Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
فصل في الدعاء الملتزم ،
وهو ما بين باب الكعبة والحجر الأسود: وقد قدمنا أنه يستجاب فيه الدعاء.
ومن الدعوات المأثورة: اللهم لكَ الحَمْدُ حَمْدًا يُوافي نِعْمَكَ، وَيُكافِئُ مَزِيدَكَ، أحمَدُكَ بِجَمِيع مَحَامِدِكَ ما عَلِمْتُ مِنْها ومَا لَمْ أعْلَمْ على جَمِيع نِعَمِكَ ما عَلِمْتُ مِنْها ومَا لَمْ أعْلَمْ، وعلىَ كُل حالٍ، اللهم صَل وَسَلَّمْ على مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّدٍ، اللهم
ــ
وفرجت همومه وتجرت له من وراء كل تاجر وأتته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا يريدها قال الحافظ بعد أن أخرجه مرفوعًا من حديث بريدة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ فذكره وقال فاغفر لي ذنبي وقال وغفرت ذنبه وفرجت همه وغمه وقال هذا حديث غريب فيه سليمان بن مسلم الخشاب ضعيف جدًّا لكن تابعه حفص بن سليمان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أخرجه الأزرقي في كتاب مكة من طريق حفص وهو ضعيف أيضًا لكنه إمام في القراءة وساق له طرقًا وهذه الطرف الأربع ترقي الحديث إلى مرتبة ما يعمل به في فضائل الأعمال كالدعاء اهـ، وفي رواية إنه دعا بذلك في الملتزم وفي كتاب ابن أبي الدنيا إنه دعا بنحوه بين اليمانيين ولا منافاة لاحتمال إنه كرر الدعاء في تلك الأماكن.
فصل
قوله: (وهوَ مَا بَينَ باب الْكَعبةِ والْحَجرِ الأسود) سمي بذلك لأن النّاس يلتزمونه في حوائجهم لتقضى وما ورد عن ابن الزبير أنه دبر البيت رده عليه ابن عباس بأن ذاك ملتزم عجائز قريش والحطيم ما بين الباب والركن وزمزم والمقام سمي بالحطيم أيضًا لأن من حلف فيه كاذبًا حطم ولأنه يستجاب فيه دعاء المظلوم على ظالمه فقل من دعا هناك على ظالم إلأهلك وقيل من حلف هناك آثمًا إلَّا عجلت له العقوبة أخرج البيهقي عن ابن عباس قال الملتزم بين الركن والباب لا يسأل الله فيه شيئًا إلّا
أعطاه أورده الحافظ. قوله: (اللهُم لكَ الحَمْدُ. إلى قوله. مَا علِمْتُ مِنها ومَا لمْ أَعْلم) قال الحافظ قلت لم أقف له على أصل والله المستعان اهـ، وأخرج ابن الجوزي في كتاب مثير العزم الساكن قال أبو سليمان وقف رجل على باب الكعبة حين فرغ من الحج فقال الحمد الله بجميع محامده كلها ما علمت منها وما لم أعلم على جميع نعمه كلها ما علمت منها
стр. 1507
أعِذْني مِنَ الشيْطَانِ الرَّجِيمِ، وأعِذْنِي مِنْ كُل سُوءٍ، وَقَنِّعْني بمَا رَزَقْتَني وَبارِكْ لي فِيهِ، اللهُم اجْعَلْني مِنْ أكْرَمِ وَفْدِكَ عَلَيْكَ، وألْزِمْني سَبِيلَ الاسْتِقَامَةِ حَتى ألْقًاكَ يا رَب العالمِينَ، ثم يدعو بما أحب.
فصل في الدعاء في الحِجْر:
بكسر الحاء وإسكان الجيم، وهو محسوب من البيت.
ــ
وما لم أعلم ثم قفل إلى بلده فحج من قابل فوقف على باب الكعبة وذهب ليقول مثل مقالته فنودي يا عبد الله أتعبت الحفظة من عام أول إلى الآن فما فرغوا مما قلت اهـ. قوله: (وأَعِذْني منَ الشَّيطَانِ) أي احفظني من إغوائه ووسوسته. قوله: (وأَعِذْني منْ كل سُوءٍ) عطف عام على خاص والسوء بضم السين المهملة ضد الخير. قوله: (سَبيلَ الاستِقامةِ) أي طريق القيام على الصراط المستقيم. قوله: (حَتَّى أَلْقاكَ) أي حتى أموت فألقاك وهذا الذكر جميعه لم يتعرض الحافظ ولا غيره فيما رأيت لتخريجه وتقدم ما قاله الحافظ. قوله: (ثُمَّ يدْعُو بمَا أَحبّ) أي ندبًا في الديني مباحًا في الدنيوي كما سبق.
فصل
قوله: (في الْحِجرِ بكَسر الحاءِ الخ) هو فعل بمعنى المفعول أي المحجور لأنه كان عليه حظيرة وزريبة لغنم إسماعيل ﵇ ويسمى بالحطيم أخرج أبو داود عن ابن عباس قال الحطيم الجدار يعني جدار الكعبة قال في البحر العميق والمشهور عند الأصحاب أن الحطيم اسم للموضع الذي فيه الميزاب بينه وبين البيت فرجة سمي حطيمًا لأنه حطيم من البيت أي مكسور منه فعيل بمعنى مفعول كقتيل بمعنى مقتول وقيل بمعنى فاعل لأنه جاء في الحديث من دعا على من ظلمه فيه حطمه الله قال وسمي حجرًا لأنه حجر من البيت أي منع منه ويسمى حظيرة إسماعيل لأن الحجر قبل الكعبة كان زربًا لغنم إسماعيل اهـ. نقله جدي في مثير شوق الأنام. قوله: (وهُو محْسُوبُ منَ البَيْتِ) وقال بعضهم إنه
стр. 1508
قد قدَّمنا أنه يستجاب الدعاء فيه.
ومن الدعاء المأثور فيه: يا رَب أتَيْتُكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ مُؤمِلًا مَعْرُوفَكَ فأنِلْني مَعْرُوفًا مِنْ مَعْرُوفِكَ تُغْنِيني بهِ عَنْ مَعْرُوفِ مَنْ سِوَاكَ يا مَعْرُوفًا بالمَعْرُوفِ.
ــ
جمع من البيت وظاهر العبارة هنا ذلك لكنها تؤول بما ذكرنا لتوافق كلامه في باقي كتبه واختلف في قدره فقيل ستة أذرعٍ وقيل سبعة أذرع وكلاهما ورد في الصحيح رواه الشيخان كما في القرى وغيره. قوله: (قدْ قدَّمنا أنهُ يُستَجابُ فيهِ الدُّعاءُ الخ) في البحر العميق روي عن بعض السلف قال من صلى تحت الميزاب ركعتين ثم دعا بشيء مائة مرة وهو ساجد استجيب له أورده في مثير شوق الأنام وروي عن ابن الجزري والأزرقي عن عبد الله بن أبي رباح أنه قال من قام تحت مثقب الكعبة فدعا استجيب له وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه قال في مثير شوق الأنام ومثقب الكعبة
مجرى مائها. قوله: (ومنَ الدُّعاءِ المأْثورِ فيه الخ) قال الحافظ روينا الأثر المذكور في المنتظم لابن الجوزي وفي مثير العزم له بسند ضعيف من طريق مالك بن دينار قال بينما أنا أطوف إذا أنا بامرأة في الحجر وهي تقول يا رب أتيتك من شقة بعيدة فأنلني معروفًا من معروفك تغنيني به عن معروف من سواك يا معروفًا بالمعروف ثم ذكر قصة له ولأيوب السختياني معها قال فسالت عنها فقالوا هذه مليكة بنت المنكدر وهي أخت محمد بن المنكدر أحد أئمة التابعين اهـ. قوله: (أَتَيتُكَ) أي أقبلت على طاعتك وقصدت ساحة كرمك. قوله: (شُقةٍ) بضم الشين المعجمة وتشديد القاف أي مسافة طويلة والشقة السفر البعيد وربما قالوه بالكسر في الشين ذكره أبو حيان في النهر وعلى هذا فقوله (بعيدَةٍ) إما أن يكون مؤكدا لما في معنى الشقة أو مؤسسًا بناءً على تجريد الشقة من الطويلة وإرادة مطلق السفر بها والله أعلم. قوله: (مؤَمَّلا) أي راجيًا. قوله: (معْرُوفًا) أي عظيمًا وقوله: (منْ معرُوفِكَ) في موضع الصفة للإيماء إلى ما ذكر من كونه عظيمًا إذ المضاف إلى العظيم عظيم. قوله: (تُغْنِيني بهِ) هو مرفوع في الأصول وحينئذٍ إما أن يكون صفة لمعروفًا أو حالًا منه لتخصيصه بالوعد السابق ولو روي بالجزم على جواب الطلب لكان مستقيمًا والله أعلم.
стр. 1509
فصل في الدعاء في البيت:
قد قدَّمنا أنه يستجابُ الدعاءُ فيه.
وروينا في كتاب النسائي عن أسامة بن زيد ﵄ "أن رسول الله ﷺ لما دخل البيت أتى ما استقبل من دُبر الكعبة فوضع وجهه وخدَّه عليه، وحمد الله تعالى وأثنى عليه وسأله واستغفره، ثم انصرف إلى كل ركن من أركان الكعبة،
ــ
فصل
قوله: (في الدُّعاءِ في البَيْتِ) أي فيه كما في نسخة والبيت صار علمًا بالغلبة على الكعبة زادها الله مهابه. قوله: (وَرَويْنَا في كِتَاب النّسائي الخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الإِمام أحمد وغيره باللفظ المذكور في المتن إلَّا إنه قال من أركان البيت بدل أركان الكعبة وزاد في أوله عن أسامة إنه دخل هو ورسول الله ﷺ البيت وأمر بلالًا فأجاف البيت والبيت إذ ذاك على ستة أعمدة فمضى حتى أتى الأسطوانتين اللتين تليان لباب الباب فجلس فحمد الله وأثنى عليه وسأله واستغفره ثم قام حتى أتى ما استقبل من دبر البيت الخ. وزاد في آخره ثم خرج فصلى ركعتين في حائط البيت مستقبل وجه الكعبة ثم انصرف فقال هذه القبلة هذه القبلة هذا لفظ أحمد هو حديث صحيح وأخرجه ابن خزيمة من طريقين وأصل الحديث في دخول الكعبة الصلاة خارجها دون الزيادات عند الشيخين من وجه آخر من حديث ابن عباس عن أسامة. قوله: (أَتى ما استَقبَل) أي ما استقبله من دبر الكعبة حال دخوله إليها ومشيه تلقاء وجهه ودبر بضمتين وذلك بعد أمره بإجافة الباب كما تقدم في الرواية أي مخافة الزحمة المانعة من كمال الحضور المقتضي لزيادة الرحمة.
قوله: (جبهَتُهُ) ما اكتنفه الجبينان من الوجه. قوله: (وحَمِدَ الله) بِكسر الميم أي شكره على ما منحه وقوله: (وأَثْنى علَيهِ) يصح أن يكون تفسيرًا للمراد من قوله وحمد ويصح أن يكون من عطف العام على الخاص أي قال الحمد الله وزاد ألفاظًا في الثناء الجميلِ ولعل الأخير أقرب والله أعلم. ثم رأيته في تحفة القارئ مال إليه واقتصر عليه. قوله: (وسألهُ) أي المزيد من فضله. قوله: (واستَغفَرَهُ) أي من التقصير الذي لا يليق بمثله. قوله:
стр. 1510
فاستقبله بالتكبير والتهليل والتسبيح والثناء على الله والمسألة، والاستغفار، ثم خرج".
