← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

هَدْي فنحره أو ذبحه، استحب أن يقول عند الذبح أو النحر: بِسْمِ اللهِ واللهُ أكْبَرُ، ــ الفراغ من رميها قال بعض المتأخرين والتعليل به غير بعيد غير أن التفاؤل بذلك يعارضه طلب أن يقف للشكر على قبوله اهـ. فائدة أخرج الحافظ عن جابر ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو واقف على القرن يوم النحر وهو يقول: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث فاكفني شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين وقال حديث حسن غريب ويعقوب بن محمد الزهري وثقوه وفيه مقال ويقال إن البخاري أخرج عنه وعمارة بن صياد وثقه مالك ومحمد بن معين الغفاري شيخ يعقوب بن محمد بن عباد بضم المهملة وتخفيف الموحدة الواسطي تلميذ يعقوب من رجال الصحيح وله شاهد من حديث أنس وغيره أن النبي ﷺ علمه فاطمة بنته لكن ليس فيه التقييد بيوم النحر وتقدم في أذكار المساء والصباح وعن أنس في باب دعاء الكرب لكن اقتصر على صدره ومن حديث ابن مسعود نحوه ومن حديث أبي بكرة طرفه الثاني ومن حديث علي وأبي هريرة مطلق قوله: يا حي يا قيوم اهـ. قوله: (هدي) بإسكان الدال ويجوز كسرها مع تشديد الياء وتخفيفها. قوله: (فنحره) أي إن كان من الإبل (وذبحه) إن كان من البقر أو الغنم هذا هو الأفضل فيها ولو عكس لجاز. قوله: (أن يقول عند الذبح بسم الله) أي اذبح (والله أكبر) ودليل ذلك الاتباع عن أنس قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين فرأيته واضعًا قدمه على صفا جهما يسمي ويكبر زاد بعض رواته فذبحهما بيده قال الحافظ بعد تخريجه: أخرجه أحمد عن غندر وغيره عن شعبة عن قتادة عن أنس وهو في الصحيحين من طرق عن شعبة ومن طرق أخرى عن قتادة وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ أتى بكبشين أقرنين أملحين عظيمين موجوأين فأضجع أحدهما وقال: بسم الله والله أكبر وذبحه اللهم عن محمد وآل محمد ثم اضطجع الآخر فقال باسم الله والله أكبر اللهم عن محمد وعن أمته من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ قال الحافظ بعد تخريجه: حديث حسن أخرجه الطحاوي بسند رجاله رجال الصحيح إلا

стр. 1542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عبد الله بن محمد بن عقيل فإنه صدوق تكلموا في حفظه وقد اختلفوا عليه في سنده فقال سفيان الثوري عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة أو عائشة أخرجه عبد الرزاق عن الثوري وأخرجه ابن ماجه من طريقه وأخرجه أحمد عن وكيع عن الثوري وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن وكيع كلهم بالشك في صحابيه وقال زهير بن محمد بن شريك وعبد الله وعبيد الله بن محمد الرقي ثلاثتهم عن ابن عقيل عن علي بن الحسين بن علي عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أخرجه أحمد من رواية شريك وأخرجه أيضًا من رواية زهير وأخرجه الطحاوي من رواية الرقي وأطلق بعض المحدثين على هذا الحديث الاضطراب لهذا الاختلاف وفيه نظر لأن الثوري أحفظهم إلا إن كان الاختلاف من ابن عقيل لا عليه وللحديث طريق أخرى عن جابر ولفظه أن رسول الله ﷺ ذبح يوم العيد وقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ و ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ إلى آخر الآية لكن قال: وأنا من المسلمين بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك من محمد وأمته قال الحافظ بعد تخريجه من طريق عبد الله ابن الإِمام أحمد ما لفظه حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن خالد ابن أبي عمران عن أبي عياش عن جابر وأخرجه ابن خزيمة والحاكم وغيرهما ورجاله موثقون وقد صرح محمد بن إسحاق بالتحديث فأمن تدليسه وأبو عياش بمثناة من تحت مصري معافى ذكره ابن يونس وسمي أباه النعمان ثم أخرج الحافظ الحديث عن أبي عياش عن جابر من طريق أخرى فذكر الحديث مثله لكن قال وأنا أول المسلمين وقال في آخره ثم سم الله وكبره قال الحافظ بعد ذكر أنه أسقط في هذه الطريق خالد بن أبي عمران بين يزيد بن أبي حبيب المصري وبين أبي عياش وهكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه كلاهما عن محمد بن إسحاق بإسقاط خالد ورواية إبراهيم بن

стр. 1543

اللهُم صَل على مُحَمدٍ وعلى آلِه وَسَلَّم، اللَّهُمَّ مِنْكَ واليْكَ، تَقَبَّلْ مِني، أوْ تَقَبَّلْ مِنْ فُلانٍ إن كان يذبحه عن غيره. وإذا حلق رأسه بعد الذبح ــ سعد هي المتصلة المعتمدة وهو أحفظ الجميع اهـ. ثم التسمية حال الذبح سنة عندنا لو تركها حل أكل المذبوح سواء تركها عمدًا أو سهوًا وهي واجبة عند أبي حنيفة وغيره ثم ظاهر كلامه أنه لا يسن زيادة الرحمن الرحيم في التسمية وهو ما مشى عليه الزركشي في خادمه وعلله بأنه لا يناسب المقام لكن قال في تكملته ليس المراد بتسميته خصوص هذا اللفظ بل لو قال: الرحمن الرحيم كان حسنًا قال الشافعي وما زاد من ذكر الله فخير والأوجه الثاني ويكره تعمد ترك التسمية قال بعض المتأخرين والصلاة، والسنة أن يكبر قبل التسمية وبعدها وبعد الصلاة على النبي ﷺ ثلاثًا ثم يقول ولله الحمد. قوله: (وصلى الله على محمد الخ) وفي نسخة: "اللهم صل على محمد وعلى آله وسلم" قال الحافظ: نص عليها الشافعي فقال: والتسمية في الذبيحة بسم الله وما زاد بعد ذلك من ذكر الله فهو خير ولا أكره أن يقول فيها: صلى الله على محمد بل أحب ذلك وأحب أن يكثر الصلاة عليه لأن ذكر الله والصلاة على محمد ﷺ عبادة يؤجر عليها قال الحافظ وكأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك عند الذبح واستند إلى حديث منقطع السند تفرد به كذاب أورده البيهقي وقد تقلده بعض الحنابلة وخطئ وقد أسند الشافعي عن مجاهد في قوله تعالى: (وَرَفَعَنَا لَكَ ذِكرك) وقال: لا أذكر إلا ذكرت معي قال الحافظ: أثر صحيح أخرجه البيهقي وعن الحسن البصري مثله. قوله: (اللهم منك وأليك) قال المصنف في شرح مسلم استحب أصحابنا معه أي مع التسمية والتكبير واللهم تقبل مني قوله اللهم منك وإليك تقبل مني فهذا مستحب عندنا وعند الحسن وجماعة وكرهه أبو حنيفة وكره مالك اللهم منك وإليك قال وهي بدعة اهـ. وفي الحصن أن الحاكم أخرج هذا اللفظ عن ابن عباس موقوفًا عليه ومنك أي وصل إلينا من فضلك وإحسانك وبهديك إليك رجاء امتنانك فتفضل بالقبول. قوله: فتقبل مني الخ) قال الحافظ: دليل الدعاء بالقبول حديث عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن ينظر في سواد ويطأ في

стр. 1544

فقد استحبَّ بعض علمائنا أن يمسك ناصيته بيده حالة الحلق ويكبر ثلاثًا ثم يقول: الحَمْدُ للهِ على ما هَدَانا، والحَمْدُ لِلهِ على ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْنا، اللهُم هذ ناصِيَتي فَتَقَبَّلْ مِني وَاغْفِرْ لِي ذُنُوبي، اللهُم اغْفِرْ لِي ولِلْمُحَلقِينَ وَالمُقَصِّرِينَ، يا وَاسِعَ المَغْفِرَةِ آمِينَ. وإذا فرغ من الحلق كبر وقال: "الحَمْدُ لِلهِ الذي قَضَى عَنَّا نُسُكَنا، اللهم زِدنا إيمَانًا ويَقِينًا وَعَوْنًا، وَاغْفِرْ لَنَا ولآبائِنا وأمَّهاتِنا والمُسْلِمينَ أجمَعِينَ. ــ سواد ويبركُ في سواد فأتى به ليضحي به فقال: يا عائشة هلمي المدينة ثم قال: اشحذيها بحجر ففعلت فأخذها فاضجعه فذبحه وقال: بسم الله اللهم تقبل من محمد ومن أمة محمد فضحى به قال الحافظ: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود وابن حبان وجاء طلب القبول أيضًا في حديث علي أخرجه الحافظ موقوفًا عليه وفيه اللهم تقبل قال الحافظ والسياق لعبد الرزاق وأخرجه ابن أبي شيبة بتمامه واختصره الحربي اهـ. قوله: (فقد استحب بعض علمائنا أن يمسك ناصيته) أي مقدم رأسه (بيده حالة الحلق الخ) قال الحافظ: لم أقف عليه مأثورًا وآخره أي اغفر للمحلقين والمقصرين متفق عليه. قوله: (فإذا فرغ من الحلق كبر الخ) قال الحافظ: لم أقف عليه أيضًا وذكر الشيخ في شرح المهذب عن الماوردي أن في الحلق أربع سنن منها أن يكبر عند الفراغ قال الشيخ هذا غريب قال الحافظ وهذه العبارة يستعملها الشيخ فيما لا يجده ثم قال: وقد نقل استحباب التكبير البندنيجي والروياني اهـ. قلت: التكبير حال الحلق وقفت عليه مأثورا أخرج ابن الجوزي في مثير العزم الساكن عن وكيع قال: قال لي أبو حنيفة أخطأت في خمسة أبواب من المناسك فعلمنيها حجام وذلك إني حين أردت أن أحلق رأسي وقفت على حجام فقلت: بكم تحلق رأسي؟ فقال أعرابي: أنت! قلت: نعم. قال: النسك لا يشارط عليه اجلس فجلست منحرفًا عن القبلة فقال لي:

стр. 1545

فصل في الأذكار المستحبة بمنى في أيام التشريق: روينا في "صحيح مسلم" عن نُبَيْشَةَ الخير الهذلي الصحابي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيامُ التشْرِيقِ أيامُ أكْل وشُرْب وذِكْرِ اللهِ تَعالى" ــ حول وجهك إلى القبلة وأردت أن أحلق رأسي من الجانب الأيسر فقال لي: أدر الشق الأيمن من رأسك فأدرته وجعل يحلق وأنا ساكت فقال لي: كبر فَجُعِلْتُ أكثر حتى قمت لأذهب فقال لي: أين تريد؟ فقلت: رحلي. فقال: صل ركعتين ثم امض فقلت: ما ينبغي أن يكون ما رأيت من عقل هذا الحجام، فقلت له: من أين لك ما أمرتني به؟ قال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل هذا اهـ. فصل قوله: (في أيام التشريق) قيل: سميت بذلك لإشراق ليلها بالقمر ونهارها بالشمس وقيل: لششريق لحوم الأضاحي فيها. قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) قال الحافظ بعد تخريجه وله طرق أخرى. قوله: (عن نبيشة الخير) هو بالنون فموحدة فتحتية فشين معجمة مصغر يقال فيه: نبيشة الخير ابن عبد الله الهذلي ويقال: نبيشة بن عمرو بن عوف روى أنه دخل على النبي ﷺ وعنده أسارى فقال: يا رسول الله إما أن تفاديهم وإما أن تمن عليهم، فقال: "وأمرت بخير أنت نبيشة الخير"، روى عنه مسلم هذا الحديث ولم يرو عنه البخاري شيئًا وخرج عنه الأربعة وهو الراوي حديث من أكل في قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة روى عنه أبو المليح عامر، وقيل: زيد الهذلي وأم عاصم وفي الصحابة أيضًا نبيشة غير منسوب توفي في عهد رسول الله ﷺ ولم يثبت لصحابي توفي في عهد رسول الله ﷺ رواية عنه ﷺ كذا في رياض العامري. قوله: (الهذلي) قال القاضي عياض في نسخة ابن ماهان يعني من صحيح مسلم نبيشة الهذلية على التأنيث ظنه اسم امرأة وهو وهم نبيشة: اسم رجل معروف في الصحابة وهو ابن عمرو بن عوف بن سلمة الهذلي سماه ﷺ نبيشة الخير وبذلك يعرف ولا أعرف في الصحابيات من اسمها ذلك إنما فيهن نسيبة بتقديم النون على السين المهملة ومنهم من يضم النون ومنهم من يفتحها. قوله: (أيام التشريق) قال الأبي نقلًا عن عياض: هي عند أكثر الثلاثة بعد يوم النحر وقيل: هي أيام النحر وسميت لصلاة العيد فيها عند شروق الشمس أول يوم منها، وهذا يقتضي دخول النحر فيها

