← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

بما رويناه في "السنن الكبير" للبيهقي، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، أنه كبر على جنازة ابنةٍ له أربع تكبيرات، فقام بعد الرابعة كقدر ما بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا". في رواية: كبر أربعًا فمكث ساعة حتى ظننا أنه سيكبر خمسًا ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، أو هكذا صنع رسول الله ﷺ . قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح. ــ بشرطه السابق. قوله: (بِمَا في السُّنن الكَبير الخ) أخرجه الحافظ عن عبد الله بن أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة فماتت ابنته فخرج إلى جنازتها على بغلة له فجعل النساء يبكين فقال لا ترثين فإن رسول الله نهى عن المراثي لتفض إحداكن من عبرتها ما شاءت ثم تقدم فكبر أربعًا عليها ثم قام في الرابعة يدعو قال رسول الله مثل وأخرجه الحافظ من طريق الإِمام أحمد عن عبد الله المذكور قال فذكر الحديث نحوه وقال فيه فكبر عليه أربع تكبيرات ثم قام هنية فسبح به بعض القوم فلما انفتل قال أكنتم ترون أني أكبر الخامسة قالوا نعم قال فإن رسول الله كان إذا كبر الرابعة قام هنية قال الحافظ بعد تخريجه حديث غريب أخرجه ابن المنذر والطحاوي والحاكم والبيهقي وقال الحاكم إنه حديث صحيح قال الحافظ وليس كما قال فإن مداره على إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف عند جميع الأئمة لم نجد فيه توثيقًا لأحد إلَّا قول الأزدي صدوق والأزدي ضعيف واعتذر الحاكم بعد تخريجه بقوله لم ينقم عليه بحجة وهذا لا يكفي في التصحيح اهـ. قوله: (وفي رِوَاية أُكبِّرَ أَرْبعا فمكَثَ سَاعةً) أخرج الحافظ عن إبراهيم الهجري قال أمنا عبد الله ابن أبي أوفى على جنازة ابنته فكبر أربعًا فمكث ساعة حتى ظننا إنه يكبر خامسة ثم سلم من يمينه وعن شماله فلما انصرف قلنا له ما هذا فقال إني لا أزيد على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع وقال الحافظ بعد تخريجه أخرجه البيهقي.

стр. 1297

فصل: وإذا فرغ من التكبيرات وأذكارها، سلم تسليمتين كسائر الصلوات، لما ذكرناه من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وحكمُ السلام على ما ذكرناه في التسليم في سائر الصلوات، هذا هو المذهب الصحيح المختار، ولنا فيه هنا خلاف ضعيف تركتُه لعدم الحاجة إليه في هذا الكتاب. ولو جاء مسبوق فأدرك الإِمام في بعض الصلاة، أحرم معه في الحال، وقرأ الفاتحة ثم ما بعدها على ترتيب نفسه، ولا يوافق الإِمام فيما يقرؤه، فإن كبر، ثم كبر الإِمام التكبيرة الأخرى قبل أن يتمكَّن المأموم من الذِّكْر، سقط عنه كما تسقط القراءة عن المسبوق في سائر الصلوات، وإذا سلم الإِمام وقد بقي على المسبوق في الجنازة بعض التكبيرات، لزمه أن يأتيَ بها مع أذكارها على الترتيب، هذا هو المذهب الصحيح المشهور عندنا. ولنا قول ضعيف أنه يأتي بالتكبيرات الباقيات متواليات بغير ذِكْر، والله أعلم. باب ما يقوله الماشي مع الجنازة يستحبُّ له أن يكون مشتغلا بذِكْر الله تعالى، والفِكْر فيما يلقاه الميت، وما يكون مصيرُه، وحاصل ما كان فيه، وأن هذا آخر الدنيا ومصيرُ أهلها وليحذرْ كل الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه، فإن هذا وقت فِكْر وذِكْر يَقْبُح فيه الغفلة واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلام بما لا فائدة ــ فصل قوله: (كَسَائر الصلواتِ) أي فيما يجب ويندب فيه في سائر الصلوات من كيفيته وتعدده نعم يسن هنا زيادة وبركاته ولا يقتصر على تسليمة واحدة يجعلها تلقاء وجهه وإنه قال في المجموع إنه الأشهر. قوله: (معَ أذْكارِهَا) أي وجوبًا في الواجب وندبًا في المندوب. باب ما يقوله الماشي مع الجنازة قوله: (يُستحَبُّ أَنْ يكُونَ مشْتغِلا بِذكْر الله) أي من قراءة قرآن وثناء على الله سبحانه

стр. 1298

فيه منهى عنه في جمجع الأحوال، فكيف هذا الحال. واعلم أن الصواب المختار ما كان عليه السلف ﵃: السكوتُ في حال السير مع الجنازة، فلا يرْفَع صوتًا بقراءة، ولا ذِكْرِ، ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكنُ لخاطره، وأجمعُ لِفِكْره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغترَّنَّ بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه: الزم طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين. وقد روينا في "سنن البيهقي" ما يقتضي ما قلتُه. وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها ــ ونحو ذلك ويكون ذلك سرًّا. قوله: (فَلَا يُرْفعُ صَوْتٌ بقرَاءة ولا ذِكْرِ الخ) لأن الصحابة كرهوا ذلك حينئذٍ رواه البيهقي وكره الحسن وغيره استغفروا الله لأَخيكم ومن ثم قال ابن عمر لقائله لا غفر الله لك ولكنه بدعة قبيحة لكن رأيت السيد طاهر الأهدل نقل بهامش أصله من هذا الكتاب في هذا المكان عن جده السيد حسين الأهدل ما لفظه اعلم وإن كانت السنة السكوت فقد اعتاد النّاس كثرة الصلاة على النبي ﷺ ورفع أصواتهم بذلك فلا ينبغي أن ينهوا عن ذلك ويقال أنها بدعة مكروهة فإن المكروه ما ورد فيه نهي مقصود ولأن دواعيهم لا تتوفر على السكوت والفكر في أمر الموت بل يفيضون في حديث الدنيا بأهلها فيقعون في محذور أعظم من الذي يحاوله الناهي وقد قالوا إن الناهي يترك النهي عن المنكر إذا لزم عليه الوقوع في منكر أقوى منه اهـ، ونقله ابن زياد في فتاويه وقال بعد نقله وقد جرت العادة في بلدنا زبيد بالجهر بالذكر أمام الجنازة بمحضر من العلماء والفقهاء والصلحاء وقد عمت البلوى بما شاهدناه من اشتغال غالب المشيعين بالحديث الدنيوي وربما أداهم ذلك إلى الغيبة أو غيرها من الكلام المحرم فالذي اختاره أن شغل أسماعهم بالذكر المؤدي إلى ترك الكلام وتقليله أولى من استرسالهم في الكلام الدنيوي ارتكابًا لأخف المفسدتين كما هو القاعدة الشرعية وسواء الذكر والتهليل وغيرهما من أنواع الذكر والله أعلم. قوله: (فَهذَا هُو المطلُوبُ في هَذَا الحَالِ) أي إن أمكن وحصل وإلا فيشتغل بالذكر كما تقدم آنفًا. قوله: (وقَدْ رَوَيْنَا في سنَنِ البيهقي الخ) في الخلاصة عن قيس بن عبادة

стр. 1299

من القراءة بالتمطيط، وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحتُ قبحه، وغلظ تحريمه، وفسق من تمكَّن من إنكاره، فلم ينكره في كتاب "آداب القراء" والله المستعان، وبه التوفيق. باب ما يقوله من مرت به جنازة أو رآها يستحبُّ أن يقول: سُبْحانَ الحَيِّ الَّذي لا يَمُوتُ. وقال القاضي الإمام أبو المحاسن الروياني من أصحابنا في كتابه "البحر": يستحبُّ أن يدعوَ ويقول: لا إلهَ ــ كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز وعند القتال وعند الذكر رواه ابن المنذر والبيهقي اهـ. قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث موقوف صحيح أخرجه أبو داود والحاكم وأخرج البيهقي بسند قوي عن الأسود بن شيبان قال كان الحسن يعني البصري في جنازة النضر بن أنس فقال الأشعث بن سليم العجلي إني ليعجبني إن لا أسمع صوتًا في الجنازة فقال إن للخير لاهين وقد أورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة وآثار عديدة أبو شامة في كتابه الباعث على إنكار البدع والحوادث. قوله: (منَ الْقرَاءَةِ بالتَّمْطِيطِ الخ) سبق بيان الخلاف في ذلك في كتاب التلاوة ونزيدك هنا فنقول قال المصنف في التبيان نقلًا عن الحاوي للماوردي القراءة بالألحان الموضوعة إن أخرجت لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه أو إخراج حركات منه أو قصر ممدود أو مد مقصور أو تمطيط يخفى به اللفظ فيلتبس به المعنى فهو حرام يفسق به القارئ ويأثم به المستمع لأنه عدل به عن نهجه القويم إلى الاعوجاج والله تعالى يقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨]، قال وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحًا لأنه زاد بألحانه في تحسينه اهـ، وهذا القسم الأول من القراءة بالألحان المحرمة مصيبة ابتلي بها بعض العوام والجهلة والطغام الغشمة الذين يقرأون على الجنائز وفي المحافل بدمشق وهذه بدعة محرمة ظاهرة يأثم كل مستمع لها قال قاضي القضاة يعني الماوردي ويأثم كل قادر على إزالتها على النهي عنها إذا لم يفعل ذلك اهـ. كلام التبيان. باب ما يقوله من مرت به جنازة أو رآها قوله: (يُسْتحبُّ أَنْ يَقُولَ الخ) أو يقول سبحان الملك القدوس نقلها في المجموع عن

стр. 1300

إلا اللهُ الحَي الَّذِي لا يَمُوتُ، فيستحبُّ أن يدعوَ لها ويثني عليها بالخير إن كانت أهلًا للثناء ولا يجازف في ثنائه. باب ما يقوله من يُدخل الميت قبره روينا في سنن أبي داود، والترمذي، والبيهقي، ــ البندنيجي وفي شرح الروض أسند الطبراني عن أنس عن النبي ﷺ قال من رأى جنازة فقال الله أكبر صدق الله ورسوله اللهم زدنا إيمانًا وتسليما كتب له عشرون حسنة وروى الطبراني أيضًا إن ابن عمر كان إذا رأى جنازة قال هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله اللهم زدنا إيمانا الخ. قوله: (ويثني عَليهَا بالخَيرِ إِنْ كَانَتْ أَهْلا لِلثنَاءِ) أي ولم يترتب على ذلك محذور وإلّا فلا وقد سبق تفصيل ذلك. قوله: (ولا يُجازِفُ) بالجيم ثم الزاي بعد الألف من المجازفة وهي في الأصل مجهول القدر من مكيل ونحوه واستعير في الكلام المجاوز في الثناء والذم. باب ما يقوله من يريد أن يدخل الميت في قبره قوله: (رَوَيَنَا في سنَنِ أَبِي دَاوُدَ والترمذِي) قال المصنف في الخلاصة بأسانيد حسنة أو صحيحة وقال الترمذي حديث حسن قال البيهقي تفرد برفعه همام بن يحيى ووقفه غيره لكن همام ثقة حافظ فزيادته مقبولة وفي رواية الترمذي باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ﷺ وقال الحافظ بعد تخريجه الحديث عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال همام كذا عندي قوله إذا وضعتم موتاكم في قبورهم فقولوا باسم الله وعلى سنة رسول الله ﷺ هذا حديث صحيح أخرجه أحمد عن وكيع وقال بدل قوله في رواية همام كذا عندي في كتابي وفي روايته وعلى ملة رسول الله وقال الدارقطني وغيره تفرد برفعه همام ورواه هشام وشعبة مرفوعًا ثم أخرجه الحافظ موقوفًا من طريقهما عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر قلت وهذا سند المرفوع أيضًا قال الحافظ ولفظ هشام أن ابن عمر كان إذا وضع الميت قال بسم الله وعلى ملة رسول الله ولفظ شعبة إذا وضعتم الميت في القبر نحو رواية همام وكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن شعبة موقوفًا وأخرجه ابن حبان في القسم الثاني من صحيحه من رواية أبي داود عن شعبة به

