← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

آيَتَانِ مِنْ آياتِ اللهِ لَا يُخْسَفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحيَاتِهِ، فإذا رأيْتُمْ ذلكَ فادْعُوا الله تعالى وكَبِّرُوا وَتَصَدَّقُوا". ــ ابن النبي ﷺ مات فكسفت الشمس فقال النّاس إنما كسفت لموت إبراهيم فقال ﷺ إن النّاس يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء وليس كذلك ثم قال وفي الحديث إبطال ما كان يعتقده أهل الجاهلية من تأثير الكواكب في الأرض من موت أو ضر فأعلم ﷺ بطلان ذلك الاعتقاد وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما. قوله: (آيتَانِ) أي علامتان من آيات الله أي من العلامات الدالة على وحدانيته سبحانه أو على تخويف العباد من بأس الله وسطوته ويؤيده قوله تعالى: (وَمَا نُرسِلُ بِالآياتِ إلا تخويفًا) [الإسراء: ٥٩] قوله: (منْ آياتِ الله) الظرف وصف لقوله آيتان. قوله: (لا يُخسفَانِ) بالتذكير تغليبا للقمر. قوله: (ولا لحيَاتِه) استشكلت هذه الزيادة لأن السياق ما ورد إلَّا في حق من ظن إن ذلك لموت إبراهيم ولم يذكروا الحياة والجواب إن فائدة ذكر الحياة دفع توهم من يقول لا يلزم من كونه سببًا للفقدان إن لا يكون سببًا للإيجاد فعمم الشارع النفي لدفع هذا الوهم لكن في شرح السنة زعم أهل الجاهلية أن كسوف الشمس والقمر يوجب حدوث تغير في العالم من موت وولادة وضرر وقحط ونقص ونحو ذلك فأعلم ﷺ إن كل ذلك باطل اهـ، وعلى هذا فيكون قوله ولا لحياته بمعنى ولا لولادته ويكون فيه رد لما زعموه من أن ذلك يدل على موت حبر أو ولادة شرير وعلى هذا جرى في المرقاة في شرح المشكاة. قوله: (فإذَا رَأَيتمْ ذَلِكَ) أي فيما ذكر من خسوفهما أي إذا رأيتم كسوف كل منهما لاستحالة وقوع ذلكَ منهما في آن واحد عادة وإن كان ذلك جائزًا في القدرة الإلهية. قوله: (فادْعُوا الله) قال ابن مالك إنما أمر بالدعاء لأن النفوس عند مشاهدة ما هو خارق للعادة تكون معرضة عن الدنيا ومتوجهة لي الحضرة العليا فيكون أقرب إلى الإجابة اهـ، وفي المرقاة فادعوا الله اعبدوه بأفضل العبادات الصلاة والأمر للاستحباب عند الجمهور قوله: (وكَبروا) أي عظموا الرب وقولوا الله أكبر فإنه يطفي غضب الرب. قوله: (وتَصدَّقوا) أي بأنواع الإحسان على الفقراء والمساكين ففيه إشارة إلى أن الأغنياء والمتنعمين هم المقصودون بالتخويف من بين العالمين لكونهم غالبًا للمعاصي

стр. 1367

وفي بعض الروايات في صحيحيهما: "فإذَا رأيتُمْ ذلك فاذْكُروا الله تَعالى". وكذلك رويناه من رواية ابن عباس. وروياه في "صحيحيهما" من رواية أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ : "فإذَا رَأيُتُمْ شَيئا مِنْ ذلكَ، فافْزَعُوا إلى ذِكْرِهِ وَدُعائِهِ وَاستِغْفَارِهِ". ــ مرتكبين وبه يظهر وجه مناسبته لما قبله. قوله: (وفي بَعْضِ الرواياتِ الخ) أخرج الحافظ من طريق أحمد بن عبد الله الحافظ عن هشام بن عروبة عن أبيه عن عائشة نحو حديث مالك وفيه فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله تعالى وكبروا وصلوا وتصدقوا قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه مسلم. قوله: (فاذْكروا الله تَعَالى) أي بالصلاة وتؤيده رواية فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم ففيه دليل لطلب صلاة الكسوف في سائر الأوقات خلافًا للحنفية في تقييد صلاتهما بغير الأوقات المكروه فيها أو التسبيح والتكبير والتهليل والاستغفار وسائر الأذكار ويقرب ذلك قوله في الرواية السابقة فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله الخ، والأمر للاستحباب إذ صلاة الكسوف سنة بالاتفاق قال الطيبي أمر بالفزع عند كسوفهما إلى ذكر الله وإلى الصلاة إبطالا لقول الجهال وقيل لأنهما آيتان دالتان على قرب الساعة قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٧، ٨، ٩]، قال في المرقاة وفيه إن هذا إنما يتم لو كان ما يوجد فيهما من الخسف إلى أواخر الزمان وليس كذلك فالظاهر أن يقال لأنهما آيتان شبيهتان بما يقع في القيامة وقيل لأنهما آيتان يخوفان عباد. الله ليفزعوا إلى ذكر الله تعالى: ﴿وَمَا نُرسِلُ بِالآياتِ إِلا تَخويفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]. قوله: (وكذَا رَوَيْنَاهُ منْ رِوايَةِ ابْنِ عَبَّاس) أخرجه الحافظ من طريق الدرامي وغيره عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال خسفت الشمس فذكر الحديث إلى أن قال فاذكروا الله قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه البخاري ومسلم من أربعة طرق عن مالك وأخرجه النسائي من طريق مالك أيضًا اهـ، وزاد في المرقاة نقلًا عن ميرك ورواه أبو داود. قوله: (ورَوَياهُ في صَحيحيهِمَا منْ رِوايَةِ أَبِي مُوسَى الخ) ورواه النسائي من حديثه كما ذكره الحافظ. قوله: (فافْزَعُوا) بالزاي ثم العين المهملة أي التجأوا من عذاب الله إلى

стр. 1368

ورويناه في "صحيحيهما" من رواية المغيرة بن شعبة: "فإذَا رأيْتُمُوها فادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا". وكذلك رواه البخاري من رواية أبي بكرة أيضًا، والله أعلم. وفي "صحيح مسلم" من رواية عبد الرحمن بن سمرِ، قال: "أتيتُ ألنبي ﷺ وقد كَسفت الشمس وهو قائم في الصلاة رافع يديه، فجعل يسبِّح ويحمَد ويهلِّل، ويكبِّر ويدعو، حتى حُسِر عنها، ــ ذكره أي عبادته ومنها الصلاة. قوله: (وَرَوَيَاهُ في صَحيحَيْهمَا منْ روايَةِ المغَيرة الخ) أخرج ابن حبان والإسماعيلي أيضًا قاله الحافظ. قوله: (فإذَا رَأَيْتُمِوهَا) أي الآية وفي رواية رأيتموهما بالتثنية أي كسوف الشمس والقمرأي رأيتم أحدهما لما سبق من استحالة جمع كسوفهما عادة. قوله: (وكَذَا رواهُ البُخَارِي منْ رِوَايَة أبِي بَكْرَةَ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق البخاري وغيره ما لفظه وأخرجه البخاري أيضًا من رواية عبد الوارث عن يونس هو ابن عبيد عن الحسن هو البصري عن أبي بكرة هو نفيع بن الحارث الثقفي قال الحافظ وعند البخاري في بعض طرقه التصريح بالتحديث بين الحسن وأبي بكرة قال وأخرجه البخاري أيضًا من حديث عبد الله بن عمر وقال في روايته: (فَاذكُرُوا اللَّهَ) [النساء: ١٠٣] اهـ. قوله (وفي صحيحِ مُسْلمٍ) قال ميرك ورواه أبو داود والنسائي أيضًا. قوله: (عبدِ الرحمَنِ بنِ سَمْرَةَ ﵁ هو سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن أمية القرشي العبشمي من الطلقاء تأمن في الفتح وافتتح سجستان وكابل وهو الذي قال له النبي ﷺ لا تسأل الإمارة الحديث روي له عن رسول الله ﷺ فيما قيل أربعة عشر حديثًا ذكره ابن حزم وابن الجوزي وقال اتفقا منها على واحد وانفرد عنه مسلم باثنين روي عنه الحسن وابن سيرين سكن البصرة ومات بها سنة خمسين أو بعدها قال صاحب المشكاة هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن سمرة وكذا في شرح السنة عنه وفي نسخ المصابيح عن جابر ﵁ بن سمرة ونقل الطيبي عنه أيضًا قال وجدت حديث عبد الرحمن بن سمرة في صحيح مسلم وكتاب الحميدي والجامع ولم أجد لفظ المصابيح في الكتب المذكورة برواية جابر بن سمرة اهـ قوله: (وهُو قائِمٌ في الصلاةِ الخ) أي واقف في هيئة الصلاة من القيام والاستقبال واجتماع النّاس خلفه صفوفًا أو الصلاة بمعنى الدعاء إذ لم

стр. 1369

فلما حُسِرَ عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين". قلت: حُسِر بضم الحاء وكسر السين المهملتين أي: كشف وجلي. فصل: ويستحب إطالة القراءة في صلاة الكسوف، فيقرأ في القومة الأولى نحو سورة البقرة، ــ يعرف مذهب أنه يرفع يديه في صلاة الكسوف في أوقات الأذكار وكذا في المرقاة. قوله: (فَلما حُسر عَنْها الخ) ظاهر الخير أنه ﷺ إنما صلى ركعتين وقرأ فيهما سورتين بعد ذهاب الكسوف وهو خلاف ما ورد في الأحاديث من أن الشروع منه في الصلاة كان قبل الانجلاء قال الطيبي يعني دخل في الصلاة ووقف في القيام الأول وطول التسبيح والتكبير والتحميد حتى ذهب الكسوف ثم قرأ القرآن وركع ثم سجد ثم قام في الركعة الثانية وقرأ فيها القرآن وركع وسجد وتشهد وسلم اهـ، وهو يخالف ما تقرر منه ومن غيره لا يزاد في عدد ركوعها ولا ينقص منه بتمادي كسوف أو لانجلائه وإن قال به جمع من أصحابنا في توجيه الأخبار التي فيها زيادة ركوع ونحوه. فصل قوله: (فَيقرأُ في القَوْمةِ الأُولى) أي بعد الفاتحة المسبوقة بالافتتاح والتعوذ والتعوذ مسنون في القيامات كلها ثم التقدير المذكور في الركعات قال الحافظ سبقه إليه الشيخ يعني أبا إسحاق في المهذب واستدل بحديث ابن عباس وليس فيه إلّا تقدير قيام الأول بنحو سورة البقرة وحديث ابن عباس قال خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى والناس معه فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة ثم ركع ركوعًا طويلًا ثم رفع فقام قياما طويلًا وهو دون القيام الأول ثم سجد الحديث أخرجه أبو داود وابن حبان ووقع في بعض النسخ عن أبي داود عن أبي هريرة بدل ابن عباس وهو غلط وأما تقدير القومة الثانية فأخرجه البيهقي من رواية الزهري عن عروة عن عائشة فقال في الحديث فقرأ بآل عمران وسنده قوي وأصله عند أبي داود وآل عمران مائتا آية بالاتفاق وأما تقدير القومة في قيام الركعة الثانية فأخرج البيهقي من وجه آخر أنه قرأ فيهما بالعنكبوت والروم وسائر الأحاديث ليس فيها تقدير بلى فيها إما التسوية أو كل قومة أدنى من التي قبلها وقد نقل الترمذي عن الشافعي أنه قدر الأولى بالبقرة والثانية آل عمران

стр. 1370

وفي الثانية نحو مائتي آية، وفي الثالثة نحو مائة وخمسين آية، وفي الرابعة نحو مائة آية، ويسبِّح في الركوع الأوَّل بقدر مائة آية، وفي الثاني سبعين، وفي الثالث كذلك، وفي الرابع خمسين، ويطوِّل السجود كنحو الركوع، والسجدة الأولى نحو الركوع الأول، والثانية نحو الركوع الثاني، هذا هو الصحيح. وفيه خلاف معروف للعلماء، ولا تشكن فيما ذكرتُه من استحباب تطويل السجود، لكن المشهور في أكثر كتب أصحابنا أنه لا يطوِّل، فإن ذلك غلط أو ضعيف، ــ والثالثة بالنساء والرابعة بالمائدة وهذا نص الشافعي في البويطي وقد ذكر الترمذي أنه حمل بعض عن الشافعي عن محمد بن إسماعيل الترمذي عن البويطي فكان هذا منه اهـ. قوله: (وفي الثانيَةِ) أي في القومة الثانية الخ. هذا الذي ذكره هو ما في الأم والمختصر وعليه الأكثرون والذي نص عليه الشافعي في البويطي إنه يقرأ في القومة الثانية آل عمران وفي الثالثة النساء وفي الرابعة المائدة وفي شرح الروض وقدر كل سورة يقوم مقامها في قومتها وفي الروضة وليس على الاختلاف المحقق بل الأمر فيه على التقريب قال السبكي وقد ثبت بالنص في الأخبار تقدير القيام الأول بنحو البقرة وتطويله على الثاني ثم الثالث على الرابع وأما نقص الثالث عن الثاني أو زيادته عليه فلم يرد فيه شيء فيما أعلم فلأجله لا بعد في ذكر سورة النساء فيه وآل عمران في الثاني. قوله: (ويُسَبحُ في الرُّكُوع الأَولِ الخ) يقدر ذلك بالآيات المعتدلة من سورة البقرة ثم هذا ما نص عليه في أكثر كتبه وقال الحَافظ هذا التقدير ذكره الشيخ في المهذب أيضًا والأحاديث الواردة في الصحيحين وغيرهما بخلاف ذلك وفي أكثرها أن كل ركوع دون القيام الذي قبله وفي بعضها إطلاق التطويل في كل قيام وركوع ووقع عند النسائي عن عروة عن عائشة فركع ركوعًا طويلًا مثل قيامه أو أطول وأعاد ذلك في الأربع وسنده على شرط الشيخين وقد أخرا بعضه من هذا الوجه اهـ. قوله: (والثَّاني سَبعين) أي بتقديم السين وقيل في الثاني

