← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

خَفِيفَتَانِ على اللسانِ ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتانِ إلى الرَحْمنِ: سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ" وهذا الحديث ــ بالكلمة هنا العرفية أو اللغوية لا النحوية. قوله: (خفِيفَتَانِ) أي لقلة ألفاظهما ورشاقتهما شبه حصولهما بمتاع يسهل حمله فاستعار له لفظ خفيفتان استعارة تبعية وفي التعبير بذلك إيماء إلى إن في معظم التأليف ثقلا على النفس لمزاولة الأعمال ومن ثم سمي تكليفاً إذ هو إلزام ما فيه كلفة كذا هو عند البخاري في الدعوات وفي الإيمان والنذور ورواه البخاري في آخر صحيحه وختم به بتقديم حبيبتان إلى الرحمن على ما قبله. قوله: (ثقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ) به مع سابقه حصل الطباق والسجع المستعذب وسئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة وخفة السيئة فقال إن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت فلا يحملنك ثقلها على تركها فإنها ثقيلة في الميزان والسيئة العكس فلا يحملنك خفتها على ارتكابها وفي الحديث إثبات الميزان وهو مما يجب الإيمان به. قوله: (حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمنِ) لما لهما من المزية فباعتبارهما وصفتا بذلك وإلَّا فجميع الذكر محبوب إلى الرحمن تعالى وفي التعبير بالرحمن إيماء إلى إن الثواب من رحمة الرحمن وأنه لا يجب عليه إثابة مطيع ولا تعذيب عاص. قوله: (سبْحانَ الله وَبِحمْدِهِ) معنى سبحان الله تنزيهه عما لا يليق به من كل نقص وسبحان منصوب على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف تقديره سبحت الله ولا يستعمل غالباً إلاَّ مضافاً وهو مضاف إلى المفعول أي سبحت الله ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل أي نزه الله نفسه والمشهور الأول وقد جاء غير مضاف في الشعر كقوله: *سبحانه ثم سبحانا انزهه* وقوله الآخر: *سبحان من علقمة الفاخر* ثم لا منافاة بين إضافته وكونه علماً للتسبيح لأنه ينكر ثم يضاف كما في قول الشاعر: *علا زيدنا يوم اللقا رأس زيدكم* أشار إليه الكرماني والواو في وبحمده للحال ومتعلق الظرف محذوف أي أسبحه

стр. 177

آخر شيء في صحيح البخاري. ــ متلبساً بحمدي له من أجل توفيقه لي وقيل عاطفة لجملة على جملة أي أنزهه وألتبس بحمده وقيل زائدة أي أسبحه مع ملابسة حمدي له وسيأتي زيادة إيضاح في إعرابه وقدم التسبيح على التحميد لأنه تنزيه عن صفات النقص والحمد ثناء بصفات الكمال والتخلية مقدمة على التحلية قال الكرماني التسبيح إشارة إلى الصفات السلبية والحمد إشارة إلى الصفات الوجودية، ثم قيل سبحان الله إلخ مبتدأ خبره مقدم عليه هو كلمتان إلخ وما بينهما صفة الخبر وقدم الخبر لما تقدمت الإشارة إليه من تشويق السامع إلى المبتدأ كقول الشاعر: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحا وأبو إسحاق والقمر وبعضهم جعل كلمتان مبتدأ وسبحان الله إلخ خبره قال لأن سبحان يلزم الإضافة إلى مفرد فيجري مجرى الظروف وهي لا تقع إلاَّ خبراً ورجحه المحقق ابن الهمام قال لأنه مؤخر لفظاً والأصل عدم مخالفة وضع الشيء محله بلا موجب ولأن سبحان الله إلخ محط الفائدة بنفسه بخلاف كلمتان فإنهما إنما يكونان محطا لها بواسطة صفاتها. قال الشيخ زكريا في شرح البخاري وللنظر في بعضه مجال والله أعلم. قوله: (آخر شيءٍ في صَحِيح البخَارِي) قال الحافظ وكذا ذكره البخاري أيضاً في الدعوات وفي الإيمان والنذور. وختم البخاري بهذا الحديث لأن التسبيح مشروع في الختام وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ من جلس في مجلس فأكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلاَّ أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر له ما كان في مجلسه ذلك وأيضاً ففي الحديث المذكور ما تقدم من أن الثواب من محض الإحسان ففيه

стр. 178

وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أَلا أخْبِرُكَ بِأَحب الكَلامِ إلى اللهِ تَعالى؟ إن أَحَب الكَلَامِ إلى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ" ــ إيماء إلى أن المدار على رحمة الرحمن فينبغي للعبد الاعتماد عليها في كل شأن، مع أداء التكليف الشرعية قدر الإمكان. قوله: (وَرَوَينَا فِي صَحيح مسلم إلخ) ورواه كذلك الترمذي والنسائي والحاكم قال الحافظ ووهم في استدراكه فإن مسلماً أخرجه ولعله قصد الزيادة التي في طريقه ولفظه فيها عن أبي ذر قلت يا رسول الله أخبرني أي الكلام أحب عند الله بأبي أنت وأمي قال ما اصطفى الله لعباده سبحان ربي وبحمده سبحان ربي وبحمده هكذا ورد في طريق عبد الوهاب الحجبي الذي رواه الحاكم من طريقه بمعناه. قوله: (عَنْ أبي ذر) هو الغفاري واسمه جندب بضم الجيم والدال وبفتح ابن جنادة بضم الجيم على المشهور وقيل جندب بن عبد الله وقيل ابن السكن وقيل اسمه بربر بموحدتين وراءين مهملتين بوزن هدهد الغفاري وسيأتي في كتاب السلام من هذا الكتاب أنه برير مصغر البر الغفاري الحجازي من السابقين إلى الإسلام وأقام بمكة ثلاثين بين يوم وليلة وأسلم وهو رابع أربعة وقيل خامس أربعة ثم رجع إلى بلاد قومه بإذن النبي ﷺ ثم هاجر إلى النبي ﷺ وصحبه حتى توفي ﷺ روي له عن النبي ﷺ مائتا حديث وأحد وثمانون حديثاً اتفقا منها على اثني عشر وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بسبعة عشر روى عنه ابن عباس وآخرون توفي بالربذة بالراء ثم الموحدة ثم الذال المعجمة سنة اثنتين وثلاثين قال المدائني وصلى عليه ابن مسعود ثم قدم ابن مسعود المدينة فأقام عشرة أيام ثم توفي رضي الله تعالى عنهما. قوله: (ألَا أُخْبِرُكَ بأحَبِّ الكَلاَم إِلَى الله إلخ) في الرواية الثانية سئل رسول الله ﷺ أي

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكلام أفضل إلخ قال المصنف في شرح مسلم هذا محمول على كلام الآدمي وإلا فالقرآن أفضل وقراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق أما المأثور في وقت أو نحو ذلك فالاشتغال به أفضل اهـ. قال الطيبي ثم هذا الحديث معارض بحديث "أفضل الذكر لا إله إلاَّ الله الخ" ويمكن أن يقال قول سبحان الله وبحمده مختصراً من الكلمات الأربع سبحان الله والحمد لله إلخ لأن معنى سبحان الله تنزيهه عما لا يليق بجلاله فيندرج فيه معنى لا إله إلاَّ الله وقوله وبحمده صريح في معنى الحمد لله لأن إضافته بمعنى اللام ويستلزم ذلك معنى الله أكبر لأنه إذا كان كل فضل وإفضال منه فلا أكبر منه ومع ذلك فليس التسبيح المدلول عليه بسبحان الله مثلاً أفضل من التهليل لأن التهليل صريح في التوحيد والتسبيح متضمن له ولأن منطوق لا إله إلاَّ الله توحيد ومفهومه تنزيه وسبحان الله بالعكس فيكون لا إله إلاَّ الله أفضل لأنه يفيد التوحيد الذي عليه المدار بالتصريح والتوحيد أصل التنزيه ينشأ عنه اهـ، وجمع القرطبي بأن هذه الأحاديث إذا أطلق في بعضها أنه أفضل الكلام أو أحب الكلام فالمراد إذا انضمت إلى أخواتها الأربع بدليل حديث سمرة أحب الكلام أربع لا يضرك بأيهن بدأت الحديث ويحتمل أنه يجمع بأن من مضمرة في قوله أفضل الكلام لا إله إلاَّ الله وفي قوله أحب الكلام سبحان الله بناء على تساوي لفظي أحب وأفضل ومع ذلك فالظاهر تفضيل لا إله إلاّ الله لأنها ذكرت بانفرادها بالأفضلية الصريحة ومع إخوانها بالأحببة فحصل لها الأفضلية صريحاً والأحببة انضماماً كذا في لفظ اللآلي والدرر من شرح البخاري لابن حجر للشيخ ابن العز الحجازي وفيما نقله عن القرطبي ما لا يخفى إذ لا يلزم من الحكم بالأفضلية للمجموع تساوي الأفراد فيها بل يكون مع التفاوت وهذا كما يقال أفضل العلماء فلان وفلان ويكون احدهما أفضل من المذكور معه فيكون ما في الخبرين من ذلك ولعل الجمع إن اختلاف الوصف بالأفضلية باعتبار الملاحظة فأفضلية لا إله إلاَّ الله لدلالتها على إثبات

стр. 180

وفي رواية: "سُئل رسول الله ﷺ أيّ الكلام أفضلُ؟ قالَ: ما اصْطَفَى اللهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أوْ لعبادِهِ: سبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ". وروينا في "صحيح مسلم" أيضاً ــ الوحدانية صريحاً وعلى ذلك المدار ولذا وصفت به صريحاً وأفضلية سبحان الله وبحمده لدخول معاني الكلمات الأربع تحته إما بالتصريح أو بالاستلزام على ما تقدم وبه يعلم أنه لا يحتاج إلى تقدير من لما تقرر والله أعلم وألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة استفتاح وسيأتي الكلام عليها في حديث إلا أخبركم بخير أعمالكم. قوله: (وفِي رِواية لمسلم) ورواه الترمذي ولفظه كما سيأتي سبحان ربي وبحمده سبحان ربي وبحمده وسبق أنه كذلك عند الحجبي الذي روى الحاكم الحديث من طريقه ثم الحديث على هذه الرواية من حديث أبي ذر أيضاً. قوله: (مَا اصْطَفَى) أي ما اصطفاه الله فالعائد محذوف وفي نسخة اصطفاه بإثباتها ويجوز كون ما مصدرية أي مصطفى الله أي مختاره من الذكر لمن ذكر. قوله: (لِمَلاَئِكَتِهِ أوْ لِعبَادِهِ) ووقع في المشكاة إسقاط أو لعباده والاقتصار على "لملائكته" وعزاه لمسلم والذي فيه كما عزاه المصنف لملائكته أو لعباده قال ابن حجر في شرح المشكاة ومن ثم افتخروا به على آدم فقالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] اهـ. قال العاقولي في شرح المصابيح وإنما كان أفضل الكلام لأنه متضمن للتنزيه ومنه نفى الشريك فيكون متضمناً لكلمة التوحيد اهـ. قوله: (وَرَوَيْنا فِي صَحيح مسلم) قال في شرح سلاح المؤمن بعد إيراده ما لفظه مختصراً خرجه مسلم والنسائي وابن ماجة زاد النسائي وهو من القرآن اهـ. قال ابن حجر في شرح المشكاة أفراد الكلمات الثلاث الأول في القرآن اهـ، وحينئذٍ فمعنى قوله وهو من القرآن البعض باللفظ والمعنى والبعض بالمعنى ثم الذي في الإذكار والسلاح وغيرهما من رواية مسلم أحب الكلام إلخ