стр. 1301

وغيرها، عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ ، كان إذا وضع الميت في القبر قال: ــ مرفوعًا وما أظنه إلَّا وهمًا وأبو داود ما عرفت هل هو الطيالسي أو الحفري والأول أقرب لكن ما وجدته في مسنده وقد وقع لنا اللفظ الذي اقتصر عليه الشيخ من وجه آخر عن ابن عمر قال كان رسول الله إذا وضع الميت في قبره قال بسم الله وعلى ملة رسول الله وقال بعض رواته وعلى سنة رسول الله وزاد بعض رواته وفي سبيل الله قال الحافظ بعد تخريجه من طرق وأخرجه الترمذي ورواية ليث أي أحد الطرف التي خرج عنها الحافظ عند ابن ماجة قال الحافظ وليث بن أبي سليم وحجاج بن أرطأة ضعيفان من جهة سوء الحفظ ووصفا بالتدليس قال الترمذي روي عن ابن عمر من غير وجه ورواه أبو الصديق عنه مرفوعًا وموقوفًا قال الحافظ يشير به إلى ما تقدم وإلى ما روي عن سعيد بن المسيب قال حضرت ابن عمر صلى على جنازة فلما وضعها في اللحد قال بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله لما أخذ في تسوية اللبن قال اللهم اجرها من الشيطان ومن عذاب القبر اللهم جافي القبر عن جنبيها وصعد روحها ولقها منها رضوانًا قلت شيء سمعته من رسول الله ﷺ أم شيء قلته برأيك قال اني إذا لجريء على القول بل سمعته من رسول الله ﷺ رواه الطبراني وزاد فلما سوى اللبن قام إلى جانب القبر ثم قال اللهم جاف الأرض الخ. وحماد بن عبد الرحمن ضعيف وقد تفرد به قال الحافظ ولم يذكر الترمذي من الباب غير حديث ابن عمر وفيه عن علي بن أبي طالب مرفوعًا عند البزار وموقوفًا عند ابن أبي شيبة وعن أبي أمامة عند أحمد وعن سمرة بن جندب عند الحارث بن أبي أسامة وعن واثلة بن الأسقع عند الطبراني وعن البياضي صحابي لم يسم عند الحاكم في المستدرك وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن خيثمة أحد كبار التابعين قال كانوا يستحبون فذكره اهـ. قوله: (وغيرِها) فرواه النسائي عن همام عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر مرفوعًا وابن حبان وقد علمت ما فيه في كلام الحافظ ولفظ الحديث في الكتاب لأبي داود وفي حديث الترمذي قال أبو خالد مرة بسم الله وعلى ملة رسول الله ومرة بسم الله وعلى سنة رسول الله وقال حسن غريب من هذا الوجه وفي رواية ابن حبان وإحدى روايات النسائي إذا وضعتم موتاكم

стр. 1302

"بِسْمِ الله، وعلى سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ ". قال الترمذي: حديث حسن. قال الشافعي والأصحاب ﵏: يستحبُّ أن يدعوَ للميت مع هذا. ومن أحسن الدعاء، ما نصَّ عليه الشافعي ﵀ في مختصر المزني قال: يقول الذين يُدخلونه القبر: اللهم أَسْلَمَهُ إلَيْكَ الأشِحَّاء مِنْ أهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَقَرَابَتِهِ وإخوَانِهِ، وَفارَقَ مَنْ كانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الدُّنْيا والحَيَاةِ إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ وضِيقِهِ، وَنَزَلَ بِكَ وأنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، إنْ عاقَبْتَهُ فَبذنْبٍ، وإنْ عَفَوْتَ عَنْهُ فَأنْتَ أهْلُ العَفْو، أنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابهِ، ــ في القبر فقولوا ورواه الحاكم في المستدرك من طريق آخر أي غير طريق ابن عمر ولفظه الميت إذا وضع في قبره فليقل الذين يضعونه بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ﷺ كذا في السلاح. قوله: (باسمِ الله) أي وضعته أو أدخلته أو دفنته. قوله: (وعَلَى ملّةِ رَسُولِ الله ﷺ ) سبق في خطبة الكتاب أن الملة والدين والشريعة والإسلام ألفاظ متحدة بالذات أي وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود لما فيه نفعهم دنيا وأخرى، مختلفة بالاعتبار فتسمى ملة من حيث أنها تملى وتكتب ودينا من حيث أنها تدان وشريعة من حيث الاجتماع عليها وإسلاما من حيث الاستسلام والانقياد لها والله أعلم. قوله: (وَيَقولُ الذِينَ يدْخِلُونهُ القبْرَ) أي كل واحد منهم لأن المقام للسؤال وطلب الرحمة والإفضال فناسب التكرار باعتبار القائلين في الحديث إن الله يحب الملحين في الدعاء وفي الإتيان بالموصول الموضوع للجمع تنبيه على استحباب كونهم عددًا ويستحب كونهم وترًا ويجزئ من يدعى ولو واحدًا. قوله: (الأَشِحاءُ) بفتح الهمزة وكسر الشين المعجمة وتشديد الحاء المهملة جمع شحيح وحذف صلته أي الأشحاء بإسلامه وقوله من ولده الخ. بيان للأشحاء في موضع الحال والصفة لأن أل فيما قبله للجنس. قوله: (وفارَق) أي وفارقه ليناسب ما قبله من قوله أسلمه إليك الأشحاء. قوله: (إِنْ عاقَبتَه فَبذَنب) وفي نسخة فبذنبه أي فذلك العقاب على سبيل العدل لكونه بسبب ذنبه لأجور فيه بوجه. قولَه: (فأَنتَ أَهْلُ العفْو) أي الكريم الذي يعفو عن العباد بمحض الفضل والإحسان. قوله: (أَنتَ غَنيٌّ عَنْ عذَابهِ) جملة مستأنفة كالتعليل

стр. 1303

وَهُوَ فَقِيرٌ إلى رَحْمَتِكَ، اللهم اشْكُرْ حَسَنَتَهُ، وَاغْفِرْ سَيئَتَهُ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَاب القَبْرِ، واجْمَعْ لَهُ بِرَحْمَتِكَ الأمْنَ مِنْ عَذَابِكَ، وَاكْفِهِ كُل هَوْلِ دُونَ الجَنّةِ، اللهُم اخْلُفْهُ في تَركَتِهِ في الغابِرِينَ، وَارْفَعْهُ في عِلِّيِّينِ، وَعُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". باب ما يقال بعد الدفن السُّنَّةُ لمن كان على القبر أن يحثيَ في القبر ثلاث حَثَيَاتٍ بيديه جميعًا من ــ لقوله فأنت أهل العفو. قوله: (أشكُرْ حَسنتَهُ) أي أثبت عليها أو اثنتين عليه لها في عالم الملكوت ولذكر الله أكبر وفي آخر الخبر القدسي ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه. قوله: (وأعِذهُ منْ عَذابِ القبْر) أي ومن سببه أي فتنة القبر كما يوميئ إلى ذلك عموم قوله بعده واجمع له برحمتك الأمن من جميع عذابك أي في قبره وفي معاده وقوله واكفه كل هول الخ. قوله: (في تَرِكَتِهِ) أي فيمن تركه من اللهل والولد. قوله: (وارْفعهُ) أي ارفع مقامه في مقام عليين أي أعلى درجات الجنة وهو في الأصح جمع واحده على مشتق من العلو للمبالغة. قوله: (وعُدْ) بضم العين من عاد يعود بمعنى تفضل ومنه قولهم عاد الله عليك بإحسانه وقال الشاعر: مرضت لله قوم ... ما منهم من جفاني عادوا وعادوا وعادوا ... على اختلاف المعاني باب ما يقول بعد الدفن قوله: (السنةُ لمَنْ كانَ عَلَى القبر) أي على شفير القبر كما عبر به في الأم وذلك للاتباع رواه ابن ماجة بسند جيد كما قاله البيهقي وقيده به جماعة واختار في التفقيه استحباب ذلك لمن حضر الدفن وإن لم يكن على شفير القبر ولما فيه من المشاركة في هذا الغرض كذا في شرح الروض وفي التفقيه ويستدل له بما روي أن المؤمن إذا مات غفر له ولمن غسله وكفنه

стр. 1304

قبل رأسه. قال جماعة من أصحابنا: يستحبُّ أن يقول في الحثْية الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ وفي الثانية ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ وفي الثالثة ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، ــ وصلى عليه ودفنه، وحثو التراب عليه من الدفن وأخرج الحافظ عن أبي أمامة الباهلي قال توفي رجل فلم تصب له حسنة إلّا ثلاث حثيات حثاها في قبر فغفر له أخرجه ابن المنذر في الكتاب الأوسط والبيهقي في الكبير وقال هذا موقوف حسن الإسناد وأخرج عن أبي هريرة قال صلى رسول الله ﷺ على جنازة فأكثر عليها أربعًا فحثى عليه من قبل رأسه قال الحافظ قال الطبراني لم يروه عن الأوزاعي إلَّا سلمة بن كلثوم تفرد به يحيى بن صالح قال الحافظ وهما ثقتان وكذا بقية رجاله وذكر ابن أبي حاتم أن أباه أعله ولم يذكر موضع العلة فيه ولا أعرف فيه إلَّا عنعنة ابن أبي كثير عن شيخه أبي سلمة والأوزاعي عن يحيى المذكور أخرجه ابن ماجة وأخرجه الحافظ عن أبي المنذر إن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن فلانا هلك فصل عليه فقال عمر يا رسول الله إنه رجل فاجر فلا تصل عليه فقال الرجل يا رسول الله ألم ترَ الليلة التي صحت فيها في الحرس فإنه كان فيهم فقام رسول الله حتى صلَّى عليه ثم تبعه حتى إذا جاء قبره قعد حتى إذا فرغ من دفنه حتى ثلاث حثيات الحديث هذا حديث غريب أخرجه أبو داود في المراسيل خارج السنن وأبو نعيم في المعرفة من وجه آخر وأبو المنذر لا يعرف اسمه ولا نسبه، ذكره في الصحابة مطين والطبراني وأبو نعيم وأخرج حديثه أحمد بن منيع في مسنده وأبو داود له في المراسيل تقتضي إنه لا صحبة له وقد أغفله أبو أحمد الحاكم في الكنى ومن تبعه كابن عبد البر والراوي عنه لا أعرف حاله وقد اختلف في اسمه فوقع عند أبي داود زياد وعند الباقين يزيد وفي الباب عن عامر بن ربيعة قال رأيت رسول الله حين دفن عثمان بن مظعون وصلى عليه فكبّر أربعًا وحثى في القبر ثلاث حثيات من تراب وهو قائم، الحديث قال البيهقي إسناده ضعيف وله شاهد من مرسل جعفر بن محمد عن أبيه أخرجه الشافعي من روايته في شأن إبراهيم ابن النبي وفيه وحثى بيديه جميعًا وفي مراسيل أبي داود من طريق عبد الله بن محمد عن أبيه نحوه لكن قال حثى بيده اهـ. قوله: (قَال جمَاعة منْ أصْحابِنَا) أي كالقاضي حسين والمتولي في آخرين وفي شرح

стр. 1305

ويستحبُّ أن يقعد عنده بعد الفراغ ساعةً قدر ما تنحرُ جزورٌ ويقسم لحمها، ويشتغل القاعدون بتلاوة القرآن، والدعاء للميت، والوعظ، وحكايات أهل الخير، وأخبار الصالحين. روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن علي ﵁، قال: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول ﷺ ، فقعد ــ الروض بعد إيراده كذلك رواه الإِمام أحمد قال الحافظ حديث غريب ورواه البيهقي عن أبي أمامة قال لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله في القبر قال ﷺ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ثم قال بسم الله وفي سبيل الله الحديث وقال البيهقي سنده ضعيف وورد فيه موقوف عند سعيد بن منصور بسند صحيح عن عبد الله بن عمر إنه كان يحثي في القبر ثلاث حثيات يقول في الأولى بسم الله وفي الثانية الله أكبر وفي الثالثة الحمد لله رب العالمين اهـ. قال المحب الطبري ويستحب أن يقول في الأولى اللهم لقنه عند المسألة حجته وفي الثانية اللهم افتح أبواب السماء لروحه وفي الثالثة اللهم جاف الأرض عن جنبيه اهـ، وفي مختصر التفقيه ذلك عن الطويري والشيباني إلَّا إنه جعل ما ذكره المحب في الثانية، في الأولى وما ذكره في الأولى في الثانية. قوله: (ويُستَحبُّ أَنْ يَقعُدَ عِنْدَهُ) أي يستحب ذلك لمن حضر الدفن أو عقبه فقد روى أبو داود وغيره بإسناد جيد كما في المجموع عن عثمان بن عفان إنه ﷺ كان إذا فرغ من دفن الرجل يقف عليه ويقول استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل. قوله: (والدُّعاءِ للْميّتِ) أي بغفر الذنوب ورفع الدرجات ونيل المطلوب. قوله: (وَرَوَيْنَا في صَحِيحيَ البُخَارِي ومُسْلم) قال الحافظ ورواه أحمد وأخرجه الأئمة الخمسة من طرق. قوله: (بقَيع الغَرْقَدِ) البقيع بالموحدة ثم القاف ثم التحتية ثم العين المهملة والبقيع من الأرض المكان المتسع ولا يسمى بقيعا إلَّا وفيه شجر أو أصولها والغرقد بالغين المعجمة ثم الراء ثم القاف آخره دال مهملة كبار العوسج كان ثابتًا بذلك المكان فقطع واتخذ مقبرة قال عمرو بن النعمان البياضي يرثي قومه، ونسب لرجل من خثعم: خلت الديار فصرت مسود ... ومن العناء تفردي بالسؤدد أين الذين عهدتهم في غبطة ... بين العقيق إلى بقيع الغرقد

