Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
حَرِّ النارِ".
وينبغي أن يقرأ على نفسه الفاتحة، وقل هو الله أحد، والمعوِّذتين وينفث في يديه كما سبق بيانه وأن يدعو بدعاء الكرب الذي قدمناه.
باب جواز قول المريض أنا شديد الوجع أو موعوك، أو أرى إساءةً ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن شيء من ذلك على سبيل التسخط وإظهار الجزع
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الله بن مسعود ﵁،
ــ
وبالراء المهملتين صفة عرف قال في السلاح قال الصغاني في العباب نعر العرق ينعر فيهما بالفتح أي فار بالدم فهو عرف نعار ونعور وقال الفراء ينعر بالكسر أكثر اهـ. وقال ابن الجزري
جرح نعار إذا صوت ومد عند خروجه وفي المستصفى لابن معين القريظي يروى يعار بالتحتية واليعار السيل والذي يصيح مأخوذ من يعار الغنم وهو أصواتها وفي ضياء العلوم نعرت الشجة إذا انفتحت بالدم وقيل بالغين المعجمة واليعار بالتحتية صوت المعز اهـ. قوله: (حرِّ النَّارِ) أي نار كانت قيل ولا يبعد أن يراد نار كل عرق نعار.
باب جواز قول المريض أنا شديد الوجع أو موعوك
أي محموم أو وارأساه أو نحو ذلك أي من سائر الأسقام التي يحصل منها الآلام قال الرازي في كتاب أحكام القرآن مما يدل على الجواز قول الله تعالى حكاية عن موسى ﵇ ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] فدل على أن إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من نصب أو مشقة في سعي ليس شكاية مكروهة اهـ. قوله: (وبيان أَنه لَا كَرَاهةَ في ذَلِكَ) أي ما لم يكثر منه إلَّا في الروضة للمصنف يكره للمريض كثرة الشكوى أي ما لم يكثر منه ونقل في شرح الروض مثله عن المجموع وقال فلو سأله طبيب أو قريب له أو صديق أو نحوه عن حاله فأخبره بالشدة التي هو فيها لا على صورة الجزع فلا بأس وفي المجموع الصواب إنه لا يكره الأنين إن صرح بكراهته جماعة لأنه لم يثبت نهي مقصود بل في البخاري أنّ عائشة قالت وارأساه الحديث ولكن الإشغال بالتسبيح أولى منه فهو بخلاف الأولى ولعله مرادهم انتهى. قوله (وَرَوَيْنَا في صحِيحَي الْبُخَارِي وَمُسْلمٍ الخ) قال الحافظ أخرج الحديث أحمد والشيخان من
стр. 1192
قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك، فمسسته فقلت: إنك لتوعك وعكًا شديدًا، قال: "أجَلْ كما يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ".
وروينا في "صحيحيهما" عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني من وجع
ــ
طرق ثم بينها قال في المرقاة ورواه النسائي. قوله: (يَوعَكَ) بضم الياء التحتية وفتح العين المهملة بالبناء للمجهول والوعك حرارة الحمى وألمها وقد وعكه المرض وعكًا ووعكه فهو موعوك أي اشتد به. قوله: (فَمَسِسْتهُ) في الصحاح مسست الشيء بالكسر أمسه هي اللغة الفصحى وحكى أبو عبيدة مسست بالفتح أمسه بالضم. قوله: (وَعْكًا) هو بسكون العين. قوله: (لأوعَكُ) بالبناء للمفعول أي لياخذني الوعك. قوله: (كَمَا يوعَكُ رَجُلان مِنْكُمْ) وتتمة الحديث فقلت ذلك لأن لك أجرين فقال أجل ثم قال ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلَّا حط الله سيئاته وفي رواية الحافظ إلَّا حط الله خطاياه عنه كما يحط عن الشجرة ورقها وسكت المصنف عن هذه التتمة لعدم تعلقها بغرض الباب وذكرتها لما فيها
من التبشير بعظيم الثواب، ثم هل الثواب على المصيبة نفسها وإن قارنها جزع فيأثم على الجزع ويثاب عليها لاختلاف الجهة أو على الصبر عليها الصواب الثاني كما تقدمت الإشارة إلى ذلك والأول بعيد من نصوص الكتاب والسنة الدالة على أن الجزع الذي من التبرع بالقضاء يمنع الثواب وأخرج ابن سعد في الطبقات والبخاري في الأدب وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد قال دخلت على رسول الله ﷺ وهو محموم فوضعت يدي فوق القطيفة فوجدت حرارة الحمى فوق القطيفة فقلت ما أشد حماك يا رسول الله قال إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الأجر قلت أي النّاس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون وإن كان الرجل وفي رواية النبي ليبتلى بالفقر ما يجد إلّا العباء فيجرها فيلبسها وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم أورده القارئ في المرقاة. قوله: (وَرَوَيْنَا في صَحِيحَيْهِمَا) قال الحافظ أخرجه أحمد وله في الصحيحين طرق بألفاظ مختلفة يزيد بعض الرواة على بعض وكذا رواه الأربعة. قوله: (جاءَنِي رَسُولُ الله ﷺ يَعودُني الخ) أي في عام حجة الوداع كما في مسلم وغيره وفيه استحباب عيادة المريض وإنها مستحبة للإمام كاستحبابها للآحاد وقوله: (مِنْ وجَع)
стр. 1193
اشتد بي، فقلت: بلغ بي ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنتي ... وذكر الحديث.
وروينا في "صحيح البخاري" عن القاسم بن محمد، قال: قالت عائشة رضي الله
ــ
قال إبراهيم الحربي الوجع اسم لكل مرض وقوله: (اشَتَدَّ بِي) في رواية لمسلم أشفيت منه على المَوت أي قاربته وأشرفت عليه يقال أشفي عليه وأشاف قاله الهروي وقال ابن قتيبة لا يقال أشفي إلّا في الشر وفي الحديث جواز ذكر المريض ما يجده لغرض صحيح من مداواة أو دعاء صالح أو وصية أو استفتاء عن حاله ونحو ذلك وإنما يكره من ذلك ما كان على وجه السخط ونحوه فإنه قادح في أجر مرضه قاله المصنف في شرح مسلم ومثل السخط في الكراهة ما إذا كثر منه كما تقدم عن الروضة وإن افترقا في قدح السخط في الأجر دون الإكثار. قوله: (ذُو مالٍ) فيه دليل على إباحة جمع المال لأن هذه الصيغة لا تستعمل في العرف إلَّا في المال الكثير. قوله: (لا يرثُني إلا ابنة لي) أي لا يرثني من الأولاد وإلا فقد كان له عصبة وقيل معناه لا يرثني من أصحاب الفروض إلّا ابنة لي. قوله: (وَرَوَينَا في صَحِيحِ الْبُخَارِي الخ) قال الحافظ حذف الشيخ منه بعد قولها وارأساه فقال ﷺ ذاك لو كان وأنا حي فاستغفر لك وأدعو لك الحديث فقالت عائشة واثكلياه والله لأظنك تحب موتي ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك فقال ﷺ بل أنا وارأساه الحديث وقول الشيخ إن الحديث بهذا اللفظ مرسل يريد أن القاسم بن محمد ساق قصة ما أدركها ولا قال إن عائشة أخبرته بها لكن اعتمد البخاري على شهرة القاسم لصحبة عمته وكثرة روايته عنها وهي التي. تولت تربيته بعد موت أبيه حتى ماتت وقد قال ابن عبد البر العبرة باللقاء والمجالسة لا بالألفاظ يعني في الاتصال وهذا الحديث مشهور عن عائشة من طريق آخر أخرجه أحمد والنسائي في الكبرى عنها قالت دخل علي رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه يعني بالوجع فقلت وارأساه فقال وددت لو كان ذاك وأنا حي فهيأتك ودفنتك فقلت
كذا كأني بك في ذلك اليوم عروسًا ببعض نسائك فقال أنا وارأساه ادعي لي أباك وأخاك وأخرجه مسلم مقتصرًا منه على قوله ادعي لي أباك وأخاك إلى آخر الحديث ولم يذكر ما قبله وكذا أخرجه أبو يعلى وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة من طريق أخرى عن عائشة قالت رجع إلي النبي ﷺ من
стр. 1194
عنها: وارأساه، فقال النبي ﷺ : "بَلْ أنا وارَأساهُ ... " وذكر الحديث بهذا اللفظ مرسل.
باب كراهية تمني الموت لضر نزل بالإنسان وجوازه إذا خاف فتنة في دينه
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁، قال: قال النبي ﷺ :
ــ
البقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي وأنا أقول وارأساه فقال بل أنا وارأساه فقال ما ضرك لو من قبلي فذكر الحديث قلت هو قوله فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك قال الدميري في الديباجة رواه أحمد وابن حبان والدارمي والدارقطني والبيهقي كلهم بإسناد فيه محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عيينة والأكثرون أن حديثه حسن إذا قال حدثني وإذا عنعن لا يحتج به لكن مال ابن الجوزي إلى صحته وكان هذا الخروج إلى البقيع آخر يوم من صفر آخر أو أول يوم من ربيع اهـ. قوله: (بَل أَنَا وَارَأْسَاهُ) اضراب أي دعي ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي فإنك لا تموتين في هذا المرض وتعيشين بعدي. قوله: (وَارَأْسَاهُ) فيه رد لقول جمع من أئمتنا بكراهة تأوه المريض نعم إن أرادوا إنه خلاف الأولى اتجه لأنه لا يدل على ضعف اليقين ويشعر بالسخط ويورث شماتة الأعداء ولا بأس اتفاقًا بإخبار صديق وطبيب إذ لا نظر لعمل اللسان فكم من ساكت ساخط وشاك راضٍ.
باب كراهة تمني الموت لضر ينزل بالإنسان وجوازه
أي إباحته (إِذَا خَافَ فِتْنَةً في دِيِنِهِ) قال بعضهم لا يتمنى الموت إلا ثلاثة رجل جاهل بما بعد الموت ورجل لا يصبر على المصائب فهو هارب من قضاء الله ورجل أحب لقاء الله تعالى. قوله: (رَوَيْنَا في صَحِيحي الْبُخَارِي وَمُسْلمٍ الخ) أخرجاه وأحمد بهذا اللفظ وأخرج الحافظ من طريق أخرى عن شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس فذكر مثله وقال أخرجه أبو عوانة في صحيحه وأخرجه الحافظ من طريق أبي نعيم إلى إسماعيل بن إبراهيم ثنا عبد العزيز بن صهيب لكن قال متمنيًا بدل قوله فاعلًا أخرجه مسلم وأخرجه أبو داود والترمذي
стр. 1195
"لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ
ــ
وابن ماجة من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بلفظ لا يدعون أحدكم بالموت لضر نزل به في الدنيا قلت ورواه ابن السني أيضًا قال الحافظ وأصل النهي عن تمني الموت مطلقًا ورد في عدة أحاديث في الصحيحين عن خباب بمعجمة وبموحدتين الأولى ثقيلة، لولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به وفي بعض طرقه إنه كان ابتلي في جسده وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا يتمنين أحد الموت إما محسنًا فلعله يزداد وإما مسيئًا فلعله يستعتب عن مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات انقطع عمله ولا يزيد المؤمن عمره إلَّا خيرًا وعند البزار من حديث جابر عن النبي ﷺ قال لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد وإن من السعادة أن يطول عمر العبد حتى يرزقه الله الإنابة وورد الدعاء المذكور
مجردًا عن التمني في حديث عمار أخرجه النسائي عن قيس بن عباد بضم المهملة وتخفيف الموحدة قال صلى بنا عمار بن ياسر ثم قال لقد دعوت فيها بما سمعت رسول الله ﷺ يدعو به اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا علمت أن الوفاة خير إليّ وأما ما ذكره الشيخ من الاستثناء ففي الموطأ عن عمر لما قفل من الحج قال اللهم ضعفت قوتي وكبرت سنين وكثرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مقصر فما انسلخ الشهر حتى قتل فهذا أصل في جواز تمني الموت كمن خشي نقصًا في دينه اهـ. قلت وقد أخرج الحافظ حديث عمر المذكور من طريق آخر عن سعيد بن المسيب أن عمر لما نفر من مني أناخ بالبطحاء ثم كوم كومة فألقى عليها طرفًا من ردائه ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء فقال اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مفرط ولا مضيع فما انسلخ ذو الحجة حتى طعن وقال الحافظ أخرجه ابن سعد في الطبقات ويدل لما قاله المصنف قوله ﷺ وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. قوله: (مِنْ ضر) هو بضم الضاد المعجمة أي من أجل ضرر مالي أو بدني أصابه فإن تمني الموت لذلك يدل على الجزع من البلاء وعدم الرضا بالقضاء فقد يكون له في ذلك الضرر الدنيوي نفع أخروي من
стр. 1196
أصَابَهُ، فإنْ كانَ لَا بُد فاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللهُم أحْيِنِي ما كانَتِ الحَيَاةُ خَيرًا لي، وتَوَفني إذا كانَتِ الوَفَاةُ خَيرًا لي".
قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: هذا إذا تمنى لضرٍّ ونحوه، فإن تمنَّى الموت خوفًا على دينِه، لفساد الزمان ونحو ذلك، لم يكره.