стр. 181

عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "أحَب الكلامِ إلى اللهِ تَعالى أرْبَع: ــ فقط ثم قال بعد سوق الروايتين كما ذكر رواه مسلم ثم أشار الحافظ إلى أن في سند الحديث عند مسلم لطيفة توالى ثلاثة من التابعين منصور أي ابن المعتمر عن هلال بن يسار عن الربيع بن عميلة وأشار أيضاً إلى أن الحديث أخرجه الإمام أحمد وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء من طريق أخرى بمثله لكن قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر قال الحافظ وقد صحح ابن حبان الروايتين أي التي في الأصل وهذه والله أعلم. قوله: (عَنْ سَمُرةَ بن جُنْدَب) بضم الجيم وفي دال جندب الفتح والكسر وهو الصحابي الفزاري توفي أبوه وهو صغير فقدمت به أمه المدينة فتزوجها أنصاري وكان في حجره حتى كبر قيل أجازه النبي ﷺ في المقاتلة يوم أحد وغزا مع النبي ﷺ وسلم غزوات ثم سكن البصرة وكان زياد يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة وعلى الكوفة إذا سار إلى البصرة وكان شديداً على الخوارج ولذا تبغضه الحرورية روي له عن رسول الله ﷺ مائة وثلاثة وعشرون حديثاً اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأربعة توفي بالبصرة سنة تسع وقيل ثمان وخمسين وقيل غير ذلك وفي الصحيحين عن سمرة قال لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلامًا فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا إن ها هنا رجالاً هم أسن مني. ثم اعلم إن الحديث كما خرجه عن سمرة من ذكر أولاً خرج من حديث أبي هريرة أيضاً رواه النسائي وابن حبان كما في الترغيب للمنذري. قوله: (أحَب الكلَام إلَى الله أَرْبَع) لا معارضة بين هذا الخبر وبين ما قبله لأن ما في هذا الحديث بين الكلمات مندرج في تلك الكلمة سبحان الله والحمد لله بالتصريح ولا إله إلاَّ الله والله أكبر بطريق الالتزام ولا يلزم منه

стр. 182

سبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، وَاللهُ أكْبَرُ، لا يَضُركَ بأيهِنَّ بَدأتَ". ــ أفضلية سبحان الله وبحمده على لا إله إلاَّ الله لما سبق إن مفاد لا إله إلاَّ الله صريح التوحيد الذي عليه المدار وسبحان الله مستلزمة وما أفاد بالمقصود الصريح أبلغ مما أفاد بالمفهوم، نعم سبحان الله أبلغ في الدلالة عن التنزيه من لا إله إلاَّ الله لأنها وإن دلت عليه إذ يلزم من إثبات الألوهية انتفاء سائر النقائص وهو معنى التسبيح إلاَّ أنه بطريق الالتزام وسبحان الله يدل عليه بالتصريح التام وسيأتي في شرح حديث أبي مالك بيان أفضل هذه الكلمات. قوله: (والحمدُ لله) أي كل حمد أو حقيقة الحمد أو الحمد المعهود أي الذي حمد به نفسه وحمده به أنبياؤه وأولياؤه مملوك أو مستحق له وقرن باسم الذات إعلاماً بأنه مستحقه للذات قال بعضهم وهو أفضل من التسبيح لأن فيه إثبات سائر صفات الكمال وفي التسبيح تنزيهه عن سائر النقائص ولإثبات أكمل اهـ. وعلى هذا فقدم التسبيح على الحمد لأنه من باب التخلية والحمد من باب التحلية ولأول مقدم كما تقدم والله أعلم. قوله: (ولا إله إلاَّ الله) وتقدم معناها وهي أفضل الذكر ففي الحديث لا إله إلاَّ الله أفضل الذكر وفي حديث البطاقة المشهور عند أحمد والنسائي والترمذي إن لا إله إلاَّ الله لا يقوم لها شيء في الميزان وعند أحمد لو إن السموات السبع وعامرهن والأرضين السبع في كفة ولا إله إلاَّ الله في كفة مالت بهن ولا يحصل الإيمان للقادر على النطق إلاَّ بالتلفظ مع التصديق الجناني وقيل يحصل بالتصديق فقط وهو عاص بترك اللفظ وضعف وقد نقل المصنف الإجماع على عدم نفع التصديق الجناني لمن تمكن من النطق بالشهادتين ولم يأتِ بهما ومات كذلك. قوله: (والله أكبر) أي أجل وأعظم من كل ما عداه وحذف العمول للتعميم ولتلاشي الأكوان في مقام ذكره. قوله: (لا يضرك بأَيهن بدأتَ) لحصول أصل المعنى المقصود مع البداءة بهن لاستقلال كل منها وأما كماله فإنما يحصل بترتيبها

стр. 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما ذكرت في الخبر، كان اللائق بالذكر أولاً نفي النقائص عن ذاته المدلول عليه بسبحان الله ثم إثبات الكمالات مع التنبيه على معنى الفضل والإفضال من الصفات الذاتية والإضافية المدلول عليه بالحمد ثم إثبات الألوهية له تعالى ونفيها عما سواه ففيه توحيد الذات ونفي الضد والند والتبرئ من الحول والقوة والإثبات المذكور مدلول عليه بكلمة التوحيد ثم إثبات الكبرياء له تعالى والاعتراف بالعجز عن القيام بما يليق به من الثناء لعجز سائر الخلق عن ذلك قال سيدنا رسول الله ﷺ سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وكل من هذه المدلولات لازم رعايته يما قبله، وقال ابن مالك المعنى إن بدأ بأي شيء منها جاز وهذا يدل على إن كلا منها جملة مستقلة ولا يجب ذكرها على نمطها المذكور لكن مراعاته أولى لأن المتدرج في المعارف يعرفه أولاً بنعوت جلاله وتنزيهاته عما يوجب نقصاً ثم بصفات كماله وهي الصفات الثبوتية التي بها يستحق الحمد ثم يعلم إن من هذا صفته لا مماثل له ولا يستحق الألوهية غيره فيكشف له من ذلك أنه أكبر إذ كل شيء هالك إلا وجهه وهو كلام حسن المبدأ والمنتهى اهـ، وهذه الكلمات الأربع هي الباقيات الصالحات المذكورة في الآية كما رواه النسائي من جملة حديث والحاكم عن أبي هريرة وفي السلاح عن أبي سعيد الخدري إن رسول الله ﷺ قال استكثروا من الباقيات الصالحات قيل وما هن قال التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله اهـ. أي لما تقرر من جمعها للمعارف الإلهية والمقامات السلوكية من سلب النقائص المستلزم إثبات الكمالات المستلزم إثبات التوحيد المستلزم إثبات الكبرياء المستلزم الاعتراف بالعجز وزاد بعضهم عليها لا حول ولا قوة إلاَّ بالله لدال على الاعتراف بالعجز والتبري من الحول والقوة. وقد وردت في حديث أبي سعيد وحكمة تسميتها الباقيات مع بقاء

стр. 184

وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ــ جميع أعمال الآخرة مقابلتها للفانيات الفاسدات في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٥] من المال والبنين ولذا قال تعالى ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) واللفظ له ورواه الترمذي أيضاً وفي رواية له والتسبيح نصف الميزان والحمد لله تملؤه والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض والصوم نصف الصبر وزاد في رواية أخري ولا إله إلاَّ الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه كذا في السلاح ثم ما أورده المصنف بعض حديث مسلم، وباقيه والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، وأخرج الحديث أحمد والنسائي ووقع عند ابن ماجة وابن حبان إلى قوله والصبر ضياء دون ما بعده وقالا سبحان الله بدل لا إله إلاَّ الله قال الحافظ وقع في رواية جميع من تقدم عن أبي مالك الأشعري إلا الترمذي فوقع في روايته عن الحارث بن الحارث الأشعري فإن كان محفوظاً فالحديث من سند الحارث وهو يكنى أبا مالك وفي الصحابة من الأشعريين ممن يكنى أبا مالك كعب بن عاصم وآخر اسمه عبيد وآخر مشهور بكنيته وقد جعل صاحب الأطراف هذا الحديث من روايته وما وقع عند الترمذي يأبى ذلك اهـ، وسيأتي لهذا مزيد في باب ما يقول الرجل إذا دخل بيته إن شاء الله تعالى. قوله: (عن أبي مالك الأشعري) اختلف في اسمه على عشرة أقوال فقيل كعب بن مالك وقيل كعب وقيل عاصم وقيل عبيد وقيل عمر وقيل الحارث قدم في السفينة مع الأشعريين على النبي ﷺ يعد في الشاميين

стр. 185

"الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ، ــ توفي في خلافة عمر ﵁ بطعن هو ومعاذ وأبو عبيدة وشرحبيل في يوم واحد روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وعشرون حديثاً روي عنه مسلم حديثين هذا أحدهما والثاني أربع من أمر الجاهلية وروي البخاري عنه على الشك فقال عن أبي مالك أو أبي عامر وروي عنه أصحاب الأربعة. قوله: (الطّهور شطر الإيمان) الطهور بالضم على المختار وهو قول الأكثر كما قاله المصنف وبه يندفع قول القرطبي لم يرو إلاّ بالفتح، وبالفتح للمبالغة أو اسم الآلة التي يتطهر بها ويمكن حمله على ما يوافق رواية الضم إما إنهما مصدران بمعنى واحد وعليه الخليل أو أنه مراد به غير معناه المذكور من المبالغة واسم الآلة بل المراد به ما يوافق معنى المضموم من الاستعمال فيتحد معنى الروايتين أو إن فيه على رواية الفتح مضافاً أي استعمال الطهور والمراد به الفعل وهو كالطهارة مصدران من طهر بفتح هائه وضمها يطهر بالضم لا غير لغة النزاهة وشرعاً فعل ما يترتب عليه إباحة أو ثواب مجرد فالأول كالوضوء عن الحدث والثاني كالوضوء المجدد والمراد بالإيمان هنا حقيقته المركب من التصديق الجناني والإقرار اللساني والعمل الأركاني وهو كذلك وإن كثرت خصاله إلاّ أنها منحصرة فيما ينبغي التنزه عنه وهو كل منهي عنه ويطلب التلبس به وهو كل مأمور به فهو شطران والطهارة بالمعنى اللغوي شاملة لجميع الشطر الأول فالخبر نظير خبر الإيمان نصفان نصف شكر ونصف صبر أو الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣ - ١٤٣] أي صلاتكم لبيت المقدس والمراد بالطهور فيه الوضوء وهو لافتقار الصلاة إليه لكونه شرطها فكان لها كالشطر قال المصنف وهذا أقرب الأقوال واعترض بأن الشرط ليس بشطر لغة ولا اصطلاحاً ورد