стр. 1546

فيستحبُّ الإكثار من الأذكار، وأفضلها قراءة القرآن. والسنة أن يقف في أيام الرمي عند الجمرة الأولى إذا رماها، ويستقبل الكعبة، ويحمَد الله تعالى، ويكبِّر، ويهلِّل، ويسبِّح ويدعوَ مع حضور القلب وخشوع الجوارح. ــ ويقتضيه أيضًا قوله: "أيام أكل وشرب" وفي رواية أخرى: "أيام منى" وقيل: سميت بذلك لتشريق لحوم الأضاحي فيها وهو تقديدها ونشرها في الشمس. قوله: (وأفضلها قراءة القرآن) نعم الاشتغال بالتكبير والأذكار الواردة عقب الصلاة عقبها أفضل من الاشتغال بالقراءة لوروده. قوله: (والسنة أن يقف في أيام الرمي الخ) أخرج الحافظ عن الزهري قال وصح أن رسول الله ﷺ كان إذا رمى الجمرة التي تلي المسجد مسجد مني رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم تقدم أمامها فوقف مستقبل القبلة رافعًا يديه وكان يطيل الوقوف عندها يدعو ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي يدعو رافعًا يديه ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم ينصرف ولا يقف عندها. قال الحافظ وبالسند إلى الزهري: هكذا سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يحدث عبدًا الحديث عن أبيه عن النبي ﷺ وكان ابن عمر يفعله قال الحافظ: هذا حديث صحيح أخرجه النسائي وابن خزيمة وأبو عوانة والدارقطني والحاكم كلهم من رواية عثمان بن عمر عن يونس بن يزيد عن الزهري وأصل الحديث في صحيح البخاري قال: قال محمد حدثنا عثمان بن عمر فذكره وأورده من طريق سليمان بن هلال عن يونس نحوه. وأخرج الحافظ عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقف عند الجمرتين الأوليين وقوفًا طويلًا يكبر الله ويسبحه ويهلله ويحمده ويدعو الله ولا يقف عند جمرة العقبة وقال بعد تخريجه: هذا موقوف صحيح ثم قال وقد ورد عن ابن عمر مرفوعًا فأخرج ما رويناه عنه الآن. وأخرج الأزرقي من طريق عطاء قال: رأيت عمر يقف عند الجمرتين الأوليين قدر ما يقرأ القارئ سورة البقرة وأخرج الأزرقي عن سعيد بن جبير أنه رمى مع ابن عباس فوقف عند الجمرتين

стр. 1547

ويمكث كذلك قدر سورة البقرة، ويفعل في الجمرة الثانية وهي الوسطى كذلك. ولا يقف عند الثالثة، وهي جمرة العقبة. فصل: وإذا نفر من منى فقد انقضى حجُّه، ولم يبق ذِكْر يتعلق بالحج، لكنه مسافر، فيستحب له التكبير والتهليل والتحميد والتمجيد وغير ذلك من الأذكار المستحبة للمسافرين، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. وإذا دخل مكة وأراد الاعتمار فعل في عمرته من الأذكار ما يأتي به في الحجّ في الأمور المشتركة بين الحج والعمرة وهي: الإحرام، والطواف، والسعي، والذبح، والحلق، والله أعلم. فصل فيما يقوله إذا شرب من ماء زمرم: روينا عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ماءُ زَمْزَم لما شُربَ لَهُ" وهذا مما عمل العلماء والأخيار به، فشربوه لمطالبَ لهم جليلةٍ فنالوها. قال العلماء: فيستحبُّ لمن شربه للمغفرة أو للشفاء من مرض ونحو ذلك أن يقول عند شربه: ــ قدر ما يقرأ سورة من السبع قال الحافظ وسنده حسن وأخرج الحافظ عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقف عند الجمرتين الأولى والثانية ولا يقف عند الثالثة هذا حديث حسن أخرجه أبو داود وحكمة عدم الوقوف عند الثالثة التفاؤل بأنه قبل ولم يحتج لتجديد دعاء ولا غيره وواضح أن محل طلب الوقوف في الجمرة حيث لم يؤذ أو يتأذ بوقوفه في ذلك المحل. قوله: (ويمكث قدر سورة البقرة الخ) وال في فتح الإله ويظهر أن المعتبر قدر سورة البقرة بالنسبة للوسط المعتدل ويحتمل الضبط بأخف ممكن اهـ. فصل فيما يقوله إذا شرب من ماء زمرم: قال السخاوي في الابتهاج الأنسب تقديم هذا الفصل عقب الكلام على أذكار الطواف. قوله: (عن جابر الخ)

стр. 1548

اللهُم إنهُ بَلَغَني أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ" اللهم وإني أشْرَبُهُ لِتَغْفِرَ لي وَلتَفْعَلَ بي كَذا وكَذا، فاغْفِرْ لي أو افْعَلْ. أو: اللهُم إني أشْرَبُهُ مُسْتَشْفِيًا بِه فاشْفِني، ونحو هذا، والله أعلم. ــ قال الحافظ: هذا حديث غريب من هذا الوجه حسن لشواهده أخرجه أحمد ولفظه ماء زمزم لما شرب منه وأخرجه البيهقي والفاكهي والحكيم الترمذي وقال الشيخ المصنف في شرح المهذب إن هذا الحديث أخرجه البيهقي بإسناد ضعيف وقال: تفرد به عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف قال الحافظ ما رأيت لفظة وهو ضعيف في نسخ البيهقي وقد ضعفه الأكثر واختلف فيه قول ابن معين وقد جزم الحافظ المنذري بأنه إسناد حسن مع أنه ذكر ابن المؤمل في فصل الضعفاء في آخر كتابه فكأنه إنما حسنه لشواهده كما قلته أولًا. وأما قول العقيلي وابن حبان في كتابيهما في الضعفاء بأنه لا يتابع عليه هما فمرادهما من حديث جابر وأخرجه الأزرقي من طريق الواقدي ويتعجب من الشيخ في اقتصاره على تخريج البيهقي مع كونه في سنن ابن ماجه أحد الكتب الستة وأخرجه أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنده ومصنفه وأخرجه المستغفري في كتاب الطب كلهم عن ابن المؤمل اهـ. وقد كثر في كلام الحفاظ الاختلاف في مرتبة هذا الحديث وقد ألفت فيه جزءًا أسميته النهج الأقوم في الكلام على حديث ماء زمزم وأودعته كتاب درر القلائد فيما يتعلق بزمزم والسقاية من الفوائد، وحاصل ما فيه تصحيح الحديث والله أعلم. قوله: (اللهم إنه بلغني الخ) هذا بناء على ما جرى عليه من كون الحديث ضعيفًا وعلى صحته فيقول:

стр. 1549

فصل: وإذا أراد الخروج من مكة إلى وطنه طاف للوَداع، ثم أتى الملتزَم فالتزمه، ثم قال: اللهُم، البَيْتُ بَيْتُكَ، وَالعَبْدُ عَبْدُكَ، وابنُ عبدك، وابْنُ أمَتِكَ، حَمَلْتَنِي على ما سخرْتَ لي مِنْ خَلْقِكَ، حتى سَيرْتَني في بِلادِكَ، وبَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ حَتى أعَنْتَني على قَضَاءِ مَناسِكِكَ، فإنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَني ــ اللهم إنه قد صح عن نبيك ﷺ الخ وأهم ما يشرب له الموت على الإسلام والنظر إلى وجه الله تعالى من غير سابقة عذاب وقد جاء عن عدة أنهم شربوه لمطالب فنالوها. وقد ذكرت جملة كثيرة من ذلك في كتاب فضل زمزم فمن أراد الوقوف على ذلك فليقف عليه ثمة. فصل قوله: (طاف للوادع) أي وجوبًا سواء كان وطنه على مرحلتين من الحرم أو أقل فإن لم يكن السفر إلى وطنه فإن كان إلى مرحلتين وجب وإلا حين. قوله: (ثم قال اللهم البيت بيتك الخ) أخرجه البيهقي بسنده إلى الشافعي وقال: هذا من كلام الشافعي وهو حسن قال الحافظ: وقد وجدته بمعناه من كلام بعض من روى عنه الشافعي أخرجه الطبراني في كتاب الدعاءِ عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق قال: إذا أردت أن تخرج إلى أهلك من مكة أتيت البيت فطفت به سبعًا ثم تصلي ركعتين ثم تأتي الملتزم فتقوم بين الحجر والباب فتقول: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على دابتك وسيرتني في بلادك حتى أدخلتني حرمك وأمنك وهذا بيتك وقد رجوتك فيه رب بحسن ظني بك أن تكون قد غفرت لي فإن تكن رب قد غفرت لي فازدد عني رضا وقربني إليك زلفى وإن كنت رب لم تغفر لي فمن الآن رب اغفر لي قبل أن ينأى عني بيتك هذا أوان انصرافي غير راغب عنك ولا عن بيتك اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي حتى تقدمني إلى أهلي فإذا أقدمتني فلا تتخل عني واكفني رب مؤنة أهلي ومؤنة خلقك إنك وليي ووليهم ثم تنصرف إلى أهلك وأنت تأمل الوصول سالما إن شاء الله قال الحافظ ووجدته أيضًا في بعض مشايخ شيخ الشافعي منقولًا عمن قبله ثم أخرج الحافظ عن سليمان بن أبي داود قال: كنت عند جعفر يعني الصادق فقال له:

стр. 1550

فازْدَدْ عني رِضًى، وإلَّا فَمِنَ الآن وقَبْلَ أنْ يَنأى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، هَذا أوَانُ انْصِرَافِي، إنْ أذِنْتَ لي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلا بِبَيْتِكَ، وَلا رَاغِب عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللهُم فاصْحِبْني العافِيَةَ في بَدَني والعِصْمَةَ في دِيني، وأحْسِنْ مُنْقَلَبي، وارْزُقْني طاعَتَكَ ما أبْقَيْتَني واجْمَعْ لي خَيْرَي الآخِرَةِ والدُّنْيا، إنَّكَ على كُل شَيْء قَدِير. ويفتتح هذا الدعاء ويختِمه بالثناء على الله ، والصلاة على رسول الله ــ رجل ما كان يدعى به عند وداع البيت؟ فقال جعفر: لا أدري، فقال عبد الله: يعني الرجل المذكور كان يعني أحدهم إذا ودع البيت قام بين الباب والحجر وقال اللهم أنا عبدك فذكر مثل سياق عبد الرزاق لكن قال: فمن الآن فاغفر لي وقال بعد قوله: انصرافي إن أذنت لي وقال: ولا مستبدل بك ولا ببيتك وقال: فإذا أقدمتني إلى أهلي وقال في آخره ومؤنة عيالي ومؤنة خلقك أجمعين فإنك أولى بذلك ولم يذكر ما بعده قال الحافظ: وقد وردت آثار عديدة فيما يدعى به عند الملتزم ليس فيها شيء من المرفوعات ولا الموقوفات فلم أستوعبها واقتصرت على أثر واحد ثم أخرجه عن الأصمعي قال: رأيت أعرابيًّا عند الملتزم فقال: اللهم إن علي حقوقًا فتصدق بها علي وإن علي تبعات فتحمل بها عني وأنا ضيفك وقد أوجبت لكل ضيف قرى فاجعل قراي الليلة الجنة. قوله: (فازدد عني رضا) أي إذ الكامل يقبل الكمال وفضل الله ليس له غاية يوصل إليها. قوله: (فمن الآن) قيل: هو بضم الميم وتشديد النون دعاء من المنة أي فمن الرضى والعفو عما قد مضى وقيل هو بكسر الميم وفتح النون خفيفة حرف جر أي وإلا فمن الآن يكون الرضى والعفو عما قد مضى فتبدل السيئات بالحسنات وما ذلك على الله بعزيز. قوله: (تنأى) هو بفتح الفوقية وسكون النون بعدها همزة مفتوحة أي تبعد. قوله: (أوان انصرافي) أي زمانه. قوله: (إن أذنت لي) أي وعلامة ذلك تيسير الأسباب ورفع الموانع. قوله: (غير مستبدل بك) أي بعبادتك وطاعتك غيرها. قوله: (والعصمة) أي الحفظ من المخالفات مع جواز الوقوع فيها. قوله: (واجمع لي الخ) تعميم بعد تخصيص. قوله: (إنك على كل شيء قدير) كالتعليل لما تضمنه ما قبله. قوله: (ويفتتح هذا الدعاء الخ) أي وكذا يأتي في

