← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولم يغسلها فهو مكروه ولا يحرم، ولو قرأ القرآن وفمه نجس كره، وفي تحريمه وجهان لأصحابنا. أصحهما: لا يحرم. فصل: اعلم أن الذكر محبوب في جميع الأحوال إلا في أحوال ورد الشرع باستثنائها نذكر منها هنا طرفاً إشارة إلى ما سواه مما سيأتي في أبوابه إن شاء الله تعالى، فمن ذلك: أنه يكره الذكر حالة الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجماع؛ ــ وإذا تعدى بأكلها فإن النجاسة إنما تجب إزالتها فوراً عند ذلك فيحمل على ذلك إطلاق وجوب السواك عند توقف الإزالة عليه. قوله: (وفي تحريمه وجهان لأصحابنا) في التبيان وهل يحرم قال الروياني من أصحاب الشافعي عن والده يحتمل وجهين زاد في المجموع أحدهما يحرم كمس المصحف بيده النجسة والثاني لا يحرم كقراءة المحدث كذا أطلق الوجهين والصحيح أنه لا يحرم وهو مقتضى كلام الجمهور وإطلاقهم إن غير الجنب والحائض والنفساء لا يحرم عليه القراءة اهـ. فصل قوله: (إن الذكر إلخ) المراد الذكر باللسان إذ هو الذي يطلب تركه في المواضع الآتية إما بالقلب فيطلب حتى فيما يأتي قال أصحابنا إذا عطس قاضي الحاجة أو المجامع حمد الله بقلبه وفي الحرز الثمين ٦٢ الذكر عند نفس قضاء الحاجة أو الجماع لا يكره بالقلب بالإجماع وأما الذكر باللسان حالتئذٍ فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه ﷺ ولا نقل عن أحد من الصحابة بل يكفي في هذه الحالة الحياء والمراقبة وذكر نعمة الله تعالى بتسهيل إخراج هذا المؤذي الذي لو لم يخرج لقتل صاحبه وهذا من أعظم الذكر ولو لم يقل باللسان اهـ .. قوله: (حالة الجلوس على قضاء الحاجة) صرح بمثله في المجموع

стр. 142

وفي حالة الخطبة لمن يسمع صوت الخطيب، ــ وهو شامل للقراءة لكن قال ابن كج بحرمتها حال خروجه واختاره الأذرعي بل عبارة شرح المنهاج لابن حجر توهم اختيار تحريمها في محل قضاء الحاجة وإن لم يكن وقت خروجها وهو غير مراد والصحيح ما ذكره المصنف من كراهتها حال خروجه لا حرمتها ومثل القراءة في الكراهة حال خروج الحدث سائر الكلام المباح لما صح من قوله ﷺ لا يأتي الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك كذا في الإمداد، وفي المجموع للمصنف هذا حديث حسن رواه أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد حسن ورواه الحاكم في المستدرك وقال هو حديث صحيح ومعنى يضربان الغائط يأتيانه قال أهل اللغة يقال ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء وضربت في الأرض إذا سافرت والمقت البغض وقيل أشده وقيل يعيب فاعل ذلك وترتب المقت على المجموع لا ينافي كراهة بعض أفراده قال في المجموع إذ لا شك في كراهة ما كان بعض موجب المقت اهـ. أما الكلام الواجب كإنذار أعمى عن بئر خشي وقوعه فيها ونحوه فلا يكره. قوله: (وفي حالة الخطبة) لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قالوا نزلت في الخطبة وسميت قرآناً من تسمية الكل باسم جزئه وعموم كلامه متناول لمن لم يسمع الخطبة لكن في المجموع والتبيان وكذا في حالة الخطبة لمن لم يسمعها فيحمل إطلاقه هنا على ذلك والحاصل أن الإنصات عن الكلام سنة وإن لم يسمع الخطبة خروجاً من الخلاف والأولى لمن لم يسمع الاشتغال بالتلاوة والذكر سراً لئلا يشوش على غيره ويسن تشميت العاطس والرد عليه فيأتي به حال الخطبة فإن سببه قهري قال ابن حجر في التحفة وظاهر كلامهم أن الخبر والنهي الغير الواجبين لا يسنان ولو قيل بسنيتهما إن حصلا بكلام يسير لم يبعد

стр. 143

وفي القيام في الصلاة، بل يشتغل بالقراءة، وفي حالة النعاس، ــ كتشميت العاطس بالأولى اهـ، ويسن رفع الصوت من غير مبالغة بالصلاة والسلام عليه ﷺ عند ذكر الخطيب له وصلاة ركعتين لا أكثر بنية التحية أو وسنة الجمعة القبلية إن لم يكن صلاها فإن أراد الاقتصار في النية فعلى نية التحية ويلزمه الاقتصار فيهما على أقل مجزئ ولا ينعقد ما زاد على ركعتين حينئذٍ لا طواف وسجدة شكر وتلاوة فينعقد أخذاً من تعليل عدم انعقاد الصلاة حينئذٍ بان فيها إعراضاً عن الخطيب. قوله: (وفي القيام في الصلاة) أي فلا يأتي فيه بغير القراءة وما يشرع قبلها من دعاء الافتتاح والتعوذ نعم يستثني صلاة التسبيح فيأتي فيها بالإذكار في القيام بعد التوجه قبل القراءة وبعدها أو بعدها فقط على اختلاف الروايات في ذلك وظاهر أن المراد الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود فلا ترد صلاة الجنازة المطلوب في قيامها إذكار غير القراءة إذ ليست صلاة شرعية لعدم صدق تعريفها عليها وإن ألحقت بالصلاة في الأحكام. قوله: (وفي حالة النعاس) قال في شرح المهذب قال الشافعي والأصحاب الفرق بين النوم والنعاس أن النوم فيه غلبة على العقل وسقوط حاسة البصر وغيبتها والنعاس لا يغلب على العقل وإنما يفتر فيه الحواس بغير سقوط قال القاضي حسين والمتولي حد النوم ما يزول به الاستشعار من القلب مع استرخاء المفاصل قال إمام الحرمين النعاس يغشى الرأس فيسكن به القوى الدماغية وهي مجمع الحواس ومنبت الأعضاء فإذا فترت فترت الحركات الإرادية وابتداؤه من أبخرة تتصعد فتوافي إعياء في قوى الدماغ فيبدو فتور في الحواس فهذا نعاس وسنة فإذا تمّ انغمار القوة الباصرة فهذا أول النوم ثم يترتب عليه فتور الأعضاء واسترخاؤها وذلك غمرة النوم هذا كلام إمام الحرمين قال أصحابنا ومن علامات النعاس سماع كلام من عنده وإن لم يفهم معناه اهـ. وفي شرح البردة لابن الصائغ والنوم

стр. 144

ولا يكره في الطريق ولا في الحمام، والله أعلم. ــ والنعاس والسنة ألفاظ متقاربة سمعت من الشيخ زين الدين الكناني أنها تفترق باعتبار محالها فمحل السنة العين ومحل النعاس الرأس ومحل النوم القلب فاعترضت بقوله ﷺ تنام عيني ولا ينام قلبي فأجابني بأن ذلك قيل على سبيل المشاكلة والازدواج اهـ، وإنما كان الذكر حال النعاس مكروهاً لحديث الشيخين عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه. قوله: (ولا يكره في الطريق) ظاهره انتفاء الكراهة مطلقاً وفي المجموع والتبيان لا تكره القراءة في الطريق ماراً إذا لم يلته وروي نحو هذا عن أبي الدرداء وعمر بن عبد العزيز وعن مالك كراهتها قال في التبيان فإن التهى عنها كرهته كما كره ﷺ القراءة للنعاس مخافة الغلط اهـ، وهل يقيد الذكر بذلك لمشاركته القرآن في معظم الآداب أو يفرق بالاحتياط لها كل محتمل ولعل الأول أقرب ثم التقييد بالمرور الظاهر أنه جرى على الغالب إذ لا يكره الذكر لمن جلس بها بل عموم عبارته هنا تقتضي استحبابه له وهو ظاهر. قوله: (ولا في الحمام) قال في المجموع لا تكره قراءة القرآن في الحمام نقله صاحب العدة والبيان وغيرهما من أصحابنا وبه قال محمد بن الحسن ونقله ابن المنذر عن إبراهيم النخعي قلت ونقله عن البغوي في شرح السنة فقال وقال إبراهيم لا بأس بالقراءة في الحمام اهـ. ونقله ابن المنذر عن مالك أيضاً ونقل عن أبي وائل شفيق بن سلمة التابعي الجليل وشعبة ومكحول والحسن وقبيصة بن ذؤيب كراهته وحكاه أصحابنا عن أبي حنيفة ورويناه في مسند الدارمي عن

стр. 145

فصل: المراد من الذكر حضور القلب، فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه. فالتدبر في الذكر مطلوب كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود، ــ إبراهيم النخعي فيكون عنه خلاف، دليلنا أنه لم يرد الشرع بكراهته فلم يكره كسائر المواضع اهـ، وفي التهذيب للمصنف الحمام بالتشديد معروف قال الأزهري قال الليث الحميم الماء الحار والحمام مشتق من الحميم تذكره الحرب قال ويقال طاب حميمك وحمتك للذي يخرج من الحمام أي طاب عرقك اهـ. وفي كتاب أدب دخول الحمام لابن العماد الحمام عربي مذكر لا مؤنث كما نقله الأزهري في تهذيب اللغة عن العرب وجمعه حمامات ويسمى بالديماس أيضاً وأول من اتخذه نبي الله سليمان صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر النبيين وروى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن أبي موسى الأشعرى عن النبي ﷺ قال أول من صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود فلما دخله وجد حره وغمه فقال أوه من عذاب الله أوه أوه قبل ألا يكون أوه اهـ. فصل قوله: (فيحرص) بالنصب عطفاً على يكون وبكسر الراء ويجوز فتحها ففي القاموس أنه من باب ضرب وسمع وإنما طلب منه ليفوز بأعظم أنواع الذكر وهو الجامع للقلب واللسان. قوله: (ويتدبر ما يذكر) بصيغة الفاعل أي يتأمل ألفاظ ذكره ومعناه. قوله: (ويتعقل معناه) أي في ذلك لتكمل فائدة الذكر وجدواه فقد سبق أن ثواب الذكر موقوف على معرفته ولو بوجه