стр. 186

والحمْدُ لِلهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، ــ بأنه لم يدع أن الشرط شطر إنما قال أنه كالشطر وهو وإن لزم عليه إن فيه تجوزاً في قصر الإيمان على الصلاة وإخراج الشطر عن حقيقته إلى معنى المماثل للشطر لا يبعد اختياره لتعذر الحقيقة باعتبار القواعد والاستقراء وبه يجاب عما قيل أنه من قصر العام على بعض أفراده وهو لا يجوز إلاَّ بدليل واستعمال الشطر في غير النصف الحقيقي شائع وحكمة التعبير به الإشارة إلى الفخامة والشرف والطهر حقيق بذلك إذ طهر الظاهر، برفع الحدث والخبث حتى يتأهل العبد للوقوف بين يدي الله تعالى والشروع في مناجاته، مؤذن غالباً يطهر الباطن من خبائث ذنوبه بالتوبة المؤذنة بفتح باب السلوك إلى الله تعالى ومن ثم مدح الله تعالى كلا منهما وأثبت له محبة مخصوصة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ [البقرة: ٢٢٢] ولا يشكل على ما ذكر من إخراج الشطر عن معنى النصف حديث أحمد والطهور نصف الإيمان لأن النصف يأتي أيضاً بمعنى الصنف ومنه عند جماعة حديث تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم كقول الشاعر: ﴿﴾ إذا مت كان الناس نصفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أفعل وأما حمل بعضهم الخبر على أن المراد الطهور كالإيمان في تكفير ما فعل من العصيان فمردود بأنه حينئذٍ مثله لا شطره على أن الصلاة ونحوها مثله في ذلك فلا خصوصية له. قوله: (والحمد لله تملأ الميزان) بالتحتية والفوقية أي يملأ ثوابها لو قدر جسماً أو هي لو جسمت باعتبار ثوابها أي ثواب التلفظ بها مع استحضار معناها أي من الثناء بالجميل الاختياري إلخ والإذعان له والميزان الذي يقع به وزن الأعمال إما بأن يجسم أو توزن صحف الأعمال فتطيش بالسيئة وتثقل بالحسنة حقيقة يوم القيامة دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] والآيات والسنة كثيرة فيما ذكره ومخالفة المعتزلة في إثبات حقيقة الميزان

стр. 187

وَسُبْحَانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ -أَو تَمْلأُ- ما بَيْنَ السمواتِ والأرضِ". ــ وحمله على أنه مجاز عن إقامة العدل في الحساب كنظائره نشأ عن تحكيم عقولهم الفاسدة ونظرهم لأنظارهم الكاسدة وإنما ملأ ثواب هذه الجملة كفة الميزان مع سعتها المفرطة لأن حمده تعالى فيه إثبات لسائر صفات كماله فبسبب ذلك عظم ثوابه حتى ملأ الميزان ثم هل الثواب المذكور على خصوص هذه الجملة لأنها أفضل صيغ الحمد ولذا وردت في الكتاب والسنة أو المراد هي وما ماثلها مما أفاد الحمد تردد فيه بعض المحققين وظاهر كلامه الميل إلى الثاني وزعم إن المراد بالحمد لله هو سورة الفاتحة مردود بدليل السياق. قوله: (وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ) شك من الراوي هل هو بضمير التثنية لتعدد الجملتين أو بالإفراد باعتبار الجملة أو المذكور ثم كل منهما بالفوقية باعتبار الجملة وبالتحتية فالأولى باعتبار أنهما جملتان والثانية باعتبار اللفظ أي هذا اللفظ المشتمل على الجملتين واقتصر العاقولي على قوله تروى بالمثناة الفوقية. قوله: (ما بين السماوات والأرض) كذا هو في الكتب الحديثية السموات بالجمع ورأيته في سلاح المؤمن السماء بالإفراد وعزاه إلى رواية مسلم والترمذي والذي في أصلي من مسلم كما في كثير من الكتب الحديثية بالجمع والأرض في هذا الخبر مروي به بالإفراد والمراد به الجمع أي الأرضين جرياً على وزان الآيات القرآنية وحكمته الإشارة إلى شرف السماء على الأرض كما هو الأصح عند الجمهور لعدم العصيان فيها أبدًا بناء على إباء إبليس من السجود كان في الأرض أو غالباً بناء على مقابله، وملأ ثواب ما ذكر ما بين السموات والأرض التي لا يحيط بسعتها إلَّا خالقها سبحانه لأن العبد إذا حمد الله مستحضراً معنى الحمد امتلأت ميزانه فإذا أضاف إليه سبحان الله الذي هو تنزيه الله أي

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اعتقاد تنزهه عما لا يليق به من الأوصاف ملأت حسناته ثوابه وزيادة على ذلك ما بين السماء والأرض إذ الميزان مملوء بثواب التحميد فهذه الزيادة ثواب التسبيح وثواب الحمد من ملئه للميزان باقٍ بحاله على كل من اللفظين المشكوك فيهما وهل المراد أنهما معاً يملآن ما بينهما أو كل منهما يملؤه هذا محتمل كذا في شرح الأربعين لابن حجر وفي شرحه على المشكاة وفي ملئهما لهذه الاجرام أظهر دلالة على عظم فضلهما وعلى إن الحمد لله أفضل من سبحان الله لأنها خصت بملء الميزان ثم شوركت مع سبحان الله في ملء ما ذكر أيضاً اهـ، وبه يعلم إن قوله فهذه الزيادة ثواب التسبيح أي مع الحمد لا على الانفراد كما يوهمه كلامه الأول ثم قد تضمنت الأحاديث فضل الكلمات الأربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر قال ابن حجر في شرح الأربعين فأما الحمد فقد اتفقت الروايات على أنها تملأ الميزان فهو أفضل من التسبيح وسره إن في الحمد إثبات سائر صفات الكمال وفي التسبيح تنزيهه عن صفات النقص والإثبات أكمل من السلب واعلم أن الميزان أوسع مما بين السماء والأرض فما يملؤه أكثر مما يملؤهما وبه يعلم إن الحمد لله أكثر ثوابًا من لا إله إلاَّ الله لما تقرر إن الحمد يملأ الميزان وانه أكثر مما يملأ السماء والأرض ومع ذلك لا إله إلاَّ الله لا تملؤه إلاَّ مع ضم الله أكبر إليها وقد حكى ابن عبد البر وغيره خلافاً في ذلك قال ابن عبد البر قال النخعي إن الحمد لله أكثر الكلام تضعيفاً وقال الثوري ليس يضاعف من الكلام مثل الحمد لله وروى أحمد إن الله اصطفى من الكلام أربعاً سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر وإن في كل من الثلاثة عشرين حسنة وحط عشرين سيئة وفي الحمد لله ثلاثين حسنة اهـ، وأشار بقوله ولا إله إلاّ الله لا تملؤه إلاَّ بضم والله أكبر إليها إلى حديث ولا إله إلاَّ الله والله أكبر ملء السموات

стр. 189

وروينا فيه أيضاً ــ والأرض وما بينهن وإلى حديث آخر كلمتان إحداهما من قالها لم يكن لها نهاية دون العرش والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض لا إله إلاَّ الله والله أكبر وفي شرح المشكاة في حديث الترمذي وابن ماجة أفضل الذكر لا إله إلاَّ الله وأفضل الدعاء الحمد لله قيل الحمد لله أفضل لأنه جعلها أفضل العبادة وتلك إنما جعلت أفضل الذكر الذي هو نوع منها وأيضاً في حديث إن الحمد لله بثلاثين حسنة ولا إله إلاَّ الله بعشر حسنات وهو صريح في أفضلية الحمد لله وقيل الأفضل كلمة لا إله إلاّ الله لأنها كلمة النجاة المتكفلة بكل خير ديني ودنيوي وأيضاً هي أصل العبادات القولية والفعلية والأمر المبني عليها غيرها وهذا هو الصحيح الذي لا محيد عنه فيتعين أن يكون المراد من حديث وأفضل الدعاء ما ندب الشارع إلى بدئه وختمه به وهو الحمد لله وأفضل الدعاء أي العبادة لا إله إلاَّ الله الحمد لله وكونها بثلاثين حسنة لا يدل على أفضليتها لأن لا إله إلاَّ الله فيها من الفضائل والخصائص غير الحسنات ما ليس في الحمد لله اهـ. وقال الطيبي لا إله إلاَّ الله وهي الكلمة العليا وهي القطب الذي يدور عليها رحى الإسلام والقاعدة التي بني عليها أركان الدين وهو أعلى شعب الإيمان ثم قال ولا مر ما نجد العارفين وأرباب القلوب يستأثرونها على سائر الأذكار لما رأوا فيها من خواص ليس الطريق إلى معرفتها إلاّ الذوق والوجدان اهـ. وزعم الزمخشري إن التسبيح أفضل ورد بأن التفضيل أمر شرعي ولم يثبت في ذلك شيء وبأن التسبيح أمر سلبي والذكر أمر ثبوتي والوجود أشرف من العدم ولا يشكل على قوله ولم يثبت إلخ حديث لا إله إلاَّ الله بعشر حسنات وسبحان الله بثلاثين حسنة لما

стр. 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقدم والله أعلم. قوله: (وروينا فيه أيضاً) اعلم أن حديث جويرية رواه ما عدا البخاري من أصحاب الكتب الستة كما قاله في السلاح وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء بنحوه كما أشار إليه الحافظ، وكلما أيضاً لا تستعمل إلاَّ مع شيئين بينهما توافق ويمكن استغناء كل منهما عن الآخر وهو مفعول مطلق حذف عامله وجوباً سماعاً أو حال حذف عاملها وصاحبها والتقدير على الأول أرجع إلى الرواية عنه رجوعاً وعلى الثاني أروى بما تقدم راجعاً إلى الرواية عنه ثانياً قال الجلال السيوطي توقف ابن هشام في عربيتها وظن أنها مولدة من استعمال الفقهاء وليس كما ظن فقد ثبت في الكلام الفصيح روى أحمد في مسنده عن أبي هريرة إن عمر وهو يخطب يوم الجمعة جاء رجل فقال عمر له تحبسون عن الصلاة فقال الرجل ما هو إلاّ إن سمعت النداء فتوضأت فقال أيضاً وفي لفظ الوضوء أيضاً وهو في الصحيح من حديث ابن عمر عن عمر اهـ. قلت في صحيح البخاري عن عمر والوضوء أيضاً أخرجه في باب غسل الجمعة وقد ظفرت بأنه ﷺ تكلم بذلك في الصحيحين وأخرج البخاري في كتاب الجهاد في باب بيعة الرضوان حديث سلمة بن الأكوع قال بايعت النبي ﷺ ثم عدلت إلى ظل الشجرة فلما خف الناس قال يا ابن الأكوع ألا تبايع قلت قد بايعت رسول الله ﷺ قال وأيضاً الحديث وأخرج البخاري في كتاب الفضائل في فضل هند بنت عتبة بن ربيعة زوج أبي سفيان وأخرجه في غير كتاب الفضائل أيضاً ومسلم في صحيحه عن عائشة قالت جاءت هند بنت عتبة فقالت يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض من خباء أحب إليَّ أن يذلوا من أهل خبائك ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك فقال لها ﷺ وأيضاً والذي نفسي بيده أي ليزيد الإيمان في قلبك وترسخ المحبة عندك أيضاً اهـ.

