← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وللخروج من الخلاف، والله أعلم. وإذا أحرم عن غيره قال: ــ لو تركها لزمه دم وصح حجه وقال الشافعي ومالك ينعقد الحج بالنية بالقلب من غير لفظ كما ينعقد الصوم بالنية فقط وقال أبو حنيفة لا ينعقد إلَّا بإضمام التلبية أو سوق الهدي إليه قال أبو حنيفة ويجزئ عن التلبية ما في معناها من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار كما قال هو إن التسبيح وغيره يجزئ في الإحرام بالصلاة عن التكبير والله أعلم. قوله: (وللْخرُوجِ منَ الخِلافِ) أي فإنه سنة ما لم يصادم أصح منه وما لم يشتد ضعف مستدركه أو يوقع في خلاف آخر. قوله: (وإذَا أَحرَم عَنْ غيْرهِ) قال الحافظ أما الإحرام عن الغير ففي الصحيحين عن ابن عباس وأما تعيين الإحرام عن فلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال سمع النبي ﷺ رجلًا يلبي عن شبرمة فقال أيها الملبي عن شبرمة من شبرمة قال أخي قال هل حججت عن نفسك قال لا قال فاحجج عن نفسك ثم احجج عن شبرمة وفي رواية اجعل هذه عن نفسك وحج عن شبرمة قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وذكر في مسائله أنه سأل أحمد عن هذا الحديث فصححه وقال عبدة يعني ابن أبي سليمان قديم السماع من سعيد يعني ابن أبي عروبة قال الحافظ يشير بذلك إلى اختلاط سعيد قال فذكرت ذلك لأبي زرعة قال الحديث صحيح وأخرجه ابن خزيمة والدارقطني من رواية عبدة أيضًا وأخرجه الدارقطني من وجه آخر وأخرج الطبراني في المعجم الصغير عن عطاء عن ابن عباس قال سمع النبي ﷺ رجلًا يقول لبيك عن شبرمة فقال حججت قال لا قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة قال الحافظ وبالسند إلى الطبراني قال لم يروه عن عمر بن دينار إلا حماد بن سلمة ولا عن حماد إلَّا يزيد بن هارون تفرد عنه عبد الرحمن بن خالد الرقي قال الحافظ قلت وهو ثقة من شيوخ أبي داود والنسائي ومن فوقه من رجال الصحيح وشيخ الطبراني وهو عبد الله بن سندة بفتح السين المهملة وسكون النون ذكره أبو نعيم في تاريخه يقال هو عبد الله بن سعيد بن الوليد بن معدان الضبي وسندة لقب سعيد وكان كثير الحديث روى عنه جماعة ثم أخرج حديثه عن الطبراني به وأخرجه الشافعي عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء مرسلًا قال البيهقي وكذا رواه الثوري عن ابن جريج مرسلًا ووصله محمد بن عبد الرحمن

стр. 1472

نويت الحج وأحرمت به لله تعالى عن فلان، لبيك اللهم عن فلان ... إلى آخر ما يقوله من يحرم عن نفسه. فصل: ويستحبُّ أن يصليَ على رسول الله ﷺ بعد التلبية، وأن يدعوَ لنفسه ولمن أراد بأمور الآخرة والدنيا، ويسأل الله تعالى رضوانه والجنة، ويستعيذ به من النار، ويستحبُّ الإكثار من التلبية، ويستحب ذلك في كل حال قائمًا، وقاعدًا، وماشيًا، وراكبًا، ومضطجعًا، ونازلًا، وسائرًا، ومُحدِثًا، وجُنبًا، وحائضًا، وعند تجدد الأحوال وتغايرها زمانًا ومكانًا، وغير ذلك، كإقبال الليل والنهار، وعند الأسحار، ــ بن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا ولفظ الشافعي سمع النبي ﷺ رجلًا يقول لبيك عن فلان فقال إن كنت حججت فلب عنه وإلَّا فاحجج عن نفسك ثم حج عنه وشبرمة بشين معجمة مضمومة ثم موحدة ساكنة ثم راء مضمومة. قوله: (نوَيْتُ الحَجَّ) لا بد أن يقصد عند نية الحج كونه عن فلان وإلَّا فمتى غفل من ذلك انعقد الإحرام لنفسه. فصل قوله: (ويُستَحبُّ أَنْ يُصلي عَلَى رسولِ الله ﷺ الخ) أي والأكمل صلاة التشهد وليضم إليها السلام لكراهة أفراد أحدهما عن الآخر كما تقدم في كلام المصنف وأسند الحافظ إلى الدارقطني عن القاسم بن محمد يعني ابن أبي بكر الصديق ﵄ أنه كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ . قوله: (ويسأَلُ الله تَعَالى رِضْوانَهُ) أي ثم يسأل كما قاله الزعفراني وذلك للاتباع أسند الحافظ إلى الدارقطني عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته ورضوانه واستعاذ برحمته من النار وسنده من طريق الطبراني في المعجم الكبير عن خزيمة ﵁ مرفوعًا أيضًا. قوله. (ويستَحَبُّ الإكثارُ منَ التَّلبيَةِ) أي للاتباع أخرج عن الشافعي عن محمد بن الشافعي عن محمد بن المنكدر أن النبي ﷺ كان يكثر من التلبية قال الحافظ هذا حديث مرسل ومحمد بن أبي حميد أي الراوي عن ابن المنكدر

стр. 1473

واجتماع الرِّفاقِ، وعند القيام والقعودِ، والصعودِ والهبوط، والركوب والنزولِ، ــ ضعيف وأخرج الحافظ عن الشافعي عن سعيد بن سالم قال حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر إنه كان يلبي راكبًا ونازلًا ومضطجعا قال الحافظ هذا حديث موقوف لا بأس بسنده في الذكر ونحوه واستدل البيهقي للإكثار من التلبية بحديث سهل بن سعد ﵄ قال قال رسول الله ﷺ ما لبى ملب إلا لبى الذي يليه من ها هنا وها هنا عن يمينه وشماله وفي رواية إلَّا لبى عن يمينه وعن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال الترمذي حديث حسن صحيح وقال الحاكم على شرط مسلم قال الحافظ ويلتحق بهذا الحديث ما أخرجه الطبراني بسند حسن عن ربيعة مرفوعًا ما أضحى مؤمن ملبيًا حتى تغيب الشمس إلَّا غابت بذنوبه وذكر الرافعي في الشرح من حديث جابر إن النبي ﷺ كان يلبي في حجه إذا لقي كربًا أو علًا أكمة أو هبط واديًا وفي أدبار المكتوبة وآخر النهار وهذا الحديث بيض له الحافظ المنذري والحازمي في تخريج أحاديث المهذب وكذا النووي في شرحه ويقال إن الحافظ عبد الله بن محمد بن ناجية أسنده في فائده ولم أقف عليه اهـ، وأخرج سعيد بن منصور في السنن من طريق عبد الرحمن بن سابط قال كان سلفنا لا يدعون التلبية عند الزحام وإشرافهم على أكمة وهبوطهم بطون الأودية وعند الفراغ من الصلاة ومن طريق أصحاب ابن مسعود نحوه وزاد أو يقول راكبًا وبالأسحار ومن طريق إبراهيم النخعي قال تستحب التلبية إذا استويت على بعيرك فذكر نحو الذي قبله وعن ابن عباس زينة الإحرام التلبية وزاد الحافظ قبيل أذكار فضل مني عن ابن الزبير وسعيد بن جبير زينة الإحرام التلبية وعن مكحول شعار الحج التلبية وعن مجاهد مثله. قوله: (واجتِماع الرِّفاقِ) هو بكسر الراء واحده رفقة وهي الجماعة سموا بذلك لأن بعضهم يرتفق ببعض وجمع الرفيق رفقاء. قوله: (والصُّعودِ والهُبوطِ) أي بضم أولهما إما بالفتح فهما اسما مكانهما كما في التحفة وذكره الراغب في المفردات. قوله: (والرُّكوب) اختلف هل يقدمها على ذكر الركوب وهو سبحان الذي سخر لنا هذا الخ، أو يبدأ به عليها، بالثَاني قال عطاء وبالأول قال إبراهيم النخعي

стр. 1474

وأدبار الصلوات، وفي المساجد كلها، والأصح أنه لا يلبي في حال الطواف والسعي، لأن لهما أذكارا مخصوصة. ويستحبُّ أن يرفع صوته بالتلبية بحيث لا يشق عليه، ــ أخرجه سعيد بن منصور كذا في مختصر التنبيه. قوله: (وأَدْبارِ الصلوَاتِ) أي ويقدمها على الأذكار المشروعة بعدها كما اقتضاه كلامهم وعبارة الإيضاح وبعد الفراغ من الصلاة وهي مقتضية لما ذكر ويؤيده ما تقدم في التكبير المفيد إنه يقدم على أذكارها. قوله: (والأَصَحُّ لَا يلبي في الطَّوافِ والسَّعْي الخ) تعقبه الحافظ بأن ما ذكره لا يستلزم ترك استحباب التلبية قال الشافعي في الأم ورد في السعي والطواف تكبير ودعاء فأحب ذلك ولا تكون التلبية مكروهة اهـ، وفيه أن المراد من كلام المصنف عدم مشروعة التلبية فيما ذكر لا كراهتها وعبارة المنهاج ولا تستحب في طواف القدوم وفي القديم تستحب بلا جهرًا انتهت ثم كلامه شامل لطواف النفل قبل الشروع في أسباب التحلل ومنه طواف الوداع يوم خروجه لعرفة فلا يلبي فيه وهو ما اقتضاه كلام المحب الطبري قبل وتعليله يقتضي تقييد عدم الاستحباب بما له ذكر مخصوص في الطواف أما المحل الذي لا ذكر له مخصوص فتسن فيه التلبية ونوقش فيه بأن قضية كلامهم إنه لا يلبي في طواف القدوم ولو في المحال التي لا ذكر لها وتكره التلبية في موضع النجاسات كغيرها من الأذكار. قوله: (ويُستَحَبُّ أَن يَرْفعَ صوتهُ بالتَّلبِيةِ الخ) أي لحديث السائب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال أتاني جبريل عليه اللام فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال حديث صحيح أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وروي أيضًا من حديث زيد بن خالد وزاد في آخر حديثه فإنه من شعار الحج قال ابن حبان بعد تخريجه من الوجهين سمعه خلاد بن السائب من أبيه ومن زيد بن خالد فالطريقان محفوظان ولفظهما مختلف كذا قال قال الحافظ والمحفوظة هي رواية خلاد عن أبيه ورواه أحمد والطبراني عن خلاد عن أبيه بلفظ يا محمد كن عجابا ثجاجًا وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة والبزار عن أبي بكر الصديق رضي الله

стр. 1475

وليس للمرأة رفع الصوت، لأن صوتها يخاف الافتتان به. ــ عنه قال سئل ﷺ أي الحج أفضل قال العج والثج قال الترمذي العج رفع الصوت بالتلبية قال الحافظ وقع هذا التفسير مرفوعًا في حديث ابن مسعود أخرجه أبو يعلى بسند جيد في المتابعات وأخرج أبو منصور في مسند الفردوس عن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة أصوات يباهي بها الله الملائكة الأذان والتكبير في سبيل الله ورفع الصوت بالتلبية قال الحافظ هذا حديث غريب. فائدة قال ابن حبان يسن للملبي إدخال أصبعيه في أذنيه لقوله ﷺ لما وصل إلى وادي الأزرق كأني انظر إلى موسى واضعًا أصبعيه في أذنيه له جؤار بالتلبية وقد ينظر فيه بأن أصل ذلك لا يثبت به سنيته على قواعد أصحابنا إلَّا أن يؤخذ ذلك من أن سياق حكايته ﷺ عند ذلك يدل على الثناء عليه به ترغيبا في التأسي به فيه والله أعلم. فائدة أخرى يسن رفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ عقب التلبية ويكون دون الرفع بالتلبية وكذا يسن لكل من يصلي ويسلم على النبي ﷺ أن يرفع صوته من غير إفحاش في المبالغة وقضيته إنه لا فرق في ذلك بين من اتخذها ورده وأكثر منها وغيره وهو متجه إن أمن على نفسه الرياء وحصول ضرر له أو لغيره وينبغي أن يكون رفع صوته بالدعاء عقب التلبية والصلاة دون صوته بهما كما بحثه الزركشي. قوله: (ولَيسَ للْمرْأةِ الخ) مثلها فيما ذكر الخنثى فيسن لكل منهما إسماع أنفسهما فقط وتكره لهما الزيادة على ذلك وفارق حرمته في الأذان بأن كل أحد مشغول بتلبية نفسه هنا ولا يسن الإصغاء للتلبية ولا النظر للملبي بخلاف الأذان في جميع ذلك أخرجه الحافظ من طريق الرعدي عن محمد بن إسماعيل الواسطي عن ابن نمير عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر قال كنا إذا حججنا مع رسول الله ﷺ نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان وقال الترمذي لا نعرفه إلّا من هذا الوجه وقد أجمع أهل العلم على أن المرأة تلبي عن نفسها يكره لها رفع الصوت قال الحافظ وسند الحديث ضعيف لضعف أشعث

