← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

خوفاً من أن يُظَن به الرياء، بل يذكر بهما جميعاً ويقصد به وجه الله تعالى، وقد قدمنا عن الفضيل ﵀: ــ الأذكار مصرحة بفضل الذكر القلبي بل بأفضليته ثم كلام المصنف مصرح بفضل الذكر باللسان وإن كان مع الغفلة وبه صرح القاضي عياض وغيره قال الغزالي حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصل الثواب ونفيه إنما هو بالنسبة لعمل القلب اهـ. وفي باب الذكر بعد الصلاة من شرح المشكاة لابن حجر اختلفوا في الذكر باللسان مع غفلة القلب فقال جمع لا ثواب فيه قال الجلال البلقيني وهو حق بلا شك اهـ. وفي باب مخالطة الجنب من الشرح المذكور التصريح بأفضلية الذكر اللساني على القلبي والرد على من قال الأفضل القلبي ثم اللساني بأن الأصحاب مصرحون بأن لا ثواب في الذكر القلبي المحض وكيف يفضل اللساني وفيه الثواب قطعاً والحق إن الأعلى ما جمع القلب واللسان ثم اللساني ثم القلبي ونفي الثواب فيه من حيث الذكر لا ينافي حصوله من حيث حضور القلب مع الله والمراقبة أو المشاهدة له تعالى ففيه ثواب في ثواب وإنما فضل عليه اللساني لأن في الإتيان به امتثالاً لأمر الشارع من حيث الذكر بخلاف ذاك ألا ترى أن ما تعبدنا به من الذكر لا يحصل إلاَّ بالتلفظ به بحيث يسمع به نفسه بخلاف ما إذا لم يسمع بأن أتى به همساً أو بقلبه فقط فإنه لا يحصل له الامتثال ويقع في لوم الترك وثواب الحضور إنما هو على جهة أخرى أجنبية عن المأمور به فتأمل ذلك اهـ. قوله: (خوفاً من أن يظن به الرياء إلخ) قال الإمام في المطالب من مكائد الشيطان ترك العمل خوفاً من أن يقول الناس أنه مراء وهذا باطل فإن تطهر العمل من نزغات الشيطان بالكلية متعذر فلو وقفنا العمل على ذلك لتعذر الاشتغال بشيء من العبادة وذلك يوجب البطالة وهي أقصى غرض الشيطان ولقد أحسن من قال سيروا إلى الله عرجاء ومكاسير ولا تنتظروا الصحة فإن انتظار الصحة بطالة اهـ، وكذا

стр. 107

أن ترك العمل لأجل الناس رياء، ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانسدَّ عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمات الدين، وليس هذا طريقة العارفين. ــ لا يتركه باللسان لغفلة الجنان ففي الرسالة القشيرية سئل أبو عثمان المغربي نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة فقال احمدوا الله أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته اهـ. وقال ابن عطاء الله في الحكم. لا تترك الذكر لعدم حضورك فيه مع الله لأن غفلتك عن ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز اهـ، ولا يتركه خشية العجب به بل يعمل ويستغفر الله إذا خاف نحو العجب ولا يترك العمل لذلك لما قال السهروردي إن ترك العمل لذلك من مكائد الشيطان وقد قدمنا في مبحث الإخلاص ما ينفع استحضاره هنا. قوله: (ترك العمل لأجل الناس رياء) تقدم تفسيره نقلاً عن الشعراني بأن معنى ترك العمل للناس تركه لعدم اطلاعهم عليه أي لا يحب العمل إلاَّ في محل يجده فيه الناس فإن لي يجده كسل عن العمل وحينئذٍ ففي العبارة مضافان محذوفان أي لأجل عدم اطلاعهم وقضية سياق المصنف له أنه على ظاهره من ترك العمل للناس أي خشية أن يظن به نحو رياء وذلك لأن ملاحظته لهم تشعر بأنه يرجو مدحهم ويخشى قدحهم وشأن الإخلاص التنزه عن كل ذلك. قوله: (ملاحظة الناس) الملاحظة مفاعلة من اللحظ وهو النظر باللحاظ بفتح اللام فيهما يقال لحظه ولحظ إليه أي نظر إليه بمؤخر العين واللحاظ بالفتح شق العين مما يلي الصدغ أما الذي يلي الأنف فالمؤق والمأق واللحاظ بالكسر مصدر لاحظته إذا راعيته والمراد هنا أنه

стр. 108

وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة رضي عنها عنها قالت: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] في الدعاء. ــ لا يلتفت ببصره ولا بصيرته إلى شيء من الأكوان فيعتبر مدحه أو يخشى قدحه فإن ذلك سبب لفوات كثير من الخيور وجالب لأنواع الشرور مبعد للسالك عن طرق السرور. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم إلخ) أخرجه البخاري في كتاب التفسير والتوحيد وأخرجه مسلم أيضًا قال السيوطي في لباب العقول في أسباب النزول بعد تخريجه خبر عائشة من حديث البخاري وأخرج ابن جرير من طرق عن ابن عباس مثله ثم رجح رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس أنها نزلت في الصلاة بكونها أصح إسناداً قال وكذا رجحها النووي وغيره وقال الحافظ ابن حجر لكن يحتمل الجمع بينهما بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة وقد أخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ إذا صلى عند البيت رفع صوته بالدعاء اللهم ارحمني فنزلت فأمروا ألا يخافتوا ولا يجهروا أهو في زاد المسير لابن الجوزي في سبب الآية ثلاثة أقوال أحدها أنه ﷺ كان يجهر صوته بالقرآن بمكة فيسب المشركون القرآن ومن أتى به فخفض ﷺ صوته بعد ذلك حتى لم يسمع أصحابه فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿وَلَا تخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا يسمعون قاله ابن عباس، والثاني أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته فنزلت هذا قول عائشة، والثالث أنه ﷺ كان يصلي عند الصفا فجهر بالقرآن في صلاة الغداة فقال أبو جهل لا تفتر على الله فخفض النبي ﷺ صوته فقال أبو جهل ألا ترون ما فعلته بابن أبي كبشة رددته عن قراءته فنزلت قاله مقاتل اهـ، ويمكن الجمع بحمل حديث ابن عباس على أنه كانت القراءة في الصلاة فيوافق حديثه في البخاري وعند الصفا إما يراد به عند البيت من جانب الصفا فيكون

стр. 109

فصل: اعلم أن فضيلة الذِّكْر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كل عامل لله تعالى بطاعة فهو ذاكر لله تعالى، كما ــ عند الصفا مجازاً ليطابق حديث البخاري أو تعدد جهره بذلك قال في زاد المسير وأما تفسيرها ففي المراد بالصلاة قولان "أحدهما" الصلاة الشرعية وعليه ففي المراد ستة أقوال: لا تجهر بقراءتك ولا تخافت بها فكأنه نهى عن شدة الجهر والمخافتة قاله ابن عباس وعليه فالتعبير عن القراءة بالصلاة إما من باب المجاز المرسل من إطلاق اسم الكل أي الصلاة وإرادة الجزء أي القراءة أو من حذف المضاف أي قراءة صلاتك أو لا تصل مراءاة الناس ولا تدعها مخافة الناس قاله ابن عباس أيضاً قلت وعلى هذا فيكون من خطابه ﷺ بخطاب غيره كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] الآية إذ لا يتصور منه الرياء حتى ينتهي عنه، أو لا تجهر بالتشهد في صلاتك روي عن عائشة في رواية وبه قال ابن سيرين، أو لا تجهر بفعل صلاتك ظاهراً ولا تخافت بها شديد الاستتار قاله عكرمة، أو لا تحسن علانيتها وتسيء سريرتها قاله الحسن وغيره خاف أن ما سبق على القول الثاني من قولي ابن عباس يجري في هذا المكان، أو لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بجميعها فاجهر في صلاة الليل وخافت في صلاة النهار على ما أمرناك به ذكره أبو يعلى "والقول الثاني" إن المراد بالصلاة الدعاء وهو قول عائشة وأبي هريرة ومجاهد اهـ، باختصار وتغيير يسير والصلاة حقيقتها لغة الدعاء والخلاف المذكور مبني على الخلاف عند أهل الأصول في أن اللفظ إذا ورد من الشارع هل يحمل على معناه اللغوي أو الشرعي والأصح الثاني ولا يلزم من البناء الاتفاق في الترجيح. ويطول المقال في هذا المقام أخرنا ما يتعلق بفضل السيدة عائشة من الكلام. فصل قوله: (بل كل عامل لله بطاعته فهو ذاكر) أخرج الواحدي في التفسير

стр. 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوسيط بسنده إلى خالد بن عمران ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وصنعه للخير ومن عصى الله فقد نسيه وإن كثرت صلاته وصومه وتلاوته القرآن وصنعه للخير" وأخرج الحديث الخزرجي في كتابه التذكرة فقال حقيقة الذكر طاعة الله تعالى ودليله قوله ﷺ من أطاع الله إلخ وذكر نحوه العامري في شرح الشهاب كما رأيته معزواً إليه. ويؤخذ من كلام الخزرجي أنه مقبول لاستدلاله به إلاَّ أن يقال لا يلزم ذلك بل يكتفي بالضعيف في مثله كما تقدم عن الزركشي وفي شرح الأنوار السنية قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب واقد مولى النبي ﷺ روى عنه زاذان من قوله من أطاع الله فقد ذكره وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ومن عصى الله فلم يذكره وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] روي عن النبي ﷺ من أطاع الله فقد ذكره إلخ لكن روي بدل قوله وتلاوته للقرآن قوله وصنعه للخير ذكره ابن خويز منذاد في أحكام القرآن وقال البخاري الإسكاف في فوائد الأخبار الغفلة نوم القلب والنائم لا يذكر وذكر الله تعالى إن تشهده حافظاً لك رقيباً عليك قائماً بمصالحك فمن غفل عن هذه الأحوال فليس يذكر الله وإن سبح بلسانه وهلل وكبر ومن كان متيقظاً في هذه الأوصاف فهو ذاكر وإن سكت ثم ما أشعر به كلامه من كون الطاعة حقيقة الذكر يوافقه ما فهمه الحنفي في شرح الحصين الحصين حيث قال في مثل عبارة المصنف الظاهر أن يقول وليس الذكر منحصراً في التهليل إلخ وفي شرح المشكاة لابن حجر أصل وضع الذكر ما تعبدنا الشارع بلفظه مما يتعلق بتعظيم الحق أو الثناء عليه ويطلق على كل مطلوب قولي مجازاً شرعياً سببه المشابهة اهـ، مع يسير تغيير وسبق كلامه في انتفاء حصول ثواب الذكر عن القلبي لانتفاء كونه ذكراً وهو يؤذن بأن إطلاق الذكر على ما ذكر من العبادة ليس إطلاقاً حقيقة وإنما

