← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فَإذَا لَقِيتُمُوهُم فاصْبِرُوا، ــ على القوي والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو وكل ذلك مباين للاحتياط والأخذ بالحزم زاد المصنف وهو نوع بغي وقد وعد الله من بغى عليه أن ينصره اهـ. وقيل يحتمل النهي على ما وقع الشك فيه في المصلحة أو حصول الضرر وإلا فهو فضيلة ويؤيد الأول تعقيب النهي بقوله واسألا الله العافية اهـ. قال المصنف وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع الآفات في البدن في الباطن والظاهر في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العافية لي ولأحبابي ولجميع المسلمين وقال ابن دقيق العيد لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفس وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة لم يؤمن أن لا يكون عند الوقوع كما ينبغي فكره التمني لذلك ولما فيه إن وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه ثم أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة اهـ قال في المفهم أو وجه النهي ما يخاف من إدالة العدو على المسلمين من ظفره بهم وقد ذكر في هذا الحديث وإنهم ينصرون كما تنصرون وقيل لما يؤدى إليه من إذهاب حياة النفوس التي يزيد بها المؤمن خيرًا ويرجى للكافر فيها أن يرجع لا يقال لقاء العدو وقتاله طاعة يحصل منه إما الظفر بالعدو وإما الشهادة فكيف نهى عن تمنيه وقد حض الشارع على طلب الشهادة لأنا نقول لقاء العدو وإن كان جهادًا وطاعة ومحصلًا لأحد الأمرين فلم ينه عن تمنيه لأحد ذينك الأمرين إنما نهى عن تمنيه لأحد الأوجه السابقة ثم هو ابتلاء وامتحان لا يعرف عماذا تسفر عاقبته وقد تحصل غنيمة ولا شهادة بل ضد ذلك وتحرير ذلك أن تمني لقاء العدو المنهي عنه غير تمني الشهادة المرغب فيه لأنه قد يحصل اللقاء ولا تحصل الشهادة ولا الغنيمة فانفصلا اهـ. وأخذ منه الحسن البصري منع طلب المبارزة وكان علي ﵁ يقول: لا تدع إلى المبارزة فإن دعيت إليها فأجب تنصر لأن الداعي باغ لكن قال ابن المنذر: اجمع العلماء على جواز المبارزة والدعوة إليها. قوله: (لقيتموهم) أي العدو وهو يطلق على المفرد والجمع (فاصبروا) على قتالهم ولا تجنبوا عن حربهم فإنه تعالى

стр. 1577

واعْلَمُوا أنَّ الجنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيوف"، ثم قال: "اللهُم مُنْزِلَ الكِتابِ، ومُجْرِي السَّحاب، وهازِمَ الأحْزابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنا عَلَيْهِمْ" وفي رواية: "اللهم مُنْزِل الكِتاب، سَرِيع الحِساب، ــ مع الصابرين بالمعونة ففيه الحث على الصبر في القتال وهو أحد أركانه وقد سبقت الآية الجامعة لآدابه أول الباب. قوله: (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) في المفهم هذا من الكلام النفيس البديع الجامع لضروب البلاغة من جزالة اللفظ وعذوبته وحسب استعارته وشمول المعاني الكثيرة مع الألفاظ اليسيرة الوجيزة بحيث تعجز الفصحاء اللسن البلغاء عن إبداء مثله وأن يأتوابنظيره وشكله فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد والإخبار بالثواب عليه والحض على مقاربة العدو واستعمال السيوف والاعتماد عليها واجتماع المقاتلين حين الزحف بعضهم لبعض حتى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدو وبعضها يرتفع عليهم حتى كأن السيوف أظلت الضاربين بها ويعني أن الضارب بالسيف في سبيل الله تعالى يدخل الجنة بذلك كما جاء في الحديث الآخر الجنة تحت اقدام الأمهات أي من أبر بأمه وقام بحقها دخل الجنة اهـ. قوله: (منزل الكتاب) بالتخفيف وبجوز تشديده والكتاب يجوز أن يراد به القرآن ويجوز أن يراد به الجنس فيشمل سائر الكتب الإلهية المنزلة إلى الدنيا. قوله: (الأحزاب) جمع حزب وهم الجمع والقطعة من النّاس وسبق في أذكار السعي أن المراد بهم الكفار الذين تحزبوا عليه ﷺ فحفر من أجلهم الخندق ونصر عليهم بالصبا وأنزل الله جنود لم يرها المؤمنون وكفى الله المؤمنين القتال وسيأتي له مزيد إن شاء الله تعالى في باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وتسبيحه إذا هبط الأودية. قوله: (اهزمهم) بكسر الزاي أي اغلبهم والضمير للأعداء الموجودين حينئذٍ. قوله: (وفي رواية) أي في الصحيحين عن عبد الله ابن أبي أوفى المذكور في الرواية قبله وهي كذلك عند أحمد كما قاله الحافظ. قوله: (سريع الحساب) قال القرطبي في المفهم وصف بذلك لأنه يعلم الأعداد المتناهية وغيرها في آن واحد فلا يحتاج في ذلك إلى فكر ولا

