← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

دَخَلَ الجنةَ". قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك" على الصحيحين: هذا حديث صحيح الإسناد. وروينا في "صحيح مسلم" وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي وغيرها، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ــ عليه والأول أصح ولو قالها ثم أتى بكلام دنيوي سن له إعادتها لتكون آخر كلامه ولو أتى بذكر غيرها على خلاف فيه والمراد بالكلام هنا كما قاله بعض أئمتنا اللساني والنفساني لرواية وهو يعمل لا يقال قد يتكلم الكافر بلا إله إلّا الله عند الموت ولا ينفعه ذلك لأنا نقول البحث إنما هو في المسلم أما الكافر فقد علم وأشعر في النفوس إنه لا ينفعه النطق بالشهادتين إلا قبل المعاينة فلم يحتج للاحتراز عنه فإن أريد في الخبر ما يشمله كان المراد بلا إله إلا الله كلمة التوحيد أي الشهادتان بالنسبة للكافر بشرطه وكلمة التوحيد المتضمنة للنبوة والبعث وغيرهما للمؤمن والله أعلم. قوله: (دَخَلَ الجنَّةَ) أي إما قبل العذاب دخولًا خاصًّا أو بعد أن عذب بقدر ذنوبه والأول أظهر ليتميز به عن غيره من المؤمنين الذين لم يكن آخر كلامهم هذه الكلمة وفي شرح مسلم للمصنف ويجوز في حديث من كان آخر كلامه لا إله إلا الله أن يكون خصوصًا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وإن كان قبل مخلصًا فيكون سببًا لرحمة الله إياه ونجاته من النار وتحريمه بخلاف من لم يكن آخر كلامه ذلك من الموحدين قال المصنف بعد نقله مع جملة كلام عن القاضي وهو في غاية الحسن اهـ. قوله: (قَال الحاكِم) صحيح الإسناد هذا من الحاكم على قاعدته في تصحيح الحسن وقد أخرجه من وجهين عن أبي عاصم. قوله: (وغيرِهَا) أي كابن ماجة قال الحافظ ورواه أبو عوانة وفي الجامع الصغير رواه أحمد ومسلم والأربعة عن أبي سعيد ورواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ورواه النسائي عن عائشة قال الحافظ قال الترمذي بعد تخريجه حديث أبي سعيد وفي الباب عن أبي هريرة وأم سلمة وعائشة وجابر وسعدي المرية اهـ. قال الحافظ وقد ذكرنا حديث أبي هريرة وحديث أم سلمة أخرجه الترمذي في الباب لكن ليس فيه التلقين صريحًا وإنما فيه الأمر بأن لا يقال عند الميت إلّا الخير وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن أم الحسن البصري قالت كنت عند أم سلمة فجاء إنسان فقال إن فلانًا بالموت فقالت انطلق فإذا

стр. 1227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رأيته احتضر فقل السلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وأورده في باب تلقين الميت وحديث عائشة أخرجه النسائي عنها مثل حديث أبي سعيد ورواته رواة الصحيح لكن أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة من طريق آخر عن منصور ابن صفية أحد رواته في الطريق الأولى ولم يرفعه وحديث جابر قال قال رسول الله ﷺ لقنوا موتاكم لا إله إلا الله قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب من هذا الوجه أخرجه البزار وعبد الوهاب بن مجاهد ضعفوه لكن يكتب حديثه في المتابعات وحديث سعدي المرية ظاهر إيراد الترمذي إنه من حديثها وليس كذلك إنما هو من روايتها عن زوجها طلحة وعن عمر أخرجه أحمد في مسند طلحة وأبو يعلى في مسند عمر ثم أخرج الحافظ عن يحيى بن طلحة عن أمه سعدى المرية قالت مر عمر بطلحة بعد وفاة النبي ﷺ فقال ما لي أراك كئيبًا أتسؤك ابنة عمك قال لا ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلَّا كانت نورًا لصحيفته وإن جسده وروحه ليجدان لها روحًا عند الموت فقال أنا أعلمها هي التي أراد عمه عند الموت علم كلمة أنجي له منها لأمره بهذا هذا حديث حسن رواته موثوقون لكن اختلف فيه على الشعبي فرواه شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي فأبهم يحيى بن طلحة أخرجه أبو يعلى أيضًا ورواه مجاهد عن الشعبي عن جابر عن عمر أخرجه أبو يعلى أيضًا وبعض الرواة عنه أسقط سعدى فقال عن يحيى بن طلحة قال رأى عمر طلحة حزينًا فقال مالك فقال سمعت رسول الله فذكر الحديث بنحوه وفيه إلا نفس الله كربته وأشرق لونه ورأى ما يسره وما منعني أن أسأله عنها إلَّا القدرة عليها حتى مات فقال عمر إني لأعلمها فذكره أخرجه أحمد وأبو يعلى قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي ومما لم يذكره الترمذي عن أنس وحذيفة وواثلة بن الأسقع وشداد بن أوس قال الحافظ في الباب مما لم يذكراه جميعًا عن عمر وطلحة كما أسلفناه وعن أبي بكرة ومعاذ بن جبل وابن عباس وأبي أمامة وعبد الله بن مسعود وابن جعفر وعلي وابن عمر وجد عطاء بن السائب واسمه زيد وقيل مالك وصحابي غير مسمى ومن مرسل قتادة وغيره ومن الموقوف على جماعة من التابعين ثم بين الحافظ من خرج حديث كل من المذكورين وأطال فيه النفس في نحو نصف كراس فليراجعه من أراد وحاصل كلامه في حديث معاذ وهو الذي نقلناه عن الحافظ فيما تقدم إنه

стр. 1228

"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إلهَ إلَّا الله" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورويناه في "صحيح مسلم" أيضًا من رواية أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ . قال العلماء: فإن لم يقل هو: "لا إله إلا الله" لقَّنَهُ من حضره، ويلقِّنه برفق مخافةَ أن يضجر فيردَّها، وإذا قالها مرَّة لا يعيدها ــ يتم الكلام عليه في الكلام على هذا الحديث فقال حديث معاذ أخرجه سعيد بن منصور وأبو يعلى في الكبير وأبو نعيم في الحلية كلهم من طريق مكحول عنه متصلًا بالحديث المذكور في الباب الذي قبله بعد قوله هدمت ما كان قبلها من الخطايا فلقنوها موتاكم قيل يا رسول الله كيف هي للأحياء قال هي أهدم وأهدم وقد تقدم الكلام على سنده. قوله: (لقِّنوا مَوْتَاكم الخ) أي ذكروا من حضره الموت منكم بأن نزلت به مقدماته سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا لكن التلقين فيه محمول على حقيقته بخلاف ما أريد منه التلقين بعد الدفن فإنه وإن كان موتاكم فيه استعمل في حقيقته إلَّا أن التلقين يكون فيه مجازًا وقد صرح ابن حبان وغيره من أئمة الحديث بأن المراد بالموتى ما في الخبر من حضرهم الموت وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلَّا الله ولقنوهم عند الموت لا إله إلَّا الله فإن من كان أول كلامه لا إله إلَّا الله ثم عاش ألف سنة ما سئل عن ذنب واحد، أي لقنوا من حضره الموت بكلمة التوحيد أر بكلمتي الشهادة بتفصيله المار بما في الحديث قبله بأن يتلفظوا بها أو بهما عنده لا أن يأمروه بها: لئلا يقول لا أقولها فيكفر، على ما أطلقه بعض الأئمة ولا يلح بها عليه فلا يزيد على مرة وقال آخرون على ثلاثة فإن كررت ثلاثًا ولم يطق النطق لم تكرر عليه بل كان اعتقاده قائمًا مقام نطقه ذكره ابن الجزري ثم ظاهر الخبر يقتضي وجوب ذلك وبه قال بعضهم بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه ويجاب بأن المعنى وهو عدم ترتب المفسدة على تركه يقتضي إنه مندوب لا غير. قوله: (وَرَوَيْنَا في صحيحِ مسلم) كذا في النسخة التي وقت عليها بحذف ضمير المفعول والمراد ورويناه أي خبر من كان آخر كلامه لا إله إلّا الله الخ. عن أبي هريرة أخرجه مسلم وقد تقدم عن الجامع إن ابن ماجة أخرجه من حديث أبي هريرة أيضًا وكذا

стр. 1229

عليه، إلا أن يتكلم بكلام آخر. قال أصحابنا: ويستحبُّ أن يكون الملقِّن غير مُتَّهَم، لئلا يُحْرِجَ الميتَ ويتَّهمَه. واعلم أن جماعة من أصحابنا قالوا: نلقن ونقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله". واقتصر الجمهور على قول: "لا إله إلا الله"، وقد بسطتُ ذلك بدلائله وبيان قائليه في "كتاب الجنائز" من "شرح المهذَّب". باب ما يقوله بعد تغميض الميت روينا في "صحيح مسلم" عن أمِّ سلمة -واسمها هند ﵂ قالت: دخل رسول الله ﵌ على أبي سلمة، وقد شَقَّ بَصَرُهُ، فأغمضه ثم قال: "إن الرُّوح إذا ــ ذكره الحافظ قال ولحديث أبي هريرة طرق تشتمل على زيادات ثم ساقه من خمسة طرق وتقدم تلخيصها في آخر الكلام على حديث معاذ. قوله: (إلَّا أنْ يتكلم الخ) أي بكلام دنيوي وكذا بذكر غيرها على خلاف فيه. قوله: (ولْيَكن غير متهم) وفي نسخة وارث متهم أي إن حضر غيره فإذا حضر وارث منهم بنحو إرث أو عداوة فالوارث أولى لقولهم لو حضر وارثه قدم أشفقهم. قوله: (لئلا يُحرجَ) بإسكان الحاء أي يوقعه في الحرج وذلك إنه قد يمتنع من ذلك لاتهام ملقنه فيفوت عليه هذا الخير. قوله: (واعْلم أَن جمَاعة من أصْحَابِنَا الخ) وعللوا ذلك بأن القصد موته على الإسلام ولا يسمى مسلمًا إلَّا بها ورد بأنه مسلم وإنما القصد ختم كلامه بلا إله إلَّا الله ليحمل له ذلك الثواب ويلزم من قول لا إله إلَّا الله الاعتراف بالشهادة الأخرى فينبغي الاقتصار على لا إله إلَّا الله لظاهر الخبر أما الكافر فيلقنهما قطعًا مع لفظ أشهد لوجوبه عليه إذ لا يصير مسلمًا إلَّا بذلك بشرطه السابق. باب ما يقوله بعد تغميض الميت قوله: (وَرَوَيْنَا في صَحيحِ مُسلم الخ) قال فيِ السلاح ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة زاد في الجامع الصغير وأحمد في مسنده. قوله: (عَلَى أبِي سلمَةَ) تقدم بيان عام وفاته وسبب مماته في ترجمة أم المؤمنين أم سلمة في باب ما يقول حال خروجه من بيته وهو من السابقين الأولين أسلم بعد عشرة أنفس وهاجر الهجرتين وسيأتي بسط لذكر فضائله إن شاء الله تعالى. قوله: (إِنَّ الرّوحَ) هي مؤنثة وقد تذكر، والمختار الوقوف عن التكلم في

стр. 1230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حقيقتها إلَّا أن وصفها أن الحياة تذهب بذهابها قال المصنف وهي أجسام متخللة في البدن وليست أعراضًا ومعنى قوله إن الروح إذا قبض تبعه البصر معناه إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظرًا أين يذهب قال الجلال السيوطي في فهم هذا دقة فإنه يقال إن البصر إنما يبصر ما دام الروح في البدن فإذا فارقه تعطل الإبصار كما تعطل الإحساس قال والذي ظهر لي فيه بعد النظر بثلاثين سنة أن يجاب بأحد أمرين أحدهما إن ذلك بعد خروج الروح من أكثر البدن وهي باقية في الرأس والعينين فإذا خرج من الفم أكثرها ولم يخرج باقيها نظر البصر إلى القدر الذي خرج وقد ورد أن الروح على مثال البدن وقدر أعضائه فإذا خرج بقيتها من الرأس والعين فيكون المراد إذا قبض إذا شرع في قبضه ولم ينته قبضه، الثاني أن يحمل ما ذكره كثير من العلماء إن الروح لها اتصال بالبدن وإن كانت خارجة فترى وتسمع وترد السلام ويكون هذا الحديث من أقوى الأدلة على ذلك والله أعلم. بمراد نبيه ﷺ اهـ، وفي كلا الجوابين بعد أما الأول فإنه مجاز والأصل عدمه وأما الثاني فإنما فيه بقاء إدراك الروح بعد مفارقة الجسد لإبقاء إدراك البصر بعد مفارقة الروح الذي الكلام فيه والله أعلم. قال في المرقاة إن الروح إذا قبض تبعه البصر أي في الذهاب فهو علة الإغماض أي لم يبق لانفتاح بصره فائدة لذهاب البصر وقيل إن جملة الروح الخ. علة للشق أي إن المحتضر يتمثل له الملك المتوفى روحه فينظر إليه شزرًا ولا يرتد طرفه حتى تفارقه الروح وتضمحل بقايا قوى البصر ويبقى البصر على هيئته نقله عن الطيبي ثم قال ويعضده ما روى أبو هريرة إنه قال: قال رسول الله ﷺ ألم تروا إن الإنسان إذا مات شخص بصره قالوا بلى قال فذلك حين يتبع بصره نفسه أخرجه مسلم وغير مستنكر من قدرة الله سبحانه أن يكشف له عن الغطاء ساعتئذٍ حتى يبصر ما لم يكن يبصر قلت ويؤيده فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد اهـ، وحاصله إنه لا منافاة بين زوال إدراك البصر بالموت وما ورد في الخبر فمن الجائز الإدراك لذلك فقط ومستند هذا الاحتمال الخبر المذكور والله أعلم، وفي التحفة لابن حجر الهيتمي يحتمل أن المراد من قوله تبعه البصر إن القوة الباصرة تذهب عقب خروج الروح فحينئذٍ تجمد العين ويقبح منظرها ويحتمل إنه يبقى فيه عقب خروجها