стр. 1551

- ﷺ كما تقدم في غيره من الدعوات. وإن كانت امرأة حائضًا استحب لها أن تقف على باب المسجد وتدعوَ بهذا الدعاء ثم تنصرف، والله أعلم. فصل في زيارة قبر رسول الله ﷺ وأذكارها: اعلم أنه ينبغي لكل من حج أن يتوجه إلى زيارة رسول الله ﷺ ، سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن، فإن زيارته ﷺ من أهمِّ القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات، فإذا توجه للزيارة أكثر ــ وسطه بذلك. قوله: (على باب المسجد) أي خارجًا عن بنائه ورحبته فإن رحبته لها حكمه. فصل قوله: (ينبغي لكل من حج) أي يتأكد له ذلك وإلا فزيارته قربة مستقلة يستوي فيها الحاج وغيره وتأكدها للحاج لقربه من محل قبره الشريف فكان في ترك الزيارة وقد قرب من المكان نوع من الجفاء كما ورد في الحديث من حج ولم يزر قبري فقد جفاني. قوله: (فإن زيارته من أهم القربات وأربح المساعي) وكيف لا وقد وعد الزائر بوجوب شفاعته كقوله وهي لا تجب إلا لأهل الإيمان ففي ذلك التبشير بالموت على الإيمان مع ما ينضم إلى ذلك من سماعه كقوله سلام الزائر من غير واسطة أخرج أبو الشيخ من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي بعيدًا أعلمته قال الحافظ وينظر في سنده وأخرج أبو داود وغيره عن أبي هريرة عنه ﷺ أنه قال: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" قال الحافظ حديث حسن أخرجه أحمد والبيهقي وغيرهما وأنبئت عن الشيخ السبكي في شفاء السقام قال: اعتمد جماعة من الأئمة على هذا الحديث في استحباب زيارة قبره ﷺ وهو اعتماد صحيح لأن الزائر إذا سلم عليه وقع الرد عليه من قرب وتلك فضيلة مطلوبة أهـ. أقول ورده عليه كذلك بنفسه ولو لم يكن للزائر من القرى إلا هذا الخطاب لكان فيه الغنى كيف وفيه الشفاعة العظمى ومضاعفة الصلاة في ذلك الحرم الأسنى وقد أورد جملة من الأحاديث في ذلك المتقي السبكي في شفاء السقام وابن حجر الهيتمي في الدر المنظم وتلميذه الفاكهي في حسن الاستشارة في آداب الزيارة. قوله: (وأفضل) بالجر أي ومن أنجح ومن أفضل الطلبات. قوله: (أكثر) أي إكثارًا

стр. 1552

من الصلاة عليه ﷺ في طريقه، فإذا وقع بصره على أشجار المدينة وحَرمِها وما يعرَّف بها، زاد من الصلاة والتسليم عليه ﷺ ، وسأل الله تعالى أن ينفعه بزيارته ﷺ وأن يسعده بها في الدارين، وليقل: اللهُم افْتَحْ عليَّ أبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وارْزُقْني في زِيارَةِ قَبْرِ نَبِيِّك ﷺ ما رزقْتَهُ أوْلياءَكَ وأهْلَ طاعَتِكَ، واغْفِرْ لي وارْحمنِي يا خَيْر مَسْؤول. وإذا أراد دخول المسجد استحبَّ أن يقول ما يقوله عند دخول باقي المساجد، وقد قدَّمنا في أول الكتاب، فإذا صلى تحية المسجد أتى القبر ــ تامًّا منها لمناسبة الحال لذلك وهل الاشتغال بالأذكار أفضل من الاشتغال بقراءة القرآن أو هما مستويان كل محتمل وكلامهم في باب الجنة ربما يومئ إلى الأخير قال ابن حجر الهيتمي والظاهر عندي الأول لأن ذلك ذكر طلب في محل مخصوص وقد قالوا: القراءة أفضل من ذكر لم يخص محلًا أما ما خصه فهو أفضل منها اهـ. وما نحن فيه من الثاني فليكن أفضل منها فيه. قوله: (فإذا وقع بصره الخ) أي لأنه قرب من الديار: وأعظم ما يكون الشوق يومًا ... إذا دنت الخيام من الخيام وما أحسن قول من قال: يا نفس إن بعد الحبيب وداره ... ونأت منازله وشط مزاره ذلك الهناء فقد ظفرت بطائل ... إن لم تريه فهذه آثاره قوله: (وسأل الله أن ينفعه بها) أي بالقبول (ويسعده بها) بأن يكفيه مهمات الدنيا والآخرة بفضله. قوله (فإذا صلى تحية المسجد) وأفضل أماكنها الروضة. قوله: (أتى القبر الكريم) أي الذي هو أفضل من جميع الأرض والسماء حتى من العرش والكرسي وما أحسن قول من قال: جزم الجميع بأن خير الأرض ... ما قد ضم أعضاء النبي وحاها

стр. 1553

الكريم فاستقبله واستدبر القبلة على نحو أربع أذرع من جدار القبر، وسلم مقتصدًا لا يرفع صوته فيقول: السَّلام عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا خِيرَةَ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا حَبيبَ اللهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا سيِّد المُرْسَلِينَ وَخَاتَمَ النبِيينَ، السلامُ عَلَيْكَ وَعلى آلِكَ وأصْحابِكَ وأَهْلِ بَيْتِكَ ــ ونعم لقد صدقوا بساكنها زكت ... كالنفس حين زكت زكي مأواها قوله: (واستدبر القبلة) هذا مذهبنا ومذهب الجمهور من العلماء وقال آخرون: الأفضل استقبال الكعبة ونقل عن أبي حنيفة لكن نقل عنه موافقة الأول وانتصر له ابن الهمام فقال ما نقل عن أبي حنيفة أنه يستقبل القبلة مردود بما رواه في مسنده عن ابن عمر أنه قال من السنة استقبال القبر المكرم وجعل الظهر للقبلة اهـ. وسبقه لذلك ابن جماعة فنقل عنه الثاني ورد نقل الكرماني عنه الأول اهـ. ومما يؤيد ما قاله المصنف أن النبي ﷺ حي في قبره واتفقوا على أن المدرس بالمسجد الحرام تستقبله طلبته ويستدبرون الكعبة فهو ﷺ أولى بذلك ويستحب أن يكون حال الزيارة قائمًا إلا أن يكون به عذر فيقعد وهل الأفضل حال الزيارة وضع اليدين على الصدر كالصلاة أو إرسالهما قال ابن حجر المتجه إرسالهما نعم إن نظر إلى المعنى الذي من أجله وضعا على الصدر في الصلاة وهو حفظ القلب عن الخواطر التي تطرقه يقوى ما قاله الكرماني من استحبَّاب وضعهما عليه اهـ. قوله: (على نحو أربع أذرع) أي تأدبًا معه ﷺ وهذا أقل مراتب البعد وطلب مزيد الأدب في تلك الحضرة يقتضي أن الشخص كلما بعد كان أولى فعند حضرته يستلزم الأدب وفي إحياء العلوم أنه يستقبل جدار القبر على نحو أربع أذرع من السارية التي عند رأس القبر في زاوية جداره ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه ويقف ناظرًا إلى أسفل ما يستقبله من جدار القبر غاض الطرف في مقام الهيبة والإجلال فارغ القلب من علائق الدنيا مستحضرا في قلبه جلالة موقفة ومنزلة من هو بحضرته اهـ. قوله: (لا يرفع صوته) أي رفعًا بليغًا لأن في ذلك نوعا من الإخلال بالأدب ولا يسر به بحيث لا يسمعه من يقربه. قوله: (السلام عليك الخ) قال الحافظ:

стр. 1554

وَعلى النَّبيينَ وَسائِرِ الصالِحِينَ; أشْهَدُ أنَّكَ بَلَّغْتَ الرِّسالة، وأدَّيْتَ الأمانَةَ، وَنَصَحْتَ الأُمةَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أفْضَلَ ما جَزَى رَسُولا عَنْ أُمَّتِهِ. ــ لم أجده مأثورًا بهذا التمام وقد ورد عن ابن عمر بعضه أنه كان يقف على قبر رسول الله ﷺ ويقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر، كذا في إيضاح المناسك وأسنده الحافظ من طريقين بهذا اللفظ في إحداهما وبنحوه في الأخرى وقال في كل منهما موقوف صحيح وعن مالك ﵀ يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وهذا الوارد عن ابن عمر وغيره مال إليه الطبري فقال: وإن قال الزائر ما تقدم من التطويل فلا بأس إلا أن الاتباع أولى من الابتداع ولو حسن واستدل بقول الحليمي لولا قال رسول الله ﷺ : "لا تطروني" لوجدنا فيما نثني عليه ما تعجز الألسن عن بلوغ أدناه لكن اجتناب منهيه خصوصًا بحضرته أولى فليعدل عن التوسع في ذلك إلى الدعاء له والصلاة عليه وتعقب بأن النهي إنما هو عن إطراء مشابه لإطراء النصارى لعيسى في دعوى الألوهية ونحوها له لا مطلق الإطراء فالأولى ما ذكره المصنف ونحوه وإن كان طويلًا لكن ما دام القلب حاضرًا وإلا فالإسراع أولى كما لا يخفى ومن ثم كان المتاكد ألا يشتغل ثمة بما حدث من الزينة والزخارف وقد سبق عن الإحياء التنبيه على ذلك بقوله غاض الطرف وإنما قدم السلام على الصلاة هنا وفي التشهد عكس الآية لأن الغرض المقصود منها التعليم والإتيان بالمأمور وذلك يبدأ فيه بالأهم الأحق بالمعرفة والفعل وهو الصلاة لأنها لعلو مقامها اختصت فيها بالله وملائكته ولأنها تستلزم السلام بمعنى التحية والدعاء بالسلامة بخلاف السلام فإن من معانيه ما لا يتأتى في حقه تعالى وملائكته وهو الإذعان والانقياد وحينئذ هو لا يستلزم الصلاة فكان دونها في الرتبة ومبتي الصلاة ذات الأركان بل والزكاة أيضًا على أن يبدأ منها بالتحية ويترقى من الأدنى إلى الأعلى في كل مقام من مقاماتها ووجهه بالنسبة إلى الزائر أنه مستمد متوسل وكل من كان كذلك إنما يناسبه التدرج في الأسباب الموصلة له إلى