стр. 1578

اهْزِم الأحْزَابَ، اللهم اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ". وروينا في "صحيحيهما" عن أنس ﵁ قال: صبح النبي ﷺ خيبر، فلما رأوه قالوا: ــ عقد كما يفعله الحساب منا اهـ. ونقل هذا القول تلميذه في التفسير الكبير ثم قال: قال الحسين: حسابه أسرع من لمح البصر وفي الخبر أن الله تعالى يحاسب في قدر حلب شاة وقيل: المعنى لا يشغله شأن عن شأن فيحاسبهم في حالة واحدة كما قال تعالى ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وقيل لعلي ﵁: كيف يحاسب الله الخلق يوم القيامة قال كما يرزقهم في يوم ومعنى الحساب تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيرهم إياها بما قد نسوه قال تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ اهـ. ملخصًا. قوله: (اللهم اهزم الأحزاب الخ) أي زلزل أقدامهم وثبت أقدامنا وقيل: أزعجهم وحركهم بالشدائد وفي النهاية الزلزلة في الأصل الحركة العظيمة والإزعاج الشديد ومنه زلزلت الأرض وهو كناية عن التخويف والتحذير أي اجعل أمرهم مضطربًا متقلقلًا غير ثابت وفي الحديث استعمال السجع في الدعاء قال المصنف هو وغيره دليل لما قاله العلماء إن السجع المذموم في الدعاء هو المتكلف فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب أما ما حصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظًا فلا بأس به بل هو حسن اهـ. وقال الغزالي المكروه من السجع هو المتكلف لأنه لا يلائم الضراعة والذلة وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازنة لكنها غير متكلفة وكذا قال الحافظ في الفتح فيما رواه البخاري من قول ابن عباس لعكرمة وانظر السجع من الدعاء واجتنبه فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك قال: فقوله فاجتنبه أي لا تقصد إليه ولا تشغل فكرك به لما فيه من التكلف المانع للخشوع المطلوب في الدعاء وقال ابن التين المراد بالنهي المستكره منه وقال الداودي الاستكثار منه وقال في قوله لا يفعلون إلا ذلك أي ترك السجع وفي رواية لا يفعلون ذلك بإسقاط إلا وهو واضح وكذا أخرجه البزار ولا يرد على ذلك ما وقع في الأحاديث الصحيحة لأنه كان يصدر عن غير قصد إليه ولأجل ذلك يجيء في دعائه الانسجام اهـ. قوله: (وروينا في صحيحيهما الخ) وأخرجه الترمذي

стр. 1579

محمدٌ والخميسُ، فلجؤوا إلى الحصن، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: "اللهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذا نَزَلْنَا بِساحَةِ قَوْم فَسَاءَ صَباحُ المُنْذَرينَ". وروينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثِنْتانِ لا تُرَدَّانِ -أو قَلَّما تُردَّانِ- الدُّعاءُ عِنْدَ النَّداءِ، وَعِنْدَ البأسِ حِينَ يُلْجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضا". قلت: في بعض النسخ المعتمدة "يلحم" بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهر. ــ وابن ماجه كما في الحصن ومالك وأحمد مطولًا كما قاله الحافظ. قوله: (محمد والخميس) هو الجيش كما وقع في نسخة من الأذكار وقد فسره به في البخاري قال سمي خميسًا لأنه خمسة أقسام ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة وقلب قال القاضي رويناه برفع الخميس عطفًا على قوله محمد وبنصبه على أنه مفعول معه اهـ. قوله: (الله أكبر) فيه استحباب التكبير عند لقاء العدو. قوله: (خربت خيبر) بكسر الراء جملة خبرية مبني دعائية معنى قال القاضي: تفاءل ﷺ بخرابها لما رآه في أيديهم من آلة الخرب من الفؤوس والمساحي وغيرها وقيل أخذه من اسمها والأصح أنه أعلمه الله بذلك كذا قاله المصنف في شرح مسلم. قوله: (بساحة قوم) أي بفنائهم والعرب تكني بذكر الساحة عن القوم. قوله: (فساء صباح المنذرين) أي فبئس صباح من أنذر بالعذاب فلم يؤمن ومنه إباحة القتل في الدنيا والصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب ولما كثر فيهم الهجوم والغارة في الصباح سموا الغارة صباحًا وإن وقعت في وقت آخر قال المصنف ففيه جواز الاستشهاد في مثل هذا السياق بالقرآن في الأمور المحققة وقد جاء لهذا نظائر كثيرة ومنه ما جاء في فتح مكة جعل ﷺ يطعن الأصنام يقول جاء الحق وزهق الباطل وما يبدي الباطل وما يعيد قال العلماء ويكره من ذلك ما كان على ضرب الأمثال في المحاورات والمزاح ولغو الحديث فيكره ذلك تعظيمًا للقرآن. قوله: (وروينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود الخ) تقدم

