Полный текст (1 120 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
المعدة لأصحاب الخيبة والخذلان إذ
تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ الواحد الأحد الصمد المتفرد بالالوهية وأنكر وجوده واستقلاله فيه وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ اى أشرك به سبحانه شيأ لم يتعلق علمي بألوهيته وشركته مع الله لا يقينا ولا ظنا ولا وهما إذ هو جماد لا شعور له وَأَنَا أَدْعُوكُمْ بمقتضى الوحى الإلهي المنزل على رسل الله المؤيدين بالعقل الفطري المفاض لهم من لدنه ليرشدوا به خواص عباده سبحانه إِلَى الْعَزِيزِ القادر الغالب في امره بلا فتور وقصور الْغَفَّارِ الستار لنقوش السوى والأغيار مطلقا
لا جَرَمَ قد حق وثبت حقا حتما ثابتا أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وتميلوننى نحوه لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ اى لا يتأتى منه لا الدعوة ولا الهداية ولا الإرشاد لا فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ إذ لا يتيسر للجماد دعوة الإنسان وتكليمه مطلقا وَبعد ما اتضح امر آلهتكم وعدم لياقتهم بالالوهية والربوبية قد ظهر أَنَّ مَرَدَّنا ومرجعنا يعنى انا وأنتم وسائر العباد والمظاهر عموما وخصوصا إِلَى اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الحقيق بالحقية اللائق بالالوهية والربوبية بلا توهم الشركة والنزاع رجوع الاظلال الى الأضواء والأمواج الى الماء وَقد ظهر ايضا أَنَّ الْمُسْرِفِينَ الخائضين في توحيده سبحانه بالهذيانات التي تركبها اوهامهم وخيالاتهم بلا تأييد من وحى الهى وعقل فطري هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ملازموها وملاصقوها لا نجاة لهم منها ابد الآباد وبالجملة
فَسَتَذْكُرُونَ أنتم ايها الممكورون الممقوتون حين تعاينون وتدخلون النار ما أَقُولُ لَكُمْ على وجه النصح من شأن العذاب الموعود لكم في النشأة الاخرى وبعد ما سمعوا منه ما سمعوا من الوعيدات الهائلة اضمروا في نفوسهم عداوته والإنكار عليه وقصدوا مقته ضمنا وَلما تفرس هو ايضا منهم السوء قال مسترجعا الى الله متوكلا عليه متحننا نحوه أُفَوِّضُ أَمْرِي اى امر حفظي وحضانتى من شروركم إِلَى اللَّهِ المراقب على محافظة عباده المتوكلين عليه المتوجهين نحو جنابه يكفى بمقتضى لطفه وجوده مؤنة شروركم عنى واساءتكم على إِنَّ اللَّهَ المقتدر العليم بَصِيرٌ بِالْعِبادِ الخلص وما تكنّه ضمائرهم من الإخلاص والاختصاص قيل قد فرّ منهم الى جبل فأرسل فرعون جماعة لطلبه فلحقوه وهو في الصلاة والوحوش حوله صافين حافين يحرسونه عما يضره فلم يظفروا عليه فرجعوا خائبين فقتلهم فرعون أجمعين وبالجملة
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا اى حفظه الله الرقيب المراقب عليه من شدائد مكرهم وإساءتهم عليه وَحاقَ وأحاط بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ النازل عليهم من عند الله العزيز الغيور ألا وهي
النَّارُ المعدة لتعذيب اصحاب الشقاوة الازلية الابدية ولهذا يُعْرَضُونَ عَلَيْها يعنى فرعون وآله على النار حال كونهم في برزخ القبر ايضا غُدُوًّا وَعَشِيًّا دائما في جميع الأزمان والأحيان قبل انقراض النشأة الاولى وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يحشرون من قبورهم صرعى مبهوتين قيل لهم حينئذ من قبل الحق بلا سبق كشف وتفتيش عن حالهم أَدْخِلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ اى افزعه وأفظعه وأخلده او قيل للملائكة الموكلين عليهم لتعذيبهم ادخلوا ايها الملائكة آل فرعون أشد العذاب وأسوأ النكال والوبال وهو تخليدهم في نار القطيعة على القرائتين. ثم قال سبحانه
وَاذكر يا أكمل الرسل للمعتبرين من المكلفين وقت إِذْ يَتَحاجُّونَ ويتخاصمون اى اصحاب النار فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ منهم من الأراذل والاتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لرؤسائهم ومتبوعيهم المستكبرين عليهم المستتبعين لهم في النشأة الاولى إِنَّا قد كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في الدنيا بل أنتم اضللتمونا عن
стр. 842
متابعة الرسل الهادين فَهَلْ أَنْتُمْ اليوم مُغْنُونَ دافعون مانعون عَنَّا نَصِيباً جزأ وشيأ قد صار حظنا مِنَ النَّارِ النازلة علينا بسبب اتباعنا إياكم واقتفائنا اثركم وتديننا بدينكم وخصلتكم
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا اى الرؤساء المتبوعون إِنَّا اى نحن وأنتم كُلٌّ منا معذبون فِيها اى في النار لا يتيسر لاحد منا ومنكم ان يدفع شيأ منها إِنَّ اللَّهَ المنتقم الغيور قَدْ حَكَمَ بَيْنَ عموم الْعِبادِ بان ادخل بعضا منهم في الجنة بمقتضى فضله وبعضا في النار حسب عدله وبالجملة لا معقب لحكمه هذا وهو شديد المحال
وَاذكر يا أكمل الرسل لأصحاب العبرة والاستبصار ما قالَ الَّذِينَ كفروا حال كونهم فِي النَّارِ محزونين صاغرين لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ وهي اعمق اماكن النار واغورها ادْعُوا رَبَّكُمْ ايها الخزنة حسبة لله واستشفعوا منه سبحانه لأجلنا وان لم يغفر لنا ولم يعف عن جرائمنا ولم يخرجنا من النار يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً اى مقدار يوم واحد مِنَ الْعَذابِ الدائم المستمر حتى نتنفس فيه ونستريح
قالُوا اى الخزنة في جوابهم تهكما وتوبيخا على وجه التجاهل أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ ايها الحمقى الهالكون في تيه البعد والضلال رُسُلُكُمْ المبعوثون إليكم بِالْبَيِّناتِ الواضحة الدالة على قبول الإنذارات الصادرة من الله اصالة ومنهم تبعا وبعد ما سمعوا من الخزنة ما سمعوا قالُوا متأوهين متأسفين متحسرين بَلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ان أنتم الا تكذبون قالُوا اى الخزنة بعد ما سمعوا ان أنتم الا في ضلال مبين فَادْعُوا على حالكم بلا استشفاع منا إذ نحن لا نجترئ بالشفاعة عنده والاستغفار منه سبحانه لأمثالكم إذ لا يقبل الدعاء منا ومنكم في مثل هذه الجرائم الكبيرة وَبالجملة ما دُعاءُ الْكافِرِينَ المصرين على كفرهم في النشأة الاولى التي هي دار الاختبار لاستخلاصهم في النشأة الاخرى التي هي دار القرار إِلَّا فِي ضَلالٍ ضياع وخسار بحيث لا يسمع من احد أمثال هذا الدعاء ولا يجاب له ولا يقبل منه. ثم قال سبحانه وعدا للمؤمنين وحثا لهم على تصديق رسل الله وكتبه
إِنَّا من مقام عظيم جودنا ولطفنا لَنَنْصُرُ ونعاون رُسُلَنا الذين هم حملة وحينا وحفظة ديننا وَكذا المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا بهم واسترشدوا منهم طريق الهداية واجتنبوا بسببهم عن الغي والضلال فِي الْحَياةِ الدُّنْيا التي هي نشأة الفتن والاختبارات الإلهية بتوفيقهم على العمل الصالح وردعهم عن المفاسد والمنكرات وَننصرهم ايضا نصرة تامة يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ اى يوم القيامة التي يقوم فيها الشهود العدول من الملائكة والنبيين والمؤمنين لنصرة المؤمنين ومقت الكافرين وذلك
يَوْمَ اى يوم لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية في النشأة الدنيا مَعْذِرَتُهُمْ التي أتوا بها يومئذ إذ قد انقضى حينئذ وقت التلافي والتدارك ومضى زمان الاختبار وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ يومئذ نازلة والطرد والتبعيد عن ساحة عز الحضور حاصل وَبالجملة لَهُمُ يومئذ سُوءُ الدَّارِ المعدة لأصحاب الخسار والبوار ألا وهي جهنم البعد والخذلان. أعاذنا الله وعموم عباده عنها. ثم قال سبحانه تسلية لحبيبه وتوطينا له على تحمل أعباء الرسالة الجالبة لانواع المكروهات من النفوس المجبولة على الشقاوة والضلال والتصبر على اذياتهم
وَالله لَقَدْ آتَيْنا من كمال فضلنا وجودنا أخاك مُوسَى الكليم الْهُدى اى الشرائع والمعجزات الدالة على كمال الهداية والإرشاد الى سبيل الرشد والسداد وَبعد انقراض موسى قد أَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ اى التوراة المنزل عليه وابقيناه بينهم ليكون
هُدىً لهم هاديا الى ما هديهم موسى
стр. 843
من الأمور الدينية وَليكون ذِكْرى اى عظة وتذكيرا يتذكرون بها الى ما يرومونه من المقاصد الدينية والمعالم اليقينية لا لكل احد من العوام بل لِأُولِي الْأَلْبابِ الألباء المستكشفين عن سرائر الأمور الدينية بمقتضى العقول المستقيمة المفاضة لهم من المبدأ الفياض ومع ذلك قد سمعت يا أكمل الرسل قصص أولئك الهالكين في تيه العتو والعناد وما جرى بينهم وبين الرسل المبعوثين إليهم من التحارب والتنازع المفضى الى أذى الأنبياء العظام والرسل الكرام فصبروا على أذاهم الى ان ظفروا عليهم بنصر الله إياهم وإعلاء دينه المنزل عليهم من لدنه سبحانه
فَاصْبِرْ أنت ايضا يا أكمل الرسل على ما اصابك من اذيات هؤلاء الجهلة المستكبرين المعاندين معك وانتظر الى ما وعدك الحق من النصر والظفر وإعلاء دين الإسلام وإظهاره على الأديان كلها إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ العليم القدير الحكيم الخبير حَقٌّ ثابت محقق إنجازه ووفاؤه الا انه مرهون بوقته فسينصرك ويغلبك على عموم أعدائك عن قريب ويبقى آثار هدايتك وارشادك بين أوليائك الى النشأة الاخرى وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ واشتغل في عموم أوقاتك بالاستغفار لفرطاتك ليكون استغفارك هذا سنة سنية لأمتك وَسَبِّحْ ايضا بِحَمْدِ رَبِّكَ في جميع أوقاتك وحالاتك إذ كل نفس من أنفاسك يستلزم شكرا منك سيما بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ اى في أول النهار وآخرها إذ هما وقتان خاليان عن تزاحم الاشتغال وتفاقم الآمال وبالجملة كن مع ربك في عموم احوالك واطوارك يكف عنك مؤنة جميع من عاداك وعاندك ويكف عنك إذا هم. ثم قال سبحانه
إِنَّ المشركين المعاندين الَّذِينَ يُجادِلُونَ ويخاصمون معك يا أكمل الرسل فِي آياتِ اللَّهِ المنزلة عليك لتأييد دينك وشأنك على وجه المكابرة والعناد بِغَيْرِ سُلْطانٍ اى بلا حجة وبرهان أَتاهُمْ وفاض عليهم من قبل ربهم على طريق الوحى والإلهام بل إِنْ فِي صُدُورِهِمْ اى وما في قلوبهم شيء يبعثهم على المجادلة ويغريهم إليها إِلَّا كِبْرٌ وخيلاء منهم مركوز في جبلتهم ثقة لثروتهم ورئاستهم على زعمهم الفاسد مع انهم ما هُمْ بِبالِغِيهِ على مقتضى ما جبلوا في نفوسهم إذ هم سيغلبون عن قريب في هذه النشأة الاولى ويحشرون في الاخرى الى جهنم البعد والخذلان وبالجملة فَاسْتَعِذْ أنت ايها النبي الصادق الصدوق بِاللَّهِ القادر القوى والتجئ اليه سبحانه عن غدر كل غادر إِنَّهُ سبحانه هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْبَصِيرُ بنياتهم ويكفيك مؤنة ما يقصدون عليك بمقتضى آرائهم الباطلة واهوائهم الفاسدة ومن أعظم ما يجادلون فيه أولئك المعاندون المكابرون امر الساعة والمعاد الجسماني وبعث الموتى من قبورهم وحشرهم نحو المحشر والله لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى اظهار العلويات والسفليات من كتم العدم على سبيل الإبداع في النشأة الاولى أَكْبَرُ وأعظم مِنْ خَلْقِ النَّاسِ واعادتهم احياء في النشأة الاخرى وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ عظم قدرة الحق وكمال اقتداره على عموم ما دخل في حيطة علمه الشامل وارادته الكاملة لقصور نظرهم عن ادراك الحق وصفاته الكاملة الكافية في ذاته ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. ثم أشار سبحانه الى تفاوت طبقات عباده في العلم بالله والجهل به وبصفاته فقال
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى الغافل الزاهل عن ظهور ذات الحق وتجليه بمجالى الأنفس والآفاق بمقتضيات أوصافه العظمى وأسمائه الحسنى وَالْبَصِيرُ العارف المكاشف بوحدة الحق وظهوره سبحانه على هياكل عموم ما ظهر وبطن حسب شئونه وتطوراته الذاتية وَلا المصلحون المحسنون الَّذِينَ آمَنُوا بالله واعتقدوا توحيده وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقبولة عنده سبحانه من الأعمال والأفعال
стр. 844
المترتبة على الايمان واليقين وَلَا الْمُسِيءُ اى الذين يسيئون الأدب مع الله وهم الكفرة الذين لا يؤمنون بالله ولا يتصفون بتوحيده بل هم يسترون شروق شمس ذاته بغيوم هوياتهم الباطلة واظلال انانياتهم الزائلة المضمحلة في شمس الذات لذلك عملوا عملا سيّئا حسب ما تهواه أنفسهم الخبيثة وأحلامهم السخيفة لكن قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ اى ما تتذكرون وتتفطنون على عدم المساواة الا تذكرا قليلا ولهذا تنكرون البعث والحشر وكيف تنكرونه
إِنَّ السَّاعَةَ الموعودة على ألسنة عموم الأنبياء والرسل لَآتِيَةٌ البتة بحيث لا رَيْبَ فِيها اى في مجيئها ووقوعها بوضوح الدلائل العقلية الدالة على إمكان اعادة المعدوم مع انها مؤيدة بالوحي والإلهام الإلهي على عموم الأنبياء والرسل الكرام وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بها ولا يصدقون بوقوعها وقيامها لانحطاطهم عن مرتبة الخلافة المترتبة على فطرة التوحيد واليقين
وَبعد ما أشار سبحانه الى مرتبة كلا الفريقين الموحد والمشرك أشار الى من توجه نحوه سبحانه متحننا وقصد تجاه توحيده مجتهدا ودعا اليه متضرعا فأجاب له وأنجح مطلوبه حيث قالَ رَبُّكُمُ الذي رباكم على فطرة التوحيد والعرفان ادْعُونِي ايها المكلفون بمقتضى العقل المفاض حق دعوتي وتوجهوا الى مخلصين بلا رؤية الوسائل والأسباب العادية في البين أَسْتَجِبْ لَكُمْ دعوتكم وأوصلكم الى مقصدكم ومقصودكم الذي هو توحيد الذات فعليكم ان لا تستكبروا عن عبادتي وإطاعتي وبالجملة إِنَّ المسرفين الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ ويستنكفون عَنْ عِبادَتِي حسب آرائهم الباطلة واهوائهم الفاسدة سَيَدْخُلُونَ في يوم الجزاء جَهَنَّمَ الحرمان والخذلان داخِرِينَ صاغرين ذليلين مهانين وكيف يستنكفون ويستكبرون عن عبادة الفاعل على الإطلاق المنعم بالاستقلال والاستحقاق مع انه
اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد المتصف بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مظلما باردا لِتَسْكُنُوا وتستريحوا فِيهِ بلا ضرر وعناء وَايضا قد جعل لكم النَّهارَ مُبْصِراً لتكسبوا فيه معايشكم وتجمعوا حوائجكم وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المنعم المفضل على عباده لَذُو فَضْلٍ عظيم وكرامة كاملة شاملة عَلَى عموم النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المجبولين على فطرة النسيان والكفران لا يَشْكُرُونَ نعمه ولا يواظبون على أداء حقوق كرمه جهلا منهم بالله وعنادا مع رسله الهادين اليه
ذلِكُمُ اللَّهُ الذي قد أفاض عليكم موائد بره وإحسانه واظهر عليكم مقتضيات ألوهيته وربوبيته رَبُّكُمْ الذي رباكم بأنواع اللطف والكرم بعد ما أوجدكم من كتم العدم وهو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ومظهره من العدم إظهارا إبداعيا بمقتضى اختياره واستقلاله فلكم ان تتوجهوا اليه وتحننوا نحوه مخلصين إذ لا إِلهَ يعبد له بالاستحقاق ويرجع نحوه في الخطوب على الإطلاق إِلَّا هُوَ الله اى الذات الواحدة المتحدة المتصفة بالصفات الكاملة المربية لجميع ما في الكون من العكوس والاظلال المنعكسة منها فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ وكيف تنصرفون عن عبادته ايها الآفكون المنصرفون فأين تذهبون من بابه ايها الذاهبون الجاهلون ما لكم كيف تحكمون ايها الضالون المحرومون
كَذلِكَ اى مثل ما سمعت من المجادلة والمكابرة بلا برهان واضح وتبيان لائح يُؤْفَكُ ويصرف عن طريق الحق عموم المسرفين الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ ودلائل توحيده يَجْحَدُونَ وينكرون بلا تأمل ولا تدبر لينكشف لهم ما فيها من المعارف والحقائق المودعة فيها فكيف تجحدون في آيات الحكيم العليم ايها الجاحدون الجاهلون
стр. 845
مع انه سبحانه هو الصمد المتفرد بالالوهية والربوبية إذ
اللَّهُ الواحد الأحد الصمد الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ اى عالم الطبيعة والهيولى قَراراً تستقرون عليها حسب هويتكم وَرفع لكم السَّماءَ اى عالم الأسماء والصفات بِناءً اى سقفا رفيعا منيعا تستفيضون منها الكمالات اللائقة لاستعداداتكم وقابلياتكم الموهوبة لكم من عنده سبحانه وَبالجملة قد صَوَّرَكُمْ حسب لطفه وجماله من الآباء العلويات والأمهات السفليات فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ بان خلقكم على اعدل الأمزجة واحسن التقويم لتكونوا قابلين لائقين لخلافة الحق ونيابته وَبعد ما صوركم كذلك فأحسن صوركم هكذا قد رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ الصورية والمعنوية تقوية وتقويما لأشباحكم وأرواحكم وبالجملة ذلِكُمُ اللَّهُ الذي سمعتم نبذا من أوصافه الكاملة ونعمه الشاملة رَبُّكُمْ الذي أظهركم من كتم العدم بمقتضى لطفه فانى تصرفون عنه وعن توحيده وعبادته ايها المسرفون الضالون المفرطون مع انه لا رب لكم سواه سبحانه فَتَبارَكَ اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد العلى بذاته الجلى بحسب أسمائه وصفاته رَبِّ الْعالَمِينَ على الإطلاق بكمال الاستقلال والاستحقاق لا يعرضه زوال ولا يطرأ عليه انقراض وانتقال بل
هُوَ الْحَيُّ الأزلي الأبدي الدائم المستغنى عن مقدار الزمان ومكيال المكان مطلقا لا إِلهَ في الوجود سواه ولا موجود يعبد له بالحق إِلَّا هُوَ وبعد ما سمعتم ايها المكلفون خواص أسمائه وأوصافه سبحانه فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ واعبدوه مخصصين لَهُ الدِّينَ اى العبادة والانقياد إذ لا مستحق للاطاعة والعبادة الا هو سبحانه وبعد ما رجعتم نحوه مخلصين وعبدتم له سبحانه مخصصين قولوا بلسان الجمع الْحَمْدُ المستوعب لجميع الاثنية والمحامد الناشئة من ألسنة عموم المظاهر ثابت لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ بانفراده بالالوهية واستقلاله في الربوبية بلا توهم الشركة والمظاهرة ويا أكمل الرسل
قُلْ لعموم المشركين على سبيل التنبيه والإرشاد بعد ما وضح امر التوحيد واتضح سبيل الهداية والرشد إِنِّي نُهِيتُ من قبل ربي الذي سمعتم استقلاله في ألوهيته وربوبيته أَنْ أَعْبُدَ وانقاد الآلهة الباطلة الَّذِينَ تَدْعُونَ أنتم وتعبدون لها مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الصمد الفريد في الألوهية الوحيد بالربوبية سيما لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ اى حين نزل علىّ الآيات المبينة الموضحة مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ من لدنه سبحانه أَنْ أُسْلِمَ اى اعبد وانقاد على وجه التسليم المقارن بالإخلاص والاختصاص بلا رؤية الوسائل والأسباب لِرَبِّ الْعالَمِينَ إذ هو سبحانه منزه عن التعدد والتكثر مطلقا ورجوع الكل اليه أولا وآخرا وكيف لا يعبدونه سبحانه ولا ينقادون اليه ولا يتوجهون نحوه مع انه
هُوَ الخالق المبدع المصور الَّذِي خَلَقَكُمْ وقدر صوركم أولا مِنْ تُرابٍ مهين مرذول إظهارا لقدرته الغالبة الكاملة ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ مهينة مستحدثة من أجزاء التراب ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ خبيثة متكونة من النطفة ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ من بطون أمهاتكم طِفْلًا سويا كائنا من أجزاء العلقة مع الروح المنفوخ فيها من لدنه سبحانه ثُمَّ يربيكم بأنواع اللطف والكرم لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ اى كمال قوتكم وحولكم نظرا وعملا ثُمَّ أمهلكم وأعمركم زمانا لِتَكُونُوا شُيُوخاً منحطين منسلخين عن كلتا القوتين المذكورتين معا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى ويموت مِنْ قَبْلُ اى قبل بلوغه الى أشده او شيخوخته وَانما فعل سبحانه كل ما فعل من الأطوار المتعاقبة والأحوال المتواردة المترادفة لِتَبْلُغُوا أَجَلًا معينا مقدرا مُسَمًّى عنده سبحانه بلا اطلاع احد عليه لقبضكم نحوه ورجوعكم اليه
стр. 846
