← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وضحك النبي ﷺ . هذا لفظ رواية البخاري، وهي أتمُّ الروايات. وفي رواية: "فجعل يقرأ أمَّ الكتاب ويجمع بزاقه ويتفُلُ، فَبَرأ الرجل". وفي رواية: "فأمر له بثلاثين شاة". قلت: قوله: "وما به قَلَبَة"، وهي بفتح القاف واللام والباء الموحدة. أي: وجع. وروينا في كتاب ابن السني، عن عبد ــ ألا يعتقد أن الرقية تؤثر بذاتها بل بتقدير الله سبحانه، الثانية قوله أصبتم فيه دليل على جواز الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر وإنها حلال لا كراهة فيها وكذا الأجر على تعليم القرآن وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وآخرين من السلف ومن بعدهم ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن وأجازها في الرقية الثالثة قوله اقسموا هذه القسمة من باب المروآت والتبرعات ومواسات الأصحاب والرفاق وإلَّا فجميع الشياه ملك الراقي مختص به لا حق للباقين فيها عند التنازع فقاسمهم تبرعًا وجودًا ومروءة الرابعة قوله واضربوا لي معكم سهمًا قاله تطيبيًا لقلوبهم ومبالغة في تعريفهم إنه حلال لا شبهة فيه وقد فعل ذلك في حديث العنب وفي حديث أبي قتادة في حمار الوحش كذا يؤخذ من شرح مسلم للمصنف. قوله: (فأَمَرَ لهُ بثلاثِينَ شَاةَ) قال الحافظ بعد تخريجه عن أبي سعيد الخدري قال بعثنا رسول الله ﷺ في سرية ثلَاثين راكبًا فنزلنا بقوم من العرب زاد بعض الرواة ليلًا فسألناهم أن يضيفونا فأبوا فلدغ سيدهم فأتونا فقالوا فيكم أحد يرقي من العقرب قال قلت نعم ولكن لا أفعل حتى تعطونا شيئًا فقالوا إذا طلق فإنا نعطيكم ثلاثين شاة فجعلت أقرأ عليه فاتحة الكتاب وأمسح المكان الذي لدغ حتى برأ وفي رواية فقرأت عليه الحمد سبع مرات فبرأ فقبضنا الغنم فعرض في أنفسنا منها فكففنا حتى أتينا النبي ﷺ فذكرنا ذلك له فقال إني علمت أنها رقية اقسموها واضربوا لي معكم سهمًا أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة وروى أيضًا أحمد والدارقطني عن أبي سعيد قال بعث رسول الله ﷺ بعثا وكنت فيه فأتينا على قرية فاستطعمناهم فأبوا أن يطعمونا فأتى رجل فقال يا معشر العرب أفيكم أحد يرقي قلنا وما ذاك قال ملك القرية يموت فانطلقت معه فرقيته بفاتحة الكتاب أرددها عليه مرارا حتى عوفي فبعث إلينا النزاع وبعث إلينا الشياه فأكلنا الطعام وأبوا أن يأكلوا الغنم حتى أتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخ. فقال وما يدريك أنها رقية قلت يا رسول الله ألقى في روعي قال فكلوا واطعمونا من الغنم اهـ. قوله (وروينا في كتاب ابن السني)

стр. 1157

الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل، عن أبيه، قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ــ إلخ أورده في السلاح والحصن من حديث أبي بن كعب وقالا رواه الحاكم في المستدَرك وابن ماجة بمعناه قال الحاكم صحيح زاد في الحصين ورواه أحمد وليس فيه قوله وآيتين من وسطها الخ. بل قال فيه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وترك ما بعده وقال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه ابن السني عن أبي يعلى الموصلي ثنا زحمويه بفتح الزاي وسكون المهملة واسمه زكريا بن يحيى قال حدثنا صالح بن عمر حدثنا أبو جبان الكلبي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل عن أبيه جاء رجل إلى النبي ﷺ فذكر الحديث وأبو جبان بفتح الجيم والنون الخفيفة وآخره موحدة واسمه يحيى بن أبي حية بفتح المهملة وتشديد التحتية وهو ضعيف ومدلس وصالح الراوي فيه مقال وقد خولف عن شيخه في سنده فإن ظاهره إن صحابي هذا الحديث لم يذكر اسمه ولا كنيته وبين غيره خلاف ذلك ثم ساق سندًا ينتهي إلى عبدة بن سليمان ثنا أبو جبان عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى ﵁ قال كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ جاءه أعرابي فقال لي إن لي أخًا وجعًا الخ. فذكر الحديث نحوه وزاد بعد قوله والمعوذتين فقام الأعرابي وقد برأ ليس به بأس ووقع في روايته وأول آيات من البقرة وآية من وسطها [وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ] [البقرة: ١٦٣] وقال فيه وآيتين من خاتمتها وآية من آل عمران قال أحسبها ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] وآية من الأعراف وآية من المؤمنين ﴿وَمَن يدع مع الله﴾ [المؤمنون: ١١٧] والباقي سواء قال الحافظ فبين عبدة بن سليمان وهو حافظ متفق على تخريج حديثه في الصحيح إن صحابي الحديث هو أبو ليلى والد عبد الرحمن وتابعه محمد بن مسروق عن أبي جبان أخرجه الطبراني في كتاب الدعاء فعلى هذا فالضمير في قوله عن أبيه في الرواية الأولى أي رواية ابن السني يعود لعبد الرحمن قلت بدلًا من قوله عن رجل بإعادة الجار ولا يعود الضمير منه للرجل الذي لم يسم فتتفق الروايتان لكن يسقط الرجل الذي لم يسم من الرواية الثانية وكأنه من تدليس ابن جبان إذ هو ضعيف مدلس فجوده مرة وسواه أخرى قال وقد ظهر من رواية أخرى إنه دلسه عن عبد الرحمن أيضًا ثم ساق الحافظ

стр. 1158

إن أخي وَجِع، فقال: وَما وَجَعُ أخِيكَ؟ قال: به لمم، قال: فابْعَثْ بِه إليَّ، فجاء فجلس بين يديه، فقرأ عليه النبي ﷺ : فاتحة الكتاب، وأربع آيات من أوَّل سورة البقرة، وآيتين من وسطها، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... ﴾ حتى فرغ من الآية [البقرة: ١٦٣، ١٦٤] وآية الكرسي، وثلاث آيات من آخر سورة البقرة، وآية من أوَّل سورة آل عمران، و (﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ ... ﴾، إلى آخر الآية [آل عمران: ١٨]، وآية من سورة [الأعراف: ٥٤]: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خلَقَ السَّمَاواتِ وَألْأَرْضَ ... ﴾، وآية من سورة [المؤمنين: ١١٦] ﴿فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، وآية من سورة [الجن: ٣] (﴿وَأَنَّهُ تَعَالى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ وعشر آيات من سورة الصافات من أوّلها، وثلاثًا من آخر سورة الحشر، و (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ والمعوّذتين". قلت: قال أهل اللغة: اللمم: طرف من المجنون يلمّ بالإنسان ويعتريه. وروينا في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح، عن ــ سنده اهـ. كلام الحافظ وأبو ليلى والد عبد الرحمن أنصاري اختلف في اسمه فقيل يسار بن نمير وقيل أوس بن خولي وقيل داود بن بلال وقيل بلال بن بليل أنصاري أوسي صحب النبي ﷺ وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد ثم انتقل إلى الكوفة وله بها دار وشهد هو وابنه على جميع مشاهد علي ﵁. قوله: (جاءَ رجلٌ) في رواية أبي إنه أعرابي. قوله: (وأَربعَ آياتٍ منْ أَولِ سُورة البقرةِ) تمامها (هم المفلِحُونَ) [البقرة: ٥]. قوله: (وآيةَ منْ سُورةِ المؤمِنينَ) قال في السلاح والحصن في حديث أبي وآخر سورة المؤمنين [فَتَعَالَى اللهُ المَلكُ الحَقُّ] [المؤمنون ١١٦] اهـ، وظاهره بل صريحه إنه إلى آخر السورة وقضية ما هنا يخالفه والله أعلم. قوله: (وعَشرَ آياتٍ منْ سُورةِ الصافاتِ) قال في الحصين إلى لازب. قوله: (وأنه تعالى جد ربنا) بيان للآية من سورة الجن فهو خبر مبتدأ محذوف أي هي إنه تعالى الخ. كذا قوله وآية من سورة الأعراف الخ. قوله: (والمعوِّذتين) بكسر الواو وتفتح. قوله: (وقَال أَهلُ اللغَةِ) الخ. نقله في السلاح عن الهروي عن شمر. قوله: (وَرَوَيَنَا في سنَنِ أَبِي دَاوُدَ بإسنادٍ صحيحٍ) قال الحافظ بعد تخريجه هذا

стр. 1159

خارجة بن الصلت، عن عمه، قال: أتيت النبي ﷺ ، فأسلمت، ثم رجعتُ فمررتُ على قوم عندهم رجلٌ مجنون موثَقٌ بالحديد، فقال أهله: إنا حُدِّثنا أن صاحبك هذا قد جاء بخير، فهل عندك شيء تداويه؟ فرقيتُه بفاتحة الكتاب، فَبَرَأ، فأعطَوني مائة شاة، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "هَلْ إلَّا هَذا" وفي رواية: "هَلْ قُلْتَ غَيرَ هذا؟ " قلت: لا، قال: "خُذها فَلَعَمْرِي لَمَنْ أكلَ بِرُقْيَةٍ باطِلٍ، قدْ أكلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ". وروينا في كتاب ابن السني بلفظ آخر، وهي رواية ــ حديث حسن أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم. قوله: (خارجَة بْنِ الصَّلتِ) خارجة اسم فاعل مؤنث بالتاء من الخروج والصلت بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام آخره مثناة فوقية وهو البرجمي بضم الموحدة وسكون الراء المهملة وضم الجيم قال في السلاح وهو تيمي قال الحافظ ابن حجر في التقريب إنه مقبول من كبار التابعين. قوله: (مجنون) المجنون زوال الشعور مع بقاء القوى في الأعضاء ثم إن المصنف وصاحب السلاح والحصن عقدوا ترجمة ما يقال للمعتوه وأوردوا فيه هذا الخبر وأورد فيه صاحب السلاح حديث أبي السابق وكأنه قام عندهما ما يدل على أن المراد من المجنون في الخبر المعتوه ويقويه إنه ورد في الحديث الآتي عند ابن السني أو إن المراد بالمعتوه في الترجمة المجنون بأنواعه وفي النهاية المعتوه المجنون المصاب بعقله وقد عنه فهو معتوه قال بعض العلماء المعتوه من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير إلّا إنه لا يضرب ولا يشتم كالمجنون والمجنون بخلافه وقيل العاقل من يستوي كلامه وأفعاله إلَّا نادرًا والمجنون ضده والمعتوه من يستوي ذلك منه وقيل المجنون من يفعل لا عن قصد مع ظهور الفساد نقله في الحرز. قوله: (هَلْ إِلَّا هذا) أي هل قلت إلّا هذا كما بينته الرواية المذكورة بعده. قوله: (برُقْيةِ الخ) بضم الراء. قوله: (وَرَوَيَنا في كِتَابِ ابْنِ السني) إلى آخره وفيه زيادة أي عند ابن وهب أحد رواته جئتم من عند أهل الخير كتاب بخير فهل عندكم من دواء أو رقية الخ. والباقي سواء خرجه أحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى والدارقطني والحاكم والكل من طريق بينها الحافظ في التخريج. قوله

стр. 1160

أخرى لأبي داود، قال فيها: عن خارجة عن عمه قال: أقبلنا من عند النبي ﷺ ، فأتينا على حي من العرب فقالوا: عندكم دواء، فإن عندنا معتوهًا في القيود، فجاؤوا بالمعتوه في القيود، فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، أجمعُ بزاقي ثم أتفل، فكأنما نشط من عقال، فأعطوني جعلًا، فقلت: لا، فقالوا: سل النبي ﷺ ، فسألته فقال: "كُلْ فَلَعَمْري مَنْ أكلَ بِرُقْيَةِ باطِلٍ، لقَدْ أكلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ". قلت: هذا العُم اسمه عِلاقة بن صُحَار، وقيل: اسمه عبد الله. وروينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه ــ (غُدْوة) بضم أوله أي بكرة وصباحًا. قوله: (وَعَشيَّة) أي عشاء ومساء أي في وقتين من ثلاثة أيام فالمراد طرفاها والتقدير ثلاثة أيام ولياليها فالمراد بالعشية أول الليل وقوله غدوة وعشية بيان للمراد باليوم والليلة أي بعض كل منهما قوله اجمع بزاقي أي المتبرك بالقرآن. قوله: (ثُمَّ أتْفُلُ علَيهِ) أي بقصد جنيه ولا يبعد جواز ذلك للتداوي أو المعنى اتفل بزاقي على الأرض تنفيرًا للجن. قوله: جُعْلًا بضم الجيم اسم مصدر والمصدر الجعل بالفتح يقال جعلت كذا جعلا وجعلا وهو الأجرة على الشيء فعلًا أو قولًا كذا في النهاية وقد ورد عند أبي داود وابن حبان قال فأعطوني مائة شاة فقلت لا أي لا آخذه. قوله: (كلْ) أي خذ الجعل وكل منه. قو له: (عِلاقةُ بْنُ صُحارِ) وقيل عبد الله قال في الحرز علاقة بكسر العين المهملة قلت وآخره قاف بعدها هاء وفي السلاح صار بضم الصاد وبالحاء المهملتين وفي أسد الغابة هو عم خارجة بن الصلت وذكر قولًا إن اسمه العلاء وإنه السليطي من بني سليط قال واسمه كعب بن الحارث بن يربوع التيمي السليطي ذكره ابن شاهين وقال قال ابن أبي خيثمة أخبرت باسمه عن أبي عبيد القاسم بن سلام وقال المستغفري علاقة بن شجار قاله علي بن المديني يعني السليطي قال ويقال صحار وحكاه أيضًا عن أبي خيثمة عن أبي عبيد قال اسم عمر خارجة عبد الله بن عثمان بن عبد قيس بن خفاف من بني عمرو بن حنظلة من البراجم وحكى عن خليفة قال علاقة شجار بخط أبي يعلى السبيعي قال وقال البرذعي بن شجار بالتخفيف أخرجه هكذا أبو موسى والله أعلم اهـ. كلام اابن الأثير. قوله: (وَرَوَينَا في كِتَابِ ابْنِ السُّني عَنْ عبد الله بن مسعُود)