стр. 111

قاله سعيد بن جبير ﵁ وغيره من العلماء. ــ هو مجاز سببه المشابهة لترتب الثواب على كل وفي الحرز الثمين فهو ذاكر أي حكماً فإنه حيث راعى حكمه تعالى في فعله فقد ذكره ولم يغفل أمره والحاصل أن المطيع المذكور له فضيلة الذكر وثوابه لا أنه ذاكر لغة أو اصطلاحاً وبه يندفع قول الحنفي: الظاهر أن يقول وليس الذكر منحصراً في التهليل اهـ، ثم رأيت الحافظ قال في فتح الباري ويطلق ذكر الله ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وكقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة وقال في آخر الكلام على حديث إن لله ملائكة يطوفون في الطرق الحديث يؤخذ من مجموع الطرق إن المراد بمجالس الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما وتلاوة كتاب الله والدعاء بخيري الدارين وفي دخول قراءة الحديث النبوي ومدارسة العلم الشرعي ومذاكرته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر، والأشبه اختصاص ذلك بمجالس نحو التسبيح والتلاوة حسب وإن كان قراءة الحديث ومدارسة العلم ومناظرته في جملة ما يدخل تحت ذكر الله تعالى اهـ، فأفاد أن ما ذكر يطلق عليه ذكر الله لا لفظ الذكر من غير إضافة والله أعلم. قوله: (قال سعيد بن جبير) سعيد كرشيد وجبير بالجيم المضمومة فالموحدة المفتوحة بعدها تحتية ساكنة وهذه المقالة نقلها عن الواحدي أيضاً فقال روي إن عبد الملك كتب إليه يسائله عن مسائل منها الذكر فقال وتسأل عن الذكر فالذكر طاعة الله فمن أطاع الله فقد ذكر الله ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن. قوله: (وغيره) ولعل مراده ابن عباس فإن الواحدي وابن الجوزي نقلاه عنه أيضاً فقالا قال ابن عباس وسعيد ابن جبير في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي ثم أورد السؤال السابق لكن يبعده أن الأنسب بالتفسير حينئذٍ قال ابن عباس وابن جبير فالظاهر إن المراد غير ابن

стр. 112

وقال عطاء ﵀: مجالس الذكْر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه هذا. فصل: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلي قوله تعالى ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "سَبَقَ ــ جبير من بعض علماء التابعين ومن بعدهم. قوله: (وقال عطاء إلخ) قال الشيخ زكريا في شرح الرسالة القشيرية فإن جميع ذلك ينقل العبد من الغفلة إلى ذكر الله وطاعته اهـ. قال ابن حجر في شرح المشكاة مجالس الذكر مجالس سائر الطاعات ومن قال هي مجالس الحلال والحرام أراد التنصيص على أخص أنواعه اهـ، ونظيره تخصيص المساجد وكلامه تعالى في روايات فهي لكونها أخص وأفضل كما تقدم وقريب من كلام عطاء ما في المفهم للقرطبي مجلس ذكر يعني مجلس علم وتذكير وهي المجالس التي يذكر فيها كلام الله وسنة رسوله وأخبار السلف الصالحين وكلام الأئمة الزهاد المتقدمين المبرأة عن التصنع والبدع والمنزهة عن المقاصد الرديئة والطمع قلت ومثل ما ذكر مجالس سائر الأذكار والطاعات ومجالس الزهاد والأخيار قال القرطبي وهذه المجالس قد انعدمت في هذا الزمان وعوض منها الكذب والبدع ومزامير الشيطان نعوذ بالله من حضورها ونسأله العافية من شرورها اهـ. فصل قوله: (وروينا في صحيح مسلم إلخ) قال الحافظ وأخرجه ابن حبان اهـ، ورواه الترمذي بلفظ قالوا يا رسول الله وما المفردون قال المستهترون في ذكر

стр. 113

المُفَرِّدون، قالوا: ــ الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون القيامة خفافاً رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة والطبراني عن أبي الدرداء فهو حديث مستقل وفي مسلم والترمذي أنه ﷺ كان يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان سبق المفردون الحديث وخرجه الحافظ من حديث معاذ بن جبل ولفظه قال كنا نسير مع رسول الله ﷺ بالدف من جمدان فقال يا معاذ أين السابقون قلت مضوا وتخلف ناس قال إن السابقين الذين يهترون بذكر الله من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ذكر الله قال الحافظ أخرجه إسحاق في مسنده وفيه راوٍ ضعيف لكنه ينجبر بحديث أبي هريرة والدف السير الخفيف أو مكان عند الجبل المذكور وقوله يهترون بكسر الفوقية معناه يديمون اهـ، وجمدان بضم الجيم وسكون الميم وبالدال المهملة جبل بين قديد وعسفان من منازل أسلم كما في المشارق للقاضي عياض والمفهم القرطبي لكن في سلاح المؤمن وشرح المشكاة لابن حجر جمدان جبل على ليلة من المدينة اهـ. قال القرطبي في المفهم ذكر النبي ﷺ هذا القول عقب قوله هذا جمدان لأن جمدان جبل منفرد بنفسه هناك ليس يحاذيه جبل مثله فذكره بهؤلاء المفردين وذكر ابن حجر الهيتمي في شرح المشكاة أوجهاً أخر. قوله: (المفردون) يروى بتشديد الراء المكسورة قال القاضي عياض ضبطناه على مشايخنا كذلك ونقله أيضاً عن متقني مشايخه قال المصنف والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد قال ابن الجزري وكذا رويناه وضبطناه عن شيوخنا قال ابن الأعرابي يقال فرد الرجل إذا تفقه واعتزل الناس وخلا بمراعاة الأمر والنهي وقال الأزهري هم المتحلون

стр. 114

وَما المُفَردونَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: "الذاكِرُونَ اللهَ كَثِيراً ــ من الناس بذكر الله وقيل هم الهرمى الذين هلك أقرانهم من الناس ويذكرون الله، في كشف المشكل لابن الجوزي وقال بعضهم استولى عليهم الذكر فأفردوهم عن كل شيء إلاَّ عن الله فهم يفردونه بالذكر ولا يضمون إليه سواه والفارد والمفرد الثور الوحشي اهـ. قال المصنف في شرح مسلم وذكر غير القاضي أنه روي بتخفيف الراء وإسكان الفاء يقال فرد الرجل وفرد بالتخفيف والتشديد وأفرد، وهل هو مع كسر الراء أو فتحها كل محتمل والأقرب أنه مع الكسر وذلك لأنه ذكره أولاً بالتشديد والكسر ثم قال وحكي بالتخفيف وسكت عن الكسر فالظاهر انسحابه مع التخفيف. وقال الحافظ والراء مفتوحة وقيل مكسورة يقال فرد الرجل مشدداً ومخففاً وانفرد الكل بمعنى اهـ. قال الحنفي رجح المصنف يعني ابن الجزري رواية التشديد على التخفيف ويؤيده ما ذكره النووي في الأذكار حيث قال روي المفردون بتشديد الراء وتخفيفها والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد اهـ، وجزم بأنه اسم فاعل سواء كان من التفريد أو الإفراد ويؤيده ما في النهاية وغيرها فرد برأيه وفرد واستفرد بمعنى انفرد به اهـ، ويؤيده كلام الحنفي، وجزمه بجزم المصنف بكونه اسم فاعل على التخفيف لعله أخذ من الاستصحاب المذكور في شرح مسلم بما ذكرناه من كسر الراء مع التشديد وسكوته عنه مع التخفيف فالظاهر انسحابه وقال التوربشتي في شرح المصابيح يروى المفردون بتشديد الراد وكسرها وبالفتح والتخفيف اهـ. قال الحنفي في شرح الحصين الحصين وهذا يدل على أنه بالتشديد اسم فاعل وبالتخفيف اسم مفعول وإنما يظهر إذا كان التفريد لازماً والإفراد متعدياً ويؤيده ما وقع في التاج للبيهقي حيث قال في باب التفعيل يقال فرد الرجل إذا تفقه واعتزل الناس وخلا بمراعاة الأمر والنهي وفسر الإفراد بالمتعدي اهـ، ويجمع بأن أفرد جاء متعدياً وهو ما حكاه الحنفي عن صاحب التاج ولازماً وهو ما ذكره الباقون. قوله: (وما المفردون)

стр. 115

والذاكرَاتُ" قلت: روي "المفرِّدونَ" بتشديد الراء وتخفيفها، والمشهور الذي قاله الجمهور: التشديد. واعلم أن هذه الآية الكريمة مما ينبغي أن يهتم بمعرفتها صاحب هذا الكتاب. وقد اختلف في ذلك فقال الإمام أبو الحسن ــ أعلم أن "ما" يسأل بها عن حقيقة الشيء وعن وصفه وهو هنا من الثاني أي ما صفة المفردين حتى نتأسى بهم وقيل إنها من الأول وعبر بها دون من هم لإرادتهم تفسير اللفظ وبيان المراد منه لا تعيين المتصفين به وأشخاصهم فعدل ﷺ في الجواب عن بيان اللفظ إلى حقيقة ما يقتضيه توقيفاً للسائل بالبيان المعنوي على المعنى إيجازاً فاكتفى فيه بالإشارة المعنوية إلى ما استبهم عليه من الكناية اللفظية قال ابن حجر في شرح المشكاة والأول وإن كان قليلاً أولى من الثاني وإن سلكه كثير لأنه أورد عليه ما أجاب عنه ذلك القائل بقوله وعبر بها دون عن إلخ وفيه تكلف اهـ، بالمعنى. قوله: (والذاكرات) قال المصنف في شرح مسلم تقديره والذاكراته فحذفت الهاء هنا كما حذفت في القرآن لمناسبة رؤوس الآي ولأنه مفعول يجوز حذفه اهـ، وحذف معمول الذاكرات مع وصفه أي والذاكرات ذكراً كثيراً اكتفاء بدلالة السياق عليه ثم في هذا الحديث إيماء إلى قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] حيث عطفهم عطف خاص أو عام على ما سبقه من قوله سبحانه: ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية وقال القرطبي في المفهم الكثرة المذكورة هنا هي المأمور بها في قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١] وهذا السياق يدل على أن الذكر الكثير واجب وذلك أنه لم يكتف بالأمر حتى أكده بالمصدر ولم يكتف به حتى أكده بصفته وهذا لا يكون في المندوب فظهر أنه ذكر كثير واجب ولا يقول أحد بوجوب الذكر باللسان دائماً وعلى كل حال كما هو ظاهر هذا الأمر فتعين أن يكون ذكر

