← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ذَنْبِكَ الذي قد عرض عليك ولحق بك حسب بشريتك وإمكانك قبل انكشافك بسرائر الوحدة الذاتية كما ينبغي وعلى وجهها وَكذا ما تَأَخَّرَ بعده من تلويناتك في بعض الأحوال السارة والمؤلمة بحسب النشأة البشرية وَبالجملة يُتِمَّ نِعْمَتَهُ الموعودة لك حسب استعدادك ويوفرها عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً موصلا الى مقصد التوحيد الذاتي وَبالجملة يَنْصُرَكَ اللَّهُ الوكيل الكفيل عليك في عروجك وترقيك عن بقعة الإمكان نَصْراً عَزِيزاً غالبا منيعا بحيث لم يغلب عليك بعد انكشافك بسرائر التوحيد جنود امارتك وعونة بشريتك مطلقا وكيف لا ينصر ربك يا أكمل الرسل مع انه هُوَ القادر المقتدر الراقب المحافظ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ اى الطمأنينة والوقار فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بك المقتبسين من مشكاة نبوتك نور الولاية اللامعة المتشعشعة من شمس الوحدة الذاتية لِيَزْدادُوا بهدايتك وارشادك إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ بانك على الحق المبين وَكيف لا يزدادون ايمانا بك يا أكمل الرسل مع انك قد فزت بالفوز العظيم من الوحدة الذاتية وصرت مصونا محفوظا في كنف الحق وجواره منصورا على عموم أعدائك إذ لِلَّهِ وفي حيطة قدرته الغالبة جُنُودُ السَّماواتِ اى مؤثرات الأسماء والصفات وَكذا جنود الْأَرْضِ اى قوابل الأركان والطبائع التي هي حوامل آثار العلويات والمتأثرات منها وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المطلع لعموم ما في استعدادات عباده وقابلياتهم عَلِيماً بحوائجهم لدى الحاجة حَكِيماً في تدبيرات أمورهم على وفق الحكمة المتقنة والمصلحة المستحكمة كل ذلك لِيُدْخِلَ سبحانه حسب سعة رحمته وجوده الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ من امة حبيبه وصفيه المستخلف منه سبحانه في بريته وعموم خليقته جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى جداول المعارف والحقائق المترشحة من بحر الذات خالِدِينَ فِيها بلا تلوين وتحويل وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ اى يمحو عن عيون بصائرهم أشباح انانياتهم وامواج هوياتهم المستحدثة على بحر الوجود من نكبات التعينات وصرصر الإضافات وَكانَ ذلِكَ الإدخال والإيصال والمحو والتكفير عِنْدَ اللَّهِ المتعزز برداء العظمة والكبرياء فَوْزاً عَظِيماً واجرا جميلا لا فوز أعظم منه وأعلى وَكما يدخل سبحانه المؤمنين والمؤمنات في روضات الجنات تفضلا وإحسانا يُعَذِّبَ ايضا الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وهم الذين قد اخرجوا أعناقهم عن عروة العبودية الإلهية بمتابعة الاهوية الفاسدة والآراء الباطلة وأظهروا الايمان على طرف اللسان بلا مقارنة اخلاص وإذعان وَايضا الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وهم الذين جحدوا في الله الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الشركة مطلقا واثبتوا له سبحانه شركاء ظلما وزورا الظَّانِّينَ بِاللَّهِ المستقل بالربوبية والألوهية ظَنَّ السَّوْءِ وهو انه سبحانه لا ينصر أولياءه الباذلين مهجهم في طريق توحيده بحيث ينتظرون لمقتهم وهلاكهم بلا نصر من الله إياهم بل تدور عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ويحيط بهم وبال ما يظنونه على اولياء الله كيف وَقد غَضِبَ اللَّهُ المطلع على ما في ضمائرهم عَلَيْهِمْ بل وَلَعَنَهُمْ اى طردهم عن ساحة عز قبوله وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ الطرد والحرمان وَساءَتْ مَصِيراً منزلا ومقيلا عليهم مع انهم يظنون بالله ظن السوء ويعتقدونه عاجزا عن نصر أوليائه وَمع انه لِلَّهِ وفي حيطة قدرته وتحت تصرفه جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وله ان يأمرهم ما يشاء نصرا لمن يشاء ويغلبهم على من يريد ارادة واختيارا وَالحال انه قد كانَ اللَّهُ المتوحد

стр. 912

بالعظمة والكبرياء عَزِيزاً غالبا على عموم مراداته ومقدوراته بلا معاونة احد ومظاهرته حَكِيماً في أفعاله المتقنة يدبرها بالاستقلال وفق حكمته البالغة كيف يشاء. ثم قال سبحانه في مقام الامتنان لحبيبه ﷺ إظهارا لكمال قدرته الشاملة وحكمته الكاملة إِنَّا من مقام عظيم جودنا قد أَرْسَلْناكَ يا أكمل الرسل شاهِداً على عموم عبادنا تشهد لهم عند عموم ما صدر عنهم من الصالحات الجالبة لانواع المثوبات والكرامات وَمُبَشِّراً تبشرهم برفع الدرجات والفوز بالسعادات وَنَذِيراً تنذرهم عن الدركات العائقة عن الوصول الى جنة الذات التي دونها تجرى بحر الحياة كل ذلك لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وتذعنوا بتوحيده وَرَسُولِهِ اى تصدقوا برسوله الذي قد أرسل إليكم من عنده سبحانه وَبعد اتصافكم بكمال الايمان والإذعان تُعَزِّرُوهُ وتعظموه سبحانه اى تعتقدوا ان الحول والقوة لله جميعا بحيث لا حول ولا قوة لسواه مطلقا وَبعد ما اعتقدتموه كذلك تُوَقِّرُوهُ وتعظموه حق تعظيمه وتكريمه وَبعد ما وقرتموه وعظمتموه كما ينبغي ويليق بشأنه تُسَبِّحُوهُ وتنزهوه عما لا يليق بجنابه بُكْرَةً وَأَصِيلًا اى في عموم أوقاتكم واصيلاتكم إذ لا يتأتى منكم بالنسبة الى جنابه سبحانه الا التفويض والتعظيم والتنزيه والتقديس والا فما للتراب ورب الأرباب ان يتكلموا عن ذاته وصفاته سوى ان يخوضوا في لجة بحر توحيده ويبهتوا في ببداء ألوهيته حتى يفنوا في فضاء صمديته إذ لا اله الا هو ولا شيء سواه وكل شيء هالك الا وجهه. ثم قال سبحانه بلسان الجمع على سبيل الإرشاد والتكميل إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يا أكمل الرسل ويختارون متابعتك ويستهدون من هدايتك وارشادك إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ الذي استخلفك عليهم وجعلك نائبا عن ذاته فيما بينهم فعليهم ان لا ينقضوا العهد والبيعة التي عهدوا معك ابدا وكيف يسع لهم المنقض مع ان يدك يَدُ اللَّهِ وقبضتك قبضة قدرته الغالبة ولا شك انها فَوْقَ أَيْدِيهِمْ مستعلية عليهم فَمَنْ نَكَثَ ونقض البيعة والعهد مع رسوله فَإِنَّما يَنْكُثُ وينقض عَلى نَفْسِهِ اى ما يعود وبال نقضه الا عليه وَمَنْ أَوْفى وحفظ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ ألا وهو معاهدتهم مع رسول الله ﷺ بخلافته ﷺ عنه سبحانه فَسَيُؤْتِيهِ جزاء للوفاء أَجْراً عَظِيماً هو الفوز بشرف اللقاء والتحقق لدى المولى سَيَقُولُ لَكَ يا أكمل الرسل على سبيل الاعتذار الْمُخَلَّفُونَ اى المنافقون الناقضون للعهود المتخلفون عن الجهاد مِنَ الْأَعْرابِ المجبولين على الكفر والنفاق قد شَغَلَتْنا عن متابعتك ومشايعتك أَمْوالُنا وَأَهْلُونا إذ ليس لهم متعهد سوانا لذلك قد حرمنا عن صحبتك وعن اجر الجهاد فَاسْتَغْفِرْ لَنا يا رسول الله عند الله حتى يغفر لنا ما صدر عنا من التخلف لا تبال يا أكمل الرسل بهم وباعتذارهم هذا واستغفارهم فإنهم من شدة شكيمتهم وغيظهم وضعف عقيدتهم يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ تغريرا وتلبيسا قُلْ لهم على سبيل التفضيح والتبكيت فَمَنْ يَمْلِكُ اى يدفع ويمنع لَكُمْ مِنَ اللَّهِ القادر المقتدر شَيْئاً من مقتضى غضبه سبحانه إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ شيأ من مقتضيات لطفه ورحمته ان أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً وبالجملة لا راد لفضله ولا معقب لحكمه بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً يجازيكم على مقتضى خبرته بَلْ ظَنَنْتُمْ ايها المتخلفون المثقلون أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ ولن يرجع الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً بل يستأصلهم العدو بالمرة فلن يرجع منهم احد من سفرهم هذا بل وَزُيِّنَ اى حبب وحسن ذلِكَ الاستئصال وعدم الرجوع وتمكن فِي قُلُوبِكُمْ من

стр. 913

كثرة تطيركم وتشأمكم وَقد ظَنَنْتُمْ بزعمكم هذا ظَنَّ السَّوْءِ بالله ورسوله والمؤمنين وَبالجملة قد كُنْتُمْ ازلا وابدا قَوْماً بُوراً هالكين في تيه الجهل والعناد مصرين على انواع الجهل والجور والفساد وَبالجملة مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ اى لم يجمع بين الايمان بالله وتصديق الرسول المستخلف منه سبحانه فَإِنَّا بمقتضى قهرنا وجلالنا قد أَعْتَدْنا وهيأنا لِلْكافِرِينَ المصرين على الكفر والتكذيب سَعِيراً نارا مسعرة ملتهبة تحيط بهم جزاء ما قد اوقدوا في نفوسهم نيران الفتن والطغيان لأولياء الله وَكيف لا ينتقم سبحانه مع انه لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وله التصرف فيهما بالاستقلال والاختيار يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ فضلا وإحسانا وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ عدلا وانتقاما وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المتصف بكمال اللطف والمرحمة غَفُوراً لمن تاب وآمن وعمل عملا صالحا رَحِيماً يقبل توبة التائبين ويعفو عن زلاتهم. ثم لما سمع المخلفون من الاعراب يوم الحديبية ان الله قد وعد للمؤمنين فتح خيبر وخص لهم الغنائم قصدوا الخروج نحوها طامعين من الغنائم لذلك اخبر الله سبحانه حبيبه ﷺ بقصدهم هذا فقال سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ المذكورون وقت إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ التي قد وعدت لكم خاصة لِتَأْخُذُوها وتسهموا منها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ بغزوتكم هذه وننصركم مع انهم لا يقصدون الرفاقة والوفاق في نفوسهم ونياتهم بل ما يُرِيدُونَ ويقصدون بقولهم هذا الا أَنْ يُبَدِّلُوا ويغيروا كَلامَ اللَّهِ الدال على تخصيص غنائم خيبر لمن حضر الحديبية بدل غنائم مكة قُلْ لهم يا أكمل الرسل على وجه التأكيد في النفي لَنْ تَتَّبِعُونا ابدا كَذلِكُمْ اى مثل ما سمعتم من النفي المؤكد قالَ اللَّهُ المطلع على ما في نفوسهم من النفاق والشقاق المستمر المؤكد مِنْ قَبْلُ اى قبل تهيئكم ايها المؤمنون للخروج الى الخيبر فَسَيَقُولُونَ بعد ما سمعوا النفي على وجه التأكيد في نفوسهم حسب ما في قلوبهم من الزيغ والضلال ما أمركم الله هذا بَلْ تَحْسُدُونَنا عن أخذ الغنيمة يعنى ما حملهم على هذا النفي المؤكد المؤبد الا الحسد والشح بَلْ هم قوم جاهلون قد كانُوا لا يَفْقَهُونَ ولا يفهمون مراد الله العليم الحكيم عن منعهم هذا إِلَّا قَلِيلًا منهم وهم المصدقون بالله ورسوله في سرائرهم ونجواهم قُلْ يا أكمل الرسل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ بعد ما ايسوا من الخروج الى خيبر سَتُدْعَوْنَ عن قريب إِلى غزوة قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ وشوكة عظيمة تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ اى مآل أمرهم اما القتل واما الإسلام لا غير إذ قد رفعت الهدنة والمصالحة بيننا فصار الأمر هكذا فَإِنْ تُطِيعُوا حينئذ ولا تتخلفوا كما تخلفتم يوم الحديبية يُؤْتِكُمُ اللَّهُ المطلع بنياتكم أَجْراً حَسَناً في الدنيا والآخرة وَإِنْ تَتَوَلَّوْا وتنصرفوا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يوم الحديبية يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً لتضاعف جرمكم وشدة شقاقكم ونفاقكم. ثم أخذ سبحانه في تعداد ما يرخص لهم التخلف والقعود على سبيل الاضطرار فقال لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ اى ليس لهؤلاء المذكورين وزر ومؤاخذة ان تخلفوا عن القتال وأمثال هذه الاعذار انما تقبل ان كانوا من اهل الإطاعة والايمان وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ على وجه الإخلاص والوفاق بلا بطانة ونفاق يُدْخِلْهُ سبحانه بمقتضى فضله وسعة رحمته وجوده جَنَّاتٍ متنزهات الكشوف والشهود تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ المملوة من المعارف والحقائق المتجددة بتجددات

стр. 914

التجليات الإلهية المنتشئة من النفسات الرحمانية وَمَنْ يَتَوَلَّ اى يعرض وينصرف عن مقتضى العدالة الإلهية بمتابعة الآراء الفاسدة والأهواء الباطلة يُعَذِّبْهُ بمقتضى قهره عَذاباً أَلِيماً في نيران الإمكان واودية الخذلان لا عذاب أشد ايلاما منه. ثم قال سبحانه على سبيل التحريض والترغيب للمؤمنين مقسما والله لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ المخلصين في الإطاعة والانقياد وقت إِذْ يُبايِعُونَكَ يا أكمل الرسل تَحْتَ الشَّجَرَةِ يوم الحديبية بيعة الرضوان والشجرة هي السمرة او السدرة فَعَلِمَ سبحانه بعلمه الحضوري ما فِي قُلُوبِهِمْ من الرغبة والإخلاص فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ اى الطمأنينة والوقار عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ بعد ما ايسوا عن فتح مكة ورجعوا من حديبية فَتْحاً قَرِيباً هو فتح خيبر بعيد رجوعهم منها وَرزق لهم خاصة مَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها من خيبر بدل غنائم مكة وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المراقب لأحوال عباده عَزِيزاً غالبا مقتدرا على عموم مقدوراته حَكِيماً مراعيا مقتضى الحكمة في جميع تدبيراته الجارية بين عباده ومن مقتضيات الحكمة البالغة الإلهية انه وَعَدَكُمُ اللَّهُ ايها المؤمنون المخلصون في اطاعة الله وتصديق رسوله مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها من أيدي الكفرة الى قيام الساعة إذ يظهر دينكم على الأديان كلها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ اى غنائم خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ اى اهل خيبر وأوليائهم وقد كفى كذلك سبحانه وكف مؤنة عموم من قصد السوء على أموالكم وذراريكم وَانما فعل بكم سبحانه ذلك لِتَكُونَ هذه الكفة والغنيمة آيَةً علامة وامارة لِلْمُؤْمِنِينَ الذين يلونكم ويقتفون اثركم دالة على ان المؤمن المخلص في جوار الله وفي كنف حفظه وحضانته وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً هو الثقة بالله وبكرامته ونصره لأوليائه وَكذا قد عجل لكم عناية من الله إياكم مغانم أُخْرى مع انكم لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها لشوكة الأعداء وغلبتهم وكثرة عددهم وعددهم بل قد فررتم أنتم منهم مرارا وانهزمتم عنهم تكرارا قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وأباحها عليكم بالنصر والغلبة عليهم مع انكم خائفون وجلون منهم وهي غنائم هوازن وفارس وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة علمه وارادته قَدِيراً لا يعجز عنه ولا يفتردونه إذ القدرة من أمهات الأوصاف الذاتية الإلهية التي لا تفتر ولا تضعف بحال وَمن كمال قدرته سبحانه ونصره لأوليائه انه لَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقابلوا اليوم معكم للقتال مع انكم قد فررتم منهم وجبنتم عنهم مرارا فيما مضى لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ عنكم البتة بنصر الله إياكم ثُمَّ بعد ما ولوا عنكم لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يتولى أمورهم وَلا نَصِيراً ينصرهم وينقذهم من أيديكم ولا تستبعد يا أكمل الرسل من قدرة الله أمثال هذا لكونها سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ اى مضت واستمرت مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ أنت ابدا لِسُنَّةِ اللَّهِ التي قد جرت منه سبحانه بمقتضى حكمته تَبْدِيلًا ولا لحكمه الصادر منه سبحانه بالإرادة والاختيار تغييرا وتحويلا وَكيف يبدل سنة الله ويغير حكمه وحكمته مع انه هُوَ القادر القاهر المقتدر الَّذِي كَفَّ ومنع أَيْدِيَهُمْ اى أيدي كفار مكة خذلهم الله عَنْكُمْ حين استيلائهم عليكم وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ حين غلبتم عليهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ وأظهركم عَلَيْهِمْ وذلك ان عكرمة بن ابى جهل خرج مع خمسمائة الى الحديبية فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد على جند فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ العليم الحكيم بِما تَعْمَلُونَ من خير وشر بَصِيراً

стр. 915

خبيرا لا يعزب عنه شيء مما جرى عليكم يجازيكم على مقتضى بصارته وخبرته وكيف لا يجازى الكفرة سبحانه بأسوء الجزاء إذ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله ظلما وعدوانا وَلم يقتصروا على الكفر فقط بل صَدُّوكُمْ اى حصروكم وصرفوكم عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عام الحديبية وَالحال انه أنتم قد اهديتم الْهَدْيَ اى الذبائح والقرابين التي قد سقتم نحو البيت وصار مَعْكُوفاً محبوسا قريبا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ اى مذبحه الذي قد عينه الله لذبح الضحايا ألا وهو المنى وَبالجملة لَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ بينهم وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ في خلالهم لم يكف سبحانه أيديكم عنهم بل نصركم عليهم واستأصلتموهم بالمرة لكن لما كان بينهم من المؤمنين والمؤمنات لذلك كف سبحانه أيديكم عنهم كراهة انكم لَمْ تَعْلَمُوهُمْ اى المؤمنين المخلوطين بهم ولم تميزوهم من الكفار أَنْ تَطَؤُهُمْ وتدوسوهم فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ اى من أجل المؤمنين المخلوطين بالكافرين ومن جهتهم مَعَرَّةٌ اى مضرة ومكروه من لزوم دية او كفارة او اثم عظيم عند الله وتعيير شديد من المسلمين وغير ذلك من المنكرات مع انه انما صدر منكم الوطاءة والدوس يومئذ لو صدر بِغَيْرِ عِلْمٍ وبلا خبرة وانما كف أيديكم عنهم حين أظفركم عليهم لِيُدْخِلَ اللَّهُ المطلع بما في استعدادات عباده من الايمان والكفر فِي رَحْمَتِهِ التي هي التوحيد والإسلام مَنْ يَشاءُ منهم حتى لَوْ تَزَيَّلُوا اى تفرقوا وتميزوا اى المؤمنون من الكافرين يومئذ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً في غاية الإيلام من السبي والجلاء وانواع المصيبة والبلاء اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ الانفة والغيرة لا على وجه الحق بل حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وذلك انه ﷺ لما نزل الحديبية فهم بقتال اهل مكة بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ليرجع ﷺ من عامه هذا وتخلى له مكة من العام القابل ثلاثة ايام فقال ﷺ لعلى اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه رسول الله ﷺ اهل مكة فقالوا ما نعرف هذا اكتب باسمك اللهم هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وقال ﷺ اكتب ما يريدون فكتب فهم المؤمنون ان يبطشوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ووقاره عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذ هم أحقاء بالطمأنينة والوقار وكظم الغيظ وتوطين النفس عند المكاره وَبالجملة قد أَلْزَمَهُمْ سبحانه كَلِمَةَ التَّقْوى واختار لهم صون النفس عن التهور والغلظة وَكانُوا أَحَقَّ بِها من غيرهم وَأَهْلَها اى كانوا أهلا لحفظها ورعايتها وَبالجملة قد كانَ اللَّهُ المراقب لعموم أحوالهم بِكُلِّ شَيْءٍ يليق بهم وينبغي لهم عَلِيماً يوفقهم عليه ويسهل عليهم الاتصاف به. ثم لما رأى ﷺ في منامه انه وأصحابه دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا فقص ﷺ الرؤيا على أصحابه فرحوا وظنوا ان ذلك في عامهم هذا فلما تأخر بالصلح والمعاهدة قال بعضهم والله ما حلقنا وما قصرنا وما رأينا البيت فنزلت لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا اى قد جعل سبحانه حبيبه ﷺ صادقا فيما رأى ملتبسا بِالْحَقِّ والله ايها المؤمنون لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ من العدو إذ ما أريناه ﷺ عموم ما أريناه الا بالحق مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ على الوجه المتعارف وَمُقَصِّرِينَ كما هو عادة الحجاج يحلق بعضهم ويقصر بعضهم وبالجملة لا تَخافُونَ بعد ذلك إذ الله معكم فَعَلِمَ منكم سبحانه ما لَمْ تَعْلَمُوا أنتم من انفسكم ولا تستعجلوا الفتح إذ هو مرهون بوقته فَجَعَلَ