стр. 1231

قُبِضَ تَبَعَهُ البَصَرُ"، فَضجَّ ناس من أهله، فقال: "لا تَدْعُوا على أنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَير، فإن المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ على ما تَقُولُونَ"، ثم قال: "اللهُم اغْفِرْ لأبي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنا وَلَه يا رَبَّ العالمِينَ، وَافْسَحْ لهُ في قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ". قلت: قولها: "شقَّ" هو بفتح الشين، و"بصره" برفع الراء فاعل شقَّ، هكذا الرواية فيه باتفاق الحفاظ وأهل الضبط. قال صاحب الأفعال: ــ شيء من بخارها الغريزي فيشخص به ناظرًا أي يذهب بها ولا بعد في هذا لأن حركته حينئذٍ قريبة من حركة المذبوح ويحكم على الإنسان مع وجودها بسائر أحكام الموتى اهـ. قوله: (فَضجّ) بالضاد المعجمة والجيم المشددة أي رفع الصوت بالبكاء وصاح. قوله: (لَا تدْعُوا عَلَى أَنفسِكم إلا بخير) قال المظهري أي لا تقولوا شرًّا ولا ويلًا أو الويل لي وما أشبه ذلك وهذا أولى مما قيل معناه لا تتكلموا في حق الميت بما لا يرضاه الله فيرجع تبعته عليكم فكأنهم دعوا على أنفسهم بدليل إنه قال بعده فإن الملائكة يؤمنون أي يقولون على دعائكم آمين ومعناه استجب فينبغي أن لا يكون الدعاء إلَّا بخير. قوله: (في المهدِيِّين) بتشديد الياء الأولى الذين هداهم الله للإسلام سابقًا والهجرة إلى خير الأنام ﵊ لاحقًا وفي النهاية وقد استعمل من الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة. قوله: (وَأَخلفهُ) بهمزة الوصل وضم اللام من خلف يخلف إذا قام مقام غيره بعده في رعاية أمره وحفظ مصالحه أي كن خلفًا وخليفة له في عقبه بكسر القاف قال الطيبي أي في أولاده قيل والأظهر من يعقبه ويتأخر عنه من ولد وغيره فلذا أبدل منه قوله في الغابرين حال من عقبه أي أوقع خلافتك في عقبه كائنين في جملة الباقين من النّاس. قوله: (لنَا) يصح أن يكون النون لتعظيم ذاته الشريفة أوله ولغيره من الصحابة والأمة. قوله: (وافسحْ له في قبرِه) أي وسع له فيه دعاء بعدم الضغطة. قوله: (ونَوِّر له) أي في قبره أراد به رفع الظلمة. قوله: (شَقّ بصره الخ) قال السيد الشريف في حواشي المشكاة نقلًا عن الطيبي يقال شق بصره إذا نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه. قوله: (بفتح الشينِ) قال المصنف والشين مفتوحة بلا خلاف قال الطيبي وضم الشين منه غير مختار. قوله: (وبصره برفع الراءِ الخ) قال المصنف وضبطه بعضهم بفتح الراء وهو صحيح أيضًا أي من حيث المعنى وإلا

стр. 1232

يقال شقَّ بصرُ الميت، وشقَّ الميتُ بصرَه: إذا شخص. وروينا في سنن البيهقي بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله التابعي الجليل قال: إذا أغمضت الميت فقل: بسم الله، وعلى مِلَّةِ رسول الله ﷺ ، وإذا حملته فقل: بسم الله، ثم سبِّح ما دمت تحمله. باب ما يقال عند الميت روينا في "صحيح مسلم" عن أمّ سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا حَضَرْتُمْ المَرِيضَ أو المَيِّتَ ــ فقد نقل المصنف هنا اتفاق الحفاظ وأهل الضبط على أن الرواية بضم الراء على إنه إنما يستقيم على ما نقله عن صاحب الأفعال من إنه يقال أيضًا شق الميت بمره أما على ما نقله الجوهري والسيوطي وغيرهما عن ابن السكيت إنه لا يقال شق الميت بصره بل يقال شق بصر الميت وهو الذي حضره الموت وصار ينظر إلى الشيء لا يرتد طرفه فلا يستقيم فتأمله والله أعلم. قوله: (وَرَوَيْنَا في سُنَنِ البيهقِى الخ) قال المصنف في المجموع لم أر لأصحابنا كلامًا فيما يقال حال إغماضه ويستحسن ما رواه البيهقي الخ، وقال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث موقوف على بكر بن عبد الله أخرجه عبد الرزاق والبيهقي. قوله: (فإن احتملَتْهُ الخ) في الحصن روي هذا اللفظ عند الحمل ابن أبي شيبة في مصنفه من قول ابن عمر وبكر بن عبد الله المزني التابعي وفي السلاح إن ابن عمر سمع رجلًا يقول ارفعوا على اسم الله فقال لا يقال ارفعوا على اسم الله فإن اسم الله لا يرفع عليه شيء ولكن قل ارفعوا بسم الله. باب ما يقال عند الميت قوله: (وَرَوَيْنَا في صحيح مسلم الخ) وكذا رواه الأربعة عن أم سلمة كما في الحصن وغيره وقوله هكذا وقع في مسلم إذا حضرتم المريض أو الميت على الشك ورويناه في سنن أبي داود الميت بغير شك وهي رواية سفيان الثوري عن الأعمش عند أبي داود والطبراني ويحتمل أن تكون أو للتنويع فقد رواه أبو حذيفة عن الثوري بلفظ إذا حضرتم المريض

стр. 1233

فَقُولُوا خَيرًا، فإنَّ الملائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ على مَا تَقُولُونَ"؟ قالت: فلما مات أبو سلمة أتيتُ النبي ﷺ فقلتُ: يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات، قال: قُولي: "اللهُم اغْفِرْ لي وَلَهُ، وَأَعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً"، فقلت ذلك، فأعقبني الله مَن هو خير لي منه: محمدًا ﷺ . قلت: هكذا وقع في "صحيح مسلم"، وفي الترمذي: "إذا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ أو المَيِّتَ" على الشكِّ. وروينا في سنن أبي داود وغيره: "الميت" من غير شك. وروينا في سنن أبي داود، وابن ماجه، عن معقل بن يسار الصحابي ﵁، أن النبي ﷺ قال: "اقْرَؤوا يس على مَوْتَاكُمْ". قلت: إسناده ضعيف، ــ رويناه في الغيلانيات هكذا مقتصرًا على المريض ورواه عبيد الله بن موسى عن الأعمش مقتصرًا على الميت وأخرجه كذلك البيهقي من وجهين عن عبيد الله بن موسى اهـ. وقوله (فَقولُوا خيرًا) أمر ندب وتعليم لما يقال عند المريض أو الميت من الدعاء والاستغفار وطلب اللطف به والتخفيف فالمراد خير لمن يحضرون عنده من مريض أو ميت وقيل قولوا خيرًا لكم وقولوا خير للمحتضر أي قولوا له لا إله إلَّا الله إذ هي خير ما يقال له قالوا يستحب أن يحضر الميت الصالحون وأهل الخير ليذكروه ويدعوا له ولمن يخلفه فينتفع بذلك الميت ومن يصاب به ومن يخلفه. قوله: (وأَعقِبنِي) هو من الأعقاب أي أبدلني وعوضني منه عقبى على وزن بشرى حسنة بالنصب صفة عقبى المنصوب مفعولًا مطلقًا أي بدلًا صالحًا. قوله: (فأو للشَّكِّ) إن أريد بالميت من يؤول إلى الموت فهو المريض فأو للشك أما إن أريد بالميت حقيقة أي ما يقابل الحي فأو للتنويع وإطلاق المصنف أنها للشك محمول على الطريق الأول قال في المرقاة ولا وجه لما جزم ابن حجر من أنها للشك والمراد من الثاني هو الأول اهـ، وفيه إنه لا وجه لقوله لا وجه لأنه حيث كان مآل اللفظين لمعنى واحد تبين أن أو للشك في تعيين اللفظ الوارد منهما كما إنه إذا اختلفا معنى كانت أو للتنويع. قوله: (وَرَوَيْنَا في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ اهـ) ورواه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وقال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب. قوله: (اقرَؤوا عَلَى موتَاكم) قال ابن حبان المراد

стр. 1234

فيه مجهولان، لكن لم يضعفه أبو داود. وروى ابن أبي داود عن مجالد عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا حضروا الميت قرؤوا عنده سورة البقرة. مجالد ضعيف. ــ من حضره الموت لأن الميت لا يقال يقرأ عليه وذلك لأن اللسان حينئذٍ ضعيف القوة والأعضاء ساقطة المنفعة لكن القلب قد أقبل على الله تعالى بكليته فيقرأ عليه ما يزداد به قوة قلبه ويشتد تصديقه بالأصول فهو إذن عمله اهـ. قال العلقمي قوله من حضره الموت يعني مقدماته وقيل الحكمة في قراءتها أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها فإذا قرئت عنده تحدد له ذكر تلك الأحوال وأخذ ابن الرفعة بظاهر الخبر فصحح أنها إنما تقرأ بعد موته قلت لو قال قبل وبعد لكان أولى عملًا بالقولين اهـ. قوله (فيه مجهولانِ) قال الحافظ هما أبو عثمان وأبوه أما أبو عثمان فذكره ابن حبان في الثقات وصحح حديثه هو والحاكم لكن تساهلا فيه وأما ابن حبان فوثق أبا عثمان على قاعدته فيمن روي عنه ثقة وروي عن ثقة ولم يأت بمنكر سواء انفرد بالرواية عنه واحد أم لا وليس العمل على هذا عند غيره ومع ذلك فعلى ابن حبان فيه درك آخر وهو سقوط الواسطة بين أبي عثمان ومعقل من روايته إذا ظهر من رواية غيره أن بينهما رجلًا مجهولًا لم يسم ولم ينسب ولم يوثق فهو على خلاف قاعدته في توثيق وأبو عثمان وتصحيح الحديث وأبي عثمان هذا ليس هو بالنهدي كما صرح به جمع من رواته عنه وأما الحاكم فتساهل في تصحيحه لكونه من فضائل الأعمال وعلى هذا يحمل سكوت أبي داود والعلم عند الله اهـ. قوله: (وَرَوَى ابن أَبِي دَاوُدَ) اسمه عبد الله وكنيته أبو بكر وهو بها أشهر وكان من كبار الحفاظ وأبوه صاحب السنن اعتنى به وسمعه من كثير من مشياخه في حال صغره وهذا الأثر أخرجه في كتاب شريعة القارئ بسند تردد في سماعه له من شيخه بسنده إلى مجالد وهو بضم الميم وتخفيف الجيم وهو ضعيف كما قال الشيخ لكنه لم يترك بل وصفه مسلم بالصدق وأخرج له في المتابعات والذين أشار إليهم الشعبي يحتمل أن يكونوا من الصحابة ومن التابعين قاله الحافظ ثم أخرج الحافظ عن طلحة بن مصرف قال دخلت

стр. 1235

باب ما يقوله من مات له ميت روينا في "صحيح مسلم" عن أمِّ سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: ــ على خيثمة يعني ابن عبد الرحمن وهو مريض فقلت إني أراك اليوم صالحًا قال نعم قرئ عندي القرآن وكان يقول إذا قرئ عند مريض القرآن وجد بذلك خفة، هذا أثر صحيح وخيثمة تابعي كبير وطلحة تابعي صغير أخرجه ابن أبي داود وأخرج ابن أبي داود أيضًا من طريق خالد بن معدان وهو من ثقات التابعين إنه كان يقرأ عند الميت إذا كان في النزع آخر الصافات وقد تقدم عن أم سلمة زوج النبي ﷺ شيء من هذا قلت ذكرناه في الكلام على حديث أبي سعيد لقنوا موتاكم قال الحافظ ووجدت لحديث معقل شاهدًا عن صفوان بن عمر وعن المشيخة أنهم حضروا غضيف بن الحارث حين اشتد سوقه فقال هل فيكم أحد يقرأ يس قال فقرأها صالح بن شريح السكوني فلما بلغ أربعين آية منها قبض فكان المشيخة يقولون إذا قرأت عند الميت خفف عنه بها هذا موقوف حسن الإسناد وغضيف بمعجمتين وفاء مصغر صحابي عند الجمهور، والمشيخة الذين نقل عنهم لم يسموا لكنهم ما بين صحابي وتابعي كبير ومثله لا يقال بالرأي فله حكم الرفع وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي الشعثاء جابر بن زيد وهو من ثقات التابعين إنه يقرأ عند الميت سورة الرعد وسنده صحيح اهـ. كلام الحافظ. باب ما يقوله من مات له ميت قوله: (رَوَيْنَا في صَحيحِ مُسلم الخ) قال في السلاح انفرد به مسلم أي عن باقي الستة وإلا فقد أخرجه أبو عوانة كما قال الحافظ. قوله: (مُصيبةٌ) أي سواء كانت عظيمة أو صغيرة كما يؤذن به وقوع النكرة في سياق النفي المؤذن بالعموم وفي المصباح الشدة النازلة وجمعها على المشهور مصائب قالوا والأصل مصاوب قال الأصمعي قد جمعت على لفظها بالألف والتاء فقيل مصيبات قال وأرى أن جمعها على مصائب من كلام أهل الامصار وقال بعضهم المصيبة هي التي تصيب الإنسان من نكبة ونحوها قال الواحدي ولا يقال فيما يصيب بخير مصيبة وسبق بعض

