← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه وكابن تيمية فجزم بأن حديثها ليس بصحيح بل باطل قاله ابن عبد الهادي ونقل عنه صاحب الفروع أن خبرها كذب ونص أحمد وأصحابه على كراهتها وقال الأوزاعي في الوسيط قال بعض من أدركنا من الحفاظ أظهر القولين في صلاة التسبيح أن حديثها كذب ولم يقل بها إلَّا طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد قلت بل أثبتها أئمة الطريقين من الشافعية كما تقدم التنبيه عليه والحافظ الذي أشار إليه أنه ابن تيمية أو من أخذ عنه وقد قال المحب الطبري في الأحكام جمهور الشافعية لم يمنعوا منها وتقدم كلام ابن العربي من المالكية وهو يدل على أنه لا يرى بها بأسا قلت ذكر الحطاب المالكي أن القاضي عياضًا ذكرها في الفضائل وتعقبه القباب في شرحها بقوله لا أعلم أحدًا من أهل المذهب صرح باستحباب هذه الصلاة غير عياض في كتابه هذا وكان حقه أن ينبه فيها على المذهب ثم يبين اختياره هو لئلا يعتقد الناظر في كتابه أن ما أتى به هو مذهب مالك قال الخطيب وليس في المذهب ما يمنع صحتها لا سيما وقد ذكر الترمذي عن ابن المبارك أي مما ليس فيه إلا تطويل جلسة الاستراحة الوارد في رواية الترمذي وابن ماجة التصريح بأنه سبح فيها عشرًا اهـ، وفيه موافقة القباب في أنه لم يصرح أحد من أهل المذهب بالاستحباب لكن نقل الحافظ في التخريج في حديث ابن عباس من طريق مجاهد أن أبا الوليد المخزومي قال سألت عبد الله بن نافع عن رواية مالك في التسبيح في الركعة الأولى والثانية من هذه الصلاة فقال تقعد فيهما كما تقعد للتشهد وتسبح في الثانية والرابعة قبل التشهد ثم تدعو بعد التشهد الأخير قال الحافظ فهذا يدل على العمل بها قال الحافظ وأما الحنفية فلم أو عنهم شيئًا إلَّا ما نقله السروجي عن مختصر البحر في مذهبهم أنها مستحبة وثوابها عظيم اهـ. "قلت" وذكر صاحب الحرز وهو من الحنفية نقلًا عن شيخه القطب الحنفي الأقرب من الاعتدال أن يصليها من الجمعة إلى الجمعة وهو الذي كان عليه ابن عباس ولعل وجه كونها عند الزوال لتناسب التسبيح والتنزيه عما لا يليق بصفات ذي الجلال اهـ. تتمة قال التاج السبكي والبدر الزركشي صلاة التسبيح من مهمات الدين فلا يسمع بعظيم فضلها ويتركها إلَّا متهاون بالدين

стр. 1437

باب الأذكار المتعلقة بالزكاة قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ــ غير مكترث بأعمال الصالحين لا ينبغي أن يعد من أهل العزم اهـ. وقد أطلت الكلام على ما يتعلق بهذه الصلاة لعظيم نفعها وحسن وقعها رجاء عموم الإفادة وطلب الدعاء من الواقف على ذلك في الحياة بالتوفيق والهداية لأحسن طريق والوفاة على الإسلام وحصول الرضوان والله الموفق. فائدة ذكر الحافظ أن أبا نعيم ذكر مع حديث التسبيح حديث صلاة الزوال عن أبي أيوب الأنصاري وقد قدمنا كلامه في باب ما يقول إذا زالت الشمس ثم قال الحافظ بعد الكلام على أسانيد حديث أبي أيوب في صلاة الزوال فإن ثبت أنها صلاة التسبيح فيستفاد أن النبي ﷺ صلاها ولم أر ذلك صريحًا وإنما في جميع الطرق أنه علمها لغيره وقد وقع في الطريق التي أخرجها أبو داود عن أبي الجوزاء عن رجل له صحبة فذكر صلاة التسبيح وقال فيه إذا زال النهار والمتبادر منه فراغه ليس المراد وإنما الظاهر زوال الشمس والعلم عند الله ولا يعكر على ذلك ما تقدم في بعض طرقه أنها تصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار لأنه يحمل على التخيير ولا يمنع أفضلية بعض الأوقات وقد وجدت حديثًا ظاهره أن النبي ﷺ قال التسبيح المذكور في بعض الأذكار من صلاة الليل وهو حديث عائشة السابق في أدلة تقديم الخمسة عشر تسبيحة على القراءة اهـ. باب الأذكار المتعلقة بالزكاة وزنها زكوة بفتحات قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وهي اسم إما للإخراج فيكون بمعنى التزكية أو للمال المخرج فيكون بمعنى المزكي وهي لغة النماء والبركة لأنها تنمي المال وتزيده وتبارك فيه والمدح لمدح فاعلها والطهارة لأنها تطهير النفس من رذيلة البخل والمال من الحرام الذي هو حق الفقراء أي تنزهه عن اختلاطه به لو لم يخرج والإصلاح لأنها تصلحه والزيادة لأنها تزيد فيه وشرعا اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. سبب نزولها

стр. 1438

تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ــ أن جماعة من الصحابة رغبوا عن رسول الله ﷺ وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فقالوا يا رسول الله خذ أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا فقال ما أمرت أن آخذها فنزلت الآية والخطاب لرسول الله ﷺ والضمير راجع للذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا قال الحسن هذه الصدقة هي كفارة الذنوب التي أصابوها وليست بالزكاة المفروضة وقال عكرمة هي صدقة الفرض وقال ابن جرير الطبري في "أحكام القرآن" له الأكثرون من المفسرين على أن المراد بالصدقة الواجبة في الأموال وليس في الآية بيان شروط معتبرة في المأخوذ ولا معتبرة في المأخوذ منه ولا شرط في المؤدى ولا شرط في المؤدى إليه ولا شرط في الآخذ اهـ. وقال العز بن عبد السلام في "التبيان في فقه القرآن" الخطاب للنبي ﷺ والضمير في تطهرهم وتزكيهم الظاهر عوده لكل المسلمين وظاهر لفظ الصدقة أنه ينصرف إلى الواجبة لغلبة الإطلاق إليها وقد قيل إن هذه الآية نزلت في بعض من يخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك وتابوا عند رجوع النبي ﷺ وسألوه أن يأخذ أموالهم الحديث فإن صح ذلك فلا تعلق لها بالواجبة إلَّا فالظاهر أن المراد الصدقة الواجبة والإطلاق فيها مقيد والإجمال مبين بالسنة اهـ. قال السيوطي في الإكليل ويستدل بالآية في وجوب الزكاة للماشية والثمار لأنهما أكثر أموال الصحابة إذ ذاك وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. قال من الإبل والبقر والغنم واستدل بالآية على وجوب دفع الزكاة إلى الإِمام. قوله: (تُطَّهرُهُمْ وتُزكيهِمْ) بالرفع حال من الفاعل المخاطب أي خذها مطهرًا ومزكيًا لهم بها ويجوز أن تجعلهما صفتين للصدقة مطهرة مزكية لهم ويجوز أن تجعل فاعل تزكيهم بها حال من الضمير في خذ وهو النبي ﷺ ويحتمل أن تكون حالًا من الصدقة قال القرطبي وهذا ضعيف لأنها حال من نكرة "قلت" لكن تعدد الوصف المخصص وقال الزجاج الأجود

стр. 1439

وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: "اللهم صَل عَلَيهِمْ" ــ أن تكون المخاطبة للنبي ﷺ أي فإنك تطهرهم وتزكيهم بها على القطع والاستئناف قال القرطبي ويجوز الجزم على جواب الأمر والمعنى أن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم اهـ، وقضيته أن تزكيهم مجزوم عطفًا على ما قبله لكن نقل الكواشي الإجماع على إثبات الياء في تزكهم بها يدل على أن الزكاة جعلها الله تطهير أو دعاء رسول الله ﷺ طمأنينة لقلوبهم وعلما على أن الله غفر لهم فإن رسول الله ﷺ لا يصلي على قوم إلَّا أن يؤذن له في ذلك ولا يؤذن له في ذلك إلَّا أن يكون مغفورًا له اهـ. قوله: (وصل عليْهمْ) أي ادعو لهم. قوله: (وَرَوَيْنَا في صحيحَي البُخَارِيِّ ومُسْلم) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني في الدعاء من طرق أخرى وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، ومدار الحديث عند كلهم على شعبة قال الحافظ وهو من غرائب الصحيح. قوله: (إِذَا أَتاهُ قومٌ بصَدَقةٍ) هي مأخوذة من الصدق إذ هي دليل على صحة الإيمان وصدق الباطن والظاهر قال ﷺ والصدقة برهان. قوله: (اللهُم صل علَيهِمْ) ذهب قوم إلى هذا وجرى عليه القرطبي في التفسير وقال إنه أصح فإن الخطاب ليس مقصورًا عليه ﷺ فيجب الاقتداء به ﷺ لأنه كان يمتثل قوله تعالى: (وَصَلِّ عَليهِم) [التوبة: ١٠٣]، وقال الجمهور لا يصلي استقلالًا على غير معصوم من نبي وملك وما ورد عنه ﷺ فمن خواصه ﷺ عن أمته لأن الصلاة حقه فله أن يضعها حيث شاء وقيل الصلاة التي بمعنى التزكية والدعاء تجوز على غير المعصوم من نبي وملك أما التي هي تحية لذكر المعصوم ﷺ فإنما هي بمعنى التعظيم والتكريم فيختص به وجزم بهذا البيهقي في الشعب قال ابن الملقن في البدر المنير الصواب في

стр. 1440

فأتاه أبو أوفى بصدقته فقال: "اللهم صَل على آلِ أبي أوْفَى". قال الشافعي والأصحاب ﵏: الاختيار أن يقول: آخذُ الزكاة لدافعها: أجَرَكَ الله فِيما أعْطَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا، وبارك لك فيما أبْقَيْتَ، وهذا الدعاء مستحب لقابض الزكاة، سواء كان الساعي أو الفقراء، وليس الدعاء بواجب على المشهور من مذهبنا ومذهب غيرنا. وقال بعض أصحابنا: إنه واجب، لقول الشافعي: فحق على الوالي أن يدعوَ له، ودليله ظاهر الأمر في الآية. قال العلماء: ولا يستحبُّ أن يقول في الدعاء: اللَّهُم صَل على فلان، والمراد بقوله تعالى: (وَصَل عَلَيْهِمْ) أي: ــ الرواية هكذا أي قال اللهم صل عليهم ووقع في بعض نسخ الرافعي الكبير اللهم صل على آل أبي أوفى أيضًا اهـ وفي المشكاة قال اللهم صل على آل أبي فلان لكن نقل العلقمي في حاشية الجامع أنه بغير أبي أوفى وفي رواية صل على آل أبي أوفىِ وفي رواية على آل فلان وفي رواية على فلان وظاهر سياقه أنها من روايات الصحيح. قوله: (فأتاهُ أَبُو أَوفَى بصَدَقَتِهِ) وفي نسخة بصدقته قيل واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد بن رفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن أسلم بن أفصى بن حارثة ذكره الواقدي وهو وولده صحابيان وكان أبو أوفى من أصحاب الشجرة. قوله: (صل على آلِ أَبِي أَوفَى) يريد أبا أوفى نفسه لأن الآل يطلق على ذات الشيء كقوله في قصة أبي موسى: "لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود" وقيل لا يقال ذلك إلَّا في حق الرجل الجليل القدر. قوله: (الاختِيَارُ أَنْ يقولَ آخِذُ الزكاةِ) أي سواء كان عاملًا أو مستحقا ويقول ذلك جبرًا وترغيبا له في الخير وتطييبا لقلبه. قوله: (أَجَرَكَ الله) بالمد والقصر وهو أجود. قوله: (وقَال بعضُ أَصحابنَا إِنهُ واجِبٌ) ظاهره أن الخلاف