стр. 1161

قرأ في أذن مبتلى فأفاق، فقال له رسول الله ﷺ : "ما قَرأتَ في أُذنِهِ؟ " قال: قرأت (﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، حتى فرغ من آخر السورة، فقال رسول الله ﷺ : "لو أن رَجُلًا موقِنًا قرَأ بِها على جَبَلٍ لَزَال". باب ما يعوذ به الصبيان وغيرهم روينا في "صحيح البخاري" ﵀، عن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يُعوِّذ الحسن والحسين: "أُعِيذُكُما بكَلِمَاتِ الله التامّةِ، مِنْ ــ أخرجه الثعلبي كما سبق في باب ما يقال في المساء والصباح وفي كتاب التذكار في أفضل الأذكار للقرطبي أسنده الثعلبي والوائلي عن ابن مسعود وقال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه ابن السني عن أبي يعلى الموصلي وأخرجه الطبراني في الدعاء وابن أبي حاتم في التفسير. باب ما يعوذ به الصبيان وغيرهم قوله: (وَرَوَيَنَا في صَحيح البُخَارِي) الخ. قال ورواه أصحاب السنن الأربعة ولفظ أبي داود والترمذي والنسائي أعيذكما ولفظ البخاري وابن ماجة أعوذ بكلمات الله الخ. لكن في المشكاة عن وأعيذكما إلى البخاري كما صنع المصنف هنا ولعله روي عنده بالوجهين والله أعلم. زاد الحافظ في التخريج وأخرجه أحمد ثم راجعت صحيح البخاري في أحاديث الأنبياء فرأيته أورده باللفظ الذي ذكره عنه في السلاح وقد اقتصر المزي في الأطراف على أن البخاري أخرجه في محل آخر منه والله أعلم. قوله: (أَعِيذكمَا) الخ بيان للكلمة المعوذ بها المدلول عليها بقوله يعوذ الحسن والحسين ومعنى أعيذكما أعصمكما وأحفظكما. قوله: (بكَلِمَاتِ الله التامّةِ) قال التوربشتي الكلمة في لغة العرب تقع على كل جزء من الكلام اسما كان أو فعلًا أو حرفًا وتقع على الألفاظ المبسوطة وعلى المعاني المجموعة والكلمات ها هنا محمولة على أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة لأن الاستعاذة إنما تكون بها ووصفها بالتامة لخلوها عن النواقص والعوارض بخلاف كلمات الناس فإنهم متفاوتون في كلامهم على حسب تفاوتهم في العلم واللهجة وأساليب القول فما منهم من أحد إلَّا وقد يوجد فوقه آخر إما في معنى أو في معاني كثيرة ثم إن أخذهم قلما يسلم من معارضة أو خطأ أو نسيان أو العجز

стр. 1162

كُل شَيطانٍ وهامّة، وَمِنْ كُل عَينٍ لامّةٍ، ويقول: إن أباكُما كانَ يُعَوِّذُ بِهَا إسماعِيلَ وإسْحاقَ صلى الله عليهم أجمعين وسلم". قلت: قال العلماء: الهامّة بتشديد الميم: ــ عن المعنى الذي يراد وأعظم النقائص التي هي مقترنة بها أنها كلمات مخلوقة تكلم بها مخلوق مفتقرة إلى الأدوات والمخارج وهذه نقيصة لا ينفك عنها كلام مخلوق وكلمات الله تعالى متعالية عن هذه القوادح فهي لا يلحقها نقص ولا يعتريها اختلال واحتج الإمام أحمد بها على القائلين بخلق القرآن فقال لو كانت كلمات الله مخلوقة لم يعذبها رسول الله ﷺ إذ لا تجوز الاستعاذة بمخلوق واحتج أيضًا بقوله التامة فقال ما من مخلوق إلَّا وفيه نقص وقيل المراد بكلماته معلوماته وأقضيته النافذة وشؤونه الكاملة ووصفها بالتامة لتنزيهها عن كل سمت من سمات النقص لأنها إنما تقع على قوانين الحكمة والإتقان الناشئة عن مظهر الإرادة والقدرة الباهرة على كل ممكن فلا يعتريها نقص ولا يطرقها اختلاف وخلف. قوله: (كل شيْطَانٍ) أي جني أو إنسي. قوله: (وَهَامَةٍ) هي بتشديد الميم كل دابة ذات سم يقتل والجمع الهوام وأما ما له سم ولا يقتل كالعقرب والزنبور فهو السامة وقد تطلق الهامة على كل ما يدب على الأرض مطلقًا كالحشرات ومنه أيؤذيك هوام رأسك ذكره الطيبي عن النهاية. قوله: (وَمِنْ كل عينٍ لامّةٍ) بتشديد الميم أيضًا أي جامعة للشر على المعيون من لمه إذا جمعه أو يكون بمعنى ملمة أي منزلة قال الطيبي قال في الصحاح العين اللامة هي التي تصيب بسوء واللمم طرف من المجنون ولامة أي ذات لمم وأصلها من ألممت بالشيء إذا نزلت به وقيل لامة لازدواج هامة والأصل ملممة لأنها فاعل الممت اهـ، وفي القاموس الملم الشديد من كل شيء وألم باشر اللمم وبه نزل كلم والتم، والعين اللامة المصيبة بسوء وهي كل ما يخاف من فزع وشر واللمة الشدة اهـ، وفي المرقاة شرح المشكاة قيل وجه إصابة العين إن الناظر إذا نظر إلى شيء واستحسنه ولم يرجع إلى الله وإلى رؤية صنعه قد يحدث الله في المنظور عليه علة بجناية نظره على غفلة ابتلاء لعباده ليقول الحق إنه من عند الله وغيره من غير اهـ. قوله: (إِن أَباكما) أراد به الجد الأعلى وهو إبراهيم ﵇ وفي قوله كان يعوذ بها الخ. إشارة إلى أن الحسن والحسين ﵄ منبع ذريته ﷺ كما أن إسماعيل وإسحاق معدن ذرية إبراهيم وقد تكلمت على ما يتعلق بسيدنا إسماعيل من الفضائل وما في

стр. 1163

وهي كل ذات سم يقتل كالحية وغيرها، والجمع: الهوام، قالوا: وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتلِ كالحشرات. ومنه حديث كعب بن عجرة ﵁ "أيُؤذيكَ هَوَامُّ رأسِكَ؟ " أي: القمل، وأما العين اللَّامّةُ بتشديد الميم: وهي التي تصيب ما نظرت إليه بسوء. باب ما يقال على الخرّاج والبثرة ونحوهما في الباب حديث عائشة الآتي قريبًا في باب ما يقوله المريض ويقرأ عليه. روينا في كتاب ابن السني، عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: "دخل ــ اسمه من اللغات وغير ذلك من الفوائد في أوائل كتاب در القلائد فيما يتعلق بزمزم وسقاية العباس من الفوائد. قوله: (وقد يقعُ الهوامُ) الخ أي وإن لم يكن من ذوات السموم فهو أعم إطلاقاته إما ذو السم الذي لا يقتل كالعقرب والزنبور فسمى على الإطلاق سامة وعلى الثاني هامة. قوله: (ومنه حديث كعب بن عجرة) الخ. هو طرف من حديث مخرج في الصحيحين روايته في سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] من رأسه كذا في التخريج للحافظ. باب ما يقال على الجرح جمع جراحة بكسر الجيم أيضًا كما في الصحاح وفيه أيضًا جرجه جرحًا والاسم الجرح بالضم والجمع جروح ولم يقولوا أجراح إلَّا ما جاء في الشعر اهـ، ويجوز أن يقرأ الخراج في الترجمة بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء والجيم من آخره ويكون عطف البثرة عليه كالعطف التفسيري غير أني لم أره في شيء من النسخ والبثرة بفتح الموحدة وإسكان المثلثة ونحوهما أي كالنفاطات قوله: (في الباب حدِيثُ عائِشةَ الخ) هو قولها كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه الخ. قوله: (وَرَوَيَنَا في كِتَابِ ابْنِ السني) الخ. قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الإمام أحمد بن حنبل وغيره بسنده إلى مريم بنت إياس بن البكير صاحب رسول الله ﷺ عن بعض أزواج النبي ﷺ أنه دخل عليها فقال هل عندك ذريرة قالت نعم فدعا بها فوضعها على بثرة بين أصابع رجله وفي رواية لبعض رواته بين أصبعين من أصابع

стр. 1164

على رسول الله ﷺ وقد خرج في أصبعي بثرة، فقال: عِندَكِ ذَرِيرَةٌ؟ فوضعها عليها وقال: قُولي: اللهُم مُصَغِّرَ الكَبِيرِ ومُكَبِّرَ الصَّغِيرِ صَغِّر ما بي، فطفئت". قلت: البثرة بفتح الباء الموحدة وإسكان الثاء المثلثة، وبفتحها أيضًا لغتان: وهو خراج صغار ويقال: بثر وجهه وبثر بكسر الثاء وفتحها وضمها ثلاث لغات. وأما الذريرة: فهي فتات قصب من قصب الطيب يجاء به من الهند. ــ رجليه ثم قال اللهم مطفئ الكبير ومكبر الصغير وفي رواية مطفئ الصغير ومصغر الكبير أطفئها عني فطفئت حديث صحيح أخرجه النسائي في اليوم والليلة وأخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد وهو كما قال فإن رواته من أحمد إلى منتهاه من رواة الصحيحين إلَّا مريم بنت إياس بن البكير صاحب رسول الله ﷺ وقد اختلف في صحبتها وأبوها وأعمامها من كبار الصحابة ولأخيها محمد رؤية، وأشار الحاكم إلى أن الزوجة المبهمة زينب بنت جحش وأخرجه ابن السني وخالف في سياق المتن ظاهره واتفاق الأئمة على خلاف روايته دال على إنه وقع له في سنده وهم فإنه قال بنت أبي كثير وعجب من عدول الشيخ عن التخريج من كتاب النسائي مع تشدده وعلوه إلى كتاب ابن السني مع تساهله ونزوله اهـ. قوله: (البَثْرة الخ) قال في التهذيب نقلًا عن الصحاح البشر والبثور خراج صغار واحدتها بثرة وقد بثر وجهه بثرًا أي كنصر ينصر نصرًا وكذلك بثر وجهه بالكسر والضم ثلاث لغات وقال صاحب المحكم البشر والبثر خراج صغار وخص بعضهم به الوجه ببثر بثرًا وهو وجه بثر بين البشر وبثر يبثر بثرًا قال الأزهري البثور مثل الجدري يقيح على الوجه وغيره من بدن الإنسان واحدها بثرة اهـ. قوله: (خُراجٌ) بضم الخاء المعجمة وتخفيف المهملة آخره جيم وهو القرحة في الجسد كذا في التهذيب للمصنف وهو صريح في أن الخراج مفرد وحينئذٍ فكان حقه أن يقول هنا وهو خراج صغير كما عبر به في التهذيب لكن في المغرب الخراج بالضم البشر واحده خراجة وقيل هو كل ما يخرج على الجسد من دمل ونحوه اهـ، وبه يتضح قوله هنا الصغار والله أعلم.