стр. 1580

وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أنس ﵁ قال: كان - رسول الله ﷺ إذا غزا قال: "اللهُم أنْتَ عَضُدِي وَنَصِيري، بِكَ أحُولُ، وَبِكَ أصُولُ، وبِكَ أُقاتِلُ". قال الترمذي: حديث حسن. قلت: معنى عَضُدِي: عوني. قال الخطابي: معنى أحُول: أحتال. قال: وفيه وجه آخر، وهو أن يكون معناه: المنع والدفع، من قولك: حال بين الشيئين: إذا منع أحدهما من الآخر، ــ الكلام على ما يتعلق به سندًا ومتنًا في باب الدعاء عند الأذان. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) قال في الجامع الصغير ورواه ابن ماجه وأحمد وابن حبان والضياء كلهم عن أنس زاد الحافظ وأخرجه الطبراني في الدعاء وقال قوله بك أجول وبك أصول لم يقع في رواية غير أبي داود ممن ذكر وقد أخرجه عنه أبو عوانة بالزيادة ووقع بمعنى هذه الزيادة في حديث صهيب عند النسائي بلفظ أحاول وأصاول وفي حديث ابن عباس بلفظها عند الطبراني وفي آخره ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ووجدت في مسند الحارث من طريق أبي مجلز عن أنس مثل هذا الحديث بدون هذه الزيادة اهـ. قوله: (عضدي) بفتح فضم أي قوتي أو ناصري ومعيني وفي القاموس العضد بالفتح وبالضم وبالكسر وككتف ويدين وعنق ما بين المرفق إلى الكتف والعضد الناحية والناصر والمعين وهم عضدي وأعضادي (ونصيري) أي ناصري كما في رواية فهو عطف تفسير على التفسير الثاني لعضدي. قوله: (بك أحول) أي بقوتك وقدرتك أحول. قوله: (وأصول) من الصولة وهي السطوة ومنه الجمل الصائل. قوله: (معنى أحول الخ) وقيل معناه أتحرك وأتصرف وأجول ومعنى أحاول الواقع في رواية النسائي أعالج الأعداء وأدافعهم وهو للمبالغة. قوله: (قال الترمذي حديث حسن) لفظه حديث حسن غريب وقال الحافظ بعد تخريجه إنه حديث صحيح أخرجه أبو داود

стр. 1581

فمعناه: لا أمنع ولا أدفع إلا بك. وروينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود والنسائي عن أبي موسى الأشعري ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: "اللهُم إنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِك مِنْ شُرُورِهِمْ". وروينا في كتاب الترمذي عن عُمارة بن زَعْكَرَةَ ﵁ قال: ــ والترمذي وابن حبان الخ. قوله: (وروينا بالإسناد الصحيح الخ) سبق الكلام على ما يتعلق به متنًا وإسنادًا في باب ما يقول إذا خاف قومًا. قوله: (وروينا في كتاب الترمذي الخ) قال الحافظ وأخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة بإسناد الترمذي. قوله: (عن عمارة بن زعكرة) ضبط الشيخ زعكرة قال الحافظ وهو أزدي وقيل: مازني وقيل: كندي ولا يعرف له إلا هذا الحديث قال ابن عبد البر وعمارة يكنى أبا عدي سمع رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي) الخ روى عنه عبد الرحمن بن عائذ اليحصبي. قوله: (إن الله تعالى يقول) فيه دليل لعدم كراهة استعمال ذلك ونقل عن بعض السلف كراهة ذلك وإنما يقال قال الله ورد بقوله تعالى: (وَاللهُ يَقُولُ الحَق) وهذا الحديث من الأحاديث القدسية وهي التي جاءت عن الله تعالى وهي أكثر من مائة حديث وقد جمعها بعضهم في جزء كبير والفرق بينه وبين الوحي المتلو أي القرآن أن القرآن أشرف الكلام المضاف إليه تعالى ليميزه عن غيره بإعجازه من أوجه مذكورة في الشفاء وغيره وكونه معجزة باقية على ممر الدهور محفوظة من التغيير والتبديل وتحريم مسه للمحدث وتلاوته لنحو الجنب وروايته بالمعنى وتعينه في الصلاة وبتسميته قرآنًا وبأن كل حرف منه بعشرة ثوابًا وبامتناع بيعه في رواية عن أحمد وكراهيته عندنا وبتسمية الجملة منه آية وسورة وغيره من باقي الكتب المضافة إليه تعالى والأحاديث القدسية لا يثبت لها شيء من ذلك فيجوز مسه وتلاوته لمن ذكر وروايته بالمعنى ولا يجزئ في الصلاة بل يبطلها ولا يسمى قرآنًا ولا يعطي قارئه بكل حرف عشرًا ولا يمنع ولا يكره بيعه اتفاقًا ولا يسمى بعضه آية ولا سورة أيضًا ثم الحديث القدسي وهو ما نقل إلينا آحادا عنه ﷺ -