стр. 1371

بل الصواب تطويله. وقد ثبت ذلك في "الصحيحين" عن رسول الله ﷺ من طرق كثيرة، وقد أوضحتُه بدلائله وشواهده في "شرح المهذب". وأشرت هنا إلى ما ذكرت لئلا تغترَّ بخلافه، وقد نص الشافعي ﵀ في مواضع على استحباب تطويله، والله أعلم. قال أصحابنا: ولا يطوِّل الجلوس بين السجدتين، بل يأتي به على العادة في غيرها، وهذا الذي قالوه فيه نظر، فقد ثبت في حديث صحيح إطالته، وقد ذكرت ذلك واضحًا في "شرح المهذب" فالاختيار ــ قدر ثمانين وفي الثالث قدر سبعين وعليه جرى في المنهاج. قوله: (بَلِ الصَّواب تَطْويلهُ وقدْ ثَبتَ ذَلِكَ في الصَّحيحَينِ الخ) ذكر المصنف في شرح المهذب حديث أبي موسى السابق عزو تخريجه للشيخين وحديث عائشة هو الحديث الأول من الباب وفيه بعد الركوع الثاني ثم سجد سجودًا طويلًا أخرجه البخاري من رواية مالك عن هشام بن عروة عن أبيه ولم يقع ذلك عند غيره ممن أخرجه عن مالك وعندهما أيضًا عن عائشة طريق أخرى بلفظ ثم سجد فأطال السجود ووقع عند مسلم من حديث جابر في بعض طرقه وركوعه نحو من سجوده وعندهما من رواية أبي سلمة عن عبيد الله بن عمر في قصة الكسوف قال في آخره قالت عائشة ما سجدت سجودًا قط أطول منه وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند البخاري ثم سجد فأطال السجود هذا جميع ما ذكره في الصحيحين وذكر عن أبي داود عن عبد الله بن عمرو وقام فلم يكد يركع وركع فلم يكد يرفع إلى أن قال ثم سجد فلم يكد يرفع وذكر عن أبي داود أيضًا عن سمرة بن جندب نحو رواية أبي سلمة عن عائشة المذكورة آنفًا وسائر الأحاديث التي في الكسوف ليس فيها ذكر تطويل السجود ورواتها نحو العشرين لكن من حفظ حجة على من لم يحفظ وقد أغفل من أطلق أن تطويل السجود لم ينقل قاله الحافظ. قوله: (قَال أَصْحَابُنا ولا يطوِّل الجُلوسَ بَيْن السجدَتينِ) قال الحافظ أما تطويل الجلوس بين السجدتين فنقل الغزالي والرافعي وغيرهما على أنه لا يطول قال المصنف في شرح المهذب وحديث عبد الله بن عمرو يقتضي استحباب إطالته. قوله: (وقَدْ ثَبَتَ في حَدِيث صَحيح إِطَالتُه) قال ابن الهمام

стр. 1372

استحباب إطالته، ــ أخرج أبو داود والنسائي والترمذي في الشمائل قلت وابن خزيمة وابن حبان كما قاله الحافظ عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام ﵇ فلم يكد يركع ثم ركع فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد ثم سجد فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد ثم سجد فلم يكد يرفع ثم رفع وفعل في الأخرى مثل ذلك وأخرجه الحاكم من طريق سفيان الثوري عن عطاء وسفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه أي بخلاف تلك الروايات السابقة فإن رواتها عن عطاء سمعوا منه بعد الاختلاط قال الحافظ لو كان الراوي عن سفيان متقنًا لما ضر الكلام في عطاء قال الشيخ في شرحه أخرجه أبو داود وفي سنده عطاء بن السائب وهو مختلف فيه وقد رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في المستدرك من طريق آخر صحيح وقال هو صحيح وظاهره أنهما لم يخرجا الطريق الأول وليس الأمر كذلك بل كل منهما أخرجها أيضًا وأخرج الطريق الثانية عن مؤمل بن إسماعيل عن سفيان عن عطاء وروياه عن سفيان عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مثله ومؤمل صدوق لكن ضعفوه من قبل حفظه ويعلى عن عطاء من رجال مسلم لكن أبو عطاء يقال له العامري لم يذكروا فيه جرحا ولا تعديلا وهو غير عطاء بن السائب فلما كان مؤمل متقنًا سمي الأمر في المتابعات وكان السائب والد عطاء ليس من رجال الصحيح وأخرجه أحمد والنسائي من رواية شعبة عن عطاء بن السائب وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط لكن قال في روايته وأحسبه قال في السجود فإذا كان المتقين تردد والذي لم يتردد غير متقن فكيف يحكم لهذه الزيادة بالصحة لكن عادة ابن خزيمة والحاكم وابن حبان إطلاق الصحيح على الحسن وهذا الحديث ليس بقاصر عن درجة الحسن وإذا تقرر ذلك فلا يخسن أنه صحيح تقليدًا لمن لا يرى التفرقة اهـ. قال الحافظ وقد وجدت لرواية يعلى بن عطاء علة لكنها غير قادحة وهي أنه جاء في رواية واسطة بينه وبين أبيه قال ويمكن الجمع بأن يكون ليعلى فيه اسنادان اهـ. قوله: (ولا يُطَوِّلُ القيام من الاعِتدالِ الخ) ذكر نحوه في المجموع

стр. 1373

ولا يطوِّل الاعتدال على الركوع الثاني، ولا التشهد وجلوسه، والله أعلم. ولو ترك هذا التطويل كلَّه، واقتصر على الفاتحة صحَّت صلاتُه. ويستحبُّ أن يقول في كل رفع من الركوع; سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، فقد روينا ذلك في الصحيح. ويسنُّ الجهر بالقراءة في كسوف القمر، ــ وزاد فنفي الخلاف ونظر فيه الحافظ بأن أحمد قال به في رواية. قوله: (ولا يطوِّلُ الاعتِدال عَنِ الرُّكُوعِ الثَّانِي ولا التَّشهُّدَ وجُلوسَهُ) قلت ذكر نحوه في شرح المهذب وزاد نفي الخلاف وفيه نظر أما الاعتدال المذكور فقال به أحمد في رواية وأثبت في صحيح مسلم من حديث جابر قال كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ في يوم شديد الحر فصلى رسول الله بالناس فقام فأطال القيام حتى جعلوا يخرون ثم ركع فأطال ثم ركع فأطال ثم رفع فأطال ثم سجدتين فذكر الحديث أخرجه أبو عوانة والنسائي وإطلاق القوم على حديث جابر الصحة وما ترتب عليها أولى من إطلاق ذلك على حديث عبد الله بن عمر من تطويل الجلوس بين السجدتين والقياس يقتضي استواءهما أما تطويل الجلوس بين السجدتين آخر الصلاة فيؤخذ من حديث أبي بن كعب فإن آخر الحديث وجلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى ذهب كسوفهما قال الحافظ حديث حسن أخرجه أبو داود والبيهقي والله أعلم. قوله: (ويُستَحَبُّ أَنْ يَقولَ في كلِّ رَفْعٍ منَ الركُوع سَمعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ رَبنا لَكَ الْحَمْدُ) قال الحافظ كذا في عدة نسخ والذي في الصحيحين بإثبات الواو ثم ساق حديث عائشة الذي أخرجه أهل الصحيح وغيرهم كما سبق وفيه ثم رفع فقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ذكر ذلك في كل رفع من ركوع وللشافعي نص آخر أنه يسبح في كل ركوع بقدر قراءة قيامه. قوله: (رَبنا لَكَ الْحَمْدُ) أي إلى آخر ذكر الاعتدال كما في شرح الروض وغيره. قوله: (ويُسَنُّ الْجَهَرُ بالْقرَاءَةِ في كُسُوفِ القمَر الخ) لجهره بصلاته بالإجماع وذلك لأنها صلاة ليلية أو ملحقة بها وما رواه الشيخان عن عائشة أنه ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته والترمذي عن سمرة قال صلى ﷺ في كسوف لا نسمع له صوتًا وقال حسن صحيح وعن علي أن النبي ﷺ جهر بالقراءة في كسوف الشمس أخرجه البيهقي وغيره كذلك وأوله عنده كسفت الشمس على عهد رسول الله فبعث رسول الله مناديا ينادي إن الصلاة جامعة

стр. 1374

ويستحبُّ الإسرار في كسوف الشمس، ثم بعد الصلاة يخطب خطبتين يخوِّفهم فيهما بالله تعالى، ويحثُّهم على طاعة الله تعالى، وعلى الصدقةِ والإعتاقِ، فقد صحَّ ذلك في الأحاديث المشهورة، ويحثهم أيضًا على شكر نِعَمِ الله تعالى، ويحذِّرهم الغفلة والاغترار، والله أعلم. روينا في "صحيح البخاري" وغيره، عن أسماء ﵂ قالت: "قد أمر رسول الله ﷺ ــ فاجتمعوا وتقدم رسول الله فقرأ قراءة طويلة يجهر فيها الحديث وفي حديثه النداء للاجتماع قال الحافظ وهذا من فوائد المستخرجات وقد أغفله المصنف في هذا الكتاب وأفردها الشيخان اهـ. قوله: (ويُستحَبُّ الإسرَارُ في كُسوفِ الشَّمْس) أي للاتباع رواه الترمذي وغيره. قوله: (يَخْطبُ خطْبتَينِ) أي كخطبتي الجمعة فلا تجزئ خطبة واحدة للاتباع وما فهمه جمع من عبارة البويطي من إجزائها مردود بأن عبارة البويطي لا تفهمه خلافًا لمن توهمه ثم القول بالخطبة للكسوف خالف في مشروعيتها بعض الأئمة من المذاهب الثلاثة وقد وقع التصريح بذلك في الصحيحين لكن بلفظ خطب ولم يذكر الشيخ التعدد للخطبتين إلَّا بالقياس فقد ثبت أنه خطب فيه خطبتين وأما تأخيرها عن الصلاة فدلت عليه الأحاديث لكن أخرج الحافظ عن ابن مسعود قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخطب النّاس فقال إن الشمس والقمر آيتان فذكر الحديث وفي آخره ثم نزل فصلى بالناس قال الحافظ حديث حسن أخرجه البزار وقال ابن خزيمة في هذا الحديث إن خطبة الكسوف قبل صلاتها فليحرر ذلك من قبل ومن بعد قلت وهو مبني على تعدد الكسوف وزمن الكسوف وعلى ذلك يحمل الاختلاف في عدد ركوع الركعة من واحدة إلى خمسة ومن الجهر بالقراءة والإسرار اهـ. قوله التصريح بها في الصحيحين. قوله: (عَنْ أَسمَاءَ ﵂ هي أسماء بنت أبي بكر الصديق زوج الزبير بن العوام أمها وأم أخيها عبد الله قيلة ويقال ورجحه الشيخ في المهمات قيلة بقاف فوقية فتحتية بالتصغير من بني عامر أكثر الروايات أنها لم تسلم كانت أسماء ﵂ من قدماء الإسلام والهجرة وشهدت كثيرًا من المشاهد مع رسول الله ﷺ وشهدت اليرموك مع زوجها الزبير

стр. 1375

بالعتاقة في كسوف الشمس"، والله أعلم. باب الأذكار في الاستسقاء يستحبُّ الإكثار فيه من الدعاء والذكر، والاستغفار بخضوع وتذلل، والدعوات المذكورة فيه مشهورة، منها: "اللَّهُمَّ اسْقِنا غَيْثًا مُغِيثًا ــ وكان عمر يفرض لها في ديوان العطاء ألفًا وكانت تعبر الرؤيا أخذت ذلك عن أبيها وأخذه عنها سعيد بن المسيب وكانت إذا مرضت تعتق أرقاءها وعن ابن الزبير ما رأيت امرأتين أجود من عائشة وأسماء وكان جودهما مختلفًا أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه وكانت أسماء لا تدخر لغد، سميت بذات النطاقين لشقها نطاقها للنبي ﷺ وأبيها في حديث الهجرة عاشت بعد موت ولدها عبد الله ﵄ ثلاث ليالٍ وقيل عشرًا وقيل عشرين روي لها عن رسول الله ﷺ فيما قيل ثمانية وأربعون حديثًا اتفقا منها على ثلاثة عشر وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بأربع وخرج عنها أصحاب السنن وغيرهم روى عنها ابنها عبد الله وعروة ماتت سنة ثلاث أو أربع وسبعين عن مائة وكانت أسن من عائشة بعشر سنين وهي أكبر ولد أبي بكر ﵄. قوله: (بالْعَتَاقة) وهو بفتح العين أي فك الرقاب من العبودية وذلك لأن العتاق وسائر الخيرات تدفع العذاب اهـ.، والله أَعْلمُ بالصواب. باب الأذكار في صلاة الاستسقاء الاستسقاء استفعال من السقيا فكأنه يقول باب الصلاة لطلب السقيا قوله: (يُسْتحَبُّ الإِكثار فِيهِ مِن الدُّعَاءِ) لأنه سبب الإجابة بمقتضى الوعد الذي لا يخلف. قوله: (والاسْتِغفارِ) قال تعالى فقلت ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١، ١٠] ". قوله: (بخُضُوع) أي بالقلب وتذلل بالذال المعجمة أي في الظواهر من الجوارح وبعبر عنه بالخشوع وسبق في الفصول أول الكتاب الكلام على ذلك. قوله: (اسقِنَا) بهمزة وصل وبهمزة قطع. قوله: (مُغِيثًا) بضم الميم وبالغين المعجمة أي من الإغاثة بمعنى الإعانة وإسناد الإغاثة إليه مجاز عقلي إذ المغيث على الحقيقة هو