стр. 116

الواحدي: قال ابن عباس ﵁: ــ القلب كما قاله مجاهد ولم يقل هو ولا غيره فيما علمنا بوجوب الذكر باللسان على الدوام فلزم أنه ذكر القلب وإذا ثبت فذكر القلب لله تعالى إما على جهة الإيمان به والتصديق بوجوده وصفاته وصفات كماله وأسمائه فهذا يجب استدامته ذكراً وحكماً في حال الغفلة لأنه لا ينفك عنه إلاَّ بنقيضه وهو كفر، وأما ما ليس راجعاً إلى الإيمان وهو ذكر الله عند الأخذ في الأفعال فيجب على كل مكلف ألا يقدم على فعل حتى يعرف حكم الله فيه لإمكان أن يكون الشرع منع منه ولا ينفك المكلف عن فعل أو قول على سبيل الدوام فذكر الله واجب كذلك ولذا قال بعض السلف اذكر الله عند همك إذا هممت وحكمك إذا حكمت وقسمك إذا قسمت وما عدا هذين الذكرين لا يجب استدامته ولا كثرته والله أعلم اهـ. وما ذكر من كون الذكر اللساني لا يجب على الدوام مسلم لكن كون الحديث مثل الآية في كونه مأمورًا به فيقتضي الوجوب فيه نظر ظاهر والأقرب ما سلكناه من أنه نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية في الثناء على أرباب الكمال بالقيام بمحاسن الصفات والأفعال ولا شبهة في شرف من حاز ذلك المقام والذكر شامل للسان والجنان بسائر الأقسام وقد جعله كذلك في الحرز الثمين على أن في اقتضاء الآية وجوب الذكر ما لا يخفى فمن ثم لم يذكره مشاهير المفسرين حتى تلميذه القرطبي في تفسيره الكبير بل قال في تفسير الآية أمر الله عباده بأن يذكروه ويشكروه ويكثروا من ذلك على ما أنعم به وجعل ذلك عند جد ليسهل على العبد ويعظم الأجر فيه اهـ. والذكر بالمعنى المذكور مندوب فالظاهر أن التأكيد بالاهتمام بشأن المأمور به والحض على فعله والإكثار منه والله أعلم على أن ابن حجر اعترض في شرح المشكاة حمل الذكر الكثير في الآية على القلبي بأنه لا ثواب فيه من حيث الذكر وإن ثبت من جهة أخرى كما سبق

стр. 117

المراد: يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً، وفي المضاجع، ــ نقله. قوله: (المراد يذكرون الله إلخ) لعله أشار إلى مواظبة ما ورد عنه ﷺ في جميع أحواله من مقاله كذا في الحرز فظاهر سياق المصنف يخالفه إذ لو كان مراد ابن عباس ذلك لاكتفى به عن افتاء ابن الصلاح الذي نقله أو أيده بكلام ابن عباس فإنه هو إذ المراد بالمأثورة فيه المأثورة عنه ﷺ كما قيده به ابن الجزري في الحصين الحصين لكنه نقله عن العلماء وكأنه لارتضائهم له، نعم إن أريد بها أعم من ذلك ومما أثر عن صحابي وتابعي ظهر الفرق وقد قال الشيخ الإمام أبو الحسن البكري في شرح مختصر الإيضاح ويتلخص من كلام النووي أن الوارثين من الأولياء إذا خصوا ذكراً بوقت أو حال كان سنة فيه وفي مسامحة الفقهاء بذلك نظر أي فيقال في ذلك لا بأس بكذا لأن في ثبوت السنة بذلك نظراً غير أن موافقة النووي في ذلك عندي أحسن، ولم لا وهم القوم الذين ما منهم إلا من أحسن، لا سيما وللذكر من الأصول العامة، ما يقتضي عدم الحجر فيه عند من زكى الله فهامه اهـ، وسيأتي في أذكار المسافر مزيد لهذا المعنى إن شاء الله تعالى ثم رأيت ما يؤيد ما ذكرته وهو ما في فتح الإله تفسير الذكر لله كثيراً بالإتيان بالذكر الوارد في السنة في جميع الأحوال والأوقات مرادف في الحقيقة لضبطه بشغل أوقاته بالذكر لكن فيه قيد الوارد ولا بد منه اهـ، أي فهو أخص من الثاني لعموم الثاني الوارد وغيره ولو عمم أو خصص في الجانبين لكانا مترادفين وارتفع التخصيص من البين أي ولا يخالفه سياق المصنف لأن النقل عن ابن عباس إنما هو في كلام الواحدي الذي نقله المصنف بجملته غير متصرف فيه والنقل عن إفتاء ابن الصلاح من المصنف وسكت عن تأييده بكلام ابن عباس إما لما ذكر من ترادفهما بناء على التعميم أو التخصيص أو اكتفاء بفهم المخاطب. قوله: (في أدبار الصلوات) أي التي يطلب فيها ذلك

стр. 118

وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى. وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، حتى يذكر الله قائماً وقاعدًا ومضطجعاً. ــ من المفروضات قال الحافظ زين الدين العراقي وفي قوله ﷺ إذا صليتم فقولوا. الحديث، ما يدل على أن الشروع في الذكر يكون عقب التسليم فإن فصل يسيراً بحيث لا يعد معرضاً عن الإتيان به أو كثيراً ناسياً فالظاهر أنه لا يضر بخلاف ما إذا تعمد فإنه لا تحصل له السنة المشروعة وإن أثيب عليه من حيث الذكر ثم قال ولا يضر طول الفصل بين التسبيح ونحوه بغيره من الواردات اهـ، وسيأتي لهذا مزيد في الذكر عقيب الصلاة. قوله: (وكلما غدا) كل بالنصب فيه ظرف لقوله بعد ذكر الله، وما فيه مصدرية أي ذكر الله في كل غدو ورواح وفي مثله يكتب ما موصولة بكل وينصب ظرفاً بخلافها إذا كانت موصوفة فتفصل ويعرب كل بحسب العوامل والغدو السير أول النهار ونقيض الرواح وقد غدا يغدو غدواً كذا في النهاية. قوله: (وقال مجاهد لا يكون من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً الخ) أي لا ينساه أبدًا كما عبر به في تفسير الذكر الكثير فيما نقله عن ابن الجوزي في زاد المسير والمراد على حسب الطاقة البشرية قال في الحرز وكأنه أشار بقوله حتى يذكر الله إلخ إلى قوله تعالى في تفسير أولي الألباب (﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] اهـ، واختلف في الذكر في الآية فقال علي وابن مسعود وابن عباس وقتادة أنه الذكر في الصلاة لقوله ﷺ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب وقال طائفة من المفسرين الذكر في الصلاة وغيرها وقيل المراد به الخوف والمعنى يخافون الله قياماً في تصرفهم وقعوداً في دعتهم وعلى جنوبهم في منامهم اهـ. كذا في زاد المسير وحكى القرطبي عن الحسن وغيره قولاً إن المراد بالذكر الصلاة نفسها ومنه يعلم إن

стр. 119

وقال عطاء: من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قول الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ هذا نقل الواحدي. وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول ﷺ : أيْقَظَ الرَّجُلُ أهلَهُ مِنَ الليْلِ فَصَلَيَا ــ الذكر الكثير بالتفسير المذكور إنما يكون مما في الآية على الوجه الثاني والرابع وعليه فيفارق قول عطاء بأنه خص الذكر بالصلاة الخمس فهو مناسب لقول علي وغيره وعمم مجاهد ومجاهد هو ابن جبير ويقال ابن جبير بالتصغير أبو الحجاج المكي المخزومي مولاهم مولى عبد الله بن السائب ويقال مولى السائب ابن السائب المخزومي تابعي متفق على جلالته وإمامته توفي سنة إحدى ومائة. قوله: (وقال عطاء من صلى الخمس إلخ) نقله ابن الجوزي في زاد المسير عن ابن السائب ولم يسمه قال في الحرز فكأنه نبه بالقدر الواجب على ما عداه من القرب. قوله: (وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ إلخ) أورد القرطبي هذا الخبر في تفسير سورة الأحزاب موقوفاً على أبي سعيد من قوله بلفظ من أيقظ أهله بالليل وصليا أربع ركعات كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. وهو في حكم المرفوع إذ مثله لا يقال رأياً فالمسكوت عنه في كلام القرطبي رفع لفظه وقال الحافظ بعد إخراجه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري قالا قال رسول الله ﷺ إذا استيقظ الرجل إلخ حديث صحيح أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان واختلف في رفعه، وقفه علي بن الأقمر الراوي له عن الأغر عن أبي سعيد وأبي هريرة فرفعه عنه الأعمش وتابعه عليه اليماني أخرجه أبو يعلى من طريقه وخالفهما سفيان الثوري فوقفه ثم أخرجه من حديث سفيان الثوري عن علي بن الأقمر عن الأغر عن أبي سعيد قال إذا أيقظ امرأته فصليا ركعتين كنبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات

стр. 120

-أو صَلَّى- رَكعَتينِ جَمِيعاً كُتِبَا في الذاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذّاكِرَاتِ" هذا حديث مشهور ــ وقال أخرجه أبو داود والحاكم قال أبو داود رواه عبد الرحمن ابن مهدي عن سفيان وأراه ذكر فيه أبا هريرة وحديث سفيان موقوف وقال الحاكم رفعه عيسى الرازي عن سفيان اهـ. قوله: (أو صلى) شك من الراوي قال ابن حجر في شرح المشكاة وعليه فيحمل على أن المراد صلى منهما فساوى الرواية الأولى لكن يأباه قوله في حديث النسائي فصليا جميعاً وفي رواية ابن ماجة فصليا ركعتين إلخ من غير شك ولعل هذا الشك عند من عداه ممن ذكر من الرواة. قوله: (كتب) بالإفراد كذا في أصل مصحح وفي المشكاة كتبا بألف التثنية وهو كذلك في أصل صحيح معتمد من سنن ابن ماجة. قوله: (في الذاكرين الله إلخ) أي في جملتهم إذ الصلاة تسمى ذكراً لاشتمالها عليه وفيه بشرى عظيمة إذ هذا الوصف الممدوح فاعله بقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ويحصل أدناه مع اقتضائه الدوام والاستمرار بصلاة ركعتين بعد النوم من الليل. قوله: (مشهور) المشهور قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر وغيره ما له طرقا محصورة بأكثر من اثنين ولم يبلغ حد التواتر سمي بذلك لوضوحه وسماه جماعة من الفقهاء المستفيض لانتشاره من فاض الماء يفيض فيضًا ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء والمشهور أعم ومنهم من عكس اهـ، ثم هو صحيح وغيره، ومشهور بين أهل الحديث خاصة وبينهم وبين غيرهم من العلماء والعامة وقد يطلق المشهور ويراد به ما اشتهر على الألسنة وإن كان ليس له إلا إسناد واحد بل يطلق على ما لا يوجد له إسناد أصلاً وقد صنف في هذا القسم الزركشي الدرر المنثورة ولخصه الحافظ السيوطي في الدرر المنثرة والسخاوي في المقاصد الحسنة وقال الحافظ مراد الشيخ بقوله حديث مشهور شهرته على الألسنة، لا أنه مشهور