стр. 916

مِنْ دُونِ ذلِكَ اى فتح مكة فَتْحاً قَرِيباً هو فتح خيبر ليطمئن به قلوبكم الى ان يتيسر لكم الفتح الموعود الذي اخبر به نبيكم الصادق الصدوق وكيف لا يصدقه سبحانه مع انه هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ ملتبسا بِالْهُدى والإرشاد الى سبيل توحيده وَدِينِ الْحَقِّ الفارق بين الباطل والضلال ووعد له لِيُظْهِرَهُ اى دينه عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ اى جنس الأديان النازلة من عنده بان نسخ الجميع وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً اى كفى الله شهيدا على صدقه ﷺ في رؤياه وكذا في دعوته ونبوته وفي ظهور انواع المعجزة بيده حيث قال سبحانه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ حقا مرسل من عندنا صدقا مبعوث الى كافة البرايا من عبادنا ليهديهم الى توحيدنا الذاتي وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين له المصدقين لدعوته المتعطشين بزلال مشربه أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ الساترين بغيوم هوياتهم الباطلة هوية الحق الظاهر في الآفاق والأنفس يدفعون مؤنة كثراتهم الوهمية بترويج الحق على الباطل وإعلاء كلمة التوحيد وتقديم الدين القويم وإظهاره على سائر الأديان رُحَماءُ فيما بَيْنَهُمْ متواضعون مع اهل الحق وارباب التوحيد لذلك تَراهُمْ في عموم أوقاتهم رُكَّعاً وسُجَّداً راكعين ساجدين متذللين خاضعين خاشعين بلا رعونة ولا رياء ولا سمعة ولا هواء بل ما يَبْتَغُونَ وما يطلبون بتذللهم هذا الا فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً من لدنه سبحانه وبالجملة سِيماهُمْ سمتهم وعلاماتهم الدالة على نجابة طينتهم وكرامة فطرتهم وذكاء فطنتهم لائحة ظاهرة فِي وُجُوهِهِمْ وجباههم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ وكثرة التذلل والخشوع نحو الحق ذلِكَ المذكور في اوصافهم مَثَلُهُمْ وصفتهم العجيبة المذكورة فِي التَّوْراةِ وَكذا مَثَلُهُمْ هكذا فِي الْإِنْجِيلِ وبالجملة مثل اصحاب الرسول ﷺ في نشوهم ونماهم في بدء ظهورهم وخروجهم أولا في غاية الضعف والنحافة واشتدادهم وغلظهم على الأعداء ووفور رأفتهم ورحمتهم على الأولياء ثانيا كَزَرْعٍ كمثل زرع وحبة مزروعة مبذورة وقع على الأرض ضعيفا وبرز منها نحيفا. ثم ظهر عليها ونبت قويا يوما فيوما الى حيث أَخْرَجَ شَطْأَهُ اى أفراخه وأغصانه دقيقا دقيقا فَآزَرَهُ قومه وقواه آنا فآنا بالمعاونة فَاسْتَغْلَظَ وعاد غليظا بعد ما رباه واحسن تربيته فَاسْتَوى واستقام بعد ذلك عَلى سُوقِهِ اى قصبه وساقه على وجه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ عند رؤيتهم بكمال كثافته وغلظته ونضارته ولطافته وانما رباهم سبحانه وقواهم وأظهرهم على عموم من عاداهم على ابلغ وجه وأحسنه لِيَغِيظَ وليتحسر ويتحسد بِهِمُ الْكُفَّارَ المخالفون المخاصمون لهم من كمال تشددهم وترقيهم وبالجملة قد وَعَدَ اللَّهُ المطلع على ما في استعدادات عباده من الإخلاص والتفويض الَّذِينَ آمَنُوا بالله بكمال المحبة والتسليم وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة لهم الى الله مِنْهُمْ اى من جنسهم مَغْفِرَةً سترا ومحوا لأنانياتهم الباطلة وهوياتهم العاطلة في هوية الحق وَأَجْراً عَظِيماً هو الفوز بشرف اللقاء والوصول الى سدرة المنتهى وليس وراء الله مرمى رزقنا الله الوصول اليه والوقوف بين يديه خاتمة سورة الفتح عليك ايها المحمدي المتوجه نحو توحيد الذات مكنك الله في مقعد الصدق ووطنك في مقر التوحيد ان تعتدل أنت في عموم اوصافك واخلاقك وأعمالك مجتنبا عن كلا طرفي الإفراد والتفريط معرضا

стр. 917

عن قشور مطلق التخمين والتقليد مقتصدا في جميع اطوارك وشئونك مقتفيا في جميع اخلاقك اثر نبيك الهادي الى سواء السبيل حتى ينفتح لك أبواب عموم الكرامات والسعادات ويغلق ذلك مداخل انواع المكروهات والمنكرات وإياك إياك ان تختلط مع اهل الغفلة واصحاب الجهالات المترددين في اودية البغي ومهاوي الضلال ليتيسر لك التحقق الى فضائل الوصال. جعلنا الله من زمرة أوليائه المقتصدين الذين ثبتوا على الصراط المستقيم [سورة الحجرات] فاتحة سورة الحجرات لا يخفى على ارباب المحبة والولاء المتحققين بمقام التأديب والتسليم مع الله في عموم أحوالهم وأفعالهم ان كمال العبودية والإخلاص انما يظهر بحسن الأدب والمحافظة على أداء حقوق الربوبية والوفاء على مقتضيات عهود الألوهية وذلك انما يحصل برعاية حقوق من اختاره الله لرسالته واصطفاه لخلته إذ هو الوسيلة الموصلة لعباد الله الى الله وهو الهادي المرشد لهم في جناب قدرته لذلك اوصى سبحانه خلص عباده بمحافظة الأدب مع الله ورسوله فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ المراقب احوال عباده الرَّحْمنِ عليهم بتعليم الأدب إياهم الرَّحِيمِ لهم بتلقين الرضاء والتسليم [الآيات] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم مراعاة الأدب مع الله ورسوله فعليكم ان لا تُقَدِّمُوا ولا تتقدموا في امر من الأمور وحكم من الاحكام بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لا تبادروا بإمضاء الاحكام ما لم تشاوروا بكتاب الله وسنة رسوله ولم يعرضوها عليهما وَاتَّقُوا اللَّهَ المقتدر الغيور المطلع على ما في ضمائركم ونياتكم واحذروا عن المسابقة والمبادرة في الأقوال والاحكام بمقتضى اهويتكم وآرائكم إِنَّ اللَّهَ المراقب عليكم في عموم أحوالكم سَمِيعٌ بأقوالكم عَلِيمٌ بنياتكم فيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا من خصائص ايمانكم بالله وبرسوله ان لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ وقت التكلم مع النبي ﷺ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ بل لكم ان لا تخلطوا أصواتكم مع صوته ﷺ بل وَعليكم ان لا تَجْهَرُوا لَهُ ﷺ بل في حضوره ومجلسه ﷺ بِالْقَوْلِ مطلقا كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ إذ الجهر بالقول معه مخل بحرمته ﷺ وتعظيمه وانما نهاكم سبحانه عما نهاكم كراهة أَنْ تَحْبَطَ وتضيع أَعْمالُكُمْ اى الصالحات منها وَان أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ حبوطها وضياعها وبالجملة إِنَّ المؤمنين المحسنين الَّذِينَ يَغُضُّونَ ويحفظون أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مراعاة لتعظيمه وحفظا للأدب معه ﷺ أُولئِكَ السعداء المقبولون هم الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ المجرب لإخلاص عباده قُلُوبَهُمْ التي هي اوعية الأيمان والإخلاص ليجعلها مقرا لِلتَّقْوى المثمرة لانواع اللذات الروحانية لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ستر وعفو من مقتضيات بشريتهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ هو تحققهم بمقام الرضاء والتسليم. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة إِنَّ المسرفين المسيئين الَّذِينَ يُنادُونَكَ يا أكمل الرسل مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ حين كنت مستريحا في خلوتك فارغا في همك عن مقتضيات النبوة متوجها الى ربك حسب حصة ولايتك أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ولا يفهمون خلوتك مع ربك ومنزلتك عنده سبحانه ولا يتفطنون باستغراقك بمطالعة وجهه الكريم إذ لو كان لهم عقل يوقظهم عن منام الغفلة لارشدهم البتة الى مراعاة الأدب معك يا أكمل الرسل

стр. 918

وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حين احتياجهم إليك وارادتهم صحبتك حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لهدايتهم وإرشادهم بمقتضى شفقة النبوة لَكانَ خَيْراً لَهُمْ واولى من مبادرتهم الى النداء وَاللَّهُ المطلع بما في ضمائرهم من الإخلاص غَفُورٌ يغفر زلتهم ان وقعت منهم أحيانا رَحِيمٌ يرحمهم ان كانوا من ذوى الإخلاص مع الله ورسوله. ثم نادى سبحانه عموم المؤمنين المخلصين نداء ارشاد وتعليم تهذيبا لأخلاقهم عما لا يليق بشأن المؤمنين الموحدين فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم بالله حسن الظن بإخوانكم المؤمنين فعليكم انكم إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ منحرف عن عدالة الايمان خارج عن مقتضى التوحيد والعرفان بِنَبَإٍ وخبر على وجه الافتراء والمراء فَتَبَيَّنُوا اى عليكم ان تتفحصوا وتستكشفوا عنه ولا تبادروا الى تصديقه كراهة أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً سوأ واذية بمجرد الظن الكاذب مع انكم متصفون بِجَهالَةٍ اى كنتم جاهلين بحالهم فَتُصْبِحُوا وتصيروا بعد ما أصبتم القوم البرآء عَلى ما فَعَلْتُمْ من اذياتهم نادِمِينَ محزونين مغتمين كلما تذكرتم تغممتم وَاعْلَمُوا ايها المؤمنون أَنَّ فِيكُمْ وبين أظهركم رَسُولَ اللَّهِ وسنته السنية الموروثة له من ربه في حياته وبعد مماته فعليكم الإطاعة والمراجعة اليه حين حياته والى سنته وشرعه بعد مماته ﷺ في مطلق الأمور والخطوب والعرض عليه وعليها والمشاورة معه ومعها فعليكم ان لا تكلفوه ﷺ الى قبول ما قد حسنت لكم نفوسكم من الأمور والاحكام والخطوب الواقعة بينكم فانه لَوْ يُطِيعُكُمْ ويقبل منكم قولكم فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ أثمتم أنتم وهلكتم في الإثم البتة واستغرقتم فيه إذ من مقتضى ايمانكم وانقيادكم له ان تفوضوا أموركم كلها اليه وتستصوبوها منه ﷺ فان صوبها فبها والا فلا تكلفوه إذ منصب النبوة ومقتضى الحكمة يأبى عن ذلك وَلكِنَّ اللَّهَ الحكيم العليم قد حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ يعنى لا تعتذروا في رمى البرئ بمجرد القول الباطل والظن الفاسد بمحبة الايمان وكراهة الكفر فانه سبحانه وان حبب إليكم الايمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ المؤدى اليه وَالْعِصْيانَ المستلزم له لكنه لما حبب الايمان حببه على مقتضى الإخلاص والصدق والعدالة وكره الكفر الناشئ عن قصد واختيار لا ان ينسب اى ينسب عن بهتان وزور فانه سبحانه لا يرضى لعباده أمثال ذلك وبالجملة أُولئِكَ المؤمنون المجتنبون عن الزور والتهمة هُمُ الرَّاشِدُونَ المقصورون على الرشد والهداية الى صراط مستقيم هو صراط التوحيد المعتدل بين كلا طرفي الإفراط والتفريط وانما صار رشادهم هذا فَضْلًا ناشئا مِنَ اللَّهِ المطلع بعموم استعدادات عباده وقابلياتهم وَنِعْمَةً موهوبة لهم من عنده وَاللَّهُ المحيط بعموم افعال عباده عَلِيمٌ بحوائجهم المصلحة لهم حَكِيمٌ في افاضتها حسب المصلحة وَمن جملة أخلاقكم ايها المؤمنون المعتدلون في مقتضى الايمان إِنْ كانت طائِفَتانِ كلتاهما مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا وتقاتلوا عن ثوران اللقوة الغضبية وهيجان الحمية الجاهلية من كلا الجانبين بسبب الخصومة المستمرة والعصبية المؤبدة فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما مهما أمكن الصلح على وفق الحكمة والعدالة فَإِنْ بَغَتْ اى غوت وغلبت إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى بحيث ادى بغيها الى الإفراط والظلم الخارج عن مقتضى العدالة الإلهية فَقاتِلُوا أنتم ايها المصلحون بأمر الله مظاهرين على الطائفة المغلوبة مع الطائفة الغالبة والفئة الباغية الَّتِي تَبْغِي وتغوى

стр. 919

حَتَّى تَفِيءَ وترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ العادل الحكيم وترضى بحكمه المترتب على محض القسط والعدالة فَإِنْ فاءَتْ ورجعت عن بغيها وطغيانها فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بعد ما وقع ما وقع بِالْعَدْلِ المنبئ عن الحكمة ورعاية القسط بين الجانبين وَبالجملة أَقْسِطُوا واعدلوا ايها المؤمنون في عموم أحوالكم واحكامكم إِنَّ اللَّهَ المستوي على العدل القويم يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ من عباده وكيف لا تصلحون بينهما ايها المؤمنون المصلحون إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الموقنون بوحدة الحق المصدقون لرسوله المبين لطريق توحيده إِخْوَةٌ في الدين القويم فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ بمقتضى العدل والإنصاف وَاتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور في إصلاحكم هذا عن الميل والانحراف لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لأجل عدالتكم وتقواكم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم ترك المراء والاستهزاء من بنى نوعكم وإخوانكم بحيث لا يَسْخَرْ قَوْمٌ منكم ايها الرجال القوامون المقيمون لحدود الله مِنْ قَوْمٍ أمثالكم في القيام والتقويم اى لا يسخر أقوياؤكم ورساؤكم من أراذلكم وضعفائكم عَسى أَنْ يَكُونُوا اى المسخور بهم المرذولون خَيْراً مِنْهُمْ اى من الرؤساء الساخرين عند الله وَكذا لا يسخر منكم نِساءٌ عاليات متعززات مِنْ نِساءٍ سافلات مستضعفات عَسى أَنْ يَكُنَّ اى المستضعفات خَيْراً مِنْهُنَّ اى من العاليات الساخرات عند الله وكن اقرب الى رحمته منهن وَلا تَلْمِزُوا ايها المؤمنون ولا تعيبوا أَنْفُسَكُمْ اى بعضكم بعضا إذ المؤمنون كنفس واحدة فما لحق لهم وعليهم انما لحق بهم وعليهم جميعا وَعليكم ايضا ان لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ اى لا يدع بعضكم بعضا باللقب السوء الدال على القبح والذم فان النبز انما يستعمل في اللقب السوء وبالجملة انما نهيتم ايها المؤمنون عن عموم ما نهيتم عنه لأنه من جملة الفسوق والعصيان المستلزمين لانواع الخيبة والحرمان المسقطين للمروة والعدالة المترتبة على الحكمة الإلهية وبالجملة بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ المنبئ عن الخروج والانحراف عن صراط الحق سيما بَعْدَ الْإِيمانِ اى بعد الاتصاف بالإيمان المبنى على كمال الاعتدال وَبالجملة مَنْ لَمْ يَتُبْ ولم يرجع الى الله بعد ما صدر عنه أمثال هذه الجرائم المذكورة هفوة فَأُولئِكَ البعداء المصرون على الغواية والطغيان هُمُ الظَّالِمُونَ المقصورون على الخروج عن مقتضى الحدود الإلهية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم بالله متابعة اليقين في عموم الأحوال والمقامات وترك الظنون والجهالات في جميع الحالات الا ظن الخير بالله وبخلص عباده من الأنبياء والأولياء المستبعدين بمراحل عن التهمة والتعزير اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ المورث لكم المجادلة والمراء مع الله ورسوله وعموم المؤمنين وبالجملة إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ ألا وهو الملقى إليكم من قبل الشيطان المزور المغوى إِثْمٌ خروج وفسوق عن مقتضى الحدود الإلهية وَايضا لا تَجَسَّسُوا اى من جملة أخلاقكم المحمودة ترك التجسس والتفحص سيما عن جلائل بنى نوعكم مطلقا فعليكم ان لا تبحثوا عن عورات المؤمنين وغيرهم سيما بما يوجب هتك حرماتهن من المفتريات الباطلة الشنيعة وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً اى من جملة أخلاقكم المحمودة ايها المؤمنون القاصدون لسلوك طريق التوحيد بل من أجلها ترك الغيبة وهي ان يذكر بعضكم بعضا منكم في غيبته بشيء لو كان حاضرا عندكم ليشق عليه ويكرهه البتة وسئل ﵇ عن الغيبة فقال ان تذكر أخاك بما يكرهه فان كان فيه فقد اغتبته وان لم يكن فقد بهتّه وكلاهما خارجان عن اعتدال اهل الأيمان ثم أكد سبحانه هذا النهى على وجه

стр. 920

المبالغة في التوبيخ كأنه استدل عليه وصرح بنهيه وتقبيحه على سبيل المبالغة فقال أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ ويرضى لنفسه أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ سيما حال كونه مَيْتاً ولو فرض عرض هذا عليكم فَكَرِهْتُمُوهُ البتة إذ لا يمكنكم انكار كراهته وغيبة أخ المؤمن اكره وأقبح من هذا وَبالجملة اتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور عن ارتكاب الغيبة المحرمة وتوبوا اليه عنها وعن أمثالها إِنَّ اللَّهَ المطلع على ما في ضمائركم من الندم والإخلاص تَوَّابٌ يقبل منكم توبتكم ان اخلصتم فيها رَحِيمٌ يمحو عنكم زلتكم بعد ما تبتم ورجعتم نادمين عما فعلتم. ثم أكد سبحانه ايضا هذا الحكم على وجه التفصيل فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ الناسون المنشأ الأصلي والفطرة الجبلية إِنَّا خَلَقْناكُمْ اى اوجدناكم وأخرجناكم جميعا مِنْ ذَكَرٍ هو آدم المصور بصورتنا حسب حصته اللاهوتية المجبول على خلافتنا في عالم الناسوت وَأُنْثى هي حواء المنشعبة من آدم باعتبار حصة ناسوته وَبعد ما صيرناهما زوجين ممتزجين مزدوجين من حصتي اللاهوت والناسوت قد جَعَلْناكُمْ وصيرناكم شُعُوباً متكثرة من اصل واحد هو آدم وَقَبائِلَ مختلفة متحزبة من تلك الشعوب إذ الشعب هي الجمع المتكثر المنشعب عن اصل واحد والقبيلة هي الفرق المختلفة الحاصلة من الشعب والعمارة هي الطائفة المتفرعة عن القبيلة والبطن الجمع المتفرع عن العمارة والفخذ متفرع عن البطن والفصيل عن الفخذ فحزيمة مثلا شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصى بطن وهاشم فخذ وعباس فصيل وانما جعلناكم كذلك لِتَعارَفُوا اى يعرف بعضكم بعضا ويؤدى بكم تعارفكم الى التلاحق في المنشأ لا للتفاخر والتغالب والمظاهرة إذ لا تفاخر بينكم الا بالكرامة والنجابة المترتبة على حصة اللاهوت وبالجملة إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وأحذركم عن لوازم الناسوت ولواحق الهيولى إِنَّ اللَّهَ المطلع على استعدادات عباده عَلِيمٌ خَبِيرٌ بما في ظواهرهم وبواطنهم يوفقهم على مقتضى علمه وخبرته بهم ومن عدم امتثالهم واتصافهم بأمر التعارف والتلاحق المأمور والموصى إليهم قالَتِ الْأَعْرابُ التي هي المتوغلة في اللدد والعناد على سبيل التغالب والتفاخر حين قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين لا عن عزيمة خالصة وقصد صادق بل على وجه الخداع والنفاق ولهذا كانوا يقولون لرسول الله ﷺ على سبيل الامتنان قد آتيناك بالأحمال والأثقال ولم نقاتل معك كما قاتل بنو فلان آمَنَّا بك بلا سبق خصومة منا معك وبالجملة يمنون عليك يا أكمل الرسل بايمانهم الواهية وصدقاتهم الغير الوافية قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما أظهروا خلاف ما اضمروا في نفوسهم من المنة والغلول المنافى للإخلاص والايمان لَمْ تُؤْمِنُوا ايها الاعراب الأجلاف بمجرد قولكم آمنا إذ الايمان انما هو من افعال القلوب الصافية عن كدر المن والأذى مطلقا وَلكِنْ قُولُوا بدل قولكم آمنا أَسْلَمْنا اى قد دخلنا في السلم وصالحنا معكم على ان لا تخاصم بيننا وبينكم ولا نزاع وكيف تقولون آمنا وَالحال انه لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ اى لم يدخل الإذعان والقبول الملازم للايمان بل الايمان ليس الا الإذعان فِي قُلُوبِكُمْ التي هي أوعيته وهو من افعالها وَبالجملة إِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ حق إطاعتهما وانقيادهما مخلصين لا يَلِتْكُمْ ولا ينقصكم مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً قليلا من اجورها وجزائها ان اخلصتم في ايمانكم وإطاعتكم وجئتم بهما بلا من وأذى إِنَّ اللَّهَ المطلع على نيات عباده غَفُورٌ لمن تاب عن فرطاته رَحِيمٌ يرحمه ويقبل