وَالحكمة الباعثة على جميع ذلك لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وتفهمون ان مبدأكم ومنشأكم منه سبحانه ومعادكم اليه فتعبدونه حق عبادته كي تعرفوه حق معرفته وكيف لا تعبدونه سبحانه ولا تعرفونه ايها العقلاء المجبولون على فطرة الدراية والشعور مع انه
هُوَ الَّذِي يُحْيِي بامتداد اظلال أسمائه على كل ما لاح عليه بروق وجوده بمقتضى جوده وَيُمِيتُ بقبض تلك الاظلال نحو ذاته بالإرادة والاختيار وبالجملة فَإِذا قَضى أَمْراً اى تعلق ارادته ومشيته باحداث ما ظهر في عالم الأمر فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ بعد تعلق مشيته كُنْ فَيَكُونُ بلا تراخ وتعاقب مفهوم من منطوق هذه الآية على ما هو المتبادر من أمثاله بل كل ما لمع عليه برق ارادته وصدر منه سبحانه ما يدل على نفوذ قضائه تكون المقضى بغتة بحيث لا يسع بين القضاء والمقضى توهم المهلة والتراخي والترتيب مطلقا ومع سرعة نفوذ قضاء الله وظهور هذه الآثار العظيمة من قدرته الكاملة على الوجه المذكور
أَلَمْ تَرَ ايها المعتبر الرائي إِلَى المشركين المسرفين الَّذِينَ يُجادِلُونَ ويكابرون فِي آياتِ اللَّهِ الدالة على كمال علمه وقدرته ومتانة حكمه وحكمته أَنَّى يُصْرَفُونَ اى الى اين ينصرفون عن عبادته ويعرضون عن ساحة عز جنابه ووحدته الذاتية سيما هؤلاء المكابرون
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ اى بالقرآن الجامع الكامل الشامل المنزل عليك يا أكمل الرسل وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا اى بعموم ما أرسلنا الى رسلنا الذين مضوا من قبلك من الكتب والصحف المنزلة عليهم فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أولئك الضالون المكذبون وبال جدالهم وتكذيبهم في النشأة الاخرى وقت
إِذِ تكون الْأَغْلالُ الثقيلة معقودة فِي أَعْناقِهِمْ بسبب انصرافهم عن آيات الله وعدم التفاتهم الى رسله الحاملين لوحيه سبحانه وَايضا تكون السَّلاسِلُ الطوال مشدودة في أيديهم وأرجلهم لعظم جرائمهم وآثامهم الباعثة على أخذهم وانتقامهم يُسْحَبُونَ ويجرون هؤلاء على وجوههم
فِي الْحَمِيمِ اى في الماء الحار المسخن بالنار المعدة لهم قبل تعذيبهم بالنار الملهبة ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ يوقدون ويطرحون فيها طرح الحطب الوقود للنار
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ من قبل الحق توبيخا وتقريعا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ اى اين أصنامكم واوثانكم وعموم معبوداتكم التي أنتم قد ادعيتم شركتها مع الله في الألوهية وسميتموها آلهة
مِنْ دُونِ اللَّهِ لم لا تنقذكم من عذاب ولم لا يشفعون لكم عنده سبحانه حسب ما زعمتم في شأنهم وعللتم عبادتكم بها وبعد ما سمعوا ما سمعوا من التوبيخ والتقريع قالُوا متحسرين متأوهين قد ضَلُّوا وغابوا عَنَّا آلهتنا الهلكى وشفعاؤنا الهالكة المستهلكة التي قد كنا ندعو إليهم ونستشفع منهم بَلْ قد ظهر لنا اليوم انا لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ في النشأة الاولى شَيْئاً ينفعنا ويدفع عنا من غضب الله بل كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ المنتقم المضل الْكافِرِينَ الضالين بحيث لا يتنبهون بضلالهم الا وقت حلول العذاب عليهم ثم قيل لهم مبالغة في توبيخهم وتعييرهم
ذلِكُمْ اى إضلال الله إياكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ وتمشون عليها خيلاء بطرين مسرورين مستكبرين عن قبول آيات الله المنزلة على رسله مكذبين لهم مستهزئين بهم بِغَيْرِ الْحَقِّ اى بلا دليل قطعى عقلي او سمعي اقناعى او ظني بل بمجرد الوهم الناشئ من كبركم وخيلائكم وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ اى تتوسعون وتتوقرون على انفسكم الفرح والسرور بمخالفتكم بترككم سنن حدود الله وبترككم سنن أنبيائه ورسله عنادا ومكابرة ثم قيل لهم بعد تفضيحهم على رؤس الاشهاد
ادْخُلُوا ايها المسرفون الضالون أَبْوابَ جَهَنَّمَ
стр. 847
اى دركاتها واغوارها الهوية النيرانية المعدة لكم بدل ما فوتم أنتم على انفسكم من الدرجات العلية الجنانية وكونوا خالِدِينَ فِيها ابد الآباد فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ومأواهم جهنم البعد والخذلان وجحيم الطرد والحرمان. أعاذنا الله وعموم المؤمنين منها وبعد ما قد ظهر واتضح مآل حال الكفرة المستكبرين وعاقبة أمرهم
فَاصْبِرْ أنت يا أكمل الرسل على أذاهم وانتظر الى مقتهم وهلاكهم الموعود وثق بالله في انجاز وعده إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ المقتدر الحكيم باهلاك المشركين المكذبين المسرفين حَقٌّ ثابت محقق إنجازه ووقوعه البتة بلا خلف منه سبحانه إذ الله لا يخلف الميعاد مطلقا الا ان وعده سبحانه مرهون بأجل مقدر عنده فلا تحزن من تأخير الموعود ولا تعجل بحلول الأجل المعهود فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ اى فان نرك ونبصرك زيدت ما في أول الفعل والنون في آخره للتأكيد والمبالغة بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من القتل والسبي والجلاء فذاك وتحقق وعدنا إياك أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ونميتنك قبل حلول أجل إهلاكهم وتعذيبهم فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ يعنى لا تحزن من تأخير الموعود بعد توفيك ايضا إذ نحن نعذبهم وننتقم عنهم بعد رجوعهم إلينا في النشأة الاخرى بأضعاف ما في النشأة الاولى وآلافها
وَبالجملة بعد ما قد وعدنا لهم العذاب لانحرافهم عن سبيل الرشد مصرين على المكابرة والعناد ننجز الموعود البتة سواء كان عاجلا او آجلا فعليك ان لا تتعب نفسك بتعجيل العذاب عليهم قبل حلول الأجل المقدر من عندنا إذ لَقَدْ أَرْسَلْنا من مقام جودنا رُسُلًا كثيرين مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا قصصهم عَلَيْكَ في كتابك هذا وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ولم نذكر قصتهم في كتابك إذ ما يعلم قصص جنودنا وما جرى عليهم من تفاصيل أحوالهم الا نحن وَبالجملة ما كانَ اى ما صح وما جاز لِرَسُولٍ من الرسل أَنْ يَأْتِيَ ويعجل بِآيَةٍ مقترحة او غير مقترحة من تلقاء نفسه إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ووحيه وبمقتضى مشيته وارادته سبحانه بل له ان ينتظر الوقت الذي قد عين سبحانه ظهورها فيه إذ جميع الآيات والمعجزات الباهرات موهوبة من الله مقسومة بين أنبيائه ورسله بمقتضى قسمته سبحانه في حضرة علمه ولوح قضائه لا يسع لاحد منهم ان يعجل بها او يؤخر عن وقتها بل فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ العليم الحكيم بتعذيب المشركين واثابة الموحدين قُضِيَ بِالْحَقِّ جميع المقضيات الإلهية سواء كانت من جنس المثوبات او العقوبات وَبالجملة كما خَسِرَ وخاب هُنالِكَ اى عند وقوع المقضى وظهوره الْمُبْطِلُونَ المستوجبون لانواع العذاب والنكال قد ربج ونال حينئذ المحقون المستحقون لأصناف المثوبات واللذات الروحانية وكيف لا يكون كذلك إذ مقاليد عموم الأمور كلها بيد الله وفي قبضة قدرته إذ
اللَّهُ المتفرد بالالوهية والربوبية هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ مسخرة مقهورة لكم محكومة تحت أمركم وحكمكم لِتَرْكَبُوا مِنْها ما يليق بركوبكم تتميما لتربيتكم وحضوركم وَايضا قد جعل لكم مِنْها اى من الانعام ما تَأْكُلُونَ لتقويم امزجتكم وتقوية بنيتكم
وَجعل لَكُمْ فِيها ايضا مَنافِعُ كثيرة كالالبان والاصواف والاشعار والأوبار وغير ذلك وَلِتَبْلُغُوا اى لتصلوا وتنالوا بالحمل والركوب عَلَيْها اى على الانعام حاجَةً مطلوبة لكم مركوزة فِي صُدُورِكُمْ ونفوسكم ولولا ركوبكم وحملكم عليها لم تصلوا إليها الا بشق الأنفس وَبالجملة عَلَيْها اى على الانعام في البوادي والبراري وَعَلَى الْفُلْكِ في البحار تُحْمَلُونَ يعنى قد سهل عليكم سبحانه
стр. 848
معاشكم في اقامتكم وترحالكم تتميما لتربيتكم وحفظكم لتواظبوا على شكر نعمه وتلازموا لعبادته وعبوديته بالتبتل الخالص والإخلاص التام
لهذارِيكُمْ
ايها المغمورون المستغرقون في بحار افضاله وجوده اتِهِ
الدالة على وجوب وجوده ووحدة ذاته واستقلاله في الآثار الصادرة منه سبحانه حسب أسمائه وصفاته وبالجملةأَيَ
آية من اتِ اللَّهِ
الدالة على كمال ألوهيته وربوبيته نْكِرُونَ
ايها المسرفون المشركون
أَينكر المشركون المصرون على الخروج عن مقتضى الحدود الإلهية كمال قدرته سبحانه على انواع الانتقام والعذاب فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ التي هي محل الكون والفساد فَيَنْظُرُوا عليها معتبرين من البلاقع الخربة والاظلال المندرسة الكربة كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الأمم الهالكة المسرفة الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ مع انهم قد كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ عددا وعددا وَأَشَدَّ قُوَّةً وقدرة وبسطة واستيلاء وَاحكم آثاراً فِي الْأَرْضِ اى ابنية في القصور وقلاعا وحصونا مشيدة مرفوعة ومع ذلك فَما أَغْنى فما دفع وما أزال ورفع عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ويصنعون من الأمور المذكورة شيأ من غضب الله وعذابه بل قد لحقهم ما لحقهم من العذاب بحيث لا شعور لهم باماراته ومقدماته أصلا فاستأصلهم بالمرة
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ اى فهم قد كانوا في عتوهم وعنادهم يعمهون أمثال هؤلاء المسرفين لما جاءتهم رسلهم المبعوثون إليهم بالمعجزات والآيات الواضحات المبينة لطريق التوحيد لم يلتفتوا إليها ولم يلقوا اسماعهم نحوها تعنتا واستكبارا بل هم قد فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ اى الجهل المركب المركوز في طباعهم من تقليد آبائهم على وجه الإصرار بلا التفات منهم الى ما قد ظهر من الوحى الإلهي المنزل على رسلهم بل كذبوهم واستهزؤا بهم وَلهذا قد حاقَ وأحاط بِهِمْ وبال ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ حين دعوة الرسل وإرشادهم الى طريق الحق بأنواع الوعد والوعيد وهم قد كانوا على ما هم عليه من العناد مصرين مستكبرين
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا اى بطشنا وعذابنا قد حل عليهم وأحاط بهم قالُوا حينئذ متذكرين دعوة رسلهم متحسرين على ما فوتوا على أنفسهم آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ على الوجه الذي هدانا اليه رسله وَكَفَرْنا بِما قد كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ من قبل من الأصنام والأوثان وسائر ما عبدنا من دونه سبحانه وبالجملة
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا إذ حينئذ قد انقضى زمان التدارك والتلافي وبالجملة قد كانت هذه الديدنة المستمرة سُنَّتَ اللَّهِ العليم الحكيم الَّتِي قَدْ خَلَتْ ومضت فِي عِبادِهِ المستكبرين عن طاعته وانقياده حين دعوة الرسل وإرشادهم إياهم وَبعد حلول او ان البأس ونزول العذاب قد خَسِرَ وخاب خيبة مؤبدة هُنالِكَ عنده ودونه الْكافِرُونَ المصرون على الإنكار والاستهزاء خسرانا عظيما في الدنيا وفي الآخرة أعظم منه وأدوم. أعاذنا الله وعموم عباده من بأسه وبطشه بمنه وجوده
خاتمة سورة المؤمن
عليك ايها المحمدي القاصد نحو الحق المتوجه الى توحيده وفقك الله الى إنجاح مهامك وأوصلك الى منتهى مقصدك ومرامك ان تكون أنت في عموم أوقاتك وحالاتك على خبرة كاملة من آيات الله النازلة من عنده سبحانه لهداية عباده التائهين في فضاء وجوده وعبرة تامة من سريان وحدته الذاتية على عموم هياكل ما لمع عليه بروق تجلياته الجمالية والجلالية المنتشئة من ذاته حسب شئونه
стр. 849
وتطوراته المتفرعة على أسمائه الحسنى وأوصافه العظمى فلك ان لا نغفل في عموم احوالك عن مطالعة جمال الله وجلاله في كل ذرة من ذرائر الأكوان على وجه الاستبصار والاعتبار بلا شائبة شك وانكار وتردد واستكبار لئلا تلحق بالأخسرين الذين يؤمنون بالله وبتوحيده حين لم يك ينفعهم ايمانهم لانقضاء نشأة التلافي والاختبار وذلك حين يعرضون على الملك الجبار ويساقون نحو النار بأنواع الخسار والبوار. ربنا آتنا من لدنك رحمة وقنا عذاب النار
[سورة فصلت]
فاتحة سورة فصلت
لا يخفى على المستبصرين المستكشفين عن سرائر الكتب الإلهية واسرار الآيات المنزلة من عنده سبحانه على رسله وأنبيائه المؤيدين من لدنه بتكميل مرتبتي الولاية والنبوة المتفرعتين على اسمى الظاهر والباطن والاول والآخر ان سر الإنزال والإرسال اللذين قد جرت عليه السنة السنية الإلهية واقتضت حكمته البالغة العلية وعلمه الشامل ورحمته العامة الواسعة انما هو لتنبيه اهل الحيرة والضلال من المترددين في فضاء الوجود بلا شعور منهم الى مبدأهم ومعادهم لاحتجابهم بالقرب المفرط المعمى عيون بصائرهم وأبصارهم حتى يتفطن منهما ويتذكر بهما من كان له قلب يقلبه الرحمن بأصابع أسمائه وصفاته كيف يشاء او القى السمع وهو وان كان محجوبا بهويته شهيد حاضر القلب غير مغيب عن الله وعن آثار ألوهيته وربوبيته ليفنى كل من سمع وتذكر عن هويته الباطلة ويبقى بهوية الله الغير الزائلة ولهذا خاطب سبحانه حبيبه ﷺ ورمز في خطابه بعد ما تيمن بأمهات أسمائه التي هي مقاليد كنوز الوجود ومفاتيح خزائن مطلق الفيض والجود حيث قال سبحانه بِسْمِ اللَّهِ المدبر لأمور عموم مظاهره بمقتضى استعداداتها الفائضة عليها حسب جوده الرَّحْمنِ عليها بإخراجها عن مكمن العدم الى فضاء الوجود الرَّحِيمِ بخواص عباده بايصالهم الى الحوض المورود والمقام المحمود
[الآيات]
حم يا حافظ وحى الله المؤيد من عنده لحفظ حدوده حسب أوامره ونواهيه هذا القرآن الجامع لمصالح عموم المظاهر والأكوان
تَنْزِيلٌ وارد صادر ناش مِنَ الرَّحْمنِ اى من الذات الاحدية بمقتضى اسمه الرحمن المستوي به على عروش عموم الأكوان لإصلاح حال كل ما لاحت عليه شمس ذاته تتميما لتربيته إياه إذ ما من رطب ولا يابس الا هو سبحانه مشتمل عليه متكفل لتدبيره وتربيته الرَّحِيمِ بانزاله لخواص عباده ليتنبهوا من رموزه وإشاراته الى وحدة الحق وكمالات أسمائه وصفاته. وانما صار القرآن جامعا بين مرتبتي الظاهر والباطن والاول والآخر إذ هو
كِتابٌ كامل شامل فُصِّلَتْ بينت وأوضحت آياتُهُ المشتملة على دلائل التوحيد وشواهد القصص والاحكام ومنبهات العبر والحكم ومحاسن الأخلاق والأعمال ومقابيح المناهي والمنكرات من الأفعال والأحوال في النشأة الاولى والاخرى ولهذا صار قُرْآناً فرقانا واضحا موضحا بيانا وتبيانا عَرَبِيًّا نظما وأسلوبا إذ لا لغة احسن منه واشتمل وأفضل وأكمل وانما فصلت وأوضحت آيات هذا الكتاب لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اى يوفقون من لدنه سبحانه على العلم اللدني والفطرة الاصلية التي هي المعرفة والتوحيد ولهذا ايضا قد صار
بَشِيراً يبشر اهل العناية والسعادة بالفوز العظيم الذي هو تحققهم بمقام الرضا والتسليم وَنَذِيراً ينذر اصحاب الشقاوة والحرمان عن خلود النيران والعذاب الأليم ومع علو شأنه ووضوح تبيانه وبرهانه فَأَعْرَضَ عنه وانصرف عن قبوله
стр. 850
وسماعه سمع تدبر وتأمل أَكْثَرُهُمْ اى اكثر المكلفين المأمورين من عنده سبحانه بامتثال ما فيه من الأوامر والاحكام وباتصاف ما ذكر فيه من الأخلاق والأعمال وما رمز اليه من المعارف والأحوال فَهُمْ من شدة قساوتهم وغفلتهم لا يَسْمَعُونَ ولا يلتفتون نحوه عتوا وعنادا فكيف عن فحصه وقبوله ودراية ما فيه من الرموز والإشارات
وَمن غاية عمههم وسكرتهم ونهاية عتوهم واستكبارهم عن استماع كلمة الحق والالتفات إليها قالُوا على وجه التهكم والتمسخر قُلُوبُنا التي هي وعاء الايمان والاعتقاد فِي أَكِنَّةٍ واغطية كثيفة وغشاوة غليظة مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ أنتم من المعرفة والتوحيد لا نتنبه به ولا نتفطن بحقيته وَايضا فِي آذانِنا التي هي وسائل قبول العظة والتذكير وَقْرٌ صمم مانع عن استماع آياتك الدالة على صدقك في دعواك المثبتة لمدعاك وَبالجملة قد حال مِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ ايها الموحد المؤيد بالوحي والإلهام حِجابٌ عظيم يمنعنا عما تدعونا اليه بحيث لا يتيسر لنا رفعه ولا نقدر نحن على كشفه فَاعْمَلْ ايها المدعى حسب ما اوحاك إليك ربك وألهمك عليه إِنَّنا ايضا عامِلُونَ بما تيسر لنا ووفقنا عليه آلهتنا واربابنا إذ كل ميسر لما خلق له وبعد ما استنكفوا واستكبروا عليك وعلى دينك وكتابك
قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما ناشئا عن محض اليقين والتوحيد خاليا عن وصمة التخمين والتقليد إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ اى ما أنا الا بشر مثلكم وما ادعى الملكية لنفسي غاية ما في الباب انه يُوحى إِلَيَّ اى يوحى ربي الى بمقتضى سنته السنية المستمرة في سالف الزمان أَنَّما إِلهُكُمْ الذي أظهركم من كتم العدم وأخرجكم الى فضاء الوجود إِلهٌ واحِدٌ احد صمد فرد وتر لا تعدد فيه بوجه من الوجوه فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وتوجهوا نحوه موحدين مخلصين وَاسْتَغْفِرُوهُ لفرطاتكم التي صدرت عنكم بمقتضى بشريتكم ليغفر لكم ربكم ما تقدم من طغيانكم وبهيميتكم وَعليك ان لا تشركوا معه سبحانه شيأ من مظاهره ومصنوعاته إذ وَيْلٌ وعذاب اليم معد عنده سبحانه لِلْمُشْرِكِينَ له الخارجين عن مقتضى توحيده واستقلاله في ألوهيته ظلما وزورا والمشركون المستكبرون عن آيات الله هم
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ المفروضة لهم من أموالهم تطهيرا لنفوسهم عن رذالة البخل ولقلوبهم عن الميل الى ما سوى الحق وَسبب امتناعهم عن التخلية والتطهير انه هُمْ بمقتضى اهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة بِالْآخِرَةِ المعدة لتنقيد اعمال العباد هُمْ كافِرُونَ منكرون جاحدون لذلك يمتنعون عن قبول التكاليف الشرعية وعن الامتثال بالأوامر الدينية المنزلة على مقتضى الحكمة الإلهية. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية
إِنَّ الموحدين الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق وباستقلاله في ألوهيته وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى أكدوا ايمانهم بصوالح أعمالهم مخلصين فيها بمجرد امتثال امر العبودية بلا ترقب منهم الى ما يترتب عليها من المثوبات لَهُمْ عند ربهم بدل إخلاصهم وتخصيصهم أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ اى بلا منة مستتبعة للثقل والأذى بل يحسن ويتفضل عليهم سبحانه من محض اللطف والرضا
قُلْ يا أكمل الرسل لمن أشرك بالله وجحد توحيده على سبيل التوبيخ والتقريع أَإِنَّكُمْ ايها الجاحدون المسرفون لَتَكْفُرُونَ وتنكرون بِالَّذِي اى بالقادر العليم الحكيم الذي خَلَقَ الْأَرْضَ اى عالم الطبيعة والهيولى فِي يَوْمَيْنِ يوما لاستعداداتها القابلة لانعكاس اشعة نور الوجود ألا وهو يوم الدنيا والنشأة الاولى ويوما لاتصافها بها بمقتضى الجود الإلهي ألا وهو يوم العقبى والنشأة الاخرى وَمن كمال غفلتكم وضلالكم عن توحيد الحق
стр. 851
وتوحده في ذاته تَجْعَلُونَ وتتخذون لَهُ أَنْداداً وتثبتون له شركاء في الوجود مشاركين معه سبحانه في الآثار والتصرفات الواقعة في الكائنات وتتوجهون نحوهم في الخطوب والملمات مع انه لا رب لكم سواه سبحانه ولا مرجع لكم غيره بل ذلِكَ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ذكر نبذ من أخص أوصافه وأسمائه رَبُّ الْعالَمِينَ اى موجد عموم ما لاح عليه برق الوجود وهو مربى الكل بمقتضى الجود
وَكيف تنكرون وحدة الحق واستقلاله في ملكه وملكوته مع انه قد جَعَلَ بمقتضى حكمته فِيها اى في الأرض التي هي عالم الطبيعة والأركان رَواسِيَ اقطابا وأوتادا رفيعة الهمم عالية القدر مستمدة مِنْ فَوْقِها اى من عالم الأسماء والصفات وَلهذا قد بارَكَ فِيها وكثر الخير والبركات عليها بيمن هممهم العالية وَمن كمال حكمته سبحانه قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها اى قدر واظهر في عالم الطبيعة جميع ما يحتاج اليه أهلها من الرزق الصوري والمعنوي تتميما لتربيتهم وتكميلا لهم حسب نشأتهم كل ذلك صدر منه سبحانه فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يومين للنشأة الاولى المتعلقة بالظهور والبروز حسب استعدادها واتصافها ويومين للنشأة الاخرى المتعلقة بالكمون والبطون كذلك ولهذا قد كانت الأيام المذكورة سَواءً اى سبيلا سويا وطريقا مستقيما لِلسَّائِلِينَ المستكشفين عن مدة بروز عالم الطبيعة عن مكمن الغيب في النشأة الاولى وكذا عن ظهور النشأة الاخرى والطامة الكبرى عند رجوع الكل الى مبدئه