стр. 1441

ادعُ لهم. وأما قول النبي ﷺ : "اللهم صَل عَلَيهِمْ" فقال لكون لفظ الصلاة مختصًا به، فله أن يخاطب به من يشاء بخلافنا نحن. قالوا: وكما لا يقال: محمد عز جل وإن كان عزيزا جليلا، فكذا لا يقال: أبو بكر، أو على ﷺ ، بل يقال: ﵁، أو رضوان الله عليه، وشبه ذلك، فلو قال: ﷺ ، فالصحيح الذي عليه جمهور أصحابنا أنه مكروه كراهة تنزيه. وقال بعضهم: هو خلاف الأولى، ــ في الوجوب جار حتى في الفقير القابض وفي كلام الزركشي بعد نقل كلام للحناطي في المسألة وهو يقتضي أمرين أحدهما أنه يجري في المساكين الوجه بالوجوب وبه صرح الروياني فإنه لما حكاه قال إنه إذا أخذ الفقير لم يجب عليه عند هذا القائل قال ابن الرفعة وقيل عكسه أن الدعاء يلزم الفقير دون الإِمام لأن دفعها إلى الإِمام متعين وإلى الفقير غير متعين وقيل إن سأل رب المال وجب الدعاء وادعى الروياني أن الماوردي صححه والذي في الحاوي أيضًا تصحيح عدم الوجوب وظاهره أيضًا أن هذا الوجه جار وإن لم يسأل الدعاء لكن الماوردي خص الخلاف بما إذا سأل وقال لم يختلف أصحابنا أنه إذا لم يسأل رب المال الدعاء له فليس على الوالي أن يدعو له لأن رب المال بدفع الزكاة مؤد لعبادة واجبة وذلك لا يوجب على غيره الدعاء كسائر العبادات وكذا حكاه شيخه الصيمري في الإيضاح ثم الخلاف في المؤدي طوعًا أما المؤدي قهرًا فلا يدعى له اهـ، وتعقب القول بالوجوب بأنه لو كان كذلك لعلمه النبي ﷺ للسعاة ولأن سائر ما يأخذه الإِمام من الكفارات والديون وغيرها لا يجب عليه فيها الدعاء فكذا في الزكاة وأما الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصا به لكون صلاته سكنا لهم بخلاف غيره. قوله: (أَنهُ مكْرُوة كَراهةَ تنْزِيهٍ) ونقله في الروضة عن القاضي حسين وتعقبه في الخادم بأن الذي في تعليقه الجزم بالتحريم. قال: (وقال بعضهم خلاف الأُولَى) هو ما صرح به الرافعي في الشرح الصغير أي والفرق أن المكروه ما ورد فيه نهي مقصود وخلاف الأولى بخلافه كما مر وفرق بينهما إمام الحرمين وحكاه عن المتأخرين وهو في ذلك مخالف لكلام جمهور المتقدمين.

стр. 1442

ولا يقال: مكروه. وقال بعضهم: لا يجوز، وظاهره التحريم، ولا ينبغي أيضًا في غير الأنبياء أن يقال: ﵇، أو نحو ذلك إلا إذا كان خطابا أو جوابًا، فإن الابتداء بالسلام سُنَّة، ورده واجب، ثم هذا كله في الصلاة، والسلام على غير الأنبياء مقصودًا. أما إذا جعل تبعًا، فإنه جائزُ بلا خلاف، فيقال: اللهُم صل على محمدٍ وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه، لأن السلف لم يمتنعوا من هذا، بل قد أُمرنا به في التشهد وغيره، بخلاف الصلاة عليه منفردا، وقد قدَّمت ذِكْر هذا ال فصل مبسوطًا في "كتاب الصلاة على النبي ﷺ ". فصل: اعلم أن نية الزكاة واجبة، ونيتها تكون بالقلب كغيرها من العبادات، ويستحبُّ أن يضم إليه التلفظ باللسان، كما في غيرها من العبادات، فإن اقتصر على لفظ اللسان دون النية بالقلب، ففي صحته خلاف. الأصحُّ أنه لا يصِحُّ، ولا يجب على دافع الزكاة إذا نوى أن يقول مع ذلك: هذه زكاة، بل يكفيه الدفع إلى من كان أهلها، ولو تلفظ بذلك لم يضرَّه، والله أعلم. فصل: يستحبُّ لمن دفع زكاةً، أو صدقةً، أو نذرًا، أو كفارةً ونحو ذلك أن يقول: رَبنا تَقَبلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السمِيعُ العَلِيمُ، قد أخبر الله بذلك عن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم، وعن امرأة عمران. ــ قوله: (وقَال بَعضُهمْ لَا يجُوز وظَاهرهُ التَّحْرِيمُ) حكاه في البحر عن القفال كما في الخادم وبقي قولان أحدهما يستحب والثاني يباح إذا كان بمعنى الدعاء ويمنع إذا كان بمعنى التعظيم. قوله: (اعلْم أَن نِيَّةَ الزّكَاةِ واجِبةٌ) قال في الروضة وكيفيتها أن ينوي فرض الزكاة أو فرض صدقة مالي أو زكاة مالي المفروضة ولا يكفي التعرض

стр. 1443

كتاب أذكار الصيام باب ما يقوله إذا رأى الهلال، وما يقول إذا رأى القمر ــ لفرض المال فإنه قد يكون كفارة ونذرًا ولا يكفي التعرض للصدقة في أصح الوجهين فإنها قد تكون نافلة ولو تعرض للزكاة دون الفرضية فهل يجزئه لأن الزكاة لا تكون إلَّا مفروضة اهـ. وحاصله الجزم بالأجزاء عند التعرض للفرضية مع الزكاة والصدقة وحكاية الخلاف عن الاقتصار على الزكاة أو الصدقة من غير تعرض للفرضية ولا إضافة لماله. كتاب أذكار الصيام هو والصوم مصدرًا صام وهو في اللغة عبارة عن الإمساك قال تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، ويقال صامت الخيل إذا أمسكت عن السير قال الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما قال عمي الشيخ أحمد بن علان الصديقي الشافعي النقشبندي قد يتوهم في البيت إشكال وهو أنه إذا قسم الخيل إلى صيام وغيرها فلا تبقى حالة أخرى إذ لا واسطة بين النقيضين فكيف أثبت الشاعر حالة أخرى والجواب عن ذلك أن هذه الحالة ليست أمرًا ثالثًا بل هي مندرجة تحت قوله غير صائمة فإنه قسم غير الصائمة إلى ما هو تحت العجاج وإلى ما تعلك اللجم فلا إغشكال اهـ، ويحتمل أنه أراد أن الخيل لكثرتها قسمان أحدهما تحت العجاج وهما قسمان صائمة عن الجري في الميدان وغير صائمة عنه والثاني ما هو في مرابط الدور والأفنية فلا يلزم ما ذكر في السؤال والله أعلم، ويقال صامت الريح إذا سكنت عن الهبوب قال أبو عبيد كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم وفي الشرع إمساك عن المفطر على وجه مخصوص الصوم من الشرائع القديمة وصوم رمضان من خواص الأمة المحمدية اهـ. والله أعلم. باب ما يقوله إذا رأى الهلال قال الجوهري وصاحب المطلع الهلال أول ليلة والثانية والثالثة ثم هو

стр. 1444

روينا في "مسند الدارمي" وكتاب الترمذي، عن طلحة بن عبيد الله ﵁، أن النبي ﷺ إذا رأى الهلال قال: ــ قمر وذكر ابن الأنباري في مدة تسميته بالهلال أربعة أقوال ثانيها الليلتان ثالثها إلى أن يستدق بخطة دقيقة قاله الأصمعي رابعها إلى أن يبهر ضوءه سواد الليل، ثم تراءى الهلال قال ابن حجر في شرح المشكاة فرض كفاية لترتب كثير من الأحكام عليه وذكره في الصوم لأن صوم رمضان يجب بإكمال شعبان ثلاثين أو برؤية الهلال سواء راه الإنسان نفسه أو حكم به حاكم وتثبت الرؤية في حق الصوم وما يتبعه بواحد عدل قوله: (رَوَيْنَا في مسنَد الدّارمِي الخ) قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن أخرجه أحمد وإسحاق في مسنديهما وأخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وأخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد وغلط في ذلك فإن سليمان يعني ابن سفيان الراوي عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله ضعفوه وإنما حسنه الترمذي لشواهده وقوله يعني الترمذي غريب أي بهذا السند اهـ. قوله: (عَنْ طلحَةَ بنْ عُبيْدِ الله) هو أحد العشرة الكرام وهو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم أبو محمد القرشي التيمي المكي ثم المدني أمه الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وهاجرت وطلحة أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد الصديق وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ سماه رسول الله ﷺ طلحة الجود وهو من المهاجرين الأولين ولم يشهد بدرًا ولكن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره كمن حضر وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد وكان أبو بكر إذا ذكر أحدًا قال ذلك يوم كله لطلحة، روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثًا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة وقتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست

стр. 1445

"اللهم أهِلَّهُ عَلَينا باليُمْنِ والإيمَانِ والسَّلامَةِ وَالإسْلامِ رَبي وَرَبُّكَ اللهُ" قال الترمذي: حديث حسن. وروينا في "مسند الدارمي" عن ابن عمر ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: "الله أكبَرُ، اللهم أهِلَّهُ عَلَينا بالأمْنِ والإيمَانِ وَالسّلامةِ وَالإسْلام، وَالتَّوْفِبقِ لِمَا تُحِبُّ وتَرْضَى، رَبُّنا ورَبُّك اللهُ". وروينا في "سنن أبي داود" في "كتاب الأدب" عن قتادة، أنه بلغه، أن نبي الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: ــ وثلاثين وهذا لا خلاف فيه وكان عمره أربعًا وستين سنة وقيل ثمانية وخمسين وقيل ثنتين وستين وقيل ستين وقبره بالبصرة يزار ويتبرك به، روينا عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ طلحة ممن قضى نحبه وما بدلوا تبديلا وكان طلحة ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد ووقاه بيده ضربة قصد بها فشلت يده فقال رسول الله ﷺ أوجب طلحة كذا في التهذيب للمصنف. قوله: (اللهُم أهِلَّهِ علَينَا باليُمنِ الخ) أهل بفتح الهمزة دعاء بصيغة الأمر من الإهلال ويقال أهل الهلال بضم الهمزة واستهل إذا رؤي وأهله الله أطلعه وأهللته إذا أبصرته وأصل الإهلال رفع الصوت لأنهم إذا رأوا الهلال رفعوا أصواتهم بالتكبر ومنه الإهلال بالإحرام أي رفع الصوت بالتلبية قال أبو عبد الله الحكيم الترمذي واليمن السعادة والإيمان الطمأنينة بالله كأنه سأل دوامهما والسلامة والإسلام أن يدوم الإسلام ويسلم له شهره فإن الله تعالى في كل شهر حكمة وقضاءً وشأنًا في الملكوت وقوله: (ربي وَرَبُّكَ الله). فيه الرد على من كان يسجد للقمرين من دون الله من أهل الجاهلية. قوله: (وَرَوَيْنَا في مسنَدِ الدَّارمي عَنِ ابنِ عمرَ الخ) قال الحافظ بعد تخريجه وأخرجه الطبراني من طريق نافع عن ابن عمر نحوه باختصار وسنده ضعيف. قوله: (وَرَوَيْنا في سُننِ أَبِي دَاوُدَ الخ) قال الحافظ ورجاله ثقات فإن كان المبلغ صحابيًّا فهو صحيح وقد سمي من وجه آخر ضعيف وأخرج من طريق الحافظ ذلك الحديث الضعيف من طريق الطبراني في كتاب الدعاء من طريق محمد بن

стр. 1446

"هِلالُ خَيرٍ وَرُشْدِ، هِلالُ خَيرِ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بالله الذي خَلَقَكَ"، ثلاث مرات، ثم يقول: "الحَمْدُ لِله الَّذي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وجاءَ بِشَهْرِ كَذَا". وفي رواية عن قتادة "أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال صرف وجهه عنه" هكذا رواهما أبو داود مرسَلَين. ــ عبيد الله العرزمي بفتح المهملة وسكون الراء وفتح الزاي عن قتادة عن أنس قال كان رسول الله ﷺ إذا رأى هلال رمضان قال هلال رشد وخير هلال رشد وخير هلال رشد وخير آمنت بالذي خلقك ثم أهلك أخرجه ابن السني قال وفي سنده ضعف وروي عن أنس من طريق أخرى رواه الطبراني وقال لم يروه عن يحيى بن سعيد إلَّا زهير بن محمد قال الحافظ وهو صدوق لكنهم ضعفوا روايات عمرو يعني ابن أبي سلمة عنه وعمرو أيضًا صدوق وفيمن دونه ضعف أيضًا، ومن دونه في كلامه هو محتمل لأن يكون أحمد بن عيسى اللخمي الراوي عن عمرو وأن يكون أحمد بن رشدين شيخ الطبراني وهو الراوي عن أحمد بن عيسى ويحتمل أن يكون كل منهما روي له ولهُ طريق ثالث عند الطبراني في الدعاء بسند ضعيف جدًّا وهو نحو رواية زهير وزاد في الحديث وجعلك آية للعالمين وله طريق رابع. قوله: (هلال خيرٍ ورشدٍ) هو بالتكرار ثلاثًا والتكرار للاعتناء بالمقام والثلاث لأنها آخر القلة ومبدأ الكثرة وقد ورد في الحديث أنه ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثًا. قم له: (آمنتُ بالذِي خلقك الخ). قوله: (وفي روَايةٍ عَنْ قتَادةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَأَى الهلال صرَفَ وجهَهُ عنْهُ) قال الحافظ أخرجه أبو داود من رواية أبي هلال محمد بن سليمان الراسبي عن قتادة هكذا مرسلًا أيضًا أخرجه مسدد في مسنده الكبير ورجاله ثقات قال ووجدت له شاهدًا موصولًا من حديث أنس بن مالك قال كان لرسول

