← Тафсир

Тафсир · id 23624

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية

النخجواني

Полный текст (1 120 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

والإتقان ومع ذلك فَما تُغْنِ النُّذُرُ وما تفيدهم انذاراتهم أصلا إذ هم اى أولئك الضالون المسرفون المفرطون مجبولون على الغواية والبلادة المتناهية أمثال هؤلاء الغواة الطغاة المصرين على انواع العتو والعناد معك يا أكمل الرسل وبالجملة فَتَوَلَّ عَنْهُمْ واعرض عن دعوتهم وإرشادهم وانتظر يَوْمَ يَدْعُ ويناد الدَّاعِ المنادى ألا وهو اسرافيل ﵇ ودعاؤه كناية عن نفخه في الصور للبعث والحشر إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ فظيع فجيع تنكره النفوس إذ لم يعهد مثله ألا وهو هول يوم القيامة المعدة للحساب والجزاء بعد ما سمعوا النداء الهائل والصداء المهول خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ اى شاخصة ذليلة كالتائه الهائب الهائل يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ اى قبورهم التي هم مدفونون فيها في عالم البرزخ ويتحركون على الأرض كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ في الكثرة والانتشار الى الأماكن فيتوجهون مُهْطِعِينَ مسرعين إِلَى الدَّاعِ المنادى مادين أعناقهم نحوه من شدة خوفهم وهولهم ليعلموا لم يدعوهم ومن شدة تلك الساعة وأهوالها وفظاعتها يَقُولُ الْكافِرُونَ في نجواهم وفي هواجس نفوسهم هذا يَوْمٌ عَسِرٌ صعب في غاية الصعوبة والفظاعة. ثم قال سبحانه تسلية لحبيبه ﷺ حين اغتم من تكذيب قومه إياه حاكيا له ﷺ عن احوال الأنبياء الماضين وما جرى عليهم من اقوامهم تفريجا لهمه وازالة لحزنه كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ اى قبل قومك يا أكمل الرسل قَوْمُ نُوحٍ أخاك نوحا ﵇ يعنى لا تحزن يا أكمل الرسل من تكذيب هؤلاء الجهلة المكذبين ولا تغتم من اذياتهم إذ ما هي ببدع منهم بالنسبة إليك بل تذكر قصة قوم نوح فَكَذَّبُوا عَبْدَنا اى كيف كذبوا أخاك نوحا وَقالُوا له حين دعاهم الى الايمان على سبيل الاستهانة والاستهزاء هذا مَجْنُونٌ مخبط العقل مختل الرأى وَازْدُجِرَ وزجر لأجل دعوته وتبليغه إياهم الوحى الى حيث قد لطمه كل من يصل اليه ورماه بالحجارة كل من يمر عليه فصبر على أذاهم وبالغ في دعوته إياهم وبعد ما بلغت الاذية غايتها والاهانة نهايتها فَدَعا رَبَّهُ دعاء مؤمل ضريع فجيع أَنِّي اى بانى على قراءة الفتح او قال انى بالكسر مَغْلُوبٌ قد غلبني هؤلاء الغواة ولم يقبلوا منى دعوتي وهدايتي فَانْتَصِرْ على يا ربي وانتقم عنى منهم وما دعا عليهم الا بعد يأسه عن ايمانهم. روى انه كان يدعو كل واحد منهم جميعا وفرادى فيضربونه ويخنقونه حتى يخر مغشيا عليه ثم لما أفاق قال اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وبعد ما قنط وبلغ الزجر غايته تضرع نحونا مشتكيا من قومه فَفَتَحْنا بعد ما أردنا هلاكهم وانتقامهم أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ منصب كأنه يجرى من جانب السماء على وجه الجري والتوالي بلا تقاطر وَكذا فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً اى قد فجرنا عيون الأرض وصيرناها كأنها عيون كلها بل عين واحدة فَالْتَقَى الْماءُ الحاصل من كلا الجانبين وبلغا عَلى أَمْرٍ شأن واحد قَدْ قُدِرَ اى قدره الحق في حضرة علمه ولوح قضائه لإهلاك أولئك الطغاة البغاة وإغراقهم وَبعد ما طغى الماء وطاف حول الأرض قد حَمَلْناهُ اى نوحا ومن تبعه عَلى ذاتِ أَلْواحٍ اى سفينة ذات أخشاب عراض طوال وَدُسُرٍ مسامير مطولة وصيرناها بحيث تَجْرِي السفينة بِأَعْيُنِنا وبكنف حفظنا وحضانتنا وانما فعلنا مع نوح وقومه ما فعلنا ليكون جَزاءً حسنا له وسيئا لِمَنْ كانَ كُفِرَ بنعمة هدايته وإرشاده ولم يؤمن بدينه ولم يصدقه في تبليغه وَلَقَدْ تَرَكْناها اى السفينة وقصتها او الفعلة التي فعلناها مع المكذبين لرسلنا المجترئين علينا بالإنكار والكفران آيَةً دالة

стр. 947

على قدرتنا ومكنتنا على انواع الانعام والانتقام فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يدكر بها ويعتبر منها وبالجملة فَكَيْفَ كانَ عَذابِي للمنكرين المضرين على الإنكار والتكذيب وَنُذُرِ اى إنذاري وتخويفى على من يعتبر منهم ومما جرى عليهم من العقوبات وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ سهلناه لِلذِّكْرِ اى لانواع التذكيرات والمواعظ والعبر والأمثال فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يتعظ به ويتذكر مما فيه ويعتبر وايضا قد كَذَّبَتْ عادٌ كذلك لهود ﵇ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي إياهم وَنُذُرِ وإنذاري لمن بعدهم بما جرى عليهم وبالجملة إِنَّا بمقتضى عظم قهرنا وجلالنا قد أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ اى على عاد حين أردنا انتقامهم وإهلاكهم رِيحاً صَرْصَراً باردة شديدة الجري والصوت فِي يَوْمِ نَحْسٍ شؤم منحوس مُسْتَمِرٍّ شؤمه ونحوسته عليهم الى ان يستأصلوا بما فيه بالمرة ومن شدة جريها وحركتها تَنْزِعُ وتقلع النَّاسَ من أماكنهم مع انهم قد دخلوا في الحفر وتشبثوا بالأثقال كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ اى أصولها مُنْقَعِرٍ منقلب عن مغارسه ساقط على الأرض يعنى هم سقطوا على الأرض جميعا موتى بلا روح فَكَيْفَ كانَ عَذابِي إياهم وَنُذُرِ لمن بعدهم وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ المعجز المشتمل لانواع البرهان والتبيان لِلذِّكْرِ والاتعاظ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ متذكر يتعظ به وكذا قد كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ اى بعموم الإنذارات الصادرة من لسان صالح ﵇ بمقتضى الوحى والإلهام الإلهي فَقالُوا في تعليل تكذيبهم على الرسول وانذاراته مستفهما مستبعدا أَبَشَراً ناشئا مِنَّا كائنا من جنسنا مع كونه واحِداً منفردا لا رهط له ولا تبع نَتَّبِعُهُ نؤمن به ونقلد له نحن مع انه لا مزية له علينا لا بالحسب ولا بالنسب والله إِنَّا ان فعلنا هكذا واتبعنا له إِذاً لَفِي ضَلالٍ عظيم وغواية بعيدة عن مقتضى العقل والدراية وَسُعُرٍ اى قد كنا حينئذ في جنون عظيم بمتابعة هذا الرذل المفضول ثم استفهموا فيما بينهم على وجه الإنكار والاستهزاء من غاية الاستبعاد والمراء فقالوا أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ الوحى والكتاب سيما من السماء عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا مع نهاية رذالته وردائته والحال ان فينا من هو أحق به واولى منه لو فرض القاؤه ونزوله منها وبالجملة ما هو بمقتضى حاله الا مجنون مخبط مختل العقل والرأى بَلْ هُوَ كَذَّابٌ متناه في الكذب والافتراء غايته أَشِرٌ بطر مبالغ في الشرارة يريد بافترائه واختلاقه هذا ان يتكبر علينا ويتفوق بنا مع تناهيه في الشرارة والرذالة وبالجملة ما هذه الدعوى منه الا من افراط بطره وشدة شرارته وهم كانوا يقولون في حقه ما يقولون من أمثال هذه الهذيانات والمفتريات الباطلة العاطلة الا انهم سَيَعْلَمُونَ ويفهمون غَداً عند نزول العذاب العاجل والآجل عليهم مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ البطر المباهي ببطره حيث اعرض عن الحق وأصر على الباطل أصالح هو أم من كذب وأنكر عليه. ثم قال سبحانه لنبيه صالح ﵇ بعد ما قد بالغوا في العتو والعناد واقترحوا منه بإخراج الناقة من الصخرة تهكما وتعجيزا إِنَّا بمقتضى كمال قدرتنا وقوتنا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ ومخرجوها من الصخرة المعهودة وباعثوها فِتْنَةً عظيمة واختبارا وابتلاء لَهُمْ واوحيناهم في شأنها ما اوحيناهم فَارْتَقِبْهُمْ أنت يا صالح وانتظر ماذا يفعلون بها وَاصْطَبِرْ على اذياتهم بك واستهزائهم ومرائهم معك وَنَبِّئْهُمْ اى خبرهم وعلمهم منا وبمقتضى وحينا أَنَّ الْماءَ الذي به معاشهم ومعاش مواشيهم قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ اى مقسومة بين الناقة وبينهم ومواشيهم لها يوم ولهم يوم كُلُّ

стр. 948

شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ اى كل صاحب شرب يحضر الماء في يومه ولا يحضره غيره فيه على سبيل التوبة بلا تزاحم وتدافع. ثم لما قبلوا هذه القسمة بعد خروج الناقة من الصخرة المعهودة وصاروا عليها زمانا اضطروا وتضجروا من امر الناقة فَنادَوْا صاحِبَهُمْ قدار بن سالف فتشاوروا معه في امر الناقة واضطرارهم ومواشيهم عن هذه القسمة فَتَعاطى اى أخذ سيفه قدار مغاضبا وكان من اجرئهم وأشجعهم في الوقائع والخطوب فَعَقَرَ اى قدار الناقة باتفاق القوم معه واستصوابهم ولم يبال بالقسمة والوصاية الإلهية في شأنها فَكَيْفَ كانَ يعنى انظر ايها الناظر المعتبر كيف وقع وحل عَذابِي عليهم وَلحق نُذُرِ إياهم بعد عقر الناقة وبالجملة إِنَّا بمقتضى قهرنا وجلالنا قد أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً هائلة مهولة فَكانُوا اثر سماع تلك الصيحة الهائلة كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ اى مثل الأشجار اليابسة البالية في حظائر الأموال تتناثر اجسادهم كالتراب وَبالجملة لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ المشتمل على انواع الرشد والهداية لِلذِّكْرِ والعظة فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يتذكر ويهتدى بهدايته وتذكيره كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ايضا أمثال هؤلاء المكذبين بِالنُّذُرِ الواردة النازلة عليهم بلسان نبيهم لوط ﵇ وبعد ما أصروا على تكذيبه وإنكاره إِنَّا بمقتضى قهرنا وغضبنا قد أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ من جانب السماء حاصِباً ريحا صرصرا شديدة عظيمة ترميهم بالحصباء اى الأحجار الصغار الى ان هلكوا بالمرة إِلَّا آلَ لُوطٍ هو لوط وبنتاه قد نَجَّيْناهُمْ من هذه الوقعة الهائلة والكرب العظيم بِسَحَرٍ اى وقت الصبح وانما نجيناهم ليكون انجاؤنا إياهم نِعْمَةً منا واصلة ناشئة مِنْ عِنْدِنا ورحمة شاملة نازلة من لدنا عليهم بسبب ايمانهم وعرفانهم كَذلِكَ اى مثل ما فعلنا مع آل لوط نَجْزِي بمقتضى جودنا عموم مَنْ شَكَرَ لنعمنا ولم يكفر بموائد كرمنا وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ لوط ﵇ بمقتضى وحينا والهامنا إياه بَطْشَتَنا اى عن شدة بطشتنا وأخذنا إياهم بسبب فعلتهم القبيحة وديدنتهم الشنيعة فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ اى كذبوه في انذاراته ووعيداته مراء ومجادلة واستهزؤا معه وبعموم ما أوحينا اليه من الوعيد وَمن شدة مرائهم واجترائهم عليه لَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ وترددوا حول بيته حين نزول الملائكة عليه في صورة صبيان صباح ملاح اضيافا وقصدوا فجورهم ويمموا تفضيحهم فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ ومسحناها وصيرناها مستوية مع وجوههم فصاروا ممسوحة العيون. روى انه لما دخلوا داره عنوة صفتهم جبرائيل ﵇ صفقة فأعماهم دفعة فَذُوقُوا اى فقلنا لهم حينئذ ذوقوا عَذابِي وَنُذُرِ المنذر به على لسان نبينا لوط ﵇ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ ولحق بهم بُكْرَةً قريبة من الصبح عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ مستمر عليهم الى ان يستأصلهم بالمرة ويسلمهم الى النار فَذُوقُوا عَذابِي اى قلنا لهم حينئذ ذوقوا عذابي ايها المفسدون المسرفون وَذوقوا نُذُرِ ايها المنكرون المكذبون المفرطون وَبالجملة لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ المبين لانواع الوعيدات الهائلة الجارية على اصحاب السرف والفساد لِلذِّكْرِ اى للعبرة والعظة فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ معتبر متعظ متيقظ يعتبر من وعيدات القرآن وانذاراته وما ذكر فيه من الحكايات. ثم قال سبحانه وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ اى الإنذارات الواردة من لدنا على لسان كليمنا المؤيد من عندنا بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة وبالجملة كَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة من عندنا كُلِّها سيما بعد اقتراحهم والحاحهم عليها ونسبوها

стр. 949

الى السحر والشعبذة وانواع الخرافات الباطلة البعيدة عن شأنها بمراحل فَأَخَذْناهُمْ وانتقمنا منهم بعد ما بالغوا في العتو والعناد أَخْذَ عَزِيزٍ قادر غالب لا يغالب مطلقا مُقْتَدِرٍ كامل في القدرة بحيث لا يعجز عن مقدور قط فأغرقناهم واستأصلناهم بحيث لم يبق منهم احد على وجه الأرض ثم خاطب سبحانه كفار مكة على سبيل التوبيخ والتهديد فقال أَكُفَّارُكُمْ يا معشر العرب خَيْرٌ وأفضل مطلقا مِنْ أُولئِكُمْ الكفار المعدودين المذكورين وجاهة وثروة ومالا ومظاهرة ومكنة ومكانة مع انكم لستم أمثالهم وهم مع شدة قوتهم وشوكتهم ما نجوا من عذاب الله أتنجون أنتم ايها الحمقى البطرون أَمْ قد نزل لَكُمْ بَراءَةٌ من العذاب مكتوبة فِي الزُّبُرِ السماوية والكتب الإلهية بان من كفر منكم وخرج عن مقتضى الحدود الإلهية فهو ناج من عذاب الله برئ عن انتقامه أَمْ يَقُولُونَ من شدة حماقتهم وسخافة فطنتهم نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ اى نحن جماعة مجتمعون ومتفقون أمرنا ورأينا متفق ننصر وننتصر بعضنا ببعض بحيث لا نغالب ولا نرام أصلا وهم من غاية بطرهم ونهاية غفلتهم وغرورهم يقولون أمثال هذه الهذيانات الباطلة ولم يعلموا انه سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويفرد جنس المجموع اى جميعهم على وجه الهزيمة وَهم قد يُوَلُّونَ الدُّبُرَ اى ينصرف كل منهم عن عدوه مستدبرا منه منهزما عنه في الدنيا بَلِ السَّاعَةُ الموعودة مَوْعِدُهُمْ العظيم لتعذيبهم في العقبى وَبالجملة السَّاعَةُ والعذاب الموعود فيها أَدْهى اى أشد واعيى من دواهيها لا دواء لها ولا نجاة عنها وَأَمَرُّ مذاقا من عذاب الدنيا بل هي بأضعاف ما فيها من البليات والمصيبات وآلافها وبالجملة إِنَّ الْمُجْرِمِينَ المتصفين بالجرائم المستلزمة للخروج عن الحدود الإلهية وعن مقتضى الأوامر والنواهي المنزلة من عنده سبحانه فِي ضَلالٍ مبين عن الحق واهله في العاجل وَسُعُرٍ نيران مسعرة معدة لهم في الآجل اذكر يا أكمل الرسل يَوْمَ يُسْحَبُونَ ويجرون فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ صاغرين مهانين فيقال لهم حينئذ ذُوقُوا ايها المفسدون المسرفون مَسَّ سَقَرَ اى مساس جهنم وشدة حرها وحرقها بدل ما تتنعمون في دار الدنيا بلذاتها الشهية وشهواتها البهية البهيمية وكيف لا ندخل المجرمين في نيران القطيعة ولا نجرهم نحوها مهانين صاغرين فإنهم قد خرجوا عن مقتضى تدبيرنا واوضاعنا الناشئة منا على مقتضى الحكمة المتقنة البالغة المعتدلة إِنَّا بمقتضى كمال علمنا وشمول قدرتنا وارادتنا المقتضية للحكم والمصالح قد خلقنا وأظهرنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ وأظهرناه من كتم العدم مقرونا معلوما بِقَدَرٍ اى بمقدار نقدره في حضرة علمنا ولوح قضائنا ونرتب على المقدار المقدر وجود المقدور المخلوق فنظهره على وفقه وَلا تستبعدوا من حيطة حضرة علمنا الشامل وقدرتنا الكاملة تفاصيل عموم المظاهر والمخلوقات والمقدورات وترتب وجوداتها على مقاديرها المقدرة لها في لوح قضائنا المحفوظ وحضرة علمنا المحيط إذ ما أَمْرُنا وحكمنا المبرم الصادر منا في السرعة والمضاء بالنسبة الى عموم الكوائن والفواسد الواقعة في عموم الازمنة والآنات وبالنسبة الى جميع الخواطر والخواطف والاختلافات الواقعة في حركات العروق الضوارب في هياكل الهويات واشكال الحيوانات بل بالنسبة الى ما في عموم الاستعدادات والقابليات ما هي إِلَّا فعلة واحِدَةٌ صادرة منا بلا توقف وتراخ وبلا تعقيب ومهلة بل كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ اى كنظرة سريعة بالطرف هيهات هيهات والله ما هذا التمثيل لسرعة نفوذ القضاء الإلهي الا بحسب احلام الأنام وبمقتضى افهامهم

стр. 950

واوهامهم وإلا فلا يكتنه سرعة قضائه أصلا حتى يمثل بها ويشبه لها. ثم قال سبحانه على سبيل الوعيد والتهديد وَكيف لا تخافون ايها المسرفون المفرطون عن شدة بطشنا وانتقامنا لَقَدْ أَهْلَكْنا واستأصلنا أَشْياعَكُمْ واشباهكم وأمثالكم في الكفر والعناد وانواع الفسوق والفساد بأصناف العقوبات والبليات الهائلة فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ متذكر يتعظ من إهلاكهم وهلاكهم ويعتبر مما جرى عليهم من الشدائد وَكما عذبناهم بجرائمهم وآثامهم في النشأة الاولى كذلك بل بأضعافه وآلافه نعذبهم في النشأة الاخرى ايضا بها إذ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فيما مضى وصدر عنهم في النشأة الاولى محفوظ مثبت فِي الزُّبُرِ اى كتب الحفظة المراقبين عليهم من لدنا المحافظين على عموم أحوالهم وأفعالهم وأطوارهم وَكيف لا يحفظ إذ كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وقليل وكثير على التفصيل مُسْتَطَرٌ اى مثبت مسطور في لوح القضاء أولا وفي صحائف أعمالهم ثانيا وبالجملة لا يعزب عن حيطة حضرة علمه سبحانه شيء من أعمالهم وأقوالهم وأطوارهم وأحوالهم مطلقا ولو طرفة وخطرة. ثم عقب سبحانه وعيد المجرمين بوعد المؤمنين على سنته المستمرة في كتابه فقال إِنَّ الْمُتَّقِينَ المتحفظين نفوسهم عن مطلق المحرمات والمنهيات متنعمون فِي جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق وَنَهَرٍ جداول جاريات من المعارف والحقائق منتشآت من بحر الحياة التي هي العلوم اللدنية المتجددة حسب تجددات التجليات الإلهية متمكنون فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ هو مقام التسليم والرضاء بعموم مقتضيات القضاء عِنْدَ مَلِيكٍ يملك رقابهم يتكفل على عموم أمورهم وحوائجهم مُقْتَدِرٍ على تدابيرها حسب الحكمة البالغة المتقنة. جعلنا الله من زمرة المتقين المتمكنين في مقعد الصدق عند المليك المقتدر العليم الحكيم خاتمة سورة القمر عليك ايها المريد القاصد المتمكن في مقعد الصدق والمتحقق في مرتبة اليقين الحقي وفقك الله للوصول الى غاية مقصدك ومرماك ان تقى نفسك عن مطلق المحظورات والمنهيات المنافية لسلوك طريق الحق وتوحيده سيما من الرياء والرعونات المنتشئة من ظلمات الطبيعة والهيولى المتفرعة عن التعينات العدمية المستلزمة للكثرة الوهمية المنافية لصرافة الوحدة الذاتية الإلهية وتلازم العزلة والفرار عن أبناء الدنيا الدنية وأمانيها مطلقا وتقنع منها بضرورياتها المقومة لهيكل هويتك الظاهرة لمصلحة المعرفة والتوحيد حتى يتيسر لك الوقوف بين يدي ملك مقتدر متوحد في الوجود والقيومية متفرد في الثبوت والديمومية. ثبتنا على منهج اليقين والتمكين وجنبنا بجودك عن امارات التخمين والتلوين بحولك يا ذا القوة المتين [سورة الرحمن] فاتحة سورة الرحمن لا يخفى على من تحقق بفسحة قلب الإنسان المصور على وسعة عرش الرحمن ان حكمة خلق الإنسان على فطرة المعرفة والايمان وتعليم القرآن عليه انما هو للبيان والبرهان على ثبوت خلافته ونيابته للحق وتنبهه برفعة درجته وعلو شأنه ومكانته من بين عموم الأكوان لذلك قال سبحانه في مقام الانعام والامتنان عليه تنبيها له وتعليما بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على قلب

