَّالِياتِ التابعات لإنفاذ قضائه سبحانه القارأت المبلغات ذِكْراً منه ووحيا من لدنه سبحانه لمن أمرهم الحق بتبليغه إياهم ألا وهم الأنبياء والرسل المؤيدون بالوحي والإلهام المصطفون من بين البرايا والعباد

стр. 788

بالخلافة والنيابة عن الله المتحملون لا عباء النبوة والرسالة يعنى وبحق هؤلاء الملائكة الذين هم من سدنة باب اللاهوت وخدمة عتبة حضرة الرحموت المنتظرون لما صدر عنه سبحانه من الأمور المتعلقة بالملك والملكوت إِنَّ إِلهَكُمْ الذي أظهركم وأبدعكم من كتم العدم ولم تكونوا ايها العكوس المستهلكة في شمس الذات شيأ مذكورا لا حسا ولا عقلا ولا خيالا ولا وهما لَواحِدٌ احد صمد فرد وتر ليس له شريك في الوجود ولا نظير في الظهور والشهود فهو بوحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته رَبُّ السَّماواتِ العلى وَالْأَرْضِ السفلى وَما بَيْنَهُما من الكوائن والفواسد الممتزجة الى ما لا يتناهى لا مربى للمذكورات سواه ولا مظهر للكائنات الا هو وَكيف لا وهو سبحانه رَبُّ الْمَشارِقِ اى الاستعدادات القائلة لشروق شمس ذاته المتأثرة من اشعة أسمائه وصفاته وبعد ما ثبت وحدة ذاتنا واستقلالنا في تصرفات ملكنا وملكوتنا ولاهوتنا وجبروتنا إِنَّا من مقام عظيم جودنا وكمال قدرتنا قد زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا اى القربى لكم ايها المكلفون حيث ترون ما فيها بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ اى برينة هي الكواكب او بدل على كلتا القراءتين بتنوين وبلا تنوين تحلية وتزيينا تبتهجون بها حين تنظرون إليها وتتأثرون منها سعدا ونحسا إقبالا وإدبارا وَجعلناها حِفْظاً اى بعد ما قد زينا السماء بها صيرناها صائنة حفظا لها مِنْ وصول كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ خارج عن اطاعة الله مائل عن توحيده كي لا يَسَّمَّعُونَ اى مردة الشياطين ولا يصغون إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى اى الى الاذكار والاستغفار وسائر السرائر والأسرار الجارية على ألسنة الملائكة إذ هم اى الشياطين والجن أشبه المخلوقات الى الملائكة وانما منعهم سبحانه عن الإصغاء إليهم لأنهم من غاية عداوتهم مع بنى آدم يعكسون عليهم ما يسمعون فيضلوهم عن الصراط المستقيم إذ يدعون الألوهية والربوبية لأنفسهم ويحتجون بما يستمعون من الملائكة ترويجا وتغريرا ويلبسون الأمر على ضعفة الأنام فيحرفونهم عن جادة التوحيد والإسلام وَلذلك يُقْذَفُونَ ويطرحون أولئك الماردون مِنْ كُلِّ جانِبٍ من جوانب السموات وآفاقها دُحُوراً طردا بليغا وزجرا شديدا وَمع ذلك الطرد والزجر لَهُمْ اى الشياطين عَذابٌ نازل مستمر في النشأة الاخرى واصِبٌ مؤبد دائم لا ينفك عنهم في حين من الأحيان إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ اى يطردون الماردون حتى لا يستمعوا الا من اختطف منهم فاختلس من الملائكة الخطفة على سبيل الاستراق فَأَتْبَعَهُ اى تبعه ولحقه على الفور حين اختطافه واختلاسه شِهابٌ ثاقِبٌ اى كوكب مضيء كجذوة النار يثقب الجنى فيقتله او يحرقه او يخبله. والقول بان الشهاب من الأشياء الكائنة في الجوّ لا من الكواكب قول تخمينى ابتدعها الفلاسفة من تلقاء نفوسهم لا يعضده عقل ولا يوافقه نقل فاما قولهم في خبط الحركات الفلكية والاجرام العلوية وتقويم الكواكب والبروج وتقدير الأشكال والصور الى غير ذلك من الأمور المنتهية الى الحس ربما يؤدى الى اليقين واما في طبائع المكونات وحقائق الموجودات وكيفية تراكيب الماهيات وغير ذلك من الأمور الحقيقية التي لا مجال للحس فيها ولا للعقل ما هو الا تخمين زائل وزور باطل إذ لا يعرف كنه الأشياء الا خالقها ومظهرها لا يسع لاحد ان يتفوه عنها وعن كيفيتها وكميتها وكيفية التيامها على ما هي عليه وتركيباتها الحقيقية وهم اى مردة الشياطين بمجرد تلك الخطفة المختلسة يضلون كثيرا من الناس الى حيث يستعبدونهم ويأمرونهم بالاطاعة والانقياد الى أنفسهم والعبادة إياهم باتخاذهم اولياء وآلهة من دوننا جهلا فَاسْتَفْتِهِمْ اى

стр. 789

المشركين المتخذين الشياطين اولياء آلهة من دوننا واستخبرهم يا أكمل الرسل على سبيل التبكيت والتعيير تنصيصا على غيهم وتصريحا بكفرهم واستحقاقهم العذاب المؤبد والنكال المخلد أَهُمْ اى آلهتهم وشياطينهم أَشَدُّ خَلْقاً اى إيجادا وتأثيرا أَمْ مَنْ خَلَقْنا وأظهرنا بمقتضى قدرتنا الكاملة من المخلوقات المذكورة التي هي الملائكة الصافات والسموات المطبقات والكواكب السيارات المتفاوتة في التأثيرات والأرض وما عليها من البسائط والمركبات والمواليد وما بينهما من الممتزجات وغير ذلك من الاستعدادات القابلة لشروق شمس الذات سيما إِنَّا خَلَقْناهُمْ وقدرنا هؤلاء المتخذين لغيرنا أربابا أولا مِنْ طِينٍ لازِبٍ لاصق منتن مهين لازم النتن والهوان ثم ربيناهم بأنواع التربية الى ان سويناهم رجالا عقلاء ليعترفوا بنا وبتوحيدنا والوهيتنا وربوبيتنا ويواظبوا على شكر نعمتنا فعكسوا الأمر واتخذوا اولياء من دوننا واعتقدوهم آلهة سوانا وبالجملة قد انقلبوا خاسرين خائبين او المعنى فاستفتهم اى سلهم اى المشركين أهم في أنفسهم أشد خلقا وأعظم مخلوقا أم من خلقنا من المخلوقات المذكورة سابقا مع انهم لم يتخذوا الها سوانا ولم يعبدوا غيرنا وهؤلاء الحمقى كيف اتخذوا من دوننا أولياء ويسمونهم آلهة شفعاء مع انهم أضعف بالنسبة إليهم مخلوقون من أدون الأشياء وارذلها انا خلقناهم وقدرنا وجودهم أولا من طين لازب مسترذل منتن تستكرهه الطبائع ومتى سمعت يا أكمل الرسل قولهم وانكارهم التوحيد واشراكهم بالله أدون الأشياء مع ضعف خلقهم وتأملت حالهم فقد استبعدت منهم هذا بَلْ عَجِبْتَ أنت وعجبت انا على القرائتين منهم أمثال هذا مع انهم مجبولون على فطرة الدراية والشعور موهوبا لهم العقل المفاض المشير لهم الى التوحيد وتصديق البعث والحشر وجميع الأمور الاخروية وَهم مع هذا يَسْخَرُونَ بك مهما سمعوا منك الاخبار والآيات الواردة في امر البعث والحشر بل وَهم من شدة قسوتهم وغاية عمههم وسكرتهم في غيهم وغفلتهم إِذا ذُكِّرُوا ووعظوا بالإنذارات البليغة والتخويفات الشديدة المتعلقة للآخرة لا يَذْكُرُونَ ولا يتأثرون ولا يتعظون ولا يقتصرون على عدم القبول والتذكر بل وَإِذا رَأَوْا اى علموا وسمعوا آيَةً معجزة نازلة في شأن البعث والنشور يَسْتَسْخِرُونَ بها ويستهزؤن بك يا أكمل الرسل عنادا واستكبارا وَقالُوا من شدة بغضهم وضغينتهم معك يا أكمل الرسل ومع كتابك إِنْ هذا اى ما هذا الذي قد جاء به هذا المدعى مفتريا على ربه إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ اى سحرية ما جاء به ظاهرة وهو في نفسه ساحر ماهر لكن كلامه زور باطل أَنبعث ونحيى إِذا مِتْنا وانفصل عنا روحنا سيما وَقد كُنَّا تُراباً وَعِظاماً بالية رميمة أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ بعد ما صرنا كذلك أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ الأقدمون يبعثون ويحشرون هيهات لما توعدون ان هي الا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما بالغوا في انكار البعث واستحالة نشأة النشور نَعَمْ تبعثون أنتم ايها الضالون المنكرون والى ربكم تحشرون وعن أعمالكم تسئلون وعليها تحاسبون والى جهنم تساقون وَأَنْتُمْ فيها داخِرُونَ داخلون دائمون صاغرون مهانون وكيف تنكرون قدرتنا على البعث وقيام الساعة فَإِنَّما هِيَ اى الساعة والبعث بعد ما تعلقت مشيتنا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ اى صيحة واحدة ناشرة منشرة لهم من قبورهم سائقة زاجرة لهم نحو المحشر زجر الراعي الصائح للغنم وبعد ما سمع الأموات الصيحة اى النفخة الثانية في الصور فَإِذا هُمْ قيام يَنْظُرُونَ حيارى وسكارى تائهين والهين وَقالُوا بعد ما قاموا كذلك

стр. 790

متحسرين متمنين الهلاك والويل يا وَيْلَنا وهلكنا أدركنا هذا اليوم يَوْمُ الدِّينِ والجزاء الذي قد وعدنا الله به على ألسنة رسله وكتبه في النشأة الاولى فنحن قد كنا ننكره ونكذبه ونستهزئ بمن جاء به واخبر عنه عنادا ومكابرة فالآن رأيناه وابتلينا به يا حسرتنا على ما فرطنا في ترك الايمان به وتصديق مخبره وبعد ما قالوا ما قالوا قيل لهم من قبل الحق على سبيل التقريع والتعيير إظهارا لكمال القدرة هذا يَوْمُ الْفَصْلِ والقضاء بالعدل الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ايها الضالون المنكرون المصرون على التعنت والعناد. ثم امر سبحانه للملائكة المترصدين لأمره القائمين بحكمه احْشُرُوا وسوقوا الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالخروج عن مقتضى الحدود الإلهية واجمعوهم للمحشر وَأَزْواجَهُمْ اى أشباههم وأمثالهم وقرناءهم الذين اقتدوا بهم واقتفوا أثرهم معهم وَاحضروا معهم ايضا ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ظلما وعدوانا اى معبوداتهم الباطلة تتميما لإلزامهم فَاهْدُوهُمْ اى قدموهم ودلوهم جميعا إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ وبالجملة سوقوهم بأجمعهم عابدا ومعبودا الى نيران الطرد وسعير الخذلان وَقِفُوهُمْ واحبسوهم في الموقف ساعة إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ عن أعمالهم التي جاءوا بها في نشأتهم الاولى محاسبون عليها وبعد ما سئلوا وحوسبوا جوزوا عليها بمقتضاها ثم سوقوا الى النار والسر في السؤال والحساب والله اعلم تسجيل العذاب عليهم وتنصيصه إياهم لئلا ينسب سبحانه الى الظلم والعدوان ظاهرا ولئلا يجادلوا معه سبحانه إذ كان الإنسان المجبول على الكفر والنسيان اكثر شيء جدلا ثم قيل لهم من قبل الحق توبيخا وتقريعا ما لَكُمْ اى ما شأنكم وأى شيء عرض عليكم ايها الضالون المضلون لا تَناصَرُونَ اى لا ينصر بعضكم بعضا اى معبوداتكم لا تنصركم ولا تشفع بتخليصكم مع انكم اتخذتموهم أولياء واعتقدتموهم آلهة شفعاء فلم لا ينصرونكم ولا ينقذونكم من عذابنا ولم لا يمكرون ولا يحيلون بأنواع الحيل والخداع ولم لا يعتذرون بالأعذار الكاذبة لإنقاذكم من عذابنا كما كنتم تزعمون في النشأة الاولى وهم حينئذ من شدة الهول هائمون حائرون بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ منقادون خاضعون ومن اشتداد العذاب عليهم خائفون خاشعون وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ حين يساقون نحو النار يَتَساءَلُونَ ويتخاصمون ويتلاومون حيث قالُوا اى السفلة الضعفاء منهم لرؤسائهم إِنَّكُمْ ايها الضالون المضلون قد كُنْتُمْ من شدة شغفكم وحرصكم على تضليلنا ومنعنا عن تصديق الرسل وقبول دعوتهم تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ اى عن أقوى جوانبنا او عن أقوى الطرق الموصلة الى مطلوبكم منا ألا وهو المال وحطام الدنيا فتعطوننا منه وتحرفوننا عن طرق السلامة وسبل الاستقامة قالُوا اى الرؤساء في جواب الضعفاء ما قولكم هذا الا افتراء منكم علينا ومراء كيف يتيسر لنا ويتأتى منا ان نؤثر نحن في قلوبكم بحيلنا ومكرنا واعطائنا المال إياكم والإحسان عليكم بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ مع ان الأيمان انما هو من افعال القلوب بل لم تكونوا في انفسكم مؤمنين مصدقين فتميلون على ما كنا وكنتم عليه طبعا وهواء فتفترون اليوم علينا فرية ومراء وَان ادعيتم اكراهنا إياكم حينئذ فقد كذبتم إذ ما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ استيلاء وغلبة سيما على قلوبكم الى حد تخافون أنتم عن قهرنا وإهلاكنا إياكم لو لم تكفروا بَلْ قد كُنْتُمْ في انفسكم كما كنا قَوْماً طاغِينَ قد طغيتم وبغيتم على الله كما طغينا وبغينا وبالجملة انا وإياكم تابعا ومتبوعا لفي ضلال مبين فَحَقَّ اى لزم وثبت وجرى عَلَيْنا وعليكم قَوْلُ رَبِّنا وحكمه المبرم المثبت في لوح قضائه المحفوظ في