ثُمَّ اى بعد ما هبط ونزل من عالم الأسماء الى مهبط الطبيعة والهيولى متنازلا وصعد منها إليها متصاعدا اسْتَوى واستولى إِلَى السَّماءِ اى سماء الأسماء وتمكن عليها مستعليا مستغنيا فارغا عن الصعود والهبوط وَالحال انه هِيَ اى عالم الأسماء والصفات في أنفسها ايضا دُخانٌ حجاب بالنسبة الى صرافة الوحدة واطلاق الذات إذ لا يخلو عن شوب الكثرة المستلزمة لنوع من الكدورة وبعد ما استقر عليها سبحانه وتمكن فَقالَ لَها اى لسماء الأسماء والصفات وَلِلْأَرْضِ اى للطبيعة والهيولى إظهارا للقدرة الغالبة والسلطنة الشاملة ائْتِيا وتوجها نحو جنابنا منسلختين عن هوياتكما الباطلة ووجوداتكما العاطلة الزائلة طَوْعاً أَوْ كَرْهاً يعنى طائعتين او كارهتين حسب النشأتين المركوزتين في فطرتكما الاصلية إذ لا وجود لكما في أنفسكما وبعد ما سمعتا من النداء الهائل ما سمعتا قالَتا على وجه التضرع والتذلل حسب استعداداتهما النظرية وقابلياتهما الجبلية أَتَيْنا نحو بابك يا ربنا طائِعِينَ من اين يتأتى منا الكراهة لحكمك يا من لا وجود لنا الا منك ولا تحقق الا بك نعبد لك ونستعين منك على عبادتك إذ لا معبود لنا سواك ولا مقصود لنا غيرك وبعد ما اعترفتا بالعبودية طوعا والتزمتا بالاطاعة والانقياد رغبة
فَقَضاهُنَّ اى قدر وقضى سبحانه لإمدادهما سَبْعَ سَماواتٍ على عدد الصفات السبع التي هي أمهات الأسماء الإلهية فِي يَوْمَيْنِ اى يومى الظهور والبطون يوما لتحصيل المادة ويوما لتكميل الصورة وَبعد ما حكم وقضى سبحانه قد أَوْحى والهم فِي كُلِّ سَماءٍ من الأسماء أَمْرَها اى أمورها التي طلب منها ووضع لأجلها وَقال سبحانه بعد ما رتبها تتميما لتربيته وتكميلا للقدرة الكاملة الشاملة قد زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا اى القربى اى عالم الشهادة المشتملة على الآثار والأعمال الصادرة من المظاهر والاظلال بِمَصابِيحَ مقتبسة مسرجة من اشعة أنوار الذات وَجعلناها حِفْظاً اى وقاية ورقيبا واقيا لأرباب العناية من وساوس شياطين الأوهام والخيالات المترتبة
стр. 852
على القوى الطبيعة المائلة بالذات الى السفل ذلِكَ الذي سمعت من الخلق والإيجاد على النظام البديع والترتيب العجيب تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الحكيم الغالب القادر على إيجاد عموم ما دخل في حيطة ارادته الْعَلِيمِ بإظهاره على جميع الصور الممكنة الظهور وبعد ما ظهر من دلائل توحيد الحق ما ظهر ولاح من آثار قدرته الكاملة ما لاح
فَإِنْ أَعْرَضُوا اى الكفرة الجهلة المستكبرون عنك يا أكمل الرسل وعن جميع ما اوحيت به من الآيات البينات المبينات لدلائل توحيد الذات وكمالات الأسماء والصفات الإلهية فَقُلْ لهم على وجه التحذير والتنبيه قد أَنْذَرْتُكُمْ ايها التائهون في تيه الغفلة والضلال وخوفتكم اتى بالماضي تنبيها على تحقق وقوعه صاعِقَةً اى بلية عظيمة نازلة عليكم من شدة قساوتكم وأعراضكم عن الحق واهله كأنها في الهول والشدة صاعقة مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ وقت
إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المبعوثون إليهم لتكميلهم وإرشادهم المبلغون لهم الوحى الإلهي مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ اى في حضورهم وغيبتهم بواسطة وبغير واسطة المنبهون عليهم القائلون لهم عليكم ايها المجبولون على فطرة التوحيد أَلَّا تَعْبُدُوا ولا تتوجهوا بالعبودية الخالصة إِلَّا اللَّهَ الواحد الأحد الصمد الحقيق بالاطاعة والانقياد إذ لا معبود لكم سواه ولا مقصود الا هو وبعد ما سمعوا قالُوا متهكمين مستهزئين لَوْ شاءَ رَبُّنا الذي ادعيتم ربوبيته وألوهيته بالانفراد والاستقلال لَأَنْزَلَ بمقتضى قدرته الكاملة التي قد ادعيتم أنتم له مَلائِكَةً سماويين يخرجوننا من اودية الجهالات وبادية الضلال والغفلات وبالجملة فَإِنَّا بأجمعنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ اى بجميع ما قد جئتم به وادعيتم الرسالة فيه كافِرُونَ منكرون جاحدون إذ ما أنتم الا بشر مثلنا فلا مزية لكم علينا ومن اين يتأتى لكم هذا ثم فصل سبحانه ما أجمل بقوله
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا على عباد الله فِي الْأَرْضِ التي هي محل الاختبارات الإلهية بِغَيْرِ الْحَقِّ اى بلا اطاعة وانقياد وسابقة دين ونبي يرشدهم الى طريق الحق وَهم من شدة تعنتهم وبطرهم قد قالُوا على سبيل الشرف والمباهات مَنْ أَشَدُّ على وجه الأرض مِنَّا قُوَّةً واكثر عددا وعددا وأتم بسطة واستيلاء وانما قالوا هذه حين تخويف الرسل إياهم بإلمام العذاب عليهم وهم قد كانوا أعظم الناس جسامة وأوفرهم قوة وقدرة لذلك اغتروا بما عندهم من الثروة والرياسة فكذبوا الرسل وقالوا لهم نحن ندفع العذاب الذي ادعيتم نزوله ايها الكاذبون المفترون بوفور حولنا وقوتنا أَيغترون على قوتهم وجسامتهم وينكرون كمال قدرة الله وشدة انتقامه وَلَمْ يَرَوْا ولم يعلموا أَنَّ اللَّهَ العزيز القدير الَّذِي خَلَقَهُمْ وأظهرهم من كتم العدم ولم يكونوا شيأ مذكورا هُوَ سبحانه بعلو شأنه وبكمالات أسمائه وصفاته أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وأتم حولا وقدرة واحكم بطشا وانتقاما وَلكن قد كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ وينكرون بحسب الظاهر عنادا ومكابرة واغترارا بما معهم من الثروة والجسامة وبعد ما تمادوا على غيهم وأصروا على عتوهم وضلالهم
فَأَرْسَلْنا بمقتضى قهرنا وجلالنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً باردة شديدة عقيمة من المطر تعميهم بنقعها وغبارها وتصمهم بصرصرها فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لا سعود فيها يعنى بدلنا مسعودات ايامهم بالمنحوسات لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ اى المذلة والهوان اللازم على العذاب حيث كان ونزل فِي الْحَياةِ الدُّنْيا التي هم مغرورون فيها مسرورون بلذاتها وشهواتها وَالله لَعَذابُ النشأة الْآخِرَةِ المعدة للجزاء والانتقام أَخْزى اى أشد خزيا وأتم تذليلا وتصغيرا إذ هو
стр. 853
بأضعاف عذاب الدنيا وآلافها وَبالجملة هُمْ لا يُنْصَرُونَ ولا يشفعون فيها لا يدفع العذاب عنهم طرفة ولا يخفف لمحة بل يخلدون في العذاب الأليم ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ بإرسال الرسل إياهم ليرشدوهم الى طريق النجاة وينقذوهم عن الضلال وبعد ما بلغهم الرسل من آيات الهداية وامارات الرشد كذبوهم وأنكروا على هدايتهم وإرشادهم فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى والضلال حسب عمههم وغفلتهم عَلَى الْهُدى المنزل إليهم من لدنا على ألسنة رسلنا وبعد ما أصروا على ما هم عليه من الغواية فَأَخَذَتْهُمْ بغتة صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ المخزى المذل النازل من نحو السماء على صورة الصاعقة السريعة الجري والحركة فاستأصلهم بالمرة بِما كانُوا يَكْسِبُونَ اى بشؤم ما يقترفون من المعاصي والآثام الجالبة إياهم شدة غضب الله وعذابه
وَمن كمال قدرتنا على الانعام والانتقام نَجَّيْنَا من تلك الصاعقة المهولة المهلكة القوم الَّذِينَ آمَنُوا برسلنا واهتدوا بهدايتهم مع انهم قد كانوا فيهم مجاورين معهم وَسبب تخليصنا إياهم انهم قد كانُوا يَتَّقُونَ عن محارمنا ومنهياتنا مع كونهم متصفين بكمال الايمان والتوحيد
وَاذكر يا أكمل الرسل لمن عاندك من المشركين يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ بعد العرض والحساب إِلَى النَّارِ المعدة لجزائهم فَهُمْ حينئذ يُوزَعُونَ اى يذبون ويدفعون يعنى يحبس اولهم ومقدمهم على آخرهم لئلا ينقطع ائتلافهم وتلاحقهم
حَتَّى إِذا ما جاؤُها اى حضروا النار وازدحموا حولها مجتمعين كالحين فزعين مجادلين منكرين بصدور اسباب العذاب عنهم مع انهم يحاسبون أولا ثم يساقون نحو النار ولإسكاتهم وتبكيتهم عن الجدال والمراء شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ اى اعترفت جوارحهم وقواهم بإنطاق الله إياها بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ويقترفون بها من المعاصي والمحرمات والمنهيات
وَبعد ما سمعوا من اركانهم وقواهم ما سمعوا من الاعتراف قالُوا موبخين مقرعين لِجُلُودِهِمْ وجوارحهم المعترفة بذنوبهم لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا مع انا لا نعذب الا بكم ومعكم من اين تجترءون على نفوسكم بالعرض على العذاب المؤبد ايها الحمقى الجهلاء قالُوا اى الجوارح والقوى ما كنا مختارين في هذه الشهادة والاعتراف بل قد أَنْطَقَنَا اللَّهُ القادر المقتدر الحكيم العليم الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ بآيات وجوب وجوده ودلائل وحدته بمقتضى جوده وليس بعجب من قدرته سبحانه انطاقنا بما اقترفتم بنا من المعاصي والآثام المخالفة لأمره وحكمه غيرة منه سبحانه وقهرا على من خرج عن ربقة عبوديته بترك أوامره وأحكامه وَكيف لا يغار ولا يقهر سبحانه عليكم ايها المفسدون المسرفون مع انه هُوَ بذاته وبمقتضى أسمائه وصفاته خَلَقَكُمْ وأظهركم من كتم العدم خلقا إبداعيا أَوَّلَ مَرَّةٍ بلا سبق مادة ومدة وشركة من احد ومظاهرة وَإِلَيْهِ ايضا آخر مرة كذلك تُرْجَعُونَ رجوع العكوس والاظلال الى الأضواء والأمواج الى الماء فمن اين تستنكفون عن عبوديته وتخرجون عن حكمه وامره. ثم قال سبحانه تذكيرا لما هم عليه عند ارتكاب المعاصي توبيخا لهم وتقريعا
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ يعنى لم تكونوا متسترين مستترين عند ارتكاب الفواحش والمحظورات مخافة أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ عند الله في يوم الجزاء لإنكاركم به وبما فيه بل انما تستترون وتكتمون معاصيكم وقبائحكم مخافة فضاحتكم واشتهاركم بين بنى نوعكم بالمذامّ والمقابح وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ بالله ظن السوء وهو أَنَّ اللَّهَ المطلع بسرائر الأمور وخفياتها لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ
стр. 854
في خلواتكم لذلك اجترأتم على اقتراف المعاصي وارتكاب المحرمات
وَذلِكُمْ اى هذا الذي نسبتم الى الله بقولكم هذا ظَنُّكُمُ السوء وزعمكم الفاسد الَّذِي ظَنَنْتُمْ به بِرَبِّكُمْ العليم الخبير بجميع ما صدر عنكم وبالجملة هذا الظن الفاسد والوهم الكاسد أَرْداكُمْ وأهلككم في تيه الجهل والضلال وبعد ما قد فوتم على انفسكم اسباب السعادة والهداية وأصررتم على ما يوجب الشقاوة والضلال فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ زمرة الْخاسِرِينَ وانقلبتم صاغرين مهانين فصرتم في النار خالدين وبعد ما ادخلوا في النار المسعرة بأنواع المذلة والهوان
فَإِنْ يَصْبِرُوا على فوحاتها والتهاباتها الشديدة فَالنَّارُ مَثْوىً ومنزلا لَهُمْ ابد الآباد ولا نجاة لهم منها أصلا وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا ويبثوا الشكوى والعتبى ويظهروا الكآبة وعدم الطاقة فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ المجابين بازالة العتبى والشكوى بل كلما يظهروا العتاب يضاعف لهم العذاب
وَكيف يزال عتابهم ولا يضاعف عليهم عذابهم إذ قد قَيَّضْنا وقدرنا لَهُمْ فيما هم عليه من الكفر والشقاق وانواع الفسوق والنفاق قُرَناءَ إخوانا وأخلاء من الشياطين يوحون إليهم ما يبعدهم عن الحق واهله فَزَيَّنُوا لَهُمْ وحسنوا لطباعهم ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من اتباع الشهوات وارتكاب المناهي والمحظورات وَانكار ما خَلْفَهُمْ من الأمور الاخروية مواعيدها ووعيداتها وَبسبب ارتكاب المعاصي واصغائهم قول قرنائهم قد حَقَّ وثبت عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وصدرت كلمة العذاب المؤبد من لدنا إياهم وما يبدل القول لدينا وليس هذا مخصوصا بقوم دون قوم بل قد جرت ومضت سنتنا كذلك فِي كل أُمَمٍ مفسدة مشركة قَدْ خَلَتْ ومضت مِنْ قَبْلِهِمْ اى قبل هؤلاء المشركين المسرفين سواء مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ اى المكلفين منهما وانما استحقوا العذاب المؤبد والنكال المخلد إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ خسرانا مبينا لاستبدالهم اسباب السعادة والهداية بالشقاوة والضلال
وَمن شدة غيهم وضلالهم المفضى الى الخسران العظيم قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بك وبدينك وكتابك يا أكمل الرسل حين تلاوتك وتبليغك عليهم آيات القرآن لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ ولا تلتفتوا الى محمد حين قراءته بل وَالْغَوْا فِيهِ بالصياح وإنشاد الاشعار وخلط الأصوات وسائر الخرافات لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ محمدا وتدفعون قراءته وتخجلونه فيسكت وبالجملة هم من شدة شكيمتهم وغيظهم وان بالغوا في تخجيلك وتخذيلك يا أكمل الرسل لا تبال بهم وبفعلهم هذا
فَلَنُذِيقَنَّ لهؤلاء المفرطين المسرفين الَّذِينَ كَفَرُوا بك وأساءوا الأدب معك عَذاباً شَدِيداً منتقمين عنهم في النشأة الاولى وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ في النشأة الاخرى أَسْوَأَ اى أشد وأقبح من الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ معك بأضعافها وآلافها
ذلِكَ العذاب الأسوء الأشد جَزاءُ اعمال أَعْداءِ اللَّهِ الذين عاندوا معك يا أكمل الرسل واستهزؤا بك وبكتابك بطرين بما معهم من الجاه والثروة ألا وهي النَّارُ المسعرة المعدة لدخولهم ونزولهم فيها بل لَهُمْ فِيها اى في النار دارُ الْخُلْدِ والاقامة على وجه الخلود وانما صارت كذلك ليكون جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ وينكرون بها ويكذبون بمن انزل اليه ويستهزؤن
وَبعد ما استقر اهل النار في النار بأنواع السلاسل والأغلال قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وبرسله وكتبه في النشأة الاولى متحسرين متأسفين متضرعين الى الله مناجين له رَبَّنا يا من ربانا على فطرة الإسلام والتوحيد فكفرنا بك وأشركنا معك غيرك في الوهيتك بإضلال قرنائنا الضالين المضلين أَرِنَا وبصرنا حسب لطفك وجودك الشيطانين
стр. 855
الَّذِينَ قد أَضَلَّانا عن طريق توحيدك وتصديق كتبك ورسلك الكائنين مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ اى المضلين اللذين قد أضلانا من هذين الجنسين بأنواع الوساوس والتلبيسات والتغريرات نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لننتقم عنهم جزاء ما قد فوتوا عنا سعادة الدارين وفلاح النشأتين وانما نرجو منك هذا يا مولانا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ التابعين لنا كما قد كنا كذلك بالنسبة إليهم في النشأة الاولى وبالجملة انما قالوا ما قالوا تحسرا وتضجرا. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته في كتابه
إِنَّ الموحدين الَّذِينَ قالُوا في السراء والضراء وفي السر والعلن رَبُّنَا اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد ثُمَّ اسْتَقامُوا وثبتوا على ما اعترفوا وأقروا بأعمالهم وأحوالهم ونياتهم المترتب عليها عموم أفعالهم تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ وعلى اعانتهم وشرح صدورهم وتهذيب أخلاقهم الْمَلائِكَةُ المترصدون لأمر الله القائمون لحكمه قائلين لهم مبشرين إياهم أَلَّا تَخافُوا على فرطاتكم التي صدرت عنكم قبل انكشافكم بسرائر التوحيد واليقين وَلا تَحْزَنُوا بما جرى عليكم من مقتضيات بشريتكم وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ بألسنة انبيائكم ورسلكم الهادين المهديين وكما وفقناكم على انكشاف سرائر توحيدنا والتخلق باخلاقنا
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ
نتولى عموم أموركم كذلك بحيث نكون سمعكم وبصركم وجميع قواكم وجوارحكم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
حسب اسمنا الظاهر وَفِي الْآخِرَةِ
ايضا كذلك حسب اسمنا الباطن
وَبالجملة لَكُمْ
منا وراء ذلك تفضلا من لدنا وإحسانا فِيها
اى في الآخرة ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
من اللذات الروحانية حسب استعداداتكم الفطرية وقابلياتكم الجبلية الفائضة عليكم حسب جودنا الواسع
وَبالجملة لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ
تطلبون وتتمنون وقت دعائكم في نشأة الدنيا حسب عقولكم وهوياتكم كل ذلك قد صار
نُزُلًا معدا لكم قبل نزولكم فيها تفضلا عليكم وإحسانا مِنْ غَفُورٍ ستار لأنانياتكم محاء لذنوب هوياتكم رَحِيمٍ موصل لكم بمقتضى سعة رحمته وجوده الى زلال توحيده
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا وأصلح عملا وأكمل ايمانا واعتقادا وأتم معرفة وتوحيدا مِمَّنْ دَعا اى ارشد وهدى إِلَى اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المستقل بالالوهية والربوبية المتفرد بالوجود والديمومية وَمع ذلك قد عَمِلَ عملا صالِحاً مطابقا موافقا لصفاء مشرب التوحيد مجتنبا عن رعونات العجب والرياء وتخمينات التقليد والهوى وَبالجملة قالَ بعد ما نال الى ما نال وفنى إِنَّنِي مِنَ زمرة الْمُسْلِمِينَ المسلمين المنقادين المفوضين الى الله جميع ما لاح عليهم من بروق تجلياته الجمالية والجلالية ومالي ايضا الا التسليم والرضاء بعموم ما مضى عليه القضاء. ثم قال سبحانه على سبيل التعليم والإرشاد لعموم العباد
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ اى لا يستوي جنس الحسنات بل هي متفاوتة في الحسن والبهاء وَلَا السَّيِّئَةُ وكذا لا يستوي جنس السيئات ايضا كذلك إذ بعضها أسوأ من بعض ادْفَعْ ايها السالك القاصد سلوك طريق التوحيد من جادة العدالة المنكشفة لأكمل الرسل وأفضل الأنبياء الهادين المرشدين الى بحر الوحدة الذاتية من جداول الأسماء والصفات المترشحة منها حسب تموجاتها وتطوراتها المتفرعة على شئوناتها الذاتية بِالَّتِي اى بالخصلة الحسنة التي هِيَ أَحْسَنُ الحسنات أسوأ السيئات وداوم عليها وتخلق بها حتى تستوي وتستقيم أنت على جادة العدالة الإلهية وبعد استقامتك وتحققك في هذه المرتبة فَإِذَا الَّذِي قد كان بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ مستمرة ناشئة من القوى البهيمية من كلا الطرفين
стр. 856
قد صار صديقك وخليلك الى حيث كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حفيظ لك رقيب على حضانتك عن جميع ما يؤذيك ويرديك فكيف يتأتى منه ان يؤذيك إذ هو حَمِيمٌ مشفق كريم رؤف رحيم لك لا يخاصمك أصلا
وَلكن ما يُلَقَّاها اى تلك الخصلة الحميدة الحسنة التي هي دفع الإساءة بالإحسان والمكروه بالمعروف والقهر باللطف إِلَّا الرجال الابطال المتحملون الَّذِينَ صَبَرُوا على كظم الغيظ وتحمل المتاعب والمشاق المتعاقبة على نفوسهم لتحققهم بمقام الرضاء والتسليم بما مضى عليهم من القضاء وتمكنهم في مقر التوحيد المسقط للاضافات المستلزمة لانواع الاختلافات والانحرافات وَبالجملة ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ونصيب كامل من الكشف والشهود باسرار الوجود بمقتضى الجود الإلهي وبعد ما ارشد سبحانه عموم عباده الى طريق النجاة وعلمهم الخصلة المحمودة المخلصة لهم عن اودية الضلالات واغوار الجهالات وأوصاهم بما أوصاهم به من الصبر والثبات على تحمل المشاق والمكروهات خاطب سبحانه حبيبه ﷺ بما خاطب حثا له ولمن تبعه واسترشد منه على دفع ما يمنعهم عن الاتصاف بتلك الخصائل الحميدة ويعوقهم منها بالإضلال والإغواء فقال
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ ويعرضن عليك يا أكمل الرسل مِنَ الشَّيْطانِ المضل المغوى نَزْغٌ نخس يحرك غضبك وحمية بشريتك ويوقعن فيك بوسوسته فتنة تبعثك على الانتقام ممن أساء بترك تلك الخصلة المحمودة فَاسْتَعِذْ اى بادر على الاستعاذة واللجأ بِاللَّهِ المقلب للقلوب وفوض أمورك كلها اليه سبحانه على وجه التبتل والإخلاص لتأمن من غوائله وتلبيساته إِنَّهُ سبحانه هُوَ السَّمِيعُ لمناجاتك الْعَلِيمُ بعموم حاجاتك وبخلوص نياتك فيها.
