Полный текст (1 120 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
فاستأصلناهم كذلك وبالجملة أُولئِكَ البعداء المنحرفون عن صوب السداد والصواب هم الْأَحْزابُ الذين قد كذبوا الرسل وتحزبوا عليهم وقاتلوا معهم مع كونهم أشداء أقوياء فانهزموا عنهم بنصرنا إياهم فغلبوا هنا لك وانقلبوا صاغرين وبالجملة
إِنْ كُلٌّ اى ما كل من الأمم السالفة الهالكة المذكورة إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ المذكورين فَحَقَّ اى لزم وثبت لذلك ولحق عليهم عِقابِ اى انواع عذابي ونكالي عاجلا وآجلا
وَبالجملة ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ المعاندون المنكرون لدينك المكذبون لرسالتك وكتابك إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ينفخها اسرافيل في الصور باذن منا فيسمع هؤلاء الضالون فيموتون على الفور بلا توقف إذ ما لَها اى لتلك الصيحة واهلاكها وافنائها السامعين مِنْ فَواقٍ قرار ووقوف مقدار خروج النفس ورجوعه وهذا كناية عن سرعة نفوذ قضاء الله حين حلول عذابه عليهم الى حيث لا يسع فيه تميز التقدم والتأخر أصلا بل ينزل بغتة
وَبعد ما سمع كفار مكة أوصاف اهوال يوم الجزاء وافتراق الناس فيها فرقا وأحزابا بعضهم اصحاب يمين وبعضهم اصحاب شمال فيعطى لكل فرد كتاب قد كتبت فيه أعمالهم الصالحة والفاسدة فيحاسب كل على اعماله فيجازى على وفقها قالُوا مستهزئين متهكمين يعنى اهل مكة بعد ما سمعوا اهوال يوم الجزاء وافزاعها رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا اى قسطنا وحظنا ونصيبنا من العذاب المترتب على أعمالنا المثبتة في صحيفتنا المكتوبة فيها قَبْلَ حلول يَوْمِ الْحِسابِ ونحن نرضى بها وبالعذاب المستتبعة لها بلا حساب وبعد ما قالوا كذلك واستهزؤا مع الرسول ﷺ وضحكوا من قوله ونسبوه الى الخبط والجنون امر سبحانه حبيبه بالتصبر على مقاساة ما جاءوا به مما لا يليق بشأنه فقال
اصْبِرْ يا أكمل الرسل عَلى ما يَقُولُونَ لك وفي شأنك أولئك الجاهلون عنادا ومكابرة ولا تلتفت الى هذياناتهم ولا تحزن من أباطيلهم المستهجنة فعليك يا أكمل الرسل ان توطن نفسك على الصبر المأمور ولا تتجاوز عن مقتضاه ولا تتعب نفسك بالقلق والاضطراب والمجادلة معهم والمخاصمة إياهم الى ان نكف عنك شرورهم ولا تلتفت الى هواجس نفسك حتى لا تقع في محل الخطاب والعتاب وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ وما جرى عليه من العتاب الإلهي من عدم حفظ نفسه عن مقتضياتها ومشتهياتها حتى ابتلاه الله سبحانه بما ابتلاه مع انه كان ذَا الْأَيْدِ اى صاحب القدرة والقوة التامة الكاملة في الإطاعة والعبادة وحفظ النفس عن محازم الله ومنهياته وكيف لا يكون كذلك إِنَّهُ أَوَّابٌ رجاع الى الله والى مرضاته سبحانه في جميع حالاته ومن كمال رجوعه إلينا وحفظه لمرضاتنا
إِنَّا من مقام عظيم جودنا إياه قد سَخَّرْنَا الْجِبالَ له وجعلناها تحت حكمه الى حيث سارت مَعَهُ حيث شاء يُسَبِّحْنَ بمتابعته وموافقته حين صبح ونزه بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ اى بالليل والنهار يعنى ما دام يميل ويتوجه الى ربه مالت الجبال معه ازديادا لثوابه وتكثيرا لفوائده
وَكذا سخرنا له الطَّيْرَ اى جنس الطيور يجتمعن حوله مَحْشُورَةً على فنائه مسخرة لحكمه على قراءة النصب والطير محشورة عنده محكومة لأمره يسبحن بمتابعته بالغدو والآصال كتسبيح الجبال على قراءة الرفع وبالجملة كُلٌّ اى كل واحد من داود وكذا من الجبال والطيور بمتابعته لَهُ أَوَّابٌ اى لأجله رجاع الى الله مسبح له سبحانه مقدس عما لا يليق بشأنه على سبيل الاستمرار والدوام
وَمن كمال لطفنا وجودنا معه قد شَدَدْنا له مُلْكَهُ الظاهر اى قوينا استيلاءه وسلطناه على الأنام وألقينا هيبته وابهته على قلوبهم الى حيث لم يقدروا ان يخرجوا
стр. 807
عن مقتضيات الحدود الإلهية الموضوعة في شرعه خوفا من اطلاعه وسبب هيبته انه تحاكم عنده رجلان فادعى أحدهما على الآخر بانه غصب منه بقرة عدوانا وظلما فأنكر الآخر ولم يكن للمدعى بينة فاريناه في منامه غاية مناه إياه وتأييدا ان يقتل المدعى عليه ويحكم بالبقرة للمدعى فلما استيقظ كذب حلمه واستغفر فنام فاريناه مثل ذلك واستيقظ فاستغفر ثانيا فنام فرأى ثالثا مثل ذلك فتيقن انه من الله فهم ان يقتله تنفيذا لما الهم اليه فقال المدعى عليه أتقتلني بلا بينة فقال ﵇ نعم والله لأنفذن حكم الله فيك فلما تفطن الرجل منه الجزم في عزمه اضطر الى الاعتراف حيث قال لا تعجل يا نبي الله حتى أخبرك والله ما أخذتني بهذا الذنب ظلما وزورا ولكني قد قتلت والد هذا المدعى اغتيالا وخداعا فقتله ﵇ حدا وعظمت هيبته في قلوب الناس حتى انزجروا عن مطلق المحرمات والمنهيات خوفا من اطلاعه وقالوا لا نعمل شيأ الا وقد علمه فيقضى علينا حسب علمه هذا تقويتنا وتأييدنا إياه بحسب الظاهر وبمقتضى السلطنة الصورية وَاما بحسب الباطن والحقيقة قد آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ البالغة المتقنة التي يتصرف بها في حقائق الأمور ويطلع على سرائرها بنور النبوة والولاية الموروثة له من اسلافه الكرام الموهوبة إياه من الحكيم العلام تأييدا له وتقوية لشأنه وَقد آتيناه ايضا فَصْلَ الْخِطابِ اى قطع الخصومات على التفصيل الذي قد وقع بين المتخاصمين بلا حيف وميل الى جانب احد على ما هو مقتضى العدل الإلهي بالخطاب المفصل الموضح الواضح المقتصد بلا اختصار مخل واطناب ممل وبالجملة بلا إغلاق يشتبه مضمونه على المتخاصمين
وَهَلْ أَتاكَ وقد حصل عندك يا أكمل الرسل نَبَأُ الْخَصْمِ اى حديث الملكين المصورين بصورة الخصمين اللذين جاءا للحكومة عند أخيك داود ﵇ حين اعتكف في محرابه للعبادة معتزلا عن الناس على ما هو عادته من تقسيم أيامه ثلاثة اقسام يوم لعيش النساء ويوم للحكومة وقطع الخصومة بين الأنام ويوم للتوجه نحو الحق والمناجاة معه سبحانه في محرابه وقد كان يوما في محرابه والباب مغلق عليه والحراس على الباب فجاء الملكان على صورة رجلين متخاصمين على الباب فمنعهما البواب فأخذا مستعليين المحراب اذكر خبر وقت إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ اى صعدوا على حائط المحراب واستعلوا على سوره بقصد الدخول عليه ثم اذكر
إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ من غير الباب بان شق لهم الجدار فَفَزِعَ داود مِنْهُمْ واستوحش من دخولهم لا من الطريق المعهود وبعد ما تفرسوا منه الرعب والفزع قالُوا له تسلية وتسكينا لا تَخَفْ منا ولا تحزن عن إلمامنا إياك إذ نحن خَصْمانِ تحاكمنا إليك حتى تقضى بيننا قد بَغى اى ظلم وتعدى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ اى أحدنا على الآخر فَاحْكُمْ ايها الحاكم العادل العالم بَيْنَنا بِالْحَقِّ اى بالعدل السوى وَلا تُشْطِطْ اى لا تمل ولا تتجاوز عن مقتضى القسط الإلهي وَبالجملة اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ اى اعدل الطرق وأقوم السبل في سلوك طريق الحق ثم أخذا في تقرير المسألة وتحرير الدعوى فقال أحدهما
إِنَّ هذا أَخِي في الدين ورفيقي في سلوك طريق التوحيد واليقين لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وهي الأنثى من الضأن قد كنى بها العرب عن المرأة وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فقط فَقالَ لي عدوانا وظلما أَكْفِلْنِيها واجعلنى كافلا لها ومالكا إياها حتى تصير نعاجى مائة ولم تبق لك نعجة وَمع ذلك لم يقتصر على مجرد القول بل قد عَزَّنِي وغلب على فِي مضمون هذا الْخِطابِ المذكور بحجج لا اقدر على دفعه ولا اسع المقاومة معه وبعد ما سمع ﵇ كلام المدعى وتأمل في تقريره قال
стр. 808
للمدعى عليه هل تصدقه فيما ادعاه عليك قال بلى ثم التفت ﵇ نحو المدعى متعجبا مستبعدا عما جرى عليه من الظلم والعدوان حيث
قالَ تالله لَقَدْ ظَلَمَكَ هذا الظالم ظلما صريحا بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ هذه ليأخذها منك ويضيفها إِلى نِعاجِهِ ليكثرها بها ويخالطها معها حرصا منه الى تكميل مشتهيات نفسه الامارة بالسوء وَبالجملة لا تستبدع هذا الأمر ولا تستبعد منه هذا بل إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ الذين خلطوا أموالهم وتشاركوا فيها لَيَبْغِي اى يظلم ويتعدى بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ظلما وزورا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالله من الخلطاء واستقاموا على صراطه الموضوع من عنده على العدالة والاستقامة وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المرضية عنده سبحانه سيما في الأمور المتعلقة لحقوق عباده وَلكن قَلِيلٌ ما هُمْ اى هم قليل في الدنيا في غاية القلة والندرة وما مزيدة زيد لتأكيد القلة والإبهام ثم التفت ﵇ الى المدعى عليه فقال له بعد ما سمع منه اعترافه ان رمت وقلت هذا هكذا مرة اخرى قد ضربنا وقطعنا منك هذا وأشار الى طرف انفه فقال المدعى عليه أنت ايها الحاكم أحق بذلك الضرب فنظر ﵇ ولم ير أحدا وَحينئذ ظَنَّ بل تيقن داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ وابتليناه بالذنب الذي صدر عنه فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عما جرى عليه من افتتان الله إياه وَخَرَّ سقط ساجدا من خشية الله بعد ما كان راكِعاً مكسور الظهر منكوس الرأس عن ارتكاب الذنب وَأَنابَ إلينا على وجه الندم والخجل مستحييا عنا مستوحشا عن سخطنا وغضبنا إياه
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ الذنب بعد ما قد أخلص في الانابة والرجوع إلينا بل جميع ذنوبه التي صدرت عنه هفوة وَكيف لا نغفر إِنَّ لَهُ اى لداود ﵇ عِنْدَنا وفي ساحة قربتنا وحضرة عزتنا لَزُلْفى لقربة ومنزلة رفيعة وَحُسْنَ مَآبٍ اى خير مرجع ومنقلب من مقامات القرب ودرجات الوصول ثم لما عاتب سبحانه داود ﵇ بما عاتب وقبل توبته بعد ما استغفر وأثاب أراد سبحانه من كمال خلوصه في توبته ورجوعه نحو الحق عن صميم طويته ان يشرفه بخلعة الخلافة فقال مناديا له إظهارا لكمال اللطف والكرم معه
يا داوُدُ المتأثر عن عتبنا التائب إلينا المنيب نحونا عن محض الندم والإخلاص إِنَّا بعد ما طهرناك عن لوث بشريتك وغفرنا لك ما طرأ عليك من لوازم هويتك ولو أحق ناسوتك قد جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ التي هي محل الكون والفساد وانواع الفتن والعناد فلك ان تستخلف عليها نيابة عنا فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ المستحكمين منك المترددين إليك في الوقائع والخطوب ملتبسا بِالْحَقِّ السوى بلا ميل الى كلا طرفي الإفراط والتفريط على الوجه الذي وصل إليك في كتابنا صريحا واستنبطت أنت منه ضمنا وقياسا وَعليك انه لا تَتَّبِعِ الْهَوى مطلقا في حكوماتك وقطعك للخصومات بين الأنام يعنى عليك ان تراجع في عموم الاحكام الى كتابنا ولا تميل في حال من الأحوال الى ما تهويه نفسك ويقتضيه رأيك ويشتهيه قلبك مما يخالف الكتاب وان اتبعت اليه بعد ما نهيناك فَيُضِلَّكَ اتباعك إياه عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الموصل الى توحيده المبنى على القسط الصرف والعدالة الخالصة الحقيقية الحقية وبالجملة إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الواحد الأحد الصمد الفرد الذي قد استوى وتمكن على عروش عموم ما لمعت عليه بروق تجلياته بالقسط والاستقامة لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يوم يرجعون الى الله ويحشرون الى عرصات العرض عليه بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ اى بسبب نسيانهم فطرتهم الاصلية وعهدهم الذي عهدوا مع الله فيها وانكارهم على تنقيد الحق أعمالهم في يوم البعث والجزاء
стр. 809
وضلالهم عن الايمان به وبجميع ما فيه من الأمور الاخروية
وَكيف لا نبعث الأموات ولا نحاسبها أعمالهم التي أتوا بها في دار الاختبار إذ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وجميع من فيها وما فيها وَالْأَرْضَ وجميع من عليها وما عليها وَكذا ما بَيْنَهُما من الممتزجات الكائنة فوق الأرض وتحت السماء باطِلًا عبثا بلا طائل ولا مصلحة تقتضيها الحكمة الباعثة على إظهارها مع انا ما كنا من العابثين اللاعبين وما يليق بشأننا ان ينسب أفعالنا الى العبث والبطلان والخلو عن الحكمة وبالجملة ذلِكَ القول ببطلان أفعالنا وخلوها عن الفائدة وعرائها عن الحكمة والمصلحة ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالحق العليم الحكيم واعرضوا عن الايمان به وأنكروا توحيده فاستحقوا بذلك الظن الفاسد أسوأ العذاب وأشد النكال فَوَيْلٌ عظيم وعذاب اليم لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ إذ هم في أوحش امكنة جهنم وأهولها واغورها
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ المسرفين فِي الْأَرْضِ اى بل ظنوا وزعموا من غاية جهلهم وسخافة فطنتهم ورأيهم انا نسوى في الرتبة بين ارباب الهداية والايمان واصحاب الضلالة والطغيان أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ بل زعموا واعتقدوا مساواة اهل المغفرة والتقوى مع اصحاب الغفلة والهوى في اودية الضلالات بمتابعة اللذات والشهوات. ثم قال سبحانه مخاطبا لحبيبه ﷺ على سبيل العظة والتذكير هذا
كِتابٌ جامع لفوائد الكتب السالفة مشتمل على زوائد خلت عنها تلك الكتب قد أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ ايها النبي الجامع لجميع مراتب الوجود من مقام عظيم جودنا معك ومع من تبعك من المؤمنين مُبارَكٌ كثير الخير والبركة على من امتثل بأوامره واجتنب عن نواهيه وانكشف بما فيه من الرموز والإشارات المنبهة الى التوحيد وإسقاط الإضافات والتخلق بصفات الحق وأخلاقه والاتصاف بمقتضيات أسمائه الحسنى وأوصافه العظمى انما أنزلناه لِيَدَّبَّرُوا اى ليتدبروا المتدبرون المتفكرون في أساليب آياتِهِ الكريمة واتساق تراكيبه البديعة واقتضائها المعاني العجيبة المنتشئة المترشحة من بحر الذات حسب شئون الأسماء والصفات الظاهرة آثارها على وفق التجليات الحبية وَلِيَتَذَكَّرَ ويتعظ بعد ما تأمل وتدبر أُولُوا الْأَلْبابِ المستكشفون عن حقائق الموجودات ولباب الكائنات والفاسدات معرضين عن قشورها مطلقا
وَبعد ما كرمنا بتشريف خلعة الخلافة قد وَهَبْنا لِداوُدَ ولدا خلفا عنه وارثا لملكه وخلافته محييا اسمه ومراسم دينه ومعالم ملته يعنى سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ سليمان إذ هو مقبول عندنا مقرب في حضرتنا مكرم لدينا وكيف لا يكون كذلك إِنَّهُ أَوَّابٌ رجاع إلينا ملتجئ نحونا في عموم الأوقات وشمول الحالات على وجه الخلوص والتفويض التام اذكر يا أكمل الرسل كمال رجوعه وإخلاصه فيه وقت
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ وهو مشمر الى الغزو وعازم عليه مهيّأ لأسبابه متمكن على كرسيه بضبط العسكر وتهيئة آلات القتال الصَّافِناتُ من الخيل وهي التي تدور سريعا كالرحى على طرف حافر من حوافره ان أراد الراكب تدويره وهي من أجمل أوصاف الخيل وأكملها عند اصحاب القتال إذ المبارز كثيرا ما يحتاج الى تدوير فرسه يوم الوغا الْجِيادُ سريعة الجري والعدو وذلك انه قد جلس على كرسيه يوما بعد ما فرغ من ورده في الظهيرة لاعداد اسباب القتال الذي قصد الخروج اليه يومئذ وجمع عدده فأمر بعرض الخيول عليه فعرض فاشغله الالتفات والتوجه نحو الخيول عن ورد عصره فتذكر والشمس قد غربت فاغتم غما شديدا وتحزن حزنا بليغا بحيث لم يطرأ عليه مثله
فَقالَ من شدة أسفه وضجرته متأوها
стр. 810
لائما نفسه إِنِّي من غاية غفلتي عن ربي أَحْبَبْتُ الخيل حُبَّ الْخَيْرِ اى مثل حب الخير والتوجه المقرب نحو الحق لذلك الهانى الخيل عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ الشمس بِالْحِجابِ وفات عنى وردى الذي قد كنت عليه قبل غروب الشمس وبعد ما وقع من الغفلة ما وقع وفات ما فات من الورد تسارع الى التدارك والتلافي فأخذ يقطع عرق الباعث الى الإلهاء والاغفال فقال للشرطة
رُدُّوها اى الخيول الصافنات عَلَيَّ وكرّوها الىّ كرة اخرى فاعادوها عارضين ثانيا فَطَفِقَ وقرب سليمان ﵇ وأخذ السيف الصارم بيده يمسح ويمضى مَسْحاً وإمضاء وملاصقا بِالسُّوقِ وهي جمع ساق وَالْأَعْناقِ يعنى أخذ بقطع قوائم الخيول ورؤسها ليزول حبها عن قلبه ويتصدق بها طلبا لمرضاة ربه وجبرا لما انكسر من ورده وعن المرتضى المجتبى كرم الله وجهه ان الضمير في ردوها راجع الى الشمس يعنى امر سليمان ﵇ الموكلين على الشمس باذن الله ووحيه إياه ان يردوا بعد ما غربت ليأتى سليمان ﵇ بورده فردوها واتى بما اتى وذلك من كمال كرم الله معه ولطفه إياه
وَمع كونه مقبولا عندنا ممدوحا لدينا لَقَدْ فَتَنَّا وابتلينا سُلَيْمانَ بفتنة عظيمة وَبعد ما فتناه بفتنة عظيمة أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ وأجلسنا بدله عليها جَسَداً تمثالا وصورة لا حقيقة لها ثُمَّ بعد ما ابتليناه بما ابتلينا قد أَنابَ وتاب إلينا مخلصا متضرعا فقبلنا توبته عناية منا إياه حيث
قالَ في مناجاته معنا وعرض حاجاته إلينا رَبِّ يا من ربيتني بمقتضى لطفك وجودك وأعطيتني من مواهبك ما لم تعط أحدا من خلقك اغْفِرْ لِي ذنبي فاعف عنى زلتى وارحمني بسعة رحمتك وجودك وَبعد ما غفرتنى ومحوت عنى معصيتي هَبْ لِي مُلْكاً كما وهبتني قبل هذا وخصصنى به بمقتضى جودك وإحسانك علىّ إذ لا يَنْبَغِي ولا يليق بشأنك وبمزيد لطفك وإحسانك ان تعطيه لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إذ لا راد لفضلك ولا مانع لعطائك إِنَّكَ أَنْتَ المحسن الْوَهَّابُ المنحصر المقصور على إعطاء عموم المواهب والكرامات بلا عوض ولا غرض إذ لا معطى سواك ولا مفضل غيرك وبعد ما توجه إلينا وتضرع نحونا على وجه الانابة والخضوع والتذلل والخشوع آتينا ملكه وأجرينا حكمه كما كان
فَسَخَّرْنا لَهُ بدل ما مسح من الصافنات الجياد لتعظيم أمرنا وقوة حكمنا الرِّيحَ بعد ما ابتليناه وقبلنا توبته وجعلناها مقهورة له محكومة بحكمه بحيث تَجْرِي بِأَمْرِهِ منقادة له رُخاءً لينة هينة بلا تضعضع وتزعزع يتعب منه الراكب حَيْثُ أَصابَ اى تجرى الريح بامره الى أىّ صوب أراد وجانب قصد
وَايضا قد سخرنا له الشَّياطِينَ وجعلناهم منقادين لحكمه كُلَّ بَنَّاءٍ منهم سيبنى له ابنية عجيبة وقصورا مشيدة منيعة وحصونا محكمة بحيث لا يسع للانس ان يعمل مثلها وَكذا كل غَوَّاصٍ منهم ليغوص لأجله في لجج البحار ويستخرج بخزانته من اللئالئ النفيسة ما لا يعد ولا يحصى
وَآخَرِينَ من الشياطين وهم المردة الممتنعون عن الإطاعة والانقياد قد جعلناهم مُقَرَّنِينَ مشدودين محبوسين فِي الْأَصْفادِ اى القيود والأغلال المضيقة بمقتضى امره وحكمه. ثم قال سبحانه امتنانا عليه وتنبيها على تعظيمه وتكريمه
هذا المذكور من الحكومة والخلافة والتسخيرات السالفة عَطاؤُنا عليك يا من اصطفيناك لوراثة النبوة والخلافة فَامْنُنْ منه لمن شئت واجعل حق المستحقين موضعه أَوْ أَمْسِكْ لنفسك
стр. 811
ولا تعط أحدا يعنى لك الخيار والاختيار في المنع والإعطاء بِغَيْرِ حِسابٍ منا عليك وسؤال عن فعلك إذ امره مفوض إليك
وَكيف لا إِنَّ لَهُ اى لسليمان ﵇ عِنْدَنا وفي ساحة عز حضورنا لَزُلْفى قربة ودرجة قريبة من درجات الوصال وَحُسْنَ مَآبٍ اى خير مرجع ومنقلب من مراتب التمكن في التوحيد والتقرب في مقر القبول