стр. 791

حضرة علمه المحيط بانا وأنتم من الأشقياء المردودين مستحقون لانواع العذاب والنكال وبالجملة إِنَّا بأجمعنا لَذائِقُونَ اليوم ما كتب الله لنا من العذاب وبالجملة سلمنا انا قد اضللناكم عن الهدى بمكرنا وخداعنا فَأَغْوَيْناكُمْ عن الايمان والتوحيد إِنَّا كُنَّا ايضا غاوِينَ أمثالكم فلحق بنا ما لحق بكم الى متى تعيروننا وتخاصموننا وبعد ما تمادى وتطاول بينهم جدالهم وتخاصمهم قيل لهم من قبل الحق فَإِنَّهُمْ بأجمعهم ضالا ومضلا تابعا ومتبوعا يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ المؤبد المخلد مُشْتَرِكُونَ كما قد كانوا مشتركين في أسبابه وموجباته في النشأة الاولى وبالجملة إِنَّا من غاية قهرنا وجلالنا كَذلِكَ اى مثل الفعل الهائل المهول الذي هو سوقهم جميعا الى النار نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ اى بعموم المتخذين لنا شركاء من دوننا الخارجين عن ربقة عبوديتنا بالالتفات والتوجه الى غيرنا وكيف لا نفعل مع المجرمين المشركين كذلك إِنَّهُمْ من شدة عتوهم وعنادهم قد كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ تذكيرا وتنبيها لا إِلهَ في الوجود يعبد له ويرجع اليه في الخطوب إِلَّا اللَّهُ الواحد الأحد الصمد الوتر الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد هم يَسْتَكْبِرُونَ ويعرضون عن كلمة التوحيد ومقتضاها ويمتنعون عنها وعن معناها وَيَقُولُونَ حينئذ من غاية تعنتهم وإصرارهم على الشرك على سبيل الإنكار والاستبعاد أَإِنَّا مع كمال عقلنا ورشدنا لَتارِكُوا آلِهَتِنا الذين قد كنا نحن وآباؤنا وأسلافنا لها عابدين عاكفين سيما لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ يتكلم بكلام المجانين بمجرد ما قد جاءنا بأباطيل من تلقاء نفسه مشتملة على أساطير الأولين يعنون الرسول ﷺ . ثم لما تمادوا في طعنه والطغيان وبالغوا في القدح في الرسول والقرآن وإنكاره رد الله عليهم على ابلغ وجه وافصح بيان فقال سبحانه على سبيل الإضراب عن قولهم بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ داعيا على الحق هاديا الى الحق وَعلامة حقيته وصدقه انه قد صَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ المنزلين من عندنا على الحق اليقين وبالجملة إِنَّكُمْ ايها الضالون المكذبون به ﷺ وبكتابنا المنزل اليه من عندنا لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ المعد لكم ولأمثالكم في قعر الجحيم وَاعلموا انكم ما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى بمقتضى ما عملتم واقترفتم لأنفسكم بلا زيادة عليه ولا نقصان منه عدلا منا وقهرا على من انحرف عن جادة توحيدنا إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ على الايمان والأعمال الصالحة خالصا لوجه الله الكريم أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله المرضيون لديه سبحانه لَهُمْ من فضل الله عليهم ولطفه معهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ معد معين من عنده سبحانه صوريا ومعنويا علميا وعينيا كشفيا وشهوديا على مقتضى ما عملوا من صالحات الأعمال والأخلاق والحالات بل لهم تفضلا منا عليهم ومزيدا لتكريمهم فَواكِهُ كثيرة يتلذذون بها حسب ما يشتهون وَبالجملة هُمْ مُكْرَمُونَ عند ربهم متنعمون فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ المشتملة على الرزق الصوري والمعنوي متكئين كل منهم مع قرينه عَلى سُرُرٍ رفيعة حسب رفعة درجاتهم في الايمان والعرفان والكشف والعيان مُتَقابِلِينَ متواجهين كل منهم مع قرينه يُطافُ عَلَيْهِمْ تشويقا لهم وتجديدا لذوقهم وحضورهم بِكَأْسٍ مملو مِنْ مَعِينٍ هو عبارة عن خمر الجنة سميت به لأنها قد عانت ونبعت من بحر اللاهوت وترشحت من عين الحياة المنتشئة من حضرة الرحموت بَيْضاءَ يعنى في غاية الصفاء والضياء بحيث لا لون لها حتى يدركها النظر ويخبر عنها الخبر لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ اى لذيذة للعارفين المتعطشين بزلال التوحيد وبرد اليقين لا يدرك

стр. 792

كيفيها الا من يذوقها لا يظمأ منها ابدا ولا يروى سرمدا ولا نخرج نشوتها عنه ابدا بل يطلب دائما مزيدا إذ لا فِيها غَوْلٌ اى غائلة خمار وصداع يترتب عليها كما يترتب على خمور الدنيا وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ يسكرون الى حيث تذهب عقولهم وتفسد أمزجتهم وتختل خواطرهم وينسون مطالبهم ويضلون عن مقاصدهم كما في خمر الدنيا بل يزيد منها شوقهم وذوقهم ويتكامل طلبهم وَعِنْدَهُمْ من الأزواج المزدوجة معهم المقبولة عندهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عليهم مقصورات النظر إليهم لا يلتفتن الى غيرهم عِينٌ حسان الأعين متناسب الحواجب والأجفان والاماق كَأَنَّهُنَّ في صفاء البدن وبياضه بَيْضٌ مَكْنُونٌ مصون محفوظ عن الغبار مخلوط بادنى صفرة كلون الفضة وهو احسن ألوان جسد الإنسان وبعد ما يشربون من المعين وشملتهم الكيفية أخذوا يتحدثون فَأَقْبَلَ والتفت بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ويتقاولون عما جرى عليهم في نشأة الدنيا وكذا عما ادخروا فيها للنشأة الاخرى من المعارف والحقائق والأعمال والأحوال والمواجيد والأخلاق والعبر والأمثال قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ على سبيل التذكير والتحاكى عن انكار المنكرين ليوم البعث والنشور إِنِّي قد كانَ لِي قَرِينٌ في دار الدنيا منكر لهذه النشأة وانا معتقد لها منتظر لقيامها يَقُولُ لي يوما على سبيل النصح مستنكرا مستبعدا أَإِنَّكَ ايها المجبول على فطرة الدراية والشعور لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ المعتقدين الموقنين أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً تعتقد أنت وتصدق أَإِنَّا لَمَدِينُونَ اى مجزيون بأعمالنا التي قد كنا نعمل مسئولون عنها محاسبون عليها كلا وحاشا ما حياتنا الا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين في النشأة الاخرى ثم قالَ لقرنائه في الجنة مستفهما عن حال قرينه المنكر للبعث هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ يعنى هل أنتم تريدون وتطلبون ايها المسرورون في الجنة ان تطلعوا على حال ذلك القرين في النار قالوا له أنت أحقنا بالاطلاع على حاله منا إذ هو مصاحبك وقرينك فَاطَّلَعَ هو بعد ما نظر وابصر من الكوى التي فتحت في الجنة نحو النار فَرَآهُ اى قرينه المنكر مطروحا فِي سَواءِ الْجَحِيمِ اى وسطه معذبا بأنواع العذاب والنكال قالَ له بعد ما رآه في النار مقسما على سبيل التأكيد والمبالغة تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ يعنى والله انك ايها الجاهل المفرط قد قاربت من إهلاكي باغرائك واغوائك ونصحك الى وتذكيرك على بما يدل على انكار البعث وتكذيب يوم الجزاء واستدلالك على استحالته وَبالجملة لَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي وتوفيقه إياي بالعصمة والثبات على عزيمة الايمان والتوحيد لَكُنْتُ مثلك مِنَ الْمُحْضَرِينَ معك في وسط الجحيم يعنى كنت انا ايضا من جملة اهل النار مثلك ثم أخذ يباهى ويفتخر على قرينه بالنعيم المقيم واللذة المستمرة بلا طريان موت وعروض عذاب فقال مستفهما أَتعلم ايها المفسد المفرط انا في الجنة مخلدون منعمون فَما نَحْنُ ابدا بِمَيِّتِينَ مائتين متحولين عنها بل لا موت لنا فيها ابد الآبدين إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى التي قد متنا عن الدنيا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ أصلا أمثالكم إِنَّ هذا الخلود والتنعم والسرور بلا طريان ضد عليه لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والكرم الجسيم من الله العلى الحكيم إيانا ثم قيل من قبل الحق ترغيبا للمؤمنين على الطاعات وحثا لهم على الإتيان بالأعمال الصالحات وتطييبا لقلوبهم بترتب هذه الحسنات على أعمالهم وأخلاقهم ومواجيدهم وحالاتهم وبالجملة لِمِثْلِ هذا الفوز العظيم والنوال الكريم فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ في النشأة الاولى لا للحظوظ الفانية واللذات الزائلة الدنياوية المستتبعة لانواع الآلام والحسرات. ثم قال

стр. 793

سبحانه أَذلِكَ المذكور من الرزق المعلوم واللذة المستمرة والنشوة الدائمة بلا صداع ولا خمار والحياة الابدية والمسرة السرمدية خَيْرٌ نُزُلًا لأهل الجنة العلية أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ لأهل النار ألا وهي ثمرة شجرة مرة كريهة الرائحة والطعم يستكرهه طباع اهل النار ألا انهم يتناولون منها للضرورة ثم لما عبر سبحانه عن نزل اهل الجحيم بالزقوم فسمعها كفار مكة قالوا كيف يكون في النار شجرة وثمرة ومن شأنها إحراق ما يجاورها فاستهزءوا برسول الله ﷺ وقال ابن الزبعرى لصناديد قريش ان محمدا يخوفنا بالزقوم والزقوم بلسان بربر الزبد والتمر فأدخلهم ابو جهل في بيته فقال يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد ﷺ فرد الله سبحانه قولهم واستهزاءهم بقوله إِنَّا جَعَلْناها اى الشجرة المذكورة فِتْنَةً وابتلاء لِلظَّالِمِينَ وسببا لازدياد العذاب واشتداد النكال عليهم إذ هم يتقاولون فيها ويحملونها الى لغة اخرى ويتخذون لها محملا جيدا ويستهزؤن بها مع النبي ﷺ فيستحقون أسوأ العذاب والعقاب ويطعمون منها حين دخولهم في النار وبالجملة إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ وتنبت فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ اى منبتها في قعرها وأغصانها في دركاتها طَلْعُها اى ثمرتها التي تطلع منها وتحصل كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ في القبح والهجنة هذا من قبيل تشبيه المحسوس بالمتخيل كتشبيه الطيور الحسنة بالملائكة يعنى تستكره من رؤيتها الطباع استكراهها من رؤس المردة من الجن المصورة على أقبح الصور وأهولها فَإِنَّهُمْ اى أولئك المنكرين المستهزئين وجميع من في النار من الكافرين لَآكِلُونَ مِنْها إذ لا مأكول لهم فيها سواها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ اى يملؤون بطونهم منها لشدة الجوع او يجبرون ويكرهون لأكلها زجرا عليهم وتشديدا لعذابهم إذ هي احر من النار وأبرد من الزمهرير ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ بعد ما ملئوا بطونهم منها إذ لا مأكول مع كمال حرارتها واشتداد العطش عليهم عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ اى خلطا ومزجا من ماء حار في غاية الحرارة بعد ان تخرجهم الخزنة من الجحيم وتوردهم إليها ورود البهائم الى الماء فيشربون منها فيقطع أمعاءهم ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ بعد ما اصدرتهم الخزنة وأخرجتهم من الماء لَإِلَى الْجَحِيمِ البتة إذ لا مرجع لهم سواها وانما ابتلوا بما ابتلوا به من العذاب المؤيد والعقاب المخلد إِنَّهُمْ أَلْفَوْا اى قد صادفوا ووجدوا آباءَهُمْ ضالِّينَ منحرفين عن سبل السلامة وجادة الاستقامة التي هي التوحيد والإسلام فَهُمْ اى هؤلاء الأخلاف الأجلاف بعد ما وجدوا أسلافهم كذلك عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ يسرعون على الفور ويعملون مثل عملهم تقليدا لهم بلا تدبر وتأمل وَبالجملة لَقَدْ ضَلَّ وانحرف عن جادة العدالة قَبْلَهُمْ اى قبل قومك يا أكمل الرسل أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ من الأمم السالفة وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ بعد ما ضلوا وأضلوا عن صراط الحق وجادة توحيده مُنْذِرِينَ مثل ما أرسلناك الى هؤلاء الضالين المنصرفين عن الطريق المستبين بالإنذارات البليغة والتخويفات الشديدة فلم يفدهم انذاراتهم كما لم يفد إنذارك الى هؤلاء المسرفين المفرطين فأخذناهم بغتة واستأصلناهم مرة فَانْظُرْ ايها المعتبر المستبصر كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ بعد ما انذروا بالإنذارات البليغة الواصلة إليهم من الرسل ولم يتنبهوا منها الى الطريق المستبين بل التزموا الضلالة جاسرين فانقلبوا صاغرين إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ الذين تنبهوا منها الى الصراط المستقيم بل تفطنوا الى الحق اليقين فصرفوا عن العذاب الأليم الى النقيم المقيم لذلك انقلبوا بنعمة من الله وفضل عظيم. ثم أخذ سبحانه في تعداد اهل