стр. 121

رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم. ــ بالمعنى الاصطلاحي إذ هو من إفراد علي بن الأقمر عن الأغر. قوله: (رواه أبو داود إلخ) ورواه ابن ماجة من حديثه وحديث أبي هريرة وكذا أخرجه من حديثهما أبو داود والنسائي كما في المشكاة قال الحافظ رواه أبو داود ومن ذكر كما قال لكنهم ذكروا أبا هريرة مع أبي سعيد فما أدري لم حذفه فإنهما عند جميع من أخرجه مرفوعاً، وأما من أفرد أبا سعيد فإنه أخرجه موقوفاً كما تقدم بيانه مبسوطاً قال المنذري في الترغيب بعد إيراده باللفظ الذي أورده المصنف لكن رواه عن أبي سعيد وأبي هريرة معاً أبو داود وقال رواه ابن كثير موقوفاً على أبي سعيد ولم يذكر أبا هريرة ورواه النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وألفاظهم متقاربة من استيقظ من الليل وأيقظ أهله فصليا ركعتين زاد النسائي جميعاً كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين اهـ. "وابن ماجة" هو أبو عبد الله محمد بن يزيد الحافظ القزويني بفتح القاف وسكون الزاي المعجمة وكسر الواو وسكون التحتية ثم نون نسبة لقزوين أشهر مدن عراق العجم قال العراقي الربعي مولاهم وماجة بتخفيف الميم لقب يزيد بن يزيد والدابي عبد الله قال السيوطي في مصباح الزجاجة كذا. رأيته بخط أبي الحسن بن القطان وهبة الله بن زاحان وقد يقال محمد بن يزيد بن ماجة والأول أثبت ولذا قال المصنف في باب تحريم قتل الكافر بعد قول لا إله إلاَّ الله من باب الإيمان من شرحه لمسلم محمد بن يزيد بن ماجة ومحمد بن علي ابن الحنفية وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية والمقداد بن عمرو بن الأسود كل هؤلاء ليس الأب فيهم ابناً لمن بعده فيتعين أن يكتب يعني من هو في محل الجد صورة ابن بالألف وأن يعرب إعراب الابن المذكور أولاً فالحنفية زوجة علي أي وماجة لقب يزيد وهذا من المواضع التي تتوقف صحة الإعراب فيها على معرفة التاريخ اهـ، وهو إمام من أئمة المسلمين كبير متقن

стр. 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مقبول بالاتفاق صنف التفسير والتاريخ والسنن وتقرن سننه بالكتب الخمسة وأول من قرنه بها الحافظ أبو الفضل بن طاهر وتبعه عليه من بعده فصار أحد الكتب الستة وكان أحدها قبل الموطأ ضمه إليها ابن الأثير في جامع الأصول ورزين فأبدل ابن طاهر من الموطأ سنن ابن ماجة وجعله أحد الكتب الستة وجرى عليه أصحاب الأطراف وأسماء الرجال وعبارة الذهبي وابن خلكان وكتابه أي ابن ماجة أحد الكتب زاد أولهما التي هي أصول الحديث وأمهاته ولا ينافيه قول المصنف إنه لا يلتحق بالأصول الخمسة في الاحتجاج فإنا لا نخالف في كون رتبتها أعلى من رتبته وقدموه على غيره ممن سبقه لكثرة زوائده المرفوعة على الخمسة وجرى على إبقاء الأصول خمسة غير ضام إليها غيرها جمع منهم المصنف فقال كما تقدم عنه وهي خمسة وكذا الشافعي في آخرين واختلف في عدد أحاديثه التي تكلم فيها فعن أبي زرعة لما وقف عليه عند عرضه له عليه ليس فيه إلا نحو سبعة أحاديث وعن ابن ماجة نفسه عن أبي زرعة قال لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثاً وحمل الذهبي ذلك على الساقط مرة وإلا فضعيفه أكثر من ذلك قال وفيه أحاديث ضعيفة جداً حتى بلغني أن الحافظ المزي كان يقول مهما انفرد تخريجه فهو ضعيف غالباً وليس الأمر في ذلك على إطلاقه باستقرائي وفي الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة وحمل الشمس محمد بن الحسين كلام المزي على ما انفرد به عن الخمسة اهـ. وقال الحافظ وهو ظاهر كلام شيخه لكن حمله على الرجال أولى وحمله على الأحاديث لا يصح لوجود الصحاح والحسان فيما انفرد به عن الخمسة اهـ. ولعمري إن من نظر في هذا الكتاب علم منزلة الرجل من حسن الترتيب وغزارة الأبواب وقلة الأحاديث يعني الزائدة على القصد بالتبويب وترك التكرار إلاَّ نادراً جداً والمقاطيع والمراسيل والموقوف ونحوه والله أعلم، ولد ابن ماجة سنة تسع ومائتين ورحل إلى البلدان وسمع بمكة والمدينة ومصر والشام والعراق والري ونيسابور والبصرة ومن حفاظ شيوخه أبو زرعة الرازي الذي كان إليه المنتهى

стр. 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الحفظ حتى قال فيه أحمد أنه يحفظ ستمائة ألف حديث وقال الحافظ أنه أحفظ أهل زمانه والذهلي وسلمة بن شبيب وآخرون وشارك الشيخين في جماعة من الحفاظ منهم بندار وأبو كريب ومحمد بن المثنى وآخرون روى عنه ابن سمويه محمد بن عيسى الصفار وآخرون قال الرافعي في تاريخه والمشهور برواية السنن عنه علي بن إبراهيم القطان وسليمان ابن يزيد القزوينيان وأبو جعفر محمد بن عيسى المطوفي وأبو بكر حامد بن لينويه الابهريان وزاد الحافظ ابن حجر وسعدون وإبراهيم بن دينار وأثنى عليه الأئمة بالحفظ والإتقان وكمال المعرفة بهذا الشأن فقال الخليلي أنه ثقة كبير متفق عليه محتج به له معرفة بالحديث والحفظ وقال الرافعي في أماليه كان من أئمة الحديث المعتبرين الموثوق بقولهم وكتابهم وقال الذهبي في تاريخ الإسلام وتبعه ابن الصلاح كان محدث قزوين غير مدافع وقال الذهبي كان حافظاً صدوقاً ثقة في نفسه وقال ابن خلكان مما تبعه فيه اليافعي في تاريخه كان إمامًا في الحديث عارفاً بعلومه وجميع ما يتعلق به وقال الكمال الدميري في مقدمة الديباجة الشيخ الإمام الحافظ العلامة المفسر المتقين الحجة ذو الرحلة الواسعة والعلوم النافعة في آخرين قال السخاوي ولم أو أحداً ذكره في طبقات الشافعية وفي قصيد أبي الحسن الهمداني ما لعله يشعر بذلك وما أظن الإمام الرافعي يغفل من تدوينه الذي لم يتيسر لي بمكة الوقوف عليه ما يستفاد الغرض منه وإن كان الميل في غالب أئمة الحديث لعدم التقليد والله المستعان قال ابن طاهر وجدت بخط صاحبه جعفر بن إدريس أنه مات يعني بقزوين يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين وتولى دفنه أبو بكر وأبو عبد الله أخواه وعبد الله ولده قال السخاوي وما وقع في بعض النسخ التي رأيتها من مرآة الزمان من كون عام وفاته سنة أربع وسبعين فغلط وكذا ما وقع لغيره أنه سنة خمس فكونه سنة ثلاث لم يحك الجمهور غيره

стр. 124

وسئل الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ عن القدر الذي يصير به من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلًا نهاراً -وهي ــ ولكن قول الحافظ الذهبي في تاريخه أنه أصح يقتضي وجود المخالفة والله أعلم. قوله: (وسئل الشيخ) في القاموس الشيخ والشيخون من استبانت فيه السن أو من خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره أو إلى الثمانين اهـ، وفيه أقوال أخر ذكرتها مع بيان جموعه في حاشيتي على شرح الشيخ خالد الأزهري على الآجرومية ويطلق الشيخ كما في الصحاح على من لم يبلغ هذا السن للتبجيل يقال شيخت الرجل أي وصفته به تبجيلا. قوله: (أبو عمرو) بالواو بعد الراء فرقا بينه وبين عمر ولذا حذفت منه في النصب لحصول التمييز بالألف وقضية العلة أن من يقف بالسكون ولا يثبت الألف يثبتها في النص لحصول الالتباس. قوله: (ابن الصلاح) بصاد مهملة مشددة ولام مخففة مفتوحتين ثم حاء مهملة اختصار من لقب أبيه إذ هو حافظ العصر تقي الدين أبو عمرو عثمان ابن الإمام الزاهد العابد صلاح الدين عبد الرحمن الشهرزوري ثم الدمشقي الشافعي ولد سنة سجع وسبعين وخمسمائة وتوفي بدمشق في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة قال ابن خلكان بلغني أنه درس جميع المذهب قبل أن يطلع شاربه اهـ، وكان أحد فضلاء عصره تفسيراً وحديثاً وفقهاً وأسماء رجال ومتعلق علم الحديث. له مشاركة في فنون كثيرة مع عبادة وورع وتعبد وملازمة للخير على طريق السلف له التآليف العديدة المفيدة. قوله: (المأثورة) بالمثلثة أي مما أثر من الذكر عن الشارع ﷺ وتقدم عند التعارض الأصح إسناداً أي أو نزل منزلته كالآتي عن الصحابة فإنه نزل منزلة ما جاء عنه ﷺ في أذكار الطواف ففضل الاشتغال به فيه على الاشتغال بالقرآن فيه وكما تقدم إن صنيع المصنف يقتضي أن ما جاء

стр. 125

مبينة في كتاب عمل اليوم والليلة- كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم. فصل: أجمع العلماء على جواز الذكْر بالقلب واللسان للمحْدِث والجنب والحائض والنفساء، وذلك في التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والصلاة على رسول الله ﷺ والدعاء وغير ذلك، ــ من الوارد من الذكر في مكان يسن الإتيان به وسبق ما فيه. قوله: (مثبتة في كتاب عمل اليوم والليلة) الظاهر أن المراد من الإضافة العموم أي مثبتة في عمل اليوم والليلة أي في الكتب المصنفة في ذلك ويحتمل إن يراد به كتاب معهود وهو بعيد والمراد ما يعمل فيهما من الأعمال الشامل للأقوال والأفعال وما أحسن ما أنشده الشيخ العلامة أبو البركات السبكي من. قوله: الليل يعمل والنهار كلاهما ... يا ذا البصيرة فيك فاعمل فيهما وهما جميعاً يغنيانك فاجتهد ... بصنائع المعروف أن تغنيهما وهو عقد لقول إمامنا الأعظم الشافعي ﵁ الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، ومثبتة يصح قراءته بالمثلثة فالموحدة مخففة أو مشددة فالمثناة الفوقية اسم مفعول من أثبت أو ثبت ويصح قراءته بالموحدة فالتحتية المشددة فالنون إلا أن يصح فيه ضبط عن المصنف فيرجع إليه. فصل قوله: (على جواز الذكر إلخ) المراد من جوازه باللسان والقلب بالنسبة للمحدث حال الحدث عدم الامتناع والحرمة لكراهته حينئذٍ بل يكره سائر الكلام بلا عذر وبالنسبة إليه بعد انقضائه الإباحة خارج محل قضاء الحاجة ويكره فيه ولو بعد انقضائه ويكره الأذان والإقامة للمحدث وكراهتها أشد من كراهته لقربها من الصلاة، وكراهتها من ذي الحدث الأكبر كالحيض والمتوسط أشد