стр. 1447

وفي بعض نسخ أبي داود، قال أبو داود: ليس في هذا الباب عن النبي ﷺ حديث مسند صحيح. ورويناه في كتاب ابن السني، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ . ــ الله ﷺ أقاويل يقولها في الهلال إذا رآه: منها أنه كان إذا رأى الهلال صرف وجهه عنه وقال هلال خير ورشد آمنت بالذي خلقك يرددها ثلاثًا ومنها كان يقول الحمد الله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا وكان يقول اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام وكان يقول الحمد الله الذي بدأك ثم يعيدك وكان يقول الحمد الله الذي خلقك وسواك فعدلك ربي وربك الله قال الحافظ بعد تخريجه هذا غريب أخرجه أبو نعيم في عمل اليوم والليلة ورجاله ثقات إلَّا عمر بن أيوب يعني الغفاري فإنه ضعيف جدًّا ونسبه الدارقطني مرة إلى الوضع اهـ. قوله: (وفي بعْض نسَخ أَبِي دَاوُدَ وقَال أَبو داود الخ) قال الحافظ هو في رواية أبي الحسن بن العبد عن أبي داود وقد انقطع سَماعها ويمكن توصيلها بالإجازة. قوله: (وَرَوَيْنَاهُ في كِتَاب أبنِ السني الخ) قال الحافظ الضمير في رويناه لحديث قتادة السابق ولفظ حديث أبي سعيد عندَ ابن السني قال كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال فذكر نحو رواية العرزمي عن قتادة إلى قوله خلقك فزاد ثلاث مرات ثم يقول الحمد الله الذي ذهب بشهر وجاء بشهر قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه ابن السني ورجاله موثقون إلَّا ابن تمام يعني عبيد الله الراوي عن سعيد الحريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد فإنهم ضعفوه قال الحافظ وفي الباب عن علي وعبادة بن الصامت ورافع بن خديج وعائشة وجرير بن أبي فوزة مع ستة من الصحابة غير مسمين وفي رواية مع عشرة وعن طلحة الزرقي وعن عبد الله بن هشام وله صحبة عن عدة من الصحابة بغير رفع وعن عبد الله بن مطرف مرسلًا أما حديث علي فأخرجه الطبراني في الدعاء مرفوعًا وموقوفا من رواية الحارث الأعور عنه وفي الحارث مقال ولفظه اللهم إني أسألك خير هذا الشهر وفتحه ونصره وظهوره ونوره وبركته ورزقه وأما حديث عبادة فلفظه كان ﷺ إذا رأى الهلال قال الله أكبر لا حول ولا قوة إلَّا بالله اللهم إني أسألك خبر هذا الشهر وأعوذ بك من شر القدر ومن سوء

стр. 1448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المحشر قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب ورجاله موثقون إلَّا شيخ عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز المبهم الذي لم يسمع، وأما حديث رافع بن خديج فأخرجه البزار من رواية ليث بن أبي سليم عن عباية بن رفاعة عن جده رافع ﵁ فذكر نحو حديث عبادة وزاد في أوله هلال خير ورشد، وليث ضعيف، وأما حديث عائشة فلفظه كان إذا رأى الهلال قال ربي وربك الله آمنت بالله الذي أبداك ثم يعيدك أخرجه ابن السني بسند ضعيف فيه الواقدي ومن لا يعرف حاله، وأما حديث حدير وهو بالمهملات مصغر فقد أخرجه الحافظ عن عثمان بن أبي العاتكة قال حدثني أخ لي يقال له زياد أن أبا فوزة كان إذا رأى الهلال قال اللهم بارك لنا في شهرنا هذا الداخل قال زياد توالى على هذا الحديث ستة من أصحاب رسول الله ﷺ سمعوه منه والسابع صاحب الفرس الجرور والرمح النقيل حدير أبو فوزة السلمي قال الحافظ هذا حديث غريب أخرجه ابن السني من وجه آخر عن عثمان لكن قال عن شيخ لنا ولم يسمه وأخرجه أبو نعيم في عمل اليوم والليلة من طريق بشر مولى معاوية قال سمعت عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ أحدهم حدير يقولون إذا رأو الهلال فذكر نحوه وأتم منه لكن لم يرفعه وأما حديث طلحة الزرقي فأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة من طريق عبيد بن طلحة الزرقي عن أبيه وكان من أصحاب الشجرة قال كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال فذكر مثل حديث طلحة بن عبد الله المبتدأ بذكره وأما حديث عبد الله بن هشام فلفظه كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون إذا دخلت السنة أو الشهر هذا الدعاء اللهم أدخله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام قال الطبراني لا يروى عن عبد الله بن هشام إلَّا بهذا الإسناد تفرد به رشدين قال الحافظ وهو ضعيف، وأما حديث عبد الله بن مطرف المرسل فأخرجه ابن السني من طريق مروان بن معاوية قال حدثني شيخ عن عبد الله بن مطرف قال كان رسول الله ﷺ إذا نظر إلى الهلال قال هلال خير الحمد الله الذي ذهب بشهر كذا وكذا وجاء شهر كذا وكذا أسألك من خير هذا الشهر ونوره وبركته وهداه وظهوره ومعافاته قال الحافظ قلت فيه مع إرساله إبهام

стр. 1449

وأما رؤية القمر، فروينا في كتاب ابن السني، عن عائشة ﵂، قالت: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فإذا القمر حين طلع فقال: "تَعَوَّذِي باللهِ مِنْ شَرّ هَذَا الغاسِق إذَا وَقَبَ". وروينا في "حلية الأولياء" بإسناد فيه ضعف، عن زياد النميري، عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل ــ الراوي عن ابن مطرف وباقي رواته ثقات. قوله: (وأَمَا رُؤْيةُ القَمر فَرَوَيْنَا في كِتَاب ابنِ السُني الخ) قال الحافظ هذا حديث حسن غريب أخرجه الترمذي والنسائي مع كون ابن السُّني أخرجه عن النسائي وأعجب من ذلك أنه ضعف هذا الحديث في فتاويه مع قول الترمذي فيه إنه حديث حسن صحيح وكذا صححه الحاكم ورجاله ورجال الصحيح إلَّا الحارث يعني ابن عبد الرحمن الراوي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة فقال علي بن المديني فيه مجهول ما روى عنه إلا ابن أبي ذئب وخالفه يحيى بن معين فقال مشهور وقواه أحمد والنسائي فقالا لا بأس به وقد روى عنه أيضًا محمد بن إسحاق حديثًا آخر وأقل درجاته أن يكون حديثًا حسنًا اهـ. "قلت" وكذا تعقبه تلميذه ابن العطار في هامش نسخته من الفتاوى في تضعيف الخبر بأن عبد الحق أورد الحديث في أواخر أحكامه الكبرى ونقل قول الترمذي إنه حديث حسن صحيح وسكت عليه. قوله: (تعوَّذِي بالله الخ) قال المصنف في فتاويه الغسق الظلمة وسماه غاسقًا لأنه ينكسف ويسود ويظلم والوقوب الدخول في الظلمة ونحوها مما يستره من كسوف وغيره قال الإِمام الحافظ أبو بكر الخطيب يشبه أن يكون سبب الاستعاذة منه في حال وقوبه لأن أهل الفساد ينتشرون في الظلمة ويتمكنون فيها أكثر مما يتمكنون منه في حال الضياء فيقدمون على العظائم وانتهاك المحارم فأضاف فعلهم في ذلك الحال إلى القمر لأنهم يتمكنون منه بسببه وهو من باب تسمية الشيء باسم ما هو من سببه أو ملازم له اهـ. قوله: (وَرَوَيْنَا في حِلْيةِ الأَوليَاءِ الخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني في الدعاء تنتهي إلى محمد بن أبي بكر المقدمي ومن طريق أخرى من غير طريقة الطبراني تنتهي إلى عبيد الله بن عمر القواريري قال حدثنا

стр. 1450

رجب قال: "اللهُم بارِكْ لَنا في رَجَبَ وشَعْبَانَ وَبَلِّغْنا رَمَضَانَ". ورويناه أيضًا في كتاب ابن السني بزيادة. باب الأذكار المستحبة في الصوم يستحبُّ أن يجمع في نية الصوم بين القلب واللسان، كما قلنا في غيره من العبادات، فإن اقتصر على القلب كفاه، وإن اقتصر على اللسان لم يجزئه بلا خلاف، والسُّنَّة إذا شتمه غيره، أو تسافه عليه في حال صومه أن يقول: "إني صائم، إني صائم" مرتين أو أكثر. روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ــ زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري عن أنس قال كان رسول الله ﷺ فذكر الحديث قال وزاد القواريري وكان يقول إن ليلة الجمعة ليلة قمراء ويومها يوم أزهر ثم قال الحافظ حديث غريب أخرجه البزار وأخرجه أبو نعيم اهـ. قال السيوطي في الجامع الصغير وزاد فيه وكان إذا كانت ليلة الجمعة قال هذه ليلة غراء ويوم أزهر: أخرجه البيهقي وابن عساكر والبيهقي عن أنس. قوله: (وَرَوَينَا في كِتَاب ابنِ السّني بزِيادةٍ فيهِ) قلت رواه عن أبي القاسم البغوي عن القواريري والزيادة هي قوله وكان يقول إن ليلة الجمعة إلى آخر ما تقدم آنفا. باب الأذكار المستحبة في الصوم قوله: (يُسْتَحبُّ أَنْ يَجمَعَ في نيةِ الصوْم الخ) أي وأكملها أن يقول بلسانه قاصدا بجنانه نويت صوم غد من أداء فرض شهر رمضان هذه السنة الله تعالى إيمانا واحتسابا والواجب في نية الصوم التبييت والتعيين لا الفرضية وفارق الصلاة بأن رمضان لا يقع من المكلف إلَّا فرضا بخلاف المكتوبة فقد تقع منه نفلا كالمعادة وتصح نية صوم النفل قبل الزوال بشرط انتفاء مبطلانه من أول النهار. قوله: (تسَافَه) أي سفه وعدل إليه للمبالغة. قوله: (مرَّتيْنِ أَو أَكثَر) أي بقدر ما يحصل به زجر خصمه قال في المجموع لأن ذلك أقرب إلى إمساك صاحبه عنه وإمساك نفسه اهـ. قوله: (وَرَوَيْنَا في صحيحَي البُخَارِيِّ ومُسْلم) قال الحافظ وكذا أخرجه النسائي وأبو داود وأخرجه الشيخان وغيرهما من طريق