стр. 146

ولهذا كان المذهب الصحيح المختار استحباب مدِّ الذاكر قول: لا إله إلا الله، لما فيه من التدبر، وأقوال السلف وأئمة الخلف في هذا مشهورة، والله أعلم. ــ بخلاف القرآن قال السنوسي في شرح عقيدته أم البراهين وقد نص العلماء على أنه لا بد من فهم معناها أي التهليلة وإلاّ لم ينتفع بها صاحبها في الإنقاذ من الخلود في النار اهـ، ومثله باقي الإذكار لا بد في حصول ثوابه من معرفته ولو بوجه قال ابن الجزري في الحصين الحصين فإن جهل شيئاً أي مما يتعلق بلغته أو إعرابه تبين معناه ولا يحرص على تحصيل الكثرة بالعجلة، أي فإنه يؤدي إلى أداء الذكر مع الغفلة وهو خلاف المطلوب لأن القصد من الذكر هو الحضور مع المحبوب وفيه تنبيه على أن قليل الذكر مع الحضور خير من الكثير منه مع الجهل والفتور. قوله: (ولهذا) أي ما ذكر من الحرص على الحضور وتدبر المبنى وتعقل المعنى. قوله: (كان المذهب الصحيح المختار) أي عند المشايخ والماء الأخيار وفي شرح العقيدة السنوسية عن بعض الصحابة ﵃ من قال لا إله إلاّ الله خالصاً من قلبه ومدها بالتعظيم غفر له أربعة آلاف ذنب من الكبائر قيل فإن لم تكن هذه الذنوب قال غفر له من ذنوب أبويه وأهله وجيرانه اهـ، ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم المرفوع. قوله: (مد قول لا إلى إلاّ الله) قال في الحرز الثمين المراد أن يمد في موضع يجوز مده كألف لا ولا يزيد على قدر خمس ألفات فإنه أكثر ما ثبت عنه ﷺ عند القراءة مع تجويز القصر في الأداء وأما مد "إله" فلحن لا يجوز زيادة على قدر ألف يسمى مداً طبيعياً وكذلك في لفظ الجلالة وصلاً وأما وقفاً فيجوز طوله وتوسطه وقصره والأول أولى لكنه قدر ثلاث ألفات ويجب أن تقطع همزة إله وكثيراً ما يلحن فيه بعض العامة فيبدلونها ياء ولا يجوز الوقف على إله لأنه يوهم الكفر قال بعض: بعض الكلمة الطيبة كفر وبعضها إيمان وليلاحظ في النفي نفي ما سواه من سائر الأكوان والأحوال

стр. 147

فصل: ينبغي لمن كان له وظيفة من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقيب صلاة أو حالة من الأحوال ففاتته، أن يتداركها ويأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد ــ وفي الاستثناء شهود الإله فالكلمة الشريفة جامعة بين التخلية والتحلية بالمعجمة ثم بالمهملة والتقدير لا إله موجود أو معبود أو مطلوب أو مشهود إلاّ الله بحسب مقامات أهل الذكر وحالات ذوي الفكر ثم لا يلزم من مد الذكر الرفع فإنه قد ينهى عنه بأن شوش على مصل أو نائم. فصل قوله: (عقب صلاة) بحذف الياء من عقب على الأفصح وإثباتها لغة ضعيفة حسماها المصنف في تحرير التنبيه وهو مجرور عطفاً على المجرور بمن قبله وهو كذلك في أصل صحيح مضبوط عندي ويصح نصبه على الظرفية وقد عبر بهذه العبارة صاحب الحصين الحصين فقال شارحه هو مجرور في النسخ المعتمدة وفي نسخة بالنصب على الظرفية وظاهر جريان الوجهين في قول المصنف "أو حالة من الأحوال" وتأنيث لفظ الحال خلاف الأفصح إذ الأفصح تذكير لفظه وتأنيث معناه فيقال حال حسنة ويضعف حالة حسنة أو حال حسن والمراد بالأحوال الأحوال المتعلقة بالأوقات لا المتعلقة بالأسباب كالذكر عند رؤية الهلال وسماع الوعد ونحو ذلك فلا يندب تداركه عند فوات سببه وهذا وإن لم أر من ذكره فقد صرح الفقهاء بما يؤخذ منه ذلك وهو قولهم الصلاة ذات السبب كالتحية لا يندب قضاؤها عند ذوات سببها بخلاف ذات الوقت. قوله: (ففاتته) معطوف على كان ولا فرق في استحباب التدارك بين ما فات من الورد لعذر وغيره. قوله: (أن يتداركها) أن مدخولها فاعل ينبغي أي معموله على سبيل الفاعلية. قوله: (ويأتي بها) معطوف على يتداركها عطفاً تفسيرياً إذ تدارك الوظيفة الإتيان بها. قوله: (ولا يهملها) بالنصب عطفاً على مدخول أن أي

стр. 148

الملازمة عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها. وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من نامَ عَنْ حِزبِهِ أو عَن شيءٍ مِنْهُ فَقَرَأهُ ــ ينبغي التدارك وعدم الإهمال فإن الإهمال سبب لترك الأعمال وفي نسخة ولا يملأها بالجزم على الاستئناف ولا فيه ناهية وينبغي له ألا يتساهل في القضاء كما في الحصين. قوله: (الملازمة عليها) أي المداومة والمحافظة على الوظيفة. قوله: (وقد ثبت في صحيح مسلم) وكذا رواه أصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة في صحيحه كما في الترغيب المنذري زاد الحافظ وأخرجه أحمد وفي سند الحديث من اللطائف رواية الأقران فإن الزهري رواه عن السائب بن يزيد وعبيد الله بن عبد الله والجميع تابعيون وأنهما يرويانه عن عبد الرحمن بن عبد الله وهو معدود في صغار الصحابة وهو يرويه عن عمر رضي الله تعالى عنه. قوله: (حزبه إلخ) في كشف المشكل لابن الجوزي الحزب بكسر الحاء المهملة والزاي الساكنة قال ابن قتيبة الحزب من القرآن الورد وهو شيء يفرضه الإنسان على نفسه يقرؤه كل يوم وقال ابن جرير الطبري يعني بحزبه جماعة السور التي كان يقرؤها في صلاته بالليل اهـ، والمراد هنا ما يرتبه الإنسان على نفسه من ذكر أو قراءة أو صلاة، قال القاضي عياض وأصل الحزب النوبة من ورد الماء ثم نقل إلى ما يجعله الإنسان على نفسه من صلاة وقراءة وغيرهما وقال البيضاوي في شرح المصابيح وأصل الحزب الجماعة ثم هو هكذا في رواية الترمذي قال السيوطي هو عند ابن ماجة بجيم مضمومة وهمزة مكان الموحدة وعند النسائي جزئه أو حزبه بالشك من بعض رواته قال العراقي وهل المراد به صلاة الليل أو قراءة القرآن في صلاة أو غيرها كل محتمل اهـ. قال البيضاوي قوله في الخبر "فقرأه إلخ" يحتمل أن يكون أي الاقتصار عليها لكون القراءة أفضل الذكر

стр. 149

ما بَينَ صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كأنمَا قَرأهُ مِنَ الليلِ". ــ فمثلها سائر الإذكار وأن يكون لاختصاصه بالثواب المذكور في. قوله: (كتب له كأنما قرأه من الليل) وأن يكون على سبيل المثال فمثله كل ورد من قول أو فعل وعليه جرى العاقولي في شرح المصابيح فقال أي من فاته ورده من الليل فتداركه في هذا الوقت الذي من شأن الناس فيه الغفلة عن العبادة أثبت أجره إثباتًا مثل إثباته عند قراءته له من الليل اهـ. قال المصنف في الخبر دلالة على استحباب المحافظة على الإوراد إذا فاتت. قوله: (فيما بين صلاة الفجر والظهر) قيل وجه التخصيص بهذا الوقت أنه ملحق بالليل دون ما بعده، قال ابن الجوزي في كشف المشكل العرب يقولون كيف كنت الليلة إلى وقت الزوال وكان ﵊ إذا صلى الغداة يقول في بعض الأيام هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا وقد بني أبو حنيفة على هذا فقال لو نوى صوم الفرض قبل الزوال فكأنه نوى في آخر الليل اهـ، وتقدم في كلام العاقولي وجه آخر وهو كونه يغفل فيه الناس عادة، وعلى كل فليس التخصيص بالوقت المذكور لعدم طلب القضاء في غير هذا الوقت بل لكونه فيه أفضل كما يعلم من كلام أئمتنا والمعنى الذي شرع له القضاء يدل على ذلك وقال القرطبي هذا تفضل من الله تعالى، وهذه الفضيلة إنما تحصل لمن غلبه نوم أو عذر منعه من القيام مع إن نيته القيام قال وظاهره أن له أجره مكملًا مضاعفًا وذلك لحسن نيته وصدق تلهفه وتأسفه وهو قول بعض شيوخنا وقال بعضهم يحتمل أن يكون غير مضاعف إذ التي يصليها ليلاً أكمل وأفضل والظاهر الأول اهـ، وقوله "وهذه الفضيلة الخ" يبعده أن فيه قصر العام على بعض أفراده فلا بد له من دليل فليبين والله أعلم، وفي المشكاة عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة رواه مسلم من جملة حديث، وروى هذه الجملة الترمذي في الشمائل من حديث عائشة ولفظه عنها كان إذا لم يصل بالليل

стр. 150

فصل: في أحوال تعرض للذاكر يستحب له قطع الذكر يسببها ثم يعود إليه بعد زوالها: منها: إذا سُلِّمَ عليه ردَّ السلام ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا عطس عنده عاطس شمَّته ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا ــ منعه من ذلك النوم أو غلبته عيناه صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة لكن حمله ابن حجر في شرح المشكاة على أنه جبر عن فضيلة قيام الليل لا قضاء له إذ ليست صلاة الليل منه ﷺ في العدد كذلك والقضاء لا يزيد على عدد الأداء ثم أورد في مشروعية القضاء مطلقاً حديث أبي داود -قال وسنده حسن خلافاً لتضعيف الترمذي- من نام عن وتره أو نسيه فليصل إذا ذكره اهـ. وحمله العاقولي على قضاء الإوراد فقال في شرحه وفيه دليل على استحباب الإوراد وأنها إذا فاتت قضيت اهـ. وما اشتهر على ألسنة العوام من أن صاحب الورد ملعون وتارك الورد ملعون فلا أصل له فيما قال العارفون وبفرض ثبوته فقيل وارد في حق كافر أخبر ﷺ إنه ذو ورد فقال صاحب الورد ملعون ثم لما بلغ ذلك الكافر ما قاله ﷺ ترك الورد فقال ﷺ فيه تارك الورد ملعون وبفرض تعميمه في المؤمن فالمراد من الأول من أقيم في أمر المؤمنين وتنفيذ قضاياهم واشتغل عنهم بالورد ملعون أي مبعد عن الخير الكثير العظيم ومن الثاني من ترك الإوراد بعد اعتيادها لحديث يا عبد الله لا تكن مثل ثلاث كان يقوم الليل ثم تركه متفق عليه. فصل قوله: (إذا سلم عليه رد السلام إلخ) محله في غير المؤذن أما هو إذا سلم عليه فالسنة له تأخير الرد إلى تمام الأذان وكذا يسن له تأخير تشميت العاطس إلى تمامه وإن طال كما اقتضاه إطلاقهم ويوجه بأنه لعذره سومح له في التدارك مع طوله لعدم تقصيره بوجه فإن لم يؤخره للفراغ فخلاف السنة كالتكلم ولو لمصلحة كذا في الإمداد، وفي حاشيته على الإيضاح وإذا سلم عليه يعني الملبي رد السلام