وَاذْكُرْ يا أكمل الرسل عَبْدَنا أَيُّوبَ هو ابن عيص بن اسحق وامرأته ليا بنت يعقوب اضافه سبحانه الى نفسه لكمال رضاه منه ولطفه معه حيث صبر على عموم ما مضى عليه من بلائه وجرى عليه من قضائه وشكر على جميع نعمائه وآلائه ولم ينقص من إخلاصه حالتي السراء والضراء شيء واذكر يا أكمل الرسل كمال تصبر أخيك أيوب وإخلاصه في توجهه إلينا للمتذكرين المعتبرين من أمتك كي يتذكروا من قصته ويتخلقوا من تصبره وتمكنه في مقر التفويض والتسليم
إِذْ نادى رَبَّهُ الذي رباه بين الخوف والرجاء وانواع العناء والعطاء اختبارا لكمال اصطباره ووقاره بما جرى عليه من مقتضيات الإمكان حين اضطراره الى الالتجاء نحو ربه والتضرع اليه أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ اى قد نفخ اللعين في فىّ وأحاط ضرر نفخه جميع أجزاء بدني بحيث لم يبق منى عضو لم يلحقه ضرر من شؤم نفخه وعذاب شديد مؤلم مزعج وبالجملة قد اضطرني هجوم العناء ونزول انواع المحن والبلاء الى بث الشكوى نحوك يا مولاي فانا عبدك وعلى عهدك ما استطعت وما توفيقي الا بك وما ثقتي الا عليك فارحمني بسعة رحمتك إذ لا راحم سواك ولا مغيث غيرك وبعد ما استغاث بنا مخلصا مضطرا راجيا الاجابة والقبول قد أدركته العناية وشملته الرحمة والكرامة من لدنا حيث قلنا له ملهمين إياه
ارْكُضْ واضرب بِرِجْلِكَ على الأرض فركض امتثالا للأمر الوجوبي فنبعت عين جارية ثم قلنا له تعليما وتنبيها هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ يبرد ويبرئ ظاهر جسدك وجلدك من الحرارة العارضة لبدنك من شؤم نفث عدوك الذي خلق من عنصر النار وَشَرابٌ شاف لباطنك من الداء الذي عرض عليك من انحراف مزاجك بسبب خروج اخلاطك عن الاعتدال الفطري بشؤم نفخه وبعد ما سمع أيوب ما سمع اغتسل منه فشرب وبرئ من المرض ظاهرا وباطنا وَبعد ما قد حصل له الصحة والنظافة عناية منا إياه وسقط ساجدا نحونا حامدا لنا شاكرا لأنعمنا مناجيا معنا مخلصا متضرعا
وَهَبْنا لَهُ تتميما لكمال لطفنا إياه وعنايتنا معه أَهْلَهُ اى جميع من مات من أولاده بسقوط السقف وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ يعنى بل وهبنا له إحسانا عليه وامتنانا منا إياه مثل اهله مع اهله وانما فعلنا معه كذلك بعد ما قد ابتليناه واختبرناه ليكون رَحْمَةً مِنَّا إياه وعظة وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ الذين يتذكرون بقصته بعده ويتخلقون بأخلاقه ليفوزوا بما فاز به
وَبعد ما صححناه من الأسقام ووهبنا له اهله وماله وزدنا عليه مثله تفضلا منا إياه أمرناه ثانيا تعليما له بان يتدارك قسمه وحلفه الذي قد حلف في مرضه حين ذهبت امرأته ليا او رحمة بنت أفرائيم بن يوسف لحاجة لها فابطأت قائلا ان برئت عن مرضى لأضربنك مائة جلدة وقلنا له تعليما خُذْ بِيَدِكَ لتدارك حلفك ضِغْثاً حزمة مشتملة على مائة اغصان صغار فَاضْرِبْ بِهِ اى بالضغث امرأتك مرة بحيث وصل اثر جميع ما في الحزمة من الاغصان إليها وَلا تَحْنَثْ حينئذ في حلفك فحللنا يمينك بها عناية منا لك ولا مرأتك فصارت هذه رخصة شرعية باقية في شرائع الأديان الى الآن وكيف لا نزيل شكواء ولا نحسن اليه ولا نجزيه احسن الجزاء إِنَّا وَجَدْناهُ
стр. 812
اى أيوب عبدا صابِراً لجميع ما هجم عليه من انواع البلايا المتعلقة بماله وأولاده وبدنه وبالجملة نِعْمَ الْعَبْدُ عبدنا أيوب الصبور الصبار المسلم المفوض بلا جزع وتزعزع فكيف يجزع إِنَّهُ أَوَّابٌ رجاع إلينا متشمر نحونا في عموم أوقاته وحالاته طالب للفناء فينا والبقاء ببقائنا
وَاذْكُرْ يا أكمل الرسل عِبادَنا الذين هم أجدادك واسلافك إِبْراهِيمَ وَابنه إِسْحاقَ وَسبطه يَعْقُوبَ واذكر من شمائلهم الجميلة وخصائلهم الحميدة ليتعظ من سماعها ذوو العبرة والاعتبار من المؤمنين ويقتدون بمآثرهم لأنهم قد كانوا أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ اى ذوى القوة في الطاعة والبصيرة في مراسم الدين ومعالم التوحيد واليقين ولهم التمكن في مقر المعرفة والوصول الى درجات التجريد والتفريد ولا بد للذين يلونهم ان يقتدوا بهم ويسترشدوا من أخلاقهم وآثارهم ويتصفوا باوصافهم كي يفوزوا بمعارفهم وينكشفوا بمكاشفاتهم ومشاهداتهم لأنهم قدوة اصحاب التوحيد وزبدة ارباب الكشف والشهود وكيف لا
إِنَّا من مقام عظيم جودنا معهم أَخْلَصْناهُمْ وجعلناهم مخصوصين بِخالِصَةٍ اى بخصلة خالصة عن كدر التعلقات الناسوتية خالية عن شوب مقتضيات القوى البشرية العائقة عن التحقق بمرتبة اللاهوتية ألا وهي ذِكْرَى الدَّارِ الآخرة التي هي مقام التمكن في مقر التوحيد ومحل الانكشاف بسرائر الوحدة الذاتية وسريانها في ملابس الأسماء والصفات المقتضية للتعدد والتكثر
وَبالجملة إِنَّهُمْ اى أولئك الأنبياء العظام الساعين لطلب الخير في طريق الدين ورتبة اليقين عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ المختارين المنتخبين لحمل أعباء الرسالة الْأَخْيارِ المنتخبين الصالحين للاتصاف بسرائر التوحيد واليقين
وَاذْكُرْ ايضا يا أكمل الرسل جدك إِسْماعِيلَ ابن ابراهيم الخليل وتذكر تصبره ورسوخه في مقام التفويض والتسليم راضيا بما جرى عليه من مقتضيات حكم ربه مع انه لم يبلغ الحلم وَاذكر ايضا الْيَسَعَ هو ابن اليحطوب استخلفه الياس النبي ﵇ على بنى إسرائيل ثم استنبئ وَذَا الْكِفْلِ هو ابن عم اليسع المذكور او بشر بن أيوب قيل انما لقب به لأنه فرّ اليه مائة نبي من بنى إسرائيل فآواهم وكفلهم وَكُلٌّ اى كل واحد من الأنبياء المذكورين معدود عندنا مِنَ الْأَخْيارِ الأبرار مثبت في حضرة علمنا ولوح قضائنا من زمرتهم
هذا الذي تلى عليك من الأمر بتذكير أولئك الثقات الكرام ذِكْرٌ جميل واثبات شريف وكمال لهم انما ذكرناهم وأمرنا بذكرهم يا أكمل الرسل تنبيها على جلالة قدرهم وعظم شأنهم وَبالجملة إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ المجتنبين عن محظوراتنا المتصفين بمأموراتنا الطالبين لمرضاتنا الهاربين عن مساخطنا وانتقاماتنا لَحُسْنَ مَآبٍ عندنا وخير منقلب ومتاب في كنف حفظنا وجوارنا وساحة عز قبولنا
جَنَّاتِ عَدْنٍ عطف بيان لحسن مآب وهي عبارة عن درجات القرب الى الوحدة الذاتية وتجددات التجليات الشهودية على ارباب الكشف والعيان ولكمال تحفظهم عن مقتضيات القوى ومشتهيات الهوى وخلوصهم في التوجه نحو المولى قد صارت الجنات المذكورة مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ مفتوحة الطرق واضحة السبل بالنسبة إليهم يدخلون فيها من كل باب بلا منع وحجاب وبعد دخولهم فيها وتحققهم دونها قد صاروا
مُتَّكِئِينَ فِيها متمكنين على ارائك القبول وسرر الإخلاص ولهم فيها ما تشتهي قلوبهم من المعارف المتجددة بتجدد التجليات الحبية المنبعثة من حضرة الرحموت إذ يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ من انواع ما يتفكهون ويتلذذون علما وعينا وحقا وَشَرابٍ يشربون من رحيق الحق وكأس التحقيق ولا يردون
وَ
стр. 813
يصور عِنْدَهُمْ من أعمالهم المقبولة وأحوالهم المرضية ومقاماتهم العلية في سلوك طريق التوحيد ازواج أبكار قاصِراتُ الطَّرْفِ عليهم بحيث لا ينظرن الى غيرهم أَتْرابٌ احداث كلهن مستويات في السن ليس فيهن تفاوت لصغر ولا كبر بل كلهن على كمال اللطافة والعدالة إذ كل ما فيها انما هو على كمال الاعتدال وبعد ما تمكنوا فيها وترفهوا بنعمها قيل لهم من قبل الحق امتنانا عليهم وتشويقا
هذا الذي بين أيديكم من النعم المقيمة واللذة الدائمة ما تُوعَدُونَ بألسنة الكتب والرسل لِيَوْمِ الْحِسابِ اى لأجله او فيه إذ لا وصول إليها الا بعد الحساب. ثم قال سبحانه إظهارا لكمال قدرته على عموم الانعام والانتقام
إِنَّ هذا المذكور لَرِزْقُنا المعد لخواص عبادنا المنجذبين إلينا بانخلاعهم عن لوازم هوياتهم الباطلة وعن مقتضيات تعيناتهم العاطلة من المآكل والمشارب والمناكح الفانية فنستبدل لهم بدلها رزقا معنويا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ اى لا انقطاع له أصلا خذ
هذا ايها المتشمر نحو الحق والراغب الى ما عنده من موائد الانعام والإفضال وكما تفضلنا على المطيعين بأنواع التعظيم والتنعيم وكرمناهم بأصناف الكرامة والتكريم قد انتقمنا ايضا عن العاصين الجاحدين وَبالجملة إِنَّ لِلطَّاغِينَ الذين طغوا علينا بالخروج عن مقتضيات حدودنا الموضوعة فيهم المنبهة الى مبدأهم ومعادهم لَشَرَّ مَآبٍ وأسوأ منقلب ومتاب على عكس المطيعين المتقين يعنى
جَهَنَّمَ البعد والخذلان وجحيم الطرد والحرمان يَصْلَوْنَها ويدخلون فيها بأنواع الحسرات والزفرات بين اصناف العقارب والحيات وانواع الهوام والحشرات المصورة لهم من سيئات أعمالهم التي قد أتوا بها في دار الاختبار ونشأة الاعتبار وبالجملة فَبِئْسَ الْمِهادُ والفراش مهد اصحاب الجحيم وفراشهم
هذا منقلبهم ومآبهم ثم لما دخلوا في النار قيل في حقهم من قبل الحق مخاطبا لخزنة جهنم فَلْيَذُوقُوهُ اى كل واحد واحد منهم نزلا لهم شرابا وهو حَمِيمٌ اى الماء الحار الذي يشوى وجوههم ويحرق أمعاءهم قد سخنه نيران شهواتهم التي أتوا بها على خلاف ما امر الله وحكم عليه وَغَسَّاقٌ اى الماء البارد الزمهريرى الذي ينجمد في فيهم بل في أجوافهم قد برده واجمده كمال بلادتهم وجهلهم بالله الحكيم العليم وغفلتهم عما وضع سبحانه من بينهم الحدود والاحكام الصادرة عن محض الحكمة المتقنة المتعلقة لإصلاح احوال عباده
وَآخَرُ مفردا ايضا مِنْ شَكْلِهِ اى من جنس الشراب المذوق ومثله او أخر جمعا من أنواعه واصنافه على القرائتين أَزْواجٌ اصناف وانواع بعضها أسوأ من بعض ليكون عذابا فوق عذاب ثم لما اقتحم القادة من اصحاب النار وادخلوا أنفسهم عليها خوفا من الموكلين الذين يسوقونهم نحوها بمقامع من حديد وازدحم عقيبهم اتباعهم على الفور فضيقوا على القادة مكانهم فصرخوا على الخزنة من تضييقهم قال الخزنة لهم بعد ما سمعوا صراخهم وصيحتهم
هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ معقبين مضيقين عليكم فالتفتوا أثرهم فقالوا هؤلاء اتباعنا لا مَرْحَباً بِهِمْ ولا يوسع عليهم إِنَّهُمْ ايضا صالُوا النَّارِ اى داخلوها أمثالنا ثم لما سمع الاتباع قول القادة والرؤساء هذا
قالُوا على سبيل المعارضة والمخاصمة بَلْ أَنْتُمْ ايها الضالون المضلون أحقاء ان يقال لكم لا مَرْحَباً بِكُمْ إذ أَنْتُمْ بشؤم اضلالكم واغرائكم قد قَدَّمْتُمُوهُ لَنا اى الكفر الذي هو سبب دخول النار وابدعتموه أنتم أولا بيننا ثم اغويتمونا أنتم بتغريركم وتضليلكم حتى كفرنا نحن مثلكم بسعيكم وابتلينا بها أمثالكم فَبِئْسَ الْقَرارُ اى بئس مقرنا ومقركم اليوم جهنم الطرد وسعير الحرمان وبعد ما بالغ الاتباع في تعيير القادة وتشنيعهم تضرعوا نحونا داعين على
стр. 814
رؤسهم حيث
قالُوا رَبَّنا يا من ربانا على فطرة التوحيد وأشركنا بك بشؤم هؤلاء المشركين المضلين نرجو اليوم من عدلك مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا ودلنا عليه بتغريره وتضليله فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً اى ضعف عذابنا فِي النَّارِ إذ نحن ضالون وهم الضالون المضلون
وَقالُوا اى الرؤساء القادة بعد ما قد توغلوا في انواع العذاب على سبيل التحسر والتقريع على أنفسهم ما لَنا أى شيء عرض لنا ولحق بأبصارنا حيث لا نَرى رِجالًا فقراء ارذالا أذلاء بيننا قد احاطتهم انواع الفاقة والعناء لذلك قد كُنَّا نَعُدُّهُمْ ونخصهم مِنَ جملة الْأَشْرارِ الأرذال الساقطين عن درجة الاعتبار وكنا قد بالغنا في طردهم وذبهم وزجرهم حيث (٢)
أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا واستهزأنا بهم تهكما وتقرعا وبالجملة لا نرى اليوم منهم أحدا في النار أهم ما يدخلون النار كما هو زعمهم ودعواهم أَمْ هم ايضا داخلون لكن قد زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ اى قد مالت عن رؤيتهم أبصارنا من شدة اهوالنا واحتجبوا منا يعنون فقراء المسلمين الذين قد استرذلوهم واستهزؤا بهم. ثم قال سبحانه على سبيل المبالغة والتأكيد
إِنَّ ذلِكَ الذي قد حكينا لك يا أكمل الرسل من اهل النار لَحَقٌّ صدق ثابت مطابق للواقع لا بد ان يتكلموا به حين دخولهم فيها وبالجملة ما هذا الذي سمعت الا تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ في النار على الوجه الذي ذكر ثم لما بالغ سبحانه في حقية ما حكى من اهل النار امر حبيبه ﷺ بان بلغ للأنام التوحيد المبعد لهم عن النار والعذاب المؤبد فيها فقال
قُلْ يا أكمل الرسل للمشركين المستحقين لعذاب النار انقاذا لهم عنها ان قبلوا منك قولك إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ لكم باذن الله ووحيه عن أمثال ما ذكر من العذاب في النشأة الاخرى وَاعلموا انه ما مِنْ إِلهٍ يعبد بالحق ويرجع اليه في الخطوب ويلتجأ نحوه في النوائب والمصائب إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الأحد الفرد الصمد الحي القيوم الذي لا شريك له في الوجود ولا شيء غيره في الشهود الْقَهَّارُ للاغيار مطلقا إذ كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون رجوع الاظلال الى الشمس والأمواج الى البحر وكيف لا هو سبحانه بتوحده واستقلاله
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا اى مظهر كل ما في العلو والسفل وكذا ما في حشوهما والمحاط بهما إذ الكل منه بدأ واليه يعود وكيف لا وهو الْعَزِيزُ الغالب على امره في خلقه وحكمه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد الْغَفَّارُ الستار المحاء لهويات الأغيار وهياكل الاظلال الغير القار
قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما قد بينت لهم توحيد الحق واستقلاله في تصرفاته وتدبيراته هُوَ اى الذي قد بلغت لكم بوحي الله من احاطة الحق وشموله بجميع ما لمعت عليه بروق تجلياته نَبَأٌ عَظِيمٌ وخبر خطير قد أخبركم به الحق ونبهكم عليه من كمال أعطافه واشفاقه لينقذكم به عن عذابه المترتب على كفركم وشرككم أَنْتُمْ من كمال توغلكم في الجهل والضلال عَنْهُ مُعْرِضُونَ مع انه انفع لكم وأصلح بحالكم وهو سبحانه اعلم بشأنكم منكم وبمقتضى علمه بحالكم انزل كتابه عليكم ليرشدكم الى جهة معرفته ووجهة توحيده وما على الا تبليغ ما اوحى الى كسائر الرسل إذ
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ اى ما حصل عندي وما ثبت لدى من علم متعلق منى بِالْمَلَإِ الْأَعْلى اى الملائكة السماويين سيما وقت إِذْ يَخْتَصِمُونَ في خلافة آدم ونبوته ونيابته بل قد الهمنى الله بوحيه عموم ما جرى بينهم من الحجج والمعارضات الواقعة في تلك الحالة وفي افحامهم بعد جدا لهم واصطفاء الله إياه وأمرهم بسجوده تعظيما له وتكريما وبالجملة
إِنْ يُوحى اى ما يوحى إِلَيَّ من عند ربي إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ
стр. 815
اى لانما انا منذر لكم من ان يفتنكم الشيطان وجنوده المرتكزة في هياكلكم فيضلونكم عن سبل السلامة وطرق الاستقامة الموصلة الى وحدة ذات الحق وكمال أسمائه وصفاته اذكر يا أكمل الرسل وقت
إِذْ قالَ رَبُّكَ الذي رباك على مقتضى الجمعية المنتهية الى الوحدة الذاتية التي قد جئت أنت لإظهارها وإيضاح منهجها لِلْمَلائِكَةِ المهيمين بمطالعة وجهه الكريم على سبيل المشورة معهم ليظهر كرامة آدم وجلالة قدره إِنِّي بمقتضى بدائع صنعتي وغرائب حكمتى وقدرتي خالِقٌ اى مظهر موجد بَشَراً اى جسدا متخذا مِنْ طِينٍ ليكون مرآة لي يتراءى عموم أوصافي وأسمائي
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وعدلت قالبه على الوجه الذي جرى في حضرة علمي ولوح قضائي وَنَفَخْتُ فِيهِ بعد تسويته وتعديله مِنْ رُوحِي اى أفضت من حياتي ومن مقتضيات أسمائي وصفاتي ليستحق بخلافتى ونيابتي ويظهر فيه ومنه أسمائي وصفاتي فَقَعُوا لَهُ وخروا عنده أنتم ايها الملائكة تعظيما له وتكريما ساجِدِينَ متذللين له واضعين جباهكم على تراب المذلة والهوان دونه ثم لما سمع الملائكة منه سبحانه ما سمعوا
فَسَجَدَ له الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ امتثالا للأمر الوجوبي
إِلَّا إِبْلِيسَ المعدود من عدادهم المنخرط في سلكهم قد اسْتَكْبَرَ عن سجوده وتعظيمه وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ بترك الانقياد للأمر الوجوبي الإلهي ثم لما امتنع إبليس عن اطاعة آدم وتعظيمه مع ورود الأمر الوجوبي من قبل الحق
قالَ سبحانه معاتبا عليه مناديا له سائلا عن سبب امتناعه يا إِبْلِيسُ المستكبر المتخلف عن أمرنا ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ اى أى شيء منعك عن السجود المأمور به لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وصورته بقدرتي وبمقتضى حكمتى وبكمال حولي وقوتي ليكون مرآتى ويليق بخلافتى وخلتي أَسْتَكْبَرْتَ أنت عن اطاعة حكمنا وامتثال أمرنا أَمْ كُنْتَ أنت قد احتسبت نفسك مِنَ الْعالِينَ المعتوقين المتفوقين عليه بحيث لا تجوز لنفسك ان تذلل عنده وتنقاد له وبعد ما سمع اللعين منه سبحانه ما سمع من الخطاب الهائل المشتمل على انواع العتاب
قالَ اللعين بعد ما اختار الشق الثاني من الترديد أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ صورة ومادة إذ قد خَلَقْتَنِي أنت بكمال قدرتك مِنْ نارٍ هي أعلى العناصر وارفعها قدرا ومكانا وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ هو أسفل العناصر وارذلها قدرا وأدناها مكانا والأمر بسجود الأفضل الأعلى للارذل الأدنى غير موافق ومطابق لحكمتك المتقنة يا ربي ثم لما قد خرج إبليس عن ربقة الإطاعة التعبدية واتى بالحجة الاقناعية الجدلية
قالَ سبحانه مغاضبا عليه من كمال غيرته وقهره من اين يطيق احد من مظاهره ومصنوعاته ان يخالف امره ويحتج عليه اذله الحجة البالغة فَاخْرُجْ مِنْها من رتبة الملكية وأعلى مرتبة العبودية فَإِنَّكَ رَجِيمٌ مرجوم مطرود عن سعة رحمتنا وشرف عز حضرتنا
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي اى طردي وتبعيدى عن ساحة عز قربتي مستمرة عليك إِلى يَوْمِ الدِّينِ وبعد ذلك عذابك مؤبد في النار وأنت مخلد فيها ابد الآبدين ثم لما قنط إبليس عن روح الله ومن سعة رحمته
قالَ بعد ما ايس مناجيا رَبِّ يا من رباني على فطرة الإطاعة والانقياد فعصيت أمرك بشؤم عجبي ونخوتى فَأَنْظِرْنِي وأمهل على بعد ما قد بعدتنى عن كنف قربك وجوارك وطردتني عن محل كرامتك وجودك إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
قالَ سبحانه فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو وقت النفخة الاولى وبعد ما انظره سبحانه وأنجح مسئوله
قالَ إبليس مقسما مبالغا في التهديد لبنى آدم فَبِعِزَّتِكَ وجلالك لَأُغْوِيَنَّهُمْ اى لأضلن بنى آدم عن جادة التوحيد وصراط العدالة
стр. 816
أَجْمَعِينَ إذ لا يسع لهم وليس في وسعهم ان يسدوا سنن مداخلى فيهم وطرق مخادعتي إياهم
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ألا وهم المؤمنون الموقنون المخلصون الذين قد أخلصوا في عموم أعمالهم وأحوالهم معك واعتصموا بحبل توفيقك راجين من رحمتك ورضوانك هاربين مرعوبين عن مقتضى سخطك وغضبك بلا ميل لهم الى ما يلهيهم ويشغلهم عنه
قالَ سبحانه في جوابه اظهار الكمال الاستغناء والقدرة فَالْحَقُّ الثابت المثبت ما قلت لك في هذه النشأة يا ملعون من الطرد والتبعيد وانظارك فيما بينهم للاختبار والاعتبار وَالْحَقَّ أَقُولُ اى أقول الحق ايضا فيما يترتب على اغرائك واغوائك إياهم واتباعهم لك في هذه النشأة وكذا ما يترتب على متابعتهم إياك في النشأة الاخرى والكل هو هذا والله بمقتضى عزتي وجلالي
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ المعدة لأصحاب الشقاوة الازلية من المنحرفين عن جادة العدالة الإلهية الضالين عن الصراط السوى مِنْكَ اى من جنسك الذي هو الجن وَايضا مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ اى من جنس الانس أَجْمَعِينَ تابعا ومتبوعا ضالا ومضلا
قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما بلغت ما يوحى إليك من الحق الصريح على وجهه بلا خبط وخلط وبلا زيادة ونقصان كلاما ناشئا عن محض الحكمة والعدالة ما أَسْئَلُكُمْ ولا اطلب وأطمع منكم ايها المكلفون عَلَيْهِ اى على تبليغى إياكم ما أمرت بتبليغه من ربي مِنْ أَجْرٍ اى جعل ومال على عادة اصحاب التلبيس من المتشيخة الذين هم من اعونة إبليس وانصاره وَما أَنَا ايضا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ المتصنعين بخصائل ليس في أمثالهم على سبيل التلبيس والتدليس بل
إِنْ هُوَ اى ما هو اى القرآن المنزل على إِلَّا ذِكْرٌ اى عظة وتذكير لِلْعالَمِينَ من الثقلين المجبولين على فطرة الدراية والإيقان المكلفين بطرق الهداية والايمان وسبل التوحيد والعرفان
وَلَتَعْلَمُنَّ أنتم أيها المتذكرون الوحى والقرآن العظيم والمعرضون عنه نَبَأَهُ اى صدق اخباره وحقية مواعيده ووعيداته وما يترتب عليها وعلى قصصه المذكورة وأحكامه الموردة فيه وكذا ما ينكشف عندكم ولاح لديكم من حكمه ورموزه وإشاراته ومعارفه وحقائقه بَعْدَ حِينٍ اى بعد انخلاعكم من لوازم ناسوتكم بالمرة واتصافكم بخلعة اللاهوت في النشأة الاخرى حين تبلى السرائر وتكشف الضمائر وارتفعت الحجب والأستار فاعتبروا الآن يا اولى الأبصار وذوى الاعتبار بما فيه من السرائر والأسرار
خاتمة سورة ص
عليك ايها السالك المتدبر في رموزات القرآن والمتأمل المتدرب في درك إشاراته الخفية تحت أستار ألفاظه وأحكامه المتعلقة لتهذيب الظاهر والباطن وتصفية السر عن التوجه نحو الغير مطلقا ان تعرف أولا ما في نفسك من اعونة الشيطان وجنوده الامارة بالسوء المزعجة لك الى قبول مأموراتها المقتضية للبعد عن جادة العدالة التوحيدية الإلهية التي هي صراط الله الا قوم وتجاهد معها مهما أمكنك واعانك الحق ومكنك ووفقك لتسخيرها الى ان صارت مغلوبة لك مقهورة تحت قهرك حسب ما يسر الله ووفقك على غلبتك إياها ثم بعد ذلك نبع من صدرك ينابيع الحكم المترشحة من بحر الوحدة الذاتية وجرى على لسانك ما أراد الله وشاءه بعد ما افناك عنك وابقاك ببقائه وصار سبحانه قلبك وسمعك وبصرك وجميع قواك وحينئذ قد اجتمع الفرق وارتبق الفلق واتحد الظهور والبطون وانطوى الأزل والأبد واتصل الاول والآخر والظاهر والباطن وبالجملة هو بكل شيء عليم ليس كمثله شيء ولا معه حي وهو الحي القيوم وحده وهو السميع العليم لا غير معه
стр. 817
[سورة الزمر]
فاتحة سورة الزمر
لا يخفى على الموحدين المحمديين المتدرجين من سفل الإمكان وحضيض التقييد الى أوج الوجوب وذروة الإطلاق التي هي الوحدة الذاتية المنطوية دونها الكثرات مطلقا ان الوصول الى هذا المطلب الأعلى والمقصد الأسنى انما هو بتوفيق الحق على متابعة كتبه واطاعة رسله المرسلين من عنده سبحانه لتبيين ما في كتبه من الحكم والاحكام والمعارف والحقائق المرموزة فيها ولا شك ان أفضل الكتب وأكمل الرسل هو القرآن ونبينا ﵊ فمن امتثل بمقتضيات القرآن وتمسك بسنن صدرت من معدن الرسالة وأحاديث شاعت من مشكاة النبوة والولاية فقد أفاض عليه الحق من سجال فضله ولطفه ما أفاض وفاز بما جبل لأجله بمقتضى الحكمة لذلك اخبر سبحانه حبيبه ﷺ وأوصاه بامتثال ما في كتابه المنزل عليه وبتبليغه الى من وفق بمتابعته وجبل من زمرته وهدى بإرشاده وهدايته فقال بعد ما تيمن باسمه الأعظم المشتمل على كل أسمائه الحسنى وصفاته العليا بِسْمِ اللَّهِ الذي انزل كتابه معربا عما فصله في حضرة علمه ولوح قضائه الرَّحْمنِ لعموم عباده بانزال الكتاب إليهم ليهديهم الى درجات جنابه الرَّحِيمِ لخواصهم يوصلهم الى وحدة ذاته بعد ما أفناهم من مقتضيات تعيناتهم المقتضية للكثرة
[الآيات]
تَنْزِيلُ الْكِتابِ المبين لطريق التوحيد المنبه على وحدة الحق وكمالات أسمائه الحسنى وأوصافه العظمى مِنَ اللَّهِ المدبر لعموم ما جرى في ملكه وملكوته إذ لا منزل في الوجود سواه سبحانه الْعَزِيزِ الغالب في امره بالاستقلال والاختيار الْحَكِيمِ المتقن في فعله حسب علمه المحيط وقدرته الشاملة وإرادته الكاملة وبعد ما بين سبحانه امر التنزيل عموما أشار الى التنزيل المخصوص المتمم المكمل لأمر الإنزال والتنزيل مطلقا فقال مشيرا الى عظم قدر المنزل اليه وجلالة شأنه ورفعة رتبته ومكانه
إِنَّا من مقام عظيم جودنا قد أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل تأييدا لك وتعظيما لشأنك الْكِتابَ الجامع لجميع ما في الكتب السالفة مع زوائد خلا عنها كلها ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع بلا شوب شك وريب في نزوله منا وبالجملة فَاعْبُدِ اللَّهَ الذي اصطفاك لرسالته وخصصك بكتابه هذا حال كونك شاكرا لنعمه مؤديا لحقوق كرمه مُخْلِصاً في عبادتك وعبوديتك إياه مجتنبا عن مداخل الشرك ورعونات الرياء مطلقا لَهُ الدِّينَ والانقياد خاصة ولا مستحق للاطاعة الخالصة والاتباع الصافي الا هو سبحانه ولا يعبد بالحق الا هو وبعد ما امر سبحانه حبيبه بالعبادة والإخلاص في الإطاعة والانقياد نبه على عموم عباده بالإخلاص في الطاعة والخلوص في نيات العبادات فقال
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ اى تنبهوا ايها المجبولون على فطرة التوحيد ان الدين الذي كلفكم الحق عليه وأوجبه عليكم هو الدين الخالص عن امارات الشرك ومقتضيات الهوى الصافي عن شوب السمعة وشين الرياء وَبعد ما وضح ان الدين الخالص لله ولا مستحق له سواه الَّذِينَ اتَّخَذُوا وأخذوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اى المشركون الذين ادعوا الولاية لغير الله واستحقاق الإطاعة والانقياد لسواه قالوا في تعليل اتخاذهم حين سئلوا عنه وبخوا عليه ما نَعْبُدُهُمْ اى هؤلاء الغرانيق العلى التي هي الأصنام والأوثان وجميع ما عبد من دونه سبحانه إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى اى تقريبا كاملا إذ هم كملة مقبولون عنده مكرمون لديه سبحانه فنتوسل بهم حتى نصل الى قرب الحق وجواره لا تبالوا ايها الموحدون المتمسكون لحبل التوفيق الإلهي بقولهم هذا ولا تلتفتوا الى أباطيلهم الزائغة
стр. 818
إِنَّ اللَّهَ المطلع لما في ضمائرهم من الشرك والعناد والإلحاد عن سبيل الرشد والسداد يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ وبينكم بمقتضى علمه وخبرته فِي ما هُمْ فِيهِ من الشرك يَخْتَلِفُونَ معكم ايها الموحدون بان يدخلهم في النار بأنواع المذلة والهوان ويوصلكم الى الجنة بالمغفرة والرضوان وكيف لا يدخل سبحانه المشركين النيران بأنواع الخزي والهوان إِنَّ اللَّهَ الحكيم المتقن في أفعاله لا يَهْدِي اى لا يوفق على الهداية والرشد مَنْ هُوَ كاذِبٌ سيما في حق الله وفي مقتضى ألوهيته وربوبيته واستقلاله في ملكه وملكوته كَفَّارٌ بنعمه الموهوبة له من فضله وكرمه حيث اثبت له سبحانه شريكا وولدا مع انه
لَوْ أَرادَ اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد المستقل في الألوهية والوجود المنزه عن الأهل والولد أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ويختار صاحبة لَاصْطَفى واختار مِمَّا يَخْلُقُ اى من بين سائر مخلوقاته في جميع شئونه وحالاته ما يَشاءُ اولى وانسب له وأليق بشأنه من مريم وعيسى فكيف من الأصنام والأوثان سُبْحانَهُ تعالى شأنه وتنزه ذاته الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد عن اتخاذ الصاحبة والولد بل هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ من جميع الوجوه المستقل بالالوهية والوجود الْقَهَّارُ لعموم السوى والأغيار مطلقا قطعا لعرق الشركة عن أصله بمقتضى توحيده سبحانه وقهره مطلقا الغير والسوى ولإظهار كمالاته المندمجة في وحدة ذاته باعتبار شئونه وتطوراته اللازمة للحي الأزلي الأبدي قد
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى قدر وأعد الأسماء الذاتية الفعالة المنعكسة من شئونه الذاتية والأوصاف القابلية المنفعلة من تلك الأسماء المظهرة لآثارها ملتبسا بِالْحَقِّ المطابق للواقع لا ينبغي ان يرتاب فيه احد من اهل التوحيد سيما بعد انكشافه بسرائر الوجود واسرار التوحيد بحسب الجود الإلهي وبمقتضى هذه الازدواجات المعنوية الجارية بين الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية ايضا يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ اى يغشى ويغيب سبحانه على سبيل التلفيف والتخليط اضواء الأسماء والصفات بظلام الهيولى والتعينات العدمية في النشأة الاولى فكذلك يغطى ويغيب في النشأة الاخرى حجب الطبائع واظلال الهويات الهيولانية الكثيفة الظلمانية الجسمانية باشعة أنوار الذات المنتشئة منها بمقتضى الشئون والتطورات المثبتة للأسماء والصفات الإلهية وَبعد ما قد كمل سبحانه امر الظهور والإظهار وانبسط على عروش عموم ما ظهر وما بطن بالاستيلاء والاستقلال سَخَّرَ الشَّمْسَ اى جذب وقبض نحوه سبحانه بمقتضى الجاذبة المعنوية الحبية الكاملة الوجود العامّ المطلق الفياض من لدنه سبحانه على هياكل عموم الموجودات المنعكسة من الأسماء والصفات الإلهية وَالْقَمَرَ اى الهويات القابلة لانعكاس شمس الذات المستخلفة عنها إظهارا لكمال قدرته ومتانة حكمته لذلك كُلٌّ من اهل العناية يَجْرِي يكون ويدوم في مكانه ومكانته من التعيّنات موقوفا لِأَجَلٍ مُسَمًّى اى حلول أجل معين مقدر من عند ربه بمقتضى جذبه وعنايته فإذا حل الأجل المسمى انقطع الجري والسير وارتفع السلوك أَلا اى تنبهوا ايها الاظلال الهالكة في شمس الذات هُوَ اى الموصوف بهذه الصفات الكاملة الله الْعَزِيزُ المنيع ساحة عز ذاته عن ان يحوم حول سرادقات عزه وجلاله ادراك العقول المتحيرة والأوهام المدهوشة المقهورة الْغَفَّارُ الستار لغيوم تعيناتكم باشراق شمس الذات وانقهار جميع ما لمع عليه نور الوجود على مقتضى جلاله وتفرده في نعوت كماله وكيف لا وقد
خَلَقَكُمْ اى أظهركم وأوجدكم سبحانه بالتجليات الجمالية مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي طبيعة العدم القابلة لانعكاس اشعة نور الوجود المنعكسة فيها
стр. 819
أبوكم آدم على سبيل الظلية والاستخلاف ثُمَّ جَعَلَ واظهر منعكسا مِنْها زَوْجَها إبقاء للتناسل وتتميما للازدواجات الغير المتناهية حسب رقائق الأسماء والصفات المتقابلة الإلهية إظهارا لكمال القدرة وتتميما للحكمة المتقنة البالغة وَبعد ما أتم سبحانه امر ايجادكم واثباتكم أَنْزَلَ لَكُمْ اى قسم وقضى لاجلكم تتميما لأمور معاشكم عناية منه وتكريما مِنَ الْأَنْعامِ المناسبة لتغذيتكم وتقوية امزجتكم ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ذكرا وأنثى بمقتضى جبلتكم لتدوم بدوامكم وهي الأصناف المذكورة في سورة الانعام هذا بحسب ظهوركم وبروزكم في عالم الشهادة وفي عالم الغيب والبطون يَخْلُقُكُمْ ويقدر موادكم فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ اى تقديرا بعد تقدير اعجب واغرب من سابقه بان قدركم أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم سواكم جسدا انسانيا ثم نفخ فيكم روحا من روحه وبالجملة قد أظهركم في عالم الشهادة بعد ما اخفاكم مدة فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ هي أصلاب آبائكم وحجب تعيناتكم وبطون أمهاتكم وبالجملة ذلِكُمُ الذي قد فعل بكم هذه الأفعال الجميلة المتقنة هو اللَّهُ المستقل بالالوهية والتصرف في ملكه وملكوته وهو رَبُّكُمْ الذي رباكم واحسن تربيتكم لا مربى لكم سواه إذ لَهُ الْمُلْكُ والملكوت خاصة لا يشارك في ملكه ولا ينازع في سلطانه وشأنه فظهر انه لا إِلهَ يعبد له ويرجع اليه في الخطوب والملمات إِلَّا هُوَ الواحد الأحد الصمد الحقيق بالحقية المستحق للالوهية والربوبية فَأَنَّى تُصْرَفُونَ وكيف تعدلون ايها المشركون المنحرفون عن جادة توحيده مع انكم ايها الاظلال المنهمكون في بحر الحيرة والضلال
إِنْ تَكْفُرُوا بالله وتنكروا ظهوره واستيلاءه على عموم ما ظهر وبطن بالاستقلال فَإِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء غَنِيٌّ عَنْكُمْ وعن ايمانكم وإطاعتكم وكفركم وعصيانكم وَغاية ما فيه انه عز شأنه وجل برهانه لا يَرْضى ولا يحب لِعِبادِهِ الذين هم قد ظهروا منه سبحانه حسب اظلال أوصافه وأسمائه الْكُفْرَ والجحود بذاته سبحانه عطفا لهم وترحما عليهم لأنهم انما جبلوا على فطرة المعرفة ومصلحة الايمان والإيقان والا فهو سبحانه في ذاته أعز وأعلى من ان يفتقر الى ايمان احد وأطاعته او يتضرر بكفره وإنكاره وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ اى وكذا غنى عنكم وعن شكركم نعمه الفائضة عليكم إذ لا يعلل فعله سبحانه بالأغراض والأعواض مطلقا لكن يرضى عنكم لو شكرتم نعمه ويزيد عليكم بأضعافها لإتيانكم بالمأمور وامتثالكم امره سبحانه مع ان نفع شكركم انما يعود إليكم وَبالجملة لا بد لكل احد من المكلفين ان يمتثلوا بما أمروا به من عنده سبحانه حتى يصلوا الى ما وعدوا من المثوبات والكرامات ويجتنبوا ايضا عما نهوا عنه ليخلصوا من المهالك والدركات المعدة الموعودة لهم إذ لا تَزِرُ ولا تحمل نفس وازِرَةٌ عاصية مرتكبة بحمل أثقال الأوزار والآثام الحاصلة لها وِزْرَ نفس أُخْرى كما لا تتصف بحسناتها ايضا ثُمَّ بعد انقضاء النشأة الاولى إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ كافة كما ان منشأكم منه جميعا فَيُنَبِّئُكُمْ ويخبركم سبحانه بعد رجوعكم اليه بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى بعموم ما جرى عليكم من سيئاتكم وحسناتكم بلا فوت شيء منها ويجازيكم على مقتضاها وكيف لا يخبركم ولا يجازيكم بأعمالكم سبحانه إِنَّهُ بذاته عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اى بجميع الأمور الكائنة المكنونة في صدور عباده بعموم ما خفى في ضمائرهم ونياتهم فكيف بما صدر عن جوارحهم وآلاتهم وبعد ما نبه سبحانه الى احوال عباده شرع بعد مساويهم وأخلاقهم الذميمة الناشئة من بشريتهم وبمقتضى بهيميتهم فقال
وَإِذا مَسَّ
стр. 820
الْإِنْسانَ ضُرٌّ
اى لحقه شيء من اماراته ولاح عليه اثر من آثاره دَعا رَبَّهُ متضرعا نحوه مُنِيباً إِلَيْهِ إذ لا مرجع له سواه ملحا لكشفه وإزالته ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ سبحانه وأزال عنه ضره وكربه وأعطاه وأفاض عليه نِعْمَةً فائضة مِنْهُ سبحانه موهوبة له متعهدا إياه متفقدا حاله تعظيما له وتكريما نَسِيَ شكره لخالقه ونبذ وراء ظهره ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ سبحانه مِنْ قَبْلُ عند شدة ضره وسورة كربه وَمع ذلك لم يقتصر على النبذ والنسيان بل جَعَلَ اى قد أخذ واثبت لِلَّهِ الصمد المنزه عن الضد والند أَنْداداً وادعاهم شركاء له سبحانه وانما جعل وفعل كذلك لِيُضِلَّ الناس الناسين عهود ربهم عَنْ سَبِيلِهِ ويحرفهم عن طريق توحيده ساعيا في اغوائهم واضلالهم مجتهدا فيه قُلْ يا أكمل الرسل نيابة عنا مهددا إياهم تَمَتَّعْ ايها الضال المضل بِكُفْرِكَ هذا في نشأتك هذه قَلِيلًا اى زمانا قليلا ومدة يسيرة إِنَّكَ أنت البتة في النشأة الاخرى مِنْ أَصْحابِ النَّارِ اى من ملازميها وملاصقيها ومن جملة من فيها. ثم قال سبحانه أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ أيتعجب المشرك المثبت لنا شريكا بل شركاء وأندادا من تهديدنا إياه بالنار وعذابها فيظن ظنا كاذبا ان من هو قائم على أداء العبادات مواظب عليها آناءَ اللَّيْلِ اى في خلاله وأطراف النهار وساعاته ساجِداً متذللا واضعا جبهته على تراب المذلة من خشيتنا وَقائِماً على قدميه مدة متطاولة تعظيما لأمرنا ومع ذلك يَحْذَرُ الْآخِرَةَ اى من العذاب اللاحق له فيها حسب قهرنا وجلالنا وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ على مقتضى لطفه وجماله كهؤلاء الكفرة بالله الجهلة بشأنه المتخذين له أندادا ظلما وزورا مع تعاليه عنه سبحانه وبعد ما تفرست يا أكمل الرسل هذا الظن والتسوية منهم قُلْ لهم على سبيل التبكيت والإلزام مستفهما إياهم على سبيل التقريع والتوبيخ هَلْ يَسْتَوِي المكلفون الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الحق بذاته وأسمائه وأوصافه ويعبدونه سبحانه حسب علمهم به وبأوامره ونواهيه وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذاته ولا شيأ من أوصافه وأسمائه ولا يعبدون له ايضا كلا وحاشا من اين يتأتى المساواة فشتان ما بين العالم والجاهل والعابد والعاصي الا انه إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ اى ما يتذكر ولا يتعظ بأمثال هذه المواعظ والتذكيرات المنبهة على سرائر الوحدة الذاتية الا أولوا الباب الناظرون الى لب الأمور المعرضون عن قشوره
قُلْ يا أكمل الرسل نيابة عنا مناديا منا لخلص عبادنا يا عِبادِ أضافهم الى نفسه اختصاصا وتكريما الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة ذاتى وبظهورى حسب شئوني وتطوراتى وبمقتضى أسمائي وصفاتي مقتضى ايمانكم التقوى عن مقتضيات الهوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ واجتنبوا عن محارمه ومنهياته واتصفوا بمأموراته واعلموا انه لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الأدب منكم مع الله فِي هذِهِ الدُّنْيا التي هي نشأة الاختبار والاعتبار حَسَنَةٌ بأضعافها وآلافها في الآخرة التي هي دار القرار فاعتبروا يا ذوى البصائر واولى الأبصار فعليكم الإتيان بالإحسان في كل حين وأوان ولا تخلوا عنه في كل زمان ومكان وَلا تفتروا عنه وعن المواظبة عليه بتفاقم الأحزان وتلاطم امواج الفتن في الأماكن والأوطان إذ أَرْضُ اللَّهِ المعدة لأداء العبادات والاشتغال بالطاعات واسِعَةٌ فسيحة فعليكم الجلاء لأجل الفراغ والخلاء فتهاجروا إليها متحملين عموم ما لحقكم من الشدائد والمتاعب في الانتقال والارتحال صابرين على مفارقة الأوطان والخلان ومصادفة الكروب والأحزان وبالجملة إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ المتحملون لانواع الشدائد والمشاق في طريق الايمان وسلوك سبيل العرفان أَجْرَهُمْ ويوفر عليهم الحسنات وانواع المثوبات
стр. 821
والكرامات بِغَيْرِ حِسابٍ اى توفية وتوفيرا لا يمكن ضبطه بالعد والإحصاء تفضلا عليهم وتكريما. وفي الحديث صلوات الله على قائله انه ينصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج فيوفون بها أجورهم ولا ينصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر حتى يتمنى اهل العافية في الدنيا ان اجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به اهل البلاء من الفضل والعطاء. ثم قال سبحانه آمرا لحبيبه بالتوصية والتبليغ لعموم عباده كلاما ناشئا عن محض الحكمة خاليا عن رعونات الرياء متمحضا للنصح والتكميل
قُلْ يا أكمل الرسل إِنِّي أُمِرْتُ من قبل ربي أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ حق عبادته وأطيعه حق أطاعته مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ والانقياد الصادر منى لا تسبب باطاعتى وانقيادي على وجه الإخلاص ان أعرفه حق معرفته ويفيض على قلبي زلال توحيده وكرامته
وَأُمِرْتُ ايضا من عنده لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ اى اسبق المسلمين المفوضين أمورهم كلها اليه منخلعين من لوازم بشريتهم ومقتضيات اهوية هويتهم ثم