стр. 1376

هَنِيئًا مَرِيئًا ــ الله تعالى وفي صحيح مسلم اللهم أغثنا قال القاضي عن بعضهم ما هنا من الإغاثة بمعنى المعونة وليس من طلب الغيث ويحتمل أنه من طلبه أي هيئ لنا غيثأ وفي الحرز اسقنا غيثا أي مطرا يغيثنا من الجدب فقوله مغيثًا تأكيدًا وتحديدًا وأريد به المنقذ من الشدة على ما في النهاية وهو بضم الميم يقال غثت الأرض فهي مغيثة إذا أصابها المطر اهـ، وفيه كما قال الملا محمد حنفي إن ما ذكره من اللغة لا يلائم تقييده بالضم إنما يلائم الفتح فالظاهر ما قاله الطيبي أنه عقب الغيث أي المطر الذي يغيث الخلق من القحط بالمغيث على الإسناد المجازي وإلَّا فالمغيث في الحقيقة هو الله تعالى وفي القاموس غاث الله البلاد والغيث الأرض أصابها وغيثت الأرض تغاث فهي مغيثة ومغوثة اهـ. قوله: (هَنِيئًا) بالتحتية بعد النون ثم الهمزة أي لا ضرر فيه ولا وباء. قوله: (مَرِيئًا) بفتح الميم وبالمد وبالهمز قاله صاحب السلاح وهو المحمود العاقبة الذي لا وباء فيه وقال ميرك الهمز هو المصحح في أصولنا من الأذكار والسلاح والحصن اهـ، وفي الحرز ويلائمه ما في النهاية من أنه مهموز مرأ الطعام وأمرأني إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيبًا وقال التوربشتي في شرح المصابيح أي هنيئًا صالحًا كالطعام الذي يمرؤ ومعناه الخلو عن كل ما ينغصه كالهرم والفرق ونحوهما ويحتمل أن يكون بتشديد الياء من غير همز من قولهم ناقة مري أي كثيرة الدر ولا أحققه رواية وفي المرقاة إنه على هذا الاحتمال يكون بضم الميم وقال ابن الجزري إنه بفتح الميم وتشديد الياء أي كثير الخير والمرية الناقة الغزيرة الدر من المري وهو الحلب وزنه فعيل أو مفعول اهـ. فعليه هو ناقص أو مهموز أبدلت الهمزة ياءً أو واوا فأدغم كما في النبي وليس اختلاف الروايات في لفظ من الحديث من الاضطراب خلافًا لما وهمه الحنفي في شرح الحصن بل هو كاختلاف القراء في الآية ولكل وجه وجيه والله أعلم. قوله: (مَرِيعا) قال في السلاح بفتح الميم وكسر الراء من المراعة وهو الخصب وقال ابن الجزري بضم الميم وفتحها هو الخصب النافع يقال أمرع الوادي إذا خصب ومرع بضم الراء مراعة فهو مريع اهـ، وظاهر سياقه بأن ضم الميم بناء على أنه من أمرع وفتحها بناء على أنه من مرع والثاني مسلم والأول محل بحث لأنه لو كان من أمرع لقيل فيه ممرع لا مريع لأنه من أراع قال في السلاح وروي بضم الميم

стр. 1377

غَدَقًا مُجَلِّلًا سَحًّا عامًّا طَبَقًا دَائمًا، اللَّهُمَّ على الظِّراب وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، وبُطُونِ الأوْدِيَةِ، اللهُم ــ والباء الموحدة من قولهم ارتبع البعير وتربع إذا أكل الربيع اهـ، وفي الحرز هذا الضبط له معنى آخر هو العام أي بتشديد الميم فقال أي عاما يعني من الارتياع والنجعة أي طلب الكلام بل النّاس يرتعون حيث شاؤوا أي يقيمون ولا يحتاجون إلى الانتقال في طلب الكلام بل النّاس يرتعون حيث شاؤوا أي يقيمون ولا يحتاجون إلى الانتقال في طلب الكلام وأصل الكلام للطيبي قال في السلاح وروي أيضًا بضم الميم وبالمثناة الفوقية من قولهم ارتعت المشاية ترتع رتوعا إذا أكلت ما شاءت وارتع الغيث أثبت ما ترتفع فيه الماشية قال الطيبي عقب الغيث وهو المطر الذي يغيث الخلق من القحط بالمغيث على الإسناد المجازي والمغيث في الحقيقة هو الله تعالى وأكد مريعا بمرتعا بالتاء بمعنى ينبت الله به ما ترتفع به الإبل اعتناء بشأن الخلق واعتمادا على سعة رحمة الخلق. قوله: (غَدَقًا) بفتح الغين المعجمة والدال المهملة وبكسر الدال المهملة أيضًا قال الأزهري الغدق الكثير الماء والخير وقال ابن الجزري المطر الكبار القطر قال الجوهري غدقت العين بالكسر أي غزرت فالغدق بالفتح مصدر وبالكسر صفة. قوله: (مجلِّلا) بكسر السلام أي يجلل البلاد والعباد نفعه ويتغشاهم بخيره قال ابن الجزري ويروى بفتح اللام على المفعول قال في الحرز ولعل معناه حينئذٍ واصلًا إلى جميع جوانب الأرض كالشيء المجلل اهـ، والظاهر موصلا بصيغة اسم المفعول إلى جميع جوانب الأرض. قوله: (سَحًّا) بفتح السين وتشديد الحاء المهملتين أي شديد الوقع على الأرض يقال سح الماء يسح إذا سأل من فوق إلى أسفل وساح الوادي يسيح إذا جرى على وجه الأرض والعام الشامل. قوله: (طبقًا) بفتح أوله المهمل وثانيه الموحدة والقاف آخره قال الأزهري يطبق الأرض مطره فيصير كالطبق عليها وفيه مبالغة اهـ. قال ابن الملقن في البدر المنير وقع في كلام المصنف يعني الرافعي تبعًا للشافعي والأصحاب عامًا طبقا قالوا بدأ بالعام ثم أتبعه بالطبق لأنّه صفة زائدة في العام اهـ. قوله: (دَائِمًا) أي بقدر الحاجة وإلَّا فدوامه مفسد وما أحسن الشاعر في قوله:

стр. 1378

إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إنَّكَ كُنْتَ غَفَّارا، فأرسل السَّماءَ عَلَيْنا مِدْرارًا اللهم اسْقِنا الغَيْثَ ولا تَجْعَلْنا مِنَ القَانِطِينَ، اللهم أنْبِتْ لنَا الزَّرْعَ، وأَدِرَّ لنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنا مِنْ بَرَكاتِ السَّماءِ، وأنْبِتْ لَنا مِنْ بَرَكاتِ الأرْضِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الجَهْدَ والجُوعَ والعُرْيَ، واكْشِفْ عَنَّا مِنَ البَلاءِ ما لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ". ويستحبُّ إذا كان فيهم رجل مشهور بالصلاح أن يستسقوا به فيقولوا: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَسْقِي وَنَتَشَفَّعُ إلَيْكَ بِعَبْدِكَ فُلانٍ". وروينا في "صحيح البخاري" أن عمر بن الخطاب ﵁، كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، ــ فسقي ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وهاطل ترب قوله: (إِنا نَسْتَغفِرُكَ) أي نسألك غفران ذنوبنا. قوله: (إِنكَ كُنْتَ غَفارًا) أي ولم تزل على ذلك. قوله: (فأَرْسِل السَّماء) أي السحاب علينا مدرارًا أي كثير الدر والمطر. قوله: (وَأدِرَّ لنَا الضَّرْعَ) أي اجعله ذا در أي لبن قال الجوهري الضرع لكل ذات ظلف أو خف. قوله: (بَركَاتِ السماءِ الخ) بركات السماء كثرة مطرها مع الربيع والنماء، وبركات الأرض ما يخرج منها من زرع ومرعى والسماء هنا السحاب قال الزمخشري في تفسيره ويجوز أن يكون المراد هنا المطر والسحاب ويجوز أن يكون المراد بها الظلمة لأن المطر ينزل منها إلى السحاب. قوله: (الْجَهدَ) بفتح الجيم المشقة وبضمها وفتحها الطاقة قاله الجوهري وغيره وذكر المصنف في شرح مسلم إن الضم في الجهد بمعنى المشقة لغة قليلة والظاهر أن المراد من الجهد هنا المشقة. قوله: (والعُرْيَ) بضم العين وإسكان الراء المهملتين. قوله: (ويُسْتَحبَّ إِذَا كَانَ فِيهمْ رَجُل الخ) فإن كان من أهل بيت رسول الله ﷺ كان أعلى وأولى. قوله: (رَوَيْنَا في صَحِيحِ البُخَارِي) هو من حديث أنس وعنه أخرجه البخاري هكذا قال الحافظ في تخريج الرافعي واستدركه الحاكم فوهم وأخرجه الحافظ من وجه آخر مطولًا بسند ضعيف. قوله: (قَحِطوا) أي احتبس عنهم المطر يقال قحط المطر بفتح حائه وكسرها إذا احتبس ويقال قحط بضم القاف وفتحها وكذا يقالان في قحطوا ذكره البعلي في المطلع. قوله: (اسْتَسْقى بالْعَبَّاس الخ) في أسد الغابة إن ذلك كان عام الرمادة فسقاهم الله به وأخصبت الأرض قوله فقال عمر

стр. 1379

فقال: اللهُم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقِيَنا، وإنا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبينا ﷺ فاسقنا، فيُسْقَوْنَ. وجاء الاستسقاء بأهل الصلاح عن معاوية وغيره. والمستحبُّ أن يقرأ في صلاة الاستسقاء ما يقرأ في صلاة العيد، وقد بَيَّناه، ويكبِّر في افتتاح الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات كصلاة العيد، وكل الفروع والمسائل التي ذكرتُها في تكبيرات العيد السبع والخمس يجيء مثلها هنا، ــ هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه وقال حسان بن ثابت: سأل الإِمام وقد تتابع جدبنا ... فسقي الغمام بغرة العباس عم النبي وصفو والده الذي ... ورث النبي بذاك دون النّاس أحيي الإله به البلاد فأصبحت ... مخضرة الأجناب بعد اليأس ولما سقي النّاس طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون له هنيئًا لك ساقي الحرمين اهـ. قوله: (فَقَال) أي عمر أما العباس فإنه قال اللهم إنه لم ينزل بلاءً إلّا بذنب ولم يكشف إلّا بتوبة وقد توجه بي القوم لمكاني من نبيك ﷺ وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث قاله الزبير بن بكار وقال أرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض أورده السيوطي في التوشيح. قوله: (وجاءَ الاسْتِسقْاءُ بأَهْلِ الصَّلاحَ عَنْ معَاويةَ الخ) استسقى معاوية بيزيد بن الأسود فقال اللهم أنا نستسقي بيزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديك إلى الله تعالى فرفع يديه ورفع النّاس أيديهم فثارت سحابة من المغرب كأنها ترس وهب بها ريح فسقوا حتى كاد النّاس لا يبلغون منازلهم واستسقى عمر بالعباس كما سبق وكذا فعله كثير من السلف وفي تخريج أحاديث الرافعي للحافظ حديث أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه بسند صحيح ورواه أبو القاسم اللالكائي في السنة في كرامات الأولياء منه وروى ابن بشكوال من طريق حمزة عن ابن أبي حملة قال أصاب النّاس قحط بدمشق فخرج الضحاك بن قيس يستسقي فقال ابن يزيد بن الأسود فقام وعليه برنس ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال أي رب إن عبادك

стр. 1380

ثم يخطب خطبتين يكثر فيهما من الاستغفار والدعاء. وروينا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتت النبي ﷺ بَوَاكٍ، فقال: "اللهُمَّ اسقِنا غَيثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نافِعًا غَيرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيرَ آجِلٍ، ــ تقربوا بي إليك فاسقهم قال فما انصرفوا إلَّا وهم يخوضون في الماء وروى أحمد في الزهد أن نحو ذلك وقع لمعاوية مع أبي مسلم الخولاني اهـ. قوله: (ثُم يَخطبُ خطْبتَينِ الخ) ما ذكره من تأخير الخطبتين عن الصلاة هو الأفضل وإلَّا فلو قدمهما عليها جاز كما سيأتي فقد رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة لكن الخطبة بعدها بالنسبة إلينا أفضل لأنه أكثر رواة ومتعضد بالقياس على خطبة العيد والكسوف. قوله: (يكْثرُ فيهِمَا الخ) أي ويبدل التكبير في أول الخطبة بالاستغفار تسعا في الأولى وسبعا في الثانية فيقول استغفر الله العظيم الذي لا إله إلَّا هو الحي القيوم وأتوب إليه ويبدل ما يتعلق بالفطرة والأضحية منها بما يتعلق بالاستغفار ويدعو في الأولى جهرًا وينبغي أن يكون بالمشروع وبعد مضي نحو ثلث الثانية ويستقبل القبلة الدعاء إن لم يستقبل للدعاء في الأولى ويبالغ في الدعاء سرًّا وجهرا. قوله: (أَتَتِ التَبي ﷺ بَواكٍ) وفي نسخة بواكي وهو بالباء الموحدة أوله جمع باكية وكذا في غير نسخة من السنن وقال الخطابي قال يعني جابر رأيت النبي ﷺ يواكي بضم التحتية قال ومعناه يتحامل على يديه أي رفعهما ومدهما في الدعاء ومنه التوكئ على العصا أي التحامل عليها قال ابن الأثير في النهاية الصحيح أن ما قاله الخطابي لم تأت به الرواية ولا انحصر الصواب فيه بل ليس هو واضح المعنى وفي رواية البيهقي أتت النبي ﷺ هوازن بدل بواكي اهـ. ما نقله عن المصنف ذكره في كتاب الخلاصة ثم قوله إن رواية البيهقي أتت النبي ﷺ هوازن فيه سقط إنما هي كما رأيته بخط ابن رسلان في شرحه لسنن أبي داود أتت النبي ﷺ بواكي هوازن قال ورواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ أتت النبي ﷺ هوازن قال ابن رسلان وهذه الروايات ترد بظاهرها على ما قاله الخطابي اهـ. قوله: (مَرِيئًا) قال في المرقاة في رواية هنيئًا قبله. قوله: (غيْرَ ضَارٍّ) تأكيد وكذا قوله غير آجل قال الطيبي الغيث هو المطر الذي يغيث الخلق من القحط نعته بالمغيث