стр. 951

الإنسان لينكشف له ذاته سبحانه وكمالات أسمائه وصفاته الرَّحْمنِ عليه بترجمان اللسان والبيان المعرب عما في قلبه ليرشد غيره بما هو عنده ويسترشد به ما ليس عنده الرَّحِيمِ المنزل عليه القرآن المبين له طريق التوحيد والعرفان [الآيات] الرَّحْمنُ اى الذات المحيطة بعموم الرحمة الواسعة المتسعة بمقتضى سعة رحمته ووفور لطفه ورأفته قد عَلَّمَ الْقُرْآنَ لنوع الإنسان حيث نزله على حبيبه ﷺ ليكون مبينا لهم سبيل الكشف والعيان ومنهج التوحيد والعرفان مع انه سبحانه ما خَلَقَ الْإِنْسانَ الا لأجل هذا الشأن البديع البرهان وايضا لهذه الحكمة العلية والمصلحة السنية بعينها قد عَلَّمَهُ الْبَيانَ اى التنطق والتكلم بلغات شتى وعبارات لا تحصى ليستفيد من منطوقات الألفاظ ما هو معناها ويتفطن منها الى ما هو مغزاها ومرماها وغاية قصواها ألا وهي المعارف والحقائق والحكم والأسرار الإلهية المودعة المكنونة في مطاوى المصاحف المشتملة على الكلمات المركبة من الحروف الحاصلة من مقاطع الأصوات المتكونة من النفسات الصورية التي هي من لوازم الحيوانية الحقيقية المترتبة على النفسات الرحمانية والنفثات اللاهوتية للوجود المطلق حسب تجليات الذات الإلهية وعلى مقتضى الأسماء والصفات الكامنة فيها المتجلية عليها بمقتضى شئون الكمالات المتجددة الغير المتكررة الى ما لا يتناهى ازلا وابدا ليظهر الإنسان من سر الظهور والبطون والغيب والشهادة الواردة على الوحدة الذاتية الإلهية ولهذه الحكمة والمصلحة ايضا قد ظهر في العلويات الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ اى يجريان ويدوران بحساب مقدر من عنده سبحانه معلوم في حضرة علمه مكتوب في لوح قضائه ليكونا دليلين شاهدين على ظهور مرتبتي النبوة والولاية المتفرعة على العدالة الذاتية الإلهية وَايضا قد ظهر في السفليات لتلك المصلحة السنية النَّجْمُ اى النبات الذي لا ساق له وَالشَّجَرُ وهو الذي له ساق يَسْجُدانِ يخضعان ويتذللان له سبحانه دائما من كمال الإطاعة والانقياد وَبالجملة السَّماءَ اى عالم الأسباب والأقدار رَفَعَها في أعلى المكان والمكانة وَوَضَعَ فيها الْمِيزانَ المعتدل المنبئ عن القسطاس المستقيم الإلهي الواقع بين الأسماء والصفات الذاتية وبين المقادير والآجال المقدرة لجريها ورتبها على دوراتها وانقلاباتها الواقعة فيها على وفق الحكمة المترتبة على العدالة الإلهية وانما رتبها على مقتضى الحكمة والعدالة كذلك أَلَّا تَطْغَوْا اى ان لا تعتدوا ولا تتجاوزوا ايها المجبولون لمصلحة التكليف والعرفان عن مقتضى الوضع الإلهي المترتب على الحكمة البالغة المتقنة فِي الْمِيزانِ الموضوع بمقتضاها في الأرض ألا وهي الشرع الشريف المصطفى وَبعد ما سمعتم حال العلويات والسفليات وما فيهما من الموازين المعتدلة الموضوعة بالوضع الإلهي أَقِيمُوا ايها المكلفون فيما بينكم الْوَزْنَ الموضوع بالوضع الإلهي واعتدلوه بِالْقِسْطِ والإنصاف وَلا تُخْسِرُوا ولا تنقصوا الْمِيزانَ إذ هو موضوع على العدل السوى وَاعلموا ان الْأَرْضَ انما وَضَعَها ومهدها سبحانه لِلْأَنامِ ليعتدلوا عليها ويستقيموا في عموم أخلاقهم وأطوارهم فيها حتى يستعدوا لان يفيض عليهم طلائع سلطان الكشف والشهود فيفوزوا بمقر التوحيد ويتمكنوا في مقعد صدق التفريد والتجريد لذلك أعدلهم تفضلا عليهم وتكريما فِيها اى في الأرض فاكِهَةٌ كثيرة يتفكهون بها من انواع الفواكه الصورية والمعنوية تقويما لأمزجتهم وتقوية لها وَلا سيما النَّخْلُ التي هي ذاتُ الْأَكْمامِ والاوعية المشتملة على التفكه والتقوت وسائر الأغراض الحاصلة منها وَالْحَبُّ

стр. 952

(٥) اى وكذا أعدلهم سبحانه فيها جنس الحبوب التي تقوت بها نوع الإنسان ذُو الْعَصْفِ اى التبن والقشور إذ هو محفوظ فيها مربى معها الى ان يستوي وينضج فيتقوت به الإنسان ويعصفه المواشي وَكذا اظهر لهم فيها بمقتضى جوده سبحانه الرَّيْحانُ اى جنس الرياحين المشمومة المقوية لدماغ الإنسان المصفية عن الروائح الخبيثة والنفحات الكريهة. ثم لما عد سبحانه نبذا من نعمه الشاملة على عموم البرايا خاطب المكلفين منهم على سبيل الامتنان وهما الثقلان المجبولان على فطرة التوحيد واستعداد الايمان والعرفان فقال فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما ونعماء موجدكما ومربيكما تُكَذِّبانِ ايها المغموران في نعمه المستغرقان في بحار جوده وكرمه وكيف يسع لكما الكفران لنعم الله والطغيان عليه سبحانه مع انه سبحانه قد خَلَقَ الْإِنْسانَ مصورا بصورة الرحمن قد خلقه أولا مع غاية كرامته ونجابته مِنْ صَلْصالٍ طين يابس له صلصلة وصوت كَالْفَخَّارِ اى كالخزف المتخذ من التراب الموقد بالنار ومع دناءة منشائه وخباثة مادته قد رفعه الحق ورباه الى حيث جعله خليفة لذاته نائبا عنه ومرآة مجلوة قابلة لفيضان كمالات أسمائه وصفاته وَخَلَقَ الْجَانَّ اى الجن وقدر وجوده أولا مِنْ مارِجٍ دخان صاف حاصل مِنْ نارٍ موقدة ملتهبة مشتعلة على وجه الحركة والاضطراب ومع رداءة مادتها وكثافتها جعله شبها بالملإ الأعلى متصلا بهم في كمال اللطافة والصفاء بحيث لا يرى أشباحهم أمثالهم وإذا كان شأن الحق معكما هكذا فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وتنكران ايها الثقلان وكيف يليق بشأنه سبحانه الإنكار والتكذيب مع انه سبحانه رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ اى مشرقى الظهور والبروز من عماء العالم اللاهوتى نحو فضاء الأسماء والصفات الإلهي المسمى بالغيب الإضافي والأعيان الثابتة ثم منها الى عالم الشهادة في السير الهابط وَكذا رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ اى مغربي الخفاء والبطون عن عالم الناسوت الى برزخ الأعيان الثابتة ثم عنها الى عالم اللاهوت في السير الصاعد إذ يتوارد دائما على شمس الحقيقة الذاتية باعتبار تجلياتها حسب أسمائها وصفاتها شروق وافول وطلوع وغروب وبالجملة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ايها المظهران الكاملان المجبولان على فطرة الشعور والعرفان ومن أين يتأتى لكما التكذيب في شأنه سبحانه إذ هو بمقتضى قدرته قد مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ اى أرسل واطلق بحرى الوجود والعدم بحيث يَلْتَقِيانِ يتمازجان ويختلطان على وجه لا يتمايزان عند المحجوب الفاقد عين الكشف والشهود ويبقى بَيْنَهُما عناية منه سبحانه وفضلا بَرْزَخٌ هو الإنسان الكامل المتميز المتكيف بكيفية انبساط بحر الوجود العذب على بحر العدم المالح وامتداده عليه وانطباق سطوحهما بحيث لا يتمايزان في بادى الرأى سيما عند المحجوب الفاقد عين العبرة وبصر البصيرة ثم جعل سبحانه برزخ الإنسان الكامل بمقتضى الحكمة المتقنة المعتدلة على وجه لا يَبْغِيانِ اى لا يبغى ولا يغلب كل من بحرى الوجود والعدم على صاحبه في مرتبته ونشأته حتى يتكمل حكمة الظهور والبطون والجلاء والخفأ والألوهية والعبودية وسائر المتقابلات المترتبة على الشئون الإلهية المتفرعة على الأسماء الذاتية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ايها المكلفان المعتبران وكيف لا تعتبران ولا تشكران نعمه مع انه يَخْرُجُ حسب عنايته الازلية مِنْهُمَا اى من البحرين المذكورين اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ اى يخرج لكما ايها الثقلان المجبولان على فطرة العرفان من امتزاج البحرين المذكورين لآلى المعارف والحقائق ومرجان الشهود والإيقان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ايها الممنونان المغموران المستغرقان في موائد كرمه وجوده وَلَهُ سبحانه تفضلا

стр. 953

على عباده وامتنانا لهم الْجَوارِ اى سفن الملل والأديان المنزلة من عنده سبحانه على عموم الرسل والأنبياء ليرشدوا بها أممهم الى طريق التوحيد والعرفان الْمُنْشَآتُ المصنوعات المستحدثات فِي الْبَحْرِ اى بحر الوجود كَالْأَعْلامِ اى كالرواسى العظام التي يعلم ويشاربها للتائهين في بيداء الوجود الضالين في صحراء الجحود الى جادة اليقين والعرفان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ايها المكلفان وبالجملة كُلُّ مَنْ عَلَيْها اى على ارض القوابل والهيولى من التعينات المستتبعة لانواع الإضافات الحاصلة من موجات بحر الوجود وتجلياته بمقتضى الكرم والجود انما هو فانٍ لا وجود ولا تحقق لها في ذواتها أصلا سوى انها قد انبسط عليها اظلال الأسماء والصفات الإلهية وَبعد فناء نقوش الأمواج والاظلال بأسرها يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ يا أكمل الرسل بمقتضى صرافة وحدته مستغنيا في ذاته عن عموم مظاهره ومخلوقاته إذ هو سبحانه ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ في حد ذاته لا يشارك في وجوده ولا ينازع في سلطانه فمآل الكل اليه كما ان مبدأه منه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وإذا كان شأنه سبحانه هذا وهكذا فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ايها الاظلال والعكوس الهلكى وبالجملة يَسْئَلُهُ ويستمد منه في كل زمان وآن ويستظل تحت ظل وجوده وجوده كل مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من فواعل المظاهر وقوابلها إذ كُلَّ يَوْمٍ وآن هُوَ سبحانه فِي شَأْنٍ لا يسبقه شأن ولا يلحقه شأن مثله فكل من المظاهر الإلهية في كل آن وطرفة في نزع صورة ولبس اخرى حسب شئون الحق وسرعة نفوذ قضائه فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ايها المجبولان على فطرة الدراية والشعور. ثم لما عد سبحانه على عموم المكلفين نبذا من نعمه العظام على سبيل التنبيه والامتنان أراد أن يشير إليهم وينبه عليهم بالقيام على أداء حقوقها ومواظبة شكرها لئلا ينفعلوا من الله ولا يستحيوا عند العرض والحساب في يوم الحشر والجزاء فقال سَنَفْرُغُ لَكُمْ اى نتجرد ونخلو لحساب أعمالكم وتنفيذ جزائكم عليها بمقتضيها أَيُّهَ الثَّقَلانِ المثقلان بشكر نعمتنا وأداء حقوق كرمنا ومتى سألنا كما عن اعمالكما فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وتنكران مع انا ما خفى علينا شيء من أعمالكم مطلقا لا من كفركم وكفرانكم ولا من شكركم وايمانكم. ثم قال سبحانه مناديا لهم على وجه التوبيخ والتهديد يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ المجبولين على فطرة التكليف المثمرة لثمرة المعرفة واليقين عليكم ان تنقادوا وتطيعوا بعموم ما كلفتم به بمقتضى الحكمة البالغة والا إِنِ اسْتَطَعْتُمْ وقدرتم أَنْ تَنْفُذُوا وتخرجوا فارين عن مقتضيات قهرنا وغضبنا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى من جهات العلويات والسفليات وانحائهما فَانْفُذُوا واخرجوا مع انكم لا تَنْفُذُونَ ولا تقدرون على الخروج ان وقع إِلَّا بِسُلْطانٍ منا اى بقدرة وأقدار موهوبة لكم من قبل ربكم إذ لا يصدر منكم مطلق الأفعال والحركات الا باقداره وتمكينه سبحانه فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وكيف تنفذون وتفرون من حيطة قهره وجلاله إذ يُرْسَلُ عَلَيْكُما في النشأة الاخرى جزاء لأعمالكم شُواظٌ لهب مشتعل مِنْ نارٍ موقدة مسعرة وَنُحاسٌ اى دخان مظلم حاصل منهما وبالجملة فَلا تَنْتَصِرانِ وتمتنعان عنهما بحولكما وقوتكما الا بعناية ناشئة من الله وفضل يدرككم من لدنه فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فعليكم ان تشكروا آلاء الله وتواظبوا على أداء حقوق نعمائه قبل حلول يوم الجزاء فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ واندكت الأرض من خشية الله ورهبته فَكانَتْ السماء من الغضب الإلهي وَرْدَةً حمراء

стр. 954

مذابة كَالدِّهانِ اى تذوب كالدهن المذاب من شدة الخشية الإلهية فلا يمكنكم حينئذ التدارك والتلافي فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ حيث يخبركم بالتهيئة والتدارك قبل حلول الساعة بل فَيَوْمَئِذٍ اى حين انشقاق السماء في يوم الجزاء لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ لا يسئل حينئذ لا عن ذنب الانس ولا عن ذنب الجان ولا يلتفت الى أعمالهما وافعالهما مطلقا بل يبعثون من قبورهم حيارى ويساقون نحو المحشر سكارى تائهين للحساب والجزاء فاعتنى سبحانه بشأنكم ونبهكم على اعداد الزاد لذلك اليوم قبل حلوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وكيف لا تعتدون ولا تتزودون ليومكم هذا إذ يُعْرَفُ ويعلم يومئذ الْمُجْرِمُونَ المهملون لأمر الزاد المتصفون بالجرائم المستلزمة للانتقام بِسِيماهُمْ إذ يظهر حينئذ آثار الحزن والكآبة على وجوههم فَيُؤْخَذُ بعد الخطاب والعتاب على الحساب بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ اى تشد أعناقهم مع أرجلهم بالسلاسل ثم يطرحون في النار بأنواع الهوان والصغار فيخبركم ربكم ايها المكلفون ويعلمكم طريق الخلاص عنها قبل حلول أوانها فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فيقال لهم حين القائهم إليها مشدودين مهانين زجرا لهم وتوبيخا هذِهِ النار التي أنتم تصلون فيها الآن جَهَنَّمُ الموعودة المعدة الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ وقت اخبار الله إياهم على ألسنة رسله وكتبه فالآن يَطُوفُونَ ويترددون بَيْنَها اى بين النار وَبَيْنَ حَمِيمٍ ماء حار آنٍ متناه في الحرارة بحيث يغلب إحراقه وحرارته على النار المسعرة فأراد سبحانه انقاذكم منها فيما مضى بإرسال الرسل وإنزال الكتب فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ايها المجبولان على الكفران والنسيان. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه من تعقيب الوعيد بالوعد وَلِمَنْ خافَ من كلا الفريقين من مكلفى الجن والانس في النشأة الاولى مَقامَ رَبِّهِ اى خاف عن قيامه بين يدي ربه في النشأة الاخرى للعرض والجزاء واشتغل في هذه النشأة لاعداد ذلك اليوم وهيأ أسبابه من اكتساب الحسنات واجتناب السيئات من الأخلاق والاعتقادات وصوالح الأعمال والعبادات وسائر الطاعات المقبولة يومئذ عند الله على مقتضى ما أمرهم الحق ونهاهم عنه بإرسال الرسل وإنزال الكتب جَنَّتانِ معدتان لكل خائف عند ربه جنة جسمانية يتلذذ فيها بدل ما ترك من اللذات الدنياوية وشهواتها الفانية اتقاء عن الله وجنة روحانية عناية من الله وفضلا مما لا عين رأت ولا اذن سمعت الحديث وبالجملة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ والجنتان المذكورتان ذَواتا أَفْنانٍ انواع واصناف من الأثمار البهية والفواكه الشهية وانواع الحدائق من الحقائق والمعارف المثمرة للحالات العلية والمقامات السنية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما اى في تينك الجنتين عَيْنانِ منتشئتان ومترشحتان من بحر الحيات الإلهية متفرعتان على أسمائه وأوصافه الجمالية والجلالية تَجْرِيانِ بين يدي الخائف الملتجئ الى الله على مقتضى تجلياته الحبية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما اى في تينك الجنتين مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ صنفان من المعارف والحقائق على مقتضى تربية ماء العينين المذكورتين فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ايها المسخران تحت لطفه وقهره وجلاله وجماله ثم انهم اى اهل الجنتين يتنعمون بما ذكر من النعم العظام حال كونهم مُتَّكِئِينَ متمكنين راسخين عَلى فُرُشٍ من الاعتقادات الراسخة بَطائِنُها اى وجوهها التي تلى قلوبهم وأرواحهم مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وهو الغليظ الصلب من الديباج بحيث لا تخلخل فيها ولا فرج فيها ألا وهو المثال لليقين الحقي الذي

стр. 955

لا يطرأ عليه التردد والتذبذب مطلقا وَبالجملة جَنَى الْجَنَّتَيْنِ اى ما أخذ منهما والتلذذ والتنعم بثمارهما دانٍ قريب إذ لا ترقب ولا انتظار في اليقين الحقي بل هو اقرب الى العارف المحقق من نفسه بعد ما وصل اليه وحصل دونه فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِنَّ اى في الجنان المعدة لأرباب العناية والامتنان مخدرات المعارف والحقائق الواردة على قلوبهم حسب استعداداتهم المتفاوتة قاصِراتُ الطَّرْفِ اى كل منهن منحصرة الطرف مقصورة النظر على كل من ترد عليه بحيث لا تتعدى الى غيره لاختلاف قابلياتهم حسب الفطرة الاصلية بمقتضى اختلاف تجليات الحق وشئونه بحيث لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ولم يتلذذ معهن إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا بعدهم وَلا جَانٌّ كذلك إذ مراتب الشهود بمقتضى تجليات الوجود وتطوراته فكما لا تكرر ولا اتحاد بين اثنين في التجليات الإلهية كذلك في مراتب ارباب الشهود القابلين لها المستعدين إليها فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ كَأَنَّهُنَّ اى تلك المعارف والحالات من كمال الصفاء والنزاهة والجلاء الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ الساران لأرباب النظر والعيان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وبالجملة هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ في الأعمال والأحوال وعموم الشيم والأخلاق إِلَّا الْإِحْسانُ من الله والرضوان منه سبحانه على سبيل التفضل والامتنان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وهاتان الجنتان المذكورتان مع ما فيهما من المقامات العلية والدرجات السنية للخائفين من الله ومن سطوة قهره وجلاله في عموم أحوالهم وأطوارهم المفوضين المتوكلين عليه سبحانه في مطلق شئونهم وتقلباتهم الراجين منه سبحانه رضاه عنهم بمقتضى لطفه وجماله وَمِنْ دُونِهِما اى من دون الجنتين المذكورتين أدون منهما وانزل رتبة جَنَّتانِ أخريان ايضا المعدتان للأبرار المحسنين بالأخلاق والأعمال المتشبثين بأذيال الأماني والآمال حسب الحوائج والأغراض فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فهاتان الجنتان وان لم تكونا مثل تينك الجنتين المذكورتين في الأثمار والأشجار والمعارف والأسرار الا انهما مُدْهامَّتانِ خضراوان نضارتان بمياه الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة الصادرة من الأبرار الأخيار المحسنين المتمسكين بشعائر الشرع ومعالم الدين المستبين فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ هِما اى في هاتين الجنتين المعدتين للأبراريْنانِ منتشئتان من الاعتقاد الصادق والايمان الكامل ضَّاخَتانِ فوارتان منتهيتان الى بحر الحكمة المتقنة الإلهية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما ايضا فاكِهَةٌ كثيرة يتفكه بها أهلهما وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ عطفهما على الفاكهة من قبيل عطف الخاص على العام لمجرد الاعتناء والاهتمام فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِنَّ اى في جنات هؤلاء الأبرار ايضا خَيْراتٌ اى ازواج خيرات مصورة من مثوبات الأعمال والطاعات حِسانٌ اى لا قبح معهن بوجه من الوجوه فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ومثوبات اعمال الأبرار وأخلاقهم وما يترتب عليها وان لم تكن في الصفاء واللطافة كمخدرات الخائفين الا انهم حُورٌ حسنة الوجوه مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ اى مقصور كل منهن على كل من اتى بالأعمال الصالحة والأخلاق المرضية بحيث لا يتعدى الى الغير إذ كل نفس رهينة بما كسبت خيرا كان او شرا فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ايها الممنونان المكلفان وهؤلاء ايضا لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ إذ كل منهن مقصورة منحصرة على اعمال كل منهم بلا شركة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ايها المعتبران المستبصران. ثم انهم اى الأبرار يتنعمون بما أعد لهم من النعم العظام مُتَّكِئِينَ متقررين عَلى رَفْرَفٍ وسائد وبسط خُضْرٍ مخضرة بمياه ايمانهم الخالص