ــ
(فاستَقْبلهُ بالتَكْبيرِ الخ) أي مصحوبًا بذلك الحمد والثناء والمسألة أي سؤال المنال والاستغفار أي سؤال الغفران من الله تعالى. قوله: (ثم خَرجَ ﷺ ) وسكت المصنف عن آخر الحديث السابق بيانه لعدم تعلق غرض الترجمة به واختلف العلماء في تعيين هذا المكان الذي صلى به ﷺ عند حائط البيت مستقبل الكعبة وهو أحد المواضع التي صلى بها النبي ﷺ حول الكعبة وقد جمعها المحب الطبري وأوردها في القرى وقد نظمتها في أبيات من الرجز هي:
مواضع بها الرسول صلى ... بحول بيت كالعروس تجلى
خلف المقام وبباب الكعبه ... والمستجار الحجر والمعجبه
وبحذاء الحجر الموصوف ... بأنه الأسود للتشريف
يفصل بينه وبين الحجر ... الطائفون من خيار البشر
وبين حفرة وركن شامي ... وحذو غربي ركنه يا سامي
بحيث من صلى به يسامت ... بابًا لعمرة لهذا أثبتوا
وعند قرب ركنه اليماني ... مما يلىِ الأسود ذا المعاني
والمستجار بين باب سدا ... وبين شمامي الركن حزت الرشدا
بين اليماني وركن الحجر ... عن ابن إسحاق أتى في خبر
كذا بوجه قبلة ولم يبن ... تعيينه كما يرومه الفطن
وجوف كعبة بها الرسول ... صلى وكان الفتح والقبول
فهذه البقاع صلى فيها ... نبينًا فزادها تنويها
بشرى لمن بهذه قد صلى ... قد مس تربًا بعلاه حلا
طوبى لمن بوجهه قد مس ما ... مسته أقدام نبي عظما
والحمد الله وصلى الله ... على نبيه ومصطفاه
وآله وصحبه والعلما ... والتابعين هديه المعظما
стр. 1511
فصل في أذكار السعي:
قد تقدم أنه يستجاب الدعاء فيه، والسُّنَّة أن يطيل القيام على الصفا، ويستقبل الكعبة، فيكبِّر ويدعو فيقول: اللهُ أكْبَرُ، الله أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، وللهِ الحَمْدُ، اللهُ أكْبَرُ على ما هَدَانا، والحَمْدُ لِلهِ على ما أوْلانا، لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لهُ المُلْكُ ولهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وهُوَ على كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا إلهَ إلَّا اللهُ،
ــ
فصل
قوله: (قدْ تقَدَّمَ أَنهُ يُستجابُ الدُّعاءُ فيهِ) أي في جميع أمكنته من الصفا والمروة وما بينها. قوله: (والسُّنةُ أَنْ يُطيلَ القيَامَ) أي مع رقي الذكر المحقق قدر قامته ولا يلزم من زوال سببه الذي هو رؤية البيت بذلك لعلو الأرض الآن ورؤيته من أسفله عدم استحباب الرقي للرؤية أيضًا كما لا يلزم من زوال سبب الرمل عدم استحبابه. قوله: (فيَستقبِلَ الكَعبةَ) أي لأنها أشرف الجهات وسبق حديث أفضل المجالس ما استقبل به الكعبة والكعبة مأخوذة من كعبته ربعته والكعبة كل بيت مربع كما في القاموس وفي كلامهم إن إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم في الكعبة مربعة ولا ينافيه اختلاف بعد ما بين أركانها لأنه قليل التربيع وهذا أعني أن سبب تسميتها كعبة تربيعها -أوضح من جعل سببها ارتفاعها كما سمي كعب الرجل بذلك لارتفاعها وأصوب من جعله استدارتها إلَّا أن يريد قائله بالاستدارة التربيع مجازًا ويكون أخذ الاستدارة في الكتب سببًا لتسميته لكنه مخالف لكلام أئمة اللغة كذا في التحفة لابن حجر الهيتمي. قوله: (فَقولَ الخ) هو تفسير وبيان لقوله قبله يكبر ويدعو. قوله: (الله أَكَبرُ) أي ثلاث مرات والرابعة الله أكبر على ما هدانا أي لهدايته إيانا وسبق الكلام على ذلك في حديث معاوية السابق أول الكتاب في قوله فيه نكبر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومناسبة التكبير للهداية الإيماء إلى تنزهه تعالى عن سمة كل نقص وغيب ومنه مخالفة وأولانا معناه أعطانا ومناسبة الحمد لذلك ظاهرة فقد وعد من شكر بازدياد الإحسان وأوعد من كفر بعذاب النيران. قوله: (لَا إلَه إلا الله)
стр. 1512
أنجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إلهَ إلا اللهُ، وَلا نَعْبُدُ إلا إياهُ،
ــ
زاد في الحصن وغيره وحده وعزاه كذلك إلى تخريج مسلم وغيره ممن سيأتي. قوله (أَنجزَ وعدَهُ) أي صدق وعده في إظهار الدين وكون العاقبة للمتقين وغير ذلك من وعده إن الله لا يخلف الميعاد. قوله: (ونصرَ عبدَه) أي الفرد الأكمل وهو الرسول الأفضل فهو من العام المراد به الخاص كقولة تعالى: (أَم يحسُدُونَ الَّناسَ). قوله: (وهزَم الأَحزابَ) أي غلبهم وكسرهم وفي قوله وحده إيماء إلى قوله تعالى: (وَمَا النّصَرُ إِلا من عِندِ اللهِ) ثم الأحزاب جمع حزب والمراد بهم القبائل الذين اجتمعوا على محاربته ﷺ وتوجهوا إلى المدينة واجتمعوا حولها وتحزبوا يوم الخندق اثني عشر ألفًا سوى ما انضم إليهم من يهود قريظة والنضير فأرسل الله إليهم كما قال ريحًا وجنودًا لم تروها وبهذا يرتبط قوله ﷺ صدق وعده بتكذيب قول المنافقين الذي حكاه تعالى عنهم بقوله ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ وهذا هو المشهور إذ المراد بالأحزاب أحزاب يوم الخندق وقيل يحتمل أن يكون المراد أحزاب الكفر في جميع الأزمنة والله أعلم، وهذا الذكر
أخرجه الدارمي ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن جابر قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الدارمي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت أنا محمد بن حسين فذكر الحديث الطويل في حجة النبي ﷺ إلى أن قال ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدًا بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلَّا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك فقال ذلك ثلاث مرات وفعل على المروة ما فعل على الصفا قلت وبنحو اللفظ المذكور خرجه مسلم في صحيحه إلَّا أن إسماعيل بن ابان شيخ الدرامي في الحديث زاد في روايته بعد قوله وله الحمد قوله يحيي
стр. 1513
مُخْلِصِينَ لَهُ الذينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ، اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ: ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ، وإنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ، وإني أسألُكَ
ــ
ويميت. قوله: (مخْلِصينَ لهُ الدِّينَ) أي بالنية فلا يريد بعبادته أمرًا دنيويًّا من جاء أو إقبال الخلق عليه أو نحو ذلك من الأغراض التي هي من جملة الأعراض أو تخلص له عن الشركاء فلا شريك له في أداء العبودية لهو وفيه الرد على الكفار القائلين ما نعبدهم يعني الأصنام ﴿إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وولعل هذا أنسب بالسياق وبقوله بعده (﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ والله أعلم. قوله: (اللهُمَّ إِنكَ قلتَ) أي في كتابك الكريم. قوله: (ادْعوني) أي اسألوني وحذف المفعول للتعميم أي مهما شئتم وإن كان يسيرًا وقوله: (أَسْتجِبْ لكُمْ) أي أجب دعوتكم قال الكواشي في تفسيره الكبير ادعوني أي اعبدوني أستجب لكم اثبكم فعبر عن العبادة بالدعاء وعن الإثابة بالاستجابة وقيل المعنى سلوني أعطكم، بعضهم ادعوني على حد الاضطرار بحيث لا يكون لكم مرجع إلى سواي أستجب لكم، محمد بن علي من دعا الله ولم يعمر قبل ذلك سبيل الدعاء بالتوبة والإنابة في أكل الحلال واتباع السنن ومراعاة السر كان دعاؤه مردودًا وأخشى أن يكون جوابه الطرد واللعن، يحيى بن معاذ أدعوني بصدق اللجأ أستجب لكم، سئل سهل عن قوله الدعاء أفضل الأعمال فقال لأن فيه الفقر والفاقة والالتجاء والتضرع وقيل المراد بالدعاء الذكر انتهى ملخصًا، وقال في قوله تعالى: (أجُيبُ دَعْوةَ الدَّاعَ إذَا دَعَان) قيل المعنى خاص وإن كان اللفظ عامًّا أي أجيب دعوة الداعي إن شئت كقوله تعالى: (فَيَكشِفُ مَا تَدعُونَ إليه إِن شَاءَ) وقيل هو عام ومعنى أجيب أسمع ليس في الآية أكثر من تلك الإجابة وقد يجيب السيد عبده ثم لا يعطيه سؤله وقيل إنه يجيب دعاءه فإن قدر له ما سأل أعطاه وإن لم يقدر له ما سأل أدخر له الثواب في الآخرة وكف عنه سوء الدنيا وقيل إن الله تعالى يجيب دعوة المؤمن ويؤخر إعطاءه مراده ليدعو فيسمع صوته ويجيب من لا يحب لأنه يبغض صوته وقيل إن للدعاء أسبابًا وشرائط
стр. 1514
كما هَدَيْتَني للإسْلام أن لا تَنْزِعَهُ مِنِّي حتى تَتَوَفاني وأنا مُسْلِمٌ. ثم يدعو بخيرات الدنيا والآخرة، ويكرر هذا الذكْر والدعاء ثلاث مرَّات، ولا يلبي، وإذا وصل إلى المروة رقي عليها وقال الأذكار والدعوات التي قالها على الصفا.
ــ
وهي أسباب الإجابة فمن استكملها كان من أهل الإجابة ومن لا فلا اهـ. قوله: (كَما هدَيتَني للإسلام) أي أولًا. قوله: (فَلا تنْزِعَهُ) بكسر الزاي أي تخلعه. قوله: (مني) والقصد منه الدوام والثبات والكاف يصح أن تكون للتعليل ويكون التوسل إليه تعالى في سؤال فضله بسابق فضله نظير أحد الوجوه السابقة في اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم ويجوز أن يكون للتشبيه أي أسألك إنعامًا بالدوام على الإيمان كالإنعام بالابتداء به
والجامع إن الكل من محض الفضل والكرم والله كريم يستحي أن ينزع السر من أهله. قوله: (تتوَفَّاني) أي تقبض روحي. قوله: (وأَنا مُسِلمُ) أي والحال أني على دين الإسلام مستمر عليه مستقر وهذا الذكر قال في السلاح والحصن رواه مالك موقوفًا على ابن عمرو كذا قال الحافظ بعد تخريجه عن مصعب عن مالك فذكره. قوله: (ثُم يدْعُوَ) أي بعد أن يقدم ﵊ على سيد الأنام ﵊ وكأنهم سكتوا عنه للعلم به من استحبابه في الدعاء إذ من آداب الدعاء بدؤه بالثناء على الله سبحانه والصلاة السلام على رسوله ﷺ وأخرج البيهقي وإسماعيل القاضي وأبو ذر الهروي عن عمر أنه خطب النّاس بمكة فقال إذا قدم الرجل منكم حاجًّا فليطف بالبيت سبعًا وليصلِّ عند المقام ركعتين ثم ليبدأ بالصفا فيكبر سبع تكبيرات بين كل تكبيرتين حمد الله وثناء عليه وصلاة على النبي ﷺ وسل لنفسك وعلى المروة مثل ذلك قال الحافظ بعد أن أخرجه عن البيهقي بنحو هذا اللفظ هذا موقوف صحيح ولم أر في شيء من الآثار الواردة في السعي التنصيص على الصلاة إلَّا في هذا قلت وقد ظفرت به في حديث عن ابن عمر أيضًا أورده القسطلاني في المسالك وابن حجر الهيتمي في الدر المنضود ولم يذكرا من أخرجه. قوله: (ثلاثَ مراتٍ) قيل لكل من الذكر والدعاء بعده وقيل يأتي بالذكر ثلاثًا والدعاء مرتين بينهما والصحيح الأول
стр. 1515
وروينا عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول على الصفا: اللهُم اعْصِمْنا بِدِينِكَ وطَوَاعِيتِكَ وطواعِيةِ رَسُولِكَ ﷺ ، وجَنبْنا حُدُودَكَ، اللهم اجْعَلْنَا نُحِبُّكَ وَنُحِبُّ مَلائِكَتَكَ وأنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ، وَنُحِبُّ عِبَادَكَ الصالِحِينَ، اللهم
ــ
وقد ورد تكرار ذلك عند مسلم ومن ذكر معه في حديث جابر.
قوله: (وَرَوَيْنَا عنِ ابنِ عمَر الخ) أخرجه سعيد بن منصور في السنن عن ابن عمر إنه كان يقول يعني على الصفا لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلَّا الله ولا نعبد إلَّا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية نبيك اللهم جنبني حدودك اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ويحب عبادك الصالحين اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وأنبيائك ورسلك وإلى عبادك الصالحين اللهم يسرني لليسرى وجنبني العسرى واغفر لي في الآخرة والأولى اللهم اجعلني من أئمة المتقين ومن ورثة جنات النعيم اللهم اغفر لي خطيئيتي يوم الدين اللهم لا تقدمني لتعذيب ولا تؤخرني لسيئ الفتن اللهم إنك قلت ادعوني أستجب لكم إلى آخر الذكر السابق قال الحافظ بعد تخريجه هذا موقوف صحيح قلت قال الطبري في القري أخرج طرفًا منه مالك في الموطأ وأخرجه بكماله ابن المنذر. قوله: (اعْصِمنا بدِينِكَ) أي احفظنا باتباع الشريعة الواردة في كتابك وعلى لسان سيد أحبابك ﷺ عن سائر المخالفات. قوله: (اجعلنا نُحبُكَ): أي نمتثل أوامرك ونجتنب نواهيك. قوله: (ورُسلَكَ) أتى به بعد الأنبياء الشامل لهم من عطف الخاص على العام لمزيد الاعتناء بشأنهم
والاهتمام ومحبة الرسل بتقديم ما جاؤوا به على ما تهواه النفس وتعظيم من أضيف إليهم من آل وصحب ووارث كالعلماء الاعلام. قوله: (ونُحِبُّ عبادَكَ الضَالحِينَ) أي أرباب الصلاح من المسلمين لوجه الله الكريم ليكون ذلك وسيلة إلى ثواب رب العالمين وما أحسن قول إمامنا الشافعي ﵁:
أحب الصالحين ولست منهم ... لعلي أن أنال بهم شفاعه
وأكره من بضاعته المعاصي ... وإن كنا سواء في البضاعه
وفي الحديث أفضل الحب الحب في الله وأفضل البغض البغض في الله وفي فيهما للتعليل أي الحب الله لكون المحبوب من أرباب الصلاح والبغض لأجله لكون المبغوض بعيدا من
стр. 1516
حَبِّبْنا إلَيْكَ وإلى مَلائِكَتِكَ وإلى أنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، وإلى عِبادِكَ الصالِحِينَ، اللهم يَسِّرْنا لِلْيُسْرَى، وَجَنِّبْنا العُسْرَى، واغْفِرْ لنا في الآخِرَةِ والأولى، واجْعَلْنا مِنْ أئمَّةِ المُتَّقِينَ. ويقول في ذهابه ورجوعه بين الصفا والمروة: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عمَّا تَعْلَمْ إنَّكَ أنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ، اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذَابَ النَّارِ.
