← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

والعناد مع رسل الله وذوى الخطر من خلص عباده والى اين أدى مآل أمرهم فسيئول امر هؤلاء ايضا الى أمثاله وَاذكر يا أكمل الرسل لمشركي مكة وقت إِذْ قالَ جدك إِبْراهِيمُ الخليل صلوات الله عليه وسلامه لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ المغمورين في تقليدات آبائهم الموروثة لهم بعد ما انكشفت حقية الحق ووحدته وبطلان الالهة الباطلة التي قد أثبتوها شركاء لله ظلما وزورا إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ اى أنا برئ من معبوداتكم التي أنتم تعبدونها من دون الله الواحد الأحد الصمد المستحق للعبادة والإطاعة إِلَّا الَّذِي اى ما اعبد معبودا سوى المعبود الذي فَطَرَنِي اى أوجدني وأظهرني من كتم العدم بمقتضى حوله وقوته وعلمه ووفور حكمته فَإِنَّهُ سبحانه بمقتضى سعة رحمته وتوفيقه سَيَهْدِينِ ويثبتني على جادة الهداية بأزيد مما هداني اليه من اجراء كلمة التوحيد على لساني وَجَعَلَها سبحانه هذه الكلمة كَلِمَةً باقِيَةً مستمرة فِي عَقِبِهِ اى أولاد ابراهيم وذرياته الى يوم القيامة موروثة لهم لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الى الله بكرامة هذه الكلمة ويوحدونه حق توحيده لذلك ما خلا زمان من الازمنة من موحدى هذه الذرية وممن يدعو منهم الى الحق وطريق توحيده وان كان منهم ايضا من يشرك بالله كمشركي قريش خذلهم الله كما قال سبحانه في شأنهم بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ المسرفين المعاندين معك يا أكمل الرسل وَكذا متعت آباءَهُمْ كذلك بأنواع النعم واصناف الكرم حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ اى الطريق الموصل الى التوحيد الذاتي وَرَسُولٌ مرشد كامل مُبِينٌ مظهر موضح لهم طريق الهداية والرشد وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ الحقيق بالاتباع قالُوا من فرط تعنتهم وعنادهم هذا الذي جاء به هذا المدعى يعنى محمدا ﷺ سِحْرٌ او شعر قد اختلقه من تلقاء نفسه ونسبه الى ربه افتراء وتغريرا وَبالجملة إِنَّا بِهِ وبدينه كافِرُونَ منكرون جاحدون وَقالُوا من شدة شكيمتهم وغيظهم معك يا أكمل الرسل ومن غاية انكارهم بكتابك لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ ان كان نزوله من عند الله حقيقة عَلى رَجُلٍ ذي ثروة وجاه لائق بمرتبة النبوة والرسالة كائن مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ اى من احدى القريتين يعنى مكة والطائف عَظِيمٍ عند الناس بكثرة الأموال والأولاد والاتباع ليكون له اليد والاستيلاء على سائر الناس إذ منصب النبوة منصب عظيم يحتاج الى ثروة ووجاهة ومكنة تامة ورئاسة ظاهرة ولم يفهموا ان رتبة النبوة والولاية عبارة عن الغنى الذاتي المسقط لعموم الإضافات المنافية لصرافة الوحدة الذاتية وهو لا يكون الا بالتعري عن ملابس الأكوان ولوازم الإمكان بالمرة وبالتخلق بالأخلاق المرضية الإلهية أَهُمْ باحلامهم السخيفة وتدبيراتهم الركيكة يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل ويضعون رتبة النبوة والرسالة الى من يقتضيه اوهامهم وخيالاتهم الباطلة وترتضيه نفوسهم الخبيثة العاطلة بل نَحْنُ بوفور حكمتنا قد قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ التي يحتاجون إليها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ومع تدبيرنا إياهم ومصالح معاشهم لا يحسنون تدبيرها فيما بينهم ليصلح امر ائتلافهم وتمدنهم فيها فكيف يخوضون في مصالح المعاد وتدبيراتها ومن اين يتأتى لهم التفوه في الأوضاع الألوهية والتدبيرات الربوبية الناشئة عن كمال العلم والحكمة والارادة الكاملة والقدرة الشاملة وَمن غاية قصورهم ونقصانهم عن تدبيرات معاشهم قد رَفَعْنا حسب حكمتنا وتربيتنا إياهم بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ بان فضلنا بعضهم على بعض في العقل الجزئى والرزق الصوري وغيره ليكون لهم الكبرياء والاستيلاء على البعض الآخر ولِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا اى يستعمل البعض العقلاء الأغنياء اجراء من البعض

стр. 877

الفقراء الأغبياء فيأمروهم بما قصدوا من الحوائج ليتم امر النظام والتمدن والتضامّ وَبالجملة رَحْمَتَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل ألا وهي رتبة النبوة والرسالة خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من حطام الدنيا ومزخرفاتها الفانية لاشتمالها على ضبط الظواهر والبواطن المتعلقة بالنشأة الاولى والاخرى. ثم أشار سبحانه الى دناءة زخارف الدنيا وأمتعتها ورداءة ما فيها من اللذات الوهمية وما يترتب عليها من الشهوات البهيمية فقال وَلَوْلا مخافة أَنْ يَكُونَ النَّاسُ المجبولون على الكفر والنسيان أُمَّةً واحِدَةً مائلة الى الكفر منحرفة عن الايمان لَجَعَلْنا وصيرنا البتة لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ اى بسطنا على الكافرين من الزخارف الدنيوية ووفرناها عليهم الى حيث يتخذون لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مصنوعة متخذة مِنْ فِضَّةٍ وَكذا يعملون مَعارِجَ ومراقى منها عَلَيْها اى على سطوح بيوتهم يَظْهَرُونَ يصعدون ويعلون بتلك المعارج المعمولة من الفضة وَكذا يعملون لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً منها بدل الألواح من الأخشاب وَكذا يتخذون منها سُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ترفها وتنعما وَبالجملة لوسعنا عليهم حطام الدنيا الى حيث جعلنا لهم زُخْرُفاً وزينة وافرة كثيرة متخذة من الفضة والذهب يتزينون بها ويتلذذون بلذاتها الفانية وشهواتها الزائغة الزائلة المبعدة عن اللذات الباقية الاخروية كما نشاهد أمثال هذه من أبناء زماننا هذا احسن الله أحوالهم مع انهم يعدون أنفسهم من المؤمنين الموحدين لكن لو فعلنا كذلك لمال إليها المسلمون وتحسروا بما نالوا فضعف رأيهم في اتباع الدين القويم والتمشى على الصراط المستقيم وَبالجملة إِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا الفانية لإقرار ولا مدار لما عليها من اللذات والشهوات الوهمية البهيمية الغير القارة وَبالجملة النشأة الْآخِرَةُ اى حظوظ النشأة الآخرة الباقية الدائمة لذاتها ازلا وابدا مستقرة عِنْدَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل حاصلة لِلْمُتَّقِينَ الذين يحفظون نفوسهم عن التلطخ بقاذورات الدنيا الدنية والركون الى مزخرفاتها الفانية سوى سد جوعة ولبس خرقة وكسوة يدفعون بها ضرر الحر والبرد ولا يميلون الى ما سواها طلبا لمرضاة الله وهربا عن مساخطه وَمَنْ يَعْشُ اى يعرض وينصرف عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ اى القرآن المبين له طريق الايمان والعرفان لفرط انهماكه باللذات والشهوات الفانية الدنيوية نُقَيِّضْ لَهُ ونسلط عليه شَيْطاناً يضله ويغويه ويوسوس عليه ويرديه وبالجملة فَهُوَ اى الشيطان لَهُ قَرِينٌ دائما يزين عليه المعاصي والمقابح ويغريه عليها الى ان يدخله في نار القطيعة والحرمان وَإِنَّهُمْ اى جنود الشياطين واتباعه لَيَصُدُّونَهُمْ اى يذبونهم ويصرفونهم اى اتباعهم من الناس عَنِ السَّبِيلِ السوى الموضوع بالوضع الإلهي الموصل الى توحيده وَهم يَحْسَبُونَ من فرط عمههم وسكرتهم أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ بهداية قرنائهم من الشياطين مع انهم الغاوون الضالون باغوائهم واضلالهم بلا هداية ورشاد أصلا ولم يعلموا اضلالهم حَتَّى إِذا جاءَنا اى الأعشى الأعمى وعلم ضلاله عنا وغوايته عن طريقنا قالَ متحسرا متأسفا لقرينه المضل المغوى متمنيا يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ اى بعد ما بين المشرق والمغرب فَبِئْسَ الْقَرِينُ أنت ايها المضل المغوى قد أضللتني عن الطريق القويم وابتليتني بالعذاب الأليم وَقيل لهم حينئذ من قبل الحق لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ تمنيكم واسفكم إِذْ قد ظَلَمْتُمْ انفسكم في نشأة التدارك والتلافي والآن قد انقرضت أَنَّكُمْ وقرناءكم اليوم فِي الْعَذابِ المؤبد المخلد مُشْتَرِكُونَ كما انكم قد كنتم مشتركين في الأسباب الجالبة له في النشأة

стр. 878

الاولى. ثم لما كان صلّى الله تعالى عليه وسلّم يبالغ في ارشاد عشائره ويتعب نفسه في هدايتهم رد الله سبحانه عليه على وجه الاستبعاد والتأديب ردعا له عما كان عليه من المبالغة فقال مستفهما أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ اى أأنت تتخيل لنفسك انك تقدر على إسماع من جبل على الصمم في اصل فطرته أَوْ أنت تَهْدِي الْعُمْيَ المجبولين على العمى في مبدأ خلقته وَبالجملة انك لا تهدى مَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وغواية عظيمة جبلية فكيف تسعى أنت لهدايته وتبالغ في طلب المحال في إرشاده وتكميله إذ ليس في وسعك تغيير الخلقة وانما عليك البلاغ فليس في وسعك الا الإنذار والتبليغ فقط فقد أنذرت وبلغت الى متى تتعب نفسك وتسعى. ثم سجل سبحانه على أخذ المشركين والانتقام عنهم بقوله معرضا على حبيبه على وجه التأديب والتنبيه فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ اى ان نتوفينك يا أكمل الرسل ونخرجنك عن الدنيا قبل انتقامنا عنهم وأخذنا إياهم فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ البتة بعد مماتك ووفاتك أَوْ نُرِيَنَّكَ العذاب الموعود الَّذِي وَعَدْناهُمْ للاعراض عنك وعن دينك وكتابك وبالجملة فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ قادرون على وجوه الانتقام عنهم حال حياتك او بعدها فلك ان لا تسعى في هدايتهم وإرشادهم وبعد ما قد أكد سبحانه انجاز الوعيد الموعود عليهم وبالغ فيه امر حبيبه ﷺ بالتمكن والتثبت على مقتضى الوحى المنزل من عنده سبحانه فقال فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ من القواعد الشرعية الموضوعة بالوضع الإلهي واعتمد عليه ولا تلتفت إليهم ولا تبال باعراضهم إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى توحيد ربك وَإِنَّهُ اى القرآن لَذِكْرٌ اى عظة وتذكير لَكَ وَلِقَوْمِكَ فعليكم ان تتعظوا به وبما فيه من الحكم والاحكام والعبر والأمثال والرموز والإشارات وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ عن قيامكم به وامتثالكم بما فيه وان عاند المشركون معك واستهزؤا بك وبكتابك ونسبوا دينك الى البدعة والاختلاق فلا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون وينسبونك اليه وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا اى احبار قومهم وعلمائهم وفتش أحوالهم عن آثارهم واخبارهم وكتبهم الباقية بعدهم أَجَعَلْنا وأثبتنا في الكتب النازلة من لدنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ المنزه في ذاته عن الشركة والتعدد مطلقا آلِهَةً يُعْبَدُونَ اى هل حكمنا لهم وامرناهم باتخاذ آلهة سوى الحق الحقيق بالعبادة يعبدونهم كعبادة الله بل ما اتخذوا الآلهة المتخذة الزائغة الا بمقتضى آرائهم الباطلة واهويتهم الفاسدة وبالجملة ما عبدوا بعموم ما عبدوا الا ظلما وعدوانا وبغيا وطغيانا وَلَقَدْ أَرْسَلْنا أخاك مُوسى بِآياتِنا الدالة على توحيدنا إِلى فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي المستعلى على من في الأرض وَمَلَائِهِ المعاونين له في طغيانه وعدوانه فَقالَ لهم موسى باذن منا وبمقتضى وحينا إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ قد أرسلني إليكم لأرشدكم الى طريق توحيده وأوضح لكم سبيل المعاد فَلَمَّا جاءَهُمْ موسى مؤيدا بِآياتِنا اى بالخوارق والمعجزات الدالة على صدقه إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ اى فاجؤا على الضحك والاستهزاء أول رؤيتهم بالآيات بلا تأمل وتدبر فيها وَالحال انه ما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ من الآيات إِلَّا هِيَ اى الآية اللاحقة المرئية في الحال أَكْبَرُ واظهر دلالة على كمال قدرتنا وصدق نبينا مِنْ أُخْتِها اى من الآيات السابقة عليها ومع ذلك أنكروا على الكل واستهزؤا به عدوانا وظلما وَبعد ما بالغوا في العتو والعناد قد أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ العاجل من القحط والطاعون وغيرها لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ رجاء ان يرجعوا من انكارهم وإصرارهم عليه وَمع ذلك لم يرجعوا

стр. 879

بل قالُوا عند نزول البلاء وهجوم العناء بدعاء موسى ﵇ مسترجعين نحوه متهكمين معه يا أَيُّهَا السَّاحِرُ الماهر في السحر والشعبذة ادْعُ لَنا رَبَّكَ الذي زعمت ان لا منزل للمصيبة سواه ولا كاشف لها ايضا الا هو بِما عَهِدَ عِنْدَكَ اى بمقتضى ما وعد لك وعهد معك ان لا يعذب من آمن بك وصدقك فان انكشف الضر بدعائك ف إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ بهدايتك مؤمنون لك مصدقون بنبوتك ورسالتك وبجميع ما دعوتنا اليه فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ بعد دعاء الأنبياء والرسل وتضرعهم نحونا راجين منا مناجين إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ اى هم قد فاجؤا على نقض ما عاهدوا بغتة مبادرين على الإنكار والعناد بلا تراخ وتأخير وَمن كمال عتو فرعون الطاغي الباغي ونهاية عناده واستكباره نادى فِرْعَوْنُ بنفسه يوما من الأيام حين كان فِي مجمع قَوْمِهِ مباهيا بما معه من الجاه وسعة المملكة حيث قالَ يا قَوْمِ ناداهم ليسمعوا منه ويصغوا اليه سمع قبول أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ مع كمال وسعته وفسحته وكثرة مملكته وَهذِهِ الْأَنْهارُ الثلاثة المنشعبة من النيل هي نهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس تَجْرِي مِنْ تَحْتِي اى تحت تصرفى وملكي أَفَلا تُبْصِرُونَ ايها المجبولون على البصارة أَمْ أَنَا اى بل انا خَيْرٌ مِنْ هذَا الساحر المدعى الَّذِي هُوَ مَهِينٌ رذل مهان لا عزة له ولا مقدار وَمع رذالته وسفالته لا يَكادُ يُبِينُ اى لا يقرب ان يظهر ويعرب كلامه للكنة في لسانه فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ اى فلو كان مؤيدا من عند الله ومكرما لديه كما زعم هلا القى عليه اسورة مِنْ ذَهَبٍ تدل على عزته وكرامته عنده وسيادته عند الناس إذ العادة حينئذ ان اهل الرياسة والسيادة يسورون ويطوقون بأسورة متخذة من ذهب أَوْ هلا جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ من عند ربه مُقْتَرِنِينَ مجتمعين يعينونه فيما يعنيه فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ يعنى قد استخف فرعون قومه حيث لبس عليهم وسفههم وضعف أحلامهم بأمثال هذه الهذيانات فَأَطاعُوهُ وقبلوا منه جميع ما قال عتوا واستكبارا وبالجملة إِنَّهُمْ في أنفسهم قد كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ خارجين عن مقتضى العدالة الإلهية لذلك انحرفوا عن سواء السبيل واتبعوا ذلك الفاسق الطاغي وبالجملة فَلَمَّا آسَفُونا وحملونا على القهر والغضب وحركوا الغيرة الإلهية بأمثال هذه الجرائم الفاحشة انْتَقَمْنا مِنْهُمْ بمقتضى قهرنا وجلالنا فَأَغْرَقْناهُمْ في اليم أَجْمَعِينَ ومحونا رسومهم عن وجه الأرض فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً قدوة واسلافا قديمة للهالكين من هؤلاء المسرفين المفرطين وَصيرناهم مَثَلًا لِلْآخِرِينَ من اخلافهم المؤمنين الموحدين يمثلون بهم وبوقائعهم فيتعظون وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا يعنى لما ضرب ابن الزبعرى مثلا بعيسى ﵇ حين نزلت كريمة انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قال مجادلا مع رسول الله ﷺ انك تزعم ان النصارى من اهل الكتاب وانهم يعبدون عيسى ويعتقدونه ابن الله والملائكة اولى بالمعبودية من عيسى فسكت رسول الله ﷺ والقوم لما سمعوا مجادلته ورأوا سكوت الرسول ﷺ من كلامه فهموا منه الزام الرسول وافحامه فأوجسوا في نفوسهم اعراضا كما حكى عنهم سبحانه بقوله إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ اى من كلام ابن الزبعرى يَصِدُّونَ يعرضون وينصرفون عنك فرحا بانك قد صرت ملزما من كلامه وَبعد ما اعرضوا عنك واعتقدوا إلزامك من ذلك الطاغي قالُوا اى قال بعضهم لبعض آلِهَتُنا التي قد كنا نعبد نحن وأسلافنا ايضا إياهم خَيْرٌ أَمْ هُوَ يعنون اله محمد الذي ادعى الرسالة من عنده وانما قالوا ما قالوا له تهكما

стр. 880

واستهزاء كما قال سبحانه ما ضَرَبُوهُ لَكَ مثلا إِلَّا جَدَلًا مجادلة ومراء بَلْ هُمْ في أنفسهم قَوْمٌ خَصِمُونَ مجادلون مكابرون في الخصومة واجراء الباطل مجرى الحق وترويجه جدلا ومغالطة بل إِنْ هُوَ اى ما عيسى إِلَّا عَبْدٌ من جملة عبادنا قد أَنْعَمْنا عَلَيْهِ بمقتضى فضلنا وجودنا وأظهرنا على يده من المعجزات الباهرة والخوارق الظاهرة الدالة على كمال قدرتنا وَجَعَلْناهُ مَثَلًا عجيبا وشأنا بديعا لِبَنِي إِسْرائِيلَ يسير بينهم امر وجوده بلا أب وظهور الخوارق الغريبة عنه سيما في حال صباه وإرهاصات امه كالمثل السائر كل ذلك من كمال قدرتنا وعلمنا ومتانة حكمتنا وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ ايضا وانشأنا بدلكم مَلائِكَةً يسكنون فِي الْأَرْضِ مكلفين بالعبادة والعرفان أمثالكم وإذا انقرض طائفة منهم يَخْلُفُونَ أمثالهم أمثالكم الى ما شاء الله يعنى لا تتعجبوا من شأن عيسى وظهوره على الوجه الأبدع الأغرب بل تأملوا وتدبروا في كمال قدرة المبدع ووفور حكمته وجوده إذ هو سبحانه قادر على اظهار امور عجيبة وشئون شتى بديعة لا تعد ولا تحصى ومن جملتها ظهور عيسى وما صدر عنه من الخوارق بل كل من وصل بعالم القلب وحصل دون الكشف والشهود واليقين الحقي مترقيا من المشاهدات العادية والمحسوسات الالفية ظهر له ولاح عليه ان كل ما لمع عليه برق الوجود وتشعشع منه بمقتضى الجود انما هو على وجه غريب وشأن عجيب ثم قال سبحانه وَإِنَّهُ اى شأن الظهورات المنبه عليها والتطورات المشار بها لَعِلْمٌ اى دليل لائح وبرهان واضح لِلسَّاعَةِ الموعودة المعهودة فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وبقيامها ووقوعها وَبالجملة اتَّبِعُونِ في جميع ما أنزلت لكم في كتبي وعلى ألسنة رسلي وأطيعوا امرى وأمرهم واعلموا ان هذا الذي قد اشرناكم اليه صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فاسلكوا فيه لعلكم تهتدون الى توحيدي وتفوزون بالفوز العظيم وَعليكم محافظة الحدود الشرعية والمعالم الدينية حتّى لا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ ولا يصرفنكم عنها ولا يوقعنكم في فتنة عظيمة وبلية شديدة إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة شديد الخصومة يضلكم عن جادة التوحيد ويوقعكم في العذاب الشديد. أعاذنا الله وعموم عباده من فتنته وَكيف لا يكون عيسى عبدا من عبادنا اذكر لهم يا أكمل الرسل لَمَّا جاءَ عِيسى الى بنى إسرائيل من عندنا مؤيدا بِالْبَيِّناتِ الباهرة الظاهرة التي ما ظهر مثلها من نبي من الأنبياء قالَ مظهرا لهم الدعوة الى طريق الحق وتوحيده قَدْ جِئْتُكُمْ من عند ربي بِالْحِكْمَةِ المتقنة البالغة وَانما جئتكم لِأُبَيِّنَ أوضح واظهر لَكُمْ طريق العبودية والعرفان سيما بَعْضَ الَّذِي اى بعض المعالم الدينية الذي أنتم تَخْتَلِفُونَ فِيهِ وفي نزوله في كتب الله وعدم نزوله فيها فَاتَّقُوا اللَّهَ أولا حق تقاته وَأَطِيعُونِ فيما جئت لكم إِنَّ اللَّهَ المتوحد المتفرد بالالوهية والربوبية هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ دبر امرى وأمركم وبينه في كتابه فَاعْبُدُوهُ بمقتضى وحيه وانزاله واعلموا ان هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ موصل الى توحيده الذي أنتم لأجله جبلتم ان كنتم مؤمنين موقنين وبعد ما تم امر الدعوة والتبليغ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ وتفرقوا تفرقا ناشئا مِنْ بَيْنِهِمْ اى من بين قومه المبعوث إليهم بعد ما دعاهم الى طريق الحق وتوحيده وهداهم الى صراط مستقيم فَوَيْلٌ عظيم وعذاب شديد يتوقع لِلَّذِينَ ظَلَمُوا خرجوا عن مقتضى العبودية المأمورة لهم بالوحي الإلهي مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ مؤلم في غاية الإيلام هَلْ يَنْظُرُونَ اى ما ينظرون وينتظرون أولئك المفسدون المفرطون إِلَّا السَّاعَةَ الموعود