стр. 1555

وإن كان قد أوصاه أحد بالسلام على رسول الله ﷺ قال: السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان، ثم يتأخر قدر ذراع إلى جهة يمينه فيُسلم على أبي بكر، ثم يتأخر ذراعًا آخر فيسلم على عُمر ﵄، ثم يرجع إلى موقفه الأوَّل قُبالة وجه رسول الله ﷺ فيتوسل به في حق نفسه، ويتشفع به إلى ربه ، ويدعو لنفسه ولوالديه وأصحابه وأحبابه ومَن أحسن إليه وسائر المسلمين، وأن يجتهد في إكثارِ الدعاء، ويغتنم هذا الموقف ــ ذلك بأن ينتقل من سبب أدنى إلى سبب أرفع منه وهكذا حتى يصل له مطلوبه ويتم له مرغوبه أشار إليه ابن حجر الهيتمي في الجوهر المنظم. قوله: (وإن كان أوصاه أحد بالسلام على رسول الله ﷺ قال الخ) قال العلماء: يسن له هذا المقال أو نحوه من العبارات المؤدية لهذا المعنى وفارق سنه ذلك هنا وجوب التبليغ فيما لو أمر إنسان إنسانًا أن يسلم على فلان أي إن لم يصرح بعدم القبول فيجب أن يسلم عليه منه بأن القصد من السلام ابتداء وردًا من الأحياء التواصل وعدم التقاطع الذي يغلب وقوعه بين الأحياء وحينئذ فإرسال السلام للغائب القصد به مواصلته وعدم مقاطعته وإذا كان هذا هو القصد به كان تركه مع تحمله تسببًا ووسيلة إلى المقاطعة المحرمة أي لمن شأنه ذلك وللوسائل حكم المقاصد فاتجه تحريم ترك بلاغ السلام وأما إرسال السلام إليه ﷺ فالقصد منه الاستمداد منه وعود البركة على المسلم فتركه فيه عدم اكتساب فضيلة للغير فلم يجر لتحريمه سبب يقتضيه فاتجه أن ذلك التبليغ سنة لا واجب وتحريم تفويت الفضيلة على الغير محله إذا كانت الفضيلة حاصلة كدم الشهيد أما ترك اكتساب فضيلة للغير فلا يحرم والله أعلم. قوله: (ثم يرجع إلى موقفه الأول الخ) أنكره العز بن جماعة وقال إنه لم يرد عن الصحابة والتابعين ورد بأن الدعاء هناك والتوسل به ﷺ له أصل عن السلف والذي لم ينقل إنما هو الترتيب المخصوص وحكمته أن في تأخير الدعاء والتوسل عن السلام على الشيخين تقديم ما يتعلق به ﷺ من زيارته وزيارة صاحبيه ثم الإقبال على مايتعلق بالإنسان في كل أمر وشأن. قوله: (فيتوسل به ﷺ ) أي لأن التوسل به

стр. 1556

الشريف ويحمد الله تعالى ويسبِّحه ويكبِّره ويهلله، ويصلي على رسول الله ﷺ ويكثر من كل ذلك، ثم يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيكثر من الدعاء فيها. فقد روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ما بَيْنَ قَبْرِي ومِنْبَرِي رَوْضَة مِنْ رِيَاضِ الجنَّةِ". وإذا أراد الخروج من المدينة والسفرَ استحبَّ أن يودع المسجد ــ سيرة السلف الصالح الأنبياء والأولياء وغيرهم روي أن آدم لما اقترف الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد ﷺ إلا ما غفرت لي فقال: يا آدم كيف عرفت محمدًا ﷺ ولم أخلقه قال: يا رب إنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت مكتوبًا على قوائم العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله تعالى: "صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي إن سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد لما خلقتك" وسبق في أذكار الحاجة حديث عثمان بن حنيف وذكر الطبراني أنه ﷺ ذكر في دعائه بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي ولا فرق بين ذكر التوسل والاستعانة والتشفع والتوجه به ﷺ وكذا بغيره من الأنبياء وكذا الأولياء وفاقًا للسبكي وإن منعه ابن عبد السلام لأنه ورد جواز التوسل بالأعمال مع كونها أعراضا فالذوات الفاضلة أولى وسبق توسل عمر بالعباس ﵄ في الاستسقاء ولم ينكر عليه وقد يكون معنى التوسل به ﷺ طلب الدعاء منه إذ هو حي يعلم سؤال من يسأله قال ابن حجر الهيتمي وصح في حديث طويل أن النّاس أصابهم قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فأتاه في النوم وأخبره أنهم يسقون فكان كذلك. قوله: (فيكثر من الدعاء فيها) أي وكذا من الصلاة بل إن أمكنه ألا يجعل صلاته مدة إقامته إلا فيها فهو أولى ما لم يعارض فضيلة نحو صف أول. قوله: (فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال الحافظ فيه شيئان: الأول أنهما لم يخرجاه لا عن أبي هريرة ولا عن غيره إلا بلفظ بيتي بدل قبري

стр. 1557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثاني أن هذا القدر أخرجاه من حديث عبد الله بن زيد المازني وعندهما عن أبي هريرة مثله لكن بزيادة ومنبري على حوضي أسنده الحافظ إلى مالك عن حبيب عن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة أو أبي سعيد الخدري فذكر مثل حديث عبد الله بن زيد المازني وزاد بعده ومنبري على حوضي وقال الحافظ أخرجاه في الصحيحين فأخرجه في الاعتصام عن أبي هريرة وحده أو أخرجه هو ومسلم جميعًا في أواخر الحج وأخرجه البخاري أيضًا في باب الحوض من أواخر الرقاق ينتهي سند الجميع إلى حبيب شيخ مالك بسنده ومتنه لكن لم يقل أو أبي سعيد وأخرجا الحديث من حديث عبد الله بن زيد في أواخر الحج وأخرجه البخاري في كتاب الصلاة فهذه طرق الحديث في الصحيحين قال ابن عبد البر وغيره اتفق رواة حديث الموطأ على الشك إلا معن بن عيسى ومطرف بن عبد الله فقالا عن أبي هريرة وأبي سعيد بالواو ووافقهما روح بن عبادة خارج الموطأ وانفرد ابن مهدي عن مالك فقال عن أبي هريرة وحده قال الحافظ وهو الذي اقتصر عليه البخاري ثم أورد الحافظ للحديث طرقًا كثيرة عند الطبراني وأبي عوانة وغيرهما ثم قال فهذه الروايات متفقة على ذكر البيت ومعناه وأما بلفظ القبر فجاء بروايات أخرى منها عن العمري أخرجه البيهقي عنه بسنده إلى أبي هريرة وفي روايته قبري بدل بيتي، وجاء عن ابن عمر قال ﷺ : "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" قال الحافظ هذا حديث غريب أخرجه الدارقطني في أحاديث مالك التي ليست في الموطأ وذكر له الحافظ طرقًا أخرى عن العقيلي وغيره قال في ترجمة مسعر في الحلية حديث أم سلمة بلفظ قوائم بيتي رواتب في الجنة وما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وفي ترجمة سلمة بن وردان بن كامل بن عدي من رواية سلمة عن أنس ورفعه ما بين قبري الخ قال الحافظ راجعت كلام الشيخ في شرح مسلم فوجدت فيه باب فضل ما بين قبره ﷺ ومنبره، قوله: "ما بين بيتي ومنبري" فذكر الحديث ونقل عن الطبري قال: المراد بالبيت القبر كما روي من طريق أخرى ما بين قبري ومنبري، وقال وقد أمليت الروايتين ونسيت من أخرجهما وقد سبق البخاري إلى نحو هذه الترجمة، فقال قبيل كتاب الجنائز: باب فضل ما بين القبر والمنبر، ذكر في الباب حديث ما بين بيتي ومنبري

стр. 1558

بركعتين، ويدعوَ بما أحبَّ ثم يأتي القبر فيسلم كما سلم أولًا، ويعيد الدعاء، ويودِّع النبيَّ ﷺ ويقول: "اللهم لا تَجْعَلْ هَذا آخِرَ العَهْدِ بِحَرَمِ رَسُولِكَ، وَيسِّرْ لِي العَوْدَ إلى الحَرَمَيْنِ سَبِيلا سَهْلَةً بِمَنِّكَ وَفَضْلِكَ، وَارْزُقْنِي العَفْوَ وَالعَافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ورُدَّنا سالِمِينَ غَانِمِينَ إلى أوْطَانِنا آمِنِينَ". ــ وأراد بذلك أن المترجم به داخل في المترجم له، وقد قيل إنه وقع في نسخة ابن عساكر قبري بدل بيتي فلعله اغتر بالترجمة وقد وقع جمع بينهما في بعض طرق حديث عمر وساقه وذكر من مخرجيه الدارقطني والله أعلم "ما بين قبري ومنبري" وسبق آنفًا رواية منبري وبيتي ورواية ما بين حجرتي وبيتي ولا اختلاف لأن قبره ﷺ في بيته والبيت هو الحجرة "روضة من رياض الجنة" قيل معناه: العمل في ذلك المكان يوصل لذلك وفيه نظر والأولى ما قاله مالك وغيره من بقائه على ظاهره فينقل إلى الجنة وليس كسائر الأرض يذهب ويفنى أو هي من الجنة الآن حقيقة وإن لم تمنع نحو الجوع عملًا بأصل الدار الدنيوية وأنها آئلة للفناء، ومعنى قوله: "ومنبري على حوضي" أن ملازمة الأعمال الصالحة عنده تورد الحوض كذا قيل وأولى منه ما قيل يعيده الله على حاله فينصبه على حوضه لأن الأصل إبقاء اللفظ على ظاهره الممكن. قوله: (بركعتين) قال في حسن الاستشارة يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص ويدعو من بعد تقديم الحمد الله والصلاة على رسول الله ثم يأتي القبر هذا هو المعتمد وقال الكرماني يقدم وداعه ﷺ على توديع المسجد بركعتين قال السيد السمهودي المشهور خلاف ما قاله وعن العتبي بضم العين وإسكان الفوقية بعدها موحدة قال المزالي في مصباح الظلام في المستغيثين بسيد الأنام في اليقظة والمنام اسمه محمد بن عبد الله وفي شفاء السقام في زيارة خير الأنام للتقي السبكي العتبي محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب كان من أفصح النّاس صاحب أخبار ورواية للآداب حدث عن أبيه وسفيان

стр. 1559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بن عيينة يكنى أبا عبد الرحمن أهـ. وقد ذكر المزالي مثل هذه القصة عن السمعاني بسنده عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر النبي ﷺ وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله ما وعينا عنك وكان فيما أنزل عليك ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ والآية وقد ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر إنه قد غفر لك وذكر المزالي فيه أيضًا عن محمد بن حرب الباهلي قال: دخلت المدينة فانتهيت إلى قبر رسول الله فإذا أعرابي يوضع على بعيره فأناخه وعقله ثم دخل إلى القبر فسلم سلامًا حسنًا ودعا دعاء جميلًا ثم قال: قال بأبي أنت وأمي يا رسول الله إن الله خصك بوحيه وأنزل عليك كتابًا وجمع لك فيه الأولين والآخرين وقال في كتابه وقوله الحق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية وقد أتيتك مقرًا بالذنوب مستعينًا بك على ربك وهو ما وعد ثم التفت إلى القبر فقال: يا خير من دفنت في القاع أعظمه الخ ثم ركب راحلته فما أشك إن شاء الله تعالى إلا أنه راح بالمغفرة "قلت" وقد ذكر ابن صعد التلمساني هذه القصة في مفاخر أهل الإسلام بفضل الصلاة على سيد الأنام وزاد قال راوي خبر محمد بن حرب فغلبتني عيناي فرأيت النبي ﷺ في نومي وهو يقول الحق الرجل فبشره أن الله قد غفر له بشفاعتي فاستيقظت فخرجت في طلبه فلم أجده اهـ. قال السبكي ورواها عن ابن حرب ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير العزم الساكن وهذه الزيادة عزاها المزالي إلى العتبى وهو الذي ذكره المصنف وغيره وذكر قصصًا أخرى في هذا المعنى فأنشد يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم القاع المستوي من الأرض جمعه قيعان وتصغيره قويع وسبق الكلام على الأكم في دعاء الاستسقاء وقوله فيه العفاف وما بعده أي كائن فيه ويراد منه النبي