قُلْ يا أكمل الرسل إِنِّي مع كمال وثوقى بكرم الله وسعة رحمته ووفور فضله وجوده على أَخافُ خوفا شديدا إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي وخرجت عن عروة أطاعته وربقة انقياده عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ فظيع فجيع لعظم ما فيه من الجزاء المترتب على الجرائم العظام وبعد ما بلغت يا أكمل الرسل ما بلغت
قُلِ على وجه الحصر والتخصيص اللَّهَ أَعْبُدُ لا غيره إذ لا غير معه مُخْلِصاً لَهُ دِينِي وانقيادي حسب وسعى وطاقتي
فَاعْبُدُوا ايها المنهمكون في بحر الغي والضلال ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ سبحانه بمقتضى اهويتكم الفاسدة وآرائكم الكاسدة واعلموا ان ما يترتب على عبادة غير الله ليس الا الخيبة والخسران قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بعبادة غير الله والانحراف عن جادة التوحيد وَمع ذلك قد خسروا أَهْلِيهِمْ ايضا بالإغواء والإضلال يَوْمَ الْقِيامَةِ المعدة لجزاء الأعمال يعنى حرموهم عن الفوائد الاخروية المترتبة على ايمانهم وأعمالهم الصالحة في يوم القيامة والنشأة الاخرى أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ والحرمان العظيم نعوذ بك منك يا ذا القوة المتين وكيف لا يكون خسران المشركين مبينا وحرمانهم عظيما
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ وأطباق مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ كذلك بالنسبة الى من في الطبقة السفلى لان دركات النيران مثل دركات الإمكان متطابق بعضها فوق بعض فيكون سكانها ايضا كذلك ذلِكَ العذاب الذي سمعت وصفه يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ في دار الاختبار ويحذرهم عنه ثم ناداهم ليقبلوا اليه ويعتبروا من تخويفه فقال يا عِبادِ فَاتَّقُونِ واحذروا من بطشى وتعذيبى إياكم في يوم الجزاء
وَبالجملة المؤمنون الموحدون الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ المبالغ في الطغيان والعدوان ألا وهي الشيطان المضل المغوى والنفس الضالة الغوية واستنكفوا أَنْ يَعْبُدُوها ويقبلوا منها وسوستها ويصغوا الى اغوائها واغرائها وَمع ذلك قد أَنابُوا ورجعوا إِلَى اللَّهِ في النشأة الاولى على وجه الإخلاص والخضوع نادمين عن عموم ما صدر عنهم من الجرأة على الجريمة لَهُمُ الْبُشْرى في النشأة الاخرى بالدرجة العليا والمثوبة العظمى فَبَشِّرْ عِبادِ يا أكمل الرسل
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ الحق الذي قد صدر منا ولا يمترون فيه بل فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ على الوجه الأحسن الادقّ ويمتثلون بما أمروا به ويجتنبون ايضا عما نهوا عنه أُولئِكَ السعداء الموفقون على استماع القول الحق والامتثال به هم الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ الى طريق توحيده ووفقهم الى الفناء فيه والبقاء ببقائه وَبالجملة أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ الواصلون الى
стр. 822
لب اللباب. ثم قال سبحانه على سبيل التنبيه والتأديب
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ يعنى اتسعى وتجتهد أنت يا أكمل الرسل في تخليص من قد ثبت منا في سابق قضائنا وحضرة علمنا الحكم بتعذيبه يعنى أبا لهب وولده واتباعه أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ اى أتظن أنت وتعتقد لنفسك انك تقدر على إنقاذ من هو مخلد في نار جهنم حسب قهرنا وغضبنا إياه كلا وحاشا فلا تتعب نفسك فيما ليس في وسعك إذ لا يبدل القول لدينا ولا يغير الحكم المبرم منا عندنا
لكِنِ المؤمنين الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ في جميع شئونهم وحالاتهم خائفين من قهره وغضبه راجين رحمته لَهُمْ عند ربهم غُرَفٌ ودرجات علية مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ ودرجات أعلى منها كأنها منازل مَبْنِيَّةٌ على الأرض بعضها فوق بعض على تفاوت طبقاتهم في مراتب القرب تَجْرِي على التعاقب والتوالي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق المترشحة من بحر الذات على مقتضى استعداداتهم الفطرية الموهوبة لهم بمقتضى الجود الإلهي وما كان ذلك الا حسب ما وَعْدَ اللَّهِ الذي وعدها لخلص عباده الذين سلكوا في سبيل توحيده متعطشين الى زلال لقائه فله ان ينجزه سبحانه حتما إذ لا يُخْلِفُ اللَّهُ القادر المقتدر على عموم ما شاء وأراد الْمِيعادَ الذي وعده للعباد سيما لأهل العناية منهم
أَتتعجب وتستبعد من الله انجاز المواعيد الموعودة من عنده ولَمْ تَرَ ايها المعتبر الرائي أَنَّ اللَّهَ القادر المقتدر بالإرادة والاختيار قد أَنْزَلَ وأفاض بمقتضى جوده المعهود ووعده الموعود مِنَ السَّماءِ اى عالم الأسماء والصفات ماءً اى حياة مترشحة من عين الوجود وبحر الذات فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ اى قد ادخله في ينابيع التعينات وعيون الهويات المنعكسة من تلك الأسماء والصفات وأجراه فِي الْأَرْضِ اى ارض الطبيعة القابلة لقبول الآثار الفائضة عليها ثُمَّ بعد اجرائه عليها يُخْرِجُ بِهِ بمقتضى حكمته المتقنة زَرْعاً اى هياكل وتعينات أنواعا وأصنافا مثمرة ثمرات انواع العقائد والمعارف والحقائق مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ حسب اختلاف الاستعدادات الفائضة عليها من عنده ثُمَّ يَهِيجُ اى بعد ما ظهر منها ما ظهر وترتب عليها ما ترتب يجف وييبس الى حيث يذهب نضارتها ورواؤها المترتبة على الإمداد الإلهي فَتَراهُ حينئذ مُصْفَرًّا مشرفا على الاضمحلال والانعدام ثُمَّ يَجْعَلُهُ يقبض ما فيه من رشاشات الحياة حُطاماً لتاتا رفاتا تذروه رياح الآجال وتعيده الى ما عليه من العدم إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ اى تذكيرا بليغا وبرهانا قاطعا شاطعا على وجوب وجود من هو منيع عموم الكرم والجود ومبدأ جميع الموجود لا يطرأ عليه زوال ولا يعرضه تحول وانتقال ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الا انه لا يتذكر به ولا يتنبه منه الا أولوا الألباب الناظرون بنور الله على لب الأمور المعرضون عن قشوره. ثم قال سبحانه
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ يعنى أيستوى من وسع الله قلبه لنزول سلطان توحيده ووفقه لقبول شعائر الإسلام ومعالم الدين المبين له دلائل التوحيد واليقين فَهُوَ بواسطة شرح الله صدره وتوفيقه إياه عَلى نُورٍ انكشاف تام ويقين كامل مِنْ رَبِّهِ بحيث قد فنى فيه وبقي ببقائه ونظر بنوره حيث نظر ورأى آيات ربه الكبرى في عموم ما ابصر ورأى ومن طبع الله على قلبه وختم على سمعه وبصره فأعماه عن ابصار آيات وجوب وجوده وأصمه عن استماع دلائل توحيده كلا وحاشا مساواة ذا مع هذا بل فَوَيْلٌ عظيم وعذاب اليم معد لِلْقاسِيَةِ المضيقة المكدرة قُلُوبُهُمْ مِنْ سماع ذِكْرِ اللَّهِ واستماع ما نزل من عنده من الآيات العظام
стр. 823
الدالة على وحدة ذاته ووجوب وجوده وبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المردودون المطرودون عن ساحة عز القبول والحضور فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وجهل عظيم وغفلة شديدة وغشاوة غليظة لا نجاة لهم منها وبالجملة لا ترتفع عن عيون بصائرهم حجبهم الكثيفة أصلا ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور فكيف يتيسر لاحد ان يعرض عن ذكر الله وينصرف عن استماع كلامه مع انه
اللَّهُ الذي دبر امور عباده وارشدهم الى طريق معاده حيث نَزَّلَ تتميما لتربيتهم وإرشادهم أَحْسَنَ الْحَدِيثِ وأبلغه في الإفادة والبيان وجعله كِتاباً جامعا لما في الكتب السالفة مُتَشابِهاً بعض آياته ببعض في حسن النظم واتساق المعنى مَثانِيَ إذ قد ثنى وكرر سبحانه الاحكام فيه تأكيدا ومبالغة امرا ونهيا وعدا ووعيدا ثوابا وعقابا عبرا وأمثالا قصصا وتذكيرا وجعله في كمال الإيجاز ونهاية الاعجاز والتأثير بحيث تَقْشَعِرُّ اى تنقبض وتضطرب على وجه الاشمئزاز مِنْهُ اى من سماعه على وجه التأمل والتدبر جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ في جميع حالاتهم خوفا من سطوة سلطنته وجلاله ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَتطمئن قُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ رجاء من سعة رحمته بمقتضى لطفه وجماله وبالجملة ذلِكَ الكتاب الرفيع الشأن الواضح البرهان هُدَى اللَّهِ الهادي لعباده يَهْدِي بِهِ ويوفق على الهداية والرشد بمقتضى ما فيه مَنْ يَشاءُ من عباده ويضل به عن الاستفادة بما فيه من يشاء ارادة واختيارا وَبالجملة مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ بمقتضى قهره وجلاله فَما لَهُ مِنْ هادٍ إذ لا يبدل القول لديه ولا ينازع حكمه بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد
أَفَمَنْ يَتَّقِي اى يصلى ويدخل بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ اى أشده وأسوئه إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل في أيديهم يسحبون نحو النار بحيث لا يصلى منهم إليها أولا الا وجوههم مثل من أمن منها وسلّم عن مطلق المكاره كلا وحاشا بل وَقِيلَ حينئذ لِلظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية ظلما وعدوانا على سبيل التوبيخ والتقريع ذُوقُوا ايها المنهمكون في بحر الغفلة والشهوات جزاء ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ في دار الاختبار بمقتضى اهويتكم الفاسدة وآرائكم الباطلة وليس هذا التكذيب والجزاء المترتب عليه مخصوصا بهؤلاء الكفرة المكذبين لك يا أكمل الرسل بل كل ممن
كَذَّبَ الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ من المشركين رسلهم المبعوثين إليهم فَأَتاهُمُ الْعَذابُ الموعود عليهم فجاءة في النشأة الاولى مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ اماراته أصلا فسيأتيهم مثله بل أمثاله وآلافه في النشأة الاخرى وبالجملة
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ المنتقم عنهم الْخِزْيَ اى الذل والهوان والخيبة والخسران فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ المعد لهم فيها أَكْبَرُ اى أشد وأفزع لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شدته وفظاعته لما ارتكبوا ما يئول اليه ويوقعهم فيه
وَالله لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ الناسين عهودنا ومواثيقنا فِي هذَا الْقُرْآنِ المتكفل لهداية عموم الضالين مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ينبههم على معالم الدين ومراسم التوحيد واليقين لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ رجاء ان يتعظوا بما فيه ويتفطنوا بسرائره ومرموزاته مع انا انما جعلناه
قُرْآناً عَرَبِيًّا أوضح بيانا وأعظم شأنا وأجل تبيانا وبرهانا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ اى بلا اختلال واختلاف في معناه موجب للتردد والالتباس فيه مستلزم للشك والارتياب لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ عن محارمنا ويحذرون عما نهيناهم عنه ومع ذلك لم يتقوا بل لم يتنبهوا ولم يتفطنوا أصلا ولهذا قد
ضَرَبَ اللَّهُ المطلع على جميع ما في استعدادات عباده وقابلياتهم مَثَلًا واضحا موضحا لحال الموحد منهم والمشرك
стр. 824
وشبه سبحانه كلتا الطائفتين برجلين مملوكين رَجُلًا مملوكا فِيهِ شُرَكاءُ اى له ملاك وارباب متشاركون فيه كلهم مُتَشاكِسُونَ بالنسبة اليه متخالفون في استخدامه متنازعون في شأنه يتجاذبونه على مقتضى اهويتهم وأمانيهم بكمال الاستيلاء والغلبة هذا مثل المشركين بالنسبة الى معبوداتهم الباطلة وَرَجُلًا اى مملوكا آخر سَلَماً لِرَجُلٍ اى مسلما مخصوصا لمالك ورب فقط بلا شوب شركة فيه ونزاع في امره هذا مثل الموحد بالنسبة الى ربه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا تعدد فيه ولا كثرة أصلا هَلْ يَسْتَوِيانِ ويتماثلان مَثَلًا هذان الرجلان المملوكان الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي لا شركة في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله بل في تحققه ووجوده ولا نزاع لاحد في حكمه وامره بل يفعل ما يشاء بالإرادة والاختيار ويحكم ما يريد بالاستقلال والاستحقاق بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ وحدته واستقلاله في الوجود والتصرفات الواردة فيه باعتبار شئونه وتطوراته لذلك يشركون له غيره ظلما وعدوانا جهلا وطغيانا. ثم قال سبحانه
إِنَّكَ مَيِّتٌ يعنى كيف لا يستقل سبحانه بالوجود والآثار المترتبة عليه مع انك يا أكمل الرسل واشرف الكائنات وأفضلهم معطل في ذاتك وفي نشأتك هذه عن اسناد ما ظهر وصدر منك ظاهرا إليك إذ لا وجود لك من ذاتك وَإِنَّهُمْ اى غيرك من الأشخاص بالطريق الاولى مَيِّتُونَ مائتون معطلون عن آثار الوجود مطلقا في هذه النشأة بل كلكم أنت وعموم العباد مسخرون مقهورون تحت حكمه سبحانه وامره وما عليك وعليهم الا الامتثال والانقياد
ثُمَّ إِنَّكُمْ ايها الموحدون والمشركون جميعا يَوْمَ الْقِيامَةِ المعدة للحساب والجزاء عِنْدَ رَبِّكُمْ المطلع على عموم ما جرى عليكم تَخْتَصِمُونَ بعضكم مع بعض في ما أنتم عليه في نشأتكم الاولى ثم تحاسبون وتجازون بمقتضاه فستعلمون حينئذ اىّ منقلب تنقلبون. ثم قال سبحانه على سبيل الاستبعاد والتقريع
فَمَنْ أَظْلَمُ وأضل طريقا مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وأنكر وجوده واستقلاله فيه وفي الآثار المترتبة عليه وَكَذَّبَ ايضا بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ يعنى بالقرآن الذي جاء به محمد ﷺ مبينا لتوحيد الحق واستقلاله في الوجود أَلَيْسَ يبقى فِي جَهَنَّمَ البعد والحرمان مَثْوىً لِلْكافِرِينَ الساترين بغيوم هوياتهم الباطلة شمس الحق الظاهر في الآفاق بالاستقلال والاستحقاق مع ان هذا العذاب معد لهؤلاء المردة المطرودين عن ساحة عز القبول
وَبالجملة الموحد المحق الَّذِي جاءَ من قبل ربه بِالصِّدْقِ بلا افتراء ومراء وَصَدَّقَ بِهِ ايمانا واحتسابا بلا شوب شك وتردد فيه أُولئِكَ السعداء الصادقون المصدقون هُمُ الْمُتَّقُونَ الذين يحفظون نفوسهم عن الميل الى ما لا يرضى منه سبحانه وبسبب اتصافهم بالتقوى عن محارم الله
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ من اللذات اللدنية الروحانية عِنْدَ رَبِّهِمْ الذي رباهم بأنواع الكرامة ووفقهم على الهداية الى جنابه والعكوف حول بابه تفضلا عليهم وتكريما ذلِكَ الذي سمعت من الكرامة جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ الذين يحسنون الأدب مع الله بحسب ظواهرهم وبواطنهم ويأخذون ما نزل من عنده من الأوامر والنواهي على وجه العزيمة الخالصة عن شوب الرياء والرعونات المنافية المباينة لإخلاص العبودية وليس تلك الكرامات العلية الا
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بسبب إخلاصهم في عزائمهم أَسْوَأَ العمل الَّذِي عَمِلُوا فكيف أسهله وأصغره وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ اى يعطيهم جزاء أعمالهم في الآخرة بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ اى احسن من حسناتهم وأوفر منها لخلوصهم فيها
стр. 825
أَلَيْسَ اللَّهُ القدير العليم بِكافٍ عَبْدَهُ المتوكل عليه المفوض امره اليه ليكفيه ما ينفعه ويكف عنه ما يضره وَهم من جهلهم بالله وبكمال علمه وقدرته يُخَوِّفُونَكَ يا أكمل الرسل يعنى قريشا بِالَّذِينَ اى بأصنامهم الذين يدعونهم آلهة مِنْ دُونِهِ سبحانه جهلا وعنادا ويقولون لك على سبيل النصح لا تذكر آلهتنا بسوء فانا نخاف عليك ان يخبلوك ويفسدوا عقلك وما ذلك الا من نهاية جهلهم بالله وغوايتهم عن طريق توحيده وَبالجملة مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ بمقتضى قهره وجلاله فَما لَهُ مِنْ هادٍ
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ إذ هو سبحانه فاعل على الإطلاق بالاختيار والاستحقاق لا يجرى في ملكه الا ما يشاء أَلَيْسَ اللَّهُ العليم القدير بِعَزِيزٍ غالب على امره ذِي انْتِقامٍ شديد على من أراد انتقامه من أعدائه. ثم أشار سبحانه الى توضيح دلائل توحيده تعريضا على المشركين وتسجيلا على غوايتهم وغباوتهم فقال مخاطبا لحبيبه
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يا أكمل الرسل يعنى كفار قريش مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى العلويات والسفليات وما بينهما من الممتزجات ومن أوجدها وأحدثها واظهر ما فيها من العجائب والغرائب لَيَقُولُنَّ البتة اللَّهُ المتفرد بالخلق والإيجاد المتوحد بالالوهية والربوبية إذ لا يسع لهم العدول عنه لغاية ظهوره قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما سمعت قولهم هذا إلزاما وتبكيتا أَفَرَأَيْتُمْ وابصرتم عيانا او سمعتم بيانا ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ اى من هؤلاء المعبودات الباطلة التي أنتم تدعونها آلهة سوى الله شركاء معه في أخص أوصافه الهم قوة المقاومة وقدرة المخاصمة معه سبحانه مثلا إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ وجرى حكمه على ان يمسني بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ اى آلهتكم هذه كاشِفاتُ ضُرِّهِ سبحانه عنى على سبيل المعارضة أَوْ أَرادَنِي الله بِرَحْمَةٍ فائضة من عنده علىّ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ حيث يمنعونها عنى ويدفعون وصولها الى وبعد ما بهتوا وسكتوا عند سماع هذه المقالة نادمين قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما ناشئا عن محض التوحيد واليقين خاليا عن امارات الريب والتخمين حَسْبِيَ اللَّهُ الواحد الأحد الكافي لمهام عموم الأنام الرقيب عليهم في جميع حالاتهم إذ عَلَيْهِ لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ المؤمنون المفوضون أمورهم كلها اليه حيث يتخذونه وكيلا ويعتقدونه كافيا وكفيلا
قُلْ لهم ايضا على سبيل التوبيخ والتهديد يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ اى على حالكم وشأنكم ما شئتم من الأعمال إِنِّي عامِلٌ ايضا على مكانتى وحالي ما شئت فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مآل ما تعملون وغايته واعلموا ان
مَنْ يَأْتِيهِ منا ومنكم عَذابٌ يُخْزِيهِ ويرديه في الدنيا وَهو دليل على انه يَحِلُّ عَلَيْهِ ويلحق به في الآخرة عَذابٌ مُقِيمٌ دائم مؤبد مخلد فتربصوا حتى يأتى الله بامره ونحن نتربص ايضا. ثم قال سبحانه على وجه العظة والتأديب لحبيبه ﷺ
إِنَّا من مقام عظيم جودنا قد أَنْزَلْنا عَلَيْكَ يا أكمل الرسل الْكِتابَ الجامع المشتمل على عموم مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم لتكون أنت هاديا لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ مبلغا لهم جميع ما فيه من الوعد والوعيد فَمَنِ اهْتَدى ووفق على قبول ما فيه من الأوامر والنواهي فَلِنَفْسِهِ اى نفع هدايته واهتدائه عائد الى نفسه وَمَنْ ضَلَّ ايضا فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ويلحق وبال ضلالها كذلك وَبعد ما وضح الأمر لديك لا تتعب نفسك في هدايتهم إذ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ضمين لهدايتهم وتكميلهم بل ما عليك الا البلاغ وعلينا الحساب وكيف لا يكون حساب العباد على الله ولا يكون في قبضة
стр. 826
قدرته سبحانه إذ