стр. 1582

سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن اللهَ تَعالى يَقُولُ: إنّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي، الذِي يَذْكُرُني وَهُوَ مُلاقٍ قِرْنَهُ" يعني عند القتال. قال الترمذي: ليس إسناده بالقوي. قلت: زعكرة بفتح الزاي والكاف وإسكان العين ــ مع إسنادها لها عن ربه من كلامه تعالى فيضاف إليه تعالى وهو الأغلب ونسبته إليه حينئذٍ نسبة إنشاء لأنه المتكلم به أولًا وقد يضاف إلى النبي ﷺ لأنه المخبر به عن الله تعالى بخلاف القرآن فلا يضاف إلا إليه تعالى فيقال فيه قال الله تعالى ويقال في الحديث القدسي قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه وهي عبارة السلف وهي أولى وقال تعالى فيما روى عنه نبيه ﷺ والمعنى واحد وهذا مما ينجغي أن يحفظ لنفاسته وعموم الحاجة إليه والله أعلم. قوله: (إن عبدي كل إن عبدي) أي الحائز من وصف العبودية الكمال فهو نظير قولهم أنت الرجل علمًا أي الجامع لأوصاف الكمال المتفرقة في الرجال قال الشاعر: وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم واحد قوله: (قرنه) بكسر القاف أي كفوه كما في الصحاح وإنما كان كذلك لأن ذكره الله تعالى في ذلك الحال لا يكون إلا عن قوة المعرفة ونفاذ البصيرة وتقدم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال قتادة افترض الله ذكره على عباده أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف وحكم هذا الذكر أن يكون خفيا لأن رفع الصوت في مواطن القتال روي مكروه إذا كان العائط واحدًا أما إذا كان عن الجمع عند الحملة فحسن لأنه يفت في أعضاد العدو كذا في تفسير القرطبي. قوله: (قال الترمذي ليس إسناده بالقوي) قال الحافظ فيه إنه حديث حسن غريب قال: يريد بقوله ليس إسناده الخ ضعف عفير لكن وجدت له شاهدًا قويًّا مع إرساله أخرجه البغوي

стр. 1583

المهملة بينهما. وروينا في كتاب ابن السني عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم حُنين: "لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، فإنَّكُمْ لا تَدْرُونَ ما تُبْتَلَوْن بهِ مِنْهُمْ، فإذا لَقِيتُمُوهُمْ فَقُولُوا: اللهُم أنْتَ ربُّنا وَرَبُّهُمْ، وَقُلُوبُنا وَقُلُوبُهُمْ بِيَدِكَ، وإنَّمَا يَغْلِبُهُمْ أنْت". وروينا في الحديث الذي قدمناه عن كتاب ابن السني عن أنس ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ في غزوة، فلقي العدوّ، فسمعته يقول: "يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، ــ من طريق جبير بن نفير قال: قال الله تعالى فذكره فلذلك قلت: حسن وقوله غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه غرابته من جهة تفرد عفير بوصله وإلا فقد وجد من وجه آخر وعفير بعين مهملة ففاء فتحية فراء مصغرًا واسمه عثمان بن عبيد والله أعلم. قوله: (وروينا في كتاب ابن السني الخ) ولفظ الحديث عن جابر لما كان يوم خيبر بعث رسول الله ﷺ رجلًا يخبره فجاء محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله ما رأيت كاليوم قط قتل أخي فقال ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون ما تبتلون به منهم فإذا لقيتموهم فقولوا أنت ربنا وربهم ونواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تغلبهم أنت" ثم ذكر بقية الحديث هكذا أسنده الحافظ عن الطبراني وقال أخرجه ابن السني ووقع في النسخة يوم حنين بالمهملة المضمومة والنون وهو تصحيف قديم لأن أخا محمد بن مسلمة واسمه محمود إنما قتل بخيبر اتفاقًا وعند أحمد والطبراني من حديث أبي هريرة: لا تتمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون ما يكون من ذلك وهذا شاهد لحديث أنس المذكور اهـ وسبق ما يتعلق بمعنى الحديث في أول الباب. قوله: (وإنما تغلبهم أنت) أي ليس الغلب بالكثرة ولا بالقوة قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قوله: (وروينا في الحديث الذي قدمناه) أي في باب ما يقول إذا نظر إلى عدوه. قوله: (عن أنس) سبق عن الحافظ أن فيه وهمًا وهو أنه من رواية أنس عن أبي طلحة عند ابن السني وكان أذكر أبي طلحة سقط عند المصنف. قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أي يوم القيامة