стр. 126

ولكن قراءة القرآن حرام على الجنب والحائض والنفساء، سواء قرأ قليلًا أو كثيراً، حتى بعض آية، ــ منها من ذي الحدث الأصغر لغلظ الحدث. قوله: (ولكن قراءة القرآن حرام على الجنب والحائض والنفساء) وكذا على ذات الولادة وكأنه سكت عنه لملازمة النفاس له غالباً فاكتفى بذكره عنه أي يحرم على من ذكر قراءته باللفظ بحيث يسمع نفسه إن اعتدل سمعه ولا عارض يمنعه من لغط ونحوه وإشارة أخرس وتحريك لسانه كقراءة الناطق باللفظ وهل تحرم قراءة على الصبي الجنب بناه في التحفة على الخلاف في إباحة مسه وحمله المصحف لحاجة التعلم أي والأصح جواز ذلك فكذا هو ومن بحث حرمته عليه نبني على حرمة المس على الصبي الجنب وقد علمت ضعفه وقد كنت بحثت عن ذلك قبل الوقوف عليه وظهر لي الجواز واستدللت له بأنه لو حرمت عليه القراءة حينئذٍ لم يكن في جواز حمله ومسه القرآن فائدة وكأنهم سكتوا عنه لفهمه مما ذكروه لأنه إذا أبيح له المس الذي هو آكد منها لحرمته على ذي الحدث الأصغر بخلافها فإباحتها إن لم تكن بالأولى فبالمساوى ثم رأيته كذلك في التحفة فلله الحمد والمنة وإنما حرم للحديث الحسن لا يقرأ الجنب والحائض شيئاً من القرآن، ويقرأ بكسر الهمزة نهى وبضمها خبر بمعناه ثم حسن الخبر المذكور لغيره وإلا فهو ضعيف في ذاته لكن له متابعات جبرت ضعفه، وممن حسنه المنذري وسيأتي أن الجنب وما في معناه إذا كان فاقد الطهورين تجوز بل تجب عليه قراءة الفاتحة في الصلاة لتوقف صحتها عليه ثم في شرح العمدة للفاكهاني أن مشهور مذهب مالك جوازها للحائض اهـ، ثم تحريم ما ذكر على المسلم أما الكافر كذلك فلا يمنع من القراءة إن رجى إسلامه ولم يكن معانداً وإنما منع من المصحف لأن حرمته آكد كما سبق من تحريم مسه وحمله على ذي الحدث الأصغر وجواز القراءة له. قوله: (حتى بعض آية) أي أو حرفاً منه كما في التحفة قال ابن قاسم

стр. 127

ويجوز لهم إجراء القرآن على القلب من غير لفظ، وكذلك النظر في المصحف، وإمراره على القلب. قال أصحابنا: ويجوز للجنب والحائض أن يقولا عند المصيبة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ــ وظاهره ولو بقصد ألا يزيد عليه وهو الظاهر اهـ. قال في الإمداد ولا ينافيه قول ابن عبد السلام لا ثواب في قراءة جزء حمله لأن نطقه بحرف بقصد القراءة شروع في المعصية فالتحريم لذلك لا لكونه يسمى قارئاً اهـ، وبه يعلم أنه لا بد من تقييد حرمة نحو الحرف عليه بقصد القراءة وكان السكوت عنه للعلم به من محله. قوله: (ويجوز لهم إجراء القرآن على القلب إلخ) وكذا يجوز الهمس به من غير إسماع نفسه مع اعتدال السمع والسلامة من مانعه لأنها ليست بقراءة فلا يشملها النهي وقياس الزركشي له على ما لو حلف لا يكلم زيداً فكلمه بحيث لا يسمع نفسه مدخول. قوله: (وكذا النظر في المصحف وإمراره) أي يجوز إجراء القرآن على القلب بانفراده وبانضمام النظر في المصحف إليه حيث خلا عن القراءة فالواو للمعية لبيان جواز الهيئة الاجتماعية. قوله: (ويجوز للجنب والحائض) وفي معناهما النفساء وذات الولادة واكتفى عن الأولى بالحيض إذا النفاس دم حيض مجتمع وعن الثانية بالجنابة إذ الولد مني منعقد ومن ثم أوجب الغسل وإن خلا عن البلل بالمرة. قوله: (إنا لله وإنا إليه راجعون) أي فلا يجزع لأن المتصرف وهو الله تصرف في ملكه والكل راجع إليه ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٣] ومن شهد ذلك سلم من الجزع بل فاز بالرضا وصار من جمله أرباب الارتضا وما أحسن قول من قال: يا أيها الراضي بأحكامنا ... لا بد أن تحمد عقبى الرضا فوض إلينا وابق مستسلما ... فالراحة العظمى لمن فوضا لا ينعم المرء بمحبوبه ... حتى يرى الراحة فيما قضى

стр. 128

وعند ركوب الدابة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ وعند الدعاء: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، إذا لم يقصدا به القرآن، ولهما أن يقولا: بسم الله والحمد لله، إذا لم يقصدا القرآن، سواء قصدا الذكر ــ وسيأتي في باب التعزية مزيد كلام في هذا المقام. قوله: (وعند) ركوب الدابة أي عند أخذه في الركوب وينبغي إذا فاته الذكر أوله يأتي به أثناءه نظير ما في الوضوء ثم ظاهر التقييد بالدابة أنه لا يقوله عند ركوبه لآدمي ولعل وجهه أن من شأن الدواب الإباء لولا التسخير بخلاف الآدمي ويحتمل أنه يقوله والقيد لكونه جرياً على الغالب من كون الدابة محل الركوب لا مفهوم له وهذا الثاني كما قال بعض المتأخرين غير بعيد ولا نسلم ما ذكر فإن من شأن الآدمي الإباء عن مثل هذا أيضاً فكان في تسخيره نعمة أي نعمة وتعميمه الدابة يقتضي استحباب الذكر عند ركوب الدابة ولو مغصوبة قال ابن حجر وهو الأظهر وهل يقول الذكر عند حمله عليها المتاع أولا ظاهر كلامه الثاني وسيأتي لهذا مزيد في باب أذكار المسافر. قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] إلخ، مقرنين أي مطيقين ويضم إليها الآية الأخرى ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] أي مبعوثون وناسب ما قبله لأن الركوب قد يتولد منه الموت بنحو تعثر الدابة فكان من حقه وقد اتصل بسبب من أسباب التلف أن لا ينسى موته وأنه هالك لا محالة منقلب إلى الله ليحمله ذلك على الاستعداد للقاء بإصلاح حاله قبل أن تنفلت نفسه بغتة. قوله: (أقصدا الذكر) الهمزة فيه للاستفهام أي سواء أقصد الذكر أي وحده أما إذا قصده والقرآن فيحرم، وتسوية المصنف بين الإذكار والدعوات والمواعظ وغيرها كما في المجموع وأشار هنا إلى بعضه صريحة أنه لا فرق في حل ذلك لمن ذكر عند عدم قصد القرآن بين ما يختص نظمه بالقرآن

стр. 129

أو لم يكن لهما قصد، ولا يأثمان إلا إذا قصدا القرآن، ويجوز لهما قراءة ما نسخت تلاوته كـ "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما". وأما إذا قالا لإنسان: خذ الكتاب بقوة، أو قالا: ادخلوها بسلام آمنين، ونحو ذلك، فإن قصدا غير القرآن لم يحرم، وإذا لم يجدا الماء تيمماً وجاز لهما القراءة، فإن أحدث بعد ذلك لم تحرم عليه القراءة كما لو اغتسل ثم أحدث، ثم ــ كالإخلاص وغيره وذهب جمع إلى تحريم ما لا يوجد نظمه في غير القرآن، قال ابن حجر وهو متجه مدركاً لكن تسوية المصنف بين الذكر وغيره صريحة في جواز كله بلا قصد قراءة واعتمده غير واحد اهـ. قوله: (أو لم يكن لهما قصد) قال في التحفة لأن القرآن أي عند وجود قرينة تقتضي صرفه عن موضوعه كالجباية لا يكون قرآناً إلاَّ بالقصد اهـ، أي فلا ينافي ما سبق من أن هذا اللفظ لا يكون إلاَّ عبادة فيحصل ثوابه وإن لم ينو القراءة لأن ذلك عند عدم الصارف وما هنا مع وجوده. قوله: (إلاّ إذا قصدا القرآن) أي ولو مع قصد الذكر كما تقدم. قوله: (ويجوز لهما قراءة ما نسخت تلاوته) أي سواء نسخ حكمه أيضاً كحديث عائشة كانت الرضعات المحرمات في كتاب الله عشراً فنسخت بخمس فنسخ حكمها ولفظها، أم بقي الحكم كقوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) إذ هي في المحصن وحكم المدلول عليه بها وهو الرجم باقٍ لم ينسخ وإن نسخ لفظها، أما ما لم ينسخ لفظه فيحرم مسه على ذي الحدث الأصغر وقراءته على الجنب سواء نسخ حكمه كقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] فإنه منسوخ بتربص أربعة أشهر وعشر، أم لا، ومثل منسوخ التلاوة في إباحته للجنب الحديث القدسي ونحو التوراة. قوله: (فإن أحدث بعد ذلك لم تحرم عليه القراءة إلخ) وكذا الجلوس في المسجد فيحل له ذلك كما يحل لذي الحدث

стр. 130

لا فرق بين أن يكون تيممه لعدم الماء في الحضر أو في السفر، فله أن يقرأ القرآن بعده وإن أحدث. وقال بعض أصحابنا: إن كان في الحضر صلى به وقرأ به في الصلاة، ولا يجوز أن يقرأ خارج الصلاة، والصحيح جوازه كما قدمناه، لأن تيممه قام مقام الغسل. ولو تيمم الجنب ثم رأى ماءً يلزمه استعماله فإنه يحرم عليه القراءة وجميع ما يحرم على الجنب حتى يغتسل، ولو تيمم وصلى وقرأ ثم أراد التيمم لحدث أو لفريضة أخرى أو لغير ذلك، لم تحرم عليه القراءة. هذا هو المذهب الصحيح المختار، وفيه وجه لبعض أصحابنا أنه يحرم، وهو ضعيف. أما إذا لم يجد الجنب ماءً ولا تراباً فإنه يصلي لحرمة الوقت على حسب حاله، وتحرم عليه القراءة خارج الصلاة، ويحرم ــ الأصغر قال المصنف ولا يعرف جنب تباح له القراءة والمكث في المسجد دون نحو الصلاة ومس المصحف غيره وفي التبيان له وهذا مما يسأل عنه فيقال حدث بمنع الصلاة ولا يمنع قراءة القرآن والجلوس في المسجد من غير ضرورة وهذا صورته اهـ. قوله: (ثم رأى ماء يلزمه استعماله) أي لفقد المانع الحسين والشرعي من استعماله. قوله: (فإنه يحرم عليه القراءة) أي وما في معناها من الجلوس في المسجد لبطلان تيممه الذي استباح به مما ذكر. قوله: (وصلى) أي فرضاً وإنما لم تحرم القراءة حينئذٍ لبقاء طهره ولذا يتنفل به وإذا جازت مع صلاة الفرض فمع النفل أولى نعم إن كانت القراءة منذورة وقد صلى بتيممه فرضاً امتنعت بناء على أنه يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع لئلا يؤدي فرضان بتيمم واحد وقد صرح جمع بتحريم الجمع بين خطبة الجمعة وصلاتها بتيمم واحد مع أن خطبتها فرض كفاية والممنوع الجمع به بين فرضي عين لكن لما جرى قول إنها بمثابة ركعتين ألحقت بالفرض العيني وإن لم يستبح