стр. 794

الضلال الجاحدين على الرسل المنذرين بعد ما أجمل فقال وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ حين أردنا إهلاك قومه بالطوفان نداء مؤمل ضريع لاستخلاصه واستخلاص من آمن معه من قومه فأجبنا له فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ نحن لأوليائنا المخلصين وَلهذا نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ اى من آمن معه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ اى من الغم الذي لحقه دائما من أذى قومه وضربهم ومن انواع زجرهم وشتمهم إياه او من كرب الطوفان وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ اى من تناسل منه ومن ابنائه هُمُ الْباقِينَ الى قيام الساعة. روى انه مات بعد ما نزل في السفينة من كان معه من المؤمنين ولم يبق الا هو وبنوه وأزواجهم فتناسلوا الى انقراض الدنيا كما قال سبحانه وَتَرَكْنا عَلَيْهِ اى أبقينا عليه ذكرا جميلا وثناء جزيلا فِي الْآخِرِينَ اى في الأمم المتخلفة عنه فهم يذكرونه بالخير ويقولون تكريما وترحيبا سَلامٌ اى تسليم وتكريم من الله ومن خواص عباده عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ اى في النشأة الاولى والاخرى إِنَّا بمقتضى لطفنا وجودنا لخلص عبادنا كَذلِكَ اى مثل ما جزينا نوحا على إحسانه وإخلاصه نَجْزِي جميع الْمُحْسِنِينَ من عبادنا لما أنابوا إلينا وتوجهوا نحونا على وجه الإخلاص وكيف لا نبقى له ذكرا جميلا ولا نجزيه جزاء جزيلا إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ الموقنين بتوحيدنا المتوكلين علينا المفوضين أمورهم كلها إلينا المخلصين في عموم ما جاءوا به من الأعمال والأفعال ثُمَّ انا بمقتضى لطفنا فعلنا معه ما فعلنا من الانعام والإحسان ونجيناه عن كرب الطوفان قد أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ اى كفار قومه واستأصلناهم الى حيث لم نبق منهم أحدا على وجه الأرض سوى اشياعه واصحاب سفينته اى المؤمنين به ومن تشعب وتناسل منهم وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ اى من جملة من شايعه في التوحيد والايمان بل من اجلة من تابعه في اصول الدين ومعالم التوحيد واليقين لَإِبْراهِيمَ المتصف بكمال العلم والحلم والمعرفة وان طال الزمان بينهما قيل كان بين نوح وابراهيم ﵉ الفان وستمائة وأربعين سنة اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ سالم عن جميع الميول الباطلة والآراء الفاسدة واذكر ايضا وقت إِذْ قالَ جدك ابراهيم الخليل الجليل صلوات الله عليه وسلامه لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ حين انكشف بالتوحيد الإلهي وتمكن في مرتبة الشهود العيني والحقي مستفهما على سبيل الإنكار والتوبيخ غيرة على الله وإظهارا لمقتضى الخلة ماذا تَعْبُدُونَ اى لأي شيء تعبدون هذه الأصنام الباطلة العاطلة عن لوازم الألوهية والربوبية ايها الجاهلون بتوحيد الله وبكمال أوصافه وأسمائه أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ اى أتريدون ايها المعاندون ان تثبتوا آلهة متعددة سوى الله الواحد الأحد الصمد القيوم المطلق المستحق للالوهية والربوبية استحقاقا ذاتيا ووصفيا على سبيل الإفك والمراء والكذب والافتراء فَما ظَنُّكُمْ وزعمكم ايها الجاهلون المكابرون بِرَبِّ الْعالَمِينَ أتظنون ان له شريكا في الوجود اوله نظيرا في الشهود او سواه موجودا والله ما ظنكم هذا الا الخيال الباطل والزيغ الزائل وبعد ما سمعوا منه ما سمعوا انصرفوا عنه وأنكروا عليه وعلى ربه فأراد ﵇ ان يكايدهم في أصنامهم ويخادع معهم في كسرها وقد قرب حينئذ يوم عيدهم وكان من عادتهم الإتيان بالقرابين والهدايا عند أصنامهم ومعابدهم فيتقربون بها ويتخذون منها أنواعا من الأطعمة فيطبخونها عندها في ليلة العيد ثم يخرجون صبح العيد الى الصحراء فيتعيدون فيها بأجمعهم ثم ينصرفون منها فينزلون الى معابدهم وعند أصنامهم ويمهدون موائد كثيرة من الأطعمة المهيئة فيأكلون منها ويتبركون بها وكان عادتهم كذلك ثم لما اجتمعوا في المعبد عند الأصنام

стр. 795

على عادتهم المستمرة وأرادوا الخروج قالوا له ﵇ اخرج أنت ايضا معنا غدا يا ابراهيم الى الصحراء نعيد فيها ونرجع فَنَظَرَ ابراهيم ﵇ حينئذ نَظْرَةً فِي دفتر النُّجُومِ وهم قد كانوا يعملون بالاحكام النجومية يومئذ ويعتقدون لها وهو ﵇ مشهور بضبطها فَقالَ لهم اليوم إِنِّي سَقِيمٌ الآن او سأسقم عن قريب بالطاعون وهم قد يفرون من المطعون فرارهم من الأسد فَتَوَلَّوْا عَنْهُ وانصرفوا من بعد ما سمعوا منه القول الموحش مُدْبِرِينَ رهبة ورعبا فخرجوا من الغد الى الصحراء ولم يخرج ﵇ معهم ثم لما بقي محل الأصنام خاليا عن الخدام وقد طبخ عندها انواع من الطعام فَراغَ اى مال وانصرف إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أولا على سبيل التهكم والاستهزاء أَلا تَأْكُلُونَ ايها المعبودون عن هذه الأطعمة المطبوخة المرغوبة المهياة عندكم. ثم قال ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ اى ما عرض ولحق لكم ما تتكلمون ايها الآلهة المستحقة للعبادة والرجوع إليكم في المهمات وبعد ما استهزأ ﵇ مع هؤلاء الأصنام الصم البكم الجامدين بما استهزأ فَراغَ عَلَيْهِمْ اى مال إليهم وذهب نحوهم فضربهم ضَرْباً بِالْيَمِينِ اى بشدة القوة والغلظة فكسرها تكسيرا وفتت اجزاءها تفتيتا ثم لما أخبروا بانكسار أصنامهم وانفتاتها حين كانوا في الصحراء ظنوا بأجمعهم بل جزموا انه ما فعل بآلهتهم هذه الفعلة الا ابراهيم فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ عازمين جازمين على تمقيته وانتقامه يَزِفُّونَ اى يعدون ويسرعون ويتبخترون ثم لما وصلوا اليه حصروا عن التكلم معه من غاية غيظهم ونهاية زفرتهم فسبقهم ﵇ بالتكلم حيث قالَ مقرعا عليهم أَتَعْبُدُونَ ايها الجاهلون الضالون ما تَنْحِتُونَ وتصنعون بأيديكم وتعتقدونه الها خالقا موجدا مظهرا لكم من كتم العدم وتعبدونه ظلما وزورا فمن اين لهؤلاء الجمادات العاطلة الباطلة لوازم الخلق والإيجاد والإظهار أفلا تعقلون بل وَاللَّهُ الواحد الأحد الصمد المستقل بالالوهية والربوبية قد خَلَقَكُمْ بالإرادة والاختيار وَخلق ايضا عموم ما تَعْمَلُونَ اى جميع أعمالكم وأفعالكم التي صدرت عنكم ومن جملتها صنعكم ونحتكم للأصنام والأوثان ومن هنا ظهر ان جميع افعال العباد مثل ذواتهم مستندة الى الله أولا وبالذات ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد ثم لما سمعوا منه ﵇ ما سمعوا انصرفوا عن مكالمته ومقاولته وهموا العزم الى قتله ومقته وقالُوا اى بعضهم لبعض حين كانوا مشاورين في كيفية قتله بعد ما قر رأيهم عليه ابْنُوا لَهُ بُنْياناً واملئوه بالنار فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ والسعير المسعر حين تنتقمون عنه فبنوا حائطا من الحجر سمكه ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون وملؤه من الحطب واوقدوا فيه نارا فنفخوا فيه بالمنافخ حتى تسعرت وتلهبت ثم طرحوه بالمنجنيق فيها وبالجملة فَأَرادُوا بِهِ وقصدوا لمقته كَيْداً لينتقموا عنه مستعلين عليه فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ المقهورين الخاسرين الخائبين بما فعلوه به عناية منا وتفضلا وامتنانا عليه حيث جعلنا ما سعروه بردا وسلاما عليه فانقلبوا لما رأوا نجاته صاغرين محزونين وبعد ما خرج الخليل صلوات الله عليه وسلامه منها اختار الجلاء والخروج من بينهم بوحي الله إياه والهامه وَلهذا قالَ حين خروجه إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي والى كنف حفظه وجواره وسعة رحمته سَيَهْدِينِ بلطفه الى منزل يمكنني التوجه فيه اليه ويطمئن قلبي فيه فذهب الى الشأم بالهام الله إياه وتوطن في الأرض المقدسة وبعد ما توطن ناجى مع الله وطلب منه سبحانه الولد الخلف له المحيي لاسمه فقال رَبِّ يا من رباني

стр. 796

بأنواع النعم والكرامات هَبْ لِي ولدا صالحا مرضيا لك مقبولا عندك معدودا مِنَ عبادك الصَّالِحِينَ الموفقين من عندك على الصلاح والفوز بالفلاح وبعد ما تضرع نحونا راجيا من رحمتنا فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ هو إسماعيل ﵇ حَلِيمٍ ذي حلم كامل وتصبر تام على متاعب العبودية وشدائد الاختبارات الإلهية ثم لما ولد له إسماعيل ﵇ ورباه الى ان ترقى من مرتبة الطفولية وظهر منه الرشد الفطري والفطنة الجبلية الى ان بلغ سبع سنين او ثلاث عشرة وهي أول الحلم وعنفوان الشباب وبالجملة فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ للحوائج والمهمات المتعلقة لأمور المعاش وصار يذهب ويجئ مع ابنه الى الاحتطاب وسائر الاشغال وكان أبوه ينتصر به في الأمور ويستظهر وكان مشفقا له عطوفا عليه بحيث لا يفارقه أصلا من كمال عطفه ثم لما بالغ ابراهيم في عطف ولده وارتباط قلبه به مع انه متمكن في مقام الخلة مع ربه قد غار عليه سبحانه فاختبر خلته حتى رأى في المنام بإلقاء الله في متخيلته ان الله يأمره بذبح ولده إظهارا لكمال خلته واصطبار ولده على بلاء الله واظهار حلمه عند المصيبة فانتبه عن منامه هولا من رؤية الواقعة الهائلة فخيلها من أضغاث الأحلام فاستغفر ربه وتعوذ نحوه من الشيطان ثم نام فرأى ايضا كذلك ثم استيقظ كذلك خائفا مرعوبا ثم استغفر ونام فرأى ثالثا مثل ما رأى فتفطن بنور النبوة انه من الاختبارات الإلهية فأخذ في امتثال المأمور خائفا من غيرة الله وكمال حميته وجلاله يعنى كيف يطيق احد ان يتخذ محبوبا سواه ويختار خليلا غيره سيما من اختار الله لخلته واصطفاه لمحبته فأمر ابنه بان يأخذ الحبل والسكين ليذهبا الى شعب الجبل للاحتطاب كما هو عادتهما فذهبا وقد اشتعل في صدره نار المحبة والخلة الإلهية فشرع يظهر رؤياه لابنه ليختبره كيف هو قالَ يا بُنَيَّ ناداه وصغره تحننا عليه وتعطفا إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ بأمر الله إياي تقربا منى اليه سبحانه وهديا نحوه فَانْظُرْ أنت يا بنى وتأمل ماذا تَرى اى اىّ امر تفكر وتفتي في هذه الواقعة الهائلة أتصبر أنت على بلاء الله أم لا وبعد ما سمع من الرؤيا ما سمع قالَ معتصما بحبل التوفيق راضيا بما جرى عليه من قضاء الله مستسلما نحوه ومقبلا عليه مناديا لأبيه لينبئ عن كمال أطاعته وانقياده لحكم ربه يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ به من قبل الحق فاذبحنى في سبيل الله تقربا منك نحوه وطلبا لمرضاته ولا تلتفت الى لوازم الأبوة والنبوة وكن صابرا لبلاء الله بذبح ولدك بيدك باذنه سبحانه وفي سبيله سَتَجِدُنِي ايضا إِنْ شاءَ اللَّهُ وتعلق ارادته بان اصبر على بلائه الذي هو ذبح ابى إياي بيده مِنَ الصَّابِرِينَ المتمكنين على تحمل المصيبات الآتية من قبل الحق وبعد ما تشاورا وتقاولا فوضا الأمر اليه سبحانه وانقادا لحكمه ورضيا بقضائه طوعا ورغبة فَلَمَّا أَسْلَما اى سلما واستسلما اى كل منهما سلم امره الى ربه ووصلا الموقف والمنحر توجه الخليل نحو الحق ناويا التقرب اليه سبحانه وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ اى صرع ابنه على شقه الأيمن امتثالا لأمر ربه مثل صرع الضحايا عند الذبح وشد بالحبل يده ورجله فأخذ الشفرة بيده فامرّها على حلق ابنه فلم تمض ولم تعمل فأخذ حجر المحد فأحدها ثم امرّها ولم تمض ايضا وهكذا فعل مرارا فلم تعمل شيئا فتحير ﵇ في امره قال له ابنه حينئذ يا أبت أكبنى على وجهى فاذبحنى من القفا لئلا يمنعك من ذبحي رؤيتك وجهى ففعل كذلك فلم تمض وَبعد ما قد جربناهما ووجدناهما على كمال التصبر والرضاء بما جرى عليهما من القضاء نادَيْناهُ من مقام عظيم جودنا إياه ولطفنا معه أَنْ يا إِبْراهِيمُ اى بان قلنا له مناديا يا ابراهيم المختص بخلتنا الراضي لمصيبتنا قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا وامتثلت بالمأمور ورضيت بذبح ولدك لرضانا واختبرناك