ــ
أسباب الفلاح قوله: (حَببنا إِليَكَ) محبة الله للعبد قيل هي إرادته الخير به وهدايته وإنعامه عليه ورحمته وقيل تيسر ذلك له فعلى الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل وتقدم بسط الكلام فيه أول الكتاب في الخطبة، وحب الملائكة يحتمل أن يكون استغفارهم له وثناؤهم عليه ودعاؤهم ويحتمل أن يكون على ظاهره المعروف من المخلوقين وهو ميل القلب إليه واشتياقه إلى لقائه أشار إليه المصنف في شرح مسلم كأنه أومأ بهذا الذكر إلى الحديث الصحيح في مسلم إذا أحب الله عبدًا أمر جبريل فأحبه وأحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض. قوله: (يسِّرْنا لليُسْرى) هي الحالة الحسنة أي في الدنيا والآخرة قال الكواشي في التبصرة سميت باليسرى لأنها تؤدي إلى اليسر ورحمة الله تعالى وقيل المراد للطريقة اليسرى وهي العمل بطاعة الله تعالى بأن يعينه عليها. قوله: (وجَنبنا الْعُسرَى) قيل هي النار وقيل الشر وعبر في النهر بقوله هي الحالة السيئة في الدنيا والآخرة قال الكواشي وسميت العسرى لأنها تؤدي إلى العسر وغضب الله. قوله: (من أَئمةِ المُتقِينَ) أي ممن يقتدى به أرباب التقوى وفيه وإيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال الكواشي زعم بعضهم أن في هذه الآية دليلًا على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها اهـ. قوله: (ويَقول في ذَهابهِ ورُجوعِه) أسند الحافظ من طرق بعضها عن الطبراني في كتاب الدعاء بسنده إلى ابن مسعود إنه نزل من الصفا فمشى إلى الوادي فسعى فجعل يقول رب اغفر وارحم انك أنت الأعز الأكرم قال وفي رواية للأعمش عن ابن مسعود أيضًا إذا أتيت بطن المسيل فقل فذكر مثله ثم قال الحافظ هذا موقوف صحيح الإسناد وقد جاء مرفوعًا من وجه آخر عن ابن مسعود ثم أخرجه من طريق الطبراني عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله
стр. 1517
ومن الأدعية المختارة في السعي وفي كل مكان: "اللهُم يا مُقَلِّبَ
ــ
ﷺ كان إذا سعى قال في بطن المسيل اللهم اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم وقال بعد تخريجه هذا حديث غريب وسنده ضعيف لضعف ليث يعني ابن أبي سليم وتدليسه وعدم سماع شيخه أبي إسحاق عن علقمة وقد خالفه سفيان الثوري وقال عن أبي إسحاق عن ابن عمر موقوفًا قال الحافظ وهذا أولى أخرجه عبد الرزاق عن الثوري وأخرجه أيضًا من طريق مجاهد عن ابن عمر وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة عن طريق العلاء بن المسيب عن أبيه قال كان عمر ﵁ إذا مر بالوادي بين الصفا والمروة يسعى حتى يجاوزه ويقول رب اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم اهـ، وفي
القري للمحب الطبري رفع هذا الذكر من حديث أم سلمة ولفظها كان ﷺ يقول في سعيه رب اغفر وارحم واهدني السبيل الأقوم ومن حديث امرأة من بني نوفل كان ﷺ يقول بين الصفا والمروة رب اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم وقال أخرجهما الملا في سيرته وعزا ابن حجر الهيتمي الخبر المرفوع إلى تخريج الطبراني والبيهقي وغيرهما وعزا تخريج حديث عبد الله بن مسعود الموقوف عليه من طريقين إلى تخريج سعيد بن منصور اهـ. قال الحافظ لم أر في شيء من هذه الطرق الزيادة التي ذكرها الشيخ ولا الأئمة اهـ، والظاهر أن مراده بالزيادة قوله "وتجاوز عما تعلم إنك" فإن الوارد وأنت الأعز الأكرم على أن وتجاوز عما تعلم قد ورد لكن في أذكار الطواف كما سبق بيانه ثم رأيت الحافظ صرح بالمراد وإنه وجد ذلك أي "وتجاوز عما تعلم" في كلام الشافعي في أذكار الطواف وساق سنده إليه ثم قال فكأن الشيخ نقلها من هنا لما ورد أكثرها فيما بين الصفا والمروة والعلم عند الله اهـ، وهو ما أشرت إليه فلله الحمد وقد ذكر في مختصر التفقيه أن ذلك قد جاء عن عبد الله بن السائب مرفوعًا ولعل وجه إيراد الشيخ للآية أنها دعاء جامع وقد ورد عنه ﷺ وإن لم يكن في خصوص هذا المكان فكان الدعاء بها لكونها مأثورة عنه ﷺ أولى وقد ورد أن أكثر دعائه ﷺ ربنا آتنا الخ. رواه مسلم وكان أنس يدعو بها ثم يدعو بعد بما شاء رواه مسلم والله أعلم. قوله: (ومنَ الأَدعِيةِ المخْتارَةِ) أي لكونها واردة عنه ﷺ وهي من جوامع الكلم ففيها جوالخ الخير. قوله: (يا مُقلِّبَ
стр. 1518
القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبي على دِينِكَ".
"اللهم إني أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ والسلامَةَ مِنْ كُل إثمٍ، والفَوْزَ بالجَنةِ، والنجاةَ مِنَ النَّارِ".
"اللهُم إني أسألُكَ الهُدَى والتُّقى والعَفَافَ والغِنَى".
ــ
القلُوب) أي إلى ما سبق به قدره من السعادة والشقاوة وفي الحديث الصحيح قلب المؤمن بين أصبعين من أصَابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وما أحسن قول بعضهم:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلَّا أنه يتقلب
قوله: (ثَبِّتْ قَلبي عَلَى دِينِكَ) هذا منه ﷺ إما تواضعًا وأداءً لمقام العبودية حقها أو تشريعا لأمته وهذا الذكر رواه الترمذي عن أم سلمة وقال حديث حسن رواه النسائي عن عائشة والحاكم عن جابر وأحمد عن أم سلمة أيضًا وأبو يعلى عن جابر أيضًا وفي رواية في الصحيحِ كان يقول يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك. قوله: (اللهم إِني أَسألُكَ مُوجِبَاتِ رَحمتِك الخ) سبق الكلام عليه في جملة حديث في باب صلاة الحاجة. قوله: (اللَّهم إِني أَسألُكَ -إلى قوله- والغِنى) رواه مسلم والترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود مرفوعًا كما في الجامع الصغير قال الدميري قال الطيبي معنى.
قوله: (الهُدَى) الهداية إلى الصراط المستقيم وهو (صِرَاط الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم). قوله: (والتُّقى) يعني به الخوف من الله تعالى والحذر من مخالفته ويعني (بالعَفاف) الصيانة من مطامع الدنيا (وبالغِنَى) غنى النفس وقال الثوري العفاف والعفة التنزه عما لا يباح والكف عنه قلت يقال عف عن الحرام عفافًا وهو حينئذ تخصيص بعد تعميم والغنى هنا غنى النفس والاستغناء عن النّاس وعما في أيديهم اهـ، وقال الطيبي أطلق الهدى والتقى ليتناول كل ما ينبغي أن يهدى إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق وكل ما يجب أن يتقي منه من الشرك والمعاصي ورذائل الأخلاق وطلب العفاف والغنى تخصيص بعد تعميم ونقل عن أبي الفتوح النيسابوري أنه قال العفاف إصلاح النفس والقلب فهو تخصيص بعد تعميم أيضًا اهـ. قال في الحرز والأظهر أن يراد بالعفاف التعفف عن السؤال وعدم التكفف بلسان الحال كما أشار إليه بقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي أصلًا لا بلسان الحال ولا ببيان المقال وقال زين العرب الهدى هو الرشاد والدلالة والعفاف هنا قيل الكفاف والغنى غنى النفس.
стр. 1519
" اللَّهُمَّ أعِني على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ".
"اللهم إني أسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنْهُ وما لَمْ أعْلَمْ، وأعُوذُ بكَ مِنَ الشَر كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنْهُ وما لَمْ أعْلَمْ، وأسألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِنْ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وما قرَّبَ إلَيْها مِنْ قَولٍ أوْ عَمَلٍ".
ولو قرأ القرآن كان أفضل. وينبغي أن يجمع بين هذه الأذكار والدعوات والقرآن، فإن
أراد الاقتصار أتى بالمهم.
ــ
قوله: (اللهم أَعِنِّي عَلَى ذِكرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عبادَتِكَ) سبق الكلام على سنده وما يتعلق به في باب الأذكار بعد الصلاة في حديث معاذ ﵁. قوله: (اللهم إِني أَسأَلُكَ منَ الخَيرِ كلِّهِ الخ) هو جملة حديث عند الإِمام أحمد والترمذي وغيرهما مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في باب جامع الدعاء. قوله: (منَ الخَيرِ كلِّهِ) بالجر على أنه تأكيد للخير وبالنصب على أنه مفعول ثاني لأسألك قال في الحرز والأظهر أنه تأكيد لموضع الجار والمجرور لا سيما ومن زائدة لإرادة الاستغراق وإلَّا فيصير التقدير أسألك كل الخير من الخير اهـ، وما ذكره من كون من زائدة يأباه مذهب الجمهور فقد شرط لزيادتها أن يتقدم نفي أو شبهه عليها وتأخر نكرة عنها فالأوجه أنها تبعيضية وأن النصب للاتباع للجار والمجرور باعتبار محله إذ هو في موضع المفعول والله أعلم. فكأن التقدير أسألك كل الخير لأن المبدل منه في حكم المطروح والمتروك. قوله: (قَرّبَ) بتشديد الراء أي قربني إليها. قوله: (منْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ) أو فيه للتنويع وسواء كان العمل بالظاهر أو كان بالقلب والسرائر. قوله: (ولوْ قرأَ القرآنَ كانَ أَفضَلَ) أي من غير الذكر ألوارد فيه نظير ما قدمه في الطواف ومنه ما قدمه رب اغفر وارحم الخ. لأن الطبراني والبيهقي وغيرهما أخرجوه لكن بلفظ أن النبي ﷺ كان إذا سعى بين الميل قال اللهم اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر موقوفًا عليه باللفظ الذي ذكره المصنف إلى قوله الأعز الأكرم أما الذكر الوارد فهل هو أفضل من القراءة أو مساوٍ لها قضية التشبيه بالطواف الأول وقضية كلام المجموع الثاني
стр. 1520
فصل في الأذكار التي يقولها عند خروجه من مكة إلى عرفات
يستحب إذا خرج من مكة متوجها إلى منى أن يقول اللهم إياك أرجو ولك أدعو فبلغني صالح أملي واغفر لي ذنوبي وامنن علي بما مننت به على أهل طاعتك إنك على كل شيء قدير، وإذا سار من منى إلى عرفة استحب أن
ــ
حيث قال ويستحب قراءة القرآن فيه وهو ظاهر عبارته هنا
وفي الإيضاح وعليه فقد يفرق بينه وبين الطواف بأنه أشبه الصلاة، والقراءة فيما عدا القيام فيها مكروهة فلذلك لم يطلب في مشابهها بخلاف السعي، وأيضًا فورد هناك أذكار مختصة بحال مخصوصة ومستوعبة لأجزاء الطواف فلم يبق فيه فضيلة للقراءة بخلاف السعي كذا قال ابن حجر في حاشية الإيضاح وتعقب بأن قول المجموع ويستحب قراءة القرآن فيه الخ. لا يدل على أفضليتها على الذكر فيه فقد نقل في الطواف الحكم باستحباب القراءة فيه ثم عقبه بالتفصيل في تفضيل الذكر عليها فهو صريح في أن مجرد استحبابها لا ينافي تفضيل الذكر المأثور ولا يقتضي أفضليتها فتأمله أي بخلاف عبارته هنا وفي الإيضاح فإنها ظاهرة في تفضيلها على الذكر مطلقًا والله أعلم.