стр. 131

عليه أن يقرأ في الصلاة ما زاد على الفاتحة. وهل تحرم الفاتحة؟ فيه وجهان. أصحهما: لا تحرم بل تجب، فإن الصلاة لا تصح إلا بها، وكما جازت الصلاة للضرورة تجوز القراءة، والثاني: تحرم بل يأتي بالأذكار التي يأتي بها من لا يحسن شيئاً من القرآن. وهذه فروع رأيت إثباتها هنا لتعلقها بما ذكرته فذكرتها مختصرة، وإلا فلها تتمات وأدلة مستوفاة في كتب الفقه، والله أعلم. فصل: ينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فإن كان جالساً في موضع ــ صلاة الجمعة بنية استباحتها نظراً لكونها فرض كفاية والحاصل أن لها شبهاً متأصلاً بالعيني فروعي فيه منع جمعها مع عيني آخر بتيمم واحد كما روعي كونها فرض كفاية فيما ذكر احتياطاً فيهما. قوله: (لآن الصلاة لا تصح إلاّ بها) فوجبت قراءتها للضرورة لتوقف الصحة عليها قال في الإمداد ومنه يؤخذ أن مثلها في ذلك قراءة آية الخطبة وقراءة سورة منذورة إن نذرها في وقت يفقد الطهورين فيه وهو قريب ويحتمل خلافه في الثانية لأن النذر قد يسلك به مسلك جائز الشرع اهـ. فصل قوله: (فإن كان جالساً إلخ) في فروع الفقيه محمد بن أبي بكر الأشجعي اليمني أفضل الجلسات التورك وهو جلوس التشهد الأخير لأنه جلوس فرض ثم الافتراش لأنه مطلوب في الصلاة اهـ. وقال في الحرز أفضل أحواله إما على ركبتيه أم بصفة التربيع بحسب اختلاف المشايخ اهـ، ومختار أشياخنا الأول لأنه أكمل في الأدب وأقرب إلى حضور القلب ولا ينافيه ما تقل القاضي عياض في شرح صحيح مسلم إن أكثر جلوسه ﷺ الاحتباء أي فيقتضي

стр. 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إكثاره من ذلك أفضليته على سواه لما قال عمي وشيخي الشيخ الأوحد "أحمد بن إبراهيم بن علان" الصديقي سلمه الله تعالى إن القوم إنما فضلوا ما سبق لأنه أقرب إلى الحضور ففضلوه لذلك والنبي ﷺ لا تطرقه الغفلة في آن حتى يتوصل بالجلسة أو نحوها إلى ذلك الشأن وهو جواب حسن في غاية الإحسان، وفي بهجة المحافل للعامري وأقرب الجلسات إلى التواضع جلسة الجاثي على ركبتيه كهيئة المتشهد وفي حديث جبريل حين سأل النبي ﷺ أنه أسند ركبتيه إلى ركبتيه أي كالمتشهد، وفيها أي البهجة: الإنصاف جواز استعمال الجلسات الواردة عنه ﷺ لا يكره جلسة من الجلسات في حال من الأحوال فقد ورد أنه جلس غالبها إلاّ ما دل عليه الدليل ويغلب ما كان غالب أحواله، وكره قوم الاحتباء في مجالس الحديث والعلم وحال الأذان ومنهم الصوفية في حال السماع ولا أعلم له دليلاً من النقل ولا مقبحاً من العقل وكره جمع منهم الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب للنهي عنه في حديث الترمذي وأبي داود، وقال الخطابي وإنما نهى عنه في ذلك الوقت لأنه يجلب النوم ويعرض الطهارة للانتقاض فيفوت استماع الخطبة ويخاف انتقاض الوضوء ففسر النهي بذلك، وقد تتبعت الكلام عليه فلم أجد للنهي فائدة سوى ذلك وهو اللائق الموافق فلم يكن النبي ﷺ يلازم ما يكره أو يقبح أو ما هو خلاف الأولى أو الأدب وكأن مدار من كرهها على الاستحسان العرفي الذي يختلف الأمر فيه باختلاف البلدان والأزمان ولا يعول عليه، وعن أبي سعيد الخدري كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المجلس احتبى بيديه وكذلك كان أكثر جلوسه فربما احتبى بيديه وربما احتبى بثوبه وبه يندفع ما قيل إن فعله ﷺ لبيان الجواز اهـ، وأما عدول الصوفية عنه فتقدم أن مرادهم ومراميهم ما يعين على حضور القلب والإقبال على الرب وملازمة الأدب وتلك الجلسة لذلك أقرب فقدموها مع جواز غيرها، وفي البهجة للعامري في صفة جلوسه - صلى الله

стр. 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه وسلم - فذكر حديث سعد السابق ثم حديث قيلة بنت مخرمة رأيت النبي ﷺ وهو قاعد القرفصاء الحديث وحديث جابر بن سمرة أنه ﷺ تربع قال أهل اللغة الحبوة بضم الحاء وكسرها وقد تبدل الواو ياء هو أن يعقد على مجموع ظهره وركبتيه ثوبًا وربما احتبى ﷺ بيديه والقرفصاء بضم القاف والفاء مع المد وبكسرهما مع القصر وفسرها البخاري بالاحتباء باليد والتربع إن يخالف قدميه بين يديه ويجلس على وركه متوطئاً "قلت" وقال التلمساني في شرح الشفاء القرفصاء أن يجلس ملصقاً فخذيه ببطنه ويجمع يديه على ركبتيه والتربع أن يجمع قدميه ويضع إحداهما تحت الأخرى اهـ. وقال ابن الجوزي في كتاب مناقب الإمام أحمد بن حنبل -وقد نقل عن محمد بن إبراهيم البوسنجي أنه ما رأى أحمد جالساً إلاَّ القرفصاء إلاّ أن يكون في صلاة- ما لفظه: هي الجلسة التي تحكيها قيلة في حديثها أني رأيت النبي ﷺ جالساً جلسة المتخشع في صلاته القرفصاء وهي أولى الجلسات بالخشوع والقرفصاء جلوس الرجل على أليتيه رافعاً ركبتيه إلى صدره مفضياً بأخمص قدميه إلى الأرض وربما احتبس بيده ولا جلسه أخشع منها اهـ. قال العامري فكان ﷺ ربما استند إلى جدار أو سارية وربما اتكأ على إحدى جانبيه ودل مجموع هذه الأحاديث على أنه ﷺ كان يجلس كيفما اتفق وإن أكثر جلوسه الاحتباء فدل على أنه من أمثل الجلسات المختارة في الوحدة والجماعات وكذا اختارها أصحابه عند حديثهم عنه اهـ، ومن الجلسات الإقعاء وهو قسمان مكروه في الصلاة وهو الجلوس على وركيه ناصباً ركبتيه زاد أبو عبيدة مع وضع يديه بالأرض قيل ولعله شرط تسميته إقعاء لغة لا شرعاً ومستحب في الجلوس للأكل وكره فيها لما فيه من التشبه بالكلاب والقردة كما في رواية

стр. 134

استقبل القبلة وجلس متذللاً متخشعاً بسكينة ووقار ــ لا في الأكل لما فيه من التشبه بالإرقاء ففيه غاية التواضع وقضية الفرق عدم كراهته خارج الصلاة لأنه أقرب للتواضع ومسنون في الجلوس بين السجدتين لأنه صح عنه ﷺ فعله فيه وإن كان الافتراش فيه أفضل منه وهو أن ينصب ساقيه ويجلس على عقبيه أي بأن يضع أطراف أصابع قدميه وركبتيه على الأرض ويضع أليتيه على عقبيه وقيل أن يجعل ظهر قدميه على الأرض ويجلس على كعبيه والاستيفاز الجلوس على هيئته مريدًا للقيام قال التلمساني يقال اقعنفز وقعفز يكون جالساً كأنه يريد أن يتورى للقيام وهو الاستيفاز وهو جلوس المشتمل اهـ. قوله: (استقبل القبلة) لأنها أفضل الجهات وفي الخبر خير المجالس ما استقبل به القبلة قال في الحرز ولا شبهة أن المراد بالمجالس الأمكنة اهـ، وكما يندب الاستقبال في حال الذكر للجالس فكذا يندب لغيره من قائم ومضطجع ومستلق وكأن التقييد بالجلوس جرى على الغالب من أحوال الذاكر وأما قوله "في موضع" فلمجرد التأكيد. قوله: (متخشعاً) أي ذا خشوع في الباطن ولو بتكلفه كما يومئ إليه صيغة التفعل فمن جاهد شاهد والخشوع والتخشع والاختشاع التذلل كذا في المطلع للبعلي وعليه فيكون قوله متذللاً حال مؤكدة ويمكن جعلها مؤسسة بأن يراد بقوله متخشعاً في الباطن وبقوله متذللاً أي ذا خضوع في الظاهر وعليه جرى في الحرز في شرح عبارة الحصين وهي عبارة هذا الكتاب وقيل الخشوع في الجوارح والخضوع في القلب وسيأتي لهذا مزيد في صلاة الاستسقاء. قوله: (بسكينة ووقار) قيل هو من عطف الرديف عطف على رديفه تأكيداً وقيل

стр. 135

مطرقاً رأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقه، لكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل، ــ بل من عطف المغاير فالسكينة في الحركات واجتناب العبث ونحوه والوقار في الهيبة وغض البصر وخفض الصوت والإقبال على طريقه بغير التفات ونحوه. قوله: (مطرقاً رأسه) أي إظهاراً لعظيم الذلة ومزيد الافتقار ولخجل ما اقتحمه من الذنوب والأوزار على أنه أجمع للقلب وأمنع من الاشتغال بالأغيار ولذا فضل نظر المصلي إلى محل سجوده صوناً لنظره عما يلهي القلب أو يحصل به نوع حجب. قوله: (ولا كراهة في حقه) لكن هو لغير عذر خلاف الأفضل وإن كان من الفضل بمحل قال في المجموع إجماع المسلمين على جواز قراءة القرآن للمحدث والأفضل أن يتطهر لها قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط ولا نقول قراءة المحدث مكروهة وقد صح أن النبي ﷺ كان يقرأ مع الحدث اهـ، ومن ثم سن الذكر للإنسان وإن كان محدثاً ففي صحيح مسلم كان ﷺ يذكر الله على كل أحيانه ولا يعارضه خبر كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه إلاَّ الجنابة وخبر كرهت أن أذكر الله إلاَّ على طهر أو قال طهارة لإمكان حملهما وحمل ما في معناهما على بيان الحال الأفضل وحمل الأول على التشريع وجواز ذلك بل طلبه "والحاصل" إن الذكر في ذاته مطلوب ويطلب له الآداب السابقة ولا يلزم من فقدها زوال طلبه وبيان إن الجنب كغيره في الإذكار قول الفقهاء يستحب للآكل ونحوه أن يسمي الله تعالى ولم يفصلوا بين الجنب وغيره واستحبوا إجابة المؤذن لمن سمعه قالوا ولو حائضاً ونفساءً خلافاً للسبكي أو يحمل على ما إذا لم تتيسر الطهارة والأخيران على ما إذا تيسرت كذا قيل وفيه بعد لاقتضائه عدم استحباب الذكر للمحدث عند تيسر الطهر والظاهر خلافه، وفي شعب الإيمان للبيهقي عن عبد الله بن سلام قال قال موسى يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك فأوحى