стр. 1476

ويستحب أن يكرر التلبية كل مرة ثلاث مرات فأكثر، ويأتي بها متواليةً لا يقطعها بكلام لا غيره. وإن سلم عليه إنسان ردَّ السلام، ويكره السلام عليه في هذه الحالة. ــ بن سوار وعنعنة أبي الزبير ومتنه شاذ فقد أخرجه الإمامان أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنديهما عن عبد الله بن نمير عن جابر بهذا السند فلم يذكرا النساء وأخرج الحافظ من وجه آخر عن عبد الله بن نمير عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر قال حججنا مع رسول الله ﷺ فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم قال الحافظ قال شيخنا العراقي في شرحه هذا اللفظ هو الصواب قال الحافظ قلت اتفق عليه ثلاثة من الحفاظ وشذ عنهم الواسطي وقد أجاب المحب الطبري على تقدير ثبوته بأن المراد بالتلبية عن النساء رفع الصوت عنهن وهو حمل جيد لولا الشذوذ وقد أخرج البيهقي بسند حسن عن كريب قال بعثني ابن عباس مع ميمونة ﵃ يوم عرفة فاتبعت هودجها فلم أزل أسمعها تلبي حتى رمت جمرة العقبة ثم كبرت اهـ. قوله: (ويُستَحَب أَنْ يكَرِّر التَلبيةَ ثلاثَ مرَّاتٍ) أي ويصلي بعدها على النبي ﷺ وهذه العبارة للشافعي واختلف في مراده بتكرار التلبية ثلاثًا فقيل أن يكرر قوله لبيك ثلاث مرات وقيل يكرر قوله لبيك اللهم لبيك والذي قطع به الروياني في الحلية وتبعه الشيخان إنه يكرر جميع التلبية وعبارة الروضة ويستحب أن يكررها ولم يقيده بعدد وهي كعبارته هنا لكن في الإيضاح له "ويسن تكرار التلبية في كل مرة ثلاث مرات" وعلى ذلك عبارة المتأخرين ونسخة الحافظ التي أملى عليها من هذا الكتاب "ويستحب أن يكرر التلبية مع كل مرّة ثلاث مرات" ثم قال قلت لم أجد له مستندًا خاصًّا ويحتمل أن يكون أخذه من حديث أنس المرفوع في الصحيح كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثًا الحديث ولأبي داود والنسائي وابن حبان من حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان يعجبه أن يدعو ثلاثًا وأن يستغفر ثلاثًا وأصله في مسلم بلفظ كان إذا دعا دعا ثلاثًا وإذا سأل سأل ثلاثًا اهـ. قوله: (رد ﵇ أي يسن له أن يرد عليه

стр. 1477

وإذا رأى شيئًا فأعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة، اقتداءً برسول الله ﷺ . ــ باللفظ وإن كره ابتداؤه به كما قالوه في باب السير وتأخيره إلى فراغها أحب كما في المؤذن ويفرق بين عدم وجوب الرد عليهما وبين وجوبه على القارئ بتفويته لشعارهم بخلاف القارئ وبين الندب هنا وعدمه للمؤذن بأنه ثم قد يخل بالإعلام المؤدي إلى لبس بخلافه هنا وقد تقدم في باب الأذان تحقيق لذلك. قوله: (وإذَا رأَى شَيئًا) قال بعض المحققين الذي يظهر إن رأى هنا بمعنى أدرك ليشمل الإدراك بحاسة من الحواس. قوله: (فأَعْجبهُ) أي أو ساءه كما نص عليه في الأم للاتباع فيهما لكن الوارد في قوله عند الإعجاب بأمته يوم عرفة لبيك إن العيش عيش الآخرة وعند الإساءة يوم الخنددق لما رآهم وقد نهكت أبدانهم واصفرت ألوانهم اللهم إن العيش عيش الآخرة ونقل الزركشي في الخادم إنه ﷺ قال لما اشتد عليهم الخندق لبيك إن العيش عيش الآخرة الخ. وحينئذٍ فالظاهر أنه يأتي بلبيك في الحالين محرمًا كان أولًا والمراد بها أني مقيم على إجابة داعي طاعتك حسب الإمكان وعلى الأول الذي نقله ابن حجر الهيتمي في حاشية الإيضاح فيؤخذ منه إن من في نسك يأتي بالتلبية في الحالين ومن ليس في نسك يأتي باللهم إن العيش عيش الآخرة فيها ما قال ابن حجر الهيتمي وهو ظاهر وإن لم أر من صرح به وحكمته أنها تحمل في الإعجاب على الشكر وفي الإساءة على الصبر إذ معناه إن الحياة المطلوبة الهنيئة الدائمة هي حياة الدار الآخرة أي فلا تحزني على فوت محبوب ولا تجزعي من وقوع مكروه وقيل معناه العمل بالطاعة وما أحسن قول بعض المتأخرين: لا تنظرن إلى الثياب الفاخرة ... وانظر عظامك حين تبقى ناخره وإذا نظرت إلى حلي فيها فقل ... لبيك إن العيش عيش الآخره وأورد الحافظ مستند ما ذكره المصنف من قول ما ذكر إذا أعجبه من طريق الشافعي عن مجاهد قال كان النبي ﷺ يظهر من التلبية لبيك اللهم لبيك إلى آخرها حتى إذا كان ذات يوم والناس يدفعون عنه فكأنه أعجبه ما هو فيه فقال لبيك إن العيش عيش الآخرة قال

стр. 1478

واعلم أن التلبية لا تزال مستحبة حتى يرميَ جمرةَ العقبة يوم النحر أو يطوف طواف الإفاضة إن قدَّمه عليها، فإذا بدأ بواحد منهما ــ ابن جريج وحسبت أن ذلاك كان يوم عرفة قال الحافظ هذا مرسل وقد جاء بعضه موصولًا عن جميل بن الحسن حدثنا محبوب بن الحسن حدثنا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وقف بعرفة فلما قال لبيك اللهم لبيك قال إنما الخير خير الآخرة قال الحافظ بعد أن أخرجه قال سليمان لم يروه عن داود إلَّا محبوب قلت وقد رواه غيره كما سيأتي ورواته موثقون وجميل فيه مقال ولا بأس به في المتابعات وقد صححه ابن خزيمة وأخرجه عن جميل بهذا السند وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن جميل وقال صحيح وليس كما قال بل هو معلول أخرجه سعيد بن منصور عن هشيم عن داود بن أبي هند عن عكرمة بن خالد المخزومي أنه سئل عن التلبية يوم عرفة ويوم النحر فقال أوليس كان رسول الله ﷺ بعرفة إذ أبصر النّاس حوله فقال لبيك اللهم لبيك أن الخير خير الآخرة فكأنه وقع في رواية جميل عكرمة غير منسوب فظن أنه مولى ابن عباس ووصل الحديث بذكر ابن عباس وهشيم أحفظ من محبوب وأعرف بحديث داود فروايته هي الراجحة اهـ. قوله: (وَلا يَزالُ الخ) أي للاتباع أخرج الشيخان في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس عن أخيه الفضل بن العباس ﵃ إن رسول الله ﷺ أردفه من المزدلفة قال فلم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة أخرجاه مطولًا ومختصرًا وأخرجا من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ أردفه من عرفة إلى مزدلفة ثم أردف الفضل فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وورد عن عبد الله بن مسعود أخرجه الحافظ من طريق الإِمام أحمد عن عبد الله بن سخبرة قال خرجت مع عبد الله بن مسعود من مني إلى عرفة فكان يلبي وكان بزي الأعراب فقال له أناس يا أعرابي ليس هذا يوم التلبية هذا يوم تكبير فالتفت إلي فقال أجهل النّاس أم نسوا والذي بعث محمدًا بالحق لقد خرجت مع رسول الله ﷺ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلَّا أن يخلطها بتكبير أو تهليل قال الحافظ بعد تخريجه

стр. 1479

قطع التلبية مع أول شروعه فيه، واشتغل بالتكبير. قال الإِمام الشافعي ﵀: ويلبي المعتمر حتى يستلم الركن. ــ هذا حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة والحاكم والطحاوي ورجاله متفق عليهم إلَّا الحارث بن عبد الرحمن وهو المعروف بابن أبي ذباب بضم الذال المعجمة وباءين موحدتين فمن رجال مسلم وكذا الراوي عنه صفوان بن عيسى وقد أخرج مسلم نحو هذا الحديث عن ابن مسعود فأخرج عن عبد الرحمن بن يزيد إن ابن مسعود لبى حتى أفاض من جمع فقيل أعرابي هذا فقال عبد الله أنسي النّاس أم ضلوا سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان لبيك اللهم لبيك وحديث ابن مسعود هذا يعني الأخير يعضد ما حكاه في شرح المهذب عن النهاية عن القفال من أنهم إذا رحلوا من مزدلفة خلطوا التلبية بالتكبير في مسيرهم فإذا أخذوا في الرمي محضوا التكبير قال الإِمام لم أره لغير القفال قال الحافظ لعل مستنده هذا الحديث اهـ. قوله: (قطَع التلْبيَةَ معَ أَولِ شُروعِهِ) قال في المهذب ويقطع التلبية مع أول حصاة لما روى الفضل بن عباس أن النبي ﷺ لبى حتى رمى جمرة العقبة ولأن التلبية للإحرام فإذا رمى فقد شرع في التحلل قال المصنف في شرحه حديث الفضل في الصحيح ويكبر مع كل حصاة قال الحافظ التعليل واضح لكن الخبر ليس صريحًا في المراد وقد أخرج ابن خزيمة حديثين في أحدهما قطع التلبية مع أول حصاة ولفظه عن ابن مسعود قال دفعت مع النبي ﷺ فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة وفي الآخر قطعها مع آخر حصاة ولفظه عن ابن عباس عن الفضل أخيه قال أفضت مع رسول الله ﷺ فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر حصاة قال ابن خزيمة هذا أولى لأنه مثبت اهـ. قلت وكأن الأصحاب قدموا الأول لما قام عندهم فيه ومنه المعنى السابق في كلام المهذب أي أنها للإحرام فإذا رمى الخ. قوله: (قَال الإمامُ الشافِعيُّ الخ) قال الحافظ قلت لم يصرح بنقل خبر فيه وقال في شرح المهذب قال أصحابنا وكَذا المعتمر يقطع التلبية بشروعه في الطواف اهـ، وقد ورد في ذلك أثر أسنده الشافعي موقوفًا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال يلبي المعتمر حتى يستلم الركن قال الحافظ

стр. 1480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعد تخريجه هذا موقوف صحيح أخرجه البيهقي ونقل عن الشافعي إن بعض من لا يرضى حفظه أورده مرفوعًا قال الحافظ أخرجه أبو داود والترمذي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء به ثم قال رواه عبد الملك بن أبي سلمان وغيره عن عطاء موقوفًا قال الحافظ ورواية عبد الملك هذا أخرجها الطبراني وأخرج رواية ابن أبي ليلى المرفوعة أيضًا وأخرجه من طريق ليث بن أبي سليم عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا أيضًا وزاد ويلبي في الحج حتى يرمي جمرة العقبة وابن أبي ليلى وليث مضعفان من قبل حفظهما وأخرج الحافظ عن عمر بن ذر عن مجاهد قال كان ابن عباس يقطع التلبية في العمرة حتى يستلم الحجر وكان ابن عمر يقطعها إذا رأى بيوت مكة ثم يقبل على التكبير وقال بعد تخريجه هذا موقوف صحيح أخرجه مالك عن نافع نحوه في الحج لكن قال إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يلبي حتى يغدو من مني إلى عرفة وكان يترك التلبية في العمرة إذا دخل الحرم وأخرج الحافظ عن الشافعي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال يلبي في العمرة حتى يفتتح الطواف بالبيت مستلما وغير مستلم هذا موقوف صحيح وهو يبين المراد من قوله حتى يستلم وورد أثر ليث بن أبي سليم في ذلك عن ابن عباس موقوفًا عليه أخرجه البيهقي. خاتمة قال الحافظ ذكر المصنف فيما مضى استحباب تكرار التلبية واغفل ما ذكره في مجموعه فإنه قال لا يستحب الزيادة على تلبية رسول الله ﷺ بل يكررها ثم قال أصحابنا فإن زاد لم يكره ثم نقل عن العمراني أن الشيخ أبا حامد نقل عن بعض الحنفية أن الشافعي قال تكره الزيادة قال أبو حامد وهو غلط بل لا يكره ولا يستحب اهـ، وقد نقل الكراهة عن الشافعي بعض المراوزة وهو الفوراني في الآنية وكذا نقل الغزالي عن المسعودي وقال ابن عبد البر اختلفوا في الزيادة فيها يعني التلبية قال مالك أكره أن يزيد على تلبية رسول الله ﷺ وهو أحد قولي الشافعي وعن مالك لا بأس أن يزيد ما جاء عن ابن عمر وعن الشافعي لا أحب أن يزيد على تلبية رسول الله ﷺ قال الحافظ ظاهر الإطلاق أن المراد بالتلبية ما تقدم سياقه وقد جاء عن النبي ﷺ من طرق وجاءت عنه ألفاظ أخرى من قوله ومن تقريره أما

