← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

أبْوَاب الجَنَّةِ إلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ؟ " قال: يا نبيَّ اللهِ، بل يسبقني إلى ــ الموصوف بالذكاء وكان قرة يسكن البصرة روى شعبة عن أبي إياس معاوية بن قرة قال جاء أبي إلى رسول الله ﷺ وهو غلام صغير فمسح رأسه واستغفر له قال شعبة فقلت أله صحبة قال لا ولكنه كان على عهد رسول الله ﷺ وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال أتيت رسول لله ﷺ فقلت يا رسول الله أرني الخاتم قال أدخل يدك قال فأدخلت يدي في جربانه فجعلت ألمس انظر إلى الخاتم فإذا هو على نغض كقفه مثل البيضة فما منعه ذلك أن يدعو إليّ وإن يدي لفي جربانه قال أبو عمر قرة هذا قتلته الأزارقة وذلك أن عبد الرحمن بن عنبس وهو ابن عبد الله بن عامر بن كريز وكان في عسكر قرة بن إياس المزني وابنه معاوية فقتل قرة ذلك اليوم وقتل معاوية قاتل أبيه كذا في أسد الغابة لابن الأثير وفي النهاية حديث قرة المزني قال أتيت النبي ﷺ فأدخلت يدي في جربانه الجربان بالضم أي للجيم والراء وتشديد الموحدة جيب القميص والألف والنون زائدتان اهـ. قوله: (إلا وجدتَه قدْ سبَقَكَ إِليهِ) قال القرطبي في التذكرة في هذا الخبر دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم بسببهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم قال أبو عمر بن عبد البر هذا إجماع في إن أطفال المسلمين في الجنة ولم يخالف في ذلك إلا فرقة شذت فجعلهم في المشيئة وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة الذين لا يجوز مخالفتهم ولا يجوز على مثلهم الغلط والله أعلم. وأما حديث الشقي من شقي في بطن أمه فمخصوص بغير أطفال المسلمين أو من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد في بطن أمه ولم يشق بدليل الأحاديث والإجماع وأما حديث خلق الله الجنة وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم وكذلك النار فهو ساقط مردود بالإجماع ورواية طلحة بن يحيى ضعيف اهـ. قلت وفي تضعيف الخبر مع كونه في صحيح مسلم وغيره نظر من أن الخبر لا ينافي ما ذكر لما تقرر آنفًا من إمكان حمل من مات من أطفال المسلمين على من خلق للجنة وهم في أصلاب الآباء والله أعلم. قوله: (يَفْتحُهُ لكَ) أي لتدخل به أو معه وأنت في غاية من السرور بولدك فوق السرور بذلك الفوز بالنعيم المقيم قال الحافظ. قوله: (روى البيهقيُّ في منَاقِب

стр. 1262

الجنة فيفتَحُها لي أحبُّ إليَّ، قال: "فَذلِك لَكَ". وروى البيهقي بإسناده في "مناقب الشافعي" رحمهما الله، أن الشافعي بلغه أن عبد الرحمن بن مهدي ﵀ مات له ابن فجزع عليه عبدُ الرحمن جزعًا شديدًا، فبعث إليه الشافعي ﵀: يا أخي عزِّ نفسك بما تعزّي به غيرك، واستقبح من فِعْلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن أمضَّ المصائب فَقْدُ سرورٍ، وحرمان أجرٍ، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزْر؟ فتناول حظَّك يا أخي إذا قَرُبَ منك قبل أن تطلبَه وقد نأى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبرًا، وأحرزَ لنا ولك بالصبر أجرًا، وكتب إليه: إنِّي مُعَزِّيكَ لا أني على ثِقَةٍ ... مِنَ الخُلُودِ وَلكِنْ سُنَّةُ الدِّينِ ــ الشَّافعيِّ الخ) هو كما قال وقد ذكر الشيخ بعد آثارًا عن بعض الصحابة وعن التابعين بغير سند ولا نسبة لمخرج وبعضها في كتاب التعازي للمدائني بغير سند وبعضها في كتاب العزاء لأبي بكر بن أبي الدنيا بأسانيده فلم أر الإطالة بسوقها. قوله: (ابْن مَهْدِيّ) على وزن مرمى. قوله: (فَجَزِعَ لَهُ جَزَعًا شدِيدًا) قال البيهقي في مناقب الشافعي حتى امتنع من الطعام والشراب فبلغ ذلك الشافعي فكتب الخ. قوله: (عَزِّ نفسكَ) أي صبرها على مضي المصائب بما يصبر به غيرك من التأمل فيما جاء من الأحاديث بوعد الثواب وحسن المآب لمن صبر على مصيبته واحتسب مولاه في بليته. قوله: (واستقْبحْ الخ) أي فإن غيرك يستقبح ما صدر منك من القبيح وإن كان ربما يحسن القبيح ما قام بالإنسان من الميل لذلك الشيء والعنية به. قوله: (أمَضِّ) بفتح الميم وبالضاد المعجمة المشددة أي أوجع المصائب وآلمها. قوله: (وحرمانُ أَجرٍ) الواو على بابها بدليل إنه جاء في رواية أخرى عنه في محلها مع وبدليل قوله بعد فكيف إذا اجتمعا مع وزر أي فتجتمع عليه ثلاث مصيبات فقد السرور وحرمان الأجور واكتساب الوزر الناشئ عن فعل ما نهى عنه مما يدل على الجزع والتبرم من القدر. قوله: (فَتنَاوَلْ حظَّك) أي خذ حظك من الأجر بعظيم الصبر وحفظ اللسان والجنان عما لا يرضى المولى سبحانه. قوله: (وقد نَأَى عنكَ) لكونك كدرته بما فعلت بما يدل على الجزع المانع من الثواب الموجب لعظم المصاب. قوله: (وأَحرزَ) وفي نسخة وأجزل. قوله:

стр. 1263

فَمَا المُعزِّي بِبَاقٍ بَعْدَ مَيِّتِهِ ... وَلا المُعَزَّي وَلَوْ عَاشَا إلى حِينِ وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزِّيه بابنه: أما بعد: فإن الولد على والده ما عاش حُزْن وفِتنةٌ، فإذا قدَّمه فصلاةٌ ورحمةٌ، فلا تجزع على ما فاتك من حُزْنه وفِتنته، ولا تُضيِّعْ ما عوَّضك الله من صلاته ورحمته. وقال موسى بن المهدي لإبراهيم بن سالم وعزَّاه بابنه: أسَرَّك وهو بليَّةٌ وفتنةٌ، وأحزنك وهو صلواتٌ ورحمة؟ ! . وعزَّى رجل رجلًا فقال: عليك بتقوى الله والصبر، فبه يأخذ المحتسب، وإليه يرجع الجازع. وعزَّى رجل رجلًا فقال: إنَّ من كان لك في الآخرة أجرًا، خير ممن كان لك في الدنيا سرورًا. وعن عبد الله بن عمر ﵄، أنه دفن ابنًا له وضحك عند قبره، فقيل له: ــ (ثِقَةٍ) بكسر المثلثة مصدر حذف فاؤه كعده أي لست على وثوق الخلود وفي نسخة على طمع والخلود المكث الطويل وذلك إن الإنسان خفي عليه وقت وفاته وزمن انصرام حياته. قوله: (حزْنٌ) أي إن كان له عاقًا وفي الأمور شاقًّا. قوله: (وفِتْنَةٌ) أي إن كان بضد ذلك فإنه ربما يفتتن بمحبته بمقتضى الطبع البشري ويتقاعد بها عن نيل على المقام من الطاعات السنية والمقامات العلية قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، أي فلا يفتتن المرء بهما فيؤثر محبتهما على ما عند الله تعالى فيجمع المال ويؤثر حب الدنيا على طاعة الله فإن الله عنده أجر عظيم. قوله: (فإِذَا قدَّمَهُ) بتشديد الدال أي إذا مات قبله واحتسب أجر مصيبته فيه عند ربه فهو له صلاة ورحمة قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. قوله: (ولا تضيِّعْ) مضارع من التضييع أي لا تتسبب في ضياع ما عوضك الله به عند الصلوات والرحمة بأن تفعل ما يمنع الأجر ويجلب الوزر. قوله: (والصَّبرِ فيهِ) أي في فقد المصاب به المفهوم من المقام. قوله: (يأخذُ المحتسِبُ) بالرفع فاعل يأخذ وحذف مفعوله للتعميم أي يأخذ المحتسب من جزيل الصلاة ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. قوله: (وإِليهِ) أي إلى الصبر يرجع الجازع لطول المدة وهون الشدة فتسلوا كما يسلوا البهائم ويذهب

стр. 1264

أتضحك عند القبر؟ قال: أردتُ أن أُرغِمَ أنف الشيطان. وعن ابن جريج ﵀ قال: من لم يتعزَّ عند مصيبته بالأجر والاحتساب، سلا كما تسلو البهائم. وعن حميد الأعرج قال: رأيت سعيد بن جبير ﵀ يقول في ابنه ونظر إليه: إني لأعلم خير خَلَّة فيك، قيل: ما هي؟ قال: يموت فأحتسبه. وعن الحسن البصري ﵀، أن رجلًا جزع على ولده، وشكا ذلك إليه، فقال الحسن: كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم كانت غيبتُه أكثر من حضوره، قال: فاتركه غائبًا، فإنه لم يغب عنك، غيبةُ الأجر لك فيها أعظم من هذه، فقال: يا أبا سعيد! هوَّنت عني وجْدي على ابني. وعن ميمون بن مهران، قال: عزَّى ــ سروره وينعدم على تلك المصيبة لجزعه أجوره. قوله: (أْنْ أُرغِمَ أَنفَ الشَّيْطَانِ) بضم الهمزة مضارع أرغم يقال أرغم الله أنفه أي ألصقه بالتراب فهو كناية عن التحقير والاستقذار. قوله: (ابْنِ جُرَيجٍ) بجيم مضمومة بعدها راء مفتوحة ثم مثناة ساكنة ثم جيم. قوله: (مَنْ لمْ يَتعَزَّ عِنْدَ مُصِيبتِهِ بالأجرِ) أي من لم يتكلف من الصبر ومشقته عند نزول مصيبته ووجود صدقها بتذكر الأجر الذي وعد الله به من صبر واسترجع ووعده لا يخلف. قوله: (سلا كَما تسلُوا البهائِم) أي نسي المصيبة وذهب عنه ألمها لتطاول الأزمان وتعاقب الليالي والأيام فيصير في ذلك كسلو البهائم التي ليس لها على مصائبها أجر والله أعلم، وقد عزى كلام ابن جريج هذا لعلي ﵁ وعقده من قال: وقال علي في التعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك الملائم أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلوا سلو البهائم قوله: (أَنَّ رجلًا جزع عَلَى ولدِهِ) أي لموته وعظم ألم فقده. قوله: (وشكَا ذلكَ) أي إلى أبي الحسن. قوله: (كَانَ ابنُك الخ) أي كان كما في نسخة. قوله: (فاتْرُكهُ غائبًا) أي فقدر إنه كان غائبًا متروكًا في غيبته لم يؤب من سفره فكما كنت صابرًا على فراقه في السفر فاصبر على فراق مماته وإن هذا الفراق أعظم ثوابًا لك وأجرًا. قوله: (وجْدِي) هو بفتح الواو وإسكان الجيم أي محبتي أو حزني فهو مشترك بين مصدري وجد على وزن فعل بمعنى أحب ومصدر فعل بالكسر معنى حزن كما في القاموس وغيره. قوله: (مَيمُونَ بنِ مهرَانَ)

стр. 1265

رجل عمر بن عبد العزيز ﵁ على ابنه عبد الملك ﵁، فقال عمر: الأمر الذي نزل بعبد الملك أمر كنا نعرفه، فلما وقع لم ننكره. وعن بشر بن عبد الله قال: قام عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك فقال: رحمك الله يا بني فقد كنت سارًّا مولودًا، وبارًّا ناشئًا، وما أُحِبُّ أني دعوتك فأجبتني. وعن مسلمة قال: لما مات عبد الملك بن عمر كشف أبوه عن وجهه وقال: رحمك الله يا بنيَّ، فقد سُرِرتُ بك يوم بُشِّرتُ بك، ولقد عُمِّرتُ مسرورًا بك، وما أتت عليَّ ساعة أنا فيها أسرُّ من ساعتي هذه، أما والله إن كنت لتدعو أباك إلى الجنة. قال أبو الحسن المدائني: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في وجعه فقال: يا بنيَّ كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحقِّ، قال يا بنيَّ لأن تكون في ميزاني أحبُّ إليَّ من أن أكونَ في ميزانك، فقال: ــ ميمون بوزن مفعول بين ميمية تحتية ساكنة وآخره نون ومهران بكسر الميم وإسكان الهاء بعدها راء آخره نون. قوله: (بشرِ بنِ عبد الله) ضبطه الطاهر الأهدل بحاشية أصله إنه بالسين المهملة وهو الحلواني قال ووقع في بعض النسخ بالمعجمة يا بني بفتح الياء أو كسرها أو سكونها وسبق بيان وجوهها في باب ما يقول إذا دخل بيته. قوله: (فقَد سُررتُ بكَ) بالبناء للمفعول أي بمقتضى الطبع البشري أو الباعث الإيماني لما فيه من تكثير سواد الأمة المحمدية المباهي بكثرتها يوم القيامة سيد البرية ﷺ . قوله: (أَمَا والله الخ) أما فيه للاستفتاح والقسم لتأكيد ما سبقه من كونه في تلك الساعة أسر به منه في سائر الساعات لكونه يدعوه للجنة كما ورد في من مات له فرط إنه لا يأتي بابًا من الجنة إلَّا وجده قد سبقه إليه فإن في قوله إن كنت بفتح الهمزة كما هو مضبوط في نسخة صحيحة فهي مصدرية ولام العلة محذوف ويحتمل أن تكون بكسر الهمزة وتكون إن بمعنى إذ أو تكون شرطية حذف جوابها لسبق ما يدل عليه وعليه فإما أن يقال إنها وضعت موضع إذا الموضوعة للتحقيق وإما أن يقال إن تحقيق هذا المقام موقوف على الصبر على جريان الأقدار والرضا بالقضاء وذلك قل لا يحصل فيفوته هذا المقام فحسن الإتيان بما لا يدل على الجزم والله أعلم. قوله: (في الحَقّ) أي الموت