стр. 1584

إياكَ نَعْبُدُ وإيَّاك نَسْتعِينُ، فلقد رأيت الرجال تصرع تضربها الملائكة من بين أيديها ومن خلفها. وروى الإِمام الشافعي ﵀ في "الأم" بإسناد مرسل عن النبيّ ﷺ قال: اطْلُبُوا اسْتِجَابَة الدُّعاءِ عِنْدَ الْتِقاءِ الجُيُوشِ، وَإقَامَةِ الصلاةِ، وَنُزُولِ الغَيثِ". قلت: ويسحبُّ استحبابًا متأكدًا أن يقرأ ما تيسر له من القرآن، وأن يقول دعاء الكرب الذي قدَّمنا ذِكْره. وأنه في "الصحيحين" "لا إله إلا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إله إلَّا اللهُ رَب العَرْشِ العَظِيمِ، لا إلهَ إلَّا الله ربُّ السموَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ". ويقول ما قدمناه هناك في الحديث الآخَر: "لا إلهَ إلَّا اللهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ الله رب السموَات السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إلهَ إلَّا أنْتَ، عَزَّ جارُكَ وَجَل ثنَاؤْكَ". ويقول ما قدمناه في ــ وخص بالذكر مع أنه تعالى مالك كل زمان للتنبيه على عظم ذلك اليوم لما يقع فيه. قول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾) أي لا غير أي أفردك بالعبادة ولا أقصد بها سواك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي أسأل منك وحدك العون فأنت نعم المعين. قوله: (فلقد رأيت الرجال تضربها الملائكة الخ) سبق في الباب السابق عن بعضهم أن الملائكة لم تقاتل معه ﷺ إلا في بدر وحنين وباقي المغازي تشهدها ولا تقاتل فيها لكن في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص ما يقتضي أنها قاتلت في يوم أحد أيضًا والله أعلم ثم قوله تضر بها الملائكة يحتمل أن يكون المراد منه القتل على سبيل الاستعارة التبعية ويحتمل أن يكون المراد تثبيط العدو وإبطال شأنه كما نزل في قوله تعالى في وقعة الأحزاب ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ فأزعجت الأحزاب ورجعوا فارين ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال وَكَانَ اللَّهُ قَويًّا عَزِيزًا﴾ والله أعلم بحقيقة الحال وقوله (تصرع) يؤيد الأول. قوله: (وروى الشافعي في الأم الخ) تقدم ما يتعلق به سندًا ومتنًا في آخر باب صلاة الاستسقاء. قوله: (ويستحب استحبابًا مؤكدا الخ) أي لأنه أفضل الذكر المأمور بالإكثار منه لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قوله: (وأن يقول دعاء الكرب) تقدم

стр. 1585

الحديث الآخر: "حَسْبُنا اللهُ ونعْمَ الوَكِيلُ". ويقول: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله العَلي العظِيمِ، ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلَّا بالله، اعْتَصَمْنا بالله، اسْتَعَنَّا بالله، تَوَكَّلْنا على الله". ويقول: "حَصَّنْتَنا كُلَّنا أجمَعينَ بالحَي القَيُّوم الَّذِي لا يَمُوتُ أبَدًا، وَدَفَعْت عَنا السَّوءَ بلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العَلي العَظِيم". ويقول: "يا قديمَ الإحْسانِ، ــ الكلام عليه إسنادًا ومتنًا في باب دعاء الكرب. قوله: (ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله الخ) يعني به ما قدمناه في حديث سعد بن أبي وقاص السابق في باب فصل الذكر قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله علمني كلامًا أقوله قال: قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له الله أكبر كبيرًا والحمد الله كثيرًا وسبحان الله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما كما سبق مع ما يتعلق به في الباب المذكور وسبق في باب ما يقول إذا وقع في ورطة حديث على مرفوعًا إذا وقعت في ورطة فقل بسم الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم رواه الطبراني وابن السني بسند ضعيف. قوله: (ما شاء الله ولا قوة إلا بالله) سبق الكلام على ما يتعلق بمتنه في باب ما يقال لدفع الآفات وعلى سنده في باب ما يقول إذا انقض الكوكب قال الحافظ في الكلام على هذا الذكر إلى آخر ما في الباب قلت: أكثرها مقطوعة وتقدم من المرفوع أشياء في دعاء الكرب وغيره. قوله: (اعتصمنا بالله) أي استمسكنا به واعتمدنا عليه. قوله: (توكلنا على الله) أي اكتفينا بتدبيره عن كل التدبير واعتمدنا عليه في النقير والقطمير. قوله: (حصنتنا كلنا) بضم التاء من حصنت ولم يتحد الفاعل والمفعول إذا الفاعل هو المتكلم والمفعول هو وغيره فلا يقال هذا مخالف لما استقر أن من خواص أفعال القلوب جواز اتحاد فاعلها ومفعولها نحو رأيتني وكلنا بالنصب تأكيد ضمير المفعول. قوله: (بالحي القيوم) أي القائم بأمر السموات والأرض وما بينهما أي ومن كان كذلك فحصنه منيع وأمنه رفيع. قوله: (يا قديم الإحسان) أي لا أولية لصفاته كما لا آخر لها لأن الأولية والآخرية من أوصاف الحادث وهو ما عدا الصانع وأوصافه هذا إن أريد بالإحسان إرادته وإن أريد منه الفعل أو الأثر أي المنعم به فمعنى قدمه مجيئه كذلك على الدوام فيما مضى من الليالي والأيام فما من لحظة إلا وله ألوف من النعم وصنوف