стр. 1481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القول فعن أبي هريرة قال كان من تلبية رسول الله ﷺ الله الحق قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه النسائي وابن خزيمة وقال النسائي تفرد به عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة ورواه إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن الفضل مرسلًا وأخرجه الحاكم من وجه آخر وابن حبان وأخرج الحافظ عن الشافعي أنه ذكر عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون عن عبد الله بن الفضل فذكره موصولًا وأخرجه البيهقي في كتاب المعرفة بسنده عن الحاكم كذلك قال الحافظ وعن الحاكم إجازة بهذا السند إلى الشافعي قال كان أكثر تلبية رسول الله ﷺ ما جاء في حديث جابر وابن عمر وهي التي أحب أن تكون تلبية المحرم إلَّا إن يزيد ما رواه أبو هريرة فإنه من التلبية لأن التلبية إجابة فكأنه أجاب بلبيك الله الحق قال الحافظ ووجدت للمتن شاهدًا من حديث ابن عباس عند البيهقي في الخلافيات وذكر الترمذي بعد تخريجه حديث ابن عمر عن الشافعي كلامًا في المعنى بلفظ آخر قال قال الشافعي فإن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم الله تعالى فلا بأس به إن شاء الله تعالى وأحب إليّ أن يقتصر على تلبية رسول الله ﷺ وإنما قلت لا بأس بزيادة تعظيم الله تعالى في التلبية لما جاء عن ابن عمر ﵄ لأنه حفظ التلبية عن رسول الله ﷺ ثم زاده لبيك والرغباء إليك والعمل الخ، وأكثر الروايات كما سبق في حديث ابن عمر بهذه الزيادة وقصرها عن ابن عمر وجاء في رواية لمسلم إن ابن عمر تلقاها عن عمر ﵄ إن النبي ﷺ يقول وذكر التلبية ثم قال لا يزيد على هؤلاء الكلمات قال وكان عبد الله بن عمر يقول كان عمر بن الخطاب ﵁ يهل بإهلال رسول الله ﷺ بهؤلاء الكلمات ويقول لبيك اللهم لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك والرغباء إليك والعمل قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه مسلم وأخرجه الحافظ عن أنس قال سمعت النبي ﷺ يقول لبيك حقًّا حقًّا تعبدا ورقا وقال الحافظ بعد تخريجه حديث غريب أخرجه الدارقطني في الأفراد وقال تفرد به الحاكم بن سنان المحاربي عن هشام عن محمد بن سيرين عن أخيه سعيد عن أخيه أنس بن سيرين مرفوعًا ورواه النضر بن شميل عن هشام موقوفًا قال وقد روي

стр. 1482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن النضر مرفوعًا ثم ساقه عنه مرفوعًا قال الحافظ وكذلك أخرجه البزار قال سمعت بعض أصحابنا يحدث عن النضر بن شميل فذكره مرفوعًا ولم يسم من حدثه به ولعله يحيى بن محمد بن أعين ولم يقع في رواية النضر ذكر معبد وأخرجه البزار أيضًا من رواية حماد بن يزيد عن هشام موقوفًا ولم يذكر في السند معبدًا ورجح هذه الرواية متنًا وإسنادًا قال الحافظ وهو كما قال وقال ابن حجر الهيتمي في حواشي الإيضاح روى ابن المنذر مرفوعًا لبيك حقًّا حقًّا تعبدًا ورقًا لكن الصحيح أنه موقوف على أنس اهـ، وأما تقريره ﷺ الزيادة فعن جابر أهل رسول الله ﷺ لبيك اللهم لبيك لبيك الخ، والناس يزيدون لبيك ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي ﷺ يسمع فلا يرد عليهم شيئًا حديث صحيح أخرجه أبو داود عن أحمد وأصله في مسلم في الحديث الطويل في صفة الحج ولفظه: وأهل النّاس بهذا الذي يهلون به فلم يرد عليهم رسول الله ﷺ شيئًا منه ولزم تلبيته قال الحافظ ووقع لي من وجه آخر تفسير بعض النحو ثم أخرج عن جابر قال ولبى النّاس لبيك ذا المعارج لبيك ذا الفواضل فلم يعب عليهم منه شيئًا وجاء عن عمر زيادة أخرى ذكرها ابن عبد البر بغير إسناد وتبعه عياض في الإكمال والقرطبي في المفهم قال الحافظ وقف أسندها ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن المسور بن مخرمة ﵄ قال كان عمر فذكر التلبية قال وزاد عمر لبيك مرغوبًا إليك ومرهوبًا منك يا ذا النعماء والفضل وأخرج عبد الرزاق حديث المسور هذا عن عمر بلفظ لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك لبيك مرغوبًا ومرهوبًا (قلت) قال ابن حجر الهيتمي عن عمر كان يزيد فيها لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك وأخرج الحافظ آثارًا في تلبية موسى وعيسى ويونس ثم ذكر الحافظ من أنكر الزيادة على التلبية وأخرج عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع رجلًا يقول لبيك ذا المعارج فقال إنه لذو المعارج ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ لا نقول ذلك وقال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن غريب ويقال إن عبد الله بن أبي سلمة لم يسمع من سعد وقد ذكره ابن خزيمة في صحيحه وقال قد يخفى على من تقدم في السنن والمرتبة ما يطلع عليه غيره ممن هو دونه في الأمرين كسعد وجابر فقد أثبت جابر ما نفاه سعد كما تقدم عن جابر أنه سمع من لبى بذلك والنبي ﷺ يسمع ذلك فلا ينكر وأخرج

стр. 1483

فصل: فإذا وصل المحرم إلى حرم مكة زاده الله شرفًا، استحب له أن يقول: اللَّهُم هَذَا حَرَمُكَ وَأمْنُكَ فَحَرِّمْني على النارِ، وأمِّنِّي مِنْ عَذَابِكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ، وَاجْعَلْني من أولِيائِكَ وأهْلِ طاعَتِكَ، ــ عن ابن عباس كان إذا لبى قال فذكر التلبية المشهورة ثم قال هذا التلبية انته إليه فإنها تلبية النبي ﷺ قال الحافظ وكل ذلك لا يمنع الزيادة لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ اهـ، وقال ابن حجر الهيتمي بعد إيراد جملة مما ذكر وهذا كله يرد على من قال بكراهة الزيادة، لكن قد يستشكل ما هنا بما قالوه في أذكار الطواف من أن كل ما فيه أثر عن أحد من الصحابة يكون مندوبًا مأثورًا فلم جعلوه ثم كذلك بخلافه هنا، وقد يجاب بأن الذي عهد منه ﷺ وواظب عليه جهارًا هنا هو ما في المتن فكان الاقتصار عليه أولى بذلك بخلافه ثم فإنه لم يعهد عنه مثل ذلك لأن أذكار الطواف خفية على أن ذاك مشكل خارج عن القواعد فلا يقاس عليه اهـ. فصل قوله: (إِلى حَرَم مكةَ الخ) قد نظم حدود الحرم المكي من قال: وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه وسبعة أميال عراق وطائف ... وجدة تسع ثم عشر جعرانه وزاد آخر: ومن يمن سبع بتقديم سينها ... وقد كملت واشكر لربك إحسانه وغير النصف الأخير الدميري بقوله ... لذلك سبل الحل لم يعد تبيانه والكلام على تحرير ذلك يستدعي طولًا زائدًا وقد ذكر جملة منه جدي في كتابه مثير شوق الأنام والشيخ ابن حجر الهيتمي في حواشي الإيضاح قوله: (استُحِب لهُ أَنْ يقُولَ اللهُمَّ الخ) ذكر المصنف في المجموع عن الماوردي أن جعفر بن محمد روى عن أبيه عن جده قال كان النبي ﷺ يقول عند دخول مكة اللهم البلد بلدك والبيت بيتك جئت أطلب رحمتك وألزم طاعتك متبعًا لأمرك راضيًا بقدرتك مستسلمًا لأمرك أسألك مسألة المضطر إليك المشفق من عذابك خائفًا لعقوبتك أن تستقبلني بعفوك وأن تتجاوز عني برحمتك وأن تدخلني جنتك قال الحافظ ولم يسنده الماوردي ولا وجدته موصولًا ولا الذي قبله وقد بيض له من خرج

стр. 1484

ويدعو بما أحب. فصل: فإذا دخل مكة ووقع بصره على الكعبة ووصل المسجد، استحب له أن يرفع يديه ويدعو، فقد جاء أنه يستجاب دعاء المسلم عند رؤية الكعبة، ــ أحاديث المهذب كالحازمي والمنذري، وجعفر هذا هو الصادق وأبوه محمد هو الباقر وأما جده فإن كان الضمير لمحمد فهو الحسين بن علي ويحتمل أن يريد أباه علي بن أبي طالب لأنه الجد الأعلى وعلى الأول يكون مرسلًا وقد وجدت في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود قال لما طاف النبي ﷺ بالبيت وضع يده على الكعبة فقال اللهم البيت بيتك ونحن عبيدك نواصينا بيدك فذكره حديثًا وسنده ضعيف اهـ. قوله! (ويَدْعُو بمَا أَحَبّ) أي فإنه وافد والكريم لا يخيب وفده ودعاؤه أرجى للإجابة من حيث إنه مسافر وإنه جاء لأداء النسك وقد جاء: الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه أجابهم وإن سألوه أعطاهم الحديث. فصل قوله: (فَقدْ جاءَ أَنّه يُستَجابُ دُعاء المُسْلم عِندَ رُؤْيةِ الْكعبةِ) وقع في المهذب إذا رأى البيت دعا لما روى أبو أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال تفتح أبواب السماء وتجاب دعوة المسلم عند رؤية الكعبة ولم يذكر الشيخ المصنف في شرحه من خرجه بل قال حديث غريب غير ثابت قال الحافظ وقد خرجته فيما تقدم من باب الدعاء عند الإقامة من كتاب الصلاة ولفظه تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن عند التقاء الصفوف في الجهاد وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة وهذا لفظه في الطبراني الكبير من حديث أبي أمامة اهـ، وقد تقدم كلامه فيه في ذلك الباب قال جدي في كتابه مثير شوق الأنام بعد قصة حكاها عن صاحب الكافي عن مصنف الهداية ما لفظه ظاهر هذه الحكاية التخصيص بأول الرؤية والمفهوم من حديث الطبراني التعميم وهو داخل في باب الفضيلة ونعم الله واسعة جزيلة يخص بها من يشاء والله ذو الفضل العظيم اهـ، وأخرج الحافظ من طريق الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ترفع الأيدي إذا رأيت البيت وعلى الصفا وعلى المروة وبعرفة وبجمع وعند رمي الجمرة وإذا أقيمت الصلاة قال الحافظ قال الطبراني لم يروه عن عطاء إلّا ورقاء ولا عن ورقاء إلا سيف بن عبد الله قال الحافظ قلت سنده من شرط الحسن فقد أخرجه الطبراني

стр. 1485

ويقول: اللهم زِدْ هذا البَيْتَ ــ في الكبير من وجه آخر عن مقسم عن ابن عباس وللحديث طرق في بعضها زيادة على هذا اهـ. قوله: (ويَقولَ اللَّهم زِدْ الخ) ظاهر كلام المصنف هنا أن نحو الأعمى ومن في ظلمة لا يأتي بهذا الذكر لأنه لم يقع بصره على البيت ولذا عبر بعضهم بقوله ويقول عند لقاء البيت اللهم الخ. أخرج الشافعي عن ابن جريج قال كان النبي ﷺ إذا رأى البيت قال اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابةً وبرًّا قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الباقر بهذا السند وهذا حديث معضل لأن ابن جريج ليس له سماع من صحابي وإن كان له إدراك فبينه وبين النبي ﷺ اثنان أو أكثر وقد أخرجه البيهقي من طريق الشافعي ثم أخرجه من طريق مكحول عن النبي ﷺ مرسلًا وله طرق أخرى موصولة في سندها مقال وأخرج عبد الرزاق عن أبي سعيد عبد القدوس عن مكحول هذا الحديث مرسلًا وفيه غير ذلك وزاد في المتن مهابة في الشخص وبرًّا في البيت وقد أنكر الشيخ المصنف في شرح المهذب على المزني إيراده كذلك ونقل عن الأصحاب في جميع الطرق موافقة ما نقلناه آنفا من رواية ابن جريج وأنهم اتفقوا على تغليط المزني قال وممن نقل الاتفاق صاحب البيان قال الحافظ قلت وافق المزني صاحب الحاوي الكبير ووقع في الوجيز ذكر البر في الموضعين قال الشيخ يعني المصنف إنه مردود قال الحافظ ومثله في الحديث الذي أشرف إليه ثم أخرج الحافظ من طريق الطبراني في كتاب الدعاء عن حذيفة بن أسيد بفتح الهمزة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا نظر إلى البيت قال اللهم زد بيتك هذا تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً وبرًّا وزد من عظمه وشرفه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا ومهابةً وبرًّا قال الطبراني في الأوسط لا يروى عن حذيفة إلَّا بهذا الإسناد تفرد به عمر بن يحيى يعني الإبلي بضم الهمزة والموحدة قال الحافظ وفيه مقال وشيخه عاصم بن سليمان الكرزي بضمِّ الكاف وسكون الراء وبعدها زاي منقوطة نسبة إلى قبيلة نسبه هكذا الطبراني في المعجم وليس هو عاصم بن