стр. 797

به فوجدناك متمكنا على مرتبة الخلة والتوحيد فقد أتيت مخلصا بما طلبنا منك لذلك كان لك من الفضل والعطاء منا جزاء لفعلك ما لم يكن لاحد من بنى نوعك لإخلاصك في أمرك وصحة عزيمتك وخلوص طويتك في نيتك. ثم قال سبحانه على سبيل العظة والتذكير بعموم عباده إِنَّا بمقتضى عظيم جودنا كَذلِكَ اى مثل ما جزينا خليلنا ابراهيم ونجيناه من الكرب العظيم نَجْزِي جميع الْمُحْسِنِينَ المخلصين في حسناتهم ونياتهم وفي جميع أعمالهم وحالاتهم. ثم قال سبحانه إِنَّ هذا الأمر المأمور به لإبراهيم الاواه الحليم من ذبح ولده في طريق الخلة مع ربه لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ الظاهر صعوبته وشدته على عموم المكلفين وبعد ما قد عزم على أمرنا بالعزيمة الصادقة الخالصة واقدم على امتثاله من محض الاعتقاد وصميم الفؤاد بحيث لو لم نمنع مضاء شفرته مع انه قد بالغ في امراره بقوة تامة واحدها مرارا لذبحه البتة وَبعد ما ظهر إخلاصه لدينا قد منعناها وبعد ما منعنا مضاء شفرته قد فَدَيْناهُ اى الذبيح الذي هو ابنه بِذِبْحٍ اى بما يذبح به ليتم تقربه إلينا وينال من لدنا ما نعدله من التواب والجزاء المترتب على تقربه عَظِيمٍ اى عظيم القدر إذ ما يفديه الحق لنبي من الأنبياء أعظم البتة مما يفديه الناس قيل بعد ما سمع ابراهيم ﵇ نداء الهاتف التفت فإذا هو جبريل ﵇ ومعه كبش أملح اقرن فقال له هذا فداء ابنك بعثه الله إليك فاذبحه وتقرب دونه وهذا الكبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا لتلك المصلحة فأخذ ابراهيم الكبش واتى به المنحر من منى فذبحه عنده وفاز بمبتغاه من الله ما فاز عاجلا وآجلا مما لا مجال للعبارة والإشارة اليه وَمن جملة ما جزينا على ابراهيم عاجلا انا من كمال خلتنا معه قد تَرَكْنا عَلَيْهِ وأبقينا له فِي الْآخِرِينَ اى في الأمم الذين يلون ويأتون بعده الى قيام الساعة ثناء حسنا وذكرا جميلا حيث يقولون دائما سَلامٌ وترحيب منا وبركات من الله ورحمة نازلة دائما مستمرا عَلى إِبْراهِيمَ ثم قال سبحانه حثا للمؤمنين كَذلِكَ اى مثل ما جزينا ابراهيم بأحسن الجزاء في الدنيا والآخرة نَجْزِي عموم الْمُحْسِنِينَ ان أحسنوا وأخلصوا في نياتهم وحسناتهم وكيف لا نجزى خليلنا إِنَّهُ مِنْ خلص عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ الموحدين الموقنين بوحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا وباستقلالنا في ملكنا وملكوتنا وَبعد ما قد ابتليناه أولا بذبح الولد وفديناه عن ولده عناية منا إياه والى ولده ثانيا قد بَشَّرْناهُ ثالثا بولد أخر مسمى بِإِسْحاقَ وجعلناه نَبِيًّا من الأنبياء معدودا مِنَ زمرة الصَّالِحِينَ لمرتبة الكشف واليقين وَبالجملة بارَكْنا عَلَيْهِ اى كثرنا الخير والبركة على ابراهيم وَكذا عَلى ابنه إِسْحاقَ وَكثرنا نسلهما الى ان جعلنا مِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ في الأعمال والأخلاق والأحوال ذو نفع كثير على عباد الله وفقراء سبيله وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ اى تارك لحظوظ نفسه من الدنيا مطلقا مُبِينٌ ظاهر مبالغ في الترك الى حيث يمنع عنها ضرورياتها ايضا منجذبا الى عالم اللاهوت منخلعا عن لوازم الناسوت مائلا نحو الحق بجميع قواه وجوارحه طالبا الفناء فيه والبقاء ببقائه ومنهم النبي ﷺ والمرتضى كرم الله وجهه وابناه وأولادهما بطنا بعد بطن صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين إذ لم يلتفتوا الى حطام الدنيا ومزخرفاتها الا مقدار سد جوعة ولبس خرقة خشن وَمن ذريتهما المكرمين المؤيدين من لدنا موسى وهارون لَقَدْ مَنَنَّا ايضا عَلى مُوسى وَهارُونَ أخيه منة عظيمة وَذلك انا قد نَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما اى من آمن لهما من بنى إسرائيل مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ

стр. 798

الذي هو غلبة فرعون وذلك بان اغرقناه باليم وَنَصَرْناهُمْ اى هما وقومهما على فرعون وملائه فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ عليهم بعد ما صاروا مغلوبين منهم وَبعد ما صيرناهم غالبين آتَيْناهُمَا اى موسى وهارون الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ وهو التورية الذي هو أبين الكتب وأوضحها في ضبط الاحكام الإلهية المتعلقة بنظام الظاهر وَهَدَيْناهُمَا ايضا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الموصل الى الحق اليقين في مراتب التوحيد وَمن كمال تكريمنا إياهما قد تَرَكْنا عَلَيْهِما وأبقينا ذكرهما بالخير فِي الْآخِرِينَ اللاحقين لهما من الأمم حيث يقولون في حقهما عند ذكرهما سَلامٌ من الله وتحية منا عَلى مُوسى وَهارُونَ وذلك من جملة امتناننا عليهما وتكريمنا إياهما إِنَّا من كمال جودنا ولطفنا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ المخلصين في حسناتهم وجميع حالاتهم وكيف لا نجزيهما خير الجزاء وأحسنه إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ الموقنين بتوحيدنا المصدقين لاستقلالنا واختيارنا في ملكنا وملكوتنا وَإِنَّ إِلْياسَ ابن ياسين من أولاد هارون أخ موسى لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ من عندنا المؤيدين بوحينا والهامنا اذكر يا أكمل الرسل إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ حين انحرفوا عن سبل السلامة وطرق الاستقامة بالظلم على عباد الله والخروج عن مقتضيات حدوده أَلا تَتَّقُونَ وتحذرون عن بطش الله ايها المفسدون المفرطون في الإشراك بالله والدعوة الى غير الله أَتَدْعُونَ ايها الجاهلون بَعْلًا اى صنما مسمى به وترجعون نحوه في المهمات والملمات وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ اى تتركون الدعوة والرجوع الى الحق الحقيق بالاطاعة والانقياد المستحق للعبودية والرجوع اليه في الخطوب والملمات اللَّهَ بالرفع على الاستيناف وبالنصب على البدل وكذلك رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ بنصب البائين ورفعهما على الخبر والبدل على القرائتين اى مربيكم ومظهركم من كتم العدم ومربى اسلافكم ايضا أفتعدلون عن عبادته وتعبدون الى ما لا ينفعكم ولا يضركم ظلما وزورا وبعد ما قد سمعوا منه دعوته الى التوحيد ورفض عبادة آلهتهم وقدحه إياها فَكَذَّبُوهُ تكذيبا بليغا ولم يلتفتوا الى قوله ودعوته بل طروده وعزموا ان يقتلوه فَإِنَّهُمْ بشؤم تكذيبهم رسول الله وإبائهم عن دعوته الى التوحيد واتخاذهم الأصنام والأوثان آلهة دون الله شركاء معه في استحقاق العبادة والرجوع اليه في الوقائع لَمُحْضَرُونَ في العذاب الأليم مؤبدون في نار الجحيم ابد الآبدين إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ منهم المبادرين الى الايمان والتصديق بعد ما سمعوا دعوة الرسول بلا ميل منهم الى الإنكار والتكذيب وَتَرَكْنا عَلَيْهِ اى على الياس ايضا ذكرا جميلا فِي الْآخِرِينَ حيث يقولون حين ثنائهم عليه وتكريمهم إياه سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ وهو لغة في الياس كجبرين في جبريل إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ المستحفظين على عموم حدودنا وأحكامنا ومقتضيات أوامرنا ونواهينا وكيف لا نجزيه احسن الجزاء إِنَّهُ مِنْ جملة عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ المتمكنين في مقر التوحيد واليقين الفائزين بمقام الكشف والشهود وَإِنَّ لُوطاً ايضا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ الفائزين بمرتبة حق اليقين اذكر يا أكمل الرسل المعتبرين من المؤمنين وقت إِذْ نَجَّيْناهُ اى لوطا وَأَهْلَهُ اى أولاده واهل بيته أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزاً وهي امرأته قد بقيت فِي زمرة الْغابِرِينَ الهالكين بالعذاب المنزل عليهم لشؤم فعلتهم الشنيعة المتناهية في القبح والشناعة ثُمَ بعد ما نجيناه واهله دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ من قومه وأهلكناهم أجمعين وَإِنَّكُمْ يا اهل مكة لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ اى على اطلالهم ومنازلهم المنقلبة عليهم بشؤم فعلتهم وقت ترحالكم الى الشأم وهي على متن الدرب مُصْبِحِينَ