стр. 921

توبته وبالجملة إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ المخلصون هم الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وأخلصوا في ايمانهم وإذعانهم ليصلوا الى مرتبة التوحيد المسقط لعموم الإضافات ثُمَّ بعد ما آمنوا وأخلصوا لَمْ يَرْتابُوا ولم يشكوا قط فيما آمنوا وَمع ذلك جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مع اعداء الله أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله هُمُ الصَّادِقُونَ المقصورون على الصدق والإخلاص الفائزون عند ربهم بأنواع الفوز والفلاح المتمكنون في مقعد صدق عند مليك مقتدر على عموم الانعام والإفضال قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما أظهروا الايمان الجعلى بألسنتهم ولم يواطئ عليه قلوبهم أَتُعَلِّمُونَ وتخبرون ايها الجاهلون اللَّهَ المطلع لعموم السرائر والخفايا بِدِينِكُمْ وايمانكم هذا وَالحال انه اللَّهَ سبحانه يَعْلَمُ بعلمه الحضوري جميع ما فِي السَّماواتِ من الغيوب والشهادات وَجميع ما فِي الْأَرْضِ ايضا كذلك وَبالجملة اللَّهَ المحيط بالكل بِكُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة الوجود عَلِيمٌ لا يعزب عن حضرة علمه شيء مما لمع عليه برق الوجود بمقتضى الجود. ثم قال سبحانه تعليما لحبيبه وإرشادا يَمُنُّونَ عَلَيْكَ يا أكمل الرسل أَنْ أَسْلَمُوا اى بإسلامهم ودخولهم في السلم مع انهم ليسوا في أنفسهم مؤمنين مذعنين قُلْ يا أكمل الرسل في جوابهم إلزاما وتبكيتا لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ اى بإسلامكم هذا ولا تعدوا انفسكم من جملة المؤمنين بمجرد ما تفوهتم بالإيمان بَلِ اللَّهُ العالم بعموم السرائر والخفايا يَمُنُّ عَلَيْكُمْ على أَنْ هَداكُمْ وأرشدكم لِلْإِيمانِ المثمر للعرفان المستلزم للكشف والعيان إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ايمانكم وفي اذعانكم ومواطأة قلوبكم مع ألسنتكم ومطابقتها لها مع انكم لستم كذلك ايها الحمقى الهلكى التائهون في تيه الكفر والنفاق وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المطلع بما في ضمائر عباده من الثقة والإخلاص يَعْلَمُ بحضرة علمه الحضوري غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بحيث لا يغيب عن حضوره وشهوده شيء منها وَبالجملة اللَّهَ المراقب بعموم أحوالكم واطواركم بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الأعمال خيرا كان او شرا يجازيكم بمقتضى بصارته وعلمه. جعلنا الله من زمرة المؤمنين المخلصين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون خاتمة سورة الحجرات عليك ايها الموحد المحمدي المتحقق بمقام التوحيد الذاتي مكنك الله في مقر عزتك وتمكينك ان تترفع بنفسك عن مطلق الرذائل المتعلقة بالأهوية الفاسدة والأماني الكاسدة سيما عن المن والأذى في الانفاق وغيره وعن رعونات السمعة والرياء في مطلق الطاعات والعبادات وإياك إياك ان تتفوق على احد من بنى نوعك واخوانك في عموم حالاتك وازمانك فانه من شيم اصحاب النخوة والكفران المورث لهم انواع الخيبة والخسران واصناف الخذلان والحرمان فلك ان تلازم التواضع والانكسار مع عموم المظاهر والمجالى الإلهية والاعتزال عن مطلق اصحاب الجاه والاعتبار وعليك بالقناعة مع الكفاف والعزلة مع العفاف والاجتناب عن الخلطة والائتلاف والاتصاف بالانصاف وبترك الأوصاف. جعلنا الله ممن ثبت على منهج الصدق والصواب واجتنب عما ينافيه بتوفيق من لدنه وتيسيره

стр. 922

[سورة ق] فاتحة سورة ق لا يخفى على من تنور قلبه بأنوار الوحدة الذاتية المتشعشعة من مشكاة النبوة والولاية المترتبتين على نشأة الإنسان المصور بصورة الرحمن إذ أكمل المظاهر وأوليها لقبول التجليات الإلهية وأحراها لرتبة الخلافة والنيابة عنه سبحانه وأليقها للتخلق بأخلاق الحق هو الإنسان الكامل القابل لانعكاس اشعة شمس الذات الاحدية المستهلك دونها عموم الكثرات والإضافات فظهر ان لا مظهر اجمع من الإنسان وأكمل منه واشرف هذا النوع وأكمله وأتمه علما وعينا كشفا وشهودا هو نبينا صلوات الله وسلامه عليه فمن تعجب عن رسالته وخلافته ﷺ عتوا وأنكر إرشاده وهدايته لبنى نوعه عنادا وإنزال الله الوحى اليه مكابرة فقد ضل وغوى ولم يهتد الى ما هو الرشد والهدى لذلك انزل سبحانه على حبيبه ﷺ ما انزل وخاطبه بما خاطب واقسم بما اقسم تأكيدا ومبالغة لإثبات هدايته وإرشاده ﷺ وكمال لياقته لخلافة الحق ونيابته فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ المرسل للرسل المنزل للكتب لتبيين طريق توحيده الرَّحْمنِ بعموم عباده يدعوهم الى دار السلام الرَّحِيمِ لخواصهم يوصلهم الى أعلى المقامات بأنواع الانعام والإكرام [الآيات] ق ايها الإنسان الكامل القابل لخلعة الخلافة والنيابة الإلهية القيم القائم لتبليغ الوحى والإلهام المنزل عليه من عنده سبحانه على عموم الأنام القائد لهم الى توحيد الملك العلام القدوس السلام ذي القدرة والقوة الكاملة الشاملة على عموم الانعام والانتقام وَحق الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ العظيم المنزل من المجيد العظيم انك يا أكمل الرسل لمرسل الى كافة الخلق من الحق على الحق لتبيين طريق الحق وتوحيده. ولما لم يجد المنكرون الجاحدون لعلو شأنك فيك يا أكمل الرسل شيأ وشينا يبعثهم ويدعوهم الى إنكارك وتكذيبك صريحا اضطروا الى العناد والمكابرة بَلْ عَجِبُوا على سبيل الاستبعاد والاستنكار أولئك الحمقى الجاهلون الجاحدون أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ اى بان بعث إليهم رسول من جنسهم وبنى نوعهم ينذرهم عن اهوال يوم القيامة وافزاعها مع انهم منكرون للحشر وإرسال البشر جميعا فَقالَ الْكافِرُونَ المستكبرون بعد ما سمعوا منك الدعوة والإنذار من شدة انكارهم واستبعادهم هذا اى إرسال البشر الى البشر والإنذار من الحشر المحال كل منهما شَيْءٌ عَجِيبٌ وامر بديع ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ثم فصلوا ما اجملوا على سبيل التعجب والإنكار فقالوا فيما بينهم مستفهمين مستبعدين أَإِذا مِتْنا اى أنرجع ونعود احياء كما كنا إذا متنا وَكُنَّا تُراباً وهباء منبثا ذلِكَ العود والرجوع رَجْعٌ بَعِيدٌ عن الوقوع وقبول العقول. ثم قال سبحانه ردا عليهم وردعا لهم كيف تستبعدون وتنكرون عنا قدرتنا على بعث الموتى واعادتهم احياء كما كانوا مع انا قَدْ عَلِمْنا على وجه التفصيل والتحقيق ما تَنْقُصُ تأكل الْأَرْضُ مِنْهُمْ اى من اجزائهم وعظامهم واوصالهم وكيف لا نعلم وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ حاصر لتفصيل عموم الأشياء حافظ لها ألا وهو حضرة علمنا الحضوري ولوح قضائنا المحفوظ المصون عن عدم الضبط والشذوذ بَلْ هم من غاية عمههم وسكرتهم ونهاية غيهم وغفلتهم كَذَّبُوا بِالْحَقِّ المطابق للواقع المؤيد بالبرهان الساطع والدليل القاطع وهو نبوة محمد ﷺ لَمَّا جاءَهُمْ وحين بعث إليهم من الحق بالحق على الحق لتبيينه وتمييزه عن الباطل لذلك أنكروا

стр. 923

البعث الذي جاء ﷺ لتبيينه وللانذار بما فيه من انواع العقبات والعقوبات وبالجملة فَهُمْ بمقتضى أحلامهم السخيفة مغمورون فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ مضطرب مخلوط حيث يلتبس عليهم حقيته ﷺ وحقية عموم ما جاء به لذلك يترددون في شأنه ويقولون تارة انه شاعر وتارة انه ساحر وتارة كاهن وتارة مجنون مخبط يتكلم بكلام المجانين الى غير ذلك من المفتريات الباطلة أَفَلَمْ يَنْظُرُوا ولم يتفكروا ولم يتفطنوا حين أنكروا البعث والحشر إِلَى السَّماءِ المطبقة المعلقة فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها ورفعناها بلا اعمدة وأساطين وَكيف زَيَّنَّاها بالكواكب المتفاوتة في الإضاءة والتنوير وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ نتو وفتوق بل قد خلقناها ملساء متوازية السطوح متلاصقة الطباق وَلم ينظروا ايضا الى الْأَرْضَ ولم يتدبروا فيها كيف مَدَدْناها ومهدناها بكمال قدرتنا وحكمتنا وَأَلْقَيْنا فِيها وعليها رَواسِيَ جبالا ثوابت شامخات وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ صنف من انواع النباتات بَهِيجٍ حسن كريم تبهج عيون الناظرين وتسر قلوبهم وبالجملة ما خلقنا عموم ما خلقنا من العجائب والغرائب الا لتكون تَبْصِرَةً وَذِكْرى اى عظة وعبرة دالة على كمال قدرتنا ومتانة حكمنا وحكمتنا لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ رجاع إلينا متوجه نحونا بكمال التبتل والتفويض ليتذكر بها ويتفطن منها على كمال اقتدارنا واختيارنا في خلق عموم مرادتنا ومقدوراتنا ومن جملتها حشر الأموات وبعثهم من قبورهم احياء وَكيف يسع لأولئك الحمقى الهالكين في تيه العناد والجحود انكار قدرتنا على البعث والإعادة مع انا قد نَزَّلْنا مِنَ جانب السَّماءِ ماءً مُبارَكاً كثير الخير والبركة فَأَنْبَتْنا بِهِ بعد انزاله وتنزيله على الأرض اليابسة الميتة جَنَّاتٍ اى حدائق ذات بهجة وبهاء ونزاهة وصفاء وَلا سيما حَبَّ الْحَصِيدِ من البر والشعير وسائر الحبوب المحصورة للتقوت والتعيش وَقد أنبتنا به خصوصا النَّخْلَ وجعلناها باسِقاتٍ طوالا متحملات لَها طَلْعٌ ثمر ذو عنقود نَضِيدٌ منضود منضد بعضه فوق بعض من غاية كثرته وكثافته وانما انبتناها لتكون رِزْقاً لِلْعِبادِ يرزقون بها ويواظبون على شكر منعمها ومبدعها وَبالجملة قد أَحْيَيْنا بِهِ اى بالماء المنزل من جانب السماء بَلْدَةً مَيْتاً يابسة جدبة لا كلأ فيها ولا ماء كَذلِكَ الْخُرُوجُ اى خروجهم من قبورهم احياء بقدرتنا مثل ذلك فمن اين ينكرون وأنى يستبعدون أولئك الحمقى الجاهلون الجاحدون بقدرة العليم الحكيم وليس هذا التكذيب والإنكار ببدع من هؤلاء المكذبين المنكرين يا أكمل الرسل بل قد كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ مثل تكذيبهم وانكارهم قَوْمُ نُوحٍ أخاك نوحا ﷺ حين بعث إليهم وانذرهم ونهاهم عماهم عليه من الكفر والجحود والخروج عن مقتضى الحدود وَكذلك كذبت أَصْحابُ الرَّسِّ وهو بئر كانوا يسكنون حوله أخاك حنظلة بن صفوان ﵇ وَكذا قد كذبت ثَمُودُ أخاك صالحا ﵇ فعقروا الناقة المقترحة وَعادٌ أخاك هودا ﵇ وَقد كذب فِرْعَوْنُ وملاؤه أخاك موسى الكليم وَإِخْوانُ لُوطٍ أخاك لوطا ﵇ سماهم إخوانه لأنهم اصهاره وَكذبت ايضا أَصْحابُ الْأَيْكَةِ أخاك شعيبا ﵇ وَكذبت قَوْمُ تُبَّعٍ وهو تبع الحميرى واسمه اسعد ابو كريب علماءهم وأئمتهم المصلحين لمفاسدهم وبالجملة كُلٌّ منهم قد كَذَّبَ الرُّسُلَ المبعوثين إليهم لهدايتهم وإرشادهم فَحَقَّ اى قد حل ولحق عليهم وَعِيدِ الموعود لهم بتكذيبهم وإصرارهم

стр. 924

فهلكوا واستوصلوا فكذا هؤلاء المكذبون المسرفون سيهلكون ويستأصلون عن قريب فاصبر يا أكمل الرسل على أذاهم ولا تستعجل لهم فسيرون ما يوعدون. ثم قال سبحانه على سبيل الإنكار والاستبعاد على المنكرين المستبعدين بالحشر والبعث أَفَعَيِينا اى أينكرون قدرتنا على الإعادة ويظنون انا قد صرنا عاجزين بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ اى الإبداء الابداعى عن الخلق الثاني الأعادي ويزعمون ان قدرتنا تضعف وتفتر عند الخلق الاول بل تنتهي دونه ولم يعلموا ان قدرتنا بل عموم اوصافنا وأسمائنا لا تتصف بالانتهاء والفتور ولا بالانقضاء والقصور حتى يفهموا ويتفطنوا ان تعلق قدرتنا لكل مقدور من المقدورات في كل آن من الآنات على شأن الشئون الكمالية بحيث لم يمض مثله ولا يأتى شبهه بَلْ لهم ان يتفطنوا بمقتضى الفطرة الاصلية ان هُمْ في أنفسهم وفي حدود ذواتهم دائما مستمرا فِي لَبْسٍ وخلعة مِنْ توارد خَلْقٍ جَدِيدٍ منا وإيجاد متجدد من لدنا في كل زمان وآن حسب قدرتنا واختيارنا وَبالجملة لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وقدرنا وجوده واستعداده في حضرة علمنا وأثبتناه في لوح قضائنا وأظهرناه من كتم العدم وَنحن نَعْلَمُ منه حينئذ ما تُوَسْوِسُ وتحدث بِهِ نَفْسُهُ وتخطر بباله الآن من أمثال هذه الأوهام والخيالات الباطلة المترتبة على حصة ناسوته المقيدة بسلاسل الرسوم وأغلال العادات الموروثة له من العقل الفضول الممتزج بالوهم الجهول وَكيف لا نعلم منه هواجس نفسه إذ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ اى وريده وهو مثل في القرب المفرط كما قال الموت ادنى لي من الوريد واضافة الحبل اليه للبيان وبالجملة نحن اقرب اليه من الوريدين وهما العرقان المنبثان من مقدم الرأس المتنازلان من طرفي العنق المتلاصقان عند القفا المنتهيان الى آخر البدن وهما قوام البدن وعليهما مداره إذ هما أقوى دعائم هيكل الإنسان وبالجملة نحن بحسب روحنا المنفوخ فيه من عالم اللاهوت اقرب اليه من ناسوته لا على توهم المسافة وعلى سبيل التركب والاتحاد والحلول والامتزاج بل على وجه الظلية والانعكاس ومع غاية قرب الحق اليه وكمال احاطته إياه وكل عليه الحفظة من الملائكة ليراقبوا أحواله ويحافظوا عليه إلزاما للحجة عليه لدى الحاجة يوم القيامة اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ الموكلان عليه عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ اى قاعد كل من الموكلين عن يمينه وشماله مترقبين على عموم أحواله واعماله وأقواله بحيث ما يَلْفِظُ ولا يتلفظ مِنْ قَوْلٍ يتفوه به ويرميه من فيه إِلَّا لَدَيْهِ وعنده رَقِيبٌ حفيظ عليه عَتِيدٌ مهيأ معد حاضر عنده غير مغيب عنه يرقبه ويحفظه على وجه لا يفوت عنه شيء من ملتقطاته مطلقا خيرا كان او شرا وَهما يحفظانه ويرقبان عليه الى حين جاءَتْ وحضرت سَكْرَةُ الْمَوْتِ شدته وغمرته بِالْحَقِّ والحقيقة وحضرت علاماته وانكشفت عليه أهواله واماراته قيل له حينئذ من قبل الحق ذلِكَ اى الموت الذي ينزل عليك الآن ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ هو الموت الذي قد كنت أنت تميل وتفر عنه فيما مضى وَبعد ما ذاق الإنسان مرارة العذاب وقت سكرات الموت فتكون تذكرة أنموذجا عنده من العذاب الموعود في يوم القيامة نُفِخَ فِي الصُّورِ للبعث والحشر فإذا هو قائم هائم حائر ينظر حيران سكران قيل له من قبل الحق على سبيل التهويل ألست تنظر وتتحير يا حائر الهائم ذلِكَ اليوم الذي أنت فيه الآن يَوْمُ الْوَعِيدِ الموعود لك في دار الدنيا وأنت حينئذ لم تؤمن به ولم تخف من أهواله حتى وقعت فيه وذقت من عذابه وقت موتك وخروجك من الدنيا وَبعد ما بعث الأموات من أجداثهم

стр. 925

وحشروا للجزاء جاءَتْ وحضرت كُلُّ نَفْسٍ من النفوس الطيبة والخبيثة مَعَها سائِقٌ موكل يسوقها الى المحشر للعرض والجزاء وَشَهِيدٌ من حفظة أعمالها وأحوالها يشهد لها او عليها وبعد ما حضر الكل بين يدي الله قيل لكل منهم من قبل الحق على وجه الخطاب والعقاب لَقَدْ كُنْتَ ايها المغرور فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا اليوم وانكار عظيم من وقوعه كذلك كذبت بالرسل وكنت استهزأت من الهداة الثقاة واستكبرت عليهم فَكَشَفْنا اليوم عَنْكَ غِطاءَكَ الذي هو سبب غفلتك وإنكارك وعلة تعاميك واستكبارك من الآيات والنذر ألا وهو تفكرك المحسوسات العادية وإنكارك على الأمور الغيبية الخارجة عن حيازة حواسك وقواك فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ يعنى قد صار بصرك بعد انكشافك بهذا اليوم حادا حديدا نافذا الا انه لا ينفعك الآن حدة بصرك وانكشافك بعد ما انقرضت نشأة الاختبار والاعتبار وَقالَ له حينئذ قَرِينُهُ من الحفظة المراقب عليه في النشأة الاولى هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ اى هذا الذي سمعت الآن من الخطاب والعتاب هو الذي حفظته لك عندي وكتبته في صحيفة عملك قبل وقوعك فيه في النشأة الاولى وبعد ما جرى بين كل من العصاة وبين قرينهم ما جرى قد امر من قبل الحق للسائق والشهيد امرا وجوبيا حتما أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ واطرحا فيها كُلَّ كَفَّارٍ مبالغ في الكفر والإنكار عَنِيدٍ متبالغ متناه في العناد والاستكبار مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مبالغ في المنع عن الانفاق المأمور به مُعْتَدٍ متجاوز عن الحق مائل نحو الباطل مُرِيبٍ موقع لعباد الله في الشك والشبهة في دينه القويم وصراطه المستقيم الذي أنزله سبحانه الى رسوله المتصف بالخلق العظيم وهذا المسرف المفرط هو الَّذِي جَعَلَ اى أخذ واثبت مَعَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد المنزه عن الشرك مطلقا إِلهاً آخَرَ واعتقده موجدا مثله شريكا معه في عموم أفعاله وآثاره وبالجملة فَأَلْقِياهُ ايها الموكلان هذا الطاغي الباغي المتناهي في التعدي والعدوان فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ بدل ما تجاوز عن التوحيد الإلهي وأصر على التشريك والتعديد في حقه سبحانه. وبعد ما أراد الموكلان ان يبطشاه ويجراه نحو النار أخذ يصرخ وينسب شركه وضلاله الى الشيطان المضل المغوى وهو حاضر عنده سامع قوله وبعد ما سمع الشيطان منه ما سمع قالَ له قَرِينُهُ اى الشيطان متضرعا الى الله مناجيا معه رَبَّنا يا من ربانا لاختبار اخلاص عبادك في أعمالهم ما أَطْغَيْتُهُ وما أضللته انا وَلكِنْ كانَ في نفسه فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ بمراحل عن الهداية والرشد حسب اهويته وأمانيه الفاسدة وآماله الطويلة الكاسدة وبعد ما اختصم الكافر وقرينه عند الله قالَ الله سبحانه لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ولا تنازعوا عندي إذ لا نفع لكم الآن في الخصومة والنزاع وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ في كتبي وعلى ألسنة رسلي بِالْوَعِيدِ الهائل والعذاب الشديد على اهل الشرك والطغيان والكفر والكفران فالحكم على ما جرى بلا تبديل وتغيير إذ ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ والحكم لَدَيَّ بل ما هو المقدر في علمي كائن على ما ثبت وكان بمقتضى العدالة والقسط الحقيقي وَبالجملة ما أَنَا في حال من الأحوال وشأن من الشئون بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ اى ليس من شأنى الظلم والتعدي على عبيدي بل هم يظلمون أنفسهم فيستحقون العقوبة على قدر عصيانهم. اذكر يا أكمل الرسل للعصاة والكفرة المشركين المصرين على العناد والإنكار يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ المعدة لجزائهم سؤال تخييل وتصوير حين طرحت عليها أفواج الكفرة والعصاة هَلِ امْتَلَأْتِ يا جهنم وَتَقُولُ