стр. 1486

تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، ــ سليمان الأحول المخرج له في الصحيحين كما ظنه بعض الفقهاء فرجح هذا الطريق على طريق ابن جريج، بل عاصم هذا هو الكرزي ذكروه في الضعفاء واتهموه بالكذب وصرح بعضهم بأنه يضع الحديث ولرواية ابن جريج متابعة جيدة أخرجها سعيد بن منصور في السنن عن برد بن سنان قال سمعت عبادة بن قسامة يقول إذا رأيت البيت فقل اللهم زد بيتك هذا فذكر مثل رواية ابن جريج وهذا مقطوع حسن الإسناد فتقوى به رواية ابن جريج فإن كان المزني استند إلى رواية مكحول فلا ينسب إلى الغلط * فأول راضي سنة من يسيرها فإنهم يستندون إلى مثل هذا لا سيما في الفضائل اهـ، وقال ابن حجر الهيتمي في حاشية الإيضاح قال المصنف كالرافعي هذا أي ما ذكر هو الوارد في الخبر ونص الأم والأصحاب وغلطوا ذكر المزني للمهابة فيهما بأن المهابة تليق بالبيت والبر يليق بالزائر إذ هي التوقير الإجلال وهو الاتساع في الإحسان وقيل الطاعة. قلت: ويصح وصف الزائر بالمهابة لما يلقيه الله له في القلوب من إجلال من يعظم شعائره قال ابن حجر في الحاشية: وجمعه في الوجيز بينهما في الأول ضعيف أيضًا وإن روى الأزرقي فيه حديثًا لأنه مرسل وفي إسناده ضعف والطبراني وابن ماجة حديثًا موقوفًا لأن في سنده متروكًا ولا يعارضه أن الخبر الذي أشار إليه الشيخان مرسل أيضًا لأنه أثبت منه فكان العمل به أولى ويصح وصف البيت بالبر من حيث كثرة زائريه اهـ. فأشار إلى أن وجه التغليط مخالفته لما ذكر الإِمام وجرى عليه الأصحاب والخبر الذي استند إليه إن ثبت معارض بما هو أثبت منه وأنسب بالمعنى فقدم عليه والله أعلم. وفي التحفة وجاء في مرسل ضعيف ومرفوع فيه متهم بالوضع وبرًّا أي زيادة في زائريه وأعرض عنه الأصحاب كأنه لعلة رأوها اهـ. قوله: (تَشريفًا) أي ترفيعًا وإعلاءً (وتعْظِيما) أي تبجيلًا (وتكريمًا) أي تفضيلًا وكان حكمة تقديم التعظيم على

стр. 1487

وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّن حَجَّه أو اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْريمًا وتَعْظِيمًا وَبِرًّا. ويقول: اللهُم أنْتَ السلامُ وَمِنْكَ السلامُ، حَيِّنا رَبنا بالسلامِ، ثم يدعو بما شاء من خيرات الآخرة والدنيا، ويقول عند دخول المسجد ما قدمناه في أول الكتاب في جميع المساجد. ــ التكريم في البيت وعكسه في قاصده إن المقصود بالذات في البيت إظهار عظمته في النفوس حتى يخضع لشرفه ويقوم بحقوقه ثم كرامته بإكرام زائريه بإعطائهم ما طلبوه وإنجازهم ما أملوه وفي زائره وجود كرامته عند الله تعالى بإسباغ رضاه عليه وعفوه عما جناه واقترفه ثم عظمته بين أبناء جنسه بظهور تقواه وهدايته أيضًا ويرشد إلى هذا ختم دعاء البيت بالمهابة الناشئة عن تلك العظمة إذ هي التوقير والإجلال وختم دعاء الزائر بالبر الناشئ عن ذلك التكريم إذ هو الاتساع في الإحسان فتأمله أشار إليه بعض المتأخرين. قوله: (وزِدْ مَن شَرَّفَه) الذي عليه الأكثر إن الضمير المستتر يعود إلى الزائر والبارز إلى البيت أي زد الزائر الذي شرف البيت الخ، وقال بعض أرباب الإشارات بالعكس أي زد من شرف البيت في الدنيا بأحداث وصف شرف له نحو الحاج والمعتمر وفي العقبى بنيل المطلوب من مرضاة الله والله أعلم. قوله: (أَنْتَ السلامُ) قيل هو من أسمائه تعالى ومعناه ذو السلامة من النقائص أي السلامة من كل ما لا يليق بجلال الربوبية وكمال الألوهية أو المسلم لعبيدك من الآفات. قوله: (ومنكَ والسلامُ) أي الأمن مما جنيناه والعفو عما اقترفناه وهذا الدعاء أي اللهم أنت السلام الخ. أخرجه الحافظ عن سعيد بن المسيب قال سمعت من عمر كلمة لم يبق من سمعها منه غيري سمعته يقول: إذا رأيت البيت فقل اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام وقال بعد تخريجه هذا حديث موقوف غريب أخرجه الشافعي وسعيد بن منصور وعبد الرزاق عن سعيد بن المسيب وله طريق آخر عند الشافعي عن ابن المسيب أيضًا لكن من قوله نفسه لم يذكر فيه عمر قال الحافظ وسنده أصح مما قبله وله عند عبد الرزاق طريق أخرى عن سعيد بن المسيب.

стр. 1488

فصل في أذكار الطواف: يستحبُّ أن يقول عند استلام الحجر الأسود وعند ابتداء الطواف أيضًا: بِسْم اللهِ واللهُ أكْبرُ، اللهُم إيمانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكتابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ واتباعا لِسُنةِ نَبِيِّكَ ﷺ . ــ فصل قوله: (يُسْتحَبُّ أَنْ يقولَ) أي سرًّا هنا وفيما يأتي لأنه أوفر للخشوع نعم يسن الجهر به لتعليم الغير حيث لا يتأذى به أحد. قوله: (استِلامِ الحَجرِ) افتعال قيل من السلام بفتح السين أي التحية وقيل من السلام بالكسر أي الحجارة واحدتها سلمة بكسر السلام قال الشاعر: ذاك خليلي وذو يواصلني ... يرمي ورائي بامسهم وامسلمه والأسود وصف للحجر يجوز أن يكون من السودد أو السواد وتردد بعضهم في أن هذا الوصف هل كان يطلق عليه قبل اسوداده أولًا وبفرض إطلاقه عليه حينئذٍ فيتعين كونه من السودد ثم محل الحجر قائم مقام الحجر لو فقد الحجر والعياذ باللهِ تعالى فيما يستحب من استلام وتقبيل وسجود وذكر يقال عنده، وسكت المصنف عن النية وهي فرض فيه إن لم يكن مندرجا في نسك وإلا كطواف الركن لا يجب فيه اكتفاء بنية النسك المستحبة عليه نعم يعتبر فقد الصارف، ومحل النية الواجبة آخر جزء من الحجر مما يلي الباب والسنة أن يقف بجانب الحجر مما يلي الركون اليماني ويكون خارجًا بجميع بدنه وينوي حينئذٍ ويستمر ذاكرًا لها حتى يجاوز ما اعتبر مقارنة النية له والله أعلم. قوله: (بسْمِ الله) أي أطوف (الله أَكبَرُ) أي من كل من هو بصورة معبود من حجر أو غيره ومن ثم ناسب ما بعده أي قوله: (اللهم إِيمَانًا بك) أؤمن أو أطوف فإيمانًا مفعول مطلق أو لأجله. قوله: (ووفاء بِعَهْدِكَ) أي المأخوذ يوم "ألست" لما قيل إنه كتب وأدرج في الحجر ويومئ إليه خبر أنه يشهد لمن استلمه بحق أي إسلام وقيل المراد به هو ما ألزمنا به نبينا ﷺ من امتثال الأوامر واجتناب المناهي. قوله: (لِسُنَّةِ) أي طريقة ثم هذا الذكر ذكره البيهقي في المعرفة عن الحاكم إجازة عن الأصم عن الربيع عن الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج قال أخبرت أن بعض أصحاب النبي ﷺ قال يا رسول الله ما نقول إذا استلمنا الركن قال قولوا بسم الله والله أكبر اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك وما جاء به محمد ﷺ وأخرجه عبد الرزاق بسند فيه عبد القدوس

стр. 1489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو ضعيف عن مكحول مرسلًا ونسب الشيخ في المهذب هذا الحديث إلى رواية جابر فقال الشارح حديث جابر أخرجه مسلم عنه بلفظ إن النبي ﷺ لما قدم أتى الحجر فاستلمه الحديث وليس فيه شيء من هذا الذكر والظاهر أنه حديث آخر لجابر وذكر في المهذب حديث الحارث عن علي ﵁ أنه كان إذا استلم الحجر قال اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك واتباعًا لسنة نبيك قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث موقوف غريب أخرجه البيهقي ثم ذكر عن الطبراني إنه تفرد بعض الرواة به فقال لم يروه عن أبي العميس بمهملتين مصغرًا إلَّا حفص بن غياث تفرد به إبراهيم بن محمد الشافعي ولا نعلم أسند أبو العميس عن أبي إسحاق إلَّا هذا الحديث قال الحافظ وقد وقع لي من وجه آخر فذكره عن يونس بن حبيب حدثنا سليمان بن داود الطيالسي حدثنا المسعودي عن أبي إسحاق عن الحارث فذكر نحوه وأوله كان إذا مر بالحجر الأسود فرأى عليه زحامًا استقبله وكبر قال الحافظ وكنت أظن أن المسعودي هو عبد الرحمن المشهور ثم ظهر لي أنه أبو العميس وهو مسعودي أيضًا واسمه عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فترد رواية أبي داود على دعوى تفرد حفص وفي الحديث علتان ضعف الحارث وتدليس أبي إسحاق ثم قال الشيخ في المهذب وعن ابن عمر مثله وأشار به إلى ما رواه الطبراني في الدعاء عن نافع عن ابن عمر إنه كان إذا استلم الركن قال بسم الله والله أكبر هذا حديث موقوف صحيح أخرجه أحمد قال الحافظ وبالسند إلى عبد الرزاق حدثنا ابن جريج عن نافع فذكر مثله وأما بقيته فبالسند الماضي إلى الطبراني في الأوسط عن نافع قال كان ابن عمر إذا استلم الحجر قال اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك واتباعًا لسنة نبيك قال الحافظ قال الطبراني لم يروه عن محمد بن مهاجر الراوي عن نافع إلَّا عون بن سلام وقول الرافعي إنه مروي عن النبي ﷺ رده الأذرعي وغيره بأنه لا يعرف له مخرج قال الحافظ وأصل التكبير في ابتداء الطوفات في صحيح البخاري من حديث ابن عباس قال طاف النبي ﷺ على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء وكبر وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن عباس أتم منه اهـ. قوله:

стр. 1490

ويستحبُّ أن يكرر هذا الذِّكْر عند محاذاة الحجر الأسود في كل طوفة، ويقول في رَمَله في الأشواط الثلاثة: "اللهُم اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا". ــ (ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُكرر الخ) قال الحافظ ذكره الشافعي عقب رواية ابن جريج وزاد مع التكبير التهليل قال وأما إن ذكر الله وصلى على نبيه فحسن اهـ، وسبق أن لمحل الحجر لو رفع والعياذ بالله حكمه قوله: (في رَمَلهِ) هو بفتح أوليه عبارة عن إسراع مشيه مع مقاربة خطاه وظاهر كلامه أنه يكرر هذا الذكر في جميع أجزاء الأشواط التي يرمل فيها وظاهر كلام التنبيه إنه يأتي به مع التكبير أوله حذاء الحجر وفيما عداه يدعو بما أحب وأقره عليه المصنف في التصحيح واعتمده الأسنوي لكن اعترض عليه بأن ظاهر كلام الشيخين والأم أن ذلك لا يختص به بل لمحاذاة الحجر ذكر يخصها عند كل طوفة كما مر وعليه فيقوله في الأماكن التي ليس لها ذكر مخصوص وظاهر كلامه أن المعتمر يعبر بالحج أيضًا وهو ظاهر مراعاة للخبر ولأنها تسمى حجًّا لغة بل قال الصيدلاني أنها تسمى حجًّا شرعًا لقوله ﷺ العمرة هي الحج الأصغر، وقوله في رمله يفهم أن دعاء الرمل المذكور لا يندب إلَّا في طواف حج أو عمرة وهو كذلك، وفي تعبيره بالأشواط إيماء إلى عدم كراهة التعبير به لأنها تتوقف على النهي ولم يثبت وفي مختصر التفقيه إن السائب بن يزيد روى أن النبي ﷺ قال ذلك في أشواط رمله. قوله: (اجعلُه) أي ما أنا متلبس به من العمل المصحوب بالذنب والتقصير غالبًا بل دائمًا إذ الذنب مقول بالتشكيك على غير الكمال كالمغفرة. قوله: (حجًّا مبْرُورًا) أي سليمًا من مصاحبة الإثم من البر وهو الإحسان أو الطاعة. قوله: (وذَنبًا) أي واجعل ذنبي ذنبًا مغفورًا، قيل ودليل هذا الذكر الاتباع على ما ذكر الرافعي وقال الحافظ ذكره الشافعي وأسنده إليه البيهقي في الكبير وفي المعرفة ولم يذكر سند الشافعي به وسيأتي في القول في الرمل بين الصفا