стр. 1266

يا أبت لأن يكون ما تحبُّ أحبُّ إليَّ من أن يكون ما أُحب. وعن جويرية ابن أسماء عن عمه أن إخوة ثلاثة شهدوا يوم تُسْتُرَ فاستُشهدوا، فخرجتْ أمُّهم يومًا إلى السوق لبعض شأنها، فتلقاها رجلٌ حضر تُسْتُرَ، فعرفتْه، فسألته عن أمور بَنِيها، فقال: استُشهدوا، فقالت: مقبلين، أو مدبرين، قال: مقبلين، قالت: الحمد لله، نالوا الفوزَ، وحاطوا الذِّمار، بنفسي هم وأبي وأمي. قلت: الذِّمار بكسر الذال المعجمة، وهم أهل الرجال وغيرهم مما يحق عليه أن يحميَه، وقولها: حاطوا: أي: حفظوا وَرَعَوا. ومات ابن الإمام الشافعي ﵁ فأنشد: وما الدَّهرُ إلَّا هكذا فاصْطَبِر لهُ ... رَزِيَّةُ مالٍ أو فِرَاق حَبِيبِ قال أبو الحسن المدائني: مات الحسن والد عبيد الله بن الحسن، وعبيدُ الله يومئذ قاضي البصرة وأميرُها، فكثر من يعزِّيه، فذكروا ما يتبين به جزع ــ والحق يطلق على كل ثابت سواء كان عينًا كالجنة حق أو لا كالموت حق. قوله: (يا أَبتِ) الياء فيه عوض عن ياء المتكلم فيجوز فيه وفي أمت في النداء فتح الياء وكسرها والكسر أكثر في كلامهم لكن الفتح أقيس وسمع ضمها تشبيهًا بنحو ثبة وهبه وهو شاذ ولا يجمع بين ياء المتكلم والألف والتاء إلَّا في الضرورة فيقال يا أبتي أو الألف يا أبتا. قوله: (جُوَيْرِيَة) وهو على وزن تصغير جارية وهو ابن أسماء بن عبيد الضبعي توفي سنة ثلاث وسبعين كذا في التقريب للحافظ ابن حجر. قوله: (تُستَرَ) هو بضم التاء الأولى وفتح الثانية بينهما سين مهملة وقد تعجم آخره راء مهملة. قوله: (نالُوا الفوزَ) أي الموعود به في القرآن بقوله ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣].قوله: (رَزِيَّة مالٍ) الرزية بفتح الراء كسر الزاي بعدها تحتية بوزن فعيلة من الرزء وهو المصيبة بفقد ما يعز على الإنسان مأخوذ من الرزء وأصله النقص وبعد هذا البيت في نسخة بيت آخر هو قوله: وقد فارق النّاس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب قوله وأعيا في تلميح إلى الحديث المرفوع تداووا فإن الله تعالى لم يضع داء إلَّا وضع

стр. 1267

الرجل من صبره، فأجمعوا على أنه إذا ترك شيئًا كان يصنعه فقد جزع. قلت: والآثار في هذا الباب كثيرة، وإنما ذكرتُ هذه الأحرف لئلا يخلوَ هذا الكتاب من الإشارة إلى طرف من ذلك، والله أعلم. فصل في الإشارة إلى بعض ما جرى من الطواعين في الإسلام: والمقصود بذِكْره هنا التصبُّر والتَّأسِّي بغيره، وأن مصيبة الإنسان قليلة بالنسبة إلى ما جرى على غيره. قال أبو الحسن المدائني: "كانت الطواعين المشهورة العظام ــ له دواء إلَّا السام يعني الموت قوله: (إِذَا تَرَكَ شيئًا الخ) بني ترك للفاعل إعلامًا بأن علامة الجزع إنما هو ترك شيء من عوائده على سبيل الاختيار أما إذا غلب عليه ولم يتمكن من فعل ذلك فلا يؤاخذ به لعدم تكليفه. فائدة قال الحافظ من ألفاظ التعزية ما ورد أن معاذ بن جبل مات ابن له فكتب إليه رسول الله ﷺ يعزيه من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليك فإني أحمد إليك الله لا إله إلَّا هو أما بعد فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأهلنا وأولادنا من مواهب الله الهنية وعواريه المستودعة وإن ابنك متعك الله به في غبطة وسرور وقبضه منك إلى أجر كثير الصلاة والرحمة والهدى إذا احتسبت فاصبر ولا يحبط أجرك جزعك فتندم واعلم أن الجزع لا يرد ميتًا ولا يدفع حزنًا وما يأتيك فكأن قد والسلام قال سليمان بن أحمد في رواية خليل لا يروى عن معاذ إلَّا بهذا الإسناد كذا قال وأخرجه الحاكم في المستدرك في ترجمة معاذ بن جبل وقال حسن غريب ومجاشع بن عمر وليس من شرط هذا الكتاب قال الحافظ قلت ذكره العقيلي في الضعفاء وجاء عن يحيى بن معين عدة أحاديث استنكرها وأخرج الحافظ القصة من وجه آخر بنحو ذلك وقال بعد تخريجه أخرجه أبو نعيم في ترجمة معاذ من الحلية وتكلم في محمد بن سعيد الشامي المشهور بالمصلوب بأنه قتل على الزندقة وصلب وقد أخرج له ابن ماجة والترمذي لكن صرح جماعة من الأئمة بتكذيبه. فصل في الإشارة إلى بعض ما جرى من الطاعون في الإسلام قال الجوهري الطاعون وزنه فاعول من الطعن عدلوا به عن أصله ووضعوه دالًا على الموت العام كالوباء ويقال طعن فهو مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون

стр. 1268

في الإسلام خمسة: طاعون شِيرُوَية بالمدائن في عهد رسول الله ﷺ سنة ستٍّ من الهجرة، ثم طاعون عَمَواس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ كان بالشام، ــ وكذا إذا أصابه الطعن بالرمح قال ابن عبد البر الطاعون غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط قال غير واحد من أهل العلم وقد تخرج في الأيدي والأصابع وحيث شاء الله من البدن وهو وخز أعدائنا من الجن كما ثبت في الأحاديث الكثيرة وما قيل إنه لو كان من الجن كيف يقع في رمضان مع تصفيد الشياطين فيه وتسلسلهم يجاب عنه كالجواب عن وقوع المعاصي فيه وإن المراد تعطيلها عن معظم العمل فلا يصلون من الإنس إلى مثل ما يصلون إليه في غير رمضان وليس المراد إبطال عملها فيها بالكلية وأجيب بأجوبة أخرى أودعها الحافظ السيوطي مؤلفه في الطاعون قال الحافظ ابن حجر وغيره والطاعون أخص من الوباء فإن الوباء هو المرض العام فقد يكون بطاعون وقد لا يكون فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونًا وقد ثبت في الحديث إن المدينة لا يدخلها الطاعون وقد دخلها الوباء ففي الصحيحين عن عائشة قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله وأحاديث أخر بمعناه قوله: (شيْرُوْيَهْ) بكسر الشين المعجمة وإسكان التحتية وضم الراء بعدها واو ساكنة ثم ياء تحتية مفتوحة ثم هاء ويجوز فيه فتح الراء والواو وإسكان الياء وكسر الهاء وسبق جواز الوجهين وعلى الأول أكثر المحدثين فرارًا من لفظ وبه قال ابن حجلة في تأليفه في الطاعون وهذا أول طاعون وقع في الإسلام قال ولم أعلم كم مات فيه فأحكيه قال السيوطي ولم يمت فيه أحد من المسلمين. قوله: (ثم طاعونُ عَمَواس) هو بفتح العين المهملة والميم وقد تسكن وتخفيف الواو آخره سين مهملة قال المصنف اسم قرية بين الرملة وبيت المقدس نسب إليها لأنه بدا منها وقال سمي بذلك لأنه عم النّاس وتواسوا فيه حكاهما الحافظ عبد الغني المقدسي في ترجمة أبي عبيدة بن الجراح اهـ، وقيل لأنه عم وآسى وذكر سيف بن عمر عن شيوخه قالوا لما كان طاعون عمواس وقع مرتين لم ير مثلهما وطال مكثه وذلك إنه وقع بالشام في المحرم وصفر ثم ارتفع ثم عاد وفني فيه خلق كثير من النّاس وكان ذلك في زمن خلافة عمر ﵁ سنة سبع عشراة وقيل سنة ثمان عشرة وفي هذه السنة أعني ثمان عشرة أجدبت الأرض فكانت الريح تسفي ترابًا كالرماد ويسمى عام الرماد وجعلت الوحوش تأوي إلى النّاس واستسقى فيها عمر

стр. 1269

مات فيه خمسة وعشرون ألفًا، ثم طاعون في زمن ابن الزبير في شوَّال سنة تسع وستين مات في ثلاثة أيام في كلِّ يوم سبعون ألفًا، مات فيه لأنس بن مالك ﵁ ثلاثة وثمانون ابنًا، وقيل: ثلاثةٌ وسبعون ابنًا، ومات لعبد ــ بالعباس ﵄ فسقوا. قوله: (ومَاتَ فيهِ خمسة وعشرونَ أَلفًا) قال السيوطي وقيل ثلاثون ألفًا. قوله: (ثم طَاعون في زمنِ ابنِ الزُّبيرِ الخ) هذا الطاعون وقع بالبصرة ويسمى طاعون الجارف وسمي بذلك لأنه جرف النّاس كما يجرف السيل الأرض فيأخذ معظمها. قوله: (في شوالِ سنةَ الخ) قال ابن كثير هذا هو المشهور الذي ذكر شيخنا الذهبي وغيره وقيل إنه وقع في سنة أربع وستين وبه جزم ابن الجوزي في المنتظم وقيل سنة سبعين، وقيل سنة ست وسبعين وقيل سنة ثمانين قال ابن كثير حكاه ابن جرير عن الواقدي وفي شرح مسلم للمصنف قال الحافظ ابن عبد البر في أول التمهيد مات أيوب السختياني في سنة اثنين وثلاثين ومائة في طاعون الجارف ونقل ابن قتيبة في المعارف عن الأصمعي إن طاعون الجارف كان في زمن ابن الزبير سنة سبع وستين وكذا قال أبوالحسين محمد بن علي بن أبي يوسف المدائني في كتاب المغازي إنه كان في سنة سبع وستين في شوال وكذا ذكر الكلاباذي في رجال البخاري معنى هذا فإنه قال ولد أيوب السختياني سنة ست وستين وفي قول إنه ولد قبل الجارف بسنة، قال القاضي عياض في هذا الموضع كان الجارف سنة تسع عشرة ومائة، وذكر الحافظ عبد الغني المقدسي في ترجمة عبد الله بن مطرف عن يحيى بن القطان قال مات مطرف بعد طاعون الجارف سنة اثنين وثمانين، وذكر في ترجمة يونس بن عبيد إنه رأى أنس بن مالك وإنه ولد بعد الجارف، ومات سنة سبع وثلاثين ومائة فهذه أقوال متعارضة فيجوز أن يجمع بينها أن كل طاعون من هذه يسمى جارفًا لأن معنى الجرف موجود فيها جميعها اهـ، ثم الذي وقفت عليه في شرح مسلم فيما نقله إنه على قول المدائني سنة سبع وستين بتقديم السين على الموحد، والذي وقفت عليه في نسخة الأذكار المصححة تسع وستين بتقديم المثناة على السين، ولعل. عنه قولين في ذلك أو أحدهما من تحريف الكتاب للكتاب. قوله: (في كلِّ يوم سبعونَ أَلفًا) أي على سبيل التقريب وإلغاء الكسر

стр. 1270

الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابنًا، ثم طاعون الفتيات في شوَّال سنة سبع وثمانين، ثم طاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة في رجب، واشتدَّ في رمضان، وكان يحصى في سكة المرْبَدِ في كل يوم ألف جنازة، ثم خفَّ في شوَّال. وكان بالكوفة طاعون سنة خمسين، وفيه توفي المغيرة بن شعبة". هذا آخر كلام المدائني. وذكر ابن قتيبة في كتابه "المعارف" عن الأصمعي في عدد الطَّواعين نحو هذا، وفيه زيادة ونقص. قال: وسمي طاعونَ الفتيات، لأنه بدأ في العذارى بالبصرة، وواسط، والشام، والكوفة، ويقال له: طاعون الأشراف، لما مات فيه من الأشراف. قال: ولم يقع بالمدينة ولا مكة طاعونٌ قط. وهذا الباب واسع، وفيما ذكرتُه تنبيه على ما تركتُه، وقد ذكرتُ هذا الفصل أبسط من هذا في أول "شرح صحيح مسلم" ﵀، وبالله التوفيق. ــ الزائد على العقد، وإلا فقد قال كثير إنه توفي أول يوم منه من أهل البصرة سبعون ألفًا، وفي الثاني منه أحد وسبعون ألفًا، وفي الثالث منه ثلاثة وسبعون ألفًا. قوله: (ثم طاعونٌ سنةَ إِحدى وثلاثين ومَائةً) وقع ذلك بالبصرة يقال له طاعون مسلم بن قتيبة. قوله: (وكان بالكوفة طاعونٌ سنة خمسين الخ) كان وقوعه بالكوفة سنة تسع وأربعين فخرج عنها المغيرة بن شعبة فارًا، فلما ارتفع الطاعون رجع إليها فأصابه الطاعون فمات في سنة خمسين ذكره ابن كثير في تاريخه، قال ابن كثير في سنة ثلاث وخمسين مات زياد بن أبي سفيان مطعونًا. قوله: (المرْبَدِ) في الصحاح المربد الموضع الذي يحبس فيه الإبل وغيرها، ومنه سمي مربد المقبرة اهـ. قوله: (لأنه بَدَأ بالعذارَى)، وقال السيوطي سمي طاعون الفتيات لكثرة من مات فيه من النساء الشواب والعذارى. قوله: (ويقَالُ لهُ طَاعونُ الأشرَافِ الخ) قضية كلام السيوطي إن طاعون الفتيان غير طاعون الأشراف لأنه ذكر طاعون الفتيات وما يتعلق به، ثم قال طاعون الأشراف وقع والحجاج بواسط اهـ. قوله: (ولم يقعْ بالمدينةِ ولا بمكةَ) وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال قال رسول الله