ــ
غفر السيئات وإعلاء الدرجات وقد يكون له في المرض نفع من جهة إنه يمتنع به من العصيان. قوله: (لَا بُدَّ) أي البتة ولا محالة ولا فراق. قوله (فاعلًا) أي لتمني الممات. قوله: (فَلْيقُلِ الخ) فلا يتمناه مطلقًا بل يقيده تسليمًا وتفويضًا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي بأن يغلب فيها الطاعة على العصيان والحضور على الغفلة وتوفني أي امتني إذا كانت الوفاة خيرًا لي أي من الحياة بأن انعكس الأمر السابق. قوله: (فإِنْ كَانَ خَوفًا عَلَى دِينِهِ الخ) أي بل يندب ونقله المصنف عن الشافعي وعمر بن عبد العزيز وكذا يسن تمني الشهادة في سبيل الله لأنه صح عن عمر وغيره بل صح عن معاذ إنه تمناه في طاعون عمواس قال في المرقاة ومنه يؤخذ ندب تمني الشهادة ولو بنحو طاعون وفي مسلم من طلب الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تصبه اهـ، وروى مسلم وأصحاب السنن الأربعة من حديث سهيل بن حنيف مرفوعًا من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه قلت وهذا الحديث سيأتي في كتاب الجهاد، وفي الحرز واختلف الصوفية في أنه هل الأفضل طلب الحياة لما ورد طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ولرجاء أن يتوب الله عليه في آخر عمره ويحسن عمله ويحصل أمله، أو طلب الموت نظرًا إلى الشوق إلى الله تعالى وحصول لقائه لما ورد من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وخوفًا من التغيير ولحوق المحن والوقوع في الفتن والمختار التفويض والتسليم لما يدل عليه الحديث الشريف اهـ، وفي شرح المنهاج لابن حجر ما ينافي مفهومه في مجرد تمنيه والذي يتجه إنه لا كراهة لأن عليها إنه مع الضر يشعر بالتبرم بالقضاء بخلافه مع عدمه لأنه حينئذٍ دليل على الرضا لأن من شأن النفوس النفرة عن الموت فتمنيه لا لضر دليل على محبته الآخرة بل أحب لقاء الله
فيدل على تمنيه محبة للقاء الله كهو ببلد شريف بل أولى اهـ. وقد يعارض ما استدل به للاستحباب حديث أبي هريرة مرفوعًا لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنًا فلعله يزداد وإما مسيئًا فلعله يستعتب فلذا كان الراجح إن التفويض والتسليم أسلم.
стр. 1197
باب استحباب دعاء الإنسان بأن يكون موته في البلد الشريف
روينا في "صحيح البخاري" عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵂، قالت: قال عمر ﵁: اللهُم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ ، فقلت: أنى يكون هذا؟ قال: يأتيني الله به إذا شاء.
باب استحباب تطييب نفس المريض
ــ
باب استحباب دعاء الناس في البلد الشريف
وأشرف الأماكن كبلدان المساجد الثلاثة وأشرفها مكة ثم المدينة ثم بيت المقدس قال بعضهم وينبغي أن يلحق بها محال الصالحين وبحث بعضهم إن الدفن بالمدينة أفضل منه بمكة لعظم ما جاء فيه بها وكلام الأئمة يرده قوله: (رَوَيْنَا الخ) قال الحافظ أخرجه البخاري تعليقًا فقال قال يزيد بن زريع فذكره ووصله آخر عن يزيد بن أسلم عن أبيه عن حفصة اهـ، وفي الحرز ورواه أبو زرعة في كتاب العلل.
تنبيه
ما جاء عنه ﷺ من قوله الحقني بالرفيق الأعلى ليس تمنيًا للموت غايته إنه يستلزم كذلك والمنهي ما يكون هو المقصود لذاته أو النهي هو المقيد وهو ما يكون من مرض أصابه وهذا ليس منه بل للإشتياق إليهم لا يقال قوله الحقني تمن للموت لأنا نقول قوله ﷺ بعد علمه إنه ميت في يومه ورؤية الملائكة المبشرة له عن ربه بالسرور الكامل ولذا قال لفاطمة لا كرب على أبيك بعد اليوم فكانت نفسه مفرغة للحاق بكرامة الله وسعادة الأبد فكان ذلك خيرًا له من كونه في الدنيا وكذا أمر أمته حيث قال فليقل اللهم توفني ما كانت الوفاة خيرًا لي قاله الكرماني في شرح البخاري. قوله: (قَال يأتيِني الله بِهِ إِذَا شاءَ) أي وقد فعل الله به قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة كافر مجوسي وكان عبدًا روميًّا وقيل كان أصبهانيًّا أزرق العين مسترخي الجفن جريئًا فأدركت عمر الشهادة والوفاة بالمدينة النبوية فأعطي مراده وكانت دعوته مستجابة ﵁ قال مالك لا أرى عمر دعى ما دعا به، من الشهادة إلَّا خاف التحول من الفتن نقله القرطبي في التذكرة.
باب استحباب تطييب نفس المريض
أي بالتنفيس له في أجله ليكون ما في الباب من الحديث على طبق الترجمة
стр. 1198
روينا في كتاب الترمذي، وابن ماجه بإسناد ضعيف، عن أبي سعيد الخدري
﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا دَخَلْتُمْ على مَريض فَنَفِّسُوا لَهُ في أجَلِهِ، فإنَّ ذلكَ لا يَرُدُّ شيئًا ويُطَيِّبُ نَفسَهُ". ويغني عنه حديث ابن عباس السابق
ــ
قوله: (وَرَوَيْنَا في كتَابِ ابْنِ السني وابْنِ مَاجَة) قال الحافظ وكذا أخرجه ابن عدي في الكامل وقال روى عقبة بن خالد
عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي أحاديث مناكير هذا منها كذا قال وقاله أبو حاتم الرازي الجناية فيها من موسى بن محمد ولا ذنب لعقبة فيها قلت وعقبة من رجال الصحيح وموسى ضعفوه ولم أجد فيه لأحد توثيقًا ولحديث الباب شاهد أشد ضعفًا منه من حديث جابر يأتي في طلب العواد الدعاء من المريض اهـ. كلام الحافظ قلت ولفظ حديث جابر المشار إذا دخل أحدكم على مريض فليصافحه وليضع يده على جبهته ويسأله كيف هو ولينفس له في أجله وليسأله أن يدعو له فإن دعاءه كدعاء الملائكة رواه البيهقي من جملة حديث فيه آداب العيادة وفي سنده من نسبة أبو حاتم إلى وضع الحديث اهـ، وقال السيوطي في الجامع الكبير رواه البيهقي في الشعب وضعفه عن أبي سعيد اهـ. قوله: (فنَفِّسُوا لهُ في أجلِهِ) أي أذهبوا حزنه فيما يتعلق بأجله بأن تقولوا لا بأس طهور أو يطول الله عمرك أو يشفيك أو يعافيك أو وسعوا له في أجله فينفس عنه الكرب والتنفيس التفريج ويؤيد الأول قول المصنف الآتي ويغني عنه حديث ابن عباس السابق الخ، وقال الطيبي أي طمعوه في طول عمره واللام للتأكيد. قوله: (في أجلِهِ) متعلق بنفسوا مضمنًا معنى التضمين أي طمعوه في طول أجله نقله العلقمي عن الحافظ السيوطي. قوله: (ذَلِكَ) أي تنفيسكم له. قوله: (لَا يُردُّ شَيئًا) أي من القضاء والقدر قال الطيبي أي لا بأس عليك بتنفيسك له. قوله: (ويُطيِّبُ نَفْسهُ) هو بتشديد الياء التحتية وفي نسخة من المشكاة يطيب ما بنفسه أي فيخف ما يجده من الكرب والباء على تلك النسخة للظرفية ويحتمل أن يكون للتعدية وفاعل يطيب ضمير راجع إلى اسم إن ويساعد الأول رواية المصابيح ويطيب نفسه قيل لهارون الرشيد وهو عليل هون عليك وطيب نفسك فإن الصحة لا تمنع من الفناء والعلة لا تمنع من البقاء فقال والله لقد طيبت نفسي وروحت قلبي وفي الإفادة لابن حجر الهيتمي ومن سنن العيادة
стр. 1199
في باب ما يقال للمريض: "لا بأسَ طَهُورٌ إنْ شاءَ اللهُ".
باب الثناء على المريض بمحاسن أعمال ونحوها إذا رأى منه خوفه ليذهب خوفه ويحسن الظن ويحسن ظنه بربه
ــ
أن ينفس له في أجله أي يطمعه في العافية وطول الحياة ويتفه أمر ذلك المرض عنده لأمره ﷺ بالتنفيس وفي إدخال السرور على قلب المسلم من الثواب ما لا يخفى ومن التأثير العجيب لإشفائه ما لا يخفى عظيم وقعه وسرعة نفعه لأن الحرارة الغريزية تقوى بذلك فيقوى القلب والأعضاء الباطنة فتساعده الطبيعة على دفع العلة ويتأكد التنفيس ممن يعتقد المريض صلاحه لأن المقصود منه طيب النفس وهي له من مثل ذلك الرجل أسر وأطيب اهـ، وفي شرح المشكاة لم أر لأصحابنا تصريحًا بندب ما في هذا الحديث من التوسع له في أجله بما لا جرم فيه ولا كذب والندب واضح لما تقرر أن فيه دواءً نافعًا للمريض ولا يقال لعلهم تركوا العمل به لغرابة الحديث لما سبق إن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل إجماعًا على أن الغرابة قد تجامع الصحة فلا يلزم من كونه غريبًا كونه ضعيفًا وقد استدرك جماعة من أئمتنا على باقيهم أنهم أهملوا سننًا جاءت في السنة ولم يذكروها، منها الاستياك عند قرب النزع وحديثه في الصحيحين ومنها التطيب لأجل الملائكة جاء فعله عن سلمان ومنها لبس الثياب النظيفة الطاهرة وجاء عن فاطمة وأبي سعيد اهـ.
باب الثناء على المريض بمحاسن أعماله ونحوها إذا رؤي منه خوف ليذهب خوفه ويحسن ظنه بربه
قال الأشرف الخوف والرجاء كالجناحين للسائرين إلى الله لكن في الصحة ينبغي أن يغلب الخوف ليجتهد في الأعمال الصالحة وإذا جاء الموت وانقطع العمل ينبغي الرجاء وحسن الظن بالله تعالى ولأن الوفادة حينئذٍ إلى ملك كريم رؤوف رحيم وما أحسن قول من قال:
إذا أمسى فراشي من تراب ... وصرت مجاور الرب الكريم
فهنوني أحبائي وقولوا ... لك البشرى قدمت على كريم
قال العلماء ويسن لجلساء المريض والمحتضر أن يحدثوه بأحاديث الرجاء ليموت وهو
стр. 1200
روينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄، أنه قال لعمر بن الخطاب ﵁ حين طعن وكأنه يُجزِّعه: يا أمير المؤمنين! ولا كل ذلك، قد صحبتَ رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقك وهو عنك راض، ثم صحبت المسلمين فأحسنت
صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون ...
ــ
حسن الظن باللهِ سبحانه قوله: (وَرَوَيْنَا في صحِيحِ البخاري) أي من جملة حديث عن ابن عباس أوله قال لما طعن عمر كنت قريبًا منه فمسست بعض جسده فقلت جسد لا تمسه النار أبدًا فنظر إليّ نظرة كنت أرثى له منها فقال وما علمك بذلك فقلت صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته إلى آخر الحديث وتتمته قال أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ فذلك منّ من الله علي به وكذا قال في أبي بكر وأما ما ذكرت من صحبتكم فلو أن لي ما في الأرض لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه أخرجه البخاري تعليقًا ووصله في موضع آخر بمعناه وأخرج ابن سعد من وجه صحيح عن ابن عباس قال لمن طعن عمر أثنيت عليه فقال بأي شيء تثني عليّ بالإمرة أو بغيرها قلت بكل قال ليتني أخرج منها كفافا لا أجرا ولا وزرًا ولهذا الكلام الأخير شاهد من كلام ابن عمر عن عمر أخرجه البخاري كذا ذكره الحافظ. قوله: (يُجزّعه) أي يزيل عنه الجزع وهو بضم المثناة التحتية وتشديد الزاي ورواه الجرجاني فكأنه جزع وهذا يرجع إلى حال عمر وبه يصح المعنى. قوله: (ولا كل ذَلِكَ) هذا ما في الأذكار وعزاه الكرماني بهذا اللفظ إلى رواية غير البخاري وقال معناه لا يتابع ما أنت فيه الجزع ورواية البخاري التي شرح عليها الكرماني بلا كل ذلك قال هذا دعاء أي لا يكون ما يخاف منه من العذاب أو نحوه ولا يكون الموت بهذه الطعنة وفي بعض روايات البخاري ليس كل ذلك. قوله: (ثُمَّ صَحِبْتَ المسلمينَ) كذا في الأذكار ومثله في الأمالي للحافظ وعزاه لرواية البخاريِ لكن الذي رأيت في البخاري ثم صحبتهم وفي نسخة ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم قال الزركشي والثانية للمروزي والجرجاني والأولى عند غيرهما وصحبتهم بفتح الصاد والحاء يعني أصحاب النبي
стр. 1201
وذكر تمام الحديث. وقال عمر ﵁: ذلك من مَنِّ الله تعالى.
روينا في "صحيح مسلم" عن ابن شماسة -بضم الشين وفتحها- قال: حضرنا عمرو بن العاص ﵁ وهو في سياقة الموت، فبكى طويلًا، وحول وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بشَّرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعدُّ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول
ــ
ﷺ وأبي بكر أو تكون صحبتهم زائدة والوجه ثم صحبتهم وهي رواية المروزي والجرجاني قاله عياض.