стр. 956

واعتقادهم الصادق وَعَبْقَرِيٍّ عجيب معجب يتعجبون من ترتبها على أعمالهم وحسناتهم حِسانٍ بحيث لا يتبعها قبح وخذلان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فعليك يا أكمل الرسل ان لا تستبعد من الله القادر المقتدر على وجوه الانعام والانتقام افاضة أمثال هذه الكرامات العلية على ارباب العناية والغفران وتلك الدركات الهوية على اصحاب الغفلة والكفران إذ تَبارَكَ اى جل وتعاظم وتعالى اسْمُ رَبِّكَ اى عموم اسماء مربيك الذي رباك يا أكمل الرسل محيطا بعموم المراتب الفعالة ومقتضياتها ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ اى ذي العظمة والكبرياء الغالب المقتدر على عموم الانتقام وذي الجمال القادر المقتدر على وجوه الإكرام والانعام خاتمة سورة الرحمن عليك ايها العارف المتحقق بعظمة الحق وجلاله المتعطش بزلال الوصال والجمال ان لا تعزم ولا تقصد في عموم احوالك الى الكذب والإنكار سيما بالنسبة الى الله ولا تنسب الحوادث الجارية الحادثة في عموم الأنحاء والأقطار الا الى الله الملك الجبار العزيز الغفار ذي العظمة وكمال الاقتدار لأصناف الانعام والإفضال وانواع العذاب والنكال فلك ان تلازم على شكر نعمه وأداء حقوق لطفه وكرمه في عموم الأحوال وإياك إياك الغفلة عن الله والاشتغال الى ما سواه وكن في عموم أوقاتك وحالاتك بين يدي الله مترددا بين الخوف والرجاء ولا تيأس من روح الله انه لا ييأس من روح الله الا القوم الخاسرون جعلنا الله من زمرة الخائفين من بطشه [سورة الواقعة] فاتحة سورة الواقعة لا يخفى على ارباب الوصول الى المبدأ الحقيقي من المنكشفين بوحدة الحق الحقيق بالحقية والتحقق ان مراتب عموم العباد في الرجوع نحو المبدأ والمعاد وان كانت على الأنحاء المختلفة وطرق شتى لكن لا تخلو عن ثلاثة فرق بعضهم محجوبون بالحجب الظلمانية الامكانية المعبر عنها بالدنيا مغمورون مستغرقون بلذاتها وشهواتها محرومون عن لذة الوصول والحضور مطلقا ألا وهم اصحاب الشمال والشآمة الازلية الابدية وبعضهم محجوبون بالحجب النورانية المسماة بالآخرة وما فيها من انواع النعم واصناف الكرم من اللذات الروحانية والجسمانية الموعودة لهم فيها تفضلا وتكريما وهم اصحاب اليمين ذو اليمين والبركة والكرامة السرمدية والسعادة الازلية الابدية وبعضهم منجذبون نحو الحق بالكلية منخلعون عن جلباب هوياتهم الناسوتية مطلقا فانون في الهوية الحقية اللاهوتية باقون ببقائه مستغرقون بمطالعة لقائه ألا وهم الشطار السابقون الى الله السائرون نحوه المتجردون عن جلباب بشريتهم بالمرة بلا التفات منهم الى مقتضيات تعيناتهم لا باللذات الدنيوية ولا باللذات الاخروية والى هذه الفرق الثلاث أشار سبحانه في هذه السورة واخبر بها حبيبه ﵊ ليكون على ذكر منهم ويبلغها على من تبعه من اهل المعرفة والايمان إرشادا لهم وتنبيها. ثم لما كان امتياز هذه الفرق انما يظهر ويلوح في يوم القيامة والطامة الكبرى أشار سبحانه أولا الى تحقق وقوعها بعد ما تيمن باسمه الكريم الأعلى فقال سبحانه بِسْمِ اللَّهِ القادر المقتدر على إبداء عموم ما ابدأ في النشأة الاولى الرَّحْمنِ بعموم ما ظهر وبطن بإظهاره من كتم العدم برش انواره ومد اظلاله الرَّحِيمِ بإعادته في النشأة الاخرى بقبض اظلال أسمائه وصفاته نحو ذاته اذكر يا أكمل الرسل

стр. 957

للمعتبرين من المكلفين وقت [الآيات] إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ العظمى الموعودة وحدثت الطامة الكبرى المعهودة من لدنه سبحانه مع انه لَيْسَ لِوَقْعَتِها حين وقوعها نفس كاذِبَةٌ تكذب وقوعها كما تكذب بها الآن وليس ايضا لوقوعها حين وقوعها نفس خافِضَةٌ لها تخفض أمرها بالتردد فيها ولا نفس رافِعَةٌ ترفعها بالجزم بها بل قد وقعت حين وقعت حتما بلا ريب وتردد بلا خفض احد ولا رفع آخر اذكر يا أكمل الرسل لمن أنكر وقوعها وتردد فيها نبذا من اماراتها وأشراطها تنبيها وتوعيدا سيما وقت إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا تحريكا شديدا عنيفا بحيث قد انهدمت واندكت عموم ما عليها من الابنية المحكمة والبقاع المشيدة وَبُسَّتِ الْجِبالُ اى تشتتت وتفتتت اجزاؤها بَسًّا اى تفتتا تاما وتشتتا كاملا بحيث اضمحلت اجزاؤها وتلاشت وصارت كالسويق الملتوت وبالجملة فَكانَتْ الجبال الرواسي يومئذ هَباءً هشيما غبارا مُنْبَثًّا منتشرا متفرقا بحيث قد تلاشت هويات ما على الأرض مطلقا وَكُنْتُمْ حينئذ ايها المكلفون المعتبرون المجبولون على فطرة الدراية والشعور أَزْواجاً أجناسا وأصنافا ثَلاثَةً في النشأة الاولى فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ واليمن والكرامة من الأخيار الأبرار المحسنين بصوالح الأعمال والأحوال ومحامد الأخلاق والأطوار ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ اى ما أعظم شأنهم وأكرمهم واحسن حالهم بينهم وسعادتهم الشاملة لهم حسب اتصافهم بصالحات الأعمال وبالاعتقادات الصحيحة والأخلاق الحميدة المرضية وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ والشمال اى ملازمو الشآمة والملامة والخذلان والندامة من المفسدين المسرفين المصرين على انواع الكفر والفسوق واصناف العصيان والآثام من مفاسد العقائد وطوالح الأعمال ومتخالج الشيم والأخلاق ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ اى ما أقبح حالهم وأشد عذابهم ونكالهم وشآمتهم وشقاوتهم المستمرة عليهم بشؤم مكاسبهم ومفاسدهم وَالسَّابِقُونَ المبادرون نحو الحق من طريق الفناء الباذلون مهجهم في سبيله بالموت الإرادي شوقا الى لقائه هم السَّابِقُونَ المقصورون على السبق والحضور مع الله بلا توجه منهم الى لوازم هوياتهم الباطلة وهياكلهم العاطلة وبالجملة أُولئِكَ السعداء المقبولون هم الْمُقَرَّبُونَ عند الله الواصلون اليه الفانون في فضاء وحدته المتنعمون فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ اى متنزهات التوحيد الذاتي التي هي عبارة عن اليقين العلمي والعيني والحقي وهؤلاء المقربون الواصلون الى مقر الوحدة متفاوتون في القلة والكثرة باعتبار درجاتهم العلية ومقاماتهم السنية حسب مسالكهم ومعارجهم لذلك ثُلَّةٌ اى جماعة عظيمة مِنَ الْأَوَّلِينَ من الأمم السالفة وهم الأبرار المحسنون الذين تقربوا نحو الحق بتوحيد الصفات والأفعال وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ اى جمع قليل بالنسبة الى الأولين من امة محمد ﷺ وهم الذين قد وصلوا بل اتصلوا الى الله سبحانه من طريق توحيد الذات المسقط لعموم الإضافات والكثرات وهؤلاء أعز واقل وجودا بالنسبة الى الأمم السالفة لذلك وصفوا بالقلة وبالجملة كل منهم مع تفاوت طبقاتهم في متنزهات الوحدة متنعمون متمكنون عَلى سُرُرٍ مصورة من صفاء عقائدهم وحالاتهم مَوْضُونَةٍ منسوجة مشبكة بالمعارف والحقائق حسب درجاتهم ومقاماتهم حال كونهم مُتَّكِئِينَ عَلَيْها اى على تلك السرر مُتَقابِلِينَ مع عموم كمالاتهم متلذذين بها بلا ترقب وانتظار ومع ذلك يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للموانسة والخدمة وِلْدانٌ صباح ملاح مصورون من أعمالهم وأخلاقهم مُخَلَّدُونَ مستمرون على تلك الصور الصبيحة والهياكل المليحة بحيث لا يتحولون ولا يتغيرون منها أصلا

стр. 958

كتغير ملاح الدنيا بِأَكْوابٍ يعنى يطوفون عليهم بكئوس لا عرى لها وَأَبارِيقَ وهي التي لها عرى مملوة من ماء الحياة المثمرة للعلوم اللدنية لشاربيها وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ اى كأس مملو من رحيق التحقيق وبرد اليقين الذي لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يشوشون في تحصيلها كما في تحصيل العلوم الرسمية المكتسبة بأنواع العذاب وَلا يُنْزِفُونَ ولا يسكرون الى حيث ينقطع تلذذهم بها من غاية سكرهم كما في خمور الدنيا وفي سكر العلوم الرسمية بالنسبة الى المتلذذين بها وَفاكِهَةٍ كثيرة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ اى يختارون وينتخبون لأنفسهم من انواع المعارف والحقائق والأحوال والمقامات التي تتلذذ بها أرواحهم من آثار الأسماء والصفات الإلهية وَلَحْمِ طَيْرٍ يتقوت ويتغذى به أشباحهم مِمَّا يَشْتَهُونَ وَلهم ايضافيها للخدمة والمؤانسة حُورٌ عِينٌ مصورة من اعتقاداتهم الصحيحة الراسخة كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المصون في أصداف أشباحهم وانما يعطون فيها ما يعطون جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية ومن كمال تنعمهم وامنهم وترفههم لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً باطلا من الكلام بلا طائل وَلا تَأْثِيماً اى كلاما على سبيل الإلزام والافحام موجبا لانواع الجرائم والآثام إِلَّا قِيلًا وقولا من كل جانب سَلاماً سَلاماً على الترحيب والتكريم هذا للمقربين السابقين وَاما أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ اى اصحاب اليمين والكرامة وانواع التعظيم والتكريم فهم ايضا متنعمون فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ اى نبق لا شوك له لخلوص أعمالهم وحسناتهم عن شوك المن والأذى والسمعة والرياء وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ اى شجر موز منضد موفور الثمر مرتب من أسفله الى أعلاه لإيفائهم وتوفيرهم في كسب الحسنات وَظِلٍّ مَمْدُودٍ الهى لا يتقلص ولا ينقص ولا يتفاوت لدوامهم على مواظبة الطاعات وملازمة العبادات وَماءٍ مَسْكُوبٍ مصبوب لهم اين شاءوا وكيف شاءوا بلا تعب وترقب لأنهم صاروا في الإتيان بالأعمال الصالحة كذلك طلبا لمرضاته سبحانه وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ مما يتفكه به أرواحهم وأشباحهم لا مَقْطُوعَةٍ منتهية كفواكه الدنيا وَلا مَمْنُوعَةٍ لتساوى نسبتها الى الكل بلا تفاوت وتمانع لأنهم قد أتوا بصوالح الأعمال والأخلاق على الدوام بلا قطع ومنع وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ممهدة منضد بعضها فوق بعض لرسوخهم وتمكنهم على الاحكام الإلهية المرفوعة المرتفعة حسب الحكم والأسرار المودعة فيها. ثم قال سبحانه على سبيل الامتنان إِنَّا من مقام عظيم جودنا عليهم قد أَنْشَأْناهُنَّ اى انشأنا لهم في النشأة الاخرى أزواجهم اللاتي كن في حجورهم في النشأة الاولى من صالحات النسوان والأعمال والأخلاق إِنْشاءً بديعا عجيبا فَجَعَلْناهُنَّ فيها أَبْكاراً بحيث لم يمسهن بشر ولم يتصرف بهن احد عُرُباً متحننات لأزواجهن أَتْراباً مستويات السن مع أزواجهن في كمال سن الشباب كل ذلك لِأَصْحابِ الْيَمِينِ من ابرار المحسنين بالأعمال والأخلاق المخلصين فيها ومن هؤلاء الأبرار في الجنات ثُلَّةٌ عظيمة وجماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ اى من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ عظيمة ايضا مِنَ الْآخِرِينَ اى من امة سيد المرسلين إذ طرق الأعمال والأخلاق مشتركة بين الأولين والآخرين بخلاف طرق الأحوال والمواجيد والمشارب والأذواق وَاما أَصْحابُ الشِّمالِ والشآمة المتصفون بالشقاوة الازلية المنهمكون المتلطخون بالقاذورات الامكانية ما أَصْحابُ الشِّمالِ وما حالهم القبيحة الفضيحة الفظيعة فهم مخلدون فِي سَمُومٍ نار مسعرة في غاية الحرقة والحرارة بحيث تنفذ في مسامات أشباحهم كالريح السموم مثل نفوذ لوازم الإمكان النافذة

стр. 959

من مسامات اصحاب الغفلة والضلال المنهمكين في اللذات الحسية والشهوات الواهية البهيمية الموقعة لانواع الفتن والطغيان وَحَمِيمٍ اى ماء حار متناه في الحرارة بحيث يقطع أمعاءهم لو شربوا منه شربة بدل ما تلذذوا في النشأة الاولى من الأماني النفسانية والآمال الهيولانية الحاصلة لهم من الجهل المفرط بسرائر التوحيد وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ حاصل من دخان اسود صاعد من نار الجحيم لا بارِدٍ كسائر الاظلال وَلا كَرِيمٍ نافع أمثالها وبالجملة إِنَّهُمْ من شدة سكرتهم وغفلتهم كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في النشأة الاولى مُتْرَفِينَ منهمكين في اودية الضلال واغوار اللذات والشهوات الطبيعية الامكانية وَكانُوا حينئذ يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ والذنب الكبير الذي هو الشرك بالله والإنكار لتوحيده وَمن شدة انكارهم بمقتضيات الوحى الإلهي المتعلق بقيام الساعة وبوقوع الطامة الكبرى قد كانُوا يَقُولُونَ فيما بينهم على وجه الاستبعاد والاستنكار أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً بالية أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ مخرجون من قبورنا احياء كما كنا أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ الأقدمون يخرجون من قبورهم احياء مع ان بعثهم وإخراجهم أشد استحالة وامتناعا من بعثنا واخراجنا كلا وحاشا إذ لم يعهد في ما مضى من الازمنة أمثال هذا بل ما هي الازيغ زائل وزور باطل قُلْ لهم يا أكمل الرسل بعد ما بالغوا في الإنكار والعناد إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ اى الاسلاف والأخلاف لَمَجْمُوعُونَ مجتمعون بكمال قدرة الله وحكمته إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ اى وقت معين ويوم موعود ومعهود قد عينه الله سبحانه في حضرة علمه ولوح قضائه لا بد وان يقع في ذلك الوقت البتة بلا خلف ثُمَّ إِنَّكُمْ بعد اجتماعكم وحشركم أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ المصرون على التكذيب والإنكار لَآكِلُونَ من شدة جوعكم في جهنم البعد والخذلان بعد خلودكم فيها مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ اى شجر مسمى بهذا الاسم فيكون لفظة من الثانية للبيان والاولى للابتداء فَمالِؤُنَ مِنْهَا اى من تلك الشجرة الْبُطُونَ اى بطونكم مع انه لا يدفع الجوع بل يزيده بعد أكلكم منها ملأ بطونكم فَشارِبُونَ عَلَيْهِ اى على الزقوم مِنَ الْحَمِيمِ اى من الماء المسخن المغلى بنار الجحيم لشدة الحرقة وغلبة العطش وبالجملة فَشارِبُونَ من الحميم شُرْبَ الْهِيمِ اى مثل الإبل الذي له داء الهيام وهو مرض في الإبل شبيه باستسقاء الإنسان هذا الذي سمعت ايها الفطن المعتبر نُزُلُهُمْ المعدة لهم حين نزولهم في جهنم يَوْمَ الدِّينِ والجزاء وإذا كان نزلهم فيها هذا فما ظنكم بعذابهم فيها وبزجرهم بعد حساب أعمالهم. ثم خاطبهم سبحانه إظهارا للاستيلاء التام والبسطة الغالبة الكاملة توبيخا لهم وتقريعا نَحْنُ خَلَقْناكُمْ واظهرناكم من كتم العدم حسب حولنا وقوتنا فَلَوْلا وهلا تُصَدِّقُونَ بقدرتنا على الإعادة والبعث ايها الجاهلون المكابرون أَفَرَأَيْتُمْ اى أخبروني ايها المنكرون للبعث والجزاء ما تُمْنُونَ وتصبون في الأرحام من النطف أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ وتجعلونه بشرا سويا سالما قابلا صالحا لانواع العلوم والإدراكات الكلية والجزئية أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ المقصورون على الخلق والتسوية ومع شهود أمثال هذه المقدورات العجيبة البديعة منا كيف تنكرون قدرتنا على البعث والحشر مع انا نَحْنُ بمقتضى علمنا وقدرتنا وحكمتنا قد قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ والأجل بان قد عينا لموت كل واحد منكم وقتا معينا وأجلا معهودا بحيث لا يسع لكم في وقت حلوله لا التقديم منه ولا التأخير عنه وَمع ذلك ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ مغلوبين من احد منكم أصلا بان يغلب علينا بتقديم الأجل المعين المقدر من لدنا

стр. 960

او بتأخيره وإذا قدرنا على تقدير الأجل للموت على الوجه المذكور قدرنا ايضا عَلى أَنْ نُبَدِّلَ ونحيى اسلافكم الذين ماتوا وانقرضوا احياء أَمْثالَكُمْ من العدم يعنى كما قدرنا على انشائكم من العدم إنشاء إبداعيا قدرنا ايضا على احياء اسلافكم من القبور على سبيل الإعادة إذ هي أهون من الإبداع وَبالجملة قدرنا على ان نُنْشِئَكُمْ ونظهركم بعد موتكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ في النشأة الاولى وعالم الدنيا لا تحيطون به علما ولا تفهمونه فهما كما لا تعلمون نشأتكم التي قد مضت عليكم قبل نشأتكم هذه لخروج أمثال هذه المعلومات عن طوق البشر وطور العقل ومقتضاه وَكيف يتأتى لكم انكار الإعادة مع انكم لَقَدْ عَلِمْتُمُ علما يقينيا النَّشْأَةَ الْأُولى اى قدرتنا على الخلق والإيجاد في النشأة الاولى فَلَوْلا هلا تَذَكَّرُونَ منها قدرتنا على الإعادة في النشأة الاخرى مع ان من قدر على الإبداء قادر على الإعادة بالطريق الاولى أَفَرَأَيْتُمْ أخبروني ايها المسرفون المفرطون ان ما تَحْرُثُونَ تبذرون وتطرحون الحبة في التراب أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ وتنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ المقصورون على الإنبات بالاستقلال والاختيار بلا مشاركة ولا مظاهرة مع انا لَوْ نَشاءُ ونختار عدم إنباتها ونمائها لَجَعَلْناهُ اى الزرع النابت حُطاماً يابسا هباء هشيما فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ اى صرتم حينئذ تتعجبون وتتأسفون من يبسها وضياعها وليس لكم حينئذ سوى الأسف والحسرة وانواع التلهف والتحزن بل تقولون من شدة التضجر والتحزن إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ملزمون بتضييع البذور وإهلاك النفقة بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قد حرمنا عن بذورنا وأعمالنا وريعنا بالمرة أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ العذب القراح الفرات السائغ الَّذِي تَشْرَبُونَ تستروحون وتبردون أكبادكم به أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ اى السحاب الهامر الهاطل أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ بكمال قدرتنا وقوتنا وحكمنا وحكمتنا مع انا لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ بدلناه وصيرناه أُجاجاً مرا مالحا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ وهلا تواظبون على أداء حقوق أمثال هذه النعم العظام والفواضل الجسام ايها المجبولون على الكفران والنسيان والجرائم والآثام أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ وتقدحون أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها اى الشجرة التي يتخذ منها الزناد أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المستقلون بانشائها وبالجملة نَحْنُ اليوم قد جَعَلْناها اى النار تَذْكِرَةً وتبصرة لأمر البعث والنشر وأنموذجا من نار القطيعة الجهنمية وعظة للمتقين المتذكرين منها ليتزودوا بالتقوى ويتخلصوا من نيران الهوى ودركات اللظى وَقد جعلناها ايضا مَتاعاً ومنفعة عظيمة لِلْمُقْوِينَ المنزلين في القفر والبيداء جائعين خالية بطونهم عن الطعام فيطبخون بها وبالجملة فَسَبِّحْ يا أكمل الرسل بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ الذي هو أعز وأجل من ان يطرأ عليه شيء من النقائص او يحوم حول حمى قدسه شائبة العجز والقصور وإذا كان شأن الحق هذا وامتنانه على عموم عباده هكذا فَلا حاجة الى القسم لإثبات عظمة شأنه وجلالة سلطانه وعلو قدره ومكانته بل أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ اى بموارد وقوع نجوم القرآن ونزولها في قلوب الكمل من ارباب العزائم والعرفان وَإِنَّهُ اى القسم بالقرآن وموارده لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ وتعرفون قدره عَظِيمٌ شأنه عال خطره رفيع قدره وكيف لا يكون القرآن عظيم الشأن رفيع القدر والمكان إِنَّهُ لَقُرْآنٌ فرقان بين الكفر والايمان موضح مبين لطريق المعرفة والإيقان كَرِيمٌ كثير الخير والنفع لحامليه وممتثلى ما فيه من الأوامر والنواهي مصون مثبت فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ

стр. 961

محفوظ مستور عن نظر المحجوبين ألا وهو حضرة العلم المحيط الإلهي ولوح قضائه المحفوظ لذلك لا يَمَسُّهُ ولا يتصف بمقتضاه إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ من أوساخ التقليدات والتخمينات وإكدار الأوهام والخيالات العائقة عن الوصول الى صفاء مشرب التوحيد المسقط لعموم الإضافات وكيف يمسه غير اهل الكشف والطهارة الحقيقية مع انه تَنْزِيلٌ منزل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ الذي هو في ذاته منزه عن شوائب النقص وسماته مطلقا أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ العظيم الشأن المنبئ عن محض الحكمة والعرفان أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ متهاونون ايها المسرفون المفرطون وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ حظكم ونصيبكم من إرشاده وهدايته أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ به جهلا وعنادا اتسرفون وتفرطون في الاجتراء على الله وتكذيب كلامه ورسوله المرسل من عنده ايها المسرفون المفرطون فَلَوْلا تذكرون وهلا تتعظون به ولأى شيء تضيعون الفرصة ولا تغتنمونها ايها الضالون المضيعون اما تخافون وقت إِذا بَلَغَتِ النفس الْحُلْقُومَ اى لكل منكم ايها المكلفون بأمر الله وحكمه وَالحال انه أَنْتُمْ ايها الحاضرون حول المحتضر حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ له ولا تعلمون حاله ولا تفهمون ما جرى عليه من سكرات الموت وغمراته وأهواله وافزاعه وَنَحْنُ حينئذ أَقْرَبُ إِلَيْهِ اى الى المحتضر مِنْكُمْ واعلم بحاله وشغله لا قرب الحلول فيه ولا قرب الاتحاد معه بل قرب ذي الظل الى ظله وذي الصورة الى عكسه ومثاله وَلكِنْ أنتم لا تُبْصِرُونَ ولا تدركون قربنا لا اليه ولا إليكم ايها المحجوبون المحرومون ولا تدركون ايضا ما يجرى عليه من الافزاع والأهوال في وقت الترحال فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ اى أنتم لو لم تكونوا مضطرين مملوكين مجبورين تحت قهرنا وقدرتنا تَرْجِعُونَها اى فهلا ترجعون النفس المخرجة البالغة الى الحلقوم الى محلها ولا تمنعونها عن الخروج إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى الاستبداد والاستقلال وعدم المبالاة بالصانع القديم الحكيم العليم فهلا تدفعون الأرواح الى الأبدان بعد بلوغها الحلقوم بل وهلا ترضون بوصولها الى الحلقوم فَأَمَّا بعد خروج الروح من البدن إِنْ كانَ المتوفى مِنَ الْمُقَرَّبِينَ السابقين من الفرق المشار إليها في أول السورة فَرَوْحٌ اى موته له راحة ورحمة وإيصال له فوحة ونفحة من نفحات عالم اللاهوت وازالة زحمة عنه عارضة عليه متعلقة به من كسوة ناسوته وَرَيْحانٌ يشمه من فوائح نفس الرحمان وَجَنَّةُ نَعِيمٍ دائم التنعم والترفه في المقام المحمود والحوض المورود في جوار الخلاق الودود وَأَمَّا إِنْ كانَ المتوفى مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ اى من الأبرار الموصوفين باليمن والكرامة الموروثة له من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية فَسَلامٌ لَكَ يا ذا اليمن والكرامة مِنْ قبل أَصْحابِ الْيَمِينِ امثالك ترحيبا لك وتكريما وَأَمَّا إِنْ كانَ المتوفى من اصحاب الشمال والشآمة الازلية والشقاوة الجبلية يعنى مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بيوم الدين الضَّالِّينَ المنحرفين عن جادة الاستقامة ومحجة اليقين الموصلة الى دار المقامة ومنزل الكرامة فَنُزُلٌ اى فله نزل معد مِنْ حَمِيمٍ بدل ما لم يتعطش في النشأة الاولى الى شربة من زلال برد اليقين ولم يشرب جرعة من رحيق التحقيق ورشحة من حلاب المعرفة والتوحيد وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ اى إدخال نار عظيمة فظيعة بدل ما يتلذذ بنيران الشهوات وبالميل الى المحرمات والمكروهات وبالجملة إِنَّ هذا الذي ذكر في حق هؤلاء الفرق الثلاث لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ بالنسبة الى ارباب الكشف والشهود المطلعين بمراتب الوجود باليقين العلمي والعيني والحقي فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ اى نزه وقدس يا سيد ارباب الشهود والحضور ذات

стр. 962

ربك عن شوب مطلق الريب والتخمين بذكر اسمه العظيم المستجمع لعموم أسمائه الحسنى وصفاته العليا فإنك يا أكمل الرسل متمكن على مرتبة الحق اليقين في مطلق اسماء الله وصفاته. جعلنا الله ممن اتصف بحق اليقين وخلص عن امارات الريب والتخمين وسلّم من التردد والتلوين بمنه وجوده خاتمة سورة الواقعة عليك ايها السالك القاصد لانكشاف مراتب الوجود بطريق الكشف والشهود والاطلاع على ما فيها من شوائب الكفر والجحود والانحراف عن الطريق المعهود الذي نزل بتبيينه الكتب والرسل ان تتأمل في عموم أوقاتك وحالاتك بما في هذه السورة العظيمة الشأن البديعة البرهان وتعرض على نفسك دائما احوال الفرق الثلاثة المذكورة فيها وتذكرها عليها حتى يظهر لك انك مع من هو من هؤلاء الفرق اما من السابقين المقربين المقبولين أم من اصحاب اليمين الموفقين المحسنين أم من المكذبين الضالين المعذبين وبالجملة اعبد ربك حتى يأتيك اليقين [سورة الحديد] فاتحة سورة الحديد لا يخفى على من تحقق بوحدة الحق وانكشف بقضاء صمديته وسعة مملكته واستيلاء بسطته وسلطنته الغالبة ان عموم ما ظهر وبطن غيبا وشهادة انما هي من الذاتية وتجلياته الجمالية والجلالية المترتبة على أسمائه وصفاته الذاتية والفعلية لذلك نطقت بوحدته ألسنة عموم مظاهره ومصنوعاته ونزهته عما لا يليق بشأنه كما اخبر سبحانه عن تسبيحهم تنبيها وإرشادا لعباده وحثا لهم الى التوجه والرجوع نحو بابه فقال بعد ما تيمن باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على عموم ما ظهر وبطن بمقتضى التجلي الحبى الرَّحْمنِ عليهم بسعة رحمته ووفور جوده وإحسانه الرَّحِيمِ لخواص عباده يوصلهم الى فضاء توحيده [الآيات] سَبَّحَ لِلَّهِ الواحد الأحد الصمد المستقل بالقيومية والبقاء المتفرد بالتحقق والثبوت على وجه الديمومية الحي الحقيق بالالوهية والرب اللائق بالربوبية مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الكوائن العلوية والسفلية الغيبية والشهادية ونزهه عن مطلق النقائص المنافية لوجوب وجوده وصرافة وحدته الذاتية بعد ما اعترفت ألسنة استعدادات الكل بربوبيته طوعا واشتغلوا بلوازم عبوديته رغبة وَكيف لا يسبحونه ولا يعظمونه سبحانه مع انه هُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر المقتدر على وجوه الانعام والانتقام الْحَكِيمُ المتقن في ايجادهما وإظهارهما على وفق الارادة والاختيار لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مؤثرات الفواعل العلوية التي هي عبارة عن آثار الأسماء والصفات الإلهية المعبرة بالأعيان الثابتة ومتأثرات القوابل السفلية التي هي عبارة عن استعدادات الطبائع والهيولى المنفعلة منها إذ هو سبحانه بتوحده واستقلاله يُحْيِي وَيُمِيتُ اى يتصرف في ملكه وملكوته بالاحياء والاماتة والنزع واللبس بالإرادة والاختيار وَبالجملة هُوَ سبحانه عَلى كُلِّ شَيْءٍ دخل في حيطة حضرة علمه ولوح قضائه قَدِيرٌ بالقدرة التامة الكاملة مع انه لا يعزب عن حيطة حضرة علمه الحضوري ذرة مما لمع عليه برق وجوده الوحدانى حسب جوده الفردانى وكيف لا يقدر سبحانه على التصرف بالاستقلال والاختيار في ملكه وملكوته إذ هُوَ الْأَوَّلُ الأزلى السرمدي السابق في الوجود والتحقق وَكذا هو ايضا الْآخِرُ الأبدي الدائم المستمر فيه بلا انقضاء

стр. 963

ولا انتهاء وَكذا هو الظَّاهِرُ المتحقق في الشهادة والعيان وَهو ايضا الْباطِنُ المكنون في عموم الأكوان فانظر ايها الناظر المعتبر هل بقي لغيره وجود ولسواه عين وشهود وَبالجملة هُوَ بذاته بِكُلِّ شَيْءٍ ظهر من امتداد اظلاله وانعكاس اشعة نور وجوده عَلِيمٌ بحضرة علمه الذي هو عين ذاته وحضوره غير مغيب عنه مطلقا ومن كمال علمه وارادته ووفور حكمته وقدرته هُوَ الَّذِي خَلَقَ وقدر ظهور السَّماواتِ المطبقة المعلقة وَالْأَرْضَ المفروشة الممهدة فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ حسب عدد الأقطار والجهات ومقدارها ثُمَّ بعد ما كمل الكل قد اسْتَوى وتمكن عَلَى الْعَرْشِ اى على عروش مطلق المظاهر بالاستيلاء التام والاستقلال الكامل بحيث يَعْلَمُ بعلمه الحضوري ما يَلِجُ ويدخل فِي الْأَرْضِ من حبات البذور وفي أراضي الاستعدادات من بذور المعارف والحقائق وحبوب العلوم اللدنية وَيعلم ايضا ما يَخْرُجُ مِنْها من انواع النباتات ومن اصناف المكاشفات والمشاهدات المترتبة على بذور المعارف والحقائق وصالحات الأعمال ومطلق الخيرات والحسنات وَكذا يعلم بعلمه الحضوري ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ اى عالم الأسباب من السحب والأمطار او من سماء الأسماء الذاتية والصفات الإلهية من مياه العلوم اللدنية والإدراكات الكشفية المحيية لأراضي الاستعدادات وَكذا يعلم ما يَعْرُجُ فِيها من الابخرة والادخنة او الكلمات الطيبة الصاعدة الجالبة لفيضان اليقين والعرفان من المبدأ الفياض وَبالجملة هُوَ سبحانه مَعَكُمْ ايها المظاهر أَيْنَ ما كُنْتُمْ لا معية ذاتية ولا زمانية لا بطريق المقارنة والمخالطة ولا بطريق الاتحاد والحلول بل بطريق الظهور والظلية والحضور ورش النور وَبالجملة اللَّهُ المحيط بكم المظهر لأشباحكم بمد ظله عليكم بِما تَعْمَلُونَ من مطلق الأعمال والأفعال وعموم الحركات والسكنات وجميع الحالات بَصِيرٌ عليم يجازيكم عليها بمقتضى علمه وبصارته في يوم العرض والجزاء إذ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يتصرف فيهما إيجادا أولا واماتة واعداما ثانيا واعادة وبعثا ثالثا وَبعد البعث والإعادة إِلَى اللَّهِ لا الى غيره من الوسائل والأسباب العادية تُرْجَعُ الْأُمُورُ اى رجوع عموم الأمور اليه سبحانه في المعاد والمآل كما ان ظهوره منه في المبدأ والمنشأ إذ منه الابتداء واليه الانتهاء ومن تصرفاته المتقنة في ملكه على وفق حكمته انه يُولِجُ ويدخل اللَّيْلَ اى بعض اجزائه فِي النَّهارِ في فصل الربيع والشتاء وَيُولِجُ النَّهارَ اى بعض اجزائه ايضا فِي اللَّيْلِ في فصل الصيف والخريف حكمة ومصلحة لمعاش عموم الحيوانات ومحافظة لها عن كلى طرفي الإفراط والتفريط وَبالجملة هُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اى بمكنونات ضمائركم ومقتضيات استعداداتكم وبعد ما علم واطلع سبحانه منكم ومن استعداداتكم وقابلياتكم ما ليس لكم به علم آمِنُوا اى انقادوا وأطيعوا حق الإطاعة والانقياد بِاللَّهِ المطلع على عموم مصالحكم وَرَسُولِهِ المستخلف منه النائب عنه سبحانه المبعوث من لدنه لإرشادكم وتكميلكم وَبعد ايمانكم وإطاعتكم أَنْفِقُوا بمقتضى الأمر الوجوبي الإلهي المنبئ عن محض الحكمة والمصلحة مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ اى من أموالكم ومنسوباتكم التي قد استخلفكم الحق سبحانه عليها إذ هي كلها لله إذ العبد وما في يده لمولاه حقيقة لا لكم كما زعمتم فعليكم الامتثال بعموم الأوامر الإلهية سيما امر الانفاق والإيثار الذي يزكى نفوسكم من الميل الى مزخرفات الدنيا العائقة عن الوصول الى جنة المأوى التي هي

стр. 964

مقام التسليم والرضاء فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وأكدوا ايمانهم بالإخلاص في عموم الأعمال والأفعال والأخلاق وَأَنْفِقُوا بلا شوب المن والأذى وشين السمعة والرياء لَهُمْ بسبب ايمانهم وانفاقهم على وجه الإخلاص أَجْرٌ كَبِيرٌ لا اجر اكبر منه وأعلى. ثم قال سبحانه على طريق الحث والإلزام المشعر بالوعيد وَما لَكُمْ اى أى شيء عرض عليكم ولحق بكم ايها المكلفون حتى لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المستحق للاطاعة والايمان وَلا سيما الرَّسُولُ المبلغ الكامل في الهداية والتكميل يَدْعُوكُمْ بمقتضى الوحى والإلهام الإلهي المنزل من عنده لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ مع انه ﷺ مؤيد بالمعجزات الساطعة والحجج القاطعة الدالة على صدقه في دعوته من عنده ودعواه في رسالته الى كافة الأنام وَالحال انه قَدْ أَخَذَ الله العليم العلام باستعداداتكم منكم مِيثاقَكُمْ وعهدكم بالإيمان في سالف الزمان اى في مبدأ فطرتكم ومنشأ جبلتكم مع انه سبحانه قد جبلكم حين قدر خلقكم وانشأ فطرتكم على جبلة التوحيد والايمان فماذا يمنعكم عنه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بسبب وموجب فهذا موجب عظيم لا مزيد عليه إذ هُوَ سبحانه الحكيم العليم الَّذِي يُنَزِّلُ من مقام فضله وجوده عَلى عَبْدِهِ محمد ﷺ آياتٍ بَيِّناتٍ مبينات واضحات لِيُخْرِجَكُمْ الله سبحانه اصالة ورسوله تبعا وإرشادا مِنَ الظُّلُماتِ المتراكمة المتكاثفة من لوازم الطبيعة ولواحق الهيولى إِلَى النُّورِ اى نور الوجود البحت الخالص عن مطلق القيود وَاعلموا ايها المكلفون إِنَّ اللَّهَ الرقيب المحافظ عليكم مشفق بِكُمْ منكم لأنفسكم بارادة إخراجكم من ظلمات الجهل الى نور اليقين وانه لَرَؤُفٌ عطوف رَحِيمٌ متناه في الرحمة والرأفة وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا اى أى شيء يمنعكم عن الانفاق فِي سَبِيلِ اللَّهِ من مال الله تقربا اليه وطلبا لمرضاته وامتثالا لأوامره وَكيف لا يكون أموالكم لِلَّهِ الغنى بذاته المستغنى عن مطلق مظاهره ومصنوعاته مع انه له سبحانه مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى عموم ما في العلويات والسفليات والممتزجات والحال انه هو غنى بذاته عن انفاقكم وبذلكم الا انه لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ اى أنفق قبل فتح مكة شرفها الله ممتثلا لأمر الله مجتهدا في تقوية دين الإسلام وترويجه وظهوره على الأديان الباطلة وتكثير اهل الحق وتغليبه وَمع إنفاقه على المقاتلين في سبيل الله لإعلاء كلمة توحيده قد قاتَلَ هو ايضا بنفسه وسعى ببذل المال والروح في طريق الحق وترويجه وبالجملة أُولئِكَ السعداء المنفقون المقاتلون هم أَعْظَمُ دَرَجَةً وأكرم مثوبة ومقاما عند الله مَنْ المؤمنين الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ اى بعد فتح مكة وغلبة المسلمين وظهور دين الإسلام على عموم الأديان وَقاتَلُوا بعده مع كثرة المقاتلين وَبالجملة كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى اى قد وعد الله كلا من المسلمين المبادرين والمبطئين الموعدة الحسنى والدرجة العليا والمثوبة العظمى حسب سعيهم واجتهادهم في تقوية الشرع وترويج الدين القويم وَبالجملة اللَّهِ المطلع بسرائر عباده بِما تَعْمَلُونَ اى بعموم أعمالكم وأحوالكم خالصا ومشوبا صالحا وطالحا خَبِيرٌ بصير لا يعزب عن خبرته شيء منها يجازيكم على مقتضى خبرته. ثم قال سبحانه على سبيل الحث والترغيب مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ وينفق في سبيله من أكرم أمواله قَرْضاً حَسَناً بلا شوب المن والأذى وشين السمعة والرياء طلبا لمرضاته سبحانه فَيُضاعِفَهُ لَهُ اى يضاعف له اعواضه واخلافه في الدنيا كرامة عليه وفضلا

стр. 965

وَمع ذلك لَهُ في الآخرة أَجْرٌ كَرِيمٌ وفوز عظيم لا فوز أعظم منه وأكرم ألا وهو التحقق بمقام الرضاء والتسليم والاستغراق بمطالعة وجه الله الكريم اذكر يا أكمل الرسل على سبيل التبشير يَوْمَ تَرَى ايها المعتبر الرائي الْمُؤْمِنِينَ الموحدين الموقنين المخلصين وَالْمُؤْمِناتِ ايضا كذلك يَسْعى نُورُهُمْ اى نور يقينهم وعرفانهم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ اى امامهم وقدامهم وَبِأَيْمانِهِمْ إذ إتيان الكرامة انما هو من هاتين الجهتين فيقول لهم حينئذ من يتلقاهم من الملائكة بُشْراكُمُ الْيَوْمَ دخول جَنَّاتٌ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق لا بحسب وقت دون وقت بل خالِدِينَ فِيها دائمين ذلِكَ اى الخلود في الجنة الموعود هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والنوال الكريم لا فوز أعظم منه عند المكاشفين المشاهدين. ثم عقب سبحانه وعد المؤمنين بوعيد المنافقين فقال ايضا على وجه العظة والتذكير يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ المبطلون المستمرون على النفاق والشقاق مع اهل الحق وَالْمُنافِقاتُ ايضا كذلك لِلَّذِينَ آمَنُوا حين يرونهم يسعى نورهم بين أيديهم وبايمانهم انْظُرُونا ايها السعداء المحقون والتفتوا نحونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ إذ نحن في ظلمة شديدة قِيلَ لهم من قبل الحق على سبيل التوبيخ والتقريع ارْجِعُوا وَراءَكُمْ اى الى دار الاعتبار والاختبار فَالْتَمِسُوا نُوراً واقتبسوه من مشكاة النبوة والولاية بامتثال الأوامر والنواهي الموردة من عنده سبحانه على رسله بالحكم والأسرار الصادرة من السنة اولى العزائم الصحيحة المنجذبين نحو الحق من طريق الفناء فيه بالموت الإرادي. واعلموا ان اكتساب النور واقتباسه انما هو في دار العبرة والغرور لا في دار الحضور والسرور وبعد ما جرى بينهم ما جرى فَضُرِبَ وحيل حينئذ بَيْنَهُمْ اى بين المؤمنين والمنافقين بِسُورٍ حائط حائل لَهُ اى للسور بابٌ مفتوح يدخل منه المؤمنون باطِنُهُ اى باطن الباب فِيهِ الرَّحْمَةُ النازلة من قبل الحق بمقتضى اسم الرحمن على اهل الايمان والعرفان وَظاهِرُهُ اى ظاهر الباب مِنْ قِبَلِهِ سبحانه بمقتضى اسمه المنتقم الْعَذابُ النازل على اهل النفاق والطغيان يُنادُونَهُمْ اى المنافقون المؤمنين حال ستروا عن أعينهم وبقوا في الظلمة والعذاب محرومين قائلين متضرعين أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ايها الرفقاء في دار الدنيا مسلمين منقادين لأحكام الإسلام ممتثلين بأوامر الكلام الإلهي ونواهيه أمثالكم قالُوا اى المؤمنون في جوابهم من السور الحائل بَلى أنتم معنا ظاهرا وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بالنفاق والشقاق حسب باطنكم وَمع ذلك قد تَرَبَّصْتُمْ وانتظرتم بالمؤمنين المقت والدوائر وَارْتَبْتُمْ ترددتم وشككتم في حقية الدين القويم وظهوره على الأديان كلها وَبالجملة قد غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ والاهوية الفاسدة والآراء الباطلة مدى العمر فانتظرتم بالمؤمنين ريب المنون وقد كنتم أنتم على أمانيكم هذه وتطيراتكم حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ الذي هو الموت فمتم منافقين مخادعين وَبالجملة قد غَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ الذي هو شياطين امارتكم وأمانيكم وتسويلات نفوسكم وقواكم وبعد ما قد وقع ما وقع فَالْيَوْمَ الذي تبلى السرائر فيه لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ ايها المنافقون المخادعون فِدْيَةٌ تفتدون بها لتخليصكم من العذاب لا منكم ايها المنافقون وَلا مِنَ إخوانكم الَّذِينَ كَفَرُوا مجاهرين مصرين على ما هم عليه بلا مبالاة بالدين والدعوة وبالجملة مَأْواكُمُ ومحل رجوعكم وقراركم اليوم جميعا النَّارُ المعدة المسعرة لكم ايها المنافقون بالكفر والمجاهرون به هِيَ