стр. 1586

يا مَنْ إحْسانُهُ فَوْقَ كُل إحْسانٍ، يا مالِكَ الدُّنيا والآخِرَةِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، يا ذَا الجَلالِ والإكْرَام، يا مَنْ لا يُعْجِزُهُ شَيْء وَلا يَتَعَاظَمُهُ شيء، انْصُرْنا على أعْدَائنا هَؤلاءِ وغَيْرِهِمْ، وأظْهِرْنا عَلَيْهِمْ في عافِيَةٍ وسَلامَةٍ عامَّةٍ عاجلًا" فكل هذه ــ من الإحسان. قوله: (يا من إحسانه فوق كل إحسان) أي لأن إحسانه تعالى لا ينقطع ابدًا ولا يفنى مددًا أو إحسانه تعالى بمحض الفضل لا لعلة والمخلوق ليس كذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. قوله: (يا حي يا قيوم) اختار المصنف أنه اسم الله الأعظم ووافقه عليه جمع محققون وعن أنس كان ﷺ إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أخرجه الترمذي وعن أنس قال: كنت جالسًا معه في الحلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد وتشهد قال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال للصحابة: أتدرون بما دعا قالوا الله ورسوله أعلم قال: والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي حديث صحيح أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد ورجاله ثقات مخرج لهم في الصحيح. قوله: (يا ذا الجلال والإكرام) الجلال العظمة المستلزمة للاتصاف بكل وصف من أوصاف الكمال ومنها التنزه عن كل سمة من سمات النقص والإكرام التفضل على عباده وتقدم فيه تحقيق عن ابن أبي شريف في الفرق بين أوصاف الجلال والجمال في أوائل الكتاب وفي باب الأسماء الحسنى وعن ربيعة بن عامر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألظوا بياذا الجلال والإكرام أخرجه أحمد والنسائي في الكبرى والحاكم من طريق آخر وقال فيه صحيح الإسناد وقد أورده المصنف في باب جامع الدعوات آخر الكتاب ومعنى ألظوا لازموا وجاء عن عمر موقوفًا عليه ألحوا بالحاء المهملة محل الظاء قال الحافظ وهو قريب من الرواية الأولى. قوله: (ولا يتعاظمه) الضمير المستكن يعود إلى الله تعالى والضمير البارز يعود إلى شيء أي أن الله تعالى لا يتعاظم شيئًا بل الكل

стр. 1587

المذكورات جاء فيها حثُّ أكيد، وهي مجرَّبة. باب النهي عن رفع الصوت عند القتال لغير حاجة روينا في سنن أبي داود عن قيس بن عُبَادِ التابعي ﵀ -وهو بضم العين وتخفيف الباء- قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون ــ في قدرته على حد سواء وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ المراد من أفعل فيه أصل الفعل أي هين عليه أو ذلك باعتبار محاراة المخاطبين فإن العادة أن الإعادة أهون من البدء والله أعلم. قوله: (حث) بالحاء المهملة والمثلة أي تحريض أكيد وسبق أن منها المرفوع والمقطوع. باب النهي عن رفع الصوت عند القتال لغير حاجة أي لأن ذلك يذهب الهيبة ويشعر بالرعب قال الأصحاب إن صلاة الخوف لا تبطل لما احتيج إليه من حركة ونحوها نعم تبطل بالصياح إذ لا حاجة للمقاتل إليه بل الساكت أهيب. قوله: (روينا في سنن أبي داود الخ) قال الحافظ هكذا أخرجه أبو داود ثم أردفه بحديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ كان يكره رفع الصوت عند القتال وهذا حديث حسن قال: وإنما لم أصححه مع أن رجاله ثقات من رجال الصحيح لعنعنة قتادة أي وهو مدلس ووجدت لحديث أبي موسى شاهدًا مرفوعًا أيضا عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية وإذا لقيتموهم فأثبتوا وأكثروا ذكر الله تعالى فإذا صيحوا وأجلبوا فعليكم الصمت هذا حديث حسن لشواهده أخرجه البيهقي وغيره فيتعجب من اقتصار الشيخ على الموقوف وقد وقع لنا لأثر الموقوف من وجه آخر عن هشام يعني ابن عبد الله الدستوائي قال مثله لكن قال يكرهون رفع الصوت عند ثلاث عند القتال وعند الجنازة وفي الذكر وقد وجدت لهذه الزيادة شاهدًا مرفوعًا من حديث زيد بن أرقم أخرجه أبو يعلى والطبراني ولفظه قال رسول الله ﷺ إن الله يحب الصمت عند ثلاث عند تلاوة القرآن وعند الزحف وعند الجنازة وفي سنده راو لم يسم وآخر مجهول اهـ. قوله: (كانوا يكرهون