стр. 799

ان كنتم سائرين في اسفاركم في الليالى وَبِاللَّيْلِ ان كنتم سائرين في أيامكم يعنى ان سرتم ليلا تصبحون عندها وان سرتم نهارا تمسون دونها وبالجملة هي على طريقكم ايها المجبولون على العبرة والعظة أَفَلا تَعْقِلُونَ تتفكرون وتتأملون فيما جرى عليهم بشؤم تكذيبهم وانكارهم على رسل الله لتعتبروا منهم ومن اطلالهم ورسومهم المندرسة المنكوسة حتى لا تفعلوا مثل أفعالهم وَإِنَّ يُونُسَ ابن متى ايضا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ من عندنا المؤيدين بوحينا والهامنا اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ أَبَقَ وهرب من نزول العذاب الموعود على قومه حين دعاهم الى الايمان والتوبة فلم يقبلوا منه دعوته ولم يجيبوا له فدعا عليهم وبعد ما قرب حلول العذاب عليهم خرج من بينهم هاربا حتى لا يلحقه ما لحقهم فلما وصل البحر ركب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ المملوّ من الناس والأحمال والأثقال فاحتبست السفينة على أهلها فاضطروا فقال البحارون ان في السفينة عبدا آبقا فبادروا الى القرعة على ما هو عادتهم في أمثاله وبعد ما خرج القرعة باسم واحد من أهلها طرحوه في الماء فأخذت السفينة في الجري والذهاب فَساهَمَ اى قارع حينئذ أهلها فخرج باسم يونس فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المغلوبين المغرقين بمقتضى القرعة وبعد ما خرجت القرعة باسمه تفطن يونس ﵇ انه من الاختبارات الإلهية فقال انا العبد الآبق فرمى نفسه في الماء خوفا من غضب الله ومن شدة غيرته وحميته وتوطينا لنفسه على مقتضى قضاء الله مفوضا امره اليه سبحانه وبعد ما وصل الى جوف الماء فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ بالهام الله إياه على الفور وابتلعه وَهُوَ حينئذ مُلِيمٌ نفسه نادم على فعله الذي فعله بلا نزول وحى من ربه لذلك أخذ حينئذ يسبح ربه عما لا يليق بشأنه وبالجملة فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنكشفين بوحدة الحق وبكمال تنزهه عن سمة الكثرة مطلقا لَلَبِثَ واستقر فِي بَطْنِهِ اى بطن الحوت إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وصار بطن الحوت له كالقبر لسائر الأموات وبالجملة لا نجاة له من بطنه ابدا ثم لما كان يونس ﵇ من اهل التسبيح والتقديس ومن المنكشفين بوحدتنا واستقلالنا في شئوننا وتطوراتنا فَنَبَذْناهُ وطرحناه من بطنه بِالْعَراءِ اى البادية الخالية عن مطلق الغطاء والغشاء الذي يظله من شجرة وغيرها عناية منا إياه ونجاة له وذلك بان ألهمنا الحوت أولا حين سقوطه في البحر بالتقامه فالتقمه بلا لحوق ضرر من الماء ثم الهمناه ان يخرج رأسه من الماء حتى يتنفس هو في بطنه الى ان يبلغ الساحل قيل لبث في بطنه يوما او بعض يوم وقيل ثلاثة ايام او سبعة وعشرين او أربعين فلما بلغ الساحل أخرجه الحوت من بطنه ولفظه الموج الى الساحل العاري عن الظل والشمس في غاية الحرارة وَهُوَ حينئذ سَقِيمٌ ضعيف قد صار بدنه كبدن الطفل حين يولد وَبعد ما لم يكن له متعهد وليس هناك مظلة ولا شيء يحفظه من الحر والذباب قد أَنْبَتْنا عَلَيْهِ في الحال من كمال رحمتنا إياه وعطفنا معه شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وهي شجرة تنبسط على وجه الأرض ولها أوراق عظام بلا ساق تقوم عليه قيل هي الدباء فغطيناه بأوراقها وربيناه بظلها إذ ظلها من احسن الاظلال وأكرمها هواء وألهمنا ايضا الى وعلة وهي المعز الوحشي حتى جاءت وحضرت عنده صباحا ومساء وهو يشرب من لبنها الى ان قوى وتقوم مزاجه على الوجه الذي كان عليه وَبعد ما ربيناه كذلك أَرْسَلْناهُ مرة اخرى إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ اى في بادى الرأى والنظر يعنى قد حكم الناظر عليهم على سبيل الظن والتخمين بأنهم مائة ألف او اكثر وهؤلاء الذين قد أرسل إليهم أولا وهرب منهم وهم اصحاب نينوى هي قرية

стр. 800

من قرى الموصل فَآمَنُوا له وقبلوا منه دعوته بعد ان أرسل إليهم ثانيا فَمَتَّعْناهُمْ مؤمنين مصدقين موحدين إِلى حِينٍ اى الى انقضاء آجالهم ثم لما اثبت مشركوا مكة خذلهم الله المنزه عن مطلق الأشباه والأنداد ولدا بل أوضع الأولاد وأدناها وهي الأنثى ونسبوا الملائكة الذين هم من اشرف المخلوقات وأكرمها المنزهون عن لوازم الأجسام مطلقا الى الأنوثة التي هي من أخسها وأدونها وهم ابعد بمراحل عنها حيث قالوا ان الملائكة بنات الله ولم يكن له ابن وتمادوا على هذا الى حيث اتخذوا هذه العقيدة مذهبا وبالغوا في ترويجه رد الله عليهم على ابلغ وجه وآكده حيث امر حبيبه ﷺ بالاستفتاء والاستفسار عن قولهم هذا ونسبتهم هذه فقال فَاسْتَفْتِهِمْ وسلهم اى كفار مكة يا أكمل الرسل واستخبرهم على سبيل التوبيخ والتقريع أَيثبتون لِرَبِّكَ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد الْبَناتُ اى أوضع الأولاد وأردئها وَلَهُمُ الْبَنُونَ اى لأنفسهم أكرمها وأحسنها تعالى سبحانه عما يقولون أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ اى أيظنون ويعتقدون انا قد خلقنا الملائكة الذين هم من سدنة سدتنا السنية وخدمة عتبتنا العلية إِناثاً وَهُمْ حين خلقناهم شاهِدُونَ حاضرون ليشهدوا انوثتهم ويبصروها مع انها لا مجال للعقل الى الاطلاع بانوثتهم ولم ينقل منا احد من الرسل والأنبياء هذا مع ان الحواس الاخر معزولة عن دركها مطلقا سوى البصر ومن اين يتأتى لهم الحضور معهم حتى يبصروا انوثتهم. ثم قال سبحانه على سبيل التنبيه والاستبعاد أَلا اى تنبهوا ايها المؤمنون الموقنون بوحدة الله وبوجوب وجوده وتقدسه عن لوازم الإمكان مطلقا إِنَّهُمْ اى أولئك الضالين المغمورين في الجهل والطغيان مِنْ غاية إِفْكِهِمْ ونهاية غيهم وطغيانهم وعدوانهم لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ الواحد الأحد المستغنى لذاته عن الأهل والولد قولا باطلا ظلما وزورا وَبالجملة إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في عموم ما يقولون وينسبون الى الله المنزه عن أمثاله مطلقا مقصورون على الكذب المحض بلا مستند عقلي او نقلي أَصْطَفَى الْبَناتِ اى اتعتقدون ايها الجاهلون بقدر الله ووحدة ذاته المستغنية عن مطلق المظاهر والمجالى فكيف عن لوازم الحدوث والإمكان الذي هو من امارات الاستكمال والنقصان انه سبحانه مع كمال تعاليه وتقدسه قد اصطفى واختار لنفسه البنات المسترذلة الدنية عَلَى الْبَنِينَ الذين هم اشرف بالنسبة إليهن وأكمل خلقا وخلقا كمالا وعلما رشدا ويقينا ما لَكُمْ اى ما شأنكم وما لحق بكم ايها المفسدون المفرطون كَيْفَ تَحْكُمُونَ على الله ما لا يرتضيه العقل ولا يقتضيه النقل أَفَلا تَذَكَّرُونَ لا تتذكرون فانه سبحانه منزه عن اشرف الأولاد فكيف عن اردئها أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ حجة وبرهان نقلي مُبِينٌ واضح لائح في الدلالة على مدعاكم هذا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ النازل عليكم من قبل الحق المثبت لدعواكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَمن افراطهم في حق الله وجهلهم بكمال ذاته وصفاته وأسمائه قد جَعَلُوا واثبتوا بَيْنَهُ سبحانه وَبَيْنَ الْجِنَّةِ الذين هم مخلوقون من النار نَسَباً اى نسبة بالمصاهرة ويزعمون العياذ بالله انه سبحانه قد تزوج منهم امرأة فحصلت منها الملائكة وَالله لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ ايضا إِنَّهُمْ اى أولئك المفترين على الله بأمثال هذه المفتريات البعيدة عن جنابه سبحانه المستحيلة بذاته مراء وافتراء لَمُحْضَرُونَ في العذاب المخلد والنكال المؤبد بقولهم هذا ونسبتهم هذه وبالجملة سُبْحانَ اللَّهِ وتقدس ذاته عَمَّا يَصِفُونَ به هؤلاء المهاندون الجاهلون إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ

стр. 801

منهم وهم الذين ينكشفون بقدر الله ووحدة ذاته واستقلاله بوجوب الوجود ولوازم الألوهية والربوبية بلا شائبة شركة وتوهم مظاهرة وبعد ما قد ثبت تنزهه سبحانه عن مضمون ما تنسبون بذاته ايها المفترون المفرطون فَإِنَّكُمْ ايها المعزولون عن مقتضى العقل الفطري والرشد الجبلي وَكذا ما تَعْبُدُونَ من دون الله من الأصنام والأوثان وسائر المعبودات الباطلة ما أَنْتُمْ وآلهتكم عَلَيْهِ سبحانه بِفاتِنِينَ اى مفسدين معرضين صارفين عموم الناس عن عبادته وأطاعته سبحانه باغوائكم واغرائكم ضعفة الأنام وتغريركم إياهم بعبادة الأصنام إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ اى الا المفسدين الذين قد حق عليهم القول من لدنه وجرى حكمه سبحانه ومضى قضاؤه بأنهم من اصحاب النار واهل الجحيم لا بد لهم بان يصلوها ويدخلوها بلا تردد وتخلف يعنى ما يفيد اضلالكم واغراؤكم الا هؤلاء المحكومين عليهم بالنار في أزل الآزال دون المجبولين على فطرة الإسلام والتوحيد ثم لما اتخذ بعض المشركين الملائكة آلهة واعتقدوهم بنات الله وعبدوا لهم كعبادته سبحانه رد الله عليهم حاكيا عن اعتراف الملائكة وَكيف يليق بنا ان نرضى بما افترى المشركون علينا من استحقاق العبادة والشركة في الألوهية إذ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ في العبودية والتوجه نحو الحق مَعْلُومٌ معين مقدر من عنده سبحانه لا يسع له ان يتجاوز عنه بلا اذن منه سبحانه بل يلازم كل منا مقامه المقدر له بتقدير ربه متوجها اليه سبحانه منتظرا لأمره وحكمه بلا غفلة وفترة وَإِنَّا معاشر الملائكة لَنَحْنُ الصَّافُّونَ على الاستقامة حول عرش الرحمن صفوف الناس في المساجد والعساكر عند السلطان لا يسع لاحد منا ان يتعدى مستقبلا او مستدبرا وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ المنزهون المقدسون لله الواحد الأحد الصمد عن توهم الكثرة والشركة مطلقا الراسخون المتمكنون في مرتبة التنزيه والتقديس فكيف يتأتى منا ان نرضى بمفتريات اهل الزيغ والضلال بنا. عصمنا الله وعموم عباده عن زيغ الزائغين وضلالهم واضلالهم وَإِنْ كانُوا اى قد كان أولئك الضالون المنهمكون في بحر الغفلة والضلال يعنى كفار قريش خذلهم الله لَيَقُولُونَ على سبيل التمني والتحسر تشنيعا وتعييرا على من مضى من الأمم السالفة لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ونزل علينا ذِكْراً كتابا مِنَ الْأَوَّلِينَ من جنس كتبهم اى كتابا سماويا من عند الله مثل كتبهم لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أخلصنا العبادة له ولا نتجاوز عن مقتضى ما جاءنا من عنده في كتابه ولا نتعدى مطلقا عن حكمه وحدوده وأحكامه ولا نهمل شيأ عن عظته وتذكيراته بل نعتبر من قصصه وأمثاله وبالجملة نعامل معه احسن المعاملة كمعاملة سائر اصحاب الكتب مع كتبهم ثم لما نزل عليهم من عند الله ما هو أكمل الكتب مرتبة ورشدا وهداية وأشملها حكما وأتمها فائدة وأبلغها حكمة وبرهانا وأوضحها بيانا وتبيانا فَكَفَرُوا بِهِ وأنكروا عليه وعلى نزوله ومنزله وعلى من انزل اليه واعرضوا عنه وعن أحكامه واستهزؤا بمن انزل اليه وكذبوا رسالته وبالجملة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ آجلا وعاجلا جزاء ما يفعلون ويستهزؤن ويذوقون وبال ما ينكرون ويعرضون الا انهم هم المفسدون لأنفسهم ولكن لا يشعرون فسيعلمون اى منقلب ينقلبون وَكيف لا يعلمون ولا يذوقون العذاب أولئك المسرفون المفرطون لَقَدْ سَبَقَتْ اى قد حقت وثبتت وصدرت على سبيل الوجوب منا كَلِمَتُنا المشتملة على الوعد والنصر لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ وهي قوله سبحانه كتب الله لأغلبن انا ورسلي وقوله ايضا إِنَّهُمْ اى الرسل والأنبياء لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ المقصورون على النصر والغلبة على الأعداء البتة القاهرون