стр. 1236

إنا لِلهِ وإنَّا إلَيهِ رَاجِعُونَ، اللهم أجُرْني في مُصِيبَتي، وأخْلِفْ لي خَيْرًا مِنْهَا، إلا آجَرَهُ اللهُ تَعَالى في مُصِيبَتِهِ وأخْلَفَ لَهُ خَيْرا مِنْها"، قالت: فلما توفي أبو سلمة، قلت كما أمرني رسول الله ﷺ ، فأخلف الله تعالى لي خيرًا منه: ــ الفوائد المتعلقة بالآية في باب ما يقول إذا أصابته نكبة. قوله: (إنَّا لله) أي نحن وأهلونا وأموالنا عبيد لله يصنع فينا ما يشاء أي ومن ظن نفسه على هذا المعنى سهل عليه ما فقده وأصابه قال الطيبي أما التلفظ بذلك مع الجزع قبيح وسخط للقضاء اهـ، وتعقبه في المرقاة بأن ذلك من خلط العمل الصالح بالعمل السوء كالاستغفار مع الإصرار اهـ، وما قاله الطيبي طيب. قوله: (وإِنَّا إِليهِ) أي إلى انفراده بالحكم كما كان أول مرة راجعون وهو إقرار بالبعث والنشور وقال أبو بكرٍ الوراق إنَّا لله إقرار له بالملك وإنّا إليه راجعون إقرار على نفسه بالهلكة نقله العلقمي. قوله: (اللَّهمَّ أجُرْني) بسكون الهمزة وضم الجيم ونقل القاضي عياض عن أهل اللغة إنه مقصور لا يمد وبمد الهمزة وكسر الجيم قال الطيبي أجره يأجره إذا أثابه وأعطاه الأجر كآجره اهـ. قال ابن حجر بضم الجيم وكسرها يعني مقصورة بالوجهين وهو كذلك في القاموس قال في المرقاة لكن الكسر مع القصر غير موجود في النسخ اهـ، ومعنى أجره الله أي أعطاه أجره وجزاء صبره ووقع لابن ملك في شرح المشارق إنه قال هو بهمزة وصل وهذا منه كما في المرقاة سهو لأن الهمزة الموجودة فاء الفعل وهمزة الوصل سقطت في الدرج. قوله: (وأَخْلِفْ لي خيرًا منْهَا) أي اجعل لي خلفًا مما فات عني في هذه المصيبة وأخلف بهمزة قطع وكسر اللام يقال لمن ذهب له ما لا يتوقع حصول مثله بأن ذهب له والد خلف الله عليك منه بغير ألف أي كان الله خليفة منه عليك ويقال لمن ذهب له مال أو ولد أو ما يتوقع حصول مثله أخلف الله عليك أي رد الله عليك مثله. قوله: (فلمَا تُوُفِّي أَبو سَلَمَةَ) هو زوجها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي سبق عام وفاته قال أبو نعيم إنه أول من هاجر إلى المدينة وذكره أصحاب المغازي ثم هاجر إلى الحبشة فهو أول من هاجر بالظعينة إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة وكان أخا النبي ﷺ من الرضاع وابن عمته توفي شهيدًا عام أحد كما تقدم في باب ما يقول إذا خرج من بيته في ترجمة

стр. 1237

رسولَ الله ﷺ . وروينا في سنن أبي داود، عن أمِّ سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذَا أصَابَ أحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ: إنَّا لِلهِ وَإنَّا إلَيهِ رَاجِعُونَ، ــ أم المؤمنين أم سلمة ﵂. قوله: (رسولَ الله ﷺ ) هو في نسخة مصححة مضبوط بالرفع على إنه خبر لمحذوف والنصب وجهه ظاهر أي بدلًا من خيرًا لا عطف بيان لما في المعنى من شرط توافق المعطوف والمعطوف عليه عطف بيان في التعريف والتنكير ويؤيد الثاني أنها جاء عنها في رواية لمسلم وهي عند أبي داود والنسائي فأخلف الله لي رسول الله ﷺ . قوله: (وَرَوَينَا في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ الخ) قال الحافظ أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان وأخرج النسائي وابن خزيمة والطحاوي والحاكم من طرق أخرى وأخرجه ابن حبان عن ابن خزيمة وإنما لم يخرج مسلم هذه الطريق مع إخراجه الحديث الأول والقصد واحد لاختلاف وقع في هذه الطريق على بعض رجالها ثم إن النسائي وقع عنده الحديث في طريق أم سمة عن النبي ﷺ من غير واسطة وهي رواية الشيخ عنها في الكتاب فقال عنها سمعت النبي ﷺ قال الحافظ يمكن الجمع بأن تكون أم سلمة سمعته من أبي سلمة عن النبي ﷺ ثم لما مات أبو سلمة وأمرها النبي ﷺ أن تقوله لما سألته تذكرت ما كان أبو سلمة حدثها به فكانت تحدث به على الوجهين ويؤيد هذا الحمل أن في سياق الحديثين اختلافًا لفظًا وزيادة ونقصًا ثم أيده برواية أخرى أخرجها هو عن ابن أبي سلمة أن أبا سلمة جاء إلى أم سلمة فقال لقد سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا هو أحب إليّ من كذا وكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول إنه لا يصيب أحدًا مصيبة فيسترجع ثم يقول فذكر الحديث قال الحافظ بعد إخراجه من طريق أبي يعلى وغيره وأخرجه ابن منده في المعرفة من طريق آخر عن ابن أبي سلمة قال قالت أم سلمة جاء أبو سلمة فقال فذكر الحديث بنحوه وقال فيه أحب إليّ من الدنيا جميعًا وأخرجه أبو داود عن أم سلمة فذكره مختصرًا وللحديث شاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من استرجع عند المصيبة

стр. 1238

اللَّهُمَّ عِندَكَ أحْتَسِبُ مُصِيبَتي فأجُرْنِي فِيها، وأَبْدِلني بِها خَيرًا مِنها". وروينا في كتاب الترمذي وغيره، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا ماتَ وَلَدُ العَبْدِ قال اللهُ تعالى لمَلائكتِه: قبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: فَمَاذَا قال عَبْدِي؟ فيَقُولُون: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالى: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ" قال الترمذي: حديث حسن. وفي معنى هذا، ما رويناه في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة ﵁، ــ جبر الله مصيبته وأحسن معونته وجعل له خلفًا صالحًا يرضاه قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن أخرجه ابن أبي حاتم ورجاله موثقون إلّا علي بن أبي طلحة لم يلق ابن عباس اهـ، وفي الجامع الصغير ورواه الحاكم أيضًا عن أم سلمة ورواه الترمذي وابن ماجة عن أبي سلمة. قوله: (اللَّهمَّ عِنْدَكَ أَحتَسبُ مُصيبَتي) أي أدخر ثواب مصيبتي في صحائف حسناتي قال الحسن الحمد لله الذي أجرنا على ما لا بد لنا منه. قوله: (فأْجُرني) قال العلقمي بسكون الهمزة وضم الجيم وكسرها أي ائتني بالأجر والثواب فيها وقال شيخنا فأجرني بالمد والقصر فالأول من آجر والثاني من أجر اهـ. قلت وسبق لهذا مزيد في الحديث قبله. قوله: (وغَيرِهِ) قال في السلاح ورواه ابن حبان في صحيحه زاد في الحصين وابن السني كلهم عن أبي موسى ولفظ الكتاب للترمذي وسبق الكلام على تخريجه في كتاب حمد الله تعالى. قوله: (ولَدُ العبدِ) أي من ولد أو بنت أو حفيد أو سبط. قوله: (لِملائِكَتِهِ) أي الموكلين بقبض الأرواح. قولط: (قَبَضتُم ولَدَ عَبدِي) أي زوجه والاستفهام مقدر في الكلام. قوله: (ثَمَرَة فؤَادِه) بالمثلثة أي نهاية نتيجة توجه قلبه وقطعة كبده وحب لبه. قوله: (حَمِدَكَ) بكسر الميم أي قال الحمد لله. قوله: (وَاسترْجع) أي قال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] قوله: (فَيقولُ ابنُوا) بهمزة وصل وسكون الموحدة وضم النون أمر للجماعة من البناء. قوله: (بيتًا) قال في الحرز أي قصرًا عظيمًا وكأن التعظيم استفيد من سياق الكلام واقتضاء المقام. قوله: (بَيتَ الحمد) بالإضافة وهي بمعنى اللام واللام في الحمد للعهد الذهني أي بيتًا لحمده على فقده ولده. قوله: (وفي مَعنى هَذَا مَا روينَاهُ الخ) قال الحافظ يريد الاحتساب

стр. 1239

أن رسول الله ﷺ قال: "يَقُولُ الله تَعالى: ما لِعَبْدِي المُؤمِنَ عِندِي جَزَاءٌ إذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْلِ الدنْيا ثمَّ احْتَسَبَهُ إلَّا الجَنَّةَ". باب ما يقوله من بلغه موت صاحبه روينا في كتاب ابن السني، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "المَوْتُ فَزَغٌ، فإذا بَلَغَ أحَدَكُمْ وَفَاةُ أخِيهِ فَلْيَقُلْ: إنَّا لِلهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وإنَّا إلى رَبنا لَمُنْقَلِبُونَ، اللهُم اكْتُبْهُ عِنْدَكَ فِي المُحْسِنِينَ، وَاجْعَلْ كِتَابَهُ في علِّيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي أهْلِهِ في الْغَابِرِينَ، وَلَا تَحْرِمْنا أجْرَهُ ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ". ــ المذكور في حديث أبي هريرة الاسترجاع والحمد في حديث أبي موسى والجامع بينهما التسليم لأمر الله والحديث المذكور من غرائب الصحيح أخرجه في كتاب الرقاق من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. قوله: (صَفِيَّه) بالصاد المهملة المفتوحة وكسر الفاء وتشديد التحتية قال في كشف المشكل والمراد به المصطفى كالولد والأخ وكل محبوب مؤثر وفي النهاية صفي الرجل الذي يصافيه الود يخلصه له فعيل بمعنى فاعل أو مفعول اهـ. باب ما يقوله من بلغه موت صاحبه قوله: (رَوَينا في كتاب ابنِ السّني الخ) قال الحافظ بعد تخريجه حديث غريب أخرجه ابن السني وفي سنده قيس بن الربَيع وهو صدوق لكنه تغير في الآخر ولم يتميز فما انفرد به يكون ضعيفًا اهـ. قوله: (فزَعٌ) بالفاء والزاي المفتوحتين مصدر فزع بكسر الزاي والفزع في الأصل الخوف كما في النهاية وهو إما على تقدير مضاف أي ذو فزع أو مؤول باسم الفاعل أو هو باقٍ على ظاهره مبالغة نحو زيد عدل. قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] أي راجعون إلى الدار الآخرة وفيه ندب التذكير والاعتبار بموت الأقران والإخوان وأهل الديار قال بعض العارفين ﵏: وإن افتقادي واحدًا بعد واحد ... دليل على إن لا يدوم خليل قوله: (من المحسنين) أي في الأعمال والأحوال وباقي الذكر سبق

стр. 1240

باب ما يقوله إذا بلغه موت عدو الإسلام روينا في كتاب ابن السني، عن ابن مسعود ﵁، قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، قد قتل الله أبا جهلٍ، فقال: "الحَمْدُ لِلهِ الذِي نَصَرَ عَبْدَهُ وأعَزَّ دِينَهُ". باب تحريم النياحة على الميت والدعاء بدعوى الجاهلية أجمعت الأمةُ على تحريم النياحة على الميت والدعاء بدعوى الجاهلية، والدعاء بالويل ــ الكلام على بعضه في الباب قبله ويأتي باقيه في أذكار الصلاة على الميت. قوله: (بابُ ما يقولُه إِذَا بَلَغَهُ موتُ عدو الإسلام) أي من الكفار أو الخوارج أو غيرهم من أرباب الابتداع المفسدين للدين. قوله: (رَوَيَنا في كتاب ابنِ السُّني عَن ابن مسعودٍ الخ) أخرج الحافظ الحديث عن ابن مسعود قال قلت يا رسول الله إن الله قد قتل أبا جَهل قال الحمد لله الذي أعز دينه ونصر عبده قال وقال مرة وصدق وعده قال الحافظ هذا حديث غريب أخرجه النسائي في كتاب السيرة ولم يخرجه ابن السني عن النسائي وإنما أخرجه في عمل اليوم والليلة من طريق علي بن المديني عن أمية بن خالد ورجاله رجال الصحيح لكن أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه وأخرجه أحمد أيضًا وسياقه أتم ولفظه الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده الحديث وفي آخره فقال هذا فرعون هذه الأمة اهـ. قوله: (نصَر عبدَه) أي النبي ﷺ فهو عام أريد به خاص نظير قوله أم يحسدون الناس فالمراد بالناس محمد ﷺ . باب تحريم النياحة على الميت والدعاء بدعوى الجاهلية قوله: (النياحَةِ) بكسر النون ويقال النوح هو رفع الصوت بالندب أي بتعديد شمائله نحو واكهفاه واجبلاه وهو حرام وإن لم يكن معه بكاء. قوله: (عَلَى تحريم النياحَةِ) لما صح في النياحات من التغليظات الشديدة الآتي بعضها ومن ثم كان كبيرة. قوله: (والدعاءِ بالويلِ والثُّبورِ) بمثلثة ثم موحدة أي الهلاك أي وما في معناه من نحو واكهفاه واجبلاه وعطف الدعاء بالويل على الدعاء بدعوى الجاهلية عطف تفسيري إن فسرت دعوى