стр. 1560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ وأطلق عليه ذلك على سبيل المبالغة كما يقال زيد عدل أو أن الله سبحانه جعل في تلك اليد العفاف وجعلها مظهر الجود والكرم أو فيه العفاف أي ذو العفاف والجود والكرم ويجوز أن يكون العفاف لكونها معدة له ﷺ والله يحل نبيه أشرف الأمكنة وقد سبق أن ما ضم أعضاءه ﷺ أفضل حتى العرش والكرسي ويوجد في بعض النسخ زيادة بعد البيتين بيت ثالث وهو كذلك في نسخة العلوي ويوجد في بعض النسخ زيادة بعد البيتين بيت ثالث وهو كذلك في نسخة العلوي: أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته ... عند الصراط إذا ما زلت القدم وقد اعتنى الأدباء بهذه الأبيات كثيرًا فمنهم من جعلها في ضمن نظم له ومنهم من خمسها فأخرج الضياء المقدسي في جزئه الذي في المصافحة بسنده إلى أبي الطيب أحمد بن عبد العزيز بن محمد المقدسي فقال: سئل في تضمين هذين البيتين فأجاد فقال: أقول والدمع من عيني ينسجم ... لما رأيت جدار القبر يستلم فالناس يغشونه باك ومنقطع ... من المهابة أو داع فملتزم فما ملكت وقد ناديت من حرق ... في الصدر كادت له الأحشاء تضطرم يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم وفيه شمس النهى والدين قد غربت ... من بعد ما أشرقت من نورها الظلم حاشا لوجهك أن يبلى وقد هديت ... في الشرق والغرب من أنواره الأمم وأن تمسك أيدي الترب لامسة ... وأنت بدر السما ذات العلا علم لقيت ربك والإسلام صارمه ... ناب وقد كان بحر الكفر يلتطم فقمت فيه مقام المرسلين إلى ... أن عز فهو على الأديان يحتكم لئن رأيناه قبرًا إن باطنه ... لروضة من رياض الخلد تبتسم طافت به من نواحيه ملائكة ... تغشاه في كل يوم وتزدحم لو كنت أبصرته حيًّا لقلت له ... لا تمش إلا على خدي لك القدم هدى به الله قومًا قال قائلهم ... ببطن يثرب لما ضمه الرحم

стр. 1561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إن مات أحمد فالرحمن خالقه ... حي ونعبده ما أورق السلم قال ابن صعد التلمساني في كتابه مفاخر الإسلام في فضل الصلاة على النبي ﵊ وقد أجاد في تخميس البيتين وزاد عليهما ثالثًا الشيخ الصالح أبو البركات أيمن بن محمد بن محمد بن محمد السعدي من نسل السيدة حليمة السعدية ظئر النبي ﷺ وعليها وأنشد بالروضة تجاه القبر الشريف المعظم على ساكنه الصلاة والسلام فقال: الشعر أشرفه قدرًا وأعظمه ... شعر بمدح رسول الله ننظمه والمدح أصدقه بيتًا وأقومه ... يا خير من دفنت بالترب أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم يا خير من زانت الحسنى محاسنه ... ومن تسامى عن الأكوان كائنه فما الوجود كما فيه يوازنه ... نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم كل الثناء على علياء منصبه ... من بعض واجبه سبحان موجبه فأعجب من القبر لا من سر معجبه ... قبر أحاط بسر لا يحيط به والملك لئه لا لوح ولا قلم قلت وقد خمس هذين البيتين من غير زيادة صاحبنا ومفيدنا العالم المحقق المدقق شارح ديوان الشيخ ابن الفارض الشيخ حسن البوريني الدمشقي الشافعي ﵀ قال: قلبي جريح ذنوب أنت مرهمه ... وأنت في شدة الأوصاب ترحمه أتاك ملتجئًا حاشاك تحرمه ... يا خير من دفنت في التراب أعظمه فطاب من طببهن القاع والأكم قد ثار من حر وجدي اليوم كامنه ... والصبر طاب بريح الشوق واهنه يا جوهرًا مفردًا طابت معادنه ... نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم وقد كنت خمستها مع البيت الثالث سابقًا وأردت أن أكون بذلك في فضل مدحه ﷺ لاحقًا:

стр. 1562

فهذا آخر ما وفقني الله بجمعه من أذكار الحج، وهي إن كان فيها بعض الطول بالنسبة إلى هذا الكتاب، فهي مختصرة بالنسبة إلى ما نحفظه فيه، واللَّه الكريمَ نسألُ أن يوفقنا لطاعته، وأن يجمع بيننا وبين إخواننا في دار كرامته. وقد أوضحتُ في كتاب المناسك ما يتعلق بهذه الأذكار من التتمات والفروع الزائدات، والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة والتوفيق والعصمة. وعن العتبي قال: "كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعتُ الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ ــ أسنى الكلام لمن يدري وأفخمه ... عقد بمدح رسول الله ننظمه وأفخر المدح قولًا ثم أحكمه ... يا خير من دفنت بالترب أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم يا من علا فهو لا شيء يوازنه ... ومن تسامى عن الأكوان كائنه يا جوهرًا مفردًا عزت مكامنه ... نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الحق والكرم يا سيد الكون من شاعت كرامته ... وخاتم الرسل من شاعت أمانته كن الشفيع لمن زادت جنايته ... أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته على الصراط إذا ما زلت القدم قال الشيخ المصنف: (هذا آخر ما وفقني الله تعالى لجمعه من أذكار الحج والعمرة وهي وإن كان فيها بعض الطول بالنسبة إلى هذا الكتاب) أي فإن وضعه الاختصار وإن خرج عن موضعه في بعض الأحوال (فهي مختصرة بالنسبة إلى ما يحفظ منه والله الكريم نسأله أن يوفقنا لطاعته وأن يجمع بيننا وبين أحبابنا في دار كرامته) يعني الجنة (وقد أوضحت في كتاب المناسك) أي المسمى بالإيضاح (ما يتعلق بهذه الأذكار من التتمات والفروع الزائدات والله أعلم بالصواب).

стр. 1563

تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وقد جئتُكَ مستغفرا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول: يا خَيْرَ مَنْ دُفِنت بالقاع أعظمُهُ ... فطاب من طيبهن القاعُ والأكمُ فنفسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنُه ... فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرَم قال: ثم انصرف، فحملتني عيناي فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي: يا عتبيُّ، الحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالى قد غفر له". كتاب أذكار الجهاد أما أذكارُ سفره ورجوعه فسيأتي في كتاب أذكار السفر إن شاء الله تعالى. وأما ما يختص به فنذكر منه ما حضر الآن مختصرًا. باب استحباب سؤال الشهادة روينا في "صحيحي البخاري ومسلم"، عن أنس ﵁، أن رسول الله ــ كتاب أذكار الجهاد هو مصدر جاهد جهادًا ومجاهدة وجاهد فاعل من جهد إذا بالغ في قتال عدوه وغيره ويقال: جهده المرض وأجهده إذا بلغ به المشقة وجهدت الفرس وأجهدته استخرجت جهده نقله أبو عثمان والجهد بالفتح المشقة وبالضم الطاقة قيل ويقال بالضم والفتح في كل منهما، جهادة ج هـ د وحيث وجدت ففيها معنى المبالغة وهو في الشرع عبارة عن قتال الكفار. باب استحباب سؤال الشهادة قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال في السلاح وأخرجه الجماعة يعني

стр. 1564

- ﷺ دخل على أم حَرام، فنام ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناسٌ مِنْ أُمَّتي عُرِضُوا عَليَّ غُزَاةً في سَبِيلِ الله يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ مُلوكا على الأسِرَّةِ أوْ مِثْلَ المُلوكِ"، فقالت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم فدعا لها رسول الله ﷺ . قلت: ثبج البحر، بفتح ــ الستة وزاد الحافظ وأخرجه أحمد. قوله: (على أم حرام) زاد في رواية بنت ملحان وكانت تحت عبادة بن الصامت وهي الغميصا بالغين بالمعجمة والصاد المهملة، والغمص والرمص نقص يكون في العين قال في الصحاح الرمص بالتحريك وسخ يجمع في الموق فإن سأل فهو غمص وإن جمد فهو رمص اهـ. قال في المفهم ولعل الغمص هو الذي كان غالبًا على نساء الأنصار وهو الذي عني ﷺ حيث قال فإن في عيون الأنصار شيئًا اهـ. وفي الحديث عند من ذكر أنه ﷺ كان يدخل عليها وينام عندها وكذا ورد عنه مع أختها فقيل إن ذلك لمحرمية من رضاع أو غيره وجرى عليه المصنف في شرح مسلم ونقل فيه اتفاق العلماء ثم قال: قال ابن عبد البر وغيره كانت إحدى خالاته ﷺ من الرضاعة وقال آخرون بل كانت خالته لأبيه أو لجده لأن أم عبد المطلب كانت من في النجار وقال آخرون الصواب عدم المحرمية وإنما من خصائصه ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية لثبوت عصمته وكمال أفضليته روى لأم حرام عنه ﷺ سبعة أحاديث اتفقا على هذا الحديث الواحد ولم يرويا عنها غيره وخرج عنها ما عدا الترمذي من أصحاب السنن الأربعة ماتت بقبرس مع زوجها عبادة بن الصامت وذلك عام سبع وعشرين فكان موتها هنالك كذلك من معجزاته ﷺ وإجابة دعوته. قوله: (فنام) بعد أن قدمت له بعض الطعام فأكل منه ثم جلست تفلي رأسه ﷺ فنام وسكت المصنف عن ذكر ذلك لكونه خارجًا عن مقصود الترجمة. قوله: (وهو يضحك) هذا الضحك فرح وسرور لكون أمته تبقى بعده متظاهرة على الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر. قوله: (ملوكًا على الأسرة) قيل: هذه صفة لهم في الآخرة إذا دخلوا الجنة والأصح إنها صفة لهم في الدنيا أي يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم وكثرة عددهم. قوله: (فدعا لها رسول ﷺ ) وسكت

стр. 1565

الثاء المثلثة وبعدها باء موحدة مفتوحة أيضًا ثم جيم: أي ظهره، وأتم حَرَام بالراء. وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن معاذ ﵁ ــ المصنف عن تتمة الخبر وهي: ثم وضع رأسه ﷺ فنام فذكر مثل الأول فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت من الأولين فركبت البحر في زمن معاوية فلما خرجت منه فصرعت عن دابتها فهلكت. قال المصنف: هذا أي قوله أنت من الأولين دليل على أن رؤياه الثانية غير الأولى وأنها عرض عليه فيها غير الأولى وفيه معجزات لرسول الله ﷺ منها: إخباره ببقاء أمته بعده وأن يكون لهم شوكة وقوة وعدد وأنهم يكثرون ويركبون البحر وإن أم حرام تعيش إلى ذلك الزمان وإنها تكون معهم وقد وجد ذلك كله بحمد الله تعالى واختلف العلماء متى جرت الغزوة التي توفيت فيها أم حرام في البحر وقد ذكر في هذه الرواية مسلم وغيره أنها ركبت البحر في زمن معاوية فصرعت عن دابتها وقال القاضي: قال أكثر أهل السير والأخبار إن ذلك في خلافة عثمان بن عفان وإنه فيه ركبت أم حرام وزوجها إلى قبرس فصرعت عن دابتها فتوفيت ودفنت هناك وعلى هذا فيكون قوله في زمن معاوية معناه في زمن غزوة البحر لا في أيام خلافته قلت ورجح هذا الحافظ في فتح الباري أيضًا قال وقيل ذلك في أيام خلافته قال وهو أظهر في دلالة قوله في زمانه وفي الحديث جواز ركوب البحر للرجال والنساء وكذا قال الجمهور وكره مالك ركوبه للنساء لأنه لا يمكنهن غالبًا الستر فيه ولا غض البصر عن المتصرفين فيه ولا يؤمن انكشاف عوراتهن في تصرفهن سيما فيما صغر من السفن مع ضرورتهن إلى قضاء الحاجة بحضرة الرجال اهـ. قوله: (أي ظهره) وورد في رواية يركبون ظهر البحر والروايات يفسر بعضها بعضًا. قوله: (وأم حرام بالراء المهملة) أي وبالحاء المهملة قال المصنف في مقدمة شرح مسلم ما كان على هذه الصورة في نسب الأنصار فهو بفتح الراء والحاء المهملتين وما كان منه في نسب قريش فبكسر الحاء المهملة وبالزاي المعجمة كحكيم بن حزام. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) أوله من قاتل فواق ناقة وجبت له الجنة ومن سأل الله الشهادة صادقًا من نفسه فله أجر شهيد قال