فصل
قوله: (مَنًى) هو بالتنوين إن أريد به المكان وعدمه أن أريد به البقعة. قوله: (أَنْ يقول اللهُم الخ) قال الحافظ لم أره مرفوعًا ووجدته في كتاب المناسك للحافظ أبي إسحاق الحربي لكنه لم ينسبه لغيره اهـ. وقال الإيجي واستحسن بعض العلماء أن يقول فذكره وهو حسن ولا نعلم له أصلًا. قوله: (إِياكَ) أي لا غيرك (أرْجو) إذ لا فاعل بالاختيار إلّا أنت والغير لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا خفضًا ولا رفعًا. قوله: (صالحَ أَمَلِي) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي أملي الصالح الحسن من القبول والتفضيل بنيل المأمول. قوله: (وامنُنْ عَلي بمَا منَنْتَ) أي بالأمر العظيم المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفي تعقيبه بقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الاستدلال على أن تفضل المولى بذلك على من شاء من عباده لا يتوقف على سبب ولا شرط من حسن عمل ونحوه بل هو على كل ما شاءه وأراده قدير. قوله: (وإذَا سارَ منْ مِنى) أي وذلك في تاسع ذي الحجة بعد أن تطلع الشمس على ثبير وهو جبل عظيم عالٍ بلا خلاف واختلف في محله هل هو بمزدلفة على يمين الذاهب من منى إلى عرفات
стр. 1521
يقول اللهم إليك توجهت ووجهك الكريم أردت فاجعل ذنبي مغفورا وحجي مبرورا وارحمني ولا تخيبني إنك على كل شيء قدير، ويلبي ويقرأ القرآن ويكثر من سائر الأذكار والدعوات ومن قوله اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
ــ
قاله المصنف وتبعه جمع عليه أو بمنى على يسار الذاهب المقابل لمسجد الخيف وقول الجوهري هو بمكة قال الطبري لعله أراد بقربها فتجوز وذلك جائز وهذا هو المشهور وهو المشرف من منى على جمرة العقبة إلى تلقاء مسجد الخيف وأمامه قليلًا على يسار الذاهب إلى عرفة اهـ. قال الحافظ والقول في هذا الذكر كالذي قبله. قوله: (إِليَكَ) أي إلى فضلك وعبادتك لا إلى غيرك توجهت وليكن مقبلًا بقلبه متوجهًا إلى ربه حال نطقه بهذا الكلام وإلا كان كاذبًا على من لا تخفى عليه خافية فيستحق الطرد والمقت نظير ما سبق في وجهت وجهي الخ. قوله: (ووجْهَكَ) أي ذاتك الكريم لا غير كما يؤذن به التقديم على أردت. قوله: (مبْرورًا) أي خالصًا من الآثام ومقبولًا بمحض الفضل والأنام. قوله: (ولا تخيِّبني) أي فالكريم لا يخيب من قصده ولا يمنع رفده وفده. قوله: (ويُلبى الخ) أي يكثر من أعمال الطاعات بلسانه وأركانه وجنانه حسب طاقته وقدر استطاعته فإن ذلك اليوم سيد الأيام كما ورد وسيد الأيام يوم عرفة وفيه تغفر الآثام وتبلغ الأنام المرام من محض فضل الله تعالى ذي الجلال والإكرام.
تم الجزء الرابع من الفتوحات الربانية.
стр. 1522
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فصل في الأذكار والدعوات المستحبات بعرفات:
قد قدَّمنا في أذكار العيد حديثَ النبي ﷺ : "خَيرُ الدعاءِ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَخَيرُ ما قُلْتُ أنا والنبِيُون مِنْ قَبْلي: لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لهُ، لهُ المُلْكُ ولهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُل شَيءٍ قَدِيرٌ".
ــ
فصل
قوله: (بعرفات) قال السفاقسي: عرفات اسم جبل وهو مؤنث وحكى سيبويه هذه عرفات مباركًا فيها وهي مرادفة لعرفة وقيل: إنها جمع فإن عني في الأصل فصحيح وإن عنى مع كونها علمًا فليس بصحيح لأن الجمعية تنافي العلمية وقال قوم: عرفة اسم لليوم وعرفات اسم للبقعة والتنوين في عرفات ونحوه تنوين المقابلة وقبل تنوين صرف واعتذر عن كونه منصرفًا مع التأنيث والعلمية بأن التأنيث إن كان بالتاء التي في اللفظ كطلحة فالتي في عرفات ليست للتأنيث وإنما هي والألف قبلها علامة جمع المؤنث وإن كان بالتقدير كسعاد فلا يصح لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث تمنع من تقديرها كما لا يقدر التأنيث في بنت لأن التاء التي هي بدل عن الواو لاختصاصها بالمؤنث تمنع من تقديرها وأجري عرفات في القرآن مجرى ما لم بسم به من إبقاء التنوين في الجر ويجوز حذفه حال التسمية وحكى الكوفيون والأخفش إجراء ذلك مجرى فاطمة وأنشد بيت امرئ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي اهـ
وقد أفاد ابن مالك وغيره أن هذا البيت أنشد بالأوجه الثلاثة وقد بسطت هذا المحل في شرحي على ألغاز شيخي العلامة عبد الملك العصامي المسمى بغنية المعتاز في شرح الألغاز واختلف في وجه تسميتها بذلك فقيل لتعارف آدم وحواء بها وقيل لأن جبريل عرف الخليل المناسك يوم عرفة وقيل: لأن النّاس يعترفون فيها بذنوبهم وقيل غير ذلك قال الفارسي وفي ذلك تسعة أقوال عشرة إلا واحدًا. قوله: (قدمنا في أذكار العيد الخ) وكذا تقدم الكلام على ما يتعلق بسنده ومتنه في ذلك الباب
стр. 1523
فيستحب الإكثار من الذكر والدعاء، ويجتهد في ذلك، فهذا اليوم أفضل أيام السنة للدُّعاء، وهو مُعْظَم الحج، ومقصودُه والمعوّلُ عليه، فينبغي أن يستفرغ الإنسان وُسعَه في
الذِّكْر والدُّعاء، وفي قراءة القرآن، وأن يدعوَ بأنواع الأدعية، ويأتيَ بأنواع الأذكار، ويدعو لنفسه، ويذكرَ في كل مكان، ويدعو منفردًا ومع جماعة، ويدعوَ لنفسه،
ــ
والله أعلم بالصواب. قوله: (فيستحب الإكثار من هذا الدعاء والذكر) أي لا إله إلا الله الخ. لأنه نص ﷺ على أن ذلك أفضل ما قاله هو والنبيون من قبله. قوله: (فهذا اليوم أفضل أيام السنة للدعاء الخ) وقد صح أنه سيد أيام السنة وهو معظم الحج وقد ورد فيه صلوات بأسانيد ضعيفة جدًّا أو رد بعضها في القرى وقراءة سورة معينة فروى المستغفري مرفوعًا من قرأ في يوم عرفة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ألف مرة أعطى ما سأل وقراءة سورة الحشر لأثر في ذلك عن علي بت أبي طالب. قوله: (وهو معظم
(الحج) أي الوقوف بعرفة معظم الحج إذ بإدراكه يدرك الحج وبفواته يفوت ولذا قال ﷺ : "الحج عرفة" قيل: وهو أفضل أركانه لتوقفه عليه ولما فيه من الفضل العظيم والشرف اليم. قوله: (فينبغي أن يستفرغ الإنسان وسعه الخ) أي يكون دعاؤه جامعًا بين شرف الزمان والمكان والإخوان فهم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم. قوله: (ويدعو بأنواع الأدعية ويأتي بأنواع الأذكار) هذا تعميم بالنسبة للمأتي به وأفضله الماثور وهو كثير جدًّا أورد جملة كثيرة منه الشيخ جاد الله ابن الشيخ عز الدين بن فهد في مؤلفه المسمى بالقول المبرور والعمل المشكور في فضل عرفة ودعائها المأثور. قوله: (ويدعو ويذكر في كل مكان) أي فقد ورد أن الله يحب الملحين في الدعاء وسبق حديث سبق المفردون وهذا تعميم في المكان. قوله: (ويدعو منفردًا) أي على أي حال كان من قيام وقعود واضطجاع (ومع جماعة) وهذا تعميم في الأحوال وقد مدح الله ذاكريه في القيام والقعود المراد به عند جمع الذكر في سائر الأحوال، . قوله: (ويدعو لنفسه) أي ويبدأ بها وقد
стр. 1524
ووالديه، وأقاربه ومشايخه، وأصحابه، وأصدقائه، وأحبابه، وسائر من أحسن إليه، وجميع المسلمين، وليحذر كل الحذر من التقصير في ذلك كلِّه، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه، بخلاف غيره، ولا يتكلَّف السجع في الدعاء، فإنه يشغل القلب، ويذهب الانكسار، والخضوع، والافتقار، والمسكنة والذِّلَّة، والخشوع، ولا بأس بأن يدعوَ بدعواتٍ محفوظةٍ معه، له أو غيره، مسجوعة
ــ
ورد في الحديث ابدأ بنفسك وفي صحيح مسلم في قصة موسى مع الخضر رحمة الله علينا وعلى موسى، قال: وكان ﷺ إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه رحمة الله علينا وعلى أخي فلان. قال المصنف: قال العلماء: فيه استحباب ابتداء الإنسان بنفسه في الدعاء وشبهه من أمور الآخرة أما حظوظ الدنيا فالأدب فيها الإيثار وتقديم غيره على نفسه اهـ. وقوله ويدعو لنفسه هذا تعميم للمدعو لهم وواو يدعو لام الكلمة وفي بعض الأصول كتابة ألف بعدها وقد حكى ابن قتيبة في أدب الكاتب في كتابة الألف بعد الواو التي هي لام الكلمة وحذفها وجهين نقلهما المصنف في شرح مسلم الأول قول الكتاب المتقدمين والثاني قول بعض المتأخرين وهو الأصح. قوله: (وأحبائه) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة والمد أي من يحبهم ويحبونه ويجوز أن يكون بموحدتين بينهما ألف جمع حبيب بمعنى محب ومحبوب من استعمال المشترك في معنييه وهو جائز عندنا. قوله: (ووالديه) أي فيدعو لهما ويترحم عليهما وليمتثل في ذلك قوله تعالى: (وَقُل ربِّ ارْحمهُمَا كَمَا رَبيَاني صَغِيرًا) وليكثر من الاستغفار لهما فإن ذلك من البر المشروع في حقهما وقد روى أبو داود عن أبي أسيد قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد موتهما قال: "الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما" وقد تقدم ما يتعلق بذلك في أواخر الجنائز. قوله: (وسائر -أي جميع- من أحسن إليه) فيكون أعم مما قبله أو باقي من أحسن إليه فيكون غيره وتقدم تحقيق الخلاف في معنى سائر في آخر الخطبة من أول هذا الكتاب. قوله: (ويذهب الانكسار) أي لأنه ربما
стр. 1525
إذا لم يشتغل بتكلُّف ترتيبها ومراعاة إعرابها. والسُّنَّة أن يخفض صوته بالدعاء، ويكثر من الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات، مع الاعتقاد بالقلب، ويلح في الدعاء، ويكرره، ولا يستبطئ الإجابة، ويفتحَ دعاءه ويختِمَه بالحمدِ الله تعالى والثناءِ عليه ، والصلاة
ــ
رزق حظًّا من البلاغة فإذا رتبه كذلك حصل له به عجب وافتخار فاستبدلهما عما يطلب من لباس المسكنة والافتقار فكان في فتحه ذلك المقال حتفه
إن لم يتداركه ربه بأنواع الرحمة والإفضال ولهذا المعنى لم يعتن كثير من السلف مع كمال بلاغتهم بالبلاغة في ألفاظ الدعاء لأن المقام للافتقار ومزيد الذلة والانكسار والله أعلم. قوله: (إذا لم يشتغل بتكلف ترتيبها ومراعاة اعرابها) ظاهر هذا الكلام إن تحري إعرابه مكروه كتحري السجع وهو ظاهر إن نافى الخشوع والا ففيه تفصيل حاصله إن ظاهر كلام الحليمي والخطابي إن تجنب اللحن الدعاء من الشروط لكن عدة غيرهما من الآداب وجمع يحمل الأول على لحن يغير المعنى من قادر عليه والثاني على خلافه وعلى الأول يحمل حديث لا يقبل الله دعاء ملحونًا ويدل له قول ابن الصلاح إن اللحن ممن لا يستطيع غيره لا يقدح في الدعاء ويعذر فيه. قوله: (والسنة أن يخفض صوته في الدعاء) أي لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن اطلاع النّاس نعم إن أراد التعليم جهر بقدر الحاجة ويكره الإفراط برفع الصوت لحديث أبي موسى كنا مع رسول الله ﷺ وكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا فقال ﷺ : "أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا" رواه الشيخان. قوله: (ويكثر من الاستغفار) أي بلسانه مع الإذعان لمضمونه بجنانه. قوله: (مع الاعتقاد بالقلب) قيد فيما قبله من التوبة والاستغفار جميعًا. قوله: (ويلح في الدعاء) لما في الحديث إن الله يحب الملحين في الدعاء. قوله: (ولا يستبطئ الإجابة) أي فقد يكون الخير في تأخيرها وقد يكون ادخر الله تعالى ثواب تلك المسألة عنده وفي الصحيحين يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي. قوله: (ويفتتح دعاءه بالحمد الخ) قال بعض العلماء للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات فإن
стр. 1526
والتسليم على رسول الله ﷺ ، وليختمه بذلك، وليحرصْ على أن يكون مستقبل الكعبة وعلى طهارة.