стр. 151

سمع الخطيب وكذا إذا سمع المؤذن أجابه في كلمات الأذان والإقامة ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا رأى منكراً أزاله، أو معروفاً أرشد إليه، أو مسترشداً أجابه ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا غلبه النعاس ــ باللفظ أي يسن له ذلك وإن كره السلام عليه كما قالوه في السير وتأخيره إلى فراغها أحب كما في المؤذن، ويفرق بين عدم وجوب الرد عليهما ووجوبه على القارئ بتفويته لشعارهما بخلافه، وبين الندب للملبي وعدمه للمؤذن بأنه قد يخل بالإعلام المؤدي إلى لبس بخلافه هنا. قوله: (عطس) بفتح الطاء في الماضي وكسرها وضمها في المضارع كما في شرح الجامع الصغير للعلقمي وشرح عدة الحصين لابن جمعان وما في بعض نسخ مرقاة الصعود وبعض أصول الحصين الحصين أنه بكسر الطاء من تغيير الكتاب. قوله: (وكذا إذا سمع الخطيب) أي فيترك الذكر ويتوجه إلى استماع الخطبة نعم بسن تشميته العاطس والرد عليه لأن سببه قهري وسبق ما يلحق به ومحل كون ترك الذكر حينئذٍ مندوباً إن لم يكن أحد من تنعقد بهم الجمعة من الأربعين وإلا فإن كان الاشتغال بالذكر يمنعه من سماع بعض أركان الخطبة وجب الإنصات وحرم الاشتغال بما يمنع من السماع. قوله: (وكذا إذا سمع المؤذن إلخ) عبارة الإمداد وتسن أي الإجابة للقارئ والذاكر والطائف والمشتغل بالعلم فيقطع ما هو فيه لها اهـ .. قوله: (أرشد إليه) أي وإن لم يسترشد بذلا للنصيحة. قوله: (أجابه ثم عاد إلى الذكر الخ) لإخفاء أنه لا يضر القطع لما ذكر لوجود المقتضي لكن هل يحصل له ثواب الذكر لكونه تركه لعذر أو المندفع عنه إنما هو محذور القطع، قضية ما قرروه في صلاة الجماعة من زوال الحرج بتلك الأسباب لا حضور فضيلة الجماعة إن الحاصل هنا دفع المحذور والكلام في ثواب الذكر المتروك تلك المدة أما

стр. 152

أو نحوه، وأما أشبه هذا كله. ــ ثواب ما اشتغل به من الأعمال فلا يخطر عدم حصوله ببال. قوله: (أو نحوه) مما يشغل القلب أو يمنع من كمال التوجه إلى الحضور مع الرب ثم لا تكرار في ذكر كراهة الحالات المذكورة في الفصلين لأنها ذكرت أولاً لبيان أنها من الحالات المكروه فيها الذكر أي الشروع فيه حينئذٍ وثانياً لبيان أنها إذا عرضت للذاكر ترك الذكر مدتها حتى يزول عنه. قوله: (وما أشبه ذلك) أي من كل أمر مهم عرض والاشتغال به يمنع من الذكر والأهمية فيه إما لكونه يفوت أو لعظيم فائدته وكثرة مصلحته كالأمر بالمعروف ونحوه على أن القصد من الذكر إنما هو عمارة الجنان بذكر الرحمن والقائم بأوامره من أرباب هذا المقام قال الجنيد الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة قال المصنف في شرح المهذب معناه إن الصادق يدور مع الحق حيثما دار فإن كان الفضل الشرعي في الصلاة مثلاً صلى وإن كان في مجالسة العلماء والصالحين والضيفان والعيال وقضاء حاجة مسلم وجبر قلب مكسور ونحو ذلك فعل الأفضل وترك عادته وكذلك الصوم والقراءة والذكر وأكل والشرب والخلطة والعزلة والتنعم والابتذال والمرائي بضد ذلك ولا يترك عادته فهو مع نفسه لا مع الحق اهـ. وقال في كتابه بستان العارفين الذي جمعه قال في الرقائق وتوفي قبل إكمال معناه إن الصادق يدور مع الحق كيف كان فإذا كان الفضل في أمر عمل به وإن خالف ما كان عليه وخالف عادته وإذا عارض أهم منه في الشرع ولا يمكن الجمع بينها انتقل إلى الأفضل ولا يزال هكذا وربما كان في اليوم الواحد عمل مائة حال أو ألف أو أكثر على حسب تمكنه من المعارف وظهور الدقائق واللطائف قال وأما المرائي فيلزم حالة واحدة بحيث لو عرض له مهم يرجحه الشرع عليها في بعض الأحوال

стр. 153

فصل: اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبةً كانت أو مستحبة، لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به ــ لم يأت بهذا المهم بل يحافظ على حالته لأنه يراعي بعبادته وحالته المخلوقين فيخاف من التغيير ذهاب محبتهم إياه فيحافظ على بقائها والصادق يريد بعبادته وجه الله تعالى فحيث رجح الشرع حالاً صار إليه ولا يعرج على المخلوقين اهـ، وقريب من عبارة الجنيد هذه في وصف العارف ما جاء عنه أنه سئل عن العارف فقال لون الماء لون الإناء أي إن يكون في كل حال بما هو أولى به فيختلف حاله باختلاف الأحوال كاختلاف لون الماء لاختلاف لون الإناء وقد بسط ذلك القونوي في شرح التعرف. (الأذكار المشروعة) أي الأذكار التي طلب الشارع من الإنسان الإتيان بها باللسان من التكبير والتحميد وقراءة القرآن. قوله: (واجبة كانت) كقراءة الفاتحة في الصلاة ومنها البسملة عندنا والتشهد. قوله: (أو مستحبة) وسواء كانت مؤكدة أي واظب عليها ﷺ في معظم الأوقات حضراً وسفراً كقراءة السورة في الركعتين الأولتين أو غير مؤكدة. قوله: (ولا يعتد به) عطف على لا يحسب عطف تفسير وهما مبنيان للمفعول أي لا يعتبر شيء من ذلك إلاّ بالتلفظ به مع السماع والمراد لا يعتد به ذكراً أي لا يخرج به عن عهدة المأمور به من الذكر باللسان فلا ينافي إثباته على الذكر القلبي لأنه من جهة أخرى كما سبق وليس المراد أن من ذكر بقلبه من غير تلفظ بلسانه لا يكون معتداً به شرعاً لأن مداومة الذكر لا تتصور بدون اعتباره بل هو أفضل أنواعه، أخرج

стр. 154

بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض له. ــ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ لفضل الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة سبعون ضعفاً إذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق لحسابهم وجاءت الحفظة بما حفظوا وكتبوا قال لهم انظروا هل بقي له من شيء فيقولون ما تركنا شيئاً مما علمناه وحفظناه إلَّا وقد أحصيناه وكتبناه فيقول الله إن لك عندي حسناً لا تعلمه وأنا أجزيك به وهو الذكر الخفي أورده السيوطي في "البدور السافرة في أحوال الآخرة" وفي الجامع الصغير له خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي رواه أحمد وابن حبان والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص ﵁. قوله: (بحيث يُسمع نفسه) الظرف في محل المفعول المطلق صفة للمصدر المحذوف أي حتى يتلفظ به تلفظاً بحيث إلخ ثم هذا الإسماع أقل الإخفاء عند الجمهور قال في الحرز وفي مذهبنا هو القول المشهور وهو عندنا حد السر وأقل الجهر أن يسمع من بجانبه ومن هنا استشكل التوسط بينهما في قولهم يتوسط بين الجهر والإسرار في نفل الليل المطلق ثم حملوه على إن المراد الجهر تارة والإسرار أخرى وحمله ابن الملقن على أدنى درجات الجهر قال وبه يرتفع الخلاف نقله عنه ابن المزجد في التجريد وقيل أقل الإخفاء تصحيح الحروف وهو مجرد التلفظ من غير أن يكون هناك صوت يسمع ويسمى بالهمس قال أصحابنا ولا يحرم على الجنب تحريك لسانه بالقرآن وهمسه بحيث لا يسمع نفسه لأنها ليست بقراءة قرآن، لكن قال الراغب في مفرداته الخمس الصوت الخفي وهمس الأقدام أخفى ما يكون من صوتها قال تعالى: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] اهـ، وهو يقتضي إن الهمس فيه صوت مسموع إلاّ أنه في غاية الخفاء ويجمع بين الكلامين بأن مراد الفقهاء لا يسمع نفسه أي السماع المعتد به بأن يسمع مع الصوت الحروف أما لو سمع الصوت من غير سماعه للحرف فلا اعتبار به.

стр. 155

فصل: اعلم أنه قد صنَّف في عمل اليوم والليلة جماعة من الأئمة كتباً نفيسة، رووا فيها ما ذكروه بأسانيدهم المتصلة وطرقوها من طرق كثيرة، ومن أحسنها: "عمل اليوم والليلة" للإمام أبي عبد الرحمن النسائي، وأحسن منه وأنفس وأكثر فوائد كتاب: "عمل اليوم والليلة" لصاحبه الإمام أبي بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السنّي ﵃. وقد سمعت أنا جميع كتاب ابن السني على شيخنا الإمام الحافظ أبي البقاء خالد بن يوسف بن سعد بن الحسن ﵁، قال: أخبرنا الإمام العلامة أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن الكندي سنة اثنتين وستمائة، قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري، قال: ــ فصل قوله: (في عمل اليوم والليلة) أي فيما يعمل فيها من أقوال وأفعال. قوله: (وطرقوها) بتشديد الراء أي جعلوا لها طرقاً متعددة لتعدد طرقهم في تلك الأحاديث. قوله: (كثيرة) وصف الكثرة باعتبار المجموع وإلا فبعضها ليس له إلا طريقان أو طريق وأحد. قوله: (وأنفس) من النفاسة والنفيس الخيار المرغوب فيه وحذف قوله منه اكتفاء بدلالة ذكره فيما قبله اختصاراً. قوله: (لصاحبه الإمام أبي بكر بن محمد بن إسحاق السني) بضم السين المهملة وتشديد النون بعدها ياء النسبة وهو الإمام الجليل أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط بن بديح بصيغة التصغير البديحي بالموحدة فالدال المهملة فالمثناة التحتية فالحاء المهملة منسوب إلى جده بديح القرشي الهاشمي مولاهم الدينوري المعروف بابن السني الحافظ، وبديح جده مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، يكنى أبا بكر أحد الحفاظ المشهورين الثقات المأمونين ولي قضاء القضاة بالري ثم انفصل وتركه ونفذ حكمه إلى العراف والحجاز ومصر وفي