стр. 1271

باب جوز إعلام أصحاب الميت وقرابته بموته وكراهة النعي ــ ﷺ "على أنقاب المدينة ملائكة لَا يدخلها الطاعون ولا الدجال"، وفي البخاري عن أنس قال قال رسول الله ﷺ "المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة فلا يدخلها، ولا يدخلها الطاعون إن شاء الله". قال بعضهم هذه معجزة له ﷺ لأن الأطباء عن آخرهم عجزوا عن رفع الطاعون عن بلد بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون من المدينة بدعائه وخبره هذه المدة المتطاولة ولا منافاة بين رفعه وبين كونه شهادة ورحمة لأنه وإن كان كذلك إلَّا إنه لما كان فاشيًا عن طعن الجن ناسب تطهير المدينة منه لتنزيهها عن دخول كفار الجن وشياطينهم إليها على أن سبب الرحمة لم ينحصر في الطاعون، وقد قال ﷺ ولكن عافيتك أوسع لي. قال ابن أبي حجلة مشيرًا إلى ذلك: مدينة شاعت أحاديث فضلها ... وصارت بها الركبان في كل بلدة فما روع الدجال ساكن أرضها ... ولا مات بالطاعون فيها بكبة وجزم ابن قتيبة في المعارف بأن مكة مشاركة للمدينة في ذلك فلم يدخلها الطاعون ونقله جماعة من العلماء وأقروه آخرهم المصنف هنا لكنه دخلها في الطاعون العام سنة تسع وأربعين وسبعمائة قال الحافظ ابن حجر فإن ثبت فلعله لما انتهك من حرمتها بسكنى الكفار فيها قال الجلال السيوطي ويدل للمشاركة ما أخرجه أحمد بسند جيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة على كل ثقب منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون اهـ. قال جدي الشيخ علان الصديقي البكري سبي آل الحسن رحمه الله تعالى في كتابه مثير شوق الأنام وقوله فإن ثبت يدل على عدم ثبوته ففي شفاء الغرام أن في سنة تسع وأربعين وسبعمائة كان الوباء الكثير بمكة ويفهم من كلام ابن حجر في خاتمة كتابه الموضوع في الطاعون أن عده فيما ذكر قول بعض من وصف عظيم شأنه والظاهر إن هذا الوصف تجوز وأطلق الطاعون على الوباء لوقوع كثرة الموت بكل منهما وصاحب شفاء الغرام مؤرخ محقق أدرى بشأن الواقعات من غيره والوباء غير ممتنع إنما الممتنع الطاعون الذي قال فيه ﷺ إنه وخز أعدائكم من الجن اهـ، وهو من الحسن بمكان اهـ، والله أعلم. باب جواز إعلام أصحاب الميت وقرابته بموته للصلاة عليه ونحوها

стр. 1272

روينا في كتاب الترمذي، وابن ماجه، عن حذيفة ﵁ قال: إذا مِتُّ فلا تُؤذنوا بي أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عن النَّعي. قال الترمذي: حديث حسن. وروينا في كتاب الترمذي، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ، فإن النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الجاهِلِيةِ". وفي رواية عن عبد الله ولم يرفعه. قال الترمذي: هذا أصح من المرفوع، وضعف الترمذي الروايتين. ــ والنعي بالنداء عليه بذكر مآثره والأول جائز لحديث النجاشي وغيره والأخير منهي عنه قال الجوهري النعي خبر الموت يقال نعاه ينعاه نعيا ونعيا بفتح النون وضمها وسكون العين ونعيا بفتح النون وكسر العين وتشديد التحتية ويطلق أيضًا على الناعي وهو الذي يأتي بخبر الميت وقال الهروي بسكون عين الفعل وبكسرها الميت ويجمع على نعايا كصفي وصفايا قوله: (إِذَا مِتُّ) يصح في فائه الكسر والضم وعلى الأول فيتعين كونه مبنيًّا للمجهول وعلى الثاني يحتمل أن يكون مبنيًّا للمجهول وجاء من باب بوع وأن يكون مبنيًّا للفاعل فإن القاعدة أن الفعل الأجوف إذا كانت عينه منقلبة عن واو وكان من فعل بفتح العين نقل منه إلى فعل بضمها ثم ينقل ضمة العين للفاء ثم تحذف العين لالتقاء الساكنين. قوله: (لَا تُؤذِنوا) من الإيذان وهو الإعلام. قوله: (فإِني أَخافُ أَنْ يكونَ نَعْيًا) وهذا مما يصلح مستندًا للقول لسد الذرائع. قوله: (إِياكُمْ والنَّعْيَ) هو بالنصب على التحذير وهو تنبيه المخاطب على محذور ليحترز منه كما قيل إياك والأسد وقوله إياكم مفعول بفعل مضمر وجوبًا تقديره اتقوا وتقدير الكلام اتقوا أنفسكم أن تنعوا. قوله: (وضَعفَّ الترمِذِيُّ الروايتَيْنِ) أي المرفوعة والموقوفة قال الحافظ مخرج الروايتين واحد فإن مدارها على أبي حمزة الأعور واسمه ميمون عن إبراهيم النخعي عن علقة عن ابن مسعود وأبي حمزة ضعيف عندهم والرواية المرفوعة عند الترمذي عن محمد بن حميد الرازي وهو من الحفاظ لكنهم ضعفوه والرواية الموقوفة من طريق سفيان الثوري عن أبي حمزة وقد رواه عبد الرزاق عن الثوري فوقفه على علقمة وكذا أخرجه مسدد في مسنده عن هشيم عن حصين بن عبد الرحمن عن إبراهيم وحصين من رجال الصحيح.

стр. 1273

وروينا في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي إلى أصحابه. ــ قوله: (وَرَوَيْنَا في الصَحيحيْن الخ) روياه من حديث أبي هريرة وأخرجه أيضًا مالك وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والإسماعيلي وأبو عوانة والدارقطني والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي والبغوي وغيرهم كذا في شرح العمدة للقلقشندي وقال شيخه الحافظ ابن حجر والمذكرر هنا طرف الحديث وهو عن أبي هريرة إن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعًا قال الحافظ بعد تخريجه الحديث هذا حديث أخرجه البخاري وعند مسلم نعى لنا وعند البخاري من طريق آخر نعى النبي ﷺ النجاشي لأصحابه. قوله: (نَعَى النَّجَاشِيُّ) هو بفتح النون واختار ثعلب كسرها ومشى عليه ابن دحية وابن السيد وتخفيف الجيم والشين المعجمة آخره تحتية فيها التخفيف والتشديد وقال صاحب مجمع البحرين التخفيف أعلى وأفصح وهو ملك الحبشة وورد في بعض طرق الحديث في الصحيحين النجاشي صاحب الحبشة والمشهور إن اسمه أصحمة بفتح وسكون المهملة ثم حاء مهملة مفتوحة وسمي كذلك في بعض طرق حديث جابر في الصحيحين وقيل أصمحة بتقديم الميم على الحاء حكاه الرافعي في شرح المسند وقيل حاؤه معجمة وكذا ينطق به الحبشة وحكاه الإسماعيلي وقال هو غلط وقيل صحمة بفتح الصاد وسكون الحاء وفتح المهملتين من غير همز حكاه عياض وقيل صمحة بتقديم الميم على الحاء قاله ابن أبي شيبة في مسنده نقلًا عن شيخه يزيد بن هارون وضعفه وقال المصنف إنه شاذ وكذا ما قبله وقيل أصحبة بالموحدة بل الميم ونقل الحاكم في المستدرك عن ابن إسحاق إن اسمه بصحمة بموحدة في أوله بدل الهمزة والذي حكاه الفاضي عياض وغيره عنه إن أصحمة ومعناه بالعربية عطية واسم أبيه بحري بفتح الموحدة وسكون الحاء وكسر الراء المهملتين وتشديد التحتية آخر الحروف وذكر مقاتل في نوادر التفسير أن اسم النجاشي مكحول بن صصه بصادين مهملتين وهو من سادات التابعين أسلم ولم يهاجر وعده ابن منده من الصحابة توسعا وذكره العسكري في كتاب الصحابة فيمن وجد في أيام النبي ﷺ ولم يرو عنه شيئًا يقال إنه أول ملك أسلم وهاجر المسلمون إليه إلى الحبشة مرتين وهو يحسن إليهم ويتغالى في إكرامهم وفي تعظيم

стр. 1274

وروينا في "الصحيحين" أن النبي ﷺ قال في ميت دفنوه بالليل ــ النبي ﷺ أرسل إليه النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري بكتابين أحدهما يدعوه فيه إلى الإسلام والثاني يطلب منه تزويجه بأم حبيبة بنت أبي سفيان أخت معاوية وكانت مهاجرة عنده فأخذ كتاب رسول الله ﷺ فوضعه على عينيه ونزل عن سريره وجلس على الأرض وأسلم وحسن إسلامه وكتب إلى النبي ﷺ جواب كتابه وزوجه أم حبيبة وأصدقها عنه من ماله أربعمائة دينار وقال لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته وقيل إن الذي كتب إليه ﷺ نجاشي آخر وأسلم على يده عمرو بن العاص قبل أن يهاجر ويصحب النبي ﷺ فكان يلغز به ويقال صحابي كثير الحديث أسلم على يد تابعي ومات النجاشي في رجب سنة تسع بالحبشة وأخبر النبي ﷺ بموته وقال مات اليوم رجل صالح وصلى عليه، وكان بينهما مسيرة شهر وصلى عليه وهو والصحابة ويلغز بهذا أيضًا فيقال تابعي صلى عليه النبي ﷺ ، وفي أبي داود عن عائشة لما مات النجاشي كانوا يتحدثون أنهم لا يزالون يرون النور على قبره ﵀. فائدة ذكر المحب الطبري في أحكامه إن النجاشي مأخوذ من النجش وهو الآثارة، وقيل لمن يزيد في السلعة ناجش ونجاش، والنجاشي لقب لكل من ملك الحبش، ويقال لكل من ملك على المسلمين أمير المؤمنين ولمن ملك على الروم قيصر ولملك الترك خاقان ولملك الفرس كسرى ولملك مصر العزيز والمقوقس ولملك القبط فرعون ولملك اليمن تبع ولملك حمير القيل بفتح القاف وسكون التحتية، وقيل القيل وزير الملك ولملك الصابئة النمرود ولملك الهند دهمي ويعثور ولملك الزنج غابر ولملك اليهود القطيمون وصالح ولملك البربر جالوت ولملك اليونان بطليوس، ولمن ملك العرب من قبل العجم النعمان، ولملك فرغانة الاخشيد كذا نقل من شرح العمدة للقلقشندي. قوله: (وَرَوَيْنَا في الصحيحين) أي من حديث أبي قال إن أسود أو سوداء كان يقم المسجد فمات فدفن ليلًا فسأل رسول الله ﷺ فقال ما فعل ذلك الإنسان قالوا يا رسول الله مات فدفناه ليلًا قال أفلا آذنتموني به فدلوه على قبره فصلى عليه، ثم قال إن هذه القبور مظلمة على أهلها وإن لله ينورها بصلاتي، هذا لفظ حماد بن زيد، وفي رواية حماد بن سلمة بعد قوله به فدلوه على قبره فذهب فصلى عليه ثم قال إن هذه القبور مملوءة ظلمة الخ، والحمادان يرويان الحديث عن ثابت البناني

стр. 1275

ولم يعلم به: "أفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ ". قال العلماء المحققون والأكثرون من أصحابنا وغيرهم: يستحب إعلام أهل الميت وقرابته وأصدقائه لهذين الحديثين قالوا: النعي المنهي عنه إنما هو نعي الجاهلية، وكان من عادتهم إذا مات منهم شريف بعثوا راكبا إلى القبائل يقول: نعايا فلان، أو يا نعايا العرب: أي: هلكت العرب بمهلك فلان، ويكون مع النعي ضجيج وبكاء. وذكر صاحب "الحاوي" وجهين لأصحابنا في استحباب الإيذان بالميت وإشاعة موته بالنداء والإعلام، فاستحبَّ ذلك بعضهم للميت الغريب والقريب، لما فيه من كثرة المصلين عليه والدَّاعين له. وقال بعضهم: يستحبُّ ذلك للغريب، ولا يستحبُّ لغيره. قلت: ــ عن أبي رافع الصانع واسمه نفيع، قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه الشيخان وأبو داود وابن حبان. قوله: (ولمْ يُعلَمُ بهِ) بالبناء للمجهول أي لم يعلمه أحد بوفاته. قوله: (أَفلا كنتم آذَنْتُمُونِي) بمد الهمزة أي أعلمتموني فيؤخذ منه ندب الإعلام بالموت للصلاة عليه ونحوها. قوله: (والنَّعْيُ المَنهِي عَنْهُ هُوَ نَعْيُ الجَاهِليةِ) أي كالنداء بموت الشخص مع ذكر مفاخرة نحو واكهفاه واجبلاه واكريماه، وقيل عدها مع البكاء عليه كما حكاه المصنف فيما تقدم في باب تحريم النياحة وجزم به في المجموع قال وليس منه وإن أشبهه قول فاطمة ﵂ بعد موته ﷺ يا أبتاه جنة الفردوس مأواه إلى جبريل ننعاه، ويكره مرثية الميت وهو الشعر فيه وعد محاسنه إن كانت بغير نحو الصيغة السابقة وإلَّا كانت ندبًا وذلك للنهي عنها لكنه حمل على ما يظهر فيه تبرم أو على فعله مع الاجتماع له أو على الإكثار منه أو على ما يجدد الحزن دون ما عدا ذلك لأن كثيرًا من الصحابة وغيرهم من العلماء ما زالوا يفعلونه، وقد قالت فاطمة ﵂: ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت على مصائب لو أنها ... صبت على الأيام صرن لياليا وفي قواعد القرافي الفرق المائة كلام فيه الفرق بين النوح المحرم والرثاء المباح