стр. 191

عن جُوَيريةَ أم المؤمنين ﵂: "أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي ــ قوله: (عن جويرية) بالجيم المضمومة فالواو المفتوحة ثم التحتية الساكنة ثم الراء المهملة ثم ياء تحتية مشددة ثم هاء. قوله: (أُم المؤْمنين) وهي بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية سباها رسول الله ﷺ يوم المريسيع وهي غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة وقيل السادسة من الهجرة وكانت جويرية تحت صفوان ذي الشعرين فقتل يوم المريسيع وفي صحيح مسلم كان اسمها برة فحوله النبي ﷺ جويرية وكان يكره إن يقال خرج من عند برة كما سيأتي في كتاب الأسماء ذكر ابن سعد إنها توفيت في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين في خلافة معاوية وصلى عليها مروان بن الحكم وهو يومئذٍ والي المدينة وكان سنها لما تزوجها ﷺ عشرين سنة وتوفيت عن خمس وستين سنة كذا أخرجه ابن سعد عن مولاة جويرية عنها وخبر تزوجه بها مذكور في التهذيب للمصنف وغيره حاصله عن عائشة أنها استعانته في كتابتها مع من وقعت في سهمه وهو ثابت بن قيس وكانت امرأة ملاحة فقال أو خير من ذلك أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك قالت نعم ففعل فبلغ الناس ذلك فقالوا أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق فلقد أعتق بها مائة بيت من بني المصطلق قالت عائشة فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها وروى عنها ابن عباس ومولاه كريب وآخرون روي لها عن رسول الله ﷺ سبعة أحاديث انفرد البخاري منها بحديث واحد ومسلم بحديثين. قوله: (بُكرةً) بالتنوين لأن المراد منه بكرة يوم من الأيام والبكرة أول النهار من الفجر على الصحيح من قبل طلوع الشمس. قوله: (حين صلى الصبح) أي حين أراد صلاة

стр. 192

في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة فيه، فقالَ: ما زِلْتِ اليَوْمَ على الحالَةِ التي فارَقْتُكِ علَيها؟ قالت: نعم، فقال النبيُّ ﷺ لقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أربَعَ كَلماتٍ ثلاثَ مرَّاتٍ لو وُزِنَت بِما قُلْتِ مُنْذُ اليَوْم لَوَرنَتْهُن: ــ الصبح. قوله: (في مَسجدِها) قال العاقولي أي موضعها المعد للصلاة من بيتها اهـ. قال ابن حجر وهو بفتح الجيم مصلاها وغلب السجود لأنه أشرف الأركان مطلقاً وبعد القيام. قوله: (أَضْحَى) أي دخل في الضحا فالفعل تام والضحا ما بين طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح ووقع عند الطبراني ثم رجع بعد ما ارتفع وانتصف النهار وهي كذلك. قوله: (بعدكِ) أي بعد مفارقتك. قوله: (أَربَعَ كلمَاتِ) قال العاقولي نصب على المصدر أي تكلمت يعني إن معنى قلت تكلمت فهو معنوي أي عامله من معناه لا من لفظه كقمت وقوفاً ويحتمل أنه جعله لفظياً بناءً على القول بأن العامل في المذكور محذوف ويكون قلت وتكلمت أربع كلمات. قوله: (منذُ اليومِ) بضم الميم وتكسر وهي هنا من حروف الجر أي في الوقت الحاضر هذا هو المختار ويجوز رفعه. قوله: (لَوَزَنَتْهُنَّ) أي عادلنهن كما هو المتبادر أو غلبتهن وزادت عليهن في الوزن كما يقال حاججته أي غلبته في الحجة ويؤيده أنه ورد عن الطبراني أنه ﷺ قال لقد قلت بعدك كلمات ثلاث مرات هن أكثر وأرجح مما قلت وأعاد الضمير مجموعاً عليهن باعتبار معنى ما في قلت إذ هي واقعة على أذكار كثيرة جداً كما يدل عليه تحديدها الوقت المشغول جميعه بالذكر وفي حواشي سنن أبي داود للسيوطي "سئل" الشيخ عز الدين ابن عبد السلام عمن يأتي في التسبيح بلفظ يفيد عدداً كثيراً كقوله سبحان الله عدد

стр. 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خلقه أو عدد هذا الحصى وهو ألف هل يستوي أجره في ذلك وأجر من كرر التسبيح قدر ذلك العدد "فأجاب" قد يكون بعض الأذكار أفضل من بعض لعمومها وشمولها واشتمالها على جميع الأوصاف السلبية والذاتية والفعلية فتكون السلبية من هذا النوع أفضل من الكثير من غيره كما جاء في قوله ﷺ سبحان الله عدد خلقه اهـ، وصريحه أن أجر التكرار إذا اتحد النوع أفضل ولا إشكال فيه بل غيره لا يظهر لئلا يلزم مساواة العمل القليل للعمل الأكثر مع التساوي في سائر الأوصاف وذلك مما يأباه قواعد الشرع الشريف وفي فتاوى الحافظ ابن حجر العسقلاني "سأل" المحقق الجلال المحلي عما ورد من نحو هذا الخبر من حديث صفية، فقال ما المراد منه حتى يرتفع فضل التسبيح الأقل زمناً على الأكثر زمناً "فأجاب " قد قيل في الجواب إن لألفاظ الخبر سرًّا يفضل به على لفظ غيره فمن ثم أطلق على اللفظ القليل أنه يشتمل على عدد لا يمكن حصره فما كان منها من الذكر بالنسبة إلى عدد ما ذكر في الخبر قليل جداً فكان أفضل من هذه الحيثية والله أعلم وفي شرح الحصين الحصين للحنفي واعلم إن قول سبحان الله وبحمده إذا كان مطلقاً محمول على أول مرتبة وهي الوحدة وإذا قيد بقولنا عدد خلقه كان هذا المجمل قائماً مقام المفصل فيقاربه ويساويه وكذا الحال في باقي الأحاديث "وسئل" الشيخ الإمام أحمد بن عبد العزيز النويري بما صورته هل الأفضل الإتيان بسبحان الله عشر مرات أو بقوله سبحان الله عدد خلقه مرة فأجاب الظاهر إن قوله سبحان الله عدد خلقه مرة أفضل ثم ساق أحاديث تشهد بذلك منها حديث الباب وما في معناه ثم قال وقد يكون العمل القليل أفضل من العمل الكثير كقصر الصلاة في السفر أي إذا زاد على ثلاث مراحل أفضل من الإتمام مع كون الإتمام أكثر عملاً لكن لو نذر إنسان أن يقول سبحان الله عشر مرات فقال سبحان الله عدد خلقه مرة فإنه لا يخرج عن عهدة نذره لأن العدد هنا مقصود وقد صرح إمام الحرمين أنه لو نذر أن يصلي ألف صلاة لا

стр. 194

سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ ــ يخرج عن عهدة نذره بصلاة واحدة في الحرم المكي وإن كانت تعدلها من حيث الثواب ومثله ما في معناه من الأخبار كخبر سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن فلا يخرج عن عهدة نذره قراءته وفي الدر المنضود في الصلاة على صاحب المقام المحمود ﷺ لابن حجر الهيتمي إن أبا المتطرف "سئل" عن كيفية قوله ﷺ من صلى علي في يوم خمسين مرة صافحته يوم القيامة "فقال" إن صلى على سيدنا محمد خمسين مرة أجزأه ذلك إن شاء الله تعالى وإن كرر ذلك بقدر العدد فهو أحسن اهـ، لكن توقف ابن عرفة المالكي في حصول الثواب بعدة ما ذكر وقال أنه يحصل له ثواب أكثر ممن صلى مرة لا ثواب ذلك العدد قال ويشهد لما ذكر حديث من قال سبحان الله عدد خلقه من حيث إن للتسبيح بهذا اللفظ مزية مالاً لم تكن له فائدة وقد شهد لإثابته بقدر ذلك العدد من طلق ثلاثاً فإنه يلزمه الأعداد الثلاثة نقله عنه تلميذه المحقق الآبي المالكي شارح صحيح مسلم وأنت خبير بأن خبر الباب شاهد بإثابته بقدر ذلك. قوله: (سُبْحانَ الله وبحمده) قال ابن هشام في المغني اختلف فيه فقيل جملة واحدة على أن الواو زائدة وقيل جملتان على أنها عاطفة ومتعلق الباء محذوف أي وبحمده سبحته وعلى كل من القولين يأتي الخلاف المتقدم في (وَسَبحْ بِحَمدِ رَبِّكَ) [طه: ١٣٠] من إن الباء للمصاحبة والحمد مضاف إلى المفعول أو للاستعانة والحمد مضاف إلى الفاعل اهـ، والمراد من الحمد لازمه مجازاً أي ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية ويكون هذا من التعبير بالمسبب وهو الحمد عن السبب وهو التوفيق والهداية والإعانة ويجوز أن يكون الحمد مضافاً للمفعول ويكون معناه وسبحت بحمدي إياه قاله الكرماني. قوله:

стр. 195

عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَى نَفْسِهِ، ــ (عَدَدَ خَلقِهِ) أي قدره فهو وما بعده منصوب على الظرفية قال الجلال السيوطي في حاشية سنن أبي داود ما لفظه "سئلت" قديماً عن إعراب هذه الألفاظ ووجه النصب فيها فأجبت بأنها منصوبة على الظرف بتقدير قدر وقد نص سيبويه على إن من المصادر التي تنصب على الظرف قولهم زنة الجبل ووزن الجبل اهـ، وألف فيه الجلال جزءاً لطيفاً سماه "رفع السنة عن نصب الزنة" وقيل بل على المصدرية وعليها فقدره بعضهم أعد تسبيحه وبحمده بعدد خلفه وبمقدار ما يرضاه إلخ، وقدره آخرون سبحته تسبيحاً يساوي خلقه عند التعداد وزنه عرشه ومداد كلماته في المقدار وموجب رضا نفسه قال ابن حجر في شرح المشكاة والأول أوضح اهـ، وفيه أن ما يناسب القول بأن النصب على نزع الخافض الذي بدأ به في المرقاة وقدره الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق عدداً كعدد خلقه اهـ. قال العاقولي وذكر العدد مجاز للمبالغة لأنها لا تحصر بعد اهـ، وسيأتي له مزيد. قوله: (ورِضَا نفسِهِ) أي ذاته المقدس لتعاليه تعالى عن النفس وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] من باب المقابلة والمشاكلة لاستحالة النفس عليه تعالى كذا في شرح المشكاة لابن حجر وصريحه منع إطلاقها عليه تعالى في غير المشاكلة وأجازه آخرون لوجوده مع فقد المشاكلة كما في خبر الباب وخبر سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وفي الحرز لعل وجه المنع أنه مأخوذ من النفس وهو تعالى منزه عنه والأظهر أنه مأخوذ من النفس فيجوز إطلاقه عليه بهذا المعنى اهـ، وهذا بناء على مذهب الباقلاني من جواز ما صح وصفه به مما لا يوهم نقصاً وإن لم يأت به توقيف والصحيح امتناعه قبله ولو استدل لجواز الإطلاق بوروده لا على سبيل المشاكلة فيما ذكر من الخبر الصحيح وأمثاله لكان أولى والله أعلم، وما ورد من إطلاق لفظ النفس عليه تعالى