стр. 1381

فأطْبَقَتَ عَلَيهِمُ السَّماءُ". وروينا فيه بإسناد صحيح عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: "اللهم اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهائِمَكَ، وَانْشُرْ رحْمَتتَكَ، وأحْيِ بَلَدَكَ المَيتَ". وروينا فيه بإسناد صحيح قال أبو داود في آخره: هذا إسناد جيد عن عائشة ﵂ قالت: "شكا النّاس إلى رسول الله ﷺ قحوط ــ على الإسناد المجازي وإلَّا فالمغيث حقيقة هو الله سبحانه وأكد مريئًا بمرتعا بالتاء بمعنى ينبت الله به ما ترتع الإبل وأكد النافع بغير ضار وعاجلًا بغير آجل اعتناء بشأن الخلق واعتمادًا على سعة رحمة الحق فكما دعا ﷺ بهذا الدعاء كانت الإجابة طبقًا حيث أطبقت عليهم السماء فإن في إسناد الأطباق إلى السماء والسحاب هو المطبق أيضًا مبالغ اهـ. قوله: (فأَطْبقَتْ عَلَيهِمُ السماء) بالبناء للفاعل وقيل للمفعول يقال أطبق على كذا إذا جعل الطبق على رأس شيء وغطاه به أي جعلت السحاب كطبق قيل أي ظهر السحاب في ذلك الوقت وغطاهم كطبق فوق رؤوسهم بحيث لا يرون السماء من تراكم السحاب وعمومه الجوانب وقيل أطبقت بالمطر الدائم يقال أطبقت عليه الحمى أي دامت وفي شرح السنة أي ملأت والغيث المطبق هو العام الواسع. قوله: (اللَّهمَّ اسْقِ) بوصل الهمزة وقطعها كما سبق تحقيقه لغة ورواية فلا وجه لحصر الحنفي في شرح الحصن بقوله أمر من السقي من باب ضرب. قوله: (عبَادكَ) أي ذوي العقول قال ابن رسلان وذكر العباد هنا كالسبب للسقي أي اسقهم لأنهم عبيدك المتذللون الخاضعون لك وبهائمك أي الحيوانات والحشرات وانشر بضم الشين رحمتك أي ابسطها على جميع الخلق أي جميع الموجودات من الحيوانات والنباتات والجمادات وفيه إيماء إلى قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] أي في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان ذكره البيضاوي. قوله: (وأَحي) هو بفتح الهمزة به بلدك الميت، قال ابن رسلان روى الطبراني في الأوسط اللهم أنزل علينا من السماء ماءً طهورًا وأحي به بلدة ميتًا وأسق مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرًا. قوله: (شَكَى النَّاسُ) يقال شكيت شكاء بالألف وقيل بالياء. قوله: (قُحوطَ

стр. 1382

المطر، فمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد النّاس يومًا يخرجون فيه، فخرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر ﷺ ، فكبر وحَمِد الله ، ثم قال: "إنَّكُمْ شَكَوْتُم جَدْبَ دِيارِكمْ، وَاسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إبَّان زَمانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أمَرَكُمُ الله سُبْحانَهُ أنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثم قال: الحَمْدُ لِلَهِ رَب العَالمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْم الدينِ، لا إلهَ إلَّا الله ــ المَطرِ) بضم القاف أي فقده قال الطيبي القحوط مصدر بمعنى القحط أو جمع وأضيف إلى المطر يشير إلى عمومه في بلدان شتى. قوله: (حِينَ بَدا حَاجبُ الشمس) بدا بالألف اللينة لا بالهمزة أي ظهر وحاجب الشمس أولها أو بعضها قال الطيبي أي أول طلوع شعاع من الأفق قال ميرك الظاهر إن المراد بالحاجب ما طلع أولًا من جرم الشمس مستدقا مشبهًا بالحاجب قال في المرقاة ويؤيده ما في المغرب حاجب الشمس أول ما يبدو من الشمس مستعار من حاجب الوجه اهـ، ويؤيده ما قاله ابن رسلان أيضًا قال أي حرفها الأعلى من قرصها سمي بذلك لأنه أول ما يبدو منها كحاجب الإنسان قال وعلى هذا يختص الحاجب بالحرف الأعلى البادي أولًا ولا يسمى جميع نواحيها حواجب اهـ. قوله: (واسْتِئْخَار المَطرِ) قال ابن رسلان بهمزة ساكنة بعد المثناة أي تأخره قال الطيبي السين للمبالغة يقال استأخر إذا تأخر تأخرا بعيدًا قلت ولا يخالفه قول ابن رسلان يقال أخر وتأخر واستأخر بمعنى لأن كلام الطيبي لبيان موقع اللفظ. قوله: (عَنْ إِبَّانِ زَمَانِه) سيأتي ضبط الإبان ومعناه في الأصل وإنه الوقت وإضافته إلى الزمان من إضافة الخاص إلى العام أي من أول زمان المطر والإبان أول الشيء كذا في المرقاة. قوله: (أَمرَكُمْ أَن تَدْعُوهُ الخ) أي بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] أي ووعد الله لا خلف فيه. قوله: (ثُمَّ قَال الحْمدُ لله رَبِّ الْعَالمِينَ) أي في هذا الحال وفي كل حال الرحمن الرحيم أي المفيض على عباده في الدنيا والآخرة بالنعم الجليلة والدقيقة تارة بصورة النعماء وأخرى في صورة البلوي وفي ذلكم بلاءً من ربكم عظيم. قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وفي نسخة ملك وهما قراءتان متواترتان الأكثرون على الأول

стр. 1383

يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللهُم أنْتَ اللهُ، لا إلهَ إلَّا أنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَراءُ، أنزِلْ عَلَينا الغَيثَ، وَاجْعَلْ ما أَنْزَلْتَ لنَا قوَّة وَبَلاغًا إلى حِينٍ"، ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبْطيه، ــ قيل وهو أبلغ عند الأكثر أي مالك كل شيء وقت وحين والتخصيص لعظمة يوم الدين وفيه إيماء إلى أن هذا البلاء مجازاة في الدنيا لما صدر من العباد من التقصير في العبودية كما أشار إليه في هذا الخبر وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. قوله: (يفْعلُ مَا يُريدُ) لا راد لحكمه ولا معقب لأمره وفيه إشارة إلى مقام التفويض والتسليم دائمًا لأنه لا يجب عليه سبحانه شيء كما ورد يا عبدي تريد وأريد ولا يكون ما أريد فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط وقد عقد هذا المعنى أبو الدرداء ﵁ فقال: تريد النفس أن تبلغ مناها ... ويأبى الله إلَّا ما أرادا يقول العبد فائدتي ومالي ... وتقوى الله أولى ما استفادا قوله: (لَا إِلَه إلا أَنْتَ) تأكيد لما قبله. قوله: (الْغني) أي بالذات عن العبد وعمله وبالعرض إن كل من في السموات والأرض إلَّا آتي الرحمن عبدا. قوله: (ونَحنُ الْفقرَاءُ) أي الملازمون للافتقار المحتاجون إليك في الإيجاد والإمداد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ والله هو الغني الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] وفيه المحسنات البديعية أي مقابلة الجمع بين الغني والفقير. قوله: (فأَنْزلْ عَليْنا الْغَيثَ) هو بفتح همزة أنزل وفي نسخة من المشكاة غيثا أي أنزل غيثا يغيثنا ويعيننا فقد عرفنا قدر النعم عند فقد بعضها. قوله: (قُوتَ عيشِنَا) أي يحصل به القوت المقوي على العبادة والمعنى اجعله نفعًا لنا لا مضرة علينا. قوله: (وبَلاغًا) أي زادا يبلغنا وقال الطيبي البلاغ ما يتبلغ به إلى المطلوب. قوله: (إِلى حِين) أي إلى آجالنا والمراد اجعل الخير الذي أنزل علينا سببًا لقوتنا على الطاعة ومددًا لنا مددًا طوَالًا. قوله: (حَتى بدَا بَيَاضُ إبطَيْه) وفي رواية عفرة إبطيه ولا تخالف لأنها عفرة نسبية لا سيما مع وجود الشعر في ذلك المحل ودعوى إنه ﷺ لم يكن له شعر فيه لم تثبت بل ثبت نتفه ﷺ للشعر من ثمة وفيه المبالغة في الرفع وهو المراد بما ورد ولم يرفع يديه ﷺ إلّا في الاستسقاء أي رفعا تامًّا وإلَّا

стр. 1384

ثم حوَّل إلى النّاس ظهره، وقلب أو حوَّل رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على النّاس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأت مسجدَه حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِن ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: "أشْهَدُ أن الله على كُل شيءٍ قَدِيرٌ، وأنِّي عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ". قلت: ــ فاصل الرفع إلى تلك المرتبة ورد عنه ﷺ في مواطن كثيرة أفردها الجلال السيوطي بجزء ولذا كان ذلك من سنن الدعاء خارج الصلاة ومن الطواف فيسن رفع اليدين لدعائه كما في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي خلافا لما في الحرز من عدم طلبه. قوله: (ثُم حَوّل إِلى النَّاس ظهْرهُ) أي واستقبل القبلة إشارة إلى التبتل إلى الله والانقطاع عما سواه. قوله: (وقَلب) بتشديد اللام وفي المرقاة وفي نسخة بتخفيفها وكذا ضبطه ابن رسلان في شرح أبي داود "أو تحول" هو شك من الراوي وتحويل الرداء للتفاؤل بتحويل الحال من الشدة إلى الخصب وفي المرقاة قد جاء بهذا التعليل مصرحًا به في الخبر المرفوع ففي المستدرك من حديث جابر وصححه قال حول رداءه لتحول القحط وفي طوالات الطبراني من حديث أنس وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب قلت وكون التعليل من المرفوع سبق قلم إذ هو موقوف والله أعلم وتحويل الرداء أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جهة يساره وبيده اليسرى الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمين والمقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار فإذا فعل ذلك فقد إنقلب اليمين يسارًا وبالعكس والأسفل أعلى وبالعكس قال السهيلي وطول ردائه ﷺ أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر اهـ. قوله: (وهُوَ رَافِع يَديْهِ) يعني إن هذه الحالة موجودة منه ﷺ في حال تحويل ظهره وردائه أيضًا. قوله: (وبَرقَتْ) بفتح الراء ونسبة الرعد والبرق إلى السحاب مجاز أي ظهر فيه ذلك وفي النهاية برقت بالكسر بمعنى الحيرة وبالفتح من البريق اللمعان. قوله: (الْكِنِّ) هو بكسر الكاف وتشديد النون وهو ما يرد به الحر والبرد من المساكن وقوله ضحك جواب لما وكان ضحكه تعجبًا من طلبهم المطر اضطرارا ثم طلبهم الكن عنه فرارا. قوله: (حَتي بدَتْ نَواجذُه) بالذال المعجمة وهي الضواحك التي تبدو عند الضحك وقيل هي الأضراس والأنياب

стр. 1385

إبَّان الشيء: وقتُه، وهو بكسر الهمزة وتشديد الباء الموحدة. وقحوط المطر، بضم القاف والحاء: احتباسه. والجَدْبُ، بإسكان الدال المهملة: ضد الخصب. وقوله: ثم أمطرت، هكذا هو بالألف، وهما لغتان: مطرت، وأمطرت، ولا التفات إلى من قال: لا يقال: أمطرت بالألف إلا في العذاب. وقوله: بدت نواجده: أي ظهرت أنيابه، وهي بالذال المعجمة. واعلم أن في هذا الحديث التصريح بأن الخطبة قبل الصلاة، وكذلك هو مصرح به في "صحيحي البخاري ومسلم"، وهذا محمول على الجواز. والمشهور في كتب الفقه لأصحابنا وغيرهم: أنه يستحب تقديم الصلاة على الخطبة لأحاديث أخر: أن رسول الله ﷺ قدم الصلاة على الخطبة، والله أعلم. ويستحبُّ الجمع في الدعاء بين الجهر والإسرار، ورفع الأيدي فيه رفعا بليغًا. قال الشافعي ﵀: وليكن من دعائهم: "اللهم أمَرْتَنا بِدُعائِك، ووَعَدْتَنا إجابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كما أمَرْتَنا، فأجِبْنا كما وَعَدْتَنا، اللهُم امْنُنْ عَلَيْنا بِمَغْفِرَةِ ما قارَفْنا، وإجَابَتِكَ في سُقْيانا ــ والمشهور أنها أقصى الأسنان والمراد هنا الأول لأنه ما كان يضحك حتى يبلغ به الضحك إلى أن تبدو أضراسه كيف وقد جاء في صفة ضحكه التبسم قاله ابن رسلان. قوله: (إبانُ الشَّيْءِ الخ) قال في النهاية قيل نونه أصلية فيكون فعالا وقيل زائدة فيكون فعلانا من آب الشيء يؤوب إذا تهيأ للذهاب وفي القاموس إبان الشيء بالكسر حينه وأوانه. قوله: (والجَدْبُ بإِسكَان الذالِ الخ) أي والجيم المفتوحة. قوله: (الخِصب) هو بكسر أوله المعجم وسكون ثانيه المهمل آخره باء موحدة. قوله: (وهُمَا لغتَانِ) قال المصنف في شرح مسلم جاء في البخاري ومسلم أمطرت بالألف وهو دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من أهل اللغة أن أمطرت ومطرت لغتان في المطر وقال بعض أهل اللغة لا يقال أمطرت بالألف إلَّا في العذاب لقوله تعالى: (وَأَمطَرْنَا عَلَيهم حِجَارَة) [الحجر: ٧٤] والمشهور الأول قال تعالى عارض ممطرنا وهو في الخير لأنهم يحسبونه خيرًا اهـ. قوله: (ما قارَفْنا) بقاف ثم ألف ثم راء