قوله: (ذَلِكَ) أي حسن صحبة النبي ﷺ ورضاه وحسن صحبة الصديق والمسلمين منّ من الله أي منة الله أي نعمته الجسيمة وعطيته الفخيمة قال عمر كما في البخاري وأما ما ترى من جزعي فإنما هو لأجلك وأجل أصحابك والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله عز وخل قبل أن أراه قال الكرماني أي إن جزعه لما شعر من فتن تقع بعده في أصحابه وقوله طلاع بكسر الطاء المهملة وتخفيف اللام المملوء اهـ. قوله: (رَويَنَا في صَحِيح مُسلم) قال الحافظ بعد تخريج الحديث بطوله هذا حديث أخرجه أحمد وابن سعد وابن خزيمة قال الحافظ ورويناه في كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك بالسند الذي في مسلم وسمي ابن شماسة عبد الرحمن وسمي ابن عمرو عبد الله وساق المتن بنحوه وأخرج ابن سعد بسند قوي في رواية أبي حرب بن أبي الأسود أن عبد الله بن عمرو حديثه إن أباه أوصاه فذكر وصية فيها فإذا أنت حملتني على السرير فامشِ بي مشيا بين المشيين وإذا أنت وضعتني في القبر فسن علي التراب سنًّا ثم قال اللهم أمرتنا فتركنا ونهيتنا فركبنا اللهم لا بريء فاعتذر ولا عزيز فانتصر ولكن لا إله إلَّا أنت فما زال يقولها حتى مات ﵀ اهـ. ملخصًا. قوله: (سيَاق الموتِ) بكسر السين ويقال بحذف الياء كذا أورده في حديث عمر وأصله سواق قلبت واوه ياء لكسر السين قبلها قال في النهاية والسوق والسياق مصدران من ساق يسوق والمراد منه النزع لأن روحه تساق لتخرج من بدنه. قوله: (فجعَلَ ابْنُهُ) هو عبد الله. قوله: (نعدُّ) بضم النون وكسر العين هذا هو الصواب قال في كشف المشكل وبعضهم يقرأه بالمثناة الفوقية المفتوحة والصواب إنه بالنون وكسر
стр. 1202
الله ... ثم ذكر تمام الحديث.
وروينا في "صحيح البخاري" عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵃، أن عائشة ﵂ اشتكت، فجاء ابن عباس ﵄، فقال: يا أمَّ المؤمنين! تقدَمين على فرطِ صدقِ رسول الله ﷺ ،
ــ
العين اهـ.
قوله: (رَوَيْنَا في صَحِيح الْبُخَاريِّ عَنْ الْقَاسم بنْ محمد) قال الحافظ رواه البخاري في المناقب. قوله: (فَرْطِ صدقٍ) في النهاية حديث أنا فرطكم على الحوض أي متقدمكم إليه يقال فرط يفرط فهو فارط إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء ويهيئ لهم الدلاء والأرشية وأضاف الفرط المراد به النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ إلى صدق وصفا لهما ومدحًا اهـ. قوله: (رَسُولِ الله) بالجر عطف بيان لفرط أو بدل منه ويجوز رفعه ونصبه على القطع.
قوله: (وَرَوَاهُ الْبُخَارِي) أيضًا من رواية ابن أبي مليكة رواه هكذا في تفسير سورة النور عن محمد بن المثنى عن يحيى القطان عن عمرو عن سعيد بن أبي حسين عن ابن أبي مليكة إن ابن عباس فذكره وأخرجه ابن سعد في الطبقات عن عمرو بن سعيد عنه وحذف الشيخ منه ودخل ابن الخ. وزاد في آخره ولم أكن أحب أن أسمع اليوم أحدًا يثني علي قاله الحافظ ثم أخرج الحافظ الحديث عن عبد الله بن عثمان بن جثيم بضم المعجمة وفتح المثلثة وسكون التحتية وفي حديثه زيادة ذكوان في السند بين أبي مليكة وبين ابن عباس وزيادة في المتن قال الحافظ عن ابن أبي مليكة عن ذكوان مولى عائشة إنه استأذن لابن عباس على عائشة وهي تموت وعندها ابن أختها عبد الله بن عبد الرحمن فقال هذا ابن عباس يستأذن عليك وهو من حب نبيك فقالت دعني من ابن عباس ومن تزكيته فقال لها إنه قارئ لكتاب الله فقيه في دين الله فأذني له فليسلم عليك وليودعك قالت فأذن له إن شئت فأذن له فدخل ثم سلم وجلس فقال بشرى لك يا أم المؤمنين فوالله ما بينك وبين تلقي الأحبة محمدًا وحزبه إلَّا أن تفارق روحك جسدك قالت وأيضًا فقال كنت أحب أزواج رسول الله إليه ولم يكن يحب إلّا طيبًا وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات فليس في الأرض مسجد إلّا وهو يتلى فيه وسقطت قلادتك فاحتبس النبي ﷺ على ابتغائها أو قال على طلبها حتى أصبح القوم على غير ماء فأنزل الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، الآية وكان ذلك رخصة للناس عامة في سببك والله إنك لمباركة
стр. 1203
وأبي بكر ﵁.
ورواه البخاري أيضًا من رواية ابن أبي مليكة، أن ابن عباس استأذن على عائشة قبل موتها وهي مغلوبة، قالت: أخشى أن يثنَى عليَّ، فقيل: ابن عمِّ رسول الله ﷺ من وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، قال: كيف تجدينَكِ، قالت: بخير إن اتقيتُ، قال: فأنت بخير إن شاء الله: زوجةُ رسول الله ﷺ ، ولم ينكح بكرًا غيرك ونزل عذرك من السماء.
باب ما جاء في تشهية المريض
روينا في كتابي ابن ماجه وابن السني بإسناد ضعيف، عن أنس ﵁،
ــ
فقالت دعني يا ابن عباس من هذا فوالله لوددت أني كنت نسيًا منسيًّا وأخرجه أحمد وابن سعد أيضًا من حديث أبي جثيم وهو صدوق في حفظه سيئ وعمر بن سعيد أي راوي الطريق الأخرى أثبت منه ولعل ابن أبي مليكة حضر القصة وثبته فيها ذكوان فحدث بما حفظ عنها بغير واسطة فحمله عنه عمرو بن سعيد انتهى كلام الحافظ. قوله: (ابْن أبِي مُلَيْكَةَ) هو بضم الميم وفتح اللام وإسكان التحتية بعدها كاف مفتوحة ثم هاء وقد بينت بعض حاله في كتاب فضل زمزم. قوله: (مغلوبَة) أي في حفور الموت. قوله: (يُثْنَى عَليَّ) بضم المثناة التحتية وإسكان المثلثة ثم نون ثم ياء مضارع أثنى أي قال أوصاف الجميل فإنما خشيت من ذلك لئلا يشغل بعض ذلك عما هي فيه من كمال التوجه وحسن الاستعداد للقاء الله أو أنها لما عندها من الكمال لم تر لنفسها شيئًا من الفضائل والأعمال. قوله: (ونَزَلَ عذْرُكَ) أي براءتك من السماء أي في القرآن.
باب ما جاء في تشهية المريض
قوله: (رَوَيْنَا في كِتَابِ ابنِ السُّنيِّ وابنِ مَاجَة) قال الحافظ بعد تخريجه عن الأعمش وقال يحدث عن رجل عن أنس ﵁ قال دخل النبي ﷺ فذكر الحديث ثم قال حديث غريب أخرجه ابن السني وابن ماجة وسمي ابن شيخ الأعمش فيه فقال عن يزيد الرقاشي وهو ضعيف وكذا الذي سماه وهو شيخ ابن ماجة واسمه سفيان بن وكيع ضعيف وذكر ابن ماجة قبل حديث أنس حديثًا لابن عباس في المعنى وسنده
стр. 1204
قال: "دخل النبي ﷺ على رجل يعوده، فقال: هَلْ تَشْتَهِي شَيئا؟ تَشْتَهِي كَعْكا؟
ــ
أصلح من هذا وعجبت للشيخ كيف أغفله وترجمته تقتضي ذكره عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من الأنصار فقال ما تشتهي قال أشتهي خبز بر فقام رجل فانطلق فجاء بكسرة من خبز بر فأطعمها النبي ﷺ إياه وقال إذا اشتهى مريض أحدكم شيئًا فليطعمه قال الحافظ بعد تخريجه وفي سنده ضعف إذ ابن هبيرة العقيلي لا يتابع عليه (١) ولا يعرف إلَّا به وأخرجه ابن ماجة وللحديث شاهد عن عمر أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات لكنه موقوف ولفظه إذا اشتهى مريضكم الشيء فلا تحموه فلعل الله إنما شهاه ذلك ليحصل شفاؤه فيها اهـ. كلام الحافظ. قوله: (فَقَال هَلْ تَشْتَهِي شَيْئا) قال العلقمي في شرح الجامع الصغير قال الموفق عبد اللطيف هذا الحديث فيه حكمة طيبة تشهد بقانون شريف ذكره هي أن المريض إذا تناول ما يشتهيه وإن كان يضر قليلًا كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه وإن كان نافعا ولا سيما إذا كان ما يشتهيه غذاء فإن المشتهى كثيرًا ما يكون فيه الشفاء عنده ولا سيما إن انبعث إليه النفس بصدق شهوة وصحة قوة ولا سيما إن كان غذاءً ملائمًا كالخبز والكعك فكلاهما جاء في الحديث ولا سيما إن كان صناعة الطب لا تنكره فطالما رأيت وسمعت مرضى يشتهون أشياء ينكرها الطبيب فيتناولها المريض فيعقبها الشفاء وما ذاك إلّا لعجز البشر عن علم كل ما في الطبيعة فينبغي للطبيب الكيس أن يجعل شهوة المريض من جملة أدلته على الطبيعة وما يهتدي به إلى طريق علاجها فسبحان المستأثر بعلم الغيب اهـ، ولا ينافي حديث الباب حديث علي ﵁ لما أكل من الدوالي المعلقة من الرطب فنهاه ﷺ كما في الشمائل وغيره لأن حديث الباب وما في معناه محمول على ما إذا اشتدت شهوة المريض ومالت الطبيعة لشيء وتناول منه القليل فلا مضرة حينئذٍ لتلقي المعدة والطبيعة لذلك الشيء بالقبول فصدق الشهوة والمحبة تدفع ضرره وما في حديث علي ليس كذلك لأن عليًّا كان يكثر من أكل تلك الفاكهة والإكثار منها مضر فلذا لم يأمره بالكفاف لما أكل منه يسيرًا ونهاه عن أن يأكل منه كثيرًا
стр. 1205
قال: نعم، فطلبه له".
وروينا في كتابي الترمذي، وابن ماجه، عن عُقبة بن عامر ﵁، قال:
قال رسول الله ﷺ : "لا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ على الطعَامِ، فإنَّ اللهَ يُطْعِمُهُمْ ويَسْقِيهِمْ". قال الترمذي: حديث حسن.
ــ
لأنه يخاف من كثرته أن يعود عليه المرض بسببه والله أعلم.
قوله: (وَرَوَيْنَا في كِتَابِ الترْمِذيِّ الخ) قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب من هذا
الوجه وهو حسن لشواهده أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وليس كما قال فإن بكر بن قيس أحد رواته ليس على شرط مسلم عينا ولا مثلًا بل الأكثر على تضعيفه ضعفه البخاري وأبو زرعة الرازي وأبو داود وقال ابن عدي تفرد به وعامة ما يرويه لا يتابع عليه وقال العجلي لا بأس به وبعضهم يضعفه اهـ. قال الحافظ وللمتن شاهد ذكر ما يتيسر منها ثم أخرج من طرق محمد بن العلاء قال بعض الرواة فيه المدني وقال بعض: النبقي بفتح النون والموحدة ثم قاف عن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله يطعمهم ويسقيهم وقال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب من هذا الوجه أخرجه البزار وقال لا يروى عن عبد الرحمن إلَّا بهذا الإسناد وقال الطبراني تفرد به محمد بن العلاء اهـ، وأخرجه الحاكم في الطب من المستدرك من وجه آخر عن إبراهيم بن المنذر عن ابن العلاء بهذا السند وقال صحيح الإسناد ورواته مدنيون وعندنا فيه حديث محمد بن الوليد اليشكري الذي تفرد به عن مالك عن نافع اهـ، وأما قوله رواته مدنيون فيريد من ابن المنذر فصاعدا وأما تصحيحه ففيه نظر فإن الوليد لم يترجم له البخاري ولا ابن أبي حاتم ولا غيرهما ممن صنف في الثقات ولا الضعفاء ولم يجد عنه راويًا إلّا محمد بن العلاء وهو مستور روى عنه جماعة من المدنيين والغرباء ولم أر من أفرد له ترجمة إلَّا الدارقطني في ذيله عن تاريخ البخاري ولم يزد في ترجمته على ما في هذا الحديث لكنه قال محمد بن العلاء بن أبي نبقة ووقع في المعجم الكبير للطبراني في حديث آخر بهذا السند محمد بن العلاء بن الحسين النبقي المطلبي وكذا ذكر أبو الوليد الفرضي الأندلسي في المشتبه وأفاد إلى إنه منسوب إلى ابن أبي نبقة بكسر الموحدة وسكونها قال واسمه عبد الله بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف وأما رواية محمد بن الوليد التي
стр. 1206
باب طلب العوّاد الدعاء من المريض
روينا في سنن ابن ماجه، وكتاب ابن السني بإسناد صحيح أو حسن، عن
ــ
أشار إليها الحاكم فنسبه إلى جده محمد بن عمر بن الوليد اليشكري أخرج حديثه الدارقطني في غرائب مالك والخطيب في الرواة عن مالك وقال تفرد به وكأنه تبع الحاكم وقد ذكر البيهقي في الشعب عقب حديث عقبة بن عامر الذي ذكرته أولًا أن اليشكري وعلي بن قتيبة روياه عن مالك ورواية ابن قتيبة أخرجها الدارقطني أيضًا وابن عدي ولم ينفردا به عن مالك فقد أخرجه الدارقطني أيضًا والعقيلي في الضعفاء من رواية عبد الوهاب بن نافع عن مالك وأخرجه الدارقطني أيضًا من رواية عبد الملك بن بديل ومن رواية عبد الملك بن مهران ومن رواية خراش بن الدحداح بشين وخاء معجمتين ودال وحاءين مهملات قال الدارقطني ثلاثتهم عن مالك قال الدارقطني كل هؤلاء الذين رووا عن مالك ضعفاء وقال ابن عدي هذا باطل عن مالك وكذا أشار إليه الدارقطني في موضع آخر وفي الباب أيضًا عن جابر أخرجه أبو نعيم في الحلية وفي سنده مقال اهـ. حديث حسن وفي المجموع ليس كما قال الترمذي فقد ضعفه البيهقي وغيره اهـ، ويدل عليه قول المصنف هنا في بعض النسخ وفي إسناده بكر الخ، وتقدم في كلام الحافظ الجمع بين تضعيف البيهقي وتحسين الترمذي بأن الأول باعتبار ذاته والثاني باعتبار شواهده.