стр. 1451

"الصَّيامُ جُنَّةً، فإذَا صَامَ أحَدُكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ، وَإنِ امْرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إني صَائِم، إني صَائِم، مَرتَينِ". قلت: قيل: إنه يقول بلسانه، ويُسمِع الذي شاتَمه لعله ينزجر، ــ أخرى بلفظ اني صائم من غير تكرار وكذا وقع في حديث ابن مسعود أخرجه الطبراني بسند صحيح. قوله: (الصَّيامُ جنَّةٌ) بضم الجيم وتشديد النون أي وقاية كالجنة التي هي الترس في الدنيا عن المعاصي لأنه يكسر النفس ويطهرها من شهواتها وخيانتها الحاملة لها على الاسترسال في المخالفات والإعراض عن المنهيات وفي الآخرة يدفع كل مؤلم ومؤفي عنها من حر النار والزحام وإلجام العرق وغير ذلك مما تقاسيه النّاس في ذلك اليوم الذي يكون على الأكثر كخمسين ألف سنة. قوله: (فَلَا يرْفُثْ وَلَا يَجهَلْ) كذا فيما وقفت عليه من النسخ وفيه حذف وهو كما في الصحيحين "فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل" ولم ينبه على هذا الحافظ ولعله على الصواب فيما وقف عليه من الأصول، ثم رأيت ملحقًا في أصل مصحح قوله "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث" الخ، والإلحاق بخط الحافظ تقي الدين بن فهد، ويرفث بضم الفاء وكسرها مضارع رفث بفتح الفاء ويقال رفث بكسر الفاء يرفث بفتحهما رفثًا بإسكان الفاء في المصدر ورفثا بفتحها في الاسم كذا في شرح مسلم للمصنف ونقل عن المجد الفيروزبازي أنه قال يرفث بضم الفاء وكسرها أما الفتح فلا وقال السيوطي في التوشيح أن فاءه مثلثة في الماضي والمضارع والأفصح الفتح في الماضي والضم في المضارع قال المصنف في شرح مسلم ويقال أرفث رباعي حكاه القاضي والرفث هو السخف وفاحش الكلام. قوله: (ولا يَجهَلْ) قال المصنف الجهل قريب من الرفث وهو خلاف الحكمة وخلاف الصواب من القول والفعل. قوله: (قيلَ إنَّه يقولُ بلِسَانهِ) قال الزركشي في الخادم تبويب الشافعي في الأم يدل عليه وحكى القاضي أبو الطيب القول في النفس عن بعض النّاس وقال ليس بشيء لقوله فليقل ولم يقل فليتذكر وما يذكره في نفسه

стр. 1452

وقيل: يقوله بقلبه لينكفَّ عن المسافهة، ويحافظ على صيانة صومه، والأول أظهر. ــ لم يقله وذكره ابن الصباغ احتمالًا لنفسه فقال يمكن حمله على ظاهره ويسلم من الرياء وهو أن يذكره لصاحبه بقصد قطع الشر بينهما وإطفاء الفتنة امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ وهذا ما أورده البندنيجي والجرجاني ونقله القاضي حسين عن صاحب التقريب وقال في شرح المهذب إنه أقوى وقال في تحرير التنبيه إنه أظهر اهـ. قوله: (وقِيلَ يقولُه بقَلْبهِ) قاله العلقمي في حاشية الجامع الصغير وجزم به المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة قلت وفي الروضة ولا يتلفظ به خوف الرياء قال في الخادم تابع فيه الإِمام وقال لا معنى لذكر الصوم لمن شاتمه وحكاه القاضي حسين عن صاحب الإفصاح وقال إنه المرضي وحكى الروياني وجهًا في البحر واستحسنه أنه إن كان في صوم رمضان فيقول بلسانه وإن كان نقلًا فبقلبه قال العلقمي وادعى ابن العربي المالكي أن موضع الخلاف في النفل إما الفرض فيقوله بلسانه قطعًا اهـ. قلت وكأنه أراد باعتبار مذهبه وإلَّا فالتفصيل بين الفرض والنفل أحد الأقوال في المسألة ثم ظاهر كلام المصنف هنا وفي شرح المهذب حيث جعل الوجه الأول إنه يقول بلسانه مقابلًا لأن يقوله بقلبه يوهم أن الأول يقتصر على اللسان فقط ولا يجعل قوله بالقلب مطلوبًا وعليه جرى في شرح المهذب وزاد قوله فإن جمع بينهما فحسن اهـ. قال الزركشي في الخادم ولا أظن أحدًا يقول ذلك بل الخلاف مردود إلى إنه هل يقتصر على النفس فيكون أبعد عن الرياء أو يضم إليه اللسان وذلك فيمن يقوله بلسانه لا يمكنه بقلبه بخلاف من عكس وحصل في المسألة ثلاثة آراء يقول بقلبه أي فقط يضم إليه اللسان يفصل بين الفرض والنفل أي على الثاني قال في الخادم وينبغي أن يجيء رابع وهو الفرق بين القوي بالإخلاص وغيره كما فرقوا في التصدق بما زاد على حاجته بين الواثق بنفسه أولًا وهذا هو الأقرب عندي اهـ، ونازعه ابن حجر الهيتمي في شرح العباب في منازعة المصنف في قوله ولا أظن أحدًا يقول ذلك فقال ومنازعة الزركشي في ذلك بأنه

стр. 1453

ومعنى شاتمه. شتمه متعزضًا لمشاتمته، والله أعلم. وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُم: الصَّائمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإمامُ العادِلُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ" قال الترمذي: حديث حسن. قلت: هكذا الرواية "حتى" بالتاء المثناة فوق. ــ لا يظن أن أحدًا يقوله ليست في محلها بل هو ظاهر المعنى فلا مانع من القول به على أنه يكفي كون النووي قائلا به وإذا أبدى لنفسه احتمالًا في المسألة ليس وجهه بذاك فالنووي أولى سيما مع ظهور وجهه اهـ. قوله: (ومعنَى شَاتمهُ الخ) سكت عن بيان معنى قاتله قال في شرح مسلم ومعنى قاتله نازعه ودافعه اهـ. قوله: (رَوَيْنَا في كتَابَي الترمذِيِّ وابْنِ ماجَة) قال الحافظ بعد تخريجه عن أبي هريرة قلنا يا رسول الله إذا كنا عندك رقت قلوبنا فذكر حديثًا طويلًا وفيه ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر والإمام العادل والمظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الله ﵎: "وعزتي وجلالي لأنصرنك" ولو بعد حين قال الحافظ هذا حديث حسن أخرجه أحمد وكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه من وجه آخر مقطعا في ثلاثة مواضع. قوله: (ثَلاثةٌ) هو مبتدأ خبره الجملة بعده وجاز الابتداء بالنكرة لأن التنوين عوض عن المضاف إليه أي ثلاثة أنفار. قوله: (هكذَا الرِّوايةُ حتى بالمثنَّاةِ الفوْقيةِ) قال الحافظ كأنه يريد الإشارة إلى أنها وردت بلفظ حين بدل حتى وهو كذلك ثم أخرج الحافظ بسنده إلى الطبراني من حديث أبي هريرة قال فذكر الحديث مثله لكن قال والصائم حين يفطر وجاء عن أبي هريرة من وجه آخر بلفظ حتى أخرجه البزار من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة بلفظ ثلاثة حق على الله أن لا يرد دعوتهم المظلوم حتى ينتصر والمسافر حتى يرجع والصائم حتى يفطر وفي سنده ضعف وجاء عن أبي هريرة الاستجابة بغير قيد أخرجه الحافظ من طريق عبد بن حميد وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ ثلاث دعوات مستجابات، زاد عبد: لا شك فيهن، دعوة الصائم ودعوة المسافر ودعوة المظلوم، وقال عبد في روايته: ودعوة الوالد على ولده، ولم يذكر

стр. 1454

باب ما يقول عند الإفطار روينا في سنن أبي داود، والنسائي، عن ابن عمر ﵄، قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: ــ دعوة الصائم قال الحافظ بعد تخريجه هذا مثل رواية عبد وخالف الجميع خليل بن مرة وقال في روايته ودعوة المرء لنفسه ولم يذكر دعوة الوالد والخليل بن مرة ضعيف لا يوثق به إذا انفرد فكيف إذا خالف وأخرجه البزار أيضًا من حديث أبي هريرة فقال والذاكر الله بعد دعوة المسافر اهـ. أخرجه الترمذي باللفظ الذي رواه عبد بن حميد وأخرجه أبو داود والترمذي أيضًا وابن ماجة من طريق أخرى بنحو سياق حديث عبد لكن هذه الرواية "لولده" بدل "على ولده" وأخرجه الطبراني فجمعهما فقال ودعوة الوالد لولده وعليها تحمل رواية أبي داود فإنه اقتصر على قوله ودعوة الوالد وأخرجه الطبراني من وجه آخر. باب ما يقول عند الإفطار قال في الخادم كذا نص الشافعي في حرمله على استحباب الذكر المذكور عند إفطاره ولم يبين هل هو قبله فإن اللفظ عليه أدل وقوله أفطرت يجوز أن يراد به الفطر الحكمي وهو دخول وقته وهذا كله محتمل والظاهر أنه بعد الإفطار وقبله ومعه سواء في إتيانه بالمستحب "قلت" والثابت الدعاء بعد الفطر ثم ساق المذكورين في الأصل اهـ، وعلى ذلك المتأخرون قوله: (رَوَيْنَا في سنَنِ أَبِي دَاوُدَ الخ) اقتصر أبو داود على المرفوع الذي ذكره الأصل وزاد النسائي أوله عن مروان بن سالم قال رأيت ابن عمر قبض على لحيته فقطع ما زاد على الكف وقال كان رسول الله ﷺ إذا أفطر الخ. قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن وأخرجه ابن السني عن النسائي وأخرجه الدارقطني والحاكم قال الدارقطني تفرد به علي يعني ابن الحسين بن شقيق عن الحسين يعني ابن واقد وهو الراوي عن مروان بن سالم الراوي عن ابن عمر وإسناده حسن وقال الحاكم صحيح على شرط البخاري فقد احتج بالحسين وبمروان

стр. 1455

"ذَهَبَ الظمأ، وابْتلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأجْرُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى". قلت: الظمأ مهموز الآخر مقصور: وهو العطش. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهرًا، لأني رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدودًا. وروينا في سنن أبي داود، عن معاذ بن زهرة، أنه بلغه، أن النبي ﷺ كان إذا أفطر قال: "اللهم ــ وتعقب بأن مروان الذي احتج به البخاري غير مروان هذا. قوله: (ذَهبَ الظمَأُ) زاد في شرح الروض قبله اللهم وعزاها لسنن أبي داود وقال ابن حجر الهيتمي في التحفة ولم أرها في السنن. قوله: (وابتلَّتِ العرُوقُ) هو مؤكد لما قبله. قوله: (وثبتَ الأَجرُ) هذا من ذكر ما به الاستبشار والفرح المشار إليه بقوله تعالى في الخبر القدسي للصائم فرحتان فرحة عند فطره أي من جهة الطبع وهو المشار إليه بقوله ذهب الظمأ ومن جهة التوفيق لأداء هذه العبادة العظيمة وفرحة عند لقاء ربه أي لما أعدل له من الأجر المؤذن به قوله إلَّا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به أي وتولى الكريم الجزاء دليل على سعة العطاء وهو المشار إليه بقوله هنا وثبت الأجر ونظير هذا الاستبشار والاستلذاذ قول أهل الجمعة بعد استقرارهم فيها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] لأن من أدرك حصول بغيته لا سيما بعد مزيد النصب يزداد استلذاذه بذكر ذلك وما يدل على نيله لذلك. قوله: (إِنْ شاءَ الله تَعَالى) هو للتبرك ويصح كونها للتعليق لأن الأجر إليه إن شاء أعطاه وإن شاء منعه على أنه قد يكون في العمل دسيسة تمنع من أجره شرعًا قال في الخادم قال الشريف أبو العباس العراقي في كتاب عمدة التنبيه وزاد فيه الإِمام محيي الدين يوسف بن الجوزي مستدلا بخطه وعليك توكلت سبحانك اللهم وبحمدك أنت السميع العليم ورفعه إلى النبي ﷺ اهـ، ولم أر لغيره فيه كلامًا. قوله: (وَرَوَيْنَا في سُنَنِ أَبي دَاوُدَ الخ) قال الحافظ هكذا رواه مرسلًا أخرجه في كتاب الصيام من السنن وفي كتاب المراسيل بلفظ واحد عن مسدد عن هشيم عن حصين عن معاذ ومعاذ هذا ذكره البخاري في التابعين لكن قال معاذ أبو زهرة وتبعه ابن أبي حاتم وابن حبان