стр. 1165

كتاب أذكار المرض والموت ومما يتعلق بهما باب استحباب الإكثار من ذكر الموت روينا بالأسانيد الصحيحة في كتاب الترمذي، وكتاب النسائي، وكتاب ابن ماجه وغيرها، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: ــ كتاب أذكار المرض والموت ومما يتعلق بهما مما يقوله من يتولى أمر الميت من غسل وكفن وصلاة وإدخال قبر وغير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى قوله والنسائي قلت وزاد في روايته فإنه لا يذكر في كثير إلَّا قلله ولا قليل إلا كثره أي كثير من الأمل إلَّا قلله ولا قليل من العمل إلا كثره أو من العيش إلا كثره قوله: (وغيْرِها) في الجامع الصغير أكثر من ذكر هاذم اللذات رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو نعيم في الحلية والحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب عن عمر بلفظ أكثروا ذكر هاذم اللذات فلا يكون في شيء إلَّا قلله ولا في قليل إلَّا أجزله ورواه البيهقي في الشعب وابن حبان عن أبي هريرة بلفظ أكثروا من ذكر هاذم اللذات فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلَّا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلَّا ضيقها عليه ورواه البزار بهذا اللفظ عن أنس وفي المشكاة أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وشرح على ذلك العلقمي أي بحذف يعني وقال ابن حجر الموت بالحركات بتقدير هو أو أعني أو عطف بيان أو بدل من هاذم اهـ، وقال الحافظ الحديث حسن ومدار كل طرق الحدث كلها عند كل ممن ذكره المصنف على محمد بن عمرو بن علقمة وليس هو من شرط الصحيحين إذا انفرد ففي قول الشيخ الأسانيد الصحيحة عن أبي هريرة نظر من وجهين وأما تصحيح ابن حبان والحاكم فهو على طريقهما في تسمية ما يصلح للحجة صحيحًا وأما على طريق من يفصل بين الصحيح والحسن كالشيخ يعني المصنف فلا، فقد ذكر هو في مختصريه لابن الصلاح حديث محمد بن عمرو هذا مثالًا للحديث الحسن وإنه لما توبع جاز وصفه بالصحة وهنا لم يتابع ومن ثم قال الترمذي هنا

стр. 1166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حسن فقط وقد قال في المثال الذي ذكره حيث توبع حسن صحيح ولولا قول الشيخ هنا عن أبي هريرة لاحتمل أن يكون أشار إلى شواهده فقد قال الترمذي وفي الباب عن أبي سعيد قلت وفيه أيضًا عن عمر وأنس وابن عمر اهـ. ثم خرج الحافظ من طريق كل من الصحابة المذكورين وتقدم عن الجامع بيان من خرج الحديث من طريق كل منهم إلَّا أن الحافظ بين مراتب كل منها فقال بعد تخريجه من حديث عمر بلفظ أكثروا من ذكر هاذم اللذات قلنا يا رسول الله وما هاذم اللذات قال الموت قال أبو نعيم حديث غريب من حديث مالك تفرد به راويه عن جعفر بن محمد بن الحسين عن عبد الملك بن بديل عن مالك تفرد به عبد الملك وهو ضعيف وضعفه الخطيب في الرواية عن مالك وقال أبو هشام الجزري وقال بعد تخريج حديث أنس بلفظ مر رسول الله ﷺ بقوم في المسجد وهم يضحكون ويمرحون فقال أكثروا من ذكر هاذم اللذات هذا حديث حسن أخرجه البزار وقال تفرد به مؤمل بن إسماعيل وقال قال الطبراني وهو بوزن محمد صدوق لكن وصفوه بكثرة الخطأ وقد ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل إنه سأل أباه عن حديث رواه أحمد بن محمد بن أبي برة فذكر هذا الحديث فقال باطل لا أصل له وابن أبي برة صدوق لكنهم وصفوه بسوء الحفظ في الحديث وهو أحد الأئمة في القرآن ولعل أبا حاتم استنكره لرواية ضعيف الحفظ عن مثله وقد توبع كما ترى فما بقي إلَّا تفرد مؤمل وهو معتضد لشواهده وقال بعد تخريج حديث ابن عمر ولفظه قال كنت مع النبي ﷺ عاشر عشرة فذكر حديثًا طويلًا وفيه فقال فتى يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقًا قال فأي المؤمنين أكيس فقال أكثرهم للموت ذكرًا وأحسنهم له استعدادًا الحديث بطوله حديث حسن أخرج ابن ماجة طرفًا منه والضياء في المختار والطبراني. الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد طرفًا منه أما حديث أبي سعيد الذي أشار إليه الترمذي فإنه هو أخرجه موصولًا في أثناء حديث في فتنة القبر وفيه دخل رسول الله ﷺ إلى مصلاه فرأى ناسًا كأنهم يكسرون فقال أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات الموت لشغلكم عما أرى فأكثروا ذكر هاذم اللذات الموت وهو عنده من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية

стр. 1167

"أكْثِرُوا ذكْرَ هَادِمِ اللذات" يعني الموت، قال الترمذي: حديث حسن. باب استحباب سؤال أهل المريض وأقاربه عنه وجواب المسؤول ــ عن أبي سعيد وعطية والراوي عنه ضعيفان اهـ. ملخصًا. قوله: (هَاذِم اللذاتِ) قال ابن الملقن في تخريج أحاديث الشرح الكبير هو بالذال المعجمة ليس إلَّا والهذمَ القطع قال الجوهري الهاذم بالمعجمة القاطع وكذا ذكر السهيلي في روضه في غزوة أحد عند ذكر قتل وحشي حمزة أن الرواية بالمعجمة وأما المهملة فمعناها المزيل للشيء من أصله وليس مرادًا هنا لكن في شرح المشكاة هاذم بالمعجمة أي قاطعها وبالمهملة أي مزيلها من أصلها وعليه فهو استعارة تبعية أو بالكناية شبه وجود اللذات ثم زوالها بذكر الموت ببنيان مرتفع هدمته صدمات هائلة حتى لم يبق منه شيء اهـ. زاد الطيبي ثم أمر المنهمك فيها بذكر الهاذم لئلا يستمر على الركون إليها والاشتغال عما يجب عليه من الفرار إلى دار القرار اهـ. ونقل الطاهر الأهدل فيما رأيت بخطه أن الفيروذباذي سئل عن ذلك فقال إنه بالمهملة أشهر وبالمعجمة أرجح وقال ميرك صحح الطيبي بالدال المهملة حيث قال شبه وجود اللذات الخ. وقال الشيخ ابن الجزري يروى بالمهملة أي دافعها أو مخربها وبالمعجمة أي قاطعها واختاره جمع من مشايخنا وهو الذي لم يصحح الخطابي غيره وجعل الأول من غلط الرواة والله أعلم. قوله: (يَعني المَوتَ) هو عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيًّا وقيل إنه عرض يضادها لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] ورد بأن المعنى قدر والعدم يقدر وأخذ أئمتنا من هذا الحديث وأمثاله إنه يستحب لكل أحد من صحيح وغيره ذكر الموت بقلبه ولسانه وإلَّا فبقلبه والإكثار منه حتى يكون نصب عينيه فإن ذلك أحرز عن العصيان وادعى إلى الطاعة كما يدل عليه رواية النسائي فإنه لا يذكر في كثير أي من أمل إلَّا قلله ولا في قليل إلَّا كثره وزيادة ابن حبان فإنه ما ذكره أحد في ضيق أي النفس من شحها بأمر ديني أو دنيوي إلّا وسعه أي لأنه يوجب لها الخروج عن مألوفاتها لعلمه إنه مفارق لها ولا ذكره في سعة أي من الدنيا وغرورها إلَّا ضيقها أي أوجب الأعراض عنها والتقلل منها بأدنى كفاية. باب استحباب سؤال أهل المريض وأقاربه عنه

стр. 1168

روينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄، "أن علي بن أبي طالب ﵁، خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن! كيف أصبح رسول الله ﷺ قال: أصبح بحمد الله بارئًا". باب ما يقوله المريض ويقال عنده ويقرأ عليه وسؤاله عن حاله روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة ﵂ "أن رسول ــ وجواب المسؤول وفي نسخة السؤال قوله: (وَرَوَيَنا في صَحيحِ البُخاري) قال الحافظ هو طرف من حديث أخرجه البخاري في الاستئذان وفي أواخر المغازي من وجهين عن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن عباس أخبره فذكره وزاد بعد قوله بحمد الله بارئًا فقال العباس والله إني لأرى رسول الله ﷺ سيتوفى من وجعه هذا وإني لأعرف في وجوه بني عبد المطلب عند الموت الحديث وفيه إشارة العباس على أن يسأل فيّ من الخلافة وامتناع عليّ منه ذكره الحافظ. قوله: (كَيْف أصبحَ رَسُولُ الله ﷺ ) قال ابن حجر في شرح المشكاة فيه أن العبادة إذا تعسرت لعارض كغلبة المريض أو اشتغاله باستعماله دواء يسن السؤال عن حاله ممن يعلمه وهذا وإن لم يصرح به أئمتنا لكن ظاهر المعنى لأن المريض إذا بلغه ذلك يسر به اهـ. قوله (أَصبْحَ بِحَمْدِ الله) أي مقرونًا بحمده أو ملتبسًا بموجب حمده وشكره. قوله: (بارئًا) اسم فاعل من البرء خبر بعد خبر أو حال من ضمير أصبح ويجوز عكسه والمعنى قريبًا من البرء بحسب ظنه أو للتفاؤل أو بارئًا من كل ما يعتري المريض من قلق وغفلة وسيأتي في باب النياحة كلام نفيس في برأ وفي إنه ينبغي لمن يسأل عن المريض أن يجيب بما يشعر برضى المريض بما هو فيه عن الله تعالى وإنه مستمر على حمده وشكره لم يغيره عن ذلك شدة ولا مشقة وبما يؤذن بخفة مرضه أو بقرب عافيته قال ابن حجر أيضًا وهذا وإن لم يصرح به أصحابنا لكنه واضح. باب ما يقوله المريض (وفي نسخة ما يقول بإسقاط الضمير ويقال ويقرأ عليه وسؤاله عن حاله)، قوله: (رَوَيَنَا في صَحيح البُخَاري الخ) قال الحافظ بعد ذكره إلى قوله يفعل ذلك ثلاثًا سبق من

стр. 1169

الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما: (قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ) و (قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلِق) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات، قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به". وفي رواية في الصحيح: "أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي توفي فيه بالمعوِّذات، قالت عائشة: فلما ثقل، كنت أنفث عليه بهن وأمسح ــ المصنف في باب ما يقوله إذا أراد النوم إيراد هذا الحديث ونسبته للصحيحين أيضًا ولم يقع بهذا اللفظ في صحيح مسلم ولا عنده في شيء من طرقه وكان يفعل ذلك ثلاث مرات وقد قال أسندته فيما مضى من طريق عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وهو عند البخاري وأصحاب السنن من طريق المفضل بن فضالة عن عقيل بهذا اللفظ ثم أخرجه الحافظ عن عقيل بهذا السند وباللفظ إلَّا إنه قال كان إذا أراد النوم بدل قوله كان إذا أوى إلى فراشه وقال وسائر جسده بدل قوله وما أقبل عليه من جسده وحذف في هذه الرواية ما بعد جسده من الحديث وأخرجه هكذا أحمد اهـ. قوله: (فَلمّا اشْتكَى) أي مرض وهو لازم وقد يأتي متعديًا فيكون التقدير وجعًا. قوله: (وفي روَايةٍ) هي مقررة في الصحيح أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي توفي فيه بالمعوذات قلت هذه رواية معمر أخرجها البخاري في الطب وليست في مسلم وفيها زيادة ستذكر بعد اهـ. قوله: (بالمعَوِّذَاتِ) قال في المرقاة بكسر الواو وقيل بفتحها أي قرأها على نفسه ونفث الريح على بدنه وأراد المعوذتين وكل آية تشبههما مثل وإن يكاد وإني توكلت على الله أو أطلق الجمع على التثنية مجازًا ومن ذهب إلى أن أقل الجمع اثنان فلا يرد عليه قال الطيبي أراد المعوذتين فيكون مبنيًّا على أن أقل الجمع باعتبار الآيات وقال العسقلاني يعني الحافظ وهما والإخلاص على طريق التغليب وهو المعتمد وقيل والكافرون أيضًا اهـ، وفي الحرز فلا منع من الجمع وهو أولى وبالإجابة أحرى لاشتراك الأربعة في البداءة يقل فكان الأولين بمنزلة الحمد والثناء الناشئ عن الإخلاص والأخيرتين

стр. 1170

بيد نفسه لبركتها". وفي رواية: "كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث". قيل للزهري أحد رواة هذا الحديث: كيف ينفث؟ فقال: ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه. قلت: وفي الباب الأحاديث التي تقدمت في باب ما يقرأ على المعتوه، وهو قراءة الفاتحة وغيرها. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" وسنن أبي داود وغيرها، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ : كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت قَرْحَة أو جَرْح، قال النبي ﷺ بأصبعه هكذا، ووضع سفيان بن عيينة الراوي سبّابته بالأرض، ثم رفعها وقال: "بِسْمِ اللهِ تُرْبَةُ أرْضِنا ــ لمحض الدعاء وطلب الإخلاص اهـ. قوله: (وفي روَايةٍ) كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات قال الحافظ هذه الرواية التي اتفق البخاري ومسلم على تخريجها فأخرجها البخاري في فضائل القرآن ومسلم ومدار الحديث عندهما على مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة. قوله: (قيلَ للزّهْرِي الخ) قال الحافظ كلامه يوهم أن أثر الزهري في الرواية الأخيرة وهي رواية مالك المتفق عليها وليس كذلك إنما هو في الرواية التي قبلها وهي التي انفرد بها البخاري وأخرجها في كتاب الطب عن معمر اهـ. قوله: (وغيْرِها) أي كأحمد كما قال الحافظ وابن ماجة قال ميرك انفرد البخاري بقوله بإذن ربنا وفي رواية له بإذن الله قال في المرقاة ولهذا نسب الحديث في الحصين إلى مسلم فقط. قوله: (الشيءَ) بالنصب قال في المرقاة مفعول أي العضو والضمير في منه يعود للإنسان أي من جسده. قوله: (قُرْحة) هو بفتح القاف وضمها ما يخرج من الإنسان مثل الدمل ونحوه. قوله: (جُرْحٌ) هو بالضم كالجراحة بالسيف. قوله: (وَوَضعَ سُفيانُ بْنُ عُيينةَ سَبابَتهُ بالأَرْض) أي حتى يعلق بها شيء منها. قوله: (باسم الله) أي أتبرك به ويجوز أن يكون متعلقًا بقوله يشفى أَي بحذف اللام كما في النسخ وفي المشكاة بزيادة لام كي أي قال ﷺ باسم الخ. ليشفي سقيمًا. قوله. (تربةُ أَرْضِنَا) أي هذه تربة أرضنا ممزوجة بريق بعضنا