باب طلب العوّاد الدعاء من المريض
قوله: (بإسْنَادٍ صَحِيح أَو حسنٍ) قال ميرك بعد ايراده من حديث ابن ماجة ما لفظه رواته ثقات مشهورون إلّا أن ميمون بن مهران لم يسمع من عمر كذا في الديباجة للدميري قلت الذي رأيته فيها لم يدرك عمر قال العلقمي فهو مرسل تابعي من الطبقة الرابعة قال فيه شيخ أصله كوفي نزل الكوفة ثقة فقيه ولي الجيزة لعمر بن عبد العزيز وكان يرسل فيقال فيه مرسل صحيح أو حسن اهـ. (قلت) والإسناد يعبر به عن السند بل هما بمعنى عند بعضهم قال السيوطي في ألفيته في علم الأثر.
والسند الإخبار عن طريق ... متن والإسناد لدى فريق
لكن قال الحافظ بعد قول الشيخ لكن ميمون الخ. ما لفظه فلا يكون صحيحا ولو اعتضد
стр. 1207
ميمون بن مهران، عن عمر بن الخطاب، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دَخَلْتَ عَلَى مَرِيضٍ فَمُرْهُ فَلْيَدْعُ لَكَ، فإن دُعاءَهُ كَدُعَاءِ المَلائِكَةِ". لكن ميمون بن مهران لم يدرك عمر.
باب وعظ المريض بعد عافيته وتذكيره الوفاء بما عاهد الله تعالى عليه من التوبة وغيرها
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال تعالى:
ــ
لكان حسنًا لكن لم نجد له شاهدًا يصلح للاعتبار فقد جاء من حديث أنس وأبي امامة وجابر وفي سند كل منها من نسب إلى الكذب ثم في سند ميمون علة خفية تمنع من الحكم بصحته وحسنه وذلك أن ابن ماجة أخرجه عن جعفر بن مسافر وهو شيخ وسط قال فيه أبو حاتم شيخ والنسائي صالح وابن حبان في الثقات إنه يخطئ وشيخه فيه كثير بن هشام ثقة من رجال مسلم وهو يرويه عن جعفر بن برقان وهو من رجال مسلم أيضًا لكنه مختلف فيه الراجح إنه ضعيف في الزهري خاصة وهذا من حديثه عن غير الزهري وهو ميمون وأخرجه ابن السني من طريق الحسن بن عرفة وهو أقوى من جعفر بن مسافر عن كثير بن هشام فأدخل كثير وجعفر بن برقان عيسى بن إبراهيم الهاشمي وهو ضعيف جدًّا نسبوه إلى الوضع فهذه علة قادحة تمنع من الحكم بصحته لو كان متصلا وكذا بحسنه اهـ. قوله: (فمرْهُ فَلْيدْعُ لك) فيه استحباب طلب الدعاء من المريض لأنه مضطر ودعاؤه أسرع إجابة من غيره، ففي السنة أقرب الدعاء إلى الإجابة دعوة المضطر وقال الطيبي لأنه خرج عن الذنوب. قوله: (فإِن دعاءَهُ كدُعَاءِ الملائِكَةِ) قال في المرقاة لأنه أشبههم في التنقي من الذنوب أو في دوام الذكر والدعاء والتضرع واللجأ. قوله: (لَكِنْ مَيْمُون الخ) أي فهو مرسل علمت حاله.
باب وعظ المريض بعد عافيته
وتذكيره الوفاء بما عاهد الله تعالى من التوبة وغيرها الوعظ النصح والتذكير بالعواقب. قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أي إذا عاهدتم كل أحد فوفوا بعهده ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾
стр. 1208
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ... ﴾ الآية. [البقرة: ١٧٧]، والآيات في الباب كثيرة معروفة.
وروينا في كتاب ابن السني، عن خوَّات بن جبير ﵁، قال: مرضت، فعادني رسول الله ﷺ فقال:
ــ
عنه وقيل يسأل عنه
حقيقة توبيخًا لناكثه كسؤال الموؤدة لم قتلت توبيخًا لقاتلها وفي النهر ظاهره إن العهد هو المسؤول من المعاهد أن يفي به ولا يضيعه وقيل هو على حذف مضاف أي ذا العهد كان مسؤولًا إن لم يف به واسم كان مضمر يعود على العهد أو على ذي العهد ومسؤولًا خبر كان وفيه ضمير المفعول أي مسؤولا أي عدم الإيفاء به اهـ. قوله: (والموفونَ بعهدْهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) قال الكواشي أي عاهدوا الله أو مما عهد إليهم من أمر الله ونواهيه أو المراد العقود والأمانات التي بين النّاس من ودائع وأسرار وبضائع وقال الربيع بن أنس من أعطي عهد الله ثم نقضه فالله منتقم منه ومن أعطى ذمة الله ورسوله ثم غدر فالنبي خصمه يوم القيامة. قوله: (وَرَوَيْنَا في كِتَاب ابنِ السنِّي الخ) قال الحافظ بعد تخريجه حديث غريب أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكَفارات وابن شاهين في كتاب الصحابة وابن قانع كلهم ينتهون إلى محمد بن الحجاج المصغر سكتوا عنه وهي عبارة عنده عن الترك قال ابن عدي والضعف على حديثه بين قال الحافظ وجدت له متابعا في شيخه خوات بن صالح بن جبير عن أبيه عن جده وخوات وأبوه ذكرهما ابن حبان في الثقات والتابع أخرجه الحافظ ابن عبد الله بن إسحاق الهاشمي قال حدثنا خوات بن صالح بن خوات عن أبيه عن جده فذكره قال الحافظ بعد ذكره من طريق موسى بن زكريا شيخ الطبراني فيه مقال لكن لم ينفرد به فقد أخرجه ابن قانع وأخرج السراج في تاريخه حديثًا آخر نسب فيه عبد الله بن إسحاق المذكور فقال عبد الله بن الفضل بن يحيى القطيعي بن العباس بن ربيعة بن الحارث عن عبد المطلب وهكذا نسبه ابن شاهين وابن قانع في روايته لهذا الحديث وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ونسبه كذلك وأورد له الحديث المذكور وقال لا يتابع عليه وكأنه لم يعتد برواية محمد بن الحجاج لشدة ضعفه اهـ. قوله: (عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرِ) هو الأنصاري يكنى أبا عبد الله وقيل أبو صالح أحد فرسان النبي ﷺ شهد هو وأخوه عبد الله بن جبير بدرَ وقال موسى بن عقبة إنه خرج مع النبي ﷺ إلى بدر فلما بلغ الصغراء أصاب ساقه حجر فرجع فضرب
стр. 1209
"صَحَّ الجِسْمُ يا خَوَّاتُ، قلت: وجسمكَ يا رسول الله، قال: فَفِ
اللهَ بمَا وَعَدْتَهُ، قلت: ما وعدتُ اللهَ شيئًا، قال: بَلى إنهُ ما مِنْ عَبْدٍ يَمْرَضُ إلَّا أحْدَثَ اللهُ خَيرًا فَفِ اللهَ بِمَا وَعَدْتَهُ".
باب ما يقول من أيس من حياته
روينا في كتابي الترمذي، وسنن ابن ماجه، عن عائشة ﵂ قالت: رأيت
ــ
له ﷺ بسهمه مع أصحاب بدر قال ابن الأثير روي عن النبي ﷺ صلاة الخوف وما أسكر كثيره فقليله حرام توفي بالمدينة سنة أربعين قال في التقريب أو بعدها وعمره أربع وتسعون وكان يخضب بالحناء والكتم قال الحافظ ابن حجر في التقريب خرج عنه البخاري في الأدب المفرد ومن لطيف ما يروى له معه ﷺ وذلك ما رواه جمع عنه قال نزلت مع رسول الله ﷺ بمر الظهران فخرجت من خبائي فإذا نسوة يتحدثن فرجعت فأخرجت حلة لي من عيبتي فلبستها ثم جلست اليهن وخرج رسول الله ﷺ من قبته فقال يا عبد الله ما يجلسك فقلت يا رسول الله جمل لي شرد أبتغي له قيدًا فمضى وتبعته فألقى ردائه ودخل فقفى حاجته وتوضأ ثم جاء فقال ما فعل شراد جملك ثم ارتحل فجعل لا يلحقني في منزل إلّا قال يا عبد الله ما فعل شراد جملك إلى أن قال فقلت والله لاعتذرن إليه فقال لي يومًا فقلت والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت. قوله: (صَحً الْجسمُ يا خوّاتُ) الجملة تحتمل أن تكون خبرية ويؤيده قوله قف لله الخ، ويحتمل أن تكون دعائية أي زاد صحة وعافية.
قوله: (مَا مِنْ عَبْدٍ) أي مؤمن قال الطيبي إذا مرض العبد المؤمن ثم عوفي تنبه وعلم أن مرضه كان سببًا عن الذنوب الماضية فيندم اهـ. أي ويعزم على ألا يعود لذلك ولا يقدم على ما هنالك.
باب ما يقول من أيس من حياته
قوله: (رَوَيْنَا في كِتَاب الترْمِذيِّ الخ) قال في المرقاة قال ميرك ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة قال الحافظ اللفظ الذي ذكره الشيخ الترمذي لم أره بلفظ عمران في غير الترمذي مع أن الحاكم وقال الحافظ بعد تخريجه الحديث عن ابن
стр. 1210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سرجس بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها سين مهملة عن القاسم عن عائشة قالت رأيت رسول الله ﷺ وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول اللهم أعني على سكرات الموت هذا حديث غريب من هذا الوجه بهذا اللفظ وابن سرجس اسمه موسى شيخ مدني مقل لم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا وقد خالفه في لفظه عبد الرحمن بن القاسم وهو شيخ موسى فيه فذكره بلفظ مات رسول الله ﷺ بين حاقنتي وذقني فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد ما رأيت من رسول الله ﷺ قال الحافظ فإن كان حفظه استفيد من روايته بيان الشدة المذكورة في حديث عبد الرحمن، وعبد الرحمن متفق على عفته ودينه وفقهه أخرج حديثه المذكور البخاري من رواية الليث بن سعد عن يزيد وهو ابن عبد الله بن الهاد عن موسى وأخرجه أحمد عن منصور بن سلمة عن الليث عن يزيد بن الهاد وعن هاشم بن القاسم عن الليث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة وأسامة هو الهاد فيما قيل وقيل الهاد لقب (شداد) وهو والد عبد الله له صحبة ولابنه عبد الله رؤية فنسب عبد الله لجده كما نسب يزيد لجد أبيه في رواية منصور وأخرجه الترمذي عن قتيبة عن الليث فقال عن ابن الهاد ولم يسمه وخالف الجميع ابن ماجة وخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة بالإسناد المذكور أولًا قال عن يزيد بن أبي حبيب وكأنه نسبه من قبل نفسه لكونه مضريًّا والليث مضري وقد أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده ومصنفه كما أخرجه أحمد لم ينسب يزيد وكذا أخرجه ابن سعد في الطبقات وأخرجه الحاكم في تفسير سورة ق عن قتيبة عن الليث عن يزيد بن عبد الله بن الهاد وأخرجه أبو يعلى في مسنده وأبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات عن رشدين بكسر المهملة والدال المهملة بينهما شين معجمة ابن سعد وهو مصري عن يزيد بن الهاد قال الحافظ ووجدت لرواية موسى شاهدًا مرسلًا أخرجه ابن سعد من طريق جعفر الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر قال لما نزل رسول الله ﷺ الموت دعا بقدح فيه ماء فجعل يمسح وجهه بيده فذكر مثله وفي رواية أخرى اللهم أعني على الموت وهونه عليّ ووقع ذكر سكرات الموت في حديث آخر لعائشة أخرجه البخاري من طريق ذكوان مولى عائشة عن عائشة قالت من نعمة الله علي أن رسول
стр. 1211
رسول الله ﷺ وهو في الموت، وعنده قَدَحٌ فيه ماء، وهو يُدْخِلُ يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: "اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى غَمَرَاتِ المَوْتِ، أو سَكَرَات المَوْتِ".