стр. 966

مَوْلاكُمْ اى النار اولى بكم وأليق بحالكم وَبالجملة بِئْسَ الْمَصِيرُ والمرجع النار المعدة للكفار الأشرار. ثم قال سبحانه على سبيل الحث والترغيب والتشويق أَلَمْ يَأْنِ اى لم يقرب الوقت ولم يحضر الأوان لِلَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق وبكمالات أسمائه وصفاته أَنْ تَخْشَعَ اى تخضع وتلين وترق قُلُوبُهُمْ التي هي وعاء الايمان والعرفان لِذِكْرِ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المستجمع لعموم الأسماء والصفات الإلهية المسقط لجميع الإضافات وَما نَزَلَ في كتابه المبين لطريق توحيده مِنَ الْحَقِّ الحقيق بالامتثال والاتباع اى من الأوامر والنواهي المعدودة فيه لتهذيب الظاهر والباطن والرموز والإشارات المصفية للسر عن الالتفات الى ما سوى الحق وَبالجملة لا يَكُونُوا ايها المؤمنون في الاعراض عن كتاب الله والانصراف عما فيه من الحكم والمصالح كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ وهم اليهود والنصارى فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ومضى الازمنة والأوان بينهم وبين أنبيائهم فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ عن الايمان مع ان الكتب بين أظهرهم وَلا تفيدهم بل كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن مقتضيات الأوامر والنواهي والحدود والاحكام المذكورة في كتبهم وما هي الا من فرط قساوتهم وغفلتهم فعليكم ايها المؤمنون ان لا تكونوا أمثالهم مع نبيكم ودينكم وكتابكم اعْلَمُوا ايها المؤمنون الموحدون المحمديون أَنَّ اللَّهَ المطلع على قابليات عباده واستعداداتهم الفطرية يُحْيِ الْأَرْضَ اى أراضي استعداداتكم بمياه المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات بَعْدَ مَوْتِها بالجهل والغفلة الناشئة من ظلمات الطبيعة والهيولى وبالجملة قَدْ بَيَّنَّا وأوضحنا لَكُمُ الْآياتِ الدالة على هدايتكم وتكميلكم في القرآن العظيم لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ رجاء ان تتأملوا فيها وتتعظوا بها وتفهموا إشاراتها وتعتبروا منها وتتفطنوا بما فيها من السرائر المرموزة والحكم المكنونة ومن علامات تعقلكم واتعاظكم التصدق والانفاق من مزخرفات الدنيا والتقرب بايثارها نحو المولى إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ اى المتصدقين وَالْمُصَّدِّقاتِ اى المتصدقات وَهم الذين قد أَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً خالصا عن شوب المن والأذى طلبا لمرضاته سبحانه يُضاعَفُ لَهُمْ صدقاتهم في النشأة الاولى وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ في النشأة الاخرى وَبالجملة الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وأخلصوا في ايمانهم وأكدوه بصوالح أعمالهم وإحسانهم وَرُسُلِهِ المبعوثين إليهم الهادين لهم الى الايمان أُولئِكَ السعداء المقبولون هُمُ الصِّدِّيقُونَ المبالغون في الصدق غايتها المقصورون على الإخلاص المتمكنون في منهج اليقين الحقي وَالشُّهَداءُ المكاشفون الحاضرون عِنْدَ رَبِّهِمْ المستغرقون بمطالعة لقائه الكريم لَهُمْ في النشأة الاخرى أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ الموعود لهم من قبل الحق على وجه لا مزيد عليه وَالمسرفون المفرطون الَّذِينَ كَفَرُوا بوحدة ذاتنا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على استقلالنا في عموم تصرفاتنا عتوا وعنادا أُولئِكَ الأشقياء البعداء المردودون هم أَصْحابُ الْجَحِيمِ اى ملازموها وملاصقوها بحيث لا نجاة لهم منها أصلا اعْلَمُوا ايها المكلفون المعتبرون أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا اى ما الحياة المستعارة الدنياوية وما حاصلها وجل متاعها الا لَعِبٌ مزخرف باطل عاطل في نفسها يلعب بها اهل الغفلة والحجاب ويتعبون بها نفوسهم طول دهرهم بلا طائل وَلَهْوٌ يلهيهم عما يهمهم ويعنيهم من الحياة الازلية الابدية ولوازمها وَزِينَةٌ قد زينها لهم شياطين قواهم وأمانيهم من المطاعم الشهية والملابس البهية واللذات الوهمية والشهوات البهيمية وَتَفاخُرٌ

стр. 967

بَيْنَكُمْ بالمال والجاه والثروة والسيادة وبالاحساب والأنساب وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ بالمظاهرة والمعاونة وتكثير العدد والعدد والعقارات والتجارات والمواشي والزراعات الى غير ذلك من المزخرفات الفانية التي لإقرار لها ولا مدار بل مثلها كَمَثَلِ غَيْثٍ قد نزل وأنبت إنباتا بحيث قد أَعْجَبَ الْكُفَّارَ اى الحراث نَباتُهُ من كثرته ونضارته وكثافته ثُمَّ يَهِيجُ يجف وييبس بآفة وعاهة فَتَراهُ مُصْفَرًّا منكرا مكروها بعد ما كان مخضرا في كمال النزاهة والنضارة ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً هشيما تذروه الرياح حيث شاءت بلا فائدة ولا عائدة وَمع هذه الخسارة والحرمان في النشأة الاولى لأهل الغفلة والخذلان يكون لهم فِي النشأة الْآخِرَةِ المعدة للجزاء عَذابٌ شَدِيدٌ بسبب اشتغالهم بالدنيا وما فيها وَبالجملة مَغْفِرَةٌ ستر ومحو لذنوب اصحاب المعاملات ناشئة مِنَ اللَّهِ الغفور الرحيم بمقتضى لطفه وسعة رحمته وجوده وَرِضْوانٌ منه سبحانه لأرباب القلوب والمكاشفة خير من الدنيا وما فيها بل من اضعافها وآلافها عند من تحقق برتبة الإنسان وسعة قلبه المصور على صورة الرحمن وَبالجملة مَا الْحَياةُ الدُّنْيا عند الأحرار الأبرار البالغين بدرجة الاعتبار والاستبصار إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ومخايل الخديعة والزور ومن اغتربها ولحق بما فيها فقد استحق الويل والثبور وحرم عليه الحضور والسرور. ومتى سمعتم ايها المؤمنون المعتبرون حال الدنيا ومآلها وحال العقبى وما يترتب عليها سابِقُوا سارعوا بادروا بوفور الرغبة والرضاء إِلى تحصيل اسباب مَغْفِرَةٍ مرجوة مِنْ رَبِّكُمْ الذي رباكم على فطرة الهداية والتوحيد وَوسائل دخول جَنَّةٍ وسيعة فسيحة عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ بحسب متفاهم العرف وإلا فلا يكال سعة الجنان وعرش الرحمن وقلب الإنسان الكامل كما يشهد به قلب العارف المحقق المتحقق بمقام القلب الذي هو وعاء الحق المنزه عن مطلق المقادير والتقادير قد أُعِدَّتْ وهيئت لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ على وجه الإخلاص وأكدوا ايمانهم وإخلاصهم بالرضاء والتسليم بعموم ما جرى عليهم من القضاء وفوضوا أمورهم كلها الى المولى حتى صار علمهم منتهيا الى العين وعينهم الى الحق ذلِكَ التحقيق والانتهاء فَضْلُ اللَّهِ بلا سبق شيء يوجبه ويجلبه وعبودية تستحقه بل يُؤْتِيهِ ويعطيه مَنْ يَشاءُ عناية منه سبحانه وإحسانا ناشئا من محض الارادة والاختيار كيف وَاللَّهُ الغنى بذاته المستغنى مطلقا عن عبادة مظاهره واظلاله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ والكرم العميم يمن على من يشاء من عباده مما يمن بمقتضى سعة رحمته وجوده حسب علمه المحيط باستعداداتهم وقابلياتهم إذ ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ اى ما حدث من حادثة مفرحة او موحشة كائنة فِي الْأَرْضِ اى في اقطار الآفاق من الخصب والرخاء والزلزلة والوباء الى غير ذلك من المفرحات والموحشات الحادثة في الأنحاء والارجاء وَلا كائنة فِي أَنْفُسِكُمْ من العوارض السارة والشهوات الملذة او من الأمراض المردئة والملمات المؤلمة إِلَّا قد ثبت حدوثها في ساعة كذا في آن كذا على وجه كذا فِي كِتابٍ اى في حضرة العلم المحيط الإلهي ولوح قضائه على اختلاف العبارات مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها نخلقها ونظهرها اى ثبت حدوث الحادثة في وقتها في كتابنا قبل ان تخلق الحادثة بزمان لا يعلم احد مقداره الا نحن ولا تستبعدوا من قدرتنا أمثال هذا إِنَّ ذلِكَ الثبت والتقدير السابق وان كان عندكم عسير عَلَى اللَّهِ القادر المقتدر الغالب على عموم المقدورات يَسِيرٌ في جنب قدرته والحكمة في ثبتها قبل خلقها لِكَيْلا تَأْسَوْا ولا تحزنوا ايها المجبولون

стр. 968

على فطرة الكفران والعصيان عَلى ما فاتَكُمْ من اللذات والشهوات وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ منها ليكون فرحكم سببا لكبركم وخيلائكم على ضعفاء الأنام وعدم قراءة السلام وَبالجملة اللَّهُ المطلع على ما في استعدادات عباده من النخوة والاستكبار لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ ذي كبر وخيلاء منهم فَخُورٍ مفاخر مباه بسبب المال والجاه والثروة والسيادة على اقرانه وأبناء جنسه وإذا كان الأمر كذلك فلا تسندوا الأمور مطلقا الى الأسباب والوسائل العادية ولا الى انفسكم بل فوضوها كلها الى الله وأسندوها اليه سبحانه بالأصالة فلا تفرحوا ولا تحزنوا بل أفنوا في الله وابقوا لتتمكنوا في مقعد صدق عند مليك مقتدر والمختالون المفتخرون هم الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويمسكون عن التصدق والانفاق ويجمعون من حطام الدنيا مقدار ما يفتخرون بها ويتفوقون على اقرانهم بسببها وَمن غاية بخلهم وامساكهم يَأْمُرُونَ النَّاسَ ايضا بِالْبُخْلِ لئلا يلحق عار البخل بهم خاصة وليعرضوا وليصرفوا ضعفاء الأنام عن امتثال امر الله بالإنفاق شحا وبخلا حتى لا ينالوا المثوبة العظمى والكرامة الكبرى في النشأة الاخرى من عنده سبحانه وَبالجملة مَنْ يَتَوَلَّ ويعرض عن الله ولم يشكر بنعمه ولم يواظب على أداء حقوق كرمه فلا يضره سبحانه ولا ينقص شيأ من علو شأنه وسمو برهانه فَإِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء هُوَ الْغَنِيُّ بذاته عن اطاعة عباده وانفاقهم وكذا عن عصيانهم وكفرانهم الْحَمِيدُ حسب أسمائه وصفاته الذاتية بلا افتقار له الى محامد مظاهره ومصنوعاته. ثم قال سبحانه على سبيل الامتنان لعموم عباده إرشادا لهم الى سبيل السلامة والسداد وحثا لهم الى التزام الطاعات والعبادات المقربة لهم الى فضاء الوحدة لَقَدْ أَرْسَلْنا من مقام عظيم جودنا رُسُلَنا المبعوثين الى هداية العباد وإرشادهم الى سبيل السداد وايدناهم بِالْبَيِّناتِ المعجزات الواضحات وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ المشتمل على الآيات الدالة على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا وَأنزلنا ايضا معهم الْمِيزانَ الموضوع للقسط والعدالة كل ذلك لِيَقُومَ النَّاسُ المجبولون على الغفلة والنسيان بِالْقِسْطِ والعدل السوى فيصيرون مستقيمين على صراط الله الأعدل الأقوم الذي هو الشرع القويم والدين المستقيم المنزل على الرسول المبعوث بالخلق العظيم وَأَنْزَلْنا ايضا الْحَدِيدَ لزجر المنحرف العنيد إذ فِيهِ اى في السيف الصارم الحديد المتخذ من الحديد بَأْسٌ شَدِيدٌ للمائلين عن جادة الشريعة والمترددين عن الدين القويم وَان كان ايضا فيه مَنافِعُ كثيرة لِلنَّاسِ لتوقف عموم الحرف والصنائع عليه وانما أرسل سبحانه وَانزل معه ما انزل لِيَعْلَمَ اللَّهُ اى يظهر ويميز من عباده مَنْ يَنْصُرُهُ سبحانه وَينصر رُسُلَهُ المرسلين من لدنه اى من ينصر دينه المنزل على كل واحد من رسله المبعوثين من عنده لإظهاره وترويجه بِالْغَيْبِ اى قيام الساعة وانكشاف السرائر وما ذلك الإرسال والإنزال منه سبحانه الا لابتلاء العباد واختبارهم والا فهو سبحانه منزه في ذاته عن اعانتهم ونصرهم إِنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على انواع الانعام والانتقام قَوِيٌّ على إهلاك من أراد إهلاكه عَزِيزٌ غالب على عموم مقدوراته بلا مظاهرة ومعاونة وانما امر سبحانه بالجهاد لينالوا بامتثاله أعظم المثوبات. ثم قال سبحانه على سبيل التخصيص بعد التعميم للاعتناء والاهتمام بشأن المذكورين وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً الى قومه حين فشا الجدال والمراء بينهم وشاع ميلهم وانحرافهم عن المنهج القويم وَإِبْراهِيمَ حين ظهر الشرك وعبادة الأوثان

стр. 969

والأصنام بين قومه وَمن كمال تعظيمنا وتكريمنا إياهما جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ ابدا فَمِنْهُمْ اى بعض قليل من ذريتهما مُهْتَدٍ وَبعض كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن جادة العدالة والقسط الإلهي ثُمَّ قَفَّيْنا وعقبنا عَلى آثارِهِمْ وبعد انقراضهم بِرُسُلِنا تترى وايدناهم بالكتب والصحف وانواع الآيات والمعجزات وَبعد ما انقرضوا ايضا قد قَفَّيْنا الكل بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وأيدناه بروح القدس وَمن كمال صفوته ونجابة عرقه وطينته قد جَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وآمنوا له وتدينوا بدينه رَأْفَةً عطفا ولينا بالنسبة الى عموم العباد الى حيث يعفون عن القاتل ولا يضربون الضارب والشاتم وَرَحْمَةً يرحمون بها عموم خلق الله وَمن شدة محبتهم ومودتهم بالنسبة الى الله قد اخترعوا رَهْبانِيَّةً وتزهدا يبالغون بها في عموم العبادات الى حيث لا يطعمون ولا يشربون أياما كثيرة ولا ينكحون في مدة اعمارهم قط ولا يختلطون مع الناس بل يوطنون نفوسهم في شعب الجبال وقلب الكهوف والاغوار وانما ابْتَدَعُوها كل ما ابتدعوها من تلقاء أنفسهم بلا رخصة ووحى منا إياهم إذ ما كَتَبْناها اى الرهبانية وما فرضناها وما قدرناها عَلَيْهِمْ حتما في دينهم وكتابهم بل ما اختاروها إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ وطلبا لمرضاته ومع ذلك فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها اى ما وافقت رهبانيتهم بدينهم وبكتابهم إذ قد كفروا بمحمد ﷺ مع ان الايمان به ﷺ من أعظم معتقدات دينهم وكتابهم فتركوه ظلما وعدوانا وأنكروا عليه ﷺ جهلا وعنادا له فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ بمحمد ﷺ أَجْرَهُمْ اى اجر ايمانهم وأعمالهم بأضعاف ما استحقوا وآلافها وَلكن كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن مقتضى دينهم وكتابهم بإنكار محمد ﷺ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله على مقتضى دين الرسل الماضين صلوات الله عليهم وسلامه المبعوثين لتبيين طريق توحيد الصفات والأفعال اتَّقُوا اللَّهَ الواحد الأحد الصمد الغيور واحذروا عن بطشه بمخالفة امره وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ المرسل من عنده لتبيين طريق توحيده الذاتي يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ سبحانه نصيب عظيم لأيمانكم بمحمد ﷺ ونصيب آخر لأيمانكم لمن قبله من الرسل وَيَجْعَلْ لَكُمْ سبحانه ببركة ايمانكم بمحمد ﷺ نُوراً مقتبسا من مشكاة النبوة والرسالة المخصوصة بالحضرة الختمية الخاتمية المحمدية تَمْشُونَ بِهِ اى بذلك النور الى المحشر وَيَغْفِرْ لَكُمْ سبحانه ببركته ذنوبكم وَبالجملة اللَّهَ الفرد الصمد العليم الحكيم غَفُورٌ لذنوب عباده رَحِيمٌ لهم يرحمهم ويقبل توبتهم ان أخلصوا فيها وانما فعل بهم سبحانه ما فعل من الكرامات المضاعفة لِئَلَّا يَعْلَمَ اى ليعلم يقينا أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ اى ان الشأن والأمر انهم لا يستطيعون عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ المكرم المفضل وثوابه بان يجلبوه بايمانهم وأعمالهم لو لم يرد سبحانه إتيانه لهم تفضلا وإحسانا وَيعلمون ايضا يقينا أَنَّ الْفَضْلَ المطلق والانعام العام والإحسان الكامل التام بِيَدِ اللَّهِ المتصرف بالاستقلال في ملكه وملكوته بالإرادة والاختيار وفي قبضة قدرته وتحت حكمه وحكمته يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ من عباده ارادة واختيارا وَبالجملة اللَّهِ المتعزز برداء العظمة والكبرياء ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ والطول العميم والكرم الجسيم سيما على ارباب العناية من عباده. جعلنا الله ممن تفضل عليه الحق حسب جوده وكرمه

стр. 970

خاتمة سورة الحديد عليك ايها المحمدي المترقب للفضل الإلهي وسعة لطفه وجوده ان تلازم على أداء ما افترض عليك من الطاعات والعبادات وتداوم على الاتصاف بالآداب السنية والأخلاق المرضية المقتبسة من كتاب الله المنزل من عنده للإرشاد الى منهج الرشد والى نيل عموم السعادات وكذا من سنن سيد السادات وسند ارباب الولاية والكرامات وتقتقى بآثار السلف المجتازين في مضمار المعارف والمكاشفات والمشاهدات وإياك إياك الالتفات الى مزخرفات الدنيا الدنية وما فيها من اللذات والشهوات الوهمية العائقة عن التوجه الى المولى والوصول الى سدرة المنتهى وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [سورة المجادلة] فاتحة سورة المجادلة لا يخفى على الموحدين المتحققين بمقام الرضاء والتسليم ان من توكل على الله وفوض الأمور كلها اليه ورجع في عموم الخطوب والملمات نحوه سبحانه متضرعا خاشعا خاضعا متذللا سائلا منه سبحانه مطلوبه داعيا اليه لأجله فان الله يجيب له ويصيبه الى مطلوبه ان كان سؤاله منبعثا عن صدق العزيمة وخلوص النية إذ السؤال والدعاء على هذا المنوال انما هو من امارات الاجابة والقبول وإنجاح المأمول إذ جريان الحوادث كلها انما هو بتوفيق الله وتيسيره وصدور المسئول عن كمال الحضور والخضوع وعن محض التبتل والتوكل انما هو من علامات القبول كما صدر مثل هذا عن المرأة المجادلة مع رسول الله ﷺ حين بثت وبسطت شكواها الى الله متضرعة نحوه راجية منه الإنجاح والقبول ومن كمال إخلاصها وخضوعها قد أجاب الله دعاءها حيث اوحى سبحانه الى حبيبه ﷺ في شأنها ما اوحى بعد ما تيمن باسمه الأعلى فقال بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بعموم كمالاته على قلوب المخلصين الرَّحْمنِ عليهم يوفقهم على الإخلاص في مطلق العزائم المهمة لهم المتعلقة بدينهم الرَّحِيمِ لهم يوصلهم الى ما وفقهم عليه [الآيات] قَدْ سَمِعَ اللَّهُ السميع المجيب لمناجات عباده العليم لحاجاتهم قَوْلَ الَّتِي اى دعاء الامرأة التي تُجادِلُكَ يا أكمل الرسل فِي حق زَوْجِها حين وقع بينهما ظهار. روى ان خولة بنت ثعلبة قد ظاهر عنها زوجها أوس بن الصامت وكان الظهار والإيلاء حينئذ من عداد الطلاق فاستفتت رسول الله ﷺ فقال في جوابها قد حرمت عليه فقالت ما طلقني فقال ﷺ قد حرمت عليه فكررها مرارا فأجاب ﷺ كذلك وَبعد ما أيست أخذت تَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ العليم الحليم متضرعة خاشعة فجيعة أذلها أولاد صغار ولا متعهد لهم سواها فقالت مناجية الى الله مشتكية اللهم انى اشكو إليك وأتضرع نحوك فانزل على نبيك ما يؤلف بيني وبين زوجي وترحم على أولادي المعصومين المرحومين فأوحى سبحانه الى رسوله ﷺ قد سمع الله الآية وَبالجملة اللَّهُ المطلع على عموم ما جرى بينكما يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما وتراجعكما في الكلام وكيف لا إِنَّ اللَّهَ العليم بالسرائر والقضايا سَمِيعٌ لأقوال عباده بَصِيرٌ بأحوالهم ونياتهم فيها ثم بين سبحانه حكم الظهار فقال الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ والظهار في اصطلاح الفقهاء هو ان يقول الرجل لامرأته