стр. 1276

والمختار استحبابه مطلقًا إذا كان مجرد إعلام. باب ما يقال في حال غسل الميت وتكفينه يستحبُّ الإكثار من ذِكر الله تعالى، والدُّعاء للميت في حال غسله وتكفينه. قال أصحابنا: وإذا رأى الغاسلُ من الميت ما يعجبُه: من استنارةِ وجههِ، وطيبِ ريحهِ، ونحو ذلك، استحب له أن يحدّث النّاس بذلك، وإذا رأى ما يكره: من سواد وجه، ونتنِ رائحته، وتغيُّر عضو، وانقلابِ صورةٍ، ونحو ذلك، حرم عليه أن يحدِّث أحدًا به. واحتجوا بما رويناه في سنن أبي داود والترمذي، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ــ وكان عادتهم إذا مات منهم شريف بعثوا راكبا إلى آخره قال الحافظ أخرج سعيد بت منصور وعبد الرزاق من طريق حماد بن سلمان عن إبراهيم قال لا بأس إذا مات الرجل إن يؤذن به صديقه وأصحابه إنما يكره أن يطاف في المجالس فيقال انعي فلانًا فعل أهل الجاهلية ومن طريق عبد الله بن عون قلت لإبراهيم كانوا يكرهون النعي قال نعم قال ابن عون كان النعي إذا مات الرجل ركب رجل دابة فصاح في النّاس انعي فلانًا، وفي صحيح البخاري في قصة قتل أبي رافع اليهودي عن الذي قتله، وهو عبد الله بن عتيك لا أبرح حتى أعلم اني قتلته، قال فلما صاح الديك قام الناعي على السور أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز ذكره قبل غزوة أحد اهـ. قوله: (والمختارُ اسْتِحبَابُهُ مُطلقا) أي للقريب وغيره. قوله: (إِذَا كان مجردَ إِعْلام) أي وقصد به كثرة المصلين كما في المجموع قال لما صح إنه ﷺ فعله مرارًا اهـ. باب ما يقال في حال غسل الميت وتكفينه قوله: (وَإذَا رَأَى الغَاسلُ) مثله من يعينه في أحكامه الآتية من إظهار أو إخفاء ما سيأتي. قوله: (اسْتحبّ لهُ أَنْ يُحدِّثَ النَّاسَ بذَلِكَ) أي إن لم يكن ذا بدعة مشهورة وإلا فينبغي كتم المحاسن حينئذٍ لئلا تفتتن النّاس ببدعته، قال الأذرعي بل لا يبعد إيجاب الكتم عند ظن الاغترار بها والوقوع فيها بذلك وهو متجه. قوله: (حَرُمَ عَلَيْهِ أنْ يُحدِّثَ أَحَدًا بهِ) أي إلّا لمصلحة كما سيأتي عن صاحب البيان. قوله: (وَاحْتجُّوا بمَا رَوَيْنَاهُ في سُنن أَبِي دَاوُدَ الخ) في الجامع الصغير

стр. 1277

"اذْكرُوا مَحَاسِنَ مَوْتاكُمْ وَكفوا عَنْ مَساويْهِمْ" ــ للسيوطي ورواه الحاكم في المستدرك والبيهقي عن ابن عمر وأخرجه الطبراني في الصغير، قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب لم يروه عن عطاء إلَّا عمران بن أنس ولا عن عمران إلَّا معاوية بن هشام تفرد به أبر كريم محمد بن العلاء قال الحافظ معاوية من رجال مسلم، وفيه لين وشيخه ضعفه البخاري وغفل الحاكم فأخرجه من رواية أبي كريب عن معاوية بن هشام عن عطاء بن عمر وقال صحيح الإسناد، قال الحافظ وللحديث شاهد عند النسائي من حديث عائشة عن النبي ﷺ لا تذكروا هلكاكم إلا بخير وفي النهي عن سب الأموات أحاديث غير هذا. قوله: (اذْكُروا مَحاسنَ مَوْتاكُمْ)، قال العلقمي سيأتي في حرف لا لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء: معنى الحديث أن الميت إذا ذكرت مساويه إلى أولاده وأقاربه أو غيرهم ممن يتأذى بذلك أو يلحقه به عار ولا مصلحة في ذكره فإنه منهي عنه ومراعاته من محاسبن الأعمال ومكارم الأخلاق. فإن قيل هذا الحديث عام وهو مصرح بالنهي عن سب الأموات وقد ورد سبهم في الآيات ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] وفي الأحاديث كالحديث الصحيح الذي أثنوا عليه شرًّا فقال وجبت ولم ينكر عليهم. قلنا الجواب أن عمومه مخصوص بحديث أنس حيث قال ﷺ عند ثنائهم بالخير والشر وجبت وأنتم شهداء الله في الأرض ولم ينكر عليهم، قال شيخ مشايخنا وأصح ما قيل في ذلك إن أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساويهم والتنفير عنهم، وقد اجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتًا اهـ. قلت قوله والفساق هو محمول على من يرتكب بدعة بفسق يعزر عليها ويموت، أما الفاسق بغير ذلك فإن علمنا إنه مات وهو مصر على فسقه والمصلحة في ذكر مساويه جاز وإلَّا فلا هذا تحقيق الكلام فيه اهـ. لكن في فتح الإله النهي عن سب الأموات مخصوص بغير الكافر والمنافق والفاسق المتجاهر بفسقه فهؤلاء ينبغي سبهم إظهارًا لقبح ما كانوا عليه وتحذيرا من الاقتداء بهم في قول أو عمل ففي سبهم بهذا القصد فائدة أي فائدة لأن فيه نفع المسلمين وتنبيه الغافلين، وقد أخذ من هذا الحديث أئمتنا قولهم يحرم بلا غرض شرعي ذكر شيء من مساوي الميت بخلافه لغرض شرعي، وهو ما يبيح

стр. 1278

ضعفه الترمذي. وروينا في "السنن الكبير" للبيهقي، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ غَسَّلَ ميَّتًا فَكَتَمَ عَلَيهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ أرْبَعِينَ مَرَّة". ورواه الحاكم أبو عبد الله في "المستدرك" على "الصحيحين"، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ثم إن جماهير أصحابنا أطلقوا المسألة كما ذكرتُه. وقال أبر الخير اليمنى صاحب "البيان" منهم: لو كان الميت مبتدِعًا مظهِرًا للبدعة، ورأى ــ غيبة الحي كتجاهرة بفسق أو بدعة حيث كان في الذكر مصلحة اهـ، وصريحه إنه لا يجوز ذكر مساوي فاسق غير مظهر فسقه لغير من يعلم حاله لأن المصلحة من الانزجار عن ذلك العمل أو الاعتقاد يحصل بذكر سب الأموات يجري مجرى الغيبة فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد يكون منه الفلتة فالاغتياب له ممنوع وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبة له، ويحتمل أن يكون النهي عن سب الأموات على عمومه فيما بعد الدفن، والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن ليتعظ بذلك فساق الأحياء فإذا صار إلى قبره أمسك عنه لإفضائه إلى ما قدم نقله العلقمي والأول أظهر كما علم مما تقدم والله أعلم. قوله: (ضَعَّفهُ الترْمذِيُّ) عبارة المصنف للخلاصة رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف. قوله: (وَرَوَيْنَا في السُّنن الكبيرِ للْبيهقي الخ) قال الحافظ بعد هذا حديث حسن غريب وأخرجه الحاكم من وجهين ينتهيان إلى أبي عبد الرحمن المقري قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثني شرحبيل بن شريك عن علي بن رباح اللخمي قال سمعت أبا رافع قال هو مولى رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ قال من غسل ميتا فكتم عليه مرة غفر الله له أربعين مرة ومن حفر له فأجنه أجرى عليه كأجر مسكن أسكنه إلى يوم القيامة، ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة وسند البيهقي والنهي إلى المقرئ بهذا السند. قوله: (أَرْبَعِينَ مَرَّة) أي غفر له بعدد هذه المرات ما يقع في تلك المرة من الزلة. قال بعضهم أربعين أي أربعين ذنبًا، وفي رواية للجوزي غفر له سبعين كبيرة، وفي حديث عند الطبراني عن أبي أمامة مرفوعًا من غسل ميتًا فستره، ستره الله من الذنوب أورده في الجامع. قوله: (مُظهرًا للْبدْعةِ) أي وقصد بذكرها انزجار النّاس عن مثل ذلك الاعتقاد وإلّا فيحرم لما فيه من استباحة عرض المسلم من

стр. 1279

الغاسلُ منه ما يكره، فالذي يقتضيه القياس أن يتحدث به في النّاس ليكون ذلك زجرًا للناس عن البِدْعة. باب أذكار الصلاة على الميت اعلم أن الصلاةَ على الميت فرضُ كفاية، وكذلك غسلُه وتكفينُه ودفنُه، وهذا كلُّه مُجَمَعٌ عليه. وفيما يسقط به فرض الصلاة أربعة أوجه: أصحها عند أكثر أصحابنا: يسقط بصلاة رجل واحد، والثاني: يشترط اثنان، والثالث: ثلاثة، والرابع: أربعة: سواء صَلَّوا جماعةً أو فرادي. وأما كيفية هذه الصلاة، ــ غير غرض صحيح، أما غير مظهر البدعة ومثلها الفسق فلا يجوز ذكر ما يبدوا من حاله السيئ لغير من يعلم سوء حاله اهـ، والله أعلم. باب أذكار الصلاة على الميت قوله: (الصلاة عَلَى الميتِ الخ) إنما يجب ذلك في حق المسلم غير السقط والشهيد، أما الحربي فلا يجب فيه شيء من ذلك بل يجوز إغراء الكلاب على جيفته، وأما الذمي فيجب تكفينه ودفنه وفاء بذمته ويستحب غسله، وأما الشهيد المقتول في معركة الكفار فيحرم غسله والصلاة عليه والسقط إن بدت فيه أمارات الحياة فكتكبير في جميع الأمور الأربعة وإلا فإن لم يبلغ حد الروح غسل وكفن ودفن. قوله: (بصلاةِ رجلٍ واحد) المراد بالرجل فيه مقابل المرأة فيسقط بصلاة مميز ولو مع وجود مكلف، قال ابن حجر في التحفة ويحصل بفعل واحد وإن لم يحفظ الفاتحة وغيرها فوقف بقدرها ولو مع وجود من يحفظها فيما يظهر لأن المقصود وجود صلاة صحيحة من جنس المخاطبين وقد وجدت وسيأتي بسط لهذه المسألة في الكتاب في باب مستقل بذلك ومحل كونها لا تسقط إلا بصلاة رجل إن كان وإلا فلو لم يكن ثمة غير النساء توجه الفرض عليهن وسقط بفعل واحدة منهن وكذا يسقط بفعل صبي مميز أراده. قوله: (والثاني يُشترَطُ اثنانِ والثالثُ ثلاثة) دليلهما إنه ﷺ قال صلوا على من قال لا إله إلَّا الله وأقل الجمع اثنان أو ثلاثة. قوله: (والرابعُ أَربعَةُ) أي كما يجب أي على هذا القول إن يحملها أربعة لأن ما دونه ازدراء بالميت. قوله: (سواءٌ صلوا فَرادَى أَو جماعَةً) أي على جميع هذه الأقوال ليست الجماعة

стр. 1280

فهي أن يكبر أربع تكبيرات ولا بد منها، فإن أخل بواحدة، لم تصح صلاته، وإن زاد خامسة، ففي بطلان صلاته وجهان لأصحابنا، الأصح: لا تبطل، ولو كان مأمومًا فكبَّر إمامه خامسة، فإن قلنا: إن الخامسة تبطل الصلاة، فارقه المأموم، كما لو قام إلى ركعة خامسة، وإن قلنا بالأصح: إنها لا تبطل، لم يفارقه، ولا يتابعه على الصحيح المشهور، وفيه وجه ضعيف لبعض أصحابنا، أنه يتابعه، فإذا قلنا بالمذهب الصحيح: إنه لا يتابعه، فهل ينتظره ليسلِّم معه، أم يسلم في الحال؟ فيه وجهان، الأصح: ينتظره، وقد أوضحت هذا كله بشرحه ودلائله في "شرح المهذَّب". ويستحبُّ أن يرفع اليد مع كل تكبيرة. وأما صفة التكبير وما يستحبُّ فيه، وما يبطله، وغير ذلك من فروعه، فعلى ما قدَّمتُه في "باب صفة الصلاة" وأذكارها. وأما الأذكار التي تقال في صلاة الجنازة بين التكبيرات، فيقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة، ــ شرطًا في صحة صلاة الجنازة. قوله: (أَربعَ تكبيرات) أي بتكبير الإحرام إجماعًا. قوله: (الأصحُّ لا تبطلُ) وإن نوى بها الركنية وذلك لثبوته في صحيح مسلم ولأنه ذكر، وزيادته ولو ركنا لا تضر كتكرر الفاتحة بقصد الركنية إما سهوًا فلا يضر جزمًا ولا مدخل لسجود السهو في صلاة الجنازة. قوله: (ولا يتابعُهُ) أي ندبا لأن ما فعله غير مشروع عند من يعتد به لما تقرر من الإجماع ثم ظاهر عبارة المصنف إن الخلاف في جواز المتابعة وعدمها وصرح الغزالي في الوسيط وجماعة آخرون بأن الخلاف في الاستحباب نقله في التفقيه على السنة. قوله: (في الصحيح) عبر في المنهاج بقوله في الأصح ويحتمل إنه تردد في قوة الخلاف وضعفه فرأى قوته تارة فعبر بالأصح وضعفه أخرى فعبر بالصحيح. قوله: (الأصحُّ ينتظرُهُ) أي ندبا لتأكيد المتابعة. قوله: (ويستحبُّ أَنْ يرفَعَ اليد مع كل تكبيرةٍ) أي كما يرفعها في تكبيرة الإحرام فيكون راحتاه محاذيتين منكبيه وإبهاماه محاذيين شحمتي أذنيه ورؤوس أصابعه محاذية أعلاهما. قوله: (فيقرأُ بعد التَكبيرة الأُولَى الفاتحةَ) أي أو بدلها قال المصنف