وروينا في كتاب الترمذي عن علي ﵁ قال: أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة في الموقف: "اللهُم لكَ الحَمْدُ كالذِي نَقُولُ، وَخَيرًا مِمَا نَقُولُ، اللهم لَكَ صَلاتي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وممَاتي، وإلَيْكَ مَآبي، ولكَ رَب تُرَاثي، اللهم إني أعُوذُ بكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ، وَشَتاتِ الأمرِ،
ــ
وافق أركانه قوي وإن وافق أجنحته طار في السموات وإن وافق أوقاته فاز وإن وافق أسبابه نجح فاركانه حضور القلب والرقة والخشوع وتعلق القلب بالله تعالى وحده وأجنحته الصدق ومواقيته الأسحار وأسبابه الحمد الله والصلاة أي والسلام على سيدنا محمد ﷺ اهـ. وفي الحديث لا تجعلوني كقدح الراكب اجعلوني أول كل دعاء وأوسطه وآخره وتقدم تخريجه في كتاب الصلاة على النبي ﷺ وينبغي ختمه بالتأمين. قوله: (وليختمه بذلك) ويأتي به في الأثناء أيضًا.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي الخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طرق هذا حديث غريب من هذا الوجه وقد تقدم في العيدين من وجه آخر عن علي فيه زيادة وهذه الطريق أي التي أخرجها في هذا الباب أخرجها الترمذي وقال غريب وليس إسناده بالقوي وأخرجه ابن خزيمة وقال: خرجته وإن لم يكن ثابتًا من جهة النقل لأنه من الأمر المباح اهـ. قوله: (كالذي تقول) بالمثناة الفوقية كذا ضبطه
الشيخ عبد الوارث في شرح مناسك شيخه والذي في نسخة مصححة من الأذكار بالنون ولعله أقرب. قوله: (مما نقول) بالنون قوله: (ونسكي) بضمتين أي عبادتي. قوله: (ومحياي ومماتي) أي هما طوع إرادتك وقدرتك. قوله: (تراثي) قال الواحدي هو المال وأصله وارث فأبدلت الواو المضمومة مثناة فوقية وفي الصحاح أصل التاء فيه الواو تقول ورثت أبي وورثت الشيء من أبي إرثه بالكسر اهـ. والمراد إرثي ومالي كله لك إذ ليس لأحد معك ملك. قوله: (ووسوسة الصدر) أي الوسوسة الكائنة من النفس أو من الشيطان الحاصلة في الصدر. قوله: (وشتات الأمر) بفتح الشين أي تفرقة الخواطر في أمر الدين بالاشتغال في أمور الدنيا فاجعله لي بتحصيل المهم
стр. 1527
اللهُم إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ".
ويستحبُّ الإكثار من التلبية فيما بين ذلك، ومن الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأن يكثر من البكاء مع الذكر والدعاء، فهنالك تُسْكَبُ العبراتُ، وتستقال العَثراتُ، وتُرتجى الطلباتُ، وإنه لموقف عظيم، ومجمع جليل، يجتمع فيه خيار عباد الله المخلصين، وهو أعظم مجامع الدنيا.
ومن الأدعية المختارة: "اللهُم آتنا في
ــ
الأهم بأن تجعل أكثر همي هم الدين وقد ورد من جعل الهموم همًّا واحدًا هم آخرته كفاه الله أمر دنياه. قوله: (من شر ما تجيء به الريح) قيل الباء للتعدية وقيل للملابسة والمستعاذ منه قيل: العذاب وقيل: إن ذلك كناية عن سوء القضاء والقدر.
قوله: (وأن يكثر من البكاء) أي لما فيه من مزيد الانكسار والخضوع لعظمة الملك الجبار. قوله: (تسكب العبرات) أي لما فرط من الذنوب وسلف من العيوب وفات من الخيرات في الأيام الخاليات. قوله: (وتستقال العثرات) أي تطلب الإقالة من العثرات أي بغفرانها وقد روي ما رؤي الشيطان أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة لما يرى من كثرة الرحمات والعفو عن عظائم السيئات روي أنه ﷺ سأل لأمته عشية عرفة المغفرة فأجيب لما عدا المظالم فإنه تعالى يأخذ للمظلوم من الظالم قال ﷺ : "أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم" فلم يجب عشية عرفة فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب فضحك ﷺ فسأله أبو بكر وعمر فقال: "إن عدو الله إبليس لما استجيب لي حثى التراب على رأسه ودعا بالويل والثبور فأضحكت لما رأيت من جزعه". قوله: (وترتجي الطلبات) أي حصولها وقد ورد أن ابن عبد الله رأى رجلًا يسأل في يوم عرفة فقال: يا عاجز أفي هذا اليوم يسأل غير الله أخرجه أبو نعيم في الحلية وفي إيضاح المناسك للمصنف أن الفضيل قال: أرأيتم لو أن هؤلاء النّاس يعني أهل الموقف سألوا إنسانًا دانقًا كان يمنعهم منه قالوا: لا، قال: والله للمغفرة أهون على الله من الدانق على أحدكم. قوله: (يجتمع فيه خيار عباد الله الخ) أي الذين يباهي بهم الله ملائكته ويشهدهم على مغفرته لهم وأي فخر يذكر فوق ذلك ولذكر الله أكبر.
قوله: (ومن الأدعية المختارة الخ) قال الحافظ: هذا الذي ذكره
стр. 1528
الدُّنْيا حَسَنَةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وقِنا عَذَابَ النارِ".
"اللَّهُمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وإنه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ فاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْني إنكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ".
"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَغْفِرَةً تُصْلِحْ بِها شَأني في الدَّارَينِ، وارْحَمْني رحمَةً أسْعَدْ بِها في الدّارين، وتُبْ عليَّ تَوْبَةً نصوحًا لا أنْكُثها أبَدًا، وألْزِمْني سَبِيلَ الاسْتقَامَةِ لا أزيغ عَنْها أبَدًا".
"اللَّهُمَّ انْقُلْني مِنْ ذُل المَعْصِيَةِ
ــ
مجموع من أحاديث تقدم أي
الأول منها قريبًا ويأتي قريبًا أيضًا والثاني تقدم في باب الدعاء بعد التشهد أي من حديث الصديق والثالث لم أقف عليه مسندًا والرابع تقدم في باب ما يقول من غلبه الدين والخامس وقع بعضه في حديث أبي سعيد بسند ضعيف في مسند الفردوس اهـ. والدعاء المختار في هذا المحل كثير وقد ذكر الزعفراني منه نحو عشرين ورقة لكن قال الأذرعي ولا أحسب له أصلًا أي مجموع ذلك وإلا فقد خرج الحافظ في الأمالي بعض أحاديث وآثارًا في ذلك والله أعلم وأورد بعضًا منها جدي في مثير شوق الأنام. قوله: (فاغفر لي مغفرة) أي عظيمة يتسبب عنها صلاح الدارين والشأن كما سبق الأمر، وكون الغفران سببًا في صلاح الآخرة ظاهر أما الدنيا فلأنه حينئذٍ ينتظم في سلك الخالص من العصيان المستدعي للحرمان كما ورد في الحديث إن العبد ليمنع من الرزق بالمعصية يفعلها أو كما ورد. قوله: (وارحمني) أي أرد لي الخير في الدارين وافعل بي ذلك. قوله: (توبة نصوحًا) هو بفتح النون صفة التوبة وبضمها مصدر وصف به التوبة على سبيل المبالغة روي عن عمر وعبد الله أنها التي لا عودة بعدها كما يعود اللبن للضرع ورفعه معاذ للنبي ﷺ فقوله: إلا أنكثها أبدًا) كالتفسير لها. قوله: (سبيل الاستقامة) أي امتثال الأوامر واجتناب النواهي وفي الرسالة القشيرية الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيمًا في حالته ضل سعيه وخاب جهده وفيها قيل: إن الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق فلذلك قال ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا" اهـ. قوله: (لا أزيغ) أي لا أميل.
قوله: (من ذل المعصية الخ) قال ابن القيم في
стр. 1529
إلى عزَّ الطَاعَةِ، وأغْنِني بِحَلالِكَ عَنْ حرامك، وبطاعتك عن مَعْصِيَتِكَ، وَبِفَضْلِكَ عَمَّن سِواكَ وَنَوِّر قَلْبي وقَبرِي، وأعِذْني مِنَ الشَّر كُلِّهِ، واجْمَعْ لي الخَيرَ كُلَّهُ".
فصل في الأذكار المستحبة في الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة
قد تقدّم أنه يستحبُّ الإكثار من التلبية في كل موطن، وهذا من آكدها. ويكثر من قراءة القرآن، ومن الدعاء.
ــ
كتاب الدواء والداء قرن الله تعالى ذله بعصيانه وعفوه بطرق رضوانه فالعاصي لا يخلو من ذل أبدًا وإن كان في أعلى درجات العز في الصورة الظاهرة وكفى من ذلة حالها أنه لو حرك الهوى عليه الباب اعتراه الوجل والاضطراب. قوله: (ونور قلبي) أي بأنوار الإيمان والعرفان. قوله: (وقبري) أي بالأنوار التي جعلتها لعبادك الصالحين في قبورهم. قوله: (وأعذني من الشر كله الخ) تعميم بعد تخصيص لما ذكر جملًا من المستعاذ منه وجملًا من المطلوب عقبه بالاستعاذة من كل شر وضير وسؤال كل نفع وخير والله أعلم.
فصل
قوله: (في الإفاضة) الإفاضة في الأصل مصدر أفاض إناءه إذا أملأه حثى أسأله وسمي الدفع من عرفة إفاضة لكثرة الدافعين تشبيهًا بفيض الماء أشار إليه الراغب في مفرداته. قوله (إلى مزدلفة) وسميت بذلك لأن الحجاج يقربون منها إلى منى من الازدلاف وهو القرب وقيل لاجتماع الناس بها والاجتماع الازدلاف وقيل: لأن الناس يأتونها في زلف من الليل أي ساعات منه وتسمى: "جمعًا" قيل: لاجتماع الناس بها وقيل: لاجتماع آدم وحواء فيها وقيل: لجمع العشاءين بها.
قوله: (قد تقدم أنه يستحب الإكثار من التلبية الخ) وسبق حديث الفضل بن العباس ﵄ فلم يزل ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. قوله: (ويكثر من قراءة القرآن) أي لأنه أفضل الأذكار والاشتغال به أفضل من الاشتغال بغيره إلا ما ورد عن الشارع فيه ذكر مخصوص فالاشتغال به فيه أفضل للاتباع. قوله: (ومن الدعاء) قال المصنف في إيضاح المناسك وهذه الليلة وهي ليلة العيد ليلة عظيمة جامعة لأنواع من الفضل منها شرف
стр. 1530
ويستحبُّ أن يقول: لا إله إلا الله، واللهُ أكْبَرُ. ويكرر ذلك.
ويقول: إلَيْكَ اللهُم أرْغَبُ، وإيَّاكَ أرْجُو، فَتَقَبَّلْ نُسُكِي، وَوَفِّقْني، وارْزُقني فيهِ منَ الخَيْرِ أكثَرَ ما أطْلُبُ، ولا تُخَيِّبْني، إنكَ أنتَ اللهُ الجَوَّادُ الكَريمُ، وهذه الليلة هي ليلة العيد، وقد تقدم في أذكار العيد بيان فضل إحيائها بالذكر والصلاة، وقد انضم إلى شرف الليلة
ــ
الزمان والمكان فإن المزدلفة من الحرم وانضم إلى ذلك جلالة أهل الجمع الحاضرين بها وهم وقد الله تعالى وخير عباده ومن لا يشقى بهم جليسهم فينبغي أن يعتني الحاضرون بها بإحيائها بالعبادة من الصلاة والتلاوة والذكر والدعاء والتضرع اهـ. قوله: (ويستحب أن يقول: لا إله إلا الله الخ) قال الحافظ: أخرج ابن خزيمة في صحيحه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ وقف حتى غربت الشمس فأقبل يكبر الله ويهلله ويعظمه ويمجده حثى انتهى إلى المزدلفة وتقدم في أذكار العيدين ما يتعلق بالتكبير ومنه حديث أبي هريرة زينوا الأعياد بالتكبير ومنه حديث جابر في صفة التكبير: الله أكبر ثلاثًا لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
قوله: (ويقول اللهم إليك أرغب الخ) قال الحافظ: وهو حسن ولم أره مأثورًا. قوله: (إليك) أي لا إلى غيرك كما يؤذن به تقديم المعمول (أرغب) أي في نيل مطلوبي لأنك القادر عليه. قوله: (فتقبل نسكي) أي ما أنا فيه من الحج أو الحج والعمرة إن كان قارنًا والنسك في الأصل العبادة ثم صار في لسان أهل الشرع مخصوصًا بالحج والعمرة. قوله: (الجواد) هو بتخفيف الواو أي كثير الجواد أي العطاء وقد ورد في حديث مرسل اعتضد بحديث مسند بل روى أحمد والترمذي وابن ماجه حديثًا طويلًا فيه ذلك فإني جواد ماجد وذلك دليل على جواز الإطلاق إذ لا فرق عند الورود في
الكتاب أو الخبر المقبول بين المعرف والمنكر إذ تعريف المنكر لا يغير معناه وقوله: "إنك أنت الله" الخ تعليل لما تضمنه ما قبله أي تقبل نسكي فإنك أنت الله الحائز لأوصاف الكمال ومنها قبول عمل العمال ووفقني فأنت جواد أي كثير الجود والعطاء فامنن علي بذلك وأعطني أكثر مما أسأل فأنت كريم والكريم يبدأ بالنول قبل السؤال والله أعلم بحقيقة الحال.