стр. 802

القادرون على من غلبهم وظلمهم واستهزؤا معهم عنادا ومكابرة وكيف لا يغلب أولئك الأولياء على تلك الأعداء مع انهم من جندنا وحزبنا إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ القاهرون على جنود الأعداء وأحزابهم المسلطون عليهم وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل مضمون وعدنا على عموم الأولياء من الرسل والأنبياء فَتَوَلَّ عَنْهُمْ اى كفار قريش واعرض عن مما رأتهم ومخاصمتهم حَتَّى حِينٍ الى حين حلول العذاب الموعود المعهود من لدنا إياهم وَأَبْصِرْهُمْ العذاب إذا نزل عليهم عاجلا وهو عذاب يوم البدر فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ آجله في يوم الجزاء بأضعاف ما لحقهم عاجلا أَينكرون قدرتنا على العذاب الآجل مع نزول العذاب العاجل عليهم يوم بدر فَبِعَذابِنا الآجل في يوم الجزاء يَسْتَعْجِلُونَ ويقولون متى هذا بعد ما سمعوا فسوف يبصرون آجله زيادة في يوم الجزاء بأضعاف ما لحقهم مع ان سوف للوعيد لا للبعيد اما يستحيون من الله فيستعجلون عذابه ولم يتفطنوا مما جرى عليهم وعلى أمثالهم عاجلا ولا يخافون من نزوله وحلوله بغتة فَإِذا نَزَلَ وحل العذاب الآجل الموعود لهم بِساحَتِهِمْ وفناء دارهم وعرضتها وهذا كناية عن قربه وإلمامه بغتة فَساءَ وبئس الصباح حينئذ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ إذ أصبحوا معاجلين على انواع العذاب والنكال فلم يستعجلون بها أولئك الحمقى الجاهلون الهالكون في تيه الضلال والطغيان وَبعد ما قد تمادوا في الغفلة والعدوان وبالغوا في العتو والعصيان تَوَلَّ عَنْهُمْ وانصرف عن مكالمتهم يا أكمل الرسل حَتَّى حِينٍ اى حين إلمام العذاب الموعود وَأَبْصِرْ إياهم بعد ما الم ونزل بساحتهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ اى شيء يترتب على انكارهم وتكذيبهم يوم الجزاء أولئك الضالون المسرفون وانما كرره سبحانه تأكيدا ومبالغة في التهديد والتوعيد وتسلية لحبيبه ﷺ ثم أخذ سبحانه في التنزيه على نفسه مضافا الى حبيبه فقال سُبْحانَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل وتنزه ذاته عن مقتضيات التشبيه مطلقا وما نسبوا اليه سبحانه من امارات الإمكان وعلامات النقصان وكيف ينسبون الى رَبِّ الْعِزَّةِ والقدرة والغلبة والكبرياء والاستقلال التام والاستيلاء العام المنزه ذاته عن الاحاطة وصفاته عن العد والإحصاء تعالى عن التحديد والتوصيف سيما عَمَّا يَصِفُونَ به أولئك المسرفون المفرطون من اثبات الولد والإيلاد والاستيلاد وَسَلامٌ من الله وبركاته عَلَى عباده الْمُرْسَلِينَ من عنده لتبيين توحيده وتقديسه وتعاليه عن احاطة مطلق المدارك والعقول وَالْحَمْدُ والثناء من ألسنة جميع من يتأتى منه الحمد والثناء حالا ومقالا ثابت لِلَّهِ الواحد الأحد الصمد المنزه عن اتخاذ الأهل والولد رَبِّ الْعالَمِينَ يعنى الذين ظهروا من شئونه وتطوراته حسب أسمائه وصفاته ورباهم ايضا على حسبها اظهار الكمال قدرته وعموم احاطته. وعن المرتضى الأكبر المتحقق بمقام التسليم والرضا كرم الله وجهه انه قال من أحب ان يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه عن مجلسه سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين خاتمة سورة الصافات عليك ايها السالك المتحقق بجلال الحق وبكمال كبريائه واستغنائه عن عموم مظاهره ومصنوعاته واستيلائه على جميع ما ظهر وبطن من الأمور الكائنة المنعكسة ببروق تجلياته حسب أسمائه وصفاته المندرجة في شمس ذاته ان تلاحظ شئون الحق على هياكل الموجودات وتطالع ظهور كمالاته على

стр. 803

صحائف الكائنات التي هي بالحقيقة كالمرايا لظهور آثار الأسماء والصفات الإلهية وتتفكر في خلق العلويات والسفليات وتتأمل في كيفية ارتباطاتها ورجوعها الى الوحدة الحقيقية وكيفية سريان الوحدة الذاتية عليها بلا حلول واتحاد واتصال وانفصال وحصول وانتقال وكذا عن كيفية انبساط اظلال الوجود الإلهية على ذرائر الأكوان وامتداداتها على مرايا الاعدام على سبيل التجدد والتقضي بلا طريان ضد وحلول فترة وانقطاع أصلا ومن تأمل ظهور الحق في الآفاق والأنفس على الوجه الذي تلى فقد تحقق بعزته وانكشف له الوحدة المحتوية على عموم الكثرات بلا توهم كثرة في ذاته المستغنى عن التعدد مطلقا فحينئذ قد ارتفع عن بصر شهوده غير الحق وشئونه ولا يرى في فضاء الوجود سوى الله موجودا ومشهودا فتمكن حينئذ في مقام التوحيد وأخذ في التنزيه والتقديس والتسليم والتكبير والتمجيد قائلا بلسان استعداده سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين المنبهين على مرتبة التوحيد والحمد لله رب العالمين [سورة ص] فاتحة سورة ص لا يخفى على من تحقق بوحدة الحق واحاطته وشموله على عموم ما لاح عليه بروق شئونه ولوامع تجلياته الغير المحصورة ان الحقيقة الحقية المنزهة عن لوث التعينات وشوب الإضافات مطلقا وذلك انه لما أراد سبحانه ان يتجلى لذاته بذاته ويطالع أسماءه الحسنى وصفاته العليا التي قد اتصف بها ذاته على التفصيل حتى ينقلب ويصير حضوره شهودا وعلمه عينا تنزلت من مرتبة الاحدية المستهلكة دونها الكثرات مطلقا المتلاشئة عندها الإشارات والإضافات رأسا فالتفتت نحو العدم بعد ما أفاضت عليه خلعة الاستعداد والقبول فانعكس فيه من شئون الحق واشعة أنوار شمس ذاته ما لا يتناهى ابد الآباد من الصور والآثار الغير المتكررة فيتراءى هذا النظام المشاهد المحسوس من تلك الآثار والاظلال المنعكسة من شمس الذات وانبسط عليها بالاستقلال التام بلا مشاركة ولا مظاهرة فيوجد الكل به وله وفيه ويرجع الكل اليه رجوع الأضواء الى الشمس والأمواج الى البحر فمن خرج عن ربقة عبوديته بعد ما سمع كيفية ظهوره فقد لحق بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا وما ذلك الا بسبب جهلهم وضلالهم وما الباعث على خروجهم عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة بينهم بالوضع الإلهي المنبه به على السنة الأنبياء العظام والرسل الكرام الا من استكبارهم وتغررهم الحاصل لهم بتغرير سلطان اماراتهم عليهم وتضليلها إياهم وتلبيسها عليهم لذلك اقسم سبحانه بكتابه المجيد المنزل من عنده المشتمل على فوائد الكتب السالفة المنزلة من لدنه بان كفرهم وانكارهم بتوحيد الله وتصديق رسله وكتبه انما نشأ من استكبارهم في أنفسهم واستعلائهم على عباد الله وتفوقهم عليهم عدوانا وظلما ابتلاء من الله إياهم وافتتانا لهم على مقتضى أسمائه المقتضية للاذلال والإضلال إظهارا للقدرة الكاملة والحكمة الباعثة على وضع التكاليف المستلزمة للثواب والعقاب والإحسان والخذلان والانعام والانتقام فقال مخاطبا لحبيبه الذي اختاره لرسالته الى كافة البرايا بالدعوة العامة والتشريع التام الكامل للكمل المتمم لمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم المتعلقة لسلوك طريق التوحيد بعد ما تيمن باسمه العظيم الجامع لجميع الأسماء والصفات بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى لحبيبه صلّى الله عليه

стр. 804

وسلّم بمقتضى عموم أسمائه وصفاته فأرسله الى عموم البرايا وكافة الأمم وختم ببعثته امر التشريع والتكميل الرَّحْمنِ عليهم ببعثته ﷺ وإرساله إليهم رحمة للعالمين الرَّحِيمِ عليه بإيجاده وخلقه على خلق عظيم [الآيات] ص ايها الصفي الصافي مشربه عن الأمور المنافية لتوحيد الحق وصرافة وحدته الذاتية الصدوق الصادق في ادعاء الرسالة والنبوة بمقتضى الوحى الإلهي والهامه الصبور الصابر على متاعب الدعوة والتبليغ وحمل أعباء الرسالة وَحق الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ والبيان وانواع الدلائل والبرهان المنزل من عندنا عليك يا أكمل الرسل لتبيين احكام دين الإسلام وتحقيق شعائر التوحيد والايمان والتنبيه على مراتب الإحسان المنتهى الى الكشف والعيان ما الكفار المنكرون بك وبكتابك ودينك مطلعون عليك بعيب ونقصان وما لهم حجة يتشبثون بها او دليل يستدلون به على ما يشينك فيتبعونها بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا واعرضوا عنا وعنك وعن كتابك لا سند لهم أصلا لا عقلا ولا نقلا بل هم في أنفسهم مغمورون مستغرقون فِي عِزَّةٍ كبر وخيلاء عند أنفسهم وَشِقاقٍ خلاف وجدال لنا ولك بعيد بمراحل عن توحيدنا وتصديقك وبعد ما قد سمعت يا أكمل الرسل حالهم لا تبال بهم وبخلافهم ومرائهم وكبرهم وخيلائهم أصلا اذكر كَمْ اى كثيرا أَهْلَكْنا أمثالهم مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ اهل قَرْنٍ مغمورين في الكبر والخيلاء منهمكين في الخلاف والشقاق أمثالهم فَنادَوْا واستغاثوا متضرعين إلينا راجين منا عفونا إياهم حين أخذناهم بظلمهم بغتة وَلاتَ حِينَ مَناصٍ اى ليس حين الهلاك وقت تأخير ونجاة لهم وخلاص إياهم فلم نجبهم لذلك بمضى وقت الاختبارات والاعتبارات بل قد أهلكناهم واستأصلناهم ان في ذلك لعبرة لأولى الأبصار وَمن شدة شقاقهم ونفاقهم قد عَجِبُوا بل تعجبوا اى اهل مكة من أَنْ جاءَهُمْ وأرسل إليهم رسول مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ومن جنسهم وبنى نوعهم يعنى محمدا ﷺ وَقالَ الْكافِرُونَ من كمال تعجبهم وشدة انكارهم هذا ساحِرٌ اى محمد ﷺ وليس جميع ما اتى به وما أظهره في صورة المعجزة الخارقة للعادة الا سحر يسميه معجزة تغريرا وتلبيسا وفيما قد نسبه الى الوحى والإنزال كَذَّابٌ مبالغ في الكذب مستغرق فيه ثم لما اسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه فشق ذلك على قريش وفرح المؤمنون فازدحم صناديدهم عند ابى طالب فقالوا له أنت شيخنا وسيدنا وقد علمت ما فعل هؤلاء فاتيناك لتقضى بيننا وبين ابن أخيك فأرسل ابو طالب الى النبي ﷺ فاحضره معهم فقال يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السؤال فلا تمل أنت كل الميل عن قومك فقال ﷺ وماذا يسئلون قالوا له ارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك وعلى هذا نتعاهد معك عند عمك فقال ﷺ أتطيعوني في كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال ابو جهل أنطيعكها وعشر أمثالها فقال رسول الله ﷺ قولوا لا اله الا الله الواحد فنفروا من ذلك جميعا وقاموا قائلين على سبيل الإنكار والاستبعاد أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً فمتى يسع الا له الواحد للخلق الكثير إِنَّ هذا الذي يطلب هذا المدعى لَشَيْءٌ عُجابٌ اى عجيب بديع ابتدعه من تلقاء نفسه وَبعد ما تنفروا من قوله وتعجبوا من طلبه انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ اى اشرافهم قائلين أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا اى اثبتوا وتمكنوا عَلى عبادة آلِهَتِكُمْ وتصالحوا معه إِنَّ هذا الذي قد حدث بيننا وابتدع فينا لَشَيْءٌ يُرادُ بنا من شؤم الزمان وريبه ومالنا الا الصبر والثبات الى ان يتجلى