стр. 1281

وبعد الثانية يصلي على النبي ﷺ ، وبعد الثالثة: يدعو للميت، والواجب منه ما يقع عليه اسم الدعاء، وأما الرابعة، فلا يجب بَعْدَها ذِكْرٌ أصلًا، ولكن يستحبُّ ما سأذكره إن شاء الله تعالى. واختلف أصحابنا في استحباب التعوذ، ودعاء الافتتاح عقيب التكبيرة الأولى قبل الفاتحة، وفي قراءة السورة بعد الفاتحة على ثلاثة أوجه. أحدها: يستحبُّ الجميع، والثاني: لا يستحب، والثالث وهو الأصحُّ: أنه ــ في المنهاج قلت تجري الفاتحة بعد غير الأولى والله أعلم. قوله: (وبعدَ الثَانيةِ يُصلِّي عَلَى النبي ﷺ ) هذان على سبيل التحتم فيتعين بعد الثانية الصلاة على النبي ﷺ وبعد الثالثة الدعاء للميت ولا يجوز خلو محل ذلك عنه ولما عري الفرق بين الفاتحة وغيرها مما ذكر اختار التعبير بغير الفاتحة بعد التكبيرة الأولى وبه جزم المصنف في تبيانه وعبارته هنا توهم ذلك وانتصر له الأذرعي وغيره لكن بأن القصد بالصلاة الشفاعة والدعاء للميت والصلاة على النبي ﷺ وسيلة لقبوله ومن ثم سن الحمد قبل الصلاة فتعين محلهما الواردان فيه عن الخلف والسلف إشعارا بذلك بخلاف الفاتحة فلم يتعين لها محل بل يجوز خلو الأولى عنها وانضمامها إلى واحدة من الثلاث إشعار إبان القراءة دخيلة في هذه الصلاة ومن ثم لم يسن فيها السورة وظاهر تعين لدعاء للميت بأخروي لا بنحو اللهم احفظ تركته من الظلمة والطفل في ذلك كغيره قال ابن عبد السلام إن الأطفال لا يدعى لهم بتكفير السيئات بل برفع الدرجات لإفتقارهم إليها وروى مالك عن سعيد بن جبير إنه سمع أنسا يدعو للصبي في الصلاة عليه أن يعيذه الله من النار وليس هذا ببعيد لجواز أن يبتلى في قبره كما يبتلى في الدنيا أخذ ذلك عن رسول الله ﷺ وفي التحفة لابن حجر وكأن الطفل كالمكلف في وجوب الدعاء لأنه وإن قطع له بالجنة تزيد مرتبته فيها بالدعاء منها كالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم واستثنى الأذرعي غير المكلف وقوله الأشبه عدم الدعاء تعقب بأنه عجيب وبأنه باطل ولا يغني عنه قوله اللهم اجعله فرطًا لأنه دعاء باللام وهو لا يكفي إنه إذا لم لا يكف الدعاء بالعموم الذي مدلوله كلية محكوم بها على كل فرد

стр. 1282

يستحبُّ التعوُّذُ دون الافتتاح والسورة. واتفقوا على أنه يستحب التأمين عقيب الفاتحة. وروينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄، أنه صلى على جنازة، فقرأ فاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها ــ مطابقة فأولى هذا اهـ، وفي قوله وإن قطع له بالجنة نظر لأن الخلاف في دخولهم الجنة ثابت بين أهل السنة وقد حكاه المصنف في شرح مسلم وإن كان المحققون على أنهم في الجنة كما تقدم نعم الخلاف في غير أولاد الأنبياء فقد تقرر الإجماع على كونهم في الجنة حكاه أبو عبد الله المازري. قوله: (ندب التَّعوذ) أي لأنه سنة للقراءة كالتأمين. قوله: (دونَ الافْتِتَاح والسورَةِ) وذلك لطولهما في الجملة قال ابن حجر في التحفة ندب الإتيان بهما إذا صلي على غائب أو قبر أي أخذا من تعليل عدم استحبابها بأنه لا حد لكلماتها فلو ندبا لأديا إلى تركه المبادرة المتأكدة وهذا منتف في الصلاة على الغائب أو القبر. قوله: (وَرَوَيْنَا في صَحيح الْبُخَارِي الخ) قال الحافظ وأخرجه أبو داود عن محمد بن كثير شيخ البخاري المذكور أنها من السنة وهكذا أخرجه البيهقي ووافق أبا داود في لفظه وأخرجه البخاري من طريق محمد بن بشار ولم يسق لفظه مسلم وأخرجه النسائي عن محمد بن بشار بسنده المذكور في البخاري وساق لفظه فقال عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال صليت خلف ابن عباس على جنازة فسمعته يقرأ بفاتحة الكتاب فلما انصرف أخذت بيده فسألته فقلت تقرأ فقال إنه من السنة أو من تمام السنة وقال حسن صحيح وقد روي مرفوعًا صريحًا عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه الترمذي وقال الترمذي ليس إسناده بذاك، إبراهيم بن عثمان هو أبو شيبة الواسطي منكر الحديث والصحيح عن ابن عباس قال الحافظ وللمرفوع شاهد أخرجه ابن ماجة من حديث أم شريك قالت أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وفي سنده حماد بن جعفر العبدي وفيه لين عن شهر بن حوشب وفيه مقال قال الحافظ قال الشيخ في موضع من شرح المهذب إن ذكر الصلاة على النبي ﷺ في حديث ابن عباس غريب قال الحافظ بعد إخراجه حديثه مرفوعًا وموقوفا وفيه ذكر الصلاة على النبي ﷺ -

стр. 1283

سُنَّة، وقوله: سنة، في معنى قول الصحابي: من السُّنَّة كذا وكذا. جاء في "سنن أبي داود" قال: إنها من السُّنَّة، فيكون مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ على ما تقرَّر وعُرف في كتب الحديث والأصول. قال أصحابنا: والسُّنَّة في قراءتها الإسرار دون الجهر، سواء صليت ليلًا أو نهارا، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي قاله جماهير أصحابنا. وقال جماعة منهم: إن كانت الصلاة في النهار أسر، وإن كانت في الليل جهر. وأما التكبيرة الثانية، فأقل الواجب عقيبها أن يقولَ: اللهم صَل على مُحَمدٍ. ويستحبُّ أن يقول: وعلى آلِ مُحَمدٍ، ولا يجب ذلك عند جماهير أصحابنا. وقال بعض أصحابنا: يجب، وهو شاذ ضعيف، ويستحبُّ أن يدعوَ فيها للمؤمنين والمؤمنات إن اتَّسعَ الوقت له، نصَّ عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، ــ وبيان حال سند كل طريق ما لفظه ومع هذه الطرق لا يطلق في حديث ابن عباس الغرابة ثم قال الشيخ وروى الشافعي عن مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري حديثًا فيه ذكر الصلاة على النبي وهو ضعيف أيضًا قال ابن معين مطرف كذاب اهـ. قال الحافظ في هذا الكلام نظر من أوجه. أحدها إن الشافعي احتج بمطرف فهو وإن ضعفه غيره حجة غير من يقلد الشافعي. الثاني إنه لم ينفرد به فقد رواه غيره كذلك ثم أخرج الحافظ من رواه كذلك الثالث إن الحديث هذا هو الحديث الآتي عن الزهري عن أبي أمامة من رواية يونس وشعيب والليث ولو ساق الشيخ عند الزهري فيه لزال الإشكال فإنه صرح فيه بأنه صحيح على شرط الشيخين كما سيأتي. الرابع قوله أيضًا يشير إلى ضعف حديث ابن عباس لأنه عطفه عليه وليس بضعيف على الإطلاق والعلم عند الله. قوله: (سُنةٌ الخ) معناه إنه وإن كان موقوفًا لفظًا على ابن عباس إلّا إنه مرفوع حكمًا فلا يمنع وقف لفظه من الاحتجاج به عند من يمنع الأخذ بقول الصحابي. قوله: (وإنْ كَانَ بالليل جهرَ) أي بالفاتحة فالخلاف فيها فقط كما بينه أول كلامه. قوله: (ويستَحبُّ أَنْ يقولَ وعَلَى آلِ محمدٍ) سكت المصنف عن بيان أفضل صيغ الصلاة هنا وفي التحفة وظاهر إن

стр. 1284

ونقل المُزني عن الشافعي، أنه يستحبُّ أيضًا أن يحمدَ الله ، وقال باستحبابه جماعة من الأصحاب، وأنكره جمهورهم، فإذا قلنا باستحبابه، بدأ بالحمد لله، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، فلو خالف هذا الترتيب، جاز، وكان تاركًا للأفضل. وجاءت أحاديث بالصلاة على رسول الله ﷺ . رويناها في "سنن البيهقي"، ولكني قصدت اقتصار هذا الباب، إذ موضعُ بَسْطِه كُتُبُ الفقه، وقد أوضحتُه في "شرح المهذب". وأما التكبيرة الثالثة، فيجب فيها الدعاء للميت، وأقله ما ينطلق عليه الاسم، كقولك: ﵀، أو غفر الله له، أو اللهم اغفر له، أو ارحمه، أو ــ كيفية صلاة التشهد السابقة أفضل هنا أيضًا وكذا يستحب ضم السلام إلى الصلاة بما أفهمه قولهم إنما لم يحتج إليه في الصلاة لتقدمه في التشهد وهنا لم يتقدم فليس خروجًا من الكراهة ويفارق عدم سن السورة بأنه لا حد لكمالها فلو ندبت لأدى إلى ترك المبادرة للساعين بها. قوله: (ونَقلَ المُزَنيُّ) هو بضم الميم وفتح الزاي بعدها نون ثم تحتية مشددة قال الحافظ العسقلاني في مؤلفه في فضل الشافعي. المزني أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن عمرو بن إسحاق ولد سنة خمس وسبعين ومائة ولزم الشافعي لما قدم مصر وصنف المبسوط والمختصر من علم الشافعي واشتهر في الآفاق وكان آية في الحجاج والمناظرة عابدا عاملًا متواضعا غواصا على المعاني مات في شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين اهـ. قوله: (فإِذَا قلنَا باستحبابِه) أي وهو الأرجح. قوله: (وجَاءَتْ أَحادِيثُ بالصَّلاةِ عَلَى رسُول ﷺ ) قال الحافظ هي ثلاثة ليس فيها شيء مصرح برفعه وترجع في التحقيق إلى اثنين. قوله: (وقَدْ أَوْضَحتُه في شَرْحِ المهذبِ) عن ابن عباس إنه صلى على جنازة فأكثر ثم قرأ بأم القرآن فجهر بها ثم صلى على النبي ﷺ قال الشيخ في شرحه أما الرواية التي ذكرها عن ابن عباس بزيادة الصلاة على النبي ﷺ فقد رواها البيهقي عن غير ابن عباس فرواها بإسناده عن عبادة وجماعة من الصحابة وعن أبي أمامة بن سهل قال الحافظ كأنه ما رآه من حديث ابن عباس وإلَّا لذكره وقد وقع لي عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا وحديث عبادة أخرجه البيهقي من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة إنه سأل عبادة بن

стр. 1285

الطف به، ونحو ذلك. وأما المستحبُّ فجاءت فيه أحاديث وآثار. فأما الأحاديث، ــ الصامت عن الصلاة على الميت فقال أنا والله أخبرك لتبتدأ فتكبر ثم تصلي على النبي ﷺ ثم تقول اللهم إنه عبدك فذكر الحديث موقوفًا وأما الرواية عن جماعة من الصحابة فأخرجه الحافظ ابن حجر عن الزهري قال أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف وكان من أكابر الأنصار وعلمائهم ومن أبناء الذين شهدوا بدرًا مع النبي ﷺ إنه أخبره رجال من أصحاب رسول الله ك ﷺ في الصلاة على الجنازة أن كبر الإمام ثم يصلي على النبي ثم يخلص الدعاء للميت في التكبيرات الثلاثة ثم يسلم تسليمًا خفيفًا حين ينصرف والسنة إن يفعل من وراء الإِمام مثل ما فعل وأخبرني بذلك وسعيد بن المسيب يسمع فلم ينكر ذلك فذكرت الذي أخبرني لمحمد بن سويد الفهري فحدثني عن الضحاك بن قيس الفهري عن حبيب بن مسلمة الفهري في صلاة صلاها على ميت مثل الذي أخبر أبو أمامة قال الحافظ بعد تخريجه هذا الحديث صحيح لكنه موقوف وقد أخرجه الطبراني في مسند الشاميين عن الزهري من طريق آخر فذكر الحديث كما ذكرنا متنا وسندا إلَّا ما يتعلق بابن المسيب وزاد في أوله أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن ويصلى على النبي قال ابن شهاب وأخبرني محمد بن سويد عن الضحاك بن قيس بنحو ذلك هكذا أخرجه النسائي وقال الشيخ في شرح المهذب إسناده على شرط الشيخين يعني الأولى قال أبو أمامة هذا صحابي وقوله السنة كذا في حكم المرفوع وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأن أبا أمامة له رواية من النبي ﷺ قال الحافظ ابن حجر قلت وقد صرح البخاري والبغوي وابن السكن بأنه لم يسمع من النبي ﷺ فحكم مرسله مرسل كبار التابعين وقد قالوا إنه أدرك من حياة النبي ﷺ عامين فقط وقد ظهر من الروايتين السابقتين عن الزهري أن أبا أمامة حمله عن رجال من الصحابة فنقصت هذه الرواية الأخيرة عن الزهري ذكر شيوخ أبي أمامة كما سقط ذكر شيخ الضحاك وزيادة الثقة مقبولة ولا سيما إذا كان حافظا والراويان الأولان عن الزهري وهما يونس وشعيب أتقن من الثالث وهو الليث اهـ. قوله: (وأَما المستحبُّ) أي حيث لم يخش تغير الميت ذلك. قوله: (أَحادِيث) أي مرفوعة. قوله: (وآثارٌ) بالمثلثة أي غير مرفوعة. قوله:

стр. 1286

فأصحها ما رويناه في "صحيح مسلم" عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظتُ من دعائه وهو يقول: "اللهم اغْفِرْ لَهُ، وارْحَمْهُ، وعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وأكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ، واغْسِلْهُ بالمَاءِ والثلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايا كما نَقَّيْتَ الثوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَس، وأبْدِلْهُ دَارًا خَيرًا مِنْ دَارِهِ، وأهْلا خَيْرًا مِنْ أهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيرًا مِنْ زَوْجِهِ، وأدْخِلْهُ الجَنَّةَ، ــ (مَا رَوَيْناه في صحيح مسلم) قال في السلاح ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة زاد الحافظ وأخرجه أحمد وهو ما سقَط منَ سماع السند قديمًا اهـ. قوله: (أغفِرْ لهُ) أي ذنوبه وارحمه أي برفع الدرجة زيادة على المغفرة وعافه من العذاب واعف عنه أي ما وقع له من تقصير في الطاعة وأكرمه هو دعاء من الإكرام والنزل بضمتين ما يهيأ للضيف من الطعام أي أحسن نصيبه من الجنة ووسع بكسر السين المهملة المشددة ومدخله بضم الميم وفتحها وباء معجمة وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، قال ابن الجزري بضم الميم يعني موضعا يدخل فيه وهو قبره الذي يدخله الله إليه قال ميرك لكن المسموع من أفواه المشايخ والمضبوط في الأصول أي من نسخ الحصن فتح الميم وكلاهما صحيح المعنى قال صاحب الصحاح المدخل الدخول وموضع الدخول أيضًا تقول دخلت مدخلا وتقول أدخلته مدخل صدق اهـ، ويجوز أن يكون بالضم موضع الإدخال وهو المناسب لهذا المقام. قوله: (واغسلهُ) بهمزة وصل أي غسل ذنوبه والبرد بفتحتين الغرض تعميم أنواع الرحمة والمغفرة في مقابل أصناف المعصية والغفلة. قوله: (ونقِّه) بتشديد القاف المكسورة من التنقية بمعنى التطهير والهاء فيه يحتمل أن تكون ضميرًا للميت وأن تكون هاء السكت وقوله من الخطايا أي من أثرها. قوله: (من الدنَسِ) بفتحتين أي الدرن قال ابن الجزري الدرن الوسخ. قوله: (وأَبدِلْهُ) بصيغة الدعاء من الأبدال أي عوضه دارًا من القصور أو من سعة القبور. قوله: (وَأَهْلا) أي من الغلمان والخدم. قوله: (وزَوْجًا) أي زوجة من الحور العين أو من نساء الدنيا وفي التحفة وظاهر أن المراد بالأبدال في الأهل والزوجة إبدال الصفات لا الذوات لقوله تعالى: (أَلحقنَا بِهِتم ذُريتهُمْ) [الطور: ٢١] ولخبر الطبراني وغيره

стр. 1287

وَأعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ أوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ" حتى تمنيتُ أن أكونَ أنا ذلك الميت. وفي رواية لمسلم: "وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النارِ". وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، والبيهقي، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنّه صلى على جنازة، ــ أن نساء الجنة من نساء الدنيا أفضل من الحور العين ثم رأيت شيخنا قال وقوله أبدله زوجًا خيرًا من زوجة يصدق بتقديرها له إن لو كانت له وكذا في المزوجة إذا قيل أنها لزوجها في الدنيا يراد بإبدالها زوجًا خيرًا منه ما يعم إبدال الذوات وإبدال الصفات اهـ، وإرادته إبدال الذات مع فرض أنها لزوجها في الدنيا فيه نظر وكذا قوله إذا قيل كيف وقد صح الخبر به وهو أن المرأة الآخر أزواجها ولذا امتنعت أم الدرداء لما خطبت بعد موت أبي الدرداء ويؤخذ منه إنه فيمن مات وهي في عصمته ولم تتزوج بعده فإن لم تكن في عصمة أحدهم عند موته احتمل القول بأنها تخير أو أنها للثاني ولو مات أحدهم وهي في عصمته ثم تزوجت وطلقت ثم مات فهل هي للثاني أو للأول ظاهر الحديث أنها للثاني وقضية المذكور أنها للأول وإن الحديث محمول على ما إذا مات الأخير وهي في عصمته وفي حديث رواه جمع لكنه ضعيف، والمرأة منا ربما يكون لها زوجات في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلان الجنة لأيهما هي قال لأحسنهما خلقًا كان عندها في الدنيا اهـ. قوله: (وأَعذْهُ) بصيغة الأمر من الإعاذة أي وخلصه من عذاب القبر وعذاب النار إما بعدم الإدخال فيها أي بإنجائه منها. قوله: (وفي روايةٍ لمسلم الخ) يجوز أن يكون المراد بفتنة القبر فتنة الممات كما صح عنه ﷺ في فتنة القبر أنها كمثل أو أعظم من فتنة الدجال وعليه فلا يكون فيه مع قوله وعذاب القبر تكرار لأن العذاب مرتب على الفتنة وليس نفسها والمسبب غير السبب ولا يقال المقصود زوال عذاب القبر لأن الفتنة بعينها أمر عظيم أشار إليه ابن دقيق العيد. قوله: (وَرَوَيْنَا في سننِ أَبِي دَاوُدَ والترمِذِي والبَيْهقي) قال في الحصن وأخرجه النسائي وأحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك كلهم عن أبي هريرة وقال الحافظ إن الحاكم قال بعد تخريجه إنه صحيح على شرط الشيخين وليس كما قال فقد

стр. 1288

فقال: "اللهُم اغْفِرْ لِحَيِّنا وَميِّتِنا، وَصَغِيرِنا وكَبِيرِنا، وذَكَرِنا وأُنْثَانا، وشَاهِدِنا وغَائِبنا، اللَّهُم مَنْ أحْيَيتهُ مِنَّا فَأحْيِهِ عَلى الإسلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيتَهُ مِنَّا فتوَفَّهُ عَلى الإيمان، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمنا أجْرَهُ وَلا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ". قال الحاكم أبو عبد الله: هذا ــ نفى البخاري صحته اهـ. قوله: (أغفرْ لحيِّنا الخ) المراد بالشاهد فيه الحاضر قال التوربشتي سئل الطحاوي عن معنى الاستغفار للصغار مع إنه لا ذنب لهم فقال إن النبي ﷺ سأل ربه أن يغفر لهم الذنوب التي فضيت لهم أن يصيبوها بعد الانتهاء إلى حال الكبر وقال ميرك كل من القرائن الأربع في هذا الحديث يدل على الشمول والاستيعاب فلا يحمل على التخصيص نظرًا إلى مفردات التركيب فكأنه قيل اللهم اغفر للمسلمين أجمعين فهي من الكنايات الرمزية يدل عليه جمعه في قوله اللهم من أحييته منا الخ. قال في الحرز لا كلام في إفادة العموم والشمول لكن المغفرة لا تقابل إلَّا بالمعصية وهي غير متحققة من نحو الأطفال فحمله المحقق على صغار يصيرون كبارًا يتصور منهم وقوع الذنب والأظهر أن يراد بصغيرنا الشبان وبكبيرنا الشيوخ فيرتفع الإشكال والله أعلم اهـ. وفي شرح المشكاة لابن حجر هذا الإشكال في غير محله لأنه مبني على مقدمة متوهمة هي أن طلب المغفرة تستدعي سبق ذنب وليس كذلك فإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر مع عصمته العلية وكان ﷺ يستغفر في المجلس الواحد مائة مرة فالصواب إن طلبها لا يستدعي ذنبا بل قد تكون لنيل الدرجات ومحو التقصيرات وبه يعلم إنه لا يحتاج إلى جواب الطحاوي أن المسؤول لهم مغفرة ذنوب قضيت عليهم الخ. على أن في هذا من البعد والتكلف ما هو غني عن البيان اهـ. قوله: (فأَحيه عَلى الإِسلام) بقطع الهمزة من أحيه، والإسلام الاستسلام والإنقياد لأمرك ونواهيك. قوله: (توفّيته) بتشديد الفاء أي قبضت روحه. قوله: (فَتوفّه عَلَى الايمانِ) أي التصديق القلبي إذ لا نافع حينئذٍ غيره. قوله: (تَحرِمْنَا) بضم الفوقية وفتحها، أجره أي أجر الصلاة عليه أو أجر المصيبة به فإن المسلمين في المصيبة كالشيء الواحد. قوله: (ولا تفِتنَّا بعدَهُ) أي بتسليط الشيطان علينا حتى ينال

стр. 1289

حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم". ورويناه في "سنن البيهقي" وغيره، من رواية أبي قتادة: ــ منا مطلوبه وفي السلاح والحرز إن هذا اللفظ عند النسائي وعند غيره ما عبر به في الحصين ولا تضلنا بعده وظاهر إيراد المصنف هنا خلاف ذلك وفي كلام الحافظ إشارة إليه فإنه بعد ذكر الحديث من طريق له إلى قوله فتوفه على الإسلام قال أخرجه النسائي ثم أخرجه بعد من طريق أخرى وقال بعد تمام السند فذكر مثله وزاد اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده ثم أخرجه من طريق الطبراني في الدعاء أيضًا وقال أخرجه أبو داود ففي اقتصاره على قوله ولا تضلنا وعدم ذكر ولا تفتنا في رواية أبي داود تأييد لما في السلاح والحرز. قوله: (وَرَويْنَاه في سُنن البيهقي وغيرِهِ منْ رِوَايةِ أَبِي قتادةَ (قال الحافظ بعد تخريجه عنه قال جاء أن النبي ﷺ صلى على ميت فسمعته يقول اللهم اغفر لحينا الحديث قال يحيى بن كثير أحد رجال سند حديث أبي قتادة وحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بهذا وزاد اللهم من أحييته الخ. أخرجه النسائي في الكبرى وقال الترمذي سألت محمدًا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال أبو إبراهيم لا يعرف اسمه وأبوه له صحبة قلت فالذي يقال إنه عبد الله بن أبي قتادة فأنكر ذلك وقال أبو قتادة أسلمي وهذا أشهلي قلت فأي الروايات في هذا أصح اللهم اغفر لحينا وميتنا قال رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأشهلي في هذا أصح ورواية أبي سلمة عن أبي هريرة وعن أبي قتادة وعن عائشة ليست بصحيحة قال وأصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك قال الحافظ قلت ومع ذلك لم يخرجه في صحيحه لأن سنده على غير شرطه وإنما ضعف روايات يحيى للاضطراب فقد اختلف فيه على أبي سلمة هل هو عن أبي هريرة أو عن عائشة أو عبد الله بن سلام أو عبد الرحمن بن عوف قال وقد ذكرت الأول يعني حديث أبي هريرة وحديث عائشة أخرجه النسائي والحاكم وحديث عبد الله بن سلام أخرجه النسائي وحديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه البزار واختلف فيه على يحيى ابن أبي كثير فقيل عن أبي سلمة وقيل عن أبي إبراهيم

стр. 1290

ورويناه في كتاب الترمذي، من رواية أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه، وأبوه صحابي، عن النبي ﷺ ، قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- أصحُّ الروايات في حديث: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا"، رواية أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه. قال البخاري: وأصحُّ شيء في الباب، حديث عوف بن مالك. ووقع في رواية أبي داود: "فأحْيِهِ على الإيمَانِ، وَتَوَفّهُ على الإسْلامِ". والمشهور في معظم كتب الحديث، "فأحْيِهِ على الإسْلام، وَتَوَفّهُ على الإيمَانِ" كما قدَّمناه. وروينا في سنن أبي داود، وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "إذا صَلَّيتُمْ عَلى المَيِّتِ فأخْلِصُوا لهُ الدُّعاءَ". ــ وقيل عن عبد الله بن أبي قتادة اهـ. قوله: (وَرَويْنَا في كتاب الترمذِي) وكذا رواه النسائي أيضًا كما نقله في السلاح. قوله: (عَنْ إبراهيمَ الأَشْهَلي عَنْ أَبيهِ) وانتهت روايته عند قوله وأنثانا قال الحافظ عن يحيى بن كثير راويه عن أبي إبراهيم قال يحيى وحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بهذا الحديث وزاد اللهم من أحييته منا إلى قوله ولا تضلنا بعده اهـ. قوله: (قيلَ اسم أَبِي إبرَاهِيم عبد الله بنْ قتَادَةَ) ولا يصح لأن أبا قتادة أسلمي وهذا أشهلي أشار إليه الحافظ في التقريب. قوله: (قال الترمذِيُّ الخ) عبادة الترمذي وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف وعائشة وأبي قتادة وجابر وعوف بن مالك وحديث أبي إبراهيم حسن صحيح وسمعت محمدًا يعني البخاري أصح الروايات في هذا حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه الخ. قوله: (ووَقَع في رِوَايَةَ أَبِي دَاوُدَ الخ) ظاهر عبارة السلاح إنه كذلك عند الحاكم وابن حبان ومعنى الرواية صحيح أيضًا مطابق للأول لأن الإيمان والإسلام وإن اختلفا مفهومًا فهما متحدان في الماصدق. قوله: (وَرَوَيْنَا في سُنن أَبِي دَاوُدَ الخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني في كتاب الدعاء ما لفظه وأخرجه ابن ماجة قال ابن حجر في شرح المشكاة وصححه ابن حبان. قوله: (فأَخْلِصُوا لهُ الدُّعاءَ) أي لا تخصوا معه غيره بل خصوه بدعاء ففيه وجوب الدعاء للميت بخصوصه وأخذ أئمتنا من