стр. 1531
شرف المكان، وكونه في الحرم والإحرام، ومجمع الحجيج، وعقيب هذه العبادة العظيمة، وتلك الدعوات الكريمة في ذلك الموطن الشريف.
فصل في الأذكار المستحبة في المزدلفة والمشعر الحرام:
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]،
ــ
قوله: (شرف المكان وكونه من الحرم) ظاهره إن لمكان المزدلفة شرفًا من حيث ذاتها وشرفًا من حيث كونها من الحرم وظاهر عبارة إيضاح المناسك أن شرف مكانه كونه من الحرم هذا إن أعيد الضمير من كونه على المضاف إليه أي المكان كما هو الظاهر أما إذا أعيد إلى الذاكر فيكون في الكلام إطناب إذ كونه بمزدلفة يغني عن قوله وكونه في الحرم. قوله: (ومجمع الحجيج) ضبط في أصل مصحح بالنصب عطفًا على محل خبر الكون. وله: (وتلك الدعوات) أي وكون تلك الدعوات أي التي يطلب منه الإكثار منها بمزدلفة (في ذلك الموطن) أي مزدلفة الحائز لشرف المكان مع شرف المكين إذ هي مجمع الحجيج مع شرف الزمان إذ هي خاتمة ليالي العشر والله تعالى أعلم والمراد بالموطن هنا المكان ووصفه بالشرف باعتبار كونه من الحرم وكونه من محال النسك.
فصل
قوله: (فإذا أفضتم) أي اندفعتم يقال: أفاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب من نواحيه قال القرطبي: وقيل: أفضتم أي دفعتم بكثرة فمفعوله محذوف وعلى الثاني: أي أفضتم أنفسكم. قوله: (فاذكروا الله) أي بالدعاء والتلبية. قوله: (عند المشعر) هو مأخوذ من الشعار أي العلامة لأنه من معالم الحج وأصل الحرم المنع فهو ممنوع أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه وسيأتي بيان المشعر في الأصل. قوله: (واذكروه كما هداكم) كرر الأمر تأكيدًا كما تقول: ارم ارم وقيل الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام والثاني أمر بالذكر على حكمة الإخلاص وقيل المراد بالثاني تعديد النعم وأمر بشكرها ثم ذكرهم بحال ضلالهم ليظهر قدر الإنعام بقوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾
стр. 1532
فيستحبُّ الإكثار من الدعاء في المزدلفة في ليلته ومن الأذكار والتلبية وقراءة القرآن، فإنها ليلة عظيمة، كما قدمناه في الفصل الذي قبل هذا.
ومن الدعاء المذكور فيها: اللهُم إني أسألُكَ أنْ تَرْزُقَني في هذا المكان جَوامِعَ الخَيْرِ كُلِّهِ، وأنْ تُصْلِحَ شأنِي كُلَّهُ، وأنْ تَصْرِفَ عَني الشَّرَّ كُلَّهُ، فإنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذلكَ غَيْرُكَ، وَلا يَجُودُ بِهِ إلا أنتَ.
وإذا صلى الصبح في هذا اليوم صلَّاها في أوَّل وقتها، وبالغ في تكبيرها، وثم يسير إلى المشعر الحرام،
ــ
والكاف في كما نعت لمصدر محذوف وما مصدرية أو كافة والمعنى اذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة أو اذكروه كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه وإن مخففة من الثقيلة يدل على ذلك دخول اللام في الخبر قاله سيبويه وقال الفراء: هي نافية بمعنى ما واللام فيه بمعنى إلا وقيل هي بمعنى قد أي قد كنتم قبله أي قبل إنزاله أي القرآن أو قبل إرساله أو قبل الهدي قال القرطبي: وهذا أظهر.
قوله: (فيستحب الإكثار من الدعاء في المزدلفة الخ) أي لما اجتمع فيها من شرف المكان والزمان مع ما ورد في إحيائها وما ورد أنه ﷺ اضطجع ليلتئذٍ لا يلزم منه النوم وبفرضه فلعله كان خفيفًا لبيان الجواز وقلبه ﷺ لا ينام. قوله: (ومن الدعاء المذكور فيها) قال الحافظ: لم أره مأثورًا لكن تقدم الدعاء بصلاح الشأن وورد في الدعاء بجوامع الخير ما أسنده الحافظ من طريق الطبراني عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو فذكر حديث طويلًا وفيه: اللهم إني أسألك فواتح الخير وخواتمه وجوامعه وأوله وآخره وظاهره وباطنه والدرجات العلا من الجنة قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث حسن غريب أخرجه الحاكم مفرقًا في موضعين وقال صحيح الإسناد وأخرج الحافظ عن ابن عباس أن النبي ﷺ سمع عائشة تدعو فقال: ألا أدلك يا بنت أبي بكر على جوامع الدعاء قالت: بلى قال: تقولين اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم قال الحافظ بعد تخريجه: حديث غريب أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الدعاء ورجاله موثقون إلا موسى بن عبيدة فإنه ضعيف ويكتب حديثه في فضائل الأعمال. قوله: (صلاها في أول وقتها) أي من غير خلاف بين الأئمة
стр. 1533
وهو جبل صغير في آخر المزدلفة يسمى "قُزَح" بضم القاف وفتح الزاي، فإن أمكنه صُعودَه صَعِدَه، وإلا وقف تحته مستقبل الكعبة،
ــ
في ذلك ومحل الخلاف في استحباب المبادرة بالفجر في أول وقته لحديث أول الوقت رضوان الله وآخر الوقت غفران الله وبه قال الشافعي أو تأخيره إلى الأسفار لحديث أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر وبه قال أبو حنيفة في غير صبح هذا اليوم في هذا المكان فهي فيه مستثناة من ذلك ذكره صاحب الحرز وغيره وإنما طلبت المبادرة بها أول الوقت والتغليس فيها ليتسع الزمن للحاج لما عليه من الأعمال الكثيرة في ذلك اليوم. قوله: (وهو جبل صغير في آخر المزدلفة) هذا هو المعتمد المعروف في كتب الفقه وفي كثير من كتب التفسير والحديث أنه جميع المزدلفة ونقل القول به عن جمع من السلف ويدل للأول ما صح عن علي ﵁ أنه ﷺ لما أصبح بجمع أتى قزح فوقف عليه وقال: هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف يوافقه ما في حديث مسلم عن جابر في صفة حجة الوداع أنه ﷺ لما صلى الصبح بالمزدلفة ركب ناقته القصوى حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ودعا الله وهلله وكبره ولم يزل واقفًا حثى أسفر جدًّا وكونه ﷺ لم يخبر أن قزح هو المشعر الحرام لا يؤثر لأن فعله صريح في ذلك وإلا لم يكن لارتحاله من محله إليه فائدة ومن ثم جزم علي وجابر في حديثهما المذكورين بأنه المشعر وبه يعلم أن إطلاقه في كلام كثير على المزدلفة مجاز أو محمول على أن أصل سنة الوقوف عنده يحصل بالوقوف في أي محل كان منها وقوله تعالى:
(فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) ولم يقل فيه قرينة ظاهرة على أنه بعضها لا كلها وكون عند بمعنى في خلاف الظاهر وعبر المصنف هنا كالإيضاح بقوله في آخر المزدلفة أي في قرب آخرها مما يلي المأزمين فلا يعارضه قول المحب الطبري إنه بوسطها على أنه قيل ليس المراد حقيقة الوسط وقال في الإيضاح وقد استدل النّاس بالوقوف على قزح للوقوف علي بناء مستحدث في وسط المزدلفة قال ابن حجر تبع في هذا الرافعي وابن الصلاح واعترضه المحب الطبري حيث قال وهو يعني المشعر بأوسط المزدلفة وقد في عليه ثم حكى كلام ابن الصلاح ثم قال ولم أره غيره والظاهر إن الوقوف إنما هو على البناء الذي هو
стр. 1534
فيحمَد الله تعالى، ويكبِّره، ويهلِّله ويوحِّده، ويسبِّحه، ويكثر من التلبية والدعاء.
ويستحب أن يقول: اللهُم كما وَقَفْتَنا فِيهِ وأرَيْتَنَا إياهُ، فَوَفقْنا لِذِكْرِكَ كما هَدَيْتَنَا، واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا كما وَعَدْتَنا بِقَوْلِكَ، وَقَوْلُكَ الحَق ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا
ــ
قزح قال العز بن جماعة وما ذكره هو الظاهر الذي يقتضيه نقل الخلف عن السلف اهـ. وكذا قال الفيروزبادي في سفر السعادة: إنه تل صغير في وسط مزدلفة عليه عمارة محدثة وقول بعض مشايخ الحديث عن الفقهاء وهو جبل صغير على يسار الحاج وهذا البناء المشهور ليس بالمشعر سهو منهم والصحيح أن المشعر الحرا هـ هو البناء المعروف المعمور اهـ. وتقدم تأويل القول بأنه وسط مزدلفة. قوله: (فيحمد الله ويكبِّره الخ) أي للاتباع رواه جابر في حديث حجة الوداع. قولهه: (ويهلله) أي يقول: لا إله إلا الله (ويوحده) أي يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الخ وقال الحنفي أي قال: إنه واحد.
قوله: (ويستحب أن يقول اللهم الخ) قال الحافظ: لم أره مأثورًا وكلام الشيخ يشير إلى أنه منتزع من الآية التي ذكرها وعزاه في شرح المهذب فقال واستحب أصحابنا أن يقول الخ قلت وفي الإيضاح واستحب أن يقول الخ. قوله: (اللهم كما وقفتنا) بتقديم القاف على الفاء أي اللهم كما مننت علينا بالوقوف في هذا المكان بمحض الإحسان (فوفقنا) دعاء من التوفيق أي فامنن علينا بالتوفيق للذكر شكرًا على نعمة الهداية أو بمعنى على. قوله: (بقولك) متعلق بقوله وعدتنا وفيه قراءة هذه الآية في ذلك المكان قال ابن حجر الهيتمي هذا ظاهر في ندب ما اعتيد من قراءة آية (إِنَّ الصَّفَا والمَروَةَ) إلى (عِليم) على الصفا والمروة بجامع أن كلًّا من الآيتين مذكر بشرف المحل المتلو فيه وحاث على الاعتناء به والقيام بحقوقه فكما استحبوا هذه هنا كذلك يستحب تلك هناك لذلك أيضًا اهـ. قوله: (ثم أفيضوا الخ) فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ثم افيضوا من حيث أفاض النّاس يعني من عرفة فإذا أفضتم من عرفات
стр. 1535
مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩] ويكثر من قوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
ويستحبُّ أن يقول: "اللهُم
ــ
فاذكروا الله وقيل ثم بمعنى الواو أي وأفيضوا وقيل غير ذلك. قوله: (من حيث أفاض النّاس) قال أهل التفسير كانت قريش وحلفاؤها ومن دان بدينهم وهم الخمس يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل الله وقطان حرمه فلا نخلف الحرم ويتعظمون أن يقفوا
مع سائر العرب بعرفات فإذا أفاض النّاس من عرفة أفاض الخمس من مزدلفة فأمروا بالإفاضة من عرفة إلى جمع مع سائر النّاس وأخبرهم أنها سنة إبراهيم وإسماعيل على نبينا وعليهما الصلاة والسلام والناس هم العرب كلهم غير الخمس وقيل أهل اليمن وربيعة وقيل إبراهيم وحده وقيل آدم وحده ويؤيده أن ابن جبير كان يقرأ: "من حيث أفاض النّاس" بكسر السين يومئ إلى قوله تعالى: (فَنسِيَ وَلَم نِجد لَه عَزْمًا) وقيل المراد إبراهيم وآدم وغيرهما. قوله: (إن الله غفور) أي للمؤمنين (رحيم) بهم. قوله: (ويكثر من قوله ربنا آتنا الخ) قال الحافظ: تقدم في باب دعاء الكرب حديث أنس قال: كان أكثر دعاء يدعو به النبي ﷺ : "اللهم آتنا في الدنيا الخ" وأخرج الحافظ عن ابن عوف محمد بن عبد الله الثقفي قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب فذكر حديث طويلًا فيه وكان النّاس في الجاهلية إذا وقفوا عند المشعر الحرام دعوا فقال أحدهم: اللهم ارزقني إبلًا وقال الآخر: اللهم ارزقني غنمًا فأنزل الله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ قال الحافظ: هذا موقوف له حكم الرفع وفي سنده ضعف وللحديث شاهد أخرجه الطبراني من رواية القاسم بن عثمان عن أنس ولفظه كانوا يدعون: اللهم أسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر وردنا صالحين إلى صالحين فنزلت ومن طريق مجاهد كانوا يقولون: ربنا آتنا رزقًا ونصرًا ولا يسألون لآخرتهم شيئًا فنزلت.