стр. 1306

وقعدنا حوله ومعه مخصرة"، فنكس، وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما مِنكُمْ مِنْ أحَدٍ إلا قد كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ ومَقْعَدُهُ مِنَ الجنَّةِ، فقالوا: يا رسول الله أفلا نَتَّكِلُ على كتابنا؟ فقال: اعْمَلوا فَكُل مُيَسرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ... " وذكر تمام الحديث. وروينا في "صحيح مسلم" عن عمرو بن العاص ﵁ قال: إذا دفنتموني أقيموا حول قبري قدر ما ينحر ــ بقيع الغرقد كان به شجر الغرقد قال الهروي هي من العضاة وقال ابن فارس العضاة من شجر السواك كالطاغ والعوسج اهـ. قوله: (ومعَهُ مِخصرَةٌ) هو بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة وفتح الصاد والراء المهملتين وهو كما في النهاية ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه من عصا أو عكازة أو مقرعة أو قضيب وقد يتكئ عليه. قوله: (ينكثُ) وفي نسخة ينكث في الأرض في الصحاح ينكت في الأرض بقضيب أي يضرب ليؤثر فيها وفي النهاية ينكت الأرض بقضيب هو أن يؤثر فيها بطرفه فعل المفكر المهموم اهـ. قوله: (منْ أَحَدٍ) وفي رواية من نفس. قوله: (مقعدُه) وفي رواية منزله. قوله: (فكل مُيَسَّر لمَا خلِقَ لهُ) قال شارح الأنوار السنية قال ابن الجوزي الميسر للشيء المهيأ له المصرف فيه والتيسير التسهيل للفعل وإنما أراد أن يكونوا في عملهم الظاهر خائفين مما سبق به القضاء فيحسن السير بين العمل وقائد الخوف وقال القاضي يعني إذا سبق القضاء لمكان كل نفس من الدارين وما سبق به القضاء لا بد من وقوعه فأي فائدة في العمل فيدعه قال المازري هذا الذي انقدح في نفس الرجل من عدم فائدة العمل هو الذي لاحظه المعتزلة في التشنيع علينا في مسألة خلق الأعمال. قالوا إذا كانت المعصية من قبل الله وقضائه فكيف يعذب العبد عليها وإذا كانت الطاعة بفعله تعالى فكيف تطلب من العبد وأي فائدة في التكليف بفعل الغير والإنسان عندنا مكتسب بفعله غير مجبور عليه وقال القرطبي الذي انقدح في نفس هذا الرجل هو شبه النافين للقدر وأجابه ﷺ بما لم يبق معه إشكال وتقرير جوابه ﵊ إن الله تعالى غيب عنا المقادير وجعل الأعمال دلت على ما سبقت به مشيئته من ذلك العمل فأمرنا بالعمل فلا بد من امتثال أمره تعالى

стр. 1307

جزوز، ويقسمُ لحمها حتى أستأنس بكم، وأنظرَ ماذا أراجع به رسل ربي. وروينا في "سنن أبي داود" والبيهقي بإسناد حسن، ــ وقال النووي الله تعالى مالك والمالك لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وأيضًا فإن أفعاله تعالى غير معللة قال السمعاني سبيل معرفة هذا الباب التوقيف لا القياس والنظر ومن عدل فيه عن التوقيف ضل وحار ولم يصل إلى ما تطمئن به القلوب فإن القدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الحجب واختص سبحانه بعلمه وحجب قلوب الخلق عنه فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب فالواجب أن نقف حيث حد لنا ولا نتجاوزه قال ابن خلف يعني الآبي الجواب أن يقال هب أن القضاء سبق بمكان كل من الدارين لكن استحقاق ذلك ليس لذاته بل موقوف على سبب هو العمل وإذا كان موقوفًا على سبب فقال ﷺ اعلموا فكل ميسر ففعله سبب ما يكون له من جنة أوتار وقد بين ذلك بقوله أما أهل السعادة فييسرون إلى آخر الخبر وما يلي من الآيات وفي روضة التحقيق في قصة الصديق قال الشاعر: علمي بقبح المعاصي حين أوردها ... يقضي بأني محمول على القدر لو كنت أملك نفسي أو أدبرها ... ما كنت أطرحها في لجة الغرر كلفت نفسي أشياء ما قويت بها ... وكنت أمضي أفعالا بلا قدر وجاز في عدل ربي إن يعذبني ... فلم أشاركه في نفع ولا ضرر إن شاء نعمني أو شاء عذبني ... أو شاء صورني في أحسن الصور يا رب عفوك عن ذنب قضيت به ... عدلا عليّ فهب لي صفح مقتدر اهـ. كلام شرح الأنوار السنية قوله: (جزُورٌ) بفتح الجيم في النهاية والجزور البعير ذكرًا كان أو أنثى إلَّا إن اللفظة مؤنثة لقوله هذه الجزور إن أردت ذكرًا والجمع جزر ككتب وجزائر اهـ. قوله: (وَرَوَيْنَا في سننِ أَبِي دَاوُدَ الخ) ورواه الحاكم في المستدرك والبزار وأخرجه الحافظ وزاد بسنده ذلك إلى عثمان إنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته فقيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا فقال إن رسول الله قال إن القبر أول منازل الآخرة فإن تنج منه فما بعده أيسر منه وإن لم تنج منه فما بعده أشد منه قال وقال رسول الله ﷺ ما رأيت منظرا إلَّا والقبر أفظع منه قال الحافظ بعد

стр. 1308

عن عثمان ﵁، قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه فقال: "استغفروا لأخِيكُمْ، واسألوا الله لهُ التَّثْبِيتَ فإتَهُ الآنَ يُسألُ". قال الشافعي والأصحاب: ــ تخريجه هذا حديث حسن فرقه الرواة ثلاثة أحاديث وأخرج أبو داود الأول منه أي الحديث المذكور في الكتاب الذي اقتصر عليه الشيخ وأخرجه البيهقي بتمامه وأخرج الترمذي الحديثين الآخرين وأخرجهما الحاكم وتكلم على ما يتعلق بهما ثم أخرج الحافظ عن ابن أبي مليكة قال رأيت ابن عباس لما فرغ من دفن عبد الله بن السائب وقام النّاس قام فوقف عند القبر فدعا له ثم انصرف وقال الحافظ بعد تخريجه هذا موقوف صحيح. قوله: (عَنْ عُثمَانَ) أي ابن عفان ﵁. قوله: (وقَف عَليهِ) أي على قبره. قوله: (اسْتغفروا لأَخِيكُمْ) أي اطلبوا المغفرة لذنوب أخيكم المؤمن. قوله: (التَّثبيتَ) أي إن يجعله الله ثابتًا على التوحيد في جواب مسألة الملكين وقال الطيبي اطلبوا له من الله أن يثبته على جواب الملكين وضمن سلوا الدعاء كما في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] أي ادعوا له بدعاء التثبيت أي قولوا ثبته الله بالقول الثابت اهـ، وفي الحديث كما قال ابن الجزري دليل على إن الروح تعود إلى الجسد عقب الدفن للسؤال كما هو مذهب أهل السنة. قوله: (فإنه الآنَ) أي الزمان الذي نحن فيه أو قريب منه قال الواحدي الآن الوقت الذي أنت فيه وهو حدَ الزمانين حد الماضي من آخره والمستقبل من أوله قال وذكر الفراء في أصله قولين أحدهما أن أصله أو إن حذفت منه الألف وغيرت واوه إلى الألف ثم أدخلت عليه الألف واللام وهي ملازمة له غير مفارقة والثاني أصله آن ماضي يئين بني اسمًا لحاضر الوقت ألحق به أل وترك على بنائه وقال الفارسي الآن مبني لما فيه من مضارعة الحرف أي تضمنه معناه وهو مضمن معنى حرف التعريف قال والألف اللازم زائدتان ولا توحش من قولنا فقد قال بزيادته في نحو مررت بهم الجماء الغفير فنصب الجماء على الحال على نية إلقاء أل، سيبويه والخليل وأجاز الأخفش مررت بالرجل خير منك بناءً على أن أل زائدة قال أبو علي والقولان اللذان قالهما الفراء لا يجوز واحد منهما

стр. 1309

يستحبُ أن يقرؤوا عنده شيئًا من القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآن كلَّه كان حسنًا. وروينا في "سنن البيهقي" بإسناد حسن، أن ابن عمر استحبَّ أن يُقرأ على القبر بعد الدفن أوَّل سورة البقرة وخاتمتها. فصل: وأما تلقين الميت بعد الدفن، فقد قال جماعة كثيرون من ــ كذا في التهذيب للمصنف. قوله: (يُستَحبُّ أَن يَقْرؤُوا عِندَهُ شَيْئًا منَ الْقرْآنِ) أي ليصيبه من الرحمات الهاطلة على المجتمعين للقراءة والدعاء بينهم وينال بركة القرآن ويبعد عند سماع ذلك الشيطان قال تعالى ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]، والقصد إبعاد الشيطان خصوصًا في ذلك الزمان والمكان والله الموفق. قوله: (وَرَوَيْنَا في سنَن البيهقي) قال الحافظ بعد تخريجه بسنده إلى البيهقي قال حدثنا أبو عبد الله الحافظ قال حدثنا أبوَ العباس بن يعقوب قال حدثنا العباس بن محمد قال سألت يحيى بن معين عن القراءة عند القبر فقال حدثني مبشر بن إسماعيل الحلبي عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال لبنيه إذا أنا مت فضعوني في قبري وقولوا بسم الله وعلى سنة رسول الله وسنوا علي التراب سنا ثم اقرأوا وعند رأسي أو سورة البقرة وخاتمتها فإني رأيت ابن عمر يستحب ذلك قال الحافظ بعد تخرجيه هذا موقوف حسن أخرجه أبو بكر الخلال وأخرجه من رواية علي بن موسى الحداد وكان صدوقا قال صلينا مع أحمد على جنازة فلما فرغ من دفنه حبس رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة فلما خرجنا قال له محمد بن قدامة يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر بن إسماعيل قال ثقة قال كتبت عنه شيئًا قال نعم قال إنه حدثني عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرؤوا عند قبره فاتحة البقرة وخاتمتها وقال سمعت ابن عمر يوصي بذلك قال فقال أحمد ارجع فقل للرجل فليقرأ اهـ. قوله: (أَن ابْن عُمَر استَحبَّ الخ) ظاهر إيراده أنه موقوف على ابن عمر وقضية إيراد الحصن إنه نبّه عليه في الحرز والصواب إنه موقوف على ابن عمر رواه عند البيهقي وغيره. فصل قوله: (وأَمَا تلْقين الميِّتِ الخ) ووجه الاستحباب إن فيه تذكيرًا للميت قال تعالى

стр. 1310

أصحابنا باستحبابه، وممن نصَّ على استحبابه: القاضي حسين في تعليقه، وصاحبه أبو سعد المتولي في كتابه "التتمة"، والشيخ الإِمام الزاهد أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي، والإمام أبو القاسم الرافعي وغيرهم، ونقله القاضي حسين عن الأصحاب. وأما لفظه: فقال الشيخ نصر: إذا فرغ من دفنه يقف عند رأسه ويقول: يا فلان بن فلان، اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريبَ فيها، وأن الله يبعث من في القبور، قل: رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وبالكعبة قبلةً، وبالقرآن إمامًا، وبالمسلمين إخوانًا، ربي الله، لا إله إلا هو، وهو ربُ العرش العظيم، هذا لفظ الشيخ نصر المقدسي في كتابه "التهذيب"، ولفظ الباقين بنحوه، وفي لفظ بعضهم نقص عنه، ثم منهم من يقول: يا عبد الله ابن أمة الله، ومنهم من يقول: يا عبد الله ابن حواء، ومنهم من يقول: يا فلان -باسمه- ابن أمة الله، أو يا فلان ابن حواء، وكله بمعنًى. وسئل الشيخ الإِمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ عن هذا التلقين، فقال في فتاويه: التلقين هو الذي نختاره ونعمل به، وذكره جماعة من أصحابنا الخراسانيين قال: وقد روينا فيه حديثًا من حديث أبي أمامة ليس بالقائم إسناده"، ولكن اعتضد بشواهد، وبعمل أهل الشام به قديمًا. قال: وأما تلقين الطفل الرضيع، فما له مستند ــ ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير في هذا الحال قال العلماء ولا يعارض التلقين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وقوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] نادى أهل القليب وأسمعهم وقال ما أنتم بأسمع منهم لكنهم لا يستطيعون جوابًا وقال في الميت إنه يسمع قرع نعالهم وأنكر بعض المالكية سماع الموتى ورد. قوله: (يا عَبدَ الله ابْن أَمَةِ الله) قال في شرح الروض وأنكر بعضهم

стр. 1311

يعتمَد، ولا نراه، والله أعلم. قلت: الصواب: أنه لا يلقن الصغير مطلقًا، سواء كان رضيعا أو أكبر منه ما لم يبلغ ويصير مكلفا، والله أعلم. ــ يا ابن أمة الله لأن المشهور أن النّاس يدعون يوم القيامة بآبائهم كما نبه عليه البخاري في صحيحه ورد بأن هذا لا مجال للقياس فيه وقد ورد الندب هنا بالأم فليتبع على أنه في المجموع خبر فقال يقال يا فلان ابن فلان أو يا عبد الله ابن أمة الله ومحل الكلام في غير ولد الزنا والمنفي بلعانه وعند الطبراني في الكبير وفي الدعاء من حديث أبي أمامة إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على قبره ثم ليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب ثم يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يستوى قاعدًا ثم يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله فليقل أذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلَّا الله وإن محمدًا عبده ورسوله ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧] قال فإن منكرًا ونكيرا عند ذلك يأخذ كل منهما بيد صاحبه ويقول قم ما نصنع عند رجل قد لقن حجته فيكون الله تعالى حجيجه دونهما فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه قال فلينسبه إلى أمه حواء بيا فلان ابن حواء قال المصنف وهو ضعيف لكن أحاديث الفضائل يسامح فيها عند أهل العلم وقد اعتضد بشواهد من الأحاديث الصحيحة كحديث اسألوا الله له التثبيت ووصية ابن عمر والسابقين قلت وقال الحافظ بعد تخريج حديث أبي أمامة هذا حديث غريب وسند الحديث من الطريقين ضعيف جدًّا اهـ. قال بعضهم وقوله ﷺ لقنوا موتاكم الخ. دليل عليه لأن حقيقة الميت من مات أما قبل الموت وهو ما جرى عليه الأصحاب فمجاز وقد سبق ما في ذلك وقد ألف الحافظ السخاوي جزءًا في التلقين نقل فيه عن أئمة من أئمة المذاهب الأربعة استحبابه وأطال في ذلك وتكلم فيه على حديث الباب وشواهده وبلغ فيه بضعة عشر شاهدا. قوله: (الصوابُ أنهُ لَا يلقنُ الصغِيرُ مُطلقًا سواءُ كانَ رضِيعًا أَوْ مُراهقًا الخ) وما نقل من أنه ﷺ لقن ولده إبراهيم بعد دفنه فلم يثبت وروده وإن ذكره جمع تبعًا للتتمة وقد قال المتقي السبكي عقب عزوه له إليها في شرح المنهاج إنه غريب قال السخاوي والظاهر إنه لم يرد الغرابة المصطلح عليها ومثل الصبي في عدم التلقين مجنون لم يسبق له تكليف.