ثم قال سبحانه ردا على المشركين المتخذين شركاء لله من مظاهره ومصنوعاته ظلما وزورا يعبدونهم كعبادته
وَمِنْ آياتِهِ اى من جملة الدلائل الدالة على قدرة الصانع الحكيم اللَّيْلُ المظلم وَالنَّهارُ المبصر المضيء وَكذا الشَّمْسُ المشرقة في النهار وَالْقَمَرُ المنير في الليل قل لهم يا أكمل الرسل على سبيل التنبيه والتذكير لا تَسْجُدُوا اى لا تعبدوا ولا تتذللوا ايها الاظلال الهالكة المستهلكة في شمس الذات لِلشَّمْسِ الهالكة المستهلكة أمثالكم في شروق ذاته سبحانه وَلا لِلْقَمَرِ المستفيد منها بالطريق الاولى بل وَاسْجُدُوا وتذللوا بوضع جباهكم وجوارحكم على تراب المذلة والهوان لِلَّهِ الواحد الأحد المقتدر العزيز الَّذِي خَلَقَهُنَّ اى اوجدهن واظهرهن من كنتم العدم على سبيل الإبداع بلا سبق مادة وزمان بل بمجرد امتداد اظلال أسمائه وبسط عكوس أوصافه على مرآة العدم فعليكم الإطاعة والانقياد اليه والتوجه نحوه على وجه الإخلاص والاختصاص فاعبدوه إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ سبحانه تَعْبُدُونَ ايها العابدون المخلصون وبعد ما بلغت إليهم يا أكمل الرسل ما بلغت من الحق الحقيق بالقبول والاتباع
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا واستنكفوا عن سجود الله وأصروا على ما هم عليه من سجود غيره اعرض عنهم وعن نصحهم ولا تبال بهم وبشأنهم فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل من الملائكة المهيمين المستغرقين بمطالعة جماله وجلاله الموحدين المفنين هوياتهم في هوية الله يُسَبِّحُونَ لَهُ ويقدسون ذاته عن شوب الشركة مطلقا قولا وفعلا خاطرا وناظرا بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ اى في عموم الأوقات والحالات وَهُمْ من غاية شوقهم وتحننهم لا يَسْأَمُونَ اى لا يملون ولا يفترون منها أصلا ومع ذلك هو سبحانه غنى عن عبادتهم فكيف عن عبادة هؤلاء الحمقى المنغمسين في بحر الجهل التائهين في تيه الضلال
وَايضا مِنْ جملة آياتِهِ
стр. 857
الدالة على وحدة ذاته وكمال أسمائه وصفاته أَنَّكَ يا أكمل الرسل انما وجه سبحانه أمثال هذه الخطابات للنبي ﷺ مع انه يصلح لعموم الناس لكمال لياقته بمطالعة آيات الله وخبرته منها تَرَى الْأَرْضَ اى الطبيعة العدمية الجامدة اليابسة خاشِعَةً ذليلة ساقطة عن درجات الاعتبار فَإِذا أَنْزَلْنا من مقام جودنا ورششنا عَلَيْهَا الْماءَ المحيي المترشح من بحر الوجود الذي هو الحي الأزلي والقيوم الأبدي السرمدي اهْتَزَّتْ اى تحركت وارتعدت اهتزازا شوقيا وَرَبَتْ اى زادت ونمت مع انها لا شعور فيها بل لا وجود لها أصلا وبالجملة إِنَّ القادر المقتدر الحكيم الَّذِي أَحْياها مع انها لم تكن في ذاتها شيأ مذكورا لَمُحْيِ الْمَوْتى مرة اخرى بعد ما كانت احياء بالطريق الاولى وبالجملة إِنَّهُ سبحانه عَلى كُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة علمه وارادته قَدِيرٌ بلا فتور وقصور. ثم قال سبحانه تهديدا على منكري الآخرة وقدرة الله على اعادة الموتى وحشر الأجساد
إِنَّ المسرفين الَّذِينَ يُلْحِدُونَ اى يميلون وينحرفون فِي آياتِنا الدالة على عظمة ذاتنا وكمال قدرتنا على انواع الانتقام لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا اى لا يشتبه حالهم علينا بل نحن عالمون بهم وبجميع ما جرى في ضمائرهم وخلج في خواطرهم من الميل والانحراف فنجازيهم بمقتضى الحادهم وانحرافهم باشد العذاب وأسوأ الجزاء أَفَمَنْ يُلْقى ويطرح فِي النَّارِ خَيْرٌ اى قل لهم يا أكمل الرسل على وجه التوبيخ والتقريع أمن يلقى في النشأة الاخرى في النار المسعرة بأنواع المذلة والهوان خير عندهم أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً من العذاب مسرورا يَوْمَ الْقِيامَةِ مقرونا بأنواع الفتوحات والكرامات الموهوبة له من ربه تفضلا عليه وإحسانا وبالجملة قل يا أكمل الرسل للملحدين المصرين على الميل والانحراف على سبيل التبكيت والتهديد اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ من الخوض في آيات الله والميل عن دلائل توحيده إِنَّهُ سبحانه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ اى بعموم ما تعملون وتأملون خبير يجازيكم عليه بلا فوت شيء منه ثم اعرض عنهم ودعهم في خوضهم يلعبون. ثم قال سبحانه على وجه التخصيص بعد التعميم
إِنَّ المشركين المفرطين الَّذِينَ كَفَرُوا وأنكروا بِالذِّكْرِ الشامل لما في الكتب السالفة المنزل على أكمل الرسل تفضلا منا إياه وتكريما لَمَّا جاءَهُمْ اى حين جاءهم به الرسول المؤيد من لدنا المرسل إليهم ليرشدهم به الى سبيل الهداية والرشد هم يعاندون في تكذيبه ويكابرون في إنكاره وقدحه عتوا واستكبارا وَكيف يفرطون في علو شأنه سبحانه ويكابرون في سمو برهانه إِنَّهُ اى القرآن لَكِتابٌ عَزِيزٌ منيع ساحة عزته ورتبته وعلو قدره ومكانته عن ان يحوم حوله شائبة الجدل والعناد إذ
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ الزائغ الزائل في خلال أوامره وأحكامه لا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ بان يتصف حكمه وأحكامه حين نزوله وظهوره بعدم المطابقة لما في الواقع وبما في علم الله ولوح قضائه وَلا مِنْ خَلْفِهِ بان يلحقه نسخ وتبديل كالكتب السالفة إذ هو تَنْزِيلٌ منزل مِنْ حَكِيمٍ كامل في الإتقان والاحكام عليم بأساليب الحكم والاحكام حَمِيدٍ في ذاته يحمده كل الأنام على ما أفاض عليهم من موائد الإفضال والانعام. ثم أخذ سبحانه ليسلى حبيبه ﷺ ويزيل عنه أذى الكفرة الجهلة المعاندين معه بمقتضى آرائهم الباطلة واهويتهم الفاسدة العاطلة فقال
ما يُقالُ لَكَ اى ما يقول لك كفار قومك ليس إِلَّا مثل ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ الذين مضوا مِنْ قَبْلِكَ من قبل قومهم فصبروا على أذاهم حتى ظفروا عليهم فانتصروا فاصبر أنت ايضا أذى هؤلاء المعاندين حتى تظفر عليهم وبعد ما ظفرت يؤمنوا بك او
стр. 858
يصروا في عنادهم إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ على المؤمنين بك يغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر ان أخلصوا في ايمانهم وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ على من تولى واستكبر وأصر على كفره ولم يؤمن وبعد ما قدح كفار مكة في شأن القرآن وقالوا هلا نزل بلغة العجم كالكتب السالفة مع انه لم يعهد منه سبحانه إنزال كتاب بلغة العرب قط رد الله عليهم قولهم هذا بقوله
وَلَوْ جَعَلْناهُ اى الذكر المنزل عليك يا أكمل الرسل قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا في شأنه من شدة بغضهم وشكيمتهم معك لَوْلا فُصِّلَتْ وهلا أوضحت وبينت آياتُهُ بلسان نفقهها وندكرها نحن مع انه انما انزل إليك وإلينا ونحن وأنت لا نفهم لغة العجم ثم يأخذون في القدح والاستهزاء بوجه آخر ويقولون على سبيل التعجب والاستبعاد أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ يعنى أينزل كلام اعجمى من قبل الحق على سبيل الوحى على بنى عربي لا شعور له بكلام العجم أصلا ليرشد العرب به ويبين لهم ما فيه كلا وحاشا ما هذا الا كذب مفترى وبالجملة لا يسكتون أولئك المعاندون عن القدح والطعن فيه بحال وبعد ما أوضح الحق حالهم في التعنت والعناد قال لحبيبه قُلْ يا أكمل الرسل كلاما خاليا عن وصمة المراء والجدال هُوَ اى القرآن لِلَّذِينَ آمَنُوا به وامتثلوا بأوامره واجتنبوا عن نواهيه وتنبهوا من رموزه وإشاراته واعتبروا من عبره وأمثاله وقصصه واخباره هُدىً يهديهم الى الحق الصريح ويوصلهم الى محض اليقين والتحقيق وَشِفاءٌ لما في النفوس المراض من الجهل والضلال وسائر الأمراض العضال الموروثة لهم من تقليدات آبائهم وتخمينات اوهام صناديدهم ورؤسائهم وَالمكابرون الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ به ولا يصدقون نزوله بل يكذبونه ويستهزؤن مع من انزل اليه هو بالنسبة إليهم فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ مستقر وصمم شديد يصمهم عن استماع آياته الدالة على تهذيب الظاهر والباطن بل وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى يعمى عيون أبصارهم وبصائرهم عن رؤية الحق الظاهر في الأنفس والآفاق وبالجملة أُولئِكَ البعداء عن ساحة عز الحضور يُنادَوْنَ الى مقصد التوحيد مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ بمراحل عن الوصول يعنى هم وان جبلوا على نشأة التوحيد صورة الا انهم قد احطوا أنفسهم عنها وألحقوها بالمراتب التي هي مرتبة البهايم بل صاروا انزل منها وابعد لذلك ينادون من مكان بعيد ان نودوا
وَبالجملة ان عاندوا معك يا أكمل الرسل واختلفوا في كتابك بالتصديق والتكذيب لا تبال بهم وبردهم وقبولهم فانا لَقَدْ آتَيْنا من كمال فضلنا وجودنا أخاك مُوسَى الكليم الْكِتابَ العظيم التورية المشتمل على ضبط ظواهر الاحكام وبواطنها حفظا لهم وضبطا لأمور معاشهم ومعادهم ومع ذلك فَاخْتُلِفَ فِيهِ وخولف في شأنه فقبله بعضهم ورده الآخر مثل ما يفعل هؤلاء الغواة مع كتابك هذا وبالجملة ليس هذه الديدنة ببدع من هؤلاء الجهلة بل هي من جملة العادات القديمة والشيم المستمرة وَبالجملة لَوْلا كَلِمَةٌ موعودة معهودة سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ من أخذ الظالم منهم على ظلمه في يوم الجزاء لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وحكم بأخذهم بمقتضى ظلمهم في يومهم هذا واستئصالهم بالكلية بلا امهال لهم لاستئصالهم واستحقاقهم بالأخذ والانتقام لكن قد ثبت حكمه سبحانه على ما قد وعد وقضى إذ ما يتبدل القول لديه وَإِنَّهُمْ من غاية تماديهم في الغفلة والاعراض عن الحق واقتداره على وجوه الانتقام لَفِي شَكٍّ عظيم مِنْهُ اى من قضاء الله وحكمه المبرم في يوم الجزاء مُرِيبٍ فيه ريبا منتهيا الى الإنكار والتكذيب وبالجملة لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبريبهم وانكارهم وطغيانهم فاعلم انه
مَنْ عَمِلَ من عبادنا عملا صالِحاً فَلِنَفْسِهِ اى صلاحه عائد الى
стр. 859
نفسه راجع الى إصلاح حاله في معاشه ومعاده وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها اى رجع وبال اساءتها ايضا على نفسها وَبالجملة ما رَبُّكَ المنزه في ذاته عن اطاعة المطيع وعصيان العاصي بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ اى لا ينقص من أجور المطيعين ولا يزيد على جزاء العاصين بل يتفضل على اهل الطاعة فوق ما استحقوا بأعمالهم أضعافا وآلافا عناية منه وفضلا ويقتصر على اصحاب المعصية والضلال بجزاء ما اقترفوا لأنفسهم عدلا منه وقهرا وكيف لا يتفضل سبحانه على ارباب العناية ولا يعدل على اصحاب الغواية إذ إِلَيْهِ لا الى غيره من اظلال الوسائل والأسباب
يُرَدُّ ويرجع عِلْمُ السَّاعَةِ اى العلم المتعلق بوقت قيامها وكيفية ما جرى فيها من الأهوال والافزاع إذ هي من جملة الغيوب التي قد استأثر الله بها ولم يطلع أحدا عليها وَايضا يرجع على علمه سبحانه ما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ اى أجناس الثمار مع اختلاف أنواعها وأصنافها حتى تخرج مِنْ أَكْمامِها اى أوعيتها التي فيها أنوارها وازهارها الحاصلة منها الأثمار إذ هي ايضا من جملة الأمور الغيبية المستأثر بها سبحانه وَكذا ما تَحْمِلُ وتحبل مِنْ أُنْثى اى قوابل الحمل والحبل وَلا تَضَعُ حملها بمكان من الأمكنة إِلَّا بِعِلْمِهِ سبحانه وحضوره إذ هو العالم لا غيره بما في الأرحام وبمدة بقائه فيها وخروجه منها لا اطلاع لاحد عليها وَاذكر يا أكمل الرسل لمن أشرك بالله واثبت الوجود لغيره وأجاز الشركة في ألوهيته وربوبيته عدوانا وظلما يَوْمَ يُنادِيهِمْ الله حين أراد الانتقام عنهم موبخا لهم ومقرعا إياهم أَيْنَ شُرَكائِي الذين تزعمون أنتم شركتهم معى وشفاعتهم لدى احضروهم لينجوكم من عذابي ويشفعوا لكم عندي وبعد ما سمعوا النداء الهائل المهول قالُوا متأسفين متحزنين آذَنَّاكَ وقد أعلمناك يا مولانا اليوم وان كنت أنت اعلم منا بحالنا انا ما مِنَّا اى ما احد منا اليوم مِنْ شَهِيدٍ ليشهد على شركة شركائنا الذين قد ادعينا شركتهم معك ظلما وزورا
وَبعد ما تقولوا من شدة الأسف ونهاية الحسرة والضجرة قد ضَلَّ عَنْهُمْ وغاب عن بصائرهم وأبصارهم ما كانُوا يَدْعُونَ ويعبدون اليه مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا بل تيقنوا حينئذ ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ مهرب ومخلص من عذاب الله وبالجملة تندموا وما ينفعهم الندم ورجعوا الى الله حينئذ وما يفيدهم رجوعهم لانقضاء نشأة التدارك والاختبار ومن العادة القديمة والديدنة المستمرة انه
لا يَسْأَمُ اى لا يمل ولا يفتر الْإِنْسانُ المجبول على جلب الإحسان مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ لنفسه وجذب المنفعة نحو ذاته بل صار ابدا حريصا عليها مولعا لاقتنائها وجمعها وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ ولحق به الضر في حين من الأحيان فَيَؤُسٌ من قدرة الله على رفع الضر عنه وجلب النفع إياه مع انه قد أزال عنه مرارا قَنُوطٌ من فضل الله ومن سعة رحمته وجوده
وَمن غاية يأس الإنسان وشدة قنوطه عن مقتضى فضلنا وجودنا لَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً ووفرناها عليه بحيث تسرى في جميع اجزائه مع كونها تفضلا مِنَّا إياه بلا استحقاق من جانبه واقتراف من لدنه غاية ما في الباب انها فائضة عليه موهوبة إياه مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ولحقت إياه اوائلها إذ المساس يحصل بمجرد الملاقاة لَيَقُولَنَّ معرضا عن الله هذا لِي وانا استحق بها لاحتمالى الشدائد ولكمال فضلي ووفور عملي او هذالى بمقتضى ذاتى وَبالجملة ما أَظُنُّ السَّاعَةَ الموهومة الموعودة قائِمَةً آتية وَلَئِنْ فرضت وقوعها وقيامها على الوجه الذي زعم الرسل المدعون ونطقت به الكتب المزورة المفتراة ورُجِعْتُ إِلى رَبِّي كما زعموا إِنَّ لِي قد حق وثبت لي عِنْدَهُ
стр. 860
سبحانه لَلْحُسْنى اى الحالة التي هي احسن الحالات وأكرم الكرامات لاستحقاقى بها واقتضاء ذاتى إياها وبالجملة انما يقول على سبيل الاستهزاء والتهكم فَلَنُنَبِّئَنَّ ولنخبرن حين الجزاء الكافرين الَّذِينَ كَفَرُوا بوفور قدرتنا وقوتنا على وجوه الأخذ والانتقام بِما عَمِلُوا من الجرائم العظام وكبائر الآثام وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ مؤلم فظيع فجيع لا يمكنهم الخلاص عنه
وَمن شدة طغيان الإنسان ونهاية كفرانه وعدوانه إِذا أَنْعَمْنا وأكرمنا من مقام جودنا عَلَى الْإِنْسانِ المجبول على الكفران والنسيان أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ اى تباعد عنا ولم يشكر على نعمنا ولم يلتفت الى موائد كرمنا وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ ولحقه الضر فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ كثير ممتد عرضا وطولا وهو كناية عن الحاحهم ولجاجهم في طلب الكشف والتفريج من الله عند نزول البلاء وإلمام المصيبة
قُلْ يا أكمل الرسل لمنكري القرآن والقادحين فيه على سبيل الظلم والعدوان أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كانَ القرآن منزلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بحسب الواقع مع انه لا شك في نزوله من عنده ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ بلا تأمل وتدبر في دلائل صدقه وبراهين اعجازه لفظا ومعنى مَنْ أَضَلُّ سبيلا ورأيا وطريقا مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ وخلاف شديد عن الحق وقبوله وبالجملة من أضل منكم حينئذ ايها القادحون الطاعنون المنكرون له مع وضوح محجته وسطوع برهانه. ثم أشار سبحانه الى وحدة ذاته وكمال ظهوره حسب أسمائه وصفاته في عموم مظاهره ومصنوعاته وحيطته عليها وشموله إياها ليكون دليلا على حقية كتابه وصدوره منه فقال
سَنُرِيهِمْ اى المجبولين على فطرة التوحيد المخلوقين على نشأة الايمان والعرفان الموفقين على كمال الكشف والعيان آياتِنا اى دلائل توحيدنا الدالة على وحدة ذاتنا الظاهرة فِي الْآفاقِ اى ذرات الأكوان الخارجة عن نفوسهم المدركة بآلاتهم وحواسهم سميت بها لطلوع شمس الحقيقة منها وظهورها عليها وَفِي أَنْفُسِهِمْ اى ذواتهم التي هي أدل دليل على معرفة الحق ووحدته لذلك قال اصدق القائلين وأكمل الكاملين من عرف نفسه فقد عرف ربه وانما نريهم ما نريهم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ ويظهر دونهم وينكشف عليهم أَنَّهُ اى الأمر الظاهر والشأن المحقق المتحقق في الأنفس والآفاق هو الْحَقُّ الحقيق بالتحقق والثبوت بالاستقلال والاستحقاق بمقتضى صرافة وحدته الذاتية والقرآن المعجز ايضا من جملة مظاهره وآثار صفاته الذاتية. ثم لما أشار سبحانه الى وحدة ذاته بالنسبة الى عموم عباده أراد ان ينبه على المستكشفين من ارباب المحبة والولاء الوالهين بمطالعة وجهه الكريم فخاطب لحبيبه ﷺ إذ هو الحرى بأمثال هذه الخطابات العلية فقال مستفهما على سبيل التعجب والاستبعاد إذ هو ادخل في التنبيه والتنوير أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ اى أيشكون أولئك المكلفون الشاكون في وجود مربيك الذي هو مربيهم ايضا يا أكمل الرسل ويترددون في تحققه وظهوره ولم يكف لهم دليلا أَنَّهُ بذاته وبعموم أسمائه وصفاته عَلى كُلِّ شَيْءٍ مما لاح عليه برق وجوده ورشاشة نوره شَهِيدٌ حاضر غير مغيب عنه وبالجملة او لم يكف لهم دليلا على تحقق الحق حضوره مع كل شيء من مظاهره ثم نور سبحانه ما نبه عليه على سبيل التعجب والتلويح تأكيدا ومبالغة وزيادة إيضاح وتوضيح فقال
أَلا إِنَّهُمْ بعد ما أضاء لهم شمس الذات من مرايا الكائنات فِي مِرْيَةٍ شك وارتياب مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ فيها ومن مطالعة وجهه الكريم أَلا إِنَّهُ بذاته حسب شئونه وتطوراته المتفرعة على أسمائه وصفاته بِكُلِّ شَيْءٍ من مظاهره ومصنوعاته مُحِيطٌ بالاستقلال والانفراد احاطة ذاتية بلا شوب شركة وشين كثرة إذ لا وجود سواه ولا موجود غيره ولا اله الا هو
стр. 861
خاتمة سورة فصلت
عليك ايها السالك المترقب لشهود الحق من ذرائر عموم المجالى والمظاهر الظاهرة في الأنفس والآفاق ان تصفى سرك وضميرك أولا من وساوس مطلق الأوهام والخيالات العائقة عن التوجه الى صرافة الوحدة الذاتية وتخلى خلدك عن مطلق الإضافات الصارفة عن ذلك بان تكون في نفسك متوجها الى ربك الذي هو عبارة عن حصة لاهوتك ونشأة جبروتك خاليا عنك وعن لوازم ناسوتك وعوارض بشريتك بالمرة بحيث لا شعور لك بما جرى على هويتك أصلا وبالجملة كن فانيا في الله باقيا ببقائه ناظرا بنوره الى وجهه الكريم تفز بنعيم الجنات وعظيم اللذات مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
[سورة الشورى]
فاتحة سورة الشورى
لا يخفى عليك وعلى من تحقق بمرتبة التوحيد وتمكن عليها بلا تردد وتلون ان عموم مراتب الأنبياء والرسل ومشارب الأولياء التابعين لهم المقتفين أثرهم انما هي على صرافة الوحدة الذاتية المسقطة لعموم الكثرات والإضافات وان ما انزل الله على سبيل الوحى والإلهام من الكتب والصحف انما هو لبيان الطرق الموصلة إليها ولهذا نبه سبحانه حبيبه على طريق توحيده بعد ما خاطبه متيمنا باسمه العظيم بِسْمِ اللَّهِ الذي به ظهر على ما ظهر وبطن بصرافة وحدته الذاتية المحيطة بالكل الرَّحْمنِ على عموم الكائنات بافاضة الوجود الذي هو منشأ جميع الكمالات الرَّحِيمِ على خواصها وخلاصتها بالإيصال الى منبع ماء الحياة الذي هو وحدة الذات المسقطة لمطلق الإضافات