стр. 1491

ويقول في الأربعة الباقية من أشواط الطواف: "اللهم اغْفِر وارْحَمْ، واعْفُ عما تَعْلَمْ وأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَم، اللهُم رَبنا آتِنا في الذنيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَة ــ والمروة نحو اهـ. قوله: (ويقُول في الأَربعَةِ الباقِيةِ) أي في المحال التي لا يخصها ذكر كما سبق بما فيه .. قوله: (رَب اغْفرْ) أي سائر الذنوب. قوله: (وارْحَمْ) أي تفضل بأنواع الإحسان من محض الفضل والامتنان. قوله: (واعفُ) أي تجاوز كما ورد كذلك في رواية ذكرها في مختصر التفقيه. قوله: (وأَنْتَ الأَعزُّ الأَكرَم) قال في مختصر التفقيه وروي وأنت العلي الأعظم. قوله: (اللهُم رَبنَا) هذا ما ورد في رواية وعبر به الشافعي وهو أفضل من غيرها وعبر في المنهاج والروضة والمناسك وبعض نسخ الأذكار بقوله اللهم آتنا واعترضه الأسنوي بأنه سهو لأنه في المجموع عبر كالرافعي بقوله ربنا الموافق للفظ الآية ولرواية أبي داود وغيره وأجيب بأنه رواية أيضًا خلافًا لمن زعم أنها كعبارة الشافعي لم ترد وقد يشير إلى ذلك قوله في الإيضاح بعد ذكره كذلك فقد ثبت ذلك الخ. ففيه دليل إن ما عبر به ليس بسهو والله أعلم. أشار إليه ابن حجر الهيتمي ولم يذكر الحافظ سوى رواية ربنا الخ. في الأحاديث المرفوعة والموقوفة ولم يبين الشيخ ابن حجر الهيتمي من خرجه باللفظين المذكورين ثم رأيت في الجامع الصغير عزوه بلفظ اللهم ربنا إلى ابن ماجة لكن من غير تقييد كونه في الطواف وأخرجه بلفظ اللهم آتنا أبو ذر من حديث ابن عباس كما في مثير شوق الأنام. قوله: (آتنَا في الدُّنيَا حَسَنَةً) الخ) تقدم الكلام على هذا الدعاء في باب أدعية الكرب ونريد هنا في ذلك فنقول. قوله: (فيِ الدُّنيَا) متعلق بآتنا أبو بمحذوف على أنه حال من (حَسَنَة) لأنه كان في الأصل صفة لها فلما قدم عليها انتصب حالًا والواو في. قوله: (وَفِي الآخِرَةِ) عاطفة شيئين على شيئين متقدمين ففي الآخرة عطف على في الدنيا بإعادة العامل و (حَسَنَة) عطف على حسنة والواو تعطف شيئين فأكثر على شيئين فأكثر تقول أعلم زيد عمرًا بكرًا فضالًا وبكرًا خالدًا صالحًا قال الحافظ ابن حجر اختلفت عبارات السلف في تفسير الحسنة فقيل هي العلم والعبادة في الدنيا وقيل الرزق الطيب والعلم النافع وفي الآخرة الجنة وقيل هي العافية في

стр. 1492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدنيا وفي الآخرة وقيل الزوجة الصالحة وقيل حسنة الدنيا الرزق الحلال الواسع والعمل الصالح وحسنة الآخرة المغفرة والثواب وقيل حسنة الدنيا العلم والعمل به وحسنة الآخرة تيسير الحساب ودخول الجنة وقيل من آتاه الله الإسلام والقرآن والأهل والمال والولد فقد آتاه في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ونقل الثعلبي عن سلف الصوفية أقوالًا أخرى متغايرة اللفظ متوافقة المعنى حاصلها السلامة في الدنيا والآخرة واقتصر في الكشاف على ما نقله الثعلبي عن علي أنها في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء وعذاب النار المرأة السوء وقال الشيخ عماد الدين بن كثير الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة حسنة وولد بار ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هنيء وثناء جميل إلى غير ذلك مما شملته عبارتهم فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع أكبر في العرصات وتيسبير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة وأما الوقاية من عذاب النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم وترك الشبهات اهـ. من الفتح ملخصًا قال العلقمي قال شيخنا الشهاب القسطلاني منشأ الخلاف كما قال الإِمام فخر الدين الرازي إنه لو قال (آتِنَا في الدنيا حَسَنَة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَة) لكان ذلك متناولًا لكل الحسنات لكنه نكرة في محل الإثبات فلا يتناول إلَّا حسنة واحدة فلذلك اختلف المفسرون فكل واحد منهم حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة وهذا منه بناءً على أن المفرد المعرف باللام يعم وقد اختار في المحصول خلافه ثم قال فإن قيل أليس لو قيل الحسنة في الآخرة لكان متناولًا لكل الأقسام فلم ترك ذلك وذكره منكرًا فأجاب بأن قال إنه ليس للداعي أن يقول اللهم أعطني كذا وكذا مصلحة لي وموافقة لقضائك وقدرك فأعطني ذلك فلو قال اللهم أعطني الحسنة في الدنيا لكان ذلك جزمًا وقد بينا أن ذلك غير جائز فلما ذكره على سبيل التنكير كان المراد منه حسنة واحدة وهي التي توافق قضاءه وقدره فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب قال العلقمي وفي كلام الإِمام نظر فقد قال تعالى

стр. 1493

وقنا عذَابَ النَّارِ". قال الشافعي ﵀: أحَبُّ ما يقال في الطواف: اللهُم رَبنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَة ... إلى آخره، قال: وأُحَبُّ أن يقال في كُلِّه، ــ حكاية عن زكريا (هَبْ لي مِن لِدُنكَ ذُريةً طَيِّبَةً) وقال هب لي من لدنك وليًّا وقال ﷺ لخادمه أنس اللهم أكثر ماله وولده إلى غير ذلك من الأحاديث أي المشتملة على سؤال حسنة معينة والله أعلم. قوله: (وَقِنَا عَذَابَ النّارِ) أصله أوقنا فحذفت الواو تبعًا لحذفها في المضارع وحذفها فيه لوقوعها بين حرف مضارعة مفتوح وحرف مكسور ثم الألف لأنها أتي بها ليتوصل بها إلى النطق بالساكن أعني الواو وقد حذفت والله أعلم. قال الحافظ ورد هذا الذكر مطلقًا ومقيدا بكل من الركنين وبما بين الركنين المشهور من ذلك هو الأخير وهو الذي اقتصر الشافعي على تخريجه أخرج الحافظ من طرق متعددة عن عبد الله بن السائب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول فيما بين ركن في جمح الركن الأسود ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن أخرجه الشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ووقع في رواية القطان وغيره عند أحمد وغيره بلفظ بين الركن اليماني والحجر قال الحافظ ولم يطلع الشيخ على تخريج من صححه فقال في شرح المهذب فيه رجلان لم يتكلم العلماء فيها بجرح ولا تعديل ولكن لم يضعفه أبو داود فيكون حسنًا قلت الرجلان هما يحيى بن عبيد مولى السائب وأبوه فأما يحيى فقال النسائي ثقة وأما أبوه فذكره ابن نافع وابن مسنده وأبو نعيم ونسبوه جهنيًّا وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ولو لم يوثقا كان تصحيح من صحح حديثهما يقتضي توثيقهما قال الحافظ وإنما لم أقلد من صححه لشدة غرابته والله المستعان وورد مطلقًا غير مقيد بذلك في خبر عن عطاء قال طاف عبد الرحمن بن عوف فأتبعه رجل ليسمع ما يقول فإنما يقول ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية فقال له الرجل تبعتك فلم أسمعك تزيد على هذه الآية قال أوليس ذلك كله الخير قال الحافظ بعد تخريجه هذا موقوف رجاله ثقات لكنه منقطع بين عطاء وعبد الرحمن فإن كان عطاء سمعه من الرجل فهو متصل وقد أخرج الحافظ هذا الحديث من

стр. 1494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ طريق الطبراني في الدعاء وأخرج الحافظ من طريق عبد الرزاق عن معمر قال أخبرني من أثق به عن رجل لعمر بن الخطاب هجيرا يقول حول البيت ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية وأخرجه سعيد بن منصور ومسدد في مسنده الكبير من وجه آخر موصول إلى حبيب بن صهبان بضم الصاد المهملة وسكون الهاء وبالموحدة قال رأيت عمر بن الخطاب وهو يطوف بالبيت وما له هجير إلَّا أن يقول فذكره وسنده حسن والهجيرا بكسر الهاء والجيم المشددة نجعدها مثناة تحتية ساكنة ثم راء بعدها ألف وقد تحذف وهو ملازمة كلام متتابع أو فعل وأخرجه الحافظ من طريق آخر عن حبيب بن صهبان أنه رأى عمر وهو يطوف بالبيت يقول ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ما له هجيرا غيرها وأما قولها عند الحجر الأسود فورد موقوفًا عن ابن عمر أنه قال لما حاذى الركن اليماني لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير فلما حاذى الحجر الأسود قال ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الخ. فقيل له في ذلك فقال هو ذاك أثنيت على ربي وشهدت شهادة الحق وسألت من خير الدنيا وخير الآخرة قال الحافظ موقوف غريب السند في سنده راويان لم يسميا وله طرق أخرى بعضها أقوى من هذا الطريق فمنها من طريق عبد الرزاق إلى أبي شعبة البكري قال سمعت من عمر وهو يطوف بالبيت قال لا إله إلَّا الله إلى آخرها ثم قال ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الخ. قال الحافظ رجال هذا السند رجال الصحيح إلّا البكري فذكره أبو أحمد الحاكم في الكنى فيمن لا يعرف اسمه وأخرج حديثه هذا ووصفه في طريق بأنه من أهل البصرة ولفظه صحبت ابن عمر في الطواف فكان إذا انتهى إلى الركن اليماني قال لا إله إلَّا الله إلى آخرها ولا يزال كذلك حتى يبلغ الحجر الأسود هذا آخرها ولم أقف في أبي شعبة على جرح ولا تعديل اهـ، وقد ذكر الرافعي أن النبي ﷺ كان يقول ذلك في ابتداء الطواف قال الحافظ ولم أره مرفوعًا نعم جاء في خبر مرفوع قول ذلك بين الركن والمقام فأخرجه الحافظ عن عبد الله بن السائب فذكر مثل رواية عبد الرزاق الماضية قريبًا لكنه قال بين الركن والمقام وأخرجه ابن خزيمة ولم يسق لفظه ولكنه أحال به على عبد الرزاق اهـ، وأما قولها عند الركن اليماني فذكره في المهذب من حديث

стр. 1495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابن عباس قال إن الله وكل بالركن اليماني ملكًا يقول آمين آمين فقولوا إذا انتهيتم إليه ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية قال الشيخ يعني المصنف في شرحه غريب ويغني عنه حديث عبد الله بن السائب قال الحافظ هو أخص وحديث عبد الله بن السائب مختلف في لفظه ومشهور أن قول ذلك بين الركنين، وحديث ابن عباس موقوف أخرجه الفاكهي وهو من مرسل عطاء عند الأزرقي لكن مثله لا يقال بالرأي فيقوي رفعه ثم أخرج الحافظ عن جميل بن أبي سويد قال سمعت رجلًا يسأل عطاء بن أبي رباح وهو يطوف بالبيت عن الركن اليماني فقال حدثني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال وكل به سبعون ملكًا فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قالوا آمين وقال الحافظ هذا حديث غريب وأخرجه ابن ماجة وذكر الحافظ ما يقتضي ضعف سند الحديث ونقل كلام المنذري وتوجيهه الآتيين في كلام مثير شوق الأنام وأخرج الحافظ عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ إذا استلم الركن اليماني قبله ووضع خده عليه قال ابن عباس عند الركن اليماني ملك منذ خلق الله السموات والأرض إلى يوم القيامة بقول آمين آمين فقولوا أنتم ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وقال الحافظ هذا حديث غريب أخرجه ابن مردويه في التفسير وفي سنده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف عندهم اهـ. قال جدي في مثير شوق الأنام بعد إيراد حديث ابن عباس مرفوعًا صريحًا رواه الخطيب في التاريخ والبيهقي وابن الجوزي وأخرجه من حديثه أبو ذر كذلك لكن في أوله اللهم آتنا والباقي نحوه وأورد قبل ذلك أحاديث في بعضها إن عند الركن ملكين وفي بعضها إن عنده سبعين ملكًا رواه ابن ماجة بسند ضعيف وأما قول المنذري حسنة بعض مشايخنا فلعله تسامح فيه لكونه من الفضائل ولأن له شاهدًا من حديث ابن عباس ومن حديث علي أخرجه الفاكهي ثم قال ولا تضاد بين هذه الأحاديث فإن حديث إن ثم ملكين عام لكل دعاء وحديث السبعين خاص لمن دعا بقوله اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا

стр. 1496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَسَنَةً﴾ الخ، وحديث الملك لمن يقول ربنا آتنا ورواية الخطيب تفسير لرواية أبي ذر فتقديرها ملك يقول آمين إذا قلتم ربنا آتنا الخ، وهو المناسب لأن التأمين إنما يكون على دعاء، فالظاهر أن من أتى بدعاء أبي هريرة أي اللهم اني أسألك العفو الخ. أمنت عليه جميع الملائكة لأنه حصل كل الوظائف، ويحتمل أن يختص كل بما ورد فيه، وجمع ابن جماعة بأن السبعين الموكلين به لم يكلفوا قول آمين دائمًا إنما يؤمنون عند سماع الدعاء والملكان كلفا أن يقولا آمين دائمًا وملك في الرواية الأخيرة محمول على الجنس اهـ. وذكر المحب الطبري جمعًا قريبًا من جمع ابن جماعة. خاتمة سكت المصنف عن باقي أذكار الطواف: منها ما يقال عند الباب اللهم إن البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار وهذا أورده الجويني. وما يقال عند الركن العراقي وهو: اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في المال والأهل والولد وعند الانتهاء إلى تحت الميزاب: اللهم أظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلّا ظلك واسقني بكأس محمد ﷺ شرابًا هنيئًا لا أظمأ بعده يا ذا الجلال والإكرام وما يقال بين الشامي واليماني. أي اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا وعملًا مقبولًا وتجارة لن تبور يا عزيز يا غفور، وحذفها المصنف هنا وفي الروضة وايضاح المناسك لقول إمام الحرمين لم أرها ذكرًا ومن ثم صوب عدم استحبابها، ونقل الرافعي عن الشيخ أبي محمد الجويني أنه يشير عند قوله وهذا مقام العائذ بك من النار إلى مقام إبراهيم ﵇ وأقره لكن نقل الأذرعي عن غيره أنه يشير إلى نفسه واستحسنه بل قال ابن الصلاح أن الأول غلط فاحش اهـ، وفيه نظر لأنه إذا استحضر استعاذة خليل الله تعالى حمله ذلك على غاية من الخوف والإجلال والسكينة والوقار وذلك هو المطلوب في هذا المقام فكان أبلغ وأولى وأيضًا فتخصيص هذا الدعاء بمقام يدل على أنه يشير إليه وأخرج الأزرقي ما يقال عند الميزاب من حديث جعفر بن محمد عن أبيه بلفظ اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب، وفي بعض الأخبار إسناده

стр. 1497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى النبي ﷺ . وأخرج البيهقي أن النبي ﷺ كان يدعو بما يقال عند العراقي، وهو اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق لكن لم يقيده بحالة الطواف قال الحافظ وذكر العراقي فيما يقال عند الركن العراقي اللهم إني أعوذ بك من الشرك والشك والنفاق وسوء الأخلاق ولم أجد له مستندا لكن ذكر عبد الملك بن حبيب من كبار المالكية ممن أخذ عن أصحاب مالك في المناسك من مصنفه بسنده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه وكان من ثقات التابعين أنه كان يقول نحو ذلك في الطواف وزاد في آخره وكل أمر لا يطاف، وعبد الرحمن ضعيف، ولهذا الحديث شاهد صحيح عن أبي هريرة لكنه غير مقيد بالطواف وسيأتي في جامع الدعوات من هذا الكتاب ولفظه أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وجاء نحو هذا عن أنس في حديث طويل، ولفظه كان رسول الله ﷺ يقول اللهم إني أعوذ بك من الفسوق والشقاق والنفاق الحديث هذا حديث صحيح غريب أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه اهـ، ومن المأثور ما في المستدرك بسند صحيح عن ابن عباس أنه ﷺ كان يقول بين الركنين وقال ابن حجر في حاشية الإيضاح بين اليمانين اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي منك بخير وصح عن ابن عباس إنه كان يدعو به بين اليمانين ويرفعه إلى النبي ﷺ وفي رواية الأزرقي احفظني في كل غائبة لي بخير انك على كل شيء قدير قيل رواية الحاكم ليس فيها التقييد بزمان ولا مكان ويرد بأن الأئمة نقلوا عنها التقييد ببين اليمانين كما تقرر، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. قلت ولعل ذلك في بعض النسخ دون بعض وبه يرتفع التعارض والنقض وحديث ابن عباس المذكور أخرجه الحافظ عنه أنه كان يقول احفظوا هذا الحديث وكان يرفعه إلى النبي ﷺ كان يدعو به بين الركنين يقول: اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واختلف على كل غائبة لي بخير، وقال عقب تخريجه هذا حديث غريب أخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه لأنهما لم يحتجا بسعيد بن زيد قال الحافظ قلت هو أخو حماد بن زيد وهو صدوق وقال أبو داود ليس بذلك ووثقه قوم لصدقه وضعفه قوم من جهة ضبطه وأخرج له مسلم متابعة والبخاري تعليقًا

стр. 1498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومقرونًا وهو ممن اختلط وسماع سعيد منه متأخر لكنه لم ينفرد به فقد أخرجه سعيد بن منصور عن خلف بن خليفة وخالد بن عبد الله كلاهما عن عطاء أي وهو شيخ سعيد بن زيد فيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا عليه وهما أحفظ من سعيد يرفعه من هذا الوجه، وقد تابعه على رفعه من هو أوثق منه لكن زاد في السند رجلًا وأطلق في المتن ثم أخرجه الحافظ من طريق عن عمرو بن أبي قيس عن عطاء بن السائب عن يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان من دعاء النبي ﷺ اللهم قنعني بما رزقتني فذكر باقيه سواء قال الحافظ هذا حديث حسن وعمرو قديم السماع من عطاء ويحيى بن عمارة أخرج له أحمد والترمذي والنسائي حديث غير هذا، وأخرج الحاكم أنه ﷺ قال "ما انتهيت إلى الركن اليماني قط إلّا وجدت جبريل عنده فقال قل يا محمد قلت وما أقول؟ قال قل: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفاقة ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة، ثم قال جبريل إن بينهما سبعون ألف ملك فإذا قال العبد هذا قالوا آمين" وقوله سبعون كذا رأيته فإن صح فهو على حذف ضمير الشأن أو على إلغاء إن ونظيره حديث أن في أمتي ملهمون. وأخرج الأزرقي عن علي كرم الله وجهه أنه كان إذا مر باليماني قال باسم الله والله أكبر السلام على رسول الله ﷺ ورحمة الله وبركاته: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والذل ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الخ، وعن ابن المسيب بإسناد ضعيف أن النبي ﷺ كان إذا مر به قال كذلك زاد ابن خليل المالكي فقال رجل يا رسول الله أقول هذا وإن كنت مسرعًا قال نعم وإن كنت لأسرع من برق الخلب، والخلب سحاب لا مطر فيه. وروى ابن ماجة وابن عدي والفاكهي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ "من طاف بالبيت سبعًا لا يتكلم فيه إلَّا سبحان الله والحمد الله ولا إله إلّا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلَّا بالله محيت عنه عشرة سيئات وكتبت له عشر حسنات ورفعت له عشر درجات" وأخرج الحافظ عن محمد بن المنكدر عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ "من طاف بالبيت سبعًا يذكر الله فيه كان كعدل رقبة" وزاد في رواية يعتقها وفيها بدل يذكر الله لا يلغو

стр. 1499

ويستحب أن يدعوَ فيما بين طوافه بما أحب من دين ودنيا، ولو دعا واحد وأمَّن جماعةٌ فحسن. وحكي عن الحسن ﵀ ــ فيه. قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن أخرجه الطبراني وابن شاهين في معجم الصحابة ونقل عن أبي بكر بن أبي داود قال لا يصح سماع المنكدر من النبي ﷺ وذكر أبو عمر في الاستيعاب أنه ولد على عهد النبي ﷺ ولهذا الحديث شاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص من طاف بالبيت سبع طوفات لا يتكلم إلَّا بذكر الله كان كعدل رقبة أخرجه سعيد بن منصور وأصله عند الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عمر لكنه غير مقيد بالذكر وأخرج الحافظ عن أبي سعيد الخدري قال من طاف بهذا البيت سبعًا لا يتكلم فيه إلّا بتكبير أو تهليل كان كعدل رقبة قال الحافظ بعد تخريجه هذا موقوف رجاله ثقات لكن في سماع محمد بن يحيى بن حبان ابن منقذ من أبي سعيد نظر وأخرج الحافظ أن خديجة ﵂ قالت يا رسول الله ما أقول وأنا أطوف قال قولي اللهم اغفر لي ذنوبي وخطئي وعمدي وإسرافي في أمري إنك إلا تغفر لي تهلكني قال الحافظ سنده معضل في سنده عبد الأعلى التيمي ذكره البخاري ولم يذكر له شيخًا ولا وصفًا وذكره ابن حبان في أتباع التابعين وأخرج الحافظ عن عبد الرزاق بن عبد الأعلى عن معمر عمن سمع الحسن أنه كان يقول إذا استلم الركن اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ومواقف الذل وأخرجه الفاكهي من مرسل عطاء قال كان رسول الله ﷺ إذا مر بالركن اليماني فذكر مثله لكن قال والذل ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة وأخرجه الأزرقي بسند منقطع عن علي من قوله وهذه طرق يشد بعضها بعضًا اهـ. قيل ولم يصح في هذه الأحاديث المرفوعة إلَّا ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الخ، واللهم قنعني الخ. قال الحافظ الذكر المأثور يعني في الطواف يشمل المرفوع وكذا الموقوف على الصحابة والتابعين ومجموع ما جاء من ذلك قويًا وغيره لا يسعه جميع الأسبوع فهل الأولى أن يكرره أو يقرأ إلَّا شبه الأول وهو مقتضى صنيع عمر حيث كان هجيراه في طوافه ربنا آتنا الخ. أخرجه سعيد بن منصور وغيره اهـ. قوله: (ويُستحَبُّ أَنْ يدْعوَ في طَوافه بما أَحَبَّ) محل الاستحباب إن كان الدعاء بديني فإن بدنيوي فمباح. قوله: (وحُكيَ عن الحَسَنِ البصري الخ)

стр. 1500

أن الدعاء يستجاب هنالك في خمسة عشر موضعا: ــ ينبغي تحري هذه المواضع للدعاء رعاية لما ذكره لأنه تابعي جليل لا يقوله إلا عن توقيف وإن قلنا إن مثل هذا لا يعتد به إلَّا إذا قاله صحابي دون غيره قاله ابن حجر في حواشي الإيضاح وقد ذكر جدي في مثير شوق الأنام نقلًا عن والده المحدث الرحلة أبي الوقت عبد الملك بن علي بن مبارك شاه الصديقي في كتابه "الحبل المتين في الأذكار والأدعية الواردة عن سيد المرسلين" أن الحسن البصري رفع ذلك إلى النبي ﷺ وسيأتي في نظم شيخنا مثله ويحتمل أن يكون شيخنا أخذه من ذلك أو غيره. قوله: (إن الدُّعاءَ يُستجابُ. في خمسَةَ عشَرَ موْضِعًا الخ) وقد كنت نظمتها وزدت عليها مواضع أخرى فقلت: الحمد لله وصلى الله ... على نبيه الذي اجتباه محمد والآل والصحابه ... وهذه مواضع الإجابه وذلك الحجر الطواف والصفا ... والمروة المسعى لدى من عرفا ملتزم والمستجار ومنى ... وعرفات ثم جمع فاتقنا كذا لدى الثلاث من جمرات ... وزمزم أتى عن الثقات خلف المقام وبوسط الكعبه ... وغير ذا مواضع بمكه مثل حرا ومسجد التنعيم ... والمجتبى ومولد الكريم ومهبط الوحي وعند المتكا ... وغار ثور فادع تعطى سؤلكا وغيرها مواضع مأثوره ... وهي لدى أربابها مشهوره ونظمها شيخنا العلامة العمدة الفهامة عبد الملك العصامي على وفق ما قال الحسن لكن قيد كل موضع بزمن تبعًا للنقاش المفسر فقال: قد ذكر النقاش في المناسك ... وهو لعمري عمدة للناسك إن الدعا بخمسة وعشره ... في مكة يقبل ممن ذكره وهي المطاف مطلقًا والملتزم ... بنصف ليل فهو شرط ملتزم وداخل البيت بوقت العصر ... بين يدي جزعته فاستقر وتحت ميزاب له وقت السحر ... وهكذا خلف المقام المفتخر