стр. 196

وَزِنَةَ عَرشِهِ، ــ فالمراد بها فيه الذات قال الراغب في مفرداته في قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٠] أي ذاته وقال ابن الجوزي والنفس تطلق بمعنى الذات وهو المراد في الحديث أي حديث من ذكرني في نفسه الحديث وفي تفسير القاضي وقوله في نفسك للمشاكلة وقيل المراد به الذات وفي "فتح الرحمن في كشف ما يلبس من القرآن" للشيخ زكريا الأنصاري "إن قيل" كيف قال عيسى ذلك مع إن كل ذي نفس جسم فهو ذو جسم لأن النفس جوهر قائم بذاته متعلق بالجسم تعلق التدبير والله منزه عن ذلك "قلت" النفس كما تطلق على ذلك تطلق على ذات الشيء وحقيقته كما يقال نفس الذهب والفضة محبوبة أي ذاتهما والمراد هنا الثاني اهـ، فتحصل من ذلك حمل ما ورد من النفس في حقه تعالى على معنى الذات لكن قال ابن اللبان الشاذلي في كتابه "إزالة الشبهات" في الآية المذكورة قد أولها العلماء بتأويلات منها إن النفس عبّر بها عن الذات والهوية وهذا وإن كان سائغاً في اللغة ولكن تعدى الفعل إليها بواسطة في المفيدة للظرفية محال لأن الظرفية يلزمها التركيب في ذاته وأولها بعضهم بالغيب أي ولا أعلم ما في غيبك وسرك وهذا أحسن لقوله آخر الآية: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة: ١٠٩] اهـ، وأنت خبير إن صرفها عن معنى الذات لما ذكر في الآية إنما يجري فيما أشبهه قال ابن حجر في شرح المشكاة وكان القياس ورضاه فذكر النفس المراد بها الذات تأكيداً أي يقتضي التسبيح والحمد، أي كل منهما لكماله والإخلاص فيه، رضا ذاته أو يكون بما يرتضيه لنفسه أو بمقدار ما يرضاه ولا يرضى إلاَّ بما هو خالص لوجهه وعليه ففي ذكر النفس الإشارة إلى الإخلاص وأنه لا يحصل ثواب الذكر بل سائر الأعمال إلاّ ما ابتغى بها وجه الله اهـ. قوله: (وَزنَة عَرْشه) في كشف المشكل لابن الجوزي هو من الوزن والمقابلة بالثقل وكون كل من التسبيح والحمد ليس له وزانة والعرش جسم له ثقل يجاب بأن الخبر يحتمل

стр. 197

ومِدَادَ كَلِماتِهِ" ــ أمرين أحدهما إن تكون الإشارة إلى إن الصحف التي يكتب فيها التسبيح والتحميد تجمع حتى توازن العرش والثاني إن يراد بذلك الكثرة والعظمة فشبهت بأعظم المخلوقات اهـ. قوله: (ومِدَادَ كَلِمَاته) المداد بكسر الميم كالمد مصدر بمعنى المدد وهو ما كثرت به الشيء يقال مددت الشيء أمده ويحتمل أن يكون جمع مد بالضم مكيال معروف فإنه يجمع على مداد، وكلمات الله تعالى قيل كلامه القديم المنزه عن أوصاف الكلام الحادث قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] الآية وقيل علمه وقيل القرآن، ومعناه قيل مثلها في العدد وقيل مثلها في عدم التقدير وقيل في الكثرة أي يكون كل من التسبيح والتحميد مثلها بمقدار هذه وقيل عددها لو فرض حصرها فذكر القدر أو العدد فيها مجاز مبالغة في الكثرة وإلاّ فهي لا تعد ولا تحصى ولذا ختم بها إشارة إلى أن تسبيحه وحمده لا يحدان بعدد ولا مقدار قال ابن حجر في شرح المشكاة ولعل هذا مراد النووي بقوله فيه ترق لكن لا يتم ذلك في الكل لأن رضا نفسه أبلغ من زنة عرشه كما هو ظاهر اهـ، والمراد المبالغة في الكثرة لأنه ذكر ما لا يحصره العد الكثير من عد الخلق ثم زنة العرش ثم ارتقى إلى ما هو أعظم من ذلك وعبّر بقوله ومداد كلماته أي مما لا يحصيه عدد كما لا تحصى كلمات الله وصرح في الأولى بالعدد وفي الثانية بالزنة ولم يصرح بواحد منهما في الثانية والرابعة إيذاناً بأنهما لا يدخلان في جنس المعدود والموزون ولا يحصر بهما المقدار لا حقيقة ولا مجازاً فيحصل الترقي من عدد الخلق إلى رضا النفس ومن زنة العرش إلى مداد الكلمات وقال القرطبي في المفهم إنما ذكر ﷺ هذه الأمور على جهة الإعياء والكثرة التي لا تنحصر منبهاً على إن الذاكر لله تعالى بهذه الكلمات ينبغي له أن يكون بحيث لو تمكن من تسبيح الله

стр. 198

وفي رواية: "سُبْحانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَى نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ". وروينا في "كتاب الترمذي" ولفظه: "أَلا أعَلمُكِ كلماتِ تَقُولينها: سُبْحانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ عدَدَ خَلْقِهِ، سبْحانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَى نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَى نَفْسِهِ، سبْحَانَ اللهِ رِضَى نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ". وروينا في "صحيح مسلم" أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - صلى ــ وتحميده وتعظيمه عدداً لا يتناهى ولا ينحصر لفعل ذلك فيحصل له من الثواب ما لا يدخل في حساب. قوله: (وفي روايةٍ) هي لمسلم أيضاً كما في السلاح واستغنى المصنف عن التعيين لأنه لم يخرج الحديث إلاَّ من طريقه وسبق منه أول الكتاب في الفصول أنه إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفى بالعزو إليهما عن باقي المخرجين ورواه بلفظ هذه رواية النسائي وزاد في آخره والحمد لله كذلك وفي رواية النسائي سبحان الله وبحمده ولا إله إلاَّ الله والله أكبر عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. قوله: (ورويْناه في كتاب الترمذي إلخ) ولفظه إن النبي ﷺ مر عليها وهي في مسجدها ثم مر بها في المسجد قريب نصف النهار وقال لها ما زلت على حالك فقالت نعم فقال ﷺ ألا أعلمك إلخ، يؤخذ تثليث الذكر المذكور من خبر جويرية برواياته لأن زيادة الثقة مقبولة قال الحافظ وللحديث شاهد من حديثي سعد بن أبي وقاص ذكره الشيخ فيما يأتي. قوله: (وروينا في صحيح مسلم أيضاً)

стр. 199

الله عليه وسلم - "لأنْ أقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ والحمْدُ لِلَهِ، وَلا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ أَحَب إليَّ مِما طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ". وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" ــ ورواه النسائي أيضاً في السنن الكبرى قال في المرقاة ورواه الترمذي وابن أبي شيجة وأبو عوانة اهـ. قوله: (أَحَبّ إلي مِمَّا طلعت عليه الشمس) أي هذه الكلمات باعتبار ثوابها أحب إلي من الدنيا بأسرها لزوالها وفنائها قال القرطبي يحتمل أن يكون هذا على جهة الإعياء على طريقة العرب في ذلك ويحتمل أن يكون معناه أن تلك الأذكار أحب إليه من أن يكون له الدنيا فينفقها في وجوه البر والخير وإلَّا فالدنيا من حيث هي دنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة وكذا عند أنبيائه وأصفيائه فكيف يتوهم كونها أحب من الذكر حتى ينص على خلافه اهـ، بالمعنى وقال في باب الجهاد في قوله ﷺ لغدوة أو روحة في سبيل الله تعالى خير من الدنيا وما فيها أي الثواب الحاصل على ذلك خير لصاحبه من الدنيا كلها لو جمعت له وهذا منه ﷺ كقوله في الحديث الآخر وموضع قوس أحدكم أو سوطه في الجنة خير من الدنيا وما فيها باعتبار ما استقر في النفوس من تعظيم ملك الدنيا وأما على التحقيق فلا تدخل الجنة مع الدنيا باعتبار ذلك تحت افعل إلا كما يقال العسل أحلى من الخل اهـ. وفي شرح المشكاة وهذا نحو حديث ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها فخير وأحب ليس المراد بهما حقيقتهما اهـ. قوله: (وروينا في صحيحي البُخارِي ومسلم) ورواه الترمذي والنسائي أيضاً كما في السلاح وأخرجه ابن ماجة أيضاً كما قال الحافظ وقال المنذري في الترغيب وقالا يعني النسائي والطبراني كن له عدل عشر رقاب أو ورقبة على الشك وقال الطبراني في بعض ألفاظه كن له كعدل عشر رقاب من ولد إسماعيل من غير

стр. 200

عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قالَ لا إلهَ إِلا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، ــ شك اهـ .. قوله: (عن أبي أيوب الأنصاري) الخزرجي البخاري المدني الصحابي شهد العقبة وبدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان وشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ ونزل عليه رسول الله ﷺ حين قدم المدينة مهاجراً وأقام عنده شهراً حتى بنيت مساكنه ومسجده روي له عن رسول الله ﷺ مائة وخمسون حديثاً اتفقا منها على سبعة وانفرد البخاري بحديث ومسلم بخمسة روى عنه البراء بن عازب وجابر بن سمرة وآخرون توفي بأرض الروم غازياً في سنة خمسين وقيل إحدى وقيل اثنتين وخمسين وقبره بالقسطنطينية. قوله: (من قال لا إله إلا الله إلخ) من فيه من ألفاظ العموم تقع في اللغة على الذكر والأنثى ويحتمل أن تكون من شرطية فيكون مبتدأ وخبر قال وجواب الشرط قوله كان كمن أعتق إلخ، وقال فعل ماض لفظاً مستقبل معنى ويحتمل أن تكون من موصولة وصلتها قال وما بعده وقوله كان كمن أعتق إلخ، خبر المبتدأ وقال معناه الاستقبال أيضاً والمعنى الذي يقول ذلك إلخ، وعلى الشرطية من يقل إلخ، كذا في شرح الأنوار السنية ثم ظاهر إطلاق الحديث كما قال المصنف في شرح مسلم أنه يحصل هذا الأجر المذكور في الحديث لمن قال هذا التهليل مائة مرة في يومه سواء قالها متوالية أم متفرقة في مجالس أم بعضها في أول النهار وبعضها في آخره لكن الأفضل أنه يأتي بها متوالية في أول النهار ليكون حرزاً له في جميع نهاره اهـ، وظاهر إن ما ذكره في المائة جار في العشرة التي في هذا الحديث. قوله: (وحده) حال مؤكدة وكذا قوله لا شريك له أي هو في ذاته منفرد في صفاته وأفعاله فوحده لتوحيد الذات وما بعده تأكيد لتوحيد الأفعال أي ليس له معين ولا ظهير ففيه الرد على نحو المعتزلة وقال في الحرز هو من باب التأسيس والمراد من قوله وحده أي منفرداً