стр. 881

قيامها أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فجاءة بلا سبق مقدمة وامارة وَهُمْ من غاية اشتغالهم بالملاهي الدنيوية لا يَشْعُرُونَ إتيانها الا وقت وقوعهم في أهوالها الْأَخِلَّاءُ والأحباء يَوْمَئِذٍ من شدة الهول والفزع بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إذ يتذكرون حينئذ ما جرى بينهم من المعاونة والمشاركة في الاعراض عن الله وكتبه ورسله وعدم الانقياد والإطاعة للدين إِلَّا الْمُتَّقِينَ اى الا الأحباء الذين تحابوا في الله وتشاركوا في طريق توحيده سبحانه مع خلص عباده الذين اتقوا عن محارمه طلبا لمرضاته ثم التفت سبحانه الى الخطاب لخلص عباده فقال مناديا لهم على رؤس الاشهاد يا عِبادِ ناداهم سبحانه وأضافهم الى نفسه اختصاصا لهم وتكريما لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ لخوفكم عن مقتضى قهرنا وجلالنا في النشأة الاولى وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ اليوم لتصبركم على الشدائد ومقاساة الأحزان في طريق الايمان في دار الابتلاء وهؤلاء البررة المبشرون هم الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا المنزلة على رسلنا وامتثلوا بمقتضاها وَبالجملة قد كانُوا مُسْلِمِينَ منقادين مطيعين مفوضين أمورهم كلها الى الله راضين بعموم ما قضى عليهم وكتب لهم من المنح والمحن لذلك نودوا حينئذ من قبل الحق على سبيل البشارة والكرامة ادْخُلُوا الْجَنَّةَ المعدة لخلص أوليائنا الذين قد اتخذونا وكيلا واخذونا رقيبا وكفيلا أَنْتُمْ اصالة وَأَزْواجُكُمْ اى نساؤكم المؤمنات المتوكلات الراضيات المرضيات بما قسم لهن المجتنبات عن محارم الله تبعا لكم حال كونكم تُحْبَرُونَ تبتهجون وتسرون فيها على وجه يظهر اثر البهجة والمسرة على وجوهكم ويلوح من سيماكم وبعد ما تقرروا في مقام العز والتكريم وتمكنوا في مكان التبجيل والتعظيم يُطافُ عَلَيْهِمْ اى يطوف حولهم خدمة الجنة بِصِحافٍ جمع صحفة وهي القصعة الكبيرة المتخذة مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ جمع كوب وهو الكوز الذي لا عروة له ايضا متخذة منه وَبالجملة لهم فِيها اى في الجنة ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ من اللذات والشهوات المدركة بآلاتها وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ اى من المحسوسات التي استحسنتها العيون فيها واستلذذن بها وَبالجملة أَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون لا تتحولون منها ابد الآبدين وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أنتم تفوزون بها قد أُورِثْتُمُوها أنتم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الأعمال المصورة بها الناتجة لها المأمورة لأجلها وبالجملة لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ من المستلذات الروحانية والجسمانية مِنْها تَأْكُلُونَ ومنها تتفكهون وتتلذذون جزاء بما كنتم تعملون. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية المستمرة إِنَّ الْمُجْرِمِينَ المنهمكين في بحر الجرائم والمعاصي فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ على عكس خلود اصحاب الجنة في الجنة بحيث لا يُفَتَّرُ ولا يخفف عَنْهُمْ من عذابها بل وَهُمْ فِيهِ اى في العذاب الدائم المستمر مُبْلِسُونَ آيسون من الخلاص والنجاة وَبالجملة ما ظَلَمْناهُمْ بانزال العذاب عليهم واستمراره وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ أنفسهم المقصورين على الخروج والعدوان عن مقتضى الحدود الموضوعة فيهم لتحفظهم من العذاب والنكال وَمن شدة العذاب وقلة التصبر وفرط الفزع والجزع نادَوْا صارخين صائحين يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ اى سل ربك ان يقضى علينا بالمقت والهلاك إذ لا طاقة لنا اليوم بالعذاب وهوله وشدته ثم لما بثوا شكواهم هكذا مرارا وصاحوا صارخين فزعين تكرارا قالَ قائل مجيبا لهم من قبل الحق على سبيل الاستبعاد والتأبيد هيهات هيهات إِنَّكُمْ ماكِثُونَ لا نجاة لكم عنها لا بالموت ولا بالخلاص والتخفيف بل كلما نضجت جلودكم بدلنا لكم جلودا غيرها وعذبناكم باشد العذاب وكيف لا نعذبكم

стр. 882

ايها الجاحدون المسرفون لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ اى بالسبيل السوى والطريق الحق الثابت الحقيق بالاطاعة والاتباع فانصرفتم عنه وانكرتم عليه ولم تلتفتوا اليه بل وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ بعد ما تفطنوا لِلْحَقِّ وتنبهوا بحقيته كارِهُونَ لقبوله والامتثال لمقتضاه وهم مع كمال كراهتهم للحق وانصرافهم عنه لا يقتصرون عليها أَمْ أَبْرَمُوا اى بل احكموا وقطعوا أَمْراً حكما مبرما مكرا وخديعة لرد الحق وتكذيب اهله فَإِنَّا ايضا حسب قهرنا وجلالنا مُبْرِمُونَ حاكمون حكما قطعيا بانزال العذاب المخلد عليهم جزاء لمكرهم وخداعهم أيشكون ويترددون انا لا نقدر على أخذهم وانتقامهم أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ ولا نعلم ولا ندرك سِرَّهُمْ الذي يخفونه في ضمائرهم وَنَجْواهُمْ الذي هم يتناجون به في هواجس نفوسهم بَلى انا عالمون بعموم ما جرى ويجرى في سرائرهم وضمائرهم مطلعون بجميع ما صدر من استعداداتهم وقابلياتهم وَمع احاطة علمنا بهم وبأحوالهم رُسُلُنا لَدَيْهِمْ وحفظتنا عندهم يَكْتُبُونَ جميع ما صدر عنهم نقيره وقطميره حتى نحاسبهم عليه ونجازيهم بمقتضاه. ثم لما شاع قول اليهود والنصارى بولدية عزير وعيسى ومال نحوه أولوا الأحلام الضعيفة منهم ومن غيرهم رد الله عليهم على ابلغ وجه وآكده بأن امر حبيبه ﷺ بالقول على سبيل الفرض والتقدير قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما بالغوا في هذه القرية البعيدة بمراحل عن الحق المستحيلة في نفسها إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ اى ان صح وجاز ان يكون له ولد متصف ببنوته فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ لابنه إذ أنا اعلم الناس بلوازم الألوهية واحفظهم بحقوق الربوبية ان كان له سبحانه ولد أنا أحق بعبوديته وتعظيمه من جميع بريته سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ اى تنزه وتعالى شأن من هو مربى العلويات والسفليات المتصف بالاحاطة التامة والاستيلاء الكامل الشامل على عروش عموم المظاهر بالاستقلال والانفراد عَمَّا يَصِفُونَ به أولئك الواصفون المكابرون من نسبة الولد والمولود له سبحانه تعالى شأنه عما يقول الظالمون علوا كبيرا وبعد ما انكشفت أنت يا أكمل الرسل بحقية الحق ووحدته وصمديته فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا في أباطيلهم ويستغرقوا في ضلالهم وغفلاتهم وَيَلْعَبُوا بمقتضيات اوهامهم وخيالاتهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ بملاقاته وبلحوق ما فيه من انواع العقوبات والنكبات وَكيف يتخذون له سبحانه ولدا ويثبتون له شريكا مع انه سبحانه هُوَ الواحد الأحد الفرد الصمد الَّذِي فِي السَّماءِ اى عالم الأسماء والصفات إِلهٌ يعبد له ويرجع اليه مع صرافة وحدته الذاتية وَفِي الْأَرْضِ اى عالم الطبيعة والهيولى إِلهٌ كذلك بلا تعدد وتغير في ذاته وَبالجملة هُوَ الْحَكِيمُ على الحكمة المتقنة البالغة لا حاكم سواه الْعَلِيمُ المقصور على العلم الكامل الشامل المحيط بعموم ما لاح عليه بروق تجليات الوجود وشروق شمس الذات وَتَبارَكَ وتعالى اى تعاظم وتعالى ذات القادر العليم الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى العلويات والسفليات وَما بَيْنَهُما من المركبات والممتزجات ان يكون معروضا للتعدد ومحلا للشركة والمظاهرة بل له ان يتصرف في ملكه وملكوته ويدبر فيهما تدبيرا وتصرفا على وجه الاستقلال بالإرادة والاختيار وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الموعود قيامها من لدنه سبحانه وَبالجملة إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في النشأة الاخرى رجوع الاظلال الى الأضواء والأمواج الى الماء وَبعد ما ثبت وحدة الحق واستقلاله في ملكه وملكوته لا يَمْلِكُ ولا يقدر الآلهة الباطلة الَّذِينَ يَدْعُونَ ويعبدون لهم أولئك المشركون

стр. 883

مِنْ دُونِهِ سبحانه الشَّفاعَةَ عنده سبحانه ولا تقبل من آلهتهم الذين زعموا انهم شفعاؤهم عند الله إِلَّا مَنْ شَهِدَ اى الا شفاعة من أقر بِالْحَقِّ واعترف بتوحيده وَهُمْ مع إقرارهم واعترافهم يَعْلَمُونَ وينكشفون بوحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته وَالله يا أكمل الرسل لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ اى المشركين مَنْ خَلَقَهُمْ وأوجدهم من كتم العدم ومن اظهر أشباحهم منه لَيَقُولُنَّ اللَّهُ الموجد المظهر للكل إذ لا يمكنهم المكابرة والعناد في أمثال هذه الظواهر فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ والى اين يصرفون بعد ما اعترفوا باستقلاله سبحانه في الخلق والإيجاد وكيف يشركون معه غيره في استحقاق العبادة والرجوع اليه في الخطوب والمهمات وَقِيلِهِ يعنى لا بد وان يكون من جملة قوله ومقوله ﷺ في مناجاته مع ربه في شأن قومه حين ايس عن ايمانهم بعد ما بالغ في إرشادهم وتكميلهم مناديا متضرعا الى الله متعجبا من كمال قسوتهم وانهماكهم في البغي والضلال يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ البعداء عن جادة الهداية والرشد قَوْمٌ متناه في الغفلة والاعراض عنك لا يُؤْمِنُونَ بك وبتوحيدك ولا يقبلون منى دعوتي ولا يسمعون قولي وبعد ما قد تضرع وناجى ﷺ مع ربه قيل له من قبل الحق على طريق الوحى والإلهام فَاصْفَحْ عَنْهُمْ يا أكمل الرسل واعرض عن هدايتهم وانصرف عن إرشادهم وتربيتهم فإنهم مجبولون على الغواية مطبوعون بالكفر والضلال وَبعد ما أيست منهم بأسا كليا قُلْ على سبيل التوديع والمتاركة سَلامٌ وتسليم منا على ما جاءنا من الحق فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أنتم ايها المسرفون وبال ما تعملون وتدخرون لنفوسكم من الزخائر الجالبة لانواع العقوبات. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له خاتمة سورة الزخرف عليك ايها الموحد القاصد لتحقيق الحق الحقيق بالاطاعة والاتباع ان تصفى هممك في عموم حالاتك عما سوى الحق وتخلى خلدك عن مطلق الشواغل العائقة عن التوجه الحقيقي نحوه وتستقيم على صراط التوحيد مستويا مائلا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط مقتصدا معتدلا إذ مرجع جميع الطرق والسبل السوية الى العدالة الإلهية الفائضة منه سبحانه على أراضي استعدادات عموم القوابل والمجالى حسب قابلياتهم الفطرية التابعة للتجليات الإلهية وشئونه المتفرعة على أسمائه وصفاته الذاتية وتقتفى في تهذيبك وتصفيتك هذا اثر النبي المجبول على العدالة الإلهية وعلى فطرة خلافته ونيابته وعليك ان تعرض عمن اعرض عن الحق واهله وانحرف عن سواء السبيل. جعلنا الله وعموم عباده من زمرة اهل الهداية واليقين وجنبنا من الضلال عن الطريق المستبين بمنه وجوده [سورة الدخان] فاتحة سورة الدخان لا يخفى على ارباب الكشف والشهود من المنجذبين نحو الحق في عموم أوقاتهم وحالاتهم سيما في أوائل ايام الطلب والارادة المنبعثة عن المحبة الغالبة الجالبة للميل والركون الى المبدأ الحقيقي والمنشأ الأصلي ان الحالات الطارية على ارباب الطلب والارادة في تلك الأوقات متفاوتة قبضا وبسطا تلذذا وتحزنا تلونا وتمكنا وبالجملة لا طمأنينة للسالك في تلك الأوقات المتواردة عليه الى ان تصفو له الحالات

стр. 884

وينزل على سلطان قلبه التمكن والوقار والتمرن والقرار. ثم لما وصل ﷺ الى ذلك المقام واستولى وغلب على قلبه سلطان المحبة والعشق المفرط الإلهي وكان ورود تلك الحالة العلية اليه ﷺ في ليلة القدر او البراءة على اختلاف الرواية انزل سبحانه عليه بعض آيات القرآن الفرقان الفارق بين نشأتى التلون والتمكن ليتقرر في مقر الكشف والشهود ويتمكن في مقعد الصدق والمقام المحمود فقال مناديا مخاطبا لحبيبه ﷺ بعد ما تيمن باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى بعموم أسمائه الحسنى الرَّحْمنِ على عموم مظاهره بافاضة الوجود والرزق الأوفى بمقتضى الكرم والجود الرَّحِيمِ لخواصهم بايصالهم الى الحوض المورود والمقام المحمود [الآيات] حم يا حافظ حدود الله ومراقب وحيه والهامه في عموم حالاتك وأوقاتك وَحق الْكِتابِ الْمُبِينِ الذي هو القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم إِنَّا من مقام عظيم جودنا أَنْزَلْناهُ اى ابتدأنا انزاله إليك تأييدا لأمرك وتعظيما لشأنك فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ كثيرة الخير والبركة هي ليلة القدر او البراءة وانما أنزلناه مشتملا على الاحكام والمواعظ والعبر والأمثال والقصص والتواريخ والرموز والإشارات المنبهة على المعارف والحقائق إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ مخوفين بانزال ما فيه من الأوامر والنواهي والوعيدات الهائلة على من انصرف عن جادة العدالة الإلهية وانحرف عن الصراط المستقيم وانما أنزلناه إليك في ليلتك هذه إذ فِيها يُفْرَقُ يميز ويفصل عندك يا أكمل الرسل بعد ما تمكنت في مقر العز والتمكين كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ اى محكم صادر عن محض الحكمة المتقنة الإلهية ولهذا صار عموم ما ذكر في كتابك هذا أَمْراً محكما مبرما نازلا مِنْ عِنْدِنا بمقتضى حضرة علمنا وكمال قدرتنا ووفور حكمتنا ليكون هداية لك وإرشادا لعموم عبادنا المتابعين لك المهتدين بهدايتك إِنَّا قد كُنَّا في عموم الأوقات والحالات مُرْسِلِينَ رسلا مبشرين ومنذرين ومنزلين عليهم كتبا مبينة مصلحة لأحوال عبادنا بعد ما أفسدوا على أنفسهم وصار ذلك الإرسال والإنزال رَحْمَةً نازلة مِنْ رَبِّكَ يا أكمل الرسل وسنة سنية بين عموم عباده حين ظهر الفساد فيهم وفشا الجدال فيما بينهم وبالجملة إِنَّهُ سبحانه هُوَ السَّمِيعُ لمناجاة عباده نحوه بألسنة استعداداتهم وقابلياتهم الْعَلِيمُ بحاجاتهم ونياتهم فيها وكيف لا يرحمهم ولا يصلح أحوالهم مع انه سبحانه هو بذاته (٥) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من الكوائن المركبة منهما يعنى مربى الكل ومظهره هو بالاستقلال والانفراد إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ اى من ارباب المعرفة واليقين فاعرفوه كذلك ووحدوه هكذا إذ لا إِلهَ ولا موجود في الوجود إِلَّا هُوَ بصرافة وحدته وتنزهه عن وصمة الشرك مطلقا هو يُحْيِي وَيُمِيتُ اى يظهر ويوجد عموم ما يوجد وكذا يعدم عموم ما يعدم بمد ظله اليه وقبضه عنه ارادة واختيارا وكيف لا وهو سبحانه رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ لا مربى لكم ولهم سواه وبالجملة لو تأمل عموم العباد في دلائل توحيده ونظروا في آيات ألوهيته وربوبيته لعرفوا يقينا وحدة ذاته بَلْ هُمْ اى أكثرهم فِي شَكٍّ في غفلة وتردد يَلْعَبُونَ ويترددون في اودية الظنون والجهالات حسب آرائهم الفاسدة واهويتهم الباطلة بالنسبة اليه سبحانه فَارْتَقِبْ يا أكمل الرسل وانتظر لهم مترقبا بإلمام البلاء عليهم بعد ما قد أصروا على كفرهم وشركهم واذكر يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مظلم مُبِينٍ عظيم يَغْشَى النَّاسَ اى يحيط بهم وينزل عليهم بحيث تيقنوا ان

стр. 885

هذا عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم مقطع قد ألم بهم فيتضرعون حينئذ نحو الحق صارخين قائلين رَبَّنَا اكْشِفْ بفضلك وجودك عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا بعد ما كشفت عنا عذابنا مُؤْمِنُونَ موقنون بوحدانيتك مصدقون بكتابك ورسولك. وذلك ان قريشا لما بالغوا في الاستهزاء بالرسول والتهكم معه ﷺ ومع ضعفاء المؤمنين دعا عليهم ﷺ فقال اللهم اعنى عليهم بالسبع الشداد كسبع يوسف ﵇ فأجاب الله دعاءه فاخذهم بالقحط فأكلوا الميتة والجيف وهلك كثير منهم فيغشاهم يومئذ دخان عظيم يسمع كل منهم كلام صاحبه ولا يراه من ظلمة الدخان فقالوا صارخين متضرعين هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب انا مؤمنون وقد كانوا عليه حتى جاء ابو سفيان الى رسول الله ﷺ فقال انك قد جئت بصلة الرحم وان قومك قد هلكوا من الجهد فدعا لهم فكشف الله عنهم جهدهم ومع ذلك لم يوفوا بعهدهم الذي عهدوا بعد الكشف لذلك رد الله عليهم بقوله أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى اى من اين يتأتى منهم التذكر والاتعاظ وَقَدْ جاءَهُمْ لتكميلهم وإرشادهم رَسُولٌ مُبِينٌ ظاهر الفضل والعظم أكمل من كل الرسل ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ مدبرين واعرضوا عن دعوته ودينه مصرين على ما هم عليه وَلم يقتصروا على مجرد التولي والاعراض بل قالُوا في شأنه ﷺ كلا ما لا يليق بعلو مكانه حيث قال بعضهم انه مُعَلَّمٌ يعلمه بعض الأعجمين مع انه ﷺ أمي وقال البعض الآخر انه مَجْنُونٌ مخبط مختل العقل يتكلم بكلام المجانين مع انه اعقل الناس وارشدهم. ثم قال سبحانه على سبيل الاخبار والتنبيه لحبيبه ﷺ بعد ما أخذ يدعو لهم بالكشف والتفريج إِنَّا من مقام عظيم جودنا معك يا أكمل الرسل كاشِفُوا الْعَذابِ المحيط بهم بدعائك زمانا قَلِيلًا في دار الاختبار الا انهم لم يوفوا بعدهم الذي عهدوا معك لصرافتهم وانهماكهم في الكفر ثم خاطبهم سبحانه مخبرا إياهم بما سيصدر عنهم فقال إِنَّكُمْ وان كشفنا العذاب عنكم ايها الضالون المكذبون لأنتم عائِدُونَ راجعون الى كفركم وضلالكم غب الكشف والفرج مبادرون على ما قد كنتم عليه ونحن حينئذ منتقمون عنكم مجازون لكم بأسوء الجزاء وأشد العذاب والنكال اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى اى يوم نأخذهم وننتقم عن جرائمهم وآثامهم في يوم القيامة والطامة الكبرى كيف ينقذون أنفسهم من عذابنا الذي لا مرد له يومئذ وبالجملة إِنَّا مُنْتَقِمُونَ منهم البتة حينئذ على الوجه الأشد الأفظع. ثم قال سبحانه تسلية لحبيبه ﷺ وتسكينا لقلبه عما أهمه وأحزنه من استهزاء قومه معه واستخفافهم عليه وَكما امتحنا وجربنا قريشا بإرسالك إليهم مع انا نعلم منهم انهم لم يؤمنوا بك ولم يهتدوا بهدايتك أصلا بل اوقعناهم في فتنة عظيمة وبلية فظيعة لَقَدْ فَتَنَّا وامتحنا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ كذلك بإرسال أخيك موسى الكليم إليهم وَقد جاءَهُمْ رَسُولٌ مرسل من لدنا كَرِيمٌ مكرم لدينا بأنواع الكرامات مؤيد من عندنا بالمعجزات الباهرة مبلغ لهم بمقتضى الوحى الإلهي قائلا لهم أَنْ أَدُّوا اى بان أدوا إِلَيَّ حق الله وأرسلوا معى عِبادَ اللَّهِ بنى إسرائيل وبالجملة إِنِّي لَكُمْ من قبل ربي وربكم رَسُولٌ أَمِينٌ مأمون مصون عن الكذب والافتراء غير متهم به لدلالة ما عندي من المعجزات على صدقى في دعوى الرسالة وَعليكم أَنْ لا تَعْلُوا ولا تكبروا عَلَى اللَّهِ وعلى قبول وحيه وتصديق رسوله في دعوته الى وحدته ولا تنكروا له ولا تكذبوه إِنِّي آتِيكُمْ