стр. 1386

وَسَعَةِ رِزْقِنا". ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويصلي على النبي ﷺ ، ويقرأ آية أو آيتين، ويقول الإِمام: أستغفر الله لي ولكم. وينبغي أن يدعوَ بدعاء الكرب، وبالدعاء الآخر: اللهُم آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وغير ذلك من الدعوات التي ذكرناها في الأحاديث الصحيحة. قال الشافعي ﵀ في "الأم": يخطب الإِمام في الاستسقاء خطبتين، كما يخطب في صلاة العيد يكثر الله تعالى فيهما ويحمَدُه، ويصلى على النبي ﷺ ، ويكثر فيهما من الاستغفار حتى يكون أكثرَ كلامه، ويقول كثيرًا: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (١٠) ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١] ثم روي عن عمر ﵁، أنه استسقى وكان أكثرُ دعائه الاستغفار. قال الشافعي: ويكون أكثرُ دعائه الاستغفار، يبدأ به دعاءه ويفصل به بين كلامه، ويختم به، ويكون هو أكثر كلامه حتى ينقطعَ الكلام، ويحثُّ النّاس على التوبة والطاعة والتقرب إلى الله تعالى. باب ما يقوله إذا هاجت الريح روينا في "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ إذا ــ ثم فاء أي خالطنا من الذنوب. قوله: (وسَعَةِ) بفتح السين المهملة. قوله: (اسْتغْفرُوا رَبَّكُمْ الخ) ظاهر عبارة بعض المحققين أن يقرأ ذلك إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٢]. قوله: (ويَختمُ بالاسْتغفَار) أي فيقول استغفر الله لي ولكم وللمسلمين اهـ. والله أعلم. باب ما يقول إذا هاجت الريح في الصحاح هاج الشيء يهيج هيجًا وهياجًا وهيجانًا واهتاج وتهيج أي ثار وهاجه غيره من باب باع لا غير يتعدى وهيجه وهايجه بمعنى قوله: (رَوَيْنَا في صَحيح مُسْلمٍ الخ) وكذا رواها أبو داود والنسائي ووقع في المشكاة أن الحديث متفق عليه فنظر فيه في المرَقاة بأنه من إفراد مسلم كما يفهم من كلام ابن الجزري في التصحيح حيث قال رواه مسلم وأبو داود الخ، وقد عزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى تخريج

стр. 1387

عصفت الريح قال: "اللهُم إني أسألكَ خَيرَها وَخَيرَ ما فِيهَا، وَخَيرَ ما أُرْسَلِتْ بهِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وشَرَ ما فيها وَشَر ما أُرْسِلَتْ بِهِ". وروينا في "سنن أبي داود، وابن ماجه، بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرِّيحُ مِنْ رَوْح الله تعالى، تأتي بالرَّحمةِ، وتَأتي بالعَذَابِ، فإذا رأيْتموها فلا تَسُبُّوها، ــ الترمذي أيضًا ولم يذكر أبا داود فيمن خرجه وراجعت باب ما يقول إذا هاجت الريح من سنن أبي داود فلم أره فيه فلعل ما نقله ابن الجزري عنه في بعض النسخ ثم رأيت ما يؤيد ما ذكره صاحب المشكاة وهو تيسير الوصول إلى جامع الأصول للديبع بعد ذكر الحديث باللفظ المذكور وقال أخرجه الشيخان هكذا والترمذي اهـ. قوله: (عَصفتِ الرِّيحُ) بفتح أوليه المهملين وبالفاء أي اشتد هبوبها. قوله: (خيْرهَا) أي خيرها الذاتي. قوله: (وخيْرَ مَا فِيهَا) أي الخير العارض منها من المنافع كلها وخير ما أرسلت به أي بخصوصها في وقتها وهو بصيغة المجهول وفي نسخة بالبناء للفاعل قال الخطابي يحتمل الفتح على الخطاب وقوله وشر ما أرسلت على الباء للمفعول ليكون من قبيل أنعمت عليهم غير المغضوب وقوله ﷺ "الخير بيدك والضر ليس إليك" قال ابن حجر وهذا تكليف بعيد لا حاجة إليه وأرسلت مبني للمجهول فيهما كما هو المحفوظ أو للفاعل اهـ، وتعقبه في المرقاة بأنه لا مانع من احتمال ما قاله مع أنه موجود في بعض النسخ على ذلك المنوال فيكون متضمنًا لنكتة شريفة يفهمها أهل الأذواق والأحوال اهـ، وفيه نظر لأن ابن حجر لم يمنع منه إنما أشار لتكلفه. قوله: (وشر مَا أُرْسِلَتْ بهِ) على صيغة المجهول وهو كذلك في جميع نسخ المشكاة وكتب فوقه ميرك صح إشارة لعدم الخلاف. قوله: (وَرَوَيْنَا في سُنَنِ أَبي دَاوُدَ الخ) زاد في المشكاة ورواه الشافعي والبيهقي في الدعوات الكبرى قال ميرك ورواه النسائي أَيضًا في اليوم والليلة وهو حديث حسن الإسناد وقال الحافظ بعد تخريجه للحديث هذا حديث حسن صحيح أخرجه أحمد وأبو عوانة في صحيحه ورجاله رجال الصحيح إلَّا ثابت بن قيس اهـ، وفي الجامع الصغير رواه البخاري في الأدب يعني الأدب المفرد والحاكم في المستدرك اهـ، وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء له من حديث ابن عباس. قوله: (منْ رَوْح الله) بفتح الراء أي من رحمته تعالى يريح بها عباده ومنها قوله تعالى:

стр. 1388

وَسَلُوا اللهَ خَيرَها، وَاستَعِيذُوا بالله مِنْ شَرّها". قلت: قوله ﷺ : "مِنْ رَوْحِ الله"، هو بفتح الراء، قال العلماء: أي: من رحمة الله بعباده. وروينا في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا رأى ناشئًا ــ ﴿فَرَوحٌ وَرَيحَان﴾ [الواقعة: ٨٩] وإتيانها بالعذاب للكافر رحمة للأبرار حيث يخلصوا من أيدي الفجار وقال أبو عبيد من روح الله لأنها تنفس الكروب وتسير بالغيث وتنشئ السحاب وتذهب الحزن فهي مما يروح الله بها على المكروبين قال الراغب الروح التنفس وقد راح الإنسان إذا تنفس ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تيأسوا مِن روح الله﴾ [يوسف: ٨٧] أي من فرجه ورحمته وذلك بعض الروح مع أنها تجيء بالعذاب فجوابه من وجهين الأول أنه عذاب لقوم ظالمين رحمة لقوم مؤمنين قال الطيبي ويؤيده فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين الكشاف فيه إيذان بوجوب الحمد عند إهلاك الظلمة وهو من أجل النعم وأجزل القسم، الثاني إن الروح مصدر بمعنى الفاعل أي الرايح فالمعنى إن الريح من روايح الله أي من الأشياء التي تجيء من حضرته بأمره فتارة تجيء بالرحمة وأخرى بالعذاب ولا يجوز بها لأنها مأمورة مقهورة بل تجب التوبة عند التضرر بها وهو تأديب من الله سبحانه وتأديبه رحمة للعباد اهـ. قوله: (وسَلُوا الله مِنْ خَيْرهَا الخ) قال ابن الجوزي في المنتخب قال ابن عباس الرياح ثمان أربع للرحمة المبشرات والمثيرات والمرسلات والرخاء قلت وفي المرقاة بدل المبشرات والرخاء الذاريات والناشرات وأربع للعذاب العاصف والقاصف وهما في البحر والصرصر والعقيم وهما في البر وقال عبيد بن عمر يبعث الله تعالى ريحا فتقم الأرض ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب ثم يبعث المؤلفة فتؤلفه ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر اهـ. كلام المنتخب. فائدة أخرى ذكر شيخ الإسلام زكريا وغيره إن الرياح أربع التي تجيء من تجاه الكعبة الصبا ومن ورائها الدبور ومن جهة يمينها الجنوب ومن جهة شمالها الشمال ولكل منها طبع فالصبا حارة رطبة والدبور باردة رطبة والجنوب حارة رطبة والشمال باردة يابسة وهي من ريح الجمعة التي تهب عليهم كما في مسلم اهـ. قوله: (وَرَوَيْنَا في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ الخ) وكذا رواه الشافعي بمعناه أشار إليه في المشكاة وقال الحافظ بعد تخريج الحديث هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وابن ماجة النسائي وأبو

стр. 1389

في أُفق السماء، ترك العمل وإن كان في صلاة، ثم يقول: "اللهم إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها"، فإن مطر قال: "اللهُم صَيِّبًا هَنِيئا". قلت: ناشئًا، بهمز آخره، أي: سحابا لم يتكامل اجتماعه. والصيب بكسر الياء المثناة تحت المشددة: وهو المطر الكثير، وقيل: المطر الذي يجري ماؤه، وهو منصوب بفعل محذوف: أي: أسألك صَيِّبًا، أو اجعله صَيِّبًا. ــ عوانة في صحيحه. قوله: (في أُفُق السماءِ) الأفق بضمتين يجوز أن يكون واحدًا وجمعًا كما في النهاية كالفلك وهو هنا يحتملهما. قوله: (تَرَكَ العَملَ) أي ترك ﷺ ما هو مشتغل به من العمل المباح في ذاته وإن كان فعله ﷺ لا يكون إلَّا مطلوبًا واجبًا أو مندوبًا للتشريع. قوله: (فإِنْ مَطرَ الخ) زاد في رواية الشافعي فإن كشفه الله أي السحاب حمد الله. قوله: (ناشِئًا بهَمْز آخرَهُ الخ) قال في المرقاة سمي السحاب ناشئًا لأنه ينشأ من الأفق يقال نشأ أي خرج أو ينشأ في الهوى أي يظهر أو لأنه ينشأ من الأبخرة المتصاعدة من البحار والأراضي البحرة ونحو ذلك اهـ. قوله: (صيبًا بكَسْر اليَاءِ المثناةِ الخ) سكت عن ضبط أوله أي بالصاد المهملة وهو بالفتح كما قاله ابن الجزري وغيره وأصله الواو كما في النهاية لأنه من صاب يصوب إذا نزل فأصاب الأرض وبناؤه صيوب على وزن فيعل فأبدلت الواو ياء وأدعمت كسيد اهـ. في المطالع أصله صيوب في مذهب البصريين وعند غيرهم صويب وقال صيبًا مخففا في رواية أبي الحسن ومشددا في رواية أبي ذر على وزن فيعل أصله صيوب ومن أصلهم قلب الواو ياء إذا اجتمعت مع الياء سواء تقدمت على الياء أو تأخرت عنها وإدعام الأولى في الثانية اهـ. قوله: (وهُو المطرُ الكِثيرُ الخ) وقال بعضهم الصيب السحاب ذو الصوب أي المطر قال القاضي البيضاوي في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، فيعل من الصوب وهو النزول يقال للمطر والسحاب وتنكيره لأنه أريد به نوع من المطر الشديد اهـ، وقال ميرك تفسير الصيب بالمطر روي عن ابن عباس وهو قول الجمهور وقال بعضهم هو السحاب ولعله أطلق مجازًا. قوله: (منْصُوبٌ بفعل محذُوفٍ) أي على أنه مفعول به ويصح كونه مفعولًا مطلقًا أي اسقنا سقيًا صيبًا وقيل على الحال أي أنزل علينا الغيث حال

стр. 1390

وروينا في كتاب الترمذي وغيره، عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسُبُّوا الرِّيحَ، فإنْ رأيْتُمْ ما تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللهُم إنَّا نَسْألُكَ مِنْ خَيرِ هَذِهِ الريح، وخَيرِ ما فِيها، وخَيرِ ما أُمِرَتْ بِه، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذِهِ الريح وشر ما فِيها وشر ما أُمِرَتْ بِه" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وعثمان بن أبي العاص، وأنس، وابن عباس، وجابر. وروينا بالإسناد الصحيح في كتاب ابن السني، عن سلمة بن الأكوع ﵁. قال: كان رسول الله ﷺ إذا اشتدَّت الريح يقول: "اللهُم ــ كونه صيبًا أي مطرًا نافعًا. قوله: (وَرَوَيْنَا في كِتَاب الترْمذِي وغيْرِه) كأحمد والبخاري فإنه أخرجه في كتاب الأدب المفرد والنسائي فإنه رواه في اليوم والليلة عن أبي والطبراني في الدعاء ورواه من حديث عثمان بن أبي العاص وأخرجه البزار كذلك. قوله: (لا تسُبُّوا الرّيحَ) أي فإنها مأمورة والمأمور معذور. قوله: (فإذَا رَأَيتُمْ مَا تَكْرهُونَ) أي من حرها أو قرها أو تأذيتم بشدة هبوبها. قوله: (فقُولُوا) أي فردوا الأمر إلَى الخالق والآمر وقولوا اللهم الخ. قوله: (أُمِرَتْ بهِ) هو بالبناء للمجهول. قوله: (في البَاب عَن عائِشَة الخ) قال الحافظ أما أحاديث أنس وجابر وابن عباس فقد ذكرها المصنف في هذا الباب وحديث عثمان بن أبي العاص أخرجه الطبراني في كتاب الدعاء ولفظه كانت الريح إذا اشتدت قال ﷺ اللهم إني أعوذ بك من شر ما أرسلت له ورواه الخرائطي من ما أرسلت فيها قال الحافظ بعد تخريجه هذا غريب ورواه البزار وأخرجه ابن السني وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطي ضعيف لكنه يتقوى بشواهده وذكر حديث أبي هريرة وتكلم على حاله قال الحافظ وفي الباب أيضًا عن سلمة بن الأكوع قلت وقد أورده المصنف في الباب وأبي الدرداء وعقبة بن عامر اهـ. قوله: (وَرَوَيْنَا بالإسنَادِ الصَّحيح عَنْ سَلَمَةَ الخ) قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد هكذا وأَخرجه ابن حبان في صحيحه وابن السني معًا عن أبي يعلى وأخرجه الطبراني أيضًا في المعجم الأوسط وقال لم ويره عن يزيد يعني ابن أبي عبيد إلَّا مغيرة تفرد به أحمد بن عبدة وتعقبه الحافظ برواية