стр. 805

الغياهب وترتفع النوائب مع انا ما سَمِعْنا بِهذا اى بالتوحيد الذي يقوله هذا المدعى فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ التي هي النصرانية إذ النصارى يقولون بالأقانيم الثلاثة ولم ينقل منهم توحيد الإله ولا من الذين مضوا من ارباب الملل السالفة وبالجملة إِنْ هذا اى ما هذا التوحيد الذي ظهر به هذا المدعى إِلَّا اخْتِلاقٌ اى كذب قد اخترعه من تلقاء نفسه ونسبه الى الوحى افتراء ومراء قاصدا به التغرير والتلبيس على ضعفة الأنام أَتعتقدون ايها العقلاء المتدربون بان أُنْزِلَ عَلَيْهِ اى على يتيم ابى طالب الذِّكْرُ اى الوحى والقرآن مِنْ بَيْنِنا مع انه مثلنا ومن بنى نوعنا بل هو أدون منا وأدنانا ونحن اشرف منه واكبر سنا واكثر أموالا واولادا وأكرم جاها وثروة وأعلى رئاسة وسيادة انما يقولون هذا على سبيل الإنكار والاستبعاد لا انهم معتقدون على الوحى والإنزال بل على وجه الفرض والمراء بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ وريب عظيم مِنْ ذِكْرِي ووحيي اليه والهامى إياه بل الى عموم المرسلين وانى هو بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ اى انما قالوا هذا وشكوا في الوحى وارتابوا فيه لأنهم لم يذوقوا عذابي ولو انهم ذا قوة لما قالوا فمن اين يحكمون هذا ويقولون ان الوحى لو نزل لنزل على رؤسائنا وساداتنا أهم يعلمون الغيب أَمْ عِنْدَهُمْ اى عند أولئك البعداء المنهمكين في بحر الغفلة والضلال خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ يا أكمل الرسل ومقاليد نعمه ومفاتيح كرمه ليكون لهم الخيرة في امره سبحانه فيعطونها من يشاء ويمنعونها عن من يشاء فكيف يحكمون على الْعَزِيزِ الغالب على امره في تصرفات ملكه وملكوته بالاستقلال والاختيار الْوَهَّابِ على من شاء وأراد بلا مشاورة ومظاهرة أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما اى أيدعون ان لهم التصرف في العلويات والسفليات والممتزجات وان ادعوا ذلك لأنفسهم فَلْيَرْتَقُوا وليصعدوا فِي عالم الْأَسْبابِ والسموات التي هي معارج الوصول الى منشأ الوحى والإلهام ومنبع النزول والإنزال فليأتوا بالوحي الى من أرادوا واختاروا وبالجملة من اين يتأتى لأولئك الكفرة الفجرة المقهورين الصاغرين الخيرة في امره سبحانه وحكمه بمقتضى قضائه حتى يتفوهوا عنه وعن أفعاله وأحكامه إذ لا يسع لاحد من أقوياء عباده ان يسأل عن فعله سبحانه مع ان أولئك الحمقى جُنْدٌ ما شرذمة قليلة في غاية القلة هُنالِكَ اى في محل ومقام قد وضعوا ونصبوا أنفسهم بمعاداتك يا أكمل الرسل وصاروا متمكنين في ابعد الأمكنة وأعلى المرتبة على زعمهم مع انه هم في أنفسهم مَهْزُومٌ مغلوب مِنَ جميع الْأَحْزابِ إذ هم بالنسبة الى الكفرة الذين تحزبوا على رسل الله وأنبيائه في غاية القلة والضعف وهم مع كمال شدتهم وقوتهم ووفور شوكتهم وصولتهم قد انهزموا واستؤصلوا الى حيث لم يبق منهم احد على وجه الأرض فكيف هؤلاء اذكر يا أكمل الرسل وقت إذ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ مع شدة قوتهم وقدرتهم أخاك نوحا ﵇ فأغرقناهم أجمعين بالطوفان وَكذا كذبت عادٌ مع نهاية عتوهم وعنادهم أخاك هودا ﵇ فأهلكناهم بالريح العقيم وَكذبت فِرْعَوْنُ اى هو وقومه مع انهم ذُو الْأَوْتادِ اى اصحاب الدولة الثابتة الراسخة التي قد ادعى فرعون بها الألوهية لنفسه أخاك موسى ﵇ فأغرقناه وجنوده في اليم وَايضا قد كذبت ثَمُودُ المتناهون في القوة والشدة أخاك صالحا ﵇ فأهلكناهم بالصيحة الهائلة وَقَوْمُ لُوطٍ المتبالغون في الجحود والإنكار على الله وحدوده قد كذبوا أخاك لوطا ﵇ فقلبنا عليهم ديارهم وأمطرنا عليهم حجارة فأهلكناهم بها وَكذبت أَصْحابُ الْأَيْكَةِ أخاك شعيبا

стр. 806

فاستأصلناهم كذلك وبالجملة أُولئِكَ البعداء المنحرفون عن صوب السداد والصواب هم الْأَحْزابُ الذين قد كذبوا الرسل وتحزبوا عليهم وقاتلوا معهم مع كونهم أشداء أقوياء فانهزموا عنهم بنصرنا إياهم فغلبوا هنا لك وانقلبوا صاغرين وبالجملة إِنْ كُلٌّ اى ما كل من الأمم السالفة الهالكة المذكورة إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ المذكورين فَحَقَّ اى لزم وثبت لذلك ولحق عليهم عِقابِ اى انواع عذابي ونكالي عاجلا وآجلا وَبالجملة ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ المعاندون المنكرون لدينك المكذبون لرسالتك وكتابك إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ينفخها اسرافيل في الصور باذن منا فيسمع هؤلاء الضالون فيموتون على الفور بلا توقف إذ ما لَها اى لتلك الصيحة واهلاكها وافنائها السامعين مِنْ فَواقٍ قرار ووقوف مقدار خروج النفس ورجوعه وهذا كناية عن سرعة نفوذ قضاء الله حين حلول عذابه عليهم الى حيث لا يسع فيه تميز التقدم والتأخر أصلا بل ينزل بغتة وَبعد ما سمع كفار مكة أوصاف اهوال يوم الجزاء وافتراق الناس فيها فرقا وأحزابا بعضهم اصحاب يمين وبعضهم اصحاب شمال فيعطى لكل فرد كتاب قد كتبت فيه أعمالهم الصالحة والفاسدة فيحاسب كل على اعماله فيجازى على وفقها قالُوا مستهزئين متهكمين يعنى اهل مكة بعد ما سمعوا اهوال يوم الجزاء وافزاعها رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا اى قسطنا وحظنا ونصيبنا من العذاب المترتب على أعمالنا المثبتة في صحيفتنا المكتوبة فيها قَبْلَ حلول يَوْمِ الْحِسابِ ونحن نرضى بها وبالعذاب المستتبعة لها بلا حساب وبعد ما قالوا كذلك واستهزؤا مع الرسول ﷺ وضحكوا من قوله ونسبوه الى الخبط والجنون امر سبحانه حبيبه بالتصبر على مقاساة ما جاءوا به مما لا يليق بشأنه فقال اصْبِرْ يا أكمل الرسل عَلى ما يَقُولُونَ لك وفي شأنك أولئك الجاهلون عنادا ومكابرة ولا تلتفت الى هذياناتهم ولا تحزن من أباطيلهم المستهجنة فعليك يا أكمل الرسل ان توطن نفسك على الصبر المأمور ولا تتجاوز عن مقتضاه ولا تتعب نفسك بالقلق والاضطراب والمجادلة معهم والمخاصمة إياهم الى ان نكف عنك شرورهم ولا تلتفت الى هواجس نفسك حتى لا تقع في محل الخطاب والعتاب وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ وما جرى عليه من العتاب الإلهي من عدم حفظ نفسه عن مقتضياتها ومشتهياتها حتى ابتلاه الله سبحانه بما ابتلاه مع انه كان ذَا الْأَيْدِ اى صاحب القدرة والقوة التامة الكاملة في الإطاعة والعبادة وحفظ النفس عن محازم الله ومنهياته وكيف لا يكون كذلك إِنَّهُ أَوَّابٌ رجاع الى الله والى مرضاته سبحانه في جميع حالاته ومن كمال رجوعه إلينا وحفظه لمرضاتنا إِنَّا من مقام عظيم جودنا إياه قد سَخَّرْنَا الْجِبالَ له وجعلناها تحت حكمه الى حيث سارت مَعَهُ حيث شاء يُسَبِّحْنَ بمتابعته وموافقته حين صبح ونزه بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ اى بالليل والنهار يعنى ما دام يميل ويتوجه الى ربه مالت الجبال معه ازديادا لثوابه وتكثيرا لفوائده وَكذا سخرنا له الطَّيْرَ اى جنس الطيور يجتمعن حوله مَحْشُورَةً على فنائه مسخرة لحكمه على قراءة النصب والطير محشورة عنده محكومة لأمره يسبحن بمتابعته بالغدو والآصال كتسبيح الجبال على قراءة الرفع وبالجملة كُلٌّ اى كل واحد من داود وكذا من الجبال والطيور بمتابعته لَهُ أَوَّابٌ اى لأجله رجاع الى الله مسبح له سبحانه مقدس عما لا يليق بشأنه على سبيل الاستمرار والدوام وَمن كمال لطفنا وجودنا معه قد شَدَدْنا له مُلْكَهُ الظاهر اى قوينا استيلاءه وسلطناه على الأنام وألقينا هيبته وابهته على قلوبهم الى حيث لم يقدروا ان يخرجوا

стр. 807

عن مقتضيات الحدود الإلهية الموضوعة في شرعه خوفا من اطلاعه وسبب هيبته انه تحاكم عنده رجلان فادعى أحدهما على الآخر بانه غصب منه بقرة عدوانا وظلما فأنكر الآخر ولم يكن للمدعى بينة فاريناه في منامه غاية مناه إياه وتأييدا ان يقتل المدعى عليه ويحكم بالبقرة للمدعى فلما استيقظ كذب حلمه واستغفر فنام فاريناه مثل ذلك واستيقظ فاستغفر ثانيا فنام فرأى ثالثا مثل ذلك فتيقن انه من الله فهم ان يقتله تنفيذا لما الهم اليه فقال المدعى عليه أتقتلني بلا بينة فقال ﵇ نعم والله لأنفذن حكم الله فيك فلما تفطن الرجل منه الجزم في عزمه اضطر الى الاعتراف حيث قال لا تعجل يا نبي الله حتى أخبرك والله ما أخذتني بهذا الذنب ظلما وزورا ولكني قد قتلت والد هذا المدعى اغتيالا وخداعا فقتله ﵇ حدا وعظمت هيبته في قلوب الناس حتى انزجروا عن مطلق المحرمات والمنهيات خوفا من اطلاعه وقالوا لا نعمل شيأ الا وقد علمه فيقضى علينا حسب علمه هذا تقويتنا وتأييدنا إياه بحسب الظاهر وبمقتضى السلطنة الصورية وَاما بحسب الباطن والحقيقة قد آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ البالغة المتقنة التي يتصرف بها في حقائق الأمور ويطلع على سرائرها بنور النبوة والولاية الموروثة له من اسلافه الكرام الموهوبة إياه من الحكيم العلام تأييدا له وتقوية لشأنه وَقد آتيناه ايضا فَصْلَ الْخِطابِ اى قطع الخصومات على التفصيل الذي قد وقع بين المتخاصمين بلا حيف وميل الى جانب احد على ما هو مقتضى العدل الإلهي بالخطاب المفصل الموضح الواضح المقتصد بلا اختصار مخل واطناب ممل وبالجملة بلا إغلاق يشتبه مضمونه على المتخاصمين وَهَلْ أَتاكَ وقد حصل عندك يا أكمل الرسل نَبَأُ الْخَصْمِ اى حديث الملكين المصورين بصورة الخصمين اللذين جاءا للحكومة عند أخيك داود ﵇ حين اعتكف في محرابه للعبادة معتزلا عن الناس على ما هو عادته من تقسيم أيامه ثلاثة اقسام يوم لعيش النساء ويوم للحكومة وقطع الخصومة بين الأنام ويوم للتوجه نحو الحق والمناجاة معه سبحانه في محرابه وقد كان يوما في محرابه والباب مغلق عليه والحراس على الباب فجاء الملكان على صورة رجلين متخاصمين على الباب فمنعهما البواب فأخذا مستعليين المحراب اذكر خبر وقت إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ اى صعدوا على حائط المحراب واستعلوا على سوره بقصد الدخول عليه ثم اذكر إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ من غير الباب بان شق لهم الجدار فَفَزِعَ داود مِنْهُمْ واستوحش من دخولهم لا من الطريق المعهود وبعد ما تفرسوا منه الرعب والفزع قالُوا له تسلية وتسكينا لا تَخَفْ منا ولا تحزن عن إلمامنا إياك إذ نحن خَصْمانِ تحاكمنا إليك حتى تقضى بيننا قد بَغى اى ظلم وتعدى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ اى أحدنا على الآخر فَاحْكُمْ ايها الحاكم العادل العالم بَيْنَنا بِالْحَقِّ اى بالعدل السوى وَلا تُشْطِطْ اى لا تمل ولا تتجاوز عن مقتضى القسط الإلهي وَبالجملة اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ اى اعدل الطرق وأقوم السبل في سلوك طريق الحق ثم أخذا في تقرير المسألة وتحرير الدعوى فقال أحدهما إِنَّ هذا أَخِي في الدين ورفيقي في سلوك طريق التوحيد واليقين لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وهي الأنثى من الضأن قد كنى بها العرب عن المرأة وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فقط فَقالَ لي عدوانا وظلما أَكْفِلْنِيها واجعلنى كافلا لها ومالكا إياها حتى تصير نعاجى مائة ولم تبق لك نعجة وَمع ذلك لم يقتصر على مجرد القول بل قد عَزَّنِي وغلب على فِي مضمون هذا الْخِطابِ المذكور بحجج لا اقدر على دفعه ولا اسع المقاومة معه وبعد ما سمع ﵇ كلام المدعى وتأمل في تقريره قال