стр. 886

بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة واضحة دالة على صدقى في دعواي وَمع وضوح الحجة وسطوع البرهان ان تظهروا على بالعناد والمكابرة اتكالا على شوكتكم وكثرتكم فانا لا أبالي بكم وبشوكتكم واستيلائكم بل إِنِّي عُذْتُ يعنى قد التجأت انا وثقت بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ من أَنْ تَرْجُمُونِ وتضربوني بالحجارة او تشتموني باللسان وَبالجملة إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي ولم تقبلوا منى قولي ودعوتي فَاعْتَزِلُونِ وابعدوا عنى لا علىّ ولا لي ولا لكم ولا عليكم وبعد ما قد كذبوه بل قصدوا مقته وقتله فَدَعا رَبَّهُ وتضرع نحوه بقوله أَنَّ هؤُلاءِ المفسدين المسرفين قَوْمٌ مُجْرِمُونَ منهمكون في الغي والضلال لا ينفعهم نصحى ولا يؤثر فيهم قولي ودعوتي يا ربي وبعد ما ايس عن ايمانهم بل خاف عن مكرهم وطغيانهم قلنا له ان كان الأمر كذلك فَأَسْرِ بِعِبادِي اى سر معهم لَيْلًا على سبيل الفرار منهم وبعد ما علموا خروجك إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ اى يتبعكم فرعون وجنوده ليلحقوا بكم ويستأصلوكم وبعد ما وصلتم الى البحر غدوة وهم على اثركم مدركون بكم فاضرب حينئذ بعصاك البحر فإذا انفلق من ضربك البحر وتفرق من كمال قدرتنا وهيبتنا فادخل أنت اصالة ومن معك تبعا لك بلا خشية وخوف من الغرق فاعبروا سالمين وَاتْرُكِ الْبَحْرَ بعد عبوركم رَهْواً ذا فجوة وانفلاق ولا تقصد الى اجتماعه ولا تدع بجمعه خوفا من عبورهم ولا تضربه بالعصاء ليجتمع كما ضربته بها لانفلاقه وبالجملة لا تخف من ضررهم واضرارهم إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ بعد دخولهم البتة فلا تخف منهم ومن ادراكهم ولا تحزن من اقتحامهم على الفور ففعل موسى ﵇ كذلك فعبروا سالمين وترك البحر على هيئته فاقتحمه فرعون وجنوده بأجمعهم اغترارا بعبورهم وبافتراق البحر وانفلاقه فلما دخلوا جميعا مزدحمين اتصل البحر فغرقوا بالكلية وبعد ما هلكوا كَمْ تَرَكُوا اى كثيرا تركوا مِنْ جَنَّاتٍ متنزهات بهية وَعُيُونٍ جاريات فيها وَزُرُوعٍ كثيرة في حواليها وَمَقامٍ كَرِيمٍ اى محافل مزينة ومنازل حسنة في خلالها وَنَعْمَةٍ وافرة اى اسباب تنعم وترفه من الامتعة والنسوان قد كانُوا فِيها اى في الجنات فاكِهِينَ متنعمين مترفهين كَذلِكَ فعلنا معهم من كمال قدرتنا بعد ما أردنا إهلاكهم وانتقامهم بسبب تكذيبهم واستكبارهم على رسولنا وهكذا نفعل مع كل مكذب متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وَبعد ما تركوا الكل على ما كان وهلكوا قد أَوْرَثْناها اى تلك الجنات وما يتفرع عليها من المستلذات المتروكات قَوْماً آخَرِينَ لا قرابة بينهم نسبا ودينا وهم بنوا إسرائيل وبعد ما هلكوا واستؤصلوا فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ اى لم تبكيا ولم تعتدا بهلاكهم واستئصالهم مثل اعتدادهما لهلاك المؤمنين وفقدهم قال ﷺ ما من عبد مؤمن الا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله فإذا مات فقداه وبكيا عليه وعن المرتضى الأكبر كرم الله وجهه إذا مات المؤمن بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء وَهم من غاية انهماكهم في الغي والضلال واستيحالهم بالمقت والهلاك ما كانُوا مُنْظَرِينَ ممهلين مؤخرين الى وقت آخر بل اخذتهم العزة باثمهم بحيث لا يمهلهم الله ولا يسوف عليهم ساعة وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ وهو استعبادهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم استذلالا بهم واستهانة عليهم وانما نجيناهم كرامة منا إياهم وامتنانا عليهم وكيف لا يهينهم العذاب النازل عليهم الناشئ مِنْ فِرْعَوْنَ الطاغي المتجبر المتكبر على الأرض إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ عموم الْمُسْرِفِينَ المفسدين

стр. 887

في الأرض متبالغا في العتو والعناد والغلبة على العباد أقصى الغاية وَبالجملة لَقَدِ اخْتَرْناهُمْ اى بنى إسرائيل واصطفيناهم من بين سائر الأمم المعاصرين معهم عَلى عِلْمٍ متعلق منا إياهم بأنهم أحقاء بالرياسة والسيادة وانواع الثروة والجاه عَلَى الْعالَمِينَ لكثرة ظهور الأنبياء والرسل فيهم ومنهم وَبعد ما اخترناهم آتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ العظام الدالة على كمال اختصاصهم بمزيد الشرف والكرامة ما فِيهِ بَلؤُا واختبار مُبِينٌ ظاهر نختبر به إخلاصهم ورسوخهم على الايمان. ثم لما أوضح سبحانه تفضيح حال المجرمين المكذبين لرسل الله قال إِنَّ هؤُلاءِ المسرفين المكذبين لك يا أكمل الرسل يعنى قريشا خذلهم الله لَيَقُولُونَ من غاية انكارهم بقدرة الله وبما اخبر به الرسول ونطق به الكتاب من الأمور المتعلقة بالنشأة الآخرة إِنْ هِيَ اى الموتة التي تعرض لنا إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى التي تطرأ علينا في دار الدنيا وتزيل حياتنا عنا وَبالجملة ما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ مبعوثين من قبورنا احياء ثم نحشر للحساب والجزاء كما زعمتم ايها المفترون الكاذبون وان أردتم تصديقنا إياكم في هذه الدعوى فَأْتُوا بِآبائِنا الذين قد انقرضوا وأسلافنا الذين مضوا احياء كما كانوا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم وبالجملة انما قالوا ما قالوا تهكما واستهزاء وبعد ما قد أصروا على عنادهم وبالغوا في انكارهم رد الله عليهم على ابلغ وجه وآكده بقوله مستفهما على سبيل التقريع والتوبيخ أَهُمْ يعنى قريشا خذلهم الله خَيْرٌ مالا وجاها وثروة وسيادة أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ اسم لمن ملك الحمير ككسرى لملوك الفارس وقيصر لملوك الروم والمراد ابو كرب (٥) سعيد بن منيل آمن بنبينا قبل مبعثه فتنحى عنه قومه معللين انك قد تركت ديننا وأرادوا مقته فاخذهم الله بجرمهم هذا فاهلكهم وَالَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الهالكة كعاد وثمود أَهْلَكْناهُمْ مع شدة قوتهم وبسطتهم وكثرة شوكتهم وبالجملة إِنَّهُمْ بأجمعهم قد كانُوا أقواما مُجْرِمِينَ بالجرائم العظام الموجبة للمقت والهلاك أمثال جرائمكم ايها المجرمون المسرفون وَبالجملة ما خَلَقْنَا وأظهرنا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من الممتزجات لاعِبِينَ عابثين بلا طائل بل ما خَلَقْناهُما واظهرناهما على هذا النمط والنظام العجيب المشتمل على انواع التغيرات من الكائنات والفاسدات إِلَّا بِالْحَقِّ ليستدلوا بها على وحدة ذاتنا وكمال علمنا وقدرتنا ومتانة حكمتنا واستقلالنا في تدبيراتنا وتصرفاتنا في ملكنا وملكوتنا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لقصور نظرهم عن ادراك الحكم والأسرار الإلهية لا يَعْلَمُونَ ولا يشعرون الا المحسوسات العادية وبالجملة ما أولئك الحمقى الهلكى القاصرون عن النظر والاستدلال القانعون باللذات الوهمية البهيمية من هذا النظام العجيب الا كالأنعام والهوام بل هم أضل سبيلا وأسوأ حالا منها اذكر لهم يا أكمل الرسل إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ الذي يمتاز فيه المحق عن المبطل والهادي المهتدى عن الضال المضل مِيقاتُهُمْ وموعد جزائهم وقطع خصوماتهم أَجْمَعِينَ فيجازى كل منهم حسب ما حوسب ان خيرا فخير وان شرا فشر واذكر ايضا يَوْمَ لا يُغْنِي لا يدفع ولا يرفع مَوْلًى عَنْ مَوْلًى قرابة عن قرابة شَيْئاً من الإغناء والدفع مما كتب له من الجزاء ثوابا كان او عقابا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ اى لا ينصر بعضهم ببعض على سبيل المظاهرة والمعاونة إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ بمقتضى فضله وجوده او قبل شفاعة احد في حق احد عناية منه وعفوا إِنَّهُ سبحانه هُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر على عموم مراداته الرَّحِيمُ المشفق على عباده عند انابتهم ورجوعهم نحوه فانه يقبل توبتهم ويعفو زلتهم. ثم قال سبحانه إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ المعدة

стр. 888

لذوي الغفلة والضلال طَعامُ الْأَثِيمِ المنهمك في الجرائم والآثام ألا وهو ابو جهل اللعين ومن هو مثله في العتو والعناد وهي في الحرقة والبشاعة كَالْمُهْلِ اى الذهب المذاب او دردى الزيت الأسود وهو من شدة حرقته وحرارته يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ اى كالماء الحار إذا أشد غليانه في المرجل كيف هو وهو مثله يغلى في بطون اهل النار قال ﷺ اتقوا الله حق تقاته ولو ان قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرت على اهل الدنيا معيشتهم ما داموا فيها فكيف حال من هو طعامه هي دائما ولم يكن له غذاء سواها. أعاذنا الله منها ومن أمثالها. وبالجملة هم مبتلون بهذا العذاب الى حيث قطع أمعاءهم ومع ذلك العذاب الهائل يقال من قبل الحق للزبانية الموكلين عليهم على الدوام خُذُوهُ اى المسرف الأثيم فَاعْتِلُوهُ اى ادفعوه وسوقوه بشدة العنف والزجر المفرط إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ اى وسطه ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مثل ما في جوفه مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ليستغرقوا بالعذاب الشديد استغراقا تاما وقولوا له عند صبكم وتعذيبكم على وجه التهكم والتوبيخ ذُقْ ايها المتجبر الطاغي طعم العذاب الهائل إِنَّكَ في نفسك وعلى مقتضى زعمك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ الغالب المقصور على الغلبة والكرامة بين اهل الوادي ثم قولوا لهم بعد تشديد العذاب عليهم تفظيعا لهم وتفضيحا إِنَّ هذا العذاب والنكال الذي أنتم فيه الآن ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ تمارون وتشكون في النشأة الاولى ثم ذكر سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه مقر المؤمنين المتقين ومنزلتهم في النشأة الاخرى فقال إِنَّ الْمُتَّقِينَ المجتنبين عن محارم الله في عموم أوقاتهم وحالاتهم بعد ما انقرضوا عن نشأة الاختبار والابتلاء فِي مَقامٍ أَمِينٍ اى مقر مأمون مصون عن طريان التغير والانتقال محروس عن وصمة الغفلة والضلال وبالجملة متمكنون جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق عُيُونٍ جاريات من انواع المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات اللدنية ومن كمال تلذذهم وترفههم باللذات الروحانية يَلْبَسُونَ من البسة ارباب الكشف والشهود المترقين في مراقى درجات القرب والوصول مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ اى مما رق وغلظ من عروض المعارف والحقائق الى ان صاروا مُتَقابِلِينَ في المحبة متماثلين في الوجد والحضور كَذلِكَ ينكشف لهم الأمر بعد انقراضهم عن نشأة الدنيا وعالم الحجاب وَمع ذلك القرب والوصول والوجد والحضور زَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ مصورات من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية والخصائل السنية التي تأدبوا بها مع ربهم في النشأة الاولى يَدْعُونَ اى يطالب بعضهم بعضا حين تمكنهم واستقرارهم فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ ملذة لأرواحهم وأشباحهم من الفواكه الحاصلة لهم من شجرة اليقين العلمي والعيني والحقي آمِنِينَ عن غوائل الشيطان وتسويلاته وتزييناته كما في النشأة الاولى وبالجملة هم احياء عند ربهم بحياته الازلية الابدية باقون ببقائه السرمدي بحيث لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ اى طعم مرارة الموت المعطل عن التلذذ باللذات اللدنية الروحانية إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى التي قد ذاقوها عند افتراقهم عن لوازم نشأة الإمكان وانقطاعهم عن مقتضيات عالم الناسوت وانفطامهم منها وَبالجملة بعد ما وصلوا الى فضاء الوجوب وحصلوا في عالم اللاهوت وَقاهُمْ وحفظهم ربهم عَذابَ الْجَحِيمِ اى من عذاب بقعة الإمكان ونشأة الناسوت والأركان وبالجملة انما اعطوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ يا أكمل الرسل وامتنانا منه سبحانه عليهم بلا استحقاق منهم واستجلاب بطاعاتهم ذلِكَ الذي بشر الله به عباده المتقين هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والفضل الكريم لا فوز أعظم منه

стр. 889

وأعلى فَإِنَّما يَسَّرْناهُ وسهلناه اى ما هو المذكور في القرآن من المعارف والحقائق والرموز والإشارات التي قد خلت عنها سائر الكتب بِلِسانِكَ وبيناه على لغتك لَعَلَّهُمْ اى العرب يَتَذَكَّرُونَ اى يفهمون ويتعظون بما فيه كي يتفطنوا الى كنوز رموزه وهم من شدة شكيمتهم وقساوتهم لم يؤمنوا بك ولم يصدقوا بكتابك فكيف الاتعاظ والتذكر بما فيه والتيقظ من أحكامه واسراره وبالجملة فَارْتَقِبْ وانتظر أنت يا أكمل الرسل على ما سينزل عليهم من العذاب الموعود إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ منتظرون ايضا بما ينزل عليك من القهر والغضب على زعمهم الفاسد. جعلنا الله من زمرة المتذكرين الفائزين من عنده سبحانه بالفوز العظيم خاتمة سورة الدخان عليك ايها السالك المراقب المتعرض لنفحات الحق ونسمات لطفه المهبة من عالم قدسه في عموم احوالك ان تلازم بالتقوى عن محارم الله والاجتناب عن منهياته المنافية لآداب العبودية وتداوم على التخلق بالأخلاق المرضية الإلهية والاشتغال بالطاعات المقربة نحوه والاعراض عن الملاهي الملهية عن التوجه اليه لتكون من جملة المتقين المتعينين الفائزين من عنده سبحانه بالفوز العظيم واللطف العميم [سورة الجاثية] فاتحة سورة الجاثية لا يخفى على ارباب العبرة المتحققين بمقتضيات الفطرة الاصلية التي هم فطروا عليها بالمعرفة واليقين ان المظاهر العلوية والسفلية من الآفاق والأنفس والغيب والشهادة انما ظهرت وبرزت من مكمن الغيب وعالم العماء ليستدل ويستشهد الوالهون المستغرقون بمطالعة جمال الله وجلاله من صحائف الكائنات وصفائح المكونات على شئون الحق وتطوراته لذلك نبه سبحانه حبيبه ﷺ مخاطبا على ذلك بعد ما تيمن باسمه الكريم فقال بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على ما ظهر بمقتضى حكمته الرَّحْمنِ على عموم بريته بسعة رحمته الرَّحِيمِ بخواصهم بمزيد عطيته التي هي إيصالهم الى ينبوع وحدته وفضاء صمديته [الآيات] حم يا حاوى الوحى والإلهام ويا مزيل الشبه الحادثة من اوهام ذوى الأحلام تَنْزِيلُ الْكِتابِ الجامع لجميع مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم على الإطلاق مِنَ اللَّهِ المحيط بعموم الأنفس والآفاق الْعَزِيزِ المنيع ساحة عز حضوره عن ان يحيط به الإدراك الْحَكِيمِ المتقن في أفعاله بحيث لا يكتنه حكمته أصلا تنبهوا ايها الاظلال الهالكة والعكوس المستهلكة في شمس الذات إِنَّ فِي خلق السَّماواتِ ورفعها وتنظيمها مطبقة وَفي خفض الْأَرْضِ وبسطها ممهدة لَآياتٍ دلائل واضحات وشواهد لائحات على كمال قدرة الصانع الحكيم ومتانة حكمته وعموم تدبيراته لِلْمُؤْمِنِينَ الموقنين بوحدة الحق وكمالات أسمائه وصفاته هذا في خلق الآفاق وَفِي خَلْقِكُمْ خاصة اى في خلق انفسكم وايجادكم من كتم العدم وَكذا في خلق ما يَبُثُّ ينتشر ويتفرق على الأرض مِنْ دابَّةٍ مركبة من العناصر متحركة على وجه الأرض من انواع الحيوانات والحشرات وأصنافها آياتٌ دلائل وشواهد واضحات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وحدة الحق وينكشفون بشئونه وتجلياته التي لا تعد ولا تحصى وَكذا في اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وايلاجهما

стр. 890

وازديادهما وانتقاصهما في الفصول الاربعة حسب الأوضاع الفلكية وأشكالها وبحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها وَكذا في ما أَنْزَلَ اللَّهُ المدبر لأمور عباده مِنَ جانب السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ مطر مبشر مؤذن لحصول الرزق بعد تصعيد الابخرة والادخنة وتراكمها سحبا وصيرورتها ماء في غاية الصفاء فَأَحْيا بِهِ اى بانزال المطر الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يبسها وجفافها وَكذا في تَصْرِيفِ الرِّياحِ السائقة للسحب الى الأراضي الميتة اليابسة بعد ما تعلق ارادته سبحانه باحيائها آياتٌ اى انواع من الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة على وحدة القادر العليم الحكيم لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ويستعملون عقولهم في كيفية انبعاث هذه الأوضاع والحركات وارتباط بعضها مع بعض وترتب الأمور الغير المحصورة عليها وانشعاب الحوادث الغير المتناهية منها وتفرعها عليها وبالجملة تِلْكَ الآيات المجملة الكلية آياتُ اللَّهِ اى بعض من آياته الدالة على نبذ من كمالاته اللائقة لذاته سبحانه والا فلا يفي درك احد من عباده لتفصيل كمالاته كلها نَتْلُوها ونقصها عَلَيْكَ يا أكمل الرسل تأييدا لأمرك وتعظيما لشأنك ملتبسة بِالْحَقِّ بلا ريب فيه وتردد وانما نتلوها عليك يا أكمل الرسل لتبين أنت لمن تبعك من المؤمنين الموحدين طريق توحيدنا وتنبههم على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا فَبِأَيِّ حَدِيثٍ اى فهم بأى كلام وقول بَعْدَ نزول كتاب اللَّهِ وَآياتِهِ المنزلة من عنده المبينة لتوحيده يُؤْمِنُونَ يذعنون ويوقنون وبعد ما قد وضح محجة الحق واتضح دلائل توحيده وَيْلٌ عظيم وهلاك شديد لِكُلِّ أَفَّاكٍ مفتر كذاب أَثِيمٍ منغمس في الإثم والعدوان مغمور في العناد والطغيان الى حيث يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ الدالة على عظمة ذاته حين تُتْلى عَلَيْهِ سيما مع كمال وضوحها وسطوعها ثُمَّ يُصِرُّ يقوم ويدوم على ما هو عليه من الكفر والضلال مُسْتَكْبِراً بلا علة وسند سوى العناد والاستكبار ويصر من شدة عتوه وعناده حين يسمعها كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها اغترارا بما عنده من الجاه والثروة وبالجملة فَبَشِّرْهُ يا أكمل الرسل جزاء إصراره وعناده بِعَذابٍ أَلِيمٍ في غاية الإيلام ألا وهو انحطاطه عن رتبة الخلافة الانسانية إذ لا عذاب عند العارف أشد من ذلك وَمن نهاية استكباره واغتراره إِذا عَلِمَ بعد ما بلغ مِنْ آياتِنا الدالة على ضبط الظواهر وتهذيب البواطن شَيْئاً اى آية قد اتَّخَذَها وأخذها من غاية تكبره وتجبره هُزُواً محل استهزاء وسخرية يستهزئ بها ويتهكم عليها أُولئِكَ البعداء الأفاكون الضالون المنحرفون عن منهج الحق وصراطه لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ في الدنيا بإعلاء كلمة الحق واظهار دين الإسلام على الأديان كلها وإغواء الكفر والكفران في مهاوي الهوان ومفاوز الخزي والخسران ومع تلك الاهانة العاجلة مِنْ وَرائِهِمْ اى قدامهم جَهَنَّمُ العبد والخذلان وسعير الطرد والحرمان وَبالجملة لا يُغْنِي ولا يدفع عَنْهُمْ يومئذ ما كَسَبُوا وجمعوا من الأموال والأولاد والجاه والثروة شَيْئاً من الدفع والإغناء من غضب الله عليهم وَكذا لا ينفعهم مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الصمد المستقل بالالوهية المتفرد بالربوبية أَوْلِياءَ من الأصنام والأوثان يدعون ولايتهم كولاية الله ويعبدونهم كعبادته سبحانه عدوانا وظلما بل وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ بشؤم اتخاذهم لا عذاب أعظم منه وبالجملة هذا الذي ذكر في كتابك يا أكمل الرسل هُدىً من الله يبين طريق الهداية والرشد لأهل العناية والتوفيق وَالمسرفون الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ المنزلة في كتابك