стр. 1456

لكَ صُمْتُ، وعَلى رِزْقِكَ أفْطَرْتُ" هكذا رواه مرسَلًا. وروينا في كتاب ابن السني، عن معاذ بن زهرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: "الحَمْدُ لِلهِ الذي أعانَنِي فَصُمْتُ، وَرَزَقَني فأفْطَرْتُ". وروينا في كتاب ابن السني عن ابن عباس ﵄، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أفطر قال: "اللهم لكَ صُمْنا، وعَلى رِزْقِكَ أفْطَرْنا، فَتَقَبلْ مِنَا إنَّكَ أنْتَ السميعُ العَلِيمُ". ــ في الثقات وذكره يحيى بن يونس الشيرازي في الصحابة وغلطه جعفر المستغقري ويحتمل أن يكون هذا الحديث موصولًا ولو كان معاذ تابعيًّا لأحتمل أن يكون بلغه له صحابيًّا وبهذا الاعتبار أورده أبو داود في السنن وبالاعتبار الآخر أورده في المراسيل اهـ. وفي شرح المشكاة لابن حجر على أن الدارقطني والطبراني روياه بسند حصل لكنه ضعيف وهو حجة أي في مثل هذا المقام اهـ. قوله: (لَكَ صُمْتُ) أي لك دون غيرك صمت ففيه إعلام بوقوع الإخلاص لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلَّا لأرزاق في الحقيقة غيره ففيه الإعلان بما يقتضي الشكر الذي من جملته فطر العباد والإخلاص فيه الله تعالى. قوله: (وَرَوَيْنا في كِتَاب ابنِ السُّني) قال الحافظ أخرجه من طريق سفيان الثوري عن الحصن عن رجل عن معاذ وهذا محقق الإرسال وفي زيادة الرجل الذي لم يسمه ما يعل به السند الأول. قوله: (وَرَوَيْنَا في كِتَاب ابْنِ السُّني عَنِ ابْنِ عَبَّاس الخ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير قال كان رسول الله ﷺ إذا أفطَر قال اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت فتقبل مني إنك أنت السميع العليم قال الحافظ بعد تخريجه من طريقه هذا حديث غريب من هذا الوجه وسنده واهٍ جدًّا وبهذا السند أخرجه ابن السني بلفظ صمنا وأفطرنا وهارون بن عنترة كذبوه قال الحافظ ووقع من وجه آخر دونه في الضعفاء ثم أخرجه الحافظ من طريق الطبراني في الدعاء من حديث أنس فذكر مثل حديث

стр. 1457

وروينا في كتابي ابن ماجه، وابن السني، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله فصل ﷺ يقول: "إن للصَّائِم عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ" قال ابن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو إذا أفطر يقول: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ بِرَحْمَتِكَ التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيء أنْ تَغْفِرَ لِي". باب ما يقول إذا أفطر عند قوم روينا في سنن أبي داود وغيره بالإسناد الصحيح، عن أنس ﵁، ــ ابن عباس سواء وداود بن الزبرقان أحد رواته ضعفه الجمهور وقواه بعضهم. قوله: (وَرَوَيْنَا في كَتَابَي ابنِ ماجَة وابنِ السُّني الخ) وأخرجه الحافظ الطبراني في كتاب الدعاء من طريق أخرى عن ابن أبي مليكة وسمعت ابن عمر يقول قال رسول الله ﷺ إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد قال ابن أبي مليكة وسمعت عبد الله ولم يذكر ابن أبي زرعة في روايته هذا الأثر الموقوف وابن أبي زرعة هو محمد شيخ الطبراني الذي خرج عنه هذا الحديث في كتاب الدعاء قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن أخرجه أبو يعلى في مسنده الكبير بتمامه وأخرجه الحاكم في المستدرك من وجه آخر عن الحكم بن موسى ووقع في روايته مخالفة للقوم في إسحاق بن عبد الله فرواه الجميع عبيد الله بالتصغير ورواه هو بالتكبر قال الحافظ الذي جزم به ابن عساكر أن إسحاق بن عبيد الله هو ابن أبي المهاجر أخو إسماعيل وهما معروفان من مشايخ الوليد بن مسلم وهذا أولى أي من قول الحافظ عبد الغني وتبعه المزي إنه إسحاق بن عبيد الله بن أبي مليكة وكتب المزي في الهامش مقابل قوله روي عن عبد الله بن أبي مليكة أظنه أخاه واقتصر المنذري في الترغيب على نسبة الحديث إلى البيهقي وقال: إسحاق بن عبيد الله لا يعرف، قال الحافظ وقد عرفه غيره وذكره ابن حبان في الثقات وبالله التوفيق اهـ. باب ما يقول إذا أفطر عند قوم قوله: (رَوَينا في سنَنِ أَبِي دَاوُدَ وغيْره الخ) وأخرجه الطبراني من طريق أحمد بن

стр. 1458

أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة، ــ حنبل عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس أو غيره أن النبي ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال السلام عليكم ورحمة الله فذكر قصة: فيها، ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيبًا فأكل نبي الله ﷺ فلما فرغ قال أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون وأخرجه الحافظ بعلو من طريق الطبراني في الدعاء قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ أكل عند سعد زبيبًا ثم قال فذكر مثله هكذا أورده مختصرًا ولم يذكر قصة السلام وأخرجه كذلك أبو داود عن مخلد بن خالد الشعيري عن عبد الرزاق ووقع في روايته فجاء بخبز وزيت قال الحافظ وما أظن الزيت إلّا تصحيفًا عن الزبيب فقد رويناه في المختارة من طريق أحمد بن منصور عن عبد الرزاق كما قال أحمد وهو أتقن من غيره لو انفرد فكيف إذا توبع قال الحافظ وفي وصف الشيخ هذا الإسناد بالصحة نظر لأن معمرًا وإن احتج به الشيخان فروايته عن ثابت بخصوصه مقدوح فيها قال علي بن المديني في رواية معمر عن ثابت غرائب منكرة وقال يحيى بن معين أحاديث معمر عن ثابت لا تساوي شيئًا وساق العقيلي في الضعفاء عدة أحاديث من رواية معمر عن ثابت منها هذا الحديث وقال كل هذه الأحاديث لا يتابع عليها وليست بمحفوظة وكلها مقلوبة اهـ، وليس عند البخاري من رواية معمر عن ثابت سوى موضع واحد متابعة وأورده مع ذلك معلقا وله عند مسلم حديثان أو ثلاثة كلها متابعة وفي هذا السند مع ذلك علة أخرى وهي التردد بين أنس وغيره عند الإِمام أحمد لاحتمال أن يكون الغير غير صحابي ثم قال الحافظ في الكلام على حديث ابن سني عن أنس الآتي عقبه وقول ثابت عن أنس وغيره فما عرفت الغير المذكور لكن لثابت رواية عن الزبير قال الحافظ وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عن ابن الزبير ثم أخرجه من طريق الطبراني عن مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ كان إذا أكل عند قوم قال أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة، مختصرًا اهـ، ولو وصف الشيخ المتن بالصحة لكان أولى لأن له طرقًا يقوي بعضها ببعض اهـ، ثم لا منافاة بين حديث الباب وحديث ابن ماجة وابن حبان عن ابن الزبير قال

стр. 1459

فجاء بخبز وزبيب، فأكل، ثم قال النبيُّ ﷺ : "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ طَعَامَكُمُ الأبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيكُمُ المَلائكَةُ". وروينا في كتاب ابن السني عن أنس قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أفطر عند قوم دعا لهم فقال: "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ ... " إلى آخره. ــ أفطر رسول الله ﷺ عند سعد بن معاذ فقال أفطر عندكم الصائمون الخ. لأنهما قضيتان جرتا لسعد بن عبادة وسعد بن معاذ أشار إلى ذلك المصنف. قوله: (فَجاءَ بخُبْزٍ وزَيْتٍ) سبق ما في قوله وزيت في كلام الحافظ. قوله: (أَفْطَر عِندَكُم الصائمونَ) يحتمل أن يكون المراد منه الدعاء لصاحب المنزل بطلب كتابة مثل أجر من أفطر عنده الصائمون الوارد فيه الأحاديث كحديث من فطر صائمًا فله مثل أجره ثم رأيته قال في الحرز الجملة خبرية مبنى دعائية معنى وكذا ما بعدها من الجملتين. قوله: (وأَكَلَ طَعامَكم الأَبْرارُ) قال العاقولي قوله أكل طعامك الأبرار وهو دعاء وإن كان هذا الوصف موجودًا فيه ﷺ وصادقًا عليه وأما لغيره فدعاء فقط لأنه لا يجوز لأحد أن يخبر عن نفسه أنه بر اهـ. قوله: (وصَلَّتْ عَلَيكُمُ الملائِكةُ) أي دعت لكم بالرحمة والبركة كذا في مصباح الزجاجة للسيوطي. قوله: (وَرَوَيْنَا في كِتَاب ابن السني عَنَ أنسٍ الخ) أخرجه الحافظ من طريق الطبراني من حديث أنس قال كان رسول الله ﷺ الحديث وفيه بدل قوله وصلت الخ. قوله وتنزلت عليكم الملائكة وقال أخرجه ابن السني ووقع في روايته ودعا لهم كما قال الشيخ ورجال إسناده من نوع الحسن وفي الجامع الصغير رواه أحمد والبيهقي عن أنس اهـ. قال الحافظ وجاء من طريق أخرى برجال الصحيحين ثم أسنده من طرف إلى هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أنس أن رسول الله ﷺ كان إذا أفطر عند أهل بيت قال أقطر عندكم الصائمون وتنزلت عليكم الملائكة وأكل طعامكم الأبرار وغشيتكم الرحمة قال الحافظ بعد ذكر اختلاف رواته في لفظه وأخرجه الإِمام أحمد ورجاله محتج بهم في الصحيحين لكنه منقطع بين يحيى وأنس قال النسائي بعد تخريجه من طريق ابن المبارك عن هشام عن يحيى حدثت عن أنس أن يحيى لم يسمعه من أنس وقال أبو حاتم

стр. 1460

باب ما يدعو به إذا صادف ليلة القدر ــ الرازي يحيى بن أبي كثير إمام لا يحدث إلَّا عن ثقة وروي عن أنس ولم يسمع منه شيئا وكان رآه يصلي في المسجد الحرام قال الحافظ وقد أدخل بينه وبين أنس عمر بن أبي زبيب فيما أخرجه أحمد وأبو يعلى وغيرهما من طريق حرب بن شداد عن يحيى ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير فخالف في السند ثم أخرجه الحافظ من طريق الطبراني في كتاب الدعاء عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا أفطر عند قوم فذكر الحديث وخالف الجميع الخليل بن يحيى بن مرة فقال عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة والمحفوظ من هذا كله رواية هشام المرسلة اهـ. ملخصًا من كلام الحافظ. باب ما يدعو به إذا صادف ليلة القدر هي بسكون الدال أما من القدر بمعنى الشرف لأن لها شرفًا بنزول القرآن فيها وقيل من وفق لها وصادفها صار ذا شرف بعد إن لم يكن كذلك أو بمعنى القدر بفتح الدال لأن فيها يقدر ما يقع في السنة على الصحيح ولم يعبر به إشعارًا بأن الذي يفرق في هذه الليلة هو تفصيل ما أجرى به القضاء وإظهاره محددًا في تلك السنة مقدرًا بمقدار واختلف في ليلة القدر على أقوال كثيرة بلغ بها الحافظ في الفتح خمسًا وأربعين قولًا ممكنة في كل سنة ونقل عن ابن مسعود وأبي حنيفة كل رمضان أو كل ليلة منه، ليلة نصفه، الخامس عشر إلى الثامن عشر، من ليلة سبع وعشرين إلى آخر الشهر، ذي كل ليلة منها قول، هذا كله بناء على أنها تلزم ليلة معينة ومن أصحها من حديث نقل المذهب أنها تلزم ليلة بعينها وأنها في رمضان في العشر الأخير منه وفي أوتاره وأرجى ما يكون ليلة الحادي والعشرين وقيل الثالث والعشرين وقيل إنها تنتقل في ليالي العشر الأخير ونسب إلى المحققين وأن القول به أظهر لأن فيه جمعًا بين

стр. 1461

روينا بالأسانيد الصحيحة في كتب الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرها عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله إن علمتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قُولي: اللَّهُمَّ ــ الأحاديث وحثًّا على إحياء تلك الليالي وهي من خواص هذه الأمة على الأصح وأجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر أما القول بانتقالها سائر ليالي العام فلم يرض به أصحابنا لشدة ضعفه ومنابذته للأخبار الصحيحة المخصصة لها بالعشر الأخير من رمضان قوله: (رَوَيْنَا بالأَسانيدِ الصَّحيحَةِ الخ) أخرجه الحافظ من طريق الطبراني وغيره عن أبي بريدة عن عائشة قالت قلت يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول الحديث قال الحافظ أخرجه النسائي في الكبرى وابن بريدة هذا هو سليمان كما جزم به المزي وغيره وقد جاء من طريق أخيه عبد الله وهي أشهر قال الحافظ وبالإسناد إلى أحمد حدثنا يزيد بن هارون ووكيع ومحمد بن جعفر ثلاثتهم قالوا حدثنا الحسن بن الحسن حدثنا عبد الله بن بريدة عن عائشة قالت قلت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فذكر مثله قال الحافظ أخرجه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن جعفر بن سليمان والنسائي أيضًا عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر وابن ماجة عن علي بن محمد عن وكيع ثلاثتهم عن كهمس قال الترمذي حسن صحيح وأخرجه الحاكم من الوجهين وصححه وفي ذلك نظر فإن البيهقي جزم في كتاب الطلاق من السنن بأن عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة قال الحافظ ووقع لنا الحديث من وجه آخر بلفظ آخر عن أبي هلال الراسبي حدثنا عبد الله بن بريدة قال قالت أم المؤمنين أحسبه قال قالت عائشة يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر بما أدعو قال قولي اللهم إني أسألك العفو والعافية قال الحافظ ووقع لنا بعلو من حديث أسود بن عامر عن أبي هلال المذكور واسم أبي هلال محمد بن سليمان وهو بصري حسن الحديث وقد أخرجه النسائي من وجه آخر عن مسروق عن عائشة موقوفًا عليها. قوله: (مَا أَقولُ) قيل الفاء ساقطة من