اللَّهُ المستوي على عروش عموم ما ظهر وبطن بالاستيلاء التام والقدرة الكاملة الشاملة يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ ويقطع حبل إمداده عليه حسب النفس الرحمانى حِينَ مَوْتِها اى حين تعلق ارادته سبحانه بقطع علقة إمداده عنها وإرجاعها الى ما كانت عليه من العدم وَكذا يتوفى الأنفس الَّتِي لَمْ تَمُتْ بعد اى لم يحكم عليها بقطع العلقة والإمداد عنها فِي مَنامِها اى يفرق ويفصل عنها ما هو مبدأ الآثار والأفعال وما يترتب عليها من التمييز والشعور من القوى والآلات بحيث يبقى رمق منها فيها فَيُمْسِكُ ويقبض سبحانه بعد الفصل والتوفي الأنفس الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ في سابق قضائه وحضرة علمه وَيُرْسِلُ الْأُخْرى ويعيدها الى أبدانها مرة بعد اخرى ويمهلها إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معين مقدر عنده بقطع الإمداد والارتباط. وعن المرتضى الأكبر الأكرم كرم الله وجهه يخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد فبذلك يرى الرؤيا فإذا انتبه من النوم عاد الروح الى جسده بأسرع من لحظة ولهذا قيل ان أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله فإذا أرادت الرجوع الى الأجساد امسك الله أرواح الأموات عنده وأرسل أرواح الأحياء الى أجسادها وبه ورد الحديث صلوات الله على قائله إذا أوى أحدكم الى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فانه لا يدرى ما خلفه عليه ثم يقول باسمك ربي وضعت جنبي وبك ارفعه ان أمسكت نفسي فارحمها وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين إِنَّ فِي ذلِكَ التوفي والفصل والإمساك والإرسال لَآياتٍ ودلائل واضحات وشواهد لائحات على قدرة الصانع الحكيم القدير العليم لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في مقدوراته سبحانه ويشاهدون آثار قدرته عليها ويعتبرون منها وبعد ما سمع قريش كمال قدرة الله واستقلاله بالتصرفات الواقعة في ملكه وملكوته حسب ارادته واختياره ينبغي لهم ان يوحدوه سبحانه ويتخذوه وكيلا ويجعلونه حسيبا وكفيلا ومع ذلك لم يتخذوه ولم يوحدوه
أَمِ اتَّخَذُوا بل أخذوا من تلقاء أنفسهم مِنْ دُونِ اللَّهِ اولياء من الأصنام والأوثان ظلما وزورا وسموه شُفَعاءَ عنده سبحانه لذلك يعبدونهم كعبادته قُلْ لهم يا أكمل الرسل إلزاما وتبكيتا أَوَلَوْ كانُوا اى أتتخذونهم شفعاء ايها الحمقى وتستشفعون منهم وتعبدون لهم ولو كانوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً من جلب النفع ودفع الضر وَلا يَعْقِلُونَ ولا يدركون مقاصدكم أصلا وبالجملة ما عبادتكم هذه إياهم الا وهم باطل وزور ظاهر بل خروج عن مقتضى العقل الفطري والفطنة الجبلية
قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما قد لاح دونك غيهم وغباوتهم على وجه العظة والتذكير لعلهم يتنبهوا لِلَّهِ الواحد الأحد المحيط بالكل الشَّفاعَةُ جَمِيعاً اى مطلق الشفاعة مختصة لله مستندة اليه اصالة كائنة ناشئة فائضة من عنده بحيث لا يسع لاحد من اهل العناية ان يشفع بمجرم عنده سبحانه الا باذنه وكيف لا يكون كذلك إذ لَهُ وفي قبضة قدرته مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى عموم ما ظهر من العلويات والسفليات وما بينهما من الممتزجات فله التصرف فيها بالاستقلال والاختيار بلا مزاحمة أنداد واغيار ثُمَّ لو وقعت شفاعة من احد ممن اذن له الرحمن ورضى له قولا فإنما هي آئل ايضا اليه سبحانه إذ إِلَيْهِ لا الى غيره من العكوس والاظلال تُرْجَعُونَ رجوع الأضواء الى الشمس والأمواج الى البحر
وَمن شدة قساوة المشركين وجهلهم بالله إِذا ذُكِرَ اللَّهُ الواحد الأحد الصمد المستقل بالالوهية والربوبية وَحْدَهُ على ما كان عليه بلا مشاركة احد معه في الثبوت والوجود اشْمَأَزَّتْ اى انقبضت وضاقت قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
стр. 827
بالانكشاف التام في النشأة الاخرى المفنى لأظلال السوى والعكوس مطلقا وَإِذا ذُكِرَ آلهتهم الَّذِينَ يدعونهم مِنْ دُونِهِ سبحانه إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ اى فاجؤا واسرعوا عند ذكر آلهتهم الباطلة الى البسط والاستبشار
قُلِ يا أكمل الرسل عند يأسك عنهم وعن ايمانهم وتنبههم مسترجعا الى ربك مفوضا الأمور كلها اليه سبحانه سيما امور هؤلاء الضلال المعاندين اللَّهُمَّ يا فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ومظهرهما من كتم العدم بالإرادة والاختيار يا عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ على التفصيل بحيث لا يعزب عن حيطة علمك مثقال ذرة من ذرات ما لمع عليه برق وجودك بمقتضى كرمك وجودك أَنْتَ بذاتك حسب شئونك وتطوراتك تَحْكُمُ وتقضى بَيْنَ عموم عِبادِكَ سيما هؤلاء الضالين وبيني فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ معى في امر الدين القويم المنزل على من عندك والكتاب الكريم المبين طريق توحيدك. ثم قال سبحانه تسجيلا على عدم قابليتهم واستعدادهم لقبول الحق وفيضان اسرار التوحيد
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بعد ما جبلوا على فطرة التوحيد من عند الله الحكيم واستبدلوا بالشقاوة لو حق وثبت لهم ملك ما فِي الْأَرْضِ من الامتعة والزخارف الامكانية جَمِيعاً بل وَمِثْلَهُ مَعَهُ بل أضعافه وآلافه معه لَافْتَدَوْا بِهِ في سبيل الله راجين النجاة مِنْ سُوءِ الْعَذابِ المعد لهم يَوْمَ الْقِيامَةِ جزاء لاعمالهم لما حصل لهم هذا ولا نجاة لهم منه أصلا إذ لا يبدل القول منا ولا يغير الحكم لدينا بل وَبَدا لَهُمْ وظهر عليهم مِنَ اللَّهِ الحكيم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ من قبله إذ هم عند الإتيان بفواسد الأعمال والعبادات على معبوداتهم زاعمون ترتب جزاء الخير عليها وقد العكس الأمر عليهم
وَحين ظهر عليهم عكس المطلوب بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا اى تحقق عندهم كون أعمالهم التي قد أتوا بها سيئات كلها وَحينئذ حاقَ وأحاط بِهِمْ حجالة ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من الأمور الدينية والمعتقدات الاخروية الجارية على ألسنة الرسل والكتب في النشأة الاولى ولم ينفعهم الندم والخجالة حينئذ لانقضاء زمان إمكان التدارك والتلافي. ثم أشار سبحانه الى تزلزل الإنسان وعدم ثباته على العزيمة الخالصة نحو ربه فقال
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ ولحقه على وجه المساس ليكون منها له موقظا إياه عن سنة الغفلة ونوم النسيان ومذكرا له للتوجه والتحنن إلينا دَعانا لكشفه واستكشف عنا على وجه الإلحاح والاقتراح ثُمَّ بعد كشفنا عنه ضره إِذا خَوَّلْناهُ ووسعنا عليه نِعْمَةً تفضلا مِنَّا إياه وتكريما لنختبر كيف يشكر على حصول النعمة ودفع النقمة قالَ حينئذ على سبيل الكفران والطغيان إِنَّما أُوتِيتُهُ من النعم عَلى عِلْمٍ منى بوجوه كسبه وطرق جمعه وارباحه واخذه والمعنى ما أوتيت وأعطيت بما أوتيت الا بسبب سعيي وعلمي بوجوه جمعه وتحصيله لا من حيث لا احتسب وبالجملة هكذا يقول من الكلمات الدالة على الكفران والطغيان مع ان نعمته ما هي نعمة في أنفسها بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ابتلاء واختبار منا إياه لننظر أيشكر أم يكفر وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ولا يفهمون فتنتنا واختبارنا لذلك ينهمكون في بحر الكفران والطغيان وليس هذا القول مخصوصا لهؤلاء الكفرة التائهين في تيه الغفلة والكفران بل
قَدْ قالَهَا اى الكلمة المخصوصة التي هي جملة انما أوتيته على علم عموم الكافرين المسرفين الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ مثل قارون وغيره وبالجملة فَما أَغْنى ودفع عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
من الزخارف الدنياوية شيأ من عذاب الله حين أحاط بهم ونزل عليهم العذاب فكذا ما اغنى عن هؤلاء ايضا أمتعتهم شيأ من عذاب الله حين
стр. 828
أحاط بهم ونزل عليهم وحين حلوله بل
فَأَصابَهُمْ اى الكفرة الماضين وأحاط بهم في النشأة الاولى سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا مثل الخسف والكسف والغرق ونحوها وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ المستخلفين عنهم القائلين بقولهم يعنى قريشا خذلهم الله سَيُصِيبُهُمْ عن قريب سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أمثال أولئك الهالكين وَما هُمْ اى هؤلاء المسرفون المفسدون بِمُعْجِزِينَ الله القادر المقتدر على انواع التعذيب والانتقام فقتل صناديدهم يوم بدر وقحطوا سبع سنين. ثم وسع سبحانه عليهم الرزق ليتنبهوا ان مقاليد الأمور بيده او خزائن الرزق عنده ومع ذلك لم يتفطنوا
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا ولم يتنبهوا أَنَّ اللَّهَ المتكفل لأرزاق عباده يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ من عباده ويوسع عليه وَيَقْدِرُ اى يقبض عن من يشاء ارادة واختيارا على مقتضى علمه بتفاوت استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية الفائضة عليهم من الحكيم الوهاب إِنَّ فِي ذلِكَ القبض والبسط المستلزمين لانواع الدقائق والرقائق الغير المحصورة في الأمور الإلهية لَآياتٍ وبراهين واضحات على حكمة القدير العليم لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بذات الله وكمال أوصافه وأسمائه وبعد ما تنبهوا على حقية الحق وتفطنوا بدلائل توحيده
قُلْ لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا مناديا لهم على وجه الاختصاص مضيفا لهم إلينا عطفا ورفقا ولطفا يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ طول دهرهم قبل انكشاف الاغطية والسدل عن عيون بصائرهم لا تَقْنَطُوا وتيأسوا مِنْ فيضان رَحْمَةِ اللَّهِ عليكم سيما بعد كشف الغطاء ورفع الحجب والغشاء إِنَّ اللَّهَ المطلع على ضمائر عباده وعموم نياتهم يَغْفِرُ ويستره الذُّنُوبَ التي صدرت عنكم وقت غفلتكم جَمِيعاً وكيف لا يغفرها سبحانه إِنَّهُ بمقتضى ذاته وأوصافه وأسمائه هُوَ الْغَفُورُ المقصور على الستر والعفو لعموم عباده سيما على اهل التوحيد منهم الرَّحِيمُ لهم يوصلهم بعد رفع الحجب الى مقر التجريد والتفريد
وَبعد ما قد سمعتم سعة رحمة الحق وجميل عفوه ومغفرته أَنِيبُوا اى تقربوا وتوجهوا ايها المجبولون على فطرة الإسلام إِلى رَبِّكُمْ الذي رباكم لمصلحة المعرفة والتوحيد وَأَسْلِمُوا لَهُ وانقادوا لأوامره واجتنبوا عن نواهيه بالعزيمة الخالصة عن كدر الرعونات وشين الشهوات والغفلات مطلقا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ الموعود في يوم الجزاء ثُمَّ بعد نزوله وإتيانه لا تُنْصَرُونَ اى حينئذ لا يسع لكم التدارك والتلافي لانقضاء زمان التوبة والرجوع
وَبالجملة ان أردتم النجاة من العذاب اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ايها المكلفون على الدين المستبين ألا وهو القرآن الكريم المنزل على خير الأنام وأفضل الرسل الكرام وامتثلوا بجميع ما فيه من الأوامر والنواهي على وجه العزيمة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً فجاءة وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ من علاماته حتى تتداركوا وتحذروا منها وبالجملة احذروا من يوم هائل مهول مخافة
أَنْ تَقُولَ في حلوله وألمامه نَفْسٌ وازرة منكم مقصرة عن الانابة والرجوع حين حلول العذاب عليها يا حَسْرَتى ويا ندامتا عَلى ما فَرَّطْتُ وقصرت فِي جَنْبِ اللَّهِ ورعاية جانبه وحقه في أطاعته وانقياده وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ اى فرطت في حقه سبحانه والحال انى قد كنت من الساخرين بالأنبياء الهادين والعلماء الراشدين المنبهين علىّ وبالجملة فندمت يومئذ فما ينفع الندم
أَوْ تَقُولَ متحسرة على كرامة اهل العناية لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي ووفقني على التوبة والانابة نحوه كسائر أوليائه لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ المتحفظين نفوسهم عن الإفراط في
стр. 829
حق الله ورعاية جانبه
أَوْ تَقُولَ متمنية مستبعدة حِينَ تَرَى الْعَذابَ يحل عليها لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً ورجوعا الى الدنيا مرة اخرى فَأَكُونَ حينئذ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الذين يحسنون الأدب مع الله ويصدقون رسله وكتبه وانما تقول حينئذ ما تقول من كمال تحسرها على ما فات منها ومن شدة هول ما نزل عليها ثم قيل لها من قبل الحق ردا لقولها لو ان الله هداني لكنت من المتقين
بَلى قد هداك الله فلم تهتد إذ قَدْ جاءَتْكَ آياتِي لهدايتك وارشادك على ألسنة رسلي فَكَذَّبْتَ بِها وبهم وَاسْتَكْبَرْتَ عليها وعليهم وَكُنْتَ حينئذ بسبب تكذيبك واستكبارك عليهم مِنَ الْكافِرِينَ الذين ستروا الحق الحقيق بالاطاعة والاتباع وأظهروا الباطل الزاهق فاتخذوه معبودا وعبدوا له ظلما وزورا عنادا واستكبارا
وَبالجملة لا تبالوا ايها الموحدون بعتوهم واستكبارهم في هذه النشأة إذ يَوْمَ الْقِيامَةِ التي تبلى السرائر فيها تَرَى ايها المعتبر الرائي الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بإثبات الولد والشريك له افتراء ومراء وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ اى تراهم حال كونهم مسودي الوجوه إذ هم حينئذ ملازمو النار وملاصقوها وأنت ايها المعتبر الرائي تستبعد وتتعجب حينئذ عن حالهم هذا وبالجملة أَلَيْسَ يبقى فِي جَهَنَّمَ البعد والخذلان وجحيم الطرد والحرمان مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ الذين يتكبرون على الله وعلى أوليائه بأنواع الفسوق والعصيان والكذب والطغيان مع ان جهنم ما هي الا معدة لهؤلاء البغاة الطغاة الهالكين في تيه الكبر والعناد
وَيُنَجِّي اللَّهُ المحسن المتفضل بمقتضى لطفه وجماله من اهوال يوم القيامة وافزاعها الَّذِينَ اتَّقَوْا عن محارم الله بِمَفازَتِهِمْ اى بفوزهم وفلاحهم المورث لهم فتح أبواب السعادات وانواع الخير والبركات لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ اى ينجيهم بحيث لا يعرضهم شيء يسوءهم في النشأة الاخرى وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فيها أصلا وكيف لا ينجى سبحانه أولياءه إذ
اللَّهُ المحيط بعموم ما ظهر وبطن خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ومظهره من العدم بامتداد اظلال أسمائه وصفاته عليه وَهُوَ سبحانه عَلى كُلِّ شَيْءٍ من مظاهره ومصنوعاته وَكِيلٌ يتولى امره ويحفظ عما يضره وكيف لا يكون كذلك إذ
لَهُ سبحانه وفي قبضة قدرته وتحت حفظه وارادته مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مفاتيح العلويات والسفليان وما يتولد بينهما يتصرف فيها بالإرادة والاختيار ما شاء بلا منازع وخاصم وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وأنكروا دلائل توحيده واستقلاله في الآثار الصادرة منه سبحانه باختياره أُولئِكَ الأشقياء الضالون عن طريق التوحيد المنحرفون عن جادة العدالة هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران الأبدي والحرمان السرمدي لا يرجى نجاتهم منه أصلا. ثم ان أرادوا يعنى قريشا خذلهم الله ان يخدعوك ويلبسوا عليك الأمر بان امروك باستلام بعض آلهتهم ليؤمنوا بإلهك
قُلْ لهم يا أكمل الرسل على سبيل التعبير والتوبيخ أَفَغَيْرَ اللَّهِ الواحد الأحد الصمد الحقيق بالاطاعة والعبادة تَأْمُرُونِّي اى تأمروننى أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ بالله وباستحقاقه للعبادة والانقياد بالأصالة وبكمال التوحيد والاستقلال. ثم قال سبحانه مقسما على سبيل التأكيد والمبالغة في التأديب تحريكا لحمية حبيبه ﷺ وتثبيتا له على محبته
وَالله لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ يا أكمل الرسل وَكذا قد اوحى ايضا إِلَى الرسل الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ أنت مع كمال ودادك ومحبتك وخلتك وكذا كل واحد منهم ايضا مع كمال محبتهم وخلوصهم في عباداتهم وأتيت أنت وكل منهم بشيء يلوح منه الإشراك المنافى للتوحيد
стр. 830
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وعملهم وليضيعن البتة صالح عملك الذي جئت به ليفيدك وَلَتَكُونَنَّ حينئذ مِنَ الْخاسِرِينَ خسرانا مبينا فعليك ان لا تصاحب مع المشركين بحال ولا تقبل منهم قولهم ولا تمتثل أمرهم
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ اى بل إذا أردت العبادة والإطاعة المفيدة لك فاعبد الله خالصة خاصة ولا تلتفت الى غيره وَكُنْ في شأنك هذا مِنَ الشَّاكِرِينَ الصارفين لنعم الله الى ما خلق لأجله إذ هم اى الشاكرون انما جبلوا على فطرة العبادة والعرفان بالنسبة اليه سبحانه حتى اتخذوه وكيلا حسيبا
وَاعلم يا أكمل الرسل ان المشركين الذين اتخذوا اولياء من دونه سبحانه وادعوا الوجود لهم وشركتهم معه سبحانه ما قَدَرُوا اللَّهَ اى ما وسعوا الحق باعتبار ظهوره بهذا الاسم المخصوص المستجمع لجميع الأسماء والصفات المعبر به عن الذات الاحدية كاسمه العليم لذلك لم يعرفوا حَقَّ قَدْرِهِ وقدر ظهوره وبطونه ولو وسعوا له وعرفوا حق قدره كما هو حقه لما اثبتوا له شريكا إذ كل من تحقق بوحدة الحق وكيفية سريانه على هياكل الاظلال والعكوس المنعكسة من أسمائه وأوصافه لم يبق عنده شائبة شك في ان لا تعدد في ذاته سبحانه ولا تكثر بل يتجلى ويتجدد في كل آن بشأن ولا شك ان كل ما ظهر من آثار الشئون المرئية المدركة بمشاهدة العيون فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وَمن جملة ما انعكس من بعض شئونه سبحانه الْأَرْضُ جَمِيعاً اى جميع ما يتراءى فيها وما يتولد عليها من الطبيعة والهيولى المنعكسة من التجليات الإلهية حسب اقتضاء آثار أسمائه الحسنى وأوصافه العليا ويتكون فيها قَبْضَتُهُ اى جميعها انما هي مقبوضة في كف قدرته يَوْمَ الْقِيامَةِ التي هي الطامة الكبرى التي قد انقهرت دونها اظلال السوى مطلقا وصارت مندكة في نفسها معدومة في حد ذاتها إذ لا وجود لها وَكذا السَّماواتُ انما هي يومئذ مَطْوِيَّاتٌ معطلات عن مقتضياتها التي هي الأفعال والحركات ساقطات في زوايا العدم على ما قد كانت عليها ازلا وابدا مقبوضات بِيَمِينِهِ وبقبضة قدرته الغالبة وبالجملة سُبْحانَهُ اى تنزه ذاته وتقدس أسماؤه تنزيها وتقديسا بديعا وَتَعالى شأنه عَمَّا يُشْرِكُونَ له غيره ظلما وزورا
وَاذكر يا أكمل الرسل للمشركين يوم نُفِخَ فِي الصُّورِ لرد الأمانات التي هي الوجودات الباطلة الظلية الاضافية المترشحة من بحر الذات على هياكل الهويات فَصَعِقَ اى قد خر وسقط حينئذ مغشيا عليه من شدة فزعه وهو له عموم مَنْ فِي السَّماواتِ اى جميع العلويات وَكذا عموم مَنْ فِي الْأَرْضِ اى جميع السفليات خوفا من انقطاع الإمداد الإلهي حسب النفس الرحمانى إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ من المعتبرين الفانين في الله الباقين ببقائه فإنهم قد قامت قيامتهم على كل حال وفي كل شأن بلا ترتب وانتظار ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ايقاظا لهم عن سنة الغفلة ونعاس النسيان فَإِذا هُمْ قِيامٌ اى فاجؤا على القيام بعد ما صاروا مغشيا عليهم يَنْظُرُونَ حينئذ حيارى سكارى مبهوتين هائمين كأنهم صرعى مخبولين
وَبعد ذلك قد أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها اى صارت الطبيعة والهيولى منورة بنور الله على ما كانت عليه قبل النفخ وَحينئذ عرضوا على الله ووُضِعَ الْكِتابُ اى مكتوب اعمال كل من النفوس الزكية والخبيثة بين أيديهم وحوسبوا حسب ما فيه وَبعد ما تم حسابهم وتنقيد أعمالهم جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ المبعوثين كل منهم الى امة من الأمم ليشهدوا على أممهم بما كانوا عليه في النشأة الاولى وَالشُّهَداءِ اى جئ بالشهداء العدول ايضا يعنى قد انطق الله عموم اركانهم وجوارحهم التي أتوا بها ما أتوا من خير وشر فيشهدن