стр. 891

هذا والتي نزلت في الكتب السالفة لَهُمْ عَذابٌ نازل ناش مِنْ رِجْزٍ وغضب عظيم من الله المقتدر على انواع الانتقام أَلِيمٌ مؤلم أشد إيلام وكيف تكفرون ايها الجاحدون المسرفون بآيات المنعم المفضل الكريم مع انه سبحانه اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ وسهل عليكم العبور عنه حيث جعله أملس مستوى السطح ساكنا على هيئته لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ اى بمقتضى حكمه وحكمته وتسخيره وَأنتم تركبون عليها لِتَبْتَغُوا وتطلبوا مِنْ فَضْلِهِ بالتجارة والصيد والغوص وغير ذلك من الأغراض وَانما سخر وسهل لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمه وتواظبون على أداء حقوق كرمه وَبالجملة قد سَخَّرَ لَكُمْ وهيأ لتربيتكم وتدبير معاشكم مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً إذ أنتم زبدة الكائنات وخلاصة الموجودات كل ذلك منتشى مِنْهُ سبحانه مستند اليه أولا وبالذات فعليكم ان لا تسندوه الى الوسائل والأسباب العادية إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في تتابع آلاء الله وترادف نعمائه وكيفية ظهور العالم منه سبحانه وصدوره عنه وارتباطه له واستمداده منه على الدوام. ثم قال سبحانه على سبيل العظة قُلْ يا أكمل الرسل نيابة عنا لِلَّذِينَ آمَنُوا تذكرة للمؤمنين وتهذيبا لأخلاقهم اغفروا واصفحوا واعفوا ايها المؤمنون الموقنون عن عموم الأنام سيما عن المسيئين منهم ليكون العفو والغفران ديدنة راسخة في نفوسكم حتى يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ اى للكافرين المسرفين المفرطين الذين لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ اى لا يأملون ولا يخطر ببالهم انعكاس الدول وتقلبها عليهم اغترارا بما عندهم من الثروة والجاه. وانما امر سبحانه المؤمنين بالصفح والعفو عن المسيئ لِيَجْزِيَ سبحانه جزاء حسنا قَوْماً من المتخلقين بالعفو عند القدرة وكظم الغيظ عند الغضب بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الإحسان بدل الإساءة لان مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ اى يعود نفعه اليه وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وبال إساءته ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ جميعا يحاسبكم على أعمالكم ويجازيكم بمقتضاها لكن ما أخذ الله سبحانه عباده الا بعد ان يرسل عليهم رسلا مبشرين ومنذرين وينزل عليهم كتبا مبينة لهم طريق الهداية والرشد فان اهتدوا فقد فازوا بصلاح الدارين وان اعتدوا فقد ضلوا عن سواء السبيل واستحقوا بالعذاب الأليم كما اخبر سبحانه حكاية عن ضلال بنى إسرائيل وانحرافهم عن سواء السبيل وَلَقَدْ آتَيْنا حسب فضلنا وجودنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ اى التوراة المبينة لهم طريق الهداية والرشد وَالْحُكْمَ اى الحكمة المنبئة عن العدالة الإلهية في قطع الخصومات وَالنُّبُوَّةَ إذ اكثر الأنبياء بعث منهم وأرسل إليهم وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ اى الرزق الصوري والمعنوي وَبالجملة قد فَضَّلْناهُمْ بافاضة النعم الجليلة عليهم عَلَى الْعالَمِينَ من اهل عصرهم وَمع ذلك قد آتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ دلائل مبينات موضحات لهم مِنَ الْأَمْرِ المعهود الموعود يعنى التوحيد الذاتي الذي أنت يا أكمل الرسل بعثت عليه وعلى تبيينه وبالجملة فَمَا اخْتَلَفُوا في شأنك إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ والدليل القطعي في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم بانك وكتابك ودينك يا أكمل الرسل بأحق على الحق لتبيين الحق وبالجملة ما أنكروا ذلك الا بَغْياً وطغيانا وعدوانا ناشئا بَيْنَهُمْ حسدا وغيظا عليك بلا مستند عقلي او نقلي فاصبر يا أكمل الرسل على مضضهم وغيظهم إِنَّ رَبَّكَ الذي اصطفاك بكرامته واجتباك لرسالته يَقْضِي ويحكم بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يعنى في شأنك ودينك وكتابك سيما بعد ما عرفوا صدقك وحقية كتابك

стр. 892

بالدلائل العقلية والنقلية بأنواع المؤاخذة والمجازاة وبأصناف العقاب والعقبات ثُمَّ اعلم يا أكمل الرسل انا من مقام فضلنا وجودنا معك قد جَعَلْناكَ تابعا مقتديا مقتفيا عَلى شَرِيعَةٍ وطريقة منبئة موضحة مِنَ الْأَمْرِ والشأن الذي أنت تظهر عليه وأتيت لتبيينه ألا وهي الحقيقة المتحدة التي هي عبارة عن الوحدة الذاتية الإلهية والهوية الشخصية السارية في عموم المكونات فَاتَّبِعْها اى تلك الشريعة الموصلة الى الحقيقة بالعزيمة الخالصة وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ القوم الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ولا يؤمنون بها فكيف ينكشفون بسرائرها وحكمها ولا تقبل منهم أباطيلهم الناشئة من آرائهم الفاسدة وأحلامهم السخيفة الكاسدة وبالجملة إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا ولن يدفعوا عَنْكَ مِنَ غضب اللَّهِ شَيْئاً ان تعلقت مشيته بمقتك وطردك بسبب موالاتهم ومتابعتهم وَإِنَّ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية المنحرفين عن جادة العدالة الفطرية بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ لكمال مناسبتهم وموالاتهم إذ الجنسية علة التضام وعلقة الالتيام بينهما فعليك الاعراض والانصراف عنهم وعن موالاتهم وَاللَّهُ المطلع على عموم ما في ضمائر عباده وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ الذين يتقون ويحذرون عن محارم الله ويوالون اولياء الله لله وفي الله هذا الذي ذكر في كتابك من الأخلاق المرضية المنبهة على القسط الحقيقي والعدل الإلهي بَصائِرُ لِلنَّاسِ يبصرهم طريق الهداية والرشد ويوصلهم الى التوحيد الذاتي ان استقاموا عليها بالعزيمة الصادقة الصحيحة الصافية عن كدر الرياء والرعونات وَهُدىً يهديهم الى سواء السبيل وَرَحْمَةٌ نازلة من قبل الحق لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ويوفقون على الايمان والإيقان والكشف والعيان. ثم قال سبحانه أَمْ حَسِبَ الغافلون الضالون المسرفون الَّذِينَ اجْتَرَحُوا واكتسبوا طول عمرهم السَّيِّئاتِ المبعدة لهم عن طريق الحق وسبيل الهداية والرشد أَنْ نَجْعَلَهُمْ ونصيرهم بعد ما رجعوا إلينا كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة لهم الى الحق وتوحيده اى مثلهم بلا مزية لهم عليهم بل ظنوا انهم هم (٣) سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ يعنى حياة المشركين ومماتهم عندنا كحياة الموحدين المخلصين ومماتهم ايضا كذلك كلا وحاشا ساءَ ما يَحْكُمُونَ اى حكمهم هذا وما حكموا به لأنفسهم أولئك الجاحدون الجاهلون وَكيف يحكم المتقن في عموم أحكامه وأفعاله بمساواة المطيع والعاصي مع انه قد خَلَقَ اللَّهُ المستوي بالعدل القويم على عروش عموم المظاهر السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ملتبسة بِالْحَقِّ اى بالعدالة الصورية المنبئة عن العدالة المعنوية الحقيقية الحقية وَانما خلقها كذلك لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ من خير وشر بعد ما امر الحق بما امر ونهى بما نهى وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ في أجور أعمالهم وجزائها لا زيادة ولا نقصانا الا تفضلا وإحسانا في جزاء المحسنين أَفَرَأَيْتَ وأبصرت متعجبا ايها المعتبر الرائي الى مَنِ اتَّخَذَ اى الى الجاحد المسرف والجاهل المعاند الذي قد أخذ واتخذ إِلهَهُ هَواهُ اى ما يهواه وكيف أطاع الى ما يتمناه وعبد الى ما يحبه ويرضاه ولم يفوض امره الى مولاه بل نبذه الى ما وراه واتبع هواه وَما ذلك الا انه قد أَضَلَّهُ اللَّهُ العليم الحكيم باسمه المذل المضل مع انه أظهره سبحانه عَلى عِلْمٍ اى صوره بصورة ذي علم وجبله على فطرة اى معرفة وتوحيد وَمع إظهاره وخلقه كذلك قد خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ لئلا يسمع كلمة الحق من اهله وَقد ختم ايضا على قَلْبِهِ لئلا يتفكر في آيات الله ودلائل توحيده وَقد جَعَلَ ايضا عَلى

стр. 893

بَصَرِهِ غِشاوَةً غليظة وغطاء كثيفا لئلا يعتبر من عجائب مصنوعاته سبحانه وغرائب مخترعاته وبعد خلقه سبحانه كذلك فَمَنْ يَهْدِيهِ ويرشده اى ينقذه من الضلال ويهديه الى فضاء الوصال مِنْ بَعْدِ إضلال اللَّهُ إياه واذلاله أَفَلا تَذَكَّرُونَ وتتعظون من تبدل أحواله ايها العقلاء المجبولون على فطرة العبرة وفطنة العظة والتذكرة وَمن غاية غوايتهم وضلالهم عن مقتضى كمال قدرة الله وعدم تنبههم وتفطنهم بوحدة ذاته وبكمالات أسمائه وصفاته واستقلاله في تدبيراته وتصرفاته قالُوا منكرين للحشر والنشر ما هِيَ اى ما الحال والحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا التي نحن نَمُوتُ وَنَحْيا فيها لا منزل لنا سواها ولا مرجع لنا غيرها وَبالجملة ما يُهْلِكُنا وما يميتنا ويعدمنا فيها إِلَّا الدَّهْرُ اى مر الزمان وكر الدهور والأعوام لا فاعل لنا سواه ولا متصرف فينا غيره وَالحال انه ما لَهُمْ بِذلِكَ الذي صدر عنهم مِنْ عِلْمٍ عقلي او نقلي او كشفى بل إِنْ هُمْ اى ما هم باعتقادهم هذا إِلَّا يَظُنُّونَ ظنا على وجه التقليد والتخمين بلا سند لهم يستندون اليه سوى الالف بالمحسوسات والتقليد بالرسوم والعادات وَمن نهاية جهلهم وغفلتهم عن الله ومقتضى ألوهيته وربوبيته إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا الدالة على كمال تربيتنا إياهم مع كونها بَيِّناتٍ مبينات لهم طريق الهداية والرشد ومنبهات على ميعاد المعاد ما كانَ حُجَّتَهُمْ ودليلهم حين سمعوها إِلَّا أَنْ قالُوا على سبيل الإنكار والاستبعاد ائْتُوا بِآبائِنا وأسلافنا الذين مضوا وانقرضوا احياء كما كانوا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى الحشر والنشر والمعاد الجسماني والروحاني وبعد ما اعرضوا عن الحق وانصرفوا عن الآيات البينات مكابرة وعنادا وتشبثوا بأذيال أمثال هذه الحجج الواهية والتخمينات الغير الوافية قُلِ لهم يا أكمل الرسل كلاما يحرك سلسلة حميتهم الفطرية ومحبتهم الجبلية لو ساعدهم التوفيق والعناية من لدنا اللَّهُ المظهر للكل المحيط به المتصرف فيه على الإطلاق بالاختيار والاستحقاق يُحْيِيكُمْ ويبعثكم في النشأة الاخرى كما أوجدكم وأظهركم من كتم العدم أولا في النشأة الاولى بمد ظله ورش نوره عليكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ويعدمكم بقبضه عنكم ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ مع من انقرض منكم ومن آبائكم واسلافكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ الذي لا رَيْبَ فِيهِ وفي وقوعه ووقوع ما فيه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المجبولين على الكفران والنسيان لا يَعْلَمُونَ وقوعه وقيامه بل يكذبونه وينكرون عليه لاعتيادهم بالأمور الحسية وقصورهم عن مدركات الكشف والشهود وَكيف ينكرون جمع الله عباده في النشأة الاخرى أولئك المكابرون المعاندون إذ لِلَّهِ المتوحد بالالوهية والربوبية مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وناسوتهما وملكوتهما وجبروتهما ولاهوتهما جميعا وله التصرف المطلق في عموم مظاهره ومجاليه مطلقا بكمال الاستحقاق والاستقلال ارادة واختيارا وَبالجملة يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ المعدة للحشر والجزاء يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ المنكرون حين يشاهدون أرباح المحقين المؤمنين بقيام الساعة وبحقية جميع ما فيها من الوعد والوعيد وَتَرى ايها المعتبر الرائي حين تقوم الساعة ويحشر الناس الى المحشر للحساب كُلَّ أُمَّةٍ من الأمم جاثِيَةً مجتمعة مستوحشة باركة على الركب جالسة على رؤس الأصابع من شدة دهشتهم وخوفهم كُلَّ أُمَّةٍ اى كل فرد من افراد الأمم تُدْعى إِلى كِتابِهَا بين يدي الله اى صحيفة أعمالهم التي قد كتب فيها عموم أحوالهم وأفعالهم الكائنة الحاصلة منهم الجارية في النشأة الاولى فيقال لهم الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ كل منكم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

стр. 894

في نشأتكم الاولى ان خيرا فخير وان شرا فشر وبالجملة هذا كِتابُنا الذي قد فصلنا فيه أعمالكم على حدة بلا فوت شيء منها يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ ويذكركم بِالْحَقِّ على الوجه الذي صدر عنكم بلا زيادة ونقصان إِنَّا بعد ما كلفناكم على امتثال أوامرنا والاجتناب عن نواهينا قد كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ونأمر الملائكة الموكلين عليكم المراقبين لأحوالكم وأعمالكم ان يكتبوا عموم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على التفصيل حسناتها وسيئاتها صغائرها وكبائرها على وجوهها وبعد ما تحاسبون حسب صحائفكم وكتبكم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا اى قد أذعنوا وأيقنوا بوحدة الحق وصدقوا رسله وكتبه وَمع كمال ايمانهم ويقينهم قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأخلاق والأفعال تقربا الى الله وتأدبا معه سبحانه بما يليق بعبوديته وتعظيم شأنه فَيُدْخِلُهُمْ اليوم رَبُّهُمْ الذي يوفقهم على الايمان والتوحيد فِي سعة رَحْمَتِهِ وفسحة وحدته بفضله ولطفه ذلِكَ الذي بشر به سبحانه عباده المؤمنين المخلصين هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ والفضل العظيم لا فوز أعظم منه وأعلى وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وأنكروا وحدة ذاته بل اثبتوا له شركاء ظلما وزورا يقال حينئذ من قبل الحق مستفهما على سبيل التوبيخ والتقريع أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ايها المفسدون المسرفون المفرطون يعنى ألم يأتكم رسلي ولم يتلوا عليكم آياتي الدالة على عظمة ذاتى وكمالات أسمائي وصفاتي ووفور قدرتي وقوتي على انواع الانتقامات والوعيدات التي أخبرتم بها فكذبتم بها وبهم جميعا بل فَاسْتَكْبَرْتُمْ علىّ وعلى رسلي ومن قبول الآيات وتصديقها وَبالجملة قد كُنْتُمْ أنتم في انفسكم قَوْماً مُجْرِمِينَ مستكبرين ليس عادتكم الا الاجرام والعدوان وَقد كنتم أنتم من نهاية استكباركم واغتراركم بما عندكم من الجاه والثروة إِذا قِيلَ لكم امحاضا للنصح إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ الذي قد وعدكم به على ألسنة رسله وكتبه حَقٌّ ثابت محقق مطابق للواقع لا بد وان يقع الموعود منه سبحانه البتة بلا خلف في وعده وَلا سيما السَّاعَةُ الموعودة آتية لا رَيْبَ فِيها وفي قيامها ووقوعها وأنتم إذا سمعتم هذا قُلْتُمْ على وجه الاستبعاد والاستكبار وانواع الكبر والخيلاء ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ الموعودة وما معنى قيامها ووقوعها وما الايمان بها إِنْ نَظُنُّ اى ما نظن بها وبشأنها إِلَّا ظَنًّا ضعيفا بل وهما مرجوحا سخيفا وما لنا علم بها سوى السماع والاستماع من أفواه الناس وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ بها وبشأنها حتى نؤمن بها وبقيامها ونصدق بما فيها من المواعيد والوعيدات وَبالجملة قد بَدا لَهُمْ وظهر ولاح وانكشف عندهم بعد ما تبلى السرائر وتكشف الحجب والأستار سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا مصرين عليه وعرفوا وخامة عاقبته وَحينئذ قد حاقَ وأحاط بِهِمْ جزاء ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ على رسل الله وخلص عباده وَقِيلَ لهم حينئذ من قبل الحق الْيَوْمَ نَنْساكُمْ نترككم في النار خالدين مخلدين كَما كنتم أنتم قد نَسِيتُمْ ونبذتم وراء ظهوركم لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا بل قد انكرتم لقياه مطلقا وكذبتم الرسل المبلغين لكم وأحباركم المنذرين لكم من أهواله وَبالجملة مَأْواكُمُ مرجعكم ومثواكم النَّارُ أبدا مخلدا لا منزل لكم سواها ولا مقام لكم غيرها وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ منقذين لكم منها بعد ما استوجبتم بها بمفاسد أعمالكم ومقابح أفعالكم وبالجملة ذلِكُمْ الذي قد وقعتم فيها وابتليتم بها بِأَنَّكُمُ اى بسبب انكم قد اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ الدالة على الرشد والهداية هُزُواً محل استهزاء واستهزأتم بها بلا مبالاة بشأنها وانكرتم عليها بلا تأمل

стр. 895

وتفكر في برهانها وَبالجملة ما سبب استهزائكم وعدم مبالاتكم بها الا انه قد غَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ولذاتها وشهواتها الوهمية الفانية الدنية بحيث لا تلتفتون الى العقبى ولذاتها الباقية الابدية بل تنكرون عليها عنادا ومكابرة فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها اى من النار المترتبة على ذلك الاتخاذ والغرور أصلا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ اى لا يمكنهم ان يعتذروا عند الله ويتداركوا ما فوتوا على أنفسهم بالتوبة والانابة إذ قد انقرض ومضى زمانه وبعد ان ثبت ان مرجع الكل الى الله ومحياه ومماته بيده وله ان يثيب ويعاقب عباده بمقتضى فضله وعدله فَلِلَّهِ على سبيل الاختصاص والتمليك لا لغيره من الوسائل والأسباب العادية الْحَمْدُ المستوعب بجميع الاثنية والمحامد الصادرة من ألسنة ذرائر مظاهره رَبِّ السَّماواتِ اى العلويات وَرَبِّ الْأَرْضِ اى السفليات وكذا رب ما يتركب بينهما من الممتزجات وبالجملة رَبِّ الْعالَمِينَ اى مربى الكل هو بذاته علوا وسفلا بسيطا ومركبا غيبا وشهادة وَلَهُ الْكِبْرِياءُ والعظمة فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تدبيرا وتصرفا حلا وعقدا إذ ظهور الكل انما هو من آثار أوصافه وأسمائه وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب على عموم تدابيره وتقاديره وتصاريفه وتصاويره ارادة واختيارا الْحَكِيمُ المتقن في عموم مقدوراته على الوجه الأبلغ الأحكم استحقاقا واستقلالا فعليكم ايها المجبولون على فطرة العبودية والعرفان ان تحمدوا له وتكبروا ذاته وتشكروا نعمه كي تؤدوا شيأ من حقوق كرمه ان كنتم مخلصين مخصصين. جعلنا الله من زمرة الحامدين لله المخلصين له الدين خاتمة سورة الجاثية عليك ايها السالك المتحقق بمقام الرضاء والتسليم والناسك المنكشف بكمال عظمة الله وكبريائه وبعلو شأنه وبهائه ان تواظب على أداء الشكر له سبحانه دائما ملاحظا نعمه الفائضة المترادفة المتجددة في قيد هويتك وانانيتك الناسوتية قبل فنائك في لاهوتية الحق وبقائك ببقائه إذ علامة العارف الواصل الى ينبوع بحر الوحدة ان لا يرى في ملكة الوجود وعرصة الشهود سواه سبحانه موجودا فلا يتكلم الا به وعنه ومعه وفيه وله ولا يسرى الا نحوه واليه ولا اله الا هو ولا نعبد الا إياه [سورة الأحقاف] فاتحة سورة الأحقاف لا يخفى على من انكشف بسلطنة الحق واستيلائه التام على عروش عموم مظاهره ان اثبات الوجود لما سواه سبحانه وادعاء التحقق والثبوت لغيره من الاظلال الهالكة في شمس ذاته انما هو زور ظاهر وقول باطل بلا طائل بل ما ظهر ما ظهر الا من انعكاس اشعة أسمائه وآثار أوصافه الذاتية الصادرة منه سبحانه حسب شئونه وتجلياته الحبية ليستدل به من جبل على فطرة الدراية والشعور على وحدة ذاته وكمال أسمائه وصفاته لذلك خاطب سبحانه حبيبه بما خاطبه به وأوصاه بعد ما تيمن باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ المنزل للكلم مفصحا عما عليه قضاؤه وارادته الرَّحْمنِ لعموم عباده يصلح أحوالهم على مقتضى حكمته الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى منبع رحمته وفضاء وحدته [الآيات] حم يا من حمل أعباء الرسالة بحولنا وقوتنا ومال الى جناب قدس وحدتنا بالميل الذاتي الحقيقي بعد مساعدة توفيقنا وجذب من لدنا تَنْزِيلُ الْكِتابِ الذي انزل إليك لتأييد أمرك وضبط شرعك ودينك مِنَ اللَّهِ المطلع بعموم ما في استعدادات عباده الْعَزِيزِ الغالب على جميع ما دخل