стр. 971

عند الخصومة أنت على كظهر أمي يعنى يشبهها بامه المحرمة عليه فكانت حينئذ محرمة عليه الحكم هكذا في عادة الجاهلية إذ الحرمة قد سرت إليها بمجرد التشبيه فصارت هي بمنزلة الام فرد الله سبحانه عليهم أمرهم هذا بقوله ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ بمجرد هذا القول الباطل إِنْ أُمَّهاتُهُمْ اى ما أمهاتهم إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ فلا يشبه بهن في الحرمة غيرهن الا ما ورد الشرع بتحريمهن مثل أمهات الرضاع وازواج النبي ﷺ اللاتي هن أمهات المؤمنين حكما وَإِنَّهُمْ من شدة افراطهم وطغيانهم لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ مردودا في الشرع وَزُوراً باطلا منحرفا عن الحق في نفسه إذ لا تشبه الزوجة بالأم وَإِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائر عباده ونياتهم لَعَفُوٌّ لفرطات القائلين غَفُورٌ لذنوبهم ان تابوا واستغفروا وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ للتلافى والتدارك مناقضين لِما قالُوا نادمين عنه راجعين فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ اى لزمهم في الشرع تحرير رقبة في كل مرة ليكون زجرا وردعا لهم وكفارة لقولهم المنكر الباطل ذلك مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا اى يستمتعا ويجتمعا اى المظاهر والمظاهر عنها ذلِكُمْ اى الزام الكفارة عليكم تُوعَظُونَ بِهِ وترتدعون عنه خوفا من الغرامة إذ ليس هو من شيم اهل الايمان بل ما هي إلا من ديدنة الجاهلية الاولى وَبالجملة اللَّهُ المراقب على عموم أحوالكم وأعمالكم بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ بجميع أعمالكم ونياتكم فيها فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ولم يقدر على تحرير الرقبة فَصِيامُ شَهْرَيْنِ اى كفارة ظهاره صيام شهرين مُتَتابِعَيْنِ متصلين متوالى الأيام فان فصل وأفطر يوما استأنف وانما اشترط التتابع والتوالي لتنزجر نفسه وترتدع عنه ولا يفعله قط ولا يتكلم به مرة اخرى ذلك ايضا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ويتجامعا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ولم يقدر للصوم لهرم او مرض او شبق مفرط فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً يعطى كل مسكين مدا من الطعام ذلِكَ اى لزوم الصوم والإطعام عند فقدن التحرير المذكور لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ اى تؤمنوا بالله في عموم الاحكام الدينية وتصدقوا رسوله في جميع ما جاء به من عند ربه من الأوامر والنواهي الإلهية الجارية على لسانه وتتركوا عموم ما أنتم عليه من الرسوم والعادات الجارية بينكم في جاهليتكم الاولى وَبالجملة تِلْكَ الحدود المذكورة حُدُودُ اللَّهِ المصلحة لأحوالكم انما وضعناها بينكم لتصلحوا بها ما أفسدتم على انفسكم بمقتضى اهويتكم الفاسدة وآرائكم الباطلة وَاعلموا انه لِلْكافِرِينَ الجاحدين الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية والاحكام الشرعية عَذابٌ أَلِيمٌ في الدنيا والآخرة. ثم قال سبحانه على سبيل الوعيد والتهديد إِنَّ المسرفين المفرطين الَّذِينَ يُحَادُّونَ ويعادون اللَّهَ وَرَسُولَهُ حيث يصنعون حدودا مبتدعة مخالفة لحدود الله وحدود رسوله بل هم يبتدعونها من تلقاء أنفسهم مراء ومجادلة ومعاداة لرسوله كُبِتُوا اى قد أكب والم وأحاط عليهم العذاب النازل من الله فهلكوا بالمرة كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من كفار الأمم الماضية وَكيف لا نهلكهم ولا نستأصلهم قَدْ أَنْزَلْنا لإصلاح أحوالهم وأخلاقهم وعموم أطوارهم آياتٍ بَيِّناتٍ واضحات مشتملات على حكم ومصالح لا تحصى فأبوا عنها ولم يقبلوها بل كذبوها وأنكروا عليها وعلى من أنزلت اليه عتوا وعنادا وَبالجملة لِلْكافِرِينَ المستكبرين بما عندهم من الثروة والرياسة عَذابٌ مُهِينٌ حيث يبدل عزهم ذلا ونخوتهم وخيلاءهم لعنة وطردا اذكر لهم يا أكمل الرسل يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ

стр. 972

من قبورهم جَمِيعاً بحيث لا يشذ منهم احد فَيُنَبِّئُهُمْ ويخبرهم بِما عَمِلُوا اى بعموم أعمالهم وأفعالهم تفضيحا لهم وتشهيرا على رؤس الاشهاد بحيث قد أَحْصاهُ اللَّهُ المحصى العليم وفصله عليهم على وجه لا يغيب عن حيطة علمه وإحصائه شيء من عملهم وَهم قد نَسُوهُ لكثرة تهاونهم به وَكيف لا يحصى سبحانه عليهم أعمالهم إذ اللَّهُ بمقتضى ألوهيته وحيطة ذاته وأوصافه عَلى كُلِّ شَيْءٍ من مظاهره شَهِيدٌ حاضر غير مغيب عنه أَتستبعد شهادته سبحانه وحضوره عند عموم مظاهره ومصنوعاته ولَمْ تَرَ ايها المعتبر الرائي ولم تعلم أَنَّ اللَّهَ المحيط بالكل بالالوهية والظهور يَعْلَمُ بعلمه الحضوري عموم ما فِي السَّماواتِ اى الكائنات العلوية وَما فِي الْأَرْضِ اى الكائنات السفلية كلياتهما وجزئياتهما محسوساتهما ومعقولاتهما بحيث ما يَكُونُ يوجد ويقع مِنْ نَجْوى وسر معهود بين ثَلاثَةٍ يسرون بها ويضمرونها في نفوسهم إِلَّا هُوَ سبحانه رابِعُهُمْ بل هو اعلم منهم بنجويهم واعرف بما في ضمائرهم منهم بل هو العالم حقيقة وَلا خَمْسَةٍ وكذا لا يقع نجوى بين خمسة مكنونة في ضمائرهم مصونة عن من سواهم إِلَّا هُوَ سبحانه سادِسُهُمْ بل علمه بها أتم وأكمل من علمهم وَبالجملة لا يقع أَدْنى مِنْ ذلِكَ الجمع المذكور وَلا أَكْثَرَ منه إِلَّا هُوَ سبحانه مَعَهُمْ بل هو العالم بذاته وبمقتضى وحدته الا انه قد ظهر في أشباحهم وهوياتهم لا على سبيل المقارنة الذاتية والزمانية ولا على سبيل الاتحاد والحلول بل بطريق معية الظل مع ذي الظل ومعية الأمواج مع الماء والصور مع ذي الصورة في المرايا ولا يقيد ايضا معيته بالمكان بل أَيْنَ ما كانُوا قد كان معهم لاستواء عموم الأمكنة والازمنة بلا تحيز وحلول وقيام ونزول وبالجملة يعلم سبحانه منهم جميع ما صدر عنهم لكن لم يطلعهم بعلمه إياهم لئلا يبطل حكمة التكاليف الواقعة منه سبحانه بالنسبة الى عموم عباده ثُمَّ بعد انقضاء أوان التكليف وانقراض نشأة الاختبار يُنَبِّئُهُمْ سبحانه بِما عَمِلُوا اى يخبرهم بعموم أعمالهم يَوْمَ الْقِيامَةِ المعدة لتنقيد الأعمال وترتيب الجزاء الموعود عليها تفضيحا لهم وتقريرا لما يستحق ويليق بهم من العذاب والنكال لئلا يكون لهم على الله حجة ولا ينسبونه سبحانه الى الظلم حين الأخذ إذ الإنسان مجبول على الجدال والمراء بل هو اكثر شيء جدلا وبالجملة أَنَّ اللَّهَ المطلع على عموم ما كان ويكون غيبا وشهادة ظاهرا وباطنا بِكُلِّ شَيْءٍ لمع عليه برق الوجود عَلِيمٌ بعلمه الحضوري لا يعزب عن حيطة علمه شيء. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع للمنافقين أَلَمْ تَرَ ايها المعتبر الرائي إِلَى المنافقين الَّذِينَ نُهُوا ومنعوا عَنِ النَّجْوى والتغامز فيما بينهم بالعيون والحواجب حين جلسوا في مجلس رسول الله ﷺ مع المؤمنين فمنعهم ﷺ عن ذلك ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ إصرارا ومكابرة وَهم يَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ الموجب للحد الشرعي وَالْعُدْوانِ عن الأوضاع الشرعية الموضوعة على منهج العدالة وَمَعْصِيَةِ- الرَّسُولِ وتكذيبه والاعراض عنه وعن دينه مهما أمكن لهم وَبالجملة هم من شدة شكيمتهم وغلظ غيظهم وضغينتهم إِذا جاؤُكَ يا أكمل الرسل حَيَّوْكَ على وجه النفاق بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ فيقولون السام عليك او أنعم صباحا مع ان الله سبحانه يقول سلام على عباده الذين اصطفى وَبعد ما حيوك حسب اهوائهم الفاسدة وقصدوا مقتك في تحيتهم يَقُولُونَ حينئذ فِي أَنْفُسِهِمْ ونجواهم على سبيل التهكم والاستهزاء

стр. 973

لَوْلا هلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ لو كان محمد نبيا فظهر من عدم تعذيب الله إيانا انه ليس بنبي قيل لهم حينئذ من قبل الحق حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ عذابا يَصْلَوْنَها ويدخلون فيها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصيرهم جهنم البعد والخذلان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عليكم إِذا تَناجَيْتُمْ فيما بينكم فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ مثل مناجاة أولئك الأشقياء المردودين بل وَتَناجَوْا ان تتناجوا بِالْبِرِّ الموجب لانواع الخيرات الجالب لأصناف المثوبات وَالتَّقْوى من محارم الله ولا سيما عن عصيان الرسول المستلزم لانواع الخسران والحرمان وَبالجملة اتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ في يوم النشور ونحوه تبعثون من الأجداث والقبور. ثم قال سبحانه إِنَّمَا النَّجْوى والأسرار بالإثم والعدوان ومعصية الرسول انما تنشأ مِنَ الشَّيْطانِ المضل المغوى انما يحملهم عليها لِيَحْزُنَ عن نجويهم بهذه الأوزار والآثام الَّذِينَ آمَنُوا ويغتموا بها وَالحال انه لَيْسَ الشيطان وما يلقنهم من التناجي بالسوء بِضارِّهِمْ اى المؤمنين شَيْئاً من الضرر إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وبمقتضى مشيته وارادته وَبالجملة عَلَى اللَّهِ المراقب الحافظ لعموم عباده فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ الرابطون قلوبهم بالله في عموم أحوالهم المفوضون أمورهم كلها اليه اصالة فانه سبحانه يكفى لهم مؤنة شرور أعدائهم ونجويهم إياهم بالسوء والعدوان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى أخلاقكم الحسنة المورثة لكم عن ايمانكم وعرفانكم بالله إِذا قِيلَ لَكُمْ وقت التضيق والتجسس في المجالس تَفَسَّحُوا وتوسعوا فِي الْمَجالِسِ اى مطلق المجالس والمحافل المشتملة على الازدحام والغلبة فَافْسَحُوا ووسعوا مبادرين بلا مطل وتحرج وتضجر يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ويوسع عليكم في عموم ما تريدون الوسعة فيه بل وَإِذا قِيلَ لكم انْشُزُوا وانهضوا واخرجوا من المضائق والمجالس فَانْشُزُوا واخرجوا طائعين راغبين طالبين الثواب من الله بتوسيعكم على إخوانكم ولا تتوهموا الإذلال بالنشوز وانكسار الحرمة بل يَرْفَعِ اللَّهُ القادر المقتدر على وجوه الانعام الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ونشزوا عن المضائق لمصلحة إخوانهم طوعا درجات من القرب والمكانة مع ان المؤمن الموحد العارف المتمكن في مرتبة اليقين الحقي لا يتفاوت عنده المدح والذم والإعزاز والإذلال والمضرة والمسرة والمنح والمحن والفرح والترح مطلقا وَبالجملة الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ اللدني المنشعب من حضرة العلم المحيط الإلهي دَرَجاتٍ لا يكتنه وصفها ولا يمكن حصرها وَاللَّهُ المطلع بضمائركم وقلوبكم بِما تَعْمَلُونَ من الاستكبار والاستكراه وتوهم الإذلال والاستنكاف عن الامتثال خَبِيرٌ يجازيكم على مقتضى خبرته. ثم أشار سبحانه الى تعظيم رسوله ﷺ وتأديب من تبعه من المؤمنين المسترشدين منه ﷺ فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم بالله وتصديقكم برسوله انكم إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ وأردتم المناجاة معه والاستفادة منه ﷺ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ اى قدام مناجاتكم وعرض حاجاتكم اليه ﷺ صَدَقَةً تصدقا لفقراء الله وإنفاقا لعياله سبحانه ذلِكَ التصدق بمحبة رسول الله خَيْرٌ لَكُمْ في أولئكم وأخراكم وَأَطْهَرُ لنفوسكم من الميل الى زخارف الدنيا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما ينفقون فَإِنَّ اللَّهَ المطلع على قصدكم ونياتكم غَفُورٌ رَحِيمٌ على من فقد وجه الصدقة. ثم قال سبحانه على سبيل الرخصة أَأَشْفَقْتُمْ وخفتم الفقر والفاقة من أَنْ تُقَدِّمُوا وتصدقوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ اى

стр. 974

قدام مناجاتكم مع رسول الله ﷺ صَدَقاتٍ اى لكل نجوى صدقة ولو كلمة طيبة منبئة عن كمال المحبة والوداد فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا ولم تصدقوا بسبب الإشفاق من الفقر وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اى قبل منكم توبتكم ان صدر عنكم على وجه الندم والإخلاص عن جريمة الإشفاق والتحسر على ما فوتم وبالجملة عفا الله عنكم وتجاوز عن جريمتكم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ الموقتة المكتوبة لكم وَآتُوا الزَّكاةَ المفروضة المقدرة من أموالكم وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في عموم الأوامر والنواهي على وجه الإخلاص وَاللَّهُ المطلع بضمائركم ونياتكم خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ اى بعموم أعمالكم وإخلاصكم فيها. ثم أشار سبحانه الى تفضيح المنافقين وتوبيخهم فقال أَلَمْ تَرَ ايها المعتبر الرائي إِلَى المنافقين الَّذِينَ تَوَلَّوْا اى والوا وتحابوا قَوْماً قد غَضِبَ اللَّهُ المنتقم الغيور عَلَيْهِمْ يعنى اليهود واختاروا موالاتهم وصاحبوا معهم في خلواتهم واشتغلوا بغيبة المؤمنين عندهم مع انهم ما هُمْ اى المنافقون مِنْكُمْ ايها المؤمنون حقيقة وان كانوا منكم ظاهرا وَلا مِنْهُمْ اى ولا من اليهود ظاهرا وان كانوا منهم حقيقة وَمن شدة شقاقهم ونفاقهم يَحْلِفُونَ بالله عَلَى الْكَذِبِ صريحا وهو دعوى الإسلام والإخاء مع المؤمنين وَالحال انهم هُمْ يَعْلَمُونَ كذب أنفسهم ويزورون بحلفهم على المؤمنين تغريرا مع انه لا نفع لحلفهم عند الله ولا يدفع شيأ من عذابه وقت حلوله إليهم إذ أَعَدَّ اللَّهُ المراقب على عموم أحوالهم لَهُمْ اى للمنافقين الحالفين على الكذب عَذاباً شَدِيداً أشد من عذاب اليهود والمجاهر بالكفر بلا زور وتزوير وبالجملة إِنَّهُمْ اى اهل النفاق من خبث طينتهم وشدة شكيمتهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من التمرن على النفاق والإصرار بمعاونة اهل الشرك والشقاق مع دعوى المواخاة والوفاق مع المؤمنين. قيل نزلت في عبد الله ابن نبتل المنافق إذ كان رسول الله ﷺ جالسا يوما في حجرة من حجراته فقال ﷺ لجلاسه يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار ينظر بعين شيطان فدخل عبد الله بن نبتل وكان ارزق فقال ﷺ علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل ثم جاء بأصحابه فحلفوا جميعا على الكذب وبالجملة اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ الكاذبة جُنَّةً وقاية لدمائهم وأموالهم فَصَدُّوا ومنعوا المؤمنين بسبب حلفهم الكاذب عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الذي هو غزوهم وقتالهم في النشأة الاولى فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ في النشأة الاخرى لاستهانتهم بالله بالحلف الكاذب ولا يدفع عنهم الاهانة والعذاب يومئذ أصلا إذ لَنْ تُغْنِيَ ولن تدفع يومئذ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ عذاب اللَّهِ شَيْئاً بل أُولئِكَ الأشقياء البعداء المنصرفون عن منهج الحق أَصْحابُ النَّارِ ملازموها وملاصقوها ابدا هُمْ فِيها خالِدُونَ مخلدون لا يرجى نجاتهم منها أصلا اذكر لهم يا أكمل الرسل على سبيل التوبيخ والتقريع يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ القادر المقتدر على الأحياء والاماتة في الإبداء والإعادة جَمِيعاً مجتمعين فيعاتبهم بما صدر عنهم مثل ما عاتبهم رسول الله ﷺ فَيَحْلِفُونَ لَهُ سبحانه حينئذ على انهم مسلمون مؤمنون كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ الأن ايها المؤمنون وَيَحْسَبُونَ حينئذ ايضا أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ من جلب نفع ودفع ضر حاصل من حلفهم الكاذب فيتخيلون انهم يروجون بالحلف الكاذب ما يدعون من الكذب على الله كما يروجون عليكم اليوم ولم يعلموا ان الناقد يومئذ خبير بصير والترويج اليه صعب عسير أَلا اى تنبهوا ايها المؤمنون المخلصون أَنَّهُمْ اى المنافقين هُمُ

стр. 975

الْكاذِبُونَ المقصورون على الكذب والزور والتلبيس والغرور إذ اسْتَحْوَذَ اى قد غلب واستولى عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ المضل المغوى فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ المنقذ عن الضلال الى الهداية وبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المردودون حِزْبُ الشَّيْطانِ اى جنوده واتباعه أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران المؤبد والحرمان المخلد عن ربح المعرفة واليقين. أعاذنا الله وعموم عباده عن متابعة الشيطان المضل المغوى. ثم قال سبحانه إِنَّ المفسدين المسرفين الَّذِينَ يُحَادُّونَ ويعادون اللَّهَ وَرَسُولَهُ ويتجاوزون عن الحدود الموضوعة في الشرع بالوضع الإلهي المنزل على رسوله بالوحي والإلهام أُولئِكَ البعداء المتجاوزون المعادون معدودون فِي زمرة الْأَذَلِّينَ اى من جملة من أذل الله وختم على قلبه وجعل على بصره غشاوة ولهم عذاب اليم وكيف لا يعد المتجاوزون عن الحدود الإلهية من الأذلين إذ قد كَتَبَ اللَّهُ العليم الحكيم واثبت لهم في لوح قضائه بقوله لَأَغْلِبَنَّ البتة أَنَا وَعموم رُسُلِي المرسلين من عندي بالحجج القاطعة ولا يظهر ولا يغلب الا رسله عليهم إِنَّ اللَّهَ المتردي برداء العظمة والكبرياء قَوِيٌّ في ذاته لا حول ولا قوة في الوجود الا منه وبه عَزِيزٌ مقتدر غالب لا يغلب مطلقا في عموم مراداته ومقدوراته. ثم قال سبحانه على سبيل العظة والتذكير لعموم المؤمنين الموحدين لا تَجِدُ قَوْماً صفتهم انهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ المعد للحساب والجزاء يُوادُّونَ اى لا تجد ان يتحابوا مَنْ حَادَّ اللَّهَ وعاداه وَرَسُولَهُ ايضا وَلَوْ كانُوا اى العادون المعاندون آباءَهُمْ اى آباء المؤمنين أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ وأقرباءهم وذوى أرحامهم أُولئِكَ السعداء المقبولون الممتنعون عن ودادة اعداء الله واعداء رسول الله طلبا لمرضاة الله ومرضاة رسوله قد كَتَبَ اى اثبت ومكن سبحانه فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وقد جعله راسخا فيها وَمع ذلك قد أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ فائض مِنْهُ سبحانه محى لهم ابد الآباد بالحياة الابدية والبقاء السرمدي إذ من حي بحياة الايمان والعرفان دامت له الحياة سرمدا ولم يمت ابدا وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق المترسحة من بحر الحياة الأزلي الأبدي الذي هو الوجود المطلق الإلهي خالِدِينَ فِيها ابدا لا يتحولون عنها أصلا إذ قد رَضِيَ اللَّهُ المتجلى عليهم بالرضاء عَنْهُمْ وَرَضُوا ايضا عَنْهُ سبحانه بالتسليم والتفويض اليه وبالجملة أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله حِزْبُ اللَّهِ المتعزز برداء العظمة والكبرياء وحوامل آثار أوصافه وأسمائه الذاتية وقوابل عموم تجلياته حسب شئونه وتطوراته أَلا اى تنبهوا ايها الاظلال المستظلون بظل الله الممدود من أزل الذات الى ابد الأسماء والصفات إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون من عنده بالفوز العظيم والفضل الجسيم والكرم العميم خاتمة سورة المجادلة عليك ايها الطالب للفلاح والمترقب على الفوز والنجاح ان تتمكن في مقام التسليم والرضاء بعموم ما جرى عليك من مقتضيات القضاء وتلازم على آداب الخدمة بين يدي الله في عموم أوقاتك وحالاتك فارغا همك وسرك عن مطلق الوساوس والاشتغال العائق عن التوجه نحو المولى وتواظب على الطاعات والعبادات سيما في خلال الخلوات لتكون مصونة عن السمعة والرياء والميل الى العجب