стр. 1241

والثبور عند المصيبة. روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشقَّ الجُيُوب، وَدَعا بِدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ" وفي رواية لمسلم: "أوْ دَعا أوْ شَقَّ" بأو. وروينا في "صحيحيهما" عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ ، ــ الجاهلية في الأخبار بذلك قال المصنف في شرح مسلم دعوى الجاهلية النياحة وندب الميت والدعاء بالويل ونحوه ويحتمل أن يكون العطف للمغايرة وتفسير دعوى الجاهلية بمثل واكهفاه واجبلاه من الندب ويكون الدعاء بالويل والثبور خارجًا عنها وظاهر كلام ابن الجوزي في كشف المشكل ذلك والله أعلم والمراد بالجاهلية ما قبل الإسلام سموا بذلك لكثرة جهالاتهم. قوله: (رَوَينا في صحيحَي البخاري ومسلم الخ) ورواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة كلهم عن ابن مسعود كذا نقله في الجامع الصغير. قوله: (ليسَ منَّا) أي من أهل هدينا وطريقتنا وهذا وإن لم يقتض بوضعه الخرمة بدليل ليس منا من استنجى من الريح إلّا أنها معلومة من الخارج. قوله: (مَنْ لطمَ الخَدُودَ الخ) جمع خد وجمع هنا وإن كان للإنسان خدان فقط باعتبار إرادة الجمع فيكون من مقابلة الجمع بالجمع أو على حد قوله تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] فإن له طرفين كما إن للإنسان خدين وخص الخد بالذكر لأنه الواقع منهن وإلا فضرب باقي الوجه كذلك إذ هو أشرف ما في الإنسان وقد أمرنا باتقاء ضربه وكذا يحرم ضرب الرأس والصدر وخمش الوجه بالأظافير. قوله: (وفي روايةٍ لمسلم أَو دَعا أَو شقَّ) قال الحافظ بعد تخريجه بلفظ ليس منا من لطم الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية ما لفظه أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والحديث عند هؤلاء عن ثمان رجال كلهم يروونه عن الأعمش وقالوه كلهم بالواو إلَّا يحيى بن يحيى قال مسلم في روايته إياه عن يحيى بن يحيى وغيره قال يحيى أو شق أو دعا وقال أبو بكر وابن نمير ودعا وشق وأبو بكر هو ابن أبي شيبة ثم أخرجه مسلم من رواية أخرى بالواو نصًّا اهـ، ملخصًا. قوله: (وَرَويَنَا في صحيحيهمَا الخ) قال القلقشندي في شرح العمدة أخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة والبزار وأبو يعلى والطبراني وابن حبان والإسماعيلي

стр. 1242

برئ من الصالقة والحالقة والشاقَّة. قلت: الصالقة: التي ترفع صوتها بالنياحة، والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة: التي تشق ثيابها عند المصيبة، وكل هذا حرام ــ وأبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم كلهم والبيهقي وغيرهم. قوله: (بِريءَ) بكسر الراء يبرأ بفتحها واسم الفاعل برئ بالمد وبارئ وبراء قال الجوهري يقال برئت منك ومن الديون والعيوب براءة وبرئت من المرض برأ بالضم وأهل الحجاز يقولون برأت من المرض برأ بالفتح وأصبح فلان بارئًا من مرضه وبرئت من كذا وأنا براء منه وخلاء منه لا يثنى ولا يجمع فإذا قلت بريء ثنيت وجمعت وأنثت فقلت في الجمع برآء مثل فقيه وفقهاء وبراء مثل كريم وكرام وأبراء مثل شريف وأشراف وأبريآ مثل نصيب وأنصباء وبريؤون وامرأة بريئة وهن بريآت وبرايا ورجل بريء وبراء مثل عجيب وعجاب وقال ابن سيدة برئ وبرأ من المرض يبرأ ويبرأ أي بالفتح والضم فهو بارئ وقال اللحياني هذه لغة أهل الحجاز يقولون أنا منك براء قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] قال ولغة تيم وغيرهم أنا بريء والأنثى بريئة ولا يقال براة وأصل البراء الانفصال عن الشيء والبعد منه فكأنه توعد من فعل ذلك بأن لا يشفع فيه مثلًا أو أراد التباعد عنه وقت ذلك الفعل وهو الأقرب ولم يرد نفيه عن الإسلام ونظيره قوله فيما قبله ليس منا من لطم الخدود الخ، ووقع في بعض طرق الحديث عند أبي داود والنسائي ليس منا من سلق ومن حلق ومن خرق. قوله: (الصالقةُ) هو بالصاد المهملة والقاف وقد تبدل بالسين المهملة وقال ابن دقيق العيد الأصل السالقة بالسين. قوله: (التّي ترفعُ الخ) الصلق في الأصل لا يتقيد بكونه عند المصيبة بل هو رفع الصوت مطلقًا وهذا التفسير إنما هو باعتبار الواقع في الحديث وحكى ابن سيدة عن ابن الأعرابي أن الصلق ضرب الوجه. قوله: (الحالقَةُ) بالحاء المهملة في معنى الحلق قده وحرقه وقصه ونحو ذلك. قوله: (وكلُّ هَذَا حَرَامٌ) قالوا لأن هذه الأفعال تشعر بعدم الرضا بالقضاء والتسخط به فإن وقع التصريح بذلك لم يمتنع حمل النفي على الإخراج من الدين والحرمة في حق الرجال أشد وفي معنى هذه الأمور ما يفعله النسوة من نشر

стр. 1243

باتفاق العلماء، وكذلك يحرم نشر الشعر ولطم الخدود وخمش الوجه والدعاءُ بالويل. وروينا في "صحيحيهما" عن أم عطية ﵂، قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ في البيعة أن لا ننوحَ. ــ الشعور ولبس جلال الدواب والمآزر السود ونحو ذلك والله أعلم. قوله: (باتفَاقِ العلماءِ) لا غيره لما قاله بعض المالكية من أن النياحة ليست بحرام وإنما المحرم ما يصحبها من شق جيب ونحوه واستدل له قال المصنف وليس فيما قاله دليل صحيح. قوله: (وَرَويَنَا في صحيحيهمَا) قال الحافظ ورواه البخاري وأبو داود من طريق أخرى وأخرجه النسائي مختصرًا والطريقان صحيحان قال الحافظ وللحديث شاهد عن أنس ﵁ قال أخذ النبي ﷺ حين بايعهن أن لا ينحن الحديث هذا حديث حسن أخرجه البزار. قوله: (عَنْ أمّ عطيةَ) هي نسيبة بنون وسين مهملة بعدها تحتية ثم موحدة واختلفوا في ضبط النون والسين فقيل بفتح النون وكسر السين وعليه مشى ابن عساكر والمقدسي والمشهور إنه بصيغة المصغر وعليه مشى ابن ماكولا وابن الجوزي وطائفة وقالوا التي بفتح النون وكسر السين هي أم عمارة وقيل هي نبيشة بالشين المعجمة وبالتصغير حكاه ابن عبد البر وفي التنقيح لابن الجوزي لشينه بلام ونون ونقل ابن الملقن عن صحيح أبي عوانة في كتاب الزكاة تسميتها لنيبه بلام ثم فوقية ثم تحتية ثم موحدة ثم هاء وقال كذا رأيته بالخط وعن تاريخ ابن حبان إنه اسمها واختلف في اسم أبيها أيضًا فقيل كعب وقيل الحارث والأول اشهر وهي صحابية جليلة مشهورة سكنت البصرة وذكر ابن سعد إن أم عطية غزت مع النبي ﷺ سبع غزوات بتقديم السين وشهدت خيبرًا وكانت على ثقيل عندها وكانت تنتف إبطه وقال ابن عبد البر كانت تعد في أهل البصرة وكانت من كبار نساء الصحابة وكانت تغزو كثيرًا مع النبي ﷺ وتمرض المرضى وتداوي الجرحى وشهدت غسل ابنة النبي ﷺ وكانت تغسل الميتات روي لها عن النبي ﷺ فيما قيل أربعون حديثًا اتفقا منها على ستة وانفرد كل منهما بحديث قال القلقشندي ولم أقف على تاريخ وفاتها. قوله: (أَخَذَ علَيْنَا الخ) وفي صحيح مسلم أنها قالت فقلت يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي أن أسعدهم فقال

стр. 1244

وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اثْنَتانِ في النَّاسِ، هُما بِهِمْ كُفْرٌ: الطعْنُ في النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ على المَيِّتِ". وروينا في سنن أبي داود، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة. واعلم أن النياحة: رفع الصوت بالندب، والندب: تعديد النادبة بصوتها محاسن الميت، وقيل: هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه. ــ رسول الله ﷺ إلّا آل فلان قال المصنف في شرحه هذا محمول على الترخيص لأم عطية خاصة في آل فلان كما هو ظاهر ولا تحل النياحة لغيرها ولا لها في غير آل فلان كما هو صريح الحديث إن يخص من العموم ما شاء هذا صواب الحكم في هذا الحديث اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في صحيح مُسلم) قال الحافظ وأخرجه ابن حبان والبزار بلفظ أربع في النّاس من أثر الجاهلية فذكرهما وزاد ومطرنا بنوء كذا والعدوى وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضًا عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ ثلاث هن من الكفر بالله النياحة وشق الجيوب والطعن في الأنساب وأخرجه أيضًا من طريق أخرى عن أبي هريرة بنحو ذلك اهـ، وأخرج مسلم من حديث أبي مالك الأشعري وهو بلفظ أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونه الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة قال السيوطي في الجامع الصغير رواه الثلاثة يعني أصحاب السنن ما عدى ابن ماجة وقال الحافظ بعد تخريجه الأحاديث التي ذكرناها ويجتمع من هذه الأحاديث التي ذكرناها ست أو سبع خصال والله أعلم. اهـ. قوله: (اثنتانِ في النّاسِ الخ) قيل فيه أقوال أصحها إن معناه هما من أعمال الكفرة وأخلاق الجاهلية والثاني إنه يؤدي إلى الكفر والثالث إنه كفر النعمة والرابع أن ذلك في المستحل وفي الحديث تغليظ تحريم الطعن في الأنساب والنجاحة وقد جاء في كل واحد منهما نصوص قاله في شرح مسلم والمراد بالطعن في الأنساب الوقوع في أعراض النّاس بالذم والغيبة ونحوهما ثم قوله في الثاني ثنتان مبتدأ وجاز الابتداء به لتخصيصه بقوله في النّاس وقوله كفر خبر عنه وقولهما أي الثنتان بهم أي في النّاس جملة معترضة بين المبتدأ والخبر تنبيهًا على ملازمتهما للناس ففيهما التحريض على التخلص منهما حسب الإمكان والله أعلم. قوله: (رَوَينَا في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ الخ)

стр. 1245

قال أصحابنا: ويحرم رفع الصوت بإفراط في البكاء. وأما البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة، فليس بحرام. فقد روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ عاد سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فبكي رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بَكَوْا، فقال: "ألا تَسْمَعُونَ أن اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْع العَينِ وَلَا بحُزْنِ القَلْب، وَلكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذا أوْ يَرْحَمُ"، وأشار إلى لسانه ﷺ . وروينا في "صحيحيهما" ــ قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه أبو داود عن إبراهيم بن موسى عن محمد بن ربيعة عن محمد بن الحسن بن عطية عن أبيه عن جده عن أبي سعيد وعطية والحسن ضعيفان وقد أخرجه البزار والطبراني من حديث ابن عباس وفي سنده ضعيفان أيضًا اهـ. قوله: (قَال أَصحَابُنَا الخ) نقله في المجموع عن امام الحرمين ثم نقل عن غيره إن محله إذا كان مختارًا قال فإن كان مغلوبًا عليه لم يؤخذ به لأنه غير مكلف. قوله: (مِنْ غيرِ ندبٍ ولا نياحةٍ) أي ولا إفراط في رفع صوت فليس بحرام بل نقل جماعة الإجماع على عدم تحريمه لكن الأولى تركه بعد الموت للخبر الصحيح فإذا وجبت فلا تبكين باكية أما قبله فمباح وفرق بأنه بعده أسف على ما فات بخلافه قبله. قوله: (وَروَينَا في صحيحَيِّ البُخَارِيِّ ومسلم) قال الحافظ ورواه أبو عوانة في صحيحه. قوله: (فبكى) أي لما دخل فوجده في غشية كما في الصحيح فسأل عنه فقال قد قضى فقالوا لا فبكى. قوله: (فَقَال الخ) أي لما بكي ورآهم بكوا معه خشى أن يتوهموا جواز البكاء بأنواعه مطلقًا فاحتاج إلى تفصيل ذلك واستنصتهم لأن البكاء شغلهم. قوله: (إِنما يعذِّبُ بهذا أَو يرحَم) أي فإن قال خيرًا رحم به وإن قال شرًّا كنوح عذب به وما أفهمه الخبر من جواز البكاء أي إذا خلا عن النوح ونحوه نقل بعضهم فيه الإجماع كما تقدم. قوله: (وَرَوَيَنَا في صحيحيهمَا) قال الحافظ هذا حديث صحيح