стр. 808

للمدعى عليه هل تصدقه فيما ادعاه عليك قال بلى ثم التفت ﵇ نحو المدعى متعجبا مستبعدا عما جرى عليه من الظلم والعدوان حيث قالَ تالله لَقَدْ ظَلَمَكَ هذا الظالم ظلما صريحا بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ هذه ليأخذها منك ويضيفها إِلى نِعاجِهِ ليكثرها بها ويخالطها معها حرصا منه الى تكميل مشتهيات نفسه الامارة بالسوء وَبالجملة لا تستبدع هذا الأمر ولا تستبعد منه هذا بل إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ الذين خلطوا أموالهم وتشاركوا فيها لَيَبْغِي اى يظلم ويتعدى بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ظلما وزورا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالله من الخلطاء واستقاموا على صراطه الموضوع من عنده على العدالة والاستقامة وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المرضية عنده سبحانه سيما في الأمور المتعلقة لحقوق عباده وَلكن قَلِيلٌ ما هُمْ اى هم قليل في الدنيا في غاية القلة والندرة وما مزيدة زيد لتأكيد القلة والإبهام ثم التفت ﵇ الى المدعى عليه فقال له بعد ما سمع منه اعترافه ان رمت وقلت هذا هكذا مرة اخرى قد ضربنا وقطعنا منك هذا وأشار الى طرف انفه فقال المدعى عليه أنت ايها الحاكم أحق بذلك الضرب فنظر ﵇ ولم ير أحدا وَحينئذ ظَنَّ بل تيقن داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ وابتليناه بالذنب الذي صدر عنه فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عما جرى عليه من افتتان الله إياه وَخَرَّ سقط ساجدا من خشية الله بعد ما كان راكِعاً مكسور الظهر منكوس الرأس عن ارتكاب الذنب وَأَنابَ إلينا على وجه الندم والخجل مستحييا عنا مستوحشا عن سخطنا وغضبنا إياه فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ الذنب بعد ما قد أخلص في الانابة والرجوع إلينا بل جميع ذنوبه التي صدرت عنه هفوة وَكيف لا نغفر إِنَّ لَهُ اى لداود ﵇ عِنْدَنا وفي ساحة قربتنا وحضرة عزتنا لَزُلْفى لقربة ومنزلة رفيعة وَحُسْنَ مَآبٍ اى خير مرجع ومنقلب من مقامات القرب ودرجات الوصول ثم لما عاتب سبحانه داود ﵇ بما عاتب وقبل توبته بعد ما استغفر وأثاب أراد سبحانه من كمال خلوصه في توبته ورجوعه نحو الحق عن صميم طويته ان يشرفه بخلعة الخلافة فقال مناديا له إظهارا لكمال اللطف والكرم معه يا داوُدُ المتأثر عن عتبنا التائب إلينا المنيب نحونا عن محض الندم والإخلاص إِنَّا بعد ما طهرناك عن لوث بشريتك وغفرنا لك ما طرأ عليك من لوازم هويتك ولو أحق ناسوتك قد جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ التي هي محل الكون والفساد وانواع الفتن والعناد فلك ان تستخلف عليها نيابة عنا فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ المستحكمين منك المترددين إليك في الوقائع والخطوب ملتبسا بِالْحَقِّ السوى بلا ميل الى كلا طرفي الإفراط والتفريط على الوجه الذي وصل إليك في كتابنا صريحا واستنبطت أنت منه ضمنا وقياسا وَعليك انه لا تَتَّبِعِ الْهَوى مطلقا في حكوماتك وقطعك للخصومات بين الأنام يعنى عليك ان تراجع في عموم الاحكام الى كتابنا ولا تميل في حال من الأحوال الى ما تهويه نفسك ويقتضيه رأيك ويشتهيه قلبك مما يخالف الكتاب وان اتبعت اليه بعد ما نهيناك فَيُضِلَّكَ اتباعك إياه عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الموصل الى توحيده المبنى على القسط الصرف والعدالة الخالصة الحقيقية الحقية وبالجملة إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الواحد الأحد الصمد الفرد الذي قد استوى وتمكن على عروش عموم ما لمعت عليه بروق تجلياته بالقسط والاستقامة لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يوم يرجعون الى الله ويحشرون الى عرصات العرض عليه بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ اى بسبب نسيانهم فطرتهم الاصلية وعهدهم الذي عهدوا مع الله فيها وانكارهم على تنقيد الحق أعمالهم في يوم البعث والجزاء

стр. 809

وضلالهم عن الايمان به وبجميع ما فيه من الأمور الاخروية وَكيف لا نبعث الأموات ولا نحاسبها أعمالهم التي أتوا بها في دار الاختبار إذ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وجميع من فيها وما فيها وَالْأَرْضَ وجميع من عليها وما عليها وَكذا ما بَيْنَهُما من الممتزجات الكائنة فوق الأرض وتحت السماء باطِلًا عبثا بلا طائل ولا مصلحة تقتضيها الحكمة الباعثة على إظهارها مع انا ما كنا من العابثين اللاعبين وما يليق بشأننا ان ينسب أفعالنا الى العبث والبطلان والخلو عن الحكمة وبالجملة ذلِكَ القول ببطلان أفعالنا وخلوها عن الفائدة وعرائها عن الحكمة والمصلحة ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالحق العليم الحكيم واعرضوا عن الايمان به وأنكروا توحيده فاستحقوا بذلك الظن الفاسد أسوأ العذاب وأشد النكال فَوَيْلٌ عظيم وعذاب اليم لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ إذ هم في أوحش امكنة جهنم وأهولها واغورها أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ المسرفين فِي الْأَرْضِ اى بل ظنوا وزعموا من غاية جهلهم وسخافة فطنتهم ورأيهم انا نسوى في الرتبة بين ارباب الهداية والايمان واصحاب الضلالة والطغيان أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ بل زعموا واعتقدوا مساواة اهل المغفرة والتقوى مع اصحاب الغفلة والهوى في اودية الضلالات بمتابعة اللذات والشهوات. ثم قال سبحانه مخاطبا لحبيبه ﷺ على سبيل العظة والتذكير هذا كِتابٌ جامع لفوائد الكتب السالفة مشتمل على زوائد خلت عنها تلك الكتب قد أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ ايها النبي الجامع لجميع مراتب الوجود من مقام عظيم جودنا معك ومع من تبعك من المؤمنين مُبارَكٌ كثير الخير والبركة على من امتثل بأوامره واجتنب عن نواهيه وانكشف بما فيه من الرموز والإشارات المنبهة الى التوحيد وإسقاط الإضافات والتخلق بصفات الحق وأخلاقه والاتصاف بمقتضيات أسمائه الحسنى وأوصافه العظمى انما أنزلناه لِيَدَّبَّرُوا اى ليتدبروا المتدبرون المتفكرون في أساليب آياتِهِ الكريمة واتساق تراكيبه البديعة واقتضائها المعاني العجيبة المنتشئة المترشحة من بحر الذات حسب شئون الأسماء والصفات الظاهرة آثارها على وفق التجليات الحبية وَلِيَتَذَكَّرَ ويتعظ بعد ما تأمل وتدبر أُولُوا الْأَلْبابِ المستكشفون عن حقائق الموجودات ولباب الكائنات والفاسدات معرضين عن قشورها مطلقا وَبعد ما كرمنا بتشريف خلعة الخلافة قد وَهَبْنا لِداوُدَ ولدا خلفا عنه وارثا لملكه وخلافته محييا اسمه ومراسم دينه ومعالم ملته يعنى سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ سليمان إذ هو مقبول عندنا مقرب في حضرتنا مكرم لدينا وكيف لا يكون كذلك إِنَّهُ أَوَّابٌ رجاع إلينا ملتجئ نحونا في عموم الأوقات وشمول الحالات على وجه الخلوص والتفويض التام اذكر يا أكمل الرسل كمال رجوعه وإخلاصه فيه وقت إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ وهو مشمر الى الغزو وعازم عليه مهيّأ لأسبابه متمكن على كرسيه بضبط العسكر وتهيئة آلات القتال الصَّافِناتُ من الخيل وهي التي تدور سريعا كالرحى على طرف حافر من حوافره ان أراد الراكب تدويره وهي من أجمل أوصاف الخيل وأكملها عند اصحاب القتال إذ المبارز كثيرا ما يحتاج الى تدوير فرسه يوم الوغا الْجِيادُ سريعة الجري والعدو وذلك انه قد جلس على كرسيه يوما بعد ما فرغ من ورده في الظهيرة لاعداد اسباب القتال الذي قصد الخروج اليه يومئذ وجمع عدده فأمر بعرض الخيول عليه فعرض فاشغله الالتفات والتوجه نحو الخيول عن ورد عصره فتذكر والشمس قد غربت فاغتم غما شديدا وتحزن حزنا بليغا بحيث لم يطرأ عليه مثله فَقالَ من شدة أسفه وضجرته متأوها

стр. 810

لائما نفسه إِنِّي من غاية غفلتي عن ربي أَحْبَبْتُ الخيل حُبَّ الْخَيْرِ اى مثل حب الخير والتوجه المقرب نحو الحق لذلك الهانى الخيل عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ الشمس بِالْحِجابِ وفات عنى وردى الذي قد كنت عليه قبل غروب الشمس وبعد ما وقع من الغفلة ما وقع وفات ما فات من الورد تسارع الى التدارك والتلافي فأخذ يقطع عرق الباعث الى الإلهاء والاغفال فقال للشرطة رُدُّوها اى الخيول الصافنات عَلَيَّ وكرّوها الىّ كرة اخرى فاعادوها عارضين ثانيا فَطَفِقَ وقرب سليمان ﵇ وأخذ السيف الصارم بيده يمسح ويمضى مَسْحاً وإمضاء وملاصقا بِالسُّوقِ وهي جمع ساق وَالْأَعْناقِ يعنى أخذ بقطع قوائم الخيول ورؤسها ليزول حبها عن قلبه ويتصدق بها طلبا لمرضاة ربه وجبرا لما انكسر من ورده وعن المرتضى المجتبى كرم الله وجهه ان الضمير في ردوها راجع الى الشمس يعنى امر سليمان ﵇ الموكلين على الشمس باذن الله ووحيه إياه ان يردوا بعد ما غربت ليأتى سليمان ﵇ بورده فردوها واتى بما اتى وذلك من كمال كرم الله معه ولطفه إياه وَمع كونه مقبولا عندنا ممدوحا لدينا لَقَدْ فَتَنَّا وابتلينا سُلَيْمانَ بفتنة عظيمة وَبعد ما فتناه بفتنة عظيمة أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ وأجلسنا بدله عليها جَسَداً تمثالا وصورة لا حقيقة لها ثُمَّ بعد ما ابتليناه بما ابتلينا قد أَنابَ وتاب إلينا مخلصا متضرعا فقبلنا توبته عناية منا إياه حيث قالَ في مناجاته معنا وعرض حاجاته إلينا رَبِّ يا من ربيتني بمقتضى لطفك وجودك وأعطيتني من مواهبك ما لم تعط أحدا من خلقك اغْفِرْ لِي ذنبي فاعف عنى زلتى وارحمني بسعة رحمتك وجودك وَبعد ما غفرتنى ومحوت عنى معصيتي هَبْ لِي مُلْكاً كما وهبتني قبل هذا وخصصنى به بمقتضى جودك وإحسانك علىّ إذ لا يَنْبَغِي ولا يليق بشأنك وبمزيد لطفك وإحسانك ان تعطيه لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إذ لا راد لفضلك ولا مانع لعطائك إِنَّكَ أَنْتَ المحسن الْوَهَّابُ المنحصر المقصور على إعطاء عموم المواهب والكرامات بلا عوض ولا غرض إذ لا معطى سواك ولا مفضل غيرك وبعد ما توجه إلينا وتضرع نحونا على وجه الانابة والخضوع والتذلل والخشوع آتينا ملكه وأجرينا حكمه كما كان فَسَخَّرْنا لَهُ بدل ما مسح من الصافنات الجياد لتعظيم أمرنا وقوة حكمنا الرِّيحَ بعد ما ابتليناه وقبلنا توبته وجعلناها مقهورة له محكومة بحكمه بحيث تَجْرِي بِأَمْرِهِ منقادة له رُخاءً لينة هينة بلا تضعضع وتزعزع يتعب منه الراكب حَيْثُ أَصابَ اى تجرى الريح بامره الى أىّ صوب أراد وجانب قصد وَايضا قد سخرنا له الشَّياطِينَ وجعلناهم منقادين لحكمه كُلَّ بَنَّاءٍ منهم سيبنى له ابنية عجيبة وقصورا مشيدة منيعة وحصونا محكمة بحيث لا يسع للانس ان يعمل مثلها وَكذا كل غَوَّاصٍ منهم ليغوص لأجله في لجج البحار ويستخرج بخزانته من اللئالئ النفيسة ما لا يعد ولا يحصى وَآخَرِينَ من الشياطين وهم المردة الممتنعون عن الإطاعة والانقياد قد جعلناهم مُقَرَّنِينَ مشدودين محبوسين فِي الْأَصْفادِ اى القيود والأغلال المضيقة بمقتضى امره وحكمه. ثم قال سبحانه امتنانا عليه وتنبيها على تعظيمه وتكريمه هذا المذكور من الحكومة والخلافة والتسخيرات السالفة عَطاؤُنا عليك يا من اصطفيناك لوراثة النبوة والخلافة فَامْنُنْ منه لمن شئت واجعل حق المستحقين موضعه أَوْ أَمْسِكْ لنفسك
следующие страницы →