стр. 1588

الصوت عند القتال. باب قول الرجل في حال القتال: أنا فلان لإرعاب عدوه روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: "أنا النَّبِيُّ لا كَذِب، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطلِب". وروينا في "صحيحيهما" عن سلمة بن الأكوع: أن عليًّا ﵄ لما بارز ــ رفع الصوت عند القتال) قال القرطبي محله إذا كان العائط واحدًا أما إذا كان من الجمع عند الحملة فحسن لأنه يفت في أعضاد العدو اهـ. وفيه أن حديث ابن عمر يقتضي طلب السكوت ولو من الجمع والله أعلم ويحتمل أن يكون مخصوصًا بذلك نظرًا للمعنى المذكور. باب قول الرجل عند القتال أنا فلان لإرعاب عدوه أي إدخال الرعب عليه وهو الخوف في قلبه لعظم مهابته واشتهار شجاعته. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) يأتي الكلام عليه في الباب بعده إن شاء الله تعالى. قوله: (عن سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع واسم الأكوع سنان الأسلمي كان راميًا محسنًا شجاعًا سباقًا يسبق الخيل على رجليه وله في الإسلام وقائع حسنة غزا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات وأول مشاهده الحديبية وشهد بيعة الرضوان وبايع يومئذِ ثلاث مرات أول النّاس وأوسطهم وآخرهم وهو ممن بايع على الموت وأسن الثمانين الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ الآية وله الأثر الجميل في غزوة ذي قرد وكفى مؤنة الكفار واستنقذ اللقاح منهم بعد أن استلب منهم ثيابهم وقال له ﷺ : "قد ملكت فأسجح" وقال خير رجالتنا سلمة وكان يصفر لحيته ورأسه يروى له عن النبي ﷺ ستة وسبعون حديثًا اتفقا منها على ستة عشر حديثًا وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بتسعة وخرج عنه الجماعة سكن سلمة المدينة فلما قتل عثمان خرج إلى الربذة فسكنها وتزوج

стр. 1589

مَرْحَبًا الخيبري، قال علي ﵁: أنا الذي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ. ــ وولد له أولاد بها ولم يزل بها إلى قبيل موته بليال ثم رجع إلى المدينة فمات بها سنة أربع وستين وهو ابن ثمانين سنة ﵁. قوله: (مرحبًا) قال المصنف في التهذيب مرحب اليهودي بفتح الميم والحاء قتل كافرًا يوم خيبر اهـ. وقصة مبارزته معه عن سلمة قال: خرجنا إلى خيبر وكان عمي يعني عامرًا يرتجز فساق القصة إلي أن قال فأرسلني رسول الله إلى علي وقال: لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله ﷺ فبسق في عينيه فبرأ ثم أعطاه الراية وخرج مرحب فقال: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي ﵁: أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره أوفيهمو بالصاع كيل السندره فضربه ففلق رأس مرحب فقتله وكان الفتح قال الحافظ أخرجه مسلم وأخرجه ابن حبان وأخرج البخاري القصة الأولى إلى الخروج إلى خيبر من طريق يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ولم يخرج قصة علي ولا مرحب ولا رجز علي وهو المقصود هنا وقد جزم بما قبله عبد الحق في الجمع ومثله صنيع الحميدي في الجمع أيضًا وسببه أن قصة مرحب مع علي من أفراد عكرمة بن عمار، والبخاري لا يحتج به اهـ. فأشار به إلى تحامل على الشيخ في عزو قول علي المذكور إلى الصحيحين وهو من إفراد مسلم وسيأتي له تحقيق في باب ثناء الإِمام علي من ظهرت منه براعة والله أعلم. قوله: (أنا الذي سمتني أمي حيدره) حيدرة اسم للأسد وكان علي ﵁ سمي في ابتداء ولادته حيدرة وكان