стр. 201

لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُل شَيءٍ قَديرٌ ــ بالذات ومن قوله لا شريك له أي في كمال الصفات وما اختاره الحنفي من كون كل منهما تأكيداً خلاف الأولى مع إمكان التأسيس على ما لا يخفى اهـ. وقال ابن العربي أتى به للإشارة إلى نفي الإعانة فإن العرب كانت تقول لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك اهـ، ثم وحده وإن كان معرفة لفظاً هو نكرة معنى إذ هو بمعنى منفرداً فلذا وقع حالاً وفي تحفة القاري على صحيح البخاري للشيخ زكريا الأنصاري في باب الدين النصيحة من كتاب الإيمان وحده حال بتأويله بنكرة أي واحداً أو مصدر وحد يحد كوجد يجد اهـ. قوله: (له الملك) أي الملك المطلق الحقيقي الدائم الذي لا انتهاء لوجوده له لا لغيره كما يؤذن به تقديم الظرف المؤخر رتبة لكونه معمول الخبر والميم في الملك مثلثة بمعنى واحد على ما رواه بعض البغداديين كذا في شرح العمدة للقلقشندي. قوله: (وله الحمد) أي الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التعظيم له لا لغيره وما وجد منه لغيره فبطريق المجاز إذ لا نعمة بالحقيقة لغيره أصلاً كذا في فتح الإله وفيه إن الحمد لا يختص بالنعمة بل قد يكون لا فى مقابلتها إلا إن يقال وحمل ذلك على ما في مقابل النعمة ولا يخفى ما فيه. قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] قال في شرح المشكاة على كل شيء شاءه قدير فخرج المحال لذاته فإنه لا يتعلق به الإرادة فلا تتعلق به القدر وحاصله أن شيئاً هنا بمعنى مشيء اسم مفعول من شاء أي مراد وجوده فلا استثناء لأن الممتنع والواجب لا يحتملهما الشيء بهذا المعنى فلا حاجة إلى استثنائهما منه وقد أوضح هذا المقام القاضي البيضاوي فقال في سورة البقرة من تفسيره الشيء يختص بالموجود لأنه في الأصل مصدر شاء أطلق بمعنى شاء تاره أي مريد اسم فاعل وحينئذٍ فيتناول الباري تعالى كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] وبمعنى مشيء أي اسم مفعول أي مشيء وجوده وما شاء الله وجوده فهو موجود في

стр. 202

عشر مرات، كان كمن أَعتقَ أربعة أنفسِ من ولد إسماعيل". ــ الجملة وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] فهما على عمومهما بلا مثنوية أي استثناء والمعتزلة لما قالوا الشيء ما يصح إن يوجد وهو يعم الواجب والممكن أو ما يصح إن يعلم ويخبر عنه فيعم الممتنع أيضاً لزمهم التخصيص بالممكن في الموضعين بدليل العقل اهـ، أي لأن الواجب والمستحيل لا تتعلق بهما القدرة إذ لو تعلقت بهما لانقلبا من الممكنات وقد فرض خلافه هذا خلف والقدرة التمكن من إيجاد الشيء وقيل صفة تقتضي التمكن وقيل قدرة العبد هيئة بها يتمكن من الفعل وقدرة الله تعالى عبارة عن نفي العجز عنه والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل والقدير الفعال لما يشاء ولذا قل ما يوصف به غير البارئ تعالى قاله البيضاوي وقال الكواشي قدير أي فاعل لما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة لا زائد ولا ناقص ولذا يمتنع وصف غير الله بالقدير ومقتدر قريب منه لكونه لا يوصف بالشيء واشتقاق القدرة من القدر لأن القادر يوقع الفعل على مقدار قوته أو على ما تقتضيه مشيئته وفي قوله وهو على كل شيء قدير دليل على أن الممكن حال حدوثه وحال بقائه مقدوران وإن مقدور العبد مقدور لله تعالى لأنه شيء وكل شيء مقدور على كل شيء متعلق بقدير وموضعه نصب وجاز تقديمه مع أن معمول الصفة المشبهة لا يقدم عليها لكونه ظرفاً ومحل منع تقدمه إذا كان فاعلاً في المعنى قاله البدر بن مالك وغيره وعلى هذا التفصيل يحمل إطلاق قول والده وسبق ما تعمل فيه مجتنب. قوله: (عشر مرات) قال في الحرز هو أقل العدد الذي يجاوز عن حد الآحاد اهـ. قوله: (كان كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل) أي كان من قال الذكر المذكور كمن أعتق العدد المحصور من المذكور وولد يحتمل إن يكون بفتحتين أو بضمة فسكون وإسماعيل ويقال إسماعين بالنون محل اللام اسم أعجمي غير منصرف وجميع أسماء الأنبياء غير

стр. 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منصرفة إلا سبعة نظمتها في قولي: منعوا أسامي الأنبياء جميعها ... صرفاً سوى أسما أتاك نظامها فمحمد وشعيب هود صالح ... وعزيز نوح ثم لوط تمامها وجميعها أعجمية قال أبو منصور الجواليقي إلاَّ أربعة آدم وصالح وشعيب ومحمد ﷺ وقد نظمتها أيضاً في قولي: جميع أسامي الأنبيا أعجمية ... عليهم صلاة الله ثم سلامه سوى صالح مع آدم ومحمد ... كذاك شعيب فاحفظا ذا تمامه وفي شرح كشف المشكل لابن الجوزي وجه التخصيص بولد إسماعيل كونه أشرف العرب وهم أشرف من غيرهم وكذا قال ابن الجوزي في مفتاح الحصين قال في الحرز ولأنهم مشتركون معه في النسب والحسب اهـ، والمشاركة في النسب مسلمة وفي الحسب ممنوعة للأحاديث الصريحة وأين حسب بني هاشم في باقي قريش فضلاً عن باقي العرب ومن ثم صرحوا إن بني هاشم لا يكافئهم غيرهم من قريش سوى بني المطلب قال الحنفي ووجه التخصيص بالأربع لا يعلم إلا منه ﷺ قيل ولعله أن فيه في الذكر المذكور إثبات أربع صفات ثبوت الإلهية في لا إله إلاّ الله والملك في. قوله: (له الملك) وسائر الثناء في قوله: (وله الحمد والقدرة) في قوله: (وهو على كل شيء قدير) وهذه وإن كان بعضها يلزم بعضاً إلاَّ أن المقام للإطناب والمراد أن لمن أتى بها الذكر من الثواب كثواب من أعتق أربعاً من الرقاب لكن في أصل الثواب لا في كماله المتضاعف لما علم من تشوف الشارع إلى العتق أكثر منه إلى غيره ويؤيده قاعدة النفع المتعدي والعمل الأشق على النفس الأصل والغالب بهما أن يكونا أفضل من غيرهما والعتق متعد وأشق بكثير فليكن له من مزية الزيادة في الثواب ما ليس لغيره وعلى هذا كما قال غير واحد يحمل ما ورد من أشباهه وهو كثير كحديث سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن بناء على أن المراد به أن يحصل لقارئها من الثواب ثواب قارئ الثلث غير مضاعف

стр. 204

وروينا في "صحيحيهما" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءِ قدير ــ بخلاف قارئ الثلث فتضاعف له الحسنة بعشر أمثالها إلى ما لا يعلمه إلاَّ الله وسيأتي لهذا المقام مزيد في كتاب تلاوة القرآن ثم في خبر الصحيحين كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل وفي رواية للطبراني وقد سبقت كن له كعدل عشر رقاب من ولد إسماعيل وفي أخرى للطبراني ورواتها محتج بهم من حديث أبي أيوب من قال ذلك كان له كعدل محرر أو محررين وروى أحمد وابن حبان ومن قال لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فهو كعتق نسمة كذا في الترغيب وزاد في عدة الحصين فعزى الحديث الأخير أيضاً إلى تخريج الحاكم في المستدرك ولا منافاة لاحتمال أن التفاوت في الثواب على حسب تفاوت حال الذاكر حضورًا وغيبة فمنهم من يثاب على ذلك كعتق عشرين من الرقاب ومنهم كثواب عتق أربع ومنهم كثواب أقل أو إن ذلك للجميع لكنه ﷺ أخبر أولاً بأن فيه كعتق واحد أو اثنين أو أربع فأخبر به ثم أخبر بأنه كعدل عشر رقاب فأخبر به هذا كله بناء على اعتقاد مفهوم العدد والأصح عند الأصوليين عدمه وإن ذكر الأقل لا ينافي الأكثر ثم في هذا الخبر وما أشبهه جواز استرقاق كفار العرب قال المصنف في شرح مسلم في أول كتاب الجهاد في غزوة بني المصطلق وفيه جواز استرقاق العرب لأن بني المصطلق عرب من خزاعة وهذا قول الشافعي في الجديد وهو الصحيح وبه قال مالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي وجمهور العلماء وقال جماعة من العلماء لا يسترقون وهو قول الشافعي في القديم اهـ. قوله: (وروينا في صحيحيهما عن أبي هريرة) قال الحافظ

стр. 205

في يَومٍ مائَةَ مَرةٍ كانَتْ لَهُ عِدْلَ عَشْرِ رِقابٍ، وكُتِبَتْ لَهُ مِائةُ حَسَنَةٍ، ومُحِيَتْ عَنْهُ مائَةُ سَيِّئةٍ، وكانَتْ لَهُ ــ بعد تخريجه جملة الحديث كما أورده المصنف أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأفرد البخاري الحديث الثاني أي ومن قال سبحان الله إلخ، من رواية مالك مصرحاً برفعه قال وقد وقع عن شيخ مالك أي سمي مولى أبي بكر فذكره بلفظ من قال حين يصبح سبحان الله وبحمده مائة مرة فإذا أمسى قال مثل ذلك لم يأت أحد بمثل ما أتى به أخرجه أبو داود والنسائي في الكبيري اهـ. قوله: (في يوم) قال الأبي اليوم اسم لكمال الدورة لا للنهار فسواء قال ذلك في ليل أو نهار اهـ، وفيه أن ما ذكر في اليوم قول بعض علماء الهيئة إن النهار هو الدورة من نصف نهار إلى نهار يليه وقال بعضهم من نصف ليلة إلى نصف ليلة تليها والأقرب إن المراد باليوم فيه الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس حملا للفظ الشرعي على المتعارف عنده والله أعلم. قوله: (مائةُ مرة) قال الشيخ خالد الأزهري في شرح جمع الجوامع كان القياس في همزة مائة إن ترسم ياء لكسر ما قبلها ولكنها رسمت ألفاً لئلا يلتبس بصورة منه إذا لم ينقط وأصلها مئي حذفت لامها وعوض منها هاء التأنيث اهـ. قوله: (كَانت) أي تلك الكلمات وفي بعض نسخ المشكاة كان بالتذكير وهي باعتبار ما ذكر. قوله: (عدل عشرِ رقابٍ) في النهاية العدل بالكسر والفتح وهما بمعنى المثل قال في السلاح هذا قول البصريين وقيل هو بالفَتح ما عاد له من جنسه وبالكسر ما ليس من جنسه وقيل بالعكس اهـ. قال القرطبي يعني إن ثواب هذه الكلمة بمنزلة ثواب من أعتق عشر رقاب وتقدم في العتق أن من أعتق رقبة واحدة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار ثم يزاد ثواب ما زاد على ذلك مما اشتمل الحديث على ذكره اهـ. قوله: (وَمحيت عنْهُ مائَةُ سَيئة) قال