стр. 926

جهنم من شدة تلهبه وتسعره بإنطاق الله إياها هَلْ مِنْ مَزِيدٍ على المطروح حتى يطرح. ثم يطرح ما بقي من أهلها الى ان امتلأت انجازا لما وعد لها الحق بقوله لا ملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وَاذكر ايضا يا أكمل الرسل للمؤمنين المطيعين يوم أُزْلِفَتِ وقربت الْجَنَّةُ الموعودة لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ بل بحيث يرون منازلهم فيها من غاية قربها قبل دخولهم ويتمنون الوصول فيقال لهم حينئذ هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ رجاع نحو الحق في عموم ملماته تواب الى الله من عموم زلاته ومطلق فرطاته في نشأة الاختبار حَفِيظٍ لتوبته على وجه الندم والإخلاص بلا توهم عود ورجوع إليها أصلا وبالجملة مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ واجتنب عن عموم محارمه ومنهياته خائفا من سخطه راجيا من سعة رحمته حال كونه في نشأة الاعتبار والاختبار قبل انكشاف السرائر والأستار وحلول النشأة الاخرى ورضى بالتكالف الإلهية ووطن نفسه لامتثال عموم الأوامر والنواهي وبمطلق الاحكام الجارية على ألسنة الرسل والكتب وَمع ذلك قد جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ الى الله مقبل نحوه طوعا ورغبة مخلص في طاعة الله واطاعة رسوله قيل لهم حينئذ من قبل الحق على وجه التبشير ادْخُلُوها اى الجنة المعدة لأرباب التقوى بِسَلامٍ حال كونكم سالمين آمنين من العذاب لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ذلِكَ اليوم الذي أنتم فيه الآن يَوْمُ الْخُلُودِ في الجنة الموعودة لأرباب العناية والشهود. جعلنا الله من زمرتهم بمنه وجوده وبالجملة لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها من اللذات الحسية والعقلية المحاطة بمداركهم وآلاتهم بل وَلَدَيْنا مَزِيدٌ على ما يسألون وما يأملون بحسب استعداداتهم مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ثم قال سبحانه تهديدا على من اعرض عن دينه ونبيه وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ اى قبل قومكم يا أكمل الرسل مِنْ قَرْنٍ اى اهله يعنى أقواما كثيرة وامما شتى قد أهلكنا قبلهم مع انه هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً قوة وقدرة واكثر أموالا واولادا كعاد وثمود وفرعون وغيرهم فَنَقَّبُوا اى انصرفوا وانقلبوا وساروا فِي الْبِلادِ متمنين هَلْ يجدون مِنْ مَحِيصٍ مهرب ومخلص من بطش الله وحلول عذابه عليهم فلم يجدوا بعد ما استحقوا الأخذ والتعذيب والإهلاك وبالآخرة هلكوا واستؤصلوا حتما فكذا هؤلاء المسرفون المعاندون سيهلكون كما هلكوا وبالجملة إِنَّ فِي ذلِكَ القرآن العظيم الذي نزل عليك يا أكمل الرسل لَذِكْرى اى عظة وتذكيرا وعبرة وتنبيهما لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ يتفطن من تقلبات الأحوال وتطوراتها الى شئون الحق وتجلياته الجمالية والجلالية حسب اقتضاء الذات بالإرادة والاختيار وكمالات الأسماء والصفات الذاتية أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ اى يكون من ارباب الارادة الصادقة الخالصة عن شوائب السمعة ورعونات الرياء بحيث القى سمعه الى استماع كلمة الحق من اهله وَهُوَ حينئذ شَهِيدٌ حاضر القلب فارغ الهم حديد الفطنة صحيح الارادة خالص العزيمة مترقب لان ينكشف له ما انكشف لأرباب القلوب فيكون منهم. ثم لما قالت اليهود ان الله خلق العالم في ستة ايام من الأسبوع وبعد ما عيى من الخلق والإيجاد استلقى على العرش في يوم السبت للاستراحة رد الله عليهم فقال وَلَقَدْ خَلَقْنَا وأظهرنا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من الكوائن الممتزجة منهما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ على عدد الأقطار والجهات وَمع ذلك ما مَسَّنا وما عرض علينا وما لحق بنا مِنْ لُغُوبٍ وصب وتعب وعياء وفتور كما زعم هؤلاء المسرفون المفرطون إذ ذاتنا المتعالية متنزهة عن طريان أمثال هذه

стр. 927

النقائص الامكانية فَاصْبِرْ أنت يا أكمل الرسل عَلى ما يَقُولُونَ وينسبون الى الله الصمد المقدس عن أمثال هذه المفتريات الباطلة الناشئة من جهلهم المفرط بالله وبمقتضى ألوهيته وربوبيته وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حسب توحيدك وتمجيدك إياه ونزه ذاته عن عموم ما يقول الظالمون الجاهلون الجاحدون بعلو شأنه وسمو برهانه وتوجه نحوه سبحانه في عموم أوقاتك وحالاتك سيما قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ يعنى كلا طرفي النهار إذ هما أوان الفراغ عن مطلق الاشغال وَمِنَ آناء اللَّيْلِ اى في خلال تهجداتك فَسَبِّحْهُ وَبالجملة سبحه أَدْبارَ السُّجُودِ اى عقيب كل صلاة ذات ركوع وسجود. ثم قال سبحانه آمرا لحبيبه ﷺ وَاسْتَمِعْ يا أكمل الرسل لما أخبرك الحق من اهوال يوم القيامة وافزاعها سيما النداء الهائل يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ من قبل الحق لقيام الساعة والبعث مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ بكل احد بحيث يسمع نداءه بلا كلفة وشبهة فيقول أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة ان الله يأمركن ان تجتمعن للحساب والجزاء وهم يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ اى النفخة الثانية ملتبسة بِالْحَقِّ تحققوا وعلموا يقينا ان ذلِكَ اليوم يَوْمُ الْخُرُوجِ من القبور ويوم البعث والنشور وبالجملة يقول الله سبحانه مخاطبا لعباده إِنَّا بمقتضى كمال قدرتنا وحكمتنا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ في النشأة الاولى بالإرادة والاختيار وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ اى مصير الكل ومرجعه إلينا في النشأة الأخرى. اذكر يا أكمل الرسل لمن أنكر الحشر والمعاد يَوْمَ تَشَقَّقُ وتتخرق الْأَرْضُ عَنْهُمْ ويخرجون منها سِراعاً مسرعين ذلِكَ اى إخراجهم وخروجهم كذلك حَشْرٌ بعث وجمع عَلَيْنا يَسِيرٌ سهل لا تستبعدوا ولا تستعسروا عن قدرتنا الكاملة أمثال هذا إذ نَحْنُ أَعْلَمُ واحفظ بِما يَقُولُونَ اى بعموم ما يقول المنكرون المشركون في سرائرهم ونجواهم وَما أَنْتَ يا أكمل الرسل عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ تردعهم وتزجرهم عماهم عليه من الإنكار والإصرار بل ما أنت الا مذكر نذير فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ اى بوعيداته وانذاراته مَنْ يَخافُ وَعِيدِ إذ لا ينفع تذكيرك الا للخائف المتذكر منهم ومن لم يخف ليس لك عليهم سلطان ليزعجهم الى الايمان ويلجئهم الى قبول الإسلام إذ ما عليك الا البلاغ والتذكير والتوفيق من الله العليم الخبير خاتمة سورة ق عليك ايها المحمدي المترقب لتوفيق الحق في عموم احوالك وفقك الله على سلوك طريق توحيده ان تفرغ همك عما سوى الحق وتصفى سرك عن مطلق الشواغل المنافية لصرافة الوحدة الذاتية وكن في نفسك وجلا خائفا من غضب ربك راجيا من عفوه وغفرانه في عموم أعمالك التي جئت بها تقربا اليه سبحانه مفوضا أمورك كلها الى مشيته وبالجملة عليك ان تتذكر بوعيدات القرآن ومواعيده المستلزمة لصلاح الدارين وفلاح النشأتين وإياك إياك الاعراض عن الحق واهله والانحراف عن معالم الدين القويم المنزل من عنده سبحانه لتبيين مسالك توحيده. جعلنا الله وإياكم من زمرة الراسخين المتمكنين في معالم الدين القويم بمنه وجوده [سورة الذاريات] فاتحة سورة الذاريات لا يخفى على الموحدين المنكشفين بظهور الحق في مطلق المظاهر بوحدته الذاتية المتصفة بجميع الأوصاف

стр. 928

الكاملة والأسماء الشاملة المحيط كل منها بعموم ما ظهر وبطن وغاب وشهد من ذرائر المظاهر والمجالى ان كل مظهر من مظاهر الحق باعتبار ظهور الحق فيه بذاته قابل لان يقسم به ويتيمن منه كما اقسم سبحانه في هذه السورة بما اقسم تنبيها وتعليما لعباده بظهوره في عموم مظاهره فقال بعد ما تيمن باسمه الأعظم الأعلى الذي هو بِسْمِ اللَّهِ المتجلى في الرياح المروحة لنفوس ارباب الطلب والارادة شوقا الى لقائه الرَّحْمنِ لهم يوقظهم عن سنة الغفلة الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى فضاء الوحدة [الآيات] وَالذَّارِياتِ اى وحق النسمات الروحانية المهبة من النفسات الرحمانية على وفق العناية الازلية بحيث تذرى وتبعث النفوس الخيرة الموفقة المجبولة على نشأة التوحيد ذَرْواً نوعا من الذرو والبعث المنبعث من محض المودة والمحبة على سبيل الشوق والتحنن نحو المبدأ الحقيقي والمنشأ الأصلي فَالْحامِلاتِ من القوى والآلات الحامل كل منها وِقْراً حملا ثقيلا خطيرا من أعباء الوحى والإلهامات الإلهية المنتشئة من العلوم اللدنية والإدراكات الكشفية المنشعبة من حضرة العلم الحضوري الإلهي ولوح القضاء المحفوظ المتعلق بالمعارف والحقائق الإلهية الفائضة لبعض النفوس الزكية من ارباب العناية فَالْجارِياتِ اى سفن النفوس الزكية القدسية المشتملة على انواع المدارك والمشاعر الجارية في بحر الوجود يُسْراً سهلا بلا تثاقل وتكاسل أصلا فَالْمُقَسِّماتِ من الأسماء والصفات الإلهية الموسومات بالملائكة المقسمة لقوابل المظاهر أَمْراً اى عموم امور أرزاقهم ومطلق أجناس حظوظهم وانصبائهم من الفتوحات الصورية والمعنوية الفائضة الموهوبة لهم من قبل الحق حسب استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية إِنَّما تُوعَدُونَ أنتم ايها المكلفون المجبولون على فطرة التوحيد والعرفان من البعث والحشر والحساب والجزاء وغير ذلك من المعتقدات الاخروية المترتبة على حضرة العلم المحيط الإلهي وحضرة قدرته الغالبة وارادته الكاملة لَصادِقٌ ثابت محقق وقوعه بلا شك وشبهة وَإِنَّ الدِّينَ والجزاء المعبر بهما عن الطامة الكبرى الموعود لكم في النشأة الاخرى المتفرع على أعمالكم وأفعالكم التي قد صدرت عنكم في النشأة الاولى لَواقِعٌ محقق وقوعه كائن قيامه وإتيانه بلا تردد وارتياب. ثم لما اقسم سبحانه بما يتعلق بعالم الأمر أراد ان يقسم بما يتعلق بعالم الخلق تتميما للتأكيد والمبالغة بالقسم باعتبار كلا العالمين فقال وَالسَّماءِ اى وحق السماء الرفيعة البديعة النظم العجيبة التركيب ذاتِ الْحُبُكِ اى الحسن والزينة وكمال الصفاء والبهجة والبهاء مع اشتمالها على الكواكب المضيئة المشيرة الى الطرق الموصلة الى كمال قدرة الصانع القديم ومتانة حكمة الحكيم العليم ان اليوم الموعود لبعثكم وجزائكم لآت البتة إِنَّكُمْ ايها الشاكون المترددون في شأنه وشأن من اخبر به بمقتضى الوحى والإلهام الإلهي وفي شأن ما نزل لتبيينه من الكتاب المبين لاعداد الزاد له وطريق النجاة عن أهواله وافزاعه لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ تنكرون له وتكذبون المخبر الصادق وتنسبونه وكتابه الى ما لا يليق بشأنهما من المفتريات الباطلة حيث تقولون انه سحر او من أساطير الأولين او كهانة اختلقها هذا الساحر الشاعر او كلام المجانين يتكلم به هذا المجنون يُؤْفَكُ ويصرف عَنْهُ ﷺ وعن دينه وكتابه مَنْ أُفِكَ صرف عن الحق وقبوله ومال الى الباطل وسعى نحوه وبسبب إفكهم وذبهم عن طريق الحق والامتثال به قد قُتِلَ اى طرد ولعن على ألسنة عموم اهل الحق الْخَرَّاصُونَ المنكرون الكذابون المكذبون المسرفون من اصحاب القول المختلف ألا وهم الَّذِينَ هُمْ من شدة

стр. 929

انصرافهم عن الحق واهله مغمورون فِي غَمْرَةٍ غفلة عظيمة وجهل متناه ساهُونَ عن الله وقدر ألوهيته وحقوق ربوبيته ومن كمال غفلتهم وشدة عمهم وسكرتهم يَسْئَلُونَ على سبيل التهكم والاستهزاء أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ اى متى يوم الجزاء والقيامة يا محمد وفي أى آن يأتينا عذاب الساعة وأهوالها قال الله تعالى سبحانه في جوابهم يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ اى يأتى عليهم العذاب والجزاء في يوم هم يحرقون فيه في النار ويطرحون عليها صاغرين مهانين ويقول لهم الموكلون حين طرحهم فيها توبيخا وتقريعا ذُوقُوا ايها المجرمون المسرفون فِتْنَتَكُمْ التي أنتم تستعجلون بها في دار الدنيا على سبيل الاستهزاء والمراء وبالجملة هذَا الَّذِي وقعتم فيه وحبستم عليه الآن من العذاب قد كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ أنتم في سالف الزمان على سبيل الإنكار والاستكبار. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه إِنَّ الْمُتَّقِينَ الممتثلين بأوامر الله المجتنبين عن نواهيه الموردة في كتبه الجارية على ألسنة رسله الحافظين لنفوسهم عن الإفراط في الرخص والمباحات وكيف عن تفريط المحظورات والمحرمات المتلذذون باللذات الروحانية متمكنون فِي جَنَّاتٍ العلم والعين والحق وَعُيُونٍ جاريات من الحكم والمعارف اللدنية المستخرجة من ينابيع قلوبهم المترشحة إليها من بحر الوجود على مقتضى الجود الإلهي حسب استعداداتهم الفائضة لهم من لدنه سبحانه آخِذِينَ ما آتاهُمْ واعطاهم رَبُّهُمْ تفضلا عليهم وتكريما على وجه الرضاء بجميع ما جرى عليهم من مقتضيات القضاء إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ الفضل واللطف في النشأة الاولى مُحْسِنِينَ الأدب مع الله ورسله ومع خلص عباده عاكفين ببابه متوجهين نحو جنابه في عموم أوقاتهم وحالاتهم ومن جملة إحسانهم انهم قد كانُوا في دار الدنيا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ اى يرقدون قليلا من ساعات الليل وذلك ايضا بسبب ان لا يعرض لهم الكلال العائق من مواظبة الطاعات ومداومة العبادات وَهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم وخشوعهم بِالْأَسْحارِ المعدة للتوجه والاستغفار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ دائما كأنهم يرون أنفسهم قاصرة عن رعاية حقوق العبودية على ما ينبغي ويليق بجناب الألوهية لذلك يبالغون في الانابة والاستغفار وَمع ذلك قد كان فِي أَمْوالِهِمْ وأرزاقهم المسوقة لهم من قبل الحق حَقٌّ حظ ونصيب مفروض مفروز مقدر مخرج هم يوجبونه على أنفسهم لِلسَّائِلِ السائر في سبيل الله المتعرض للسؤال مقدار ما يحتاج اليه وَالْمَحْرُومِ المتعفف عن ذل السؤال المتمكن في زاوية التوكل والتفويض. ثم أشار سبحانه الى حيطة وحدته الذاتية وشمولها على عموم ما ظهر وبطن في الآفاق والأنفس بالاستقلال والانفراد والى سر سريان هويته الذاتية على ذرائر الكائنات تنبيها للمريد المستبصر وايقاظا عن سنة الغفلة ونعاس النسيان فقال وَفِي الْأَرْضِ اى عالم المسببات والقوابل والاستعدادات المعبر عنها بالآفاق المعدة لظهور آثار القدرة الكاملة الإلهية عليها من العجائب والغرائب المتفرعة عن كمال العلم الحضوري الإلهي ووفور الحكمة المتقنة آياتٌ دلائل واضحات وشواهد لائحات دالة على قدرة الصانع الحكيم ووحدة ذاته واختياره في عموم تصرفاته واستقلاله في مطلق حكمه ومصالحه لِلْمُوقِنِينَ المنكشفين باليقين العلمي والعيني والحقي بل وَفِي أَنْفُسِكُمْ ايضا ايها المستبصرون المستكشفون عن سرائر الألوهية واسرار الربوبية شواهد ظاهرة تشهد على حقية الحق وتوحده في ظهوره ووجوده أَفَلا تُبْصِرُونَ ايها المجبولون على فطرة

стр. 930

الكشف والشهود وَكذا فِي السَّماءِ اى عالم الأسماء والفواعل والأسباب المعبر عنها بالأعيان الثابتة رِزْقُكُمْ اى أرزاقكم الصورية والمعنوية المبقية لأشباحكم وأرواحكم وَكذا ما تُوعَدُونَ أنتم من الآجال المقدرة والاجزئة المترتبة على الأعمال والأفعال الصادرة عن هوياتكم الباطلة في نشأتكم الاولى والاخرى وحالاتكم الواقعة فيهما بطريق اللف والنشر. ثم اقسم سبحانه تأكيدا لما اومأ فقال فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ اى وبحق موجدهما ومربيهما على هذا النمط البديع والنظم الغريب العجيب إِنَّهُ في عموم ما يستدل بإيجاده وإظهاره على وجوده سبحانه وكمال علمه وقدرته ووفور حكمته ومتانة حكمه لَحَقٌّ ثابت محقق بل هو حق حقيق بالحقية وحيد بالقيومية فريد بالديمومية لا يعرض له زوال ولا يعتريه فترة وكلال وهو سبحانه في حقيته وتحققه مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ اى كما لا شبهة لكم في نطقكم وتلفظكم بالكلمات المنطوقة كذلك لا شبهة في حقية الحق وظهوره بل هو اظهر من كل ظاهر واجلى من كل جلى بل الكل انما يظهر به وبظهوره الا انكم بغيوم تعيناتكم الباطلة وظلام هوياتكم العاطلة تسترون شمس الحق الظاهر في الأنفس والآفاق بكمال الكرامة والاستحقاق. ثم ذكر سبحانه قصة ابراهيم الخليل المتحقق بمقام الكشف والشهود الفائض له من عنده سبحانه كمال المحبة والإخلاص والخلة والاختصاص مع ضيفه من الملائكة المكرمين فقال مستفهما لحبيبه ﷺ على سبيل العبرة والتذكير هَلْ أَتاكَ أو قد وصل إليك يا أكمل الرسل حَدِيثُ ضَيْفِ جدك إِبْراهِيمَ وقصة إلمام الملائكة عليه ونزولهم عنده على صورة الأضياف الْمُكْرَمِينَ لكرامتهم وحسن صورتهم وسيرتهم مع كمال كرامتهم ونجابتهم وحسن أدبهم سلموا وقت إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ وحضروا عنده بلا استيذان منه فَقالُوا سَلاماً ترحيبا وتكريما له اى نسلم سلاما عليكم يا خليل الله قالَ ابراهيم ﵇ في جوابهم ظاهرا وان أنكر عليهم باطنا بدخولهم بلا استيذان سَلامٌ عليكم عدل الى الرفع لقصد الدوام والثبات ليكون رده أكمل من تسليمهم وهو ﵇ وان بادر الى رد سلامهم الا انه قد أضمر في نفسه إنكارا عليهم لذلك قال في سره هؤلاء قَوْمٌ مُنْكَرُونَ لا اعرف نفسهم ولا أمرهم ولا شأنهم فَراغَ اى عدل ومال عنهم فجاءة إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ إذ كان اغلب مواشيه البقر فذبحه وطبخه فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ نزلا لهم فأبوا عن اكله فعرض عليهم وحثهم على الاكل كما هو عادة ارباب الضيافة حيث قالَ أَلا تَأْكُلُونَ منه فلم يأكلوا بعد العرض والاذن ايضا وبعد ما رأى منهم ابراهيم ما رأى من الآباء عن طعامه فَأَوْجَسَ وأضمر الخليل في نفسه مِنْهُمْ خِيفَةً خوفا ورغبا ظنا منه انهم انما امتنعوا عن طعامه ليقصدوا له سوأ. ثم لما تحسسوا ما تحسسوا من الرعب المفرط قالُوا له ازالة لرعبه لا تَخَفْ منا ولا تحزن عن امتناعنا من الاكل انا لسنا ببشر بل نحن ملائكة منزهون عن الاكل مرسلون من عند ربك لأمر عظيم قيل مسح جبرئيل العجل المشوى فحيي فقام يدرج ويدب حتى لحق بامه وبعد ما رأى ابراهيم منهم ما رأى وسمع ما سمع أمن منهم وَبعد ما امنوه وأزالوا عنه رعبه بَشَّرُوهُ بِغُلامٍ إذ لم يكن له ابن مخلف عنه وكانت امرأته عجوزا عقيما عَلِيمٍ في كمال الرشد والفطنة وهو اسحق ﵇ وبعد ما سمع الخليل منهم البشرى اخبر امرأته ثم لما سمعت استحالت واستبعدت فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ سارة إليهم فِي صَرَّةٍ اى صرير وصيحة فَصَكَّتْ ولطمت