стр. 156

أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الدوني، قال: أخبرنا القاضي أبو نصر أحمد بن الحسين بن محمد بن الكسار الدينوري، قال: أخبرنا الشيخ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السني ﵁. وإنما ذكرت هذا الإسناد هنا لأني سأنقل من كتاب ابن السني إن شاء الله تعالى جُملاً، فأحببت تقديم إسناد الكتاب، وهذا مستحسن عند أئمة الحديث وغيرهم، وإنما خصصت ذكر إسناد هذا الكتاب لكونه أجمع ــ شيوخه كثرة منهم أبو يعلى الموصلي البغوي وأبو الحسين بن جوصا وأبو عبد الرحمن وأبو عرفة الكراني وجماعة روى عنه القاضي أحمد بن عبيد الله ابن علي بن شاذان وأبو نصر أحمد بن الحسين بن الكسار الدينوريان وجماعة غيرهما توفي سنة أربع وستين ثلاثمائة وستين وذكر الخليلي أنه توفي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة والقول والأصح والله أعلم مات عن بضع وثمانين سنة قال القاضي أبو زرعة روح بن محمد سبط ابن السني سمعت عمي علي بن أحمد يقول كان أبي يكتب الحديث فوضع القلم في أنبوبة المحبرة ورفع يديه يدعو الله فمات كذا في تاريخ اليافعي وغيره. قوله: (أبو محمد عبد الرحمن بن حمد) أي بفتح الحاء وسكون الميم: (ابن الحسن الرومي) كذا في نسخة وفي نسخة صحيحة "الدوني" قال الصديق الأهدل نسبة إلى دون بلدة بعراق العجم اهـ، وفي لب اللباب مختصر مختصر كتاب السمعاني الدوني أي بضم الدال المشددة وسكون الواو وكسر النون بعدها ياء النسب نسبة إلى دون من قرى دينور اهـ، وكذا رأيته في أصل صحيح مضبوط عندي من كتاب ابن السني وفي ظهره رواية أبي محمد عبد الرحمن بن حمد بن الحسن الدوني رواية أبي نصر أحمد بن الحسين الدينوري وكذلك هو في طبقات السماع المكتوبة بآخره من الأشياخ. قوله: (الكسار) بفتح الكاف وتشديد السين وبالراء المهملتين. قوله: (الدينوري) هو في الأصول

стр. 157

الكتب في هذا الفن، وإلا فجميع ما أذكره فيه لي به روايات صحيحة بسماعات متصلة بحمد الله تعالى إلا الشاذّ النادر، فمن ذلك ما أنقله من الكتب الخمسة التي هي أصول الإسلام، وهي: "الصحيحان" للبخاري ومسلم، و"سنن أبي داود" و"الترمذي" و"النسائي". ومن ذلك ما هو من كتب "المسانيد" و"السنن" "كموطأ الإمام مالك"، ــ المصححة مضبوط بكسر المهملة وإسكان التحتية وفتح النون والواو وكسر الراء المهملة بعدها ياء النسب. قوله: (إلا الشاذ النادر) يحتمل أن يكون مستثنى من قوله سماعات فيكون اتصاله فيها بغير السماع من طرق التحمل من إجازة أو نحوها ويحتمل أن يكون مستثنى من قوله "لي به روايات صحيحة" فيكون الشاذ النادر خارجاً من ذلك فيكون دليلاً على جواز رواية ما لم يكن للراوي فيه تحمل وقال الحافظ ابن جبير يمتنع ذلك ونقل فيه الإجماع سواء أكان النقل للرواية أم للعمل للاحتجاج وضعف، والعمل على خلافه من جواز النقل من الكتب المعتمدة التي صحت واشتهرت نسبتها لمصنفها إذا نقل من أصل صحيح مأمون من تغييره وتبديله. قوله: (كموطأ الإمام مالك إلخ) في العبارة لف ونشر مشوش إذا الموطأ من كتب السنن كسنن ابن ماجه والدارقطني فلو روعي اللف والنشر المرتب لقيل كمسند أحمد وأبي عوانة وموطأ مالك لكن ترك ذلك نظراً لتقدم الإمام مالك في السن والرتبة وشرف الدرجة وعادة المحدثين تقديم ما كان كذلك، وفي تنوير الحوالك للسيوطي عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الأصبهاني "قلت" لأبي حاتم الرازي موطأ مالك بن أنس لم سمي موطأ، فقال شيء صنفه ووطأه للناس حتى قيل موطأ مالك كما قيل جامع سفيان، وفيه عن مالك عرضت كتابي هذا على ستين فقيهاً من فقهاء الأمصار فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ قال ابن فهر لم يسبق مالكاً أحد

стр. 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى هذه التسمية فإن من ألف في زمانه بعضهم سمي الجامع وبعضهم بالمصنف وبعضهم بألمؤلف ولفظة الموطأ بمعنى المنقح "قلت" وفي القاموس وطأه هيأه ودمثه وسهله ورجل موطأ الأكناف سهل دمث كريم مضياف أو يتمكن في ناحيته صاحبه غير مؤذي ولا ناب به موضعه وموطأ العقب سلطان يتبع وهذه المعاني كلها تصلح لهذا الاسم على طريق الاستعارة، وجملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثاً المسند منها ستمائة والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثاً والموقوف ستمائة وثلاثة عشر والمقطوع أي الوارد عن التابعين مائتان وخمسة وثمانون وقيل غير ذلك، وعن الشافعي أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك وروي بغير هذا اللفظ وحمل على أنه قبل ظهور الصحيحين فلما ظهرا تقدما عليه وأول من ضم الموطأ إلى الكتب الخمسة فجعل أصول الإسلام ستة الإمام الشهير المجد أبو السعادات ابن الأثير في كتابه جامع الأصول وتبعه عليه رزين السرقسطي وغيرهما واستمر كذلك حتى أخرجه منها وأبدله بسنن ابن ماجه الحافظ أبو الفضل بن طاهر وعليه طريق معظم المتأخرين كما سبق بيان ذلك "والإمام مالك" هو الإمام الكبير نجم السنة الشهير مالك ابن أنس بن أبي عامر بن عمرو أبو الحارث ينتهي نسبه إلى يعرب بن يشجب بن قحطان الأصبحي، جده أبو عامر صحابي جليل شهد المغازي كلها مع رسول الله ﷺ خلا بدراً وابنه أنس من كبار التابعين وعلمائهم وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان ليلاً إلى قبره وأما مالك الإمام فذكره ابن سعد في طبقاته في الطبقة السادسة من تابعي أهل المدينة أي من تابعي التابعين كما صرح به الأئمة وذكر بعضهم أنه من التابعين وأنه لقي من الصحابة أبا الطفيل وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص وصحبتها ثابتة، نقله العامري في شرح الموطأ من رواية محمد بن الحسن ولد سنة ثلاث وسبعين وقيل سنة سبعين وقيل غير

стр. 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك. وفي شرح المشكاة لابن حجر ولد سنة ثلاث ومائة على الأشهر أو إحدى أو اثنتين أو أربع أو خمس أو ست أو سبع أو سنة تسع وثمانين وهو أغربها أو سنة تسعين مكث حملا في بطن أمه ثلاث سنين وقيل أكثر وقيل سنتين اهـ، أخذ عن ثلاثمائة تابعي وأربعمائة من تابعيهم كذا في شرح المشكاة لابن حجر وفي التهذيب للمصنف أخذ عن تسعمائة شيخ -بتقديم التاء- منهم ثلاثمائة من التابعين وستمائة من تابعيهم ممن رضيه ووثق بدينه نقله عن الدولعي وأخذ عنه أئمة لا يحصون ولا يعرف عن أحد من الأئمة رواة في الكثرة كرواته وأجلهم الشافعي على الإطلاق بإجماع أهل الحديث وإنما لم يخرج أصحاب الأصول حديث مالك من جهة الشافعي لطلبهم العلو المقدم عند المحدثين على ما عداه من الإعراض وإكثار أحمد من إخراج حديث مالك من غير طريق الشافعي حمل على احتمال أنه جمع المسند قبل اجتماعه به وقد اجتمع طوائف الأئمة العلماء على جلالة الإمام مالك وعظم سيادته والإذعان له في الحفظ والتثبت وتعظيم حديث الرسول ﷺ قال البخاري إمام الصنعة أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر وفي هذه المسألة خلاف منتشر جمع منه الحافظ ستة عشر قولاً ورتب الأحاديث المروية بها وسماه تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد وعلى مذهب البخاري المذكور فأصحها عن مالك الشافعي لما سبق قال أحمد سمعت الموطأ على سبعة عشر رجلاً من حفاظ أصحاب مالك ثم على الشافعي لأني وجدته أقومهم به وأصحها عن الشافعي أحمد قال الشافعي خرجت من بغداد وما خلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم منه ولاجتماع الأئمة الثلاثة في هذه السلسلة قيل لها سلسلة الذهب وقال الشافعي إذا جاء الحديث فمالك النجم وما أحد آمن علي من مالك وقال: مالك وابن عيينة القرينان لولاهما لذهب علم الحجاز ومالك معلمي وعنه أخذت العلم وقال وهب بن خالد ما بين المشرق والمغرب رجل آمن على حديث رسول الله ﷺ من مالك وفي الحديث الصحيح

стр. 160

و"مسند الإمام أحمد بن حنبل"، ــ يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل وفي رواية آباط المطي يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة خرجه أحمد والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم في المستدرك وصححه من حديث أبي هريرة مرفوعاً قال سفيان بن عيينة هو مالك بن أنس وكذا قال عبد الرزاق وكان مبالغاً في تعظيم الحديث النبوي ولذا قال ما قال وكان يرى النبي ﷺ كل ليلة ذكره أبو نعيم في الحلية ورؤيت له مراء تدل على شرف مقداره ذكر المصنف منها جملة في التهذيب ومرض يوم الأحد فأقام مريضاً اثنين وعشرين يوماً وتوفي بالمدينة يوم الأحد لعشر خلون وقيل لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين ومائة وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس وهو يومئذٍ والٍ على المدينة ودفن بالبقيع ومدفنه بهامشور، بجانبه في بيت آخر نافع شيخ القراء وعن عبد الله بن نافع قال توفي مالك وهو ابن سبع وثمانين سنة وأقام مفتياً بالمدينة بين أظهرهم ستين سنة وترك من الأولاد يحيى ومحمداً وحماداً وأم أبيها قال القاضي عياض في المدارك رأى عمر بن سعد الأنصاري ليلة مات مالك قائلاً يقول: لقد أصبح الإسلام زعزع ركنه ... عداة ثوى الهادي لدي ملحد القبر إمام الهدى ما زال للعلم صائناً ... عليه سلام الله في آخر الدهر قوله: (ومسند الإمام أحمد بن حنبل) قال المصنف في الإرشاد كتب المسانيد كمسند أبي داود الطيالسي وعبيد الله بن موسى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأشباهها لا تلتحق بالكتب الخمسة وهي الصحيحان وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وما جرى مجراها في الاحتجاج بها والركون إلى ما فيها لأن عادتهم في هذه المسانيد أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه صحيحاً كان