ــ
الله ﷺ توفي في بيتي وفي نوبتي وبين سحري ونحري الحديث وفيه وبين ركوة أو
علبة فيها ماء فجعل يدخل يده فيمسح بها وجهه ويقول إن للموت سكرات هذا آخر الحديث في البخاري فإن كانت رواية موسى محفوظة احتمل إنه قال ذلك بعد هذا ثم وجدت الحديث من طريق ابن وهب عن الليث عن ابن الهاد وابن وهب أعلم بالليث من غيره اهـ. قوله: (وهُوَ بالموتِ) أي مشغول أو ملتبس به والأحوال بعدها متداخلات. قوله: (يمْسَحُ وجهَهُ لي المَاءِ) قيل فعل ذلك تبريد الحرارة الموت وقيل دفعا للغشيان وكربه وقيل زيادة في وضاءة وجهه عند التوجه إلى ربه. قوله: (غَمَراتِ) هي جمع غمرة قال في المصباح الغمرة الشدة ومنه غمرات الموت لشدته وقال الراغب حالة تعرض بين المرء وقلبه وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب وقد يعتري من الغضب والعشق ولد من حب الدنيا والألم والنعاس والغشي الناشئ عن الألم وقد يحصل من الخوف وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى. قوله: (وسكَراتِ الموتِ) أتى بالمظهر موضع المضمر تفظيعًا وتخويفا والسكرات بفتحات جمع سكرة بفتح فسكون شدة الموت في القاموس سكرة الموت شدته وغشيته وغمرة الشيء شدته ومزدحمه اهـ. قال في الحرز الظاهر أن يراد بإحداهما هنا الشدة وبالأخرى ما يترتب عليها من الدهشة والحيرة الموجبة للغفلة قال القاضي في تفسير قوله تعالى: (وَجاءَت سَكرَةُ المَوت بِالحَقِّ) [ق: ١٩] أن سكرته شدته الذاهبة بالعقل اهـ.
فائدة
قال القرطبي في تشديد الموت على الأنبياء فائدتان إحداهما تكميل فضائلهم ورفع درجاتهم وليس ذلك نقصًا ولا عذابًا بل هو كما جاء إن أشد النّاس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل والثانية أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت فقد يطلع الإنسان على بعض الموتى ولا يرى عليه حركة ولا قلقا ويرى سهولة خروج روحه فيظن الأمر سهلا ولا يعرف ما الميت فيه فلما ذكر الأنبياء الصادقون شدة الموت مع كرامتهم على الله سبحانه قطع الخلق بشدة الموت الذي يقاسيه الميت مطلقًا لإخبار الصادق عنه ما خلا الشهيد قتيل الكفار على ما ثبت في الحديث اهـ. قال الشعراني في كتاب الأخلاق عن بعضهم
стр. 1212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما أحب تخفيف طلوع روحي وأنا أحب التشديد لأنه آخر عمل يثاب عليه المؤمن وما رواه كعب الأحبار من أن يعقوب ﵇ لما جاء البشير قال له يعقوب ما عندي شيء أكافئك به ولكن هون الله عليك سكرات الموت فمحمول على من يخاف عليه السخط إذا شدد عليه اهـ، وقد ألف العارف بالله تعالى الشيخ شمس الدين محمد ابن الشيخ أبي الحسن البكري الصديقي فيما حصل لنبينا ﷺ في هذا المعنى مؤلفًا سماه القول الأجل في حكمة كرب المصطفى عند حلول الأجل وهو الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى هذا ما دعت إليه حاجة السائل عن وجه الحكمة فيما نزل برسول الله ﷺ من شدة الكرب في سكرات الموتى حتى قال واكرباه وقال لا إله إلّا الله أن للموت سكرات ويجعل يمسح وجهه بالماء، فأقول لا شك أن مزاجه الشريف النبوي من الاعتدال بالوصف الأعظم والحال الأكرم فلا جرم يكون إحساسه بالآلام أكثر ووجدانه لآثاره أكبر ومن ثم قال إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم وإذا اعتدلت كفتا ميزان فحصل في واحدة منهما أيسر شيء ظهر
الميل هذا مع ما ينضم إلى ذلك المزاج الشريف من قوة تشبث الحياة الإنسانية به كيف وهو كمادتها الأصلية وقوام حقيقتها العلية فإذا أحست بالترحال عن روضة جسمه المقدسة وخطيرة ذاته المكرمة عز عليها ذلك بما يظهر به مثل ما وقع له ﷺ مع ما ينضم لذلك من أن الله تعالى إذا أجرى مثل ذلك الوصف على رسول الله ﷺ كان ذلك مسلاة لما تنازله أمته من تلك الشدائد ومحسمة لعرق القلق المتزايد فإنه وهو حبيب الله وأعز خلقه عليه جعل رد روحه عليه على هذه الصورة ليسهل على كل أحد حال نفسه في ذلك مع ما ينضم إلى ذلك من أن الله جعله طاويًا لأفذاذ أمته في حقيقته الشريفة بل لأفذاذ الكائنات ضرورة إنه سبب قيامها وملاك قوامها وسابق عليها والحق ناظر من مقلة جنابه الشريف إليها وأنه علته الأصلية ومنشأ وجوداتها الفرعية فإن الكون على جواهره وأعراضه مستمد من حضرته وهو سار فيه سريان حكمة الله تعالى في خليقته وبراهين ذلك تضيق به الطوامير والصحف فنشأ من ذلك أن فراق روحه الشريفة كأنه فراق كل روح لكل جسد وكل حياة لكل حي من كافة ما دارت عليه منطقة الوجود وأحاط
стр. 1213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به اسم الموجود فإذا حيث لم يحصل له الكرب المشهود والحال ما سطرناه أمر جلل وشرر من غرر وغيض من فيض وقل من جل مع ما ينظر إلى ذلك مما يحمله ﷺ مما نازله في ذلك الوقت شدة أعبأ هذا الأمر عما ذكر منظورًا في ذلك إلى خصوص أمته بتكليف تحمل قوة هذا الأمر عنهم أو ما سمعت الله تعالى يقول: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وأصرح من ذلك عليه ما عنتم ما معربة مبتدأ وخبرًا بجعل الوقف على عزيز كما قال به كثير وما جاء في السنة إذا حمي الوطيس اتقينا برسول الله ﷺ مع ما ينضم إلى ذلك مما يستدل له بالعادات المستقرة لمن فوض الملك إليه أمر مملكة من الممالك واستحفظ عليها واستخلف فيها ثم أراد نقله عنها يستعرض عند ذلك جميع ما أحاط به نظره من أموره أيام ولايته عليها ويستعد لما يسأل عنه من أمورها ليكون على أهبة لما يطلب منه هذا مع كثرة وفود رسل الملائكة إليه بنقله إلى المملكة الأخرى فيصير بين أمرين من رعاية أحوال الوافدين ورعاية ما سبق شرحه وانظر أي مملكة كان فيها وأي دارة واسعة كان متوليًا عليها مع ما انضم إلى ذلك مما هو فذلكة القضايا وريده محض هذه الأسقية من أن الله تعالى اتحف رسوله ﷺ ذلك الوقت بتنزلات أحدية وتجليات صمدية وأسرار كانت مستكنة في غيابة قدس الذات ومشاهدات كانت متبرقعة بالأسماء والصفات ولا شك في نقل أعبأ تلك التنزلات وعظيم ما يستطرق من تلك الفاتحات أو ليس كان يعالج من التنزيل شدة أو ليست الصديقة قالت ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصد عرقا كيف والله تعالى يقول: ﴿سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، فموته الذي هو الحياة الأبدية بالإفاضة الإلهية له سكرات مشاهدات تبرز لأجل ضرورة ضيق نطاق الجثمان عن محض عالم العيان بسورة سكرات مجاهدات مع ما ينضم إلى ذلك من إحساسه ﷺ باللقاء الخاص به سبحانه على ما عنده من مزيد الخشية وعظيم الهيبة ووافر الإجلال وزان معرفته بربه ومناسب حاله في العبودية في حظرات قربه فلهذه المعرفة وهذا الاستشعار أدركه من ملاحظة ذلك الجلال وادكار من الملك المتعال ظهر به عليه ما ظهر ولذلك قال أنا أعرفكم وأخوفكم منه
مع ما ينضم إلى ذلك بين استطارة الشوق إلى خصوص ذلك اللقاء الروحي الحامل على مفاخرة الإسراع لذلك اللقاء السبوحي حتى يريد أن يخرج نفسه إخراجًا ويدرجها بسرعة في غيب ذلك القرب الخاص إدراجًا
стр. 1214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا جرم ينشأ من ذلك من قهر عالم الطبيعة وضغط حصص مزاج البشرية ما يقوي به الانتقال ويظهر به سلطان الحال ومن هنا وصف ﷺ المؤمن بأنه عند حضور أجله تتهوع نفسه وقال أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه والمنافق يبتلع نفسه وقال كره لقاء الله فكره الله لقاءه مع ما ينضم إلى ذلك من تعلق أهل عالم الدنيا ممن له نصاب إلى حضرته العلية بل من كل ما له تلق من تلك الإمدادات المحمدية ببقائه في هذا الوجود ومد أمد حياته التي هي حياة كل موجود وهو ﷺ ذو المرآة التي لا أسطع من شعاع ضيائها ولا أبدع من صقالة صفائها لتنطبع تلك التعلقات من حضرته الشريفة بمرآتها ومقتضى ما ذكر في هذا الانطباع وتعلق هذا العالم باذيا له نقيض حالة ترحاله وانتقاله فيتقابلا على طرفي نقيض لا على إن الله تعالى يقهر أمره أمر وإنما هو على إعطائه تعالى الأشياء مقتضاها وإظهار سلطنة حبيبه بقوة تعلق الكائنات بما منح من تلك المرتبة الشريفة وإعطائه مع ما ينضم إلى ذلك من إجراء الله تعالى رسوله ﷺ على أوصاف العبودية التي هي أشرف الأوصاف وأجل محاسن محامد الاتصاف أو ليس قد خيره الله بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو نبيًّا عبدا فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا وقال أجوع يومًا وأشبع يومًا وآكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد ومقتضى مزاج العبودية عدم الإرفاه بل منازلة المكاره ومعاناة الشدائد في جنب أوامر السيد وما جاء إنه بكى على ولده وقال إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن فإبقاء هذه الحصة البشرية المدركة لهذه الآلام تحقيقًا لما أحب وشرفه به من أوصاف العبودية ورام فإنها مجلبة الضراعة ومراعاة الافتقار إلى الحق ووازع الانكسار بين يديه وبها يظهر سلطان الربوبية ويقوم نواميس الألوهية والله أعلم. انتهت الرسالة وفي كتاب الأخلاق للشعراني سمعت سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى يقول يسهل الله تعالى على العبد طلوع روحه بقدر ما ذاق من الغصص في مرضاة الله فقلت له إن الأنبياء أكثر النّاس بلاء ومع ذلك فقد ورد أن أحدهم يشدد عليه المرض وغيره فقال تشديد المرض على الأكابر قد يكون تعظيمًا لأجورهم لا لعلاقة دنيوية تجذبهم إليها بل لا يجوز حملهم على ذلك وبعضهم يصعب عليه روحه لأجل تلامذته فيريد عدم الخروج من الدنيا حتى يكلمهم ويرشدهم إلى كمال مقام المعرفة ولولا ذلك
стр. 1215
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة ﵂، قالت: سمعت النبي ﷺ وهو مستند إليَّ يقول: "اللهُم اغْفِرْ لي، وارْحَمْنِي، وألْحِقْنِي بالرَّفِيقِ الأعْلَى".
ــ
لكان أسرع الناس خروجًا لروحه طلبًا للقاء الله اهـ.
قوله: (وَرَوَيْنَا في صحيحَي البُخَارِيّ ومُسْلم الخ) ورواه الترمذي كما في السلاح قال الحافظ بعد تخريجه من طريق أبي نعيم في المستخرج وطريق غيره وأخرجه الإسماعيلي وابن حبان وأخرجه البخاري من طريق في صحيحه وأخرجه الترمذي والنسائي ولم أره في شيء من الموطآت ولا في هذه الكتب التي ذكرتها بلفظ الإسماعيلي ولا في آخره ولا ذكره ابن عبد البر في التمهيد ولا القاضي ولا الحميدي في الجمع بين الصحيحين فلعلها وقعت في بعض النسخ من مسلم ثم رأيتها في رواية القلانسي عن مسلم ورأيتها في رواية النسفي عن البخاري لكن ضرب عليها من النسخ المعتمدة وقد ثبتت هذه اللفظة في طرق أخرى عن عائشة فأخرج البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير عنها قالت لما مرض رسول الله ﷺ المرض الذي مات فيه جعل يقول في الرفيق الأعلى وللبخاري ومسلم من طريق الزهري عن عروة عنها في حديث طويل في الوفاة فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه في حجري غشي عليه فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال اللهم الرفيق الأعلى ولها من رواية القاسم عنها في حديث طويل ثم رفع يده ثم قال الرفيق الأعلى ثلاثًا ثم قضى وللبخاري في رواية يزيد بن الهاد الماضية قبيل هذا الباب إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى فزاد في رواية سعيد بن المسيب فكان آخر كلمة تكلم بها ورواه أبو بردة بن موسى الأشعري عنها بزيادات أخرى قال قالت أغمي على رسول الله ورأسه في حجري فجعلت أمسح وجهه وأدعو له بالشفاء فقال لا بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل واسرافيل قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح فيه طرق أخرى أخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه اهـ. قوله: (وأَلْحِقْنِي بالرفِيقِ الأَعلَى) قيل المراد به الملائكة المقربون والعباد الصالحون بالمعنى الأعم وهو الوجه الأتم المناسب لما جاء: توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين وفي السلاح الرفيق الأعلى قيل هم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون المذكورون في قوله
стр. 1216
ويستحبُّ أن يكثر من القرآن والأذكار، ويكره له الجزعُ، وسوءُ الخلق، والشَّتْمُ، والمخاصمةُ، والمنازعةُ في غير الأمور الدينية.