стр. 1246

عن أسامة بن زيد ﵄، أن رسول الله ﷺ رُفِعَ إليهِ ابنُ ابنته وهو في الموت، ففاضت عينا رسول الله ﷺ ، ــ أخرجه أحمد وأخرجاه من طرق شتى عن أبي عثمان النهدي. قوله: (عَنْ أَسَامَة بنِ زيدٍ) يكنى أبا محمد وقيل أبو زيد جده حارثة بمهملة ثم راء بعدها مثلثة الكلبي الهاشمي الصحابي الجليل ابن الصحابي الجليل مولى النبي ﷺ وابن مولاه وابن مولاته وحبه وابن حبه أمره ﷺ على جيش فيه أبو بكر وعمر وهو ابن ثماني عشرة سنة وأردفه لما رجع من عرفة ولما دخل مكة عام الفتح وفي الصحيحين عن ابن عمر قال بعث النبي ﷺ بعثًا أمر عليهم أسامة فطعن النّاس في إمارته فقال إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحب النّاس إليّ وإن هذا لمن أحب النّاس إليّ بعده وفي الترمذي عن ابن عمر أيضًا إن عمر فرض له ثلاثة آلاف ولأسامة ثلاثة آلاف وخمسمائة فقال عبد الله لأبيه لِمَ فضلت أسامة عليّ فوالله ما سبقني إلى مشهد فقال عمر لأن زيدًا كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك وأسامة كان أحب إليه منك فآثرت حب رسول الله ﷺ على حبي وروي إنه فرض لأسامة خمسة آلاف وقال ﷺ لعائشة أحبيه فإني أحبه أخرجه الترمذي وفي البخاري إنه ﷺ كان يأخذ أسامة والحسن بن علي ويقول اللهم إني أحبهما فأحبهما، وروي له عن النبي ﷺ فيما قيل مائة وثمانية وعشرون حديثًا اتفقا على خمسة وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بحديثين ومات ﵁ بالمدينة وقيل بالجرف وحمل إلى المدينة سنة أربع وخمسين على الصحيح وقيل سنة أربعين وقيل سنة ثمان أو تسع وخمسين وكان له يوم مات النبي ﷺ عشرون سنة كذا في شرح العمدة للقلقشندي. قوله: (ابنُ ابْنَتِهِ) البنت هي زينب كما صرح به ابن أبي شيبة وصرح به غيره وابنها قيل هو علي بن أبي العاص ورد بأنه عاش حتى ناهز الحلم وهذا لا يقال له صبي عرفا بل لغة ويجاب بأن الوضع اللغوي يكفي هنا أو يقال إن الله نبه نبيه ﷺ لأمر ربه وصبر ابنته ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافا الله الابن من ذلك المرض وتخلص من تلك الشدة وعاش تلك المدة وقال بعض المحققين الصواب إنه إمامة بنت

стр. 1247

فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَها اللهُ تعالى في قُلُوب عِبَادِهِ، وإنما يَرْحَمُ اللهُ تعالى مِنْ عِبَادِهِ الرُّحماءَ" قلت: الرحماء: روي بالنصب والرفع، ــ أبي إمامة كما ثبت في مسند أحمد ولا ينافيه حياتها حتى تزوجها علي ﵁ بعد فاطمة ﵂ لأن قوله وهو في الموت أي في حال شديدة يتولد بعدها عادة إلَّا أنها شفيت من ذلك بعد اهـ، ونظر فيه بأنه كيف يحمل لفظ الابن على الابنة، وبأن الذي يتجه أنهما واقعتان واقعة لابن علي المذكور وواقعة لبنت أمامة المذكورة وعاشت بعد واحتمال ولد غيرهما جرى له ذلك مردود بقول الإخباريين أن زينب لم تلد سواها وقيل يحتمل أن يكون المراد من بنته فاطمة ومن ابنها محسن ﵄ قال الحافظ ابن حجر وهو أولى قال القارئ في شرح الشمائل في مسند البزار عن أبي هريرة نقل ابن لفاطمة فبعثت إلي النبي ﷺ الحديث والابن المذكور محسن أو المراد عبد الله بن رقية بن عثمان ﵄ ففي الأسباب للميلادي إن عبد الله بن عثمان من رقية بنته مات في حجره ﷺ وقال إنما يرحم الله من عباده الرحماء اهـ. قوله: (قَال لَهُ سَعدٌ) هو ابن عبادة كما في الصحيحين. قوله: (مَا هَذَا) أي ما الحامل على ما ظهر منك من الدمع فإنا مضطرون للسؤال عنه لنعلم سببه وحكمته. قوله: (هَذِهِ رحمةٌ) أي هذه الدمعة أثر رحمة تفيض من جوف القلب من غير تعمد من صاحبه ولا استدعاء أي وما كان كذلك لا مؤاخذة به إنما المنهي عنه ما قارنه ما دل على الجزع وعدم الرضا بالقضاء، أو هذه الدمعة تنشأ عن تأمل ما هو فيه من الشدة التي يترتب عليها من ثواب صبر نحو الأب أو رضاه ما تخفف عنه ما لاقاه من الوجل وحرارة الفقد والحزن بمقتضى الطبع البشري. قوله: (إِنَّما يرحم الله من عبادِهِ الرُّحماءَ) من فيه بيانية وهي حال من المفعول قدم عليه ليكون أوقع والرحماء جمع رحيم وهو من صيغ المبالغة ومقتضاه أن رحمة الله تختص بمن اتصف بالرحمة وتحقق بها بخلاف من فيه أدنى رحمة لكن ثبت في حديث ابن عمر وغيره الراحمون يرحمهم الرحمن والراحمون جمع راحم فيدخل فيه كل من كان فيه أدنى رحمة وقد ذكر الحوبي في كتابة ينابيع العلوم مناسبة للإتيان بلفظ الرحمن في حديث الباب بما حاصله أن لفظ الجلالة دال على العظمة وقد عرف بالاستقراء إنه حيث ورد يكون الكلام

стр. 1248

فالنصب على أنه مفعول "يرحم" والرفع على أنه خبر "إن"، وتكون "ما" بمعنى الذي. وروينا في "صحيح البخاري" عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ دخل على ابنه إبراهيم ﵁ وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ ــ مسوقًا للتعظيم فلما ذكرها ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمت ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم بخلاف الحديث الآخر فإن لفظه يدل على المبالغة في العفو فناسب أن يذكر معه كل ذي رحمة وإن قلت اهـ، وهو كما قال يستحق أن يكتب بماء الذهب في صفحات القلوب. قوله: (فالنصبُ الخ) أي وما كافة. قوله: (وَرَوَيْنَا في صَحِيح البُخَارِيِّ) قال الحافظ بعد تخريجه من طرق حديث أخرجه أحمد من طرق وأبو داود وأبو عوانة وابن حبان. قوله: (عَلَى ابنِهِ إِبراهِيمَ) أي دخل في دار ظئره أبي سيف القين وإبراهيم ﵁ أمه مارية القبطية أهداها المقوقس القبطي صاحب مصر وإسكندرية إلى النبي ﷺ ولدت إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة وسر ﷺ بولادته كثيرًا، ولد بالعالية وكانت قابلته أم رابع سلمى امرأة أبي رافع مولى رسول الله ﷺ فوهب له عبدًا وحلق شعر إبراهيم وتصدق بزنته ورقًا وأخذوا شعره فدفنوه كذا قال الزبير ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف ترضعه وقال الزبير أيضًا أن الأنصار تنافسوا فيمن يرضعه وأحبوا أن يقرعوا مارية للنبي ﷺ لميله إليها فجاءت أم بردة بنت المنذر بن زيد الأنصاري زوج البر بن أوس فكلمت رسول الله ﷺ في أن ترضعه فكانت ترضعه بلبن ابنها في بني مازن بن النجار وترجع به إلى أمه وأعطى رسول الله ﷺ أم بردة قطعة من نخل وتوفي وهو ابن ثمانية عشر شهرًا قاله الواقدي وقيل ابن ستة عشر شهرًا وثمانية أيام وصلى عليه رسول الله ﷺ قال ندفنه عند فرطنا عثمان بن مظعون ودفنه في البقيع قيل وغسله الفضل بن عباس ونزل في قبره هو وأسامة بن زيد وجلس ﷺ على شفير القبر قال الزبير ورش على قبره الماء وعلّم على قبره بعلامة وهو أول قبر رش عليه الماء روى عنه ﷺ إنه قال لو عاش إبراهيم لأعتقت أخواله ولوضعت الجزية

стр. 1249

تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: "يا ابْنَ عَوْفٍ إنها رَحْمَةٌ، ثم أتبعها بأخرى فقال: "إنّ العَينَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إلَّا ما يُرْضِي ربَّنا، وإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة مشهورة. وأما الأحاديث الصحيحة: أن الميت ــ عن كل قبطي وورد من طرق ثلاثة من الصحابة لو عاش إبراهيم لكان نبيًّا وتأويله أن القضية الشرطية لا تستلزم الوقوع ولا يظن بالصحابة الهجوم على مثل هذا الظن وأما إنكار المصنف كابن عبد البر فلعدم ظهور هذا التأويل عندهما وهو ظاهر والله أعلم. قوله: (تَذْرِفانِ) هو بالذال المعجمة والراء المكسورة من ذرف بفتح الراء أي يجري دمعهما ويتقاطر من رقة القلب الناشئة من عظيم الرحمة منه لولده. قوله: (وأَنتَ) تبكي قيل الواو عاطفة التقدير النّاس يبكون على موتاهم وأنت تبكي أيضًا يا رسول الله فربما يتوهم من بكائك خلاف المراد. قوله: (إِنهَا رحمةٌ) أي الدمعة ناشئة عن الرحمة على ما سبق تقريره. قوله: (بأُخْرَى) أي بدمعة أخرى أو بكلمة أخرى أي أتبع الكلمة الأولى المجملة وهي قوله إنها رحمة بكلمة أخرى مفصلة هي قوله إن العين تدمع الخ. قال السيد السمهودي في فتاواه وهذا الأخير أرجح اهـ. قوله: (العينَ تدمَعُ) أي اضطرارًا ناشئًا عن قضية الجبلة البشرية أو اختياريًّا للتشريع وبيان إنه لا ينافي ذلك كمال الرضا والشهود. قوله: (القلبَ يَحْزَنُ) أي على فراق الأحباب بمقتضى الجبلة. قوله: (ولا نَقول إِلَّا مَا يُرْضي ربّنا) أي ومنه ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. قوله: (وَإنَّا بفرَاقِكَ الخ) بيّن به أن هذا لا ينافي الرضا ولا الحصر قبله لما تقرر إن الحزن أمر جبلي لا محذور فيه إنما المحذور فيما يكون معه عادة مما كان عليه الجاهلية ومن على طريقتهم. قوله: (والأحاديثُ بنحْو مَا ذكَرتُهُ الخ) أي كحديث جابر قال أخذ رسول الله ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف فانطلق إلى ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه فوضعه في حجره فبكى فقال له عبد الرحمن أتبكي وقد نهيت عن البكاء قال لا ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان وصوت عند نعمة ولولا إنه وعد حق وموعد صدق لحزنا عليه حزنًا هو أشد من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون

стр. 1250

يُعذَّب ببكاء أهله عليه، فليست على ظاهرها وإطلاقها، بل هي مُؤوَّلة. واختلف العلماء في تأويلها على أقوال أظهرها -والله أعلم- أنها محمولة على أن يكون له سبب في البكاء، إما بأن يكون أوصاهم به، أو غير ذلك، وقد جمعتُ كل ذلك أو معظَمه في "كتاب الجنائز" من "شرح المهذب"، والله أعلم. قال أصحابنا: ــ أخرجه الترمذي مختصرًا والبيهقي بتمامه وحديث أسماء بنت يزيد الأنصارية لما نزل بإبراهيم ابن رسول الله ﷺ بكاه رسول الله ﷺ فقيل له فقال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط أخرجه الطبراني سنده حسن وكذا حديث جابر وحديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ إياكم ونعيق الشيطان فإنه مهما يكن من العين والقلب فمن الرحمة ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشيطان أخرجه أبو داود والطيالسي وحديث ابن مسعود وقرظة بن كعب وثابت بن زيد ﵃ قالوا رخص لنا في البكاء على الميت من غير نياحة الحديث وفيه قصة أخرجه ابن أبي شيبة بسند قوي وأصله في النسائي اهـ. من كلام الحافظ. قوله: (يعذبُ ببكاءِ أهْلِه) قال في شرح المهذب أجمع العلماء على اختلاف مذاهبهم إن المراد بالبكاء في الأخبار البكاء بصوت أي بالمبالغة في رفعه أو نياحة لا مجرد دمع العين والله أعلم. قوله: (وقد جَمعْتُ كلَّ ذَلِكَ الخ) قال في شرح المهذب وقال طائفة هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما يعذب بهما لتفريطه بإهمال الوصية بتركهما فأما من أوصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط منه وفي شرح مسلم وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما ومن أهملها عذب بهما وقالت طائفة معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم وتلك الشمائل قبائح في الشرع فيعذب بهما كما يقولون يا مرمل النسوان ومؤتم الولدان ومفرق الإخوان وغير ذلك مما يرونه شجاعة وفخرًا وهو حرام شرعًا اهـ، وزاد في شرح مسلم عن محمد بن جرير الطبري وغيره أن معناه إنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم قال عياض هو أولى الأقوال واحتجوا بحديث فيه أن النبي ﷺ زجر امرأة عن البكاء على ابنها وقال إن أحدكم إذا مات استعبر له صويحبه