стр. 1171

بِرِيقَةِ بَعْضِنا يُشْفى بِهِ سَقِيمُنا ــ وهذا يدل على إنه كان يتفل عند الرقية قال القرطبي فيه دلالة على جواز الرقي من كل الآلام وأن ذلك أمر فاشيًا معلومًا بينهم قال ووضع النبي ﷺ سبابته بالأرض ووضعها عليه أي على محل الألم من بدنه يدل على استحباب ذلك عند الرقي قال المصنف قالوا المراد بأرضنا جملة الأرض وقيل أرض المدينة خاصة لبركتها والأصح الأول ولا يخص أيضًا ببزاقه ﷺ وكان النبي ﷺ يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه فيمسح بها على الموضع الجريح والعليل ولتلفظ بهذه الكلمات حال المسح قال في المرقاة قال التوربشتي الذي يسبق إلى الفهم من صنيعه ذلك ومن قوله هذا أن تربة أرضنا إشارة إلى قطرة آدم ﵇ وريقة بعضنا إشارة إلى النطفة التي خلق منها الإنسان فكأنه يتضرع بلسان الحال ويعرض بفحوى المقال إنك اخترعت الأصل الأول من طين ثم أبدعت بنيه من ماء مهين فهين عليك أن تشفى من كان هذا شأنه وتمن بالعافية على من استوى في ملكك حياته ومماته وقال القاضي قد شهدت المباحث الطبية على أن الريق له مدخل في التصحيح وتبديل المزاج ولتراب الوطن تأثير في حفظ المزاج الأصلي ورفع نكاية المضرات ولذا ذكر في تفسير المسافرين إنه ينبغي أن يستصحب المسافر تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائة حتى إذا ورد ماء غير ما اعتاده جعل شيئًا منه في سقائه وشرب الماء منها ليأمن من تغير مزاجه ثم إن الرقي والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها اهـ. قال الطيبي تربة أرضنا خبر مبتدأ محذوف أي هذه والباقي بريقة متعلق بمحذوف خبر ثانٍ أو حال العامل فيها معنى الإشارة أي قال النبي ﷺ مشيرًا بإصبعه باسم الله هذه تربة أرضنا معجونة بريقة بعضنا وإضافة تربة أرضنا وريقة بعضنا تدل على الاختصاص وإن تلك التربة والريقة كل واحدة منهما تختص بمكان شريف بل بذي نفس شريفة قدسية طاهرة عن الأوصار لفعله ﷺ اهـ، والأظهر كما سبق شمول ذلك لكل أرض ولكل ريق كما سبق بيانه بالتحقيق. قوله: (يُشْفى سَقيمُنا) قال الحافظ العسقلاني ضبط بضم أوله على البناء للمجهول وسقيمنا بالرفع وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر وسقيمنا بالنصب على المفعولية ثم الجملة خبرية مبنى دعائية معنى.

стр. 1172

بإذْنِ رَبنا". وفي رواية: "تُرْبَةُ أرْضِنا، وَرِيقَةُ بَعْضِنا". قلت: قال العلماء: معنى بِريقَة بعضنا: أي ببصاقه، والمراد: بصاق بني آدم. قال ابن فارس: الريق ريق الإنسان وغيره، وقد يؤنث فيه فيقال: ريقة. وقال الجوهري في "صحاحه": الريقة أخصُّ من الريق. وروينا في "صحيحيهما" عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان يعوِّذ بعضَ أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهُم رَب النّاسِ أذْهِب الباسَ، اشْفِ أنْتَ الشَّافي، ــ قوله: (بإِذنِ ربنَا) أي بأمره على الحقيقة سواء كان بسبب دعاء أو دواء أو بغيره وهذه الجملة مما انفرد بها البخاري كما سبق في كلام ميرك وقوله ووضع سفيان الخ. نبه الحافظ على أن هذا وقع عند مسلم فقط ولفظه وضع سفيان من رواية ابن أبي عمر ولفظه قال فيه يقول بزاقه بأصبعه الحديث وأخرجه ابن حبان بسنده إلى سفيان أيضًا اهـ. قوله: (وفي رِوايةٍ الخ) قال الحافظ هي رواية الفضل بن صدقة عن سفيان بن عيينة اهـ، وعلى سفيان مدار هذا الحديث وقد أخرجه الحافظ من طرق عن سبعة من أصحاب ابن عيينة عنه قال حدثنا عبد ربه بن سعيد عن عمر عن عائشة فذكره وقال بعد تخريجه وإنه في الصحيحين وأبي داود والنسائي وأبي عوانة وابن حبان وأخرجه الحاكم فوهم في استدراكه اهـ، وقال في المرقاة وفي رواية للجماعة إلّا الترمذي وريقة بعضنا فيكون التقدير ومزجت إحداهما بالأخرى اهـ، وما ذكره تقدير معنى لا تقدير إعراب إذ الظاهر فيه أن الواو بمعنى مع فهو نظير كل صانع وصنعته وتقدير ذلك كما صرحوا به كل صانع مقرون وصنعته فكذا فيما نحن فيه فتأمله. قوله: (وَرَوَينَا في صحيحيْهما الخ) قال في السلاح ورواه النسائي بحمد الله بارئًا. قوله: (يمسحُ بيَدِه اليُمنَى) أي يمسح ﷺ المريض بيده اليمنى ويؤخذ منه أن ذلك سنة قاله ابن حجر في شرح المشكاة. فصل له: (ويقُولُ رَب النّاسِ) أي يقول داعيًا ربه بحذف حرف النداء يا رب الناس. قوله: (البأسَ) بالموحدة والهمزة وإبدال الهمزة هنا أنسب مراعاة للسجع في قوله رب الناس قال الحافظ العسقلاني البأس بغير همزة للازدواج فإن أصله الهمز والبأس التعب والمشقة اهـ، وفي المرقاة إنه شدة المرض. قوله: (أشْفِ أَنتَ الشَّافي)

стр. 1173

لا شِفَاءَ إلا شفَاؤكَ شفَاءً لا يُغَادِرُ سَقمًا". ــ لم يقل وأنت الممرض أدبًا كما قيل في قوله تعالى: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يشَفِين) [الشعراء: ٨٠] ولما لم يفهم كل أحد هذا المعنى صرح الصديق بهذا المعنى فقال الذي أمرضني يشفيني وفي رواية للبخاري واشف وفي أخرى اشفه وأنت الشافي قال الحافظ العسقلاني كذا لأكثر الرواة بالواو ورواه بعضهم بحذفها قلت وقد بين الحافظ في أماليه على الأذكار إنه عند الشيخين من طريق سفيان الثوري ثنى سليمان هو الأعمش عن مسلم بن صبيح بالتصغير عن مسروق عن عائشة فذكر الحديث وفيه اشف أنت الشافي من غير واو ثم أخرجه الحافظ من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن أبي الضحى وهو مسلم بن صبيح عن مسروق عن عائشة وفي روايته وأنت الشافي بزيادة واو قال الحافظ وأخرجه مسلم اهـ، والضمير في قوله في الرواية السابقة اشفه للعليل أو هي هاء السكت ومن هذا الخبر الصحيح يؤخذ إطلاق الشافي عليه سبحانه لا من كونه لا يوهم نقصًا أو من كون أصله في القرآن واردًا خلافًا لما في المرقاة لأن ذينك الأصلين خلاف المختار عزو من يقول الأسماء توقيفية والله أعلم واستشكل الدعاء للمريض بالشفاء مع إنه كفارة للذنوب وثواب وأجيب بأن الدعاء عبادة ولا ينافي الثواب والكفارة لحصولهما بأول المرض والصبر عليه والداعي بين حسنتين إما يحصل له مقصوده أو يعوض عنه بجلب نفع أو دفع ضر وكل من فضل الله. قوله: (لَا شِفَاءَ إلَّا شِفاؤُكَ) هذا مؤكد لقوله أنت الشافي قال الحافظ العسقلاني قوله لا شفاء بالمد مبني على الفتح والخبر محذوف والتقدير لنا أوله وقوله إلّا شفاؤك بالرفع على إنه بدل من موضع لا شفاء ووقع في رواية للبخاري لا شافي إلّا أنت وفيه إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي لا ينجع إن لم يصادف تقدير الله فقال الطيبي قوله لا شفاء إلا شفاؤك خرج مخرج الحصر تأكيدًا لقوله أنت الشافي لأن خبر المبتدأ إذا كان معرفًا باللام أفاد الحصر لأن تدبير الطبيب ونفع الدواء لا ينجع في المريض إذا لم يقدر الله الشفاء. قوله: (شفَاءِ لَا يغادِرُ سقمًا) هو تكميل لقوله اشف والجملتان معترضتان بين الفعل والمفعول المطلق وقوله لا يغادره بالغين المعجمة أي لا يترك وسقمًا بفتحتين أو بضم فسكون مرضًا والتنكير في سقمًا للتقليل قال الحافظ العسقلاني قوله

стр. 1174

وفي رواية: كان يرقي يقول: "امْسَحِ الباسَ رَب النّاسِ، بِيَدِكَ الشفاءُ، لا كاشِفَ لَهُ إلَّا أنْتَ". وروينا في "صحيح البخاري " عن أنس ﵁، أنه قال لثابت ﵀: ألا أرقيك برُقْيَة رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: "اللهُم رَب النّاسِ، مُذْهِبَ الباسِ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي، لا شَافِيَ إلَّا أنْتَ، شِفَاءَ لا يُغَادِرُ سَقَمًا". قلت: معنى لا يغادر: لا يترك، ــ شفاء منصوب بقوله اشف ويجوز الرفع على إنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا أو هو وفائدة التقييد إنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخر يتولد منه مثلًا فكان يدعو بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء قال الطبري بعد سياقه الحديث فيه من الفقه إن الرغبة إلى الله تعالى في صحة الجسد أفضل للتعبد وأصلح له من الرغبة إليه في البلاء وذلك إنه ﷺ كان يدعو للمرضى بالشفاء من عللهم فإن قلت ما وجه دعائه لمن دعا له بالشفاء وقد تظاهرت عنه ﷺ الأخبار إنه قال يومًا لأصحابه من أحب أن يصح ولا يسقم قالوا نحو يا رسول الله قال ﷺ أتحبون أن تكونوا مثل الحمر الضالة وتغير وجه رسول الله ﷺ قالوا بلى يا رسول الله قال فوالذي نفس أبي القاسم بيده إن الله ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلا لكرامته وإلا أن له عنده منزلة لا يبلغها بشيء من عمله دون أن يبلغ من البلاء ما يبلغه تلك المنزلة فالجواب لعله ﷺ خاطب أصحابه بذلك وأراد غيرهم كمن قل عمله وكمن اقترف على نفسه الآثام فكره له أن يختار لنفسه لقاء ربه وموافاته بإجرامه غير ممتحن ولا متطهر من الأدناس فلا تضاد بين الأخبار والله أعلم. قوله: (وفي رِوايةٍ كانَ يَرْقي) هي للشيخين والنسائي كما أفاده في السلاح وفي التخريج وأخرج ابن حبان وأخرجه الحافظ من طريق أخرى عن عائشة قال وفيها زيادة إنه ﷺ قال ألا أرقيك برقية جاءني بها جبريل ﵇ بسم الله لا بأس اشف رب النّاس اشف أنت الشافي لا شفاء إلّا شفاؤك ولم يذكر من خرجه من أصحاب الكتب المشهورة. قوله: (لَا كاشِفَ لهُ) أي للبأس ثم حديث أنس الكلام في الحديث قبله يجري فيه فاكتفى بذلك والله أعلم واشف بكسر الهمزة للوصل، تحذف في الدرج فيه وفيما قبله. قوله: (يُغادِرُهُ)

стр. 1175

والبأس: الشدَّة والمرض. وروينا في "صحيح مسلم" ﵀، عن عثمان بن أبي العاص ﵁، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في ــ بالغين المعجمة. قوله: (والبَأْسُ) أي بالهمزة والأجود، في الخبر تركه للازدواج. قوله: (في صحيحِ مُسْلم) قال في السلاح رواه الجماعة إلّا البخاري ولفظه وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر زاد أبو داود والترمذي والنسائي قال فقلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم وأخرجه مالك في الموطأ ولفظه إنه أتى رسول الله ﷺ قال عثمان وبي وجع قد كاد يهلكني قال فقال لي امسح بيمينك سبع مرات وقل أعوذ بعز الله وقدرته من شر ما أجد قال فقلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم وأخرجه الترمذي أيضًا من حديث أنس ولفظه فضع يدك حيث تشتكي ثم قل بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا ثم ارفع يدك ثم أعد ذلك وترًا اهـ، وبه يعلم أن اللفظ عند مسلم باسم الله ثلاث مرات وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر أما أعوذ بعزة الله وقدرته فعند مالك في الموطأ لكن بإسقاط قوله وأحاذر ورواه ابن أبي شيبة كذلك في مصنفه كما في الحصين لكن في المشكاة عز والحديث باللفظ الذي في الأذكار إلّا إنه قال وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله الخ. إلى مسلم قال في المرقاة نقلًا عن ميرك ورواه الأربعة اهـ، ولعله روى اللفظين عند الجماعة وقال الحافظ تخريجه باللفظ الذي ذكره المصنف إلَّا إنه قال على الذي يألمك بزيادة ضمير المفعول والباقي سواء ما لفظه هذا حديث صحيح رواه مسلم والنسائي في الكبرى وأخرجه ابن حبان ومالك في الموطأ فلم يذكر التسمية ولا وأحاذر وزاد في آخره قال ففعلت فأذهب الله عني ما كان فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن طريق مالك وأخرجه ابن ماجة من طريق مالك وذكر نحو رواية مالك اهـ، ملخصًا. قوله: (شَكَى إِلى رَسُولِ الله ﷺ الخ) يؤخذ منه ندب شكاية ما بالإنسان على سبيل الإخبار بالواقع من غير ضجر ولا تبرم إلى من يتبرك به رجاء لبركة