стр. 1312

باب وصية الميت أن يصلي عليه إنسان بعينه أو أن يدفن على صفة مخصوصة وفي موضع مخصوص وكذلك الكفن وغيره من أموره التي تفعل والتي لا تفعل روينا في "صحيح البخاري" عن عائشة ﵂ قالت: دخلت على أبي بكر ﵁ يعني: وهو مريض، فقال: في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ فقلت: في ثلاثة أثواب، قال: في أيّ يوم توفِّيَ رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم ــ باب وصية الميت أن يصلي عليه انسان بعينه أو أن يدفن على صفة مخصوصة أو موضع مخصوص وكذا الكفن وغيره من أموره التي تفعل والتي لا تفعل أي وصية من دنى من الموت فتسميته ميتًا مجاز مرسل علاقته الأول نحو ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، قوله: (رَوَينَا قوله صحيح البُخاري الخ) عقد البخاري عليه ترجمة "باب موت الاثنين" قال شارحه ابن المنير وقت الموت ليس لأحد فيه اختيار لكن في التسبب في حصوله مدخل كالرغبة إلى الله تعالى لقصد التبرك فمن لم يحصل له الإجابة أثيب على اعتقاده وكأن الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصح عند البخاري اهـ، وقال الحافظ بعد تخريج الحديث باللفظ المذكور هكذا أخرجه البخاري في أواخر الجنائز وأصل المرفوع منه متفق عليه من عائشة وأخرجه أبو يعلى وزاد فيه بعد قوله سحولية بجانية وأخرجه من طريق أخرى أو قال فيها فقلت لا تجعلها جددًا فقال لا اهـ. قوله: (وهُوَ مرِيضٌ) بدأ مرضه كما جاء عن عائشة أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يومًا باردًا فحم خمسة عشر يومًا ومات مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة منه ثلاث عشرة. قوله: (في كَمْ كَفنتُمْ) معمول لكفنتم قيل ذكر لها أبو بكر ذلك بصيغة الاستفهام توطئة لها للصبر على فقده واستنطاقًا لها بما يعلم أنه يعظم عليها ذكره لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغم العظيم عليها ولا يبعد أن يكون أبو بكر نسي ما سأل عنه مع قرب عهده. قوله: (يَوَم

стр. 1313

الاثنين، قال: فأيُّ يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرَّض فيه، به رَدعْ من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها، قلت: إن هذا خَلق، قال: إن الحي أحقُّ بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة، فلم يتوفَّ حتى أمسى من ليلة الثلاثاء. ودفن قبل أن يصبح. قلت: قولها رَدع، بفتح الراء وإسكان الدال وبالعين المهملات: وهو الأثر. وقوله للمهلة، روي بضم الميم وفتحها وكسرها ثلاث لغات، والهاء ساكنة: وهو الصديد الذي يتحلل من بدن الميت. وروينا في "صحيح البخاري" أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لما جرح: إذا أنا قُبِضْتُ فاحملوني، ــ الاثنين) بالنصب أي توفي يوم الاثنين وقولها بعده يوم الاثنين بالرفع أي هذا يوم الاثنين. قوله: (أَرْجو فِيما بيني الخ) أي أرجو بقضاء الأمر فيما بقي من اليوم ليحصل التبرك بالموت في مثل اليوم الذي مات فيه ﷺ .قوله: (فَكفِّنوني فِيهَا) أي في الثوبين المزيدين مع الثالث الخلق، وفي رواية أبي ذر أحد رواة كتاب البخاري فيها أي الثلاثة. قوله: (خلَقُ) بفتح الخاء المعجمة واللام أي غير جديد. قوله: (وهوَ الأثَر) أي قال شراح البخاري قوله به ردع أي لطخ لم يعمه كله وفي النهاية والأمر قريب. قوله: (للْمُهلةِ) روي بضم الميم وفتحها وكسرها قلت ثلاث لغات في النهاية إنما هو للمهل والتراب ويروى المهملة بضم الميم وكسرها، وحكي تثليثها القيح والصديد ومنه قيل للنحاس المهل ونقل ابن العز الحجازي في شرح البخاري عن ابن حبيب إنه بالكسر الصديد وبالفتح التمهل وبالضم عكر الزيت والمراد هنا الصديد اهـ. قوله: (الصَّدِيدُ) في الصحاح صديد الجرح الماء الرقيق المختلط بالدم قبل أن يغلظ. قوله: (وَرَوَيَنَا في صحيح البُخَارِي) قال الحافظ أخرجه البخاري من طرق مطولًا ومختصرًا وفي بعضها عن عائشة قالت كنتَ أريده لنفسي فلا وتر به اليوم على نفسي. قوله: (قَال) أي موصيًا

стр. 1314

وقولوا: يستأذِن عمر، فإن أذِنَتْ لي -يعني عائشةَ- فأدخلوني، وإن ردَّتني فردُّوني إلى مقابر المسلمين. وروينا في "صحيح مسلم" عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: قال سعد: الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللَّبن نصبًا كما صُنِعَ برسول الله ﷺ وروينا في "صحيح مسلم" عن عمر بن العاص ﵁ أنه قال وهو في سياقة الموت: إذا أنا متُّ فلا تصحبْني نائحةٌ ولا نارٌ، فإذا دفنتموني، فشُنُّوا عليَّ التراب شنًّا، ــ لولده عبد الله. قوله: (ثُمَّ سلِّمَ الخ) أمره بالاستئذان بعد وفاته بعد أن جاءه وأخبرها برضاها بذلك في حياته خشية أن يعرض لها ما ترى معه المنع بعد وفاته. قوله: (وَرَوَيَنَا في صحيحِ مُسْلمٍ) قال الحافظ بعد تخريجه عن عبد الله بن جعفر عن إسماعيل ابن محمد بن سعد عن عامر بن سعد، وهو ابن أبي وقاص قال إذا أنا مت فألحدوا لي لحدا الحديث ما لفظه أخرجه مسلم بهذا السند وعبد الله بن جعفر هو المخرمي بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء بعد وفي طبقته عبد الله بن جعفر بن نجيح وهو ضعيف وهما معًا من أهل المدينة وأخرجه أحمد كذلك وأخرجه النسائي وابن ماجة من رواية أخرى عن عبد الله بن جعفر، وخالف الجميع عبد الرحمن بن مهدي فرواه عن عبد الله بن جعفر عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص فقال عن أبيه عن جده فتعارضت هنا الأكثرية والأحفظية فإن عبد الرحمن بن مهدي أحفظ الجمعة وكان مسلمًا رجح الأكثرية ولا يبدع أن يكون إسماعيل سمعه من أبيه وعمه، وقد أخرجه عن عبد الرحمن بسنده المذكور أيضًا اهـ. قوله: (فألْحِدُوا لي لحدًا) زاد الحافظ في التخريج ولا تشنوا وانصبوا على اللبن نصبًا واحثوا على التراب حثوا فإن رسول الله ﷺ لحد له. قوله: (في سِيَاقهِ الموْتِ) في نسخة بحذف الياء والسياق مصدر ساق وأصله سواق قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كما في صيام وقيام، وسبق أن المراد بسياقة الموت الاحتضار ومبادئ خروج الروح. قوله: (مِت) بكسر الميم وضمها وسبق بيان وجهها. قوله: (ولا نارٌ) يكره إتباع

стр. 1315

ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها حتى أستانسَ بكم، وأنظرَ ماذا أراجع به رسل ربي. قلت: قوله: شُنُّوا، روي بالسين المهملة وبالمعجمة، ومعناه: صُبُّوه قليلًا قليلًا. وروينا في هذا المعنى، حديث حذيفة المتقدِّم في "باب إعلام أصحاب الميت بموته"، وغير ذلك من الأحاديث، وفيما ذكرناه كفاية وبالله التوفيق. قلت: وينبغي أن لا يقلد الميت ويتابع في كل ما وصَّى به، بل يُعْرَضُ ذلك على أهل العلم، فما أباحوه فُعل، وما لا فلا. وأنا أذكر من ذلك أمثلة، فإذا أوصى بأن يدفن في موضع من مقابر بلدته، وذلك الموضع مَعْدن الأخيار، فينبغي أن يحافظ على وصيته، وإذا أوصى بأن يصلي عليه أجنبي، فهل يقدَّم في الصلاة على أقارب الميت؟ فيه خلاف للعلماء، والصحيح في مذهبنا: ــ الجنازة بالنار بمبخرة أو غيرها بالإجماع لأنه تفاؤل قبيح، ومن ثم قيل بحرمته وكذا عند القبر نعم الوقود عندها المحتاج إليه لا بأس به، ومن ثم حين التجمر عند الغسل للحاجة إليه. قوله: (ثُمَّ أَقيمُوا إلى آخره) فيه فوائد. منها إثبات عذاب القبر بعد الدفن بقدر ما ذكر وأن الميت يسمع ويأنس من داخل القبر ذكره المصنف في شرح مسلم. قوله: (شِنُّوا) روي بالسين المهملة. قلت وعليه اقتصر في النهاية. قوله: (فَمَا أباحُوهُ فعلَ) بالبناء للمجهول، وفي نسخة فعل بالبناء للفاعل وفاعله ضمير يرجِع إلى الفاعل المفهوم من فعل وكلا الوجهين في قوله يعرض للمذكرر قبله. قوله: (فإِذَا أَوْصى أن يُدْفنَ الخ) لما ورد في الحلية عن أبي هريرة مرفوعًا ادفنوا موتاكم بين قوم صالحين فإن الميت يتأذى بالجار السوء كما يتأذى الحي بالجار السوء، وفي الجامع الكبير للسيوطي وأخرجه الخليلي في مشيخته وقال غريب جدًّا عن أبي هريرة وأخرجه ابن عساكر عن علي وابن مسعود وابن عباس اهـ، قال الجلال السيوطي الأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده وتتفاوت درجات اهـ. قوله: (معِدنُ الأَخيَار) أي مدفنهم ففيه استعارة مصرحة شبه مدفن من ذكر بالمعدن

стр. 1316

أن القريب أولى، لكن إن كان الموصى له ممن ينسب إلى الصلاح أو البراعة في العلم مع الصيانة والذكْر الحَسَن، استحبَّ للقريب الذي ليس هو في مثل حاله إيثاره رعاية لحقّ الميت، وإذا أوصى بأن يدفن في تابوت، لم ننفذ وصيته إلا أن تكون الأرض رخوة أو ندية يحتاج فيها إليه، فتنفذ وصيته فيه، ويكون من رأس المال كالكفن. ــ من جامع النفاسة وهي مجردة لذكر الأخيار الملائم للمشبه أو استعارة مكنية شبه الأخيار بالجواهر الكامنة في المعادن تشبيهًا مضمرًا في النفس وأثبت ما هو من لوازمها وهو المعدن استعارة تخييلية والأخيار جمع خير بتخفيف الياء مخفف خير نظير ما قاله السمين غير إن أمواتًا جمع ميت مخفف ميت لأن أفعالًا لا يجمع عليه فيعل لكنه تعقبه شيخنا في شرح الشذور بأن فيه نظرًا لأن أفعالا إنما تنقاس جميعته إذا كان ثلاثيًّا كأقوال جمع قول وإذا كان ميت مخفف ميت المشدد فهو رباعي لا محالة فيكون جمعه كجمع ميت على خلاف القياس اهـ، وما ذكره جار فيما نحن فيه والله تعالى أعلم. قوله: (أَنّ القَريبُ أولى) أي ولا يسقط حقه بوصية الميت بها لغيره لأن الحق للقريب فلا يسقط بإسقاط غيره. قوله: (لكِنّ إِن كانَ الموصى الخ) فقد ورد أن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر فصلى، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب فصلى، وعائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة فصلى وابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير فصلى، قال العلماء وهذا كله محمود على أن أولياءهم أجازوا الوصية. قوله: (وإذَا أَوصَى أَنْ يُدْفنَ في تابوت ولم تُنَفَّذُ وصيتهِ) أي لأنه بدعة. قوله: (رخوةً) بكسر الراء المهملة وفتحها. قوله: (أَو ندِية) هو بفتح النون وكسر المهملة وتخفيف التحتية ومثل الأرض الندية والرخوة في تنفيذ ما ذكر وعدم كراهة الدفن في التابوت إذا كان بالأرض سباع تحفر أرضها وإن أحكمت، أو تهرى الميت بحيث لا يضبطه إلَّا التابوت أو كانت امرأة لا محرم لها فلا كراهة في ذلك كله للمصلحة بل لا يبعد وجوبه في مسألة السباع إن غلب وجودها ومسألة النهري وتنفذ وصيته في جميع ما ذكر. قوله: (ويكُون منْ رَأَس المَالِ) في التحفة لابن حجر تنفذ وصيته من الثلث بما ندب فإن لم يوص فمن رأس المال إن رضوا ولا ينفذ