[الآيات]
حم
عسق يا حامل وحى الله وما حي الوجود عن غيره وعالم سرائر قدره وعارف سر سريان وحدته الذاتية على قلوب خلص عباده من الأنبياء والأولياء
كَذلِكَ اى مثل ما ذكر في هذه السورة من سرائر التوحيد والأخلاق المرضية يُوحِي إِلَيْكَ يا أكمل الرسل في كتابك هذا وَكذا إِلَى الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِكَ من الأنبياء والرسل في كتبهم وصحفهم اللَّهُ المتوحد بذاته المحيط بعموم مظاهره ومصنوعاته المستقل بأمر الإرسال والإنزال والوحى والإلهام الْعَزِيزُ الغالب في امره وشأنه الْحَكِيمُ المتقن في أفعاله وتدبيراته الجارية في ملكه وملكوته إذ
لَهُ مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وتصرفا إيجادا واعداما إبداء واعادة وَبالجملة هُوَ الْعَلِيُّ المستقل بالعلو في مطلق ملكه وملكوته الْعَظِيمُ في شأنه وامره لا عظمة ولا علو الا له ولا حول ولا قوة الا به ولا حكم ولا حكمة الا منه ومن كمال عزته وعظمته
تَكادُ السَّماواتُ السبع يَتَفَطَّرْنَ بالياء التحتاني والتاء الفوقاني او بالياء التحتاني والنون معناه على كلتا القرائتين يتشققن مِنْ فَوْقِهِنَّ اى من فوق السموات ومن فوق الأرضين السبع من كمال خشية الله ورهبته خوفا من تجليه عليهن باسمه القهار المفنى لعموم الأغيار مطلقا وَالْمَلائِكَةُ ايضا من خشيتهم عن قهر الله وغضبه يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ تعديدا لنعمه المتوالية المترادفة إليهم مع اضافة الشعور والإدراك وأداء لحقوق ربوبيته ومقتضيات ألوهيته وشكرا على إعطاء التمكن والاقتدار على مواظبة عبوديته ومشاهدة آثار سلطنته وعظمته وَيَسْتَغْفِرُونَ ايضا باذنه وبمقتضى امره لِمَنْ فِي الْأَرْضِ من خلص عباده الموحدين المجبولين على صورته المجعولين
стр. 862
لمصلحة خلافته ونيابته أَلا اى تنبهوا ايها الاظلال المنهمكون في بحر الحيرة والضلال إِنَّ اللَّهَ الذي أظهركم من كتم العدم ورباكم بأنواع اللطف والكرم هُوَ الْغَفُورُ الستار لذنوب انانياتكم المحاء لآثام هوياتكم ان تبتم واخلصتم فيها الرَّحِيمُ بكم يقبل منكم توبتكم ويغفر زلتكم ويوصلكم الى ما جبلتم لأجله. ثم قال سبحانه تهديدا على المشركين المتخذين لله المتوحد في ذاته المستقل في وجوده أندادا
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ سبحانه أَوْلِياءَ يوالونهم كولايته سبحانه ويتوجهون نحوهم مثل توجهه لا تلتفت يا أكمل الرسل إليهم ولا تبال بشأنهم إذ اللَّهُ المحيط بذواتهم وأفعالهم وصفاتهم حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ عليم بأعمالهم ونياتهم فيحاسبهم عليها ويجازيهم بمقتضاها وَبالجملة ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ كفيل تخلصهم عن مفاسد أعمالهم ومقابح أفعالهم بل ما أنت الا مبلغ ونذير وبعد ما بلغت وأنذرت لم يبق من أمرك شيء
وَكَذلِكَ اى مثل ما أوحينا وأنزلنا الى من قبلك من الأنبياء والرسل كتبا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل ايضا قُرْآناً عَرَبِيًّا نظما وأسلوبا لِتُنْذِرَ بانذاراته أُمَّ الْقُرى يعنى اهل مكة شرفها الله وَمَنْ حَوْلَها من أقطارها وانحائها كما انذر الأنبياء الماضون اقوامهم عن مطلق الأمور المنافية لسلوك طريق التوحيد وسبيل الهداية والرشد وَتُنْذِرَ خاصة عن الأهوال والأحزان الحاصلة لهم يَوْمَ الْجَمْعِ والحشر والاجتماع على المحشر والموقف بين يدي الله الذي لا رَيْبَ فِيهِ اى في إتيانه ووقوعه وبعد ما اجتمعوا فيه حيارى وسكارى تائهين هائمين يساقون بعد ما يحاسبون نحو الجنة والنار فَرِيقٌ منهم فِي الْجَنَّةِ مسرورون مقبولون وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ محزونون مطرودون
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ الهادي لعباده وأراد هدايتهم جميعا لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً مقتصدة معتدلة على مقتضى صرافة الوحدة الذاتية واعتدالها الحقيقي وَلكِنْ راعى سبحانه مقتضيات أوصافه وأسمائه المتقابلة وشئونه المتخالفة لذلك يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ ويوصله الى فضاء وحدته حسب جوده وحكمته عناية منه وفضلا وولاية لهم ونصرا وَالظَّالِمُونَ الخارجون عن مقتضى العناية الإلهية وولايته حسب قهره وانتقامه إياهم إظهارا لكمال قدرته ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ يواليهم ويشفع لهم عنده سبحانه وَلا نَصِيرٍ ينقذهم من عذابه فظهر ان لا ولاية ولا نصرة الا لله ولا غالب الا هو وان زعموا آلهة سواه
أَمِ اتَّخَذُوا بل أخذوا واثبتوا مِنْ دُونِهِ سبحانه أَوْلِياءَ واعتقدوهم شركاء له سبحانه او شفعاء لهم عنده سبحانه فانه لا تنفعهم موالاتهم واتخاذهم هذا بل تضرهم وتغويهم فَاللَّهُ المستقل بالالوهية والربوبية هُوَ الْوَلِيُّ المقصور على الولاية لأولى في الوجود سواه وَهُوَ بكمال قدرته يُحْيِ الْمَوْتى ويميت الأحياء بالإرادة والاختيار لا فاعل في الوجود الا هو وَبالجملة هُوَ باستقلاله واختياره عَلى كُلِّ شَيْءٍ من مقدوراته ومراداته قَدِيرٌ بلا فتور وقصور
وَبعد ما ثبت ان الولاية المطلقة والقدرة المحققة ثابتة لله منحصرة له لا فاعل في الوجود سواه فاعلموا ايها المكلفون بسلوك طريق الحق وتوحيده ان مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ اى من شعائر الدين ومعالم التوحيد واليقين واختلافكم فيه انه هل هو مفيد لكم في سلوككم أم مفسد فَحُكْمُهُ مفوض إِلَى اللَّهِ وامره موكول الى كتبه ورسله فعليكم التعبد والامتثال بما أمرتم به ونهيتهم عنه على ألسنة الكتب والرسل إذ لا مدبر لأموركم سواه ولا متصرف في الوجود الا هو ذلِكُمُ اللَّهُ الذي سمعتم نبذا من وصفه واستقلاله في ملكه وملكوته رَبِّي وربكم فاعبدوه حق عبادته وفوضوا أموركم كلها اليه وان خوفتمونى بغيره مع انه لا غير في الوجود معه فانا عَلَيْهِ
стр. 863
لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية تَوَكَّلْتُ واتخذته وكيلا يدفع عنى مؤنة جميع من عاداني وَإِلَيْهِ لا الى الوسائل والأسباب أُنِيبُ وارجع في مطلق الخطوب والملمات وكيف لا أتوكل عليه ولا أنيب نحوه إذ هو بذاته حسب شئونه وتطوراته
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مظهرهما وموجدهما من كتم العدم ومدبر ما يتكون بينهما من الطبائع والهيولى وصور المواليد والأركان ومن جملة تدبيراته سبحانه انه جَعَلَ وخلق لَكُمْ ايها المجبولون على فطرة التوحيد إبقاء لتناسلكم وتوالدكم مِنْ أَنْفُسِكُمْ ومن بنى نوعكم أَزْواجاً من جنسكم وصنفكم وجعل بينكم مودة ورحمة إبقاء لنسلكم وَمِنَ الْأَنْعامِ ايضا أَزْواجاً تربية لكم وتتميما لمعاشكم وبالجملة يَذْرَؤُكُمْ يبثكم ويكثركم فِيهِ اى في عالم الظهور ونشأة الشهادة بهذا التدبير البديع كل ذلك لتعلموا وتعرفوا يقينا انه لَيْسَ كَمِثْلِهِ اى ليس مثله سبحانه شَيْءٌ يناسبه في الوجود ويماثله في التحقق والثبوت والمراد بالمثل المنفي هو ذاته اى لا يماثله ذاته فكيف غيره مثل قولهم مثلك لا يبخل بمعنى أنت لا تبخل والمراد به نفى التعدد عنه سبحانه مطلقا على سبيل المبالغة والتأكيد فثبت حينئذ ان لا موجود سواه ولا تحقق لغيره وَمتى ثبت هذا ظهر انه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ اى هو بذاته المنحصر على صفتي السمع والبصر وجميع الأوصاف الذاتية الكاملة الشاملة آثارها في عالمي الغيب والشهادة ونشأتى الاولى والاخرى إذ
لَهُ لا لغيره من الوسائل والأسباب العادية الظاهرة في اظلال المظاهر والمجالى مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مفاتيح خزائن العلويات من الأسماء والصفات وكذا مفاتيح السفليات من مظاهر الطبائع ومرايا الاعدام القابلة لانعكاس اشعة شمس الذات من مشكاة الأسماء والصفات إذ هو بذاته يَبْسُطُ ويفيض الرِّزْقَ الصوري والمعنوي لِمَنْ يَشاءُ من ظلاله وعكوسه وَيَقْدِرُ يقبض عن من يشاء منهم وبالجملة إِنَّهُ سبحانه بذاته وبمقتضى أسمائه وصفاته بِكُلِّ شَيْءٍ دخل تحت ظل وجوده حسب فضله وجوده عَلِيمٌ بعلمه الحضوري لا يعزب عن حضوره شيء مما ظهر وبطن وغاب وشهد ومن كمال توحده واستقلاله في تدبير ملكه وملكوته وحيطة علمه وشمول قدرته
شَرَعَ لَكُمْ اى قد قضى ووضع لكم ايها الاظلال المنهمكون في بحر الحيرة والضلال مِنَ الدِّينِ القويم والطريق المستقيم الموصل الى توحيده ما وَصَّى بِهِ نُوحاً اى دينا قد شرعه ووضعه سبحانه على نوح إذ هو أول من ظهر على نشأة التدين والتشرع في طريق التوحيد ألا وهو توحيد الأفعال وَهذا الدين الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل هو الدين الموصل الى توحيد الذات لذلك ختم ببعثك امر الرسالة والتشريع وبعد ما عين سبحانه مبدأ التوحيد ومنتهاه أشار الى ما بينهما من المراتب فقال وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى اى الأديان التي قد وضعناها على هؤلاء المشاهير وغيرهم من جماهير الأنبياء والرسل المتشرعين هي الأديان الموصلة الى توحيد الصفات وبالجملة قد وصينا لعموم ذوى الأديان أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ المنزل إليهم واستقيموا في الإطاعة والامتثال بأوامر الأديان ونواهيها وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ اى لا تختلفوا في اصل الدين الذي هو التوحيد الإلهي بحال وان كانت الطرق والمناهيج نحوه مختلفة باختلاف ذوى المراتب المترتبة بحسب اختلافاتهم في شئون الحق وتجلياته فلك يا أكمل الرسل ان تدعو الناس الى توحيد الذات المتضمن المستلزم لتوحيد الصفات والأفعال وان كان كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ اى قد شق وعظم عليهم ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اى دعوتك إياهم الى التوحيد الذاتي
стр. 864
إذ لم يعهد هذا من غيرك من الأنبياء الماضين والرسل السابقين لذلك شق عليهم حسدا وغيظا فكيف يحسدون ويغيظون عليك وبشأنك يا أكمل الرسل إذ اللَّهُ العليم الحكيم المطلع على استعدادات العباد وقابلياتهم يَجْتَبِي إِلَيْهِ اى يختار ويجذب نحو التوحيد الذاتي مَنْ يَشاءُ من المجبولين على فطرة التوحيد وَيَهْدِي إِلَيْهِ ويوفق عليه ويرشد نحوه مَنْ يُنِيبُ اليه سبحانه انابة صادرة عن محض الإخلاص والتبتل والتفويض والتوكل
وَبعد ما ثبت ان اصل الأديان كلها هو التوحيد وان الأنبياء والرسل انما جاءوا بأجمعهم لإظهاره وتبيينه وإعلاء كلمته ظهر ان الأمم الهالكة ما تَفَرَّقُوا وما اختلفوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً واقعا بَيْنَهُمْ عدوانا وظلما اعراضا عن الحق واهله وبالجملة ما ظهر بينهم ما ظهر من العداوة والبغضاء الا على سبيل المراء والافتراء وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يا أكمل الرسل وهي امهال انتقامهم وتأخيره إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وحكم عليهم حين اختلافهم ويوم تفرقهم فاستوصلوا فيه بالمرة حتما وَإِنَّ المختلفين المتفرقين الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ المنزل على أسلافهم مِنْ بَعْدِهِمْ اى من بعد انقراض أسلافهم لَفِي شَكٍّ مِنْهُ اى من الكتاب أمثال أولئك الاسلاف الضلال مُرِيبٍ موقع لهم في الريب والضلال لذلك اختلفوا معك يا أكمل الرسل وأنكروا على دينك وكتابك ولو كان لهم علم بكتابهم ما ظهروا عليك وما طعنوا في دينك وكتابك إذ الايمان والتصديق بكتاب من كتب الله ودين من اديانه ورسول من رسله يوجب الايمان بجميع الكتب والرسل والأديان بناء على الأصل الذي سمعت من التوحيد
فَلِذلِكَ الأصل الذي هو التوحيد الذاتي المسقط لعموم الاختلافات والإضافات فَادْعُ أنت يا أكمل الرسل من تدعوه من المجبولين على فطرة التوحيد والإسلام وَاسْتَقِمْ أنت في نفسك على جادة التوحيد كَما أُمِرْتَ من قبل ربك وثبت اقدام عزمك عليها معتدلا حنيفا مائلا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ اى اهوية اصحاب الخلاف والاختلاف الضالين المترددين في اودية الجهالات واغوار الأوهام والخيالات المنافية لصفاء فضاء التوحيد وَقُلْ يا أكمل الرسل بعد ما قد صفا سرك وخلا خلدك عن مطلق الأوساخ والاكدار الموجبة للاختلاف والخلاف آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ اى بجميع ما انزل الله مِنْ كِتابٍ مبين موضح لطريق الحق وتوحيده وَقل بعد ذلك ايضا إظهارا لدعوتك إياهم أُمِرْتَ من قبل ربي لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ وأبين لكم طريق العدالة الإلهية حسب وحى الله والهامه إياي وبالجملة أنا مأمور من عنده بتبليغه وتبيينه إياكم لتربيتكم وتكميلكم إذ اللَّهُ المدبر لأمور عموم عباده رَبُّنا الذي ربانا لمصلحة الإرشاد والتكميل وَرَبُّكُمْ أراد ان يربيكم بالهداية والرشد وان لم نكن نحن معاشر الرسل والأنبياء مأمورين من عنده سبحانه لإصلاحكم وإرشادكم ما لنا معكم إذ لَنا أَعْمالُنا اى جزاء صالحها وفاسدها وَلَكُمْ ايضا أَعْمالُكُمْ كذلك إذ كل منا ومنكم مجزىّ بما كسب وعمل لا حُجَّةَ اى لا غلبة ولا خصومة بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ بعد ما بلغناكم ما أمرنا بتبليغه وأوضحنا لكم سبيل الحق وصراطه السوى وبالجملة اللَّهُ اى الذات الجامع المستجمع لجميع الأسماء والصفات يَجْمَعُ بَيْنَنا وبينكم ان تعلق مشيته بجمعنا وَكيف لا يجمع بيننا سبحانه إذ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ اى رجوع الكل نحوه كما ان صدوره منه سبحانه
وَبعد وضوح محجة الحق ومنهج المعرفة واليقين الَّذِينَ يُحَاجُّونَ يجادلون ويخاصمون متشبثين بأذيال المجادلات والمغالطات الواهية
стр. 865
الزائغة فِي توحيد اللَّهِ سيما مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ اى قبله العقل والنقل والكشف الصريح والذوق الصحيح حُجَّتُهُمْ اى عموم حججهم وتمسكاتهم التي قد تمسكوا بها على وجه العناد والمكابرة كلها داحِضَةٌ زائلة باطلة عِنْدَ رَبِّهِمْ الذي رباهم لمصلحة المعرفة والتوحيد وَعَلَيْهِمْ بسبب عنادهم وجدالهم بالحق الصريح غَضَبٌ نازل من الله وَلَهُمْ في النشأة الاخرى عَذابٌ شَدِيدٌ لا عذاب أشد منه وأفزع وأفظع وبالجملة كيف يحاجون ويكابرون المعاندون في توحيده سبحانه مع انه هو
اللَّهُ المدبر المصلح لأمور عباده الَّذِي أَنْزَلَ لإصلاحهم وإرشادهم الْكِتابَ اى جنس الكتاب النازل من عنده لتبيين مناهيج توحيده كلها ملتبسة بِالْحَقِّ الصريح المعرى عن الباطل الزاهق الزائل مطلقا وَانزل ايضا على طبق الكتاب موافقا له الْمِيزانَ اى جنس الاحكام والشرائع والأديان التي توزن بها اعمال الأنام وإخلاصهم فيها وثباتهم بها على جادة التوحيد ومنهج الإسلام فعليك يا أكمل الرسل وعلى من تبعك في عموم الأحوال والأوقات وجميع الحالات والمقامات امتثال عموم ما امر ونهى من احكام كتابك وان تزن أنت ومن معك أعمالكم وأخلاقكم وأحوالكم واطواركم كلها بميزان الشرع القويم والدين المستقيم وَبالجملة ما يُدْرِيكَ وما يعلمك ايها المجبول على فطرة الدراية والشعور لَعَلَّ السَّاعَةَ الموعودة التي قد تعذر دونها التدارك والتلافي قَرِيبٌ إتيانها وقيامها وعند قيامها تتندمون وما ينفعكم الندم حينئذ وان كان
يَسْتَعْجِلُ بِهَا وبقيامها استهزاء ومراء المنكرون الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ولا يصدقون بِهَا عنادا ومكابرة ويزعمون انه لا يلحقهم ما يوعدون فيها من العذاب الروحاني والجسماني وَالمؤمنون الَّذِينَ آمَنُوا بها وبعموم ما فيها من المواعيد والوعيدات الهائلة هم مُشْفِقُونَ خائفون مِنْها ومن إلمامها بغتة قبل تهيئة الزاد والاعداد وَذلك انهم يَعْلَمُونَ يقينا أَنَّهَا الْحَقُّ المحقق إتيانها وقيامها بلا مرية وريب أَلا تنبهوا ايها المؤمنون بكمال قدرة الله ووفور حكمته إِنَّ المسرفين الَّذِينَ يُمارُونَ ويشكون فِي قيام السَّاعَةِ الموعود إتيانها من قبل الحق مراء ومجادلة لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ بمراحل عن الهداية الموصلة الى مقر التوحيد إذ هم محجوبون بالأغشية الكثيفة الامكانية والاغطية الغليظة الهيولانية عن سريان الهوية الإلهية في عموم الهويات الغيبية والشهادية عن تجلياتها اللطفية والقهرية والجمالية والجلالية على مطلق المظاهر والمجالى حضورا وشهودا مع انه
اللَّهُ المنزه ذاته عن سمة الحدوث والإمكان المقدس أسماؤه وصفاته عن وصمة العيب والنقصان لَطِيفٌ بِعِبادِهِ الخلص من رق الأكوان بحيث يصير سمعهم وبصرهم وعموم قواهم وآلاتهم الى حيث أفناهم في ذاته وأبقاهم ببقائه يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ منهم بالرزق المعنوي الموصل الى مبدئهم ومعادهم ترحما عليهم وتلطفا معهم وَكيف لا إذ هُوَ الْقَوِيُّ القادر القدير المقتدر على عموم مقدوراته الصادرة منه بمقتضى حكمته الْعَزِيزُ الغالب على مطلق مراداته الجارية منه حسب اختياره. ثم لما أشار سبحانه الى كمال تنزهه وتقدس ذاته عن وصمة النقصان مطلقا والى كمال ترحمه وتلطفه مع خلص عباده قال
مَنْ كانَ منهم يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ اى يزرع في النشأة الاولى بذور الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة ليحصد ما يترتب عليها من المثوبات والكرامات في النشأة الاخرى نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ونضاعف ثوابها لأجله ونعطه من اللذات الروحانية ما لا مزيد عليه تفضلا منا عليه وتكريما له وَمَنْ كانَ
стр. 866
منهم يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا ونوى نماء بزوره فيها نُؤْتِهِ مِنْها كمال مبتغاء ومتمناه فيها إذ لكل امرئ ما نوى وَلكن ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ من اللذات الجسمانية والروحانية الباقية مِنْ نَصِيبٍ لاختياره لذات الدنيا وشهواتها الفانية على ما في الآخرة من اللذات الروحانية الباقية لذلك ما له حظ في الآخرة من لذاتها أهم بأنفسهم وعلى خيالهم يحرمون نفوسهم من اللذات الاخروية والفتوحات الروحانية أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ من شياطين الجن والانس قد ظاهروهم عليه وصرفوهم نحوه حيث شَرَعُوا وزينوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ الباطل والديدنة الزائغة ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ الحكيم المتقن في أفعاله المدبر لعموم مصالح عباده على مقتضى حكمته ومراده ولم يأمر بوضعه واتخاذه لا بالوحي ولا بالإلهام بل انما أخذوا ما أخذوا من تلقاء أنفسهم وعلى مقتضى اهويتهم الباطلة ظلما وعدوانا لذلك لم يثمر لهم سوى الخيبة والخذلان والحسرة والحرمان وَبالجملة لَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ والقضاء صادرة عن الله بتأخير أخذهم بظلمهم وامهال انتقامهم الى يوم الجزاء لَقُضِيَ وحكم اليوم بَيْنَهُمْ اى بين اهل الهداية والضلال فيلحق لكل منهم جزاء ما اقترفوا من الحسنات والسيئات وَبالجملة إِنَّ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية بمتابعة آرائهم وإخوانهم من الشياطين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في النشأة الاخرى ألا وهو حرمانهم عما أعد لنوع الإنسان المصور على صورة الرحمن من الكرامات السنية والمقامات العلية لا عذاب أشد منه وأفزع ومن كمال حرمانهم وخسرانهم حينئذ