стр. 1251

ويجوز البكاء قبلَ الموت وبعدَه، ولكن قبله أولى. للحديث الصحيح: "فإذَا وَجَبَتْ فَلا تَبْكِيَنَّ باكِيَةٌ". وقد نصَّ الشافعي ﵀ والأصحاب على أنه يكره البكاء بعد الموت كراهة تنزيه ولا يحرم، وتأوَّلوا حديث "فلا تَبْكِيَنَّ باكِيَةٌ" على الكراهة. ــ فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم وقالت عائشة ﵂ معنى الحديث إن الكافر أو غيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم عليه والصحيح من هذه الأقوال ما قدمناه أي إنه محمول على من أوصى بفعله أو أهمل الإيصاء بتركه اهـ. قوله: (ويَجوزُ البكاءُ قَبلَ المَوْتِ وبعدَهُ) قال في الروض وقبله أولى قال الإسنوي ومقتضاه طلب البكاء وبه صرح القاضي ونقله في المهمات عن ابن الصباغ ونظر فيه الزركشي والظاهر إن المراد إنه أولى بالجواز لأنه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات اهـ، ولذا كان بعد الموت خلاف الأولى المجموع وقيل مكروه كما في الروضة وكلام بعضهم قد يفهم التحريم. قوله: (للحدِيثِ الصحيح) رواه الشافعي وغيره بأسانيد صحيحة كذا في شرح الروض قال الحافظ قاله ﷺ في قصة عبد الله بن ثابت لما عاده فوجده قد غلب فصاح به رسول الله ﷺ غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل جابر بن عتيك يسكتهن فقال ﷺ دعهن فإذا وجبت فلا تبكين باكية قالوا يا رسول الله وما الوجوب قال الموت وقال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وأخرجه النسائي وابن حبان في موضعين من صحيحه والحاكم اهـ، وفي طريق أخرى للحاكم عن ابن وهب عن مالك مخالفة في اسم الصحابي وسماه جبر بن عتيك بفتح الجيم وسكون الموحدة وأخرجه كذلك ابن ماجة ورجح الدارقطني قول من سمى الصحابي جبرًا. قوله: (وقَد نصَّ الشَافِعيُّ الخ) نقل المصنف في المجموع عن الجمهور إنه بعد الموت خلاف الأولى، قال السبكي وينبغي أن يقال إن كان البكاء لرقة على الميت وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال القيامة فلا يكون خلاف الأولى وإن كان للجزع وعدم التسليم للقضاء فيكره أو يحرم قال الروياني ويستثنى ما إذا غلبه البكاء فلا يدخل تحت النهي لانه مما لا يملكه البشر وينبغي أن لا يبكي بحضرة المحتضر.

стр. 1252

باب التعزية روينا في كتاب الترمذي، و"السنن الكبرى" للبيهقي، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أجْرِهِ" وإسناده ضعيف. وروينا في كتاب الترمذي أيضًا، ــ باب التعزية قوله: (رَوَيْنَا في كِتَاب الترمِذِيِّ الخ) في المشكاة رواه الترمذي وابن ماجة، وقال هذا غريب لا نعرفه مرفوعًا إلَّا من حديث علي بن عاصم الراوي، قال ورواه بعضهم عن محمد بن سوقة أي بضم المهملة وسكون الواو بعدها قاف بهذا الإسناد موقوفًا أي على ابن مسعود قال ابن حجر في شرحه ومثله لا يقال من قبل الرأي له حكم المرفوع فساوى موقوفه ومرفوعه وقال الحافظ بعد التخريج هذا حديث غريب وأخرجه البزار وقال الترمذي حديث غريب إلّا من حديث علي بن عاصم وهو أكبر ما أنكر عليه. وروى بعضهم عن محمد بن سوقة فلم يرفعه وقال البيهقي بعد تخريجه من وجه آخر عن علي بن عاصم نحو ما قال الترمذي وزاد، وقد روي عن غيره. ثم ذكر الحافظ من رواه عن ابن سوقة غير علي بن عاصم وذكر من خرج كل رواية بما فيه طول. ثم قال بعد ذكر من خرج كل طريق من المتابعين لعلي بن عاصم في محمد بن سوقة، وهؤلاء كلهم متهمون بسرقة الحديث ولم يذكر الترمذي في الباب غيره كعادته وقد روي من حديث جابر بلفظه أخرجه ابن عدي ومن حديث غيره اهـ. قوله: (مَنْ عزَّى) من التعزية وهي لغة التصبير لمن أصيب بما يعز عليه وقد يطلق على الصبر على المكروه وشرعا الحمل على الصبر بوعد الأجر والتذكير بأن الأمور جميعها مرجعها لله تعالى وإن له ما أخذ وما أعطي والتحذير من الوزر بالجزع والدعاء للميت المسلم بالمغفرة ونحو ذلك. قوله: (مُصَابًا) أي بموت وغيره أي من حمل المصاب على التصبر والتأسف بمن أصيب بمثل مصيبته فصبر فللمعزي مثل أجر المصاب لدلالته على ذلك وقد ورد الدال على خير كفاعله. قوله: (إسنَادُه ضَعيفٌ) قال السيوطي في حاشيته على سنن ابن ماجة بل أورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال تفرد به علي بن عاصم عن محمد بن سوقة وقد كذبه شعبة ويزيد بن هارون ويحيى بن معين

стр. 1253

عن أبي برزة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْدًا فِي الجَنَّةِ". قال الترمذي: ليس إسناده بالقويِّ. ــ في آخرين وقال الترمذي بعد إخراجه فقال أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم هذا الحديث نقموه عليه وقال البيهقي هذا الحديث مما أنكره النّاس على علي بن عاصم وكان أكثر كلامهم فيه بسببه ثم ذكر له متابعين قال الحافظ ابن حجر كل متابعيه أضعف منه بكثير وليس فيها رواية يمكن التعلق بها إلّا طريق إسرائيل ذكرها صاحب الكمال من طريق وكيع عنه ولم أقف بعد على إسنادها وقال الصلاح العلائي قد رواه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن وكيع عن قيس بن الربيع صدوق متكلم فيه لكن حديثه يؤيد رواية علي بن عاصم ويخرج به عن أن يكون ضعيفًا واهيًا فضلًا عن كونه موضوعًا اهـ. قوله: (عَنْ أَبِي بَرْزة الأسلمي) بفتح الهمزة من ولد أسلم بن قصي اختلف في اسمه واسم أبيه فقيل خالد بن نضلة قاله بعض ولده، وقيل عبد الله بن نضلة، وقيل عبيد بن نضلة وهو الصحيح وقيل اسم أبيه عبد الله، وقيل عايذ بتحتية فذال معجمة، وقيل عمرو وأبوه برزة صحابي جليل مشهور أسلم وشهد غزوات. منها أحد وخيبر وفتح مكة، وهو قاتل عبد الله بن خطل الذي تعلق بأستار الكعبة يوم الفتح ولم يزل يغزو مع رسول الله ﷺ حتى توفي ﷺ فتحول إلى البصرة وله بها دار، وكان يقوم جوف الليل وهو شيخ كبير فيتوضأ ولا يوقظ أحدًا من خدمه ثم يصلي* روي له عن رسول الله ﷺ فيما قيل ستة وأربعون حديث اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأربعة، وكان مع معاوية بالشام وغزا خراسان * ومات ﵁ بمرو، وقيل بالبصرة، وقيل بخراسان، وقيل بمفازة بين سجستان وهراة وقال ابن حبان الأشبه سنة أربعة وستين، وقيل ستين قبل موت معاوية قاله ابن عبد البر وآخرون، ، وقيل سنة خمس وستين ورجحه الحافظ ابن حجر. قوله: (ثكْلى) أي امرأة ثكلى. قال في النهاية الثكل فقد الولد وامرأة ثاكل وثكلى ورجل ثاكل وثكلان اهـ، ويندب تعزية المصاب كما سيأتي ولو نساء لكن لا يعزيهن إلا زوج أو ذو محرم ويحرم تعزية غيرهما

стр. 1254

وروينا في سنن أبي داود، والنسائي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ حديثًا طويلًا فيه: أن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂: "ما أخْرَجَكِ يا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِكِ؟ " قالت: أتيت أهل هذا الميت فترحَّمتُ إليهم ميِّتَهم أو عزَّيتُهم به". وروينا في سنن ابن ماجه، والبيهقي، بإسناد حسن، عن عمرو بن حزم ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أخاهُ بِمُصِيبَتِهِ إلا كَساهُ الله مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ". ــ قال بعض أئمتنا للشابة دون العجوز البرزة قال في فتح الإله والذي يدل عليه كلام الأئمة أن التعزية للمرأة أو منها إن قارنها محرم كنظر أو خلوة أو كلام يخشى منه فتنة يحرم تعزيتها سواء الشابة والعجوز وإن لم يقترن به ذلك كرهت في الشابة وأبيحت في العجوز. قوله: (وَرَوَينَا في سننِ أَبِي دَاوُدَ والنسَائِي) زاد في الخلاصة وغيرهما بإسناد ضعيف قال الحافظ بعد تخريج الحديث هذا حديث حسن أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وفي سنده ربيعة بن سيف مختلف فيه لينه البخاري، وقال النسائي لا بأس به وقال بعد تخريج حديثه ربيعة صدوق، وفي نسخة ضعيف كذا ذكر المزي في الأطراف وليس له في النسائي إلَّا هذا الحديث اهـ. تنبيه وقع في نسخ الأذكار تقديم حديث عبد الله بن عمرو الذي فيه القصة مع فاطمة على حديث عمرو بن حزم وتأخيره أنسب لمناسبة حديث عمرو بن حزم للحديثين المذكورين قبله في الباب لاشتمالهما على الترتيب في التعزية وإنما يستفاد من حديث عبد الله بن عمرو مشروعيتها للنساء والله أعلم. قوله: (عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزمٍ) بالحاء المهملة والزاي ابن زيد بن لواذان الأنصاري الخزرجي نسبه في بني غنم بن مالك بن النجار، ومنهم من ينسبه في بني مالك بن جشم بن الخزرج، ومنهم من ينسبه لغير ذلك، يكنى أبا الضحاك أول مشاهده الخندق استعمله ﷺ على أهل نجران، وهو بنو الحارث بن كعب وهو ابن سبع عشرة سنة بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا، وكتب له كتابًا فيه الفرائض والسنن والصدقات والديات. توفي بالمدينة سنة إحدى وقيل ثلاث

стр. 1255

واعلم أن التعزية هي التصبير، وذكر ما يسلِّي صاحب الميت، ويخفِّف حُزْنَه، ويهوِّن مصيبَته، وهي مستحبَّة، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي داخلة أيضًا في قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وهذا أحسن ما يستدلُّ به في التعزية. وثبت في الصحيح، أن رسول الله ﷺ قال: "وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ". واعلم أن التعزية مستحبَّة قبل الدفن وبعدَه. قال أصحابنا: يدخل وقت التعزية من حين يموت، ــ وقيل أربع وخمسين، قيل توفي في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة، والصحيح إنه توفي بعد الخمسين لأن محمد بن سيرين روى عنه إنه كلّم معاوية بكلام شديد لما أراد البيعة ليزيد روى عنه ابنه محمد، والنضر بن عبد الله السلمي كذا في أسد الغابة. قوله: (واعْلم أَن التعْزِية الخ) هذا معناها شرعًا وسبق معناها لغة في الحديث أول الباب. قوله: (وذِكْرُ مَا يُسَلى صَاحبَ المَيتِ) أي بوعد الأجر على الصبر على المصائب والتذكير بأن لله تعالى ما أعطى ولله ما أخذ والأمر كله لله وعظم كرم الله للقادم عليه ومزيد إحسانه إليه وقد رضي بقضائه وصبر نفسه على ابتلائه. قوله: (وهي مُسْتحَبةٌ) أي على سبيل التأكيد ويسن تعزية جميع أهل الميت ولو صغارًا أو نساءً بتفصيله السابق فيهن والسيد بمملوكه بل ويعزي كل من حصل له وجد بفقده بخلاف الشامت الفرح بالموت لأن المطلوب بالتعزية من التصبير الخ. منتف في حقه ويندب البداءة بأضعفهم عن حمل المصيبة وتخصيص أفضلهم بمزيد تلطف ودعاء. قوله: (عَلَى الأَمْرِ بالمعروُفِ) وهو الصبر على المصيبة والرضا بالقضاء. قوله: (والنهي عنِ المنكر) من التبرم والضجر من الأقدار والاعتراض على ذلك المقتضى لعظيم الأوزار. قوله: (وهَذًّا) أي اشتمالها على الأمر وعلى النهي عن المنكر ودخولها في التعاون على البر المأمور به بالآية الشريفة. قوله: (وثَبتَ في الصحِيح) أي من جملة حديث طويل رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة هو من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا

стр. 1256

ويبقى إلى ثلاثة أيام بعد الدفن. والثلاثة على التقريب لا على التحديد، كذا قاله الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا. قال أصحابنا: وتكره التعزية بعد ثلاثة أيام، لأن التعزية لتسكين قلب المصاب، والغالب سكونُ قلبه بعد الثلاثة، فلا يجدِّدُ له الحزنُ، هكذا قاله الجماهير من أصحابنا. وقال أبو العباس ابن القاص من أصحابنا: لا بأس بالتعزية بعد الثلاثة، بل يبقى أبدًا وإن طال الزمان، وحكى هذا أيضًا إمام الحرمين عن بعض أصحابنا، والمختار أنها لا تفعل بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين استثناهما أصحابنا أو جماعة منهم، وهما إذا كان المعزِّي أو صاحب المصيبة غائبًا حال الدفن، واتفق رجوعه بعد الثلاثة، قال أصحابنا: التعزية بعد الدفن أفضل منها قبلَه، لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه، ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، هذا إذا لم ير منهم جزعًا شديدًا، فإن رآه قدَّم التعزية ليسكِّنهم، والله تعالى أعلم. ــ والآخرة ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه الحديث. قوله: (ويَبْقى إِلى ثَلاثَةِ أَيامٍ) بعد الدفن وقيل ابتداؤها من الموت وهو ظاهر كلام الروضة وبه صرح جمع قال في شرح الروض والقول بأنه من الدفن مفرع على ابتداء التعزية منه أيضًا لا من الموت كما أفصح به الخوارزمي فقول النووي في المجموع وغيره وقتها من الموت إلى الدفن وبعدها بثلاثة أيام مراده به ما قلناه بدليل قوله بعد فذكرنا أن مذهبنا استحبابها قبل الدفن وبعده ثلاثة أيام وبه قال أحمد اهـ. لكن المتجه كما قال بعض المتأخرين ما في المجموع وغيره أنها من الدفن وإن صرح جمع بخلافه وأولوا عبارته بما تنبو عنه. قوله: (بعْدَ ثَلاثَةِ أَيامٍ) من الدفن كما علمت ما فيه. قوله: (والمخْتارُ أَنَّها لَا تُفعلُ بعْدَ الثَلاثَةِ الخ) قال المحب الطبري وارتضاه الإسنوي والظاهر ابتداؤها بعد القدوم بثلاثة أيام ويلحق بالغيبة المرض وعدم العلم كما صرح به ابن المقري في شرح الإرشاد ومثله الحبس كما بحثه الأذرعي قال ابن حجر في الامداد وينبغي أن يلحق بهذه ما يشبهها من

стр. 1257

فصل: ويستحب أن يعم بالتعزية جميعَ أهل الميت وأقاربَه الكبارَ والصغار والرجال والنساء، إلا أن تكون امرأةٌ شابة، فلا يعزِّيها إلا مِحارمُها وقال أصحابنا: وتعزية الصلحاءِ والضعفاءِ على احتمال المصيبة والصبيانِ آكد. فصل: قال الشافعي وأصحابنا ﵏: يكره الجلوس للتعزية قالوا: يعني بالجلوس أن يجتمعَ أهلُ الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، صرح به المحاملي، ونقله عن نصِّ الشافعي ﵁، وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها مُحدَث آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرَّمة كما هو الغالب منها في العادة، كان ذلك حرامًا من قبائح المحرَّمات، فإنه مُحدَث. وثبت في الحديث الصحيح: "أن كلَّ مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالةٌ". فصل: وأما لفظ التعزية، فلا حَجْر فيه، فبأيِّ لفظ عزَّاه حصلت. ــ أعذار الجماعة فتبقى في ذلك إلى زوال المانع أي ويمتد بعده لثلاث اهـ. قوله: (جَميعَ أَهل المَيِّتِ) قال الزركشي المستحب التعزية لكل من يحصل عليه وجد حتى بالزوجة والصديق وتعبيرهم بالأهل جري على الغالب. قوله: (فَلَا يعزِّيهَا إلا مَحَارِمُها) أي أو من في معناهم من زوجها وعبدها الثقة وسبق تفصيل في تعزية الأجنبي وفي التحفة لابن حجر الشابة لا يعزيها إلَّا نحو محرم أي يكره ذلك كابتدائها السلام ويحتمل الحرمة وكلامهم إليها أقرب لأن في التعزية من الوصلة وخشية الفتنة ما ليس في مجرد السلامة أما تعزيتها له فلا شك في حرمتها عليه كسلامها اهـ، والأوجه ما سبق عنه في فتح الإله من التفصيل. قوله: (يُكْرهُ الجُلوسُ لِلتَّعْزِيةِ) قالوا لأنه محدث وهو بدعة ولأنه يجدد الحزن ويكلف المعزي وما ثبت عن عائشة من إنه ﷺ لما جاء خبر قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس في المسجد يعرف في وجهه الحزن فلا نسلم أن جلوسه كان لأجل أن يأتوه النّاس فيعزوه فلم يثبت

стр. 1258

واستحب أصحابنا أن يقول في تعزية المسلم للمسلم: أعْظَمَ اللهُ أجْرَكَ، وأحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ، وفي تعزية المسلم بالكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك. وفي تعزية الكافر بالمسلم: أحسن الله عزاءَك، وغفرَ لميتك. وفي تعزية الكافر بالكافر: أخلف الله عليك. وأحسن ما يعزَّى به، ما روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أسامة بن زيد ﵄ قال: "أرسلت إحدى بناتِ النبي ﷺ إليه تدعوه وتخبرُه أنَّ صبيًّا لها أو ابنًا في الموت، فقال ــ ما يدل عليه. قوله: (وَاستحبَّ بعض أصحابنا) قال الحافظ ولم يذكر دليله من الأثر ثم أسند إلى أبي خالد الوالي بكسر اللام وتخفيف الموحدة أن النبي ﷺ عزى رجلًا فقال يرحمه الله يأجرك قال الحافظ بعد تخريجه هذا مرسل حسن الإسناد أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمرو بن الزبير أنهما كانا يقولان في التعزية أعقبك منه عقبى صالحة كما أعقب عباده الصالحين قال الحافظ وسنده حسن ثم أخرج الحافظ عن الشافعي بسنده إلى جعفر الصادق عن أبيه عن جده قال لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية فسمعوا قائلًا يقول إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفًا من كل هالك ودركًا من كل فإن فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب أخرجه البيهقي قال وروي من وجه آخر عن جابر ومن وجه آخر عن أنس وأوردها في أواخر الدلائل فأما حديث أنس فوقع لنا بعلو في المعجم الأوسط ثم ذكر الحافظ من خرج حديث جابر وما فيه من المخالفة فراجعه اهـ. قوله: (وَأَحْسنَ عَزاءَكَ) بالمد أي جعل صبرك حسنًا وإنما قدم في التعزية الدعاء للمصاب لأنه المخاطب وليوافق قوله ﷺ اللهم اغفر لحينا وميتنا فبدأ بالحي فخولف في تعزية الكافر بالمسلم تقديمًا للمسلم. قوله: (الكافر) ظاهر عبارته شمول الكافر فيها الحربي وغيره أن الحربي يعزى واختلف فيه فأطلق الجيلي وغيره إنه لا يعزى وهو قضية كلام الروضة وقال الشيخ أبو حامد لا يعزى بمعنى أنها تكره قال في شرح الروض وهو الظاهر إلّا أن يرجى إسلامه فينبغي ندبها أخذا من قول السبكي ينبغي إنه لا يندب تعزية الذمي بالذمي أو بالمسلم إلّا إذا رجي إسلامه تألفًا وفي المجموع عدم ندبها قال في المهمات وكلام جماعة منهم

стр. 1259

للرَّسولِ: ارْجعْ إلَيْها فأخْبرْها أن لِلهِ تَعالى ما أخذَ، ولَهُ ما أعْطَى، وكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بأجَلٍ مُسَمَّى، فَمُرْها فَلْتَصْبرْ وَلْتَحْتَسِبْ ... " وذكر تمام الحديث. قلت: فهذا الحديث من أعظم قواعد الإسلام، المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه والآداب والصبر على النوازل كلِّها، والهموم والأسقام وغير ذلك من الأعراض، ومعنى: "إن لله تعالى ما أخذ"، أن العالم كلَّه ملْكٌ لله تعالى، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية، ومعنى: "وله ما أعطى" أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن مِلْكه، بل هو له سبحانه يفعل فيه ما يشاء، "وكل شيء عنده بأجل مسمى" فلا تجزعوا، فإن من قبضه قد انقضى أجله المسمَّى فمحال تأخُّره أو تقدُّمه عنه، فإذا علمتم هذا ــ صاحب التنبيه كالصريح في ندبها اهـ. أي مطلقًا وعبارة هذا الكتاب قريب من ذلك فإنه قال ويعزى الكافر وهو اسم جنس يشمل الحربي وغيره والله أعلم. قوله: (أَنَّ لله مَا أخَذَ) هو مقتبس من قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٦]، وجملة وله ما أعطى تأكيد مناسب للمقام وقدم ذكر الأخذ على الإعطاء وإن كان متأخرًا في الواقع لما يقتضيه المقام والمعنى أن الله إذا أراد أن يأخذه فهو الذي أعطاه فإن أخذه أخذ ماله فلا ينبغي الجزع إذا استعيد منه وما، فيه وفيما بعده مصدرية ويحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف فعلى الأول التقدير الأخذ والإعطاء وعلى الثاني لله الذي أخذ من الأولاد ما أخذ منهم وله ما أعطى منهم أو مما هو أعم من ذلك وكل شيء أي ما أخذه وأعطاه من الأعمار والأرزاق عنده أي كائن في علمه مكتوب عند ملائكته ملتبس بأجل مسمى معين لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه فغم الجزع حينئذٍ لا فائدة له بل هو سبب لفقد الثواب وعظم المصاب والجملة ابتدائية معطوفة على الجملة قبلها ويجوز في كل النصب عطفًا على اسم أن فيستحب التأكيد أيضًا عليه. قوله: (فلْتصْبِرْ) أي بأن تحتمل مرارة فقده من غير أن يظهر عليها شيء من أنواع الجزع. قوله: (ولْتحتَسبْ) أي تدخر ثواب فقده والصبر عليه عند الله وكل من تصبر وتحتسب أمر للغائبة المؤنثة قال في فتح الإله أو الحاضرة

стр. 1260

كله، فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم، والله أعلم. وروينا في كتاب النسائي بإسناد حسن، عن معاوية بن قُرَّة بن إياس، عن أبيه ﵁. "أن النبي ﷺ فَقَدَ بعض أصحابه، فسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله! بُنَيُّهُ الذي رأيتَه هلك، فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بُنَيِّهِ، فأخبره أنه هلكَ فعزَّاه عليه ثم قال: "يا فُلانُ! أيُّما كانَ أحَبُّ إلَيكَ؟ أنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ أوْ لَا تأتِي غَدًا بابًا مِنْ ــ نظير فبذلك فليفرحوا وعلى هذا فالمبلغ هذا اللفظ بعينه وعلى الأول المبلغ معناه ويؤخذ من الخبر ندب أمر ذي المصيبة بالصبر قبل وقوعها ليخف قلقه عند وقوعها اهـ، ولم يظهر قوله أو الحاضرة إذ لو كان للمؤنثة الحاضرة لتعين الإتيان بياء المخاطبة والله تعالى أعلم. قوله: (وَرَوَينَا في كِتَاب النَّسَائي الخ) ولفظه كان يختلف إليه رجل من الأنصار ومعه ابن له فقال له ﷺ ذات يوم أتحبه يا فلان قال نعم فأحبك الله كما أحبه قال ففقده النبي ﷺ فسأل عنه فقالوا يا رسول الله مات ابنه فقال له رسول الله ﷺ أما ترضى أن لا تأتي يوم القيامة بابًا من أبواب الجنة إلا جاء يسعى حتى يفتحه لك فقال رجل يا رسول الله أله وحده أو لكلنا قال بل لكلكم قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه أحمد عن يزيد بن هارون ووكيع فرقهما عن شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه وأخرجه النسائي عن عمرو بن علي الغلاس عن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة وهؤلاء متفق على التخريج لهم في الصحيحين وكذا معاوية بن قرة لم يبق إلَّا الصحابي فعجب من اقتصار الشيخ على تحسين سنده وقد صححه ابن حبان والحاكم وأخرجه ابن حبان من رواية وكيع والحاكم من رواية آدم ابن أبي إياس عن شعبة وله شاهد عند أحمد من رواية حسان بن كريب عن حوشب صاحب رسول الله ﷺ فذكر نحوه وفيه أن الصبي كان كمأدب وفيه إنه فقده ستة أيام وفي آخره أتحب أن يكون كهلًا كأفضل الكهول أو يقال أدخل الجنة جزاء بما أخذ منك وشاهد آخر عند الطبراني من حديث ابن عمرو زاد فيه بعد قوله أحبك الله كما أحبه فقال إن الله أشد حبًّا لي منك وفي آخره أترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش قال بلى اهـ. قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي قرة بضم القاف وتشديد الراء وهو ابن إياس المزني جد إياس بن معاوية بن قرة قاضي البصرة