стр. 1317

وإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر، لا تنفَّذُ وصيتُه، فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، وصرَّح به المحققون، وقيل: مكروه. قال الشافعي ﵀: إلا أن يكون بقرب مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس، فينقل إليها لبركتها. وإذا أوصى بأن يدفن تحته مضربة، أو مخدة تحت رأسه، أو نحو ذلك، لم تنفذ وصيته. ــ بما كره اهـ، والظاهر أنه حيث لم يوص واحتاج الدفن ولذلك أخرج من رأس المال وإن لم يرضوا به لأنه من مصالح الدفن الواجب كما في شرح الروض وغيره. قوله: (وإِذَا أَوصَى بأَنْ يُنقَلَ إِلى بَلدٍ آخرَ لَا تَنفُذ وصِيتُهُ) أي سواء كان قبل الدفن أو بعده وقضية قوله إلى بلد آخر الخ. إنه لا يحرم نقله لتربة ونحوها والظاهر أن كل ما ينسب لبلد الموت يحرم النقل إليه فلا تنفذ الوصية وقد جزم غير واحد بحرمة نقله إلى محل أبعد من مقبرة محل موته أشار إليه ابن حجر في التحفة. قوله: (قَال الشَّافِعيُّ إلا أَنْ يكُونَ بقُرْب مكَةَ الخ) أي حرمها وكذا البقية وبحث المحب الطبري في إلحاق قرية بها صلحاء بالمساجد الثلاثةَ فيما ذكر قيل وعليه فيكون أولى من الدفن مع أقاربه في بلده أي لأن انتفاعه بالصالحين أقوى منه بأقاربه. قوله: (فَيُنقَلُ إِليهَا) أي حيث لم يخش تغير الميت وكان النقل بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه وإلا حرم نقله لأن الغرض تعلق بأهل محل موته فلا يسقط حل النقل وينقل أيضًا لضرورة كان تعذر إخفاء قبره ببلد كفار أو بدعة وخشي منهم نبشه أو إيذاؤه وقضية ذلك إنه لو كان نحو السيل يعم مقبرة البلدة ويغسلها جاز لهم النقل إلى ما ليس كذلك ويحث بعضهم في جواز النقل لأجل المساجد الثلاثة بعد دفنه إذا أوصى به ووافقه غير فقال بل هو قبل التغير واجب قال بعض المتأخرين وفيهما نظر وعلى كل فلا حجة فيما رواه ابن حبان إن يوسف ﵇ نقل بعد موته بسنين إلى جوار جده ﵇ وإن صح إن الناقل له موسى ﵇ لأنه ليس من شرعنا ومجرد حكايته ﷺ لا يجعله من شرعنا. قوله: (وإِذَا أَوصَى بأَنْ يُدفَنَ تَحتَهُ مِضربة الخ) أي يكره تنفيذها لما فيها من إضاعة المال

стр. 1318

وكذا إذا أوصى بأن يكفن في حرير، فإن تكفين الرجال في الحرير حرام، وتكفين النساء فيه مكروه، وليس بحرام، والخنثى في هذا كالرجل. ولو أوصى بأن يكفن فيما زاد على عدد الكفن المشروع، أو في ثوب لا يستر البدن لا تنفذ وصيته. ولو أوصى بأن يقرأ عند قبره، أو يتصدَّق عنه، وغير ذلك من أنواع القرب، نفذت وصيته إلا أن يقترن بها ما يمنع الشرع منها بسببه. ولو أوصى بأن تؤخَّر جنازته زائدًا على المشروع، لم تنفذ. ــ أي لكنه لنوع غرض قد يقصد فلذا كان فعل ذلك مكروهًا وإن كان فيه اضاعة مال لأن محل حرمة إضاعة المال حيث لا غرض أصلًا. قوله: (وكذَا إِذَا أَوصى بان يكَفنَ في حَرِير) أي فلا تنفذ وصيته فالتشبيه في عدم تنفيذ الوصية وإن اختلف التنفيذان فالأول مكروه وهذا حرام. قوله: (ولوْ أَوصَى بأَنْ يُكَفَّنَ فِيا زَادَ عَلَى عَددِ الكَفنِ المَشرُوع أَوْ في ثَوْب لَا يستُرُ البَدَنَ لَمْ تنفذُ) أي لا يجب تنفيذها في المسألة الأولى لأن حق الميت الذكر فَي الكفن إلَى الثلاث فيقدم به على الوارث وليس للوارث المنع منه ولو رضي الورثة المطلقوا التصرف بالزيادة إلى خمسة جاز أو أكثر منه جاز مع الكراهة كما قالوه لكن في المجموع لا يبعد تحريمه لأنه إضاعة مال إلَّا أنه لم يقل به أحد اهـ، وجزم ابن يونس بالتحريم كما نقله الأذرعي وهو قضية أو صريح كلام كثيرين ولا يجوز تنفيذ وصيته في المسألة الثالثة أي إذا أوصى بأن يكفن فيما لا يستر جميع البدن وهو يشمل صورتين الأولى ما لا يستر العورة فلا تنفذ وصيته في هذا اتفاقًا لأن ساتر العورة حق لله تعالى الثانية ما يستر العورة ولا يستر باقي البدن ففيه خلاف مبني على الخلاف في أقل الواجب من الكفن فإن قيل إنه الساتر للعورة وأن ما زاد حق للميت نفذت الوصية بتركه وهو ما عليه جمع وإن قيل إنه ساتر جميع البدن وإن ساتر ما فوف العورة من باقي البدن حق لله تعالى وللميت فلا تنفذ الوصية بتركه وهو ما في المجموع عن جمع وصريح كلامه هنا والله أعلم. قوله: (إلا أَنْ يقرنَ) بكسر الراء أي الميت أي بالقرب في وصيته بما يمنع الشرع منها أي القرب لسببه أي بسبب ذلك المقرون به وفي نسخة صحيحة إلَّا أن يقترن بزيادة تاء مثناة فوقية قبل

стр. 1319

ولو أوصى بأن يبنى عليه في مقبرة مسبَّلة للمسلمين، لم تنفذ وصيته، بل ذلك حرام. باب ما ينفع الميت من قول غيره أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم، ويصلهم مللا ابه. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها، وفي الأحاديث المشهورة كقوله ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ"، وكقوله ﷺ : "اللهُم اغفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا" وغير ذلك. واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن، ــ الراء. قوله: (ولوْ أَوْصَى بأَنْ يُبنى عَليْهِ في مقبَرةٍ مُسبَلَةٍ للْمُسلِمينَ) وهي ما اعتاد أهل البلد الدفن فيها عرف أصلها ومسبلها أولًا ومثلها بل أولى موقوفة لذلك بل هي أولى لحرمة البناء فيها قطعًا قاله الأسنوي ودخل في المسبلة موات اعتيد الدفن فيه فهذه مسبلة وليست موقوفة فالمسبلة أعم. قوله: (بلْ ذَلِك) أي البناء في المقبرة المسبلة حرام كما في المجموع وغيرها لما فيه من التضييق مع أن البناء يتأبد بعد انمحاق الميت فيحرم النّاس تلك البقعة ولا يجوز زرع شيء في المقبرة المسبلة وإن تيقن بلاء من بها لأنه لا يجوز الانتفاع بها لغير الدفن فيقلع وقول الأسنوي يجوز بعد الدفن من محمول على المملوكة. باب ما ينفع الميت من قول غيره قوله: (أَجمَع العُلمَاءُ عَلَى أَن للأَموَاتِ) أي سواء كان من وارث أو أجنبي ينفعهم وفي الخبر إن الله يرفع العبد درجة في الجنة باستغفار ولده له والإجماع والخبر مخصصات وقيل ناسخان لقوله وأن ليس للإنسان إلَّا ما سعى إن أريد ظاهره وإلأ فقد أكثرا وافي تأويله ومنه أنه محمول على الكافر وإن معناه لا حق له إلا فيما سعي أما ما فعل عنه فهو محض فضل لا حق له فيه وظاهر مما هو مقرر في محله أن المراد بالحق هنا نوع تغلق ونسبة إذ لا يستحق أحد على الله ثوابًا مطلقًا خلافًا للمعتزلة ومعنى نفعه بالدعاء حصول المدعو به له إذا استجيب واستجابته محض فضل من الله تعالى لا يسمى ثوابًا عرفًا أما نفس الدعاء وثوابه فهو للداعي لأنه شفاعة أجرها للشافع ومقصودها للمشفوع له نعم دعاء الولد يحصل ثوابه نفسه للوالد الميت لأن عمل ولده لتسببه في وجوده من جملة عمله كما صرح به خبر ينقطع عمل ابن آدام

стр. 1320

فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة، أنه لا يصل. وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء، وجماعة من أصحاب الشافعي، إلى أنه يصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثواب ما قرأته إلى فلان، والله أعلم. ــ إلا من ثلاث ثم قال أو ولد صالح أي مسلم يدعو له جعل دعاءه من عمل الوالد، وإنما يكون منه ويستثنى من انقطاع العمل إن أريد نفس الدعاء لا المدعو به وعلى هذا التفصيل يحمل قول المصنف هنا ويصلهم أي الأموات ثوابه. قوله: (المشهور من مذهب الشافعي الخ) في شرح الروض هذا محمول على ما إذا أدى قراءته له أو نواه لم يدع له به اهـ، ونقل هذا الحمل في التحفة عن جمع ثم قال أما الحاضر ففيه خلاف منشاؤه الخلاف في أن الاستئجار على القراءة على القبر على ماذا والذي اختاره في الروضة إنه كالحاضر في شمول الرحمة النازلة له عند القراءة وقبل محلها أن يعقبها بالدعاء له وقيل إن يجعل أجره الحاصل بقراءته للميت وحمل الرافعي على هذا الأخير الذي عليه عمل النّاس وسيأتي قول المصنف هنا فالاختيار إن يقول القارئ بعد فراغه الخ، وهذا قول الشالوشي من أصحابنا وأنت خبير بأن هذا الثاني صريح في أن مجرد نية وصول الثواب للميت لا يفيد ولو في الحاضر ولا ينافيه ما ذكره الأول لأن كونه مثله فيما ذكر إنما يفيده مجرد نفع لا حصول ثواب القراءة الذي الكلام فيه وقد نص الشافعي والأصحاب على ندب قراءة يس عند الميت والدعاء عقبها أي لأنه حينئذٍ أرجئ للإجابة ولأن الميت تناله بركة القرآن كالحي الحاضر لا الاستماع لأنه يستلزم القصد فهو عمل وهو منقطع بالموت وسماع الموتى هو الحق اهـ. قوله: (اللَّهمَّ اغْفرْ لأَهْلِ بقيع الغَرْقدِ) هو طرف آخر من حديث يأتي في باب زيارة القبور وحديث اللهم اغفر لحينا الخ. هو طرف من حديث أبي هريرة السابق في الدعاء في الصلاة على الجنازة. قوله: (وذهب أَحمد بنُ حنبل الخ) نقله ابن حجر في شرح المنهاج عن مذاهب الأئمة الثلاثة قال على اختلاف فيه عن مالك أنه يصل ثواب القراءة للميت بمجرد قصده بها واختاره كثير من أئمتنا. قوله (الاخْتيَارُ ألخ) في الروضة أن هذا أحد وجهين في وصول ثواب القراءة للميت قال والثاني من الوجهين ذكره الشيخ عبد الكريم الشالوشي أنه إن نوى القارئ بقراءته أن يكون ثوابها للميت فتنفع الميت اهـ. قوله: (أَوصِلْ ثوابَ ما قَرأْتهُ) قال ابن