стр. 1566

أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سألَ الله القَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقًا، ثُم ماتَ أوْ قُتِلَ فإن لَهُ أجْرَ شَهِيدٍ" قال الترمذي: حديث صحيح. وروينا في "صحيح مسلم" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ طَلَبَ الشَّهادَةَ صَادِقًا أُعْطِيها ولَوْ لَمْ تُصِبْهُ". وروينا في "صحيح مسلم" أيضًا عن سهل بن حُنيف ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ــ الحافظ حديث صحيح أخرجه أحمد. قوله: (من سأل الله تعالى القتل) في سبيله كما جاء مقيدًا بذلك في رواية الترمذي وقوله (صادقًا) أي من قلبه كما في رواية الترمذي أيضًا وجاء في الرواية الثانية من سأل الله الشهادة الحديث ففي الحديث استحباب سؤال الشهادة واستحباب نية الخير قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود من سأل الله الشهادة ومات على فراشه فله أجر شهيد بسؤاله الشهادة وإن لم تحصل له وأما من قتل شهيدًا فقد حصلت له الشهادة لكن يعطى أجر شهيد زيادة على من قتل شهيدًا ولم يسأل الله الشهادة قبل القتل اهـ. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) قال الحافظ ورواه أحمد وقول السلاح انفرد به مسلم يعني عن باقي الستة. قوله: (وروينا في صحيح مسلم أيضًا) قال الحافظ وأخرجه أبو عوانة وأبو داود والنسائي وابن ماجه وفي الجامع الصغير أخرجه مسلم والأربعة. قوله: (عن سهل بن حنيف) هو سهل بن حنيف بن واهب الأوسي الأنصاري المدني البدري شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان ممن بايع على الموت وثبت يوم أحد ولم يفر وكان حسن الخلق ناعم الجسم روي أنه تجرد يومًا للاغتسال فقال رجل من الأنصار: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة فلبط به وصرع من حينه فحمل إلى النبي ﷺ محمومًا فأخبر بخبره فقال ﷺ : "علام يقتل أحدكم أخاه؟ ما يمنع أحدكم إذا رأى من أخيه ما يعجبه من نفسه أو ماله فليبرك عليه إن العين حق". ثم إن سهل بن حنيف صحب عليًّا واستخلفه على المدينة حين سار إلى البصرة وشهد معه صفين وحديث قيامه يوم صفين ووعظه مشهور مذكور في الصحاح وولاه بلاد فارس فأخرجه أهلها فاستعمل عليهم زياد ابن أبيه فصالحوه وأدوا الخراج روي لسهل عن رسول الله ﷺ فيما قيل: أربعون حديثًا اتفقا منها على أربعة وانفرد باثنين منها مسلم وخرج

стр. 1567

"مَنْ سألَ اللهَ تَعالى الشَّهادَةَ بِصِدْقٍ بلَّغهُ اللهُ تَعالى منازِلَ الشُّهَداءِ وَإنْ ماتَ على فِرَاشِهِ". باب حث الإمام أمير السرية على تقوى الله تعالى وتعليمه إياه ما يحتاج إليه من أمر قتال ومصالحتهم وغير ذلك روينا في "صحيح مسلم" عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّرَ أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه ــ عنه الأربعة روى عنه ابن أبي ليلى وأبو وائل توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين وصلى عليه علي ﵄ وكبر ستًّا كذا في رياض العامري ما عدا ذكر عدة جملة أحاديثه. قوله: (من سأل الشهادة الخ) قال المصنف في شرح مسلم الرواية الأخرى يعني رواية أنس مفسرة لمعنى الرواية الثانية يعني حديث سهل ومعناهما جميعًا أنه إذا سأل الشهادة بصدق أعطي مثل ثواب الشهداء وإن كان على فراشه ففيه استحباب طلب الشهادة واستحباب نية الخير. قوله: (وإن مات على فراشه) قلت: قد سبق في باب استحباب سؤال الموت ببلد شريف حديث عمر وفيه أصل سؤال الشهادة والموت بالمدينة وحصول مراده والله أعلم. باب حث الإمام أمير السرية على تقوى الله تعالى وتعليمه إياه ما يحتاج إليه من أمر قتال ومصالحتهم وغير ذلك الحث بفتح المهملة وتشديد المثلثة التحريض على الأمر والسرية بتشديد السين المفتوحة وكسر الراء المهملتين وتشديد التحتية هي القطعة من الجيش تخرج منه وتغير وترجع إليه قال في النهاية يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو وجمعها سرايا سموا بذلك لأنهم خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس وقيل: سموا بذلك لأنهم ينفرون سرًّا وخفية وليس بالوجه لأن لام السر راء ولام السرية ياء اهـ. قال البعلي في المطلع ويحتمل أنهم سموا بذلك لأنهم يسرون والله أعلم وبذلك الاحتمال صرح المصنف في شرح مسلم وفيه ما علمت في القول الذي قبله إن كان بتشديد الراء وإلا فلا إشكال. قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) وكذا أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. قوله:

стр. 1568

في خاصته بتقوى الله تعالى ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغْزوا بسم الله، في سَبيلِ الله، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ باللهِ، اغْزُوا ولا تَغُلُوا ولا تَغْدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وإذا لَقَيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهُمْ إلى ثلاثِ خِصَالٍ" ... وذكر الحديث بطوله. باب بيان أن السنَّة للإمام وأمير السرية إذا أراد غزوة أن يورى بغيرها روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" ــ (في خاصته) أي في نفسه. قوله: (بتقوى الله) أي التحرز بطاعته من عقوبته. قوله: (ومن معه) أي وأوصاه فيمن معه من الجيش أن يفعل معهم خيرًا. قوله: (اغزوا باسم الله) أي أسرعوا في فعل الغزو مستعينين بالله مخلصين له. قوله: (قاتلوا من كفر بالله) هذا العموم شمل جميع أهل الكفر المحاربين وغيرهم وقد خصص من له عهد والرهبان والنسوان ومن لم يبلغ الحلم وقد قال متصلا به ولا تقتلوا وليدا وإنما نهى عن قتال الرهبان والنسوان لأنهم لا يكون منهم قتال غالبًا وإن كان منهم قتال أو تدبير أو أذى قتلوا ولأن الذراري والأولاد مال وقد نهى ﷺ عن إضاعة المال. قوله: (ولا تغلوا) من الغلول الأخذ من الغنيمة من غير قسمتها. قوله: (ولا تغدروا) بكسر الدال من الغدر وهو نقض العهد. قوله: (ولا تمثلوا) من التمثيل وهو التشويه بالقتيل كجدع أنفه وأذنه والعبث به. قوله: (ولا تقتلوا وليدًا) أي طفلًا أو عبدًا على ما قاله الجوهري اهـ. والله أعلم. باب بيان أن السنة للإمام وأمير السرية إذا أراد غزوة أن يوري بغيرها قلت الحكمة في استحباب ذلك ألا تسبقه الجواسيس ونحوهم بالتحذير فيفوت المطلوب. قوله: (روينا في صحيح البخاري ومسلم الخ) وأخرجه أحمد وأبو داود وهذا

стр. 1569

عن كعب بن مالك ﵁ قال: "لم يكن رسول الله ﷺ يريد سفرة إلا ورَّى بغيرها". باب الدعاء لمن يقاتل أو يعمل على ما يعين على القتال في وجهه وذكر ما ينشطهم ويحرضهم على القتال قأل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق ــ القدر طرف من الحديث الطويل في قصة تخلف كعب. قولهه: (عن كعب بن مالك) هو الأنصاري الخرزجي السلمي بفتح السين والسلام نسبة لبني سلمة بكسر السلام شهد العقبة والمشاهد كلها إلا بدرًا وتبوك وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم وجرح يوم أحد أحد عبر جرحًا في سبيل الله وهو أحد شعراء النبي ﷺ المجاهدين بألسنتهم وأيديهم وهم حسان وكعب بن مالك وابن رواحة وكان حسان يقع في الأنساب وابن رواحة يعيرهم بالكفر وكعب يخوفهم وقائع السيف وقال النبي ﷺ لقد شكرك ربك على قولك هذا يا كعب يعني قوله: جاءت سخينة كي تغالب ربها ... فلتغلبن مغالب الغلاب روي له عن النبي ﷺ فيما قيل ثمانون حديث اتفقا منها على ثلاثة وانفرد البخاري بواحد ومسلم بحديثين وخرج عنه الأربعة روى عنه ابناه عبد الله وعبد الرحمن مات بالمدينة سنة خمسين ﵁. قوله: (ورى) بتشديد الراء من التورية أي أتى بلفظ يحتمل غير المراد أيضًا والتورية أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد به الثاني وينصب ما يدل على ذلك والله أعلم. باب الدعاء لمن يقاتل أو يعمل ما يعين على القتال في وجهة إلى آخر الترجمة قوله: (وحرض المؤمنين) قال الكواشي أي عاتبهم على ترك القتال ورغبهم في الجهاد اهـ. واقتصر البيضاوي وغيره على قوله رغبهم الخ. قوله: (وينافي صحيحي البخاري ومسلم الخ) ورواه الترمذي والنسائي كذا في السلاح. قوله: (إلى الخندق) هو خندق المدينة حفره رسول الله ﷺ وأصحابه لما تحزبت عليهم الأحزاب وكانت في سنة أربع من الهجرة وقيل سنة خمس وكانت مدة حصارهم نحو خمسة عشر يومًا ثم أرسل

стр. 1570

فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلما رأى ما بهم من النَّصَب والجوع قال: "اللهُم إن العَيشَ عَيْشُ الآخِرَةِ، فاغْفِرْ للأنصارِ والمُهاجِرَةِ". ــ الله على الكفار ريحًا وجنودا لم يرها المسلمون فهزمهم بها. قوله: (فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون) زاد في الرواية ولم يكن لهم عبيد يعلمون ذلك لهم. قوله: (النصب) بفتحتين التعب وقد نصب ينصب نصبًا كفرو يفرو فرحًا ونصبه غيره وأنصبه لغتان. قوله: (إن العيش) أي المعتد به لدوامه وهنائه عيش الآخرة. قوله: (فاغفر للأنصار) قال في السلاح وفي رواية للبخاري ومسلم فأكرم وفي إحدى روايات البخاري فارحم وفي بعضها فبارك وفي بعضها فانصر اهـ. وعلى رواية فأكرم وارحم وانصر النصف الثاني موزون ويجاب عن نطقه ﷺ مع تحريم إنشاء الشعر وإنشاده عليه بأنه لم يقصد الوزن والمعتبر في الشعر القصد وعلى باقي الروايات فهو سجع وهو كما قال الأزهري الكلام المقفى من غير مراعاة وزن قال السيوطي مأخوذ من سجع الحمام وهو تواطؤ الفاصلتين في النثر على حرف واحد وهو معنى قولهم السجع في النثر كالقافية في الشعر ومن النّاس من قبحه لحديث أسجعًا كسجع الجاهلية ورد بأنه إنما أنكر سجع الجاهلية لا مطلق السجع قال ابن يعيش ويكفي في حسنه ورود القرآن به ولا يقدح في ذلك خلو بعض الآيات عنه لأن الحسن قد يقضي المقام إلى أحسن منه قال الخفاجي السجع محمود لا على الدوام ولذا لم يجيء فواصل القرآن كلها عليه واختلف هل يجوز أن يقال في فواصل القرآن أسجاع أم لا؟ الأدب المنع لقوله تعالى: (﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ فسماه فواصل فليس لنا أن نتجاوزه ولأنه يشرف أن يشارك الكلام الحادث في اسم السجع ولأن السجع في الأصل هدير الحمامة ونحوها والقرآن يشرف عن أن يستعار له لفظ في أصل الوضع لطائر ورجح القاضي أبو بكر الباقلاني في الانتصار جواز تسمية الفواصل سجعًا قال العلقمي السجع أن يجمع أمرين كان مذموما التكلف وإبطال الحق وإن اقتصر على أحدهما كان أخف في الذم ويخرج من ذلك تقسيمه إلى أربعة أنواع والمحمود منه ما جاء عفوًا في حق ودونه ما جاء متكلفًا في حق