стр. 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو ضعيفاً ولا يعتنون فيها بالصحيح بخلاف أصحاب الكتب المصنفة على الأبواب اهـ، وهو تابع ذلك لابن الصلاح وقد انتقد تفضيله السنن على مسند أحمد بأنه ليس كما ذكر فإنه أكبر المسانيد وأحسنها ولم يدخل إلاَّ ما يحتج به مع كونه انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف حديث وقال ما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا فيه إلى المسند فإن وجدتموه وإلَّا فليس بحجة ومن ثم بالغ بعضهم فأطلق الصحة على كل ما فيه والحق إن فيه أحاديث كثيرة ضعيفة وبعضها أشد في الضعف من بعض حتى إن ابن الجوزي أدخل كثيراً منها في الموضوعات لكن تعقبه في بعضها بعضهم وفي سائرها شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر وحقق في الوضع عن جميع أحاديثه وأنه أحسن انتقاءً وتحريراً من الكتب التي لم يلتزم مؤلفوها الصحة في جميعها كالسنن الأربعة قال وليست الأحاديث الزائدة فيها على الصحيحين بأكثر ضعفاً من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي عليهما وبالجملة فالسبيل واحد لمن أراد الاحتجاج بحديث من السنن لا سيما سنن ابن ماجة ومصنف ابن أبي شيبة مما الأمر فيه أشد أو حديث من المسانيد لأن الجميع لم يشترط مؤلفوها الصحة ولا الحسن وتلك السبيل إن كان المحتج أهلاً للتصحيح والنقد فليس له أن يحتج بشيء من القسمين حتى يحيط به وإن لم يكن أهلا لذلك فإن وجد أهلا لتصحيح أو تحسين قلده وإلاَّ فلا يقدم على الاحتجاج به فيكون كحاطب ليل فلعله يحتج بالباطل وهو لا يشعر قال الزركشي قال الحافظ عبد القادر الرهاوي فيه أربعون ألف حديث إلاَّ أربعين أو ثلاثين وعن ابن المنادي فيه ثلاثون ألف حديث ولعله أراد بإسقاط المكرر أو خالياً عن زيادة ابنه وقد ذكر ابن دحية فيه أربعين ألفاً بزيادة ابنه وهو يجمعّ الأقوال اهـ. والإمام أحمد هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي الإمام البارع المجمع على إمامته وجلالته وورعه وزهادته وحفظه

стр. 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ووفور علمه وسيادته أخذ عن ابن عيينة وأقرانه وروى عنه جماعة من شيوخه وخلائق آخرون لا يحصون منهم البخاري فروى عنه حديثاً واحداً في آخر كتاب الصدقات تعليقاً وروى عن أحمد بن الحسين الترمذي عنه حديثًا آخر وروى عنه مسلم وأبو داود وأبو زرعة الرازي وقال كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث فقيل له وما يدريك به فقال ذاكرته فأخذت عليه الأبواب وإبراهيم الحربي وقال رأيت ثلاثة لم ير مثلهم أبداً وذكره منهم ثم قال كان الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء وقال إسحاق بن راهويه هو حجة بين الله وبين عبيده قال قتيبة وأبو حاتم إذا رأيت الرجل يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة وقال إمامنا الشافعي ﵁ خرجت من بغداد وما خلفت بها أتقى ولا أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم منه وقال ميمون بن الأصبع كنت ببغداد فسمعت ضجة امتحان أحمد فدخلت فلما ضرب سوطًا قال بسم الله فلما ضرب الثاني قال لا حول ولا قوة إلاَّ بالله فضرب الثالث فقال القرآن كلام الله غير مخلوق فضرب الرابع فقال قل لن يصيبنا إلاَّ ما كتب الله لنا فضرب عشرين سوطاً وكانت تكة لباسه حاشية ثوب فانقطعت فنزل السروال إلى عانته فدعا فعاد ولم ينزل ودخلت عليه بعد سبعة أيام فقلت يا أبا عبد الله رأيتك تحرك شفتيك فأي شيء قلت قال قلت اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي ستراً وروي أنه كان كلما ضرب سوطاً أبرأ ذمة المعتصم فسئل فقال كرهت إن آتي يوم القيامة فيقال هذا غريم ابن عم النبي ﷺ أو رجل من أهل بيت النبي ﷺ وقيل لبشر الحافي لما ضرب أحمد في محنة القول بخلق القرآن لو قمت وتكلمت بمثل ما تكلم فقال لا أقوى عليه إن أحمد قام مقام الأنبياء قال ابن حجر في شرح المشكاة ومن ثمة أرسل إليه الشافعي إلى بغداد يطلب قميصه الذي ضرب فيه فأرسله إليه فغسله وشرب ماءه وهذه من أجل مناقبه اهـ. وتبعه عليه القاري في

стр. 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المرقاة على المشكاة لكن في شرح حاشية العقائد للشيخ ابن أبي شريف امتحن المأمون الناس بالقول بخلق القرآن سنة مائتين واثني عشر بعد وفاة الشافعي بنحو سبع سنين فأجاب أكثر من دعي إلى ذلك كرهاً وأبى بعضهم ثم لما ولي أخوه المعتصم وهو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد اشتدت المحنة وقرب الإمام أحمد ثم ولي بعده ابنه الواثق هارون فبالغ في المحنة بإشارة القاضي أحمد بن دؤاد بهمزة مفتوحة ممدودة بعد الدال المهملة المضمومة ويقال إن الواثق تاب في آخر عمره عن ذلك ثم لما ولي المتوكل جعفر بن المعتصم أواخر سنة اثنين وثلاثين ومائتين رفع المحنة وقمع البدعة وأكرم الإمام أحمد ﵁، وهو لا يلائم ما نقله الشيخ ابن حجر من طلب الشافعي قميص أحمد الذي ضرب فيه لأنه وقع بعده وفي طبقات السبكي إن ابتداء دعاء المأمون إلى القول بخلق القرآن سنة ثنتي عشرة وقوة ذلك في سنة ثمان عشرة وضرب أحمد إنما كان بعد موت المأمون في خلافة المعتصم وفي تاريخ اليافعي ودعي يعني ابن حنبل بعد وفاة الشافعي بست عشرة سنة إلى القول بخلق القرآن فلم يجب وضرب فصبر مصراً على الامتناع وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين اهـ، ثم رأيت الشيخ ابن حجر تنبه لذلك فضرب على هذه المقالة في نسخته المسودة التي بخطه والله أعلم ومناقب أحمد كثيرة ولد في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة ومرض تسعة أيام وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين على الصحيح ليلة الجمعة وصلى عليه بعد العصر ثاني عشر ربيع الآخر أو لثلاث عشرة بقين منه وقيل غير ذلك وقبره ظاهر ببغداد يزار ويتبرك به قال أبو زرعة بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف الناس فيه للصلاة على الإمام أحمد فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف وأسلم يوم وفاته عشرون ألفاً وكشف قبره بعد موته بمائتين وثلاثين سنة لموت بعض الأشراف ودفنه بجانبه فوجد كفنه صحيحاً لم يبل

стр. 164

و"أبي عوانة"، و"سنن ابن ماجه"، و"الدارقطني"، ــ وجثته لم تتغير. قوله: (وأبي عوانة) هو بفتح العين المهملة وتخفيف الواو والنون بعد الألف وآخره هاء غير منصرف لما تقرر في وجه منع أبي هريرة، وأبو عوانة هو الاسفراييني وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري الحافظ الكبير الجليل صاحب المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم سمع بخراسان والعراق والحجاز واليمن والشام والثغور وبجزيرة فارس وأصبهان ومصر وهو أول من أدخل مذهب الشافعي إلى اسفراين أخذه عن المزني والربيع سمع محمد بن يحيى ومسلم بن الحجاج ويونس بن عبد الأعلى وخلفا سواهم روى عنه أحمد بن علي الرازي الحافظ وأبو يعلى النيسابوري والطبراني وخلق آخرهم ابن ابن أخيه أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الاسفراييني قال الحاكم أبو عوانة من علماء الحديث وأنباتهم ومن الرجال في أقطار الأرض لطلب الحديث سمعت محمد ابنه يقول أنه توفي سنة ست عشرة قال السبكي في طبقاته وذكر عبد الغافر بن إسماعيل أنه توفي سنة ثلاث عشرة والصحيح الأول وعلى قبر أبي عوانة مشهد بإسفراين يزار قيل وهو بداخل البلد اهـ، وفي تاريخ اليافعي وحج خمس حجج وقال كتب إلى أخي محمد بن إسحاق. فإن نحن التقينا قبل موت ... شفينا النفس من مضض العتاب وإن سبقت بنا أيدي المنايا ... فكم من عاتب تحت التراب قوله: (والدارقطني) بفتح الراء وإسكانها وضم القاف وإسكان الطاء المهملة لعدها نون نسبة لدار القطن محلة كانت كبيرة ببغداد وهو الإمام أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني البغدادي الشافعي الإمام الجليل الحافظ إمام عصره وحافظ دهره صاحب السنن والعلل وغيرهما إليه انتهى علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال وأحوال الرواة مع الصدق والأمانة والثقة والعدالة وصحة

стр. 165

و"البيهقي" ــ الاعتقاد والتضلع بعلوم شتى سمع أبا القاسم البغوي وآخرين وروى عنه أئمة كأبي نعيم والحاكم أبي عبد الله والشيخ أبي حامد الاسفراييني والقاضي أبي الطيب الطبري وخلق كثير قال رجاء بن محمد العدل قلت للدارقطني رأيت مثل نفسك فقال قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] فألححت عليه فقال لم أو من جمع ما جمعت وقال أبو ذر عبد بن أحمد قلت للحاكم بن البيع هل رأيت مثل الدارقطني فقال هو لم ير مثل نفسه فكيف أنا وقال القاضي أبو الطيب الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث ومن عجيب حفظه ما ذكره ابن السبكي وغيره أنه حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار فجلس ينسخ جزءًا والصفار يملي فقال رجل لا يصح سماعك وأنت تكتب فقال الدارقطني فهمي للإملاء خلاف فهمك تحفظ كم أملى الشيخ قال لا قال أملى ثمانية عشر حديثاً الحديث الأول عن فلان ومتنه كذا ثم مر في ذلك حتى أتى على الأحاديث كلها فعجب الناس منه وقال الحافظ عبد الغني أحسن الناس كلاماً على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة علي ابن المديني في وقته وموسى بن هارون في وقته وعلي بن عمر الدارقطني في وقته ولد في ذي القعدة سنة ست وثلاثمائة وتوفي في ثامن ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة قال أبو نصر بن ماكولا رأيت في المنام كأني أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة فقيل لي ذاك يدعى في الجنة الإمام ذكره السبكي في طبقاته. قوله: (وَالبيهقيّ) هو بفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح الهاء بعدها قاف ثم ياء نسبة لبيهق وهي قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخاً منها وكان قصبتها خسروجرد بضم الخاء المعجمة وسكون السين وفَتح الراء المهملتين في آخرها الدال المهملة وهو الإمام الكبير أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي النيسابوري الحافظ أحد أئمة المسلمين وهداة المؤمنين والداعي إلى حبل