ويستحب أن يكونَ شاكرًا لله تعالى بقلبه ولسانه، ويستحضر في ذهنه أن هذا الوقت آخر أوقاته من الدنيا، فيجتهدُ على ختمها بخير،
ــ
تعالى: ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: ٦٩] يؤيده ما جاء في الحديث الصحيح مبينا فجعل يقول مع الذين أنعمت عليهم من النببين والصديقين الخ، والحديث يفسر بعضه بعضًا اهـ. قلت وفي رواية الصحيح للبخاري من طريق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عمرو عن أبيه عن عائشة قالت فلما كان مرض رسول الله ﷺ الذي قبض فيه أخذته فيه بحة شديدة فسمعته يقول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين الخ، ومعنى كونه رفيقا لقاؤهم على طاعة الله وارتفاق بعضهم ببعض وفي الحرز عن بعضهم إن هذا هو المعتمد وعليه اقتصر أكثر الشراح كذا نقله ميرك عن الشيخ ونكتة الإتيان بهذه الكلمة مفردة الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد نقله في الحرز عن السهيلي وصح أن هذا أيضًا آخر كلام أبي بكر ﵁ وقال ابن الجزري قيل المراد به جماعة النبيين الذين يسكنون أعلا عليين اسم جاء على فعيل ومعناه الجماعة كالصديق والخليط يقع على الواحد والجمع وقيل معناه أي بالله تعالى يقال الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل اهـ، والرقيق من أسمائه تعالى كما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل رفعه إن الله رفيق يحب الرفق والحديث عند مسلم عن عائشة والأعلى يحتمل أن يكون صفة مكان وأن يكون صفة فعل وقال الجوهري المراد منه الجنة ويؤيده ما وقع عند ابن إسحاق الرفيق الأعلى الجنة قال في الحرز أما بالنسبة إليه ﷺ فالأولى أن يراد بالرفيق الأعلى فيه المولى أو وجه ربه الأعلى إذا ثبت إن هذا منه ﵊ آخر كلامه كما إنه أول من قال بلى في جواب ﴿أَلَسْتُ بَربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] في الميثاق. قوله: (ويستحبُّ أَنْ يُكْثِرَ منَ الْقُرْآنِ الخ) أي وغير
ذلك من عمل الأبرار قاصدًا به وجه الله سبحانه مخلصًا فيه لينال من مولاه رضوانه. قوله: (شَاكرًا لله تعَالى بقلْبهِ وَلِسَانهِ) شكرًا على تأهيله لمقام الابتلاء
стр. 1217
ويبادر إلى أداء الحقوق إلى أهلها: من ردِّ المظالم والودائع والعواري، واستحلال أهله: من زوجته، ووالديه، وأولادِه، وغلمانِه، وجيرانِه، وأصدقائِه، وكلِّ من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة، أو تعلق في شيء.
وينبغي أن يوصيَ بأمور أولاده إن لم يكن لهم جدٌّ يصلح للولاية، ويوصي بما لا يتمكن من فعله في الحال، من قضاء بعض الديون ونحو ذلك. وأن يكون حسن الظنِّ بالله أنه يرحمه،
ــ
الذي يكون لأرباب الكمال كما ورد في الصحيح أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وفي حديث أبي داود فقال رجل يا رسول الله ما الأسقام والله ما مرضت قط فقال قم عنا فلست منا وفي بعض الروايات من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا لو كان الله يريد به خيرًا لطهر به جسده وفي حديث آخر إن الله يكره العفريت النفريت الذي لا يرزأ في ولده ولا يصاب في ماله وأورده في المرقاة ولا ينافي ذلك سن طلب العافية كما ورد في الأخبار لأن المراد العافية على ما يريد المولى لعبده بما فيه نهاية إسعافه ووده كما سبق عن العارف أبي العباس المرسي. قوله: (ويبادرَ إلى أَدَاءِ الحقَوقِ) بالرفع على الاستئناف إذ تجب المبادرة لرد المظالم والتخلية بين الوديع أو نائبه بشرطه والوديعة ورد العارية إذا طلبها المالك أو بالنصب عطفًا على أن يكثر فيكون الاستحباب باعتبار المجموع وإن كان بعض أفراده واجبًا وطلبت لأنه نزل به مقدمات الموت. قوله: (منْ رَدِّ المظَالم) بيان للحقوق والمراد بردها الخروج منها ليتناول رد الأعيان وقضاء نحو الصلاة وقد صرح السبكي بأن تاركها ظالم لجميع المسلمين وقضاء دين لم يبرأ منه والتمكين من استيفاء حد أو تعزير لا يقبل العفو أو يقبله ولم يعف عنه. قوله: (واستحْلالِ أَهلهِ الخ) أي وجوبا فيما علم إنه عليه وندبًا فيما لا يعلمه وكون المجهول لا يصح التحليل منه عندنا بالنسبة للأمور الدنيوية أما الأمور الأخروية فيحتمل الصحة مطلقًا لأن المدار فيها على الرضا وإن لم يعتد به ظاهرًا أخذا من قولهم في المعاطاة في البيوع ونحوها لا مطالبة بالمأخوذ بها في الآخرة وإن أخذت بعقد فاسد لأنها أخذت بالرضا من صاحبها ويحتمل الفرق. قوله: (وأَنْ يكونَ حَسَنَ الظن بالله تَعَالى) أي يظن أن
стр. 1218
ويستحضر في ذهنه أنه حقير في مخلوقات الله تعالى، وأن الله تعالى غنيٌّ عن عذابه وعن طاعته، وأنه عبده، ولا يطلب العفو والإحسان والصفح والامتنان إلا منه.
ويستحب أن يكون متعاهدًا نفسه بقراءة آيات من القرآن العزيز في الرجاء، ويقرؤها بصوت رقيق، أو يقرؤها له غيره وهو يستمع. وكذلك يستقرئ أحاديث الرجاء، وحكايات الصالحين وآثارهم عند الموت، وأن يكون خيره متزايدا، ويحافظ على الصلوات، واجتناب النجاسات، وغير ذلك من وظائف الدِّين، ويصبر على مشقة ذلك، وليحذر من التساهل في ذلك، فإن من أقبح القبائح أن يكون آخر عهده من الدنيا التي هي مزرعة الآخرة التفريط فيما وجب عليه أو ندب إليه.
ــ
الله تعالى يغفر له ما جناه ويرجو ذلك ويتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله تعالى وما وعد به أهل التوحيد وما ينشره لهم من الرحمة يوم القيامة ففي الحديث الصحيح لا يموت أحدكم إلّا وهو يحسن الظن بالله وفي الحديث القدسي أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء قال المصنف في شرح المهذب بعد تفسير تحسين الظن بما ذكر هذا هو الصواب الذي قاله جمهور العلماء وشذ الخطابي فذكر معه تأويلين آخرين معناه حسنوا أعمالكم حتى يحسن ظنكم بربكم
فمن حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه وهذا تأويل باطل اهـ. قوله: (بقراءَةِ آياتٍ الخ) ومنها "ورحمتي وسعت كل شيء"، . قوله: (وكَذلِكَ يَستقرئ أحَادِيثَ الرجاء) أي يتتبعها قال المؤلف وقد تتبعت الأحاديث الصحيحة في الخوف والرجاء فوجدت أحاديث الرجاء أضعاف أحاديث الخوف مع ظهور الرجاء فيهما قال في المرقاة ولو لم يكن إلّا حديث واحد هو سبقت أو غلبت رحمتي غضبي لكفي دليلًا على ترجيح الرجاء ويعضده ورحمتي وسعت كل شيء بل المشاهد في عالم الوجود غلبة آثار الرجاء على آثار الخوف واتفق الصوفية على أن العبادة على وجه الرجاء أفضل منه على وجه الخوف وأن الأول عبادة الأحرار والثاني طاعة العبيد ولذا قال ﷺ أفلا أكون عبدًا شكورًا. قوله: (ويحَافِظَ عَلَى الصَّلواتِ) أي الفرائض والرواتب كما يدل
стр. 1219
وينبغي له أن لا يقبل قول من يخذُلُه عن شيء مما ذكرناه، فإن هذا مما يبتلى به، وفاعل ذلك هو الصديق الجاهل العدوُّ الخفيُّ، فلا يقبَل تخذيلُه، وليجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال. ويستحبُّ أن يوصيَ أهلَه وأصحابَه بالصبر عليه في مرضه، واحتمال ما يصدر منه، ويوصيهم أيضًا بالصبر على مصيبتهم به، ويجتهد في وصيتهم بترك البكاء عليه، ويقول لهم:
صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ"
ــ
عليه آخر كلامه. قوله: (وَلْيجتْهِدْ في ختم عُمُره بأكمل الأَحوالِ) أي من الصدق والإخلاص والتنقي عن سائر الرذائل والأدناس وسلامة الصدر مما يتعلق بأحد من الناس ليرتفع عنه بذلك كل بأس والله أعلم. قوله: (وَيُسْتَحبُّ أَنْ يُوصي أَهلَه وأَصْحَابَه بالصبرِ عَلَيْهِ) أي على خدمته أو على ما يبدو منه من سوء الخلق ونحوه وعلى الثاني قوله واحتمال الخ. كالتفسير لما قبله وعلى الأول فهو مغاير وبه يترجح الأول لما فيه من التأسيس الذي هو خير من التأكيد.
قوله: (صحَّ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنه قَال الميتُ يعذَّبُ ببكَاء أَهلِه عَلَيهِ) وفي رواية ليعذب قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح رواه الترمذي ورواه مسلم عن ابن عمر بلفظ إن الميت يعذب ببكاء الحي ولم يذكر عمرو وأخرجه الشيخان من رواية عمرو عن ابن عمر ومن رواية عبد الله ابن أبي مليكة عن ابن عمر عن عمر ولفظهما كرواية ابن شهاب أي يعذب الميت ببكاء أهله عليه وأخرجه مسلم من رواية نافع عن ابن عمر أن حفصة بنت عمر بكت على عمر فقال ألم تعلمي يا بنية أن رسول الله ﷺ قال إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه وأخرجه الشيخان من رواية أبي موسى الأشعري عن عمر بلفظ إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه ومن رواية ابن عباس عن عمر بلفظ إن
الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه وفي هذا إشارة إلى أن بعض البكاء لا وعيد فيه وقد فسر ما فيه الوعيد بما اقترنت به نياحة ونحو ذلك وفيه أحاديث صحيحة والعلم عند الله اهـ، ورواه ابن ماجة من حديث عمر وسيأتي بيان الخلاف في تأويل هذا الخبر وأمثاله في باب تحريم النياحة
стр. 1220
فإياكم - يا أحبائي - والسَّعيَ في أسباب عذابي". ويوصيهم بالرفق بمن يخلِّفه من طفل وغلام وجارية وغيرهم، ويوصيهم بالإحسان إلى أصدقائه ويعلِّمهم: أنه صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنَّ مِنْ أبرِّ البِرِّ أنْ يصِلَ الرَجُلُ أهْلَ وُدِّ أبيه".
وصحَّ
ــ
ذكر الحافظ في تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب إنكار عائشة على عمرو بن عمر هذا الحديث.
قال الحافظ في أمالي الأذكار وجاء عن عمر التعبير بالبكاء عن ابن عمر قال قال عمر لا تبكوا على موتاكم فإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه قال الحافظ بعد تخريجه هذا موقوف صحيح وجاء عنه بلفظ النياحة قال الحافظ بعد تخرجيه هذا حديث صحيح أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وفي رواية بعضهم بما ينح عليه وجاء عنه تقييد النهي بما إذا اقترن بالبكاء نوح أو غيره وهذا المعتمد عن شقيق بن سلمة قال لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة يبكين عليه فقيل لعمر أرسل اليهن فانههن فقال ما عليهن إن يهرقن دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة قال الحافظ بعد تخريجه هذا موقوف صحيح أخرجه ابن سعد في الطبقات عن أبي معاوية وعن وكيع وزاد قال وكيع النقع الشق واللقلقة رفع الصوت وأخرجه أبو عبيد في غريب الحديث وحكي في تفسير النقع مثل ما تقدم وقيل هو وضع التراب على الرأس، وقيل رفع الصوت، وعن النسائي قال هو صنع الطعام لأجل الميت ورجح الثاني أبو عبيد وغيره ولم يحكوا في تفسير القلقلة خلافًا وسيأتي الكلام على النياحة بعد أبواب وعن أنس إن عمر ﵁ لما طعن عولت عليه حفصة فقال يا حفصة أما سمعت النبي ﷺ يقول المعول عليه يعذب أخرجه مسلم قال أهل اللغة عول إذا بكى بصوت وأعول لغة فيه وهي اشهر اهـ. كلام الحافظ ملخصًا قوله: (فَإيَّاكُمْ) أي فأحذركم البكاء فحذف العامل وانفصل الضمير. قوله: (والسَّعيَ) بالنصب عطف على إياكم.