تَرَى الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية عدوانا وظلما مُشْفِقِينَ خائفين مرعوبين مِمَّا كَسَبُوا اى من لحقوق وبال ما اكتسبوا من المعاصي والآثام وَالحال انه هُوَ واقِعٌ بِهِمْ لاحق لهم وما ينفعهم الإشفاق وعدمه لانقضاء نشأة التدارك وزمان التلافي. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية المستمرة وَترى ايضا ايها المعتبر الرائي المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق حين أخبرهم الرسل ودعاهم اليه حسب استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية وَمع ايمانهم بالله قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى قد أكدوا ايمانهم وتوحيدهم الذاتي بصوالح الأعمال والأخلاق ليدل ايضا على توحيد الصفات والأفعال هم في النشأة الاخرى لكمال اطاعتهم وانقيادهم متنعمون فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ اى متنزهات اليقين العلمي والعيني والحقي ولهذا قد حصل وحضر لَهُمْ ما يَشاؤُنَ من اللذات المتجددة والفيوضات المترادفة وانواع الفتوحات والكرامات عِنْدَ رَبِّهِمْ الذي أوصلهم الى كنف قربه وجواره وبالجملة ذلِكَ الفضل الذي أعد لأرباب العناية والتوحيد هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ والفوز العظيم الذي يستحقر دونه عموم اللذات والكرامات وبالجملة
ذلِكَ المذكور من الفوز والفضل هو الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ المنعم المفضل به عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة ذاته وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المفضية الموصلة لهم الى توحيد الأفعال والصفات قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما بينت لهم طريق الهداية والضلال وبلغت ما يوحى إليك للإرشاد والتكميل إياهم لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على تبليغى وتبشيرى إياكم أَجْراً جعلا منكم ونفعا دنيويا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى اى ما اطلب منكم نفعا دنيويا بل ما اطلب منكم الا محبة اهل بيتي ومودتهم ليدوم لكم طريق الاستفادة والاسترشاد منهم إذ هم مجبولون على فطرة التوحيد الذاتي وفطنة المعرفة الذاتية مثلي روى انها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك قال على وفاطمة وابناهما وكفاك شاهدا على ذلك ظهور الائمة الذين هم من أكابر اولى العزائم في طريق الحق وتوحيده صلوات الله وسلامه على أسلافهم
стр. 867
وعليهم وعلى اخلافهم ما تناسلوا وتوالدوا بطنا بعد بطن وَبالجملة مَنْ يَقْتَرِفْ ويكتسب بمتابعة الرسول واهل بيته حَسَنَةً دينية حقيقية نَزِدْ لَهُ فِيها اى فيما يترتب عليها من الكرامات الاخروية حُسْناً اى زيادة حسن تفضلا منا وإحسانا إِنَّ اللَّهَ المطلع بضمائر عباده ونياتهم غَفُورٌ لذنوب من أحب حبيبه واهل بيته لرضاه سبحانه شَكُورٌ يوفى عليهم الثواب ويوفر عليهم انواع الكرامات. ثم قال سبحانه أينكرون مطلق رتبة النبوة والرسالة أولئك المنكرون المعاندون
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى محمد ﵊ عَلَى اللَّهِ كَذِباً واختلق آيات مفتريات ترويجا لمدعاه وما قولهم هذا وزعمهم بك يا أكمل الرسل وأمثاله إلا قول باطل وزعم زاهق زائغ زائل فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ الغنى بذاته عن عموم مظاهره ومصنوعاته يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ كما ختم على قلوبهم ويضلك عن طريق توحيده كما أضلهم وَكذلك ان يشاء الله العليم الحكيم يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ لو تعلق مشيته وَيُحِقُّ ويثبت الْحَقَّ الحقيق بالاطاعة والاتباع بِكَلِماتِهِ التي هي آيات القرآن بلا سفارتك ورسالتك وبالجملة إِنَّهُ سبحانه عَلِيمٌ بعلمه الحضوري بِذاتِ الصُّدُورِ فيظهر عليهم ومن أفواههم ما هو مكنون في صدورهم وضمائرهم ويجازيهم بمقتضاه
وَكيف لا يعلم سبحانه مكونات صدورهم مع انه سبحانه هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ الصادرة عن محض الندم والإخلاص اللذين هما من افعال القلوب عَنْ عِبادِهِ المسترجعين نحوه بكمال الخشية والخضوع وَبعد قبول التوبة عنهم يَعْفُوا ويتجاوز عَنْ مطلق السَّيِّئاتِ الصادرة عنهم على سبيل الغفلة وَبالجملة يَعْلَمُ منكم سبحانه عموم ما تَفْعَلُونَ بظواهركم وبواطنكم على التفصيل بلا شذوذ شيء وفوت دقيقة ولا شك انكم لا تعلمونه كذلك
وَيَسْتَجِيبُ اى يجيب ويقبل توبة المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ترحما وإشفاقا بعد ما رجعوا نحوه تائبين نادمين عما فعلوا وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بدل إخلاصهم واستحيائهم منه سبحانه من الكرامات ما لا يكتنه وصفه وَالْكافِرُونَ الساترون بأباطيل هوياتهم وما صدر منها من الجرائم والآثام شمس الحق الحقيق بالكشف والظهور لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ حين رجعوا الى الله وحشروا نحوه مهانين صاغرين وبالجملة كفر عموم الكفرة واستكبارهم وضلالهم انما نشأ من كفرانهم بنعم الله وطغيانهم لأجلها على الله وعلى خلص عباده كما أشار اليه سبحانه بقوله
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ الصوري المستجلب المستتبع لانواع العتو والاستكبار لِعِبادِهِ المجبولين على الكفران والنسيان بمقتضى بشريتهم وبهيميتهم لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ بغيا فاحشا واستكبروا على عباد الله استكبارا مفرطا وظهروا على أوليائه ومشوا على وجه الأرض خيلاء مفتخرين بما لهم من الجاه والثروة والرياسة فسرى بغيهم واستكبارهم على الله وعلى أنبيائه ورسله فكفروا لذلك ظلما وعدوانا وَلكِنْ جرت سنته سبحانه واقتضت حكمته على انه يُنَزِّلُ ويفيض بِقَدَرٍ اى بمقدار وتقدير ما يَشاءُ على من يشاء بمقتضى حكمته ومشيته وبالجملة إِنَّهُ سبحانه بِعِبادِهِ اى باستعداداتهم وعموم أحوالهم خَبِيرٌ بَصِيرٌ يعلم منهم ما خفى عليهم وما ظهر دونهم
وَكيف لا يعلم سبحانه سرائر عباده وضمائرهم إذ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ حسب علمه وحكمته مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وايسوا من نزوله وَبتنزيله وامطاره يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ الواسعة على جميع اقطار الأرض وأرجائها عناية منه سبحانه الى سكانها من أجناس المواليد وأنواعها وأصنافها وَكيف لا يرحم سبحانه على مظاهره إذ هُوَ الْوَلِيُّ المتولى لعموم أمورهم
стр. 868
المنحصرة عليه ولايتهم إذ لا ولاية الا له الْحَمِيدُ المستحق لجميع المحامد بذاته إذ عموم المظاهر وذرائر الأكوان حامدة له سبحانه طوعا ورغبة حالا ومقالا
وَمِنْ آياتِهِ الدالة على كمال ولايته وتدبيره وتربيته خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى اظهار الكائنات العلوية والسفلية بامتداد اظلال أسمائه وصفاته عليها وَكذا خلق ما بَثَّ وبسط فِيهِما وركب منهما مِنْ دابَّةٍ ذي حياة وحركة وَبالجملة هُوَ سبحانه عَلى جَمْعِهِمْ اى جمع الاظلال والعكوس الى شمس الذات وقبضهم عليها بعد بثهم وبسطهم منها إِذا يَشاءُ ويريد قَدِيرٌ بلا فترة وتقصير
وَاعلموا ايها الاظلال الهالكة في أنفسها ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ مضرة مؤلمة فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ اى بسبب اقترافكم المعاصي والآثام وَمع ذلك يَعْفُوا سبحانه عَنْ كَثِيرٍ من المعاصي لا يعقبها بمصيبة تخفيفا لكم وتسهيلا
وَلو أراد سبحانه تعقيب كل معصية بمصيبة حسب عدله بلا غفر وتخفيف ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ له فِي الْأَرْضِ اى ليس لكم ان تفوتوا شيأ مما قضى سبحانه عليكم من المصائب المستتبعة لجرائمكم وآثامكم ان شاء وَالحال انكم عاجزون في انفسكم مقهورون تحت قبضة قهره وقدرته سبحانه إذ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يتولى أموركم ويحفظكم عما يضركم وَلا نَصِيرٍ ينصركم على أعاديكم ويدفع عنكم ما يؤذيكم ويعينكم على ما مسكم
وَايضا مِنْ جملة آياتِهِ الدالة على ولايته الكاملة وتدبيراته الشاملة الْجَوارِ اى السفن الجارية فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ اى كالجبال الرواسي في الثقل والعظمة
إِنْ يَشَأْ سبحانه يُسْكِنِ الرِّيحَ المجرية لهن فَيَظْلَلْنَ ويبقين تلك السفن حينئذ رَواكِدَ سواكن عَلى ظَهْرِهِ اى على ظهر البحر ولججه فضاع جميع من فيها وما فيها إِنَّ فِي ذلِكَ الإجراء والإرسال لَآياتٍ دلائل واضحات وشواهد لائحات على تولية الحق وتدبيره لِكُلِّ صَبَّارٍ حبس نفسه في مقام الرضا بما قسم له ربه شَكُورٍ بما ظهر عليه من آلائه ونعمائه
أَوْ ان يشاء يرسلهن إرسالا عنيفا بالرياح العاصفة حتى يُوبِقْهُنَّ او يغرقهن ويهلك بعض من فيهن بِما كَسَبُوا اى بشوم أعمالهم التي اقترفوها من البخل والحسد والحرص المفرط والأمل الطويل وغير ذلك من الأخلاق المذمومة وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ اى ومع ذلك يتجاوز سبحانه عن إهلاك أكثرهم وينجيهم عن ورطة الهلاك لحسن أعمالهم وخلوص نياتهم تفضلا منه سبحانه إياهم وتكريما لهم كل ذلك ليختبر سبحانه عباده وينتقم عنهم ويميز منهم اهل الرضا والتسليم عن غيرهم
وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ اى يعلم المجادلون المكابرون فِي آياتِنا ومقتضياتها عدوانا وعنادا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ مهرب ومخلص من عذابنا ان تعلقت ارادتنا بانتقامهم وإهلاكهم وان استظهر اهل الحدال بالأموال والأولاد واستكبروا بها وافتخروا عليها قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا
فَما أُوتِيتُمْ وأعطيتم مِنْ شَيْءٍ حقير قليل ما هي الا من حطام الدنيا ومتاعها فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فانية بفنائها تتمتعون بها فيها مدة يسيرة ثم تمضون مع حسرة كثيرة وندامة طويلة وَما عِنْدَ اللَّهِ من اللذات الروحانية والكرامات المعنوية خَيْرٌ من الدنيا وما فيها بل من آلافها واضعافها وَأَبْقى اقدم وأدوم لِلَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق وانكشفوا بكمالات أسمائه وأوصافه وتحققوا بشهود شئونه وتجلياته وَهم بعد ما تمكنوا في مقام الرضاء والتسليم وتوطنوا في أعظم سواد الفقر وأعلى درجات عالم اللاهوت عَلى رَبِّهِمْ لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية يَتَوَكَّلُونَ يفوضون أمورهم
стр. 869
ويسلمون غاضين عيون بصائرهم وأبصارهم عن الالتفات الى ما سوى الحق مطلقا لذلك ما يرون بنوره من مرايا مظاهره ومجاليه الا لمعات وجهه الكريم
وَبالجملة هم الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وهي الآثام والجرائم المؤدية الى الشرك الجلى والخفى وَالْفَواحِشَ اى الصغائر المنتهية الى الكبائر بالرسوخ والإصرار وَايضا من جملة اخلاق هؤلاء المؤمنين المحسنين انهم إِذا ما غَضِبُوا من مكروه هُمْ يَغْفِرُونَ ويبادرون الى العفو والستر وكظم الغيظ وإصلاح ذات البين وإخراج الغل والحقد عن نفوسهم
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا اى أجابوا واقبلوا دعوة من دعاهم الى الطاعات والعبادات ومطلق الخيرات والحسنات لا لغرض دنيوى بل لِرَبِّهِمْ طلبا لمرضاته وهربا عن مساخطه وانتقاماته وَمع ذلك أَقامُوا الصَّلاةَ اى اداموا الميل والرجوع الى الله في جميع حالاتهم وَأَمْرُهُمْ اى عموم أمورهم المتعلقة لمعاشهم ومعادهم شُورى بَيْنَهُمْ اى هم متشاورون فيها مع إخوانهم بلا استبداد لهم فيها برأيهم ولا انفراد بعقلهم وَمن معظم أخلاقهم انهم مِمَّا رَزَقْناهُمْ وأبحنا لهم وأضفنا لهم من الرزق الصوري يُنْفِقُونَ في سبيلنا للفقراء والمساكين طالبين منا مرضاتنا ومثوباتنا
وَمن جملة أخلاقهم وأجلها انهم هم الَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ ولإخوانهم الْبَغْيُ والعدوان من باغ ظالم وعدو عاد هُمْ يَنْتَصِرُونَ يبادرون الى الغلبة والانتصار غيرة على دين الله وحمية لحمى حدوده الموضوعة على مقتضى العدالة القويمة الإلهية عن طريان الظلم والعدوان وإظهارا لما أودع في صدورهم من فضله من خصلة الشجاعة المحمودة عند الله وعند عموم ارباب المروات من الأنبياء والأولياء إذ كلا طرفيها وهما الجبن والتهور مذمومان عقلا وشرعا والشجاعة المقتصدة بينهما محمودة جدا. ثم قال سبحانه تعليما لعباده طريق هدايته وإرشاده
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ قد اصابتك من احد من بنى نوعك سَيِّئَةٌ مِثْلُها لا أزيد منها اى إذا أساءك احد بسيئة فأنت ايها المكلف تسيئه بمثلها جزاء وعقوبة سمى الجزاء سيئة للازدواج والمشاكلة هذا بحسب الرخصة الشرعية واما بحسب العزيمة فَمَنْ عَفا وتجاوز عن المسيء والجاني خالصا لوجه الله وطلبا لمرضاته وَأَصْلَحَ بالصلح والإحسان ما أفسده بالجناية والإساءة فَأَجْرُهُ قد وقع عَلَى اللَّهِ وجزاؤه مفوض الى كرمه يجازيه بمقتضى فضله وجوده ما شاء الله وبالجملة إِنَّهُ سبحانه حسب عدالته الذاتية لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ المتجاوزين عن الحدود الإلهية سيما في العقوبات والجنايات
وَلَمَنِ انْتَصَرَ وغلب على الظالمين بَعْدَ ظُلْمِهِ اى بعد ما ظلم منه منتقما عليه فَأُولئِكَ المنتصرون المنتقمون ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ بالمعاتبة والمعاقبة لأنهم منتقمون بالرخصة الشرعية بل
إِنَّمَا السَّبِيلُ بهما عَلَى المسرفين الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ اى يبتدئون بالظلم ويظهرون بينهم بالعدوان والطغيان وَيَبْغُونَ ويطلبون بظلمهم وطغيانهم فسادا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ بلا رخصة شرعية أُولئِكَ البعداء المتجاوزون عن الحدود الشرعية لَهُمْ في النشأة الاخرى عَذابٌ أَلِيمٌ هو إحراقهم بنار القطيعة لا عذاب أشد منه وأفزع
وَلَمَنْ صَبَرَ من المظلومين ولم ينتصر من الظالم ولم ينتقم منه كظما وهضما وَغَفَرَ اى عفا عنه وتجاوز مسترجعا الى الله طالبا الأجر منه سبحانه إِنَّ ذلِكَ العفو والصفح عند القدرة والرخصة لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ اى من الأمور التي آثرها أولوا العزائم الصحيحة من ارباب العناية ألا وهم الذين يرون من الله جميع ما يرون منحا ومحنا وفرحا وترحا ويوطنون نفوسهم على التسليم والرضاء بعموم ما جرى عليهم
стр. 870
من القضاء
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ بمقتضى قهره وجلاله عن طريق توحيده فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ سواه ينصره او يدفع ما يؤذيه ويخذله مِنْ بَعْدِهِ اى بعد إضلال الله إياه واذلاله وَبعد ما ردهم سبحانه الى دار الانتقام بأنواع الخيبة والخسران تَرَى ايها الرائي الظَّالِمِينَ المغرورين بما هم عليه من الجاه والثروة والمفاخرة بالأموال والأولاد في دار الدنيا لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ النازل عليهم المحيط بهم من جميع جوانبهم يَقُولُونَ حينئذ اى بعضهم لبعض من شدة اضطرابهم واضطرارهم هَلْ إِلى مَرَدٍّ رجعة الى الدنيا وعود إليها مِنْ سَبِيلٍ حتى نعود ونستعد ليومنا هذا
وَهم في هواجس نفوسهم يتكلمون بهذا الكلام تحسرا وتضجرا تَراهُمْ ايها الرائي يُعْرَضُونَ ويساقون عَلَيْها اى على النار خاشِعِينَ خاضعين مِنَ الذُّلِّ والهوان المفرط الشامل لهم يَنْظُرُونَ حينئذ نحو النار مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ اى بنظرة خفية من تحت الاهداب بلا تحريك الأجفان من شدة رعبهم وخشيتهم منها كنظر من يؤمر بقتله الى سيف الجلاد وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا حين رأوا أعداءهم معذبين إِنَّ الْخاسِرِينَ المفسدين هم الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بالظلم والضلال وَأَهْلِيهِمْ بالصد والإضلال لذلك استحقوا العذاب المخلد يَوْمَ الْقِيامَةِ والوبال المؤبد فيها أَلا اى تنبهوا ايها الابطال الاظلال المستظلون تحت لواء العدالة الإلهية إِنَّ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضاها باغواء الغوائل الامكانية والتسويلات الشيطانية معذبون فِي عَذابٍ مُقِيمٍ وعقاب دائم أليم
وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وينقذونهم من عذابه والحال انه قد أضلهم الله بمقتضى قهره وجلاله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ المنتقم الغيور فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ الى الهداية والنجاة ولا الى الخروج من وبال ما يترتب على غيهم وضلالهم وبالجملة
اسْتَجِيبُوا ايها المكلفون بالاجابة والقبول لِرَبِّكُمْ الذي رباكم على فطرة التوحيد وتوجهوا نحوه مخلصين وأجيبوا داعيه محمدا ﷺ مصدقين مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ يحل فيه العذاب عليكم مع انه لا مَرَدَّ لَهُ اى لا دفع ولا رد للعذاب النازل فيه مِنَ اللَّهِ وبعد ما قد قضى سبحانه وحكم بتعذيبكم حتما ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ سواه وقد جرى حكمه بالعذاب وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ اى ما يتيسر لكم حينئذ انكار اسباب العذاب وموجباته إذ تشهد عليكم يومئذ جوارحكم وقواكم بما اقترفتم بها من الجرائم والآثام وبالجملة قل يا أكمل الرسل على سبيل العظة والتذكير لهم أمثال هذه المواعظ والتذكيرات نيابة عنا فان امتثلوا وقبلوا فقد اهتدوا
فَإِنْ أَعْرَضُوا عنها ولم يلتفتوا إليها عنادا ومكابرة فَما أَرْسَلْناكَ اى فاعلم انا ما أرسلناك يا أكمل الرسل عَلَيْهِمْ حَفِيظاً كفيلا يحفظهم عن جميع ما يضرهم ويغويهم بل إِنْ عَلَيْكَ اى ما عليك إِلَّا الْبَلاغُ وقد بلغت وبعد تبليغك ما بقي عليك من حسابهم من شيء. ثم أشار سبحانه الى وهن عزائم الإنسان وضعف عقائده فقال وَإِنَّا من مقام عظيم جودنا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ تفضلا مِنَّا إياه وتكريما بلا سبق استحقاق منه رَحْمَةً شاملة محيطة بعموم أعضائه وجوارحه قد فَرِحَ بِها وانبسط بحلولها وَإِنْ تُصِبْهُمْ حينا من الأحيان سَيِّئَةٌ من السيئات مؤلمة لهم مع انها بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وبشؤم ما اقترفوا لأنفسهم من المعاصي والآثام الجالبة لانواع المضرات فَإِنَّ الْإِنْسانَ المجبول على النسيان حينئذ كَفُورٌ مسرع الى الكفران مبادر الى الكفر والنسيان كأنه لم ير منا الانعام والإحسان قط فكيف تكفرون بوفور نعمة الحق
стр. 871
وشمول رحمته مع انه
لِلَّهِ المحيط بكل المظاهر الموجد المظهر لها مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى التصرف على وجه الاستقلال في العلويات والسفليات وما بينهما من الممتزجات لذلك يَخْلُقُ ما يَشاءُ فيها ارادة واختيارا حيث يَهَبُ بمقتضى فضله وجوده لِمَنْ يَشاءُ من عباده إِناثاً محضا من الأولاد وقدمهن للتدرج من الأدنى الى الأعلى ونكرهن لان النكارة مطلوبة في حقهن وَيَهَبُ ايضا لِمَنْ يَشاءُ منهم الذُّكُورَ الخلص عرفهم لأنهم اولى بالتعريف وأحرى بالمعرفة