стр. 831
عليهم وَبعد انكشاف أحوالهم وضبط أعمالهم قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وحكم على مقتضى العدالة الإلهية بلا حيف وميل وَهُمْ يومئذ لا يُظْلَمُونَ بالزيادة ولا بالنقصان ثوابا وعقابا بل يزاد ثوابهم ايضا ويضاعف حسناتهم تفضلا وامتنانا
وَبالجملة قد وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما عَمِلَتْ من خير وشر وَكيف لا يوفى إذ هُوَ سبحانه أَعْلَمُ واحفظ منهم بِما يَفْعَلُونَ اى بعموم أفعالهم وأعمالهم الصادرة منهم صالحها وفاسدها نقيرها وقطميرها
وَبعد ذلك سِيقَ سوق البهائم الى المسلخ عنفا وزجرا الَّذِينَ كَفَرُوا في النشأة الاولى بالإعراض عن الحق واهله إِلى جَهَنَّمَ الطرد والخذلان زُمَراً فوجا بعد فوج وطائفة اثر طائفة حَتَّى إِذا جاؤُها يعنى جهنم فُتِحَتْ لهم أَبْوابُها اى أبواب اودية النيران المعدة لأصحاب الكفر والطغيان على تفاوت طبقاتهم وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها حينئذ على سبيل التوبيخ والتقريع أَلَمْ يَأْتِكُمْ ايها الضالون المستحقون لهذا الوبال والنكال رُسُلٌ مِنْكُمْ ومن بنى نوعكم مبعوثون إليكم من قبل الحق يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ الدالة على وحدة ذاته وكمال قدرته على وجوه الانعام والانتقام وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا اى يحذرونكم ويخوفونكم عن لقاء هذا اليوم الهائل الذي تدخلون أنتم فيه النار بأنواع الحسرة والحرمان والخيبة والخذلان وبعد ما سمعوا منهم ما سمعوا قالُوا متحيرين متأسفين بَلى قد جاءنا رسل ربنا بالحق وتلوا علينا آياته المشتملة على انواع الإنذار والتبشير وَلكِنْ لم يفدنا إنذارهم وتبشيرهم إذ حَقَّتْ اى قد صدرت وثبتت حقا منه سبحانه في حضرة علمه وسابق قضائه حتما كَلِمَةُ الْعَذابِ وهي قوله سبحانه لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين عَلَى الْكافِرِينَ المعرضين عن الحق وآياته وعن من بلغها إليهم باذنه لذلك أعرضنا عنها وعنهم فوجبت لنا النار وبالجملة أتوا بالعذر وما ينفعهم بل
قِيلَ لهم حينئذ من قبل الحق من وراء سرادقات العز والجلال ادْخُلُوا ايها الضالون المجرمون أَبْوابَ جَهَنَّمَ اى كل فرقة منكم بباب يخصها في سابق قضائنا وكونوا خالِدِينَ فِيها بحيث لا نجاة لكم منها ابدا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ اى الكافرين المستكبرين جهنم الخذلان وجحيم الحرمان والخسران. أعاذنا الله وعموم المؤمنين منها بفضله العظيم
وَسِيقَ ايضا سوق الحمام الى المسرح سرورا وفرحا الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ يعنى عن محارمه بمقتضى أوامره ونواهيه الجارية على ألسنة رسله وكتبه إِلَى الْجَنَّةِ المعدة لفيضان انواع اللذات الروحانية على أهلها زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فرحين مسرورين وتحننوا نحوها سابقين وصادفوها مشتاقين وجدوها وَقد فُتِحَتْ لهم أَبْوابُها عناية من الله إياهم وَقالَ لَهُمْ حينئذ خَزَنَتُها ترحيبا وتكريما سَلامٌ عَلَيْكُمْ ايها المهديون المهتدون الذين قد طِبْتُمْ وطهرتم انفسكم في نشأة الاختبار ودار العبرة والاعتبار عن ادناس الشهوات وإكدار اللذات البهيمية العارضة للنفوس الخبيثة من المألوفات الطبيعية فَادْخُلُوها اى الجنة المشتملة على انواع الكرامات واصناف السعادات وكونوا خالِدِينَ فيها ابد الآبدين بلا نقل ولا تحويل اى الى ما شاء الله لأهل العناية من الدرجات العلية التي لا تكتنه ولا توصف
وَبعد ما تمكنوا في مقر العز والحضور قالُوا مسترجعين الى الله عادين موائد انعامه وإحسانه على أنفسهم مواظبين مقيمين لأداء حقوقها الْحَمْدُ والمنة لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ اى جميع ما وعدنا الله به في النشأة الاولى بوحيه النازل على ألسنة أنبيائه ورسله
стр. 832
من المعتقدات الاخروية وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ اى المقر المعهود الذي قد بشرنا به الرسل الكرام ألا وهي ارض الجنة لأهل العناية من سوابق الايمان والمعرفة والأعمال الصالحة الصادرة منهم في دار الاختبار ومكننا فيه بحيث نَتَبَوَّأُ وننزل مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ يعنى ينزل ويستريح كل منا حيث شاء وأراد من المقامات البهية والدرجات العلية بلا مضايقة وممانعة فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ المخلصين المخلصين نفوسهم عن اغوار الجهالات واودية الضلالات بنور الآيات البينات الواصلين الى روضة الرضا وجنة التسليم. رب اجعلنا بلطفك من ورثة روضة النعيم
وَبعد ما قد تقرر اهل النار في النار واهل الجنة في الجنة تَرَى ايها المعتبر المنكشف بكمال عظمة الله وجلاله الْمَلائِكَةَ اى الأسماء والصفات الإلهية عبر عنها سبحانه بالملائكة المهيمين المستغرقين بمطالعة وجهه الكريم حَافِّينَ صافين محدقين محلقين مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ اى حول عرشه العظيم المستغنى عن عروش مطلق المظاهر والمجالى الكائنة في عالمي الغيب والشهادة إذ هو سبحانه بذاته غنى عن مطلق التعينات الطارية على شئونه وتطوراته لذلك يُسَبِّحُونَ وينزهون أولئك المهيمون ذاته سبحانه عن سمات الحدوث والإمكان مطلقا دائما ويواظبون بِحَمْدِ رَبِّهِمْ على ما وهب لهم المعرفة بعلو شأنه وسمو برهانه وباستغنائه في ذاته عن مطلق مظاهر أسمائه وأوصافه جميعا وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ اى هم يحمدونه ويثنون عليه سبحانه ايضا على عموم قضائه وحكمه وأحكامه الجارية بين عباده كلها بالحق بمقتضى العدل القويم وَبالجملة قِيلَ من قبل كل من يتأتى منه الرجوع اليه سبحانه والتوجه نحوه طوعا على الوجه الذي امر به ونبه عليه الْحَمْدُ المطلق المستوعب لعموم الاثنية والمحامد الصادرة عن ألسنة عموم المظاهر ثابت لِلَّهِ اى للذات المستجمع بجميع أوصاف الكمال بالاستحقاق والاستقلال رَبِّ الْعالَمِينَ بمقتضى توحده وانفراده فيكون جميع محامدهم مختصة به سبحانه إذ لا مربى لهم سواه ولا موجد لهم غيره. حققنا بكرمك بحق قدرك وبقدر حقيتك يا ذا القوة المتين
خاتمة سورة الزمر
عليك ايها المحمدي القاصد المتحقق المدرك بكمال عظمة الله وجلاله ان تتأمل في هذه السورة سيما في أواخرها وتتعمق فيها وفي كشف سرائرها ومرموزاتها وإشاراتها الخفية وعباراتها المنبهة على وحدة الحق وحقيته لينكشف لك انه لا يشغله شأن عن شأن ولا يقدر تحققه وقيوميته زمان ومكان بل هو كائن على ما قد كان في كل آن وشأن بلا مكيال زمان وآن واحياز ومكان وحين وأوان
[سورة المؤمن]
فاتحة سورة المؤمن
لا يخفى على من ترقى من حضيض التقليد الى ذروة التوحيد ومن اودية الجهالات اللازمة للتعينات الامكانية الى أقصى درجات الإدراك وأعلاها ان أجل المعلومات وأولاها وأدق المعارف وأخفاها هو الاطلاع على وحدة الحق وتوحده في الذات والوجود وتكثره حسب الأسماء والصفات المقتضية للشؤن والتطورات الغير المحصورة كذلك اوحى سبحانه حبيبه بما اوحى من دلائل التوحيد وأوصاه بحفظ ما نزل عليه من الآيات المبينة لتلك الدلائل ليكون على ذكر منها فقال سبحانه مخاطبا له بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ المعرب المفصح عن الذات الاحدية باعتبار التسمية ونشأة العبارة الرَّحْمنِ
стр. 833
الدال على ثبوت عموم الأسماء والصفات لتلك الذات المؤثرة بها آثارا بديعة لا تعد ولا تحصى الرَّحِيمِ الدال على رجوع الكل إليها رجوع الاظلال الى الأضواء
[الآيات]
حم يا حامل الوحى ويا حاميه ويا ماحي الغير والسوى عن لوح الضمير ومانعه مطلقا
تَنْزِيلُ الْكِتابِ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إليك يا أكمل الرسل تأييدا لك في أمرك وشأنك مِنَ اللَّهِ اى من الذات المعبر بهذا الاسم الجامع المحيط بعموم الأسماء والصفات الْعَزِيزِ المنيع الغالب ساحة عز حضوره عن ان يحوم حول وحيه شائبة الريب والتخمين الْعَلِيمِ الذي لا يعزب عن حيطة علمه شيء مما جرى عليه سابق قضائه
غافِرِ الذَّنْبِ اى ساتر ذنوب الأنانيات الظاهرة من الهويات الحاصلة من انصباغ التعينات العدمية بصبغ الأسماء والصفات المنبسطة وَقابِلِ التَّوْبِ اى التوبة والرجوع على وجه الإخلاص والندم على اثبات الوجود لغيره سبحانه شَدِيدِ الْعِقابِ على من خرج عن ربقة عبوديته باسناد الحوادث الكائنة الى نفسه والى مثله في الحدوث والمخلوقية ذِي الطَّوْلِ والغنى الذاتي عن توحيد الموحد والحاد المشرك الملحد لأنه في ذاته لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ولا موجود سواه يعبد له ويرجع اليه في الخطوب إذ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ اى مرجع الكل اليه ورجوعه نحوه سواء وحده الموحدون وألحد في شأنه الملحدون المشركون أم لا. ثم قال سبحانه توضيحا وتصريحا لما علم ضمنا
ما يُجادِلُ ويكابر فِي آياتِ اللَّهِ وفي شأن دلائل وحدته واستقلاله في الآثار المترتبة على شئونه وتجلياته إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وستروا ظهور شمس الذات وتحققها في صفحات الكائنات بغيوم هوياتهم الباطلة وتعيناتهم العاطلة فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ اى لا يغررك يا أكمل الرسل امهالنا إياهم يتقلبون في بلاد الإمكان وبقاع الهيولى والأركان عن امهالنا إياهم وعدم انتقامنا عنهم بالطرد الى هاوية العدم وزاوية الخمول وان كذبوك يا أكمل الرسل في دعوتك وشأنك وعاندوا معك في برهانك فاصبر على أذاهم وتذكر كيف
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ أخاك نوحا وكيف صبر هو على اذياتهم مدة مديدة حتى ظفر عليهم حين ظهر أمرنا وجرى حكمنا بأخذهم واستئصالهم بالمرة وَانظر ايضا كيف كذبت الْأَحْزابُ والأمم الكثيرة مِنْ بَعْدِهِمْ اى بعد قوم نوح رسلهم المبعوثين إليهم للهداية والإرشاد وَبالجملة قد هَمَّتْ وقصدت كُلُّ أُمَّةٍ من الأمم الماضية بِرَسُولِهِمْ المرسل إليهم لِيَأْخُذُوهُ ويأسروه بل ليقتلوه او يستحقروه ويهينوه وَجادَلُوا أولئك الهالكون المنهمكون في تيه الكبر والعناد مع الأنبياء والرسل بِالْباطِلِ الزاهق الزائل في نفسه لِيُدْحِضُوا ويزيلوا بِهِ الْحَقَّ الحقيق بالاطاعة والاتباع فَأَخَذْتُهُمْ واستأصلتهم بعد ما أمهلتهم زمانا يعمهون في طغيانهم ويترددون في بنيانهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ إياهم حين حل عليهم ما حل من العذاب
وَبالجملة كَذلِكَ ومثل ذلك قد حَقَّتْ ثبتت ونزلت كَلِمَةُ رَبِّكَ يا أكمل الرسل في حضرة علمه ولوح قضائه عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا اى على عموم الكفرة الجهلة المعاندين بك وبدينك وكتابك ايضا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ اى ملازموها وملاصقوها ابد الآباد ولا نجاة لهم منها فلا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. ثم أشار سبحانه الى حث المؤمنين الموحدين على مواظبة الايمان ومداومة الشكر على الانعام فقال
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ألا وهم الكروبيّون الذين سبقوا بحمل العرش الإلهي وحفظ ما انعكس فيهم من تجلياته الجمالية والجلالية بدوام المراقبة والمطالعة
стр. 834
بوجهه الكريم وَكذا مَنْ حَوْلَهُ من الملائكة الذين يطوفون حول العرش ويقتفون اثر أولئك الحملة السابقين كلهم سابقا ولا حقا يُسَبِّحُونَ وينزهون الحق عن سمات الحدوث والإمكان ويقدسونه عن وصمة السهو والنسيان إذ كمال ما يدرك المدرك منه سبحانه انما هو التسبيح والتقديس والا فالامر أعز وأعلى من ان يحيط به الآراء ويحوم حول سرادقات عزه وعلائه الأهواء ويواظبون بِحَمْدِ رَبِّهِمْ على ما أولاهم نعمة التوجه اليه والتحنن نحوه وَبالجملة يُؤْمِنُونَ بِهِ سبحانه وبوحدة ذاته ويعتقدون بأوصافه العليا وأسمائه الحسنى وان عجزوا عن درك كنه ذاته وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا اى يطلبون الستر والعفو منه سبحانه لذنوب إخوانهم الذين آمنوا بوحدة الحق وبكمالات أسمائه وصفاته مثل ايمانهم سواء كانوا سماويين او ارضيين مناجين مع ربهم حين استغفارهم قائلين رَبَّنا يا من ربانا على فطرة تسبيحك وتقديسك ومداومة حمدك وثنائك أنت بذاتك وبمقتضى كرمك وجودك قد وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً اى وسعت رحمتك وأحاطت حضرة علمك على كل ما لمع عليه بروق تجلياتك وشروق شمس ذاتك فَاغْفِرْ بسعة رحمتك وجودك لِلَّذِينَ تابُوا اى عموم عبادك الذين رجعوا وأنابوا نحو بابك نادمين وامح عن عيون بصائرهم سدل رؤية الغير والسوى في جنب جنابك وَمع رجوعهم وانابتهم نحوك اتَّبَعُوا بالعزيمة الصادقة الخالصة حسب حولك وقوتك سَبِيلَكَ الذي قد أرشدتهم اليه وهديتهم نحوه بوحيك على رسلك وَقِهِمْ بلطفك واحفظهم بسعة رحمتك وجودك عَذابَ الْجَحِيمِ المعد لأصحاب الخذلان والخسران
رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ بفضلك ولطفك جَنَّاتِ عَدْنٍ اى منزهات العلم والعين والحق الَّتِي وَعَدْتَهُمْ في كتبك بعموم ارباب العناية من عبادك وَادخل ايضا مَنْ صَلَحَ من عندك بفيضان جودك وإحسانك مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ التي قد تناسلت منهم على فطرة التوحيد وحلية الايمان والعرفان إِنَّكَ بذاتك وأسمائك وصفاتك أَنْتَ الْعَزِيزُ المنيع ساحة عز حضورك عن ان يحوم حوله شائبة وهم احد من مظاهرك ومصنوعاتك الْحَكِيمُ المتقن في عموم افعالك الصادرة منك على كمال الاحكام والإتقان
وَقِهِمُ بمقتضى حكمتك المتقنة السَّيِّئاتِ عن مطلق الجرائم والآثام المستتبعة لإدخالهم الى دركات النيران وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ اى ومن تحفظه بمقتضى لطفك وتوفيقك عن المعاصي في النشأة الاولى فَقَدْ رَحِمْتَهُ البتة في النشأة الاخرى وَذلِكَ اى وقايتك وحفظك إياهم عن اسباب الخذلان والحرمان هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والكرم العميم واللطف الجسيم. ثم أشار سبحانه الى تفضيح من كفر بالله وكذب بما نزل من عنده من الأوامر والنواهي الجارية بمقتضى وحيه على ألسنة رسله وكتبه في النشأة الاولى فقال
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وأنكروا بوحدة ذاته وسريان هويته الوحدانية الذاتية على جميع مظاهر الكائنات حسب شئون الأسماء والصفات بان أشركوا فيه سبحانه واثبتوا وجود الغير وادعوا ترتب الآثار عليه يُنادَوْنَ في الطامة الكبرى والنشأة الاخرى حين ظهر الحق واستقر على مقر العز والتمكين بكمال الاستقلال والاستحقاق وانقهر الباطل الزاهق الزائل واضمحل التلوين والتخمين لَمَقْتُ اللَّهِ اى طرده وتحريمه وتخذيله لكم اليوم أَكْبَرُ واقظع مِنْ مَقْتِكُمْ وتخذيلكم وتحريمكم أَنْفُسَكُمْ عن موائد لطفه وإحسانه سبحانه وقت إِذْ تُدْعَوْنَ أنتم بألسنة الأنبياء والرسل باذن الله ووحيه إِلَى الْإِيمانِ به وبتوحيده
стр. 835
فَتَكْفُرُونَ أنتم بالله حينئذ وتسترون شروق شمس ذاته بغيوم هوياتكم الباطلة جهلا وعنادا بل تشركون له في الألوهية وتعبدون لغيره كعبادته سبحانه وبعد ما سمعوا من النداء الهائل المهول
قالُوا بألسنة استعداداتهم متحسرين متضرعين رَبَّنا يا من ربانا على فطرة معرفتك وتوحيدك فكفرنا بك وأشركنا معك غيرك وقد ظهر لنا اليوم حقية ما ورد علينا من قبل لكن بعد ما قد أَمَتَّنَا وافيتنا في هويتك اثْنَتَيْنِ مرة في النشأة الاولى بانقضاء الأجل المقدر من عندك ومرة في النشأة الاخرى بعد النفخة الاولى وَكذا قد أَحْيَيْتَنَا وابقيتنا ببقائك مرتين اثْنَتَيْنِ مرة عند حشرنا من أجداث طبائعنا ومرة بعد النفخة الثانية للعرض والجزاء وبعد ما قد لاح علينا من دلائل توحيدك وكمال قدرتك وقوتك ما لاح فَاعْتَرَفْنا الآن بِذُنُوبِنا التي قد صدرت عنا من غاية غفلتنا ونهاية جهلنا بك وبقدرتك ووحدة ذاتك واستقلالك في عموم آثارك الصادرة عنك بالإرادة والاختيار وبالجملة قد صدر عنا ما صدر وقد وقع ما وقع فَهَلْ يبقى لنا اليوم مجال إِلى خُرُوجٍ مِنْ عذابك الذي أعددت لنا في سابق قضائك بمقتضى عدلك حسب جرائمنا وآثامنا من سَبِيلٍ موصل الى الخلاص والنجاة منه ثم بعد ما تضرعوا من شدة هولهم وفظاعة أمرهم ما تضرعوا نودوا من وراء سرادقات القهر والجلال
ذلِكُمْ اى العذاب الذي أنتم فيه اليوم ايها الضالون بِأَنَّهُ اى بسبب انه إِذا دُعِيَ وذكر اللَّهُ المتعزز برداء العظمة والكبرياء عندكم وَحْدَهُ اى على صرافة وحدته واستغنائه عن العالم وما فيه قد كَفَرْتُمْ به وانكرتم وجوده وبكمال أوصافه وأسمائه الذاتية وكذبتم رسله المبعوثين إليكم للتبليغ والتبيين وَقد كنتم أنتم من شدة بغيكم وعنادكم إِنْ يُشْرَكْ بِهِ ويثبت له شركاء دونه ظلما وزورا تُؤْمِنُوا وتقروا البتة بالشركاء وتعتقدوا وجودها وتصدقوا من تفوه بها فَالْحُكْمُ المحكم والقضاء المحتم المبرم اليوم ثابت لِلَّهِ المنزه ذاته عن ان يتردد في وحدته فكيف ان يشرك به الْعَلِيِّ الغنى شأنه عن ايمان المؤمن وكفر الكافر الْكَبِيرِ المتعالي وحدة ذاته عن ان يحوم حوله اقدام الإقرار والإنكار وكيف تنكرون سبحانه وتشركون معه غيره ايها المفسدون المفرطون مع انه سبحانه
هُوَ الله الكامل في الألوهية والربوبية الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ الدالة على وحدة ذاته وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ اى سماء الأسماء المربية لأشباحكم من لدنه رِزْقاً صوريا ومعنويا تتميما لتربيتكم وتكميلكم وَما يَتَذَكَّرُ ويتعظ منكم بآياته إِلَّا مَنْ يُنِيبُ اليه ويرجع نحوه طالبا الترقي من حضيض التقليد والتخمين الى ذروة التحقيق واليقين وإذ سمعتم كمال تربيته وتكميله سبحانه
فَادْعُوا اللَّهَ الواحد الأحد الفرد الصمد وتوجهوا نحوه واعبدوه حق عبادته ايها المكلفون بمعرفته وتوحيده حال كونكم مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ اى حاصرين مخصصين له الإطاعة والانقياد بلا رؤية الوسائل والأسباب العادية في البين وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ المكابرون إطاعتكم إياه ورجوعكم اليه هذا على وجه الإخلاص والاختصاص وكيف لا يدعون ولا يعبدون له سبحانه مع انه هو في ذاته
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ يعنى درجات قربه ووصوله رفيعة وساحة عز حضوره منيعة لا يسع لكل قاصد ان يحوم حولها الا بتوفيق منه سبحانه وجذب من جانبه ذُو الْعَرْشِ العظيم إذ لا ينحصر مقر استيلائه وظهوره بمظهر دون مظهر ومجلى دون مجلى بل له مجالي ما شاء الله وكيف لا وهو سبحانه بمقتضى تجليه الجمالي يُلْقِي الرُّوحَ على وجه الامانة ويمد ظلال أوصافه
стр. 836
وعكوس أسمائه مِنْ عالم أَمْرِهِ بمقتضى حبه الذاتي عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ اى اى على استعدادات مظاهره المستظلين تحت ظلال أسمائه وصفاته الممدودة المنبسطة عليهم وبعد القائه ومده إياهم قد كلفهم بما كلفهم من الأوامر والنواهي المصححة للعبودية اللازمة للالوهية والربوبية وانما كلفهم بما كلفهم لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ اى ليخوفهم ويحذرهم عن خجالة زمان الوصول والرجوع الى ربهم في النشأة الاخرى والطامة الكبرى التي تردّ فيها الأمانات الى أهلها على وجهها إذ هو