стр. 931

وَجْهَها بأطراف أصابعها على ما هو عادة النسوان في إلمام الخطوب وَقالَتْ مشتكية انا عَجُوزٌ عَقِيمٌ عاقر كيف ألدا بنا بعد انقضاء أوانه وانصرام زمانه ثم لما شاهدوا منها ما شاهدوا قالُوا لها كَذلِكَ اى مثل الذي نخبرك ونبشرك قالَ رَبُّكِ وما علينا الا البلاغ والأمر بيد الله إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ في عموم أفعاله وآثاره الْعَلِيمُ بمطلق تدابيره وتقاديره وبعد ما جرى منهم ما جرى أخذ ابراهيم ﵇ يسأل عن سبب نزولهم وارسالهم حيت قالَ فَما خَطْبُكُمْ اى أمركم وشأنكم الذي جئتم لأجله أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ أقبح الجرائم وافحش المنكرات يعنون قوم لوط المبالغين في الفعلة الشنيعة والديدنة القبيحة المتناهية في القبح والفحش وانما أرسلنا إليهم لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً متحجرة مِنْ طِينٍ يريد بها السجيل المركب من الحجر المسحوق مع الطين مُسَوَّمَةً اى معلمة كل منها باسم من رمى بها عِنْدَ رَبِّكَ ليكون جزاء لِلْمُسْرِفِينَ الذين قد أسرفوا في الخروج عن مقتضى الحدود الإلهية سيما عن الطريق المعتاد لحكمة الإيلاد والاستيلاد ثم لما أردنا رجمهم وإهلاكهم فَأَخْرَجْنا باذن ربنا مَنْ كانَ فِيها اى في تلك القرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدقين بنبوة لوط ودينه الممتثلين بالأوامر والنواهي الإلهية الجارية على لسانه فَما وَجَدْنا وصادفنا فِيها اى تلك القرى بعد ما فتشنا وكشفنا عن أهلها غَيْرَ بَيْتٍ اى سوى اهل بيت فقط مِنَ الْمُسْلِمِينَ المتصفين الجامعين بين الايمان والتسليم وهو اهل بيت لوط ﵇ وَبالجملة أهلكنا الكل وتَرَكْنا آثار هلاكهم واستئصالهم فِيها اى في الأرض التي تلك القرى فيها آيَةً امارة وعلامة مستمرة الى يوم القيامة لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ يعنى للقوم الذين يلونهم ويرون آثار العذاب النازل على اهل الجرائم والآثام فيمتنعون عنها ويعتبرون بها وَكذا قد تركنا ايضا فِي إهلاك مكذبي مُوسى الكليم آية عظيمة للمتذكرين المعتبرين اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ أَرْسَلْناهُ اى موسى اصالة وأخاه هارون معه تبعا له إِلى فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي المبالغ في العتو والعناد وقد أيدناه وقويناه عناية منابه بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وحجة واضحة ظاهرة وبرهان لائح فَتَوَلَّى فرعون واعرض عن دعوته الى الايمان مستظهرا بِرُكْنِهِ اى بملائه وجنوده الذين يتقوى بهم ويركن إليهم في الخطوب والملمات وَقالَ في جوابه من كمال بطره وعناده هو ساحِرٌ في عموم ما اتى من الخوارق أَوْ مَجْنُونٌ يعمل له الجن جميع ما يظهر منه من الارهاصات الخارقة للعادات وبالجملة قد كذب وأنكر عليه ونسب معجزاته الى السحر واعمال الجن َخَذْناهُ غيرة منا عليه وتقوية وتأييدا لرسولنا جُنُودَهُ المظاهرين له نَبَذْناهُمْ وأغرقناهم ي الْيَمِّ وَهُوَ اى فرعون حينئذلِيمٌ نفسه بما يلام هو عليه من الكفر والعناد وانواع العتو والفساد نادم عن جميع ما صدر عنه وما ينفعه الندم حينئذ وَقد تركنا ايضا آية عظيمة للمعتبرين فِي إهلاك قوم عادٍ اذكر وقت إِذْ أَرْسَلْنا وسلطنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ لا يثمر نفعا سوى العقم والهلاك على وجه الاستئصال مع انهم قد أملوا نفعا عظيما فيها إذ ما تَذَرُ وتترك مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ وهبت عَلَيْهِ من الأنفس والماشي إِلَّا جَعَلَتْهُ وصيرته كَالرَّمِيمِ اى اليابس البالي من النبات وأوراق الأشجار وبالجملة قد صيرتهم هباء منثورا تذروه الرياح حيث شاءت وَكذا فِي ثَمُودَ وإهلاكهم قد تركنا آية عظيمة

стр. 932

لأهل العبرة والاستبصار اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ قِيلَ لَهُمْ على لسان نبيهم حين أردنا أخذهم وإهلاكهم تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ اى تمتعوا وترفهوا ثلاثة ايام فكذبوا المخبر وأنكروا عليه خبره فَعَتَوْا واستكبروا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وما تندموا وما تضرعوا مع ان المناسب لهم حينئذ هذا فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ الهائلة المهولة صبيحة اليوم الرابع وَهُمْ يَنْظُرُونَ إتيانها عيانا ولا يقدرون على دفعها بل فَمَا اسْتَطاعُوا وما قدروا مِنْ قِيامٍ ونهوض وحركة عن أمكنتهم التي كانوا متمكنين فيها عند ظهورها وَبالجملة ما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ممتنعين من عذابنا منتقمين منا أصلا وَمثل ما أهلكنا المذكورين قد أهلكنا ايضا قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ اى قبل إهلاك هؤلاء الهلكى إِنَّهُمْ ايضا أمثال هؤلاء الطغاة البغاة الهالكين في تيه العتو والعناد قد كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ خارجين عن مقتضيات الحدود الإلهية بأنواع الكفر والفسوق والعصيان لذلك أهلكناهم بالطوفان وما كانوا منتصرين. ثم قال سبحانه إظهارا لكمال قدرته على انواع الانعام والانتقام وَالسَّماءَ بَنَيْناها يعنى كيف يسع لهم الآباء والامتناع عن مقتضيات قدرتنا والخروج عن ربقة انقيادنا واطاعتنا ومطلق عبوديتنا مع انا قد بنينا السماء المرفوعة المحفوظة بِأَيْدٍ غالبة وقدرة كاملة وَبالجملة إِنَّا لَمُوسِعُونَ قادرون غالبون بالاستقلال والاختيار على عموم الأفعال بحيث لا يعارض فعلنا ولا ينازع أمرنا وحكمنا مطلقا وَالْأَرْضَ ايضا قد فَرَشْناها ومهدناها بالاستقلال والاستيلاء التام فَنِعْمَ الْماهِدُونَ الباسطون نحن بلا مشاركة ومظاهرة وَمثل ما خلقنا العلويات فواعل مؤثرات والسفليات قوابل متأثرات مِنْ كُلِّ شَيْءٍ من الأشياء الظاهرة الكائنة في بقعة الإمكان وعرصة الأزمان والمكان قد خَلَقْنا زَوْجَيْنِ صنفين مزدوجين لَعَلَّكُمْ ايها المجبولون في فطرة المعرفة والتوحيد المؤيدون بالعقل المفاض المنشعب من العقل الكل تَذَكَّرُونَ فتعلمون وتنكشفون ان الكل منا بدا وإلينا يعود ولا شيء سوانا موجود وبعد ما قد ثبت عندكم ايها الموحدون المحققون ان ظهور الكل منه ورجوعه اليه سبحانه فَفِرُّوا ايها العارفون الموحدون إِلَى اللَّهِ المسقط لعموم الإضافات عن مقتضيات عالم الناسوت وانخلعوا وتجردوا عن لوازم هوياتكم الباطلة وانانياتكم العاطلة وقل لهم يا أكمل الرسل على مقتضى شفقة النبوة إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ سبحانه نَذِيرٌ أنذركم عما يعوقكم من سلوك طريق توحيده مُبِينٌ مظهر لكم آداب الطريقة الموصلة الى مقصد الحقيقة التي هي الوحدة الذاتية الإلهية وَبالجملة لا تَجْعَلُوا اى لا تتخذوا ولا تعتقدوا مَعَ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الكثرة والتعدد مطلقا إِلهاً آخَرَ مستحقا للاطاعة والرجوع مستقلا في الوجود وما يترتب عليه من الآثار إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أنذركم من الوعيدات الهائلة العاجلة والآجلة اللاحقة عليكم بالشرك والإشراك وانواع الفسوق والعصيان كَذلِكَ اى الأمر والحكم مثل ذلك يا أكمل الرسل انذرهم وبلغهم على وجهه بلا مبالاة باعراضهم واستهزائهم إذ ما أَتَى الضالين المسرفين الَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ من الرسل الكرام إِلَّا قالُوا لهم وفي حقهم حين دعوتهم الى الايمان والتوحيد ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ مثل ما يقول هؤلاء الحمقى في شأنك يا أكمل الرسل. ثم قال سبحانه على سبيل التعجب والإنكار أَتَواصَوْا بِهِ أي أوصى بعضهم بعضا اى أسلافهم لا خلافهم بهذا القول والتكذيب فتواطؤوا عليه جميعا مع انه لا يمكنهم هذه التوصية في الازمنة

стр. 933

الطويلة بَلْ هُمْ اى هؤلاء الأخلاف قَوْمٌ طاغُونَ مشاركون في البغي والطغيان والضلال والعدوان مع أسلافهم في مقتضيات فطرتهم ولوازم جبلتهم لذلك اتصفوا بما اتصفوا لاشتراك أسبابهم وبعد ما قد أصروا على ما هم عليه من العناد ولم ينفعهم الآيات والنذر فَتَوَلَّ عَنْهُمْ واعرض يا أكمل الرسل بعد ما بذلت وسعك في هدايتهم وإرشادهم فان لم يهتدوا فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ على اعراضك عنهم وانصرافك عن إرشادهم ودعوتهم بعد التبليغ وَذَكِّرْ للقابلين المستحقين فَإِنَّ الذِّكْرى والعظة تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ الموفقين من لدنا على الايمان المجبولين على فطرة اليقين والعرفان وَاعلم يا أكمل الرسل انى بمقتضى حكمتى ومصلحتي ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وما أظهرت أشباحهم واظلالهم على هذه الهياكل والهويات وما صورتهم على هذه الصور البديعة وما أودعت فيهم ما أودعت من جوهر العقل المفاض إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ويعرفوني ويتحققوا بوحدة ذاتى وكمالات أسمائي وصفاتي وباستقلالى في وجودى وفي عموم تصرفاتي في ملكي وملكوتي وباستحقاقى للاطاعة والعبودية مطلقا بلا شوب شركة ومظاهرة من احد والا ما أُرِيدُ وما اطلب مِنْهُمْ بخلقهم واظهارهم مِنْ رِزْقٍ اى تحصيل رزق صورى او معنوي ارزق به عبادي إذ خزائن ارزاقى مملوة وذخائر رحمتي متسعة وَما أُرِيدُ ايضا منهم أَنْ يُطْعِمُونِ الأعلى الفقراء الذين هم عيالي طلبا لمرضاتى كما جاء في الحديث صلوات الله على قائله يقول الله سبحانه استطعمتك فلم تطعمني اى لم تطعم عبدى الجائع وكيف يريد منهم سبحانه أمثال هذا إِنَّ اللَّهَ المتوحد بالالوهية والربوبية هُوَ الرَّزَّاقُ المنحصر المخصوص في ترزيق عموم العباد إذ لا رازق لهم سواه وهو ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ والطول العظيم وهو الحاكم المقتدر الغالب على عموم مراداته ومقدوراته على وجه الاحكام من الانعام والانتقام وبالجملة فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا رسول الله ﷺ بأنواع التكذيب والإنكار والاستهزاء والاستحقار ذَنُوباً اى حظا وافرا ونصيبا كاملا من العذاب العاجل والآجل مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ اى مثل نصيب أسلافهم من الكفرة المكذبين للرسل الماضين وسيلحقهم مثل ما لحقهم بل أضعافه وآلافه فَلا يَسْتَعْجِلُونِ لحوقه وحلوله أولئك المنكرون وبالجملة فَوَيْلٌ عظيم وعذاب شديد هائل نازل لِلَّذِينَ كَفَرُوا ستروا الحق واعرضوا عنه وأظهروا الباطل وأصروا عليه عنادا مِنْ يَوْمِهِمُ الفظيع الفجيع الَّذِي قد كانوا يُوعَدُونَ به في النشأة الاولى ألا وهو يوم القيامة والطامة الكبرى المعدة لتعذيب العصاة الغواة وتفضيحهم فيها. جعلنا الله من الآمنين الناجين من عذابه بفضله ولطفه خاتمة سورة الذاريات عليك ايها الموحد المجبول على فطرة المعرفة والتوحيد واليقين ان تتفكر في حكمة ظهورك ومصلحة بروزك من كتم العدم وتتدبر في معرفة نفسك في عموم احوالك لينكشف لك من التأمل فيها الاطلاع على موجدها ومظهرها وعلى اتصافه بالأوصاف الكاملة والأسماء الشاملة ثم منها الى توحيده واستقلاله في الوجود وعموم الآثار المترتبة عليه حتى تفوز الى غاية قصواك ونهاية مبتغاك من اليقين والايمان وكمال ما يترتب على ظهورك من التوحيد والعرفان والله المستعان وعليه التكلان

стр. 934

[سورة الطور] فاتحة سورة الطور لا يخفى على من تحقق بمقام القلب وتمكن في مقعد صدق المغرفة والتوحيد ان ذات الحق وحيطة حضرة علمه وسعة لوح قضائه وشمول قلم تقديره وتدبيره مما لا يكتنه مطلقا لا ذاته ولا أوصافه وأسماؤه بل لا نهاية لحيطتها ولا غاية لحصرها وشمولها لذلك اقسم سبحانه بذاته العظيم وعلمه العميم ووصفه القديم تعليما لعباده وتنبيها لهم نحو مبدئهم ومعادهم فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي تجلى في عموم ما تجلى حسب أسمائه الحسنى وأوصافه العليا الرَّحْمنِ عليهم بالرزق الأوفى الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى سدرة المنتهى [الآيات] وَالطُّورِ اى وحق الذات المقدس في ذاته عن الظهور والبطون المنزه في تحققه وثبوته عن البروز والكمون وَكِتابٍ مَسْطُورٍ الذي هو حضرة العلم الإلهي الذي قد سطر بالقلم الأعلى فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ هو لوح القضاء المحفوظ عن التناهى والانقضاء المحروس عن مطلق التغير والانمحاء وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الإلهي الذي هو عبارة عن قلب العارف المحقق المتحقق بمقام الفناء عن الفناء الواصل بدوام التحقق والبقاء ببقاء ذي العظمة والكبرياء المعبر بها عن عالم العماء اللاهوتى الذي هو سواد أعظم الفقر وبيت الله الأعظم الأكبر وَحق السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ الذي هو سماء الأسماء الإلهية والصفات المقدسة المنزهة عن مطلق التعديد والإحصاء إذ الكمالات المترتبة على نشأة الوجود وتجليات الذات غير متناهية وغير منقطعة وغير متكررة قطعا وَحق الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ الذي هو كناية عن مطلق الوجود البحت المحيط بالكل بمقتضى الجود إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل لعصاة عباده لَواقِعٌ نازل عليهم في يوم الحشر والجزاء ما لَهُ مِنْ دافِعٍ لان من قدر على أمثال هذه المقدورات واتصف بهذه الأسماء والصفات بالأصالة والاستحقاق لا يعارض حكمه ولا يدفع قضاؤه اذكر يا أكمل الرسل للمكذبين المنكرين للحشر والنشر كيف حالهم يَوْمَ تَمُورُ تتحرك وتضطرب السَّماءُ مَوْراً اضطرابا غريبا وتحركا بديعا لا على الوجه المعتاد الى حيث قد طويت ولفت كطي السجل للكتاب وَتَسِيرُ الْجِبالُ الرواسي الرواسخ سَيْراً عجيبا غريبا بحيث قد تفتتت وتلاشت اجزاؤها ولم يبق سمكها ورفعتها مطلقا وتصير الأرض قاعا صفصفا بحيث لا ترى فيها عوجا ولا امتا فَوَيْلٌ عظيم وعذاب شديد يَوْمَئِذٍ واقع لِلْمُكَذِّبِينَ المسرفين المصرين الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ في الأباطيل الزائغة يَلْعَبُونَ بآيات الله الدالة على وحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ يُدَعُّونَ يطرحون ويدفعون إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا طرحا ودفعا على وجه العنف والزجر المفرط مشدودى الأيدي والأعناق بالسلاسل والأغلال فيقول لهم حينئذ تفضيحا وتوبيخا هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ وتنكرون الآيات والنذر الواردة في شأنها وتنسبونها الى السحر والكهانة وغير ذلك من الخرافات وأنتم ايها المنهمكون في الضلال والطغيان والكفر والكفران في سالف الزمان قد كنتم نسبتم الوحى والإلهام الى السحر والأوهام تأملوا الآن أَفَسِحْرٌ هذا الذي أنتم تطرحون فيها وتعذبون بها كما زعمتم فيما مضى أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ولا تشعرون بها وبحرها وحرقها كما قد كنتم لا تشعرون بالآيات الواردة في شأنها حينئذ وبالجملة اصْلَوْها وادخلوا فيها وبعد دخولكم فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا وعلى أى وجه تصيرون وتكونون لا مخلص لكم عنها ولا مخرج منها بل

стр. 935

سَواءٌ عَلَيْكُمْ الصبر وعدمه اى في عدم النفع والدفع إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى ما تجزون بهذا الجزاء الا بما كسبتم لأنفسكم واعددتم فيلحقكم الآن وبال ما اقترفتم فيما مضى حتما على مقتضى العدل الإلهي فلا ينفعكم الصبر والاضطراب. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه من تعقيب الوعيد بالوعد إِنَّ الْمُتَّقِينَ المتحفظين في النشأة الاولى نفوسهم عن محارم الله المحترزين عن انكار آياته الواردة في الوعد والوعيد متلذذون في النشأة الاخرى فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ أية جنات وأى نعيم رياض الرضاء ونعيم التسليم فاكِهِينَ مترفهين مسرورين فيها مطمئنين راضين بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ بمقتضى فضله وسعة جوده ولطفه وَبما وَقاهُمْ وحفظهم رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ اى عن أهوالها وافزاعها فيقال لهم فيها على سبيل التبشير والتفريح كُلُوا وَاشْرَبُوا من الرزق الصوري والمعنوي هَنِيئاً بلا تنقيص وتكليف بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى بسبب صالحات أعمالكم وحسنات أفعالكم مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ معدة لهم مَصْفُوفَةٍ منضودة وفق أعمالهم وأحوالهم ومواجيدهم ومقاماتهم وَبعد ما تمكنوا على السرر مسرورين زَوَّجْناهُمْ وقرناهم استيناسا منا إياهم بِحُورٍ عِينٍ مصورة من المعارف والحقائق المنكشفة لهم المشهودة بعيون بصائرهم وَقرناهم ايضا عناية منا لهم مع إخوانهم ورفقائهم من الموحدين الَّذِينَ آمَنُوا بالله وانكشفوا بتوحيده وَاتَّبَعَتْهُمْ ايضا ولحقت معهم ذُرِّيَّتُهُمْ اى جميع ما تشعب وتفرع من أولادهم وأعمالهم الصادرة عنهم حال كونهم متصفين بِإِيمانٍ يقيني وتصديق قلبي قبل وصولهم الى اليقين العيني والحقي بل قد أَلْحَقْنا بِهِمْ ايضا ذُرِّيَّتُهُمْ اى مشاهداتهم ومكاشفاتهم الواردة عليهم حسب مواجيدهم ومقاماتهم وحالاتهم بعد اتصافهم باليقين العيني والحقي وَبالجملة ما أَلَتْناهُمْ وما نقصنا عنهم مِنْ جزاء عَمَلِهِمْ الناشئ منهم الصادر عنهم في طريق الهداية والرشد مِنْ شَيْءٍ قليل نزر يسير بل قد وفرنا عليهم جزاء الكل مع مزيد عليهم تفضلا منا وإحسانا من لدنا إذ كُلُّ امْرِئٍ ذي هوية شخصية مجبولة لحكمة المعرفة ومصلحة التوحيد بِما كَسَبَ ومع ما اقترف من الأسباب والوسائل الى درجات الجنان او الى دركات النيران رَهِينٌ مرهون مقرون لا ينفصل عنها ولا ينقطع امدادنا إياهم بل وَأَمْدَدْناهُمْ تفضلا منا عليهم وتكريما لهم بِفاكِهَةٍ من المعارف والحقائق الواردة المتجددة آنا فآنا حسب الشئون الإلهية وتجلياته الجمالية والجلالية وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ومما يتقتون لتقوى به أشباحهم وأرواحهم يَتَنازَعُونَ ويتجاذبون على سبيل الملاطفة والملاينة فِيها كَأْساً من رحيق التحقيق مع انه لا لَغْوٌ فِيها من فضول الكلام وَلا تَأْثِيمٌ من قبح الأفعال المستلزمة لانواع الآثام كما هو عادة الشاربين في الدنيا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ بكأس التحقيق ورحيق اليقين غِلْمانٌ متعلقة لَهُمْ مصورة من قواهم المدركة المملوكة لهم المسخرة لنفوسهم المطمئنة الراضية المرضية بمقتضيات القضاء الإلهي كَأَنَّهُمْ من غاية الصفاء عن كدر الهوى ورعونات الرياء لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ مصون محفوظ في أصداف أشباحهم عن التلطخ بقاذورات الدنيا الدنية وعن التلوث بخبائث الآراء والأهواء الفاسدة وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ بطريق المسرة والانبساط يَتَساءَلُونَ عن أعمالهم وأحوالهم ومواجيدهم ومقاماتهم التي كانوا عليها في نشأة الابتلاء حيث قالُوا اى بعضهم في جواب بعض على وجه المذاكرة والمواساة