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ويخلط لهم ذُكْراناً وَإِناثاً مجتمعين ممتزجين وَايضا يَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ منهم عَقِيماً بلا ولد وايلاد إظهارا لكمال قدرته واشعارا بانه لا تأثير للوسائل والأسباب العادية حتى ينسب توالدهم وتناسلهم الى اجتماع الأزواج والزوجات منهم كما هو المتبادر الى الأحلام السخيفة وبالجملة إِنَّهُ سبحانه عَلِيمٌ باستعدادات عباده وقابلياتهم قَدِيرٌ على افاضة ما ينبغي لمن ينبغي كما ينبغي بمقتضى كرمه وجوده ارادة واختيارا بلا إيجاب والتزام من جانبه سبحانه. ثم لما شنع اليهود على رسول الله ﷺ وعيروه وطعنوا في نبوته مستهزئين به حيث قالوا له تهكما هلا تكلم الله معه ولم لم ينظر موسى الى الله تعالى إذ هو سبحانه أجل وأعلى من ان ينظر اليه العيون او يدركه الأبصار او يحيط به الآراء والأفكار انزل سبحانه هذه الآية تصديقا لحبيبه ﷺ فقال
وَما كانَ اى ما صح وما جاز لِبَشَرٍ اى لجنسه وليس في وسعه واستعداده أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ مشافهة بلا سترة وحجاب إذ لا مناسبة بين المحدود والمحبوس في مضيق الابعاد والجهات وبين غير المحدود المستغنى عن الحدود والجهات مطلقا حتى تقع المكالمة بينهما إِلَّا وَحْياً اى الا تكلما ناشئا عن وحى الهامى او منامي أَوْ تكلما مسموعا مِنْ وَراءِ حِجابٍ اى وراء تعين من التعينات كما سمع موسى كلامه من وراء حجاب الشجر فكذلك يسمع العارف المتحقق بمقام الفناء في الله كلامه سبحانه دائما من وراء عموم المظاهر الناطقة بتسبيحه وتقديسه سبحانه حالا ومقالا أَوْ تكلما بالسفارة والترجمان بان يُرْسِلَ رَسُولًا من سدنة ذاته التي هي الملائكة الحاملون لكمالات أسمائه وصفاته فَيُوحِيَ الملك بِإِذْنِهِ سبحانه ما يَشاءُ ويسمعه من كلامه سبحانه لمن يشاء سبحانه من عباده وبالجملة إِنَّهُ سبحانه عَلِيٌّ في شأنه المختص به وكمالاته اللائقة له منزه متعال عن ان يحوم حول سرادقات عز سلطانه احد من خلقه فكيف ان يتكلموا معه بلا سترة وحجاب حَكِيمٌ في كمال تمنعه وكبريائه ونهاية تعززه وترفعه حيث تكلم تارة بالوحي والإلهام وتارة من وراء الحجاب والأستار وتارة بطريق السفارة والرسالة
وَكَذلِكَ اى مثل ما أوحينا الى من تقدم منك من الأنبياء والرسل وتكلمنا معهم بإحدى الطرق الثلاثة قد أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل ايضا لنتكلم معك رُوحاً منا تكريما لك وتعظيما لشأنك وتخصيصا لك من بين سائر الأنبياء لظهورك على نشأة التوحيد الذاتي مِنْ أَمْرِنا المتعلق لتدبيراتنا وتصرفاتنا في ملكنا وملكوتنا ألا وهو القرآن المنتخب من حضرة علمنا ولوح قضائنا سميناه روحا لأنا نحيى به أموات مطلق التعينات وخصصناك به مع انك ما كُنْتَ تَدْرِي وما تعلم وما تعرف قط قبل نزوله مَا الْكِتابُ المبين للاحكام المتعلقة بتهذيب الظاهر والباطن وَلَا الْإِيمانُ والاعتقاد المتعلق لتوحيد الحق وعرفانه لكونك اميا عاريا من طرق الاستفادة
стр. 872
والتعلم مطلقا وَلكِنْ من محض جودنا وفضلنا إياك قد اصطفيناك لرسالتنا واجتبيناك بخلافتنا ونيابتنا لذلك أنزلناه إليك وبعد نزوله قد جَعَلْناهُ نُوراً تلألأ وتشعشع على وجه السطوع بعد ظهور نشأتك نَهْدِي بِهِ الى توحيدنا مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا المجبولين على فطرة الإسلام وَإِنَّكَ ايضا بمقتضى خلافتك ونيابتك عنا لَتَهْدِي به عموم عبادنا وتدعوهم إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا عوج فيه ولا انحراف أصلا
صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ اى العلويات والسفليات وما ظهر منهما وفيهما وعليهما وبالجملة عموم ما ظهر وبطن وغاب وشهد مقهور تحت قهره إذ هو سبحانه آخذ بقبضة القدرة الغالبة بناصية الكل يجذبه نحوه ويقبضه اليه أَلا تنبهوا ايها الاظلال المستمدون من الله في كل الأحوال إِلَى اللَّهِ اى الى وجهه الكريم القديم لا الى غيره من وجوه الأسباب والوسائل العادية تَصِيرُ الْأُمُورُ اى تصير وترجع الى وجهه سبحانه وجوه عموم الصور المرئية بعد ارتفاع الوجوه المستحدثة الهالكة عن البين واضمحلال الرسوم الباطلة عن العين
خاتمة سورة الشورى
عليك ايها الطالب المتحقق في صراط الحق والراكن نحوه بحزائمك الأقصى وعزائمك الأوفى ان تجعل قبلة مقصدك توحيد ربك وتستقيم على جادة الدين القويم المحمدي والسبيل السوى المصطفوى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وتقتفى اثر من سلف من خلص اتباعه الذين اهتدوا بمتابعته الى مقر التوحيد واليقين ووصلوا الى عالم اللاهوت وتمكنوا في مقر التمكين بلا تذبذب وتلوين بعد ما تجردوا من جلباب ناسوتهم بالمرة بتوفيق من الله وجذب من جانبه وببركة ارشاد حبيبه ﷺ
[سورة الزخرف]
فاتحة سورة الزخرف
لا يخفى على المحققين المتحققين بحيطة الحق على عموم المظاهر وشمول أسمائه وأوصافه الذاتية عليها ان من جملة أسمائه الحسنى وصفاته السنى اسم المتكلم وصفة الكلام المنزل من عنده على كل امة من الأمم حسب اللغة الموضوعة فيهم بوضع الهى إذ واضع الألفاظ واللغات كلها هو الله سبحانه ولا شك ان القرآن المنزل على خير الأنام انما هو من أمهات الكتب الإلهية وأصولها لكونه منتخبا من الحضرة العلية العلمية الإلهية منتزعا من لوح محفوظ القضاء على الوجه الأتم الأبلغ ولهذا اقسم سبحانه بكتابه هذا بعد ما خاطب على حبيبه ﷺ بما خاطب ثم من عليه بما من ورمز بما رمز تأييدا وتعضيدا له على حمل أعباء الرسالة وتبليغ الوحى المنزل عليه من عنده باللغة الفصيحة العربية المعجز نظمه ومعناه لكافة البرية وعامة الرعية ليكون رحمة للعالمين وخاتما للنبيين بعد ما تيمن باسمه المبين بِسْمِ اللَّهِ المنزل للرسل والكتب للهداية والإرشاد وتبيين طريق الرشد ومنهج السداد لعموم عباده الرَّحْمنِ عليهم بإرسال رسول كل قوم من جنسهم وإنزال الكتاب عليهم على لغتهم الرَّحِيمِ لهم يوصلهم بتبليغ الرسل وتبيين الكتب الى مبدئهم ومعادهم
[الآيات]
حم يا حارس دين الله وملازم طريق توحيده
وَحق الْكِتابِ الْمُبِينِ العظيم الذي قد انتخبناه من حضرة علمنا المحيط ولوح قضائنا المحفوظ
إِنَّا من
стр. 873
كمال فضلنا وجودنا قد جَعَلْناهُ قُرْآناً فرقانا بيانا وتبيانا عَرَبِيًّا أسلوبا ونظما لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وتفهمون ما فيه من الأسرار العجيبة والحكم البديعة والرموز والإشارات التي قد خلت عنها الكتب السالفة
وَإِنَّهُ اى الشأن المندرج فيه والمرموز اليه في مخافيه من جملة ما هو كائن مثبت فِي أُمِّ الْكِتابِ الذي هو حضرة العلم ولوح القضاء ولا يمكنكم الاطلاع عليه والاستفادة منه الا بوسائل الألفاظ لكونه محفوظا لَدَيْنا محروسا عندنا لا يتيسر لكم الوصول إلينا ما دمتم محبوسين في مضيق الإمكان مقيدين بسلاسل الزمان والمكان إذ ساحة عز حضورنا لَعَلِيٌّ منيع متعال عن ان يحوم حول سرادقات عزنا احد من خلقنا ونحن حَكِيمٌ في تلك المنعة والدفاع ولا نطلعكم على سرائرنا الا من وراء الحجب والأستار ثم استفهم سبحانه مهددا مقرعا مشيرا الى ما أودعه سبحانه في استعدادات عباده من قابلية الهداية والرشد بقوله
أَنهملكم ايها المجبولون على فطرة الهداية ولم نرسل إليكم رسولكم يرشدكم الى ما جبلتم لأجله من قابلية الانكشاف بسرائر توحيدنا فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ اى القرآن المبين لكم ما في نشأتكم وفطرتكم من الاطلاع والشعور على شئوننا وتجلياتنا الذاتية وبالجملة انعرض نحن عنكم صَفْحاً اى اعراضا وانصرافا كليا مع انا قد فطرناكم على فطرة الصلاح والفوز بالفلاح أَنْ كُنْتُمْ اى انهملكم ان كنتم وصرتم قَوْماً مُسْرِفِينَ منحطين عن الاعتدال الفطري والقسط الجبلي الذي قد جبلناكم عليه حسب حكمتنا المتقنة البالغة او المعنى انهمل مقتضيات حكمتنا المودعة فيكم ان كنتم في انفسكم قوما مسرفين في التمرد والاعراض
وَكَمْ أَرْسَلْنا اى مع انا كثيرا قد أرسلنا مِنْ نَبِيٍّ هاد مرشد فِي الْأَوَّلِينَ اى في الأمم الماضين المسرفين المفرطين في التمرد والاعراض أمثالكم
وَهم من شدة تعنتهم وإصرارهم ما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أمثال هؤلاء المستهزئين معك يا أكمل الرسل وبعد ما تمادوا في الغفلة والعناد وبالغوا فيها مغرورين
فَأَهْلَكْنا اى قد أخذناهم بذنوبهم واستأصلناهم أجمعين مع كونهم أَشَدَّ مِنْهُمْ اى من هؤلاء المسرفين المستهزئين بك يا أكمل الرسل بَطْشاً حولا وقوة واكثر أموالا واولادا واكبر جاها وشدة وَبعد ما قد مَضى وجرى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ على ما جرى ومضى من قصصهم ووقائعهم الهائلة المهولة وسيمضى ويجرى عن قريب على هؤلاء ايضا مثلهم بالطريق الاولى وكيف لا يجرى عليهم ما جرى على أسلافهم مع انهم أعظم جرما واكبر إنكارا منهم
وَمن أعظم انكارهم انهم لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ اى مشركي مكة يا أكمل الرسل مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ومن أوجدهما واظهرهما من كتم العدم لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الغالب القادر المقتدر على مطلق الخلق والإيجاد الْعَلِيمُ المطلع على سرائر ما أوجد واظهر ومع اعترافهم بأخص أوصاف الفاعل المختار وإقرارهم باستناد الأمور المتقنة الى أوصافه وأسمائه أنكروا وحدة ذاته وأشركوا معه غيره عتوا وعنادا قل لهم يا أكمل الرسل بعد ما بالغوا في الإنكار والإصرار كيف تنكرون وحدة الحق ايها الجاحدون الجاهلون مع انه الله
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً تستقرون فيها وتتوطنون عليها مترفهين متنعمين وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لمعاشكم تطلبون منها حوائجكم وطرقا تصلون منها الى معادكم لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ بها الى وحدة ربكم
وَكيف تنكرون وجود موجدكم الَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ اى من عالم الأسباب ماءً محييا لأموات المسببات بِقَدَرٍ معتدل معتاد فَأَنْشَرْنا بِهِ اى أحيينا وأحضرنا بإجراء الماء المحيي
стр. 874
بَلْدَةً مَيْتاً جافة يابسة لا نبات فيها ولا خضرة لها كَذلِكَ اى مثل اخراجنا النبات من الأرض اليابسة بانزال الماء تُخْرَجُونَ وتنشرون أنتم حال كونكم موتى من قبوركم بنفخ الروح فيكم تارة اخرى
وَكيف تجحدون وتنكرون وجود الصانع الحكيم ووحدته مع انه الله القادر المقتدر الَّذِي خَلَقَ واظهر الْأَزْواجَ كُلَّها اى جميع اصناف المخلوقات مزدوجات ممتزجات وَقد جَعَلَ لَكُمْ ايضا تتميما لأمور معاشكم وتسهيلا لها مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ اى ما تركبونه لِتَسْتَوُوا وتتمكنوا عَلى ظُهُورِهِ اى ظهور ما خلق لكم من المراكب ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وبالجملة كما أفاض عليكم سبحانه من النعم أصولها وفروعها وجب عليكم ان تواظبوا على شكرها أداء لحق شيء منها وَلكم ان تَقُولُوا عند استوائكم عليه شكرا لنعم الله وأداء لحقوق كرمه سُبْحانَ الَّذِي اى تنزه وتقدس عن سمة النقص والاستكمال تنزها تاما وتقدسا كاملا ذات القادر العليم الحكيم الذي قد سَخَّرَ لَنا هذا المركوب وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ مطيقين لنستسخره لولا اقرانه وتسخيره سبحانه لنا
وَبالجملة إِنَّا في عموم اوصافنا وأحوالنا وذواتنا إِلى رَبِّنا الذي أظهرنا بمد اظلال أسمائه الحسنى وبسط عكوس صفاته العليا علينا وربانا بمقتضى لطفه بالنعم الأوفى لَمُنْقَلِبُونَ راجعون اليه سائرون نحوه بعد انخلاعنا عن لوازم ناسوتنا وارتفاع اغشية تعيناتنا عنا وانما اوصى به تنبيها على ان العبد العارف لا بد ان يكون في عموم انقلاباته وحالاته مسترجعا الى الله عازما بالعزيمة الصادقة الصافية عن مطلق الرياء والرعونات نحو الفناء فيه متذكرا لموطنه الأصلي ومقره الحقيقي عنده سبحانه
وَهم من غاية غفلتهم عن الحق ومن نهاية جهلهم بحقوق ألوهيته وربوبيته قد جَعَلُوا لَهُ سبحانه وأخذوا بعضا مِنْ عِبادِهِ وادعوه جُزْءاً له سبحانه وسموه ولدا ناشئا منه تعالى حيث قالوا الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح كذلك وبالجملة إِنَّ الْإِنْسانَ المجبول على الجهل والنسيان لَكَفُورٌ متناه في الغفلة عن الله والكفران لنعمه وحقوق كرمه مُبِينٌ ظاهر البغي والطغيان على الله والإلحاد عن دينه وطريق توحيده ومن شدة ظهور بغيهم وطغيانهم ونهاية غفلتهم وعداوتهم قد اثبتوا له اولادا
أَمِ اتَّخَذَ اى بل قالوا قد اتخذ وأخذ شأنه مِمَّا يَخْلُقُ اى من مظاهره ومصنوعاته بل من أخسها وأدونها اعنى بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ اى فضلكم وخصصكم انفسكم بِالْبَنِينَ وكيف يثبتون أولئك المثبتون المفرطون لله الواحد الأحد الفرد الصمد بنات
وَيختارون لأنفسهم بنين مع انه إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا وهو اثبات البنات له سبحانه يعنى لو بشر احد منهم بولادة البنت له قد ظَلَّ وصار وَجْهُهُ مُسْوَدًّا من كمال ضجرته وكآبته وَهُوَ حينئذ كَظِيمٌ مملو من الغيظ والكرب فكيف يثبت أمثال هذه المكاره لله المنزه عن أمثالها مطلقا مع ان أخص أوصافه انه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد
أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا اى أتثبتون للصمد المنزه عن الأهل والولد ولدا ناقصا يربى ويزين فِي الْحِلْيَةِ والزينة لعدم كماله الذاتي وَالحال انه هُوَ فِي الْخِصامِ اى المجادلة والمحاورة غَيْرُ مُبِينٍ معرب مظهر لما يدعيه لنقصان عقله وركاكة رأيه وفهمه ألا وهن البنات الناقصات عقلا ودينا وخلقة وبالجملة اثبتوا لله ما ينزهون أنفسهم عنه ويغتمون منه عند حصوله لهم
وَهم من فرط جهلهم وركاكة رأيهم قد جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ المستغرقون الوالهون بمطالعة وجهه الكريم
стр. 875
المستغفرون بعموم عباد الله من سعة رحمته وجوده إِناثاً ناقصات العقل والدين منحطات عن زمرة الكاملين مع انهم هم من اعزة عباد الله واجلتهم متمكنون عند كنف قربه وجواره مسبحون له في عموم الأوقات والحالات أَشَهِدُوا وحضروا أولئك الحمقى خَلْقَهُمْ اى خلق الله إياهم في بدء الأمر إذ الأنوثة والذكورة من جملة الأمور التي لا اطلاع لاحد عليها الا بالمشاهدة أم يشهدون رجما بالغيب ظلما وزورا وبالجملة سَتُكْتَبُ في النشأة الاخرى شَهادَتُهُمْ التي شهدوا بها على خلص عباد الله وافتراؤهم على الله الصمد المنزه من الاستيلاد وَبالجملة يُسْئَلُونَ يوم القيامة عن جميع ما أتوا به من المعاصي سيما عن هذه الشهادة المزورة والافتراء الباطل ثم يجازون بمقتضاها
وَبعد ما قد سفه المسلمون اهل الشرك والضلال وعيروهم باتخاذ الملائكة والأوثان والأصنام وعموم المعبودات الباطلة آلهة من دون الله شركاء له في ألوهيته مع كونهم منحطين عن رتبة الربوبية والألوهية مطلقا قالُوا مستدلين على أخذهم واتخاذهم لَوْ شاءَ وأراد الرَّحْمنُ عدم اتخاذنا وعبادتنا إياهم ما عَبَدْناهُمْ البتة لكن أراد سبحانه عبادتنا فعبدناهم إذ لا يبدل قوله سبحانه ولا يغير حكمه ومشيته. انما قالوا ما قالوا تهكما واستهزاء على زعم المؤمنين لا عن اعتقاد ويقين بمشية الله وتقديره وعدم تغير مراده سبحانه لذلك جهلهم سبحانه بقوله ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ اى ما صدر عنهم هذا الاستدلال عن علم بمقدماته واعتقاد بنتيجته بل إِنْ هُمْ اى ما هم في قولهم هذا واستدلالهم إِلَّا يَخْرُصُونَ يتمحلون تمحلا باطلا ويتزورون زورا ظاهرا أهم يدعون دليلا عقليا سواه على مدعاهم
أَمْ يدعون دليلا نقليا بانا آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ من قبل القرآن مشتملا على اتخاذهم وادعائهم المذكور فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ متمسكون به في دعواهم هذه
بَلْ ليس لهم لا هذا ولا ذاك سوى انهم قالُوا على سبيل الحسبان والتقليد إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ طريقة معينة معهودة وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ الى ما اهتدوا تقليدا لهم واقتفاء باثرهم
وَكَذلِكَ اى ومثل ما قال هؤلاء التائهون في تيه التقليد والضلال ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا أكمل الرسل فِي قَرْيَةٍ من القرى الهالكة مِنْ نَذِيرٍ من النذر الاولى إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها ومتنعموها على سبيل البطر والمفاخرة إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ اى طريقة معهودة معينة وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ لا نترك ديدنة آبائنا بما اخترعتموها أنتم من تلقاء انفسكم ايها المدعون
قالَ لهم يا أكمل الرسل بعد ما سمعت منهم هذا كلاما خاليا عن وصمة المراء والمجادلة عاريا عن امارات التقليد والتخمين أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ يعنى أتقلدون وتتبعون آباءكم ايها المقلدون المسرفون ولو جئتكم بِأَهْدى اى بدين هو اهدى وانفع لكم في اولاكم واخراكم مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ اى من أديان آبائكم وتقليداتهم فتتركون الهداية وتتبعون الضلال ايها الحمقى العمى وبعد ما سمعوا منك هؤلاء المقلدون المسرفون المفرطون ما سمع أسلافهم من النذر الاولى من الهداية والرشد قالُوا مصرين على ما هم عليه إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ اى بعموم ما جئتم به ايها المدعون للرسالة كافِرُونَ منكرون جاحدون وبالجملة لا نقبل منكم أمثال هذا ولا نترك دين آبائنا ومتابعتهم بمجرد ما ابتدعتموه أنتم مراء ونسبتموه الى الله افتراء وبعد ما أصروا على ضلالهم وتقليداتهم الموروثة لهم من آبائهم ولم ينفعهم ارشاد الرسل وهدايتهم
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فأخذناهم مهانين صاغرين فَانْظُرْ ايها المعتبر الناظر كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ المصرين على التكذيب
стр. 876
والعناد مع رسل الله وذوى الخطر من خلص عباده والى اين أدى مآل أمرهم فسيئول امر هؤلاء ايضا الى أمثاله
وَاذكر يا أكمل الرسل لمشركي مكة وقت إِذْ قالَ جدك إِبْراهِيمُ الخليل صلوات الله عليه وسلامه لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ المغمورين في تقليدات آبائهم الموروثة لهم بعد ما انكشفت حقية الحق ووحدته وبطلان الالهة الباطلة التي قد أثبتوها شركاء لله ظلما وزورا إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ اى أنا برئ من معبوداتكم التي أنتم تعبدونها من دون الله الواحد الأحد الصمد المستحق للعبادة والإطاعة
إِلَّا الَّذِي اى ما اعبد معبودا سوى المعبود الذي فَطَرَنِي اى أوجدني وأظهرني من كتم العدم بمقتضى حوله وقوته وعلمه ووفور حكمته فَإِنَّهُ سبحانه بمقتضى سعة رحمته وتوفيقه سَيَهْدِينِ ويثبتني على جادة الهداية بأزيد مما هداني اليه من اجراء كلمة التوحيد على لساني