стр. 1291

وروينا في "سنن أبي داود" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة: "اللهُم أنْتَ رَبُّهَا، وأنْتَ خَلَقْتها، وأنْتَ هَدَيْتَها للإسْلامِ، وأنْتَ قَبَضْتَ رُوحَها، وأنْتَ أعْلَمُ بِسِرها وَعَلانِيَتِها، جِئْنا شُفَعاءَ فاغْفِرْ لهُ". وروينا في سنن أبي داود، وابن ماجه، عن واثلة بن الأشقع ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: "اللَّهُمَّ إن فُلانَ بنَ فُلانَةَ في ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ، ــ هذا الخبر أن الدعاء للميت بخصوصه بأمر أخروي أو ما يؤول إليه كاقضِ عنه دينه بعد التكبيرة الثالثة ركن لأنه المقصود الأعظم من الصلاة عليه وما قبله كالمقدمة له واستثناء بعضهم للطفل رد بأنه باطل إذ لو نظر لعدم تكليفه لم يصل عليه كما شذ به بعض السلف فلما وجبت الصلاة عليه لرفع درجاته وجب الدعاء له بذلك. قوله: (وَرَوَيْنَا في سَننِ أَبِي دَاوُدَ) وزاد في السلاح والحصن والنسائي وقال الحافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني وفي الدعاء ما لفظه هذا حديث حسن وأخرجه النسائي في الكبرى. قوله: (وَأَنْتَ قبضتَ روْحَهَا) أي أمرت بقبضها قاله ابن الجزري فالإسناد مجازي وفيه إنه لا حاجة لذلك والأصل الحقيقة ولا مانع منها والله أعلم. قوله (وعلانيتهَا) هو بتخفيف المثناة التحتية. قوله: (فاغفِرْ لهُ) عند النسائي فاغفر لها وتأنيث الضمير باعتبار النفس أو الروح التي هي الأصل فيكون الضمير على وفق الضمائر السابقة والتذكير باعتبار الشخص قيل أو التذكير للرجل والتأنيث للمرأة على تقدير تعدد الواقعة الدال عليه اختلاف الرواية. قوله: (وَرَوَيْنَا في سننِ أَبِي دَاوُدَ وابْنِ ماجةَ الخ) قال الحافظ هذا حديث حسن. قوله: (اللَّهُمَّ هَذَا عَبدُك وابْنُ عبْدِكَ) ووقع في أثر عن إبراهيم النخعي عن سعيد بن منصور وفي حديث زيد بن ركانة وعند الطبراني اللهم عبدك وابن امتك. قوله: (فلانَ بن فلانٍ) بحذف ألف ابن في النسخة وإثباتها ووجد في بعض نسخ الحصين فلانًا بالتنوين وفلان الثاني منون في الجميع. قوله: (في ذِمْتِكَ) أي فعهدك من الإيمان كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] أي ميثاقي. قوله: (وَحَبْلِ جِوارك) بفتح الحاء المهملة وإسكان الموحدة من جبل وكسر الجيم من جوارك أي أمانك كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]،

стр. 1292

فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ، وأنْتَ أهْلُ الوَفَاءِ وَالحَمْدِ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ". واختار الإِمام الشافعي ﵀ دعاءً التقطه من مجموع هذه الأحاديث وغيرها فقال: يقول: اللهم هَذَا عَبْدُكَ وابنُ عَبْدِكَ، خَرَجَ مِن رَوْحِ الدُّنْيَا وَسَعَتِها، ومَحْبُوبِها وأحِبَّائِه فيها، إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ ــ وقال الطيبي الحبل العهد والأمانة والذمة وحبل جوارك بيان لقوله ذمتك نحو أعجبني زيد وكرمه أي مات في كنف حفظك وعهد طاعتك وقال ابن الجزري أي خفارتك وطلب غفرانك وفي أمانك وقد كان من عادة العرب أن يخفر بعضهم بعضًا وكان الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا من سيد كل قبيلة فيأمن به ما دام في حدودها حتى ينتهي إلى أخرى فيفعل مثل ذلك فهذا حبل الجوار أي ما دام مجاورًا أرضه قال في الحرز ويجوز أن يكون من الإجارة هو الأمان والنصرة. قوله: (فقهِ) بهاء الضمير وفي نسخة صحيحة من الحصن بهاء السكت أي فاحفظه. قوله: (فِتْنَةَ القبْرِ) أي اختباره أو عذابه. قوله: (أَهلُ الوَفاءِ) أي لقولك أوف بعهدكم. قوله: (وأَهلُ الْحْمدِ) أي بالتزكية والثناء والشكر والجزاء لمن ثبت على الإيمان وقام بحق القرآن والجملة حالية من فاعل قه أو استئنافية ويمكن أن يكون المعنى وأنت أهل الوفاء لقولك ادعوني أستجيب لكم وأهل الحمد أي اللائق به ليس إلَّا ومن كان كذلك لا يرد سؤال سائل. قوله: (فاغْفرْ) أي بمحو سيئاته. قوله: (وَارحَمْهُ) أي برفع درجاته. قوله: (واخْتارَ) الشافعي دعاء التقطه من مجموع هذه الأحاديث وغيرها قال الحافظ أكثره من غيره وبعضه موقوف على صحابي أو تابعي وبعضه ما رأيته منقولا فقوله خرج من روح الدنيا إلى قوله لاقيه لم أره منقولًا وكذا قوله اللهم نزل بك وأنت خير منزول به وكذا قوله ولقه برحمتك رضاك وكذا قوله وافسح له في قبره إلى قوله جنبيه لكن في أثر مجاهد عند عبد الرزاق ووسع عن جسده الأرض وكذا قوله ولقه الأمن برحمتك قال الحافظ فهذا لم أره منقولا اهـ. قوله: (وابْنُ عبْدِكَ الخ) هذا إنما يؤتى به في معروف الأب أما ولد الزنا فيقال فيه وابن امتك. قوله: (منْ رَوْحِ الدُّنيا وسَعتهَا) هو بفتح أوليهما المهملين أي نسيم ريحها واتساعها. قوله: (ومحْبُوبَهَا) قال في شرح الروض كذا وقع في نسخة من الروضة

стр. 1293

ومَا هُوَ لاقِيهِ، كانَ يَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنْتَ، وأن مُحَمدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وأنْتَ أعْلَمُ بِه، اللهم إنَّهُ نَزَلَ بِكَ وأنْتَ خَيْرُ مَنْزولٍ بِه، وأصْبَحَ فَقِيرًا إلى رَحْمَتِكَ، وأنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْناكَ رَاغِبِينَ إلَيْكَ، شُفَعاءَ لهُ، اللهم إنْ كانَ مُحْسِنًا فَزِدْ في إحْسانِه، وإنْ كانَ مُسِيئًا فتَجَاوَزْ عَنْهُ، وآتِهِ بِرَحْمَتِكَ رِضَاكَ، وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَهُ، وَافْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَجَافِ الأرضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، ــ وكذا هو في المجموع والمشهور ومحبوبه ثم هو بالجر ويجوز رفعه بجعل الواو للحال اهـ. وأتى بالجملة الحالية لبيان انقطاعه وذله. قوله: (ومَا هُو لاقِيهِ) أي من فتنة القبر من جزاء عمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر ووقع في أثر عن عمر عند أبي شيبة تخلى من الدنيا قال الحافظ وتركها لأهلها. قوله: (كَانَ يَشهدُ أَنْ لا إِلهَ إلا أَنتَ إلى قوله أَعْلمُ بهِ) وقع ذلك في حديث أبي هريرة موقوفًا عند مالك ومرفوعا عند أبي يعلى وابن حبان في صحيحه وعند الحارث لا نعلم إلّا خيرًا وأنت أعلم به. قوله: (إنهُ نَزلَ بكَ) أي ضيفك وأنت أكرم الأكرمين وضيف الكرام لا يضام وما أحسن ما يعزى إلى الشيخ عبد الكريم الرافعي. إذا أمسى فراشي من تراب ... وصرت مجاور الرب الكريم فهنوني أحبائي وقولوا ... لك البشرى قدمت على كريم قوله: (وأَنتَ خيْرُ منْزُولٍ بهِ) بتذكير الضمير يعود إلى الله سبحانه قال ابن حجر في التحفة وليحذر من تأنيث به في منزول به فإنه كفر لمن عرف معناه وتعمده اهـ. قوله: (وقَدْ جئْناكَ) أي قصدناك. قوله: (وقِه فِتْنةَ القبْرِ) هذا إلى قوله وعذابه رواه مسلم من حديث عوف بن مالك قاله الحافظ وذلك بأن تثبته في جواب المسألة. قوله: (وعذَابه) أي وقه عذابه المسبب عن فتنته وبعضه في حديث واثلة وسيأتي ذكر القبر وأسماؤه في باب جواز الدعاء على الظالم إن شاء الله تعالى. قوله: (وافْسَحْ) هو بفتح السين المهملة أي وسع. قوله: (وجفِ الأرْضَ) أي ارفعها عن جنبيه بفتح الجيم وسكون النون تثنية جنب كما هو عبارة الأكثرين وفي بعض نسخ الأم الصحيحة عن جثته بضم الجيم وفتح المثلثة المشددة قال في المهمات وهذا أحسن لدخول

стр. 1294

وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ الأمنَ مِنْ عَذَابِكَ حَتَّى تَبْعَثَهُ إلى جَنَّتِكَ يا أرْحَمَ الراحِمِينَ، هذا نص الشافعي في مختصر المزني رحمهما الله. قال أصحابنا: فإنْ كان الميت طفلا دعا لأبويه فقال: "اللَّهُم اجْعَلْهُ لَهُما فَرَطًا، واجْعَلْهُ لَهُما سَلَفًا، واجْعَلهُ لَهُما ذُخْرًا، وثَقِّلْ به مَوَازِينَهُما، وأفرْغْ الصَّبْرَ على قُلُوبِهما، ولا تَفْتِنْهُما بَعْدَهُ، ولا تَحْرِمْهُما أجْرَهُ". هذا لفظَ ما ذكره أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا في كتابه "الكافي"، وقاله الباقون بمعناه، وبنحوه قالوا: ويقول معه: "اللهم اغْفِر لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا ... " إلى آخره. قال الزبيري: فإن كانت امرأة قال: "اللهُم هَذه أَمَتُكَ"، ثم ينسق الكلام، ــ الجنبين والظهر والبطن اهـ. ووقع في أثر مجاهد عند عبد الرزاق ووسع عن جسده الأرض وهو يؤيد ما بحثه الإسنوي. قوله: (ولقِه الأَمنَ منْ عذَابك) أي الشامل لما في القبر وما بعده وأعيد بإطلاقه بعد تقييده بما تقدم اهتماما بشأنه إذ هو المقصود من هذه الشفاعة. قوله: (حتَّى تَبعثهُ إِلى جنتكَ) أي مسوقا في زمرة المتقين إليها. قوله: (فَرَطًا) في الصحاح الفرط بالتحريك الذي يتقدم الواردة فيهيئ لهم الإرسان والدلاء ويمدر لهم الحياض ويستقي لهم فعل بمعنى فاعل مثل تبع بمعنى تابع يقال رجل فرط وقوم فرط أيضًا وفي الحديث أنا فرطكم على الحوض ومنه قيل للطفل الميت اللهم اجعله لنا فرطًا أي أجرًا يتقدمنا حتى نرد عليه اهـ، ويقال إنه جمع فارط بمعنى سابق ثم الظاهر إنه يقال فرطا لأبويه في غير ولد الزنا أما هو فينبغي أن يقال إنه فرطًا لأمه ويقول فيمن أسلم تبعًا لأحد أصوله اجعله فرطا لأصله المسلم ويحرم الدعاء بأخروي لكافر وكذا من شك في إسلامه ولو من والديه بخلاف من ظن إسلامه ولو بقرينة كالدار هذا هو المتجه من اضطراب كثير ذي ذلك. قوله: (ذُخْرًا) بالذال المعجمة شبه تقدمه لهما بشيء نفيس يكون أمامهما مدخرًا إلى حاجتهما له بشفاعته لهما كما صح. قوله: (وَأَفرِغَ الصَّبرَ عَلَى قُلوبِهمَا) هو بقطع همزة أفرغ وهذا لا يأتي إلَّا في حي. قوله: (ولا تَفتِنهُمَا بعْدَهُ الخ) هذا جار في الحيين والميتين إذ الفتنة يكنى بها عن العذاب وذلك لورود الدعاء لوالديه بالرحمة والعافية ولا يضر ضعف سنده لأنه في الفضائل. قوله: (ثُمَّ يُنْسُقُ الكَلامَ) بتحتية ثم نون فسين مهملة فقاف أي