стр. 1176

جسده، فقال له رسول الله ﷺ : "ضَعْ يَدِكَ على الذي تألمُ مِنْ جَسَدِكَ، وقُلْ: بِسْمِ اللهِ ثَلاثًا، وقُلْ سَبْعَ مراتٍ: أعُوذُ بعِزةِ اللهِ وقُدْرَتِهِ مِنْ شَر ما أجِدُ وأُحاذِر". وروينا في "صحيح مسلم" عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: عادني النبي ﷺ فقال: "اللهُم اشْفِ سَعْدًا، اللهُم اشْفِ سَعْدًا، اللهُم اشْفِ سَعدًا". وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، بالإسناد الصحيح عن ابن عباس ــ دعائه. قوله: (علَى الذي يألم) بالتحتية وفي رواية الحافظ بزيادة ضمير المفعول أي على الموضع الذي يوجع. وقوله: (بعزةِ الله) أي بغلبته وقوته. وقوله (ما أَجدُ) أي من الوجع. قوله: (وأُحاذر) أي أخاف وأحذر وهو مبالغة أحذر قال الطيبي تعوذ من وجع هو فيه ومما يتوقع حصوله في المستقبل من الحزن والخوف فإن الحذر هو الاحتراز عن مخوف. قوله: (وَرَوَينَا في صحِيح مُسلم الخ) هو طرف من حديث انفرد بإخراجه مسلم في كتاب الوصية وأخرجه عن ثلاثة من ولَد سعدَ عن أبيهم ﵁ وزاد في أحد طرق الحديث عنده أن سعدًا قال فادع الله أن يشفيني واتفق الشيخان على إخراج حديث سعد في الوصية من رواية عامر بن سعد عن أبيه بدون هذه الزيادة وأخرجه البخاري من رواية عائشة بنت سعد عن أبيها وفيه هذه الزيادة مختصرة قال فيها اللهم اشف سعدًا ولم يكرر ذكره الحافظ. قوله: (وَرَوَيْتَا في سنَنِ أَبِي دَاوُدَ والترْمذي) قال في الحصين ورواه النسائي أي في السنن الكبرى كما قاله الحافظ في عمل اليوم والليلة كما نقله في المرقاة عن ميرك قال ورواه ابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة في مصنفه كلهم عن حديث ابن عباس وقال الحافظ بعد تخريجه الحديث هذا حديث حسن وأخرجه أحمد وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلَّا من حديث المنهال بن عمر وقلت فيه مقال والأكثر على توثيقه والراوي عنه يزيد أبو خالد الدالاني مختلف فيه وثقه أحمد وابن معين وجماعة وضعفه ابن سعيد والحربي وابن حبان وأفرط وتوسط ابن عدي فقال لين الحديث ومع لينه يكتب حديثه قلت ولم ينفرد به بعد رواه الحجاج بن أرطأة عن المنهال أخرجه النسائي والحجاج فيه مقال لكن يكتب حديثه في المبايعة وقد رواه الأشجعي وهو ثقة عن شعبة عن شيخ آخر غير الدالاني

стр. 1177

رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ عادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أجَلُهُ، فَقال عِنْدَهُ: سَبْعَ مَراتٍ: أسألُ اللهَ العَظِيمَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ أن يَشْفيكَ، إلَّا عافاهُ الله ــ فإن كان محفوظًا فلشعبة فيه شيخان ثم أخرجه الحافظ من طريقين عن شعبة عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمر وقد ذكر الحديث وقال في أوله من دخل على مريض وفي آخره إلّا شفاه الله أخرجه النسائي ورواه عبد ربه بن سعيد الأنصاري أحد الثقات عن المنهال فزاد في السند رجلًا أو رجلين وخالف في سياق المتن فقال حدثنا المنهال عن ابن جبير وزاد بعده عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال كان ﷺ إذا عاد المريض جلس عند رأسه ثم قال أسأل الله العظيم فذكره لكن قال في آخره إن كان في أجله تأخير برأ من وجعه ذلك أخرجه النسائي في الكبرى وابن حبان في صحيحه فأما النسائي فوقع في روايته حدثنا المنهال بن عمرو ومرة سعيد بن جبير هذا في النسخ المعتمدة وفي بعضها عن سعيد كما في رواية هارون وأما رواية ابن حبان فهي بغير زيادة قال المنهال بن عمرو أخبرني سعيد بن جبير ومع هذا الاضطراب يتوقف في تصحيحه وقد سبق إلى ذلك ابن حبان كما ذكرت والحاكم اهـ. ملخصًا. قوله: (لمْ يَحضره أجله) أي انتهاء عمره. قوله: (العَظيم) أي في ذاته وصفاته. قوله: (رَب العرْش العَظيم) بدل أو بيان والتخصيص للتشريف والتكريم والعظيم بالجر على أنه صفة العرش. قوله: (أَن يَشْفِيك) مفعول ثاني. قوله: (إِلَّا عَافَاهُ الله) استثناء من من الشرطية العامة فكأنه قال ما عاد أحد مريضًا وقال كذا إلَّا عافاه الله من ذلك المرض والحصر غالبي أو نسبي على شروط لا بد من تحققها كذا في الحرز وفي حاشية سنن أبي داود للسيوطي دخول إلَّا من تحريف الرواة فإنه ليس محل دخولها لأنها لا تدخل في جواب الشرط لا تقول من جاءني إلَّا أكرمته وكأن ذلك من الربيع بن يحيى الراوي عن شعبة فقد رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق محمد بن جعفر عن شعبة بلفظ ما من مسلم يعود مريضًا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلَّا عوفي وهذا محل دخول إلّا اهـ، وإذا صحت الرواية بإلا مع من الشرطية

стр. 1178

سُبْحانَهُ وتعالى مِنْ ذلِكَ المَرَضِ"، قال الترمذي: حديث حسن. وقال الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك" على الصحيحين: هذا حديث صحيح على شرط البخاري. قلت: يشفيك بفتح أوله. وروينا في "سنن أبي داود" عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال النبي ﷺ : "إذَا جاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ: اللهُم اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكأُ لَكَ عَدُوًّا، أوْ يَمشِي لَكَ إلى صَلاةٍ"، لم يضعفه أبو داود. قلت: ينكأ بفتح أوله وهمز آخره، ومعناه: يؤلمه ــ فيكون وجهه ما أشار إليه في الحرز قوله: (يَشْفِيك الخ). قال تعالى: (﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ونبه على الياء الأولى لمكان الإلباس بمضارع أشفي وإن كان المقام لا يقبله وسكت عن الياء التي هي لام الفعل لأن فتحها لا يخفى على مبتدئ في النحو لوجود الناصب وهو أن وإهمالها لغة نادرة لا يخرج عليها فصيح الكلام إلَّا إذا ألجأت الضرورة لذلك والله أعلم. قوله: (وَرَوَيْنَا في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ) وروي هذا الذكر من حديث ابن عمرو بن العاص بن حبان والحاكم في مستدركه كما في الحصين وقال الحافظ بعد تخريج الحديث هذا حديث حسن. قوله: (ينكأُ) سيأتي ضبطه في الأصل وهو فيما وقفت عليه مرفوع وفي المفاتيح شرح المصابيح للجزري هو مرفوع غير مجزوم اهـ، وقال المظهري مجزوم لأنه جواب الأمر ويجوز أن يكون مرفوعًا تقديره اللهم اشف عبدك فإنه ينكأ لك عدوًا أي يغزو في سبيلك. قوله: (إِلى صَلاةٍ) في رواية المشكاة إلى جنازة قال في المرقاة أي اتباعها للصلاة لما جاء في رواية إلى صلاة وهذا توسع سائغ قال الطيبي ولعله جمع بين النكاية وتشييع الجنازة لأن الأول كدح في إنزال العقاب على عدو الله والثاني سعى في إيصال الثواب إلى ولي الله اهـ. قال في المرقاة أو لأن المقصود من المرض إما كفارة الذنوب ورفع الدرجات أو تذكير بالموت والآخرة والعقاب وهما حاصلان له بالعملين المذكورين اهـ. قوله: (لمْ يُضعِّفهُ أَبُو دَاوُدَ) قال الحافظ حيي بمهملة مضمومة وتحتيتين مصغرًا وهو أحد رواته مختلف فيه ولم يترك حديثه وقد تفرد بهذا الحديث اهـ. قوله: (وهمزِ آخرِه) قال في المفاتيح نقلًا عن النهاية يقال نكيت العدو أنكى

стр. 1179

ويوجعه. وروينا في كتاب الترمذي، عن علي ﵁، قال: كنت شاكيًا، فمر بي رسول الله ﷺ وأنا أقول: اللهُم إن كان أجَلِي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرًا فارفعه عني، وإن كان بلاءً فصبِّرني، فقال رسول الله ﷺ : "كَيْفَ ــ نكاية فإنا ناك إذا أكثرت فيهم بالجرح والقتل فوهنوا لذلك وقد يهمز لغة ويقال نكأت القرحة أنكوها إذا قشرفها اهـ. قال في الحرز ولا يخفى أن إيراد المصنف قول صاحب النهاية هذا يوهم أن نكأ من المعتل وقد يهمز فيعتبر الضبط بالوجهين والهمز يكون ضعيفًا بالنسبة إلى الناقص وهو غير صحيح إذ اتفق النسخ المعتبرة والأصول المصححة المعتمدة على كتابته بالألف وضبطه بالهمز على خلاف في رفعه وجزمه فلو كان من الياء الناقص كما ذكره صاحب النهاية لكان يكتب بالياء ثم رأيت القاموس ذكر في الياء نكأ العدو وفي العدو نكاية قتل وجرح وفي الهمز نكأ العدو ينكأهم وحاصله لغتان والحديث من المهموز ورفعه أقوى لقوله ويمشي وفي رواية أو يمشي لك بالرفع قال الطيبي وتبعه ميرك جاء بإثبات الياء وتقديره وهو يمشي اهـ، وهو توجيه لرفع المعطوف مع جزم المعطوف عليه وهو أحسن من قول صاحب المرقاة وعلى تقدير الجزم فهو وارد على قراءة من يتقي ويصبر فتأمل. قوله: (وَرَويْنَا في كِتَابِ التِّرْمَذِي) في الحصن بعد إيراد اللهم اشفه أو اللهم عافه رواه الترمذي والحاكم وابن حبان كلهم عن علي وفي السلاح صحيح يعني الحديث صحيح على شرط الشيخين ولفظ الحديث للترمذي ولفظ الحافظ اللهم اشفه اللهم عافه ولفظ النسائي اللهم اشفه اللهم اعفه اهـ. أي بقطع الهمزة وكسر الفاء من أعفي يعفى يقال أعفى بمعنى عوفي كما في الحرز وقال الحافظ بعد تخريج الحديث هذا حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي في الكبرى والحاكم وابن حبان قال الترمذي حديث حسن صحيح لا يعرف إلَّا من رواية عبد الله بن سلمة بكسر اللام وهو تابعي روي الحديث عن علي ﵁ قلت وهو صدوق ذكره البخاري في الضعفاء وقال لا يتابع على حديثه ونقل عن شعبة عن عمرو بن مرة إنه قال في حقه يعرف وينكر كان قد كبر وكان اعتماد من

стр. 1180

قُلْتَ"؟ فأعاد عليه ما قاله، فضربه برجله وقال: "اللهُم عافهِ -أو اشْفهِ-" شك شعبة، قال: فما اشتكيت وجعي بعدُ. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄، أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: "مَنْ قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبَرُ، صَدّقَهُ رَبُّهُ، فقال: لا إلهَ إلَّا أنا وأنا أكْبَر، وإذَا قال: لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، قال: يَقُولُ: لا إلهَ إلا أنا وَحْدِي لا شَرِيكَ لي، وإذَا قال: لا إلهَ إلا اللهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، قال: لا إلهَ إلا أنا ليَ المُلْكُ وليَ الحَمْدُ، وإذَا قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَلا حَوْلَ ولا قوّةَ إلَّا بالله، قال: لا إلهَ إلا أنا وَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بي" وكان يقول: "مَنْ قالها فِي مَرَضِهِ ثُمَّ ماتَ ــ صححه على تحديث شعبة به فهو من قبيل ما يعرف لا ما ينكر والعلم عند الله اهـ. قوله: (وروينا في كتاب الترْمذِي الخ) قال في السلاح واللفظ للترمذي ورواه النسائي والحاكم وابن ماجة وابن حبان في صحيحيهما وفي رواية للنسائي عن أبي هريرة وحده مرفوعًا من قال لا إله إلَّا الله والله أكبر لا إله إلَّا الله وحده لا إله إلَّا الله لا شريك له لا إله إلَّا الله له الملك وله الحمد لا إله إلَّا الله لا حول ولا قوة إلَّا باللهِ يعتدهن خمسًا بأصابعه ثم قال من قالهن في يوم أو ليلة أو شهر ثم مات في ذلك اليوم أو تلك الليلة أو في ذلك الشهر غفر له ذنبه اهـ، وقال الحافظ بعد تخريج الحديث بنحو ما ذكره المصنف هذا حديث حسن أخرجه النسائي في الكبرى وابن ماجة ورواه الترمذي والحاكم ولم يذكر النسائي أبا سعيد ولم يصرح برفعه وأخرجه ابن حبان اهـ، ملخصًا. قوله: (لَا إِلَهَ إلا الله لَهُ المُلْكُ ولهُ الحَمْدُ) قال في الحرز عدت الجملتان بمنزلة واحدة لتلازمهما وعدم انفكاكهما ولذا لم يقل لا إله إله إلا الله له الملك وله الحمد ثم اكتفى بهما عن قوله: (﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [هود: ٤] اهـ. قوله: (وكانَ يَقُول الخ) أخرج الحافظ الحديث من طريق حمزة الزيات ومن طريق إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق عن الأعرابي عن مسلم عن أبي