وَجَعَلَها سبحانه هذه الكلمة كَلِمَةً باقِيَةً مستمرة فِي عَقِبِهِ اى أولاد ابراهيم وذرياته الى يوم القيامة موروثة لهم لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الى الله بكرامة هذه الكلمة ويوحدونه حق توحيده لذلك ما خلا زمان من الازمنة من موحدى هذه الذرية وممن يدعو منهم الى الحق وطريق توحيده وان كان منهم ايضا من يشرك بالله كمشركي قريش خذلهم الله كما قال سبحانه في شأنهم
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ المسرفين المعاندين معك يا أكمل الرسل وَكذا متعت آباءَهُمْ كذلك بأنواع النعم واصناف الكرم حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ اى الطريق الموصل الى التوحيد الذاتي وَرَسُولٌ مرشد كامل مُبِينٌ مظهر موضح لهم طريق الهداية والرشد
وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ الحقيق بالاتباع قالُوا من فرط تعنتهم وعنادهم هذا الذي جاء به هذا المدعى يعنى محمدا ﷺ سِحْرٌ او شعر قد اختلقه من تلقاء نفسه ونسبه الى ربه افتراء وتغريرا وَبالجملة إِنَّا بِهِ وبدينه كافِرُونَ منكرون جاحدون
وَقالُوا من شدة شكيمتهم وغيظهم معك يا أكمل الرسل ومن غاية انكارهم بكتابك لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ ان كان نزوله من عند الله حقيقة عَلى رَجُلٍ ذي ثروة وجاه لائق بمرتبة النبوة والرسالة كائن مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ اى من احدى القريتين يعنى مكة والطائف عَظِيمٍ عند الناس بكثرة الأموال والأولاد والاتباع ليكون له اليد والاستيلاء على سائر الناس إذ منصب النبوة منصب عظيم يحتاج الى ثروة ووجاهة ومكنة تامة ورئاسة ظاهرة ولم يفهموا ان رتبة النبوة والولاية عبارة عن الغنى الذاتي المسقط لعموم الإضافات المنافية لصرافة الوحدة الذاتية وهو لا يكون الا بالتعري عن ملابس الأكوان ولوازم الإمكان بالمرة وبالتخلق بالأخلاق المرضية الإلهية
أَهُمْ باحلامهم السخيفة وتدبيراتهم الركيكة يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل ويضعون رتبة النبوة والرسالة الى من يقتضيه اوهامهم وخيالاتهم الباطلة وترتضيه نفوسهم الخبيثة العاطلة بل نَحْنُ بوفور حكمتنا قد قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ التي يحتاجون إليها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ومع تدبيرنا إياهم ومصالح معاشهم لا يحسنون تدبيرها فيما بينهم ليصلح امر ائتلافهم وتمدنهم فيها فكيف يخوضون في مصالح المعاد وتدبيراتها ومن اين يتأتى لهم التفوه في الأوضاع الألوهية والتدبيرات الربوبية الناشئة عن كمال العلم والحكمة والارادة الكاملة والقدرة الشاملة وَمن غاية قصورهم ونقصانهم عن تدبيرات معاشهم قد رَفَعْنا حسب حكمتنا وتربيتنا إياهم بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ بان فضلنا بعضهم على بعض في العقل الجزئى والرزق الصوري وغيره ليكون لهم الكبرياء والاستيلاء على البعض الآخر ولِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا اى يستعمل البعض العقلاء الأغنياء اجراء من البعض
стр. 877
الفقراء الأغبياء فيأمروهم بما قصدوا من الحوائج ليتم امر النظام والتمدن والتضامّ وَبالجملة رَحْمَتَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل ألا وهي رتبة النبوة والرسالة خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من حطام الدنيا ومزخرفاتها الفانية لاشتمالها على ضبط الظواهر والبواطن المتعلقة بالنشأة الاولى والاخرى. ثم أشار سبحانه الى دناءة زخارف الدنيا وأمتعتها ورداءة ما فيها من اللذات الوهمية وما يترتب عليها من الشهوات البهيمية فقال
وَلَوْلا مخافة أَنْ يَكُونَ النَّاسُ المجبولون على الكفر والنسيان أُمَّةً واحِدَةً مائلة الى الكفر منحرفة عن الايمان لَجَعَلْنا وصيرنا البتة لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ اى بسطنا على الكافرين من الزخارف الدنيوية ووفرناها عليهم الى حيث يتخذون لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مصنوعة متخذة مِنْ فِضَّةٍ وَكذا يعملون مَعارِجَ ومراقى منها عَلَيْها اى على سطوح بيوتهم يَظْهَرُونَ يصعدون ويعلون بتلك المعارج المعمولة من الفضة
وَكذا يعملون لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً منها بدل الألواح من الأخشاب وَكذا يتخذون منها سُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ترفها وتنعما
وَبالجملة لوسعنا عليهم حطام الدنيا الى حيث جعلنا لهم زُخْرُفاً وزينة وافرة كثيرة متخذة من الفضة والذهب يتزينون بها ويتلذذون بلذاتها الفانية وشهواتها الزائغة الزائلة المبعدة عن اللذات الباقية الاخروية كما نشاهد أمثال هذه من أبناء زماننا هذا احسن الله أحوالهم مع انهم يعدون أنفسهم من المؤمنين الموحدين لكن لو فعلنا كذلك لمال إليها المسلمون وتحسروا بما نالوا فضعف رأيهم في اتباع الدين القويم والتمشى على الصراط المستقيم وَبالجملة إِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا الفانية لإقرار ولا مدار لما عليها من اللذات والشهوات الوهمية البهيمية الغير القارة وَبالجملة النشأة الْآخِرَةُ اى حظوظ النشأة الآخرة الباقية الدائمة لذاتها ازلا وابدا مستقرة عِنْدَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل حاصلة لِلْمُتَّقِينَ الذين يحفظون نفوسهم عن التلطخ بقاذورات الدنيا الدنية والركون الى مزخرفاتها الفانية سوى سد جوعة ولبس خرقة وكسوة يدفعون بها ضرر الحر والبرد ولا يميلون الى ما سواها طلبا لمرضاة الله وهربا عن مساخطه
وَمَنْ يَعْشُ اى يعرض وينصرف عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ اى القرآن المبين له طريق الايمان والعرفان لفرط انهماكه باللذات والشهوات الفانية الدنيوية نُقَيِّضْ لَهُ ونسلط عليه شَيْطاناً يضله ويغويه ويوسوس عليه ويرديه وبالجملة فَهُوَ اى الشيطان لَهُ قَرِينٌ دائما يزين عليه المعاصي والمقابح ويغريه عليها الى ان يدخله في نار القطيعة والحرمان
وَإِنَّهُمْ اى جنود الشياطين واتباعه لَيَصُدُّونَهُمْ اى يذبونهم ويصرفونهم اى اتباعهم من الناس عَنِ السَّبِيلِ السوى الموضوع بالوضع الإلهي الموصل الى توحيده وَهم يَحْسَبُونَ من فرط عمههم وسكرتهم أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ بهداية قرنائهم من الشياطين مع انهم الغاوون الضالون باغوائهم واضلالهم بلا هداية ورشاد أصلا ولم يعلموا اضلالهم
حَتَّى إِذا جاءَنا اى الأعشى الأعمى وعلم ضلاله عنا وغوايته عن طريقنا قالَ متحسرا متأسفا لقرينه المضل المغوى متمنيا يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ اى بعد ما بين المشرق والمغرب فَبِئْسَ الْقَرِينُ أنت ايها المضل المغوى قد أضللتني عن الطريق القويم وابتليتني بالعذاب الأليم
وَقيل لهم حينئذ من قبل الحق لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ تمنيكم واسفكم إِذْ قد ظَلَمْتُمْ انفسكم في نشأة التدارك والتلافي والآن قد انقرضت أَنَّكُمْ وقرناءكم اليوم فِي الْعَذابِ المؤبد المخلد مُشْتَرِكُونَ كما انكم قد كنتم مشتركين في الأسباب الجالبة له في النشأة
стр. 878
الاولى. ثم لما كان صلّى الله تعالى عليه وسلّم يبالغ في ارشاد عشائره ويتعب نفسه في هدايتهم رد الله سبحانه عليه على وجه الاستبعاد والتأديب ردعا له عما كان عليه من المبالغة فقال مستفهما
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ اى أأنت تتخيل لنفسك انك تقدر على إسماع من جبل على الصمم في اصل فطرته أَوْ أنت تَهْدِي الْعُمْيَ المجبولين على العمى في مبدأ خلقته وَبالجملة انك لا تهدى مَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وغواية عظيمة جبلية فكيف تسعى أنت لهدايته وتبالغ في طلب المحال في إرشاده وتكميله إذ ليس في وسعك تغيير الخلقة وانما عليك البلاغ فليس في وسعك الا الإنذار والتبليغ فقط فقد أنذرت وبلغت الى متى تتعب نفسك وتسعى. ثم سجل سبحانه على أخذ المشركين والانتقام عنهم بقوله معرضا على حبيبه على وجه التأديب والتنبيه
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ اى ان نتوفينك يا أكمل الرسل ونخرجنك عن الدنيا قبل انتقامنا عنهم وأخذنا إياهم فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ البتة بعد مماتك ووفاتك
أَوْ نُرِيَنَّكَ العذاب الموعود الَّذِي وَعَدْناهُمْ للاعراض عنك وعن دينك وكتابك وبالجملة فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ قادرون على وجوه الانتقام عنهم حال حياتك او بعدها فلك ان لا تسعى في هدايتهم وإرشادهم وبعد ما قد أكد سبحانه انجاز الوعيد الموعود عليهم وبالغ فيه امر حبيبه ﷺ بالتمكن والتثبت على مقتضى الوحى المنزل من عنده سبحانه فقال
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ من القواعد الشرعية الموضوعة بالوضع الإلهي واعتمد عليه ولا تلتفت إليهم ولا تبال باعراضهم إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى توحيد ربك
وَإِنَّهُ اى القرآن لَذِكْرٌ اى عظة وتذكير لَكَ وَلِقَوْمِكَ فعليكم ان تتعظوا به وبما فيه من الحكم والاحكام والعبر والأمثال والرموز والإشارات وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ عن قيامكم به وامتثالكم بما فيه وان عاند المشركون معك واستهزؤا بك وبكتابك ونسبوا دينك الى البدعة والاختلاق فلا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون وينسبونك اليه
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا اى احبار قومهم وعلمائهم وفتش أحوالهم عن آثارهم واخبارهم وكتبهم الباقية بعدهم أَجَعَلْنا وأثبتنا في الكتب النازلة من لدنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ المنزه في ذاته عن الشركة والتعدد مطلقا آلِهَةً يُعْبَدُونَ اى هل حكمنا لهم وامرناهم باتخاذ آلهة سوى الحق الحقيق بالعبادة يعبدونهم كعبادة الله بل ما اتخذوا الآلهة المتخذة الزائغة الا بمقتضى آرائهم الباطلة واهويتهم الفاسدة وبالجملة ما عبدوا بعموم ما عبدوا الا ظلما وعدوانا وبغيا وطغيانا
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا أخاك مُوسى بِآياتِنا الدالة على توحيدنا إِلى فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي المستعلى على من في الأرض وَمَلَائِهِ المعاونين له في طغيانه وعدوانه فَقالَ لهم موسى باذن منا وبمقتضى وحينا إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ قد أرسلني إليكم لأرشدكم الى طريق توحيده وأوضح لكم سبيل المعاد
فَلَمَّا جاءَهُمْ موسى مؤيدا بِآياتِنا اى بالخوارق والمعجزات الدالة على صدقه إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ اى فاجؤا على الضحك والاستهزاء أول رؤيتهم بالآيات بلا تأمل وتدبر فيها
وَالحال انه ما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ من الآيات إِلَّا هِيَ اى الآية اللاحقة المرئية في الحال أَكْبَرُ واظهر دلالة على كمال قدرتنا وصدق نبينا مِنْ أُخْتِها اى من الآيات السابقة عليها ومع ذلك أنكروا على الكل واستهزؤا به عدوانا وظلما وَبعد ما بالغوا في العتو والعناد قد أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ العاجل من القحط والطاعون وغيرها لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ رجاء ان يرجعوا من انكارهم وإصرارهم عليه
وَمع ذلك لم يرجعوا
стр. 879
بل قالُوا عند نزول البلاء وهجوم العناء بدعاء موسى ﵇ مسترجعين نحوه متهكمين معه يا أَيُّهَا السَّاحِرُ الماهر في السحر والشعبذة ادْعُ لَنا رَبَّكَ الذي زعمت ان لا منزل للمصيبة سواه ولا كاشف لها ايضا الا هو بِما عَهِدَ عِنْدَكَ اى بمقتضى ما وعد لك وعهد معك ان لا يعذب من آمن بك وصدقك فان انكشف الضر بدعائك ف إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ بهدايتك مؤمنون لك مصدقون بنبوتك ورسالتك وبجميع ما دعوتنا اليه
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ بعد دعاء الأنبياء والرسل وتضرعهم نحونا راجين منا مناجين إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ اى هم قد فاجؤا على نقض ما عاهدوا بغتة مبادرين على الإنكار والعناد بلا تراخ وتأخير
وَمن كمال عتو فرعون الطاغي الباغي ونهاية عناده واستكباره نادى فِرْعَوْنُ بنفسه يوما من الأيام حين كان فِي مجمع قَوْمِهِ مباهيا بما معه من الجاه وسعة المملكة حيث قالَ يا قَوْمِ ناداهم ليسمعوا منه ويصغوا اليه سمع قبول أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ مع كمال وسعته وفسحته وكثرة مملكته وَهذِهِ الْأَنْهارُ الثلاثة المنشعبة من النيل هي نهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس تَجْرِي مِنْ تَحْتِي اى تحت تصرفى وملكي أَفَلا تُبْصِرُونَ ايها المجبولون على البصارة
أَمْ أَنَا اى بل انا خَيْرٌ مِنْ هذَا الساحر المدعى الَّذِي هُوَ مَهِينٌ رذل مهان لا عزة له ولا مقدار وَمع رذالته وسفالته لا يَكادُ يُبِينُ اى لا يقرب ان يظهر ويعرب كلامه للكنة في لسانه
فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ اى فلو كان مؤيدا من عند الله ومكرما لديه كما زعم هلا القى عليه اسورة مِنْ ذَهَبٍ تدل على عزته وكرامته عنده وسيادته عند الناس إذ العادة حينئذ ان اهل الرياسة والسيادة يسورون ويطوقون بأسورة متخذة من ذهب أَوْ هلا جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ من عند ربه مُقْتَرِنِينَ مجتمعين يعينونه فيما يعنيه
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ يعنى قد استخف فرعون قومه حيث لبس عليهم وسفههم وضعف أحلامهم بأمثال هذه الهذيانات فَأَطاعُوهُ وقبلوا منه جميع ما قال عتوا واستكبارا وبالجملة إِنَّهُمْ في أنفسهم قد كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ خارجين عن مقتضى العدالة الإلهية لذلك انحرفوا عن سواء السبيل واتبعوا ذلك الفاسق الطاغي وبالجملة
فَلَمَّا آسَفُونا وحملونا على القهر والغضب وحركوا الغيرة الإلهية بأمثال هذه الجرائم الفاحشة انْتَقَمْنا مِنْهُمْ بمقتضى قهرنا وجلالنا فَأَغْرَقْناهُمْ في اليم أَجْمَعِينَ ومحونا رسومهم عن وجه الأرض
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً قدوة واسلافا قديمة للهالكين من هؤلاء المسرفين المفرطين وَصيرناهم مَثَلًا لِلْآخِرِينَ من اخلافهم المؤمنين الموحدين يمثلون بهم وبوقائعهم فيتعظون
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا يعنى لما ضرب ابن الزبعرى مثلا بعيسى ﵇ حين نزلت كريمة انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قال مجادلا مع رسول الله ﷺ انك تزعم ان النصارى من اهل الكتاب وانهم يعبدون عيسى ويعتقدونه ابن الله والملائكة اولى بالمعبودية من عيسى فسكت رسول الله ﷺ والقوم لما سمعوا مجادلته ورأوا سكوت الرسول ﷺ من كلامه فهموا منه الزام الرسول وافحامه فأوجسوا في نفوسهم اعراضا كما حكى عنهم سبحانه بقوله إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ اى من كلام ابن الزبعرى يَصِدُّونَ يعرضون وينصرفون عنك فرحا بانك قد صرت ملزما من كلامه
وَبعد ما اعرضوا عنك واعتقدوا إلزامك من ذلك الطاغي قالُوا اى قال بعضهم لبعض آلِهَتُنا التي قد كنا نعبد نحن وأسلافنا ايضا إياهم خَيْرٌ أَمْ هُوَ يعنون اله محمد الذي ادعى الرسالة من عنده وانما قالوا ما قالوا له تهكما
стр. 880
واستهزاء كما قال سبحانه ما ضَرَبُوهُ لَكَ مثلا إِلَّا جَدَلًا مجادلة ومراء بَلْ هُمْ في أنفسهم قَوْمٌ خَصِمُونَ مجادلون مكابرون في الخصومة واجراء الباطل مجرى الحق وترويجه جدلا ومغالطة بل
إِنْ هُوَ اى ما عيسى إِلَّا عَبْدٌ من جملة عبادنا قد أَنْعَمْنا عَلَيْهِ بمقتضى فضلنا وجودنا وأظهرنا على يده من المعجزات الباهرة والخوارق الظاهرة الدالة على كمال قدرتنا وَجَعَلْناهُ مَثَلًا عجيبا وشأنا بديعا لِبَنِي إِسْرائِيلَ يسير بينهم امر وجوده بلا أب وظهور الخوارق الغريبة عنه سيما في حال صباه وإرهاصات امه كالمثل السائر كل ذلك من كمال قدرتنا وعلمنا ومتانة حكمتنا
وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ ايضا وانشأنا بدلكم مَلائِكَةً يسكنون فِي الْأَرْضِ مكلفين بالعبادة والعرفان أمثالكم وإذا انقرض طائفة منهم يَخْلُفُونَ أمثالهم أمثالكم الى ما شاء الله يعنى لا تتعجبوا من شأن عيسى وظهوره على الوجه الأبدع الأغرب بل تأملوا وتدبروا في كمال قدرة المبدع ووفور حكمته وجوده إذ هو سبحانه قادر على اظهار امور عجيبة وشئون شتى بديعة لا تعد ولا تحصى ومن جملتها ظهور عيسى وما صدر عنه من الخوارق بل كل من وصل بعالم القلب وحصل دون الكشف والشهود واليقين الحقي مترقيا من المشاهدات العادية والمحسوسات الالفية ظهر له ولاح عليه ان كل ما لمع عليه برق الوجود وتشعشع منه بمقتضى الجود انما هو على وجه غريب وشأن عجيب ثم قال سبحانه
وَإِنَّهُ اى شأن الظهورات المنبه عليها والتطورات المشار بها لَعِلْمٌ اى دليل لائح وبرهان واضح لِلسَّاعَةِ الموعودة المعهودة فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وبقيامها ووقوعها وَبالجملة اتَّبِعُونِ في جميع ما أنزلت لكم في كتبي وعلى ألسنة رسلي وأطيعوا امرى وأمرهم واعلموا ان هذا الذي قد اشرناكم اليه صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاسلكوا فيه لعلكم تهتدون الى توحيدي وتفوزون بالفوز العظيم
وَعليكم محافظة الحدود الشرعية والمعالم الدينية حتّى لا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ ولا يصرفنكم عنها ولا يوقعنكم في فتنة عظيمة وبلية شديدة إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة شديد الخصومة يضلكم عن جادة التوحيد ويوقعكم في العذاب الشديد. أعاذنا الله وعموم عباده من فتنته
وَكيف لا يكون عيسى عبدا من عبادنا اذكر لهم يا أكمل الرسل لَمَّا جاءَ عِيسى الى بنى إسرائيل من عندنا مؤيدا بِالْبَيِّناتِ الباهرة الظاهرة التي ما ظهر مثلها من نبي من الأنبياء قالَ مظهرا لهم الدعوة الى طريق الحق وتوحيده قَدْ جِئْتُكُمْ من عند ربي بِالْحِكْمَةِ المتقنة البالغة وَانما جئتكم لِأُبَيِّنَ أوضح واظهر لَكُمْ طريق العبودية والعرفان سيما بَعْضَ الَّذِي اى بعض المعالم الدينية الذي أنتم تَخْتَلِفُونَ فِيهِ وفي نزوله في كتب الله وعدم نزوله فيها فَاتَّقُوا اللَّهَ أولا حق تقاته وَأَطِيعُونِ فيما جئت لكم
إِنَّ اللَّهَ المتوحد المتفرد بالالوهية والربوبية هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ دبر امرى وأمركم وبينه في كتابه فَاعْبُدُوهُ بمقتضى وحيه وانزاله واعلموا ان هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ موصل الى توحيده الذي أنتم لأجله جبلتم ان كنتم مؤمنين موقنين وبعد ما تم امر الدعوة والتبليغ
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ وتفرقوا تفرقا ناشئا مِنْ بَيْنِهِمْ اى من بين قومه المبعوث إليهم بعد ما دعاهم الى طريق الحق وتوحيده وهداهم الى صراط مستقيم فَوَيْلٌ عظيم وعذاب شديد يتوقع لِلَّذِينَ ظَلَمُوا خرجوا عن مقتضى العبودية المأمورة لهم بالوحي الإلهي مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ مؤلم في غاية الإيلام
هَلْ يَنْظُرُونَ اى ما ينظرون وينتظرون أولئك المفسدون المفرطون إِلَّا السَّاعَةَ الموعود
следующие страницы →