стр. 976

والهوى وإياك إياك ان تتلطخ بقاذورات الدنيا ومزخرفاتها الملهية عن اللذات الاخروية المستتبعة للسلاسل والأغلال الامكانية المبعدة عن الوصول الى فضاء الوجوب وصفاء الوحدة الذاتية التي عبر عنها لسان الشرع بالنعيم الموعود والحوض المورود والمقام المحمود. جعلنا الله ممن وصل اليه وتمكن دونه بمنه وجوده [سورة الحشر] فاتحة سورة الحشر لا يخفى على من تحقق بحيطة الحق وشموله على عموم ما ظهر وبطن في الآفاق والأنفس علما وعينا غيبا وشهادة دنيا وعقبا ان عموم المظاهر والمجالى متوجهة الى المبدأ الحقيقي منجذبة نحوه طوعا عابدة إياه رغبة ساجدة له على وجه الخضوع والخشوع والانكسار التام والتذلل المفرط منزهة مسبحة له عن شوب النقص وسمة الحدوث والزوال كما أخبر به سبحانه حبيبه ﷺ تنبيها وتأييدا لأمره ليكون هو ومن تبعه من المؤمنين على ذكر من ربهم الذي رباهم على فطرة الدراية والشعور بمطلق المراتب الواقعة في الوجود الإلهي ومظاهر وحدته الذاتية المتجلية حسب الشئون والتطورات الغير المتناهية المترتبة على الأسماء والصفات الذاتية الغير المحصورة فقال بعد ما تيمن بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على عموم ما ظهر وبطن بالحكمة المتقنة العلية الرَّحْمنِ لعموم مظاهره بإضافة الوجود المتجلى على الصور البديعة الرَّحِيمِ لهم بالإعادة والإرجاع الى الفطرة الاصلية والمبدأ الحقيقي [الآيات] سَبَّحَ لِلَّهِ ونزهه تنزيها لائقا بجنابه سبحانه مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ طوعا ورغبة وَكيف لا هُوَ الْعَزِيزُ بذاته المتعزز برداء العظمة والكبرياء والمجد والبهاء الْحَكِيمُ المتقن في أفعاله المدبر لمصالح عباده كيف يشاء بالإرادة والاختيار وبالجملة هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ بمقتضى عزته وحكمته المفسدين المسرفين الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وبرسوله ألا وهو اجلاء بنى النضير واضرابهم مع انهم مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ المألوفة وأوطانهم المأنوسة زجرا وتذليلا لهم واقعا عليهم لِأَوَّلِ الْحَشْرِ اى في أول حشرهم واجلائهم الطاري عليهم بظهور دين الإسلام وغلبة المسلمين إذ اجلى رسول الله ﷺ بنى النضير أولا من المدينة الى الشأم ثم اجلى بقية الكفرة عمر رضى الله عنه في خلافته انظروا كيف أخرجهم بكمال قدرته وعزته مع انكم ما ظَنَنْتُمْ وزعمتم ايها المؤمنون أَنْ يَخْرُجُوا اى خروجهم وجلاءهم لشدتهم وشوكتهم واستحكام أماكنهم وقلاعهم وَهم ايضا قد ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ اى ظنهم لأنفسهم ان حصونهم تمنعهم مِنْ بأس اللَّهِ المنتقم الغيور وبطشه وان اشتد لكن لم ينفعهم الحصون والقلاع حين حلول العذاب ونزوله بل فَأَتاهُمُ اللَّهُ بالقهر الهائل من لدنه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا اى من صوب وجهة لم يتوقعوها وَذلك انه قَذَفَ والقى سبحانه فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ الشديد والخوف العظيم من غير قتال وبسبب ذلك الرعب الهائل أخذوا يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ضنا على المسلمين وإخراج ما فيها من الامتعة وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ايضا فإنهم كانوا يخربون بيوتهم إذلالا لهم وتوسيعا لمضمار الحرب والقتال وبالجملة فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ واتعظوا مما جرى على هؤلاء الغواة الطغاة يثقون بحصونهم ويشيدونها ليتحصنوا بها من بأس الله ثم لما اضطروا أخذوا يخربون بأيديهم ما يعتمدون عليه ويستحفظون به وذلك من كمال قدرة الله ومتانة حكمه

стр. 977

وحكمته وَبالجملة لَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ المصلح لأمور دنياهم وافترض عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ولم يخرجهم من أوطانهم أذلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والأسر وانواع الإذلال والصغار كما جرى على الكفرة المتمكنين في أماكنهم بعدهم وَمع ذلك الإصلاح والكرامة لَهُمْ في الدنيا لهم فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ بواسطة إصرارهم على الكفر وانكارهم على الإسلام ذلِكَ الإذلال والصغار لهم في الدنيا والآخرة بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم قد شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ بمخالفة أمرهما والخروج عن حكمهما وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ المنعم المتفضل يعاقبه البتة فَإِنَّ اللَّهَ المنتقم الغيور شَدِيدُ الْعِقابِ صعب الانتقام اليم العذاب على عصاة عباده ارادة واختيارا. ثم لما توجه رسول الله ﷺ الى بنى النضير حين نقضوا العهد الذي عهدوا مع الله ورسوله تحصنوا بحصونهم وامتنعوا عن الإسلام فأمر ﷺ بقطع نخلهم وحرق بساتينهم قالوا يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وحرقها فسمع المؤمنون منهم ذلك القول واوجسوا في نفوسهم الكراهة وعدم اللياقة فنزلت ما قَطَعْتُمْ ايها المؤمنون مِنْ لِينَةٍ اى بعض نخلة من النخلات أَوْ تَرَكْتُمُوها بلا قطع شيء منها قائِمَةً عَلى أُصُولِها على ما كانت فَبِإِذْنِ اللَّهِ العليم الحكيم اى القطع والترك كلاهما بأمر الله وحكمه وَانما أمركم بالقطع والحرق لِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ اى يرديهم ويذلهم بما يغيظهم ويضيق صدرهم وَاعلموا ايها المؤمنون ان ما أَفاءَ اللَّهُ اى رد الله وأعطاه عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ اى من يهود بنى النضير من الأموال والعقار فهو لرسول الله خاصة خالصة له ان يفعل به حيث شاء بلا حق لكم فيها ليس مثل سائر الغنائم فَما أَوْجَفْتُمْ وما أجريتم عَلَيْهِ اى على تحصيله وجمعه لا مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ نجائب الإبل إذ هم قد مشوا الى بنى النضير رجالا لا فرسانا وقد كانت المسافة ميلين من المدينة ومع ذلك لا يقاتلون معهم مقاتلتهم مع سائر الكفرة وَلكِنَّ اللَّهَ المنتقم الغيور يُسَلِّطُ رُسُلَهُ أحيانا عَلى مَنْ يَشاءُ من المستوجبين الطرد والمقت بلا وسائل القتال والحرب بل يقذف الرعب ويلحق الخوف في قلوبهم وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة الموجبة للهزيمة لا عن شيء وَاللَّهُ القادر المقتدر عَلى كُلِّ شَيْءٍ موجب لقهر أعدائه ونصر أوليائه قَدِيرٌ سواء وافق العادة أولا وبالجملة ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ اموال أَهْلِ الْقُرى الهالكة بالغلبة والاستيلاء بلا مقاتلة وحرب فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ سهم وَلِذِي الْقُرْبى من بنى هاشم وبنى المطلب سهم وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ سهام وانما قسم سبحانه مال الفيء بنفسه كَيْ لا يَكُونَ الفيء الذي حقه ان يصل الى الفقراء دُولَةً متداولة بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ ورؤسائكم كما هو عادة الجاهلية الاولى وَبعد ما قسم سبحانه في كتابه لزمكم ان تأخذوا ما آتاكُمُ واعطاكم الرَّسُولُ المستخلف منه سبحانه فَخُذُوهُ بلا مراء ومجادلة معه وَما نَهاكُمْ عَنْهُ باذن الله فَانْتَهُوا ايضا عنه بلا مكابرة وإصرار وَبالجملة اتَّقُوا اللَّهَ عن مخالفة امره وامر رسوله النائب عنه واحذروا عن بطشه وانتقامه إِنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على وجوه الانعام والانتقام شَدِيدُ الْعِقابِ على من خرج عن ربقة عبوديته ومقتضى ألوهيته. ثم بين سبحانه مصارف الفيء بعد إخراج سهم الله ورسوله وقدم منهم فقراء المهاجرين اهتماما بشأنهم فقال لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ اى أخرجهم المشركون ونهبوا أموالهم

стр. 978

وسبوا أولادهم والحال انهم في مصائبهم هذه يَبْتَغُونَ ويطلبون فَضْلًا تفضلا وإحسانا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً من لدنه سبحانه لكمال تمكنهم ورسوخهم في مقام الرضا والتسليم وَمع ذلك يَنْصُرُونَ اللَّهَ بترويج دينه وإعلاء كلمة توحيده وَرَسُولَهُ بالمعاونة والمظاهرة وبذل المال والنفس في تقوية دينه أُولئِكَ السعداء المقبولون عند الله الباذلون مهجهم في طريق الحق وصراطه المستقيم ونصرة رسوله الكريم هُمُ الصَّادِقُونَ المقصورون على الصدق والإخلاص ظاهرا وباطنا وَبعد أولئك لفقراء الأنصار وهم الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ اى قد توطنوا وتمكنوا في المدنية ورسخوا على الايمان والإسلام بالعزيمة الصادقة الخالصة مِنْ قَبْلِهِمْ اى قبل هجرة المهاجرين إليها ومع رسوخهم وتمكنهم في الايمان يُحِبُّونَ محبة خالصة مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ من المؤمنين وَمن كمال محبتهم وإخلاصهم لإخوانهم المهاجرين لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ ووجدانهم حاجَةً باعثة لهم الى ان يحسدوا مِمَّا أُوتُوا واعطوا اى المهاجرون من سهام الفيء وسائر الغنائم والصدقات وَذلك من كمال محبتهم ومودتهم بالنسبة إليهم بل يُؤْثِرُونَ اى هم يختارون ويقدمون المهاجرين عَلى أَنْفُسِهِمْ حتى ان من كان له امرأتان نزل عن واحدة وزوجها من أحدهم وبالجملة يختارون ويقدمون المهاجرين على أنفسهم في أعز ما آثروا لنفوسهم وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ اى حاجة شديدة ومحبة بليغة بالنسبة الى ذلك الشيء وما هو الا من فرط محبتهم وإخلاصهم بالنسبة الى إخوانهم المهاجرين وَبالجملة مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ويخالفها حتى يمنعها عن مقتضاها الذي هو حب المال فأنفق المال في سبيل الله طلبا لمرضاة الله ورعاية بجانب أخيه المسلم فَأُولئِكَ السعداء المنفقون المحافظون على آداب الأخوة والمروءة هُمُ الْمُفْلِحُونَ المقصورون على الفوز العظيم من عنده سبحانه عاجلا وآجلا في العاجل بالذكر الجميل وفي الآجل بالجزاء الجزيل وَبعد فقراء الأنصار أنفقوا للفقراء التابعين لهم وهم الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ مهاجرين عن بقعة الإمكان أمثالهم نحو فضاء الوجوب مقتفين اثر أولئك الكرام مريدين لهم بإحسان مذكرين لهم بغفران حيث يَقُولُونَ في مناجاتهم مع ربهم في خلواتهم وأعقاب صلواتهم رَبَّنَا يا من ربانا على فطرة الإسلام اغْفِرْ لَنا ذنوبنا التي صدرت عنا وَكذا لِإِخْوانِنَا في الدين سيما الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وسلوك طريق العرفان وَبالجملة لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا وقلوبهم يا مولانا غِلًّا حقدا وحسدا لِلَّذِينَ آمَنُوا مطلقا لا للسابقين ولا للاحقين رَبَّنَا يا من ربانا على الإخلاص والتوفيق تقبل منا مناجاتنا واقض لنا حاجاتنا إِنَّكَ رَؤُفٌ عطوف على عموم عبادك سيما المخلصين منهم رَحِيمٌ تقبل منهم توبتهم وتغفر زلتهم ان استغفروا نحوك نادمين عما صدر عنهم. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع أَلَمْ تَرَ ايها الرائي إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا مع المؤمنين حيث يَقُولُونَ في خلواتهم لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وقد كان بينهم صداقة الشرك واخوة الكفر وموالاة البغض مع الرسول ومع المؤمنين لا تخالطوا مع هؤلاء المدعين يعنون المؤمنين وانا معكم والله لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ من دياركم عنوة لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ البتة وَلا نُطِيعُ ولا نتبع فِيكُمْ اى في قتالكم وحرابكم أَحَداً أَبَداً سيما مع هؤلاء الأعادي وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ونعاوننكم البتة بلا خلف منا وَاللَّهُ المطلع على عموم أفعالهم وأقوالهم ونياتهم فيها يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم

стр. 979

وعهدهم هذا مع إخوانهم حيث قال سبحانه مقسما والله لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ البتة وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ جزما ووقع ذلك مثل ما قال سبحانه فان ابن ابى وأصحابه عهدوا مع بنى النضير على هذا ثم اخلفوهم وهم قد اخرجوا من ديارهم وهؤلاء لم يخرجوا وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ بالفرض والتقدير ويقاتلوا معكم ايها المؤمنون من جانب عدوكم والله لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ وقت كركم عليهم ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ بعد ذلك لشدة خوفكم ورعبكم في قلوبهم وبالجملة لَأَنْتُمْ ايها المؤمنون أَشَدُّ رَهْبَةً مرهوبية مرعوبية راسخة فِي صُدُورِهِمْ متمكنة في نفوسهم ناشئة من قبلكم والحال ان تلك الرهبة الشديدة الحاصلة منكم ناشئة مِنَ اللَّهِ إذ هو سبحانه قد قذفها في صدورهم من جانبكم وأقدركم عليهم وهم من خباثة كفرهم ونفاقهم لا يتفطنون بها ذلِكَ اى عدم تفطنهم بمنشأها ومبدأها بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ولا يعلمون عظمة الله وحق قدره حتى يخشون منه حق خشيته وبالجملة لا تبالوا ايها المؤمنون بوداد المنافقين مع اليهود واتفاقهم معهم إذ لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً مجتمعين متفقين إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ محصورة ممهدة بالدروب والخنادق أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ يستحصنون به وذلك من فرط رعبتهم وشدة رهبتهم من المؤمنين والا بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ اى حين حارب بعضهم بعضا او مع غير المؤمنين قتالهم شديد وحرابهم عظيم وإذا حاربوا مع المؤمنين تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً مجتمعين ظاهرا في بادى النظر وَلكن قُلُوبُهُمْ شَتَّى متفرقة مختلفة حقيقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم ذلِكَ الافتراق والاختلاف بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ولا يفهمون ما هو صلاحهم في الدارين وفلاحهم في النشأتين كَمَثَلِ الَّذِينَ اى مثلهم كمثل اليهود الذين مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً بزمانهم قد ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ في الدنيا من انواع الهوان والخسار وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة التي هي دار البوار بل مثلهم في وخامة العاقبة وقبح المآل كَمَثَلِ الشَّيْطانِ اى مثل المنافقين في إغراء اليهود على قتال المؤمنين كمثل الشيطان وقت إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اى كل فرد من افراد الكفرة اكْفُرْ حتى أعينك على عموم مقاصدك ومرامك وأنصرك على عموم اعاديك فَلَمَّا كَفَرَ الإنسان والعياذ بالله بتغريره قالَ له الشيطان بعد ما كفر إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ لا أعينك على شيء لأنك قد كفرت بالله وصرت عدو الله إِنِّي أَخافُ اللَّهَ القادر المقتدر القاهر الغيور ان ينتقم منى بسبب معاونتك ومظاهرتك لكونه رَبَّ الْعالَمِينَ فلا يجرى التصرف في ملكه بلا اذن منه سبحانه وبعد ما كفر الإنسان بتغرير الشيطان وتلبيسه فَكانَ عاقِبَتَهُما اى صار عاقبة الشيطان والإنسان الذي قد كفر بتغريره أَنَّهُما فِي النَّارِ تابعا ومتبوعا لا زمانا دون زمان بل كانا خالِدَيْنِ فِيها مستمرين ابدا مخلدين وَذلِكَ اى الخلود في النار جَزاءُ الظَّالِمِينَ الخارجين عن ربقة الرقية الإلهية وعروة عبوديته بتلبيس الشيطان وتغريره يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم التقوى عن محارم الله والاجتناب عن منهياته اتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور واحذروا عن بطشه وقهره وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ اى كل نفس من النفوس المجبولة على فطرة الدراية والشعور على وجه العبرة والاستبصار ما قَدَّمَتْ وما ادخرت لِغَدٍ اى ليوم القيامة وما تزودت للطامة الكبرى والدفعة العظمى بعد ما كلفت بأنواع التكاليف وأمرت من لدن حكيم عليم باعداد زاد المعاد على سبيل المبالغة والتأكيد وَبالجملة اتَّقُوا اللَّهَ واحذروا عن مخالفة امره وحكمه إِنَّ اللَّهَ المطلع على عموم ما في ضمائر عباده

стр. 980

خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من خير وشر ونفع وضر يجازيكم على مقتضى خبرته وَبالجملة لا تَكُونُوا ايها المؤمنون ك الغافلين الذين نَسُوا اللَّهَ اى ذكره المستلزم المقتضى للايمان والمحبة والعرفان فَأَنْساهُمْ سبحانه أَنْفُسَهُمْ اى ذكرها المستلزم لمعرفة الحق إذ من عرف نفسه فقد عرف ربه وكذا من نسيها نسيه وبالجملة أُولئِكَ البعداء المطرودون عن ساحة عز الحضور هُمُ الْفاسِقُونَ المقصورون على الخروج عن مقتضى الحدود الإلهية ولوازم العبودية الجاهلون بقدر الألوهية مطلقا واعلموا ايها المكلفون انه لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ منكم وملازموها وهم الذين اقترفوا طول اعمارهم لسيئات الأعمال وذمائم الأخلاق والأوصاف والأطوار مما يستحقون بها دخول النار وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ وهم الذين اتصفوا بمحاسن الأعمال والأحوال ومحامد الأخلاق والأطوار المنتجة لهم انواع المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات الفائضة عليهم حسب استنشاقهم من نسائم عالم اللاهوت واسترواحهم بفوائح حضرة الرحموت وبالجملة أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ المفلحون المقصورون بالدرجات العلية والمقامات السنية مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم وبخ سبحانه نوع الإنسان المجبول على فطرة الايمان والعرفان وقرعهم بغفلتهم عن القرآن المرشد لهم الى طريق التوحيد والعرفان بقوله لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ المنزل عليكم ايها التائهون في تيه الغفلة والنسيان عَلى جَبَلٍ من الجبال العظام والله لَرَأَيْتَهُ اى الجبل ايها المعتبر الرائي خاشِعاً خاضعا مُتَصَدِّعاً متشققا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ القادر الغيور يعنى قد تأثر من الوعيدات القرآنية والإنذارات الشديدة الواقعة فيه على المكلفين مع عدم قابليته للتأثر وأنتم ايها الهلكى الحمقى التائهون الهالكون في تيه الجهل والضلال وبيداء الوهم والخيال مع كمال قابليتكم واستعدادكم للتأثر لا تتأثرون من وعيداته البليغة وانذاراته الشديدة ثم قال سبحانه على سبيل التنبيه والتذكير وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ الناسين مرتبة العبودية من كمال البطر والغفلة لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ويتفطنون منها الى فطرتهم الاصلية المجبولة على التذلل والخشوع والانكسار والخضوع فيشتغلون بما جبلوا لأجله من العبودية والإتيان بالطاعات والعبادات اللائقة لمرتبة الألوهية والربوبية وكيف لا تتذللون له سبحانه ايها الحمقى الهالكون مع انه سبحانه هُوَ اللَّهُ اى الموجود الحق الحقيق الَّذِي لا إِلهَ ولا موجود في الوجود إِلَّا هُوَ الواحد الأحد الفرد الصمد المستقل بالالوهية والربوبية عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ على التفصيل الواقع في الواقع بحيث لا يعزب عن حيطة علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ومع ذلك هُوَ الرَّحْمنُ على عموم الأكوان بافاضة الوجود عليهم وتربيتهم وتدبير مصالحهم في النشأة الاولى الرَّحِيمُ على خواصهم يوصلهم الى فضاء وحدته وسعة جنته ورحمته في النشأة الاخرى وكيف لا وهُوَ اللَّهُ المستقل بالالوهية والربوبية في ذاته المتوحد بالقيومية المتفرد بالديمومية الفرد الوحدانى الَّذِي لا إِلهَ يعبد بالحق ويرجع اليه في الخطوب والملمات إِلَّا هُوَ باستقلاله واستحقاقه وصمديته وقيوميته في ملكه وملكوته حسب مقتضيات أسمائه وصفاته إذ هو الْمَلِكُ المتفرد بالحكمة والاستيلاء التام والسلطنة الغالبة والبسطة القاهرة الْقُدُّوسُ البالغ في النزاهة الى أقصى الغاية والنهاية السَّلامُ السليم السالم عن مطلق النقائص ولوازم الاستكمال التي هي من لواحق الإمكان الْمُؤْمِنُ ذو الأمن والامان على عموم الأعيان والأكوان الْمُهَيْمِنُ المراقب المحافظ على مقتضيات استعدادات عموم البرايا بكمال