стр. 206

حِرزاً مِنَ الشَّيطَانِ يَومَهُ ذلكَ حَتَّى يُمْسِيَ، ولَمْ يأتِ أحَدٌ بأَفْضَلَ مِمَا جاءَ بِهِ إلا رَجُلٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْهُ" ــ الأبي هذه صغائر لأن شرط محو الكبائر التوبة منها مع جواز العفو عنها هذا مذهب أهل السنة ومثله في شرح المشكاة وغيره وأصل سيئة كما في النهاية سيوئة فأعل كإعلال سيد. قوله: (حِرْزاً من الشيطان) الحرز بكسر الحاء وسكون الراء المهملتين في آخره زاي الموضع الحصين يقال حرز حريز ويسمى التعويذ حرزاً ذكره الجوهري وفي النهاية اللهم اجعلنا في حرز حارز أي كهف منيع وهذا كما يقال شعر شاعر فأجري اسم الفاعل صفة لشعر وإنما هو لقائله والقياس محرز أو حريز لأن الفعل منه أحرز ولكن كذا روي ولعله لغة اهـ، والشيطان هو المارد من الجن الكثير الشر وفي مفردات الراغب الشيطان النون فيه أصلية وهو من شطن أي تباعد وقيل بل النون فيه زائدة من شاط يشيط احترق غضباً والشيطان مخلوق من قوة النار كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ولكونه من ذلك اختص بفرط القوة الغضبية والحمية الذميمة قال أبو عبيدة الشيطان اسم نكل عاد من الجن والإنس والحيوانات اهـ، ثم ذكره في مادة شيط وكذا فعل في القاموس ذكره في المادتين للاختلاف في أصله ومادته قال القرطبي والمراد إن الله تعالى يحفظ قائل هذا الذكر يومه ذلك فلا تقع منه زلة ولا وسوسة ببركة هذا الذكر قوله حتى يمسي ظاهر التقابل أنه إذا قال في الليل كانت له حرزاً من الشيطان حتى يصبح فيحتمل أن يكون اختصاراً من الراوي أو ترك لوضوح المقابلة وتخصيص النهار لأنه أحوج فيه إلى الحفظ والله أعلم قوله ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلخ، قال القاضي عياض ذكر هذا العدد من المائة وهذا الحصر

стр. 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لهذه الأذكار أولاً دليل على أنها غاية وحد لهذه الأجور ثم نبه ﷺ بقوله ولم يأت أحد إلخ، على أنه يجوز أن يزاد على هذا العدد فيكون لقائله من الفضل بحسب ذلك لئلا يظن أنها من الحدود التي نهي عن اعتدائها وأنه لا فضل للزيادة عليها كالزيادة على ركعات السنن المحدودة وإعداد الطهارة وقد قيل يحتمل أن هذه الزيادة من غير هذا الباب أي إن لا يزيد أعمالاً آخر من البر غيرها فيزيد له أجره عليها اهـ، وفي المحكي بقيل بعد لا يخفى وبالغ آخرون فقالوا الثواب الموعود به موقوف على العدد المذكور فلو زاد عليه لم يحصل له ما وعد عليه فإن للعدد المعين سراً وخاصية يترتب عليه ما ذكر ولو زاد تبطل الخاصية قال ابن الجوزي وهذا غلط ظاهر وقوله لا يلتفت بل الصواب أنه كما قال الشاعر ومن زاد زاد الله في حسناته. ثم لا ينافي هذه الفضيلة أن المحو هنا من السيئات مائة وفي حديث التسبيح مثل زبد البحر لأن هذا لم يجعل ذلك الممحو جزاءه فقط بل ضم إليه عتق عشر رقاب وكتابة مائة حسنة والحرز من الشيطان ذلك اليوم وهذه الثلاث أعظم من محو مثل زبد البحر نعم ينافيها حديث سبحان الله وبحمده مائة مرة فإنه قال في آخره أيضاً ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلاَّ من قاله إلخ، ويقال بأن المراد ثم ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به من التسبيح والتكبير وهنا بأفضل مما جاء به من التهليل والتفضيل بين التهليل المخصوص والتسبيح كذلك مسكوت عنه في الأخبار إذ ليس في واحد منها ما يدل على إن أحدها أفضل من الآخر فيجوز تساويهما وأفضلية أحدهما على الآخر وظاهر سياقهما أن هذا أفضل لأنه ذكر له من أفضليته على غيره ثواباً جزيلاً متنوعاً به ظهرت أفضليته وأما ذاك فلم يذكر فيه إلاَّ أفضليته من غير بيان لسببها ثم رأيت القاضي عياضاً صرح بذلك فقال التهليل أفضل لأن ما فيه من زيادة الحسنات ومحو السيئات وفضل عتق الرقاب وكونه حرزاً من الشيطان زائد على

стр. 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما في ذلك من تكفير الخطايا ثم قال وقد جاء في الحديث هنا نصاً أفضل الذكر التهليل وانه أفضل ما قاله والنبيون من قبله وأنه اسم الله الأعظم وهي كلمة الإخلاص وتقدم إن معنى التسبيح تنزيه الله عما لا يليق به ﷻ وذلك في ضمن لا إله إلاَّ الله اهـ. قال في المختار قوله ﷺ من قال لا إله إلاَّ الله وحده إلخ، أفضل كلام قاله النبي ﷺ والنبيون قبله وإنما كان كذلك لما جمع من المعاني فإن لا إله إلاَّ الله نفي لكل إله سواه وقوله وحده تأكيد للنفي وقوله لا شريك له إشارة إلى نفي أن يكون معه معين أو ظهير وقوله له الملك بيان إن له الخلق والأمر والتصريف والتكليف والهداية وقوله وله الحمد بيان إن النعم كلها منه والحمد كله راجع إليه وقوله وهو على كل شيء قدير أي ليست قدرته فيما ظهر خاصة بل هو قادر على ما ظهر وما بطن وما وجد وما لم يوجد اهـ. نقله شارح الأنوار السنية. فائدة نقل القاضي عياض في أواخر شرح مسلم وابن الملقن في شرح البخاري عن بعضهم أنه قال هذه الفضائل التي جاءت عن رسول الله ﷺ إنما هي لأهل الشرف في الدين والكمال والطهارة من الكبائر والجرائم ولا يظن إن من فعل هذا وأصر على ما شاء من شهواته يلحق السابقين المتطهرين وينال منزلتهم في ذلك بحكاية أحرف ليس معها تقي ولا إخلاص ولا عمل، ما أظلم من تناول دين الله على هواه اهـ. وسكت عليه ابن الملقن ونظر فيه القاضي عياض بأن الأخبار عامة فلو قال لمن قالها معظماً لربه مخلصاً من قلبه بنية صادقة مطابقة لقوله لكان أولى وفي شرح الأنوار السنية قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي كل مندرب اليد فمرتب الحكم بعد الواجب فلا نظر فيه شرعاً إلاَّ بعد تقرر الواجب كالنوافل إنما جاءت مرتبة بعد الفرائض، والحاجيات إنما جاءت مرتبة على ما هو ضروري والتحسينات إنما جاءت مرتبة على ما فوقها مما تقتضيه مكارم الأخلاق ومحاسن العادات أن يكون محسناً فإذا ثبت هذا الدليل الشرعي منتهض بأن المندوبات إنما تعتبر

стр. 209

وقال: "مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وبحمْدِهِ في يوم مائة مَرَّةٍ، ــ بعد أداء المفروضات وبالنسبة إلى ذلك جاء فيها من الترغيب ما جاء وبحسبه يرد مورد الرضا والقبول وفي كتاب الغرور للغزالي من هذا الباب ما يحصل الثقة بالنسبة لما نحن فيه وقال ابن أبي جمرة في شرح البخاري والإجماع منعقد على أن لا شيء أفضل من أفعال البر أفضل من الفرائض فيخصص عموم اللفظ ويبقى هذا خاصاً بأنه أفضل المندوبات ولم يأخذ القوم في هذه المندوبات حتى أكملوا فروضهم اهـ، كلام شارح الأنوار السنية وهو مبين إن الاشتغال بفضائل الأعمال إنما يطلب لمن قام بما عليه من الفروض وإلا فالأهم المقدم هو الفرض والله أعلم ثم تارة يكون الاشتغال بغيره حراماً لتعين الوقت للفرض وتارة خلاف الأولى كما إذا كان الوقت متسعاً والظاهر حصول الثواب على الذكر في الحالة الأخيرة بخلافه في الأولى لأنه إثم به لتعين الوقت للاشتغال بالفرض لضيقه ويحتمل إثابته على الذكر لأن سبب الإثم من ضيق الوقت المقتضي لتعين صرفه للجواب خارج عن نفس الذكر فيكون كالوضوء بماء مغصوب والله أعلم. قوله: (وقالَ) أي أبو هريرة عنه ﷺ أو قال أي هو أي النبي ﷺ وهذه القطعة قال المنذري بعد إيرادها حديثاً مستقلاً رواها مسلم ورواها أيضاً الترمذي والنسائي في آخر حديث وفي رواية للنسائي ومن قال سبحان الله وبحمده حط الله عنه ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر ثم لم يقل في هذه في يوم ولم يقل مائة مرة وإسنادهما متصل ورواتهما ثقات اهـ، وسبق في كلام الحافظ أن البخاري أفرد هذا الحديث من رواية مالك وصرح برفعه. قوله: (في يوم) تقدم المراد باليوم قال السفاقسي في إعراب القرآن لم يجئ ما فاؤه ياء وعينه واو إلا يوم قيل ويوح اسم للشمس وقيل بوح بالموحدة من

стр. 210

حُطَّتْ خَطايَاهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ". وروينا في "كتاب الترمذي وابن ماجه" عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ــ أسفل. قوله: (حطتْ عنه خطاياهُ) أي الصغائر المتعلقة بحقوق الله تعالى فإن لم يكن ذنب رفعت منزلته وإن لم يكن له صغائر وله كبائر رجي أن يخفف منها قدر ما كان كفر من الصغائر قاله المصنف وله بسط يأتي. قوله: (زبدِ البَحْر) في الصحاح الزبد زبد الماء وبحر زبد أي مالح يقذف بالزبد اهـ. وقيل زبد البحر رغوة مائة عند تموجه واضطرابه قال المحقق الطيبي هذا وأمثاله نحو ما طلعت عليه الشمس كنايات عن الكثرة عرفا اهـ، ومثله في شرح العاقولي. قوله: (روينا في كتابي الترمذي وابن ماجة) كتاب بالإفراد في نسخة اكتفاء بالعموم الحاصل بالإضافة وفي نسخة "كتابي" بالتثنية ثم الحديث المذكور هنا بعض حديث تتمته "وأفضل الدعاء الحمد لله" وقد رواه أيضاً النسائي أي في الكبرى كما قال الحافظ وابن حبان والحاكم كما عزاه إلى تخريجهم السيوطي في الجامع الصغير واعترض الحافظ تحسين الحديث الذي قاله الترمذي وتصحيح غيره بما سيأتي عند قول المصنف قال الترمذي حديث حسن. قوله: (عن جابر بن عبد الله رَصْي الله عنهما) عبد الله والده هو ابن حرام بالمهملتين المفتوحتين أوله وكذا ضبطه حيثما جاء في أسماء الأنصار بخلافه في أسماء قريش فإنه بالمهملة المكسورة وبالزاي أشار إليه المصنف وغيره وجابر هذا أنصاري خزرجي سلمى بفتح اللام نسبة إلى سلمة بن سعد روي عن جابر "غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة ولم أشهد بدراً ولا أحداً منعني أبي فلما قتل أبي لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط" وعنه قال أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة

стр. 211

"أفضَلُ الذكْرِ لا إلهَ إلا اللهُ" ــ وكان أبوه يومئذٍ أحد النقباء وكان جابر من أصغر الصحابة سناً وآخرهم موتًا وكان من ساداتهم وفضلائهم المتحفين بحب رسول الله ﷺ استشهد أبوه يوم أحد وأخبر عنه ﷺ إن الله أحياه وكلمه كفاحاً وسأله أن يتمنى عليه فتمنى الرجعة إلى الدنيا ليستشهد مرة أخرى على يد جابر وبسببه معجزات طاهرة باهرة لرسول الله ﷺ كقصة أبيه وخبر بعيره وقصة الداجن يوم الخندق حيث كفتهن والشطر الشعير جميع أهل الخندق ببركته ﷺ وبقيت بقية روي له عن رسول الله ﷺ ألف حديث وخمسمائة وأربعون حديثاً اتفقا منها على ستين وانفرد البخاري بستة عشر ومسلم بمائة وستة وعشرين روى عنه بنوه وغيرهم توفي بالمدينة بعد أن كف بصره سنة ثلاث وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة وصلى عليه أبان بن عثمان وكان والي المدينة وجابر آخر الصحابة موتاً بالمدينة ﵃ أجمعين. قوله: (أَفْضَلُ الذكر لا إله إلاَّ الله) إن أريد بالذكر المصدر كان التقدير قول لا إله إلاَّ الله وإن أريد به الألفاظ التي وضعت للذكر لم يحتج لتقدير قال المظهري وإنما كانت أفضل الذكر لأن الإيمان لا يصح إلاّ بها وقال زين العرب أو بما في معناها والجمهور على الأول ولأنها كلمة التوحيد وكلمة الحق وكلمة الإخلاص كما سيأتي قال تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] أي دم على علم ذلك قال الرازي في أسرار التنزيل وقد ذكر الله تعالى كلمة التوحيد في سبعة وثلاثين موضعاً في التنزيل اهـ، ولأنها تؤثر تأثيراً بيناً في تطهير القلب عن كل وصف ذميم راسخ في باطن الذاكر وسببه أن لا إله نفي لجميع أفراد الآلهة وإلا الله إثبات للواحد الحق الواجب الوجود لذاته المنزه عن كل ما لا يليق بجلاله فبإدمان الذاكر لهذه ينعكس الذكر من لسان الذاكر إلى باطنه

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حتى يتمكن فيه فيصيبه ويصلحه ثم يضيء ويصلح سائر الجوارح ولذا أمر المريد وغيره بإكثارها والدوام عليها قال القرطبي في تفسير سورة الإسراء قال أبو الجوزي ليس شيء أطرد للشيطان من القلب من قول لا إله إلاَّ الله ثم تلا: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] اهـ، ثم الاسم الكريم بالرفع إما بدلاً مما قبل إلا أي لا إله لنا أو في الوجود إلاّ الله قال الفاكهاني في باب التيمم من شرح عمدة الأحكام أنكر بعض المتكلمين على النحاة في تقديرهم في الوجود وقال إن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة وأنها إذا نفيت مقيدة كان ذلك على سلب الماهية مع القيد وإذا نفيت غير مقيدة كان نفياً للحقيقة وإذا انتقت الحقيقة انتفت مع كل قيد وإذا نفيت مع قيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر وفي هذا الإنكار عندي نظر فإن قولنا لا إله في الوجود إلاَّ الله يستلزم نفي كل إله غير الله قطعاً فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة لا مقيدة وقد قدره ابن عطية لا إله معبود أو موجود إلاَّ الله وهو قريب مما تقدم أو هو من حيث المعنى فلا معنى لهذا الإنكار وليت شعري ما معنى الإنكار وتقدير الخبر لا بد منه وإلا لأدى إلى خرم قاعدة عربية مجمع عليها اهـ، والمبدل منه قيل هو اسم لا باعتبار المحل إذ هو مبتدأ واعتبار لفظه متعذر لأن عمل لا إنما هو بسبب معنى النفي وقد أبطله كلمة إلا قال المحقق ابن كمال باشا في حاشيته على التلويع الاستثناء الواقع في كلمة التوحيد لا يجوز أن يكون مرفوعاً بأن يكون الخبر المحذوف عاماً كموجود أو في الوجود ويكون إلاَّ الله واقعاً موقعه كما وقع إلا زيد موقع الفاعل في نحو ما جاءني إلا زيد لأن المعنى على نفي الوجود عن إله سوى الله تعالى وهو إنما يحصل إذا جعل الاستثناء بدلاً من اسم لا على المحل إذ حينئذٍ يقع الاستثناء موقع اسم لا فيكون خبراً له فينتفي الوجود عن إله سوى الله سبحانه كما

стр. 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هو المطلوب لا على نفي مغايرة الله تعالى عن كل إله وهو الذي يفيده الاستثناء المفرغ لأنه لما قام مقام الخبر كان القصد إلى نفيه كالخبر فيفيد نفي مغايرته تعالى عن كل إله ويحصل به التوحيد كما لا يخفى اهـ. وقيل هو الضمير المستكن في الخبر المقدر وقرب بأن فيه الإبدال من الأقرب وهو أولى من الأبعد وبأنه لا داعية إلى الاتباع باعتبار المحل مع إمكانه باعتبار اللفظ وأما خبراً مبتدؤه اسم لا واستظهره ناظر الجيش ونقله عن جماعة لكن ضعف بأنه يلزم عمل لا في المعارف لكون الاسم الكريم أعرف المعارف خبرها واتحاد المستثنى والمستثنى منه وذلك ممنوع لفقد المقصود بالاستثناء معه وبالإخبار بالاسم الخاص وهو الاسم الكريم عن العام والخاص لا يكون خبراً عن العام لا يقال الحيوان إنسان وأجيب بأن جعله خبراً عن المبتدأ مبني على مذهب سيبويه أنه لا عمل للا في الخبر حال تركب لا مع اسمها بل الخبر مرفوع بما كان مرفوعاً به قبل دخولها وعلله بأنها ضعفت حين ركبت وصارت كجزء كلمة وجزء الكلمة لا عمل له ومقتضى هذا بطلان عملها في الاسم أيضاً لكن أبقي في أقرب المعمولين لقربه وجعلت مع معمولها بمنزلة المبتدأ والخبر بعدها على ما كان عليه قبل دخول لا فلا يلزم عملها في المعارف ودعوى اتحاد المستثنى والمستثنى منه مبنية على كون المستثنى منه اسم لا ونحن نمنع ذلك بل نقول الاسم الكريم خبر والمستثنى منه محذوف لأنه استثناء مفرغ والاستثناء المفرغ يكون المستثنى منه محذوفاً نعم الاستثناء من شيء مقدر لصحة المعنى ولا اعتبار بذلك المقدر لفظاً ولا خلاف يعلم في نحو ما جاءني إلا زيد إن زيداً فاعل مع أنه مستثنى من مقدر في المعنى والتقدير ما جاءني أحد إلا زيد فلا منافاة بين كونه خبراً ومستثنى من مقدر إذ جعله خبراً منظور فيه للفظ ومستثنى منظور فيه للمعنى قال بعض المحققين في قوله لا خلاف يعلم إلخ، نظر ظاهر فقد صرح غير واحد منهم ابن هشام بأن إطلاق الفاعل على ما بعد إلا في نحو ما ذكر مجاز

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والصواب إن الفاعل هو المحذوف وإن ما بعد إلا بدل منه فلذا كان الأرجح تذكير الفعل إذا كان الفاعل مؤنثًا حقيقياً واقعاً بعد إلا قال لأن الفاعل مذكر محذوف وما بعد إلا بدل منه اهـ، وكون الإخبار بخاص عن عام لا يجوز مسلم لكن ما نحن فيه لم يخبر بخاص عن عام لأن العام منفي والكلام إنما سيق لنفي العموم وتخصيص الخبر المذكور بواحد من إفراد ما دل عليه اللفظ العام وأما جعل الجرجاني لا فيه بمعنى ليس أي وإله مرفوع وإلا صفة بمعنى غير هي مع الاسم بعدها صفة لاسم لا باعتبار لفظه فيمنعه من جهة الصناعة إن لا بمعنى ليس لا تعمل في المعارف على الصحيح وأما قول الشاعر: وحلت سواد القلب لا أنا باغيا ... سواها ولا في حبها متراخيا فمؤول بأن الأصل لا أراني فحذف العامل فانفصل الضمير وقول المتنبي: إذا المال لم يكسب جميلا من الثنا ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا لحن وبما ذكر يعلم ما في قول ناظر الجيش في شرح التسهيل أنه ليس مانع يمنعه من جهة العربية وإنما يمتنع من جهة المعني وذلك لأن المقصود من هذا الكلام نفي الإلهية عن غير الله تعالى أو إثباتها له ولا يفيده التركيب حينئذٍ نعم يفيده بالمفهوم وأين هو من المنطوق على إن هذا المفهوم إن كان لقباً فهو غير حجة خلافاً للدقاق وبعض الحنابلة أو صفة ففي حجيته خلاف وأعرب لا إله في موضع الخبر وإلاَّ الله في موضع المبتدأ وعزى للزمخشري وضعف بأنه يلزمه إن خبر لا النافية للجنس يبني معها وهي لا يبني معها إلا اسمها ولو كان كذلك لما جاز نصبه وأعربه بعضهم فجعل إلاّ الله فاعلا لا له مغن عن الخبر كما يرفع بالصفة نحو أقائم زيد وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب نصب اسم لا وتنوينه لكونه شبيهاً بالمضاف والجواب عنه بأن بعض النحاة يجيز حذف التنوين في مثله وجعل منه نحو قوله تعالى: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الأنفال: ٤٨] نظر فيه بأن الذي يجيز حذف التنوين في مثل ذلك يجيز إثباته ولا يعلم أحد أجاز التنوين في لا إله إلاَّ الله

стр. 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجوز بعضهم في الاسم الكريم النصب وخرجه على وجوه معترضة وسيأتي باب التشهد تلخيص ما هنا مع زيادة عليه. فائدة قال بعض العلماء لهذه الكلمة أسماء الأول كلمة التوحيد فإنها تدل على نفي الشريك على الإطلاق لأن لا لنفي الجنس نصاً ومعها يذهب احتمال وجود إله آخر بخلاف الإله واحد فإنه ليس في العبارة ما ينفي احتمال خطور إله آخر بالبال والثاني كلمة الإخلاص كان معروف الكرخي يقول يا نفس أخلصي لتخلصي ثم التحقيق فيه أن كل شيء متصور أن يشوبه غيره إذا صفا يسمى خالصاً وفي الحرز كلمة الإخلاص مجموع الشهادتين وسميت بذلك لكونها لا يكوِن سبباً للخلاص إلاَّ مع الإخلاص اهـ، والثالث كلمة الإحسان قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] قال المفسرون هل جزاء الإيمان أي وذلك إنما يكون بالكلمة المذكورة لمن تمكن من النطق الرابع دعوة الحق وقال ابن عباس هو قول لا إله إلاَّ الله الخامس كلمة العدل قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] قال ابن عباس العدل شهادة أن لا إله إلاَّ الله السادس الطيب من القول قال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ﴾ [الحج: ٢٤] السابع الكلمة الطيبة قال تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] الآية الثامن الكلمة الثابتة قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] التاسع كلمة التقوى قال تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] العاشر الكلمة الباقية قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] أي قول لا إله إلاَّ الله الحادي عشر كلمة الله العليا الثاني عشر المثل الأعلى الثالث عشر كلمة السواء قال تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية الرابع عشر كلمة النجاة الخامس عشر العهد قال تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] السادس عشر كلمة الاستقامة السابع عشر مقاليد السماوات والأرض الثامن عشر القول السديد التاسع عشر البر العشرون الدين قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] الحادي والعشرون الصراط المستقيم الثاني والعشرون كلمة الحق قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] يعني قول لا إله إلاَّ الله الثالث والعشرون العروة
следующие страницы →