стр. 1462

إنكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَني" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال أصحابنا ﵏: يستحبُّ أن يكثر فيها من هذا الدعاء، ويستحبُّ قراءة القرآن وسائر الأذكار والدعوات المستحبة في المواطن الشريفة، وقد سبق بيانها مجموعة ومفرَّقة. قال الشافعي ﵀: أستحب أن يكون اجتهاده في يومها كاجتهاده في ليلتها، هذا نصه، ويستحبُّ أن يكثر فيها من الدعوات بمهمات المسلمين، فهذا شعار الصالحين وعباد الله العارفين، وبالله التوفيق. باب الأذكار في الاعتكاف ــ الناسخ وتعقب بأنه في غير محله بل يجوز حذف الفاء من جواب الشرط لكن بقلة ومنه حديث بريدة في البخاري أما بعد ما بال رجال وحديثه أيضًا وأما الذين جمعوا بين العمرة والحج طافوا. قوله: (إِنكَ عَفُوّ) أي كثير العفو عن العصاة فلم تقابلهم بعقوبة تستأصلهم وقوله: (تُحبّ العَفْوَ) أي كما أنبأ عن ذلك زيادة مظاهره على مظاهر العقوبة وفي الحديث القدسي إن رحمتي سبقت غضبي وفي الخبر دليل على أن الأليق بالإنسان والأحق به لما جبل عليه من إيثار شهواته الابتهال إلى الله في مواسم الخيرات ومواطن إجابة الدعوات أن يسبل ذيل عفوه لما يتسبب عنه من رقيه إلى حقائق عطفه ورقائق لطفه ونقل عن ابن العربي إنه ينبغي لمن ظفر بليلة القدر أن يسأل إجابة الدعاء قال ليظفر بكنز ينفق منه أبد الآباد وفيما أشارت إليه عائشة مما ذكر غنية عن ذلك وغيره فالخير في الاتباع. باب الأذكار في الاعتكاف الاعتكاف لغة اللبث والحبس والملازمة على الشيء ولو شرًّا ومنه يعكفون على أصنام لهم، من عكف يعكف بضم كافه وكسرها لا غير يستعمل لازمًا ومتعديًا كرجع ورجعته وأعكفه بالكسر لا غير وشرعا استقرار بمكث أو غيره كالتردد بمسجد فوق طمأنينة

стр. 1463

يستحبُّ أن يكثر فيه من تلاوة القرآن وغيره من الأذكار. كتاب أذكار الحج اعلم أن أذكارَ الحج ودعواتِه كثيرة لا تنحصر، ولكن نشير إلى المهمَّ من مقاصدها، والأذكار التي فيها على ضربين: أذكار في سفره، وأذكار في نفس الحج. فأما التي في سفره، فنؤخِّرُها لنذكرَها في أذكار الأسفار إن شاء الله تعالى. وأما التي في نفس الحجِّ فنذكرها على ترتيب عمل الحج إن شاء الله تعالى، وأحذف الأدلة والأحاديث في أكثرها خوفًا من طول الكتاب، ــ الصلاة بشروط مقررة في الفقه وسكت المصنف عن النية هنا لأنه أشار إليها فيما سبق من أحكام داخل المسجد بقوله فينوي داخل المسجد وكان حقه ذكرها هنا أيضًا فينوي الاعتكاف بقلبه ويسن التلفظ بلسانه ويجدد النية كلما دخل ما لم يخرج عازمًا على العود لأن عزمه عليه حينئذٍ بمنزلة نيته إن عاد ولا يبطله تكلم بمحظور ولا عمل صنعة ولو محرمة بخلاف نحو الجماع، وهو من الشرائع القديمة ويسن كونه يومًا وليلة ومع الصوم خرجا من خلاف من لم يجوزه دونه ومن أوجب فيه الصوم وأن ينويه كلما دخل المسجد أي ولو مارًا تقليدًا للقائل بحصوله للمار إذا نواه وقد تقدم فيما سبق تحرير ذلك والله أعلم. قوله (يُستَحبُّ أَنْ يُكْثِرَ منْ تِلاوةِ القُرآنِ) لأنه أفضل الأذكار جاء به أفضل الملائكة إلى أشرف الرسل وكان يكثر الاشتغال به في أشرف زمان وهو شهر رمضان وأشرف بقعة وهي المسجد فطلب حال الاعتكاف ليزداد فضله ولنمو ثوابه والله أعلم. كتاب أذكار الحج أي وأذكار العمرة، فأما أن يكون اكتفى عنها أو أراد به ما يشملها من استعمال اللفظ المشترك في معنييه إذ هو لغة مطلق القصد أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه باعتبار معناه الشرعي الآتي ثم الحج بفتح أوله وكسره مصدران قال ابن جماعة الأكثر الكسر والقياس الفتح وقيل هو بالفتح مصدر وبالكسر اسم وفي شرح مسلم للمصنف هو بالفتح مصدر وبالفتح والكسر جميعًا اسم منه وفي كونه بالفتح اسم مصدر نظر والحج

стр. 1464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لغة القصد وقيل كثرته إلى من يعظم وشرعا على ما في المجموع قصد الكعبة للأفعال الآتية وقال ابن الرفعة هو نفس تلك الأفعال أي لأنها إجراؤه فلا وجود له بدونها حتى يقال إنه قصد البيت لأجلها وقد يؤول الأول بأن اللام فيه بمعنى مع أو يقال قصد البيت لأجلها يستلزم قصدها وعلى كلٍّ فليس المراد بالقصد نية الدخول إلى النسك المعبر عنه بالإحرام بل ما هو أعم من ذلك وهو العزم كما هو ظاهر كذا قيل، واعترض بأنه إن أريد بالتأويل موافقة تفسير ابن الرفعة فممنوع إذ ابن الرفعة لم يعتبر القصد وتأويله لا يدخل الأفعال إلَّا على الوجه الأول منه على احتمال فتعين أن المراد بالتأويل مجرد دخول الأفعال الأعلى ما فيه لما علم، ويرد على تعريف ابن الرفعة أن المعنى الشرعي يجب اشتماله على المعنى اللغوي بزيادة وذلك غير مورد عليه إذ لم يعتبر القصد إلَّا أن يقال إن ذلك أغلى أو إن منها النية وهو من جزئيات المعنى اللغوي ونظيره الصلاة الشرعية لاشتمالها على الدعاء، والحج من الشرائع القديمة روي أن آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام حج أربعين سنة من الهند ماشيًا وأن جبريل قال له إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة وقال ابن إسحاق لم يبعث الله نبينا بعد إبراهيم إلَّا حج والذي صرح به غيره أنه ما من نبي إلَّا حج خلافًا لمن استثنى هودا وصالحا وفي وجوبه على من قبلنا وجهان الصحيح أنه لم يجب واستغرب قاله القاضي حسين، وهو أفضل العبادات لاشتماله على المال والبدن ولأنا دعينا إليه ونحن في الأصلاب كما أخذ العهد علينا بالإيمان حينئذٍ لكن الأصحاب على خلافه، وحج نبينا قبل النبوة وبعدها قبل الهجرة حججًا لا يدرى عددها وتسمية هذه حججًا إنما هو باعتبار الصورة إذ لم يكن على قوانين الحج الشرعي باعتبار ما كانوا يفعلوه من النسيء وغيره بل قيل في حجة أبي بكر الصديق ﵁ في التاسعة ذلك ولكن الوجه خلافه لأنه ﷺ لا يأمره إلَّا بحج شرعي وكذا يقال في الثامنة التي أمر فيها عتاب بن أسيد أمير مكة وبعدها حجة الوداع لا غير أشار إليه بعض المتأخرين، ونوزع فيما قاله من أن تسمية ما صدر منه ﷺ حججًا إنما هو باعتبار الصورة الخ. بأنه قد ورد أن الله ألهمه ﷺ فكان يقف في عرفة مع وقوف سائر قريش عند المزدلفة فكما ألهمه بذلك فهو قادر على إلهامه وقوع حجة في زمنه من ذي الحجة على ما استقرت عليه شريعته والله أعلم، وفي وقت وجوب الحج خلاف

стр. 1465

وحصول السآمة على مطالعه، فإن هذا الباب طويل جدًّا، فلهذا أسلك فيه طريق الاختصار إن شاء الله تعالى. فأول ذلك: إذا أراد الإحرام اغتسل وتوضأ ولبس إزاره ورداءه، وقد قدمنا ما يقوله المتوضئ والمغتسل، وما يقوله إذا لبس الثوب، ــ قبل الهجرة وقيل أول سنيها وقيل ثالثها وهكذا إلى العاشر، الأصح أنه في السادسة وفرضيته مجمع عليها معلومة من الدين بالضرورة يكفر جاحدها وفي وجوب العمرة خلاف فقال به الشافعي وخالفه الثلاثة قوله: (وحصُولِ السَّآمةِ) بالمهملة فالهمزة المدودة منها الملل والضجر يقال سئم يسأم وسآمة. قوله: (اغْتَسلَ وتوَضأ) وهذا الغسل سنة لكل واحد ممن أراد الإحرام ولو نحو حائض وإن إرادته قبل الميقات على الأوجه للاتباع أخرجه الترمذي عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ تجرد لإحرامه واغتسل، وقال حسن غريب قال الحافظ حسنه لمجيئه من غير وجه واستغربه لتفرد عبد الرحمن صدوق فيه بعض مقال وعبد الله بن يعقوب المدني الراوي عنه لا يعرف حاله قال ابن القطان جهدت أن أعرف هل هو الذي أخرج له أبو داود أو غيره فلم أقدر "قلت" جزم المزي بأنه هو ورجح ابن المواز أنه غيره وهو الذي يظهر فإن طبقة الذي أخرج له أبو داود أعلى من هذا وقد أخرج الحديث ابن خزيمة في صحيحه من طريقه فكأنه عرف حاله ولم ينفرد به وقد أخرجه أيضًا في المختارة مع ذلك عن ابن أبي الزناد قد أخرجه الطبراني والدارقطني من طريق ابن غزية بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتية اسمه محمد بن موسى عن أبي الزناد وله طرق أخرى عند الدارقطني والبيهقي فيها مقال وللحديث شاهد عن ابن عباس رواه الطبراني في الأوسط وآخر عن عائشة أخرجه الدارقطني وسند كل منهما ضعيف وله شاهد آخر صحيح عن عبد الله بن عمر قال من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم وإذا أراد أن يدخل مكة قال الحافظ