قوله: (صحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّه قَال إِن منْ أَبَرِّ البر الخ) رواه مسلم في صحيحه هكذا وروه فيه أيضًا بحذف من وفي الجامع الصغير رواه كذلك أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي كلهم عن ابن عمر وقال العلقمي في شرحه رواية أبي داود إن أبر البر صلة المرء أهل ود أبيه وعليه فأهل منصوب معمول صلة الذي هو مصدر يعمل عمل الفعل ويقدر
стр. 1221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأن والفعل ويدل عليه رواية مسلم إن يصل والود بضم الواو وقال في المصباح وددته أوده من باب تعب ودًّا بفتح الواو وضمها أحببته والاسم المودة اهـ، وقال ولده في التقريب وددت الشيء بالكسر ودًّا بهما مثلها أحببته انتهى (قلت) وفي كتاب المثلث لابن السيد البطليوسي إن الود من المودة مثلث اهـ، وفي رواية مسلم ومن ذكر زيادة بعد إن يولي أي بضم التحتية وتشديد اللام المكسورة أي بعد موته ففي الحديث فضيلة مودة أصدقاء الأب والإحسان إليهم وإكرامهم وهو متضمن لبر الأب وإكرامه ولا ينقطع ذلك بعد موت الأب بل يستمر إكرام صديقه بعد وفاته كإكرامه حال حياته ويلتحق به أصدقاء المشايخ إذ
هم في معنى الآباء أعظم حرمة قال عن أبي أسيد بضم الهمزة وفتح السين المهملة وسكون التحتية واسمه مالك بن ربيعة الساعدي قال بينما أنا جالس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل من الأنصار فقال هل بقي من بر والدي شيء بعد موتهما قال نعم خصال أربع الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما بعد موتهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلَّا من قبلهما قال هذا الذي بقي علي قال نعم قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم في صحيحيهما وأخرج الحافظ عن ابن عمر إن رسول الله ﷺ قال احفظ ود أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد قال الطبراني لم يروه عن عبد الله بن دينار إلا خالد بن يزيد قلت وهو من رجال الصحيح وأخرجه البيهقي في الشعب من طريق البخاري وأخرج له شاهدًا مرسلًا من رواية ابن أبي مليكة عن النبي ﷺ وأخرج البخاري في الأدب المفرد من حديث عبد الله بن سلام قصة قال فيها فوالذي بعث محمدًا بالحق إنه لفي كتاب، لا تقطع من كان يصل أبوابك فيطفئ بذلك نورك وأخرج الطبراني في الأوسط أيضًا من حديث أنس رفعه إن من البر أن تصل صديق أبيك وسنده ضعيف وأخرج الحافظ أبو يعلى في مسنده الكبير من طريق ثابت البناني عن أبي هريرة عن أبي موسى الأشعري قال أتيت المدينة فجاءني عبد الله بن عمر فقال أتدري لم جئتك قلت لا قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده وإنه كان بين عمر أبي وبين أبيك إخاء
стр. 1222
أن رسول ﷺ : "كان يكرم صواحبات خديجة ﵂ بعد
وفاتها". ويستحبُّ استحبابًا مؤكَّدًا أن يوصيَهم باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز،
ــ
وود فأحببت أن أصل ذلك وأخرج ابن حبان في صحيحه وأخرج الحافظ عن محمد بن طلحة عن أبيه أن أبا بكر الصديق قال لرجل من العرب كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في الود قال قال رسول الله ﷺ الود يتوارث والعدواة تتوارث وفي رواية الطبراني الود والعداوة يتوارثان وقال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه البغوي في معجم الصحابة والبخاري في التاريخ وابن أبي عاصم في الوحدان والحاكم كلهم عن عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي بضم الميم وفتح اللام وتخفيف التحتية منسوب لجده الأعلى وهو ضعيف لم أر فيه توثيقًا لأحد قال الذهبي في مختصره للمستدرك المليكي واهي السند فيه انقطاع يعني بين طلحة وأبي بكر وأخرجه الحاكم أيضًا من طريق يوسف بن عطية عن المليكي وهو أضعف من المليكي وزاد في روايته بعد قوله عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي بكر وكأنه أراد أن يوصل السند لكن الزيادة من مثله لا يعتد بها قال الذهبي يوسف بن عطية هالك والطريق الأولى هي الراجحة مع ضعفها وأرجح منها ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق أبي بكر بن حزم أظن إنه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري نسب إلى جد أبيه عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال قال رسول الله ﷺ : إن الود يتوارث وأخرج الطبراني من حديث رافع بن خديج الأنصاري قال قال رسول الله الود الذي يتوارث في أهل الإسلام وفي سنده الواقدي اهـ كلام الحافظ. قوله: (وأَنَّه كَانَ يُكرِم صَواحبَاتِ خَدِيجَةَ الخ) وأخرج الحافظ عن أنس ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا أتي بالشيء يقول اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة اذهبوا به إلى بيت فلانة فإنها كانت تحب خديجة وقال هذا حديث حسن أخرجه البزار وابن حبان والحاكم ورجال السند من رجال البخاري في
الصحيح لكن لم يخرج لمبارك بن فضالة إلّا متابعه وهو صدوق كان يوصف بالتدليس وقد رواه بالعنعنة وذكر البزار إنه تفرد به لكن يعتضد بحديث عائشة ما عزت على امرأة ما عزت على خديجة وما لي أن أكون أدركتها وما ذاك إلَّا لكثرة. ذكر رسول الله ﷺ إياها وإن كان
стр. 1223
ويؤكد العهد بذلك. ويوصيهم بتعاهده بالدعاء وأن لا ينسَوه لطول الأمد. ويستحبُّ له أن يقول لهم في وقت بعد وقت: متى رأيتم مني تقصيرًا في شيء فنبهوني عليه برفق، وأدُّوا إليَّ النصيحة في ذلك، فإني معرَّض للغفلة والكسل والإهمال فإذا قصرت فنشِّطوني، وعاونوني على أهبة سفري هذا البعيد.
ودلائل ما ذكرته في هذا الباب معروفة مشهورة، حذفتها اختصارًا، فإنها تحتمل كراريس. وإذا حضره النزع، فليكثر من قول: لا إله إلَّا اللهُ، ليكون آخر كلامه.
فقد روينا في الحديث المشهور في "سنن أبي داود" وغيره، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
ليذبح الشاة فيتبع بها صدائق خديجة يهديها لهن متفق عليه وأخرجه الحافظ من طريق أحمد بن حنبل قال وهي أتم من الرواية السابقة وقال في روايته ولقد هلكت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين وأخرج الحافظ الحديث من طريق أبي نعيم في مستخرجه فذكر نحو الرواية السابقة وقال في روايته ما عزت عليّ امرأة من نساء النبي ﷺ وقال وإني لم أدركها وكان إذا ذبح الشاة قال اذهبوا بها إلى أصدقاء خديجة أخرجه مسلم وأخرجه أبو عوانة عن مسلم والترمذي والإسماعيلي وقال في روايته وربما ذبح الشاة فيقطعها أعضاء ثم يبعثها إلى صدائق خديجة وأخرجه أبو عوانة من رواية الدراوردي فيتتبع بأعضائها صدائق خديجة وخرجه البخاري من طريق الليث عن هشام بلفظ فيهدي في خلائلها ما يشبعهن ولبعض الرواة عن الفربري ما يشبعهن وهي رواية عند أبي عوانة والإسماعيلي وفي رواية للبخاري زيادة هي يؤتيها وربما قلت له كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلَّا خديجة فيقول أنها كانت وكان لي منها ولد اهـ. قال المصنف وفي هذا كله دليل لحسن العهد وحفظ الود ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته وإكرام أهل ذلك الصاحب اهـ، وفي الحديث عن عائشة أن حسن العهد من الإيمان قال في الجامع الصغير رواه الحاكم. قوله: (ويؤكدَ عليهم العهدَ بذلِكَ) أي بالإتيان بجميع ذلك المذكور مما طلب منهم فعله أو تركه. قوله: (برفقٍ) أي ليكون أدعى للقبول وبلوغ المأمول. قوله: (وإذَا حضَرَهُ النزعُ) أي داخل المريض النزع، فالنزع منصوب والفاعل ضمير يعود للمريض. قوله: (في سننِ أَبِي دَاوُد) قال ابن
стр. 1224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حجر في شرح المشكاة وسنده صحيح وقال الحافظ في أماليه بعد تخريج الحديث هذا حديث حسن غريب أخرجه أحمد ورواته من رجال الصحيح إلَّا صالح بن غريب بفتح المعجمة وكسر الراء بعدها تحتية فموحدة فإنه روى عنه جماعة ولم أر للمتقدمين فيه جرحًا ولا تعديلًا إلَّا أن ابن حبان ذكره في الثقات على قاعدته فيمن لم يجرح ولم يرو ما ينكر وقد ورد للحديث متابع وشاهد فأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مكحول عن معاذ نحو هذا ولفظه من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له هدمت ما كان قبلها من الذنوب والخطايا الحديث قال الحافظ وسأذكر بقيته
في الكلام على الحديث الذي بعده وفي سنده ضعيف بين مكحول ومعاذ وأخرج أحمد من حديث حذيفة مثل الرواية الأولى لكن زاد ختم له بها ورجاله رجال الصحيح إلَّا عثمان البتي فهو صدوق مختلف في الاحتجاج به وله شاهد عن أبي هريرة أخرجه ابن حبان ولفظه مثل معاذ في الأولى سواء وزاد أصابه قبل ذلك ما أصابه قال الحافظ وسأذكر الكلام عليه في الحديث الذي بعده وفي الباب عن جابر وابن عباس يأتيان أيضًا وقال في الكلام على حديث أبي هريرة بعد تخريجه بلفظ لقنوا موتاكم لا إله إلَّا الله وقال زاد الذهلي في روايته فإنه من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلّا الله دخل الجنة يومًا من الدهر أصابه قبل ذلك ما أصابه أخبرني بهذه الزيادة شيخنا الحافظ يعني العراقي ثم ذكر سنده إلى أبي نعيم في الحلية وساق إسناده إلى أبي هريرة مرفوعًا قال فذكر مثله لكن لفظه من قال لا إلَّا الله دخل الجنة يومًا من دهره أصابه قبل ذلك ما أصابه به قال أبو نعيم غريب تفرد به عمرو بن خالد عن عيسى بن يونس عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر كذا قال في ترجمة الثوري وقال في ترجمة منصور بن المعتمر بعد أن أورده من وجه آخر عن عمرو بن خالد غريب من حديث الثوري لم يثبت إلَّا من هذا الوجه (قلت) لم يتفرد به عيسى فقد أخرجه محمد بن إسماعيل عن سفيان أيضًا وقد توبع الثوري أخرجه البزار من رواية أبي عوانة عن منصور وقال رواه الثوري عن منصور وقد توبع منصور في روايته له عن هلال بن يساف بالمثناة التحتية وتخفيف المهملة آخره فاء فرواه وتوبع الأعرابي شيخ هلال في روايته عن أبي هريرة فأخرجه الحافظ من طريق الطبراني في المعجم الصغير عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي قال قال رسول الله ﷺ من قال لا إله إلَّا الله
стр. 1225
"مَنْ كانَ آخِرَ كلامِهِ لا إلهَ إلَّا اللهُ
ــ
دخل الجنة يومًا من دهره ولو بعد ما يصيبه العذاب قال الطبراني لم يروه عن موسى الصغير إلّا حفص الفاخري بمعجمتين تفرد به الحسين بن علي الصداي بضم الصاد وتخفيف الدال عن أبيه (قلت) الحسين من شيخ الترمذي والنسائي وثقوه وأبوه أخرج له النسائي وقال أحمد لا بأس به ولينه أبو حاتم وحفص هو ابن سليمان الكوفي القارئ صاحب عاصم إمام في القراءات لكن ضعفوه في الحديث من قبل حفظه وموسى الصغير بن مسلم الكوفي ثقة عندهم وأخرجه الحافظ عن موسى بن رودان عن أبي هريرة عن رسول الله قال أكثروا من شهادة أن لا إله إلَّا الله وحده قبل أن يحال بينكم وبينها ولقنوا بها موتاكم قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن غريب أخرجه الطبراني في كتاب الدعاء وأخرجه غيره وزاد فإنها تهدم الخطايا كما يهدم السيل البنيان قالوا فكيف هي للأحياء قال أهدم وأهدم قال الحافظ وروينا في فوائد أبي عمرو بن حمدان بسند رواه عن أبي سلمة بن عبد الزهري عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ لقنوا موتاكم لا إله إلَّا الله فإنها خفيفة في اللسان ثقيلة في الميزان وأخرجه الحافظ عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ لقنوا موتاكم لا إله إلّا الله ولا تملوهم وقال بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه تمام الرازي في فوائده وفي سند الحديث ضعيفان هما محمد بن عيسى بن ديان وشيخه محمد بن الفضل بن عطية وأخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب من وجه آخر عن ابن سيرين وزاد بعد ولا تملوهم فإنهم في سكرات الموت وسنده أضعف من الذي قبله قال الحافظ وأخرج ابن عدي في ترجمة عكرمة بن إبراهيم من روايته عن أبي رزين الأسدي عن أبي هريرة
وضعف عكرمة ولفظه كالأول وزاد فإنه من كانت آخر كلامه في الدنيا دخل الجنة فهذه طرق لحديث أبي هريرة فيها زيادات كما عرفتها اهـ ملخصا. قوله: (مَنْ كَانَ آخرُ كَلامِهِ) برفع آخر وقيل بنصبه وقوله لا إله إلّا الله محله النصب أو الرفع على الخبرية أو الاسمية وقضية كلام أئمتنا والخبر إنه لو قالها ثم مات ولم يتكلم بعدها كانت آخر كلامه وإن طال الفصل وخالف ذلك بعضهم فقال إذا طال الفصل سن إعادتها
стр. 1226
دَخَلَ الجنةَ". قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك" على الصحيحين: هذا حديث صحيح الإسناد.