стр. 1181

لَمْ تَطْعَمْهُ النارُ" قال الترمذي: حديث حسن. وروينا في "صحيح مسلم" وكتب الترمذي، والنسائي، وابن ماجه بالأسانيد الصحيحة عن أبي سعيد الخدري ﵁، ــ هريرة وأبي سعيد مرفوعًا ثم قال بعد سياق الحديث بنحو ما ذكره المصنف هذا لفظ حمزة ورواية إسرائيل أخصر وزاد في رواية حمزة وعن أبي جعفر الأغر مثل رواية أبي إسحاق إسرائيل وزاد من قاله في مرضه ثم مات لم يدخل النار وفي رواية إسرائيل قال أبو إسحاق قال الأغر شيئًا لم أفهمه فقلت لأبي جعفر ماذا قال قال من رزقهن عند موته لم تمسه النار اهـ. قوله: (لمْ تَطْعمهُ النارُ) أي لم تأكله واستعير الطعم للإحراق مبالغة كأن الإنسان طعامها تتقوى وتتغذى به ثم تطعمه بفتح الفوقية والنار فاعلة ووقع في نسخة الجلال من الحصن لم يطعمه النار بصيغة المعرف المذكر من الإطعام فيكون ضمير الفاعل لله والنار منصوبًا على المفعولية. قوله: (بالأَسَانيدِ الصَّحيحَةِ) تعقبه الحافظ بأن الحديث عند جميع من ذكرهم الشيخ عن بشر بن هلال الصواف عن عبد الوارث بن سعد عن عبد العزيز بن صهيب ثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وليس له عندهم إلَّا إسناد واحد فقول الشيخ بالأسانيد الصحيحة فيه ما فيه قال ثم أخرجه النسائي في الكبرى عن عمران بن موسى عن عبد الوارث وأخرجه أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه وأخرجه الطبراني في الدعاء عن معاذ بن المثنى عن مسند عبد الوارث فمداره على عبد الوارث وقد تابع شيخه داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد أخرجه كذلك عبد بن حميد وأخرجه البزار من طريق محمد بن عبد الرحمن الطغاوي عن داود وقال تابعه أبو شهاب ورواه غير واحد عن داود عن أبي نضرة عن جابر وقال الترمذي بعد تخريجه هذا حديث حسن صحيح وفي الباب عن أنس وعائشة زاد شيخنا العراقي في شرحه وفيه عن أبي هريرة وعبادة بن الصامت (قلت) وفيه أيضًا عن عمر وعمار وميمونة أم المؤمنين وجابر ﵃ أما حديث أنس فأخرجه الطبراني في الدعاء وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم وفي آخر الحديث ومن شر حاسد إذا حسد ومن كل ذي عين وأما حديث أبي هريرة فأخرجه وابن ماجة والحاكم في المستدرك وفي آخره من كل داء فذكر ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ٤ - ٥]، وفيه إنه كرر فيه ثلاث

стр. 1182

"أن جبريل أتى النبي ﷺ ، فقال: يا محمدُ، اشْتَكَيْتَ؟ قال: نعم، قال: بِسْمِ اللهِ أرْقِيكَ، مَنْ كُل شَيْء يُؤذِيكَ، مِنْ شَر كل نَفْسٍ أوْ عَيْنٍ حاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ، ــ مرات وفي سنده عاصم بن عبيد الله وهو صدوق ضعفوه من قبل حفظه وهذا مما تساهل فيه الحاكم وأما حديث عبادة بن الصامت فأخرجه وفي آخره من كل أذى يؤذيك من كل حاسد إذا حسد ومن كل عين والله يشفيك وقال الحافظ حديث حسن أخرجه وابن ماجة وأخرجه أحمد من طريق أخرى عن عبادة بن الصامت وأما حديث ابن عمر فأخرجه الطبراني في الدعاء وفي سنده ضعف وأما حديث عمار فأخرجه الحافظ عن عمار بن ياسر إنه دخل على رسول الله ﷺ وهو يوعك فقال له رسول الله ﷺ ألا أعلمك رقية علمنيها جبريل قال بلى يا رسول الله قال فعلمه بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل شيء يعنيك خذها فليهنيك هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه أخرجه الطبراني في الدعاء وكذا الدارقطني في الأفراد وقال غريب من حديث محمد بن الحنفية عن عمار تفرد به ميسرة عن المنهال بن عمرو وما رواه عنه إلَّا فضيل (قلت) وهو صدوق أخرج له مسلم وفيه مقال وأما حديث ميمونة فأخرجه أحمد والنسائي في الكبرى وابن حبان في صحيحه كلهم من رواية عبد الرحمن بن السائب ابن أخي ميمونة قال قالت لي ميمونة يا بن أخي ألا أعلمك رقية رسول الله ﷺ (قلت) بلى قالت باسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك وفي الحديث قصة أخرى وأما حديث جابر فذكره البزار في الكلام على حديث أبي سعيد كما تقدم اهـ. كلام الحافظ ملخصًا. قوله: (اشتكَيت) بفتح الهمزة والاستفهام على بابه بدليل الجواب وقال ابن حجر في شرح المشكاة إنه للتقرير واعترضه في المرقاة بأنه لو كان للتقرير لما احتاج إلى جواب ثم لا يلزم من إتيان جبريل إليه اطلاعه على ما لديه ﷺ . قوله: (أَرْقيكَ) بفتح الهمزة وكسر القاف من الرقية له أعيذك. قوله: (يُؤْذِيكَ) بالهمزة ويجوز إبداله واوًا. قوله: (مِن شَرِّ كلِّ نَفْسٍ أَوْ عَينٍ حاسِدٍ) بتنوين نفس وعين وقيل بإضافتهما وفي الحرز الأظهر أن ينون الأول ويضاف الثاني ليلائم قوله حاسد إلَّا أن راد به ذات حسد اهـ، وأو يحتمل أن تكون للشك والأظهر أنها للتنويع قيل يحتمل أن يراد بالنفس نفس الأذى ويحتمل أن يراد بها العين فإن

стр. 1183

بِسْمِ اللهِ أرْقِيكَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ دخل على أعرابي يعوده، قال: ــ النفس تطلق على العين يقال رجل منفوس إذا كان يصيبه النّاس بالعين ويكون قوله أو من عين حاسد من باب التوكيد بلفظ مختلف أو شك من الراوي كذا نقله ميرك عن التصحيح وعلى الأظهر فالمستعاذ منه النفس الخبيثة والعين ذات الحسد. قوله: (باسْم الله أَرْقِيكَ) قيل كرره للمبالغة وبدأ به وختم إشارة الله إنه لا نافع إلَّا هو وفيه من صنيع البديع رد المقطع على المطلع. قوله: (وَرَوينَا في صحيح البُخَارِي) هو طرف من حديث رواه البخاري آخره فقال لا بأس طهور إن شاء الله قال يعني الأعرَابي قلت طهور بل حمى تفور أو تثور على شيخ كبير تزيره القبور فقال ﷺ فنعم إذًا أخرجه البخاري هكذا في علامات النبوة وأعاده في مقدمة الطب ولفظه دخل علي رجل يعوده فقال لا بأس الخ، ولم يذكر قوله وكان إذا دخل الخ، وأخرجه في التوحيد كذلك لكن فيه دخل علي أعرابي وفيه فقال الأعرابي وزاد فيه عليك بعد قوله لا بأس وهو عند النسائي وزاد فيه الإسماعيلي على عظم شيخ كبير وقد استشكل إيراد البخاري له في علامات النبوة وجوابه إنه أشار إلى زيادة وقعت في بعض طرقه وذلك ما أخرجه أبو نعيم في الصحابة وابن منده وغيرهما عن شرحبيل الجعفي ﵁ قال كنا عند النبي ﷺ إذ جاء أعرابي طويل ينتفض فقال يا رسول الله شيخ كبير به حمى تفور تزيره القبور فقال ﷺ به حمى تفور وهي له كفارة وطهور فأعادها فقال له ﷺ أما إذا أثبت فهو كما يقول وما قضى الله فهو كائن فما أمسى من الغد إلَّا ميتًا وقال الحافظ يعد تخريجه حديث حسن غريب ثم أشار إلى اختلاف في سنده بين رواته وأن عند بعضهم زيادة فأعادها ثلاثًا والحديث من مرسل زيد بن أسلم أخرجه عبد الرزاق اهـ. قال في السلاح

стр. 1184

وكان النبيُّ ﷺ إذا دخل على من يعوده قال: "لا بأسَ طَهُور إنْ شاءَ اللهُ". وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ دخل على أعرابي يعوده وهو محموم، فقال: "كَفَّارَةٌ وَطَهُور". وروينا في كتاب الترمذي، وابن السني، عن أبي أُمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﵌: تمَامُ عِيادَةِ المَريضِ أنْ يَضَعَ ــ والحصن رواه النسائي قال ميرك في عمل اليوم والليلة. قوله: (وكانَ الخ) أي من عادته ﷺ أن يقول ذلك إذا عاد إنسانًا. قوله: (لَا بأسَ) أي بالهمز وإبداله ألفًا. قوله: (طَهُورٌ) بفتح أوله ويجوز ضمه وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا أو مرضك مطهر للذنوب مكفر للعيوب واقتصر عليه بناء على الأغلب الأكثر وإلا فقد يكون سببًا لرفع الدرجات في العقبى ولعلو المقامات في الدنيا لأن الرياضات نتيجة الحالات والكشوفات كذا في الحرز. قوله: (إِنْ شَاءَ الله) أتى به للتبرك أو للتفويض أو للتعليق فإن كونه طهورًا مبني على كونه صبورًا شكورًا. فائدة من أصيب وصبر حصل له ثوابان غير تكفير الذنوب لنفس المصيبة وللصبر عليها ومنه كتابة مثل ما كان يعمل من الخير صحيحًا ومن انتفى صبره لعذره كجنون فكذلك أما من انتفى صبره لنحو جزع فلا يحصل له من الثوابين شيء وقد بسط الكلام على هذا المقام ابن حجر الهيتمي في شرح المنهاج بما هذا حاصله. قوله: (وَرَوَيْنَا في كِتَاب ابْنِ السنى الخ) قال الحافظ اختصره أيضًا ثم أخرجه الحافظ عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل على أعرابي وهو محموم فقال كفارة وطهور فقال الأعرابي حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور فقام ﷺ وتركه ثم قال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه أخرجه أحمد عن عفان عن حماد وأخرجه ابن السني عن أبي يعلى اهـ. قوله: (كفارة) أي مرضك مكفر لما جنيت من الذنوب وطهور من ذلك. قوله: (وَرَوَيْنَا في كِتَابَي الترمِذِي وابْنِ السنى الخ) أخرجه الحافظ عن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ عائد المَريض يخوض في الرحمة ومن تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على وجهه أو على يده فيسأله كيف هو وتمام تحيتكم المصافحة وقال الحافظ هذا حديث غريب من هذا الوجه أخرجه الترمذي أخصر منه وقال هذا إسناد ليس بذاك وعبيد بن زحر

стр. 1185

أحَدُكُمْ يَدَهُ على جَبْهَتِهِ أوْ على يَدِهِ فَيَسألَهُ كَيفَ هُوَ؟ " هذا لفظ الترمذي. وفي رواية ابن السني: "مِنْ تَمام العِيادَةِ أنْ تَضَعَ يَدَكَ على المَرِيضِ فَتَقُولَ: كَيفَ أصْبَحْتَ، أوْ كَيفَ أمْسَيتَ؟ " قال الترمذي: ليس إسناده بذاك. وروينا في كتاب ابن السني، ــ بفتح الزاي وسكون الحاء المهملة بعدها راء ثقة وشيخه علي بن زيد الألهاني بفتح الهمزة وسكون اللام ضعيف وشيخه القاسم كني أبا عبد الرحمن وهو شامي ثقة قلت واختلف في توثيقه وكذا في توثيق ابن زحر وأفرط ابن حبان فقال إذا اجتمع في الإسناد ابن زحر وعلي بن يزيد والقاسم فذاك مما عملت أيديهم اهـ. قوله: (هَذَا لَفْظُ الترمِذي) أي من جملة حديث كما عرفت. قوله: (وفي رِواية ابْنِ السنى) قال الحافظ ليس فيها زيادة سوى قوله كيف أصبحت كيف وهي عنده من طريق يحيى بن سعيد المدني وليس هو الأنصاري بل هو راو ضعيف وليس في روايته أول الحديث ولا آخره ثم ساق الحافظ شاهدًا من حديث أبي هريرة قال عاد رسول الله ﷺ رجلًا من أصحابه به وجع وأنا معه فقبض يده فوضعها على جبهته وكان يرى ذلك من تمام عيادة المريض وقال إن الله قال هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرج ابن ماجة بعضه وأخرجه ابن السني بتمامه ورجاله ثقات إلَّا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فإنه ضعيف وقد تفرد بوصله ورفعه وخالفه سعيد بن عبد العزيز فرواه عن إسماعيل بن عبيد الله من قول كعب الأحبار ولأصل وضع اليد على المريض شاهد إنه من حديث عائشة في الصحيحين ومن حديث سعد بن أبي وقاص في البخاري اهـ. قوله: (أَنْ يَضَعَ أحدكمْ يَدَهُ الخ) قال ابن حجر الهيتمي في كتاب الإفادة فيما جاء في المرض والعيادة حكمة وضع اليد تأنيسه ومعرفة شدة الألم ليدعو له أو يرقيه ويتأكد لعارف بالطب يرى انهم يثقون به وضع يده على ما يدرك به العلة وهو النبض إن كانت العلة باطنة أو على محلها إن كانت ظاهرة واحتاج لمسها ثم يصف له ما يناسبها أو يسأله أو من عنده عن حاله من غير إكثار ولا إضجار ويجيب هو أو من عنده بنحو أصبحت بخير الحمد لله اهـ. قوله: (وَرَوَيْنَا في كِتَاب ابْنِ السني)