стр. 166

وغيرها من الكتب، ومن الأجزاء مما ستراه إن شاء الله تعالى. وكل هذه المذكورات أرويها -بحمد الله- بالأسانيد المتصلة الصحيحة إلى مؤلفيها، والله أعلم. فصل: اعلم أن ما أذكره في هذا الكتاب من الأحاديث أضيفه ــ الله المتين ناصر السنة الفقيه الأصولي الزاهد الورع القائم بنصرة مذهب الشافعي وإن لم يحتج مع الله إلى نصير لا ينثني عنه أبدًا وما ذب إلاّ عن بيضة الدين ولد في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وسمع من الكبير أبي الحسن العلوي وهو أكبر شيخ له ومن الحاكم وهو أجل أصحاب الحاكم ومن آخرين وبلغ شيوخه أكثر من مائة ولم يقع له الترمذي ولا النسائي ولا ابن ماجة ثم اشتغل بالتصنيف بعد أن صار أوحد زمانه وفارس ميدانه فألف ما لم يسبق إلى مثله ولا رقي غيره إلى رفعة محله الكتاب السنن الكبير قال السبكي وما صنف مثله في علم الحديث تهذيباً وترتيباً وجودة وكتاب المبسوط في نصوص الشافعي وغير ذلك وكان على سيرة العلماء قانعاً من الدنيا باليسير متحملاً في زهده وورعه صائماً الدهر قبل موته بثلاثين سنة ومن أجل أن له اليد الطولى في المذهب والذب قال إمام الحرمين وناهيك بها شهادة من هذا الإمام ما من شافعي إلاَّ وللشافعي في عنقه منة إلاَّ البيهقي فإن له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقاويله ورؤيت له مراء عن الشافعي تدل على مزيد عنايته به توفي بنيسابور في عاشر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وحمل تابوته إلى خسروجر قرية من ناحية بيهق. قوله: (وغيرهما) أي المسانيد والسنن وثني الضمير لكونهما نوعين ولو جاء بضمير الغائبة لصح باعتبار جماعة الكتب المؤلفة. فصل

стр. 167

إلى الكتب المشهورة وغيرها مما قدمته، ثم ما كان في صحيحي البخاري ومسلم أو في أحدهما، أقتصر على إضافته إليهما لحصول الغرض وهو صحته، فإن جميع ما فيهما صحيح، وأما ما كان في غيرهما فأضيفه إلى كتب السنن وشبهها ــ قوله: (أقْتصرُ على إضَافَتِهِ إليهما) أي وسكت عن إضافته إلى باقي مخرجيه إن كان له طريق آخر. قوله: (فإنَّ جَميع ما فيهما صحيحٌ) المراد جميع ما فيهما من الأحاديث المسندة المتصلة الأسانيد دون التَّعاليق والتراجم ونحو ذلك وهذا مراد البخاري بقوله ما أدخلت في كتابي إلاّ ما صح ومراد العلماء بقولهم جميع ما فيهما صحيح وعدم الحنث لمن حلف بالطلاق على صحته وأنه قاله رسول الله ﷺ وهو مراد المصنف هنا وفيما سبق عنه من قوله في الجواب عن حال الأصول الخمسة أما الصحيحان فأحاديثهما صحيحة اهـ، فجميع أحاديثهما صحيحة بل أصح الصحيح إذ أصحه ما اتفقا على تخريجه ثم ما رواه البخاري ثم ما خرجه مسلم ثم ما كان على شرطهما ثم ما على شرط البخاري ثم ما على شرط مسلم بل يفيد العلم النظري ثم قال المصنف في الإرشاد قال الشيخ يعني ابن الصلاح ما اتفقا عليه أو انفرد به أحدهما مقطوع بصحته والعلم اليقيني حاصل به لأن الأمة أجمعت عليه وهي معصومة في إجماعها من الخطأ خلافاً لمن قال لا يفيد إلاّ الظن وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليها العمل بالظن وهذا الذي اختاره الشيخ خلاف الذي اختاره المحققون والأكثرون وبمعناها عبر في التقريب وناقش الحافظ ابن حجر المصنف بأن ما قاله من جهة الأكثرين مسلم وأما المحققون فلا قال والتحقيق إن الخلاف لفظي لأن من جوز إطلاق لفظ العلم قيده بكونه نظرياً وهو الحاصل عن الاستدلال ومن أبى الإطلاق خص لفظ العلم يعني الضروري

стр. 168

مبيناً صحته وحسنه، أو ضعفه إن كان فيه ضعف في غالب المواضع، وقد أغفل عن صحته وحسنه وضعفه. واعلم أن "سنن أبي داود" من أكثر ما أنقل منه، وقد روينا عنه أنه قال: "ذكرت في كتابي الصحيح ــ عنده بالتواتر وما عداه ظني لكنه لا ينفي إن ما احتف بالقرائن أرجح مما خلا منها ثم ذكر من المحتف بها ما أخرجاه أي اجتماعاً أو انفراداً وذكره في شرح النخبة قال فيفيد العلم فإنه احتف به قرائن منها جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيره وتلقي كتابيهما بالقبول إلاَّ أنه مختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ ولم يقع التجاذب بين مدلوليه بلا مرجح لأحدهما على الآخر أي وبعد تجويز إمكان الائتلاف بينهما وما عداه فالإجماع حاصل على تسليم صحته اهـ. ونقل السراج البلقيني مثل مقالة ابن الصلاح من أئمة المذاهب الأربعة وكثير عن جمع كثير من المتكلمين الأشعرية وأهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة قال ابن كثير وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه قال الجلال السيوطي في شرح التقريب وهو الذي اختاره ولا أعتقد سواء اهـ، وعلى هذا فيفرق بين المتواتر وآحادها بأن العلم في ذاك ضروري يشترك فيه العالم وغيره وفي هذا نظري لا يحصل إلاَّ للعالم بالحديث المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة المطلع على العلل وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقصوره لا يبقى حصوله له. قوله: (مبيناً صحته) مبين بوزن اسم الفاعل حال من فاعل أضيف وصحته مفعولة وبوزن اسم المفعول حال من المفعول في أضيفه وصحته نائب الفاعل له لكن يقوي الأول تذكير مبيناً إذ الأفصح على الثاني تأنيثه لكون فاعله مؤنثاً وإن جاز تذكيره لكون تأنيثه مجازياً. قوله: (وقدْ أَغفُلُ عَنْ صحَّته إلخ) أي عن

стр. 169

وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه ضعف شديد بَينْتُهُ، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصحُّ من بعض"، هذا كلام أبي داود، وفيه فائدة حسنة يحتاج إليها صاحب هذا الكتاب وغيره، وهي أن ــ بيان صحته فهو على تقدير المضاف كما يدل عليه سياق كلامه أو عن تصحيحه إلخ، من استعمال اسم المصدر محل المصدر والأول أظهر. قولة: (ومَا يشبههُ ويقارِبهُ) قال المصنف في الإرشاد وفي رواية عنه ما معناه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه بحيث يخرج الضعيف ثم ظاهر كلامه إن الأقسام ثلاثة الصحيح قسم وما يشبهه ويقاربه قسم وما فيه ضعف شديد قسم وعليه جرى غير واحد منهم ابن الصلاح ولكن قال ابن الجزري في الهداية إن عبارة أبي داود تفهم إن الحديث أربعة أقسام صحيح وما يشبهه وهو الحسن وما يقاربه وهو الصالح وما فيه ضعف شديد فيصير الصالح علي هذا قسمًا مستقلاً وعلى الأول مندرج في شبه الصحيح محتمل للصحة والحسن. قوله: (ضعف شَدِيدٌ) عبر في الإرشاد والتقريب بقوله وهن شديد. قوله: (بينته) قال الحافظ ابن حجر هل البيان عقب كل حديث على حدته حتى لو تكرر ذلك الإسناد ببينه مثلاً أعاد البيان أو يكتفي به في موضع ويكون فيما عداه كأنه أبينه الظاهر الثاني ونظر فيه تلميذه السخاوي في شرح التقريب بأنه لا يلزم من تعليل الحديث براو اطراده في سائر أحاديثه لوجود شاهد أو متابع في بعضها دون بعض أو لكونه في أحد الموضعين من صحيح حديث المختلط والمدلس دون الآخر أو لكون أحدهما في الفضائل ونحوها والآخر في الأحكام ونحوها. قوله: (ومَا لَمْ أذكرْ فيِهِ شَيْئاً إلخ) أي ما سكت عن بيان حاله فهو صالح قال السخاوي ومما ينبه عليه إن سنن أبي داود تعددت رواتها عن مصنفها ولكل أصل وبينها تفاوت حتى في وقوع البيان

стр. 170

ما رواه أبو داود في "سننه" ولم يذكر ضعفه فهو عنده صحيح أو حسن، ــ في بعضها دون بعض سيما رواية أبي الحسن بن العبد ففيها من كلامه أشياء زائدة على رواية غيره وحينئذٍ فلا يسوغ إطلاق السكوت إلاَّ بعد النظر فيها كما قيل به فيما ينقل من حكم الترمذي على الأحاديث. قوله: (مَا رَواه أبو داود في سننه ولم يذكر ضعفه إلخ) ظاهر كلام المصنف إن الاعتبار ببيان حال الحديث أو السكوت عنه بما في السنن فقط وقد تردد في ذلك بعضهم فقال هل المعتبر البيان في السنن فقط بحيث لو كان له في غيره من تصانيفه أو فيما دون عنه كلام فيها لعله سكت عنه فيها لا يلاحظ، الظاهر نعم مع تعين ملاحظته فيما يحتمل الرجوع أو نحوه. قوله: (فَهوَ عِنْدَهُ صحيح أو حسنٌ) قال في الإرشاد ففي هذا ما وجدناه في كتابه مطلقاً ولم ينص على صحته أحد ممن يميز بين الحسن والصحيح زاد في التقريب ولا ضعفه حكمنا بأنه من الحسن عند أبي داود وقد يكون في بعضه ما ليس حسناً عند غيره ولا داخلاً في حد غير الحسن وما عبر به هنا من قوله فهو حسن أو صحيح أحسن من قوله فيهما تبعاً لابن الصلاح "حكمنا بأنه من الحسن الخ" لأن ابن رشيد اعترض عليه بأنه يجوز أن يكون صحيحاً عند أبي داود فلا يظهر وجه الجزم بالحكم وإن أجيب عنه بأن الصالح الذي عبر به أبو داود أي الصالح للاحتجاج لا يخرج عن الصحة والحسن لكن لا نرقيه إلى الصحة إلاَّ بنص فالتحسين أحوط فقد اعترض بأن في كلام ابن الصلاح ما يشعر بتحتم كونه حسناً عند أبي داود وليس بجيد فلذا قيل لو قال إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن كما سلكه في مستدرك الحاكم كان أنسب قيل وقد لا يتأتى ذلك هنا لاقتضاء كلام أبي داود السكوت عن الضعيف اليسير اهـ، وفيه نظر لأن الضعف اليسير لا ينافي الحسن كما