стр. 1501

في الطواف، وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصفا والمروة، ــ وعند بئر زمزم شرب الفحول ... إذا دنت شمس النهار للأفول ثم الصفا ومروة والمسعى ... بنصف ليل فهو شرط يرعى كذا منى في ليلة لبدر إذا ... تنصف الليل فخذ ما يحتذا ثم لدى الجمار والمزدلفه ... عند طلوع الشمس يوم عرفه بموقف عند مغيب الشمس ... قل ثم لدى السدرة ظهرا وكمل وقد روي هذا الذي قد قرأ ... من غير تقييد بما قد مرا بحر العلوم الحسن البصري عن ... خير الورى وصفا وذاتًا وسنن صلى عليه الله ثم سلما ... وآله والصحب ما غيث هما قوله: (في الطوَافِ) قلت هو والمعطوفات عليه بدل مما قبله بإعادة العامل والمراد في محل الطواف أي المحل المعهود له في زمنه ﷺ وإلَّا فجميع المسجد يجوز فيه الطواف عندنا وكلما قرب إلى البيت كان أفضل لكن بشرط ألا يكون بدنه في شيء من الشاذروان ثم هل المراد دعاء الطواف المأثور فيه أو أي دعاء كان الثاني أظهر والله أعلم. قوله: (وعِندَ المُلتَزَم) أي ما بين الركن والباب المسمى بالحطيم وذكره بعد ما قبله من عطف الخاص على العام للاهتمام ومن دعائه يا واحد يا ماجد لا تزل عني نعمة أنعمت بها على. قوله: (وتحْت المِيزَابِ) الظاهر من لفظة تحت أن ذلك في داخل الحجر ويحتمل أن يراد ما يحاذيه ولو من الطواف وقد صرح الكازروني في مناسكه بأن ما يحاذي محل الميزاب من خارج الحجر من محال استجابة الدعاء. قوله: (وفي البَيْتِ) أي داخله ويقول حينئذٍ يا رب البيت العتيق أعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار اللهم كما أدخلتني بيتك فأدخلني جنتك اللهم يا خفي الألطاف آمنا مما نخاف، وستة أذرع أو نحوها من الحجر من البيت كما جاء ذلك في الحديث المرفوع عن عائشة وغيرها. قوله: (وعِندَ زَمزَم) أي عند قرب بئرها أو مع شرب مائها والأول أقرب لأنه في تعداد الأماكن وإن كان ماؤها لما شرب له. قوله: (وعَلَى الصَّفا والمَرْوةِ) يحتمل نظير ما تقدم في الطواف أن يكون

стр. 1502

وفي المسعى، وخلف المقام، وفي عرفات، وفي المزدلفة، وفي منى، وعند الجمرات الثلاث، فمحروم من لا يجتهد في الدعاء فيها. ومذهب الشافعي وجماهير أصحابه أنه يستحب قراءة القرآن في الطواف لأنه موضع ذكْر. وأفضل الذكْر قراءة القرآن. ــ بالدعاء المأثور فيهما ويحتمل أن يراد أعم من ذلك وهل يختص ذلك بحال مباشرة السعي أو يعمها وغيرها من مطلق الوقوف فيهما قال في الحرز والأول مجزوم به وغيره في محل الاحتمال والله الكريم ذو الفضل العظيم وفي كون الإجابة مجزومًا بها فيهما في السعي وفيهما في غيره احتمال فيه نظر وظاهر الأثر استواؤهما لأن الفضيلة للمحل لا لخصوص ذلك العمل والله أعلم، وقد تكلمت على تحقيق لفظي الصفا والمروة وما يتعلق بهما في أول كتابي "درر القلائد فيما يتعلق بزمزم والسقاية من الفوائد". قوله: (وفي المَسْعَى) أي ما بين المروة والصفا. قوله: (وخلْفَ المَقَام) أي ما يقال إنه خلف عرفا وينبغي أن يدعو فيه بدعاء آدم على ما ورد به الحديث الشريف اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فأقبل معذرتي وتعلم سؤلي فأعطني حاجتي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ويقينا صادقًا حتى أعلم أنه لا يصيبني إلَّا ما كتبت لي ورضني بما قسمت لي. قوله: (وفي عرَفاتٍ) أي في يوم عرفة في حالة تلبسه بالإحرام. قوله: (وفي المُزدَلِفة) أي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر من ليلة النحر. قوله: (وفي مِنًى) بالقصر وفي نسخة بالتنوين فتكتب بالألف وظاهر كلامه أن جملة مني محل إجابة الدعاء لأنها منازل الحاج ودعوتهم مستجابة لا سيما في أثناء العبادة ووقع عند المحب الطبري وفي منى عند الجمرات الثلاث بحذف الواو من عند فاعترض بأنه قال إنها خمسة عشر وهي في العدد أربعة عشر ولعل الخامس عشر سقط من بعض الكتاب ولعله التنعيم أو المستجار أو غيرهما. قوله: (وعِندَ الْجَمَراتِ الثلاث) في المغرب للمطرزي الجمرات هي الصغار من الأحجار بها سميت المواضع التي ترمى جمارًا لما بينهما من الملابسة اهـ، والظاهر تقييدها بأوقاتها ثم استشكل أن الجمرة الأخيرة أي جمرة العقبة لا يستحب الوقوف عندها للدعاء فكيف تعد من مواضع الإجابة وأجيب بأجوبة من أحسنها أن الدعاء لا يتوقف على

стр. 1503

واختار أبو عبد الله الحليمي من كبار أصحاب الشافعي أنه لا يستحب قراءة القرآن فيه، والصحيح هو الأول. قال أصحابنا: والقراءة أفضل من الدعوات غير المأثورة، ــ وقوف بل يمكن حال رجوعه منها وهو سائر فيها بدعاء جامع فيكون مقبولًا والله أعلم. قوله: (واختْارَ أَبُو عبد الله الحُلَيمي الخ) قال الحافظ حجة الحليمي ذكرها في الشعب ونقل عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن القراءة في الطواف فقال سبح الله واذكره فإذا فرغت فاقرأ ما شئت قال الحليمي لو كانت القراءة أفضل من الذكر لما عدل النبي ﷺ عنها ولو فعل لنقل كما نقل الذكر قال والأصل إن كل حال من أحوال الصلاة لا يشرع فيه التوجه إلى القبلة لا قراءة فيه كالركوع والسجود اهـ. واختار الأذرعي ما قال الحليمي وقال الأحاديث والآثار تشهد له اهـ. قال الحافظ والمسألة مختلف فيها بين السلف قد عقد لها ابن أبي شيبة بابًا وكذا سعيد بن منصور وكذا فيه عن ابن عمر إنه زجر عن القراءة في الطواف بالقول والفعل وعن عطاء والحسن قالا هي بدعة ونحو عن جماعة نحوه وعن بعضهم الجواز والله أعلم. قوله: (والقراءةُ أَفْضَلُ من الدَّعَوَاتِ غير المأثورَةِ) المراد بالمأثورة كما سبق ما نقل عن النبي ﷺ -أو عن أحد من الصحابة وبحث بعضهم في اشتراط صحة سنده وفيه نظر فقد نصوا على استحباب أذكار وردت من طرق ضعيفة وكأنهم نظروا إلى أن فضائل الأعمال يعمل فيها بالأحاديث الضعيفة قال في المجموع اتفاقًا. هذا، وتفضيل ما ورد عن الصحابة على القراءة وفي الطواف مشكل لأن القاعدة أنها أفضل من سائر الأذكار إلَّا التي وردت عنه ﷺ في مجالس مخصوصة وأن ما ورد عن صحابي مما للرأي فيه مدخل لا يكون له حكم المرفوع ولا يحتج به عندنا وهذه الأدعية الواردة عنهم كذلك فكيف تفضل القراءة فالذي ينبغي تفضيل القراءة على كل ما لم يرد عنه وكأن عذر الأصحاب في ذلك إن القراءة لما كثر الاختلاف فيها في الطواف وقال كثيرون بكراهتها ضعف

стр. 1504

وأما المأثورة فهي أفضل من القراءة على الصحيح. وقيل: القراءة أفضل منها. قال الشيخ أبو محمد الجويني ﵀: يستحب أن يقرأ في أيام الموسم ختمة في طوافه فيعظُم أجرها، والله أعلم. ويستحب إذا فرغ من الطواف ومن صلاة ركعتي الطواف أن يدعوَ بما أحب، ــ أمرها في هذا المحل بخصوصه فقدموا غيرها عليها واختار ابن جماعة وغيره خلاف ما ذهب إليه الأصحاب وخالفهم فقال تفضيل الدعاء المسنون مسلم لكن لم يثبت عنه ﷺ كما قال ابن المنذر دعاء مسنون إلّا ربنا اتنا الخ، بين اليمانيين وهو قرآن فيكون أفضل ما يقال بينهما ويكون هو وغيره من القرآن أفضل في باقي الطواف إلَّا التكبير عند استلام الحجر اهـ، ويؤيده قول الزركشي إن ظاهر نص الشافعي إن القراءة هنا أفضل مطلقًا واختاره ابن المنذر لكن حصره السابق ممنوع بما مر عن المستدرك وغيره ولا ينافي خبر مسلم وغيره أحب الكلام إلى الله سبحان الله والحمد الله ولا إله إلَّا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت لما سبق إنه محمول على كلام الآدميين أو لأن مفرداتها في القرآن كذا في منح الفتاح. قوله: (وأَمَّا المأْثورةُ فهيَ أَفْضلُ منَ القرَاءَةِ) المراد من التفضيل إن الاشتغال بالأدعية المأثورة أفضل من الاشتغال به لكونه أثر في خصوص هذا المكان وإلَّا فذات القرآن أفضل قطعًا مطلقًا قال ابن عبد السلام في القواعد لا يشغل عن معنى ذكر من الأذكار بمعنى غيره من الأذكار وإن كان أفضل منه لأنه سوء أدب ولكل مقام مقال يليق به ولا يتعداه اهـ، ونقل القمولي في الجواهر الإجماع على أن نحو آية الكرسي مما اشتمل، على الثناء على الله تعالى وذكر صفاته هنا أفضل من سائر الأدعية هنا مطلقًا قال ابن الحجر الهيتمي وهو واضح فيما لم يصح سنده. قوله: (قَال الشيخُ أَبُو مُحمدٍ الْجُوَيْنيّ الخ) اعترض بأنه لا سند له في ذلك ويرد بأن الشيخ إنما قصد بذلك التحريض على هذا الخير الكثير فإن في ختم القرآن بمكة فضلًا عن الطواف سيما في شهر الحجة ومع اشتغاله بأسباب الحج ومتاعبه ومتاعب السفر من الخير والثواب ما يعجز الإنسان عن حصره فكان في قول الشيخ ويستحب الخ. من الدلالة على هذا

стр. 1505

ومن الدعاء المنقول فيه: اللهُم أنا عَبْدُكَ وَابنُ عَبْدِكَ أتَيْتُكَ بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ وأعمالٍ سَيِّئَةٍ وَهَذَا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ فاغْفِرْ لي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. ــ الخير العظيم تنبيه للناس على الاعتناء بذلك والحرص عليه فالاعتراض عليه بما ذكر لي في محله ومن ثم أقره المصنف وغيره عليه ثم رأيت ابن الجوزي قال قال إبراهيم النخعي كان يعجبهم إذا قدموا مكة ألا يخرجوا حتى يختموا القرآن وفيه تأييد لكلام الشيخ والله أعلم. قوله: (ومنَ الدُّعاءِ المَنقولِ فيهِ الخ) أورده المصنف في شرح المهذب مطولًا ونقل عن صاحب الحاوي أنه قال يستحب أن يدعو بما روي عن جابر أن النبي ﷺ طاف وصلى خلف المقام ركعتين ثم قال اللهم هذا بلدك وبيتك الحرام والمسجد الحرام وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمة وأعمال سيئة وهذا مقام العائذ بك من النار فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم اللهم انك دعوت عبادك إلى بيتك وقد جئت طالبا رحمتك ومبتغيًا رضوانك وأنت مننت عليّ بذلك فاغفر لي انك على كل شيء قدير قال الحافظ ولم أظفر بسنده إلى الآن والله المستعان قال الحافظ ثم وجدت الدعاء المذكور في كتاب المناسك لإبراهيم بن إسحاق الحربي ثم ساق الحافظ سنده في الكتاب المذكور وقال فذكر ما في الكتاب من أثر مسند وذكر أن هذا الدعاء سبق سنده وزاد في آخره اللهم إنك ترى مكاني وتسمع دعائي وندائي ولا يخفى عليك شيء من أمري هذا مقام العائذ البائس الفقير المستغيث المقر بخطيئته المعترف بذنبه التائب إلى ربه فلا تقطع رجائي ولا تخيب أملي يا أرحم الراحمين. فائدة أخرج ابن الجوزي كالأزرقي خبر أن آدم لما هبط طاف بالبيت سبعًا وصلى خلف المقام ركعتين ثم قال اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فأقبل معذرتي وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي وتعلم ما عندي فاغفر لي ذنوبي اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي والرضا بما قضيت علي فأوحى الله إليه قد دعوتني دعاء استجبت لك به ولن يدعوني به أحد من ذريتك من بعدك إلَّا استجبت له وغفرت ذنوبه