وروينا في "صحيح مسلم" وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي وغيرها، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
عليه والأول أصح ولو قالها ثم أتى بكلام دنيوي سن له إعادتها لتكون آخر كلامه ولو أتى بذكر غيرها على خلاف فيه والمراد بالكلام هنا كما قاله بعض أئمتنا اللساني والنفساني لرواية وهو يعمل لا يقال قد يتكلم الكافر بلا إله إلّا الله عند الموت ولا ينفعه ذلك لأنا نقول البحث إنما هو في المسلم أما الكافر فقد علم وأشعر في النفوس إنه لا ينفعه النطق بالشهادتين إلا قبل المعاينة فلم يحتج للاحتراز عنه فإن أريد في الخبر ما يشمله كان المراد بلا إله إلا الله كلمة التوحيد أي الشهادتان بالنسبة للكافر بشرطه وكلمة التوحيد المتضمنة للنبوة والبعث وغيرهما للمؤمن والله أعلم. قوله: (دَخَلَ الجنَّةَ) أي إما قبل العذاب دخولًا خاصًّا أو بعد أن عذب بقدر ذنوبه والأول أظهر ليتميز به عن غيره من المؤمنين الذين لم يكن آخر كلامهم هذه الكلمة وفي شرح مسلم للمصنف ويجوز في حديث من كان آخر كلامه لا إله إلا الله أن يكون خصوصًا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وإن كان قبل مخلصًا فيكون سببًا لرحمة الله إياه ونجاته من النار وتحريمه بخلاف من لم يكن آخر كلامه ذلك من الموحدين قال المصنف بعد نقله مع جملة كلام عن القاضي وهو في غاية الحسن اهـ. قوله: (قَال الحاكِم) صحيح الإسناد هذا من الحاكم على قاعدته في تصحيح الحسن وقد أخرجه من وجهين عن أبي عاصم. قوله: (وغيرِهَا) أي كابن ماجة قال الحافظ ورواه أبو عوانة وفي الجامع الصغير رواه أحمد ومسلم والأربعة عن أبي سعيد ورواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ورواه النسائي عن عائشة قال الحافظ قال الترمذي بعد تخريجه حديث أبي سعيد وفي الباب عن أبي هريرة وأم سلمة وعائشة وجابر وسعدي المرية اهـ. قال الحافظ وقد ذكرنا حديث أبي هريرة وحديث أم سلمة أخرجه الترمذي في الباب لكن ليس فيه التلقين صريحًا وإنما فيه الأمر بأن لا يقال عند الميت إلّا الخير وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن أم الحسن البصري قالت كنت عند أم سلمة فجاء إنسان فقال إن فلانًا بالموت فقالت انطلق فإذا
стр. 1227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رأيته احتضر فقل السلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وأورده في باب تلقين الميت وحديث عائشة أخرجه النسائي عنها مثل حديث أبي سعيد ورواته رواة الصحيح لكن أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة من طريق آخر عن منصور ابن صفية أحد رواته في الطريق الأولى ولم يرفعه وحديث جابر قال قال رسول الله ﷺ لقنوا موتاكم لا إله إلا الله قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب من هذا الوجه أخرجه البزار وعبد الوهاب بن مجاهد ضعفوه لكن يكتب حديثه في المتابعات وحديث سعدي المرية ظاهر إيراد الترمذي إنه من حديثها وليس كذلك إنما هو من روايتها عن زوجها طلحة وعن عمر أخرجه أحمد في مسند طلحة وأبو يعلى في مسند عمر ثم أخرج الحافظ
عن يحيى بن طلحة عن أمه سعدى المرية قالت مر عمر بطلحة بعد وفاة النبي ﷺ فقال ما لي أراك كئيبًا أتسؤك ابنة عمك قال لا ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلَّا كانت نورًا لصحيفته وإن جسده وروحه ليجدان لها روحًا عند الموت فقال أنا أعلمها هي التي أراد عمه عند الموت علم كلمة أنجي له منها لأمره بهذا هذا حديث حسن رواته موثوقون لكن اختلف فيه على الشعبي فرواه شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي فأبهم يحيى بن طلحة أخرجه أبو يعلى أيضًا ورواه مجاهد عن الشعبي عن جابر عن عمر أخرجه أبو يعلى أيضًا وبعض الرواة عنه أسقط سعدى فقال عن يحيى بن طلحة قال رأى عمر طلحة حزينًا فقال مالك فقال سمعت رسول الله فذكر الحديث بنحوه وفيه إلا نفس الله كربته وأشرق لونه ورأى ما يسره وما منعني أن أسأله عنها إلَّا القدرة عليها حتى مات فقال عمر إني لأعلمها فذكره أخرجه أحمد وأبو يعلى قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي ومما لم يذكره الترمذي عن أنس وحذيفة وواثلة بن الأسقع وشداد بن أوس قال الحافظ في الباب مما لم يذكراه جميعًا عن عمر وطلحة كما أسلفناه وعن أبي بكرة ومعاذ بن جبل وابن عباس وأبي أمامة وعبد الله بن مسعود وابن جعفر وعلي وابن عمر وجد عطاء بن السائب واسمه زيد وقيل مالك وصحابي غير مسمى ومن مرسل قتادة وغيره ومن الموقوف على جماعة من التابعين ثم بين الحافظ من خرج حديث كل من المذكورين وأطال فيه النفس في نحو نصف كراس فليراجعه من أراد وحاصل كلامه في حديث معاذ وهو الذي نقلناه عن الحافظ فيما تقدم إنه
стр. 1228
"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إلهَ إلَّا الله" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورويناه في "صحيح مسلم" أيضًا من رواية أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ . قال العلماء: فإن لم يقل هو: "لا إله إلا الله" لقَّنَهُ من حضره، ويلقِّنه برفق مخافةَ أن يضجر فيردَّها، وإذا قالها مرَّة لا يعيدها
ــ
يتم الكلام عليه في الكلام على هذا الحديث فقال حديث معاذ أخرجه سعيد بن منصور وأبو يعلى في الكبير وأبو نعيم في الحلية كلهم من طريق مكحول عنه متصلًا بالحديث المذكور في الباب الذي قبله بعد قوله هدمت ما كان قبلها من الخطايا فلقنوها موتاكم قيل يا رسول الله كيف هي للأحياء قال هي أهدم وأهدم وقد تقدم الكلام على سنده. قوله: (لقِّنوا مَوْتَاكم الخ) أي ذكروا من حضره الموت منكم بأن نزلت به مقدماته سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا لكن التلقين فيه محمول على حقيقته بخلاف ما أريد منه التلقين بعد الدفن فإنه وإن كان موتاكم فيه استعمل في حقيقته إلَّا أن التلقين يكون فيه مجازًا وقد صرح ابن حبان وغيره من أئمة الحديث بأن المراد بالموتى ما في الخبر من حضرهم الموت وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلَّا الله ولقنوهم عند الموت لا إله إلَّا الله فإن من كان أول كلامه لا إله إلَّا الله ثم عاش ألف سنة ما سئل عن ذنب واحد، أي لقنوا من حضره الموت بكلمة التوحيد أر بكلمتي الشهادة بتفصيله المار بما في الحديث قبله بأن يتلفظوا بها أو بهما عنده لا أن يأمروه بها: لئلا يقول لا أقولها فيكفر، على ما أطلقه بعض الأئمة ولا يلح بها عليه فلا يزيد على مرة وقال آخرون على ثلاثة فإن كررت ثلاثًا ولم يطق النطق لم تكرر عليه بل كان اعتقاده قائمًا مقام نطقه ذكره ابن الجزري ثم ظاهر الخبر يقتضي وجوب ذلك وبه قال بعضهم بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه ويجاب بأن المعنى وهو عدم ترتب المفسدة على تركه يقتضي إنه مندوب لا غير.
قوله: (وَرَوَيْنَا في صحيحِ مسلم) كذا في النسخة التي وقت عليها بحذف ضمير المفعول والمراد ورويناه أي خبر من كان آخر كلامه لا إله إلّا الله الخ. عن أبي هريرة أخرجه مسلم وقد تقدم عن الجامع إن ابن ماجة أخرجه من حديث أبي هريرة أيضًا وكذا
стр. 1229
عليه، إلا أن يتكلم بكلام آخر. قال أصحابنا: ويستحبُّ أن يكون الملقِّن غير مُتَّهَم، لئلا يُحْرِجَ الميتَ ويتَّهمَه.
واعلم أن جماعة من أصحابنا قالوا: نلقن ونقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله". واقتصر الجمهور على قول: "لا إله إلا الله"، وقد بسطتُ ذلك بدلائله وبيان قائليه في "كتاب الجنائز" من "شرح المهذَّب".
باب ما يقوله بعد تغميض الميت
روينا في "صحيح مسلم" عن أمِّ سلمة -واسمها هند ﵂ قالت: دخل رسول الله ﵌ على أبي سلمة، وقد شَقَّ بَصَرُهُ، فأغمضه ثم قال: "إن الرُّوح إذا
ــ
ذكره الحافظ قال ولحديث أبي هريرة طرق تشتمل على زيادات ثم ساقه من خمسة طرق وتقدم تلخيصها في آخر الكلام على حديث معاذ. قوله: (إلَّا أنْ يتكلم الخ) أي بكلام دنيوي وكذا بذكر غيرها على خلاف فيه. قوله: (ولْيَكن غير متهم) وفي نسخة وارث متهم أي إن حضر غيره فإذا حضر وارث منهم بنحو إرث أو عداوة فالوارث أولى لقولهم لو حضر وارثه قدم أشفقهم. قوله: (لئلا يُحرجَ) بإسكان الحاء أي يوقعه في الحرج وذلك إنه قد يمتنع من ذلك لاتهام ملقنه فيفوت عليه هذا الخير. قوله: (واعْلم أَن جمَاعة من أصْحَابِنَا الخ) وعللوا ذلك بأن القصد موته على الإسلام ولا يسمى مسلمًا إلَّا بها ورد بأنه مسلم وإنما القصد ختم كلامه بلا إله إلَّا الله ليحمل له ذلك الثواب ويلزم من قول لا إله إلَّا الله الاعتراف بالشهادة الأخرى فينبغي الاقتصار على لا إله إلَّا الله لظاهر الخبر أما الكافر فيلقنهما قطعًا مع لفظ أشهد لوجوبه عليه إذ لا يصير مسلمًا إلَّا بذلك بشرطه السابق.
باب ما يقوله بعد تغميض الميت
قوله: (وَرَوَيْنَا في صَحيحِ مُسلم الخ) قال فيِ السلاح ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة زاد في الجامع الصغير وأحمد في مسنده. قوله: (عَلَى أبِي سلمَةَ) تقدم بيان عام وفاته وسبب مماته في ترجمة أم المؤمنين أم سلمة في باب ما يقول حال خروجه من بيته وهو من السابقين الأولين أسلم بعد عشرة أنفس وهاجر الهجرتين وسيأتي بسط لذكر فضائله إن شاء الله تعالى. قوله: (إِنَّ الرّوحَ) هي مؤنثة وقد تذكر، والمختار الوقوف عن التكلم في
стр. 1230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حقيقتها إلَّا أن وصفها أن الحياة تذهب بذهابها قال المصنف وهي أجسام متخللة في البدن وليست أعراضًا ومعنى قوله إن الروح إذا قبض تبعه البصر
معناه إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظرًا أين يذهب قال الجلال السيوطي في فهم هذا دقة فإنه يقال إن البصر إنما يبصر ما دام الروح في البدن فإذا فارقه تعطل الإبصار كما تعطل الإحساس قال والذي ظهر لي فيه بعد النظر بثلاثين سنة أن يجاب بأحد أمرين أحدهما إن ذلك بعد خروج الروح من أكثر البدن وهي باقية في الرأس والعينين فإذا خرج من الفم أكثرها ولم يخرج باقيها نظر البصر إلى القدر الذي خرج وقد ورد أن الروح على مثال البدن وقدر أعضائه فإذا خرج بقيتها من الرأس والعين فيكون المراد إذا قبض إذا شرع في قبضه ولم ينته قبضه، الثاني أن يحمل ما ذكره كثير من العلماء إن الروح لها اتصال بالبدن وإن كانت خارجة فترى وتسمع وترد السلام ويكون هذا الحديث من أقوى الأدلة على ذلك والله أعلم. بمراد نبيه ﷺ اهـ، وفي كلا الجوابين بعد أما الأول فإنه مجاز والأصل عدمه وأما الثاني فإنما فيه بقاء إدراك الروح بعد مفارقة الجسد لإبقاء إدراك البصر بعد مفارقة الروح الذي الكلام فيه والله أعلم. قال في المرقاة إن الروح إذا قبض تبعه البصر أي في الذهاب فهو علة الإغماض أي لم يبق لانفتاح بصره فائدة لذهاب البصر وقيل إن جملة الروح الخ. علة للشق أي إن المحتضر يتمثل له الملك المتوفى روحه فينظر إليه شزرًا ولا يرتد طرفه حتى تفارقه الروح وتضمحل بقايا قوى البصر ويبقى البصر على هيئته نقله عن الطيبي ثم قال ويعضده ما روى أبو هريرة إنه قال: قال رسول الله ﷺ ألم تروا إن الإنسان إذا مات شخص بصره قالوا بلى قال فذلك حين يتبع بصره نفسه أخرجه مسلم وغير مستنكر من قدرة الله سبحانه أن يكشف له عن الغطاء ساعتئذٍ حتى يبصر ما لم يكن يبصر قلت ويؤيده فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد اهـ، وحاصله إنه لا منافاة بين زوال إدراك البصر بالموت وما ورد في الخبر فمن الجائز الإدراك لذلك فقط ومستند هذا الاحتمال الخبر المذكور والله أعلم، وفي التحفة لابن حجر الهيتمي يحتمل أن المراد من قوله تبعه البصر إن القوة الباصرة تذهب عقب خروج الروح فحينئذٍ تجمد العين ويقبح منظرها ويحتمل إنه يبقى فيه عقب خروجها
следующие страницы →