стр. 1295

والله أعلم. وأما التكبيرة الرابعة، فلا يجب بعدها ذِكْرٌ بالاتفاق، ولكن يستحبُّ أن يقول ما نصَّ عليه الشافعي ﵀ في كتاب البويطي، قال: يقول في الرابعة: اللَّهُمَّ لا تحْرِمْنا أجْرَهُ ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ. قال أبو علي بن أبي هريرة من أصحابنا: كان المتقدِّمون يقولون في الرابعة: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. قال: وليس ذلك بمحكيٍّ عن الشافعي، فإن فعله كان حسنًا. قلت: يكفي في حسنه ما قدمناه في حديث أنس في باب دعاء الكرب، والله أعلم. قلت: ويحتج للدعاء في الرابعة ــ يجعل الكلام على ذلك النسق مرتبا وفي الروضة لو ذكر بقصد الشخص لم يضر وإن كان خنثى فقال الإسنوي المتجه التعبير بالمملوك أو نحوه والقياس إنه لو لم يعرف كون الميت ذكرًا أو أنثى أن يعبر بالمملوك ونحوه ويجوز أن يأتى بالضمائر منكرة على إرادة الميت أو الشخص ومؤنثة على إرادة لفظ الجنازة وأنه لو صلي على جمع معًا يأتي فيه ما يناسبه وإذا اجتمع ذكور وإناث فالأولى تغليب الذكور لأنه أشرف. قوله: (يُستَحبُّ أنْ يقولَ ما نصَّ عَلَيهِ الشَّافعيُّ الخ) فزاد في التنبيه في آخره اغفر لنا وله واستحسنه الأصحاب فقد صح عنه ﷺ إنه كان يدعو في صلاة الجنازة بقوله اللهم لا تحرمنا أجره وفي رواية ولا تفتنا بعده ويستحب تطويل الدعاء بعد الرابعة لثبوت ذلك من فعله ﷺ قيل وضابط التطويل إلحاقها بالثانية لأنها أخف الأركان قال ابن حجر في التحفة وهو تحكم غير مرضي بل ظاهر كلامهم إلحاقها بالثالثة أو تطويلها عليها ولو خيف تغير الميت أو انفجاره لو أتي بالسنن فالقياس كما قال الأذرعي الاقتصار على الأركان كان حسنًا أي مباحًا. قوله: (ويَكْفي في حُسْنهِ الخ) قال الحافظ ينبغي تقييده بأن لا يقصد التلاوة لما في حديث أبي أمامة بن سهيل ولا يقرأ إلَّا في التكبيرة الأولى اهـ. وقد علمت إن الصحيح جواز قراءة الفاتحة بعد أي تكبيرة شاء من الأربع ولا مانع من قصد الثلاثة بها. قوله: (ويُحتج لِلدُّعاءِ) أي لتطويله

стр. 1296

بما رويناه في "السنن الكبير" للبيهقي، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، أنه كبر على جنازة ابنةٍ له أربع تكبيرات، فقام بعد الرابعة كقدر ما بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا". في رواية: كبر أربعًا فمكث ساعة حتى ظننا أنه سيكبر خمسًا ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، أو هكذا صنع رسول الله ﷺ . قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح. ــ بشرطه السابق. قوله: (بِمَا في السُّنن الكَبير الخ) أخرجه الحافظ عن عبد الله بن أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة فماتت ابنته فخرج إلى جنازتها على بغلة له فجعل النساء يبكين فقال لا ترثين فإن رسول الله نهى عن المراثي لتفض إحداكن من عبرتها ما شاءت ثم تقدم فكبر أربعًا عليها ثم قام في الرابعة يدعو قال رسول الله مثل وأخرجه الحافظ من طريق الإِمام أحمد عن عبد الله المذكور قال فذكر الحديث نحوه وقال فيه فكبر عليه أربع تكبيرات ثم قام هنية فسبح به بعض القوم فلما انفتل قال أكنتم ترون أني أكبر الخامسة قالوا نعم قال فإن رسول الله كان إذا كبر الرابعة قام هنية قال الحافظ بعد تخريجه حديث غريب أخرجه ابن المنذر والطحاوي والحاكم والبيهقي وقال الحاكم إنه حديث صحيح قال الحافظ وليس كما قال فإن مداره على إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف عند جميع الأئمة لم نجد فيه توثيقًا لأحد إلَّا قول الأزدي صدوق والأزدي ضعيف واعتذر الحاكم بعد تخريجه بقوله لم ينقم عليه بحجة وهذا لا يكفي في التصحيح اهـ. قوله: (وفي رِوَاية أُكبِّرَ أَرْبعا فمكَثَ سَاعةً) أخرج الحافظ عن إبراهيم الهجري قال أمنا عبد الله ابن أبي أوفى على جنازة ابنته فكبر أربعًا فمكث ساعة حتى ظننا إنه يكبر خامسة ثم سلم من يمينه وعن شماله فلما انصرف قلنا له ما هذا فقال إني لا أزيد على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع وقال الحافظ بعد تخريجه أخرجه البيهقي.

стр. 1297

فصل: وإذا فرغ من التكبيرات وأذكارها، سلم تسليمتين كسائر الصلوات، لما ذكرناه من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وحكمُ السلام على ما ذكرناه في التسليم في سائر الصلوات، هذا هو المذهب الصحيح المختار، ولنا فيه هنا خلاف ضعيف تركتُه لعدم الحاجة إليه في هذا الكتاب. ولو جاء مسبوق فأدرك الإِمام في بعض الصلاة، أحرم معه في الحال، وقرأ الفاتحة ثم ما بعدها على ترتيب نفسه، ولا يوافق الإِمام فيما يقرؤه، فإن كبر، ثم كبر الإِمام التكبيرة الأخرى قبل أن يتمكَّن المأموم من الذِّكْر، سقط عنه كما تسقط القراءة عن المسبوق في سائر الصلوات، وإذا سلم الإِمام وقد بقي على المسبوق في الجنازة بعض التكبيرات، لزمه أن يأتيَ بها مع أذكارها على الترتيب، هذا هو المذهب الصحيح المشهور عندنا. ولنا قول ضعيف أنه يأتي بالتكبيرات الباقيات متواليات بغير ذِكْر، والله أعلم. باب ما يقوله الماشي مع الجنازة يستحبُّ له أن يكون مشتغلا بذِكْر الله تعالى، والفِكْر فيما يلقاه الميت، وما يكون مصيرُه، وحاصل ما كان فيه، وأن هذا آخر الدنيا ومصيرُ أهلها وليحذرْ كل الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه، فإن هذا وقت فِكْر وذِكْر يَقْبُح فيه الغفلة واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلام بما لا فائدة ــ فصل قوله: (كَسَائر الصلواتِ) أي فيما يجب ويندب فيه في سائر الصلوات من كيفيته وتعدده نعم يسن هنا زيادة وبركاته ولا يقتصر على تسليمة واحدة يجعلها تلقاء وجهه وإنه قال في المجموع إنه الأشهر. قوله: (معَ أذْكارِهَا) أي وجوبًا في الواجب وندبًا في المندوب. باب ما يقوله الماشي مع الجنازة قوله: (يُستحَبُّ أَنْ يكُونَ مشْتغِلا بِذكْر الله) أي من قراءة قرآن وثناء على الله سبحانه

стр. 1298

فيه منهى عنه في جمجع الأحوال، فكيف هذا الحال. واعلم أن الصواب المختار ما كان عليه السلف ﵃: السكوتُ في حال السير مع الجنازة، فلا يرْفَع صوتًا بقراءة، ولا ذِكْرِ، ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكنُ لخاطره، وأجمعُ لِفِكْره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغترَّنَّ بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه: الزم طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين. وقد روينا في "سنن البيهقي" ما يقتضي ما قلتُه. وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها ــ ونحو ذلك ويكون ذلك سرًّا. قوله: (فَلَا يُرْفعُ صَوْتٌ بقرَاءة ولا ذِكْرِ الخ) لأن الصحابة كرهوا ذلك حينئذٍ رواه البيهقي وكره الحسن وغيره استغفروا الله لأَخيكم ومن ثم قال ابن عمر لقائله لا غفر الله لك ولكنه بدعة قبيحة لكن رأيت السيد طاهر الأهدل نقل بهامش أصله من هذا الكتاب في هذا المكان عن جده السيد حسين الأهدل ما لفظه اعلم وإن كانت السنة السكوت فقد اعتاد النّاس كثرة الصلاة على النبي ﷺ ورفع أصواتهم بذلك فلا ينبغي أن ينهوا عن ذلك ويقال أنها بدعة مكروهة فإن المكروه ما ورد فيه نهي مقصود ولأن دواعيهم لا تتوفر على السكوت والفكر في أمر الموت بل يفيضون في حديث الدنيا بأهلها فيقعون في محذور أعظم من الذي يحاوله الناهي وقد قالوا إن الناهي يترك النهي عن المنكر إذا لزم عليه الوقوع في منكر أقوى منه اهـ، ونقله ابن زياد في فتاويه وقال بعد نقله وقد جرت العادة في بلدنا زبيد بالجهر بالذكر أمام الجنازة بمحضر من العلماء والفقهاء والصلحاء وقد عمت البلوى بما شاهدناه من اشتغال غالب المشيعين بالحديث الدنيوي وربما أداهم ذلك إلى الغيبة أو غيرها من الكلام المحرم فالذي اختاره أن شغل أسماعهم بالذكر المؤدي إلى ترك الكلام وتقليله أولى من استرسالهم في الكلام الدنيوي ارتكابًا لأخف المفسدتين كما هو القاعدة الشرعية وسواء الذكر والتهليل وغيرهما من أنواع الذكر والله أعلم. قوله: (فَهذَا هُو المطلُوبُ في هَذَا الحَالِ) أي إن أمكن وحصل وإلا فيشتغل بالذكر كما تقدم آنفًا. قوله: (وقَدْ رَوَيْنَا في سنَنِ البيهقي الخ) في الخلاصة عن قيس بن عبادة

стр. 1299

من القراءة بالتمطيط، وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحتُ قبحه، وغلظ تحريمه، وفسق من تمكَّن من إنكاره، فلم ينكره في كتاب "آداب القراء" والله المستعان، وبه التوفيق. باب ما يقوله من مرت به جنازة أو رآها يستحبُّ أن يقول: سُبْحانَ الحَيِّ الَّذي لا يَمُوتُ. وقال القاضي الإمام أبو المحاسن الروياني من أصحابنا في كتابه "البحر": يستحبُّ أن يدعوَ ويقول: لا إلهَ ــ كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز وعند القتال وعند الذكر رواه ابن المنذر والبيهقي اهـ. قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث موقوف صحيح أخرجه أبو داود والحاكم وأخرج البيهقي بسند قوي عن الأسود بن شيبان قال كان الحسن يعني البصري في جنازة النضر بن أنس فقال الأشعث بن سليم العجلي إني ليعجبني إن لا أسمع صوتًا في الجنازة فقال إن للخير لاهين وقد أورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة وآثار عديدة أبو شامة في كتابه الباعث على إنكار البدع والحوادث. قوله: (منَ الْقرَاءَةِ بالتَّمْطِيطِ الخ) سبق بيان الخلاف في ذلك في كتاب التلاوة ونزيدك هنا فنقول قال المصنف في التبيان نقلًا عن الحاوي للماوردي القراءة بالألحان الموضوعة إن أخرجت لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه أو إخراج حركات منه أو قصر ممدود أو مد مقصور أو تمطيط يخفى به اللفظ فيلتبس به المعنى فهو حرام يفسق به القارئ ويأثم به المستمع لأنه عدل به عن نهجه القويم إلى الاعوجاج والله تعالى يقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨]، قال وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحًا لأنه زاد بألحانه في تحسينه اهـ، وهذا القسم الأول من القراءة بالألحان المحرمة مصيبة ابتلي بها بعض العوام والجهلة والطغام الغشمة الذين يقرأون على الجنائز وفي المحافل بدمشق وهذه بدعة محرمة ظاهرة يأثم كل مستمع لها قال قاضي القضاة يعني الماوردي ويأثم كل قادر على إزالتها على النهي عنها إذا لم يفعل ذلك اهـ. كلام التبيان. باب ما يقوله من مرت به جنازة أو رآها قوله: (يُسْتحبُّ أَنْ يَقُولَ الخ) أو يقول سبحان الملك القدوس نقلها في المجموع عن

стр. 1300

إلا اللهُ الحَي الَّذِي لا يَمُوتُ، فيستحبُّ أن يدعوَ لها ويثني عليها بالخير إن كانت أهلًا للثناء ولا يجازف في ثنائه. باب ما يقوله من يُدخل الميت قبره روينا في سنن أبي داود، والترمذي، والبيهقي، ــ البندنيجي وفي شرح الروض أسند الطبراني عن أنس عن النبي ﷺ قال من رأى جنازة فقال الله أكبر صدق الله ورسوله اللهم زدنا إيمانًا وتسليما كتب له عشرون حسنة وروى الطبراني أيضًا إن ابن عمر كان إذا رأى جنازة قال هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله اللهم زدنا إيمانا الخ. قوله: (ويثني عَليهَا بالخَيرِ إِنْ كَانَتْ أَهْلا لِلثنَاءِ) أي ولم يترتب على ذلك محذور وإلّا فلا وقد سبق تفصيل ذلك. قوله: (ولا يُجازِفُ) بالجيم ثم الزاي بعد الألف من المجازفة وهي في الأصل مجهول القدر من مكيل ونحوه واستعير في الكلام المجاوز في الثناء والذم. باب ما يقوله من يريد أن يدخل الميت في قبره قوله: (رَوَيَنَا في سنَنِ أَبِي دَاوُدَ والترمذِي) قال المصنف في الخلاصة بأسانيد حسنة أو صحيحة وقال الترمذي حديث حسن قال البيهقي تفرد برفعه همام بن يحيى ووقفه غيره لكن همام ثقة حافظ فزيادته مقبولة وفي رواية الترمذي باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ﷺ وقال الحافظ بعد تخريجه الحديث عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال همام كذا عندي قوله إذا وضعتم موتاكم في قبورهم فقولوا باسم الله وعلى سنة رسول الله ﷺ هذا حديث صحيح أخرجه أحمد عن وكيع وقال بدل قوله في رواية همام كذا عندي في كتابي وفي روايته وعلى ملة رسول الله وقال الدارقطني وغيره تفرد برفعه همام ورواه هشام وشعبة مرفوعًا ثم أخرجه الحافظ موقوفًا من طريقهما عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر قلت وهذا سند المرفوع أيضًا قال الحافظ ولفظ هشام أن ابن عمر كان إذا وضع الميت قال بسم الله وعلى ملة رسول الله ولفظ شعبة إذا وضعتم الميت في القبر نحو رواية همام وكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن شعبة موقوفًا وأخرجه ابن حبان في القسم الثاني من صحيحه من رواية أبي داود عن شعبة به
следующие страницы →