стр. 1321

ويستحبُّ الثناء على الميت وذِكْر محاسنه. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁، قال: مَرُّوا بجنازة فأثْنَوا عليها خيرًا، فقال النبيُّ ﷺ : "وَجَبَتْ"، ثم مَرُّوا بأخرى، ــ الصلاح ينبغي الجزم بنفع اللهم أوصل ثواب ما قرأناه أي مثله فهو المراد وإن لم يصرح به لفلان لأنه إذا نفعه الدعاء بما ليس له فما له أولى ويجري هذا في سائر الأعمال وبما ذكره في أوصل ثواب ما قرأناه الخ. يندفع إنكار البرهان الفزاري قولهم اللهم أوصل ثواب ما تلوته إلى فلان خاصة وإلى المسلمين عامة لأن ما اختص بشخص لا يتصور التعميم فيه اهـ، وقال الزركشي الظاهر خلاف ما قاله فإن الثواب يتفاوت فأعلاه ما خصه وأدناه ما عمه وغيره والله يتصرف فيما يعطيه من الثواب بما شاء ومنع التاج الفزاري من إهداء القرب لنبينا ﷺ معللًا بأنه لا يتجرأ على جنابه الرفيع بما لم يؤذن فيه وهو مما انفرد به ومن ثم خالفه غيره واختاره السبكي. قوله: (ويستَحبُّ الثناءُ علَى الميت الخ) أي إن كان أهلا لذلك لكن بلا إطراء كما سبق بيان ذلك. قوله: (وَرَوَيْنَا في صحيحَي البُخَارِي ومُسلمٍ الخ) قال الحافظ وأخرجه أحمد وابن ماجة وللشيخين فيه طرق منها عندهما عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس ﵁ أيضًا من طريق وفيه فقال عمر فداك أبي وأمي وقال فيه من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض قالها ثلاثًا ولفظ مسلم من هذه الطريق فيها وجبت وجبت وجبت في الموضعين ورواية البخاري أخصر منها وليس فيها التكرار اهـ. بمعناه وأخرج الحافظ حديث أنس من وجه آخر قال فيه فائدة زائدة فقال عن أنس قال كنت قاعدًا مع رسول الله ﷺ فمرت به جنازة فقال ما هذه الجنازة قالوا جنازة فلان الفلاني كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها فقال وجبت جبت وجبت ثم مر بجنازة أخرى فقال ما هذه الجنازة فقالوا جنازة فلان الفلاني كان يبغض الله ورسوله ويعمل بمعصية الله وزسوله ويسعى فيها فقال وجبت وجبت وجبت فقالوا يا رسول الله أثني على الأولى خير وعلى الأخرى شر فما قولك فيهما وجبت فقال نعم يا أبا بكر إن لله ملائكة ينطقون على السنة بني آدم بما في المؤمن الخير والشر وقال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن أخرجه الحاكم على شرط مسلم

стр. 1322

فأثْنَوا عليها شرًّا فقال: "وَجَبَتْ"، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: "هَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لهُ الجنَّةُ، وهَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أنْتُمْ شُهَدَاءُ الله في الأرضِ". وروينا في "صحيح ــ وأخرجه البزار مختصرًا واستغربه ورجاله ثقات لكن في حرب مقال وإنما أخرج له مسلم في المتابعات اهـ. قوله: (فأثْنوا عَليْها شَرًّا) الثناء في الشر مجاز وقيل وعليه بعض المحققين بل حقيقة وأقره رسول الله ﷺ على ذلك مع نهيه عن سب الأموات لأن النهي في غير كافر ومنافق ومتجاهر بفسقه فالجنازة التي أثنوا عليها شرًّا يحتمل أن يكون واحدًا من هذه الثلاثة وفي مسند أحمد أنه ﷺ لم يصل على التي أثنوا عليها شرًّا وصلى على الأخرى. قوله: (مَا وَجبتْ) أي ما معناه. قوله: (فَقَال هَذَا أَثنيُتم عَليهِ الخ) أي فقال معناه أي معنى وجبت ما تضمنه قولنا هذا أثنيتم عليه خيرًا. قوله: (أَنتُمْ شهَداءُ الله في الأَرضِ) يحتمل أن يكون المراد من أنتم أيها الصحابة ويحتمل أن يكون المراد منه مطلق المؤمنين ويؤيد الثاني رواية المؤمنون شهداء الله في الأرض أوردها في المشكاة أي فإذا جرى على ألسنتكم ثناء بخير أو شر كان مطابقا لما عند الله أي باعتبار الغالب إن الله تعالى ينطق الألسنة في حق كل إنسان بما يعلمه التي لا يطلع عليها غيره ولا يظهر عليه من الأعمال الصالحة وغيرها فكأنه ﷺ علم من هذا في حق هذين القطع لهما بالجنة أو النار أو أعلمه الله تعالى أنهما في باطن الأمر عنده على طبق ثناء النّاس عليهما فعلم إنه ليس المراد من خلق للجنة يصير للنار بقولهم ولا عكسه بل قد يقع الثناء بالخير أو الشر وفي الباطن خلافه إنما المراد أن الثناء علامة مطابقة وعلة دالة على ما في الواقع غالبًا كما أنبأ عن ذلك ترتيبه وجبت على الثناء المشعر بأن الثناء عليه لذلك ولهذا أشار إلى تشريف المثنين بقوله أنتم شهداء الله في أرضه أي شهداؤه الصادقون في ثنائهم لكونه يجرى على ألسنتهم ليطابق ما عنده تعالى غالبًا ففيه غاية التزكية منه ﷺ لأمته بأن الله تعالى ما أنطقهم إلا ليصدقهم غالبًا في ثنائهم الواقع كالدعاء والشفاعة بوعده الحق الذي لا يخلف والعادة المنزلين منزلة الواجب الوقوع فلذا رتب على الثناء الوجوب بالمعنى المذكور لأنه تعالى لا يجب عليه شيء بعمل ولا بشهادة ولا بغيرهما تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا كذا في فتح الإله. قوله: (وَرَويْنَا في صَحيح

стр. 1323

البخاري" عن أبي الأسود، قال: قدمتُ المدينةَ، فجلستُ إلى عمرَ بن الخطاب ﵁، فمرَّت بهم جنازة، فأثنَي على صاحبها خيرٌ، فقال عمر: وجبت، ثم مُرَّ بأخرى، فأثني على صاحبها خيرٌ، فقال عمر: وجبت، ثم مُرَّ بالثالثة، فأثني على صاحبها شُرٌّ، فقال عمر: وجبت، قال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي ﷺ : "أيما مُسْلِم شَهِدَ لهُ أرْبَعَة بخَيرٍ أدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ"، فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، فقلنا: واثنان: قال: "واثنان"، ثم لَم نسأله عن الواحد، ــ البُخَارِي عَنْ أَبِي الأَسَودِ الخ) قال الحافظ أخرجه في موضعين في الجنائز وفي الشهادات ثم قال الحافظ بسندنا إلى البخاري قال حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا داود بن أبي الفرات عن عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود الديلي قال قدمت المدينة وبها مرض وهم يموتون موتًا ذريعًا فجلست إلى عمر بن الخطاب فذكرنا الحديث كما ذكره المصنف ثم قال الحافظ وأخرجه الترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن حبان من طرق عن داود بن أبي الفرات قال ومنهم من اقتصر على المرفوع وهو قول أبي الأسود جلست إلى عمر فقال قال رسول الله ﷺ ما من رجل يموت فيشهد له ثلاثة بخير إلَّا وجبت له الجنة قالوا يا رسول الله واثنان قال واثنان ولم نسأله عن الواحد، قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وقد عينت هذه الرواية نفي كون رواية البخاري موقوفة ولآخر حديث عمر شاهد من حديث أنس قال قال رسول الله ﷺ ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة أهل أبيات من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون إلا خيرًا ألا قال الله تعالى قد قبلت علمكم وعفوت عما لا تعلمون، قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن غريب أخرجه الحاكم عن مؤمل وقال صحيح على شرط مسلم واختلفوا فيه وأنسب ما قيل قول أبي حاتم صدوق يخطئ كثيرًا ووجدت له شاهدا من حديث أبي هريرة عن النبي عن ربه قال ما من عبد مسلم يموت وتشهد له ثلاث أبيات من جيرانه الادنين بخير إلّا قال الله تعالى قبلت شهادة عبادي على ما علموا وغفرت له ما أعلم ورجاله ثقات إلَّا الشيخ المبهم الذي لم يسم وقد أخرج بعضه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة بسند ضعيف وللحديث طرف أخرى عن جماعة من الصحابة اهـ. قوله: (أدخَلهُ الله الجَنّة) قال ابن حجر في شرح المشكاة

стр. 1324

والأحاديث بنحو ما ذكرنا كثيرة، والله أعلم. ــ لما تقرر أنهم بشهادتهم له بذلك فيكونون كالداعين الشافعين فيقبل الله منهم ذلك في حق المسلم ولجعل لها تأثيرا في تعجيل دخول الجنة وكأن سبب تخصيص المسلم بهذا سعة بظاهر الفضل والرحمة للمؤمنين وأن الله تعالى يعطيهم من خير ما عنده بأدنى سبب أو دعاء أو شفاعة اهـ، وقال المصنف في الحديث تأويلان أحدهما أن هذا لمن أثني عليه أهل الفضل وكان ثناؤهم مطابقا لأفعالهم فيكون من أهل الجنة فإن لم يكن كذلك فليس هو مراد الحديث. قلت وعلى الثاني جرى الداودي قال الحافظ ابن حجر واقتصار عمر على ذكر أحد الشقين إما الاختصار أو لإحالة السامع على القياس والأول أظهر اهـ. ثانيهما وهو الصحيح المختار إن الحديث على عمومه وإطلاقه وإن كل مسلم مات فألهم الله النّاس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلًا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا لأنه وإن لم يكن أعماله مقتضية فلا تحتم عليه بالعقوبة بل هو في خطر المشيئة فإذا ألهم الله الثناء عليه دلنا ذلك على أنه سبحانه قد شاء المغفرة له وبهذا تظهر فائدة الثناء وقوله وجبت أنتم شهد الله الخ. لو كان لا ينفعه إلَّا أن تكون أفعاله مقتضية لذلك لم يكن للثناء فائدة وقد أثبتها النبي ﷺ اهـ. قوله: (والأَحادِيثُ بنَحْو مَا ذَكرْنا كثيرة) قال الحافظ قال الترمذي بعد تخريج حديث أنس المذكور أول الباب وفي الباب عن عمر وكعب بن عجرة وأبي هريرة قال شيخنا في شرحه وفي الباب أيضًا عن سلمة بن الأكوع وابن عمر قلت وفيه أيضًا عن عامر بن ربيعة وأبي قتادة وأبي بكر بن أبي زهير عن أبيه ثم ذكر الحافظ من خرج رواية كل بما فيه طوال وحاصله باختصار إن حديث كعب بن عجرة أخرجه الطبراني وسنده ضعيف ولفظه نحو ما تقدم وفي حديث آخر له أخرجه الحافظ عنه قال قال رسول الله ﷺ يومًا لأصحابه ما تقولون في رجل قتل في سبيل الله قالوا الجنة قال الجنة إن شاء الله ورسوله أعلم قال فما تقولون في رجل مات فقام رجلان ذو أعدل فقالا لا نعلم إلّا خيرًا أو قالوا الله ورسوله أعلم قال فما تقولن في رجل مات فقام رجلان ذو أعدل فقالا لا نعلم خيرًا أو قالوا النار وقال رسول الله مذنب والله غفور رحيم وحديث أبي هريرة قال مروا بجنازة على رسول الله فأثنوا عليها خيرًا فقال وجبت ثم مروا بجنازة

стр. 1325

باب النهي عن سب الأموات روينا في "صحيح البخاري" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ــ فأثنوا عليها شرًّا فقال وجبت وقال إن بعضكم على بعض شهداء قال بعد تخريجه حديث صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان وعند ابن ماجة خيرًا من مناقب الخير وقال أيضًا شرًّا من مناقب الشر وقال في آخره أنتم شهداء الله في الأرض وأخرجه الطبراني بنحوه وأنتم منه ولأبي هريرة حديث آخر قدمته وحديث سلمة بن الأكوع أخرجه الطبراني ولفظه نحو رواية أبي هريرة وزاد إن الميت كان من الأنصار وفي آخره والملائكة شهود الله في السماء وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف وأخرجه من وجه آخر أضعف منه وقال وفي آخره فإذا شهدتم وجبت وحديث ابن عمر ذكر شيخنا في شرح الترمذي أن ابن عدي أخرج رواية ميمون بن مهران عن ابن عمر رفعه قال إن العبد ليرزق من الثناء من النّاس حتى تقول الحفظة يا ربنا إنك تعلم ونعلم غير ما يقولون فيقول أشهدكم أني قد غفرت له ما لا تعلمون وقبلت شهادتهم على ما يقولون وفي سنده فرات بن السائب وهو واهي وحديث عامر بن ربيعة أخرجه البزار ولفظه قال رسول الله إذا مات العبد والله يعلم منه شرًّا والناس يقولون خيرًا قال الله لملائكته قبلت شهادة عبادي وغفرت لعبدي ما في علمي وفي سنده محمد بن عبد الرحمن القشير وهو واهٍ أيضًا وحديث أبي قتادة كان إذا دعى لجنازة فإن أثنى عليها خبرًا قام فصلى عليها وإن أثنى عليها غير ذلك قال شأنكم بها ولم يصل عليها قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح غريب أخرجه أحمد وأبو يعلى وحديث أبي بكر بن أبي زهير عن أبيه ﵁. باب النهي عن سب الأموات قوله: (رَوَيْنَا في صحيح البُخاريِّ) قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه أحمد وإبن حبان وزاد ابن حبان في أوله قصة أن عائشةَ سألت عن رجل وسبته فقيل لها أنه قد مات فاستغفرت له وذكرت الحديث قال الحافظ وقد وقعت لي هذه القصة من وجه آخر ثم أخرج ذلك عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة أنها ذُكر عندها