стр. 171

وكلاهما يحتج به في الأحكام، فكيف بالفضائل. فإذا تقرَّر هذا، فمتى رأيت هنا حديثاً من رواية أبي داود وليس فيه تضعيف، فاعلم أنه لم يضعفه، والله أعلم. وقد رأيت أن أقدِّم في أوَل الكتاب باباً في فضيلة الذكر مطلقاً أذكر فيه أطرافاً يسيرة توطئة لما بعدها، ثم أذكر مقصود الكتاب في أبوابه، وأختم الكتاب إن شاء الله تعالى بباب الاستغفار ــ تقدم أنه ضعيف بالنسبة لمرتبة الصحيح وقول المصنف فيما يأتي فمتى رأيت حديثاً من رواية أبي داود وليس فيه تضعيف فاعلم أنه لم يضعفه اهـ، وحذف قوله فيهما "ولم ينص على صحته أحد الخ" لأن الحكم بالصحة حينئذٍ مستفاد من ذلك النص لا من صنيع أبي داود والكلام فيهما يقتضيه صنيعه المذكور بالنسبة لغير المتأهل للتصحيح وغيره وأما هو فيحكم بما يليق والأحوط لغير المتأهل إن يعبر في السكوت عنه بما عبر به هو من قوله صالح والصلاحية إما للاحتجاج أو الاعتبار فما ارتقى من أحاديثه إلى الصحة أو الحسن فهو بالمعنى الأول وما عداهما فبالمعنى الثاني وما قصر عن ذلك فهو للشديد الوهن الملتزم بيانه كذا قيل وفي جعل ذي الضعف اليسير المسكوت عنه خارجاً من وصف القبول مخالفة لكلام المصنف الآتي كما قدمته أيضًا. قوله: (وكلاَهُما يَحْتَجُ بِهِ) وفي نسخة بها وفي أخرى بحذف الواو من كلاهما الواو استئنافية يجوز إثباتها وحذفها وكلا مفرد اللفظ مثنى المعنى فيجوز في الضمير العائد إليه الإفراد نظراً للفظ والتثنية نظراً للمعنى والأفصح الأول قال تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣]. قوله: (فاعلم أنه لَمْ يضعفهُ) أي تضعيفاً شديداً بحيث يخرج به عن القبول وإلا فقضية كلامه السكوت عن الضعف اليسير وقدمنا أنه لا يقدح في كون الخبر مقبولا. قوله: (تَوطِئةَ) في النهاية التوطئة التمهيد والتذليل اهـ. قوله:

стр. 172

تفاؤلاً بأن يختم الله لنا به، والله الموفق، وبه الثقة، وعليه التوكل والاعتماد، وإليه التفويض والاستناد. باب مختصر في أحرف مما جاء في فضل الذكر غير مقيد بوقت قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقال تعالى: ــ (تفَاؤلاً) هو مهموز ممدود أو مقصور مصدر تفاعل أو تفعل. قوله: (الثِّقة) بكسر المثلثة بعدها قاف مصدر وثق بحذف فإنه كما هو القياس فيه. باب مختصر في أحرف مما جاء في فضل الذكر غير مقيد بوقت قوله: (في أَحْرُف) يصح أن يكون حالاً من باب بناء على كونه خبر المبتدأ محذوف وجاز مجيء الحال منه مع كونه نكرة محضة لتخصيصه بالوصف ويصح أن يكون خبراً بعد خبر للمحذوف ويصح جعل باب مبتدأ وصح الابتداء به لما ذكر من تخصيصه بالوصف وقوله في أحرف هذا متعلق بمحذوف خبر عنه و. قوله: (غير مقيد) بالنصب حال إما من فضل وإما من الذكر وجاز لكون المضاف بمنزلة بعض المضاف إليه ثم لو حذف قوله بوقت لكان أعم لشموله الأحوال والأمكنة والأفعال قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] المصدر إما مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف والمعنى ذكر العبد الله أكبر من كل ما سواه وأفضل منه قال قتادة ليس شيء أفضل من ذكر الله تعالى وقال الفراء وابن قتيبة ولذكر الله وهو التسبيح والتهليل أكبر وأحرى بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر أو مضاف إلى للفاعل والمعنى ذكر الله إياك أكبر من ذكرك إياه وعلى هذا الأخير حمله ابن عباس كما نقله الواحدي وفي الآية فضل الذكر، أما على الأول فباعتبار ذاته وعلى الثاني باعتبار ثمراته إذ ذكر الله العبد جزاء الذكر له ففي الحديث القدسي إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإذا ذكرني في ملأ ذكرته

стр. 173

﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]. ــ في ملأ خير منه. قوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ [الصافات: ١٤٣] قال الواحدي "فلولا أنه كان" قبل التقام الحوت إياه ﴿الْمُسَبِّحِينَ﴾ أي المصلين وكان كثير الصلاة ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٤] لصار بطن الحوت قبراً له إلى يوم القيامة قال سعيد بن جبير شكر الله قدسه وقال الضحاك بن قيس اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة فإن يونس كان عبداً صالحاً ذكر الله تعالى، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ الآية وإن فرعون كان عبداً طاغياً ناسياً ذكر الله تعالى، ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] قال الله تعالى له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس: ٩١] اهـ، قلت وفي حديث ابن عباس تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وفي الحصين الحصين من حديث أبي هريرة من أحب أن يستجاب له في الشدائد والكرب فليكثر من الدعاء في الرخاء رواه الترمذي ما يؤيد ذلك. ثم وجه إيراد الآية في فضل الذكر جعل التسبيح على أحد أنواع الذكر أي على قول سبحان الله ونحوه فقد حكى الله تعالى أن نجاة يونس بكلمة التوحيد قال تعالى حكاية عنه ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨] المؤمنين أما إذا جعل على بيان ما كان قد أتى به قبل التقام الحوت من الصلاة فتقدم أن فضل الذكر غير منحصر في نحو التهليل بل هو شامل لسائر الطاعات ويكون في الآية فضل الذكر بهذا المعنى أي طاعة الله تعالى، الشامل للذكر الحقيقي شرعاً أي قول سيق لثناء على الله تعالى إلخ. قوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤] أي لا يضعفون ولا يملون قال

стр. 174

وروينا في صحيحي إمامي المحدثين: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي مولاهم، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري ﵄ بأسانيدهما ــ الزجاج يجري مجرى التسبيح منهم وغيره من سائر الطاعات مجرى النفس مناولاً بشغلنا عن النفس شيء وكذا تسبيحهم لا يشغلهم عنه شيء وكذا فضل عمل الإنسان لكونه مشقاً على النفس على عمل الملك. قوله: (وَرَوَينَا فِي صَحِيحَي إمامي المحدثين إلخ) وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان وقال الترمذي حديث صحيح غريب ووجه الغرابة أنه لم يروه عن النبي ﷺ إلاَّ أبو هريرة ولا عن أبي هريرة إلاَّ أبو زرعة أي هرم البجلي ولا عن أبي زرعة إلاَّ عمارة بن القعقاع الضبي ولا عن عمارة بن القعقاع إلاَّ محمد بن فضيل بن غزوان الضبي وعنه انتشر الحديث فأخرجه البخاري عن أحمد بن اشكاب عنه في آخر صحيحه وأخرجه عن أبي خيثمة زهير بن حرب وعنه في الدعوات وكذا أخرجه مسلم وأخرجه البخاري أيضاً عن قتيبة بن سعيد عنه في الإيمان والنذور أخرجه مسلم في الدعوات عن أبي كريب محمد بن العلا المروزي ومحمد بن ظريف ومحمد بن عبد الله بن نمير ثلاثتهم عنه وأخرجه ابن ماجة في سننه في باب التسبيح عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد الطنافسي عنه وأخرجه غيرهم عنه ممن يعسر حصرهم كذا أشار إليه الحافظ في التسبيح وأوضحه الأنصاري في ختم البخاري المسمى بالدر اللامع في ختم الجامع. قوله: (مولاهم) أي مولى حلف وفي شرح المشكاة لابن حجر ولاء الإسلام على مذهب من يرى أن من أسلم على يد شخص كان ولاؤه له وذلك لأن جده المغيرة كان مجوسياً فأسلم على يد اليمان

стр. 175

عن أبي هريرة ﵁، واسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولاً، وهو أكثر الصحابة حديثاً، قال: قال رسول الله ﷺ : "كَلِمَتَانِ ــ الجعفري والي بخارى نسبة لجعفي بن سعد العشيرة أبي قبيلة من اليمن ووهم من قال أنه اسم بلد فكأنه توهمه من قول ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان أنه مخلاف باليمن ينسب إلى قبيلة من مذحج بينه وبين صنعاء أربعون فرسخاً اهـ، وأصله للعاقولي في شرح المصابيح وعلى قول ياقوت فيحتمل أن يكون جعفي مشتركاً لفظياً بين أبي القبيلة والمكان ويحتمل أنه حقيقة في الأول وسمي المكان به من تسمية المحل باسم الحال وكلامه إلى الثاني أقرب. قوله: (عَنْ أَبي هُرَيْرَة) اختلف في صرفه ومنعه فمنهم من قال بصرفه لأنه جزء علم وقال آخرون بمنع صرفه كما هو الشائع على ألسنة المحدثين وغيرهم لأن الكل صار كالكلمة الواحدة واعترض بأنه يلزم عليه رعاية الأصل والحال معاً في كلمة بل لفظة هريرة إذا وقعت فاعلًا مثلاً فإنه تعرب إعراب المضاف إليه نظرًا إلى الأصل وتمنع الصرف نظراً للحال ونظره خفى وأجيب بأن الممتنع رعايتهما من جهة واحدة لا من جهتين كما هنا وكأن الحامل عليه الخفة واشتهار هذه الكنية حتى نسي الاسم الأصلي بحيث اختلفوا فيه اختلافاً كثيرًا كما نقله المصنف. قوله: (نحو ثلاثين قوْلاً) قال في شرح مسلم اختلف في اسمه واسم أبيه على خمسة وثلاثين قولاً اهـ، وبه يعلم إن قوله هنا نحو ثلاثين قولاً بالنسبة إلى اسمه واسم أبيه ثم كان حق هذا التقرير أن يذكر عند أول ذكر أبي هريرة وهو في مقدمة الكتاب وكأن التأخير إلى هذا المحل لأنه أول محل ذكر فيه من مقصود الكتاب بالأصالة. قوله: (كَلِمَتَانِ) أبهمهما ثم بينهما ليزداد تطلع النفس إليهما فيكون أوقع في النفس وسببا لرسوخهما فيها والمراد