стр. 896

في حيطة قدرته وارادته الْحَكِيمِ المتقن في مطلق تدابيره الصادرة منه بضبط مصالح عباده ثم التفت سبحانه تهويلا وتفخيما لحكمه فقال ما خَلَقْنَا وأظهرنا من كتم العدم السَّماواتِ اى عالم الأسماء والصفات الذاتية وَالْأَرْضَ اى عالم الاستعدادات القابلة لانعكاس اشعة أنوار الذات الفائضة عليها حسب الشئون والتطورات الجمالية والجلالية وَكذا ما بَيْنَهُما من الآثار المتراكمة المتكونة من امتزاج آثار الفواعل والمؤثرات الاسمائية مع المتأثرات الناشئة من قوابل المسميات والهيولى إِلَّا بِالْحَقِّ اى خلقا ملتبسا بالحق المطابق للواقع وَقدرنا بقاء ظهورها الى أَجَلٍ مُسَمًّى اى وقت مقدر من لدنا محفوظ في خزانة حضرة علمنا ولوح قضائنا لا نطلع أحدا عليه فإذا جاء الأجل المسمى انعدم الكل بلا تخلل تقدم وتأخر وَالَّذِينَ كَفَرُوا وأنكروا كمال قدرتنا على إيجاد الأشياء وإعدامها وابدائها وإعادتها عَمَّا أُنْذِرُوا من اهوال يوم القيامة المعدة لانعدام الكل وانقهار الاظلال الهالكة في شروق شمس الذات مُعْرِضُونَ منصرفون لذلك لا يتزودون له ولا يهيئون أسبابه ولا يستعدون بحلوله قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما افرطوا في الاعراض عن الله وعن توحيده واثبتوا له شركاء ظلما وزورا مستفهما على سبيل الإلزام والتبكيت أَرَأَيْتُمْ أخبروني ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وتتخذونهم آلهة سواه وتعتقدونهم شركاء معه سبحانه في الأرض أَرُونِي وبصرونى ماذا خَلَقُوا وأى شيء اوجدوا وأظهروا مِنَ الْأَرْضِ حتى اتصفوا بالخالقية واستحقوا بالمعبودية والربوبية وايضا أخبروني هل تنحصر شركتهم مع الله بعالم العناصر والمسببات أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ ايضا فِي السَّماواتِ وعالم الأسباب والمؤثرات وبالجملة ائْتُونِي بِكِتابٍ نازل مِنْ قَبْلِ هذا القرآن الفرقان قد أمرتم فيه باتخاذ هؤلاء الهلكى آلهة سوى الله مستحقة بالعبادة أَوْ أَثارَةٍ يعنى ائتوني ببقية مِنْ عِلْمٍ دليل عقلي او نقلي قد بقي لكم من اسلافكم يدل على إيثارهم واختيارهم آلهة شركاء معه سبحانه في ألوهيته وبالجملة ائتوني بسند صحيح إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى الشركة مع الله المنزه عن التعدد مطلقا وَبالجملة مَنْ أَضَلُّ طريقا وأسوأ حالا وأشد سفها وحماقة مِمَّنْ يَدْعُوا ويعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ السميع العليم البصير الحكيم القدير الخبير المستقل في تصرفاته بالإرادة والاختيار مَنْ لا يَسْتَجِيبُ اى أصناما وأوثانا لا تسمع دعاءه ولا تجيب لَهُ ولا تعلم حاله ولا تدبر امره وان دعاه وتضرع نحوه إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ اى ابدا ما دامت الدنيا بل وَهُمْ اى معبوداتهم الباطلة عَنْ دُعائِهِمْ وتضرع عابديهم نحوهم غافِلُونَ ذاهلون لا شعور لهم حتى يفهموا ويجيبوا وَهم قد عبدوهم معتقدين نفعهم ولم يعلموا انهم إِذا حُشِرَ النَّاسُ واجتمعوا في المحشر للحساب والجزاء كانُوا لَهُمْ أَعْداءً اى المعبودون للعابدين بل وَكانُوا اى المعبودون بِعِبادَتِهِمْ اى العابدين لهم كافِرِينَ منكرين جاحدين وَبالجملة هم قد كانوا من شدة غيهم وضلالهم عنا وعن توحيدنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا الدالة على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا مع كونها بَيِّناتٍ واضحات مبينات لا يأتيها الباطل لا من بين يديها ولا من خلفها قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ الصريح الصحيح البين لَمَّا جاءَهُمْ اى حين جاءهم ليهديهم ويبين لهم طريق الحق وتوحيده هذا المتلو ما هو الا سِحْرٌ مُبِينٌ ظاهر كونه سحرا باطلا وما هذا التالي له الا ساحر عظيم انما قالوا هكذا ونسبوا القرآن لما نسبوا لعجزهم عن إتيان مثله مع انهم من ارباب اللسن

стр. 897

ووفور دواعيهم لمعارضته أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بل انصرفوا عن نسبته الى السحر الى افحش من ذلك وهو الافتراء فيقولون في حقه قد اختلقه هذا المدعى من تلقاء نفسه ونسبه الى ربه تغريرا وترويجا قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما نسبوا كتابك الى الفرية كلاما مفصحا لهم عن حقيقة الأمر وحقيته لو تأملوا فيه إِنِ افْتَرَيْتُهُ واختلقته انا من عندي ونسبته الى الله زورا وبهتانا فيأخذنى رب العزة بالإثم والافتراء البتة وان أخذني فَلا تَمْلِكُونَ ولا تدفعون لِي مِنَ عذاب اللَّهِ شَيْئاً حين أخذني وانتقم منى وبالجملة هُوَ سبحانه أَعْلَمُ بعلمه بِما تُفِيضُونَ وتخوضون أنتم فِيهِ اى في كتابه بما لا يليق به وبشأنه من نسبته الى السحر والافتراء وتكذيبه بأنواع وجوه المراء كَفى بِهِ اى كفى الله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ اى بيننا يجازينا على مقتضى علمه وخبرته بي وبكم وَهُوَ الْغَفُورُ المبالغ في الستر والعفو لمن استغفر له الرَّحِيمُ لمن تاب ورجع نحوه نادما عما صدر عنه يقبل توبته ويمحو زلته قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما اقترحوا عليك من الآيات التي تهواها نفوسهم ليلزموك ويعجزوك ما كُنْتُ بِدْعاً اى رسولا بديعا مبتدءا مِنَ بين الرُّسُلِ مبتدعا امرا يديعا غريبا مدعيا الإتيان بعموم المقترحات بل وَالله ما أَدْرِي وما اعلم من حال نفسي ما يُفْعَلُ بِي وكيف يصنع معى وَلا بِكُمْ اى وكيف يصنع بكم إِنْ أَتَّبِعُ اى ما اتبع إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ من قبل ربي ويطلعني عليه وَبالجملة ما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ من قبل الحق مُبِينٌ مبين موضح مظهر لكم باذنه ما اوحى الى من وحيه وما على الا التبليغ والإنذار والتوفيق من الله العليم الحكيم قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما أقر رأيهم على ان القرآن مختلق من عندك قد افتريته أنت على الله وسحر نسبته أنت اليه سبحانه تغريرا وترويجا أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كانَ القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العليم العلام وَكَفَرْتُمْ بِهِ أنتم بلا مستند لكم في تكذيبه وإنكاره وَالحال قد شَهِدَ شاهِدٌ حبر ماهر مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عالم بالتوراة عَلى مِثْلِهِ اى مثل ما في القرآن أقر واعترف عبد الله بن سلام انه قد قرأ في التوراة أوامر واحكاما مثل ما في القرآن ووجد ايضا فيها من أوصاف القرآن ما يلجئه الى الايمان به فَآمَنَ به وصدق من انزل اليه وامتثل بما فيه وَقد اسْتَكْبَرْتُمْ أنتم عن الايمان والقبول بل كذبتم به وانكرتم عليه الستم ظالمين وبالجملة ما أنتم في انفسكم الا قوم ضالون ظالمون إِنَّ اللَّهَ المطلع على ما في استعدادات عباده لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى حدوده الموصلة الى زلال هدايته وتوحيده وَمن شدة شقاقهم ونفاقهم قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اى لأجلهم وفي حقهم لَوْ كانَ الايمان بمحمد وبما أتى به من الدين خَيْراً مما نحن فيه ما سَبَقُونا إِلَيْهِ بأنواع الكرامة والجاه والثروة والسيادة إذ هو ومن تبعه كلهم اراذل سقاط رعاة فقراء فاقدين لوجه الكفاف ونحن اغنياء ذوو الخطر بين الناس انما قالته قريش حين افتخروا على المؤمنين وقصدوا اضلالهم وإذلالهم وَبالجملة لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبعنادهم بك وبكتابك إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ اى بالقرآن ولم ينكشفوا بحقيته بل فَسَيَقُولُونَ من جهلهم وضلالهم هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ وأساطير الأولين وَعليك ان لا تلتفت مطلقا الى هذياناتهم وأباطيلهم الزائغة إذ قد جاء مِنْ قَبْلِهِ اى قبل كتابك كِتابُ مُوسى اى التوراة حال كونه إِماماً مقتدى لقاطبة الأنام وَرَحْمَةً شاملة فوائدها على كافة الخواص والعوام فكذبوه وأنكروا أحكامه وَهذا الكتاب الذي نزل

стр. 898

عليك يا أكمل الرسل كِتابٌ مُصَدِّقٌ لجميع ما مضى من الكتب السالفة لِساناً عَرَبِيًّا أسلوبا ونظما انما جاء كذلك (٣) لِيُنْذِرَ بما فيه من الوعيدات الهائلة الَّذِينَ ظَلَمُوا اى خرجوا عن مقتضى العدالة الإلهية بمتابعة آرائهم الباطلة المنحرفة عن صراط الحق الحقيق بالاطاعة والاتباع وَليصير بُشْرى بما فيه من انواع المواعيد الذالة على كرامة الحق وإحسانه لِلْمُحْسِنِينَ من خلص عباده وكيف لا إِنَّ المحسنين الَّذِينَ قالُوا بعد ما تحققوا بمقام العبودية رَبُّنَا اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد المستقل بالالوهية والربوبية ثُمَّ بعد ما تمكنوا في مقر التوحيد وتمرنوا عليه اسْتَقامُوا فيه ورسخوا على محافظة الآداب الشرعية والعقائد الدينية الموضوعة لتأييد ارباب المعرفة وتمكينهم على جادة التوحيد لئلا يطرأ عليهم التزلزل والانحراف عن صراط الحق وسواء السبيل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بعد ما وصلوا الى مقر التمكين وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ عن التردد والتلوين وبالجملة أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله أَصْحابُ الْجَنَّةِ المعدة لأرباب العناية خالِدِينَ فِيها بلا تبديل ولا تحويل وانما جوزوا جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من الإحسان مع الله بمراعاة الأدب معه سبحانه وبملازمة الطاعات والعبادات على وجه الإخلاص والتسليم ومع عموم عباده بحسن المعاشرة والمصاحبة وأداء حقوق المواخاة والموالاة. ثم أشار سبحانه الى معظم اخلاق المحسنين المستحقين بخلود الجنة وبالفوز العظيم فيها فقال وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ اى ومن جملة ما الزمنا على الإنسان الاتصاف به والمحافظة عليه حتما إكرامه بِوالِدَيْهِ إِحْساناً لهما وحسن الأدب معهما أداء لحقوق تربيتهما وحضانتهما له وكيف لا يحسن إليهما مع انه قد حَمَلَتْهُ أُمُّهُ حين حبلت به كُرْهاً مشقة عظيمة وألما شديدا وحملا ثقيلا وَحملت ايضا حين وَضَعَتْهُ كُرْهاً أشد من مشقة الحمل واكثر ألما منها وَمع ذلك ليست مشقتها ومقاساتها زمانا قليلا بل حَمْلُهُ اى مدة حمل امه إياه في بطنها وَفِصالُهُ اى مدة فطامه عن لبنها كلاهما ثَلاثُونَ شَهْراً وهي مدة طويلة وبعد فطامه ايضا تلازم حفظه وحضانته حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وكمال عقله ورشده وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً إذ القوة العاقلة انما تكاملت دونها ولذا لم يبعث نبي الا بعد الأربعين الا نادرا قالَ بعد ما تذكر نعم الحق الفائضة عليه من بدء فطرته الى أوان رشده وكمال عقله مناجيا مع ربه مستمدا منه رَبِّ أَوْزِعْنِي اى أولعني وحرصنى بتوفيقك أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ طول دهري وأواظب على أداء حقوقها حسب طاقتي وقوتي وَكذا اشكر نعمتك التي أنعمت عَلى والِدَيَّ إذ أداء حقوقهما وما لزم عليهما من حقوق نعمك اللازم أداؤها عليهما واجب علىّ وَكذا وفقني بمقتضى كرمك وجودك أَنْ أَعْمَلَ عملا صالِحاً مقبولا عندك على الوجه الذي تَرْضاهُ منى وَبالجملة أَصْلِحْ لِي بمقتضى كرامتك علىّ عملي واجعل بفضلك صلاحي ساريا فِي ذُرِّيَّتِي ليكونوا صلحاء مثلي وارثين عنى مستحقين لكرامتك وعنايتك بهدايتهم وصلاحهم وبالجملة إِنِّي تُبْتُ ورجعت إِلَيْكَ عن عموم مالا يرضيك ولا يقبل عندك يا ربي من عملي إذ أنت اعلم منى بحالي وَإِنِّي إليك يا رب مِنَ الْمُسْلِمِينَ المنقادين لك المطيعين لحكمك المفوضين أمورهم كلها إليك إذ لا مقصد لهم غيرك ولا مرجع سواك وبالجملة أُولئِكَ السعداء المولعون على شكر نعم الله وأداء حقوق الوالدين وحسن المعاشرة معهما والإحسان إليهما هم الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ (٥) بقبول حسن أَحْسَنَ ما

стр. 899

عَمِلُوا مخلصين فيه طالبين رضاء الله مجتنبين عن سخطه وَنَتَجاوَزُ سبحانه عَنْ سَيِّئاتِهِمْ بعد ما تابوا ورجعوا نحوه نادمين وبالجملة هم فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ مصاحبون معهم آمنون فائزون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون انجازا لما وعد لهم الحق وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ في النشأة الاولى وبعد ما وصى سبحانه من رعاية حقوق الوالدين وما يترتب عليها من الفوز العظيم عقبه بضده وهو عقوق الوالدين وما يترتب عليه من العذاب الأليم فقال وَالَّذِي اى والمسرف المفرط المتناهي الذي قالَ لِوالِدَيْهِ من فرط سرفه وعصيانه وشدة عقوقه عليهما حين دعواه الى الايمان والتوحيد واجتهدا ان يخلصاه من الشرك والتقليد وعن اهوال يوم القيامة وافزاعها أُفٍّ لَكُما وهذه الكلمة كناية عن الضجرة المفرطة والردع المتناهي أَتَعِدانِنِي وتخوفانني من العذاب والنكال بعد أَنْ أُخْرَجَ من قبري حيا وَالحال انه قد خَلَتِ ومضت الْقُرُونُ الماضية مِنْ قَبْلِي ولم يخرج احد منهم من قبره حيا فانا ايضا لا اخرج أمثالهم وبالجملة هو من شدة قساوته ونهاية شقاوته يصر على هذا وَهُما من غاية ترحمهما وتحننهما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويطلبان الغوث والتوفيق منه سبحانه لأجله قائلين له على وجه المبالغة في التخويف وَيْلَكَ اى ويل لك وهلاك ينزل عليك ايها المسرف المفرط لو لم تؤمن آمِنْ بالله وبجميع ما جاء من عنده في النشأة الاولى والاخرى إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بعموم المواعيد والوعيدات الصادرة منه سبحانه على ألسنة رسله وكتبه حَقٌّ لا خلف فيه وسينجزه الله القادر المقتدر على وجوه الانعام والانتقام فَيَقُولُ بعد ما سمع من شدة إصراره وإنكاره ما هذا الذي أنتما جئتما به على سبيل العظة والتذكير إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى أباطيلهم الزائغة الزائلة الزاهقة التي قد سطروها في كتبهم ودواوينهم بمجرد الترغيب والترهيب وبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المردودون عن ساحة عز القبول هم الَّذِينَ حَقَّ قد ثبت وتحقق عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ والحكم من الله المطلع بما في صدور عباده من الغل والغواية الراسخة بأنهم اصحاب النار معدودون فِي زمرة أُمَمٍ هالكة مستحقة للعذاب والبوار قَدْ خَلَتْ ومضت مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ اى من جنسهما وبالجملة إِنَّهُمْ بأجمعهم قد كانُوا خاسِرِينَ مضيعين على أنفسهم الكرامة الانسانية ورتبة الخلافة الإلهية المودعة في نشأتهم وَاعلموا انه لِكُلٍّ من المحقين والمبطلين دَرَجاتٌ من الثواب والعقاب متفاوتة شدة وضعفا رفعة ودناءة منتشئ كلها مِمَّا عَمِلُوا مترتبة عليه خيرا كان او شرا حسنات او سيئات وَكل منهم متعلق بعمله ومشاكل معه مجزى بمقتضاه وما ذلك الا لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ ويوفر عليهم جزاءها المترتب عليها درجات كانت او دركات وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ لا بالزيادة ولا بالنقصان على أجور ما كسبوا وَاذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ يُعْرَضُ المسرفون الَّذِينَ كَفَرُوا بالحق واعرضوا عنه وعن اهله عَلَى النَّارِ المسعرة المعدة للكافرين المعرضين فيقال لهم حينئذ على سبيل التوبيخ والتشنيع أنتم قد أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ من اللذائذ وتلذذتم بها فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فيها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ بدلها عَذابَ الْهُونِ المهين المذل بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ على عباد الله بِغَيْرِ الْحَقِّ يعنى بدل تعززكم وتعظمكم بها في دار الدنيا وكبركم وخيلائكم على ضعفاء العباد وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ تخرجون عن مقتضى الحدود الإلهية ظلما وزورا وَاذْكُرْ يا أكمل الرسل أَخا عادٍ اى اذكر

стр. 900

لمشركي مكة خذلهم الله قصة قوم عاد مع أخيك هود ﵇ وقت إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ امحاضا للنصح لهم وهم يسكنون بِالْأَحْقافِ اى الرمال المعوجة المستوية على شاطئ البحر وَالحال انه قَدْ خَلَتِ النُّذُرُ والرسل المنذرون مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ اى قبل هود ﵇ وَمِنْ خَلْفِهِ اى بعده ﵇ كلهم متفقون في المنذر به ألا وهو أَلَّا تَعْبُدُوا اى ان لا تعبدوا إِلَّا اللَّهَ الواحد الأحد الصمد الحقيق بالاطاعة والعبادة ولا تشركوا به شيأ من مصنوعاته ولا تتوجهوا ولا تسترجعوا في الخطوب الا اليه وانصرفوا من عبادة غيره إِنِّي بسبب عبادتكم غير الله واتخاذكم آلهة سواه أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هائل شديد وبعد ما سمعوا منه ما سمعوا من التوحيد ٢٢ قالُوا متهكمين معه مشنعين عليه أَجِئْتَنا مدعيا ملتزما لِتَأْفِكَنا وتصرفنا عَنْ آلِهَتِنا اى عن عبادتهم واطاعتهم ونؤمن بك وبإلهك وبالجملة نحن لا نؤمن بك ولا نصدقك في قولك فَأْتِنا بِما تَعِدُنا وتخوفنا من العذاب على الشرك الآن إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك انه آت لا محالة وبعد ما استهزؤا به واستعجلوا بالعذاب الموعود قالَ هود ﵇ انى اعلم بمقتضى الوحى الإلهي انه لآت البتة ولكن لا اعلم متى يأتى إذ لم يوح الى وقت إتيانه بل إِنَّمَا الْعِلْمُ بوقت حلوله وإتيانه عِنْدَ اللَّهِ المستقل باطلاع عموم الغيوب وَانما أُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وأمرت بتبليغه من لدنه سبحانه إذ ما على الرسول الا البلاغ وَلكِنِّي أَراكُمْ بسبب أعراضكم عن الحق واهله وإصراركم على الشرك الباطل والضلال الزاهق الزائل قَوْماً تَجْهَلُونَ عن كمال عظمة الله وعزته وعن مقتضيات قوته وقدرته وبالجملة قال هود ﵇ ما قال وهم قد كانوا على شركهم واضرارهم كما كانوا فَلَمَّا رَأَوْهُ يوما من الأيام عارِضاً سحابا إذا عرض على الأفق مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ اى متوجها لأمكنتهم التي قد كانوا متوطنين فيها وكانوا حينئذ مجدبين قد حبس عليهم القطر قالُوا فرحين مستبشرين هذا عارِضٌ مطر مبارك توجه نحو بلادنا مُمْطِرُنا مطرا عظيما وهم استدلوا من سواد لونه الى كثرة مائه وبعد ما استبشروا فيما بينهم قال لهم ﵇ مضربا عن قولهم معرضا لهم بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ واستبشرتم باستقباله رِيحٌ عاصفة لا راحة فيها بل فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ لا عذاب أشد ايلاما منها إذ تُدَمِّرُ وتهلك كُلَّ شَيْءٍ ذي حياة بِأَمْرِ رَبِّها وبمقتضى مشيته وإراداته وبعد ما وصلت الريح إليهم وأحاطت باماكنهم وحواليهم دمرتهم تدميرا بليغا وأهلكتهم إهلاكا كليا الى حيث استأصلتهم بالمرة فَأَصْبَحُوا وصاروا لا يُرى منهم إِلَّا مَساكِنُهُمْ اى سوى دورهم الخربة واطلالهم المندرسة الكربة وبالجملة ليس هذا مخصوصا بهم بل كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ الخارجين عن ربقة عبوديتنا بارتكاب الجرائم والآثام. ثم أشار سبحانه الى توبيخ مشركي مكة خذلهم الله ومجرميهم على وجه التأكيد والمبالغة فقال سبحانه مقسما وَالله يا اهل مكة لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ واقدرناهم اى عادا فِيما اى في الأمور التي إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ اى ما مكناكم واقدرناكم كما مكناهم واقدرناهم فيه من كثرة الأموال والأولاد والحصون المشيدة والقلاع المرتفعة المنيعة والقصور الرقيعة والمنازل الوسيعة وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً ليسمعوا به بآياتنا الدالة على وحدة ذاتنا وَأَبْصاراً ليشهدوا بها آثار قدرتنا ومتانة حكمتنا الدالة على كمال علمنا وَأَفْئِدَةً لينكشفوا بها على وحدة ذاتنا ويتفطنوا بها باستقلالنا في تدبيراتنا وتصرفاتنا ومع ذلك فَما أَغْنى وما دفع عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ اى