стр. 936

إِنَّا كُنَّا قَبْلُ اى قبل انكشافنا بسرائر التوحيد فِي أَهْلِنا اى بين أبناء الدنيا مُشْفِقِينَ خائفين عن غضب الله محترزين عن عصيانه وطغيانه مشتغلين بطاعته وجلين عن بطشه وسخطه وعن سطوة سلطنة قهره وجلاله راجين من سعة رحمته وموائد جوده وكرمه فَمَنَّ اللَّهُ المكرم المتفضل عَلَيْنا وهدانا الى طريق التوحيد ووفقنا للعروج الى معارج العناية والتحقيق وَوَقانا بلطفه عَذابَ السَّمُومِ اى عن عذاب النار المحرقة النافذة في عموم المسامات مثل السموم إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ في دار الدنيا قبل حلول الساعة وقيام القيامة نَدْعُوهُ سبحانه ونتضرع نحوه ونسأل منه الحفظ والوقاية من عذابه ونكاله سبحانه في هذا اليوم الهائل الموعود وكيف لا نسأل منه إِنَّهُ سبحانه هُوَ الْبَرُّ المحسن المخصوص المنحصر على الإحسان والانعام الرَّحِيمُ كثير الرحمة والامتنان سيما على السائلين المؤملين المستحقين فأجاب سبحانه سؤالنا وأنجح آمالنا بمقتضى سعة رحمته وجوده وبعد ما قد سمعت يا أكمل الرسل ما سمعت من فضل الله ولطفه وسعة رحمته وجوده مع أوليائه فَذَكِّرْ واثبت أنت على العظة والتذكير لعموم عباد الله وبلغهم عموم ما اوحى إليك من لدنا ولا تبال باعراضهم وانصرافهم عنك وبقولهم الباطل في حقك فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ التي هي الآيات المنزلة إليك الملهمة لك من ربك بِكاهِنٍ مبتدع مجترئ على الاخبار عن المغيبات بلا وحى من قبل الحق والهام من جانبه وَلا مَجْنُونٍ مختل العقل مخبط الرأى كما يزعم في شأنك المسرفون المفترون المفرطون أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ يعنى بل لا تلتفت يا أكمل الرسل ايضا الى قولهم بانك شاعر فصيح بليغ قد بلغت الى درجة أعلى من البلاغة بحيث قد عجز عن معارضتك اقرانك من البلغاء فنحن نَتَرَبَّصُ وننتظر بِهِ اى بانقضائه وهلاكه رَيْبَ الْمَنُونِ اى مر الأيام وكر الشهور والأعوام الى ان يموت فنتخلص يومئذ من فتنته وشدته قُلْ لهم يا أكمل الرسل على سبيل المجاراة بعد ما سمعت منهم ما سمعت تَرَبَّصُوا وانتظروا لمقتي وموتى ايها المفسدون المفرطون فَإِنِّي ايضا مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ المنتظرين لمقتكم وهلاككم والأمر بيد الله والحكم مفوض الى مشيته موكول الى ارادته يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أَمْ يكابرون في هذه الاحكام المتناقضة مجادلة ومراء إذ ينسبونك مرة الى الكهانة المتضمنة لكمال الفطانة ومرة الى الجنون المنبئ عن نهاية البلادة وتارة الى الشعر المستلزم لحفظ الوزن والقافية مع ان ما جئت به من الكلام عار عن الوزن خال عن القافية مطلقا بل تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ السخيفة المستمدة من اوهامهم الضعيفة بِهذا القول الباطل الزاهق الزائل أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ باغون متناهون في العتو والفساد والعناد وقد صدر عنهم أمثال هذه الهذيانات بلا تأمل وتدبر بمقتضى عتوهم وثروتهم وكبرهم وخيلائهم كما هو عادة ارباب النخوة واصحاب الجاه والثروة خذلهم الله واهلكهم بها أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ واختلقه من تلقاء نفسه ونسبه الى الوحى والإلهام تغريرا وتزويرا بَلْ معظم أمرهم وقصارى رأيهم ومآل شأنهم انهم لا يُؤْمِنُونَ لا به ولا بك يا أكمل الرسل لذلك يتفوهون بأمثال هذه المطاعن والقوادح من شدة شكيمتهم وغلظ غيظهم وضغينتهم معك وبعد ما قد بالغوا في القدح والطعن وبلغوا غاية الإنكار والإصرار قل لهم يا أكمل الرسل على وجه التعجيز والتبكيت فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ أولئك المسرفون المفرطون إِنْ كانُوا صادِقِينَ في زعمهم ومفترياتهم مع انهم لم يأتوا بل لا يتأتى منهم الإتيان ايضا وان

стр. 937

تظاهروا وتعاونوا بعموم من في الأرض إذ هو خارج عن طور البشر ومشاعره مطلقا أيصرون أولئك الحمقى المصرون على انكار الخالق مع انهم مخلوقون أَمْ اعتقدوا انهم قد خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وبلا فاعل خارج موجد مؤثر أَمْ اعتقدوا نفوسهم انهم هُمُ الْخالِقُونَ المستقلون في إيجاد هياكلهم بلا مؤثر خارجى أيحصرون حينئذ خالقيتهم لأنفسهم فقط أَمْ اعتقدوا انهم قد خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى العلويات والسفليات والممتزجات جميعا وبالجملة هم حينئذ لا ينكرون حدوث الأشياء واستنادها الى المحدث المؤثر إذ هي من اجلى البديهيات بَلْ لا يُوقِنُونَ ولا يتصفون باليقين في اثبات الموجد القويم وتوحيده أهم يثبتون مرتبة النبوة من تلقاء أنفسهم ويختارون لها من يريدون ويرجحون حسب آرائهم الباطلة العاطلة أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ فيحكمون منها ما يحكمون أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ الغالبون المقتدرون على عموم مقاصدهم ومطالبهم فيفعلون عموم ما يأملون بالإرادة والاختيار أَمْ ادعوا علم الغيب بالاستماع من الملاء الأعلى أم لَهُمْ سُلَّمٌ ومرقاة يصعدون بها الى مكان من السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ من الملائكة ما يظهرون به على تكذيب الرسول وقدح القرآن وغير ذلك من مزخرفاتهم فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وحجة واضحة ومعجزة ساطعة قاطعة كما اتى بها الرسول ﷺ أأنتم العقلاء المتصفون بكمال الرشد والرزانة ايها المسرفون المفرطون أَمْ أنتم السفهاء المنحطون عن زمرة العقلاء مع ان دعواكم بانه لَهُ سبحانه الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ تدل على سفاهتكم وانحطاطكم عن مقتضى العقل إذ اثبات الولد مطلقا للواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الأهل والولد بعيد بمراحل عن مقتضى العقل فكيف اثبات اخس الأولاد له سبحانه تعالى عما يقولون علوا كبيرا فثبت ان أولئك الحمقى سفهاء ساقطون عن رتبة العقلاء وعن اهل العبرة والذكاء فلا يسمع منهم مطلق الدعوى سيما في الأمور الضرورية أينكرون رسالتك ويظنون لحقوق الضرر إياهم منك أَمْ يظنون انك بسبب تبليغك إياهم الوحى والإلهام الإلهي تَسْئَلُهُمْ وتطلب منهم أَجْراً جعلا عظيما فَهُمْ حينئذ مِنْ مَغْرَمٍ والتزام غرامة عظيمة مُثْقَلُونَ متحملون الثقل لذلك قد شق عليهم الأمر الى حيث انكروك وانصرفوا عن الايمان بك وعن تصديقك ليتخلصوا عنه وبالجملة أينكرون رسالتك يا أكمل الرسل من تلقاء أنفسهم وحسب قرائحهم الركيكة أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ اى لوح القضاء المثبت فيه عموم الأشياء فَهُمْ يَكْتُبُونَ المغيبات منه ويظهرون بها أَمْ يُرِيدُونَ ويقصدون كَيْداً لرسول الله في دار الندوة فَالَّذِينَ كَفَرُوا وقصدوا مكرا عليه ﷺ هُمُ الْمَكِيدُونَ الممكورون المقصورون على كيدهم ومكرهم لا يتجاوز عنهم وباله وبالجملة أينكرون توحيد الحق مكابرة أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يعبدونه كعبادته ويطيعون له مثل أطاعته ويستعينون منه في الخطوب والملمات مثل اسئلتهم من الله وبالجملة سُبْحانَ اللَّهِ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ له من أدون مخلوقاته واخس مصنوعاته وَبعد ما قد الحوا واقترحوا بقولهم فاسقط علينا كسفا من السماء إِنْ يَرَوْا كِسْفاً قطعا مِنَ السَّماءِ ساقِطاً عليهم حسب اقتراحهم يَقُولُوا من شدة عنادهم وفرط انكارهم وتركب جهلهم المركوز في جبلتهم ما هذا الا سَحابٌ مَرْكُومٌ قد تراكم بعضه على بعض فيسقط وبالجملة فَذَرْهُمْ يا أكمل الرسل واتركهم على ما هم عليه من العدوان والطغيان حَتَّى يُلاقُوا ويصلوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يموتون ويهلكون بالمرة وهو عند

стр. 938

النفخة الاولى ثم يحشرون ويعذبون يَوْمَ اى يومئذ لا يُغْنِي عَنْهُمْ ولا يدفع كَيْدُهُمْ الذي أتوا به في دار الندوة والابتلاء شَيْئاً من الدفع والإغناء في رد عذاب الله وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ولا يمنعون حينئذ من بطشه وعذابه بل هم مع ذلك لا يمهلون الى العذاب الآجل ايضا بل يعذبون في العاجل والبرزخ ايضا بأنواع العذاب والنكال كما قال سبحانه وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ العذاب الأخروي الموعود لهم ألا وهو وقوعهم في نيران الإمكان بأنواع الخيبة والخسران وتقيدهم فيها بسلاسل الآمال الطوال وأغلال الأماني وأنكال اللذات والشهوات المتواردة عليها والمصيبات المتعاقبة إياهم في عموم الأوقات والساعات بحيث لا يسع لهم التنفس لحظة خلصنا الله وعموم عباده عن أمثاله وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ولا يفهمون المها مع انها من أشد العذاب ايلاما وأصعب الوبال والنكال انتقاما أعاذنا الله وعموم عباده منها وَبالجملة اصْبِرْ يا أكمل الرسل لِحُكْمِ رَبِّكَ بإمهالهم الى قيام الساعة وابقاءك فيما بينهم بأنواع التعب والعناء ولا تستعجل لمقتهم وهلاكهم ولا تخف من مكرهم وكيدهم معك وغدرهم عليك فَإِنَّكَ محفوظ بِأَعْيُنِنا وكنف حفظنا ووفور حراستنا وحضانتنا نكفيك ونكف عنك مؤنة شرورهم ولا تلتفت إليهم ولا تبال بمكرهم وكيدهم ولا تشتغل عنا بهم وبمخاصمتهم ونزاعهم وَسَبِّحْ اى نزه ربك عن ان يعجز عن أخذهم وانتقامهم او عن انجاز ما وعد لك من تعذيبهم وكن مشغولا بِحَمْدِ رَبِّكَ في عموم أوقاتك وحالاتك سيما حِينَ تَقُومُ من منامك وَمِنَ اللَّيْلِ حين استراحتك فيه فَسَبِّحْهُ لتكون على ذكر من ربك حين رقودك وركود حواسك ليكون ذكرك حينئذ توصية منك بمتخيلتك وإرشادا لها وتعليما إياها وَسبحه ايضا إِدْبارَ النُّجُومِ اى وقت دبور النجوم وغبورها وظهور ضياء الشمس من الشرق وشروقها فان كلا الوقتين وقت فراغ البال عن مطلق التشتت والاشغال العائقة عن التوجه جعلنا الله ممن خفف أثقاله وقلل آماله بمنه وجوده خاتمة سورة الطور عليك ايها المحمدي المتوجه نحو المقام المحمود الذي هو مرتبة الكشف والشهود هداك الله الى سواء السبيل ووقاك عن مطلق التغير والتبديل ان تخلى خلدك عن الركون الى ما سوى الحق وعن الالتفات الى عموم ما يشغلك عن التوجه اليه والتحنن نحوه وعليك الاشتغال بالتسبيح والتقديس في عموم أوقاتك وحالاتك سيما في أثناء صلواتك وتهجداتك في خلال خلواتك وإياك إياك الميل الى مزخرفات الدنيا ولذاتها وشهواتها والاختلاط مع ابنائها المنغمسين بقاذوراتها فان التلطخ بزخرفة الدنيا يكل الأبصار ويعمى القلوب التي في الصدور. خفف عنا بلطفك ثقل الأوزار وارزقنا بفضلك وجودك عيشة الأبرار واصرف عنا بمقتضى كرمك شر الأشرار التي هي عبارة عن زخرفة الدنيا الغدار الغرار [سورة النجم] فاتحة سورة النجم لا يخفى على المتحققين بمقام الكشف والشهود والمنجذبين نحو الحق بشراشرهم بلا تلعثم وتلوين ان من تمكن في مرتبة المعرفة وتقرر في مقر التوحيد مصفيا سره وسريرته عن مكدرات التخمين والتقليد بحيث قد صار فانيا في الله باقيا ببقائه متكلما بكلامه متخلقا بأخلاقه متصفا بأوصافه سبحانه

стр. 939

حسب ما يسر الله له ويفيض عليه ويظهرها منه ويحكمها عليه ومن كان شأنه هذا وامره هكذا كان فانيا في الله باقيا ببقائه مستغرقا بمطالعة لقائه فلا بد وان يكون صادقا صدوقا هاديا مهديا مترصدا منتظرا في طريق الحق مترقبا للوحى والإلهام الإلهي مستنشقا من نسمات نفسات الرحمن متعرضا لنفحات الروح والريحان من رياض الجنان متشوقا الى لقاء الحنان منسلخا عن لوازم الناسوت منجذبا نحو فضاء اللاهوت فجرى عليه عموم ما جرى على وفق التسليم والرضاء بجميع ما قد ثبت له في لوح القضاء لذلك اخبر سبحانه عن استغراق حبيبه ﷺ وانجذابه بالمرة نحو مبدئه واتصاله بعالم اللاهوت وحضرة الرحموت بعد كمال انخلاعه عن كسوة عالم الناسوت واقسم سبحانه بما اقسم تأييدا لأمره وتعظيما لشأنه فقال بعد ما تيمن باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا على حبيبه ﷺ الرَّحْمنِ بعموم عباده بإظهار مرتبته ﷺ فيما بينهم الرَّحِيمِ لخواصهم المهتدين بهدايته وإرشاده ﷺ حيث يوصلهم الى مرتبة حق اليقين [الآيات] وَالنَّجْمِ إِذا هَوى يعنى وبحق الجذبات العلية الإلهية المتشعشعة اللامعة كالنجوم الثواقب الهوية والخطفات القوية النازلة لقلوب ارباب الارادة الصافية والعزيمة الخالصة المختلفة لهم من قبل عالم اللاهوت ليهتدوا بها في ظلمات التعينات الى فضاء الوحدة الذاتية وشمس الحقيقة الحقية ما ضَلَّ اى ما انحرف وما عدل صاحِبُكُمْ يعنى رسولكم المؤيد من عند الله المستوي على صراط العدالة الإلهية عن طريق التوحيد والتحقيق وَما غَوى اى ما ضل وما انصرف في سلوك سبيل الله نحو الباطل الزاهق الزائغ وَما يَنْطِقُ وما يتكلم ويتفوه بالقرآن المعجز عَنِ الْهَوى الناشئ من ظلمات الطبيعة والهيولى بل إِنْ هُوَ اى وما القرآن الذي ينزل اليه ﷺ ويتكلم هو ﷺ به إِلَّا وَحْيٌ يُوحى اليه من عند ربه بلا تصنع له فيه وتكلف من جانبه بل قد عَلَّمَهُ عناية به وتكريما له وتأييدا لشأنه ﷺ وتعظيما له شَدِيدُ الْقُوى اى الحق الذي لا حول ولا قوة في الوجود الا منه وبه وله إذ لا موجود غيره ولا اله سواه وهو سبحانه ذُو مِرَّةٍ قوة كاملة وقدرة شاملة ذاتية محيطة لعموم ما ظهر وبطن من المظاهر والمجالى وبعد تعليم الحق له وتقويته وتأييده إياه ﷺ فَاسْتَوى واعتدل ﷺ على صراط العدالة وتمكن في مرتبة الخلافة والنيابة الإلهية وَهُوَ من كمال تربية الحق وتأييده إياه قد تمكن واستعلى بِالْأُفُقِ الْأَعْلى الذي هو أفق عالم اللاهوت ومطلع شمس الذات الاحدية من مشرق عالم العماء الذي هو نور على نور وحضور في حضور لا يطرأ عليه افول ودبور وغروب وغبور ثُمَّ دَنا وتقرب ﷺ الى ربه فَتَدَلَّى ولحق وتعلق ﷺ به سبحانه نوع تعلق وتحقق الى حيث تحقق فَكانَ قرب ما بينهما قابَ قَوْسَيْنِ اى مقدار قوسي الوجوب والإمكان الحافظين لمرتبتى الربوبية والعبودية أَوْ أَدْنى واقرب منهما لفناء حصة الناسوت مطلقا في حصة اللاهوت وبقائها ببقاء حضرة الرحموت وبعد ما صار ﷺ ما صار وقرب الى حيث قرب فَأَوْحى والهم سبحانه إِلى عَبْدِهِ ﷺ الذي هو سبحانه اقرب اليه من نفسه ما أَوْحى من المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات اللدنية الفائضة عليه من لدنه سبحانه الخارجة عن طور ناسوته وطوق بشريته مطلقا فرأى ﷺ حينئذ ما رأى وانكشف ووجد ما وجد وذاق ما ذاق وبالجملة ما كَذَبَ

стр. 940

الْفُؤادُ اى فؤاده ﷺ الذي هو من مقتضيات عالم اللاهوت المتمكن في قلوب ذوى العناية واولى الألباب على وجه الوديعة من قبل الحق ما رَأى وشهد حين وصوله ولحوقه بالأفق الأعلى اللاهوتى أَتنكرون انكشافه وشهوده ﷺ ايها المحجوبون المحرومون عن وجد الوجود وذوق الشهود فَتُمارُونَهُ وتجادلون معه على سبيل المكابرة والمراء عَلى ما يَرى يعلم وينكشف له من الذوقيات والوجدانيات التي قد تأبى عنها عقولكم وتعمى بصائركم وأبصاركم ولا يمكن القاؤها وكشفنا إياها لكم وكيف تنكرون وتستبعدون منه ﷺ أمثال هذا وَالله لَقَدْ رَآهُ ما رأى من الشهودات التي تدهش منها عقول العقلاء وتتحير عندها اوهامهم وخيالاتهم نَزْلَةً أُخْرى مرة قبل عروجه ووصوله الى الأفق الأعلى والمقام الأدنى الذي هو اليقين الحقي وتلك النزلة الاخرى والوقعة العظمى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى التي ينتهى إليها ودونها اليقين العلمي والعيني إذ عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى التي يأوى إليها ارباب العناية شوقا الى لقاء الله ألا وهو موعد الرؤية والعيان ومقام التوحيد والعرفان الموعود على اهل العيان عند الحق المنان إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ المعهودة اى يغطى الموعد الموعود ويحيط به ما يَغْشى ويستر من السبحات الجلالية ومن التجليات الإلهية المتشعشعة حسب الشئون المتجددة المحيرة للعيون النواظر من ارباب المحبة والولاء الوالهين بمطالعة وجه الله الكريم وبالجملة ما زاغَ الْبَصَرُ اى ما مال وما انحرف بصر رسول الله ﷺ عند تعاقب التجليات الإلهية وترادف شئوناته الغيبية وتجدد تطوراته الجمالية والجلالية وتشعشع شمس ذاته حسب أسمائه وصفاته العلية عن شهود وحدة ذاته ولم يشغله ﷺ شيء منها عن استغراقه ﷺ بمطالعة وجه الله الكريم وَما طَغى وما مال وما انحرف بصره وقت رؤيته ونظره او ما خرج نفسه ﷺ عند رؤية ما رأى من العجائب عن ربقة الرقية وعروة المربوبية أصلا بل قد التزم وتمكن حينئذ بقيام ما لزم من آداب العبودية ولوازم الإطاعة والانقياد اكثر مما التزمها قبل انكشافه والله لَقَدْ رَأى ﷺ في ليلة الإسراء مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى التي هي من آيات ربه الذي رباه على رؤية آياته الكبرى ما لا يراه احد من المكاشفين ولا ملك مقرب ولا نبي مرسل من بنى نوعه أَتنكرون ايها الجاهلون الجاحدون بوحدة الحق عز شأنه وجل برهانه وبانكشاف حبيبه ﷺ بوحدته وبلوازم ألوهيته وربوبيته وبرسالته من عنده سبحانه الى عموم بريته وكافة خليقته ليرشدهم الى الايمان بالله والى توحيده فَرَأَيْتُمُ أثبتم وأخذتم الأصنام العاطلة الباطلة شركاء لله مشاركين معه في ألوهيته وربوبيته يعنى الاولى اللَّاتَ والثانية الْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى مع ان هؤلاء الهلكى ما هي الا جمادات لا شعور لها ولا يصدر شيء منها وأعظم من ذلك انكم قد أثبتم له سبحانه الأولاد بل أخسها وأدونها أَلَكُمُ الذَّكَرُ الأشرف الأكرم ايها الحمقى العمى المفرطون وَلَهُ سبحانه مع كمال تنزهه عن نقيصة اتخاذ الولد المترتب على القوة الشهوية الْأُنْثى المرذولة المستهجنة عندكم والله تِلْكَ القسمة التي قد جئتم بها أنتم مع استحالتها في حقه سبحانه إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى اى فلو فرض في شأنه سبحانه على سبيل فرض المحال الأولاد لكانت قسمتكم هذه قسمة عوجاء جائرة مائلة عن العدالة منحرفة عن جادة الاعتدال إذ أنتم ايها الحمقى تستنكفون عن الأنثى وتثبتونها لله المنزه عن الأهل والولد المقدس عن مطلق امارات الحدوث وعلامات النقصان وبالجملة إِنْ هِيَ