стр. 1261

أبْوَاب الجَنَّةِ إلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ؟ " قال: يا نبيَّ اللهِ، بل يسبقني إلى ــ الموصوف بالذكاء وكان قرة يسكن البصرة روى شعبة عن أبي إياس معاوية بن قرة قال جاء أبي إلى رسول الله ﷺ وهو غلام صغير فمسح رأسه واستغفر له قال شعبة فقلت أله صحبة قال لا ولكنه كان على عهد رسول الله ﷺ وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال أتيت رسول لله ﷺ فقلت يا رسول الله أرني الخاتم قال أدخل يدك قال فأدخلت يدي في جربانه فجعلت ألمس انظر إلى الخاتم فإذا هو على نغض كقفه مثل البيضة فما منعه ذلك أن يدعو إليّ وإن يدي لفي جربانه قال أبو عمر قرة هذا قتلته الأزارقة وذلك أن عبد الرحمن بن عنبس وهو ابن عبد الله بن عامر بن كريز وكان في عسكر قرة بن إياس المزني وابنه معاوية فقتل قرة ذلك اليوم وقتل معاوية قاتل أبيه كذا في أسد الغابة لابن الأثير وفي النهاية حديث قرة المزني قال أتيت النبي ﷺ فأدخلت يدي في جربانه الجربان بالضم أي للجيم والراء وتشديد الموحدة جيب القميص والألف والنون زائدتان اهـ. قوله: (إلا وجدتَه قدْ سبَقَكَ إِليهِ) قال القرطبي في التذكرة في هذا الخبر دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم بسببهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم قال أبو عمر بن عبد البر هذا إجماع في إن أطفال المسلمين في الجنة ولم يخالف في ذلك إلا فرقة شذت فجعلهم في المشيئة وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة الذين لا يجوز مخالفتهم ولا يجوز على مثلهم الغلط والله أعلم. وأما حديث الشقي من شقي في بطن أمه فمخصوص بغير أطفال المسلمين أو من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد في بطن أمه ولم يشق بدليل الأحاديث والإجماع وأما حديث خلق الله الجنة وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم وكذلك النار فهو ساقط مردود بالإجماع ورواية طلحة بن يحيى ضعيف اهـ. قلت وفي تضعيف الخبر مع كونه في صحيح مسلم وغيره نظر من أن الخبر لا ينافي ما ذكر لما تقرر آنفًا من إمكان حمل من مات من أطفال المسلمين على من خلق للجنة وهم في أصلاب الآباء والله أعلم. قوله: (يَفْتحُهُ لكَ) أي لتدخل به أو معه وأنت في غاية من السرور بولدك فوق السرور بذلك الفوز بالنعيم المقيم قال الحافظ. قوله: (روى البيهقيُّ في منَاقِب

стр. 1262

الجنة فيفتَحُها لي أحبُّ إليَّ، قال: "فَذلِك لَكَ". وروى البيهقي بإسناده في "مناقب الشافعي" رحمهما الله، أن الشافعي بلغه أن عبد الرحمن بن مهدي ﵀ مات له ابن فجزع عليه عبدُ الرحمن جزعًا شديدًا، فبعث إليه الشافعي ﵀: يا أخي عزِّ نفسك بما تعزّي به غيرك، واستقبح من فِعْلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن أمضَّ المصائب فَقْدُ سرورٍ، وحرمان أجرٍ، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزْر؟ فتناول حظَّك يا أخي إذا قَرُبَ منك قبل أن تطلبَه وقد نأى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبرًا، وأحرزَ لنا ولك بالصبر أجرًا، وكتب إليه: إنِّي مُعَزِّيكَ لا أني على ثِقَةٍ ... مِنَ الخُلُودِ وَلكِنْ سُنَّةُ الدِّينِ ــ الشَّافعيِّ الخ) هو كما قال وقد ذكر الشيخ بعد آثارًا عن بعض الصحابة وعن التابعين بغير سند ولا نسبة لمخرج وبعضها في كتاب التعازي للمدائني بغير سند وبعضها في كتاب العزاء لأبي بكر بن أبي الدنيا بأسانيده فلم أر الإطالة بسوقها. قوله: (ابْن مَهْدِيّ) على وزن مرمى. قوله: (فَجَزِعَ لَهُ جَزَعًا شدِيدًا) قال البيهقي في مناقب الشافعي حتى امتنع من الطعام والشراب فبلغ ذلك الشافعي فكتب الخ. قوله: (عَزِّ نفسكَ) أي صبرها على مضي المصائب بما يصبر به غيرك من التأمل فيما جاء من الأحاديث بوعد الثواب وحسن المآب لمن صبر على مصيبته واحتسب مولاه في بليته. قوله: (واستقْبحْ الخ) أي فإن غيرك يستقبح ما صدر منك من القبيح وإن كان ربما يحسن القبيح ما قام بالإنسان من الميل لذلك الشيء والعنية به. قوله: (أمَضِّ) بفتح الميم وبالضاد المعجمة المشددة أي أوجع المصائب وآلمها. قوله: (وحرمانُ أَجرٍ) الواو على بابها بدليل إنه جاء في رواية أخرى عنه في محلها مع وبدليل قوله بعد فكيف إذا اجتمعا مع وزر أي فتجتمع عليه ثلاث مصيبات فقد السرور وحرمان الأجور واكتساب الوزر الناشئ عن فعل ما نهى عنه مما يدل على الجزع والتبرم من القدر. قوله: (فَتنَاوَلْ حظَّك) أي خذ حظك من الأجر بعظيم الصبر وحفظ اللسان والجنان عما لا يرضى المولى سبحانه. قوله: (وقد نَأَى عنكَ) لكونك كدرته بما فعلت بما يدل على الجزع المانع من الثواب الموجب لعظم المصاب. قوله: (وأَحرزَ) وفي نسخة وأجزل. قوله:

стр. 1263

فَمَا المُعزِّي بِبَاقٍ بَعْدَ مَيِّتِهِ ... وَلا المُعَزَّي وَلَوْ عَاشَا إلى حِينِ وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزِّيه بابنه: أما بعد: فإن الولد على والده ما عاش حُزْن وفِتنةٌ، فإذا قدَّمه فصلاةٌ ورحمةٌ، فلا تجزع على ما فاتك من حُزْنه وفِتنته، ولا تُضيِّعْ ما عوَّضك الله من صلاته ورحمته. وقال موسى بن المهدي لإبراهيم بن سالم وعزَّاه بابنه: أسَرَّك وهو بليَّةٌ وفتنةٌ، وأحزنك وهو صلواتٌ ورحمة؟ ! . وعزَّى رجل رجلًا فقال: عليك بتقوى الله والصبر، فبه يأخذ المحتسب، وإليه يرجع الجازع. وعزَّى رجل رجلًا فقال: إنَّ من كان لك في الآخرة أجرًا، خير ممن كان لك في الدنيا سرورًا. وعن عبد الله بن عمر ﵄، أنه دفن ابنًا له وضحك عند قبره، فقيل له: ــ (ثِقَةٍ) بكسر المثلثة مصدر حذف فاؤه كعده أي لست على وثوق الخلود وفي نسخة على طمع والخلود المكث الطويل وذلك إن الإنسان خفي عليه وقت وفاته وزمن انصرام حياته. قوله: (حزْنٌ) أي إن كان له عاقًا وفي الأمور شاقًّا. قوله: (وفِتْنَةٌ) أي إن كان بضد ذلك فإنه ربما يفتتن بمحبته بمقتضى الطبع البشري ويتقاعد بها عن نيل على المقام من الطاعات السنية والمقامات العلية قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، أي فلا يفتتن المرء بهما فيؤثر محبتهما على ما عند الله تعالى فيجمع المال ويؤثر حب الدنيا على طاعة الله فإن الله عنده أجر عظيم. قوله: (فإِذَا قدَّمَهُ) بتشديد الدال أي إذا مات قبله واحتسب أجر مصيبته فيه عند ربه فهو له صلاة ورحمة قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. قوله: (ولا تضيِّعْ) مضارع من التضييع أي لا تتسبب في ضياع ما عوضك الله به عند الصلوات والرحمة بأن تفعل ما يمنع الأجر ويجلب الوزر. قوله: (والصَّبرِ فيهِ) أي في فقد المصاب به المفهوم من المقام. قوله: (يأخذُ المحتسِبُ) بالرفع فاعل يأخذ وحذف مفعوله للتعميم أي يأخذ المحتسب من جزيل الصلاة ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. قوله: (وإِليهِ) أي إلى الصبر يرجع الجازع لطول المدة وهون الشدة فتسلوا كما يسلوا البهائم ويذهب

стр. 1264

أتضحك عند القبر؟ قال: أردتُ أن أُرغِمَ أنف الشيطان. وعن ابن جريج ﵀ قال: من لم يتعزَّ عند مصيبته بالأجر والاحتساب، سلا كما تسلو البهائم. وعن حميد الأعرج قال: رأيت سعيد بن جبير ﵀ يقول في ابنه ونظر إليه: إني لأعلم خير خَلَّة فيك، قيل: ما هي؟ قال: يموت فأحتسبه. وعن الحسن البصري ﵀، أن رجلًا جزع على ولده، وشكا ذلك إليه، فقال الحسن: كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم كانت غيبتُه أكثر من حضوره، قال: فاتركه غائبًا، فإنه لم يغب عنك، غيبةُ الأجر لك فيها أعظم من هذه، فقال: يا أبا سعيد! هوَّنت عني وجْدي على ابني. وعن ميمون بن مهران، قال: عزَّى ــ سروره وينعدم على تلك المصيبة لجزعه أجوره. قوله: (أْنْ أُرغِمَ أَنفَ الشَّيْطَانِ) بضم الهمزة مضارع أرغم يقال أرغم الله أنفه أي ألصقه بالتراب فهو كناية عن التحقير والاستقذار. قوله: (ابْنِ جُرَيجٍ) بجيم مضمومة بعدها راء مفتوحة ثم مثناة ساكنة ثم جيم. قوله: (مَنْ لمْ يَتعَزَّ عِنْدَ مُصِيبتِهِ بالأجرِ) أي من لم يتكلف من الصبر ومشقته عند نزول مصيبته ووجود صدقها بتذكر الأجر الذي وعد الله به من صبر واسترجع ووعده لا يخلف. قوله: (سلا كَما تسلُوا البهائِم) أي نسي المصيبة وذهب عنه ألمها لتطاول الأزمان وتعاقب الليالي والأيام فيصير في ذلك كسلو البهائم التي ليس لها على مصائبها أجر والله أعلم، وقد عزى كلام ابن جريج هذا لعلي ﵁ وعقده من قال: وقال علي في التعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك الملائم أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلوا سلو البهائم قوله: (أَنَّ رجلًا جزع عَلَى ولدِهِ) أي لموته وعظم ألم فقده. قوله: (وشكَا ذلكَ) أي إلى أبي الحسن. قوله: (كَانَ ابنُك الخ) أي كان كما في نسخة. قوله: (فاتْرُكهُ غائبًا) أي فقدر إنه كان غائبًا متروكًا في غيبته لم يؤب من سفره فكما كنت صابرًا على فراقه في السفر فاصبر على فراق مماته وإن هذا الفراق أعظم ثوابًا لك وأجرًا. قوله: (وجْدِي) هو بفتح الواو وإسكان الجيم أي محبتي أو حزني فهو مشترك بين مصدري وجد على وزن فعل بمعنى أحب ومصدر فعل بالكسر معنى حزن كما في القاموس وغيره. قوله: (مَيمُونَ بنِ مهرَانَ)

стр. 1265

رجل عمر بن عبد العزيز ﵁ على ابنه عبد الملك ﵁، فقال عمر: الأمر الذي نزل بعبد الملك أمر كنا نعرفه، فلما وقع لم ننكره. وعن بشر بن عبد الله قال: قام عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك فقال: رحمك الله يا بني فقد كنت سارًّا مولودًا، وبارًّا ناشئًا، وما أُحِبُّ أني دعوتك فأجبتني. وعن مسلمة قال: لما مات عبد الملك بن عمر كشف أبوه عن وجهه وقال: رحمك الله يا بنيَّ، فقد سُرِرتُ بك يوم بُشِّرتُ بك، ولقد عُمِّرتُ مسرورًا بك، وما أتت عليَّ ساعة أنا فيها أسرُّ من ساعتي هذه، أما والله إن كنت لتدعو أباك إلى الجنة. قال أبو الحسن المدائني: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في وجعه فقال: يا بنيَّ كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحقِّ، قال يا بنيَّ لأن تكون في ميزاني أحبُّ إليَّ من أن أكونَ في ميزانك، فقال: ــ ميمون بوزن مفعول بين ميمية تحتية ساكنة وآخره نون ومهران بكسر الميم وإسكان الهاء بعدها راء آخره نون. قوله: (بشرِ بنِ عبد الله) ضبطه الطاهر الأهدل بحاشية أصله إنه بالسين المهملة وهو الحلواني قال ووقع في بعض النسخ بالمعجمة يا بني بفتح الياء أو كسرها أو سكونها وسبق بيان وجوهها في باب ما يقول إذا دخل بيته. قوله: (فقَد سُررتُ بكَ) بالبناء للمفعول أي بمقتضى الطبع البشري أو الباعث الإيماني لما فيه من تكثير سواد الأمة المحمدية المباهي بكثرتها يوم القيامة سيد البرية ﷺ . قوله: (أَمَا والله الخ) أما فيه للاستفتاح والقسم لتأكيد ما سبقه من كونه في تلك الساعة أسر به منه في سائر الساعات لكونه يدعوه للجنة كما ورد في من مات له فرط إنه لا يأتي بابًا من الجنة إلَّا وجده قد سبقه إليه فإن في قوله إن كنت بفتح الهمزة كما هو مضبوط في نسخة صحيحة فهي مصدرية ولام العلة محذوف ويحتمل أن تكون بكسر الهمزة وتكون إن بمعنى إذ أو تكون شرطية حذف جوابها لسبق ما يدل عليه وعليه فإما أن يقال إنها وضعت موضع إذا الموضوعة للتحقيق وإما أن يقال إن تحقيق هذا المقام موقوف على الصبر على جريان الأقدار والرضا بالقضاء وذلك قل لا يحصل فيفوته هذا المقام فحسن الإتيان بما لا يدل على الجزم والله أعلم. قوله: (في الحَقّ) أي الموت
следующие страницы →