стр. 901

شيأ من الإغناء اى ما أفاد لهم هذه الآيات العجيبة الشأن شيأ من الفائدة التي هي إنقاذهم عن الجهل بالله وعن الضلال في طريق توحيده إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ وينكرون بمقتضى جهلهم المركب المركوز في جبلتهم أمثالكم ايها الجاحدون بِآياتِ اللَّهِ ودلائل توحيده ويستهزؤن بها وبمن أنزلت اليه من الرسل وَلذلك قد حاقَ وأحاط بِهِمْ وبال ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ عاجلا وسيحيقهم وينزل عليهم وعليكم ايضا ايها المسرفون المفرطون آجلا بأضعافه وآلافه وَبالجملة لَقَدْ أَهْلَكْنا وخربنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى الهالكة كعاد وثمود وغيرهما لتعتبروا منها وتتعظوا بما لحق باهلها من انواع العذاب والبليات وَبالجملة قد صَرَّفْنَا الْآياتِ الدالة على كمال قدرتنا واختيارنا وكررناها مرارا وتلوناها عليهم تكرارا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلينا منخلعين عن مقتضيات وجوداتهم الباطلة وهوياتهم العاطلة ومع ذلك لم يرجعوا ولم ينخلعوا فَلَوْلا نَصَرَهُمُ اى هلا نصرهم ومنعهم من الهلاك والإهلاك شفعاؤهم الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الصمد الفرد وقت يوالونهم قُرْباناً مع انهم قد اعتقدوهم آلِهَةً شركاء مع الله في الألوهية والربوبية لذلك تقربوا إليهم وتوجهوا نحوهم في عموم الملمات مع انه ما ينفعونهم لدى الحاجة إليهم والى نصرهم بَلْ ضَلُّوا وغابوا عَنْهُمْ فأنى ينصرونهم ويدفعون عنهم ما يضرهم وَبالجملة ذلِكَ الذي اعتقدوا في شأنهم هكذا ما هو الا إِفْكُهُمْ اى صرفهم عن الحق واعراضهم عنه وميلهم الى الباطل وإصرارهم فيه وَما كانُوا يَفْتَرُونَ اى ليس الا افتراؤهم على الله بإثبات الشريك له والمشاركة معه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وَاذكر يا أكمل الرسل لمن عاندك وكذبك إلزاما لهم وتبكيتا وقت إِذْ صَرَفْنا وأملنا إِلَيْكَ يا أكمل الرسل تأييدا لك ولشأنك نَفَراً جماعة مِنَ الْجِنِّ حال كونهم يَسْتَمِعُونَ منك الْقُرْآنَ حين قرأته في خلال صلواتك وتهجداتك في خلواتك فَلَمَّا حَضَرُوهُ اى القرآن وسمعوه وتعجبوا من حسن نظمه وسياقه وسوقه وكمال بلاغته وفصاحته قالُوا اى قال بعضهم لبعض أَنْصِتُوا ولا تخالطوا أصواتكم ايها المستمعون حتى نسمع على وجهه إذ هو كلام عجيب في أعلى مرتبة البلاغة والبراعة فَلَمَّا قُضِيَ وتم قراءته وفهموا معناه وفحواه وَلَّوْا وانصرفوا ورجعوا إِلى قَوْمِهِمْ حال كونهم مُنْذِرِينَ ومبشرين بما يفهمون منه من التبشيرات والإنذارات والمواعد والوعيدات القوم الذين قد بلغوا حد التكليف من إخوانهم فينذرونهم بها عن الضلال والانحراف عن طريق الحق ويبشرونهم بها الى ما يوصلهم اليه حيث قالُوا اى النفر المستمعون مبشرين لإخوانهم يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً عجيبا سماويا عربيا نظما وأسلوبا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ كتاب مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ اى جميع الكتب السالفة السماوية شأنه انه يَهْدِي إِلَى توحيد الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يوصل الى وحدة ذاته بلا عوج وانحراف وهذا الكتاب العجيب الشأن الجلى البرهان منزل الى داع من العرب منتشئ من بنى عدنان اسمه محمد ﵊ يدعو قاطبة للأنام الى دين الإسلام بوحي الله العليم العلام القدوس السلام يا قَوْمَنا أَجِيبُوا أنتم ايضا داعِيَ اللَّهِ يعنى محمدا ﷺ وقبلوا منه دعوته الى توحيد الحق ودين الإسلام وَآمِنُوا بِهِ وبكتابه الذي انزل اليه لتبيين دينه وتأييد امره يَغْفِرْ لَكُمْ سبحانه مِنْ ذُنُوبِكُمْ اى جميعها ان تبتم ورجعتم نحوه مخلصين وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ هو عذاب النار إذ لا عذاب

стр. 902

أشد منها وأفزع وَبالجملة مَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ ولم يؤمن به سبحانه وبجميع ما جاء به الداعي من عنده بل كذب الداعي من عنده وأنكر دعوته ولم يقبل منه فَلَيْسَ هو اى المنكر بِمُعْجِزٍ لله فِي الْأَرْضِ حتى يهرب عن انتقامه سبحانه ويفر من غضبه من مكان الى مكان او يستر عنه سبحانه ويخفى نفسه في اقطار الأرض بل له سبحانه الاحاطة والاستيلاء بعموم الأمكنة والأنحاء علما وعينا شهودا وحضورا وَلَيْسَ لَهُ اى للمنكر والمعاند مِنْ دُونِهِ سبحانه أَوْلِياءُ يوالونه وينقذونه من غضب الله وعذابه بعد ما قد حل عليه ونزل وبالجملة أُولئِكَ المنكرون المكابرون الذين لا يجيبون داعي الله ولا يقبلون منه دعوته عنادا ومكابرة فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وغواية ظاهرة يجازيهم سبحانه حسب ما صدر عنهم من الغي والضلال. ثم أشار سبحانه الى توبيخ منكري الحشر والنشر واعادة الموتى احياء وتقريعهم فقال مستفهما على سبيل التبكيت والإلزام أَوَلَمْ يَرَوْا يعنى أيشكون ويترددون أولئك الشاكون المترددون في قدرة الله على اعادة المعدوم ونشر الأموات احياء من قبورهم وحشرهم نحو المحشر للحساب والجزاء ولم يعلموا أَنَّ اللَّهَ العليم الحكيم القادر المقتدر الَّذِي خَلَقَ اظهر وأوجد السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى العلويات والسفليات خلقا إبداعيا اختراعيا من كتم العدم وَمع ذلك لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ اى لم يفتر بإظهارهن ابتداء مع غاية عظمتهن وسعتهن بِقادِرٍ يعنى أليس القادر المقتدر على الإبداع والاختراع والإبداء بقادر عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ويعيدهم احياء بعد ما أماتهم بَلى إِنَّهُ سبحانه عَلى كُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة علمه وارادته قَدِيرٌ بلا فتور ولا قصور وَاذكر يا أكمل الرسل لمنكر الحشر يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالبعث والجزاء عَلَى النَّارِ المعدة لتعذيبهم فيقال لهم حينئذ تفضيحا وتهويلا وتوبيخا وتقريعا أَلَيْسَ هذا العذاب الذي أنتم فيه الآن وقد كذبتم به من قبل في نشأة الاختبار بِالْحَقِّ قالُوا متأسفين متحسرين بَلى هو الحق وَحق رَبِّنا الذي ربانا على فطرة الإسلام وأنذرنا عن إتيان هذا العذاب في هذه الأيام فكفرنا نحن به ظلما وزورا وأنكرنا عليه عنادا ومكابرة وبعد ما اعترفوا وندموا في وقت لا ينفعهم الندم والاعتراف قالَ لهم قائل من قبل الحق فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ إذ لم يفدكم اعترافكم هذا بعد ما انقضى نشأة التدارك والتلافي وبعد ما سمعت يا أكمل الرسل حال الكفرة السفلة الجهلة المصرين على العتو والعناد وعاقبة أمرهم فَاصْبِرْ أنت يا أكمل الرسل على أعباء الرسالة ومتاعب التبليغ والإرشاد وعلى اذيات اصحاب الزيغ والضلال كَما صَبَرَ عليها وعلى أمثالها أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ العازمين عليها وعلى تبليغها بالعزيمة الخالصة الثابتة والثبات الدائم ليبينوا للناس طريق التوحيد ويرشدوهم الى سبيل الاستقامة والرشد وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ اى للمعاندين من قريش بحلول العذاب الموعود عليهم فانه سينزل عليهم حتما عند حلول وقته حتى كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ من العذاب من نهاية شدته وكثرة هوله وغاية طول يومه تذكروا واستحضروا في أنفسهم فجزموا انهم لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا إِلَّا ساعَةً واحدة فقط مِنْ نَهارٍ يعنى هم قد استقصروا مدة لبثهم في الدنيا وقاسوها في طول يوم القيامة وخيلوها ساعة بل اقصر منها هذا الذي ذكر من المواعظ والتذكيرات في هذه السورة بَلاغٌ كاف لأهل الهداية والإرشاد ان اتعظوا بها وتذكروا منها وان لم يتعظوا بها هلكوا في تيه الجهل والجحود وبيداء الغفلة والغواية

стр. 903

مثل سائر الهالكين فَهَلْ يُهْلَكُ وما يستأصل بالقهر الإلهي إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية النازلة من عنده على أنبيائه ورسله المبعوثين للهداية والتكميل. جعلنا الله ممن تذكر بما في كتابه من المواعظ والتذكيرات وامتثل بعموم ما فيه من الأوامر والنواهي خاتمة سورة الأحقاف عليك ايها العارف الحازم العازم على سلوك طريق التوحيد ان تقصد نحوه بالعزيمة الخالصة الصافية عن كدر الرياء ورعونات الهوى مطلقا وتتصبر على مشاق التكاليف ومتاعب الطاعات والرياضات القالعة لمقتضيات القوى البشرية بجملتها ومشتهياتها الحظوظ البهيمية برمتها فلك ان تقتدى في سلوكك هذا اثر اولى العزائم من الرسل الكرام والأنبياء الأمناء العظام والكمل من الأولياء العرفاء الذين هم ورثة الأنبياء لتفوز بالدرجة القصوى والمرتبة العليا [سورة محمد] فاتحة سورة محمد ﷺ لا يخفى على الفائزين من التوحيد الذاتي المحققين بانكشاف كيفية سريان الهوية الذاتية الإلهية في اعيان المظاهر الكونية والكيانية ان أكمل من تحقق بهذه الشهود وأتم من اتصف بهذا الانكشاف هو الحضرة الختمية الخاتمية المحمدية التي لا مرتبة أعلى واجمع من مرتبته ﷺ ولذا ما بعث الى كافة الأمم وعامة البرايا احد سواه ﷺ ولهذا ختم ببعثه ﷺ امر الإرشاد والتكميل فمن كفر به ﷺ وأنكر عليه فقد كفر بعموم مراتب الوجود وضل عن جميع الطرق الموصلة الى كعبة الذات وقبلة المقصود ومن آمن له ﷺ فقد اهتدى بما هو المقصد والمرمى وليس وراء الله المنتهى لذلك اخبر سبحانه عن ضلال الكافرين به صلّى الله تعالى عليه وسلّم وانكار المنكرين عليه وعن إحباط أعمالهم وضياعها بعد ما تيمن باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى على المرتبة الختمية المحمدية بعموم أسمائه الحسنى وصفاته العليا الرَّحْمنِ لعموم عباده بإظهار مرتبته ﷺ لتكون قبلة جميع مراتبهم ومشاربهم الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى وحدة ذاته بهدايته وإرشاده ﷺ [الآيات] الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وبتوحيده وأنكروا على نبوة حبيبه ﷺ ورسالته من عنده عنادا ومكابرة وَمع كفرهم وانصرافهم عن الهداية بأنفسهم قد صَدُّوا وصرفوا سائر الناس ايضا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وطريق توحيده الذي قد هدى اليه ﷺ وبعث لتبيينه وارشاد عموم عباده نحوه حسدا عليه ﷺ وعلى من تبعه قد أَضَلَّ أحبط وأضاع سبحانه أَعْمالَهُمْ اى صوالحها التي قد أتوا بها طمعا للكرامة والمثوبة من لدنه سبحانه بعد ما كفروا به سبحانه وبرسوله ﷺ إذ لا يثمر الأعمال الصالحة الا بالإيمان والتصديق بالله وبرسوله وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله وبرسوله وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة لهم الى الله وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ اى بعموم ما نزل عليه وَصدقوا ان جميع ما نزل اليه ﷺ من عند ربه هُوَ الْحَقُّ الصدق المطابق للواقع النازل مِنْ رَبِّهِمْ بلا شك وتردد قد كَفَّرَ وأزال سبحانه عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ اى وبالها وعذابها اللاحق بها المستتبع إياها وَبالجملة أَصْلَحَ بالَهُمْ واحسن حالهم في الدين

стр. 904

والدنيا بحسب النشأة الاولى والاخرى فيجازيهم احسن الجزاء ذلِكَ اى إضلال الكفرة وإصلاح المؤمنين بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وتركوا الحق الحقيق بالاتباع وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ النازل عليهم مِنْ رَبِّهِمْ لإصلاح حالهم في النشأتين وان يرشدهم الى ما هو خير لهم في الدارين كَذلِكَ اى مثل ذلك الذي سمعت من الإضلال والإصلاح بالنسبة الى كلا الفريقين يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ ويبين لهم أحوالهم المتواردة عليهم في أولاهم وأخراهم وبعد ما سمعتم ايها المؤمنون وخامة عاقبة الكفرة وضياع أعمالهم واحباطها فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا اى على أى وجه وحال فَضَرْبَ الرِّقابِ اى فعليكم ان تضربوا رقابهم مهما أمكن وان تقتلوهم بلا مبالاة بهم وبدمائهم سيما بعد رفع الهدنة والمصالحة فصيرورة أمرهم اما الى السيف واما الى الإسلام حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ اى اغلظتم وبالغتم في قتلهم فاسرتم بقاياهم فَشُدُّوا الْوَثاقَ والنكال على أسرائهم واحفظوهم مقيدين موثقين فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً اى تمنون عليهم منا فتطلقونهم رجاء ان تؤمنوا بدل ما تحسنون إليهم او تفدون منهم فداء على إطلاقهم وتخلون سبيلهم وبالجملة افعلوا ايها المؤمنون مع المشركين كذلك حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها اى تضع اهل الحرب من كلا الجانبين آلات الحرب والقتال وذلك لا يحصل الا بالمواخاة والايتلاف التام وتدين الجميع بدين الإسلام ذلِكَ اى الأمر من الله ذلك فافعلوا معهم كذلك لينال كل منكم ايها المؤمنون من الأجر والثواب مقدار ما قد اجتهدوا في ترويج الدين القويم وَالا لَوْ يَشاءُ اللَّهُ القادر المقتدر على انواع الانتقام لَانْتَصَرَ وانتقم مِنْهُمْ اى من المشركين بلا قتالكم وحرابكم وَلكِنْ انما يأمركم سبحانه بالقتال معهم لِيَبْلُوَا ويختبر سبحانه بَعْضَكُمْ ايها الناس المؤمنون بِبَعْضٍ اى بقتال بعض منكم وهو الكافرون لينال المؤمن بقتالهم وجهادهم الثواب الجزيل والأجر الجميل ويستوجب الكافر بمعاداة المؤمن العقاب العظيم والعذاب الأليم كل ذلك انما هو بتقدير العليم الحكيم. ثم قال سبحانه تبشيرا على المؤمنين الذين استشهدوا في سبيل الله وَاعلموا ايها المؤمنون الَّذِينَ قُتِلُوا مع اعداء الله فِي سَبِيلِ اللَّهِ لترويج دين الله او قتلوا منكم في سبيل الله باذلين مهجهم في ترويج دينه سبحانه على القراءتين فَلَنْ يُضِلَّ ولن يضيع سبحانه أَعْمالَهُمْ التي أتوا بها طلبا لمرضاة الله وتثبيتا لقلوبهم على الايمان بما نزل من عنده سبحانه بل سَيَهْدِيهِمْ سبحانه ويرشدهم بعد ما جاهدوا واستشهدوا في سبيله الى زلال هدايته وتوحيده وَيُصْلِحُ بالَهُمْ بايصالهم الى غاية ما جبلوا لأجله في النشأة الاولى وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ التي قد عَرَّفَها لَهُمْ حين أمرهم بالجهاد ألا وهي الحياة الازلية الابدية الإلهية الموعودة للشهداء من عنده سبحانه بقوله ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يعنى دينه ورسوله يَنْصُرْكُمْ سبحانه على أعدائكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ في جادة توحيده وصراط تحقيقه وَالَّذِينَ كَفَرُوا بالله واعرضوا عن نصر دينه ورسوله فَتَعْساً اى زلقا وعثورا وانحطاطا وسقوطا لَهُمْ عن الرتبة الانسانية وعن جادة العدالة الإلهية وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ واضاعها بحيث لا يفيدهم شيأ أصلا ذلِكَ العثور والانحطاط لهم بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا اى أنكروا واستكرهوا مستكبرين عموم ما أَنْزَلَ اللَّهُ المدبر المصلح لأحوال عباده في كتابه من الأوامر والنواهي المهذبة لظواهرهم وبواطنهم فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ بسبب كفرهم وكراهتهم أَينكرون قدرة الله على الإحباط والإضلال فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ

стр. 905

التي هي محل الاختبارات الإلهية وانتقاماته فَيَنْظُرُوا بنظر العبرة والاستبصار ليبصروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المجرمين الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ مع انهم كانوا ذوى ثروة كبيرة ورئاسة عظيمة ووجاهة كاملة كيف دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ واستأصلهم بحيث لم يبق منهم على وجه الأرض احد وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها اى سيئول ويعود عاقبة هؤلاء الكفرة المعاندين معك يا أكمل الرسل إليها والى أمثالها بل الى أفظع منها وأشد البتة كل ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ المطلع على ضمائر عباده مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق وتحققوا في مقر توحيده لذلك يواليهم وينصرهم على أعاديهم ويحفظهم عما لا يعنيهم وَأَنَّ الْكافِرِينَ المصرين على الكفر والعناد لا مَوْلى لَهُمْ لينصرهم ويدفع عنهم ما يرديهم وبالجملة إِنَّ اللَّهَ العليم الحكيم يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ متنزهات من المعارف والحقائق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ الجارية من العلوم اللدنية المنتشئة من منبع الوحدة الذاتية يتلذذون تلذذا معنويا حقيقيا وَالَّذِينَ كَفَرُوا بوحدة الحق وكمالاته المترتبة على شئونه وتجلياته يَتَمَتَّعُونَ بالحطام الدنيوية ويتلذذون باللذات البهيمية وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ويتلذذون بلا شعور لها باللذة الاخروية وَبالآخرة النَّارُ المعدة المسعرة مَثْوىً لَهُمْ ومحل قرارهم واستقرارهم وَكَأَيِّنْ اى كثيرا مِنْ قَرْيَةٍ من القرى الهالكة هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً اى أهلها واكثر أموالا واولادا مِنْ اهل قَرْيَتِكَ الَّتِي قد أَخْرَجَتْكَ يا أكمل الرسل أهلها منها أَهْلَكْناهُمْ واستأصلناهم بسبب إخراجهم رسل الله من بينهم وتكذيبهم والاستكبار عليهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ يظاهرهم او يدفع انتقامنا عنهم حين أخذنا إياهم فكذا انتقم عن هؤلاء المشركين المستكبرين عليك يا أكمل الرسل المخرجين إياك وقومك من بينهم ظلما وزورا يعنى مشركي مكة خذلهم الله ونغلب المؤمنين عليهم ونظهر دينك على كل الأديان وكيف لا ننصر ولا نظهر دينك أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ حجة واضحة آتية له مِنْ رَبِّهِ مبينة له امر دينه كَمَنْ زُيِّنَ اى حبب وحسن لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ بلا مستند عقلي او نقلي بل وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ بمقتضى آرائهم الباطلة وأمانيهم الزائغة الزائلة بتغرير الشيطان واغوائه إياهم كلا وحاشا بل مَثَلُ الْجَنَّةِ وشأنها العجيب الَّتِي قد وُعِدَ الْمُتَّقُونَ بها المجتنبون عن محارم الله المحترزون عن مساخطه على الوجه الذي بينهم الكتب وبلغهم الرسل الممتثلون بعموم ما أمروا من عنده سبحانه ونهوا عنه ايمانا واحتسابا عند ربهم هكذا لهم فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ هي العلوم اللدنية المحيية لهم بالحياة الازلية الابدية غَيْرِ آسِنٍ اى خالص عن كدر التقليدات والتخمينات الحادثة من مقتضيات القوى البشرية المنغمسة بالعلائق الجسمانية وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ من المحبة الذوقية والمودة الشوقية الإلهية المنتشئة من الفطرة الاصلية التي هم فطروا عليها في بدأ فطرتهم وظهورهم بحيث لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وذوقه بالميل الى الهوى والالتفات الى مزخرفات الدنيا وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ جذبة الهية وخطفة غيبية وشوق مفرط مسكر لهم محير لعقولهم من غاية استغراقهم بمطالعة جمال الله وجلاله بحيث لا يكتنه لهم وصفها لكونها من الأمور الذوقية الوجدانية التي لا يمكن التعبير عنها لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ حسب تفاوت اذواقهم ومواجيدهم وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ هي عبارة عن اليقين الحقي الذي لا شيء احلى منه وألذ عنه عند العارف المحقق المتحقق به مُصَفًّى عن شوب الاثنينية اللازمة لمرتبتى اليقين العلمي والعيني وَبالجملة لَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ المستلزمة لانواع اللذات الروحانية وَاكبر من الكل