стр. 1186

عن سلمان ﵁ قال: "عادني رسول الله ﷺ وأنا مريض ــ قال في الحصين ورواه الحاكم عن سلمان في كتاب الدعاء من المستدرك قال الحافظ في التخريج بعد تخريجه الحديث هذا حديث غريب أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وقال الذهبي في مختصره سنده جيد وليس كما قال وقد تم الوهم فيه عليه وعلى الحاكم قبله فقد سقط من سنده بين شعيب وأبي هاشم راو وذلك الراوي هو أبو خالد كما جاء في رواية لابن السني وأبو خالد وهو عمرو بن خالد، الواسطي ضعيف جدًّا كذبه أحمد وابن معين وغيرهما وباقي رجال سنده ثقات وأخرجه الطبراني في الكبير من وجه آخر عن عمرو بن خالد المذكور اهـ. قوله: (عَنْ سَلمَانَ الفارسي) الصحابي الكبير أحد الذين اشتاقت لهم الجنة والفارسي نسبة لفارس إما لكونه منها أو من أصبهان وهي منها أو لغير ذلك يقال سلمان الخير سئل عن نسبه فقال أنا ابن الإسلام أدرك حواري عيسى وقرأ الكتابين وسئل علي ﵁ فقال علم العلم الأول والعلم الآخر وهو بحر لا ينزف وهو منا أهل البيت له اليد الطولى في الزهد مع طول عمره المستلزم لزيادة الحرص والأمل بشهادة المصطفى ﷺ فقد عاش مائتين وخمسين أو ثلاثمائة وخمسين سنة وكان عطاؤه خمسة آلاف وكان يفرقه ويأكل من كسب يده يعمل الخوص وكان مجوسيًّا صحب جماعة من الرهبان فأخبره آخرهم عند وفاته بظهور النبي ﷺ بالحجاز فقصده مع أعراب فغدروه فباعوه بوادي القرى ليهودي فقدم به المدينة فكان بها حتى قدمها المصطفى وتعرف فيه العلامات التي وصفها الراهب فَآمن من قال الطبراني في أكبر معاجمه وإسلامه بالمدينة أثبت من قول من قال إنه آمن بمكة وكاتب أهله على ثلاثمائة نخلة يعمل فيها حتى تثمر وأربعين أوقية من الذهب فغرس عصييه بيده المباركة الكل وقال أعينوا أخاكم فأعانوه حتى أدى كل ما عليه وأول مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق وهو الذي أشار بحفره ولم يتخلف بعده عن مشهد ولما قسم رسول الله ﷺ الخندق تخاصم فيه المهاجرون والأنصار كل يدعيه فقال ﷺ سلمان منا أهل البيت آخى النبي ﷺ بينه وبين أبي الدرداء روي له عنه ﷺ فيما قيل ستون حديثًا انفرد البخاري بأربعة أحدها مسند وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث مسندة وخرج عنه الأربعة وغيرهم توفي في خلافة عثمان

стр. 1187

فقال: يا سَلْمانُ شَفَى اللهُ سَقَمَكَ، وغَفَرَ ذَنْبَكَ، وعَافَاكَ في دِينِكَ وَجسْمِكَ إلى مُدَّةِ أجَلِكَ". وروينا فيه عن عثمان بن عفان ﵁، قال: مرضت فكان رسول الله ﷺ يعوّذني فعَوّذني يومًا، فقال: "بسم اللهِ الرحمَنِ الرحِيم، أُعِيذُكَ باللهِ الأحَدِ الصمَدِ الّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد، مِنْ شَر مَا تَجدُ"، فلما استقل رسول الله ﷺ قائمًا قال: "يا عُثمانُ تَعَوَّذْ بِهَا فما تَعَوَّذْتُمْ بِمِثْلِها". باب استحباب وصية أهل المريض ومن يخدمه بالإحسان إليه واحتماله والصبر على ما يشق من أمره وكذلك الوصية بمن قرب سبب موته بحدٍّ أو قصاص أو غيرهما روينا في "صحيح مسلم" عن عمران بن الحصين ﵄، أن ــ بالمدائن سنة خمس وثلاثين على الأكثر وقيل سنة اثنين وما ترك شيئًا يورث عنه ﵁ قوله: (يا سلْيمَانُ) عبر بدله في الحصين بقوله يا فلان قال شارحه إنه نقل بالمعنى إذ المراد بالخطاب العام أي سليمان وغيره من المرضى والله أعلم. قوله: (سَقَمكَ) بفتحتين وضم فسكون أي مرضك. قوله: (وجسْمِكَ) أي بدنك. قوله: (إلى مدَّةِ أَجلِكَ) أي نهاية عمرك. قوله: (وَرَوَيْنَا فيهِ الخ) أخرجه أبو يعلى في مسنده الكبير وفي سنده ضعف أشار إليه الحافظ. قوله: (استقَلّ قائمًا) أي ارتفع من مجلسه قائمًا للانصراف. قوله: (تَعوذْ بهَا) أي بهذه الكلمات وفي نسخة بهما والظاهر إنه من تصحيف الكتاب فالذي في أصل صحيح من كتاب ابن السني بها بضمير الواحدة الغائبة. باب استحباب وصية أهل المريض (ومن يخدمه بالإحسان إليه واحتماله والصبر على ما يشق من أمره وى لك الوصية بمن قرب سبب موته بحد أو قصاص أو غيرهما) أقول الأولى الوصية بمن قرب موته بسبب حد أو قصاص الخ. لأن السبب هو المقتضي للحد أو للقصاص والقريب إنما هو موته المسبب عما يقتضي ذلك والله أعلم. قوله: (وَرَوَيْنَا في صَحِيحِ مُسْلم الخ) قال الربيع في تيسير الأصول أخرجه الخمسة إلَّا البخاري قال الحافظ وأخرجه أحمد. قوله: (عَنْ عِمران بْنِ حصِينِ) هو أبو نجيد بنون وجيم مصغر عمران بن حصين بحاء وصاد

стр. 1188

امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا رسول الله أصبتُ حدًّا فأقمه عليّ، فدعا نبي الله ﷺ وليَّها فقال: "أحْسِنْ إلَيها فإذا وَضَعَتْ فأتِني بِهَا، ففعل، ــ مهملتين ثم تحتية ثم نون مصغر ابن عبيد بن خلف بن سلول بفتح المهملة وضم اللام الخزاعي الكعبي الصحابي الجليل أسلم عام خيبر سنة سبع هو وأبو هريرة معًا وغزا مع رسول الله ﷺ غزوات وبعثه عمر بن الخطاب إلى أهل البصرة ليفقههم وكان الحسن البصري يحلف ما قدم عليهم رجل خير لهم منه وكان مجاب الدعوة كثير العلم أبيض الرأس واللحية يلبس الثياب الحسنة واعتزل الفتنة وكانت الملائكة تسلم عليه فلما اكتوى تركته فلما ترك الكي عادت تسلم عليه الملائكة قال ابن سيرين سقى بطنه ثلاثين سنة وكان يعرض عليه الكي فيأبى وينهى عن الكي حتى كان قبل موته بسنتين فاكتوى ثم ترك ولي القضاء أيامًا لابن عامر فقضى على رجل بشيء فقال له والله لقد قضيت علي بجور وقال شهد علي بالزور قال وما قضيت عليك فهو في مالي والله لا أجلس مجلسي هذا أبدًا روي له عن النبي ﷺ فيما قيل مائة وثمانون حديث اتفق الشيخان منها على ثمانية وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بتسعة روي عنه إنه قال ما مسست ذكري بيميني منذ بايعت النبي ﷺ وأوصى لأمهات أولاده بوصايا وقال من صرخ على منهن فلا وصية لها ومات بالبصرة سنة اثنين وخمسين وقيل سنة ثلاث واختلف في إسلام أبيه والصحيح إنه أسلم هو وأبوه معًا وذكره البخاري وغيره في الصحابة وحديث إسلام أبيه أخرجه الترمذي في الدعوات من جامعه وصححه ابن حبان والحاكم وذكره أبو الحسن المرادي في جملة العميان من الصحابة ﵃ كذا في العمدة للقلقشندي. قوله: (امْرأَةً مِنْ جُهينةَ) بضم الجيم وفتح الهاء بعدها مثناة تحتية ساكنة ثم نون ثم هاء اسم قبيلة في بعض طرق مسلم امرأة من غامد قال المصنف في شرحه وغامد بالغين المعجمة ودال مهملة بطن من جهينة. قوله: (أَحِسنْ إليْهَا) قال المصنف هذا الإحسان أي الأمر به له سببان أحدهما الخوف عليها من أقاربها أن تلحقهم المغيرة ولحاق العار بهم أن يؤذوها فأوصى بالإحسان إليها تحذيرًا من ذلك والثاني رحمة لها إن قد تابت وحرض على الإحسان إليها لما في قلوب النّاس من النفرة من مثلها وإسماعها الكلام المؤذي فنهى عن ذلك كله. قوله: (فإِذَا وَضَعَتْ الخ) فيه إنه لا يرجم الحبلى حتى تضع

стр. 1189

فأمر بها النبي ﷺ ، فشُدَّت عليها ثيابُها، ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها". ــ سواء كان حملها من زنا أو غيره وكذا لو كان حدها الجلد لا تجلد حتى تضع بالإجماع وفيه أن الرجم للمرأة أيضًا إذا كانت محصنة كالرجل وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة لأن الأحاديث متطابقة على إنه لا يرجم غير المحصن ثم لا يرجم غير المحصن ثم لا ترجم الحامل بل بعد وضع الحمل حتى يسقى ولدها اللبن ويستغني عنها بلبن غيرها وفيه أن الحمل يعرف ويحكم به وهذا هو الصحيح أشار إلى ذلك كله المصنف في شرح مسلم. قوله: (فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثيابُها) كذا في الأذكار بالدال المهملة وكذا أورده الربيع وقال رواه الخمسة إلّا البخاري وهو بضم الشين المعجمة مبني للمجهول وثيابها نائب الفاعل قال المصنف في شرح مسلم فشكت عليها ثيابها أي بتشديد الكاف هكذا هو معظم النسخ وفي بعضها فشدت بالدال بدل الكاف وهو معنى الأول وفي الحديث استحباب جمع ثيابها عليها وشدها بحيث لا تنكشف في تقلبها وتكرار اضطرابها واتفق العلماء أنها لا ترجم إلَّا قاعدة أما الرجم فجمهورهم على أنه يرجم قائمًا وقال مالك قاعدًا وقال غيره يتخير الإمام بينهما. قوله: (ثم أَمَرَ بهَا) يحتمل أن يكون بالبناء للمفعول وسكت عن ذكر الفاعل للعلم به وكذا رأيته في أصل مصحح من الأذكار ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل وضمير الفاعل يعود للنبي ﷺ كذا رأيته في أصل معتمد من تيسير الأصل للديبع قال المصنف فيه دلالة المذهب الشافعي ومالك وموافقيهما إنه لا يلزم الإمام حضور الرجم وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمهم الحضور وقال أبو حنيفة وأحمد يحضر الإمام وكذا الشهود إن ثبت ببينة ويبدأ الإمام بالرجم إذا ثبت بالإقرار ويبدأ الشهود إن ثبت بالبينة وحجة غيرهما أن النبي ﷺ لم يحضر أحدًا ممن رجم اهـ. قوله: (ثمّ صلَّى عَلَيْهَا) هذه الرواية صريحة في أنه ﷺ صلى عليها وتتمته عند مسلم وغيره ممن ذكر فقال عمرًا تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت فقال ﷺ لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله وفي رواية لمسلم ثم أمر بها فصلى عليها بالبناء للمفعول عند الطّبري وبالبناء للفاعل عند جماهير رواة مسلم قاله القاضي عياض قال وفي رواية ابن أبي شيبة وأبي داود ثم أمرهم أن يصلوا عليها واختلف العلماء في الصلاة على المرجوم فكرهها مالك وأحمد للإمام وأهل الفضل دون باقي النّاس قالا ولا يصلي عليه الإمام وأهل

стр. 1190

باب ما يقول من به صداع أو حمى أو غيرهما من الأوجاع روينا في كتاب ابن السني عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ كان يعلِّمهم من الأوجاع كلها، ومن الحمى أن يقول: "بِسْم اللهِ الكَبِيرِ، نَعُوذُ بالله العَظِيمِ منْ شَرِّ عِرْقٍ نَعّارٍ ومِنْ شَرِّ ــ الفضل وقال الشافعي وآخرون يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم فالخلاف في الإمام وأهل الفضل أما غيرهم فاتفقوا على أنهم يصلون وبه قال جماهير العلماء قال فيصلى على الفساق المقتولين في المحاربة وغيرها واحتج الجمهور بهذا الحديث وفيه دلالة للشافعي في استحباب صلاة الإمام وأهل الفضل على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم وأجاب عنه أصحابه بضعف رواية الصلاة لكون أكثر لم يذكرها أو يتأول صلى عليها أمر بالصلاة أو دعا فسمي صلاة على مقتضاها في اللغة وهذان الجوابان فاسدان أما الأول فإن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح وزيادة الثقة مقبولة وأما الثاني فهذا التأويل مردود لأن التأويل إنما يصار إليه إذا اضطرت الأدلة الشرعية إلى ارتكابه وليس هنا شيء من ذلك فوجب حمله على ظاهره والله أعلم. كذا في شرح مسلم للمصنف ثم حديث الباب إنما هو في الوصية بمن قرب موته لوجود سببه أما الوصية بالصبر على المريض فبالقياس الأولوي لأنه إذا أمر بالإحسان إلى من جنى لتوبته فغير الجاني أولى والله أعلم. باب ما يقول من به صداع أو حمى أو غيرهما من الأوجاع قوله: (وَرَوَيْنَا في كِتَاب ابْنِ السني الخ) قال في الحصين والسلاح رواه الحاكم زاد في الحصين وابن أبي شيبة قال الحافظ أخرجه أحمد وابن أبي شيبة قال السيوطي في الجامع الصغير وأخرجه أحمد في مسنده قال الحافظ ويتعجب من الشيخ في اقتصاره في نسبته إلى ابن السني انتهى. قوله: (الْكَبيرِ) أي العالي الشأن. قوله: (العَظِيم) أي العظيم الحجة والبرهان هو في الأذكار نعوذ بالنون وكذا في السلاح وفي الحصين والجامع الصغير أعوذ بالألف قال في الحرز رواية الحاكم نعوذ أي بالنون قلت وكذا رواية ابن السني وعلى رواية الحاكم اقتصر صاحب السلاح كما اقتصر المصنف على رواية ابن السني قال في الحرز وأعوذ رواية ابن أبي شيبة قلت ولعلها رواية أحمد أو الترمذي وإلا فالسيوطي أورده بالألف ولم يرمز في مخرجيه لابن أبي شيبة والله أعلم. قوله: (نعار) هو بفتح النون وتشديد العين