стр. 136

والدليل على عدم الكراهة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) ــ الله إليه ألا يزال لسانك رطباً من ذكري قال: يا رب أكون على حال أجلك إن أذكرك فيها قال: وما هي؟ قال: أكون جنباً أو على الغائط أو إذا بلت فقال: وإن كان فقال: يا رب وما أقول؟ قال: تقول سبحانك وبحمدك جنبني الأذى سبحانك وبحمدك نقني الأذى، وفي شرح السنة للبغوي عن محمد بن سيرين أن عمر بن الخطاب كان في قوم وهو يقرأ فقام لحاجته ثم رجع وهو يقرأ فقال له رجل لم تتوضأ فقال عمر من أفتاك بهذا مسيلمة وسيأتي في أذكار الخلاء مزيد تحقيق. قوله: (والدليل على عدم الكراهة قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال الجلال السيوطي في الإكليل فيه استحباب الذكر على كل حال كما قال مجاهد وقال ابن مسعود هذا في الصلاة إن لم تستطع قاعداً فعلى جنب أخرجه الطبراني وغيره اهـ، وكأن الدليل مجموع الآية والحديث وإلا فالآية غير نص في الذكر اللساني لاختلاف المفسرين في المراد بالذكر فيها فقيل الصلاة وقيل الخوف وقيل الذكر والأول قال به علي وابن مسعود وابن عباس وقتادة وأوردوا بمعناه حديث عمران بن الحصين ومن ثم قال البيضاوي فهو حجة للشافعي أن المريض يصلي مضطجعاً على جنبه الأيمن مستقبلاً بمقاديم بدنه إلاَّ أن يقال لما كان مطلق الذكر هو ظاهر الآية ولذا يبدأ بنقله في تفسيرها أكثر المفسرين ثم يذكرون ما عداه بصيغة قيل الموضوعة للتضعيف كان احتمالها لغيره لبعده عن ظاهر اللفظ غير قادح في الاستدلال على أنه لا منافاة بين حمله على الصلاة وحمله على الذكر لما سبق أن الذكر يطلق ويراد ما يعمها من سائر الأعمال الصالحة وحينئذٍ فالصلاة من إفراده والاحتجاج في جواز الاضطجاع في الصلاة بخبر عمران ابن الحصين وهو "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً" وإن احتملت عبارة القاضي البيضاوي أنه بالآية فهي ظاهرة فيما قلناه

стр. 137

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. وثبت في "الصحيحين" ــ وقد أحسن المصنف في شرح المهذب حيث قال ولا يقال قراءة المحدث مكروهة لأنه ﷺ كان يقرأ مع الحدث اهـ، فإذا أتى بالقرآن وهو أشرف الإذكار مع الحدث دل على جواز غيره منها بالأولى وحمله على أنه كان يأتي به لبيان الجواز يمنعه الإتيان بكان الدالة على الدوام على قول وهل هي عرفاً أو لغة فيه خلاف يأتي تحقيقه وقال فيه أيضًا وأجمع المسلمون على جواز التسبيح وغيره من الإذكار وما سوى القرآن للجنب والحائض ودلائله مع الإجماع في الأحاديث الصحيحة مشهورة فسكت فيه عن الاستدلال لذلك بالآي القرآنية لصراحة الأحاديث الصحيحة كما سبق في جواز الذكر على كل حال بخلافها لاحتمالها على ما سبق فيه. قوله: (﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إلخ) "الذين" نعت لما قبله أو بدل منه "يذكرون الله" العظيم ذكراً يستغرقون به عن غيره ولذا قال ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أي مضطجعين والمراد في سائر أحوالهم وفي الكشاف لا يخلون بالذكر في أغلب أحوالهم وعن ابن عمر وعروة بن الزبير وجماعة أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله فقال بعضهم ما قال لعلي أتذكرون الله قياماً وقعوداً فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم وعن النبي ﷺ من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله وقيل معناه يصلون في هذه الأحوال على استطاعتهم اهـ. والحديث الذي أورده في الكشاف. قال الحافظ ابن حجر في تخريجه رواه ابن أبي شيبة وإسحاق والطبراني من حديث معاذ وفي إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف وأخرجه الثعلبي في تفسير العنكبوت وابن مردويه في تفسير الواقعة اهـ. قوله: (في الصحيح) أي في الحديث الصحيح وحذف الموصوف

стр. 138

عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يتكئ ــ وإبقاء الصفة جائز إذا علم جنس المنعوت إما لاختصاصه به نحو مررت بكاتب أو بمصاحبة ما يعينه نحو أن عمل سابغات وصلح النعت لمباشرة العامل إلاَّ إن كان المنعوت بعض ما قبله مجروراً بمن نحو وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به أي وإن أحد من أهل الكتاب فإن لم يكن كذلك لم يقم مقامه إلاَّ في الضرورة كقوله: *لكم قبضة من بين أثرى وأقترا* قال الحافظ بعد تخريج اللفظين الحديث صحيح أخرجه البخاري من وجهين باللفظين المذكورين أحدهما في كتاب الطهارة والآخر في كتاب التوحيد وأخرجه مسلم ورواه النسائي بنحو الأول وقد رواه بذكر الرأس في الحديث عنها القاسم بن محمد قال قالت كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن أخرجه أحمد وابن حبان اهـ. قوله: (عن عائشة ﵂ هي عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵁ التميمية تكنى أم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير تكنت به بإذنه ﷺ وقيل بسقط لها من النبي ﷺ ولم يصح وسيأتي فيه مزيد في كتاب الأسماء وتزوجها النبي ﷺ وهي بنت ست وقيل سبع وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع وتوفي عنها وهي ابنة ثمان عشرة وماتت بالمدينة سنة ست وقيل ثمان وخمسين عن خمس وستين سنة ودفنت بالبقيع ليلاً صلى عليها أبو هريرة وكانت أفقه النساء مطلقاً وأحب أزواجه إليه ﷺ وأفضلهن ما عدا خديجة على الصحيح وسيأتي تفصيل في التفضيل بينها وبين خديجة ونساء أخر في باب استحباب التبشير والتهنئة أوائل الربع الثالث في حديث تبشير خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، ولم يتزوج ﷺ بكراً غيرها ونزل عذرها وبراءتها من الله فهي براءة قطعية لو يشك فيها المسلم كفر بالإجماع وتوفي النبي ﷺ في نوبتها ويومها وفاضت

стр. 139

في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن" رواه البخاري ومسلم، وفي رواية: "ورأسه في حجري وأنا حائض"، وجاء عن عائشة ﵂ أيضاً قالت: "إني لأقرأ حزبي وأنا مضطجعة على السرير". فصل: وينبغي أن يكون الموضع الذي يذكر فيه خالياً ــ روحه الكريمة وهو في حجرها وبين حاقنتها وذاقنتها ودفن في بيتها وجمع الله بين ريقها وريقه في آخر جزء من حياته، وغير مدافع أنه كان لها عليه من البسط والإدلال ما ليس لأحد من نسائه ولما كبرت سودة وفهمت رغبة النبي ﷺ عنها وهبت نوبتها من القسم لعائشة تبتغي بذلك مرضاة رسول الله ﷺ فكان النبي ﷺ يقسم لعائشة نوبتين ومناقبها عديدة روي لها عن النبي ﷺ ألفا حديث ومائتان وعشرة اتفقا على مائة وأربعة وتسعين وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ومسلم بثمانية وستين روى عنها الجم الغفير والعدد الكثير منهم عروة بن الزبير وابن أبي مليكة وعطاء في آخرين. قوله: (في حجري) بفتح الحاء وكسرها ما دون الإبط إلى الكشح كذا في المعرب والكشح الخصر كما في النهاية وفي المشارق للقاضي عياض أجلسته في حجري هو بكسر الحاء وفتحها وسكون الجيم وهو الحضن والثوب اهـ. قوله: (فيقرأ القرآن) رواه في المشكاة بثم بدل الفاء وفي شرحها لابن حجر فيه التصريح بأن حجر الحائض لا يشبه موضع النجاسة وإلا لكرهت القراءة فيه واحتمال أنه يشبهه وإن فعله لبيان الجواز خلاف الأظهر لأن النجاسة في الباطن دون الظاهر وحينئذٍ فلا يتضح إلحاقه بمحل النجاسة اهـ. قوله: (حزبي) هو بالمهملة المكسورة ثم الزاي الساكنة ثم الموحدة وهو شيء يفرضه الإنسان على نفسه من الأوراد يأتي به كل يوم قرآنًا كان أو غيره. فصل قوله: (خالياً) أي عن كل ما يشغل البال ويحصل من وجوه الاشتغال

стр. 140

نظيفاً، فإنه أعظم في احترام الذكر والمذكور، ولهذا مدح الذكر في المساجد والمواضع الشريفة، وجاء عن الإمام الجليل أبي ميسرة ﵁ قال: "لا يذكر الله تعالى إلا في مكان طيب"، وينبغي أيضاً أن يكون فمه نظيفاً، فإن كان فيه تغيُّرٌ أزاله بالسواك، وإن كان فيه نجاسة أزالها بالغسل بالماء، فلو ذكر ــ والوسواس. قوله: (نظيفاً) أي طاهراً من سائر الأدناس فضلاً عن الأنجاس وفيه تنبيه على أن القلب الذي هو محل نظر الرب ينبغي أن يكون خالياً عن سكون الأغيار المسماة بالسوى نظيفاً طاهراً من حب نجاسة الدنيا ليكون قلبه سليماً فلا يزال في الفيض مقيمًا. قوله: (ولهذا مدح الذكر في المساجد) قال في التبيان لكونه جامعاً للنظافة وشرف البقعة ومحصلًا لفضيلة أخرى وهي الاعتكاف. قوله: (والمواضع الشريفة) أي وإن لم تكن مساجد وشرفها إما بكونها من مآثره ﷺ كغار حراء ونحوه وإما بكونها من محال الإجابة وإما بسلامتها عما يشغل البال ويمنع الكمال. قوله: (أبي ميسرة) بفتح الميم وسكون التحتية وكسر المهملة وبالراء آخره هاء. قوله: (لا يذكر الله إلاّ في مكان طيب) أي خالٍ عن الشبهة فضلاً عن الحرام نظيفاً عن الأدناس المشوشة قلب الذاكر فضلاً عن الآثام ثم "يذكر" بالبناء للمفعول مرفوعاً. في أكثر النسخ على أنه نفي بمعنى النهي ومجزوماً في نسخة على النهي. قوله: (فمه نظيفاً) قال في الحرز أي طاهراً من النجاسات الحقيقية وكذا من الحكمية كالغيبة وسائر الأقوال الدنية اهـ، وكذا من الأوساخ الظاهرة كالقلح وتغير الفم فيزيل ذلك بالسواك فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ومن ثم تأكد السواك عند الصلاة لحضور الملك فيها مع المصلي على قربه منه حتى يضع فاه على في القارئ ورد ذلك في حديث في مسند البزار. قوله: (أزالها بالغسل بالماء) أي فإن توقف إزالتها على غير الماء كالسواك فيما إذا أكل ميتة فعلقت دسومتها بفيه وجب السواك عند إرادة القيام إلى نحو الصلاة