стр. 1391

لَقْحا لا عَقِيما". قلت: لَقْحا: أي: حاملا للماء كاللَّقْحة من الإبل. والعقيم: التي لا ماء فيها كالعقيم من الحيوان: لا ولد فيها. وروينا فيه عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ﵃، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقعت كبيرة، أو هاجت ريح ــ أبي مصعب الزهري عن يزيد وأخرجه الحاكم في المستدرك عن المغيرة قال وهي واردة على دعوة التفرد اهـ. قوله: (لقْحًا) قال في السلاح بفتح اللام مع فتح القاف وسكونها وبالحاء المهملة الحاملة للسحاب والعقيم بعكسه اهـ، وفي الصحاح ألقى الفحل الناقة والريح السحاب ورياح لواقح اهـ. قال ابن الجزري يقال القحت الريح السحاب فيه في نفسها لاقحة قال الجوهري كأن الريح لقحت بخير فإذا أنشأت السحاب وفيها خير وصل ذلك إلينا اهـ. قوله: (لَا عَقِيمًا) هو تأكيد لما قبله. قوله: (كاللقْحَةِ) أي بكسر اللام وفتحها الناقة القريبة العهد بالنتاج والجمع لقح وقد لقحت الناقة لقحا ولقاحا وناقة لقوح إذا كانت غزيرة وناقة لاقح إذا كانت حاملا ونوق لواقح واللقاح ذوات الألبان الواحدة لقوح كذا في النهاية. قوله: (وَرَوَيْنَا فيهِ عَنْ أَنسٍ وجابرٍ الخ) وقال الحافظ هذا توهم إنما هما قرنا في الرواية وليس كذلك إنما وقع عنده اختلاف على بعض رواته في الصحابي فأخرجه ابن السني عن أبي يعلى عن داود بن رشيد عن الوليد بن مسلم عن عنبسة عن محمد بن زادان عن جابر الحديث قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب وسنده ضعيف جدًّا فيه محمد بن زادان ضعيف وشيخه عنبسة متروك وأخرجه ابن السني أيضًا من طريق عمرو بن عثمان عن الوليد بهذا السند لكن قال عن أنس بدل جابر وكذا أخرجه ابن عدي في ترجمة عنبسة فقال أيضًا عن أنس وجابر عن أنس حديث آخر يدخل في هذا الباب عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا هبت الريح الشديدة قال اللهم إنا نسألك من خير ما أمرت به ونعوذ بك من شر ما أمرت به هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد ورجاله رجال الصحيح إلَّا أن فيه انقطاعا بين الأعمش وانس اهـ. قوله: (وقَعتْ كَبيرَةٌ) الله أعلم أن التقدير مصيبة كبيرة أي من موت أو حريق فالتكبير يدفع حر النار وإذا استحضر العبد مضمون التكبير هان عليه ما لاقاه من مصيبة. قوله: (هَاجتْ ريحٌ) أي ثارت في النهاية هاج الشيء يهيج هيجا واهتاج

стр. 1392

عظيمة، فعليكم بالتكبير، فإنه يجلو العجاج الأسود". وروى الإِمام الشافعي ﵀ في كتابه "الأم" بإسناده، عن ابن عباس ﵄، قال: ما هبَّت الريح إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه وقال: "اللهُم اجْعَلْها ــ أي ثار وهاجه غيره اهـ، وتقدم عن الصحاح فيه مزيد أول الباب. قوله: (العَجَاجَ) قال المصنف في التهذيب نقلًا عن أبي عبيد العجاج غبار تثور به الريح الواحدة عجاجة فعله التعجيج أي إن التكبير يجلو أي يذهب عن مرآة الجو العجاج الأسود من الظلمة والقتام الله أعلم. ثم يحتمل أن يكون ذلك على حقيقته بما خص الله به التكبير من رفع ذلك ويحتمل أن يكون المراد يجلو عن القلب التعب الحاصل من القتام الأسود أي لرده الأمر حينئذٍ إلى فاعله وعلمه بالفاعل المختار الذي لا يخلو فعل من أفعاله عن حكمة والله أعلم. قوله: (وَرَوى الإمامُ الشافعي الخ) قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن أخرجه البيهقي في المعرفة قال وشيخ الشَّافعي ما عرفته وكنت أظنه ابن يحيى لكن لم يذكروه في الرواة عن العلاء بن راشد والعلاء موثق قال الحافظ ابن عباس حديث آخر ثم أخرج من طريق الطبراني في كتاب الدعاء أيضًا عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ إذا هاجت الريح استقبلها وجثى على ركبتيه وقال اللهم اجعلها فذكر الحديث مثله إلى قوله ريحا وزاد اللهم إني أسألك من خير هذه الريح وخير ما ترسل به وأعوذ بك من شرها وشر ما ترسل به قال الحافظ أخرجه مسدد في مسنده الكبير وفي سنده جبر بن عبد الله وهو ضعيف وجده عبيد الله بالتصغير ابن العباس وفي نسخة من المسند حسين بن قيس أبو علي المرجي وهو ضعيف أيضًا وقد اعتضد بالمتابعة. قوله: (جثَى النَّبيُّ ﷺ عَلَى ركَبتَيْهِ) بصيغة التثنية وفي نسخة أصل الدين من المشكاة ركبته بالإفراد وفيه تجريد الجثو على بعض معناه أي المراد به هنا مطلق الجلوس لا بقيد كونه على الركبتين فجرد عن ذلك لئلا يقع قول الراوي على ركبتيه مستدركًا أو مؤكدًا لما تضمنه جثى والتأسيس خير من التأكيد وفي النهاية الجاثي هو الذي يجلس على ركبتيه اهـ، ونقل السيوطي عن ابن الأثير جثى يجثو إذا قعد على ركبتيه وعطف ساقيه إلى تحته فهو قعود المستوفز الخائف الذي إن احتاج إلى

стр. 1393

رَحْمَةً ولا تَجْعَلْها عَذَابًا، اللهُم اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلها ريحًا". قال ابن عباس: في كتاب الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦] و ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. ــ النهوض نهض سريعا وهذا أيضًا قعود الصغير بين يدي الكبير وفيه نوع أدب مع الله تعالى اهـ. فكان هذا منه ﷺ تواضعًا لله وخوفًا على أمته وتعليما لهم في تبعيته وجثا قيل يكتب بالألف لأنه من الجثو وقيل بالياء من الجثي وعلى كل فمعناه واحد. قوله: (رحمةً) أي لنا. ولا تجعلها عذابًا أي علينا. قوله: (قال ابْنُ عباس الخ) هذا الكلام أورده المؤلف عن ابن عباس شاهدا لما أشار إليه ﷺ من الفرق بين الريح والرياح وأن الأول في الخير بخلاف الثاني غالبًا فيهما وقوله في كتاب الله تعالى خبر مقدم وقوله: (إِنَّا أرسلنا) [هود: ٧٠] الخ. مبتدأ بتقدير هذه الآيات الدالة على أن الرياح في الخير والريح بالإفراد في الشر في كتاب الله والجملة مقول القول وسيأتي في آخر الحديث في ذلك كلام. قوله: (رِيحًا صَرْصَرًا) أي شديد البرد. قوله: (وأَرسلْنا عليهمُ) بكسر الهاء وضم الميم وبكسرهما وضمهما وصلًا. قوله: (الريحَ العقِيمَ) أي ما ليس فيه خير وقال الراغب ريح عقيم يصح أن يكون بمعنى الفاعل وهي التي لا تلفح سحابًا ولا شجرا ويصح أن يكون بمعنى المفعول كالعجوز التي لا تقبل أثر الخير وإذا لم تقبل ولم تؤثر لم تعط ولم تؤثر اهـ، وتذكيره لأن هذا اللفظ مما يستوي فيه المذكر والمؤنث وقال الله تعالى: ﴿وَقَالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] ويقال رجل عقيم ومعقوم كما في النهاية ثم هو كذلك في أصل مصحح وأرسلنا بالواو وكذا هو في المشكاة ثم راجعت كتاب الأم المسند فوجدته فيهما كذلك ولكن في نسخة أخرى وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم والتلاوة هكذا. قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] انفرد حمزة بتوحيده ولواقح جمع لاقحة أي تلقح الأشجار وتجعلها حاملة بالثمار. قوله: (ومن آياتِهِ أَن يرْسلَ الرياحَ) هكذا في أصل مصحح وكذا في أصل من المشكاة فقال في المرقاة هذا أصل مصحح موافق لما في القرآن ومطابق لما في بعض النسخ وأما ما في بعض الأصول وأرسلنا الرياح مبشرات فهو خطأ لأنه لم يرد به القرآن وهذا هو في أصل المسند اهـ، وكذا وجد في بعض نسخ الأذكار وكذلك هو في نسخة قديمة من كتاب

стр. 1394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأم وأصل معتمد من كتاب المسند له وبه يعلم إنه ليس بخطأ أي من حيث الرواية وإن كان التلاوة بخلافه، قال المصنف في التقريب إذا وقع في روايته لحن أو تحريف فقال ابن سيرين وابن سخبرة يرويه كما سمعه والصواب وقول الأكثرين روايته على الصواب وأما إصلاحه في الكتاب فجوزه بعضهم والصواب تقريره في الأصل على حاله مع التضبيب وبيان الصواب في الحاشية وفي الإرشاد للمصنف أيضًا قال القاضي عياض الذي استقر عليه عمل أكثر المشايخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم ولا يغيروها في كتبهم حتى في أحرف من القرآن استمرت الرواية فيها في الكتب المشهورة كالصحيحين والموطأ وغيرها على خلاف التلاوة المجمع عليها أو بعضها على خلاف الشواذ أيضًا لكن أهل المعرفة ينبهون على خطابهما عند السماع وفي حواشي الكتب ومنه من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها لكمال معرفته فغلطوا في أشياء مما غيروه والصواب ما تقدم من سد باب التغيير خوفًا من جسارة من لا يكمل ويحصل المقصود بالبيان فيقرأ عند السماع ما في الأصل ثم يذكر الصواب أو يذكر الصواب ثم يقول وفي الأصل كذا وهذا أولى لئلا يتقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل اهـ. ثم لا خلاف في جمع الرياح في هذه الآية قال في المرقاة ووهم البيضاوي في تفسيره حيث ذكر فيه الخلاف وإنما الخلاف في ثانية أي كما سبقت الإشارة إليه قال الطيبي في شرح المشكاة معظم الشارحين على أن تأويل ابن عباس غير موافق للحديث نقله الشيخ التوربشتي عن أبي جعفر الطحاوي إنه ضعف هذا الحديث جدًّا وأبى أن يكون له أصل في السنن وأنكر على أبي عبيدة تفسيره كما فسر ابن عباس ثم استشهد أي الطحاوي بقوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢]، الآية وبالأحاديث الواردة في هذا الباب فإن جل استعمال الريح المفردة في الباب في الخير والشر ثم قال الشيخ التوربشتي والذي قاله أبو جعفر وإن كان قولًا شيئًا فإنا نرى أن لا نتسارع إلى رد هذا الحديث وقد تيسر علينا تأويله وتخريج المعنى على وجه لا يكون مخالفًا للنصوص المذكورة وهو أن نقول التضاد الذي جد أبو جعفر في الهرب منه إنما نشأ من التأويل الذي نقل عن ابن عباس وأما الحديث نفسه فإنه مع كونه يحتمل التأويل يمكن معه التوفيق بينه وبين النصوص