قوله: (ويستحب أن يقول اللهم لك الحمد كله الخ) قال الحافظ: لم أره مأثورًا وورد بعضه غير مقيد في حديث لأبي سعيد أخرجه ابن منصور في مسند الفردوس ولفظه أن رسول الله ﷺ قال لرجل سأله: أي الدعاء خير؟ قال: "قل اللهم لك الحمد كله ولك الشكر كله ولك الملك كله
стр. 1536
لكَ الحَمْدُ كُلُّهُ، ولك الكَمالُ كُلهُ، ولك الجَلالُ كُلُّه، ولك
التقديسُ كُلُّهُ، اللهم اغْفِرْ لي جَمِيعَ ما أسْلَفْتُهُ، وَاعْصِمْني فيما بَقِيَ، وَارْزُقْني عَمَلًا صَالِحًا تَرضَى بِهِ عَني يَا ذَا الفَضْلِ العَظِيمِ".
ــ
أسألك الخير كله وأعوذ بك من الشر كله" وفي سنده خالد بن يزيد العمري وهو متروك وزاد بعضهم من حديث سعد بن أبي وقاص أن رجلًا قال: يا رسول الله علمني دعاء ينفعني الله به فذكر الحمد والشكر وبعده وإليك يرجع الأمر كله وسنده ضعيف قال الحافظ: وقد وجدت الحديث بتمامه بتغير يسير وإطلاق المحل ثم ساق إسناده إلى رجل من فدك عن حذيفة ﵁ قال: بينما أنا أصلي سمعت متكلمًا يقول: اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره أهل أن تحمد أبدًا إنك على كل شيء قدير اللهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنوبي واعصمني فيما بقي من عمري وارزقني عملًا زاكيًا ترضى به عني قال: فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: ذاك ملك أتاك يعلمك كيف تحمد ربك قال الحافظ: رجاله موثقون إلا الفدكي يعني المبهم الراوي عن حذيفة فما عرفت اسمه ولا حاله فإن كان سمع من حذيفة فهو من كبار التابعين وقد أخرجه عن عثمان عن همام ولم يقل في روايته من أهل فدك وقال في روايته صالحًا بعد زاكيًا وقد أغفل من خرج رجال المسند ذكر هذا الفدكي قال الحافظ وروينا في فوائد أبي محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي بسنده إلى الأصمعي قال: رأيت أعرابيًّا بمنى يقول: اللهم إن ذنوبي لم
تبق لي إلا رجاءك وأنا أرجوك لما لا أستوجبه وأسألك ما لا أستحقه اهـ. قوله: (لك الحمد) أي جميع أفراده فلا فرد منه في الحقيقة لغيره تعالى وإن جرى في الصورة كذلك ظاهرًا. قوله: (ولك الجلال) أي العظمة المستلزمة للاتصاف بكل صفة من صفات الكمال ومنها التنزه عن كل سمة من سمات النقص فهو تنزيه الصفات. قوله: (ولك التقديس) أي التنزيه عما لا يليق بجلال الذات. قوله: (وأعصمني) أي احفظني من المخالفات. قوله: (وأرزقني الخ) سأل أولًا ما يتسبب عنه بفضل الله تعالى النجاة من العذاب فهو من قبيل التخلية بالخاء المعجمة ثم سأل ثانيًا ما يتسبب عنه جزيل الثواب من جنة المآب ورضوان المنعم
стр. 1537
اللهُم إني أسْتَشْفِعُ إلَيْكَ بِخَواصِّ عبَادِكَ، وأتَوَسَّلُ بِكَ إلَيْكَ، أسألُكَ أن تَرْزُقَني جَوامِعَ الخَيْرِ كُلَّه، وأن تَمُنَّ عَليَّ بِمَا مَنَنْتَ بِه على أوْلِيائِكَ، وأنْ تُصْلِحَ حالي في الآخِرَةِ والدُّنْيا يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
فصل في الأذكار المستحبة في الدفع من المشعر الحرام إلى منى
إذا أسفر الفجر انصرف من المشعر الحرام متوجهًا إلى منى، وشعاره التلبية والأذكار والدعاء والإكثار من ذلك كلِّه، وليحرص على التلبية فهذا آخر زمنها، وربما لا يقدَّر له في عمره تلبيةٌ بعدَها.
ــ
الوهاب وذكره دون ما قبله لأنه أفخر قال تعالى: (وَرِضوَان من اللَّهِ أَكبَرُ) فهو من باب التحلية بالحاء المهملة. قوله: (اللهم إني أتشفع إليك الخ) قال الحافظ: لم أره مأثورًا وتقدم التوسل بالنبي ﷺ في أذكار الحاجة من حديث عثمان بن حنيف وتقدم في باب أذكار المشي إلى المسجد أسألك بحق السائلين عليك من حديث أبي سعيد وتقدم الدعاء بجوامع الكلم ويأتي الدعاء بصلاح الحال قريبًا إن شاء الله تعالى اهـ. وكأنه يشير إلى منتزع هذه الأذكار. قوله: (بما مننت به على أوليائك) أي من العرفان والمحبة وغيرهما المومأ إليه بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ. قوله: (وأن تصلح حالي في الآخرة والدنيا) أي بصلاح الأعمال والاستقامة في الأقوال والأفعال فبذلك صلاح الآخرة وصلاح الدنيا بوجود الكفاف من الوجه الحلال والقناعة به وصون الوجه عن الغير وفي الحديث: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا وفي رواية كفافًا.
فصل
قوله: (إذا أسفر الفجر انصرف من المشعر الحرام) أي إذا أسفر الفجر جدًّا بحيث ترى الإبل موضع أخفافها ويكره تأخير السير منه إلى طلوع الشمس كما في المجموع نقلًا عن الأم. قوله: (وشعاره التلبية والأذكار) أي لما سبق من حديث الفضل بن العباس ﵃ فلم يزل ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة وهو في الصحيحين ورويا أيضًا عن ابن مسعود نحوه وسبق لذلك طرق أخرى قال الحافظ: وأما الإكثار من الدعاء والذكر فمستنده الآية المتقدمة أي فاذكروا الله كذكركم آباكم.
стр. 1538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة
إذا وصل وادي محسر -وهو بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المهملتين مسيل واد فاصل بين منى ومزدلفة سمي بذلك قيل: لأن قيل أصحاب الفيل حسر فيه كذا قال المصنف في الإيضاح وجزم به المحب الطبري وشيخه ابن خليل المكي لكن نظر فيه الفاسي بقول ابن الأثير إن الفيل لم يدخل الحرم بل وقف بالمغمس وقيل لأنه يحسر سالكيه ويتعبهم وتسميه أهل مكة وادي النار قيل: لأن رجل اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته وقيل لأن بعض الأنبياء رأى اثنين على فاحشة فيه فدعا عليهما فنزلت نار فأحرقتها -أسرع أي حرك دابته حتى يقطع عرض الوادي وكان عمر يوضع في وادي محسر ويقول:
إليك تغدو قلقًا وضينها ... مخالفًا دين النصارى دينها
أخرجه الحافظ وقال بعد تخريجه هذا أثر غريب من هذا الوجه وأخرج ابن أبي شيبة بسند فيه انقطاع عن عمر أيضًا أنه كان يقول كذلك وزاد فيه:
معترضًا في بطنها جنينها
وزاد عنه في طريق أخرى من طريق ابن عمر:
قد ذهب الشحم الذي يزينها
قال الحافظ: يوضع أي يسرع وزنًا ومعنى وجاء بلفظ يحرك ثم أخرج الحافظ عن هشام بن عروة من أبيه أن عمر كان يحرك في وادي محسر الحديث قال الحافظ وقد عقد ابن أبي شيبة للإيضاع هنا بابًا ذكر فيه أحاديث مرفوعة وموقوفة وبعضها في الصحيح ونقل عن ابن عباس وبعض أنه لا يستحب وعن ابن عباس أنه أثبته هنا وكرهه عن الإفاضة من عرفة وفي المجموع نقلًا عن القاضي حسين يستحب أن يقال هذا المنقول عن عمر في المكان المذكور ونقل الرافعي وغيره أن السبب في الإسراع هنا أن نصارى العرب من أهل نجران كانوا يقفون هنا لا في المشعر الحرام فخولفوا ثم ذكر له مؤيدًا من حديث المسور بن مخرمة ولا يظهر عنه ذلك قال الحافظ ومما جاء من القول عند الدفع من مزدلفة ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يقول إذا هبط من محسر:
اللهم غافر الذنوب جما ... أي عبد لك لا ألما
قلت: وهذا الرجز أنشده الزبير بن بكار لأمية بن أبي الصلت قاله لما حضره الموت ولفظه:
إن تغفر اللهم تغفر جما
وأنشده ابن الكلبي للديان الحارثي
стр. 1539
فصل في الأذكار المستحبة بمنى يوم النحر:
إذا انصرف من المشعر الحرام ووصل منى يستحبُّ أن يقول: الحَمْدُ للهِ الَّذِي بَلَّغَنِيها سالما مُعافىً، اللهُم هذِهِ مِنىً قدْ أتَيْتُها، وأنا عَبْدُكَ، وفي قَبْضَتِكَ، أسألُكَ أن تَمُنَّ عَليَّ بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلى أوْليائِكَ، اللهُم إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الحِرمَانِ والمُصِيبَةِ في دِينِي يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
فإذا شرع في رمي جمرة العَقَبة قطع التلبية مع أوَّل حصاة واشتغل بالتكبير، فيكبِّر مع كل حصاة،
ــ
جد بني عبد المدان رؤساء نجران ولفظه مثل أمية لكن قال:
وكل عبد لك قد ألما
وقد وجدته مرفوعًا عن ابن عباس في قوله تعالى: (إلا اللمم) قال: قال رسول الله ﷺ :
"اللهم إن تغفر تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما"
قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث صحيح أخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد قلت وهو محمول على أنه ﷺ تمثل به ومن ثم تغير وزن البيت اهـ.
فصل
قوله: (إذا انصرف الخ) ظرف لقوله المستحبة. قوله: (يستحب أن يقول الخ) قال الحافظ: لم أره مأثورًا. قوله: (سالمًا) أي من القواطع المانعة عن الوصول. قوله: (معافى) من الأسقام أو من الآثام إن كان أهل ذلك المقام. قوله: (اللهم إني أعوذ بك من الحرمان الخ) أخرجه الحافظ عن الأصمعي قال: رأيت أعرابيًّا بمكة يقول: اللهم إليك خرجت وما عندك طلبت فلا تحرمني خير ما عندك لشر ما عندي وإن أنت لم ترحم تعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبتي. قوله: (فإذا شرع في رمي الجمرة الخ) هذا إن فعل بالأفضل من تقديم الرمي فإن قدم غيره من أسباب التحلل قطع التلبية به كما سبق. قوله: (فيكبر مع كل حصاة) أي للأتباع ففي حديث مسلم عن جابر في حجة الوداع: ثم سلك ﷺ الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة وورد أصل ذلك في الصحيحين عن ابن مسعود وعند البخاري عن ابن عمر وعند أبي داود من رواية سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه وهي التي يقال لها: أم جندب وقضية الأحاديث وكلامهم أنه يقتصر
стр. 1540
ولا يُسنُّ الوقوفُ عندها للدعاء، وإذا كان معه
ــ
على تكبيرة واحدة قاله المصنف رادًّا به نقل الماوردي عن الشافعي تكريره له ثنتين أو ثلاثًا مع توالي كلمات بينهما كذا في التحفة لابن حجر الهيتمي لكن في حاشية الإيضاح له أن الذي رده المصنف ما حكاه في الإيضاح عن بعض العلماء من أنه يقول: الله أكبر ثلاثًا وفي الثالثة كبيرًا والحمد الله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده لا إله إلا الله والله أكبر فقال تعقبه في المجموع بأنه غريب وأن الذي في كتب الفقهاء والأحاديث الصحيحة أنه يكبر مع كل حصاة ومقتضاه مطلق التكبير قال وما ذكره هذا القائل طويل لا يحسن التفريق به بين الحصيات ثم قال وقال الماوردي قال الشافعي يكبر مع كل حصاة فيقول: الله أكبر ثلاثًا الخ اهـ. وظاهر كلام المجموع تقرير الماوردي على ما نقله عن الشافعي وهو ظاهر وإن اعترضه الأذرعي بأنه لم يره في الأم ولا البويطي والمختصر وكأن الغزي تبعه حيث قال: يكبر مع كل حصاة تكبيرة واحدة قال بعض تلاميذه ولا يخفى أن رد النووي له مقدم على تقريره إياه اهـ، وقول المصنف يكبر مع كل حصاة عبر به في المجموع والروضة وأصلها والإيضاح في رمي النحر وبه عبر الشافعي صريح في مقارنة التكبير
لكل حصاة وما وقع في الفصل الثامن من الإيضاح في رمي أيام التشريق من أن التكبير عقب كل حصاة فمحول على اختصاص التعقيب برمي التشريق والمعية برمي جمرة العقبة وبه يشعر صنيع الإيضاح والمجموع حيث عبر فيهما في رمي يوم النحر بمع وفي رمي أيام التشريق بعقب وبذلك يشعر صنيع غيرهما قيل وهو وجيه إذ هو الوارد فيهما أو ضعيف خلافًا لمن قال إن ما هنا محمول على ذاك وأورد ما هنا بتأويل بعيد لا دليل عليه ثم رأيت وقوف بعض المتأخرين قال والمعروف من كلامهم المعية في الموضعين اهـ. قوله: (ولا يسن إلى قوف عندها للدعاء) عللوه بضيق المكان إذ ليس لجمرة العقبة سوى وجه واحد وبالوقوف عنده يشغل عن وقوف غيره فيه للرمي أما في باقي أيام التشريق فعللوه بأن التفاؤل بالقبول مع
стр. 1541
هَدْي فنحره أو ذبحه، استحب أن يقول عند الذبح أو النحر: بِسْمِ اللهِ واللهُ أكْبَرُ،
ــ
الفراغ من رميها قال بعض المتأخرين والتعليل به غير بعيد غير أن التفاؤل بذلك يعارضه طلب أن يقف للشكر على قبوله اهـ.