стр. 941

اى ما آلهتكم التي أنتم اثبتموها واعتقدتم شركتها مع الله إِلَّا أَسْماءٌ اى ما هي في أنفسها الا اسماء لا مسميات لها أصلا بل قد سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ تبعا وَآباؤُكُمْ اصالة من تلقاء انفسكم إذ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ برهان واضح وحجة قاطعة بل إِنْ يَتَّبِعُونَ اى ما يتبع سلافكم الحمقى إِلَّا الظَّنَّ والخيال الناشئ من اوهامهم وأحلامهم السخيفة أمثالكم ايها الأخلاف الحمقى الجاهلون وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ اى ما يتبعون الا ما تهويه وتشتهيه نفوسهم أمثالكم وَمع ذلك لَقَدْ جاءَهُمْ ونزل عليهم ايضا على ألسنة رسلهم مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى الموصل الى مرتبة التوحيد فتركوه ظلما وعدوانا ولم يتبعوه أمثالكم ايها الحمقى أتطمعون الشفاعة من تلك الهياكل الهلكى وتأملون معاونتهم ومظاهرتهم إياكم ايها الجاهلون المائلون المنحرفون عن مقتضى العقل الفطري المفاض لكم من المبدأ الفياض أَمْ تعتقدون وتظنون ان يحصل لِلْإِنْسانِ عموم ما تَمَنَّى وأمل من اللذات والشهوات المأمولة كلا وحاشا بل فَلِلَّهِ وفي قبضة قدرته وتحت تصرفه الْآخِرَةُ وَالْأُولى اى عموم ما جرى في النشأة الاولى والاخرى من الكرامات يمن بها عن من يشاء ويصرفها عن من يشاء ارادة واختيارا لا يحكم عليه ولا ينازع في سلطانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يزيد وانه سبحانه في ذاته حكيم حميد مريد مجيد. ثم قال سبحانه تسجيلا على غاية غباوتهم ونهاية بلادتهم وحماقتهم في اتخاذهم الأصنام آلهة واعتقادهم شفعاء وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ اى كثيرا من الملائكة المقبولين عند الله المهيمين بمطالعة وجهه الكريم وهم مع ذلك القرب والشرف لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً من الإغناء عند الله لكمال استغنائه وغنائه سبحانه عن العالم وما فيه إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لهم ان يشفعوا عنده سبحانه لِمَنْ يَشاءُ سبحانه خلاصهم من عباده وَيَرْضى بشفاعة أولئك الشفعاء عنده سبحانه لاستخلاص بعض العباد باذن منه سبحانه وهؤلاء الحمقى يدعون الشفاعة لأولئك الهلكى ويعتقدونها آلهة متشاركين مع الله في الألوهية والربوبية ظلما وعدوانا بلا حجة وبرهان ومن غاية عدوانهم ونهاية غيهم وطغيانهم يهينون الملائكة المقربين ويستحقرونهم حيث ينسبونهم الى الأنوثة المستلزمة لغاية النقصان وبالجملة إِنَّ المفسدين المسرفين المفرطين الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وبعموم ما جرى فيها من تنقيد الأعمال والحساب عنها والجزاء عليها لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ المنزهين عن سمات النقص مطلقا اى كل واحد منهم ظلما وزورا تَسْمِيَةَ الْأُنْثى يسمونهم بنات الله ظلما على الله بإثبات الولد له وعليهم بنسبة نقص الأنوثة إياهم وَالحال انه ما لَهُمْ بِهِ اى بتسميتهم وقولهم هذا مِنْ عِلْمٍ لا يقيني ولا ظني ولا مستند من عقل او نقل بل إِنْ يَتَّبِعُونَ وما يستندون ويتكؤن في قولهم هذا إِلَّا الظَّنَّ والتخمين الناشئ من تقليد آبائهم المنسوبين الى الجهل والعناد أمثالهم وَبالجملة إِنَّ الظَّنَّ والتخمين المستند الى الجهل والتقليد لا يُغْنِي ولا يفيد مِنَ الْحَقِّ الصريح الحقيق بالاتباع شَيْئاً من الإغناء والإفادة وبعد ما سمعت حالهم وقولهم فَأَعْرِضْ أنت يا أكمل الرسل وانصرف بنفسك عَنْ مَنْ تَوَلَّى واعرض وانصرف عَنْ ذِكْرِنا الصائن الصارف له عن أمثال هذه الهذيانات الباطلة ولا تبال بشأنه ولا تبالغ في دعوته وإرشاده وَكيف لا وهو من غاية اعراضه وانصرافه عن الحق واهله لَمْ يُرِدْ لم يختر من السعادات المنتظرة والكرامات الموعودة المعدة للإنسان إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ولذاتها وشهواتها ولم يهتم الا بشأنها واقتصر على جميع حطامها ومزخرفاتها مع كمال غفلة وانكار وذهول تام ونسيان متناه عن الكرامات الروحانية واللذات الاخروية ذلِكَ

стр. 942

الذي سمعت يا أكمل الرسل من ميلهم الى الدنيا والتفاتهم نحوها مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ والشعور المودع فيهم المتشعب من العلم اللدني الفائض عليهم من حضرة العلم الإلهي وبالجملة عليك يا أكمل الرسل ان تعرض عنهم وعن دعوتهم وإرشادهم بعد ما امرتهم به حسب العقل المفاض لهم وبالغت في تبليغهم وإرشادهم فلم يهتدوا إِنَّ رَبَّكَ الذي رباك بكمال الكرامة واصطفاك للرسالة والنيابة هُوَ أَعْلَمُ بعلمه الحضوري منك بِمَنْ ضَلَّ وانحرف عَنْ سَبِيلِهِ من عباده وبمن مال عن جادة توحيده وَهُوَ أَعْلَمُ ايضا بِمَنِ اهْتَدى منهم بهدايتك وارشادك وَكيف لا يعلم سبحانه الضالين والمضلين والهادين والمهتدين من عباده إذ لِلَّهِ خاصة ملكا وتصرفا وخلقا وإيجادا احاطة وشمولا مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وكذا في ما بينهما من الكوائن والفواسد الكائنة لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بأعمالهم وأقوالهم بِما عَمِلُوا اى بمقتضى عدله سبحانه بلا زيادة ونقصان وَيَجْزِيَ ايضا الَّذِينَ أَحْسَنُوا ايضا كذلك بِالْحُسْنَى وزاد عليهم فوق ما استحقوا بصوالح أعمالهم ومحاسن أخلاقهم وأحوالهم تفضلا عليهم وامتنانا إليهم والمحسنون هم الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ اى يحترزون عن الآثام الكبيرة المستجلبة لغضب الله المستتبعة لعذابه ونكاله في النشأة الاخرى والمستلزمة المقتضية للحدود والكفارات بحسب الشرع الشريف في النشأة الاولى وَالْفَواحِشَ اى يحفظون ايضا نفوسهم عن الفواحش المسقطة للمروة الجالبة لانواع النكبات والوعيدات الهائلة الإلهية المقتضية للخلود في دركات النيران إِلَّا اللَّمَمَ الطارئ عليهم من الصغائر بغتة فجبروه بالتوبة دفعة فانه معفو عن مجتنبى الكبائر والفواحش قبل التوبة ايضا وكيف لا يغفر سبحانه لأصحاب اللمم لممهم إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل واسِعُ الْمَغْفِرَةِ سريع العفو شامل الرحمة هُوَ سبحانه أَعْلَمُ بِكُمْ منكم وبعموم أحوالكم واطواركم ايها المجبولون على فطرة التكليف وكيف لا يعلم سبحانه أحوالكم إِذْ هو سبحانه قد أَنْشَأَكُمْ وأظهركم مِنَ الْأَرْضِ بمقتضى سعة فضله وجوده وَرباكم بأنواع التربية وقت إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ لا شعور لكم محبوسون فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ وبالجملة يعلم منكم سبحانه جميع أحوالكم واطواركم وعموم حوائجكم الماضية والآتية فَلا تُزَكُّوا اى فعليكم ان لا تنزهوا ولا تطهروا أَنْفُسَكُمْ إذ لا علم لكم بتفاصيل أحوالكم وأعمالكم مطلقا بل هُوَ سبحانه أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى منكم وحفظ نفسه عن محارمه ومساخطه سبحانه واحترز عن منهياته. ثم قال سبحانه عبرة على المستبصرين وتوبيخا على المستكبرين أَفَرَأَيْتَ ايها المعتبر الرائي الطاغي الباغي الَّذِي تَوَلَّى وانصرف عن اتباع الحق بعد ما آمن واسلم وأصر على اتباع الباطل عنادا ومكابرة بعد ما نوى ووعد التصدق من ماله وقت إيمانه وإسلامه ليكون كفارة لذنوبه وَأَعْطى قَلِيلًا منه رياء وسمعة وَأَكْدى اى قطع عطاء الباقي بعد ذلك وما وفي جميع ما وعد ونذر ثم ارتد والعياذ بالله وندم على شيء قليل تصدق ايضا فأصر على ما كان عليه من الكفر والجحود ومع ذلك الردة والرجعة زعم انه برئ من الذنوب بتصدقه. نزلت في الوليد بن المغيرة كان يتبع لرسول الله ﷺ فعيره بعض المشركين وقال تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال أخشى عذاب الله فضمن القائل ان يتحمل عنه العذاب ان أعطاه بعض ماله وبعد ما سمع من القائل شرط العطاء فارتد والعياذ بالله عن الدين ومتابعة الرسول الأمين فاعطى بعض المشروط رياء وسمعة ثم بخل بالباقي ولم يتمه ومع ذلك كان يزعم البراءة من الذنوب لذلك عيره سبحانه

стр. 943

بقوله أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى بان التصدق او تحمل الغير وتضمنه يدفع عنه العذاب أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ ولم يخبر بِما فِي صُحُفِ مُوسى وهي ألواح التوراة المنصوص فيها خلاف ذلك وَكذا لم ينبأ ايضا بما في صحف إِبْراهِيمَ الَّذِي يدعى متابعته بل وراثته والتدين بدينه مع ان الخليل صلوات الله عليه وسلامه هو الذي وَفَّى ووفر وأتم جميع ما التزمه أوامر به وبالغ في وفاء عموم ما عهد والتزم طلبا لمرضاة الله والمدعى الكاذب يدعى متابعته ولم يوف بما التزم من العهود وكيف يحمل الغير عنه الوزر او يسقط بالتصدق مع ان مضمون ما في الصحفين هو أَلَّا تَزِرُ اى انه لا تحمل نفس وازِرَةٌ آثمة وِزْرَ نفس وازرة آثمة أُخْرى وذنبها ولا تؤاخذ هي عليها بل كل نفس من النفوس الخيرة والشريرة رهينة بما كسبت ان خيرا فخير وان شرا فشر وَكذا منصوص في الصحفين المذكورين أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ المجبول على فطرة العرفان اى لكل واحد من اشخاصه إِلَّا ما سَعى واقترف لنفسه وأعد لمعاشه ومعاده وَكذا قد ثبت فيهما أَنَّ سَعْيَهُ اى سعى كل واحد من افراد الإنسان خيرا كان او شرا سَوْفَ يُرى في النشأة الاخرى مصورة بالصورة الحسنة او القبيحة بمقتضى الدرجات العلية الجنانية او الدركات الهوية النيرانية ثُمَّ بعد ما حوسب عليه عموم مساعيه يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى اى يوفر عليه من الجزاء على مقتضى سعيه في صالحات اعماله مع زيادة عليها تفضلا منه سبحانه ويجزى على فاسداتها جزاء مثلها سواء معها عدلا منه سبحانه وَايضا قد ثبت فيهما أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى اى منتهى الكل اليه كما ان مبدأه منه إذ ليس وراءه مرمى ومنتهى وَايضا منصوص فيهما أَنَّهُ سبحانه هُوَ أَضْحَكَ من اضحك وَكذا أَبْكى من ابكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا إذ لا قادر عليهما سواه ولا اله غيره وَأَنَّهُ سبحانه من كمال قدرته ووفور حكمته خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ المزدوجين الذَّكَرَ وَالْأُنْثى من كل صنف ونوع وجنس وقدر وجود الزوجين مِنْ نُطْفَةٍ مهينة مرذولة حاصلة منهما وقت إِذا تُمْنى اى تصب وتراق من كلا الجانبين في الرحم على وجه الدفق ويقدر ويخلق منها الولد وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى اى عليه سبحانه اعادة الأموات احياء في النشأة الاخرى كما ان عليه الإبداء والإبداع في النشأة الاولى وَأَنَّهُ سبحانه هُوَ بذاته لا بسبب الوسائل والوسائط العادية إذ الكل يرجع اليه حقيقة أَغْنى عموم ما اغنى بإعطاء الأموال له وبسط الأرزاق عليه وَكذا أَقْنى سبحانه ايضا عموم من اقنى بالهام القنية والحفظ والادخار عليه وانما فعل سبحانه معهم ما فعل من الإغناء والإقناء ليشكروا له ولا يشركوا معه غيره ولا يعبدوا سواه ومع ذلك لم يشكروا له بل أشركوا معه فعبدوا الشعرى وَلا شك أَنَّهُ سبحانه هُوَ رَبُّ الشِّعْرى وهي كواكب قد عبدها بعض الصابئين منهم ابو كبشة احد أجداد الرسول ﷺ لذلك يكنى بكنيته وَأَنَّهُ سبحانه بمقتضى قهره وقدرته قد أَهْلَكَ عاداً الْأُولى لشركهم بالله وخروجهم عن مقتضيات حدوده وصفهم بالأولى لأنهم أول قوم قد اهلكهم الله بعد إهلاك قوم نوح وَانه سبحانه قد أهلك ايضا ثَمُودَ فَما أَبْقى أحدا من كلا الفريقين وَقد أهلك ايضا بمقتضى قدرته الكاملة قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ اى قبل إهلاك المذكورين إِنَّهُمْ اى قوم نوح كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى اى اظلم الناس على الله وعلى اهله واطغاهم وأغواهم عن سبيل الهداية والرشد وَانه سبحانه قد أهلك الْمُؤْتَفِكَةَ اى أهلك القرى المنقلبة

стр. 944

وهي قرى قوم لوط الى حيث أَهْوى اى أسقط عليهم دورهم وأماكنهم بعد ما رفعها نحو السماء فقلبها عليهم بحيث جعل عاليها سافلها فَغَشَّاها حينئذ ما غَشَّى اى قد غطاها وسترها بما غطاها بامطار الحجارة عليها وإنزال انواع المصيبات إليها والعاهات والنكبات نحوها وبالجملة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ واصناف نعمائه المتوالية المتتالية من انتقام الأعداء وانعام الأولياء تَتَمارى وتتدافع على وجه الجدال والمراء ايها المحجوب الجاحد لوحدة الحق وتوحده واستقلاله في عموم تصرفاته في ملكه وملكوته بكمال الارادة والاختيار والفاقد عين العبرة وبصر البصيرة المستلزمة لانواع التأمل والاعتبار وبالجملة اعلموا ايها المجبولون على فطرة التكليف المثمرة للمعرفة والتوحيد ان هذا اى رسولكم الذي أرسل إليكم من لدنا ليرشدكم الى توحيد الذات مؤيدا بالكتاب المبين المبين لمقدمات التوحيد مشتملا على الأوامر والاحكام المؤدية اليه وكذا على النواهي العائقة عنه والعبر والتذكيرات المصفية لنفوسكم عن الركون الى ما ينافيه من المزخرفات الدنية الدنياوية الجالبة لانواع اللذات والشهوات الجسمانية المورثة لكم من شياطين نفوسكم وقواكم البهيمية الظلمانية المتفرعة على الطبيعة والهيولى الامكانية والغواشي الاركانية التي هي من نتائج التعينات العدمية الناسوتية المانعة من الوصول الى صفاء عالم اللاهوت نَذِيرٌ لكم أكمل مِنَ النُّذُرِ الْأُولى إذ هم منذرون عن الشواغل المنافية لتوحيد الصفات والأفعال ونذيركم هذا ﷺ ينذركم من موانع توحيد الذات المستلزم لتوحيد الصفات والأفعال واعلموا يقينا انه بعد بعثته ﷺ قد أَزِفَتِ الْآزِفَةُ اى دنت القيامة الموعودة واقتربت الساعة المعهودة مع انها لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ اى ليست نفس قادرة على كشفها وتعيين وقت وقوعها وقيامها سوى الله تعالى إذ هي من جملة الغيوب التي قد استأثر الله بها ولم يطلع أحدا عليها. ثم وبخ سبحانه على منكري القرآن ويوم القيامة ومكذبيهما وقرعهم فقال أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ الصحيح والحق الصريح الذي هو القرآن المعجز المبين لأمر الساعة بأنواع الحجج والبرهان تَعْجَبُونَ تعنتا واستكبارا وجحودا وإنكارا ايها المتعجبون المستكبرون المفرطون وَتَضْحَكُونَ منه استهزاء ومراء وَلا تَبْكُونَ من سماع الوعيدات الهائلة المذكورة فيه تلهفا وتأسفا على ما قد فرطتم لأنفسكم وأفرطتم عليها مع ان الاولى والأليق بحالكم التلهف والبكاء وَبالجملة أَنْتُمْ ايها الحمقى العمى الجاهلون الجاحدون سامِدُونَ لاهون ساهون متكبرون عما فيه من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد تجاهلا وتغافلا مكابرون عليها عتوا وعنادا وان أردتم التلافي والتدارك فَاسْجُدُوا لِلَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المستقل في الألوهية والوجود وتذللوا له حق التذلل وعظموه حق التعظيم والتبجيل وَاعْبُدُوا له حق عبادته خاشعين خاضعين ضارعين تائبين آئبين كي تصلوا الى زلال معرفته وتعرفه وتوحيده آمنين فائزين. جعلنا الله من جملة عباده العابدين المتذللين الخاضعين الخاشعين الآمنين الفائزين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون خاتمة سورة والنجم عليك ايها المريد القاصد لسلوك طريق التوحيد عصمك الله عن آفات التخمين والتقليد واعانك على التبتل والتجريد ان تلازم المجاهدة والانكسار المفرط والتذلل التام والافتقار اللازم مع دوام

стр. 945

العزلة والفرار عن اصحاب الثروة والاستكبار صارفا عنان عزمك نحو إسقاط عموم الإضافات ومطلق الاعتبار طالبا للتجرّد عن ملابس الحياة المستعارة ملازما لسبيل الفناء المثمر للبقاء الأبدي والحياة الازلية السرمدية حتى تتخلص من اودية الضلال وتصل الى فضاء الوصال بتوفيق من لدنه وجذب من جانبه [سورة القمر] فاتحة سورة القمر لا يخفى على من ترقى عن حضيض الإمكان ووصل الى ذروة وجوب الوجود وتمكن في مقام الكشف والشهود مجردا عن جميع القيود والحدود المنافية لصرافة الوحدة الذاتية ان ظهور الخوارق من المعجزات والكرامات وانواع الارهاصات الصادرة من النفوس الزكية القدسية الواصلة الى المبدأ الحقيقي الفانية فيه المضمحلة دونه انما هو بمقتضى الشئون الإلهية المترتبة على الأسماء والصفات الذاتية الإلهية ولا شك ان أكمل ارباب الوصول وأفضلهم انما هو نبينا الكامل المكمل المتحقق بمرتبة الخلة والخلافة صلوات الله وسلامه عليه ولهذا قد صدر عنه ﷺ بحيث اشارته اللطيفة الشريفة ما صدر من المعجزات سيما انشقاق القمر ليلة البدر حسب اقتراح المنكرين عليه بإظهار الآيات والحاحهم إياه ﷺ فصار انشقاقه هذا من امارات اقتراب الساعة الموعودة والنشأة الآتية المعهودة كما اخبر سبحانه عنه بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بالقدرة الكاملة على عموم مقدوراته الرَّحْمنِ لجميع مخلوقاته في النشأة الاولى بافاضة الوجود عليها بمقتضى الجود الرَّحِيمِ لنوع الإنسان حيث يوقظهم من منام الغفلة ويوصلهم الى مقام الوحدة ويطلعهم على قيام الساعة والطامة الكبرى التي قد انقهرت دونها نقوش الأغيار والسوى مطلقا [الآيات] اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وقد دنت القيامة الموعود قيامها ومن جملة علاماتها الموضوعة لها في علم الله انشقاق القمر ليلة البدر وَقد انْشَقَّ الْقَمَرُ باشارة الحضرة الختمية الخاتمية المحمدية ﷺ معجزة له وامارة للساعة وقيامها باخبار الله إياها وقد وقع منه ﷺ هذا الانشقاق وتواتر خبر وقوعه وَالمنكرون المصرون على الإنكار والتكذيب المقيدون بعقال العقل الفضول المغلولون بأغلال الأحلام المشوبة بالخيالات والأوهام إِنْ يَرَوْا آيَةً معاينة دالة على قدرة الصانع الحكيم والقادر العليم يُعْرِضُوا عنها لعدم مطابقتها وموافقتها بعاداتهم واعتقاداتهم وبمقتضيات اوهامهم وخيالاتهم وَيَقُولُوا من شدة انكارهم وعنادهم هذا الذي صدر منه على خلاف العادة ما هو الا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ من زمان وقوعه لا مختلق مبتدع منه فقط وَبالجملة قد كَذَّبُوا الآية الخارقة للعادة وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ المعتادة الفاسدة الموروثة لهم من آبائهم الضالة المضلة المسرفة وَهكذا كُلُّ أَمْرٍ رسخ وتمكن في نفوسهم سواء كان خيرا او شرا طاعة او معصية ولاية وعداوة مُسْتَقِرٌّ ثابت متمكن في مكانه بعد ما تقرر وتمرن بحيث لا يتعداه أصلا وَمن نهاية تمكنهم ورسوخهم في الكفر والعناد وتمرنهم على البغي والفساد لَقَدْ جاءَهُمْ في القرآن المرشد لهم الى الهداية والعرفان مِنَ الْأَنْباءِ والاخبار والقصص والحكايات الجارية على القرون الماضية المصرة على العتو والعناد أمثالهم ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ اى وعيدات هائلة موجبة للانزجار الكامل والارتداع المتبالغ لأصحاب العبرة والاستبصار إذ هي كلها حِكْمَةٌ متقنة بالِغَةٌ نهايتها في الاحكام