стр. 1326

"لا تَسُبُّوا الأمْوَاتَ فإنهُمْ قَدْ أفْضَوْا إلى ما قدَّمُوا". وروينا في "سنن أبي داود" والترمذي بإسناد ضعيف ضعفه الترمذي عن ابن عمر ﵁ عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ، وَكُفُّوا عَن مَساويهم". قلت: قال العلماء: يحرم سبُّ الميِّت المسلم الذي ليس معلنًا بفسقه. وأما الكافر، والمعلن بفسقه من المسلمين، ففيه خلاف للسلف، وجاءت فيه نصوص متقابلة، وحاصله: أنه ثبت في النهي عن سبِّ الأموات ما ذكرناه في هذا الباب. وجاء في الترخيص في سبِّ الأشرار أشياء كثيرة، منها: ما قصَّه الله علينا في كتابه العزيز، وأُمرنا بتلاوته، وإشاعة قراءته، ومنها: أحاديث كثيرة في الصحيح. ــ رجل فنالت منه فقيل لها إنه قد مات فترحمت عليه فَسُئلت عن ذلك فقالت إن النبي ﷺ قال لا تذكروا موتاكم إلَّا بخير قال الحافظ وسند هذا الطريق حسن وقد أخرجه النسائي من رواية منصور بن صفية بنت شيبة عن أمه قالت ذكر عند النبي ﷺ هالك بسوء فقال لا تذكروا هلكاكم إلَّا بخير وسنده صحيح اهـ. قوله: (لَا تسبُّوا الأمَوَاتَ) هو نهي تحريم كما هو الأصل فيه وهو عام مخصوص بحديث أنس السابق حيث قال ﷺ عند ثنائهم بالخير والشر وجبت ولم ينكر عليهم ويحتمل أن أل في الأموات عهدية أي للمسلمين دون الكفار إذ الكفار ممن يتقرب بسبهم ومحله أيضًا في المسلم غير المجاهر ببدعته أو فسقه أو غير المجاهر لمن يعلم حاله على ما سيأتي. قوله: (أَفضوا) أي أوصلوا إلى ما قدموا أي من العمل واستدل بالحديث عن منع سب الأموات مطلقًا لكن سبق أن عمومه مخصوص وأصح ما قيل في ذلك إن أموات الكفار يجوز سبهم إذا لم يتأذ به الحي المسلم وكذا الفساق إذا دعت إليه ضرورة أو مصلحة. قوله: (ضَعفَهُ الترْمِذِي) قال الحافظ لم أو في شيء من نسخ الترمذي تصريح الترمذي بتضعيفه وإنما استغربه ونقل عن البخاري أن بعض رواته منكر الحديث وقد سكت عليه أبو داود وصححه ابن حبان وغيره فهو من شرط الحسن

стр. 1327

كالحديث الذي ذكر فيه ﷺ ــ وقد تقدم تخريجه والكلام عليه في باب ما يقال في حال غسل الميت. قوله: (كالحَدِيثِ الذِي ذَكَر فيهِ الخ) رواه البخاري ومسلم وغيرهما ولفظ الحديث عن سهل عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبا كعب وهو يجر قصبه في النار أخرجه مسلم وأخرجه البخاري مختصرًا وقال خزاعة بدل كعب والمعنى واحد لأن كعب بن عمرو ينتهي إليه أنساب خزاعة وأخرجه الشيخان من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة وزاد وهو أول من سبب السوائب وأخرجه الحافظ من طريق أخرى عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول لأكتم بن الجون الخزاعي يا أكتم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك به ولا منه بك قال أكتم يا رسول الله أتخشى أن يضرني شبهه فقال رسول الله لا إنك مؤمن وهو كافر وهو أول من سيب السوائب وبحر البحيرة وحمى الحامي وغير دين إسماعيل ﵇ قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن غريب أخرجه الدارقطني في الأفراد وقال تفرد به محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم يعني بهذا السياق وإلّا فأصله في الصحيح كما تقدم وأخرجه الحاكم بنحو هذا السياق من حديث أبي هريرة وزاد في آخره ونصب الأوثان وأخرج الحافظ عن جابر حديثًا طويلًا فيه أن النبي ﷺ كان يصلي بهم الظهر أو العصر أراد وهو في الصلاة أن يتناول شيئًا ثم تأخر فتأخر النّاس الحديث وفيه ورأيت فيها يعني النار عمرو بن لحي يجر قصبه في النار وأشبه من رأيت به معبد بن أكتم الخزاعي فقال معبد يا رسول الله أتخشى على من شبهه قال لا أنت مؤمن وهو كافر وكان ابن لحي أول من حمل العرب على عبادة الأصنام قال الحافظ بعد تخريجه حسن الإسناد وفي المتن ألفاظ شاذة أخرجه أحمد ثم تكلم الحافظ على رجال سنده ثم ساقه من طريق أخرى بنحوه وفيه ورأيت فيها أبا تمامة عمرو بن مالك يجر قصبه في النار وقال بعد تخريجه حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود وفيه التنصيص على أنها صلاة الكسوف ويجمع بين ذلك وبين ما تقدم من إنه كان في الظهر والعصر بأن المراد منه في تلك الرواية الوقت وهو كذلك ففي الرواية الأخرى إنه كان بعد صلاة العصر ويحتمل التعدد في

стр. 1328

عمرو بن لُحَيٍّ. وقصة أبي رغال الذي كان يسرق الحاج بمحجنه. ــ الرواية ففي حديث عقبة بن عامر ما يرشد إليه ثم ساقه الحافظ وهو قريب من حديث الباب وقال فيه ورأيت عمرو بن حرثان أخا بني غفار متكئًا على قوسه قال الحافظ فإن كان هذا محفوظا في المتن قوي دعوى التعدد والعلم عند الله اهـ. ملخصًا. قوله: (عَمْرو بْنَ لُحِيٍّ) أي بضم اللام وفتح الحاء المهملة وتشديد الياء التحتية وهو كعب واسمه عامر وفي بعض روايات مسلم عمرو بن مالك قال الحافظ مالكًا جد أعلى لعمرو بن لحي فتتفق الروايات وهو ابن قمعة بكسر القاف وفتح الميم المشددة ويجوز فيه فتح القاف وإسكان الميم وفتحهما وكسرهما مع تشديد الميم الخزاعي أول من سيب السوائب وبحر البحيرة وحمى الحامي كما في الدارقطني وغيره وفي الحديث عند الطبراني كما قال الحافظ عن ابن عباس رفعه أول من غير دين إبراهيم عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبو خزاعة وعند الفاكهي من مرسل عكرمة فقال المقداد يا رسول الله ومن هو عمرو بن لحي فقال أبو خزاعة. قوله: (وقِصَة أَبِي رغالٍ) هو بكسر الراء وبالغين المعجمة المخففة آخره لام يقام إنه كان في وادي حنين وقيل في طريق العمرة أخرج الحافظ عن جابر ﵁ قال لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح وكانت يعني الناقة تردد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله بها من كانت تحت السماء إلا رجلا واحدًا كان بالحرم فلما خرج منه أصابه ما أصاب قومه قالوا من هو يا رسول الله قال أبو رغال وفي رواية لما نزل الحجر في غزوة تبوك وفيها لا تسألوا نبيكم وفيها سألوا نبيهم أن يبعث لهم آية فبعث الله لهم الناقة الحديث قال الحافظ وفي رواية زيادة كانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها ويحلبون من لبنها مثل الذي كانوا يصيبون من غيرها الحديث قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن غريب أخرجه الحاكم وابن حبان وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه بعد ذكره له من عند أحمد ليس هذا الحديث في الكتب الستة وهو على شرط مسلم إنما تخرج له ما صح فيه الحديث أو توبع عليه وقد فقدا هنا وابن خيثم اختلف فيه قول ابن معين والنسائي ومتابعه ابن لهيعة له فيها نظر لأنه مدلس وقد عنعنه ولأصل الحديث شاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف

стр. 1329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فمررنا بقبر فقال هذا قبر أبي رغال وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان قد دفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه فابتدره النّاس فأخرجوا منه ذلك الغصن قال الحافظ بعد هذا الحديث حسن غريب أخرجه أبو داود وابن حبان وقد ورد عند البزار والدارقطني عن ابن عمران عمر قال لرجل طلق نساءه لترجعن نساءك وإلّا فإن مت لأرجمن قبرك كما رجم رسول الله ﷺ قبر أبي رغال قال البزار لم بسنده إلَّا صالح يعني ابن أبي الأخضر وليس هو بالقوي والحفاظ يرونه موقوفًا وقال الدارقطني تفرد به وكيع عن صالح بن أبي الأخضر وهو وهم ورواه معمر وغيره عن الزهري لم يرفعوه والرجل المبهم في الحديث هو غيلان بن سلمة الثقفي الذي أسلم وتحته عشرة نسوة وذلك أنه لما كان زمن عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه فبلغ ذلك عمر فقال إني لأظن الشيطان فيما يسترق السمع سمع بموتك فقذف في قلبك ولعلك لا تمكث إلَّا قليلًا وأيم الله لتراجعن نساءك ولترجعن مالك أو لأورثهن منك ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال قال الحافظ بعد تخرجيه هذا موقوف صحيح أخرجه ابن راهويه قال الحافظ وأبو رغال المذكور في قصة عمر غير أبي رغال الأول فإن ذلك من بقية قوم ثمود وهذا كان دليل أصحاب الفيل من الطائف إلى مكة ووهم من وحدهما وقبر أبي رغال الثقفي بالمغمس وهو الذي يرجم قبره اليوم أخرج الحافظ بسنده إلى أبي إسحاق في قصة أصحاب الفيل قال فلما مروا بالطائف خرج إليهم مسعود وناس من ثقيف فقالوا إن البيت الذي تريدون هدمه ليس عندنا ولكن نبعث معكم رجلًا يدلكم على الطريق فبعثوا أبا رغال فسار حتى أفزلهم بالمغمس فمات أبو رغال هناك فهو الذي يرجم قبره اليوم اهـ. قال الحافظ وفيه يقول الشاعر: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كما ترمون قبر أبي رغال والمغمس بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الميم الثانية مفتوحة وقيل مكسورة بعدها مهملة مكان في طريق الذاهب إلى الطائف من مكة وفيه يقول أمية أبو الصلت والد أمية وقيل هو لأمية من أبيات: برك الفيل بالمغمس حتى ... صار يحبو كأنه معقور

стр. 1330

وقصة ابن جُدعان ــ وأما أبو رغال الأول فجاء ما يدل على أن قبره بالطائف فعند الفاكهي من طريق عقيل عن الزهري قال لما حاصر ﷺ الطائف أغلقوا عليهم وارتقوا على الحصن وهم يقولون: والله لا نسلم ما حيينا ... هذه وقبر أبي رغال فينا فلما انصرف رسول الله ﷺ قال لعلي تدري ما هذا قال لا قال هذا قبر أبي رغال وهو من بقية ثمود وتقدم في حديث عبد، الله بن عمر وما يرشد إلى ذلك اهـ. تنبيه قال الحافظ وقع في عدة من نسخ الأذكار أبي رغال الذي كان يسرق الحاج بمحجنه ولم أر في شيء من الروايات وصف أبي رغال بذلك ولعلها كانت والذي فسقطت واو العطف قال وقصة صاحب المحجن الذي كان يسرق الحاج به وهو بكسر الميم عصى معوجة الطرف كما في صحيح مسلم عن جابر قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فذكر الحديث في صلاة الكسوف إلى أن قال حتى رأيت صاحب المحجن كان يسرق الحجاج بمحجنه فإذا فطن له قال إلا تعلق بمحجني وإن غفل عنه ذهب به وأخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وفي رواية أخرجها النسائي فإذا علم به كان يقول إنما يسرق المحجن قوله: (وابْنِ جدْعانَ) هو بضم الجيم وإسكان الدال وبالعين المهملتين واسمه عبد الله وكان كثير الإطعام وكان اتخذ للضيفان جفنة يرقى إليها بسلم وكان من بني تيم بن مرة من أقرباء عائشة ﵂ إذ هو ابن عم أبي قحافة والد الصديق ذكره الحافظ في التخريج وكان من رؤساء قريش في الجاهلية وفي الصحيح عن عائشة قالت قلت يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه قال لا إنه لم يقل بها رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين رواه مسلم قال الحافظ وسمي في طريق أخرى عند أحمد أيضًا عن عائشة قالت يا رسول الله إن عبيد الله بن جدعان فذكره وزاد يقرئ الضيف ويفك العاني ويحسن الجوار وزاد فيه أبو يعلى من هذا الوجه ويكف الأذى فيثب عليه اهـ، وحاصل جوابه ﷺ أنه لم ينفعه ذلك لكفره وهو المراد من قوله لم يقل يومًا رب الخ. أي لم يكن مصدقًا بالبعث ومن لم يكن مصدقًا به لا ينفعه