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ خارجون عن أجداث اجسادهم منخلعون عن خلعة تعيناتهم راجعون الى الله جميعا بأرواحهم محشورون عنده معروضون عليه بحيث لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ المحيط بهم مِنْهُمْ شَيْءٌ لا من أعيانهم وذواتهم ولا من أعمالهم وأحوالهم ونياتهم وبعد ما قد برزوا لله ورجعوا نحوه صائرين اليه فانين فيه قيل حينئذ من قبل الحق بعد فناء الكل فيه إظهارا لكمال قدرته واستقلاله في حوله وقوته وسطوة سلطنته وبسطته حسب وحدته لِمَنِ الْمُلْكُ اى ملك الوجود والتحقق والثبوت فأجيب ايضا من قبله بعد ما تحقق ان الْيَوْمَ لا موجود فيه سواه ولا شيء غيره حتى يجيب لِلَّهِ الْواحِدِ الأحد من كل الوجوه الْقَهَّارِ المعدم المحيّاء لنقوش السوى والأغيار وعكوس عموم الاظلال والأمثال عن دفتر الوجود ومشهد الشهود وبعد ما قد استقر واستوى سبحانه على الملك المطلق بالأصالة والاستحقاق وعلى عروش عموم ما قد كان ويكون في أزل الآزال وابد الآباد أشار الى سرائر ما ظهر منه من الأوامر والنواهي في النشأة الاولى فقال
الْيَوْمَ اى يوم الجزاء والنشأة الاخرى تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ اى طبق ما كسبت واقترفت في النشأة الاولى التي هي نشأة التكليف والاختبار بلا ازدياد عليه ولا تنقيص عنه إذ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ اى يوم الجزاء لأنه انما وضع لتظهر فيه العدالة الإلهية والقسط الحقيقي بل تجزى فيه كل من النفوس حسب ما صدر عنها خيرا وشرا نفعا وضرا إِنَّ اللَّهَ المطلع على عموم ما ظهر وبطن من احوال عباده سَرِيعُ الْحِسابِ عليهم بلا فترة وتلبس إذ لا يشغله شأن عن شأن ولا يطرأ عليه سهو ونسيان
وَبالجملة أَنْذِرْهُمْ وحذرهم يا أكمل الرسل يعنى عموم المكلفين يَوْمَ الْآزِفَةِ اى القرب والمشارفة على العذاب الأبدي حين احضروا على شفير جهنم للطرح فيها إِذِ الْقُلُوبُ اى قلوب أولئك المحضرين ترتفع وتعلو حينئذ لَدَى الْحَناجِرِ يعنى تلتصق يومئذ قلوبهم بحلاقيمهم من شدة هولهم واضطرابهم وقد كانوا حينئذ كاظِمِينَ مملوين من الكآبة والحزن المفرط وانواع الغموم والخذلان وبالجملة ما لِلظَّالِمِينَ المفسدين المسرفين حينئذ مِنْ حَمِيمٍ قريب قرين يدركهم ويتولى أمرهم ويسعى في استخلاصهم وَلا شَفِيعٍ لهم يُطاعُ اى يسمع شفاعته لأجلهم ويقبل منه مع انه سبحانه
يَعْلَمُ منهم بعلمه الحضوري خائِنَةَ الْأَعْيُنِ اى خيانتهم التي يتغامزون بعيونهم نحو محارم الله بلا خيانة صدرت عنهم ظاهرا فكيف بما أتوا بها جهرا وعلانية وَبالجملة يعلم سبحانه منهم عموم ما تُخْفِي الصُّدُورُ اى صدورهم من ميل الشهوات المحرمة بلا مباشرة الآلات
وَبالجملة اللَّهُ المطلع بظواهرهم وضمائرهم يَقْضِي ويحكم بهم ويجازى عليهم بمقتضى علمه وخبرته من أعمالهم وأحوالهم بِالْحَقِّ على الوجه الأعدل الاقسط بلا حيف وميل إظهارا لكمال عدالته وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ سبحانه من الأصنام والأوثان لا يَقْضُونَ ولا يحكمون لا لهم ولا عليهم يعنى آلهتهم بِشَيْءٍ من نفع وضر وخير وشر إذ هي جمادات هلكى لا شعور لها إِنَّ اللَّهَ القادر المقتدر
стр. 837
على انواع الانعام والانتقام هُوَ السَّمِيعُ لجميع ما صدر من ألسنة استعداداتهم الْبَصِيرُ بعموم ما لاح وظهر على هياكلهم وهوياتهم. ثم أشار سبحانه الى تقريع اهل الزيغ والضلال وتفضيح اصحاب العناد والجدال فقال مستفهما مستبعدا مستنكرا إياهم
أَينكرون أولئك المعاندون المفرطون قدرتنا على أخذهم وانتقامنا عنهم وَلَمْ يَسِيرُوا ولم يسافروا فِي الْأَرْضِ الموروثة لهم من أسلافهم الذين قد أسرفوا على أنفسهم أمثالهم فَيَنْظُرُوا بنظر التأمل والاعتبار ليظهر عندهم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المفسدين المسرفين الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ مستقرين عليها متمكنين فيها مترفهين أمثالهم بل قد كانُوا هُمْ اى أسلافهم أَشَدَّ مِنْهُمْ اى من هؤلاء الأخلاف الأجلاف قُوَّةً وقدرة واكثر أموالا وَآثاراً فِي الْأَرْضِ حصونا وقلاعا وأخاديد وغير ذلك مما صدر من ذوى الأحلام السخيفة المقيدين بسلاسل الحرص وأغلال الآمال الطويلة أمثال انباء زماننا هذا ومع ذلك ما اغنى عنهم مخايلهم وأموالهم شيأ من غضب الله وعذابه حين حل عليهم لا دفعا ولا منعا بل فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ المنتقم الغيور منهم بِذُنُوبِهِمْ التي صدرت عنهم على سبيل البطر والغفلة فاستأصلهم بالمرة وَبالجملة ما كانَ لَهُمْ حينئذ مِنْ عذاب اللَّهُ المقتدر الغيور وبطشه مِنْ واقٍ حفيظ لهم يمنع عذاب الله عنهم
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ اى ما ذلك البطش والانتقام الا بسبب انهم من شدة عتوهم وعنادهم قد كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ من قبل الحق مؤيدين بِالْبَيِّناتِ الواضحة والبراهين القاطعة من انواع الآيات والمعجزات الساطعة فَكَفَرُوا بالله وبهم أمثال هؤلاء التائهين في بيداء الغفلة والغرور وأنكروا على حججهم وبيناتهم ونسبوها الى السحر والشعبذة ولهذا قد أظهروا على رسل الله بأنواع المكابرة والعناد فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ القدير الحكيم الحليم العليم بكفرهم وعتوهم بعد ما امهلهم زمانا يترددون فيما يرومون ويقصدون فيه وكيف لا يأخذهم سبحانه إِنَّهُ قَوِيٌّ مطلق ومقتدر كامل سيما على من ظهر عليه وخرج عن ربقة عبوديته شَدِيدُ الْعِقابِ صعب الانتقام اليم العذاب على من كذب وتولى عن رسله الكرام
وَاذكر يا أكمل الرسل لَقَدْ أَرْسَلْنا من مقام عظيم جودنا أخاك مُوسى الكليم وأيدناه بِآياتِنا القاطعة الساطعة الدالة على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ اى بحجة واضحة دالة على صدقه في رسالته ودعوته
إِلى فِرْعَوْنَ الباغي الطاغي الذي قد بالغ في العتو والعناد حيث تفوه بكلمة أنا ربكم الأعلى وَهامانَ المصدق لطغيانه المعاون على عتوه وعدوانه وَقارُونَ المباهي بالثروة والغنى على اقرانه وعموم اهل عصره وزمانه وبعد ما قد بلغ الكليم الدعوة إليهم واظهر المعجزة عندهم وعليهم فَقالُوا بلا مبالاة وبلا تردد وتأمل فيما سمعوا وشاهدوا منه ما هذا المدعى الا ساحِرٌ في عموم بيناته كَذَّابٌ في جميع دعوته يعنى فاجؤا على التكذيب والإنكار بلا مبالاة به وبشأنه وأصروا على ما هم عليه من العتو والاستكبار
فَلَمَّا جاءَهُمْ موسى ملتبسا بِالْحَقِّ مؤيدا مِنْ عِنْدِنا وآمن له بنوا إسرائيل حين عاينوا منه الآيات الكبرى والبينات العظمى قالُوا يعنى فرعون اصالة وملئه تبعا لأعوانهم واتباعهم اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ يعنى أعيدوا على بنى إسرائيل الزجر الشنيع الذي قد كنتم تفعلون معهم من قبل وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ للزواج والوقاع تعييرا عليهم وتقريعا مستلزما لانواع الاهانة والاستحقار يعنى انهم قد قصدوا المقت والمكر على أولئك المؤمنين بقولهم هذا وَ
стр. 838
هم ما فطنوا انهم هم الممقوتون الممكورون حقيقة إذ ما كَيْدُ الْكافِرِينَ وما مكرهم وحيلتهم حيث كادوا ومكروا على اهل الحق إِلَّا فِي ضَلالٍ اى هلاك وبوار وضياع وخسار لذلك لم ينالوا على ما قصدوا وأملوا بل قد عاد عليهم ولحق بهم تلك الوبال والنكال بأضعاف ما قصدوا إياهم ومكروا لأجلهم
وَبعد ما قد ظهر شأن موسى الكليم وعلا قدره وانتشر بين الناس حجته وبرهانه قالَ فِرْعَوْنُ لملائه وهم الذين قد قالوا له حين ظهر غلبة موسى على سحرته فقصد قتله لا تقتله حتى لا يظهر مغلوبيتك منه عند الناس مع انك تدعى الألوهية ذَرُونِي واتركوني على حالي أَقْتُلْ مُوسى الآن وحدي وَلْيَدْعُ رَبَّهُ لان يمنعني عن قتله او لأجله يعنى انا لا أبالي به وبربه بل إِنِّي أَخافُ عليكم انه لو لم اقتله أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وانقيادكم على بسحره أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ اى النهب والغارة في أطراف المملكة واكناف البلاد وان لم يقدر على تغيير دينكم وعقائدكم
وَبعد ما قد وصل الى موسى الكليم ما قصد له العدو اللئيم قالَ مُوسى متوكلا على الله مفوضا عموم أموره اليه إِنِّي عُذْتُ والتجأت بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ الواحد الأحد الفرد الصمد المراقب على حفظ عباده الخلص ايها المؤمنون سيما مِنْ شر كُلِّ مُتَكَبِّرٍ متناه في الكبر والخيلاء بمقتضى اهويته الباطلة وآرائه الفاسدة إذ هو لا يُؤْمِنُ ولا يصدق بِيَوْمِ الْحِسابِ حتى يرتدع من أمثال هذه الجرأة على رسل الله وعلى خلص عباده فانه سبحانه يكفى عنى مؤنة شره وضره
وَبعد ما قد صمم فرعون العزم لقتل موسى وجزم لمقته وهلاكه قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ موحد ما كان له اعتقاد بالوهية فرعون وان كان هو مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ومن شيعته وأقوامه لكن كان يَكْتُمُ إِيمانَهُ منهم أَتَقْتُلُونَ ايها المتكبرون المسرفون المفرطون رَجُلًا موحدا بمجرد أَنْ يَقُولَ بالله حقا رَبِّيَ اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الشريك والنظير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وَالحال انه قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ الواضحة والمعجزات اللائحة مِنْ قبل رَبِّكُمْ الذي أوجدكم من كتم العدم وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ اى وبال كذبه عائد عليه ونكاله آئل اليه وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ البتة بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ به بمقتضى وحى الله والهامه إياه وبالجملة إِنَّ اللَّهَ الهادي لعباده الى سبيل الرشد لا يَهْدِي ولا يوفق على الهداية كل مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ في فعله كَذَّابٌ في قوله فلا حاجة الى قتله ودفعه إذ قد يزهق عن قريب ان كان كاذبا ثم ناداهم وخاطبهم مضيفا لهم الى نفسه امحاضا للنصح واشتراكا معهم في يوم الوبال النازل عليهم فقال
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ اى ملك العمالقة مختصة لكم اليوم بلا منازع ولا مخاصم مع كونكم ظاهِرِينَ غالبين فِي اقطار الْأَرْضِ على عموم الناس الحمد لله والمنة فلا ترتكبوا فعلا جالبا لغضب الله عليكم بل اتركوا قتله والا بعد ما قد قتلتموه عدوانا وظلما فَمَنْ يَنْصُرُنا وينقذنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ المنتقم الغيور وعذابه إِنْ جاءَنا ونزل علينا بقتل هذا الصديق الصادق الصدوق في الدعوى والرسول المرسل من عند الله ﵎ لو نزل بنا كيف نرفعه وندفعه قيل هذا القائل المؤمن هو ابن عم فرعون وهو عنده من المقربين. ثم لما سمع فرعون كلامه المشتمل على محض العظة والنصيحة قالَ فِرْعَوْنُ على سبيل الطرح والتعريض ما أُرِيكُمْ وأشير إليكم في دفع هذا المدعى المفسد إِلَّا ما أَرى بموافقة عقلي واستصوبه رأيى واستقر عليه فكرى وهو ان نقتله لندفع شره وَاعلموا
стр. 839
ايها الملأ ما أَهْدِيكُمْ بقولي هذا وهو امرى بقتله إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ الموصل الى نجاتكم وخلاصكم من مفسدة هذا المدعى الساحر
وَبعد ما قد أكد فرعون امر القتل وبالغ في تصميم العزم قالَ الرجل الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ ناداهم وأضافهم الى نفسه إظهارا لكمال الاختصاص والشفقة إِنِّي بمقتضى عقلي أَخافُ عَلَيْكُمْ عذاب يوم هائل شديد مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ الهالكين المستأصلين بحلول عذاب الله عليهم فيه لان دأبكم وديدنتكم في الخروج عن حدود الله ومقتضيات امره وأحكامه والظهور على رسله وتكذيبكم إياهم ليس الا
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَمثل سائر المكذبين المسرفين المفرطين الَّذِينَ قد ظهروا على الرسل وكفروا به سبحانه مِنْ بَعْدِهِمْ فلحقهم من العذاب ما لحقهم وكذلك يحل عليكم مثل ما قد حل عليهم لو تقتفوا أثرهم بالخروج عن مقتضى الحدود الإلهية وَالا مَا اللَّهُ العليم الحكيم يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ المتحرزين عن مطلق الجرائم والآثام المنافية للحدود الإلهية فلا يعاقب من لا ذنب له ولا يحل عليه عذابه
ثم ناداهم القائل الموحد ايضا على سبيل التأكيد والمبالغة تتميما لما يخفى في صدره من ترويج الحق وتقوية الرسل المرسلين به فقال وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ اى العذاب الموعود في يوم القيامة سميت به لتفرق الناس فيه وفرار كل منهم من أخيه وأبيه وامه وبنيه
وأخاف ايضا يَوْمَ تُوَلُّونَ وتنصرفون عن موقف العرض والحساب مُدْبِرِينَ قهقرى هاربين فارين من كثرة الآثام والجرائم الجالبة لانواع العذاب وبالجملة تخيلوا ايها المسرفون وتخمنوا في نفوسكم ما لَكُمْ يومئذ مِنَ غضب اللَّهِ المنتقم الغيور ومن حلول عذابه عليكم مِنْ عاصِمٍ يعصمكم ويدفع عنكم عذابه وَبالجملة اعلموا انه مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ المضل حسب قهره وجلاله ويحمله على ما لا ينبغي له ولا يرضى منه سبحانه بل انما ابتلاه وحمله عليه فتنة واختيارا فَما لَهُ مِنْ هادٍ اى قد ظهر انه ما له هاد يهديه الى ما يعنيه ويليق بحاله ويرضى منه سبحانه
ثم قال القائل المذكور تسجيلا على غيهم وضلالهم وَكيف تستبعدون نبوة هذا المدعى ورسالته من عند الله مع انه ليس ببدع منه بل لَقَدْ جاءَكُمْ على آبائكم واسلافكم يُوسُفُ بن يعقوب رسولا مِنْ قَبْلُ اى من قبل هذا المدعى مؤيدا من عند الله سبحانه بِالْبَيِّناتِ المبينة الموضحة لدعواه ورسالته مثل هذا المدعى المؤيد فَما زِلْتُمْ قد كنتم دائما مستمرا سلفا وخلفا فِي شَكٍّ وتردد مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ من امر الدين وشأن التوحيد واليقين حَتَّى إِذا هَلَكَ ومات يوسف ﵇ وانقرض زمانه قُلْتُمْ من شدة تعنتكم وعنادكم على سبيل الجزم بلا دليل وبرهان لاح عليكم لا نقلا ولا عقلا لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ ولن يرسل مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا مع انكم قد كنتم شاكين في رسالته ايضا بل في مطلق الرسالة والإنزال والاخبار من الله الواحد القهار كَذلِكَ اى مثل ضلالكم هذا يُضِلُّ اللَّهُ المضل حسب قهره وجلاله عموم مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ في الخروج عن مقتضى الحدود الموضوعة لحفظ القسط الإلهي والاعتدال الحقيقي مُرْتابٌ متردد شاك فيما تثبته البينات الواضحة والمعجزات اللائحة
وبالجملة المسرفون المكابرون الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ الدالة على توحيده واستقلاله بالتصرفات الواقعة في ملكه وملكوته مع ان جدالهم هذا قد صدر عنهم بِغَيْرِ سُلْطانٍ اى بلا حجة قاطعة وبرهان واضح أَتاهُمْ على وجه الإلهام او الوحى والبيان وبالجملة قد كَبُرَ وعظم
стр. 840
حالهم وشأنهم هذا مَقْتاً اى ليكون سببا لمقتهم وهلاكهم عِنْدَ اللَّهِ اصالة وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله وبكمال قدرته على انواع الانعام والانتقام تبعا كَذلِكَ اى مثل ما سمعت يا أكمل الرسل من الإصرار والاستكبار يَطْبَعُ ويختم اللَّهِ العليم الحكيم عَلى كُلِّ قَلْبِ مجبول على الشقاوة والضلال في أزل الآزال مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ يمشى على الأرض خيلاء ويضر باهلها وانما امهله سبحانه هكذا ليوفر عليه العذاب المعد له ويخلده في نار القطيعة والحرمان ابدا الآباد
وَبعد ما ظهر امر موسى وانتشر دينه بين الناس ودعوته الى الله الواحد الأحد الموجد للسموات العلى والأرضين السفلى ومالت النفوس اليه حسب فطرتها الاصلية لوضوح براهينه وسطوع معجزاته قالَ فِرْعَوْنُ مدبرا في دفع موسى متأملا في شأنه مشاورا مع وزيره آمرا له مناديا إياه يا هامانُ قد وقع ما نخاف منه من قبل ابْنِ لِي صَرْحاً بناء رفيعا ظاهرا عاليا من جميع الابنية والقصور لَعَلِّي بالارتفاع اليه والعروج نحوه أَبْلُغُ الْأَسْبابَ المؤيدة لأمر موسى يعنى
أَسْبابَ السَّماواتِ والمؤثرات العلوية فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى واسأل منه امره أهو صادق في دعواه او كاذب وَإِنِّي بمقتضى عقلي ورأيى وفراستي لَأَظُنُّهُ كاذِباً ساحرا مفتريا على ربه ترويجا لسحره وتغريرا لضعفاء الأنام قيل امر ببناء رصد ليطلع على قوة طالع موسى وضعفه وَكَذلِكَ اى مثل ما سمعت قد زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ اى حسن الله له تدبيره الذي تأمل في دفع موسى ابتلاء منه سبحانه إياه وتضليلا وَصُدَّ وانصرف فرعون بأمثال هذه الأفكار الفاسدة عَنِ السَّبِيلِ السوى الموصل الى توحيد الحق وَبالجملة ما كَيْدُ فِرْعَوْنَ ومكره الذي دبره لدفع موسى ما وقع إِلَّا فِي تَبابٍ هلاك وخسار وَبعد ما قد الزمهم القائل المذكور بأنواع الإلزام وأسكتهم بالدلائل القطعية واضطروا وتحيروا في شأن موسى ودفعه
قالَ القائل الَّذِي آمَنَ له وكتم إيمانه منهم يا قَوْمِ ناداهم لينقلبوا اليه بكمال الرغبة اتَّبِعُونِ واستصوبوا رأيى واقبلوا قولي أَهْدِكُمْ انا سَبِيلَ الرَّشادِ وطريق الصدق والسداد
يا قَوْمِ ما شأنكم وأمركم في دار الفتن والغرور ومنزلة الغفلة والثبور ومخايلكم بشأنها وما قراركم عليها وثباتكم فيها واعلموا إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ مستعار بلا قرار ومدار وبلا ثبوت واعتبار وَإِنَّ الْآخِرَةَ المعدة لذوي البصائر واولى الأبصار هِيَ دارُ الْقَرارِ واعلموا ايها المجبولون على فطرة التكليف ان
مَنْ عَمِلَ في النشأة الاولى سَيِّئَةً جالبة لغضب الله مستتبعة لعذابه فَلا يُجْزى في النشأة الاخرى إِلَّا مِثْلَها بمقتضى العدل الإلهي وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مستجلبا لنعم الله مريدا لموائد كرمه سواء كان مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَالحال انه هُوَ مُؤْمِنٌ موقن بتوحيد الله مصدق لرسله وكتبه فَأُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ في النشأة الاخرى يُرْزَقُونَ فِيها رزقا صوريا ومعنويا رغدا واسعا بِغَيْرِ حِسابٍ اى بلا تقدير وموازنة مثل أرزاق الدنيا وقال القائل المذكور ايضا على سبيل الملاينة والمجاراة في صورة المناصحة والمقابلة ايقاظا لهم من سنة الغفلة بمقتضى المرحمة وتتميما للغرض المسوق له الكلام
وَيا قَوْمِ ما لِي اى أى شيء عرض علىّ ولحق بي أَدْعُوكُمْ انا من كمال عطفي ومرحمتى إياكم إِلَى النَّجاةِ من عذاب الله ومن حلول قهره وغضبه عليكم والى دخول الجنة المشتملة على انواع اللذات الجسمانية والروحانية المعدة لأهل التوحيد والايمان وَأنتم تَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ
стр. 841
المعدة لأصحاب الخيبة والخذلان إذ
تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ الواحد الأحد الصمد المتفرد بالالوهية وأنكر وجوده واستقلاله فيه وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ اى أشرك به سبحانه شيأ لم يتعلق علمي بألوهيته وشركته مع الله لا يقينا ولا ظنا ولا وهما إذ هو جماد لا شعور له وَأَنَا أَدْعُوكُمْ بمقتضى الوحى الإلهي المنزل على رسل الله المؤيدين بالعقل الفطري المفاض لهم من لدنه ليرشدوا به خواص عباده سبحانه إِلَى الْعَزِيزِ القادر الغالب في امره بلا فتور وقصور الْغَفَّارِ الستار لنقوش السوى والأغيار مطلقا