стр. 906

وهو لهم فيها مَغْفِرَةٌ ستر ومحو لأنانياتهم الباطلة ناشئة مِنْ رَبِّهِمْ الذي رباهم على الكرامة من عنده بعد ما جذبهم تحت قباب عزه ومكنهم في كنف جواره أهؤلاء المكرمون بهذه الكرامة العظمى والمقامة العليا كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ اى كالكافر الباغي الطاغي الذي قد خرج عن ربقة العبودية بمتابعة اهوية الامارة وأمانيها وظهر على الحق واهله بأنواع الإنكار والاستكبار وبسبب هذا قد صار مخلدا في نار القطيعة مؤبدا فيها لا نجاة له عنها وَهم من شدة عطشهم وحرقة أكبادهم إذا استسقوا سُقُوا ماءً حَمِيماً حارا في غاية الحرارة فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ بعد ما شربوا منه جرعة وذلك لعدم الفهم واعتيادهم بالعلوم اللدنية وبرد اليقين العلمي والعيني والحقي وَمِنْهُمْ اى من المستوجبين بخلود النار ابد الآباد مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يا أكمل الرسل حين دعوتك وتذكيرك وجلسوا في مجلسك صامتين مبهوتين حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ وانصرفوا عن مجلسك قالُوا من كمال غفلتهم وذهولهم عنك وعن كلامك وكلماتك وعدم ادراكهم بما فيها واصغائهم إليها لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ اى أصحابك المتذكرين عن كلامك الموفقين من عند الله على التصديق والإذعان بك وبكتابك ماذا قالَ اى أىّ شيء قال صاحبكم آنِفاً في هذا المجلس مع انهم معهم أُولئِكَ الأشقياء البعداء عن ساحة عز القبول هم الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وختم على سمعهم وأبصارهم وَلهذا قد اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وتركوا هدايتك يا أكمل الرسل ولم يقتبسوا النور من مشكاة النبوة ولم يلتفتوا الى هداية القرآن بل استهزؤا معه ومع الرسول ﵇ المنزل اليه وَالمؤمنون الَّذِينَ اهْتَدَوْا بهدايته ﷺ قد زادَهُمْ استماع القرآن هُدىً على هدى وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ وبين لهم ما يعينهم على سلوك طريق التوحيد ويجنبهم عما يغويهم عن منهج الحق وصراط التحقيق وبالجملة فَهَلْ يَنْظُرُونَ وما ينتظرون أولئك المطرودون المطبوعون في عموم أوقاتهم وحالاتهم إِلَّا السَّاعَةَ الموعودة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فجاءة وكيف لا تأتيهم الساعة فَقَدْ جاءَ وظهر أَشْراطُها اى بعض اماراتها وعلاماتها التي من جملتها بعثة الحضرة الختمية الخاتمية المحمدية إذ ظهوره متمما لمكارم الأخلاق ومكملا لأمر التشريع والإرشاد من دلائل انقضاء نشأة الكثرة وطلوع شمس الوحدة الذاتية من آفاق ذرائر الكائنات وكيف ينتظرون الساعة ولا يهيئون اسبابها قبل حلولها وان تأتهم بغتة فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ اى كيف يفيد التذكر والاتعاظ وقت إذا جاءتهم الساعة فجاءة ومن اين يحصل لهم التدارك والتلافي حينئذ وبعد ما سمعتم حال الساعة وحلولها بغتة فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ اى فاثبت أنت يا أكمل الرسل على جادة التوحيد الذاتي والتمكن على صراط الحق في عموم أوقاتك وحالاتك واشهد ظهور شمس الذات على صفائح عموم الذرات وشاهد انقهار جميع المظاهر والمجالى في وحدة ذاته واهد جميع من تبعك من المؤمنين الى هذا المشهد العظيم الذي هم فطروا عليه وجبلوا لأجله وَاسْتَغْفِرْ في عموم أوقاتك لِذَنْبِكَ الذي صدر عنك أحيانا من الالتفات الى ما سوى الحق من العكوس والاظلال وَاستغفر ايضا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إذ أنتم كفيلهم وهاديهم الى طريق التوحيد وأمرهم ايضا بالاستغفار والاستعفاء لعل الله يغفر لهم ويوصلهم الى فضاء قربته وجنة وحدته وَبالجملة اللَّهُ المحيط بعموم أحوالكم ونشأتكم يَعْلَمُ بعلمه الحضوري مُتَقَلَّبَكُمْ اى موضع تقلبكم وانقلاباتكم في دار الاختبار ونشأة التلون والاعتبار وَمَثْواكُمْ اى موضع اقامتكم وتمكنكم في دار الاقامة

стр. 907

والقرار فعليكم ان تستعدوا لأخراكم في اولاكم وتهيئوا اسباب اخراكم وعقباكم في دنياكم وَمن معظم زاد يوم المعاد الجهاد مع جنود اعداء الله في الأنفس والآفاق لذلك يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا من شدة حرصهم وشغفهم على القتال وترويج كلمة التوحيد وإعلاء دين الإسلام لَوْلا وهلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ مشتملة على الأمر بالجهاد حتى نجاهد في سبيل الله ونبذل غاية وسعنا في ترويج دينه فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ بمقتضى ما تمناها المخلصون وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ اى امر به فيها على البت واستبشر المؤمنون المخلصون بنزولها واستعدوا لامتثالها وقبول ما فيها رَأَيْتَ يا أكمل الرسل حينئذ المنافقين الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ راسخ وضعف مستقر مستمر يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ حين تلاوتك وتبليغك إياهم ما يوحى إليك من ربك نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ يعنى قد صاروا حين سمعوا الأمر بالقتال من كمال نفاقهم وشقاقهم كأنهم قد أشرفوا على الموت وظهرت عليهم اماراته بحيث قد شخصت أبصارهم من أهواله جبنا من القتال وبغضا وحسدا على غلبتك وظهور دينك وبالجملة فَأَوْلى لَهُمْ اى قد قرب لهم ويلهم وحاق وأحاط بهم ما يكرهون ويخافون منه أولئك الأشقياء المردودون مع ان الأليق والاولى بحالهم في هذه الحالة طاعَةٌ اى انقياد واطاعة وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ مقبول مستحسن عند ذوى العقول والمروات وارباب الفتوات لو صدر عنهم هذا لكان خيرا لهم وأليق بحالهم لو كانوا مؤمنين موقنين وبالجملة فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ اى جد ولزم امر القتال لأصحابه وجزموا له فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ المطلع بما في ضمائرهم ونياتهم فيما أظهروا من الحرص والجرأة على القتال مثل المؤمنين المخلصين لَكانَ الصدق والثبات على العزيمة خَيْراً لَهُمْ في أولاهم وأخراهم ولما لم يصدقوا ولم يثبتوا على ما أملوا من طلب القتال فقال فَهَلْ عَسَيْتُمْ وما يتوقع منكم وما يلوح من ظاهر حالكم وما قاربتم أنتم ايها المنافقون المسرفون الكاذبون انكم إِنْ تَوَلَّيْتُمْ وأعرضتم عن الإسلام واستوليتم على الأنام أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ المعدة للصلاح والسداد وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ من المؤمنين المجبولين على فطرة التوحيد والإسلام مع انكم مجبولون على القطع وعدم الوصلة حقيقة وبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المعرضون عن الهداية والرشد الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ العليم الحكيم وطردهم عن ساحة عز حضوره فَأَصَمَّهُمْ لهذه الحكمة والمصلحة عن استماع دلائل توحيده وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ايضا عن مشاهدة آيات ألوهيته وربوبيته الظاهرة على صفحات الأنفس والآفاق أَيصرون أولئك المسرفون المصرون على الاعراض والانصراف عن الهدى فَلا يَتَدَبَّرُونَ ولا يتصفحون الْقُرْآنَ ولا يتأملون ما فيه من المواعظ والتذكيرات المفيدة لهم الموصلة الى الهداية والنجاة عن اهوال يوم القيامة حتى ينزجروا عن ارتكاب المعاصي وينصرفوا عن الميل إليها أَمْ عَلى قُلُوبٍ يعنى بل مختومة على قلوبهم أَقْفالُها مطبوعة عليها آثامها وآثارها لذلك لا تأثر لهم من القرآن ومواعيده مع انهم آمنوا له قبل نزوله على ما وجدوا في كتبهم نعته ونعت من انزل اليه وعرفوا أحكامه ومع ذلك أنكروا عليه وارتدوا عنه عنادا ومكابرة وبالجملة إِنَّ المسرفين المفسدين الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ سيما مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ ولاح لَهُمُ الْهُدَى والرشد وجزموا بحقيته وحقية ما فيه من الاحكام والعبر والمواعظ الشَّيْطانُ المغوى قد سَوَّلَ لَهُمْ اى حسن وزين لهم الارتداد عن الحق تغريرا وتلبيسا سيما بعد ما وضح لهم حقيته وَأَمْلى لَهُمْ بتسويلاته خلاف ما ظهر عليهم من ألسنة كتبهم ورسلهم ذلِكَ

стр. 908

التسويلات والتعريرات وما يترتب عليه من الاعراض والانصراف عن الحق بِأَنَّهُمْ اى بسبب ان اليهود والنصارى قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا اى للمنافقين الذين كرهوا ما نَزَّلَ اللَّهُ من السور المشتملة على امر القتال حثا لهم على المخالفة سَنُطِيعُكُمْ وتعاون عليكم فِي بَعْضِ الْأَمْرِ لو أظهرتم المخالفة يعنى ان عاتبوكم اى المسلمون وقصدوا الانتقام عنكم نحن نعاون. ما قالوا ما قالوا في خلواتهم وَاللَّهُ المطلع لعموم أحوالهم يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ كما يعلم اعلانهم هذا من جملة ما احتالوا ومكروا مع الله ورسوله ليردوا ضعفاء المؤمنين عن دينهم فَكَيْفَ يحتالون ويمكرون إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ المأمورون لقبض أرواحهم يَضْرِبُونَ حينئذ وُجُوهَهُمْ جزاء ما توجهوا بها نحو الباطل وَأَدْبارَهُمْ جزاء مما انصرفوا بها عن الحق ذلِكَ التوفي على وجه العبرة بِأَنَّهُمُ قد اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ من الاعراض عن طريق الحق ومتابعة اهله وَكَرِهُوا بمقتضى اهويتهم الفاسدة رِضْوانَهُ اى ما رضى عنه سبحانه من الأوامر والنواهي المنزلة على ألسنة رسله وكتبه وبعد ما خالفوا امر الله وامر رسله فَأَحْبَطَ سبحانه بمقتضى قهره وجلاله أَعْمالَهُمْ اى صوالح أعمالهم بحيث لا يترتب عليها الجزاء الموعود كما يترتب على صالحات اعمال المطيعين أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مستقر وحسد مؤبد وشكيمة شديدة مع الله ورسوله والمؤمنين أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ ولن يبرز ويظهر ابدا أَضْغانَهُمْ وأحقادهم التي اضمروها في نفوسهم وَلم يعلموا انا لَوْ نَشاءُ تفضيحهم لَأَرَيْناكَهُمْ وبصرنا عليك يا أكمل الرسل عموم ما اضمروا في نفوسهم فَلَعَرَفْتَهُمْ أنت حينئذ بِسِيماهُمْ بمجرد ابصارك إياهم لظهور ما في صدورهم من الغل عن وجوههم وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ أنت نفاقهم وشقاقهم فِي لَحْنِ الْقَوْلِ الباطل الذي قد صدر عنهم مغشوشا مزخرفا وبعد ما نزل هذه الآية لا يتكلم منافق عند النبي ﷺ إلا عرفه ويستدل بكلامه على ما في ضميره من الفساد والنفاق وَبالجملة اللَّهُ المطلع بعموم احوال عباده يَعْلَمُ منكم أَعْمالَكُمْ ونياتكم فيها ومقاصدكم عنها فيجازيكم على مقتضى علمه. ثم قال سبحانه مقسما وَالله لَنَبْلُوَنَّكُمْ ونختبرنكم ايها المجبولون على فطرة الإسلام بالتكاليف الشاقة والأوامر الشديدة حَتَّى نَعْلَمَ اى نفرق ونميز الْمُجاهِدِينَ المجتهدين مِنْكُمْ ببذل الوسع والطاقة على امتثال المأمور به وَالصَّابِرِينَ المرابطين قلوبهم بحبل الله وتوحيده الموطنين نفوسهم بالرضاء بجميع ما جرى عليهم من القضاء وَنَبْلُوَا ايضا أَخْبارَكُمْ التي صدرت عنكم وقت تكليفنا إياكم إذ الاخبار منتشئة عن الضمائر والأسرار وبالجملة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الله واعرضوا عن مقتضيات تكاليفه الصادرة عن الحكمة البالغة الإلهية وَمع كفرهم وضلالهم في أنفسهم قد صَدُّوا وصرفوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ضعفاء عباده وَمع ذلك شَاقُّوا اى قد خالفوا وخاصموا الرَّسُولَ المرسل من عنده سبحانه المبعوث إليهم للإرشاد والتكميل لا عن شبهة صدرت عنه تدل على كذبه وافترائه بل مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى وثبت عندهم هدايته عقلا ونقلا ومع ظهور صدقه وهدايته كذبوه وانا وظلما وبواسطة هذه الجرأة على الله ورسوله لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ المنزه في ذاته عن ان يكون معروضا للنفع والضرر شَيْئاً من الضر والإضرار بل وَسَيُحْبِطُ ويضيع سبحانه بأمثال هذه الجرائم والآثام أَعْمالَهُمْ الصادرة عنهم لتثمر لهم الثواب فانقلب الأمر عليهم فتثمر لهم العقاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 909

مقتضى ايمانكم اطاعة الله واطاعة رسوله أَطِيعُوا اللَّهَ المظهر لكم من كتم العدم المنعم عليكم بأنواع النعم واصناف الكرم وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ الهادي المرشد لكم الى توحيد الحق لكمالات أسمائه وأوصافه وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ بالإعراض عن الله والانصراف عن متابعة رسوله وبالجملة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا وصرفوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَالحال انه هُمْ كُفَّارٌ مصرون معاندون على ما هم عليه طول عمرهم فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ابدا لاشراكهم بالله وخروجهم عن ربقة عبوديته بمتابعة اهويتهم الباطلة وآرائهم الفاسدة وبعد ما أطعتم الله ورسوله ايها المؤمنون واخلصتم في إطاعتكم وانقيادكم ثقوا واعتصموا بحبل توفيقه ونصره فَلا تَهِنُوا ولا تضعفوا عن الجهاد والمقاتلة وَلا تَدْعُوا ولا تركنوا إِلَى السَّلْمِ والصلح معهم وَبالجملة لا تجبنوا ولا تفتروا أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ الغالبون الأغلبون ايها الموحدون المحمديون إذ الحق يعلو ولا يعلى عليه وكيف لا تتصفون أنتم بصفة العلو والغلبة وَاللَّهُ المحيط بكم مَعَكُمْ لا على وجه المقارنة والاتحاد ولا على سبيل الحلول والامتزاج بل على وجه البروز والظهور ورش النور وامتداد اظلاله عليكم وانعكاسكم منهما وَبعد ما صار الحق معكم على الوجه المذكور لَنْ يَتِرَكُمْ ولن يضيع عليكم أَعْمالَكُمْ التي قد جئتم بها مخلصين طلبا لمرضاة الله وهربا عن مساخطه إذ الموحد المعتدل دائما بين الخوف والرجاء وكيف لا يكون كذلك إذ هو مستو على متن الصراط المستقيم الموضوع بالوضع الإلهي المبنى على العدالة الذاتية الإلهية التي هي أدق وارق من كل دقيق ورقيق. وبعد ما قد سمعت صفة صراط ربك يا أكمل الرسل فاعلم ان موانع العبور عنه والاستقامة عليه ليس الا الدنيا ومزخرفاتها إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا اى ما اللذة المستعارة فيها الا لَعِبٌ يلعب بها أبناء بقعة الإمكان وهم غافلون عن حقيقتها وَلَهْوٌ يلهى ويحير قلوبهم في تيه الغفلة والضلال وهم تائهون فيه ساهون ذاهلون عما ظهر وترتب عليها وَبعد ما سمعتم ايها المكلفون نبذا من أوصاف دنياكم إِنْ تُؤْمِنُوا بوحدة الحق وبكمالات أسمائه وصفاته الظاهرة آثارها على هياكل الهويات المستحدثة في الكائنات وتتوكلوا عليه مفوضين أموركم كلها اليه وتتخذوه وكيلا وتأخذوه كفيلا وتعتصموا بحبل توفيقه ثقة عليه واعتمادا له وَتَتَّقُوا يعنى وان تحفظوا نفوسكم من الميل الى ما سوى الحق من الأماني العاطلة الامكانية والآمال العائقة الدنية الدنياوية المثمرة لغضب الحق بمقتضى قدرته الجليلة يُؤْتِكُمْ حسب ارادته الجميلة أُجُورَكُمْ التي استوجبتم أنتم بصوالح أعمالكم ويزد عليكم من لدنه سبحانه تفضلا وإحسانا ما لا مزيد عليه من اللذات الروحانية وَمع ذلك العطية العظيمة والكرامة الكريمة الكبيرة لا يَسْئَلْكُمْ ولا يطلب منكم بمقابلة ما أفاض عليكم من الكرامات أَمْوالَكُمْ اى جميعها بل مقدار ما يزكى بها نفوسكم ويطيب قلوبكم من الشح المفرط والميل المتبالغ الى الدنيا ومزخرفاتها كي تتصفوا بالجود والكرم الذي هو من الأخلاق الإلهية المأمور لكم التخلق بها فكيف إِنْ يَسْئَلْكُمُوها ويطلب منكم سبحانه جميعها فَيُحْفِكُمْ ويبالغ عليكم في طلب جميع ما اقترفتم تَبْخَلُوا أنتم البتة ولا تعطوها على الله ورسوله بل تضمروا الحقد والإنكار بل وَيُخْرِجْ اى يبرز ويظهر بخلكم وحقدكم هذا أَضْغانَكُمْ وشكائمكم التي أنتم تضمرونها في نفوسكم بالنسبة الى الله ورسوله وبالجملة ها أَنْتُمْ ايها الحمقى الغافلون عن مقتضى الألوهية والربوبية هؤُلاءِ البخلاء المغرورون بحطام الدنيا الدنية المغمورون في لذاتها وشهواتها الفانية العائقة عن اللذات الاخروية انما تُدْعَوْنَ

стр. 910

لِتُنْفِقُوا مما أنتم مستخلفون فيه فِي سَبِيلِ اللَّهِ كي تفوزوا بالمثوبة العظمى والكرامة الكبرى عنده سبحانه وتصلوا الى ما جبلتم لأجله وبعد ما وصل الدعوة إليكم فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ اى يمنع ولم يعط بل يظهر ما يضمر في نفسه من الحقد والضغن وَبالجملة مَنْ يَبْخَلُ من ماله بعد ما امر بإنفاقه فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ إذ نفع الانفاق وضرر البخل كلاهما عائدان الى نفسه وَبالجملة اللَّهُ الْغَنِيُّ المستغنى بذاته عن عموم صدقاتكم وزكواتكم بل عن مطلق طاعاتكم وعباداتكم وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ المقصورون على الفقر والاحتياج الذاتي الى ما عنده سبحانه من انواع الانعام والإحسان وَبعد ما قد بلغت لهم يا أكمل الرسل ما بلغت من مقتضيات الوحى والإلهام الإلهي قل لهم إِنْ تَتَوَلَّوْا وتنصرفوا عن الايمان والامتثال لعموم المأمورات يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ اى يهلككم ويقم بدلكم قوما يؤمنون ويقومون بامتثال عموم الأوامر والنواهي ثُمَّ لما علم المستبدلون منكم واعتبروا مما جرى عليكم وشاهدوا مقتكم وهلاككم بأمثال هذا التولي والانصرافات لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ كافرين بالله كفارا لنعمه مضيعين لحقوق كرمه. جعلنا الله من زمرة الشاكرين الممتثلين بأوامره المجتنبين عن نواهيه بمنه وجوده خاتمة سورة محمد ﷺ عليك ايها القاصد نحو طريق التوحيد العازم على سلوك سبيل الفناء في الله المثمر للبقاء الذاتي أوصلك الله الى غاية مبتغاك ونهاية متمناك ان تعدل في عموم اوصافك واخلاقك سيما في احوالك التي تتعلق بالإنفاق المأمور عليك بمقتضى الحكمة والعدالة الإلهية الناشئة من الله عن محض الارادة والرضا إياك إياك البخل والتقتير فانه الجالب لحلول غضب الله ونزول انواع سخطه حسب قهره وجلاله فعليك الامتثال بالمأمور والاتكال على الملك الرحيم الغفور [سورة الفتح] فاتحة سورة الفتح لا يخفى على ارباب السكينة والوقار من الفائزين بسرائر التوحيد المنكشفين باسرار الربوبية والإلهية ان من استقام على طريق الحق متوكلا عليه مفوضا أموره كلها اليه مخلصا في جميع اعماله وأحواله مستويا على منهج العدالة المأمورة من قبل ربه فقد فتح عليه سبحانه أبواب اصناف الفتوحات الغيبية وأفاض عليه انواع الكرامات السنية القدسية وأوصله الى الدرجات العلية اللاهوتية وأنقذه من الدركات الهوية الناسوتية الامكانية الجهنمية لذلك قد من سبحانه على حبيبه ﷺ بالفتح والظفر على عموم ما يسر الله له ووفقه عليه من انواع الخيرات والكرامات المنتظرة له واصناف السعادات العاجلة والآجلة متيمنا باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي فتح على خلص عباده أبواب المعارف واليقين الرَّحْمنِ عليهم بافاضة التسليم والعقل المنشعب من حضرة علمه ليهديهم الى صراط مستقيم الرَّحِيمِ عليهم يوصلهم الى مقر التوحيد ليتمكنوا في روضة الرضاء وجنة التسليم [الآيات] إِنَّا من مقام عظيم فضلنا وجودنا معك يا أكمل الرسل قد فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ظاهرا عظيما بان ألهمنا عليك وأوضحنا لك طريق الخروج عن مضيق الإمكان الى سعة فضاء الوجوب ويسرنا لك الترقي والعروج من حضيض الجهل واودية الضلال الى ذروة العلم وأوج الوصال وانما فتحنا لك ما فتحنا لِيَغْفِرَ لَكَ ويستر عليك اللَّهُ المحيط بعموم احوالك وشئونك ما تَقَدَّمَ مِنْ