стр. 176

خَفِيفَتَانِ على اللسانِ ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتانِ إلى الرَحْمنِ: سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ" وهذا الحديث ــ بالكلمة هنا العرفية أو اللغوية لا النحوية. قوله: (خفِيفَتَانِ) أي لقلة ألفاظهما ورشاقتهما شبه حصولهما بمتاع يسهل حمله فاستعار له لفظ خفيفتان استعارة تبعية وفي التعبير بذلك إيماء إلى إن في معظم التأليف ثقلا على النفس لمزاولة الأعمال ومن ثم سمي تكليفاً إذ هو إلزام ما فيه كلفة كذا هو عند البخاري في الدعوات وفي الإيمان والنذور ورواه البخاري في آخر صحيحه وختم به بتقديم حبيبتان إلى الرحمن على ما قبله. قوله: (ثقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ) به مع سابقه حصل الطباق والسجع المستعذب وسئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة وخفة السيئة فقال إن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت فلا يحملنك ثقلها على تركها فإنها ثقيلة في الميزان والسيئة العكس فلا يحملنك خفتها على ارتكابها وفي الحديث إثبات الميزان وهو مما يجب الإيمان به. قوله: (حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمنِ) لما لهما من المزية فباعتبارهما وصفتا بذلك وإلَّا فجميع الذكر محبوب إلى الرحمن تعالى وفي التعبير بالرحمن إيماء إلى إن الثواب من رحمة الرحمن وأنه لا يجب عليه إثابة مطيع ولا تعذيب عاص. قوله: (سبْحانَ الله وَبِحمْدِهِ) معنى سبحان الله تنزيهه عما لا يليق به من كل نقص وسبحان منصوب على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف تقديره سبحت الله ولا يستعمل غالباً إلاَّ مضافاً وهو مضاف إلى المفعول أي سبحت الله ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل أي نزه الله نفسه والمشهور الأول وقد جاء غير مضاف في الشعر كقوله: *سبحانه ثم سبحانا انزهه* وقوله الآخر: *سبحان من علقمة الفاخر* ثم لا منافاة بين إضافته وكونه علماً للتسبيح لأنه ينكر ثم يضاف كما في قول الشاعر: *علا زيدنا يوم اللقا رأس زيدكم* أشار إليه الكرماني والواو في وبحمده للحال ومتعلق الظرف محذوف أي أسبحه

стр. 177

آخر شيء في صحيح البخاري. ــ متلبساً بحمدي له من أجل توفيقه لي وقيل عاطفة لجملة على جملة أي أنزهه وألتبس بحمده وقيل زائدة أي أسبحه مع ملابسة حمدي له وسيأتي زيادة إيضاح في إعرابه وقدم التسبيح على التحميد لأنه تنزيه عن صفات النقص والحمد ثناء بصفات الكمال والتخلية مقدمة على التحلية قال الكرماني التسبيح إشارة إلى الصفات السلبية والحمد إشارة إلى الصفات الوجودية، ثم قيل سبحان الله إلخ مبتدأ خبره مقدم عليه هو كلمتان إلخ وما بينهما صفة الخبر وقدم الخبر لما تقدمت الإشارة إليه من تشويق السامع إلى المبتدأ كقول الشاعر: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحا وأبو إسحاق والقمر وبعضهم جعل كلمتان مبتدأ وسبحان الله إلخ خبره قال لأن سبحان يلزم الإضافة إلى مفرد فيجري مجرى الظروف وهي لا تقع إلاَّ خبراً ورجحه المحقق ابن الهمام قال لأنه مؤخر لفظاً والأصل عدم مخالفة وضع الشيء محله بلا موجب ولأن سبحان الله إلخ محط الفائدة بنفسه بخلاف كلمتان فإنهما إنما يكونان محطا لها بواسطة صفاتها. قال الشيخ زكريا في شرح البخاري وللنظر في بعضه مجال والله أعلم. قوله: (آخر شيءٍ في صَحِيح البخَارِي) قال الحافظ وكذا ذكره البخاري أيضاً في الدعوات وفي الإيمان والنذور. وختم البخاري بهذا الحديث لأن التسبيح مشروع في الختام وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ من جلس في مجلس فأكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلاَّ أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر له ما كان في مجلسه ذلك وأيضاً ففي الحديث المذكور ما تقدم من أن الثواب من محض الإحسان ففيه

стр. 178

وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أَلا أخْبِرُكَ بِأَحب الكَلامِ إلى اللهِ تَعالى؟ إن أَحَب الكَلَامِ إلى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ" ــ إيماء إلى أن المدار على رحمة الرحمن فينبغي للعبد الاعتماد عليها في كل شأن، مع أداء التكليف الشرعية قدر الإمكان. قوله: (وَرَوَينَا فِي صَحيح مسلم إلخ) ورواه كذلك الترمذي والنسائي والحاكم قال الحافظ ووهم في استدراكه فإن مسلماً أخرجه ولعله قصد الزيادة التي في طريقه ولفظه فيها عن أبي ذر قلت يا رسول الله أخبرني أي الكلام أحب عند الله بأبي أنت وأمي قال ما اصطفى الله لعباده سبحان ربي وبحمده سبحان ربي وبحمده هكذا ورد في طريق عبد الوهاب الحجبي الذي رواه الحاكم من طريقه بمعناه. قوله: (عَنْ أبي ذر) هو الغفاري واسمه جندب بضم الجيم والدال وبفتح ابن جنادة بضم الجيم على المشهور وقيل جندب بن عبد الله وقيل ابن السكن وقيل اسمه بربر بموحدتين وراءين مهملتين بوزن هدهد الغفاري وسيأتي في كتاب السلام من هذا الكتاب أنه برير مصغر البر الغفاري الحجازي من السابقين إلى الإسلام وأقام بمكة ثلاثين بين يوم وليلة وأسلم وهو رابع أربعة وقيل خامس أربعة ثم رجع إلى بلاد قومه بإذن النبي ﷺ ثم هاجر إلى النبي ﷺ وصحبه حتى توفي ﷺ روي له عن النبي ﷺ مائتا حديث وأحد وثمانون حديثاً اتفقا منها على اثني عشر وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بسبعة عشر روى عنه ابن عباس وآخرون توفي بالربذة بالراء ثم الموحدة ثم الذال المعجمة سنة اثنتين وثلاثين قال المدائني وصلى عليه ابن مسعود ثم قدم ابن مسعود المدينة فأقام عشرة أيام ثم توفي رضي الله تعالى عنهما. قوله: (ألَا أُخْبِرُكَ بأحَبِّ الكَلاَم إِلَى الله إلخ) في الرواية الثانية سئل رسول الله ﷺ أي

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكلام أفضل إلخ قال المصنف في شرح مسلم هذا محمول على كلام الآدمي وإلا فالقرآن أفضل وقراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق أما المأثور في وقت أو نحو ذلك فالاشتغال به أفضل اهـ. قال الطيبي ثم هذا الحديث معارض بحديث "أفضل الذكر لا إله إلاَّ الله الخ" ويمكن أن يقال قول سبحان الله وبحمده مختصراً من الكلمات الأربع سبحان الله والحمد لله إلخ لأن معنى سبحان الله تنزيهه عما لا يليق بجلاله فيندرج فيه معنى لا إله إلاَّ الله وقوله وبحمده صريح في معنى الحمد لله لأن إضافته بمعنى اللام ويستلزم ذلك معنى الله أكبر لأنه إذا كان كل فضل وإفضال منه فلا أكبر منه ومع ذلك فليس التسبيح المدلول عليه بسبحان الله مثلاً أفضل من التهليل لأن التهليل صريح في التوحيد والتسبيح متضمن له ولأن منطوق لا إله إلاَّ الله توحيد ومفهومه تنزيه وسبحان الله بالعكس فيكون لا إله إلاَّ الله أفضل لأنه يفيد التوحيد الذي عليه المدار بالتصريح والتوحيد أصل التنزيه ينشأ عنه اهـ، وجمع القرطبي بأن هذه الأحاديث إذا أطلق في بعضها أنه أفضل الكلام أو أحب الكلام فالمراد إذا انضمت إلى أخواتها الأربع بدليل حديث سمرة أحب الكلام أربع لا يضرك بأيهن بدأت الحديث ويحتمل أنه يجمع بأن من مضمرة في قوله أفضل الكلام لا إله إلاَّ الله وفي قوله أحب الكلام سبحان الله بناء على تساوي لفظي أحب وأفضل ومع ذلك فالظاهر تفضيل لا إله إلاّ الله لأنها ذكرت بانفرادها بالأفضلية الصريحة ومع إخوانها بالأحببة فحصل لها الأفضلية صريحاً والأحببة انضماماً كذا في لفظ اللآلي والدرر من شرح البخاري لابن حجر للشيخ ابن العز الحجازي وفيما نقله عن القرطبي ما لا يخفى إذ لا يلزم من الحكم بالأفضلية للمجموع تساوي الأفراد فيها بل يكون مع التفاوت وهذا كما يقال أفضل العلماء فلان وفلان ويكون احدهما أفضل من المذكور معه فيكون ما في الخبرين من ذلك ولعل الجمع إن اختلاف الوصف بالأفضلية باعتبار الملاحظة فأفضلية لا إله إلاَّ الله لدلالتها على إثبات

стр. 180

وفي رواية: "سُئل رسول الله ﷺ أيّ الكلام أفضلُ؟ قالَ: ما اصْطَفَى اللهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أوْ لعبادِهِ: سبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ". وروينا في "صحيح مسلم" أيضاً ــ الوحدانية صريحاً وعلى ذلك المدار ولذا وصفت به صريحاً وأفضلية سبحان الله وبحمده لدخول معاني الكلمات الأربع تحته إما بالتصريح أو بالاستلزام على ما تقدم وبه يعلم أنه لا يحتاج إلى تقدير من لما تقرر والله أعلم وألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة استفتاح وسيأتي الكلام عليها في حديث إلا أخبركم بخير أعمالكم. قوله: (وفِي رِواية لمسلم) ورواه الترمذي ولفظه كما سيأتي سبحان ربي وبحمده سبحان ربي وبحمده وسبق أنه كذلك عند الحجبي الذي روى الحاكم الحديث من طريقه ثم الحديث على هذه الرواية من حديث أبي ذر أيضاً. قوله: (مَا اصْطَفَى) أي ما اصطفاه الله فالعائد محذوف وفي نسخة اصطفاه بإثباتها ويجوز كون ما مصدرية أي مصطفى الله أي مختاره من الذكر لمن ذكر. قوله: (لِمَلاَئِكَتِهِ أوْ لِعبَادِهِ) ووقع في المشكاة إسقاط أو لعباده والاقتصار على "لملائكته" وعزاه لمسلم والذي فيه كما عزاه المصنف لملائكته أو لعباده قال ابن حجر في شرح المشكاة ومن ثم افتخروا به على آدم فقالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] اهـ. قال العاقولي في شرح المصابيح وإنما كان أفضل الكلام لأنه متضمن للتنزيه ومنه نفى الشريك فيكون متضمناً لكلمة التوحيد اهـ. قوله: (وَرَوَيْنا فِي صَحيح مسلم) قال في شرح سلاح المؤمن بعد إيراده ما لفظه مختصراً خرجه مسلم والنسائي وابن ماجة زاد النسائي وهو من القرآن اهـ. قال ابن حجر في شرح المشكاة أفراد الكلمات الثلاث الأول في القرآن اهـ، وحينئذٍ فمعنى قوله وهو من القرآن البعض باللفظ والمعنى والبعض بالمعنى ثم الذي في الإذكار والسلاح وغيرهما من رواية مسلم أحب الكلام إلخ
следующие страницы →