стр. 1395

وذكر الشافعي ﵀ حديثًا منقطعا، عن رجل، أنه شكا إلى النبي ﷺ الفقر، فقال رسول الله ﷺ ــ التي عارضه بها الأب جعفر وذلك أن نذهب بالحديث إلى أنه سأل النجاة من التدمير بتلك الريح فإنها إن لم تكن مهلكة لم تعقبها أخرى وإن كانت غير ذلك فإنها توجد كرة بعد كرة وتستنشق مرة بعد مرة فكأنه قال لا تدمرنا بها فلا يمر علينا بعدها ولا تهب دوننا جنوب ولا شمال بل أفسح في المدة حتى تهب علينا أرواح كثيرة بعد هذه الريح قال الخطابي الرياح إن كثرت جلبت السحاب وكثرة الأمطار فزكت الزرع والثمار وإذا لم تكثر وكانت ريحًا واحدة فإنها تكون عقيمة والعرب تقول لا تلقح السحاب إلَّا من الرياح قال الطيبي معنى كلام ابن عباس أن هذا الحديث مطابق لما في كتاب الله تعالى فإن استعمال التنزيل دون أصحاب اللغة إذا حكم على الريح والرياح مطلقين كان إطلاق الريح غالبًا في العذاب والرياح في الرحمة فعلى هذا لا ترد تلك الآية على ابن عباس لأنها مقيدة بالوصف ولا تلك الأحاديث لأنها ليست من كتاب الله تعالى لا يقال الآيتان في كلام ابن عباس مقيدتان أيضًا الأولى بالصرصر والثانية بالعقيم فكيف استدل بهما ابن عباس على ما ذكر لأنا نقول الوصف بالصرصر والعقيم ليس كالوصف بالطيبة والعاصفة لأن هذا نص في الخير والشر ولذلك قيدت الآية بالوصف ووحدت لأنها في حديث الفلك وجريانها في البحر فلو جمعت لأوهمت اختلاف الرياح وهو موجب للعطب أو الاحتباس ولو أفردت ولم تقيد بالوصف لآذنت بالعذاب والدمار ولأنها أفردت وكررت ليقال لها مرة طيبة وأخرى عاصفة ولو جمعت لم يستقم التعليق اهـ. كلام المرقاة. قوله: (وذكَر الشافعيُّ الخ) ذكره في كتاب الأم. قوله: (حدِيثا منقطِعًا) رواه فيه عن عمه محمد بن عباس قال شكى رجل الخ. ومحمد بن عباس هو عم الإِمام الشافعي صدوق من العاشرة من كبار الآخذين عن تبع التابعين كذا في التقريب للحافظ، ومنه يعلم أن المصنف أراد بالانقطاع عدم الاتصال الشامل للأعضال أي حذف راويين فأكثر، ثم رأيت الحافظ قال سند الحديث معضل لأنه سقط منه اثنان فصاعدًا وقول الشيخ عن رجل يوهم أن محمدًا

стр. 1396

"لعَلَّكَ تَسُبُّ الرِّيحَ". قال الشافعي ﵀: لا ينبغي لأحد أن يسبَّ الرياح، فإنها خلق لله تعالى مطيع، وجند من أجناده، يجعلها رحمةً ونقمةً إذا شاء. باب ما يقول إذا انقض الكوكب روينا في كتاب ابن السني، عن ابن مسعود ﵁، قال: أُمِرْنا أن لا نُتبع أبصارنا الكوكب إذا انقضَّ، وأن نقول عند ذلك: ما شاء الله لا قوّة إلا بالله. ــ رواه عنه وليس كذلك بل أرسل القصة ولم أجد لهذا المتن شاهدًا ولا متابعًا اهـ. قوله: لعَلَّك تَسُبُ الريحَ) قال السيد السمهودي في جواهر العقدين السبب فيه أن الريح سبب المطر والمطر سبب الرزق فمن سبها استحق منعه اهـ. قوله: (قَال الشافِعي) قاله في أم الكتاب وفي الحديث ما يؤيده وذلك ما رواه الترمذي عن ابن عباس أن رجلًا لعن الريح عند النبي كج فقال لا تلعن الريح فإنها مأمورة ومن لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه. قال الغزالي الصفات المقتضية لعن ثلاثة الكفر والبدعة والفسق وليست الريح متصفة بواحدة، وسبق في الباب أحاديث تشهد بالنهي عن السبب والإشارة إلى أنها مأمورة وعلى ما يصدر منها مقهورة اهـ. والله أعلم. باب ما يقول إذا انقض الكوكب انقض بالقاف والضاد المعجمة أي سقط قال الراغب في مفرداته انقض الحائط وقع قوله: (رَوَيْنَا في كِتَاب ابْنِ السني) قال في المرقاة نقلًا عن المصنف إسناده ليس بثابت وقال الحافظ بعد أن أورده بإسناده إلى الطبراني حديث غريب أخرجه ابن السني قال الطبراني لم يروه عن حماد يعني ابن أبي سليمان إلَّا عبد الأعلى تفرد به موسى قلت عبد الأعلى هذا ابن أبي المساور بضم الميم وتخفيف المهملة ضعيف جدًّا وفي الراوي عنه ضعف أيضًا وقال الحافظ في باب ما يقول إذا سمع الرعد أن حديث ابن مسعود تفرد به من اتهم بالكذب وهو عبد الأعلى وسيأتي كلامه ثمة اهـ، وأما الذكر المذكور فقد سبق الكلام عليه في باب ما يقول لدفع الآفات.

стр. 1397

باب ترك الإشارة والنظر إلى الكوكب والبرق فيه الحديث المتقدم في الباب قبله. وروى الشافعي ﵀ في "الأم" بإسناده عمن لا يُتَّهم عن عروة بن الزبير ﵄، قال: ــ باب ترك الإشارة والنظر إلى الكوكب والبرق قوله: (بإسنادِه عمَّنْ لا يُتَّهمُ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق البيهقي عن الشافعي قال أخبرني من لا يتهم عن سليمان عن عبيد الله عن عويمر الأسلمي عن عروة بن الزبير قال إذا رأى أحدكم البرق الحديث، قال الحافظ وبالسند المذكور قال إبراهيم ولم أزل أسمع عددًا من العرب يكره الإشارة إليه. قلت هكذا أشار البيهقي في كتاب المعرفة موقوفًا على عروة وفيه زيادة على ما ذكره الشيخ المصنف وإبراهيم هو أبو يحيى وهو الذي لم يسمه الشافعي وقد أخرجه أبو داود في المراسيل من طريق ابن إسحاق عن سليمان المذكور مرفوعًا مرسلًا ومن طريق ابن أبي حسين كذلك معضلًا وجاء مرفوعًا موصولًا بذكر عطاء عن ابن عباس ذكرها البيهقي وضعفها وقوله عمن لا يتهم فيه تقديم وتأخير أي فإن الإسناد للمبهم لا من المصنف إليه. قال الجلال السيوطي في حاشية مسند الشافعي قال الأصم سمعت الربيع بن سليمان يقول كان الشافعي إذا قال أخبرني من لا أتهم يريد به إبراهيم بن يحيى وإذا قال أخبرني الثقة يريد به يحيى بن حسان قال الرافعي وزيد فيه وإذا قال قال بعض النّاس فيريد به أهل العراق وإذا قال قال بعض أصحابنا فيريد به أهل الحجاز ثم قال قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ جرى الربيع فيما ذكره على الغالب وقد يريد الشافعي بالثقة غير ابن حسان كإسماعيل ابن علية وأبي أسامة وأحمد بن حنبل وهشام ابن يوسف الصنعاني اهـ. قلت وقد رأيت بخط المحدث الكبير نجم الدين بن فهد في كتابه الإشعار للشيخ عماد الدين إسماعيل بن يدرس البعلي فيما يتعلق بذلك وفيه زيادة قال: روى الإِمام الشافعي في المسند ... أخبرنا الثقة خذهم واعدد فإن يقل أخبرنا الثقة عن ... ليث بن سعد هم بلا تردد

стр. 1398

إذا رأى أحدكم البرق أو الودْق، فلا يشر إليه، وليصف ولينعت. قال الشافعي: ولم تزل العرب تكرهه. باب ما يقول إذا سمع الرعد روينا في كتاب الترمذي بإسناد ضعيف عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع ــ يحيى بن حسان وإن كان روى ... عن ابن أبي ذئب فذا في المسند عند الإِمام بن أبي فديك ... وإن يقل عن الوليد فقيد فهو أبو أسامة وقال عن ... ابن جريج مسلم الزنجي اعدد وإن يقل ذاك عن الأوزاعي ... ابن أبي سلمة عمرو الأسود وإن يقل عن صالح ذي التومة ... ابن أبي يحيى ضعيف السند ذكر هذا الآمدي وفيه ... قد ذكره عبد الغني فقيد قوله: (إِذَا رَأَى أَحدُكُمْ البَرقَ الودْقَ) كذا في الأذكار وكذا في أصل معتمد من الإِمام والمسند وكذا هو في تخريج الحافظ لهذا الكتاب، وفي نسخة من المسند شرح عليها السيوطي إذا رأى أحدكم نجم البرق الودق أي تلألؤه، والودق قال الراغب في مفرداته ما يكون خلال المطر وقد يعبر به عن المطر اهـ، وأشار السيوطي إلى أن المراد هنا المعنى الأخير. قوله: (فَلَا يُشِرْ إِليهِ) أي بأصبعه ولفظه خبر ومعناه النهي وفي نسخة بصيغة النهي. قال ابن الأثير وما أعلم لنهيه عن الإشارة إليه وجهًا وأرجو من فضل الله تعالى أن يوفق لعرفانه، وقال الرافعي قال الشافعي في الأم ما أزال أسمع عددًا من العرب يكره الإشارة إليه ويشبه أن يكون هذا من جملة التفاؤلات، وصرح في المحرر والمنهاج باستحباب التسبيح عند الرعد والبرق. قوله: (وليَصِفْ، وليَنْعت) قال ابن الأثير أي يصفه بالقلة والكثرة أو بالقوة والضعف، وعليه فالعطف كالتفسير* أقول لو حمل على أن المراد فليصف الله بأوصاف الجمال ولينعته بنعوت الجلال ليكون الثناء على الله سبحانه رافعًا عنه سائر الأهوال لكان حسنًا ويؤيده استحباب التسبيح عند الرعد والبرق كما تقدم والله أعلم اهـ. باب ما يقول إذا سمع الرعد قوله: (رَوَيْنَا في كِتَاب الترمذِي الخ) قال في المشكاة ورواه أحمد وقال ابن الجزري

стр. 1399

صوت الرعد والصواعق قال: "اللهُم لا تَقْتُلْنا ــ في تصحيح المصابيح ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة والحاكم وإسناده جيد وله طرق اهـ، وبه ينجبر ضعف سند الترمذي إن كان مما يقبل الانجبار كما علم تفصيله من الكلام على الحسن أول الكتاب. ثم رأيت الحافظ تعقب الشيخ المصنف بعد أن نقل قول الترمذي لا نعرف إلَّا من هذا الوجه فقال وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والترمذي والنسائي وأخرجه الحاكم من طرق متعددة بينها الحافظ. ثم قال فالعجب من الشيخ يطلق الضعف على هذا وهو متماسك ويسكت عن حديث ابن مسعود أي السابق فيما يقول إذا انقض الكوكب وقد تفرد به من اتهم بالكذب وهو عبد الأعلى اهـ. أي كان الأحق بالذكر وبيان الرتبة حديث ابن مسعود لكون راويه كان متهمًا ولا كذلك حديث ابن عمر فإنه متماسك. قوله: (صوتَ الرَّعْدِ) بإضافة العام إلى الخاص للبيان فالرعد هو الصوت الذي يسمع من السحاب كذا قاله ابن الملك، والصحيح أن الرعد ملك موكل بالسحاب. وقد نقل الشافعي عن الثقة عن مجاهد أن الرعد ملك والبرق أجنحته يسوق السحاب بها ثم قال وما أشبه ما قاله بظاهر القرآن. قال بعضهم وعليه فيكون المسموع صوته أو صوت سوقه على اختلاف فيه. ونقل البغوي عن أكثر المفسرين أن الرعد ملك يسوق السحاب والمسموع تسبيحه، وعن ابن عباس أن الرعد ملك موكل بالسحاب وأنه يجوز الماء في نقرة إبهامه وأنه يسبح الله تعالى فلا يبقى ملك إلَّا يسبح فعند ذلك ينزل المطر. وروي أن النبي ﷺ قال بعث الله السحاب فنطقت أحسن النطق وضحكت أحسن الضحك فالرعد نطقها والبرق ضحكها، وقيل البرق لمعان صوت الرعد يزجر به السحاب، وأما قول الفلاسفة إن الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب، والبرق ما يقدح من اصطكاكها فهو من حزرهم وتخمينهم فلا يعول عليه. قوله: (والصواعِق) بالنصب فيكون التقدير وأحسن الصواعق من باب علفتها تبنا وماءً باردًا، أو طلق السمع وأريد به الحسن من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل وفي نسخة بالجر عطفًا على الرعد وهو إنما يصح على بعض الأقوال في تفسير الصاعقة

стр. 1400

بغَضَبكَ، ولا تُهْلِكْنا بعذَابِكَ، وَعافِنا قَبْلَ ذَلِكَ". وروينا بالإسناد الصحيح في "الموطأ" عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: "سُبْحانَ الذي يُسَبِّحُ الرعْدَ بِحَمْدِهِ والملائِكَةُ مِنْ خِيفَتِه". ــ قال بعضهم قبل هي نار تسقط من السماء في رعد شديد فعلى هذا لا يصح عطفه على شيء مما قبله وقيل الصاعقة صيحة العذاب أيضًا وتطلق على صوت شديد غاية الشدة يسمع من الرعد وعلى هذا يصح عطفه على صوت الرعد أي صوت السحاب فالمراد بالرعد السحاب بقرينة إضافة الصوت، أو الرعد صوت السحاب ففيه تجريد وقال الطيبي هي قطعة رعد تنقض معها قطعة من نار يقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي مات إما لشدة الصوت وإما بالإحراق ولعل اختيار الجمع موافقته الآية. قوله: (بغَضَبكَ) الغضب استعارة والمشبه الحالة التي تعرض للملك عند انفعاله وغليان دمه ثم الإنتقام من المغضوب عليه وأكثر ما ينتقم به القتل فلذلك ذكره ورشح الاستعارة به عرفًا أما الإهلاك والعذاب فجاريان على الحقيقة في حقه تعالى وقيل الغضب هنا من صفة الذات أي إرادة الهلاك ونحوه والعذاب من صفة الأفعال وقوله وعافنا من البلايا والخطايا المقتضية للعذاب والغضب وقوله قبل ذلك أي قبل وقوع ما ينتظر والمراد الدعاء بأن لا يقع شيء من ذلك. قوله: (في الموطأ) قال الحافظ هو حديث موقوف أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك. قوله: (عَنْ عبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ) أي موقوفًا عليه. قوله: (ترَكَ الحدِيثَ) أي الكلام مع الأنام زاد الحافظ في روايته بعد قوله جثى وترك الحديث قوله وما كان فيه فإن كان في صلاة أتم الصلاة وقال إن هذا الوعيد شديد لأهل الأرض سبحان الذي يسبح الرعد الخ. قوله: (يُسبحُ الرعدُ) وهو ملك موكل بالسحاب على ما ثبت في الأحاديث وقال الطيبي إسناده مجازي لأن الرعد سبب لأن يسبح السامع حامدا له كما يدل عليه وبحمده أي أنزه الله حال كوني متلبسا بحمدي له تعالى لكن في المرقاة أنه ضعيف لما تقرر في الصحيح أن الرعد ملك فنسبة التسبيح إليه حقيقة اهـ. قوله: (والملائِكَةُ من خِيفتِه) أي من أجل خوف الله تعالى