стр. 1191

حَرِّ النارِ". وينبغي أن يقرأ على نفسه الفاتحة، وقل هو الله أحد، والمعوِّذتين وينفث في يديه كما سبق بيانه وأن يدعو بدعاء الكرب الذي قدمناه. باب جواز قول المريض أنا شديد الوجع أو موعوك، أو أرى إساءةً ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن شيء من ذلك على سبيل التسخط وإظهار الجزع وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الله بن مسعود ﵁، ــ وبالراء المهملتين صفة عرف قال في السلاح قال الصغاني في العباب نعر العرق ينعر فيهما بالفتح أي فار بالدم فهو عرف نعار ونعور وقال الفراء ينعر بالكسر أكثر اهـ. وقال ابن الجزري جرح نعار إذا صوت ومد عند خروجه وفي المستصفى لابن معين القريظي يروى يعار بالتحتية واليعار السيل والذي يصيح مأخوذ من يعار الغنم وهو أصواتها وفي ضياء العلوم نعرت الشجة إذا انفتحت بالدم وقيل بالغين المعجمة واليعار بالتحتية صوت المعز اهـ. قوله: (حرِّ النَّارِ) أي نار كانت قيل ولا يبعد أن يراد نار كل عرق نعار. باب جواز قول المريض أنا شديد الوجع أو موعوك أي محموم أو وارأساه أو نحو ذلك أي من سائر الأسقام التي يحصل منها الآلام قال الرازي في كتاب أحكام القرآن مما يدل على الجواز قول الله تعالى حكاية عن موسى ﵇ ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] فدل على أن إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من نصب أو مشقة في سعي ليس شكاية مكروهة اهـ. قوله: (وبيان أَنه لَا كَرَاهةَ في ذَلِكَ) أي ما لم يكثر منه إلَّا في الروضة للمصنف يكره للمريض كثرة الشكوى أي ما لم يكثر منه ونقل في شرح الروض مثله عن المجموع وقال فلو سأله طبيب أو قريب له أو صديق أو نحوه عن حاله فأخبره بالشدة التي هو فيها لا على صورة الجزع فلا بأس وفي المجموع الصواب إنه لا يكره الأنين إن صرح بكراهته جماعة لأنه لم يثبت نهي مقصود بل في البخاري أنّ عائشة قالت وارأساه الحديث ولكن الإشغال بالتسبيح أولى منه فهو بخلاف الأولى ولعله مرادهم انتهى. قوله (وَرَوَيْنَا في صحِيحَي الْبُخَارِي وَمُسْلمٍ الخ) قال الحافظ أخرج الحديث أحمد والشيخان من

стр. 1192

قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك، فمسسته فقلت: إنك لتوعك وعكًا شديدًا، قال: "أجَلْ كما يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ". وروينا في "صحيحيهما" عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني من وجع ــ طرق ثم بينها قال في المرقاة ورواه النسائي. قوله: (يَوعَكَ) بضم الياء التحتية وفتح العين المهملة بالبناء للمجهول والوعك حرارة الحمى وألمها وقد وعكه المرض وعكًا ووعكه فهو موعوك أي اشتد به. قوله: (فَمَسِسْتهُ) في الصحاح مسست الشيء بالكسر أمسه هي اللغة الفصحى وحكى أبو عبيدة مسست بالفتح أمسه بالضم. قوله: (وَعْكًا) هو بسكون العين. قوله: (لأوعَكُ) بالبناء للمفعول أي لياخذني الوعك. قوله: (كَمَا يوعَكُ رَجُلان مِنْكُمْ) وتتمة الحديث فقلت ذلك لأن لك أجرين فقال أجل ثم قال ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلَّا حط الله سيئاته وفي رواية الحافظ إلَّا حط الله خطاياه عنه كما يحط عن الشجرة ورقها وسكت المصنف عن هذه التتمة لعدم تعلقها بغرض الباب وذكرتها لما فيها من التبشير بعظيم الثواب، ثم هل الثواب على المصيبة نفسها وإن قارنها جزع فيأثم على الجزع ويثاب عليها لاختلاف الجهة أو على الصبر عليها الصواب الثاني كما تقدمت الإشارة إلى ذلك والأول بعيد من نصوص الكتاب والسنة الدالة على أن الجزع الذي من التبرع بالقضاء يمنع الثواب وأخرج ابن سعد في الطبقات والبخاري في الأدب وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد قال دخلت على رسول الله ﷺ وهو محموم فوضعت يدي فوق القطيفة فوجدت حرارة الحمى فوق القطيفة فقلت ما أشد حماك يا رسول الله قال إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الأجر قلت أي النّاس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون وإن كان الرجل وفي رواية النبي ليبتلى بالفقر ما يجد إلّا العباء فيجرها فيلبسها وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم أورده القارئ في المرقاة. قوله: (وَرَوَيْنَا في صَحِيحَيْهِمَا) قال الحافظ أخرجه أحمد وله في الصحيحين طرق بألفاظ مختلفة يزيد بعض الرواة على بعض وكذا رواه الأربعة. قوله: (جاءَنِي رَسُولُ الله ﷺ يَعودُني الخ) أي في عام حجة الوداع كما في مسلم وغيره وفيه استحباب عيادة المريض وإنها مستحبة للإمام كاستحبابها للآحاد وقوله: (مِنْ وجَع)

стр. 1193

اشتد بي، فقلت: بلغ بي ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنتي ... وذكر الحديث. وروينا في "صحيح البخاري" عن القاسم بن محمد، قال: قالت عائشة رضي الله ــ قال إبراهيم الحربي الوجع اسم لكل مرض وقوله: (اشَتَدَّ بِي) في رواية لمسلم أشفيت منه على المَوت أي قاربته وأشرفت عليه يقال أشفي عليه وأشاف قاله الهروي وقال ابن قتيبة لا يقال أشفي إلّا في الشر وفي الحديث جواز ذكر المريض ما يجده لغرض صحيح من مداواة أو دعاء صالح أو وصية أو استفتاء عن حاله ونحو ذلك وإنما يكره من ذلك ما كان على وجه السخط ونحوه فإنه قادح في أجر مرضه قاله المصنف في شرح مسلم ومثل السخط في الكراهة ما إذا كثر منه كما تقدم عن الروضة وإن افترقا في قدح السخط في الأجر دون الإكثار. قوله: (ذُو مالٍ) فيه دليل على إباحة جمع المال لأن هذه الصيغة لا تستعمل في العرف إلَّا في المال الكثير. قوله: (لا يرثُني إلا ابنة لي) أي لا يرثني من الأولاد وإلا فقد كان له عصبة وقيل معناه لا يرثني من أصحاب الفروض إلّا ابنة لي. قوله: (وَرَوَينَا في صَحِيحِ الْبُخَارِي الخ) قال الحافظ حذف الشيخ منه بعد قولها وارأساه فقال ﷺ ذاك لو كان وأنا حي فاستغفر لك وأدعو لك الحديث فقالت عائشة واثكلياه والله لأظنك تحب موتي ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك فقال ﷺ بل أنا وارأساه الحديث وقول الشيخ إن الحديث بهذا اللفظ مرسل يريد أن القاسم بن محمد ساق قصة ما أدركها ولا قال إن عائشة أخبرته بها لكن اعتمد البخاري على شهرة القاسم لصحبة عمته وكثرة روايته عنها وهي التي. تولت تربيته بعد موت أبيه حتى ماتت وقد قال ابن عبد البر العبرة باللقاء والمجالسة لا بالألفاظ يعني في الاتصال وهذا الحديث مشهور عن عائشة من طريق آخر أخرجه أحمد والنسائي في الكبرى عنها قالت دخل علي رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه يعني بالوجع فقلت وارأساه فقال وددت لو كان ذاك وأنا حي فهيأتك ودفنتك فقلت كذا كأني بك في ذلك اليوم عروسًا ببعض نسائك فقال أنا وارأساه ادعي لي أباك وأخاك وأخرجه مسلم مقتصرًا منه على قوله ادعي لي أباك وأخاك إلى آخر الحديث ولم يذكر ما قبله وكذا أخرجه أبو يعلى وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة من طريق أخرى عن عائشة قالت رجع إلي النبي ﷺ من

стр. 1194

عنها: وارأساه، فقال النبي ﷺ : "بَلْ أنا وارَأساهُ ... " وذكر الحديث بهذا اللفظ مرسل. باب كراهية تمني الموت لضر نزل بالإنسان وجوازه إذا خاف فتنة في دينه روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁، قال: قال النبي ﷺ : ــ البقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي وأنا أقول وارأساه فقال بل أنا وارأساه فقال ما ضرك لو من قبلي فذكر الحديث قلت هو قوله فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك قال الدميري في الديباجة رواه أحمد وابن حبان والدارمي والدارقطني والبيهقي كلهم بإسناد فيه محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عيينة والأكثرون أن حديثه حسن إذا قال حدثني وإذا عنعن لا يحتج به لكن مال ابن الجوزي إلى صحته وكان هذا الخروج إلى البقيع آخر يوم من صفر آخر أو أول يوم من ربيع اهـ. قوله: (بَل أَنَا وَارَأْسَاهُ) اضراب أي دعي ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي فإنك لا تموتين في هذا المرض وتعيشين بعدي. قوله: (وَارَأْسَاهُ) فيه رد لقول جمع من أئمتنا بكراهة تأوه المريض نعم إن أرادوا إنه خلاف الأولى اتجه لأنه لا يدل على ضعف اليقين ويشعر بالسخط ويورث شماتة الأعداء ولا بأس اتفاقًا بإخبار صديق وطبيب إذ لا نظر لعمل اللسان فكم من ساكت ساخط وشاك راضٍ. باب كراهة تمني الموت لضر ينزل بالإنسان وجوازه أي إباحته (إِذَا خَافَ فِتْنَةً في دِيِنِهِ) قال بعضهم لا يتمنى الموت إلا ثلاثة رجل جاهل بما بعد الموت ورجل لا يصبر على المصائب فهو هارب من قضاء الله ورجل أحب لقاء الله تعالى. قوله: (رَوَيْنَا في صَحِيحي الْبُخَارِي وَمُسْلمٍ الخ) أخرجاه وأحمد بهذا اللفظ وأخرج الحافظ من طريق أخرى عن شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس فذكر مثله وقال أخرجه أبو عوانة في صحيحه وأخرجه الحافظ من طريق أبي نعيم إلى إسماعيل بن إبراهيم ثنا عبد العزيز بن صهيب لكن قال متمنيًا بدل قوله فاعلًا أخرجه مسلم وأخرجه أبو داود والترمذي

стр. 1195

"لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ ــ وابن ماجة من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بلفظ لا يدعون أحدكم بالموت لضر نزل به في الدنيا قلت ورواه ابن السني أيضًا قال الحافظ وأصل النهي عن تمني الموت مطلقًا ورد في عدة أحاديث في الصحيحين عن خباب بمعجمة وبموحدتين الأولى ثقيلة، لولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به وفي بعض طرقه إنه كان ابتلي في جسده وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا يتمنين أحد الموت إما محسنًا فلعله يزداد وإما مسيئًا فلعله يستعتب عن مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات انقطع عمله ولا يزيد المؤمن عمره إلَّا خيرًا وعند البزار من حديث جابر عن النبي ﷺ قال لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد وإن من السعادة أن يطول عمر العبد حتى يرزقه الله الإنابة وورد الدعاء المذكور مجردًا عن التمني في حديث عمار أخرجه النسائي عن قيس بن عباد بضم المهملة وتخفيف الموحدة قال صلى بنا عمار بن ياسر ثم قال لقد دعوت فيها بما سمعت رسول الله ﷺ يدعو به اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا علمت أن الوفاة خير إليّ وأما ما ذكره الشيخ من الاستثناء ففي الموطأ عن عمر لما قفل من الحج قال اللهم ضعفت قوتي وكبرت سنين وكثرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مقصر فما انسلخ الشهر حتى قتل فهذا أصل في جواز تمني الموت كمن خشي نقصًا في دينه اهـ. قلت وقد أخرج الحافظ حديث عمر المذكور من طريق آخر عن سعيد بن المسيب أن عمر لما نفر من مني أناخ بالبطحاء ثم كوم كومة فألقى عليها طرفًا من ردائه ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء فقال اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مفرط ولا مضيع فما انسلخ ذو الحجة حتى طعن وقال الحافظ أخرجه ابن سعد في الطبقات ويدل لما قاله المصنف قوله ﷺ وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. قوله: (مِنْ ضر) هو بضم الضاد المعجمة أي من أجل ضرر مالي أو بدني أصابه فإن تمني الموت لذلك يدل على الجزع من البلاء وعدم الرضا بالقضاء فقد يكون له في ذلك الضرر الدنيوي نفع أخروي من
следующие страницы →