стр. 911

ذَنْبِكَ الذي قد عرض عليك ولحق بك حسب بشريتك وإمكانك قبل انكشافك بسرائر الوحدة الذاتية كما ينبغي وعلى وجهها وَكذا ما تَأَخَّرَ بعده من تلويناتك في بعض الأحوال السارة والمؤلمة بحسب النشأة البشرية وَبالجملة يُتِمَّ نِعْمَتَهُ الموعودة لك حسب استعدادك ويوفرها عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً موصلا الى مقصد التوحيد الذاتي وَبالجملة يَنْصُرَكَ اللَّهُ الوكيل الكفيل عليك في عروجك وترقيك عن بقعة الإمكان نَصْراً عَزِيزاً غالبا منيعا بحيث لم يغلب عليك بعد انكشافك بسرائر التوحيد جنود امارتك وعونة بشريتك مطلقا وكيف لا ينصر ربك يا أكمل الرسل مع انه هُوَ القادر المقتدر الراقب المحافظ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ اى الطمأنينة والوقار فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بك المقتبسين من مشكاة نبوتك نور الولاية اللامعة المتشعشعة من شمس الوحدة الذاتية لِيَزْدادُوا بهدايتك وارشادك إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ بانك على الحق المبين وَكيف لا يزدادون ايمانا بك يا أكمل الرسل مع انك قد فزت بالفوز العظيم من الوحدة الذاتية وصرت مصونا محفوظا في كنف الحق وجواره منصورا على عموم أعدائك إذ لِلَّهِ وفي حيطة قدرته الغالبة جُنُودُ السَّماواتِ اى مؤثرات الأسماء والصفات وَكذا جنود الْأَرْضِ اى قوابل الأركان والطبائع التي هي حوامل آثار العلويات والمتأثرات منها وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المطلع لعموم ما في استعدادات عباده وقابلياتهم عَلِيماً بحوائجهم لدى الحاجة حَكِيماً في تدبيرات أمورهم على وفق الحكمة المتقنة والمصلحة المستحكمة كل ذلك لِيُدْخِلَ سبحانه حسب سعة رحمته وجوده الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ من امة حبيبه وصفيه المستخلف منه سبحانه في بريته وعموم خليقته جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى جداول المعارف والحقائق المترشحة من بحر الذات خالِدِينَ فِيها بلا تلوين وتحويل وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ اى يمحو عن عيون بصائرهم أشباح انانياتهم وامواج هوياتهم المستحدثة على بحر الوجود من نكبات التعينات وصرصر الإضافات وَكانَ ذلِكَ الإدخال والإيصال والمحو والتكفير عِنْدَ اللَّهِ المتعزز برداء العظمة والكبرياء فَوْزاً عَظِيماً واجرا جميلا لا فوز أعظم منه وأعلى وَكما يدخل سبحانه المؤمنين والمؤمنات في روضات الجنات تفضلا وإحسانا يُعَذِّبَ ايضا الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وهم الذين قد اخرجوا أعناقهم عن عروة العبودية الإلهية بمتابعة الاهوية الفاسدة والآراء الباطلة وأظهروا الايمان على طرف اللسان بلا مقارنة اخلاص وإذعان وَايضا الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وهم الذين جحدوا في الله الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الشركة مطلقا واثبتوا له سبحانه شركاء ظلما وزورا الظَّانِّينَ بِاللَّهِ المستقل بالربوبية والألوهية ظَنَّ السَّوْءِ وهو انه سبحانه لا ينصر أولياءه الباذلين مهجهم في طريق توحيده بحيث ينتظرون لمقتهم وهلاكهم بلا نصر من الله إياهم بل تدور عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ويحيط بهم وبال ما يظنونه على اولياء الله كيف وَقد غَضِبَ اللَّهُ المطلع على ما في ضمائرهم عَلَيْهِمْ بل وَلَعَنَهُمْ اى طردهم عن ساحة عز قبوله وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ الطرد والحرمان وَساءَتْ مَصِيراً منزلا ومقيلا عليهم مع انهم يظنون بالله ظن السوء ويعتقدونه عاجزا عن نصر أوليائه وَمع انه لِلَّهِ وفي حيطة قدرته وتحت تصرفه جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وله ان يأمرهم ما يشاء نصرا لمن يشاء ويغلبهم على من يريد ارادة واختيارا وَالحال انه قد كانَ اللَّهُ المتوحد

стр. 912

بالعظمة والكبرياء عَزِيزاً غالبا على عموم مراداته ومقدوراته بلا معاونة احد ومظاهرته حَكِيماً في أفعاله المتقنة يدبرها بالاستقلال وفق حكمته البالغة كيف يشاء. ثم قال سبحانه في مقام الامتنان لحبيبه ﷺ إظهارا لكمال قدرته الشاملة وحكمته الكاملة إِنَّا من مقام عظيم جودنا قد أَرْسَلْناكَ يا أكمل الرسل شاهِداً على عموم عبادنا تشهد لهم عند عموم ما صدر عنهم من الصالحات الجالبة لانواع المثوبات والكرامات وَمُبَشِّراً تبشرهم برفع الدرجات والفوز بالسعادات وَنَذِيراً تنذرهم عن الدركات العائقة عن الوصول الى جنة الذات التي دونها تجرى بحر الحياة كل ذلك لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وتذعنوا بتوحيده وَرَسُولِهِ اى تصدقوا برسوله الذي قد أرسل إليكم من عنده سبحانه وَبعد اتصافكم بكمال الايمان والإذعان تُعَزِّرُوهُ وتعظموه سبحانه اى تعتقدوا ان الحول والقوة لله جميعا بحيث لا حول ولا قوة لسواه مطلقا وَبعد ما اعتقدتموه كذلك تُوَقِّرُوهُ وتعظموه حق تعظيمه وتكريمه وَبعد ما وقرتموه وعظمتموه كما ينبغي ويليق بشأنه تُسَبِّحُوهُ وتنزهوه عما لا يليق بجنابه بُكْرَةً وَأَصِيلًا اى في عموم أوقاتكم واصيلاتكم إذ لا يتأتى منكم بالنسبة الى جنابه سبحانه الا التفويض والتعظيم والتنزيه والتقديس والا فما للتراب ورب الأرباب ان يتكلموا عن ذاته وصفاته سوى ان يخوضوا في لجة بحر توحيده ويبهتوا في ببداء ألوهيته حتى يفنوا في فضاء صمديته إذ لا اله الا هو ولا شيء سواه وكل شيء هالك الا وجهه. ثم قال سبحانه بلسان الجمع على سبيل الإرشاد والتكميل إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يا أكمل الرسل ويختارون متابعتك ويستهدون من هدايتك وارشادك إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ الذي استخلفك عليهم وجعلك نائبا عن ذاته فيما بينهم فعليهم ان لا ينقضوا العهد والبيعة التي عهدوا معك ابدا وكيف يسع لهم المنقض مع ان يدك يَدُ اللَّهِ وقبضتك قبضة قدرته الغالبة ولا شك انها فَوْقَ أَيْدِيهِمْ مستعلية عليهم فَمَنْ نَكَثَ ونقض البيعة والعهد مع رسوله فَإِنَّما يَنْكُثُ وينقض عَلى نَفْسِهِ اى ما يعود وبال نقضه الا عليه وَمَنْ أَوْفى وحفظ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ ألا وهو معاهدتهم مع رسول الله ﷺ بخلافته ﷺ عنه سبحانه فَسَيُؤْتِيهِ جزاء للوفاء أَجْراً عَظِيماً هو الفوز بشرف اللقاء والتحقق لدى المولى سَيَقُولُ لَكَ يا أكمل الرسل على سبيل الاعتذار الْمُخَلَّفُونَ اى المنافقون الناقضون للعهود المتخلفون عن الجهاد مِنَ الْأَعْرابِ المجبولين على الكفر والنفاق قد شَغَلَتْنا عن متابعتك ومشايعتك أَمْوالُنا وَأَهْلُونا إذ ليس لهم متعهد سوانا لذلك قد حرمنا عن صحبتك وعن اجر الجهاد فَاسْتَغْفِرْ لَنا يا رسول الله عند الله حتى يغفر لنا ما صدر عنا من التخلف لا تبال يا أكمل الرسل بهم وباعتذارهم هذا واستغفارهم فإنهم من شدة شكيمتهم وغيظهم وضعف عقيدتهم يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ تغريرا وتلبيسا قُلْ لهم على سبيل التفضيح والتبكيت فَمَنْ يَمْلِكُ اى يدفع ويمنع لَكُمْ مِنَ اللَّهِ القادر المقتدر شَيْئاً من مقتضى غضبه سبحانه إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ شيأ من مقتضيات لطفه ورحمته ان أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً وبالجملة لا راد لفضله ولا معقب لحكمه بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً يجازيكم على مقتضى خبرته بَلْ ظَنَنْتُمْ ايها المتخلفون المثقلون أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ ولن يرجع الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً بل يستأصلهم العدو بالمرة فلن يرجع منهم احد من سفرهم هذا بل وَزُيِّنَ اى حبب وحسن ذلِكَ الاستئصال وعدم الرجوع وتمكن فِي قُلُوبِكُمْ من

стр. 913

كثرة تطيركم وتشأمكم وَقد ظَنَنْتُمْ بزعمكم هذا ظَنَّ السَّوْءِ بالله ورسوله والمؤمنين وَبالجملة قد كُنْتُمْ ازلا وابدا قَوْماً بُوراً هالكين في تيه الجهل والعناد مصرين على انواع الجهل والجور والفساد وَبالجملة مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ اى لم يجمع بين الايمان بالله وتصديق الرسول المستخلف منه سبحانه فَإِنَّا بمقتضى قهرنا وجلالنا قد أَعْتَدْنا وهيأنا لِلْكافِرِينَ المصرين على الكفر والتكذيب سَعِيراً نارا مسعرة ملتهبة تحيط بهم جزاء ما قد اوقدوا في نفوسهم نيران الفتن والطغيان لأولياء الله وَكيف لا ينتقم سبحانه مع انه لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وله التصرف فيهما بالاستقلال والاختيار يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ فضلا وإحسانا وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ عدلا وانتقاما وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المتصف بكمال اللطف والمرحمة غَفُوراً لمن تاب وآمن وعمل عملا صالحا رَحِيماً يقبل توبة التائبين ويعفو عن زلاتهم. ثم لما سمع المخلفون من الاعراب يوم الحديبية ان الله قد وعد للمؤمنين فتح خيبر وخص لهم الغنائم قصدوا الخروج نحوها طامعين من الغنائم لذلك اخبر الله سبحانه حبيبه ﷺ بقصدهم هذا فقال سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ المذكورون وقت إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ التي قد وعدت لكم خاصة لِتَأْخُذُوها وتسهموا منها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ بغزوتكم هذه وننصركم مع انهم لا يقصدون الرفاقة والوفاق في نفوسهم ونياتهم بل ما يُرِيدُونَ ويقصدون بقولهم هذا الا أَنْ يُبَدِّلُوا ويغيروا كَلامَ اللَّهِ الدال على تخصيص غنائم خيبر لمن حضر الحديبية بدل غنائم مكة قُلْ لهم يا أكمل الرسل على وجه التأكيد في النفي لَنْ تَتَّبِعُونا ابدا كَذلِكُمْ اى مثل ما سمعتم من النفي المؤكد قالَ اللَّهُ المطلع على ما في نفوسهم من النفاق والشقاق المستمر المؤكد مِنْ قَبْلُ اى قبل تهيئكم ايها المؤمنون للخروج الى الخيبر فَسَيَقُولُونَ بعد ما سمعوا النفي على وجه التأكيد في نفوسهم حسب ما في قلوبهم من الزيغ والضلال ما أمركم الله هذا بَلْ تَحْسُدُونَنا عن أخذ الغنيمة يعنى ما حملهم على هذا النفي المؤكد المؤبد الا الحسد والشح بَلْ هم قوم جاهلون قد كانُوا لا يَفْقَهُونَ ولا يفهمون مراد الله العليم الحكيم عن منعهم هذا إِلَّا قَلِيلًا منهم وهم المصدقون بالله ورسوله في سرائرهم ونجواهم قُلْ يا أكمل الرسل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ بعد ما ايسوا من الخروج الى خيبر سَتُدْعَوْنَ عن قريب إِلى غزوة قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ وشوكة عظيمة تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ اى مآل أمرهم اما القتل واما الإسلام لا غير إذ قد رفعت الهدنة والمصالحة بيننا فصار الأمر هكذا فَإِنْ تُطِيعُوا حينئذ ولا تتخلفوا كما تخلفتم يوم الحديبية يُؤْتِكُمُ اللَّهُ المطلع بنياتكم أَجْراً حَسَناً في الدنيا والآخرة وَإِنْ تَتَوَلَّوْا وتنصرفوا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يوم الحديبية يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً لتضاعف جرمكم وشدة شقاقكم ونفاقكم. ثم أخذ سبحانه في تعداد ما يرخص لهم التخلف والقعود على سبيل الاضطرار فقال لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ اى ليس لهؤلاء المذكورين وزر ومؤاخذة ان تخلفوا عن القتال وأمثال هذه الاعذار انما تقبل ان كانوا من اهل الإطاعة والايمان وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ على وجه الإخلاص والوفاق بلا بطانة ونفاق يُدْخِلْهُ سبحانه بمقتضى فضله وسعة رحمته وجوده جَنَّاتٍ متنزهات الكشوف والشهود تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ المملوة من المعارف والحقائق المتجددة بتجددات

стр. 914

التجليات الإلهية المنتشئة من النفسات الرحمانية وَمَنْ يَتَوَلَّ اى يعرض وينصرف عن مقتضى العدالة الإلهية بمتابعة الآراء الفاسدة والأهواء الباطلة يُعَذِّبْهُ بمقتضى قهره عَذاباً أَلِيماً في نيران الإمكان واودية الخذلان لا عذاب أشد ايلاما منه. ثم قال سبحانه على سبيل التحريض والترغيب للمؤمنين مقسما والله لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ المخلصين في الإطاعة والانقياد وقت إِذْ يُبايِعُونَكَ يا أكمل الرسل تَحْتَ الشَّجَرَةِ يوم الحديبية بيعة الرضوان والشجرة هي السمرة او السدرة فَعَلِمَ سبحانه بعلمه الحضوري ما فِي قُلُوبِهِمْ من الرغبة والإخلاص فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ اى الطمأنينة والوقار عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ بعد ما ايسوا عن فتح مكة ورجعوا من حديبية فَتْحاً قَرِيباً هو فتح خيبر بعيد رجوعهم منها وَرزق لهم خاصة مَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها من خيبر بدل غنائم مكة وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المراقب لأحوال عباده عَزِيزاً غالبا مقتدرا على عموم مقدوراته حَكِيماً مراعيا مقتضى الحكمة في جميع تدبيراته الجارية بين عباده ومن مقتضيات الحكمة البالغة الإلهية انه وَعَدَكُمُ اللَّهُ ايها المؤمنون المخلصون في اطاعة الله وتصديق رسوله مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها من أيدي الكفرة الى قيام الساعة إذ يظهر دينكم على الأديان كلها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ اى غنائم خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ اى اهل خيبر وأوليائهم وقد كفى كذلك سبحانه وكف مؤنة عموم من قصد السوء على أموالكم وذراريكم وَانما فعل بكم سبحانه ذلك لِتَكُونَ هذه الكفة والغنيمة آيَةً علامة وامارة لِلْمُؤْمِنِينَ الذين يلونكم ويقتفون اثركم دالة على ان المؤمن المخلص في جوار الله وفي كنف حفظه وحضانته وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً هو الثقة بالله وبكرامته ونصره لأوليائه وَكذا قد عجل لكم عناية من الله إياكم مغانم أُخْرى مع انكم لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها لشوكة الأعداء وغلبتهم وكثرة عددهم وعددهم بل قد فررتم أنتم منهم مرارا وانهزمتم عنهم تكرارا قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وأباحها عليكم بالنصر والغلبة عليهم مع انكم خائفون وجلون منهم وهي غنائم هوازن وفارس وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة علمه وارادته قَدِيراً لا يعجز عنه ولا يفتردونه إذ القدرة من أمهات الأوصاف الذاتية الإلهية التي لا تفتر ولا تضعف بحال وَمن كمال قدرته سبحانه ونصره لأوليائه انه لَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقابلوا اليوم معكم للقتال مع انكم قد فررتم منهم وجبنتم عنهم مرارا فيما مضى لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ عنكم البتة بنصر الله إياكم ثُمَّ بعد ما ولوا عنكم لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يتولى أمورهم وَلا نَصِيراً ينصرهم وينقذهم من أيديكم ولا تستبعد يا أكمل الرسل من قدرة الله أمثال هذا لكونها سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ اى مضت واستمرت مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ أنت ابدا لِسُنَّةِ اللَّهِ التي قد جرت منه سبحانه بمقتضى حكمته تَبْدِيلًا ولا لحكمه الصادر منه سبحانه بالإرادة والاختيار تغييرا وتحويلا وَكيف يبدل سنة الله ويغير حكمه وحكمته مع انه هُوَ القادر القاهر المقتدر الَّذِي كَفَّ ومنع أَيْدِيَهُمْ اى أيدي كفار مكة خذلهم الله عَنْكُمْ حين استيلائهم عليكم وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ حين غلبتم عليهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ وأظهركم عَلَيْهِمْ وذلك ان عكرمة بن ابى جهل خرج مع خمسمائة الى الحديبية فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد على جند فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ العليم الحكيم بِما تَعْمَلُونَ من خير وشر بَصِيراً

стр. 915

خبيرا لا يعزب عنه شيء مما جرى عليكم يجازيكم على مقتضى بصارته وخبرته وكيف لا يجازى الكفرة سبحانه بأسوء الجزاء إذ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله ظلما وعدوانا وَلم يقتصروا على الكفر فقط بل صَدُّوكُمْ اى حصروكم وصرفوكم عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عام الحديبية وَالحال انه أنتم قد اهديتم الْهَدْيَ اى الذبائح والقرابين التي قد سقتم نحو البيت وصار مَعْكُوفاً محبوسا قريبا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ اى مذبحه الذي قد عينه الله لذبح الضحايا ألا وهو المنى وَبالجملة لَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ بينهم وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ في خلالهم لم يكف سبحانه أيديكم عنهم بل نصركم عليهم واستأصلتموهم بالمرة لكن لما كان بينهم من المؤمنين والمؤمنات لذلك كف سبحانه أيديكم عنهم كراهة انكم لَمْ تَعْلَمُوهُمْ اى المؤمنين المخلوطين بهم ولم تميزوهم من الكفار أَنْ تَطَؤُهُمْ وتدوسوهم فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ اى من أجل المؤمنين المخلوطين بالكافرين ومن جهتهم مَعَرَّةٌ اى مضرة ومكروه من لزوم دية او كفارة او اثم عظيم عند الله وتعيير شديد من المسلمين وغير ذلك من المنكرات مع انه انما صدر منكم الوطاءة والدوس يومئذ لو صدر بِغَيْرِ عِلْمٍ وبلا خبرة وانما كف أيديكم عنهم حين أظفركم عليهم لِيُدْخِلَ اللَّهُ المطلع بما في استعدادات عباده من الايمان والكفر فِي رَحْمَتِهِ التي هي التوحيد والإسلام مَنْ يَشاءُ منهم حتى لَوْ تَزَيَّلُوا اى تفرقوا وتميزوا اى المؤمنون من الكافرين يومئذ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً في غاية الإيلام من السبي والجلاء وانواع المصيبة والبلاء اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ الانفة والغيرة لا على وجه الحق بل حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وذلك انه ﷺ لما نزل الحديبية فهم بقتال اهل مكة بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ليرجع ﷺ من عامه هذا وتخلى له مكة من العام القابل ثلاثة ايام فقال ﷺ لعلى اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه رسول الله ﷺ اهل مكة فقالوا ما نعرف هذا اكتب باسمك اللهم هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وقال ﷺ اكتب ما يريدون فكتب فهم المؤمنون ان يبطشوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ووقاره عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذ هم أحقاء بالطمأنينة والوقار وكظم الغيظ وتوطين النفس عند المكاره وَبالجملة قد أَلْزَمَهُمْ سبحانه كَلِمَةَ التَّقْوى واختار لهم صون النفس عن التهور والغلظة وَكانُوا أَحَقَّ بِها من غيرهم وَأَهْلَها اى كانوا أهلا لحفظها ورعايتها وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المراقب لعموم أحوالهم بِكُلِّ شَيْءٍ يليق بهم وينبغي لهم عَلِيماً يوفقهم عليه ويسهل عليهم الاتصاف به. ثم لما رأى ﷺ في منامه انه وأصحابه دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا فقص ﷺ الرؤيا على أصحابه فرحوا وظنوا ان ذلك في عامهم هذا فلما تأخر بالصلح والمعاهدة قال بعضهم والله ما حلقنا وما قصرنا وما رأينا البيت فنزلت لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا اى قد جعل سبحانه حبيبه ﷺ صادقا فيما رأى ملتبسا بِالْحَقِّ والله ايها المؤمنون لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ من العدو إذ ما أريناه ﷺ عموم ما أريناه الا بالحق مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ على الوجه المتعارف وَمُقَصِّرِينَ كما هو عادة الحجاج يحلق بعضهم ويقصر بعضهم وبالجملة لا تَخافُونَ بعد ذلك إذ الله معكم فَعَلِمَ منكم سبحانه ما لَمْ تَعْلَمُوا أنتم من انفسكم ولا تستعجلوا الفتح إذ هو مرهون بوقته فَجَعَلَ
следующие страницы →