لا جَرَمَ قد حق وثبت حقا حتما ثابتا أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وتميلوننى نحوه لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ اى لا يتأتى منه لا الدعوة ولا الهداية ولا الإرشاد لا فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ إذ لا يتيسر للجماد دعوة الإنسان وتكليمه مطلقا وَبعد ما اتضح امر آلهتكم وعدم لياقتهم بالالوهية والربوبية قد ظهر أَنَّ مَرَدَّنا ومرجعنا يعنى انا وأنتم وسائر العباد والمظاهر عموما وخصوصا إِلَى اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الحقيق بالحقية اللائق بالالوهية والربوبية بلا توهم الشركة والنزاع رجوع الاظلال الى الأضواء والأمواج الى الماء وَقد ظهر ايضا أَنَّ الْمُسْرِفِينَ الخائضين في توحيده سبحانه بالهذيانات التي تركبها اوهامهم وخيالاتهم بلا تأييد من وحى الهى وعقل فطري هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ملازموها وملاصقوها لا نجاة لهم منها ابد الآباد وبالجملة
فَسَتَذْكُرُونَ أنتم ايها الممكورون الممقوتون حين تعاينون وتدخلون النار ما أَقُولُ لَكُمْ على وجه النصح من شأن العذاب الموعود لكم في النشأة الاخرى وبعد ما سمعوا منه ما سمعوا من الوعيدات الهائلة اضمروا في نفوسهم عداوته والإنكار عليه وقصدوا مقته ضمنا وَلما تفرس هو ايضا منهم السوء قال مسترجعا الى الله متوكلا عليه متحننا نحوه أُفَوِّضُ أَمْرِي اى امر حفظي وحضانتى من شروركم إِلَى اللَّهِ المراقب على محافظة عباده المتوكلين عليه المتوجهين نحو جنابه يكفى بمقتضى لطفه وجوده مؤنة شروركم عنى واساءتكم على إِنَّ اللَّهَ المقتدر العليم بَصِيرٌ بِالْعِبادِ الخلص وما تكنّه ضمائرهم من الإخلاص والاختصاص قيل قد فرّ منهم الى جبل فأرسل فرعون جماعة لطلبه فلحقوه وهو في الصلاة والوحوش حوله صافين حافين يحرسونه عما يضره فلم يظفروا عليه فرجعوا خائبين فقتلهم فرعون أجمعين وبالجملة
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا اى حفظه الله الرقيب المراقب عليه من شدائد مكرهم وإساءتهم عليه وَحاقَ وأحاط بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ النازل عليهم من عند الله العزيز الغيور ألا وهي
النَّارُ المعدة لتعذيب اصحاب الشقاوة الازلية الابدية ولهذا يُعْرَضُونَ عَلَيْها يعنى فرعون وآله على النار حال كونهم في برزخ القبر ايضا غُدُوًّا وَعَشِيًّا دائما في جميع الأزمان والأحيان قبل انقراض النشأة الاولى وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يحشرون من قبورهم صرعى مبهوتين قيل لهم حينئذ من قبل الحق بلا سبق كشف وتفتيش عن حالهم أَدْخِلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ اى افزعه وأفظعه وأخلده او قيل للملائكة الموكلين عليهم لتعذيبهم ادخلوا ايها الملائكة آل فرعون أشد العذاب وأسوأ النكال والوبال وهو تخليدهم في نار القطيعة على القرائتين. ثم قال سبحانه
وَاذكر يا أكمل الرسل للمعتبرين من المكلفين وقت إِذْ يَتَحاجُّونَ ويتخاصمون اى اصحاب النار فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ منهم من الأراذل والاتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لرؤسائهم ومتبوعيهم المستكبرين عليهم المستتبعين لهم في النشأة الاولى إِنَّا قد كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في الدنيا بل أنتم اضللتمونا عن
стр. 842
متابعة الرسل الهادين فَهَلْ أَنْتُمْ اليوم مُغْنُونَ دافعون مانعون عَنَّا نَصِيباً جزأ وشيأ قد صار حظنا مِنَ النَّارِ النازلة علينا بسبب اتباعنا إياكم واقتفائنا اثركم وتديننا بدينكم وخصلتكم
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا اى الرؤساء المتبوعون إِنَّا اى نحن وأنتم كُلٌّ منا معذبون فِيها اى في النار لا يتيسر لاحد منا ومنكم ان يدفع شيأ منها إِنَّ اللَّهَ المنتقم الغيور قَدْ حَكَمَ بَيْنَ عموم الْعِبادِ بان ادخل بعضا منهم في الجنة بمقتضى فضله وبعضا في النار حسب عدله وبالجملة لا معقب لحكمه هذا وهو شديد المحال
وَاذكر يا أكمل الرسل لأصحاب العبرة والاستبصار ما قالَ الَّذِينَ كفروا حال كونهم فِي النَّارِ محزونين صاغرين لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ وهي اعمق اماكن النار واغورها ادْعُوا رَبَّكُمْ ايها الخزنة حسبة لله واستشفعوا منه سبحانه لأجلنا وان لم يغفر لنا ولم يعف عن جرائمنا ولم يخرجنا من النار يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً اى مقدار يوم واحد مِنَ الْعَذابِ الدائم المستمر حتى نتنفس فيه ونستريح
قالُوا اى الخزنة في جوابهم تهكما وتوبيخا على وجه التجاهل أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ ايها الحمقى الهالكون في تيه البعد والضلال رُسُلُكُمْ المبعوثون إليكم بِالْبَيِّناتِ الواضحة الدالة على قبول الإنذارات الصادرة من الله اصالة ومنهم تبعا وبعد ما سمعوا من الخزنة ما سمعوا قالُوا متأوهين متأسفين متحسرين بَلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ان أنتم الا تكذبون قالُوا اى الخزنة بعد ما سمعوا ان أنتم الا في ضلال مبين فَادْعُوا على حالكم بلا استشفاع منا إذ نحن لا نجترئ بالشفاعة عنده والاستغفار منه سبحانه لأمثالكم إذ لا يقبل الدعاء منا ومنكم في مثل هذه الجرائم الكبيرة وَبالجملة ما دُعاءُ الْكافِرِينَ المصرين على كفرهم في النشأة الاولى التي هي دار الاختبار لاستخلاصهم في النشأة الاخرى التي هي دار القرار إِلَّا فِي ضَلالٍ ضياع وخسار بحيث لا يسمع من احد أمثال هذا الدعاء ولا يجاب له ولا يقبل منه. ثم قال سبحانه وعدا للمؤمنين وحثا لهم على تصديق رسل الله وكتبه
إِنَّا من مقام عظيم جودنا ولطفنا لَنَنْصُرُ ونعاون رُسُلَنا الذين هم حملة وحينا وحفظة ديننا وَكذا المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا بهم واسترشدوا منهم طريق الهداية واجتنبوا بسببهم عن الغي والضلال فِي الْحَياةِ الدُّنْيا التي هي نشأة الفتن والاختبارات الإلهية بتوفيقهم على العمل الصالح وردعهم عن المفاسد والمنكرات وَننصرهم ايضا نصرة تامة يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ اى يوم القيامة التي يقوم فيها الشهود العدول من الملائكة والنبيين والمؤمنين لنصرة المؤمنين ومقت الكافرين وذلك
يَوْمَ اى يوم لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية في النشأة الدنيا مَعْذِرَتُهُمْ التي أتوا بها يومئذ إذ قد انقضى حينئذ وقت التلافي والتدارك ومضى زمان الاختبار وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ يومئذ نازلة والطرد والتبعيد عن ساحة عز الحضور حاصل وَبالجملة لَهُمُ يومئذ سُوءُ الدَّارِ المعدة لأصحاب الخسار والبوار ألا وهي جهنم البعد والخذلان. أعاذنا الله وعموم عباده عنها. ثم قال سبحانه تسلية لحبيبه وتوطينا له على تحمل أعباء الرسالة الجالبة لانواع المكروهات من النفوس المجبولة على الشقاوة والضلال والتصبر على اذياتهم
وَالله لَقَدْ آتَيْنا من كمال فضلنا وجودنا أخاك مُوسَى الكليم الْهُدى اى الشرائع والمعجزات الدالة على كمال الهداية والإرشاد الى سبيل الرشد والسداد وَبعد انقراض موسى قد أَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ اى التوراة المنزل عليه وابقيناه بينهم ليكون
هُدىً لهم هاديا الى ما هديهم موسى
стр. 843
من الأمور الدينية وَليكون ذِكْرى اى عظة وتذكيرا يتذكرون بها الى ما يرومونه من المقاصد الدينية والمعالم اليقينية لا لكل احد من العوام بل لِأُولِي الْأَلْبابِ الألباء المستكشفين عن سرائر الأمور الدينية بمقتضى العقول المستقيمة المفاضة لهم من المبدأ الفياض ومع ذلك قد سمعت يا أكمل الرسل قصص أولئك الهالكين في تيه العتو والعناد وما جرى بينهم وبين الرسل المبعوثين إليهم من التحارب والتنازع المفضى الى أذى الأنبياء العظام والرسل الكرام فصبروا على أذاهم الى ان ظفروا عليهم بنصر الله إياهم وإعلاء دينه المنزل عليهم من لدنه سبحانه
فَاصْبِرْ أنت ايضا يا أكمل الرسل على ما اصابك من اذيات هؤلاء الجهلة المستكبرين المعاندين معك وانتظر الى ما وعدك الحق من النصر والظفر وإعلاء دين الإسلام وإظهاره على الأديان كلها إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ العليم القدير الحكيم الخبير حَقٌّ ثابت محقق إنجازه ووفاؤه الا انه مرهون بوقته فسينصرك ويغلبك على عموم أعدائك عن قريب ويبقى آثار هدايتك وارشادك بين أوليائك الى النشأة الاخرى وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ واشتغل في عموم أوقاتك بالاستغفار لفرطاتك ليكون استغفارك هذا سنة سنية لأمتك وَسَبِّحْ ايضا بِحَمْدِ رَبِّكَ في جميع أوقاتك وحالاتك إذ كل نفس من أنفاسك يستلزم شكرا منك سيما بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ اى في أول النهار وآخرها إذ هما وقتان خاليان عن تزاحم الاشتغال وتفاقم الآمال وبالجملة كن مع ربك في عموم احوالك واطوارك يكف عنك مؤنة جميع من عاداك وعاندك ويكف عنك إذا هم. ثم قال سبحانه
إِنَّ المشركين المعاندين الَّذِينَ يُجادِلُونَ ويخاصمون معك يا أكمل الرسل فِي آياتِ اللَّهِ المنزلة عليك لتأييد دينك وشأنك على وجه المكابرة والعناد بِغَيْرِ سُلْطانٍ اى بلا حجة وبرهان أَتاهُمْ وفاض عليهم من قبل ربهم على طريق الوحى والإلهام بل إِنْ فِي صُدُورِهِمْ اى وما في قلوبهم شيء يبعثهم على المجادلة ويغريهم إليها إِلَّا كِبْرٌ وخيلاء منهم مركوز في جبلتهم ثقة لثروتهم ورئاستهم على زعمهم الفاسد مع انهم ما هُمْ بِبالِغِيهِ على مقتضى ما جبلوا في نفوسهم إذ هم سيغلبون عن قريب في هذه النشأة الاولى ويحشرون في الاخرى الى جهنم البعد والخذلان وبالجملة فَاسْتَعِذْ أنت ايها النبي الصادق الصدوق بِاللَّهِ القادر القوى والتجئ اليه سبحانه عن غدر كل غادر إِنَّهُ سبحانه هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْبَصِيرُ بنياتهم ويكفيك مؤنة ما يقصدون عليك بمقتضى آرائهم الباطلة واهوائهم الفاسدة ومن أعظم ما يجادلون فيه أولئك المعاندون المكابرون امر الساعة والمعاد الجسماني وبعث الموتى من قبورهم وحشرهم نحو المحشر والله لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى اظهار العلويات والسفليات من كتم العدم على سبيل الإبداع في النشأة الاولى أَكْبَرُ وأعظم مِنْ خَلْقِ النَّاسِ واعادتهم احياء في النشأة الاخرى وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ عظم قدرة الحق وكمال اقتداره على عموم ما دخل في حيطة علمه الشامل وارادته الكاملة لقصور نظرهم عن ادراك الحق وصفاته الكاملة الكافية في ذاته ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. ثم أشار سبحانه الى تفاوت طبقات عباده في العلم بالله والجهل به وبصفاته فقال
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى الغافل الزاهل عن ظهور ذات الحق وتجليه بمجالى الأنفس والآفاق بمقتضيات أوصافه العظمى وأسمائه الحسنى وَالْبَصِيرُ العارف المكاشف بوحدة الحق وظهوره سبحانه على هياكل عموم ما ظهر وبطن حسب شئونه وتطوراته الذاتية وَلا المصلحون المحسنون الَّذِينَ آمَنُوا بالله واعتقدوا توحيده وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقبولة عنده سبحانه من الأعمال والأفعال
стр. 844
المترتبة على الايمان واليقين وَلَا الْمُسِيءُ اى الذين يسيئون الأدب مع الله وهم الكفرة الذين لا يؤمنون بالله ولا يتصفون بتوحيده بل هم يسترون شروق شمس ذاته بغيوم هوياتهم الباطلة واظلال انانياتهم الزائلة المضمحلة في شمس الذات لذلك عملوا عملا سيّئا حسب ما تهواه أنفسهم الخبيثة وأحلامهم السخيفة لكن قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ اى ما تتذكرون وتتفطنون على عدم المساواة الا تذكرا قليلا ولهذا تنكرون البعث والحشر وكيف تنكرونه
إِنَّ السَّاعَةَ الموعودة على ألسنة عموم الأنبياء والرسل لَآتِيَةٌ البتة بحيث لا رَيْبَ فِيها اى في مجيئها ووقوعها بوضوح الدلائل العقلية الدالة على إمكان اعادة المعدوم مع انها مؤيدة بالوحي والإلهام الإلهي على عموم الأنبياء والرسل الكرام وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بها ولا يصدقون بوقوعها وقيامها لانحطاطهم عن مرتبة الخلافة المترتبة على فطرة التوحيد واليقين
وَبعد ما أشار سبحانه الى مرتبة كلا الفريقين الموحد والمشرك أشار الى من توجه نحوه سبحانه متحننا وقصد تجاه توحيده مجتهدا ودعا اليه متضرعا فأجاب له وأنجح مطلوبه حيث قالَ رَبُّكُمُ الذي رباكم على فطرة التوحيد والعرفان ادْعُونِي ايها المكلفون بمقتضى العقل المفاض حق دعوتي وتوجهوا الى مخلصين بلا رؤية الوسائل والأسباب العادية في البين أَسْتَجِبْ لَكُمْ دعوتكم وأوصلكم الى مقصدكم ومقصودكم الذي هو توحيد الذات فعليكم ان لا تستكبروا عن عبادتي وإطاعتي وبالجملة إِنَّ المسرفين الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ ويستنكفون عَنْ عِبادَتِي حسب آرائهم الباطلة واهوائهم الفاسدة سَيَدْخُلُونَ في يوم الجزاء جَهَنَّمَ الحرمان والخذلان داخِرِينَ صاغرين ذليلين مهانين وكيف يستنكفون ويستكبرون عن عبادة الفاعل على الإطلاق المنعم بالاستقلال والاستحقاق مع انه
اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد المتصف بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مظلما باردا لِتَسْكُنُوا وتستريحوا فِيهِ بلا ضرر وعناء وَايضا قد جعل لكم النَّهارَ مُبْصِراً لتكسبوا فيه معايشكم وتجمعوا حوائجكم وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المنعم المفضل على عباده لَذُو فَضْلٍ عظيم وكرامة كاملة شاملة عَلَى عموم النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المجبولين على فطرة النسيان والكفران لا يَشْكُرُونَ نعمه ولا يواظبون على أداء حقوق كرمه جهلا منهم بالله وعنادا مع رسله الهادين اليه
ذلِكُمُ اللَّهُ الذي قد أفاض عليكم موائد بره وإحسانه واظهر عليكم مقتضيات ألوهيته وربوبيته رَبُّكُمْ الذي رباكم بأنواع اللطف والكرم بعد ما أوجدكم من كتم العدم وهو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ومظهره من العدم إظهارا إبداعيا بمقتضى اختياره واستقلاله فلكم ان تتوجهوا اليه وتحننوا نحوه مخلصين إذ لا إِلهَ يعبد له بالاستحقاق ويرجع نحوه في الخطوب على الإطلاق إِلَّا هُوَ الله اى الذات الواحدة المتحدة المتصفة بالصفات الكاملة المربية لجميع ما في الكون من العكوس والاظلال المنعكسة منها فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ وكيف تنصرفون عن عبادته ايها الآفكون المنصرفون فأين تذهبون من بابه ايها الذاهبون الجاهلون ما لكم كيف تحكمون ايها الضالون المحرومون
كَذلِكَ اى مثل ما سمعت من المجادلة والمكابرة بلا برهان واضح وتبيان لائح يُؤْفَكُ ويصرف عن طريق الحق عموم المسرفين الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ ودلائل توحيده يَجْحَدُونَ وينكرون بلا تأمل ولا تدبر لينكشف لهم ما فيها من المعارف والحقائق المودعة فيها فكيف تجحدون في آيات الحكيم العليم ايها الجاحدون الجاهلون
стр. 845
مع انه سبحانه هو الصمد المتفرد بالالوهية والربوبية إذ
اللَّهُ الواحد الأحد الصمد الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ اى عالم الطبيعة والهيولى قَراراً تستقرون عليها حسب هويتكم وَرفع لكم السَّماءَ اى عالم الأسماء والصفات بِناءً اى سقفا رفيعا منيعا تستفيضون منها الكمالات اللائقة لاستعداداتكم وقابلياتكم الموهوبة لكم من عنده سبحانه وَبالجملة قد صَوَّرَكُمْ حسب لطفه وجماله من الآباء العلويات والأمهات السفليات فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ بان خلقكم على اعدل الأمزجة واحسن التقويم لتكونوا قابلين لائقين لخلافة الحق ونيابته وَبعد ما صوركم كذلك فأحسن صوركم هكذا قد رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ الصورية والمعنوية تقوية وتقويما لأشباحكم وأرواحكم وبالجملة ذلِكُمُ اللَّهُ الذي سمعتم نبذا من أوصافه الكاملة ونعمه الشاملة رَبُّكُمْ الذي أظهركم من كتم العدم بمقتضى لطفه فانى تصرفون عنه وعن توحيده وعبادته ايها المسرفون الضالون المفرطون مع انه لا رب لكم سواه سبحانه فَتَبارَكَ اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد العلى بذاته الجلى بحسب أسمائه وصفاته رَبِّ الْعالَمِينَ على الإطلاق بكمال الاستقلال والاستحقاق لا يعرضه زوال ولا يطرأ عليه انقراض وانتقال بل
هُوَ الْحَيُّ الأزلي الأبدي الدائم المستغنى عن مقدار الزمان ومكيال المكان مطلقا لا إِلهَ في الوجود سواه ولا موجود يعبد له بالحق إِلَّا هُوَ وبعد ما سمعتم ايها المكلفون خواص أسمائه وأوصافه سبحانه فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ واعبدوه مخصصين لَهُ الدِّينَ اى العبادة والانقياد إذ لا مستحق للاطاعة والعبادة الا هو سبحانه وبعد ما رجعتم نحوه مخلصين وعبدتم له سبحانه مخصصين قولوا بلسان الجمع الْحَمْدُ المستوعب لجميع الاثنية والمحامد الناشئة من ألسنة عموم المظاهر ثابت لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ بانفراده بالالوهية واستقلاله في الربوبية بلا توهم الشركة والمظاهرة ويا أكمل الرسل
قُلْ لعموم المشركين على سبيل التنبيه والإرشاد بعد ما وضح امر التوحيد واتضح سبيل الهداية والرشد إِنِّي نُهِيتُ من قبل ربي الذي سمعتم استقلاله في ألوهيته وربوبيته أَنْ أَعْبُدَ وانقاد الآلهة الباطلة الَّذِينَ تَدْعُونَ أنتم وتعبدون لها مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الصمد الفريد في الألوهية الوحيد بالربوبية سيما لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ اى حين نزل علىّ الآيات المبينة الموضحة مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ من لدنه سبحانه أَنْ أُسْلِمَ اى اعبد وانقاد على وجه التسليم المقارن بالإخلاص والاختصاص بلا رؤية الوسائل والأسباب لِرَبِّ الْعالَمِينَ إذ هو سبحانه منزه عن التعدد والتكثر مطلقا ورجوع الكل اليه أولا وآخرا وكيف لا يعبدونه سبحانه ولا ينقادون اليه ولا يتوجهون نحوه مع انه
هُوَ الخالق المبدع المصور الَّذِي خَلَقَكُمْ وقدر صوركم أولا مِنْ تُرابٍ مهين مرذول إظهارا لقدرته الغالبة الكاملة ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ مهينة مستحدثة من أجزاء التراب ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ خبيثة متكونة من النطفة ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ من بطون أمهاتكم طِفْلًا سويا كائنا من أجزاء العلقة مع الروح المنفوخ فيها من لدنه سبحانه ثُمَّ يربيكم بأنواع اللطف والكرم لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ اى كمال قوتكم وحولكم نظرا وعملا ثُمَّ أمهلكم وأعمركم زمانا لِتَكُونُوا شُيُوخاً منحطين منسلخين عن كلتا القوتين المذكورتين معا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى ويموت مِنْ قَبْلُ اى قبل بلوغه الى أشده او شيخوخته وَانما فعل سبحانه كل ما فعل من الأطوار المتعاقبة والأحوال المتواردة المترادفة لِتَبْلُغُوا أَجَلًا معينا مقدرا مُسَمًّى عنده سبحانه بلا اطلاع احد عليه لقبضكم نحوه ورجوعكم اليه
следующие страницы →