стр. 1401

وروى الإِمام الشافعي ﵀ في "الأم" بإسناده الصحيح عن طاوس الإِمام التابعي الجليل ﵀ أنه كان يقول إذا سمع الرعد: سبحان من سبَّحتَ له. قال الشافعي: كأنه يذهب إلى قول الله تعالى: (وَيُسبحُ الرَّعدُ بِحَمَدِهِ) [الرعد: ١٣]. وذكروا عن ابن عباس ﵄ قال: "كنا مع عمر ﵁ في سفر، فأصابنا رعد وبرق وبَرَد، فقال لنا كعب: من قال حين يسمع الرعد: سُبْحانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ثلاثًا، عُوفي من ذلك الرعد، فقلنا فعوفينا". ــ وقيل من خوف الرعد فإنه رئيسهم وعليه فقيل المراد بالملائكة أعوانه بدليل التعليل. قوله: (وَرَوى الإمامُ الشافِعيّ) قال الحافظ ورواه الطبراني وأورد مثله عن الأسود بن يزيد أحد كبار التابعين أخرجه الحافظ عنه وزاد قوله يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وقال الحافظ هذا موقوف صحيح. قوله: (وذكَروا عنِ ابنِ عبْاسٍ الخ) قال الحافظ لم يذكر من خرجه وهو عندنا بالإسناد إلى الطبراني بإسناده إليه قال كنا مع عمر بن الخطاب في سفر فأصابنا رعد وبرق ومطر فقال لنا كعب من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده الخ. ثم لقيت عمر في بعض الطريق فإذا بردة أصابت أنفه فقلت ما هذا فقال بردة أصابت أنس فأثرت في فقلت إن كعبًا قال فذكره فقلنا وعوفينا فقال عمر فهلا أعلمتمونا حتى نقول قال الحافظ هذا موقوف حسن الإسناد وهو وإن كان عن كعب فقد أقره ابن عباس وعمر فدل على أن له أصلًا قال وقد وجدت بعضه بمعناه من وجه آخر عن ابن عباس أخرجه الطبراني أيضًا عن النبي ﷺ إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا وفي سنده ضعف اهـ، وقد جاء عن ابن عباس أيضًا قال ومن قال هذا الذكر فأصابته صاعقة فعلى ديته. قوله: (وبَرَدٌ) بفتح الموحدة والراء والدال المهملتين وهو معروف ويقال له حب الغمام وسبق الكلام عليه في دعاء الافتتاح اهـ، والله أعلم.

стр. 1402

باب ما يقوله إذا نزل المطر روينا في "صحيح البخاري" عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: "اللهُم صَيبًا نافعًا". ورويناه في "سنن ابن ماجه" وقال فيه: "اللهُم صَيِّبًا نافِعًا" مرتين أو ثلاثًا. وروى الشافعي ﵀ في "الأم" بإسناده حديثًا مرسلًا، عن النبي ﷺ قال: "اطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعاءِ عِنْدَ التِقَاءِ الجُيُوشِ، وَإقامَةِ الصلاةِ، وَنُزُولِ الغَيْثِ" قال الشافعي: وقد حفظت عن غير واحد طلب الإجابة عند نزول الغيث، وإقامة الصلاة. ــ باب ما يقول إذا نزل المطر قوله: (رَوَيْنَا في صحيح البُخارِي) قال الحافظ بعد تخريجه وذكر له النسائي طرقًا. قوله: (نافِعًا) أي مطرًا ينفع لا مغرقًا كطوفان نوح ﵇ قاله ابن مالك وقال الطيبي هو تتميم في غاية الحسن لأن صيبا مظنة الضرر وتبعه عليه ابن حجر الهيتمي ويجوز أن يكون احترازًا عن مطر لا يترتب عليه نفع أعم من أن يترتب عليه ضرر أم لا وسبق أنه كان يقول صيبا هنيئًا وقد أخرجها الحافظ في الأمالي عن بعض رواة هذا الحديث وسيأتي عن ابن ماجة سيبًا بالسين المهملة والتخفيف قاله الحافظ وينبغي كما نقل في المرقاة عن المصنف الجمع بين ذلك كله أو يأتي بما في كل رواية والله أعلم. قوله: (وَرَوَيْنَا في سُنَنِ ابنِ ماجَة) وكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه كما في الحصن. قوله: (سَيِّبا) أي اسقنا سيبا أي مطرًا نافعًا قال ابن الجزري هو بإسكان الياء أي جاريًا يقال ساب الماء وانساب إذا جرى اهـ، وفي القاموس المسيب مصدر ساب وأشار ابن الجزري إلى أنه مصدر بمعنى الفاعل صفة لموصوف محذوف أي اسقنا مطرًا جاريًا وقال في السلاح المسيب العطاء. قوله: (اطلُبُوا اسْتِجَابةَ الدُّعاءِ الخ) رواه عمن لا يتهم عبد العزيز بن عمر عن مكحول وسبق الكلام عليه في باب ما يقول عند الإقامة وورد عند الحاكم عن سهل بن سعد مرفوعًا اثنتان ما تردان الدعاء عند الندا وتحت المطر أورده في الجامع الصغير

стр. 1403

باب ما يقوله بعد نزول المطر روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن زيد بن خالد الجهني ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت ــ قال الحافظ وكذا وقع من حديث أبي أمامة موصولًا مرفوعًا قال قال رسول الله ﷺ تفتح أبواب السماء في أربع مواطن عند التقاء الصفوف وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة قال الحافظ هذا حديث غريب فتساهل الحاكم فأخرجه في المستدرك وقال صحيح الإسناد ورده الذهبي في تلخيصه فقال فيه عفير أي بالعين المهملة والفاء مصغر وهو واهٍ جدًّا وقد تفرد اهـ. قال الحافظ فلعل مكحولًا أخذ حديثه هذا عن أبي أمامة فإنه معروف بالرواية عنه وقال في تخريجه أحاديث الشرح الكبير للرافعي روى البيهقي عن أبي أمامة الدعاء يستجاب وتفتح أبواب السماء في أربعة مواطن عند التقاء الصفوف ونزول الغيث وإقام الصلاة ورؤية الكعبة وإسناده ضعيف وروى الطبراني في الصغير من حديث ابن عمر فذكر نحوه وقال بدل رؤية الكعبة دعوة المظلوم وزاد في قراءة القرآن اهـ. قال ابن رسلان دعاء من هو تحت المطر لا يرد أو قلما يرد فإنه وقت نزول الرحمة للعباد لا سيما مطر أول السنة. باب ما يقوله بعد نزول المطر قوله: (رَوَيْنَا في صحيحي البُخارِي ومُسلم) قال الحافظ بعد تخريجه وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان وفي الباب عن أبي هريرةَ وابن عباس أخرجهما مسلم. قوله: (عَنْ زَيدِ بنِ خالدٍ الجُهني) هو صحابي سكن المدينة وشهد الحديبية وكان معه أبو جهينة يوم الفتح روي له عن رسول الله ﷺ فيما قيل أحد وثمانون حديثًا أخرج له في الصحيحين منها ثمانية أحاديث اتفقا منها على خمسة وانفرد مسلم بثلاثة روي عنه أبو سلمة وعطاء بن يسار توفي بالمدينة وقيل بمصر وقيل بالكوفة سنة ثمانٍ وسبعين وهو ابن خمس وثمانين سنة وقيل غير ذلك. قوله: (صلَّى بنَا رسولُ الله ﷺ الخ) كان ذلك والنبي - صلى الله

стр. 1404

من الليل، فلما انصرف أقبل على النّاس فقال: "هَلْ تَدْرُونَ ماذا قال رَبُّكُمْ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: "أصْبَحَ مِنْ عِبادِي مُؤْمِنٌ بي وكافِرٌ، فأمَّا مَنْ قال: مُطِرنا بفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بي كافِرٌ بالكَوْكَبِ، وأمَّا مَنْ قال: مُطِرْنا بِنَوءِ كَذا وكَذَا، فذَلك كافِرٌ بي مُؤْمِنٌ بالكَوكَبِ". قلت: الحديبية معروفة، وهي بئر قريبة من مكة دون مرحلة، ويجوز فيها تخفيف الياء الثانية وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعي وأهل اللغة، والتشديد قول ابن وهب وأكثر المحدثين. ــ عليه وسلم - يحرم بعمرة أحرم بها من ذي الحليفة وهم بدخول مكة من جانب الحديبية فصده المشركون عن البيت فصالحهم وشرط لهم وعليهم ولم يدخل مكة ذلك العام بل تحلل ورجع المدينة فلما كان العام المقبل دخلها بعمرة وتفصيل ذلك في كتب السير. قوله: (فلمَّا انصرَفَ) أي انصرف من صلاته وفرع منها. قوله: (فأمَّا مَنْ قَال مُطِرنَا بفَضْلِ الله ورحمتَهِ فذَلِكَ مؤمنٌ بِي) أي من قال ذلك بلسانه معتقدا له بجنانه مصدقًا بأن المظر خلقي لا خلق الكواكب أرحم به العباد وأتفضل به عليهم كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]. قوله: (وهيَ بئْرٌ) وقيل موضع فيه ماء ولا منافاة لاحتمال أنه لأحدهما بالأصالة وبه سمي الآخر إما من إطلاق اسم الجزء على الكل أو بالعكس ثم رأيت في كتاب التهذيب الآتي إشارة لما ذكرته. قوله: (قريبَةٌ منْ مكّةَ) أقول بينها وبين مكة كما بين الجعرانة ومكة اثنا عشر ميلًا وقيل ثمانية عشر ميلًا وجزم به جمع ورد، وأصل الخلاف الاختلاف في مسافة الميل هل هي ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع كما قاله ابن عبد البر وآخرون أو ستة آلاف كما قالوه في باب صلاة المسافر وهذا هو الصحيح وإن اعترضه جمع بكلام ابن عبد البر فقد قال المحققون إن هذا قيل به عن تحقيق واختبار بخلاف ذاك والله أعلم. قوله: (والتخفيفُ هو الصحيحُ المختَارُ وهوَ قولُ الشَّافِعي وأَهلِ اللُّغةِ) زاد في شرح مسلم وبعض المحدثين وذكر القرطبي في المفهم أن ذلك لغة أهل العراق. قوله: (والتشدِيدُ قولُ ابْنِ وهْب وأَكثَرِ المحدِّثينَ)

стр. 1405

والسماء هنا: المطر. وإثر بكسر الهمزة وإسكان الثاء، ويقال: بفتحهما لغتان. قال العلماء: إن قال مسلم: مطرنا بنوء كذا، ــ زاد في شرح مسلم والكسائي ثم قال والخلاف في الجعرانة كذلك في تشديد الراء وتخفيفها المختار فيها أيضًا التخفيف وقال في التهذيب بعد نقل التخفيف والتشديد عمن ذكر في الحديبية هما وجهان مشهوران قال صاحب مطالع الأنوار ضبطناها بالتخفيف عن المتقنين وأما عامة الفقهاء والمحدثين فيشددونها وهي قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة قال وهي على نحو مرحلة من مكة كان الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة بيعة الرضوان يوم الحديبية ألفا وأربعمائة وقيل وخمسمائة وقيل وثمانمائة روى الشيخان هذه الروايات الثلاث في صحيحيهما في باب غزوة الحديبية وأولها أشهرها كما قال البيهقي وغيره. قوله: (والسماءُ هنَا المَطرُ) قال في النهاية وسمي المطر سماء لأنه ينزل من السماء يقال ما زلنا نطاء السماء حتى أتيناكم ومنهم من يؤنثه وإن كان بمعنى المطر كما يذكر السماء وإن كان مؤنثا كما قال تعالى: (السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِه)، وقيل حديث هاجر تلك أمكم يا في ماء السماء يريد العرب لأنهم يعيشون بماء المطر ويتبعدن مساقط الغيث اهـ، وسكت المصنف عن ضبط النوء في أصله قال في شرح مسلم فيه كلام طويل لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فقال النوء في أصله ليس هو نفس الكواكب فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءا أي سقط وغاب وقيل نهض وطلع ويؤيد ذلك أنه ثمانية وعشرون معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في المغرب مع طلوع الفجر ويطلع آخر مقابله في المشرق من ساعته فكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط والغارب منهما وقال الأصمعي إلى الطالع منهما قال أبو عبيدة ولم أسمع أن النوء السقوط إلَّا في هذا الموضع ثم إن النجم نفسه قد يسمى نوأ تسمية للفاعل بالمصدر قال أبو إسحاق الزجاج في بعض أماليه الساقطة في المغرب الأنواء الطالعة في المشرق هي البوارح والله أعلم اهـ. هذا وقد ضبط المنازل ونظم أسماءها عمي وشيخي الإِمام العارف بالله تعالى شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن علان الصديقي الشافعي النقشبندي فقال:
следующие страницы →