стр. 1331

وغيرهم، ومنها الحديث الصحيح الذي قدمناه لمّا مرَّت جنازة فأثْنَوا عليها شرًّا، فلم ينكر عليهم النبي ﷺ ، بل قال: وَجَبَتْ. واختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص على أقوال: أصحها وأظهرها: أن أموات الكفار يجوز ذِكْر مساويهم، وأما أموات المسلمين المعلنين بفسق أو بدعة أو نحوهما، فيجوز ذِكرهم بذلك إذا كان فيه مصلحة، لحاجة إليه للتحذير من حالهم، والتنفير من قبول ما قالوه والاقتداء بهم فيما فعلوه، وإن لم تكن حاجة لم يجز، وعلى هذا التفصيل تنزل هذه النصوص، ــ عمل أشار إليه المصنف في أواخر كتاب الإيمان من شرح مسلم. قوله: (وغْيرِهم) أي كقصة صاحب الهرة وقصة الذي كان يتبختر في مشيته فخسف به وهو من حديث أبي هريرة وقصة سارق البدنتين أخرج ابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو في صفة صلاة النبي ﷺ للكسوف وفيها عنه ﷺ مرفوعًا ورأيت فيها يعني النار ثلاثة يعذبون صاحب السباتين بدنتين لرسول الله ﷺ سرقهما وكان صاحب المحجن كان يسرق الحاج بمحجنه ويقول إنما سرق المحجن وفيه ذكر صاحبة الهرة قال الحافظ وفي سنده عطاء بن السائب وكان ممن اختلط لكنه حدث بهذا الحديث قبل الاختلاط فقد ذكروا أن سماع شعبة وحماد بن سلمة منه كان قبل أن يختلط وقال الحافظ بعد ذكر أشياء أخرجها ذم بعض الأموات ومن تتبع الحديث وجد أشباها لذلك عن هذه. قوله: (أَنَّ أَمَوَاتَ الْكُفارِ يَجُوزُ ذِكْرُ مَساويهِم) أي إن لم يتأذ به الحي المسلم لحديث لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء وقد قيد بذلك ابن رشيد نقله عن العلقمي. قوله: (وأما أموات المسلمين المعلنين بفسق الخ) قيده العلقمي بأن يموت على ذلك وقال من فسق لا ببدعة يفسق بها ويعزر عليها ويموت كذلك نظر فإن علم إنه مصر على فسقه والمصلحة في ذكره جاز ذكر مساويه وإلّا فلا. قوله: (فيجوز ذكرهم) قال العلقمي بل قد يجب في موضع من المواضع وقد تعود مصلحة ذلك للميت كمن علم إنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد

стр. 1332

وقد أجمع العلماء على جرح المجروح من الرواة، والله أعلم. باب ما يقوله زائر القبور روينا في "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ كلَّما كان ليلتُها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قوم مُؤمنِينَ، ــ فإن ذكر ذلك ينفع الميت إذا علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه. قوله: (وقَد أَجمَعَ العُلمَاءُ عَلَى جَرحِ المْجرُوح الخ) أي سواء كانوا أحياءً أو أمواتًا وبه يندفع الجمع بأن النهي يحمل على ما بعد الدفن والجواز على ما قبله يسقط به من يسمعه وكذا يندفع الجمع يكون النهي العام متأخرا فيكون نامي. باب ما يقوله زائر القبور جمع قبر والمقابر جمع مقبرة بفتح الباء وضمها ولم يأت في القرآن ذكر المقابر إلَّا في قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١: ٢]، قوله: (وَرَوَيْنَا في صَحيحِ مُسلم) قال في السلاح ورواه النسائي زاد الحافظ وأخرجه أبو عوانة. قوله: (إلى البقيع) بالباء الموحَدة بلا خلاف وهو مدفن أهل المدينة أي بقيع الغرقد وسبق أن البقيع من الأَرض المكَان المتسع بشرط أن يكون فيه شجر أو أصوله. قوله: (السلامُ عَليْكُمْ) أخذ من هذه الرواية أن تعريفه أفضل من تنكيره وإن ورد في رواية عند أحمد وفيه أيضًا رد على من قال من أئمتنا وغيرهم الأولى أن يقال عليكم السلام لأنهم ليسوا أهلًا للخطاب ولقوله ﷺ لمن قال له ذلك إن عليك السلام تحية الموتى ولا دليل فيما قالوه أما الخطاب فلا فرق بين تقدم عليك وتأخيرها على أن الصواب أن الميت أهل للخطاب مطلقًا لأن روحه وإن كانت في أعلى عليين لها مزيد تعلق بالقبر فيعرف من يأتي ومن لا كما دل عليه الخبر الصحيح ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلّا عرفه ورد ﵇ وأما الخبر فإخبار عن عادتهم لا بعلم لهم أو المراد بالموتى كفار الجاهلية أي تحية موتى القلوب فلا تفعلوه. قوله: (دَارَ قَوْم) يصح فيه الجر على أنه بدل من الكاف والنصب على النداء أي يا أهل الدار فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه قيل وهو أولى لأنه من رواية يا أهل الديار فكان ذلك قرينة

стр. 1333

وَأتاكُمْ ما تُوعَدُونَ، غَدًا مُؤجَّلُونَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللهُ بكُمْ لاحقون، اللَّهُم اغْفِرْ لأهلِ بَقِيع الغَرْقَدِ". وروينا في "صحيح مسلم" عن عائشة أيضًا، أنها قالت: كيف أقول يا رسول الله؟ -تعني في زيارة القبور- قال: قولي: "السَّلامُ على أهْلِ الدِّيارِ ــ أنه مراد عند حذفه وإن كان الاختصاص أفصح وقيل منصوب على الاختصاص قال في فتح الإله وهو الأفصح. قوله: (وأَتَاكُمْ) هو بالقصر أي جاء ما توعدون غدا أي من الثواب أو العقاب وضبطه الحنفي في شرح الحصن بمد الهمزة من الإيتاء بمعنى الإعطاء ورده في الحرز بأنه مخالف للرواية. قوله: (مُؤجَّلُونَ) بتشديد الجيم المفتوحة خبر مبتدأ محذوف أي أنتم مؤجلون باعتبار أجوركم. قوله: (إِنْ شَاءَ الله) أتى به للتبرك أو امتثالًا للآية ومن ثم قيل استثنى الله تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ [الفتح: ٢٧]، لكن استثناء الخلق فيما يعلمون أو التعليق بالنظر للحوق بهم في هذا المكان بعينه أو للموت على الإسلام فإنه مشكوك فيه وعلى هذا فيكون خاصا بالأمة وأتى به ﷺ تعليمًا لهم أو إن فيه بمعنى إذ كما في ﴿وَخَافُونِ إِن كنُتم مُؤمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. قوله: (وَرَوَيْنا في صَحيحِ مِسلِم) قال في السلاح ورواه النسائي وزاد فيه أنتم لنا فرط وانَّا بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا أجرهم وَلا تفتنا بعدهم وزاد فيه وأخرجه أبو عوانة عن يونس بن سعيد بن مسلم بتشديد اللام عن حجاج بحاء مهملة فجيمين بينهما ألف وهو ابن محمد المصيصي قال عن ابن جريج أخبرني عبد الله بن أبي مليكة وأخرجه مسلم أيضًا والنسائي وأبو عوانة من رواية ابن وهب عن ابن جريج فقال عن عبد الله بن كثير بن المطلب بدل ابن أبي مليكة قال النسائي حجاج في ابن حجر أثبت عندنا من ابن وهب ونقل أبو عوانة عن أحمد أنه قال في ابن وهب عن ابن جريج سيئ اهـ. قوله: (عَلَى أَهل الديارِ) قال ابن عبد السلام أهل الديار في عرف النّاس من سكن الديار أو كان بفنائها وقد أمر بالاستعاذة من عذاب القبر فهذا يدل على أن الأرواح في القبور دون أفنيتها وهو المختار اهـ، وقال ابن الجزري يريد بالديار المقابر وهو جائز لغة قال إنه يقع على الربع العامر أو المسكون والخراب وأنشد على ذلك قول النابغة: يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد

стр. 1334

مِنَ المُؤْمنينَ والمُسْلمينَ، وَبرْحَمُ اللهُ المُسْتقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَمِنَّا وَالمُسْتأخِرينَ، وَإنَّا إنْ شاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ". ورَوينا ــ اهـ. كلام ومية امرأة والعلياء أرض مرتفعة وهي والسند موضعها وأقوت الديار خلت وفي إطلاق الأهل على ساكني المكان من حي وميت وكأن حكمة ترك الخطاب في هذه الرواية أنه سألت عن زيارة عامة فلا ينافي ما ورد من الخطاب بالسلام مع الاستقبال بالوجه لأنه في زيارة قبر خاص وحينئذٍ فيؤخذ من ذلك أن من قصد زيارة مطلق القبور الأولى له أن يأتي بهذا الدعاء ومن قصد زيارة قبر مخصوص فالأولى الإتيان بما مر من قوله السلام عليكم الخ، ويحتمل وهو الأقرب أن ذلك لبيان أن الأمر واسع وأن زائر القبور مخير بين الخطاب وتركه قوله: (منَ المؤْمِنينَ والمسلِمينَ) عطف مساو لما تقرر من الإيمان والإسلام وإن اختلفا مفهومًا فهما متحدان في الماصدق. قوله: (ويَرْحَمُ الله المُستقدِمِينَ مِنًا) أي بالموت والمستأخرين أي منّا بالحياة بعد والقصد منها الإحاطة بالأحياء والأموات من المؤمنين والمؤمنات مع ما فيه من الإيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤] أي من استقدم ولادة ووفاة ومن استأخر أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد. قوله: (لِلاحقُون) بلامبن على أن الأولى للتأكيد في خبر إن وفي نسخة لاحقون بحذف اللام الأولى ويؤخذ من هذا الحديث جواز زيارة النساء للقبور وفيها خلاف للعلماء وعندنا ثلاثة أوجه لأصحابنا الحرمة الكراهة الإباحة والأصح الكراهة. قوله: (وَرَوَينَا بالأسَانيدِ الضحِيحةِ الخ) أورد صاحب السلاح والحصن هذا الحديث من حديث أبي هريرة واقتصر كل منهما على عزوه لتخريج أبي داود فقط والله أعلم ثم راجعت باب الجنائز من سنن أبي داود ولم أجده فيها ثم رأيت الحافظ قال وأخرجه ابن ماجة في باب الحوض من كتاب الزهري قال الحافظ وأخرج مسلم أيضًا من جملة حديث طويل قال وعجب للشيخ كيف أغفل نسبته لمسلم قال وأظن السبب أنه لم يخرجه في الجنائز لأبي داود بل أخرجه في الطهارة لكن

стр. 1335

بالأسانيد الصحيحه في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خرج إلى المقبرة، فقال: "السلامُ عَلَيكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وإنَّا إنْ شاءَ الله بِكُمْ لاحِقُونَ". وروينا في كتاب الترمذي، عن ابن عباس ﵄، قال: مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلامُ عَلَيكُمْ يا أهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنا وَلَكُمْ، أنْتُمْ سَلَفُنا وَنَحْنُ بالأثَرِ". قال الترمذي: حديث حسن. وروينا في "صحيح مسلم" عن بريدة ﵁، قال: كان النبي ﷺ يعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: "السلامُ عَلَيكُمْ ــ النسائي أخرجه أيضًا في الطهارة. قوله: (بالأَسَانيدِ الصحِيحةِ) قال الحافظ في هذا ما يوهم أن للحديث طرقًا إلى أبي هريرة وليس كذلك إنما هو إفراد العلاء عن أبيه هو عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي هريرة وكلهم مدارهم على العلاء بن عبد الرحمن نعم له طريق أخرى عند ابن السني من رواية الأعرج عن أبي هريرة ولفظه كان إذا مر بالمقابر قال السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات والصالحين والصالحات وأنا بكم إن شاء الله لاحقون وسنده ضعيف اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في كِتَاب الترْمِذِيِّ الخ) قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن ورجاله رجال الصحيح غير قابوس فمختلف فيه وقابوس هذا يعني به ابن ظبياء وهو بالمعجمة المشالة فسكون الموحدة فتحتية واسمه حصين بن جندب. قوله: (يَغفرُ الله لنَا) أي معشر الأحياء ولكم أي الأموات. قوله: (سلفَنَا) بفتح السين المهملة واللام بعدها قيل سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وأقربائه وإخوانه وأقرانه وبه سمي الصدر الأول بالسلف الصالح وقيل هو من السلف كأنه أسلفه وجعله ثمنا للأجر والثواب الذي يجازى عليه بالصبر والحاصل أنهم مقدمون علينا في هذا السفر. قوله: (ونَحنُ بالأَثرِ) أي عقبكم وهو بفتح أوليه ويجوز فيه كسر الأول وإسكان ثانيه الثاء المثلثة وهو كذلك في نسخة من الحصن. قوله: (وَرَوَيَنَا في صحيح مُسلِم الخ) ورواه النسائي وابن ماجة كلهم عن بريدة زاد النسائي أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع
следующие страницы →