فائدة
أخرج الحافظ عن جابر ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو واقف على القرن يوم النحر وهو يقول: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث فاكفني شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين وقال حديث حسن غريب ويعقوب بن محمد الزهري وثقوه وفيه مقال ويقال إن البخاري أخرج عنه وعمارة بن صياد وثقه مالك ومحمد بن معين الغفاري شيخ يعقوب بن محمد بن عباد بضم المهملة وتخفيف الموحدة الواسطي تلميذ يعقوب من رجال الصحيح وله شاهد من حديث أنس وغيره أن النبي ﷺ علمه فاطمة بنته لكن ليس فيه التقييد بيوم النحر وتقدم في أذكار المساء والصباح وعن أنس في باب دعاء الكرب لكن اقتصر على صدره ومن حديث ابن مسعود نحوه ومن حديث أبي بكرة طرفه الثاني ومن حديث علي وأبي هريرة مطلق قوله: يا حي يا قيوم اهـ. قوله: (هدي) بإسكان الدال ويجوز كسرها مع تشديد الياء وتخفيفها. قوله: (فنحره) أي إن كان من الإبل (وذبحه) إن كان من البقر أو الغنم هذا هو الأفضل فيها ولو عكس لجاز. قوله: (أن يقول عند الذبح بسم الله) أي اذبح (والله أكبر) ودليل ذلك الاتباع عن أنس قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين فرأيته واضعًا قدمه على صفا جهما يسمي ويكبر زاد بعض رواته فذبحهما بيده قال الحافظ بعد تخريجه: أخرجه أحمد عن غندر وغيره عن شعبة عن قتادة عن أنس وهو في الصحيحين من طرق عن شعبة ومن طرق أخرى عن قتادة وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ أتى بكبشين أقرنين أملحين عظيمين موجوأين فأضجع أحدهما وقال: بسم الله والله أكبر وذبحه اللهم عن محمد وآل محمد ثم اضطجع الآخر فقال باسم الله والله أكبر اللهم عن محمد وعن أمته من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ قال الحافظ بعد تخريجه: حديث حسن أخرجه الطحاوي بسند رجاله رجال الصحيح إلا
стр. 1542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عبد الله بن محمد بن عقيل فإنه صدوق تكلموا في حفظه وقد اختلفوا عليه في سنده فقال سفيان الثوري عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة أو عائشة أخرجه عبد الرزاق عن الثوري وأخرجه ابن ماجه من طريقه وأخرجه أحمد عن وكيع عن الثوري وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن وكيع كلهم بالشك في صحابيه وقال زهير بن محمد بن شريك وعبد الله وعبيد الله بن محمد الرقي
ثلاثتهم عن ابن عقيل عن علي بن الحسين بن علي عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أخرجه أحمد من رواية شريك وأخرجه أيضًا من رواية زهير وأخرجه الطحاوي من رواية الرقي وأطلق بعض المحدثين على هذا الحديث الاضطراب لهذا الاختلاف وفيه نظر لأن الثوري أحفظهم إلا إن كان الاختلاف من ابن عقيل لا عليه وللحديث طريق أخرى عن جابر ولفظه أن رسول الله ﷺ ذبح يوم العيد وقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ و ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ إلى آخر الآية لكن قال: وأنا من المسلمين بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك من محمد وأمته قال الحافظ بعد تخريجه من طريق عبد الله ابن الإِمام أحمد ما لفظه حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن خالد ابن أبي عمران عن أبي عياش عن جابر وأخرجه ابن خزيمة والحاكم وغيرهما ورجاله موثقون وقد صرح محمد بن إسحاق بالتحديث فأمن تدليسه وأبو عياش بمثناة من تحت مصري معافى ذكره ابن يونس وسمي أباه النعمان ثم أخرج الحافظ الحديث عن أبي عياش عن جابر من طريق أخرى فذكر الحديث مثله لكن قال وأنا أول المسلمين وقال في آخره ثم سم الله وكبره قال الحافظ بعد ذكر أنه أسقط في هذه الطريق خالد بن أبي عمران بين يزيد بن أبي حبيب المصري وبين أبي عياش وهكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه كلاهما عن محمد بن إسحاق بإسقاط خالد ورواية إبراهيم بن
стр. 1543
اللهُم صَل على مُحَمدٍ وعلى آلِه وَسَلَّم، اللَّهُمَّ مِنْكَ واليْكَ، تَقَبَّلْ مِني، أوْ تَقَبَّلْ مِنْ فُلانٍ إن كان يذبحه عن غيره.
وإذا حلق رأسه بعد الذبح
ــ
سعد هي المتصلة المعتمدة وهو أحفظ الجميع اهـ. ثم التسمية حال الذبح سنة عندنا لو تركها حل أكل المذبوح سواء تركها عمدًا أو سهوًا وهي واجبة عند أبي حنيفة وغيره ثم ظاهر كلامه أنه لا يسن زيادة الرحمن الرحيم في التسمية وهو ما مشى عليه الزركشي في خادمه وعلله بأنه لا يناسب المقام لكن قال في تكملته ليس المراد بتسميته خصوص هذا اللفظ بل لو قال: الرحمن الرحيم كان حسنًا قال الشافعي وما زاد من ذكر الله فخير والأوجه الثاني ويكره تعمد ترك التسمية قال بعض المتأخرين والصلاة، والسنة أن يكبر قبل التسمية وبعدها وبعد الصلاة على النبي ﷺ ثلاثًا ثم يقول ولله الحمد. قوله: (وصلى الله على محمد الخ) وفي نسخة: "اللهم صل على محمد وعلى آله وسلم" قال الحافظ: نص عليها الشافعي فقال: والتسمية في الذبيحة بسم الله وما زاد بعد ذلك من ذكر الله فهو خير ولا أكره أن يقول فيها: صلى الله على محمد بل أحب ذلك وأحب أن يكثر الصلاة عليه لأن ذكر الله والصلاة على محمد ﷺ عبادة يؤجر عليها قال الحافظ وكأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك عند الذبح واستند إلى حديث منقطع السند تفرد به كذاب أورده البيهقي وقد تقلده بعض الحنابلة وخطئ وقد أسند الشافعي عن مجاهد في قوله تعالى: (وَرَفَعَنَا لَكَ ذِكرك) وقال: لا أذكر إلا ذكرت معي قال الحافظ: أثر صحيح أخرجه البيهقي وعن الحسن البصري مثله. قوله: (اللهم منك وأليك) قال المصنف في شرح مسلم استحب أصحابنا معه أي مع التسمية والتكبير واللهم تقبل مني قوله اللهم منك وإليك تقبل مني فهذا مستحب عندنا وعند الحسن وجماعة وكرهه أبو حنيفة وكره مالك اللهم منك وإليك قال وهي بدعة اهـ. وفي الحصن أن الحاكم أخرج هذا اللفظ عن ابن عباس موقوفًا عليه ومنك أي وصل إلينا من فضلك وإحسانك وبهديك إليك رجاء امتنانك فتفضل بالقبول. قوله: فتقبل
مني الخ) قال الحافظ: دليل الدعاء بالقبول حديث عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن ينظر في سواد ويطأ في
стр. 1544
فقد استحبَّ بعض علمائنا أن يمسك ناصيته بيده حالة الحلق ويكبر ثلاثًا ثم يقول: الحَمْدُ للهِ على ما هَدَانا، والحَمْدُ لِلهِ على ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْنا، اللهُم هذ ناصِيَتي فَتَقَبَّلْ مِني وَاغْفِرْ لِي ذُنُوبي، اللهُم اغْفِرْ لِي ولِلْمُحَلقِينَ وَالمُقَصِّرِينَ، يا وَاسِعَ المَغْفِرَةِ آمِينَ.
وإذا فرغ من الحلق كبر وقال: "الحَمْدُ لِلهِ الذي قَضَى عَنَّا نُسُكَنا، اللهم زِدنا إيمَانًا ويَقِينًا وَعَوْنًا، وَاغْفِرْ لَنَا ولآبائِنا وأمَّهاتِنا والمُسْلِمينَ أجمَعِينَ.
ــ
سواد ويبركُ في سواد فأتى به ليضحي به فقال: يا عائشة هلمي المدينة ثم قال: اشحذيها بحجر ففعلت فأخذها فاضجعه فذبحه وقال: بسم الله اللهم تقبل من محمد ومن أمة محمد فضحى به قال الحافظ: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود وابن حبان وجاء طلب القبول أيضًا في حديث علي أخرجه الحافظ موقوفًا عليه وفيه اللهم تقبل قال الحافظ والسياق لعبد الرزاق وأخرجه ابن أبي شيبة بتمامه واختصره الحربي اهـ.
قوله: (فقد استحب بعض علمائنا أن يمسك ناصيته) أي مقدم رأسه (بيده حالة الحلق الخ) قال الحافظ: لم أقف عليه مأثورًا وآخره أي اغفر للمحلقين والمقصرين متفق عليه. قوله: (فإذا فرغ من الحلق كبر الخ) قال الحافظ: لم أقف عليه أيضًا وذكر الشيخ في شرح المهذب عن الماوردي أن في الحلق أربع سنن منها أن يكبر عند الفراغ قال الشيخ هذا غريب قال الحافظ وهذه العبارة يستعملها الشيخ فيما لا يجده ثم قال: وقد نقل استحباب التكبير البندنيجي والروياني اهـ. قلت: التكبير حال الحلق وقفت عليه مأثورا أخرج ابن الجوزي في مثير العزم الساكن عن وكيع قال: قال لي أبو حنيفة أخطأت في خمسة أبواب من المناسك فعلمنيها حجام وذلك إني حين أردت أن أحلق رأسي وقفت على حجام فقلت: بكم تحلق رأسي؟ فقال أعرابي: أنت! قلت: نعم. قال: النسك لا يشارط عليه اجلس فجلست منحرفًا عن القبلة فقال لي:
стр. 1545
فصل في الأذكار المستحبة بمنى في أيام التشريق:
روينا في "صحيح مسلم" عن نُبَيْشَةَ الخير الهذلي الصحابي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيامُ التشْرِيقِ أيامُ أكْل وشُرْب وذِكْرِ اللهِ تَعالى"
ــ
حول وجهك إلى القبلة وأردت أن أحلق رأسي من الجانب الأيسر فقال لي: أدر الشق الأيمن من رأسك فأدرته وجعل يحلق وأنا ساكت فقال لي: كبر فَجُعِلْتُ أكثر حتى قمت لأذهب فقال لي: أين تريد؟ فقلت: رحلي. فقال: صل ركعتين ثم امض فقلت: ما ينبغي أن يكون ما رأيت من عقل هذا الحجام، فقلت له: من أين لك ما أمرتني به؟ قال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل هذا اهـ.
فصل
قوله: (في أيام التشريق) قيل: سميت بذلك لإشراق ليلها بالقمر ونهارها بالشمس وقيل: لششريق لحوم الأضاحي فيها. قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) قال الحافظ بعد تخريجه وله طرق أخرى. قوله: (عن نبيشة الخير) هو بالنون فموحدة فتحتية فشين معجمة مصغر يقال فيه: نبيشة الخير
ابن عبد الله الهذلي ويقال: نبيشة بن عمرو بن عوف روى أنه دخل على النبي ﷺ وعنده أسارى فقال: يا رسول الله إما أن تفاديهم وإما أن تمن عليهم، فقال: "وأمرت بخير أنت نبيشة الخير"، روى عنه مسلم هذا الحديث ولم يرو عنه البخاري شيئًا وخرج عنه الأربعة وهو الراوي حديث من أكل في قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة روى عنه أبو المليح عامر، وقيل: زيد الهذلي وأم عاصم وفي الصحابة أيضًا نبيشة غير منسوب توفي في عهد رسول الله ﷺ ولم يثبت لصحابي توفي في عهد رسول الله ﷺ رواية عنه ﷺ كذا في رياض العامري. قوله: (الهذلي) قال القاضي عياض في نسخة ابن ماهان يعني من صحيح مسلم نبيشة الهذلية على التأنيث ظنه اسم امرأة وهو وهم نبيشة: اسم رجل معروف في الصحابة وهو ابن عمرو بن عوف بن سلمة الهذلي سماه ﷺ نبيشة الخير وبذلك يعرف ولا أعرف في الصحابيات من اسمها ذلك إنما فيهن نسيبة بتقديم النون على السين المهملة ومنهم من يضم النون ومنهم من يفتحها. قوله: (أيام التشريق) قال الأبي نقلًا عن عياض: هي عند أكثر الثلاثة بعد يوم النحر وقيل: هي أيام النحر وسميت لصلاة العيد فيها عند شروق الشمس أول يوم منها، وهذا يقتضي دخول النحر فيها
следующие страницы →