стр. 946

والإتقان ومع ذلك فَما تُغْنِ النُّذُرُ وما تفيدهم انذاراتهم أصلا إذ هم اى أولئك الضالون المسرفون المفرطون مجبولون على الغواية والبلادة المتناهية أمثال هؤلاء الغواة الطغاة المصرين على انواع العتو والعناد معك يا أكمل الرسل وبالجملة فَتَوَلَّ عَنْهُمْ واعرض عن دعوتهم وإرشادهم وانتظر يَوْمَ يَدْعُ ويناد الدَّاعِ المنادى ألا وهو اسرافيل ﵇ ودعاؤه كناية عن نفخه في الصور للبعث والحشر إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ فظيع فجيع تنكره النفوس إذ لم يعهد مثله ألا وهو هول يوم القيامة المعدة للحساب والجزاء بعد ما سمعوا النداء الهائل والصداء المهول خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ اى شاخصة ذليلة كالتائه الهائب الهائل يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ اى قبورهم التي هم مدفونون فيها في عالم البرزخ ويتحركون على الأرض كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ في الكثرة والانتشار الى الأماكن فيتوجهون مُهْطِعِينَ مسرعين إِلَى الدَّاعِ المنادى مادين أعناقهم نحوه من شدة خوفهم وهولهم ليعلموا لم يدعوهم ومن شدة تلك الساعة وأهوالها وفظاعتها يَقُولُ الْكافِرُونَ في نجواهم وفي هواجس نفوسهم هذا يَوْمٌ عَسِرٌ صعب في غاية الصعوبة والفظاعة. ثم قال سبحانه تسلية لحبيبه ﷺ حين اغتم من تكذيب قومه إياه حاكيا له ﷺ عن احوال الأنبياء الماضين وما جرى عليهم من اقوامهم تفريجا لهمه وازالة لحزنه كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ اى قبل قومك يا أكمل الرسل قَوْمُ نُوحٍ أخاك نوحا ﵇ يعنى لا تحزن يا أكمل الرسل من تكذيب هؤلاء الجهلة المكذبين ولا تغتم من اذياتهم إذ ما هي ببدع منهم بالنسبة إليك بل تذكر قصة قوم نوح فَكَذَّبُوا عَبْدَنا اى كيف كذبوا أخاك نوحا وَقالُوا له حين دعاهم الى الايمان على سبيل الاستهانة والاستهزاء هذا مَجْنُونٌ مخبط العقل مختل الرأى وَازْدُجِرَ وزجر لأجل دعوته وتبليغه إياهم الوحى الى حيث قد لطمه كل من يصل اليه ورماه بالحجارة كل من يمر عليه فصبر على أذاهم وبالغ في دعوته إياهم وبعد ما بلغت الاذية غايتها والاهانة نهايتها فَدَعا رَبَّهُ دعاء مؤمل ضريع فجيع أَنِّي اى بانى على قراءة الفتح او قال انى بالكسر مَغْلُوبٌ قد غلبني هؤلاء الغواة ولم يقبلوا منى دعوتي وهدايتي فَانْتَصِرْ على يا ربي وانتقم عنى منهم وما دعا عليهم الا بعد يأسه عن ايمانهم. روى انه كان يدعو كل واحد منهم جميعا وفرادى فيضربونه ويخنقونه حتى يخر مغشيا عليه ثم لما أفاق قال اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وبعد ما قنط وبلغ الزجر غايته تضرع نحونا مشتكيا من قومه فَفَتَحْنا بعد ما أردنا هلاكهم وانتقامهم أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ منصب كأنه يجرى من جانب السماء على وجه الجري والتوالي بلا تقاطر وَكذا فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً اى قد فجرنا عيون الأرض وصيرناها كأنها عيون كلها بل عين واحدة فَالْتَقَى الْماءُ الحاصل من كلا الجانبين وبلغا عَلى أَمْرٍ شأن واحد قَدْ قُدِرَ اى قدره الحق في حضرة علمه ولوح قضائه لإهلاك أولئك الطغاة البغاة وإغراقهم وَبعد ما طغى الماء وطاف حول الأرض قد حَمَلْناهُ اى نوحا ومن تبعه عَلى ذاتِ أَلْواحٍ اى سفينة ذات أخشاب عراض طوال وَدُسُرٍ مسامير مطولة وصيرناها بحيث تَجْرِي السفينة بِأَعْيُنِنا وبكنف حفظنا وحضانتنا وانما فعلنا مع نوح وقومه ما فعلنا ليكون جَزاءً حسنا له وسيئا لِمَنْ كانَ كُفِرَ بنعمة هدايته وإرشاده ولم يؤمن بدينه ولم يصدقه في تبليغه وَلَقَدْ تَرَكْناها اى السفينة وقصتها او الفعلة التي فعلناها مع المكذبين لرسلنا المجترئين علينا بالإنكار والكفران آيَةً دالة

стр. 947

على قدرتنا ومكنتنا على انواع الانعام والانتقام فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يدكر بها ويعتبر منها وبالجملة فَكَيْفَ كانَ عَذابِي للمنكرين المضرين على الإنكار والتكذيب وَنُذُرِ اى إنذاري وتخويفى على من يعتبر منهم ومما جرى عليهم من العقوبات وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ سهلناه لِلذِّكْرِ اى لانواع التذكيرات والمواعظ والعبر والأمثال فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يتعظ به ويتذكر مما فيه ويعتبر وايضا قد كَذَّبَتْ عادٌ كذلك لهود ﵇ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي إياهم وَنُذُرِ وإنذاري لمن بعدهم بما جرى عليهم وبالجملة إِنَّا بمقتضى عظم قهرنا وجلالنا قد أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ اى على عاد حين أردنا انتقامهم وإهلاكهم رِيحاً صَرْصَراً باردة شديدة الجري والصوت فِي يَوْمِ نَحْسٍ شؤم منحوس مُسْتَمِرٍّ شؤمه ونحوسته عليهم الى ان يستأصلوا بما فيه بالمرة ومن شدة جريها وحركتها تَنْزِعُ وتقلع النَّاسَ من أماكنهم مع انهم قد دخلوا في الحفر وتشبثوا بالأثقال كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ اى أصولها مُنْقَعِرٍ منقلب عن مغارسه ساقط على الأرض يعنى هم سقطوا على الأرض جميعا موتى بلا روح فَكَيْفَ كانَ عَذابِي إياهم وَنُذُرِ لمن بعدهم وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ المعجز المشتمل لانواع البرهان والتبيان لِلذِّكْرِ والاتعاظ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ متذكر يتعظ به وكذا قد كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ اى بعموم الإنذارات الصادرة من لسان صالح ﵇ بمقتضى الوحى والإلهام الإلهي فَقالُوا في تعليل تكذيبهم على الرسول وانذاراته مستفهما مستبعدا أَبَشَراً ناشئا مِنَّا كائنا من جنسنا مع كونه واحِداً منفردا لا رهط له ولا تبع نَتَّبِعُهُ نؤمن به ونقلد له نحن مع انه لا مزية له علينا لا بالحسب ولا بالنسب والله إِنَّا ان فعلنا هكذا واتبعنا له إِذاً لَفِي ضَلالٍ عظيم وغواية بعيدة عن مقتضى العقل والدراية وَسُعُرٍ اى قد كنا حينئذ في جنون عظيم بمتابعة هذا الرذل المفضول ثم استفهموا فيما بينهم على وجه الإنكار والاستهزاء من غاية الاستبعاد والمراء فقالوا أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ الوحى والكتاب سيما من السماء عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا مع نهاية رذالته وردائته والحال ان فينا من هو أحق به واولى منه لو فرض القاؤه ونزوله منها وبالجملة ما هو بمقتضى حاله الا مجنون مخبط مختل العقل والرأى بَلْ هُوَ كَذَّابٌ متناه في الكذب والافتراء غايته أَشِرٌ بطر مبالغ في الشرارة يريد بافترائه واختلاقه هذا ان يتكبر علينا ويتفوق بنا مع تناهيه في الشرارة والرذالة وبالجملة ما هذه الدعوى منه الا من افراط بطره وشدة شرارته وهم كانوا يقولون في حقه ما يقولون من أمثال هذه الهذيانات والمفتريات الباطلة العاطلة الا انهم سَيَعْلَمُونَ ويفهمون غَداً عند نزول العذاب العاجل والآجل عليهم مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ البطر المباهي ببطره حيث اعرض عن الحق وأصر على الباطل أصالح هو أم من كذب وأنكر عليه. ثم قال سبحانه لنبيه صالح ﵇ بعد ما قد بالغوا في العتو والعناد واقترحوا منه بإخراج الناقة من الصخرة تهكما وتعجيزا إِنَّا بمقتضى كمال قدرتنا وقوتنا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ ومخرجوها من الصخرة المعهودة وباعثوها فِتْنَةً عظيمة واختبارا وابتلاء لَهُمْ واوحيناهم في شأنها ما اوحيناهم فَارْتَقِبْهُمْ أنت يا صالح وانتظر ماذا يفعلون بها وَاصْطَبِرْ على اذياتهم بك واستهزائهم ومرائهم معك وَنَبِّئْهُمْ اى خبرهم وعلمهم منا وبمقتضى وحينا أَنَّ الْماءَ الذي به معاشهم ومعاش مواشيهم قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ اى مقسومة بين الناقة وبينهم ومواشيهم لها يوم ولهم يوم كُلُّ

стр. 948

شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ اى كل صاحب شرب يحضر الماء في يومه ولا يحضره غيره فيه على سبيل التوبة بلا تزاحم وتدافع. ثم لما قبلوا هذه القسمة بعد خروج الناقة من الصخرة المعهودة وصاروا عليها زمانا اضطروا وتضجروا من امر الناقة فَنادَوْا صاحِبَهُمْ قدار بن سالف فتشاوروا معه في امر الناقة واضطرارهم ومواشيهم عن هذه القسمة فَتَعاطى اى أخذ سيفه قدار مغاضبا وكان من اجرئهم وأشجعهم في الوقائع والخطوب فَعَقَرَ اى قدار الناقة باتفاق القوم معه واستصوابهم ولم يبال بالقسمة والوصاية الإلهية في شأنها فَكَيْفَ كانَ يعنى انظر ايها الناظر المعتبر كيف وقع وحل عَذابِي عليهم وَلحق نُذُرِ إياهم بعد عقر الناقة وبالجملة إِنَّا بمقتضى قهرنا وجلالنا قد أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً هائلة مهولة فَكانُوا اثر سماع تلك الصيحة الهائلة كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ اى مثل الأشجار اليابسة البالية في حظائر الأموال تتناثر اجسادهم كالتراب وَبالجملة لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ المشتمل على انواع الرشد والهداية لِلذِّكْرِ والعظة فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يتذكر ويهتدى بهدايته وتذكيره كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ايضا أمثال هؤلاء المكذبين بِالنُّذُرِ الواردة النازلة عليهم بلسان نبيهم لوط ﵇ وبعد ما أصروا على تكذيبه وإنكاره إِنَّا بمقتضى قهرنا وغضبنا قد أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ من جانب السماء حاصِباً ريحا صرصرا شديدة عظيمة ترميهم بالحصباء اى الأحجار الصغار الى ان هلكوا بالمرة إِلَّا آلَ لُوطٍ هو لوط وبنتاه قد نَجَّيْناهُمْ من هذه الوقعة الهائلة والكرب العظيم بِسَحَرٍ اى وقت الصبح وانما نجيناهم ليكون انجاؤنا إياهم نِعْمَةً منا واصلة ناشئة مِنْ عِنْدِنا ورحمة شاملة نازلة من لدنا عليهم بسبب ايمانهم وعرفانهم كَذلِكَ اى مثل ما فعلنا مع آل لوط نَجْزِي بمقتضى جودنا عموم مَنْ شَكَرَ لنعمنا ولم يكفر بموائد كرمنا وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ لوط ﵇ بمقتضى وحينا والهامنا إياه بَطْشَتَنا اى عن شدة بطشتنا وأخذنا إياهم بسبب فعلتهم القبيحة وديدنتهم الشنيعة فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ اى كذبوه في انذاراته ووعيداته مراء ومجادلة واستهزؤا معه وبعموم ما أوحينا اليه من الوعيد وَمن شدة مرائهم واجترائهم عليه لَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ وترددوا حول بيته حين نزول الملائكة عليه في صورة صبيان صباح ملاح اضيافا وقصدوا فجورهم ويمموا تفضيحهم فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ ومسحناها وصيرناها مستوية مع وجوههم فصاروا ممسوحة العيون. روى انه لما دخلوا داره عنوة صفتهم جبرائيل ﵇ صفقة فأعماهم دفعة فَذُوقُوا اى فقلنا لهم حينئذ ذوقوا عَذابِي وَنُذُرِ المنذر به على لسان نبينا لوط ﵇ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ ولحق بهم بُكْرَةً قريبة من الصبح عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ مستمر عليهم الى ان يستأصلهم بالمرة ويسلمهم الى النار فَذُوقُوا عَذابِي اى قلنا لهم حينئذ ذوقوا عذابي ايها المفسدون المسرفون وَذوقوا نُذُرِ ايها المنكرون المكذبون المفرطون وَبالجملة لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ المبين لانواع الوعيدات الهائلة الجارية على اصحاب السرف والفساد لِلذِّكْرِ اى للعبرة والعظة فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ معتبر متعظ متيقظ يعتبر من وعيدات القرآن وانذاراته وما ذكر فيه من الحكايات. ثم قال سبحانه وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ اى الإنذارات الواردة من لدنا على لسان كليمنا المؤيد من عندنا بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة وبالجملة كَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة من عندنا كُلِّها سيما بعد اقتراحهم والحاحهم عليها ونسبوها

стр. 949

الى السحر والشعبذة وانواع الخرافات الباطلة البعيدة عن شأنها بمراحل فَأَخَذْناهُمْ وانتقمنا منهم بعد ما بالغوا في العتو والعناد أَخْذَ عَزِيزٍ قادر غالب لا يغالب مطلقا مُقْتَدِرٍ كامل في القدرة بحيث لا يعجز عن مقدور قط فأغرقناهم واستأصلناهم بحيث لم يبق منهم احد على وجه الأرض ثم خاطب سبحانه كفار مكة على سبيل التوبيخ والتهديد فقال أَكُفَّارُكُمْ يا معشر العرب خَيْرٌ وأفضل مطلقا مِنْ أُولئِكُمْ الكفار المعدودين المذكورين وجاهة وثروة ومالا ومظاهرة ومكنة ومكانة مع انكم لستم أمثالهم وهم مع شدة قوتهم وشوكتهم ما نجوا من عذاب الله أتنجون أنتم ايها الحمقى البطرون أَمْ قد نزل لَكُمْ بَراءَةٌ من العذاب مكتوبة فِي الزُّبُرِ السماوية والكتب الإلهية بان من كفر منكم وخرج عن مقتضى الحدود الإلهية فهو ناج من عذاب الله برئ عن انتقامه أَمْ يَقُولُونَ من شدة حماقتهم وسخافة فطنتهم نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ اى نحن جماعة مجتمعون ومتفقون أمرنا ورأينا متفق ننصر وننتصر بعضنا ببعض بحيث لا نغالب ولا نرام أصلا وهم من غاية بطرهم ونهاية غفلتهم وغرورهم يقولون أمثال هذه الهذيانات الباطلة ولم يعلموا انه سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويفرد جنس المجموع اى جميعهم على وجه الهزيمة وَهم قد يُوَلُّونَ الدُّبُرَ اى ينصرف كل منهم عن عدوه مستدبرا منه منهزما عنه في الدنيا بَلِ السَّاعَةُ الموعودة مَوْعِدُهُمْ العظيم لتعذيبهم في العقبى وَبالجملة السَّاعَةُ والعذاب الموعود فيها أَدْهى اى أشد واعيى من دواهيها لا دواء لها ولا نجاة عنها وَأَمَرُّ مذاقا من عذاب الدنيا بل هي بأضعاف ما فيها من البليات والمصيبات وآلافها وبالجملة إِنَّ الْمُجْرِمِينَ المتصفين بالجرائم المستلزمة للخروج عن الحدود الإلهية وعن مقتضى الأوامر والنواهي المنزلة من عنده سبحانه فِي ضَلالٍ مبين عن الحق واهله في العاجل وَسُعُرٍ نيران مسعرة معدة لهم في الآجل اذكر يا أكمل الرسل يَوْمَ يُسْحَبُونَ ويجرون فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ صاغرين مهانين فيقال لهم حينئذ ذُوقُوا ايها المفسدون المسرفون مَسَّ سَقَرَ اى مساس جهنم وشدة حرها وحرقها بدل ما تتنعمون في دار الدنيا بلذاتها الشهية وشهواتها البهية البهيمية وكيف لا ندخل المجرمين في نيران القطيعة ولا نجرهم نحوها مهانين صاغرين فإنهم قد خرجوا عن مقتضى تدبيرنا واوضاعنا الناشئة منا على مقتضى الحكمة المتقنة البالغة المعتدلة إِنَّا بمقتضى كمال علمنا وشمول قدرتنا وارادتنا المقتضية للحكم والمصالح قد خلقنا وأظهرنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ وأظهرناه من كتم العدم مقرونا معلوما بِقَدَرٍ اى بمقدار نقدره في حضرة علمنا ولوح قضائنا ونرتب على المقدار المقدر وجود المقدور المخلوق فنظهره على وفقه وَلا تستبعدوا من حيطة حضرة علمنا الشامل وقدرتنا الكاملة تفاصيل عموم المظاهر والمخلوقات والمقدورات وترتب وجوداتها على مقاديرها المقدرة لها في لوح قضائنا المحفوظ وحضرة علمنا المحيط إذ ما أَمْرُنا وحكمنا المبرم الصادر منا في السرعة والمضاء بالنسبة الى عموم الكوائن والفواسد الواقعة في عموم الازمنة والآنات وبالنسبة الى جميع الخواطر والخواطف والاختلافات الواقعة في حركات العروق الضوارب في هياكل الهويات واشكال الحيوانات بل بالنسبة الى ما في عموم الاستعدادات والقابليات ما هي إِلَّا فعلة واحِدَةٌ صادرة منا بلا توقف وتراخ وبلا تعقيب ومهلة بل كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ اى كنظرة سريعة بالطرف هيهات هيهات والله ما هذا التمثيل لسرعة نفوذ القضاء الإلهي الا بحسب احلام الأنام وبمقتضى افهامهم

стр. 950

واوهامهم وإلا فلا يكتنه سرعة قضائه أصلا حتى يمثل بها ويشبه لها. ثم قال سبحانه على سبيل الوعيد والتهديد وَكيف لا تخافون ايها المسرفون المفرطون عن شدة بطشنا وانتقامنا لَقَدْ أَهْلَكْنا واستأصلنا أَشْياعَكُمْ واشباهكم وأمثالكم في الكفر والعناد وانواع الفسوق والفساد بأصناف العقوبات والبليات الهائلة فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ متذكر يتعظ من إهلاكهم وهلاكهم ويعتبر مما جرى عليهم من الشدائد وَكما عذبناهم بجرائمهم وآثامهم في النشأة الاولى كذلك بل بأضعافه وآلافه نعذبهم في النشأة الاخرى ايضا بها إذ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فيما مضى وصدر عنهم في النشأة الاولى محفوظ مثبت فِي الزُّبُرِ اى كتب الحفظة المراقبين عليهم من لدنا المحافظين على عموم أحوالهم وأفعالهم وأطوارهم وَكيف لا يحفظ إذ كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وقليل وكثير على التفصيل مُسْتَطَرٌ اى مثبت مسطور في لوح القضاء أولا وفي صحائف أعمالهم ثانيا وبالجملة لا يعزب عن حيطة حضرة علمه سبحانه شيء من أعمالهم وأقوالهم وأطوارهم وأحوالهم مطلقا ولو طرفة وخطرة. ثم عقب سبحانه وعيد المجرمين بوعد المؤمنين على سنته المستمرة في كتابه فقال إِنَّ الْمُتَّقِينَ المتحفظين نفوسهم عن مطلق المحرمات والمنهيات متنعمون فِي جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق وَنَهَرٍ جداول جاريات من المعارف والحقائق منتشآت من بحر الحياة التي هي العلوم اللدنية المتجددة حسب تجددات التجليات الإلهية متمكنون فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ هو مقام التسليم والرضاء بعموم مقتضيات القضاء عِنْدَ مَلِيكٍ يملك رقابهم يتكفل على عموم أمورهم وحوائجهم مُقْتَدِرٍ على تدابيرها حسب الحكمة البالغة المتقنة. جعلنا الله من زمرة المتقين المتمكنين في مقعد الصدق عند المليك المقتدر العليم الحكيم خاتمة سورة القمر عليك ايها المريد القاصد المتمكن في مقعد الصدق والمتحقق في مرتبة اليقين الحقي وفقك الله للوصول الى غاية مقصدك ومرماك ان تقى نفسك عن مطلق المحظورات والمنهيات المنافية لسلوك طريق الحق وتوحيده سيما من الرياء والرعونات المنتشئة من ظلمات الطبيعة والهيولى المتفرعة عن التعينات العدمية المستلزمة للكثرة الوهمية المنافية لصرافة الوحدة الذاتية الإلهية وتلازم العزلة والفرار عن أبناء الدنيا الدنية وأمانيها مطلقا وتقنع منها بضرورياتها المقومة لهيكل هويتك الظاهرة لمصلحة المعرفة والتوحيد حتى يتيسر لك الوقوف بين يدي ملك مقتدر متوحد في الوجود والقيومية متفرد في الثبوت والديمومية. ثبتنا على منهج اليقين والتمكين وجنبنا بجودك عن امارات التخمين والتلوين بحولك يا ذا القوة المتين [سورة الرحمن] فاتحة سورة الرحمن لا يخفى على من تحقق بفسحة قلب الإنسان المصور على وسعة عرش الرحمن ان حكمة خلق الإنسان على فطرة المعرفة والايمان وتعليم القرآن عليه انما هو للبيان والبرهان على ثبوت خلافته ونيابته للحق وتنبهه برفعة درجته وعلو شأنه ومكانته من بين عموم الأكوان لذلك قال سبحانه في مقام الانعام والامتنان عليه تنبيها له وتعليما بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على قلب
следующие страницы →