стр. 1466

ثم يصلي ركعتين، وتقدَّمت أذكار الصلاة، ويستحبُّ أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة (قلْ يا أيُّها الكافِرُونَ) ووفي الثانية (وقُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ) فإذا فرغ من الصلاة استحبَّ أن يدعوَ بما شاء، وتقدَّم ذِكْرُ جُمَل من الدَّعوات والأذكار خلف الصلاة، ــ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين وقول الصحابي من السنة كذا مرفوع عندهم وروى الشافعي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن عليًّا ﵁ كان يغتسل إذا أراد أن يحرم اهـ. ملخصًا ويكره ترك هذا الاغتسال وإحرام الجنب وتنوي الحائض هنا وفي سائر الاغتسالات المطلوبة منها في النسك الغسل المسنون كغيرها، ويكفي تقدمه عليه إن نسب له عرفًا فيما يظهر وكذا يسن التنظيف لغير نحو مريد التضحية بإزالة شيء من ظفره وقص شاربه ونتف إبطه وحلق عانته فإن عجز عن استعمال الماء ولو شرعًا تيمم لأن الغسل يراد به القربة والنظافة فإذا فات أحدهما بقي الآخر ولأنه ينوب عن الغسل الواجب فالمندوب أولى والوضوء يحتمل أن يكون الوضوء المفروض بسبب الحدث ونحوه وحينئذٍ فمعنى عده من السنن أنه ينبغي تقديمه على الإحرام ليكون في حال الكمال ويحتمل أن يكون الوضوء المنسوب للغسل بناء على استحبابه للغسل المندوب وهو المعتمد كما أفتى به الشيخ زكريا وغيره والله أعلم. قوله: (ولَبسَ إِزاره ورِدَاءه) أي لصحة ذلك عنه ﷺ فعلًا، روى الشيخان أنه ﷺ أحرم في إزار ورداء، وقولا، رواه أبو عوانة في صحيحه ولفظه ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين وصححه ابن المنذر ولم يتعرض لتخريج مستنده ذلك الحفاظ والسنة كون الإزار والرداء أبيضين ويسن كونهما جديدين نظيفين وإلا فنظيفين ويكره المتنجس الجاف والمصبوغ كله أو بعضه ولو قبل النسج على الأوجه أما المعصفر والمزعفر فيتعين اجتنابهما. قوله: (ثم يصلي ركْعتيْنِ) أي ينوي بهما سنة الإحرام للاتباع متفق عليه يقرأ سرًّا ليلًا أو نهارًا بعد الفاتحة (قُل يأيها الكافِرُونَ) [الكافرون ١٠] في الأولى (قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١] في الثانية ويغني عنهما غيرهما كسنة تحية المسجد لأن

стр. 1467

فإذا أراد الإحرام نواه بقلبه. ويستحبُّ أن يساعد بلسانه قلبه، فيقول: نوبت الحج وأحرمت به الله ، لبيك اللهم لبيك ... إلى آخر التلبية. والواجب نية القلب، واللفظ سُنَّة، فلو اقتصر على القلب أجزأه، ولو اقتصر على اللسان لم يجزئه. قال الإِمام أبو الفتح سُلَيم بن أيوب الرازي: لو قال يعني بعد هذا: اللهُم لك أحرم نَفسي وشعري وبشري ولحمي ودمي، كان حسنًا. وقال غيره: يقول أيضًا: اللَّهُمَّ إني نويت الحج فأعني عليه وتقبله مني، ويلبِّي فيقول: ــ القصد وقوع الإحرام أثر صلاة كما أفاده البويطي أي بحيث لا يطول بينهما الزمن عرفا ويحرمان وقت الكراهة في غير الحرم لتأخر سببهما. فصل له: (وإذَا أَرادَ الإِحرَامَ نَواهُ بِقَلْبهِ الخ) استدل في شرح المهذب لأصل النية بعموم حديث عمر المرفوع إنما الأعمال بالنيات ويستدل لخصوصية الإحرام باللسان بما أخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت عائشة يا بن أخي هل تستثني إذا حججت قلت ماذا أقول قالت اللهم الحج أردت وإليه عمدت فإن يسرته لي فهو الحج. قوله: (وقَال الإِمَام أَبو الفَتح سُليم الخ) هو بضم السين المهملة على صيغة التصغير قال الحافظ وما ذكره الشيخ عن سليم بن أيوب وغيره لم أر له فيه سلفًا اهـ. قوله: (وشعري) وما بعده معطوف على نفسي من باب عطف الخاص على العام اهتمامًا به والمقام للأطناب. قوله: (وقَال غيْرُهُ يقُولُ الخ) ظاهر سياقه ذكر قول سليم وهذا القول الذي بعده بعد النية أنه يقوله بعدها وهو ما في الإحياء للغزالي لكن في الوسيط للأذرعي قال صاحب الخصال ويصلي ركعتين ويقول اللهم إني أريد الحج الخ. ثم ذكر أنه يلبي بعده اهـ، وما أفهمه كلام صاحب الخصال من تقديم ذلك على الإحرام لذكره عقب الركعتين لعله الأرجح وأظن أنه مربي ما يصرح به والمعنى في كل منهما صحيح وليس في كتب الشيخين تعرض لذلك إلَّا أن كتاب الأذكار قال بعد ذكر النية قال سليم الرازي الخ اهـ. نقله السيد السمهودي

стр. 1468

لبيكَ اللَّهُمَّ لبيك، لبيكَ ــ في كتابه المسمى بالمجموع الحاوي لما وقع من الفتاوى. قوله: (لَبيكَ اللَهُمَّ لَبيَّكَ) لبيك مثنى مضاف منصوب بعامل لا يظهر قصد به التكثير إجابة لدعوة سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام ومعناه أقمنا على طاعتك إجابة بعد إجابة هذا مذهب سيبويه وعليه أكثر النّاس ويؤيده قلب الألف ياء مع المظهر قيل وأصله البابين فحذفت النون للإضافة وحذف الزوائد وأدغم الياء الأولى في الثانية وحركت اللام بالفتح لتعذر الابتداء بالساكن وقال يونس بن حبيب البصري لبيك اسم مفرد لا مثنى قال وألفه إنما قلبت ياء لاتصالها بالضمير كلدي وعلي وأصل الفعل منهما لبب بتشديد الأولى فاستثقلوا ثلاث باآت فأبدلوا الثالثة ياء عند اتصال الضمير كما قالوا تظنيت من الظن والأصل تظننت وأصل الألف ياء قلب مع الضمير لأصله ياء كما في عليك ولديك، ورد سيبويه قول يونس بأنه لو كان مفردًا لما قلبت ألفه ياء مع الاسم الظاهر وأنشد قول الشاعر: دعوت لما نابني مسورًا ... فلبى قلبي يدي مسور قال المصنف واختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها فقيل معناه إتجاهي وقصدي إليك مأخوذ من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها. وقيل معناه محبتي لك من قولهم إمرأة لبة إذا كانت محبة ولدها عاطفة. وقيل معناه إخلاص لك مأخوذ من قولهم حسب لباب إذا كان خالصًا مخلصًا ومن ذلك الطعام ولبابه، وقيل معناه أنا مقيم على طاعتك وإجابتك مأخوذ من قولهم لب الرجل بالمكان وألب إذا أقام فيه ولزمه قال ابن الأنباري وبهذا قال الخليل والأخفش، قال القاضي قيل هذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم ﵇: (وَأذِّن في النَّاسِ بِالحْجِّ) [الحج: ٢٧]، وقال إبراهيم الحربي في معنى لبيك أي قربًا منك وطاعة والألباب القرب وقال أبو نصر معناه أنا ملب بين يديك أي خاضع هذا آخر كلام القاضي اهـ. قال السيوطي في حواشي سنن أبي داود وإذا كان المعنى في التلبية أنا مقيم على عبادتك وطاعتك فهل المراد كل عبادة الله تعالى أي عبادة كانت أو المراد العبادة التي هو فيها من الحج، الأحسن عند المعتبرين الثاني للاهتمام بالمقصود اهـ. قوله: (لَا شَرِيكَ لكَ) لا في الكلام لاستغراق

стр. 1469

لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، هذه تلبية رسول الله ﷺ ، ــ نفي الجنس فهي لنفي كل شريك له في وصف من أوصافه أو فعل من أفعاله وفيه إيماء إلى الرد على المشركين فإنهم كانوا يقولون في تلبيتهم لا شريك لك، إلَّا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فكان ﷺ إذا سمعهم يقولون ذلك يقول: قد قد أي حسبكم واقتصروا على قول لا شريك لك ولا تزيدوا قول إلَّا شريكًا هو لك الخ. قوله: (إِنَّ الحَمدَ) بكسر الهمزة من إن وفتحها وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة قال الجمهور والكسر أجود وقال الخطابي الفتح رواية العامة وقال ثعلب الاختيار الكسر وهو أجود في المعنى لأن من كسر جعل معناه إن الحمد لك على كل حال ومن فتح قال معنى لبيك بهذا السبب وما نقله الزمخشري عن الشافعي من اختيار الفتح وارتضاه الأسنوي رده الأذرعي بأن اختيارات الشافعي لا تؤخذ من الزمخشري لأن أصحابه أدرى باختياراته من غيرهم ولم ينقلوه عنه لا يقال كما إن الفتح يوهم التعليل والتخصيص أي إن الإجابة معلولة ومختصة بحال شهود الأنعام فالمكسورة تدل على التعليل أيضًا فيؤدي إلى إيهام ما ذكره لأنا نقول هو ممنوع وعلى التنزل فليس مقصودًا منه وعلى التنزل فهو في المفتوحة أظهر وأشهر. قوله: (والنَّعمةَ) بكسر النون الإحسان والعطاء والمشهور نصبها قال القاضي ويجوز رفعها على الابتداء ويكون الخبر محذوفًا وقال ابن الأنباري إن شئت جعلت خبر إن محذوفًا تقديره إن الحمد لك والنعمة مستقرة. قوله (لكَ) ومعناه في الحمد إنك تستحقه دون غيرك وفي الأنعام أنك الموصوف به في الحقيقة أو الموجد لأثره دون غيرك وقيل اللام بمعنى من أي منك ويستحب أن يقف وقفة لطيفة عند. قوله: (والمُلكَ) ثم يقول. قوله: (لَا شريكَ) لك والأفضل الاقتصار عليها فيكررها ثلائا ثم يصلي على النبي ﷺ وفي الصحيحين وغيرهما ذكر عن نافع مولى ابن عمر قال وكان ابن عمر يزيد فيها لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغباء إليك والعمل، والرغباء بفتح الراء وإسكان الغين المعجمة والموحدة والمد وبضم الراء وسكون

стр. 1470

ويستحبُّ أن يقول في أوَّل تلبية يلبيها: لبيك اللَّهُمَّ بحجة، إن كان أحرم بحجة، أو لبيك بعمرة، إن كان أحرم بها ولا يعيد ذِكْر الحج والعمرة فيما يأتي بعد ذلك من التلبية على المذهب الصحيح المختار. واعلم أن التلبية سُنَّة لو تركها صح حجه وعمرته ولا شيء عليه، لكن فاتته الفضيلة العظيمة والاقتداء برسول الله ﷺ ، هذا هو الصحيح من مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، وقد أوجبها بعض أصحابنا، واشترطها لصحة الحج بعضهم، والصواب الأول، لكن تستحبُّ المحافظة عليها للاقتداء برسول الله ﷺ ، ــ الغين المعجمة والقصر الطلب، والعمل وسيأتي زيادة في هذا المعنى آخر الفصل الآتي وما ذكره من التلبية إلى قوله والملك لا شريك لك هي تلبية رسول الله ﷺ في إحرامه كما ثبت ذلك في الحديث المتفق على صحته من حديث ابن عمر قال نافع كان ابن عمر يزيد فيها لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الشافعي عن مالك وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي كلهم من رواية مالك وابن حبان وأخرج الحافظ بسنده إلى الدرامي عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ إذا لبى يقول فذكر مثله قال نافع وكان ابن عمر يزيد هؤلاء الكلمات لبيك والرغباء إليك واعلم لبيك لبيك. قوله: (ويُستَحبُّ أَنْ يقولَ في أَوَّلِ تَلبيةِ يُلَبيها الخ) أي لما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أنس أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لبيك بعمرة وحجة ويسن الإسرار بهذه التلبية لأنه لما سن فيها ذكرها أحرم به طلب منه الإسرار بها لأنه أوفق بالإخلاص. قوله: (واعْلم أَنَّ التَّلبيَة سُنَّة الخ) قال المصنف في شرح مسلم أجمع المسلمون على مشروعيتها ثم اختلفوا في إيجابها فقال الشافعي وآخرون هي سنة ليست بشرط لصحة الحج ولا واجبة فلو تركها صح حجه ولا دم عليه لكن فاتته الفضيلة وقال بعض أصحابنا هي واجبة تجبر بالدم ويصح بدونها وقال بعض أصحابنا هي شرط لصحة الإحرام قال فلا يصح الإحرام ولا الحج إلَّا بها والصحيح من مذهبنا ما قدمناه عن الشافعي وقال مالك ليست بواجبة لكن