стр. 1506

فصل في الدعاء الملتزم ، وهو ما بين باب الكعبة والحجر الأسود: وقد قدمنا أنه يستجاب فيه الدعاء. ومن الدعوات المأثورة: اللهم لكَ الحَمْدُ حَمْدًا يُوافي نِعْمَكَ، وَيُكافِئُ مَزِيدَكَ، أحمَدُكَ بِجَمِيع مَحَامِدِكَ ما عَلِمْتُ مِنْها ومَا لَمْ أعْلَمْ على جَمِيع نِعَمِكَ ما عَلِمْتُ مِنْها ومَا لَمْ أعْلَمْ، وعلىَ كُل حالٍ، اللهم صَل وَسَلَّمْ على مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّدٍ، اللهم ــ وفرجت همومه وتجرت له من وراء كل تاجر وأتته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا يريدها قال الحافظ بعد أن أخرجه مرفوعًا من حديث بريدة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ فذكره وقال فاغفر لي ذنبي وقال وغفرت ذنبه وفرجت همه وغمه وقال هذا حديث غريب فيه سليمان بن مسلم الخشاب ضعيف جدًّا لكن تابعه حفص بن سليمان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أخرجه الأزرقي في كتاب مكة من طريق حفص وهو ضعيف أيضًا لكنه إمام في القراءة وساق له طرقًا وهذه الطرف الأربع ترقي الحديث إلى مرتبة ما يعمل به في فضائل الأعمال كالدعاء اهـ، وفي رواية إنه دعا بذلك في الملتزم وفي كتاب ابن أبي الدنيا إنه دعا بنحوه بين اليمانيين ولا منافاة لاحتمال إنه كرر الدعاء في تلك الأماكن. فصل قوله: (وهوَ مَا بَينَ باب الْكَعبةِ والْحَجرِ الأسود) سمي بذلك لأن النّاس يلتزمونه في حوائجهم لتقضى وما ورد عن ابن الزبير أنه دبر البيت رده عليه ابن عباس بأن ذاك ملتزم عجائز قريش والحطيم ما بين الباب والركن وزمزم والمقام سمي بالحطيم أيضًا لأن من حلف فيه كاذبًا حطم ولأنه يستجاب فيه دعاء المظلوم على ظالمه فقل من دعا هناك على ظالم إلأهلك وقيل من حلف هناك آثمًا إلَّا عجلت له العقوبة أخرج البيهقي عن ابن عباس قال الملتزم بين الركن والباب لا يسأل الله فيه شيئًا إلّا أعطاه أورده الحافظ. قوله: (اللهُم لكَ الحَمْدُ. إلى قوله. مَا علِمْتُ مِنها ومَا لمْ أَعْلم) قال الحافظ قلت لم أقف له على أصل والله المستعان اهـ، وأخرج ابن الجوزي في كتاب مثير العزم الساكن قال أبو سليمان وقف رجل على باب الكعبة حين فرغ من الحج فقال الحمد الله بجميع محامده كلها ما علمت منها وما لم أعلم على جميع نعمه كلها ما علمت منها

стр. 1507

أعِذْني مِنَ الشيْطَانِ الرَّجِيمِ، وأعِذْنِي مِنْ كُل سُوءٍ، وَقَنِّعْني بمَا رَزَقْتَني وَبارِكْ لي فِيهِ، اللهُم اجْعَلْني مِنْ أكْرَمِ وَفْدِكَ عَلَيْكَ، وألْزِمْني سَبِيلَ الاسْتِقَامَةِ حَتى ألْقًاكَ يا رَب العالمِينَ، ثم يدعو بما أحب. فصل في الدعاء في الحِجْر: بكسر الحاء وإسكان الجيم، وهو محسوب من البيت. ــ وما لم أعلم ثم قفل إلى بلده فحج من قابل فوقف على باب الكعبة وذهب ليقول مثل مقالته فنودي يا عبد الله أتعبت الحفظة من عام أول إلى الآن فما فرغوا مما قلت اهـ. قوله: (وأَعِذْني منَ الشَّيطَانِ) أي احفظني من إغوائه ووسوسته. قوله: (وأَعِذْني منْ كل سُوءٍ) عطف عام على خاص والسوء بضم السين المهملة ضد الخير. قوله: (سَبيلَ الاستِقامةِ) أي طريق القيام على الصراط المستقيم. قوله: (حَتَّى أَلْقاكَ) أي حتى أموت فألقاك وهذا الذكر جميعه لم يتعرض الحافظ ولا غيره فيما رأيت لتخريجه وتقدم ما قاله الحافظ. قوله: (ثُمَّ يدْعُو بمَا أَحبّ) أي ندبًا في الديني مباحًا في الدنيوي كما سبق. فصل قوله: (في الْحِجرِ بكَسر الحاءِ الخ) هو فعل بمعنى المفعول أي المحجور لأنه كان عليه حظيرة وزريبة لغنم إسماعيل ﵇ ويسمى بالحطيم أخرج أبو داود عن ابن عباس قال الحطيم الجدار يعني جدار الكعبة قال في البحر العميق والمشهور عند الأصحاب أن الحطيم اسم للموضع الذي فيه الميزاب بينه وبين البيت فرجة سمي حطيمًا لأنه حطيم من البيت أي مكسور منه فعيل بمعنى مفعول كقتيل بمعنى مقتول وقيل بمعنى فاعل لأنه جاء في الحديث من دعا على من ظلمه فيه حطمه الله قال وسمي حجرًا لأنه حجر من البيت أي منع منه ويسمى حظيرة إسماعيل لأن الحجر قبل الكعبة كان زربًا لغنم إسماعيل اهـ. نقله جدي في مثير شوق الأنام. قوله: (وهُو محْسُوبُ منَ البَيْتِ) وقال بعضهم إنه

стр. 1508

قد قدَّمنا أنه يستجاب الدعاء فيه. ومن الدعاء المأثور فيه: يا رَب أتَيْتُكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ مُؤمِلًا مَعْرُوفَكَ فأنِلْني مَعْرُوفًا مِنْ مَعْرُوفِكَ تُغْنِيني بهِ عَنْ مَعْرُوفِ مَنْ سِوَاكَ يا مَعْرُوفًا بالمَعْرُوفِ. ــ جمع من البيت وظاهر العبارة هنا ذلك لكنها تؤول بما ذكرنا لتوافق كلامه في باقي كتبه واختلف في قدره فقيل ستة أذرعٍ وقيل سبعة أذرع وكلاهما ورد في الصحيح رواه الشيخان كما في القرى وغيره. قوله: (قدْ قدَّمنا أنهُ يُستَجابُ فيهِ الدُّعاءُ الخ) في البحر العميق روي عن بعض السلف قال من صلى تحت الميزاب ركعتين ثم دعا بشيء مائة مرة وهو ساجد استجيب له أورده في مثير شوق الأنام وروي عن ابن الجزري والأزرقي عن عبد الله بن أبي رباح أنه قال من قام تحت مثقب الكعبة فدعا استجيب له وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه قال في مثير شوق الأنام ومثقب الكعبة مجرى مائها. قوله: (ومنَ الدُّعاءِ المأْثورِ فيه الخ) قال الحافظ روينا الأثر المذكور في المنتظم لابن الجوزي وفي مثير العزم له بسند ضعيف من طريق مالك بن دينار قال بينما أنا أطوف إذا أنا بامرأة في الحجر وهي تقول يا رب أتيتك من شقة بعيدة فأنلني معروفًا من معروفك تغنيني به عن معروف من سواك يا معروفًا بالمعروف ثم ذكر قصة له ولأيوب السختياني معها قال فسالت عنها فقالوا هذه مليكة بنت المنكدر وهي أخت محمد بن المنكدر أحد أئمة التابعين اهـ. قوله: (أَتَيتُكَ) أي أقبلت على طاعتك وقصدت ساحة كرمك. قوله: (شُقةٍ) بضم الشين المعجمة وتشديد القاف أي مسافة طويلة والشقة السفر البعيد وربما قالوه بالكسر في الشين ذكره أبو حيان في النهر وعلى هذا فقوله (بعيدَةٍ) إما أن يكون مؤكدا لما في معنى الشقة أو مؤسسًا بناءً على تجريد الشقة من الطويلة وإرادة مطلق السفر بها والله أعلم. قوله: (مؤَمَّلا) أي راجيًا. قوله: (معْرُوفًا) أي عظيمًا وقوله: (منْ معرُوفِكَ) في موضع الصفة للإيماء إلى ما ذكر من كونه عظيمًا إذ المضاف إلى العظيم عظيم. قوله: (تُغْنِيني بهِ) هو مرفوع في الأصول وحينئذٍ إما أن يكون صفة لمعروفًا أو حالًا منه لتخصيصه بالوعد السابق ولو روي بالجزم على جواب الطلب لكان مستقيمًا والله أعلم.

стр. 1509

فصل في الدعاء في البيت: قد قدَّمنا أنه يستجابُ الدعاءُ فيه. وروينا في كتاب النسائي عن أسامة بن زيد ﵄ "أن رسول الله ﷺ لما دخل البيت أتى ما استقبل من دُبر الكعبة فوضع وجهه وخدَّه عليه، وحمد الله تعالى وأثنى عليه وسأله واستغفره، ثم انصرف إلى كل ركن من أركان الكعبة، ــ فصل قوله: (في الدُّعاءِ في البَيْتِ) أي فيه كما في نسخة والبيت صار علمًا بالغلبة على الكعبة زادها الله مهابه. قوله: (وَرَويْنَا في كِتَاب النّسائي الخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الإِمام أحمد وغيره باللفظ المذكور في المتن إلَّا إنه قال من أركان البيت بدل أركان الكعبة وزاد في أوله عن أسامة إنه دخل هو ورسول الله ﷺ البيت وأمر بلالًا فأجاف البيت والبيت إذ ذاك على ستة أعمدة فمضى حتى أتى الأسطوانتين اللتين تليان لباب الباب فجلس فحمد الله وأثنى عليه وسأله واستغفره ثم قام حتى أتى ما استقبل من دبر البيت الخ. وزاد في آخره ثم خرج فصلى ركعتين في حائط البيت مستقبل وجه الكعبة ثم انصرف فقال هذه القبلة هذه القبلة هذا لفظ أحمد هو حديث صحيح وأخرجه ابن خزيمة من طريقين وأصل الحديث في دخول الكعبة الصلاة خارجها دون الزيادات عند الشيخين من وجه آخر من حديث ابن عباس عن أسامة. قوله: (أَتى ما استَقبَل) أي ما استقبله من دبر الكعبة حال دخوله إليها ومشيه تلقاء وجهه ودبر بضمتين وذلك بعد أمره بإجافة الباب كما تقدم في الرواية أي مخافة الزحمة المانعة من كمال الحضور المقتضي لزيادة الرحمة. قوله: (جبهَتُهُ) ما اكتنفه الجبينان من الوجه. قوله: (وحَمِدَ الله) بِكسر الميم أي شكره على ما منحه وقوله: (وأَثْنى علَيهِ) يصح أن يكون تفسيرًا للمراد من قوله وحمد ويصح أن يكون من عطف العام على الخاص أي قال الحمد الله وزاد ألفاظًا في الثناء الجميلِ ولعل الأخير أقرب والله أعلم. ثم رأيته في تحفة القارئ مال إليه واقتصر عليه. قوله: (وسألهُ) أي المزيد من فضله. قوله: (واستَغفَرَهُ) أي من التقصير الذي لا يليق بمثله. قوله:

стр. 1510

فاستقبله بالتكبير والتهليل والتسبيح والثناء على الله والمسألة، والاستغفار، ثم خرج". ــ (فاستَقْبلهُ بالتَكْبيرِ الخ) أي مصحوبًا بذلك الحمد والثناء والمسألة أي سؤال المنال والاستغفار أي سؤال الغفران من الله تعالى. قوله: (ثم خَرجَ ﷺ ) وسكت المصنف عن آخر الحديث السابق بيانه لعدم تعلق غرض الترجمة به واختلف العلماء في تعيين هذا المكان الذي صلى به ﷺ عند حائط البيت مستقبل الكعبة وهو أحد المواضع التي صلى بها النبي ﷺ حول الكعبة وقد جمعها المحب الطبري وأوردها في القرى وقد نظمتها في أبيات من الرجز هي: مواضع بها الرسول صلى ... بحول بيت كالعروس تجلى خلف المقام وبباب الكعبه ... والمستجار الحجر والمعجبه وبحذاء الحجر الموصوف ... بأنه الأسود للتشريف يفصل بينه وبين الحجر ... الطائفون من خيار البشر وبين حفرة وركن شامي ... وحذو غربي ركنه يا سامي بحيث من صلى به يسامت ... بابًا لعمرة لهذا أثبتوا وعند قرب ركنه اليماني ... مما يلىِ الأسود ذا المعاني والمستجار بين باب سدا ... وبين شمامي الركن حزت الرشدا بين اليماني وركن الحجر ... عن ابن إسحاق أتى في خبر كذا بوجه قبلة ولم يبن ... تعيينه كما يرومه الفطن وجوف كعبة بها الرسول ... صلى وكان الفتح والقبول فهذه البقاع صلى فيها ... نبينًا فزادها تنويها بشرى لمن بهذه قد صلى ... قد مس تربًا بعلاه حلا طوبى لمن بوجهه قد مس ما ... مسته أقدام نبي عظما والحمد الله وصلى الله ... على نبيه ومصطفاه وآله وصحبه والعلما ... والتابعين هديه المعظما
следующие страницы →