стр. 141

ولم يغسلها فهو مكروه ولا يحرم، ولو قرأ القرآن وفمه نجس كره، وفي تحريمه وجهان لأصحابنا. أصحهما: لا يحرم. فصل: اعلم أن الذكر محبوب في جميع الأحوال إلا في أحوال ورد الشرع باستثنائها نذكر منها هنا طرفاً إشارة إلى ما سواه مما سيأتي في أبوابه إن شاء الله تعالى، فمن ذلك: أنه يكره الذكر حالة الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجماع؛ ــ وإذا تعدى بأكلها فإن النجاسة إنما تجب إزالتها فوراً عند ذلك فيحمل على ذلك إطلاق وجوب السواك عند توقف الإزالة عليه. قوله: (وفي تحريمه وجهان لأصحابنا) في التبيان وهل يحرم قال الروياني من أصحاب الشافعي عن والده يحتمل وجهين زاد في المجموع أحدهما يحرم كمس المصحف بيده النجسة والثاني لا يحرم كقراءة المحدث كذا أطلق الوجهين والصحيح أنه لا يحرم وهو مقتضى كلام الجمهور وإطلاقهم إن غير الجنب والحائض والنفساء لا يحرم عليه القراءة اهـ. فصل قوله: (إن الذكر إلخ) المراد الذكر باللسان إذ هو الذي يطلب تركه في المواضع الآتية إما بالقلب فيطلب حتى فيما يأتي قال أصحابنا إذا عطس قاضي الحاجة أو المجامع حمد الله بقلبه وفي الحرز الثمين ٦٢ الذكر عند نفس قضاء الحاجة أو الجماع لا يكره بالقلب بالإجماع وأما الذكر باللسان حالتئذٍ فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه ﷺ ولا نقل عن أحد من الصحابة بل يكفي في هذه الحالة الحياء والمراقبة وذكر نعمة الله تعالى بتسهيل إخراج هذا المؤذي الذي لو لم يخرج لقتل صاحبه وهذا من أعظم الذكر ولو لم يقل باللسان اهـ .. قوله: (حالة الجلوس على قضاء الحاجة) صرح بمثله في المجموع

стр. 142

وفي حالة الخطبة لمن يسمع صوت الخطيب، ــ وهو شامل للقراءة لكن قال ابن كج بحرمتها حال خروجه واختاره الأذرعي بل عبارة شرح المنهاج لابن حجر توهم اختيار تحريمها في محل قضاء الحاجة وإن لم يكن وقت خروجها وهو غير مراد والصحيح ما ذكره المصنف من كراهتها حال خروجه لا حرمتها ومثل القراءة في الكراهة حال خروج الحدث سائر الكلام المباح لما صح من قوله ﷺ لا يأتي الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك كذا في الإمداد، وفي المجموع للمصنف هذا حديث حسن رواه أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد حسن ورواه الحاكم في المستدرك وقال هو حديث صحيح ومعنى يضربان الغائط يأتيانه قال أهل اللغة يقال ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء وضربت في الأرض إذا سافرت والمقت البغض وقيل أشده وقيل يعيب فاعل ذلك وترتب المقت على المجموع لا ينافي كراهة بعض أفراده قال في المجموع إذ لا شك في كراهة ما كان بعض موجب المقت اهـ. أما الكلام الواجب كإنذار أعمى عن بئر خشي وقوعه فيها ونحوه فلا يكره. قوله: (وفي حالة الخطبة) لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قالوا نزلت في الخطبة وسميت قرآناً من تسمية الكل باسم جزئه وعموم كلامه متناول لمن لم يسمع الخطبة لكن في المجموع والتبيان وكذا في حالة الخطبة لمن لم يسمعها فيحمل إطلاقه هنا على ذلك والحاصل أن الإنصات عن الكلام سنة وإن لم يسمع الخطبة خروجاً من الخلاف والأولى لمن لم يسمع الاشتغال بالتلاوة والذكر سراً لئلا يشوش على غيره ويسن تشميت العاطس والرد عليه فيأتي به حال الخطبة فإن سببه قهري قال ابن حجر في التحفة وظاهر كلامهم أن الخبر والنهي الغير الواجبين لا يسنان ولو قيل بسنيتهما إن حصلا بكلام يسير لم يبعد

стр. 143

وفي القيام في الصلاة، بل يشتغل بالقراءة، وفي حالة النعاس، ــ كتشميت العاطس بالأولى اهـ، ويسن رفع الصوت من غير مبالغة بالصلاة والسلام عليه ﷺ عند ذكر الخطيب له وصلاة ركعتين لا أكثر بنية التحية أو وسنة الجمعة القبلية إن لم يكن صلاها فإن أراد الاقتصار في النية فعلى نية التحية ويلزمه الاقتصار فيهما على أقل مجزئ ولا ينعقد ما زاد على ركعتين حينئذٍ لا طواف وسجدة شكر وتلاوة فينعقد أخذاً من تعليل عدم انعقاد الصلاة حينئذٍ بان فيها إعراضاً عن الخطيب. قوله: (وفي القيام في الصلاة) أي فلا يأتي فيه بغير القراءة وما يشرع قبلها من دعاء الافتتاح والتعوذ نعم يستثني صلاة التسبيح فيأتي فيها بالإذكار في القيام بعد التوجه قبل القراءة وبعدها أو بعدها فقط على اختلاف الروايات في ذلك وظاهر أن المراد الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود فلا ترد صلاة الجنازة المطلوب في قيامها إذكار غير القراءة إذ ليست صلاة شرعية لعدم صدق تعريفها عليها وإن ألحقت بالصلاة في الأحكام. قوله: (وفي حالة النعاس) قال في شرح المهذب قال الشافعي والأصحاب الفرق بين النوم والنعاس أن النوم فيه غلبة على العقل وسقوط حاسة البصر وغيبتها والنعاس لا يغلب على العقل وإنما يفتر فيه الحواس بغير سقوط قال القاضي حسين والمتولي حد النوم ما يزول به الاستشعار من القلب مع استرخاء المفاصل قال إمام الحرمين النعاس يغشى الرأس فيسكن به القوى الدماغية وهي مجمع الحواس ومنبت الأعضاء فإذا فترت فترت الحركات الإرادية وابتداؤه من أبخرة تتصعد فتوافي إعياء في قوى الدماغ فيبدو فتور في الحواس فهذا نعاس وسنة فإذا تمّ انغمار القوة الباصرة فهذا أول النوم ثم يترتب عليه فتور الأعضاء واسترخاؤها وذلك غمرة النوم هذا كلام إمام الحرمين قال أصحابنا ومن علامات النعاس سماع كلام من عنده وإن لم يفهم معناه اهـ. وفي شرح البردة لابن الصائغ والنوم

стр. 144

ولا يكره في الطريق ولا في الحمام، والله أعلم. ــ والنعاس والسنة ألفاظ متقاربة سمعت من الشيخ زين الدين الكناني أنها تفترق باعتبار محالها فمحل السنة العين ومحل النعاس الرأس ومحل النوم القلب فاعترضت بقوله ﷺ تنام عيني ولا ينام قلبي فأجابني بأن ذلك قيل على سبيل المشاكلة والازدواج اهـ، وإنما كان الذكر حال النعاس مكروهاً لحديث الشيخين عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه. قوله: (ولا يكره في الطريق) ظاهره انتفاء الكراهة مطلقاً وفي المجموع والتبيان لا تكره القراءة في الطريق ماراً إذا لم يلته وروي نحو هذا عن أبي الدرداء وعمر بن عبد العزيز وعن مالك كراهتها قال في التبيان فإن التهى عنها كرهته كما كره ﷺ القراءة للنعاس مخافة الغلط اهـ، وهل يقيد الذكر بذلك لمشاركته القرآن في معظم الآداب أو يفرق بالاحتياط لها كل محتمل ولعل الأول أقرب ثم التقييد بالمرور الظاهر أنه جرى على الغالب إذ لا يكره الذكر لمن جلس بها بل عموم عبارته هنا تقتضي استحبابه له وهو ظاهر. قوله: (ولا في الحمام) قال في المجموع لا تكره قراءة القرآن في الحمام نقله صاحب العدة والبيان وغيرهما من أصحابنا وبه قال محمد بن الحسن ونقله ابن المنذر عن إبراهيم النخعي قلت ونقله عن البغوي في شرح السنة فقال وقال إبراهيم لا بأس بالقراءة في الحمام اهـ. ونقله ابن المنذر عن مالك أيضاً ونقل عن أبي وائل شفيق بن سلمة التابعي الجليل وشعبة ومكحول والحسن وقبيصة بن ذؤيب كراهته وحكاه أصحابنا عن أبي حنيفة ورويناه في مسند الدارمي عن

стр. 145

فصل: المراد من الذكر حضور القلب، فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه. فالتدبر في الذكر مطلوب كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود، ــ إبراهيم النخعي فيكون عنه خلاف، دليلنا أنه لم يرد الشرع بكراهته فلم يكره كسائر المواضع اهـ، وفي التهذيب للمصنف الحمام بالتشديد معروف قال الأزهري قال الليث الحميم الماء الحار والحمام مشتق من الحميم تذكره الحرب قال ويقال طاب حميمك وحمتك للذي يخرج من الحمام أي طاب عرقك اهـ. وفي كتاب أدب دخول الحمام لابن العماد الحمام عربي مذكر لا مؤنث كما نقله الأزهري في تهذيب اللغة عن العرب وجمعه حمامات ويسمى بالديماس أيضاً وأول من اتخذه نبي الله سليمان صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر النبيين وروى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن أبي موسى الأشعرى عن النبي ﷺ قال أول من صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود فلما دخله وجد حره وغمه فقال أوه من عذاب الله أوه أوه قبل ألا يكون أوه اهـ. فصل قوله: (فيحرص) بالنصب عطفاً على يكون وبكسر الراء ويجوز فتحها ففي القاموس أنه من باب ضرب وسمع وإنما طلب منه ليفوز بأعظم أنواع الذكر وهو الجامع للقلب واللسان. قوله: (ويتدبر ما يذكر) بصيغة الفاعل أي يتأمل ألفاظ ذكره ومعناه. قوله: (ويتعقل معناه) أي في ذلك لتكمل فائدة الذكر وجدواه فقد سبق أن ثواب الذكر موقوف على معرفته ولو بوجه
следующие страницы →