стр. 1571

باب الدعاء والتضرع والتكبير عندالقتال واستنجاز الله تعالى ما وعد من نصر المؤمنين قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ــ أيضًا والمذموم عكسهما قال الأزهري إنما كره ﷺ السجع لمشاكلته كلام الكهنة اهـ. تتمة آخر الخبر فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدا أي فلا نضجر مما نحن فيه لأن الوفاء بالعهود لأعظم ما يرام. باب الدعاء والتضرع والتكبير عند القتال واستنجاز الله ما وعد من نصر المؤمنين قوله: (فِئة) بكسر الفاء بعدها همزة قال الراغب في مفرداته الفئة الجماعة المتظاهرة التي يرجع بعضهم إلى بعض في التعاضد وحذف الوصف من الآية أي كافرة اكتفاء بقرينة الحال لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار واللقاء اسم للقتال غالبًا وأمرهم الله تعالى بالثبات وهو مقيد بآية الضعف وفي البخاري لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية وإذا لقيتموهم فأثبتوا وأمرهم الله تعالى بذكره كثيرًا في هذا الموطن العظيم من مصابرة العدو والتلاحم بالرماح والسيوف وهي حالة يقع فيها الذهول عن كل شيء فأمروا فيها بذكر الله تعالى وهو تعالى الذي يفزع إليه عند الشدائد ففيه تنبيه على أنه ينبغي للعبد ألا يشغله عن ذكر الله تعالى شيء وأنه يلتجئ إليه عند الشدائد يقبل عليه بشراشره فارغ البال واثقًا بأن لطفه تعالى لا ينفك عنه في حال من الأحوال. قوله: (فتفشلوا) قال أبو حيان في النهر الظاهر أنه جواب النهي فيكون منصوبًا ولذلك عطف عليه وتذهب المنصوب لأنه يتسبب عن التنازع الفشل وهو الحذر والجبن عن لقاء العدو ويجوز أن يكون فتفشلوا مجزومًا عطفًا على (وَلَا تَنَازَعُوا) وذلك على قراءة عبسي بالياء وسكون البناء اهـ. قوله: (وتذهب ريحكم)

стр. 1572

وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧] قال بعض العلماء: هذه الآية الكريمة أجمع شيء جاء في آداب القتال. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ وهو في قُبَّته: "اللهُمَّ إني أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهم إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدَ بَعْدَ اليَوْم" فأخذ ــ أي قوتكم ونصركم يقال الريح لفلان إذا كان غالبًا في الأمر قال قتادة وابن زيد لم يكن نصر قط إلا بريح تهب وتضرب وجوه الكفار، قوله: (واصبروا) أي فإن الصبر محمود في كل المواطن خصوصًا مواطن الحرب كما قال تعالى في أول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ و. قوله: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ انتصبا على المفعول من أجله وقيل بل هما على الحال أي بطرين مرائين صادين وهذه الآية ولا تكونوا الخ نزلت في أبي جهل وأصحابه لما خرجوا لنصرة العير وكان ما كان من غزوة بدر والبطر في اللغة التقوى بنعم الله تعالى وما أشبه ذلك من العافية على المعاصي. قوله: (ويصدون) أي يمنعون النّاس بإضلالهم. قوله: (قال بعض العلماء الخ) قال المصنف في شرح مسلم قد جمع الله آداب القتال في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية اهـ. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) وأخرج النسائي والطبراني من غير ذكر القبة في بعض الطرق وفي بعضها في قبة بغير ضمير وفي رواية في قبة له ولم يذكر فبهما يوم بدر قال الحافظ وقد أشار الشيخ يعني المصنف إلى بعض هذا الاختلاف. قوله: (أنشُدك) هو بضم الشين المعجمة أي اسألك الوفاء بما عهدت ووعدت من الغلبة على الكفار والنصر لرسول الله ﷺ وإظهار الدين المحمدي قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية وهذا هو العهد وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ فهذا هو الوعد. قوله: (إن شئت لم تعبد بعد هذا اليوم) أي إن شئت لا تعبد بعد هذا اليوم أي بأن يسلطوا على

стр. 1573

أبو بكر ﵁ بيده فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ ــ المؤمنين قال الكرماني روي أنه ﷺ نظر إلى الكفار وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلثمائة وبضعة عبر فاستقبل القبلة وقال: اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فما زال كذلك حتى سقط رداؤه وأخذه أبو بكر ﵁ فألقاه على منكبيه فقال: يا نبي الله كفاك مناشدة ربك فإنه سينجز لك ما وعدك وهذا اللفظ الذي عبر عنه الكرماني بقوله: يروى الخ هو لفظ صحيح مسلم. فالتعبير بهذا اللفظ المؤذن بالتمريض فيه غير قويم قال المصنف قال العلماء هذه المناشدة إنما فعلها النبي ﷺ ليراه أصحابه بتلك الحالة فتتقوى قلوبهم بدعائه وتضرعه مع أن الدعاء عبادة وقد كان تعالى وعده إحدى الطائفتين إما العير وإما الجيش وكانت العير قد ذهبت وماتت فكان على ثقة من حصول الأخرى ولكن سأل تعجيل ذلك وتنجيزه من غير أذى يلحق المسلمين اهـ وقد بسط الخطابي فقال: قد يشكل معنى هذا الحديث على كثير وذلك إذا رأوا نبي الله ﷺ يناشد ربه في استنجاز الوعد وأبو بكر يستلزمه يتوهمون أن حال أبي بكر بالثقة إلى ربه والطمأنينة بوعده أرفع من حاله ﷺ وهذا لا يجوز قطعًا فالمعنى في مناشدته ﷺ وإلحاحه في الدعاء الشفقة على قلوب أصحابه وتقويهم إذ كان ذلك أول مشهد شهدوه في لقاء العدو وكانوا في قلة من العدد والعدد فابتهل بالدعاء وألح ليسكن ذلك ما في نفوسهم إذ كانوا يعلمون أن وسيلته مقبولة ودعوته مستجابة فلما قال له أبو بكر مقالته: كف عن الدعاء وعلم أنه قد استجيب دعاؤه بما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة حتى قال له ذلك القول ويدل عليه تمثله ﷺ بقوله تعالى: (﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وكان ﷺ في تلك الحالة في مقام الخوف وهو أكمل حالات الصلاة قال القسطلاني في المواهب اللدنية وجاز عنده ﷺ أن لا يقع النصر يومئذٍ لأن وعده النصر لم يكن معينًا لتلك الواقعة بل كان مجملًا هذا هو الذي يظهر اهـ. وأجاب السهيلي بقوله كان الصديق في تلك الساعة في مقام الرجاء والنبي ﷺ في مقام الخوف لأن الله يفعل ما يشاء فخاف أن لا يعبد الله في الأرض فخوفه ذلك

стр. 1574

أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦ - ٤٦]، وفي رواية "كان ذلك يوم بدر" هذا لفظ رواية البخاري. وأما لفظ مسلم فقال: استقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربه يقول: "اللهُم أنْجِزْ لي ما وَعدْتَنِي، اللهُم آتِ ما وَعَدْتَنِي، اللهم إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةَ مِنْ أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ" فما زال يهتف بربه ــ عبادة اهـ. والأول أولى لأنه إنما كان دعا شفقة على أصحابه قلت ثم رأيت القرطبي أشار في المفهم إليه واقتصر عليه فلله الحمد مع ما ينضم إليه من أداء حق مقام العبودية من التذلل والسؤال الذي هو وظيفة العبد وإن كان المسؤول معلوم الحصول وفيه تنبيه الأمة على دوام الالتجاء والافتقار إلى الله في كل حال من الرخاء والشدة وقد سبق في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ما له تعلق بذلك ولعل هذا من أحسن الوجوه والله أعلم. قوله: (وفي رواية) أي للبخاري وسبقت الإشارة إلى ذلك في أول الكلام. قوله: (ببدر) قال المصنف بدر هو الموضع الذي كانت فيه الغزوة العظمى المشهورة وهو ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة بينها وبين مكة قال ابن قتيبة بدر بئر كانت لرجل يسمى بدرًا فسميت باسمه قال أبو اليقظان كانت لرجل من غفار. قوله: (وأما رواية مسلم الخ) قال الحافظ ظاهر صنيعه أنه عند مسلم من مسند ابن عباس وليس كذلك إنما هو من مسند عمر من رواية ابن عباس ﵃. قوله: (واستقبل القبلة) أي لما رأى كثرة عدد الكفار وقلة عدد المسلمين كما تقدمت الإشارة إليه. قوله: (آت ما وعدتني) كذا في نسخة من الأذكار وفي نسخ مسلم أنجز لي ما وعدتني وكذلك شرح عليه المصنف وأورده الحافظ في إملائه وهو هكذا في نسخة مصححة من الأذكار أي ما وعدتني من النصر والظفر. قوله: (تهلك هذه العصابة) ضبط تهلك بفتح التاء وضمها فعلى الأول الأفصح في السلام الكسر وتفتح في لغة كما في تحفة القاري وعليهما هو برفع العصابة على أنها فاعل وعلى الثاني بنصبها على أنها مفعول والعصابة الجماعة

стр. 1575

مادًّا يديه حتى سقط رداؤه. قلت: يهتف بفتح أوله وكسر ثالثه، ومعناه: يرفع صوته بالدعاء. وروينا في "صحيحيهما" عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، أن رسول الله ﷺ -في بعض أيامه التي لقي فيها العدو- انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في النّاس قال: "أيها الناسُ لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسألوا اللهَ العافِيَةَ، ــ قال في المواهب وإنما قال ﷺ : هذا الكلام لأنه علم أنه خاتم النبيين فلو هلك ﷺ ومن معه حينئذٍ لا يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان اهـ. لكن استشكل بأنه لا يلزم من هلاك من معه ببدر ألا يعبد لوجود جملة من المسلمين بالمدينة ومكة وغيرهما من البلاد قال القرطبي: وأجيب باحتمال أنه قال ذلك عن وحي أوحي إليه فمن الجائز أن يكون هلاك تلك العصابة في ذلك الوقت سببًا لفتنة غيرهم فلا يبقى مؤمن على الأرض يعبد الله فنقطع العبادة اهـ أو يقال ليس المراد من العصابة الحاضرين ببدر فقط بل هم وغيرهم من أهل الإيمان وسمي الجميع عصابة لقلتهم بالنسبة إلى كثرة عدوهم وكأنه ﷺ لما علم أن لا نبي بعده وقدر في نفسه الهلاك عليه وعلى كل من آمن به ونظر إلى سنة الله في العبادات أن لا تتلقى إلا من جهة الأنبياء لزم من ذلك نفي العبادة جزمًا قال القرطبي وهذا أحسن الوجوه قلت والظاهر أنه مراد القسطلاني لكن في كلامه إجمال والله أعلم بحقيقة الحال. قوله: (يهتف بفتح أوله الخ) قال المصنف في شرح مسلم أي يصيح ويستغيث بالدعاء وفي الحديث استحباب الاستقبال في الدعاء ورفع اليدين فيه وأنه لا بأس برفع الصوت في الدعاء. قوله: (وروينا في صحيحهما الخ) وكذا رواه أحمد قال الحافظ وأبو داود كما في السلاح. قوله: (لا تتمنوا لقاء العدو) قال الحافظ في الفتح قال ابن بطال حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر وهو نظير سؤال العافية من الفتن وقد قال الصديق لأن أعافى وأشكر أحب إلي من أن أبتلى وأصبر وقال غيره إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال

стр. 1576

فَإذَا لَقِيتُمُوهُم فاصْبِرُوا، ــ على القوي والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو وكل ذلك مباين للاحتياط والأخذ بالحزم زاد المصنف وهو نوع بغي وقد وعد الله من بغى عليه أن ينصره اهـ. وقيل يحتمل النهي على ما وقع الشك فيه في المصلحة أو حصول الضرر وإلا فهو فضيلة ويؤيد الأول تعقيب النهي بقوله واسألا الله العافية اهـ. قال المصنف وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع الآفات في البدن في الباطن والظاهر في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العافية لي ولأحبابي ولجميع المسلمين وقال ابن دقيق العيد لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفس وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة لم يؤمن أن لا يكون عند الوقوع كما ينبغي فكره التمني لذلك ولما فيه إن وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه ثم أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة اهـ قال في المفهم أو وجه النهي ما يخاف من إدالة العدو على المسلمين من ظفره بهم وقد ذكر في هذا الحديث وإنهم ينصرون كما تنصرون وقيل لما يؤدى إليه من إذهاب حياة النفوس التي يزيد بها المؤمن خيرًا ويرجى للكافر فيها أن يرجع لا يقال لقاء العدو وقتاله طاعة يحصل منه إما الظفر بالعدو وإما الشهادة فكيف نهى عن تمنيه وقد حض الشارع على طلب الشهادة لأنا نقول لقاء العدو وإن كان جهادًا وطاعة ومحصلًا لأحد الأمرين فلم ينه عن تمنيه لأحد ذينك الأمرين إنما نهى عن تمنيه لأحد الأوجه السابقة ثم هو ابتلاء وامتحان لا يعرف عماذا تسفر عاقبته وقد تحصل غنيمة ولا شهادة بل ضد ذلك وتحرير ذلك أن تمني لقاء العدو المنهي عنه غير تمني الشهادة المرغب فيه لأنه قد يحصل اللقاء ولا تحصل الشهادة ولا الغنيمة فانفصلا اهـ. وأخذ منه الحسن البصري منع طلب المبارزة وكان علي ﵁ يقول: لا تدع إلى المبارزة فإن دعيت إليها فأجب تنصر لأن الداعي باغ لكن قال ابن المنذر: اجمع العلماء على جواز المبارزة والدعوة إليها. قوله: (لقيتموهم) أي العدو وهو يطلق على المفرد والجمع (فاصبروا) على قتالهم ولا تجنبوا عن حربهم فإنه تعالى

стр. 1577

واعْلَمُوا أنَّ الجنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيوف"، ثم قال: "اللهُم مُنْزِلَ الكِتابِ، ومُجْرِي السَّحاب، وهازِمَ الأحْزابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنا عَلَيْهِمْ" وفي رواية: "اللهم مُنْزِل الكِتاب، سَرِيع الحِساب، ــ مع الصابرين بالمعونة ففيه الحث على الصبر في القتال وهو أحد أركانه وقد سبقت الآية الجامعة لآدابه أول الباب. قوله: (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) في المفهم هذا من الكلام النفيس البديع الجامع لضروب البلاغة من جزالة اللفظ وعذوبته وحسب استعارته وشمول المعاني الكثيرة مع الألفاظ اليسيرة الوجيزة بحيث تعجز الفصحاء اللسن البلغاء عن إبداء مثله وأن يأتوابنظيره وشكله فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد والإخبار بالثواب عليه والحض على مقاربة العدو واستعمال السيوف والاعتماد عليها واجتماع المقاتلين حين الزحف بعضهم لبعض حتى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدو وبعضها يرتفع عليهم حتى كأن السيوف أظلت الضاربين بها ويعني أن الضارب بالسيف في سبيل الله تعالى يدخل الجنة بذلك كما جاء في الحديث الآخر الجنة تحت اقدام الأمهات أي من أبر بأمه وقام بحقها دخل الجنة اهـ. قوله: (منزل الكتاب) بالتخفيف وبجوز تشديده والكتاب يجوز أن يراد به القرآن ويجوز أن يراد به الجنس فيشمل سائر الكتب الإلهية المنزلة إلى الدنيا. قوله: (الأحزاب) جمع حزب وهم الجمع والقطعة من النّاس وسبق في أذكار السعي أن المراد بهم الكفار الذين تحزبوا عليه ﷺ فحفر من أجلهم الخندق ونصر عليهم بالصبا وأنزل الله جنود لم يرها المؤمنون وكفى الله المؤمنين القتال وسيأتي له مزيد إن شاء الله تعالى في باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وتسبيحه إذا هبط الأودية. قوله: (اهزمهم) بكسر الزاي أي اغلبهم والضمير للأعداء الموجودين حينئذٍ. قوله: (وفي رواية) أي في الصحيحين عن عبد الله ابن أبي أوفى المذكور في الرواية قبله وهي كذلك عند أحمد كما قاله الحافظ. قوله: (سريع الحساب) قال القرطبي في المفهم وصف بذلك لأنه يعلم الأعداد المتناهية وغيرها في آن واحد فلا يحتاج في ذلك إلى فكر ولا

стр. 1578

اهْزِم الأحْزَابَ، اللهم اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ". وروينا في "صحيحيهما" عن أنس ﵁ قال: صبح النبي ﷺ خيبر، فلما رأوه قالوا: ــ عقد كما يفعله الحساب منا اهـ. ونقل هذا القول تلميذه في التفسير الكبير ثم قال: قال الحسين: حسابه أسرع من لمح البصر وفي الخبر أن الله تعالى يحاسب في قدر حلب شاة وقيل: المعنى لا يشغله شأن عن شأن فيحاسبهم في حالة واحدة كما قال تعالى ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وقيل لعلي ﵁: كيف يحاسب الله الخلق يوم القيامة قال كما يرزقهم في يوم ومعنى الحساب تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيرهم إياها بما قد نسوه قال تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ اهـ. ملخصًا. قوله: (اللهم اهزم الأحزاب الخ) أي زلزل أقدامهم وثبت أقدامنا وقيل: أزعجهم وحركهم بالشدائد وفي النهاية الزلزلة في الأصل الحركة العظيمة والإزعاج الشديد ومنه زلزلت الأرض وهو كناية عن التخويف والتحذير أي اجعل أمرهم مضطربًا متقلقلًا غير ثابت وفي الحديث استعمال السجع في الدعاء قال المصنف هو وغيره دليل لما قاله العلماء إن السجع المذموم في الدعاء هو المتكلف فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب أما ما حصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظًا فلا بأس به بل هو حسن اهـ. وقال الغزالي المكروه من السجع هو المتكلف لأنه لا يلائم الضراعة والذلة وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازنة لكنها غير متكلفة وكذا قال الحافظ في الفتح فيما رواه البخاري من قول ابن عباس لعكرمة وانظر السجع من الدعاء واجتنبه فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك قال: فقوله فاجتنبه أي لا تقصد إليه ولا تشغل فكرك به لما فيه من التكلف المانع للخشوع المطلوب في الدعاء وقال ابن التين المراد بالنهي المستكره منه وقال الداودي الاستكثار منه وقال في قوله لا يفعلون إلا ذلك أي ترك السجع وفي رواية لا يفعلون ذلك بإسقاط إلا وهو واضح وكذا أخرجه البزار ولا يرد على ذلك ما وقع في الأحاديث الصحيحة لأنه كان يصدر عن غير قصد إليه ولأجل ذلك يجيء في دعائه الانسجام اهـ. قوله: (وروينا في صحيحيهما الخ) وأخرجه الترمذي

стр. 1579

محمدٌ والخميسُ، فلجؤوا إلى الحصن، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: "اللهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذا نَزَلْنَا بِساحَةِ قَوْم فَسَاءَ صَباحُ المُنْذَرينَ". وروينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثِنْتانِ لا تُرَدَّانِ -أو قَلَّما تُردَّانِ- الدُّعاءُ عِنْدَ النَّداءِ، وَعِنْدَ البأسِ حِينَ يُلْجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضا". قلت: في بعض النسخ المعتمدة "يلحم" بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهر. ــ وابن ماجه كما في الحصن ومالك وأحمد مطولًا كما قاله الحافظ. قوله: (محمد والخميس) هو الجيش كما وقع في نسخة من الأذكار وقد فسره به في البخاري قال سمي خميسًا لأنه خمسة أقسام ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة وقلب قال القاضي رويناه برفع الخميس عطفًا على قوله محمد وبنصبه على أنه مفعول معه اهـ. قوله: (الله أكبر) فيه استحباب التكبير عند لقاء العدو. قوله: (خربت خيبر) بكسر الراء جملة خبرية مبني دعائية معنى قال القاضي: تفاءل ﷺ بخرابها لما رآه في أيديهم من آلة الخرب من الفؤوس والمساحي وغيرها وقيل أخذه من اسمها والأصح أنه أعلمه الله بذلك كذا قاله المصنف في شرح مسلم. قوله: (بساحة قوم) أي بفنائهم والعرب تكني بذكر الساحة عن القوم. قوله: (فساء صباح المنذرين) أي فبئس صباح من أنذر بالعذاب فلم يؤمن ومنه إباحة القتل في الدنيا والصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب ولما كثر فيهم الهجوم والغارة في الصباح سموا الغارة صباحًا وإن وقعت في وقت آخر قال المصنف ففيه جواز الاستشهاد في مثل هذا السياق بالقرآن في الأمور المحققة وقد جاء لهذا نظائر كثيرة ومنه ما جاء في فتح مكة جعل ﷺ يطعن الأصنام يقول جاء الحق وزهق الباطل وما يبدي الباطل وما يعيد قال العلماء ويكره من ذلك ما كان على ضرب الأمثال في المحاورات والمزاح ولغو الحديث فيكره ذلك تعظيمًا للقرآن. قوله: (وروينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود الخ) تقدم

стр. 1580

وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أنس ﵁ قال: كان - رسول الله ﷺ إذا غزا قال: "اللهُم أنْتَ عَضُدِي وَنَصِيري، بِكَ أحُولُ، وَبِكَ أصُولُ، وبِكَ أُقاتِلُ". قال الترمذي: حديث حسن. قلت: معنى عَضُدِي: عوني. قال الخطابي: معنى أحُول: أحتال. قال: وفيه وجه آخر، وهو أن يكون معناه: المنع والدفع، من قولك: حال بين الشيئين: إذا منع أحدهما من الآخر، ــ الكلام على ما يتعلق به سندًا ومتنًا في باب الدعاء عند الأذان. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) قال في الجامع الصغير ورواه ابن ماجه وأحمد وابن حبان والضياء كلهم عن أنس زاد الحافظ وأخرجه الطبراني في الدعاء وقال قوله بك أجول وبك أصول لم يقع في رواية غير أبي داود ممن ذكر وقد أخرجه عنه أبو عوانة بالزيادة ووقع بمعنى هذه الزيادة في حديث صهيب عند النسائي بلفظ أحاول وأصاول وفي حديث ابن عباس بلفظها عند الطبراني وفي آخره ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ووجدت في مسند الحارث من طريق أبي مجلز عن أنس مثل هذا الحديث بدون هذه الزيادة اهـ. قوله: (عضدي) بفتح فضم أي قوتي أو ناصري ومعيني وفي القاموس العضد بالفتح وبالضم وبالكسر وككتف ويدين وعنق ما بين المرفق إلى الكتف والعضد الناحية والناصر والمعين وهم عضدي وأعضادي (ونصيري) أي ناصري كما في رواية فهو عطف تفسير على التفسير الثاني لعضدي. قوله: (بك أحول) أي بقوتك وقدرتك أحول. قوله: (وأصول) من الصولة وهي السطوة ومنه الجمل الصائل. قوله: (معنى أحول الخ) وقيل معناه أتحرك وأتصرف وأجول ومعنى أحاول الواقع في رواية النسائي أعالج الأعداء وأدافعهم وهو للمبالغة. قوله: (قال الترمذي حديث حسن) لفظه حديث حسن غريب وقال الحافظ بعد تخريجه إنه حديث صحيح أخرجه أبو داود
следующие страницы →