стр. 1471

وللخروج من الخلاف، والله أعلم. وإذا أحرم عن غيره قال: ــ لو تركها لزمه دم وصح حجه وقال الشافعي ومالك ينعقد الحج بالنية بالقلب من غير لفظ كما ينعقد الصوم بالنية فقط وقال أبو حنيفة لا ينعقد إلَّا بإضمام التلبية أو سوق الهدي إليه قال أبو حنيفة ويجزئ عن التلبية ما في معناها من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار كما قال هو إن التسبيح وغيره يجزئ في الإحرام بالصلاة عن التكبير والله أعلم. قوله: (وللْخرُوجِ منَ الخِلافِ) أي فإنه سنة ما لم يصادم أصح منه وما لم يشتد ضعف مستدركه أو يوقع في خلاف آخر. قوله: (وإذَا أَحرَم عَنْ غيْرهِ) قال الحافظ أما الإحرام عن الغير ففي الصحيحين عن ابن عباس وأما تعيين الإحرام عن فلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال سمع النبي ﷺ رجلًا يلبي عن شبرمة فقال أيها الملبي عن شبرمة من شبرمة قال أخي قال هل حججت عن نفسك قال لا قال فاحجج عن نفسك ثم احجج عن شبرمة وفي رواية اجعل هذه عن نفسك وحج عن شبرمة قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وذكر في مسائله أنه سأل أحمد عن هذا الحديث فصححه وقال عبدة يعني ابن أبي سليمان قديم السماع من سعيد يعني ابن أبي عروبة قال الحافظ يشير بذلك إلى اختلاط سعيد قال فذكرت ذلك لأبي زرعة قال الحديث صحيح وأخرجه ابن خزيمة والدارقطني من رواية عبدة أيضًا وأخرجه الدارقطني من وجه آخر وأخرج الطبراني في المعجم الصغير عن عطاء عن ابن عباس قال سمع النبي ﷺ رجلًا يقول لبيك عن شبرمة فقال حججت قال لا قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة قال الحافظ وبالسند إلى الطبراني قال لم يروه عن عمر بن دينار إلا حماد بن سلمة ولا عن حماد إلَّا يزيد بن هارون تفرد عنه عبد الرحمن بن خالد الرقي قال الحافظ قلت وهو ثقة من شيوخ أبي داود والنسائي ومن فوقه من رجال الصحيح وشيخ الطبراني وهو عبد الله بن سندة بفتح السين المهملة وسكون النون ذكره أبو نعيم في تاريخه يقال هو عبد الله بن سعيد بن الوليد بن معدان الضبي وسندة لقب سعيد وكان كثير الحديث روى عنه جماعة ثم أخرج حديثه عن الطبراني به وأخرجه الشافعي عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء مرسلًا قال البيهقي وكذا رواه الثوري عن ابن جريج مرسلًا ووصله محمد بن عبد الرحمن

стр. 1472

نويت الحج وأحرمت به لله تعالى عن فلان، لبيك اللهم عن فلان ... إلى آخر ما يقوله من يحرم عن نفسه. فصل: ويستحبُّ أن يصليَ على رسول الله ﷺ بعد التلبية، وأن يدعوَ لنفسه ولمن أراد بأمور الآخرة والدنيا، ويسأل الله تعالى رضوانه والجنة، ويستعيذ به من النار، ويستحبُّ الإكثار من التلبية، ويستحب ذلك في كل حال قائمًا، وقاعدًا، وماشيًا، وراكبًا، ومضطجعًا، ونازلًا، وسائرًا، ومُحدِثًا، وجُنبًا، وحائضًا، وعند تجدد الأحوال وتغايرها زمانًا ومكانًا، وغير ذلك، كإقبال الليل والنهار، وعند الأسحار، ــ بن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا ولفظ الشافعي سمع النبي ﷺ رجلًا يقول لبيك عن فلان فقال إن كنت حججت فلب عنه وإلَّا فاحجج عن نفسك ثم حج عنه وشبرمة بشين معجمة مضمومة ثم موحدة ساكنة ثم راء مضمومة. قوله: (نوَيْتُ الحَجَّ) لا بد أن يقصد عند نية الحج كونه عن فلان وإلَّا فمتى غفل من ذلك انعقد الإحرام لنفسه. فصل قوله: (ويُستَحبُّ أَنْ يُصلي عَلَى رسولِ الله ﷺ الخ) أي والأكمل صلاة التشهد وليضم إليها السلام لكراهة أفراد أحدهما عن الآخر كما تقدم في كلام المصنف وأسند الحافظ إلى الدارقطني عن القاسم بن محمد يعني ابن أبي بكر الصديق ﵄ أنه كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ . قوله: (ويسأَلُ الله تَعَالى رِضْوانَهُ) أي ثم يسأل كما قاله الزعفراني وذلك للاتباع أسند الحافظ إلى الدارقطني عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته ورضوانه واستعاذ برحمته من النار وسنده من طريق الطبراني في المعجم الكبير عن خزيمة ﵁ مرفوعًا أيضًا. قوله. (ويستَحَبُّ الإكثارُ منَ التَّلبيَةِ) أي للاتباع أخرج عن الشافعي عن محمد بن الشافعي عن محمد بن المنكدر أن النبي ﷺ كان يكثر من التلبية قال الحافظ هذا حديث مرسل ومحمد بن أبي حميد أي الراوي عن ابن المنكدر

стр. 1473

واجتماع الرِّفاقِ، وعند القيام والقعودِ، والصعودِ والهبوط، والركوب والنزولِ، ــ ضعيف وأخرج الحافظ عن الشافعي عن سعيد بن سالم قال حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر إنه كان يلبي راكبًا ونازلًا ومضطجعا قال الحافظ هذا حديث موقوف لا بأس بسنده في الذكر ونحوه واستدل البيهقي للإكثار من التلبية بحديث سهل بن سعد ﵄ قال قال رسول الله ﷺ ما لبى ملب إلا لبى الذي يليه من ها هنا وها هنا عن يمينه وشماله وفي رواية إلَّا لبى عن يمينه وعن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال الترمذي حديث حسن صحيح وقال الحاكم على شرط مسلم قال الحافظ ويلتحق بهذا الحديث ما أخرجه الطبراني بسند حسن عن ربيعة مرفوعًا ما أضحى مؤمن ملبيًا حتى تغيب الشمس إلَّا غابت بذنوبه وذكر الرافعي في الشرح من حديث جابر إن النبي ﷺ كان يلبي في حجه إذا لقي كربًا أو علًا أكمة أو هبط واديًا وفي أدبار المكتوبة وآخر النهار وهذا الحديث بيض له الحافظ المنذري والحازمي في تخريج أحاديث المهذب وكذا النووي في شرحه ويقال إن الحافظ عبد الله بن محمد بن ناجية أسنده في فائده ولم أقف عليه اهـ، وأخرج سعيد بن منصور في السنن من طريق عبد الرحمن بن سابط قال كان سلفنا لا يدعون التلبية عند الزحام وإشرافهم على أكمة وهبوطهم بطون الأودية وعند الفراغ من الصلاة ومن طريق أصحاب ابن مسعود نحوه وزاد أو يقول راكبًا وبالأسحار ومن طريق إبراهيم النخعي قال تستحب التلبية إذا استويت على بعيرك فذكر نحو الذي قبله وعن ابن عباس زينة الإحرام التلبية وزاد الحافظ قبيل أذكار فضل مني عن ابن الزبير وسعيد بن جبير زينة الإحرام التلبية وعن مكحول شعار الحج التلبية وعن مجاهد مثله. قوله: (واجتِماع الرِّفاقِ) هو بكسر الراء واحده رفقة وهي الجماعة سموا بذلك لأن بعضهم يرتفق ببعض وجمع الرفيق رفقاء. قوله: (والصُّعودِ والهُبوطِ) أي بضم أولهما إما بالفتح فهما اسما مكانهما كما في التحفة وذكره الراغب في المفردات. قوله: (والرُّكوب) اختلف هل يقدمها على ذكر الركوب وهو سبحان الذي سخر لنا هذا الخ، أو يبدأ به عليها، بالثَاني قال عطاء وبالأول قال إبراهيم النخعي

стр. 1474

وأدبار الصلوات، وفي المساجد كلها، والأصح أنه لا يلبي في حال الطواف والسعي، لأن لهما أذكارا مخصوصة. ويستحبُّ أن يرفع صوته بالتلبية بحيث لا يشق عليه، ــ أخرجه سعيد بن منصور كذا في مختصر التنبيه. قوله: (وأَدْبارِ الصلوَاتِ) أي ويقدمها على الأذكار المشروعة بعدها كما اقتضاه كلامهم وعبارة الإيضاح وبعد الفراغ من الصلاة وهي مقتضية لما ذكر ويؤيده ما تقدم في التكبير المفيد إنه يقدم على أذكارها. قوله: (والأَصَحُّ لَا يلبي في الطَّوافِ والسَّعْي الخ) تعقبه الحافظ بأن ما ذكره لا يستلزم ترك استحباب التلبية قال الشافعي في الأم ورد في السعي والطواف تكبير ودعاء فأحب ذلك ولا تكون التلبية مكروهة اهـ، وفيه أن المراد من كلام المصنف عدم مشروعة التلبية فيما ذكر لا كراهتها وعبارة المنهاج ولا تستحب في طواف القدوم وفي القديم تستحب بلا جهرًا انتهت ثم كلامه شامل لطواف النفل قبل الشروع في أسباب التحلل ومنه طواف الوداع يوم خروجه لعرفة فلا يلبي فيه وهو ما اقتضاه كلام المحب الطبري قبل وتعليله يقتضي تقييد عدم الاستحباب بما له ذكر مخصوص في الطواف أما المحل الذي لا ذكر له مخصوص فتسن فيه التلبية ونوقش فيه بأن قضية كلامهم إنه لا يلبي في طواف القدوم ولو في المحال التي لا ذكر لها وتكره التلبية في موضع النجاسات كغيرها من الأذكار. قوله: (ويُستَحَبُّ أَن يَرْفعَ صوتهُ بالتَّلبِيةِ الخ) أي لحديث السائب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال أتاني جبريل عليه اللام فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال حديث صحيح أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وروي أيضًا من حديث زيد بن خالد وزاد في آخر حديثه فإنه من شعار الحج قال ابن حبان بعد تخريجه من الوجهين سمعه خلاد بن السائب من أبيه ومن زيد بن خالد فالطريقان محفوظان ولفظهما مختلف كذا قال قال الحافظ والمحفوظة هي رواية خلاد عن أبيه ورواه أحمد والطبراني عن خلاد عن أبيه بلفظ يا محمد كن عجابا ثجاجًا وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة والبزار عن أبي بكر الصديق رضي الله

стр. 1475

وليس للمرأة رفع الصوت، لأن صوتها يخاف الافتتان به. ــ عنه قال سئل ﷺ أي الحج أفضل قال العج والثج قال الترمذي العج رفع الصوت بالتلبية قال الحافظ وقع هذا التفسير مرفوعًا في حديث ابن مسعود أخرجه أبو يعلى بسند جيد في المتابعات وأخرج أبو منصور في مسند الفردوس عن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة أصوات يباهي بها الله الملائكة الأذان والتكبير في سبيل الله ورفع الصوت بالتلبية قال الحافظ هذا حديث غريب. فائدة قال ابن حبان يسن للملبي إدخال أصبعيه في أذنيه لقوله ﷺ لما وصل إلى وادي الأزرق كأني انظر إلى موسى واضعًا أصبعيه في أذنيه له جؤار بالتلبية وقد ينظر فيه بأن أصل ذلك لا يثبت به سنيته على قواعد أصحابنا إلَّا أن يؤخذ ذلك من أن سياق حكايته ﷺ عند ذلك يدل على الثناء عليه به ترغيبا في التأسي به فيه والله أعلم. فائدة أخرى يسن رفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ عقب التلبية ويكون دون الرفع بالتلبية وكذا يسن لكل من يصلي ويسلم على النبي ﷺ أن يرفع صوته من غير إفحاش في المبالغة وقضيته إنه لا فرق في ذلك بين من اتخذها ورده وأكثر منها وغيره وهو متجه إن أمن على نفسه الرياء وحصول ضرر له أو لغيره وينبغي أن يكون رفع صوته بالدعاء عقب التلبية والصلاة دون صوته بهما كما بحثه الزركشي. قوله: (ولَيسَ للْمرْأةِ الخ) مثلها فيما ذكر الخنثى فيسن لكل منهما إسماع أنفسهما فقط وتكره لهما الزيادة على ذلك وفارق حرمته في الأذان بأن كل أحد مشغول بتلبية نفسه هنا ولا يسن الإصغاء للتلبية ولا النظر للملبي بخلاف الأذان في جميع ذلك أخرجه الحافظ من طريق الرعدي عن محمد بن إسماعيل الواسطي عن ابن نمير عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر قال كنا إذا حججنا مع رسول الله ﷺ نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان وقال الترمذي لا نعرفه إلّا من هذا الوجه وقد أجمع أهل العلم على أن المرأة تلبي عن نفسها يكره لها رفع الصوت قال الحافظ وسند الحديث ضعيف لضعف أشعث
следующие страницы →