стр. 981

العدل والإحسان الْعَزِيزُ الغالب القادر المقتدر على عموم مراداته ومقدوراته على سبيل الفضل والامتنان الْجَبَّارُ على عموم من خرج عن ربقة رقيته وعروة عبوديته بالإنكار والطغيان الْمُتَكَبِّرُ المتنزه المتعالي عن كل امر يشينه من العجز والنقصان وبالجملة سُبْحانَ اللَّهِ اى تنزه وتعالى شأنه عن مطلق الشين والنقصان سيما عَمَّا يُشْرِكُونَ ويثبتون له المشركون المفرطون علوا كبيرا وكيف يشركون له غيره أولئك المفسدون المسرفون مع انه سبحانه هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ المتوحد المستقل بخلق الأشياء وتقديرها وإظهارها من كتم العدم ثم حسب حكمته المتقنة البالغة بالإرادة والاختيار الْبارِئُ الموجد لها بمقتضى اسمه الرحمن بلا تفاوت ونقصان الْمُصَوِّرُ الذي يصور الأشياء وأشكالها وأشباحها وهياكلها على أبدع شأن وابلغ نظام وبالجملة لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى التي لا تعد ولا تحصى يتجلى سبحانه على مقتضاها في كل آن لا يسبقها شأن مثله ولا يلحقها شأن كذلك وبالجملة لا يشغله شأن عن شأن لذلك يُسَبِّحُ لَهُ مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وينزهه على الدوام عن كل ما لا يليق بشأنه وَبالجملة هُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر على عموم ما أحاط به حضرة علمه المحيط الْحَكِيمُ المدبر المتقن عموم أفعاله وآثاره على مقتضى علمه وإراداته بلا مدافعة احد ومظاهرته. جعلنا الله وإياكم ممن تحقق بوحدة ذاته سبحانه وانكشف بكمالات أسمائه وصفاته بمنه وجوده خاتمة سورة الحشر عليك ايها السالك المتحقق بمقر التوحيد المنكشف بوحدة الذات وبكمالات الأسماء والصفات الذاتية الإلهية مكنك الله في مقر عزك بلا تذبذب وتلوين ان تطالع آثار أسمائه الحسنى وصفاته العليا على صفائح الكائنات الغيبية والشهادية وتعتبر منها حسب استعدادك وقابليتك المودعة فيك من قبل الحق وإياك إياك ان تنحرف عن جادة العدالة الشرعية التي هي منتخبة عن العدالة الإلهية الواقعة بين مقتضيات أسمائه الذاتية وصفاته الفعلية ولك ان تطابق وتوافق عموم أعمالك واخلاقك واطوارك عليها بحيث لا تهمل شيأ من دقائقها ورقائقها إذ بقدر إهمالك من حدودها وأحكامها قد أحطت عن درجة التوحيد ومرتبة ارباب الوحدة الذاتية التي هي مرتبة الإنسان الكامل إذ الشريعة انما هي الوقاية الموضوعة بالوضع الإلهي بين الأنام ليوفقهم الحق بها الى دار السلام التي هي مقعد صدق الرضا والتسليم الذي هو أعلى مقامات العارفين وأقصى حالات الموحدين المكاشفين. هدانا الله وعموم عباده الى سواء السبيل وأعاذنا الله وإياهم عن الانحراف والتحويل بلطفه الجميل وكرمه الجزيل وهو حسبنا ونعم الوكيل [سورة الممتحنة] فاتحة سورة الممتحنة لا يخفى على من تمكن بمقام التوحيد وانكشف بسرائر الوحدة الذاتية مقدار ما يسر الله له ووفقه عليه فضلا منه سبحانه وطولا ان من تقرر في مقر عز الوحدة لا بد ان يجتنب عن اصحاب الغفلة والكثرة المترددين في اودية الضلال بأنواع الحيرة والحسرة ويعيشون في بقعة الإمكان بأنواع الخيبة والخذلان فلا بد لأرباب التمكن والرسوخ من الموحدين المخلصين ان لا يصاحبوا معهم ولا يوالوهم موالاتهم مع الموحدين ولا يلتفتوا إليهم والى عموم أطوارهم وأحوالهم إذ عدوى البليد الى الجليد

стр. 982

سريعة ولوازم الإمكان مشتركة وغواشي البشرية سارية وطلسمات الطبيعة البهيمية والقوى البشرية سارقة لذلك اوصى سبحانه خلص عباده المؤمنين الموحدين بما اوصى في هذه السورة ونهاهم عما نهاهم في محبة الأعداء وموالاتهم معهم في السراء والضراء فقال مناديا لهم بعد التيمن باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ المصلح لأحوال عبادة في عموم الأحوال الرَّحْمنِ عليهم بحفظهم عن سوء الأخلاق والأعمال الرَّحِيمِ لهم يوقظهم عن منام الغفلة ويوصلهم الى فضاء الوصال [الآيات] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى اتصافكم بالإيمان بالله وبوحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته انه لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وهم الذين خرجوا عن عروة عبوديتي بإثبات الوجود لغيري وَعَدُوَّكُمْ إذ عداوتهم إياي مستلزمة بعداوتهم إياكم ايضا إذ صديق العدو عدو كعدو الصديق أَوْلِياءَ أحباء بحيث توالون أنتم معهم موالاتكم مع احبائكم من المؤمنين وتظهرون محبتهم ومودتهم بحيث تُلْقُونَ وترسلون إِلَيْهِمْ رسالة مشعرة بِالْمَوَدَّةِ الخالصة المنبئة عن افراط المحبة والإخاء وَالحال انه هم قَدْ كَفَرُوا واعرضوا وانصرفوا بِما جاءَكُمْ اى بعموم ما قد نزل على رسولكم مِنَ الْحَقِّ الحقيق بالاطاعة والاتباع وبالغوا في الاعراض والإنكار الى حيث يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ اصالة وَإِيَّاكُمْ تبعا من بينهم بواسطة أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ الذي رباكم على فطرة التوحيد والايمان وبقبولكم دين الإسلام من النبي المبعوث الى كافة الأنام ليرشدهم الى دار السلام وبالجملة إِنْ كُنْتُمْ ايها المؤمنون الموحدون خَرَجْتُمْ عن أوطانكم وبقاع إمكانكم جِهاداً اى لأجل الجهاد والقتال فِي سَبِيلِي اى لتقوية طريق توحيدي وترويج ديني وإعلاء كلمة توحيدي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي في امتثال امرى واطاعة حكمى فلزمكم ترك موالاة أعدائي والمواخاة معهم مع انكم أنتم قد تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ وتميلون نحوهم سرا وخفية بِالْمَوَدَّةِ ظنا منكم ان لا اطلع على ما في سرائركم وضمائركم من محبة الأعداء ومودتهم وَالحال انه أَنَا أَعْلَمُ منكم بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ اى بعموم ما تسرون وما تعلنون وَبالجملة مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ اى الاتخاذ المذكور فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ اى قد انحرف عن جادة العدالة الإلهية وانصرف عن الصراط المستقيم الموصل الى مقصد التوحيد وبالغ في الانحراف والانصراف واعلموا ايها المؤمنون انكم وان بالغتم في اظهار المحبة والمودة بالنسبة إليهم لا تنفعكم إذ هم بمكان من العداوة والخصومة بحيث إِنْ يَثْقَفُوكُمْ ويظفروا بكم بالفرض والتقدير يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً البتة بل يظهروا العداوة حينئذ وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ اى بالقتل والأسر وقطع العضو والشتم المفرط وانواع الوقاحة وَكيف لا وهم في أنفسهم دائما قد وَدُّوا وتمنوا لَوْ تَكْفُرُونَ أنتم وترتدون عن دينكم ونبيكم حتى تلتحقوا بهم وتتصفوا بكفرهم وبالجملة عليكم ايها المؤمنون ان لا تبالوا بأقاربكم وأرحامكم من الكفرة ولا تلتفتوا نحوهم إذ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ لا اقرباؤكم وَلا أَوْلادُكُمْ الذين أنتم توالون المشركين لأجلهم وتوادون معهم من جهتهم يَوْمَ الْقِيامَةِ المعدة لتنقيد الأعمال الصادرة عن كل نفس من النفوس خيرة كانت او شريرة إذ الله يَفْصِلُ ويفرق بَيْنَكُمْ يومئذ ويميزكم عنهم فيجازى كلا منكم حسب ما كسب واقترف خيرا كان او شرا وَاللَّهُ المطلع على عموم افعال عباده بِما تَعْمَلُونَ من الحسنات والسيئات بَصِيرٌ يجازيكم عليه بمقتضى بصارته وخبرته ولا تستنكفوا عن حكم الله إياكم بقطع أرحامكم الكفرة وأقاربكم المشركين إذ قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ وقدوة حَسَنَةٌ

стр. 983

صالحة لائقة لان يؤتسى ويقتدى بها وقد كانت لكم تلك القدوة نازلة فِي شأن إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين المسترشدين منه المتدينين بدينه وقد كانوا يقولون بمقتضى تلك الأسوة الحسنة وقت إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ الذين هم أقاربهم وأرحامهم الكفرة وعبدة الأوثان إِنَّا بعد ما كوشفنا بوحدة الحق بُرَآؤُا مِنْكُمْ من انفسكم ومما ينتمى إليكم من ذوى ملتكم نحن بريئون عن مودتكم وخلطتكم مبرئون عن موانستكم ومواخاتكم مطلقا لانهماككم في الشرك والطغيان وَنحن ايضا برآء مِمَّا تَعْبُدُونَ وبعموم ما ترجعون نحوه في الخطوب والملمات مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام والأوثان الباطلة العاطلة وبالجملة نحن قد كَفَرْنا بِكُمْ وبمعبوداتكم الباطلة العاطلة مطلقا وَبعد اليوم قد بَدا وظهر بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً لا نصالح ولا نواسى معكم أصلا إذ لا مناسبة بيننا وبينكم حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وتتبرءوا عن معبوداتكم الباطلة مطلقا مثل تبرئنا فعليكم ايها المؤمنون اليوم ان تأتسوا وتقتدوا لجميع ما قال ابراهيم ﵇ ومن تبعه لقومهم فيما مضى إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ ﵇ لِأَبِيهِ الكافر لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ من الله الغفور يا ابى وبالجملة اقتدوا ايها المؤمنون بعموم اطوار ابراهيم ﵇ وأقواله سوى هذا القول لأبيه حال كونه معتذرا منه بقوله وَما أَمْلِكُ لَكَ اى ما اقدر وما ادفع منك يا ابى مِنْ غضب اللَّهِ المنتقم الغيور مِنْ شَيْءٍ قد نزل عليك من العذاب بمقتضى قهره وسخطه سبحانه سوى الاستغفار والشفاعة لأجلك ان قبل الملك الغفار منى وايضا انما صدر هذا القول من الخليل ﵇ قبل ورود النهى له عن ودادة اهل الكفر او صدر عنه ﵇ هذا القول انجازا لموعدة وعدها إياه وبعد ما أمرتم أنتم ايها المؤمنون الموحدون المحمديون بمحبة الله وبمحبة رسوله والذين آمنوا له وتدينوا بدينه ونهيتم عن مودة الأعداء وموالاتهم وعن مواساة أخلاقهم وأطوارهم قولوا مسترجين الى الله مناجين معه رَبَّنا يا من ربانا على فطرة التوحيد والإسلام عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا في كل الأمور بلا رؤية الوسائل والأسباب العادية في البين ثقة بك واعتمادا عليك وَإِلَيْكَ أَنَبْنا قد عدنا ورجعنا في الخطوب وعموم الملمات إليك لا الى غيرك من الأسباب العادية وَوبالجملة إِلَيْكَ الْمَصِيرُ اى مرجع كل الوسائل والأسباب إليك كما ان مصدره منك إذ لا موجود سواك ولا مقصد غيرك وبعد ما مكنتنا في مقر توحيدك يا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا بان تسلطهم علينا فيفتنوا بنا ويصيبونا بعذاب لا طاقة بحمله وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا ما فرطنا بمقتضى بشريتنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب القادر المقتدر على وجوه الانعام والانتقام الْحَكِيمُ المتقن في تدبير مصالح العباد وفي عموم ما جرى عليهم في المعاش والمعاد. ثم بالغ سبحانه في توصية تلك التأسى والاقتداء بملة ابراهيم ﵇ وقدوته فقال مؤكدا بالقسم والله لَقَدْ كانَ لَكُمْ ايها المؤمنون فِيهِمْ اى في ملة ابراهيم وأخلاقه واخلاق من آمن له وتدين بدينه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وقدوة صالحة لان يؤتسى بها ويقتدى عليها لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ اى تحقق برضاه والتسليم بقضاه وَايضا يرجو الْيَوْمَ الْآخِرَ ليتمكن فيه عند مولاه ويصل بعموم ما أعد له ربه وهيأه وَمَنْ يَتَوَلَّ ويعرض عن الله ولم يؤمن بالوقوف بين يدي الله فلن يضر الله شيأ فَإِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء هُوَ الْغَنِيُّ المستغنى بذاته لا احتياج له الى رجاءات الراجين ومناجاتهم إياه الْحَمِيدُ حسب أسمائه وصفاته الكاملة الكائنة في ذاته بلا افتقار له الى حمد

стр. 984

الحامدين وشكر الشاكرين. ثم لما ورد النهى الإلهي على وجه المبالغة والتأكيد عن موالاة ذوى الأرحام والأقارب من الكفرة تبرأ المؤمنون عن أقاربهم وعشائرهم المشركين حتما وعادوا معهم ظاهرا الا انهم قد اضمروا في نفوسهم حزنا وتغمموا غما فوعد لهم سبحانه ايمان أقاربهم تسلية لهم وازالة لحزنهم فقال عَسَى اللَّهُ المنعم المفضل أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ ايها المؤمنون وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً صادقة ومحبة خالصة جامعة بينكم وبينهم ألا وهي الإسلام المسقط لعموم الآثام والاجرام وَاللَّهُ المطلع على ما في استعدادات عباده قَدِيرٌ على ذلك الجمع المستلزم للمودة الخالصة والمحبة الحنيفية وَبالجملة اللَّهُ القادر المقتدر على عموم المقدورات غَفُورٌ لفرطاتكم التي صدرت عنكم ايها المكلفون رَحِيمٌ يقبل منكم توبتكم ويرحمكم بمقتضى سعة رحمته وجوده ثم لما تحرج المؤمنون عن موالاتهم مع اقربائهم الكفرة وذوى أرحامهم المشركين بحيث قد قدمت قبيلة بنت عبد العزى مشركة على بنتها اسماء بنت ابى بكر بهدايا فلم تأذنها بالدخول ولم تقبل منها هديتها فنزلت لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ العليم الحكيم عَنِ مخالطة المشركين الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ولم يأمر عليكم أَنْ تَبَرُّوهُمْ وتحسنوا إليهم وتميلوا نحوهم إذ لا سبب للنهى عن ودادة هؤلاء وَعليكم ان تُقْسِطُوا وتميلوا إِلَيْهِمْ بمقتضى القسط والعدل الإلهي الموضوع بينكم بالوضع الإلهي إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ المعتدلين في عموم الأحوال والأطوار سيما على ذوى القربى بل إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ العليم الحكيم عَنِ موالاة اقربائكم الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ يعنى مكة شرفها الله وَينهاكم ايضا عن موالاة أقاربكم الذين قد ظاهَرُوا أعانوا ونصروا عَلى إِخْراجِكُمْ منها وان لم يباشروا بجوارحهم لكن قد عاونوا على المباشرين المخرجين بالقول والمال وإيقاع الفتنة لذلك نهاكم سبحانه أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وتختلطوا معهم وتوالوهم اى مع المخرجين والمعاونين وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ منكم بعد ورود النهى فَأُولئِكَ المؤمنون الموالون معهم هُمُ الظَّالِمُونَ الخارجون عن مقتضى النهى الإلهي الوارد من لدنه سبحانه على وجه المبالغة والتأكيد فيستحقون الويل والعذاب الأليم بسبب خروجهم عن مقتضى النهى الإلهي. ثم قال سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ المذعنات للايمان حال كونهن مُهاجِراتٍ من قبل الكفار فَامْتَحِنُوهُنَّ واختبروهن وانظروا نحوهن بنور الله المقتبس من نور الايمان متفرسين هل تجدون مواطئة قلوبهن بألسنتهن مع انه اللَّهُ المطلع على ما في قلوبهن أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ وبعد ما تفرستم فيهن فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ وظننتموهن مُؤْمِناتٍ مخلصات فَلا تَرْجِعُوهُنَّ ولا تردوهن إِلَى الْكُفَّارِ حتى لا يصرن مرتدات وبالجملة بعد ظهور الايمان منهن لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ اى الأزواج الكفار وَلا هُمْ اى الأزواج الكفار يَحِلُّونَ لَهُنَّ لاختلافهما في الدين وَبعد ما حفظتموهن وحكمتم عليهن بالإيمان ان جاء أزواجهن في طلبهن آتُوهُمْ واعطوهم اى أنتم ايها المؤمنون لأزواجهم ما أَنْفَقُوا أولئك الأزواج الكفار في حقهن من مهورهن وَبعد ما أتيتم وأعطيتم مهورهن لأزواجهن لا جُناحَ اى لا ضيق ولا حرج عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ اى مهورهن مرة اخرى مثل مهور سائر المؤمنات يعنى لا تحسبوا عليهن ما أعطيتم لأزواجهن من المهور وَبعد ما ثبت انه لا رخصة لكم في دينكم لرد المؤمنات المهاجرات الى الكفار لا تُمْسِكُوا ولا تبقوا ايضا أنتم ايها المؤمنون

стр. 985

أزواجكم الكافرات بِعِصَمِ الْكَوافِرِ اى لا تقيموا ولا تديموا عقود أزواجكم الكافرات الملحقات الى الكفار بل خلوا سبيلهن وطلقوهن وَسْئَلُوا منهن ما أَنْفَقْتُمْ لهن من المهور بعد ما لحقن بالكفار وَلْيَسْئَلُوا اى الكفار ايضا ما أَنْفَقُوا من المهور لأزواجهم المؤمنات المهاجرات الملحقات بكم منكم ايها المؤمنون ذلِكُمْ اى جميع ما ذكر في هذه الآية حُكْمُ اللَّهِ المدبر لمصالحكم يَحْكُمُ بهذا الحكم بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يحكم بما يقتضيه علمه وحكمته وَإِنْ فاتَكُمْ ايها المؤمنون شَيْءٌ مِنْ مهور أَزْواجِكُمْ بعد ما لحقن إِلَى الْكُفَّارِ ولم يؤدوا جميع مهورهن إليكم فَعاقَبْتُمْ بعد ذلك وغلبتم على الكفار المتمردين عن الأداء وأخذتم الغنائم منهم فآتوا واعطوا ايها الحكام المؤمنون قبل قسمة الغنائم ما بقي من حقوق المؤمنين الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ الى الكفار مِثْلَ ما أَنْفَقُوا في مهور أزواجهم الكافرات الملحقات الى الكفار وَاتَّقُوا ايها الحكام المؤمنون اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ولا تضيعوا حق أخيكم المؤمن. ثم قال سبحانه مناديا لنبيه على سبيل الإرشاد والتعليم يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ ويعاهدن معك ويقبلن منك مطلق الحقوق والحدود المعتبرة في الشرع سيما عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ الواحد الأحد الصمد المنزه عن الشريك والولد شَيْئاً من الإشراك وَلا يَسْرِقْنَ من حرز انسان ماله وَلا يَزْنِينَ سواء كن محصنات او غير محصنات وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ كاسقاط الجنين ووأد البنات وغيرهما وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ يعنى لا تأتى المرأة بشيء فاحش بحيث تقذف بولدها بانه ليس من زوجها بسبب ذلك الشيء الذي صدر عنها وبهت الناس بسببه ووقعوا في الافتراء لأجله وَبالجملة يبايعنك على ان لا يَعْصِينَكَ يا أكمل الرسل فِي مَعْرُوفٍ قد استحسنه العقل والشرع تأمرهن به إصلاحا لهن وإذا بايعن معك على ترك هذه الخصائل المذمومة فَبايِعْهُنَّ ايضا وعاهد معهن وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ الغفور الرحيم بما صدر منهن قبل البيعة إِنَّ اللَّهَ المطلع على ما في نياتهن من الإخلاص غَفُورٌ يغفرهن بعد ما اخلصن في الانابة رَحِيمٌ يقبل توبتهن. ثم لما واصل بعض فقراء المسلمين اليهود لينتفعوا من ثمارهم نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم ترك مواصلة اليهود ومصاحبتهم لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً قد غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بمقتضى قهره وجلاله يعنى عامة الكفرة والمشركين إذ هم قَدْ يَئِسُوا وقنطوا مِنَ الْآخِرَةِ مطلقا لذلك لم يؤمنوا بها وبما فيها من المواعيد والوعيدات الهائلة كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ يعنى مثل يأسهم من البعث واحوال الآخرة كيأسهم من حياة اصحاب القبور وخروجهم عنها احياء فعليكم ان لا تصاحبوا معهم ان كنتم مؤمنين مصدقين بها جعلنا الله من المصدقين الموقنين بيوم الدين وبعموم ما فيه خاتمة سورة الممتحنة عليك ايها الموحد المحمدي مكنك الله في مقر عز التوحيد واليقين وحفظك الله عن طريان التردد والتلوين ان لا تصاحب اهل الغفلة واصحاب الجهالات المنهمكين في بحار الأوهام والخيالات المورثة لهم من مقتضيات الإمكان المستلزم لانواع الخذلان فلك ان تلازم زاوية الخمول بالعفاف قانعا من الدنيا بالكفاف مجتنبا عن مخايل اصحاب الجزاف متوكلا على الصمد المعين متوجها نحوه في كل تحريك وتسكين راضيا بعموم ما جرى عليك من القضاء مطمئنا بما وصل إليك من الآلاء والنعماء شاكرا
следующие страницы →