стр. 1590

وروينا في "صحيحيهما" عن سلمة أيضًا أنه قال في حال قتاله الذين أغاروا على اللقاح: أنا ابن الأكوع ... واليومُ يومُ الرُّضَّع ــ مرحب قد رأى في المنام أن أسدًا يقتله فذكره علي بذلك ليخيفه ويضعف نفسه وقالوا وكانت أم علي سمته أول ولادته باسم جده لأمه أسد بن هشام بن عبد مناف وكان أبو طالب غائبًا فلما قدم سماه عليًّا، وسمي الأسد حيدرة لغلظه والحادر الغليظ القوي ومعناه أنا الأسد في جرأته وإقدامه وقوله: أوفيهمو بالصاع كيل السندره معناه أقتل الأعداء قتلًا واسعًا ذريعًا والسندرة مكيال واسع وقيل: هي العجلة أي اقتلهم عاجلًا غير آجل وقيل: مأخوذ من السندرة وهي شجرة الصنوبر يعمل منها النبل والقسي كذا في شرح مسلم للمصنف. قوله: (وروينا في صحيحيهما الخ) وأخرجه أحمد والنسائي. قوله: (الذين أغاروا على لقاح رسول الله ﷺ ) اللقاح بكسر اللام جمع لقحة بكسر اللام وفتحها وهي ذات اللبن قريبة العهد بالولادة والذين أغاروا قوم من غطفان وفزارة وحاصل القصة عن سلمة قال خرجت ذاهبًا نحو الغابة حتى إذا كنت بثنية الغابة لقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أخذت لقاح رسول الله ﷺ فقلت من أخذها فقال غطفان وفزارة فصرخت ثلاث صرخات يا صباحاه أسمعت ما بين لابتيها ثم اندفعت حتى ألقاهم فجعلت أرميهم بنبلي وأقول: أنا ابن الأكوع. واليوم يوم الرضع، فأخذتها منهم وأقبلت أسوقها إلى رسول الله ﷺ وسألته أن يبعث معي نفرًا فقال: "يابن الأكوع ملكت فأسجح" قال الحافظ: أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وأخرجه مسلم من طريق أخرى وساق القصة مطولة جدًّا ولم يخرجها البخاري من أجل عكرمة بن عمار كما قدمناه اهـ. قوله: (يوم الرضع) أي يوم هلاك اللئام وهم الرضع من قولهم لئيم راضع أي رضع اللؤم في بطن أمه وقيل: لأنه يمص حلمة الناقة لئلا يسمع السؤال والضيفان صوت الحلاب فيقصدوه وقيل: لأنه يرضع طرف الخلال الذي يخلل

стр. 1591

باب استحباب الرجز حال المبارزة فيه الأحاديث المتقدمة في الباب الذي قبل هذا. روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن البراء بن عازب ﵄ أنه قال له رجل: أفررتم يوم حُنين عن رسول الله ﷺ ؟ فقال البراء: لكن رسول الله ولم يفرّ، لقد رأيتُه وهو ــ به أسنانه ويمص ما يتعلق به وقيل معناه اليوم الذي يعرف من أرضع كريمة فأنجبته أو لئيمة فأهجنته وقيل معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرب بها ويعرف غيره والله أعلم. باب استحباب الرجز حال المبازرة الرجز أحد بحور الشعر على الصحيح ووزنه مستفعلن ست مرات وقال بعضهم: ليس بشعر لأنه ﷺ تكلم به وأجيب بأن شرط كونه شعرًا القصد وهو منتف فيما جاء من كلامه ﷺ موزونًا. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) وأخرجه أحمد والنسائي والترمذي في شمائله وأبو عوانة. قوله: (رجل) قال ابن حجر الهيتمي في شرح الشمائل جاء أنه من قيس لكن لا يعرف اسمه. قوله: (أفررتم) أي أهربتم يقال فر عن عدوه يفر فرارًا أي هرب وقوله (عن رسول الله ﷺ ) متعلق بمحذوف أي أفررتم كاشفين له غير حائلين بينه وبين عدوه لوضوح أن الفرار عن العدو لا عنه ﷺ . قوله: (لكن رسول الله ﷺ لم يفر) سئل عن فرارهم فأجاب بقوله: لكن الخ إما لأنه يلزم من ثبوته قوله عدم فرار أكابر أصحابه لمثابرتهم على بذل نفوسهم دونه وعلمهم بأن الله عاصمه وناصره وإما لأن فرارهم يوهم تولي رسول الله ﷺ جريًا على عادة البشر من بعد ثبات إنسان مفرد في مقابلة جيش عظيم فأجاب عما هو مرموز في السؤال ولذا نعت الجواب بالبلاغة والإجلال وفي رواية الترمذي في الشمائل لا والله ما ولي رسول الله ﷺ قالوا: نفى التولي دون الفرار نزاهة لذلك المقام الرفيع عن أن يستعمل فيه لفظ الفرار حتى في النفي لأنه أفظع من لفظ التولي إذ هو يكون لتحيز

стр. 1592

على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذٌ بلجامها، والنبيُّ ﷺ يقول: "أنا النَّبِيُّ ــ أو تحرف والفرار لخوف جبن غالبًا ولم ينقل عنه ﷺ أنه انهزم في موطن قط ومن ثمة أجمعوا على أنه لا يجوز الانهزام عليه فمن زعم أنه انهزم وقصد التنقيص كفر وإن لم يقصده أدب تأديبًا عظيمًا عند الشافعي وقتل عند مالك. قوله: (على بغطته البيضاء) أي التي أهداها له المقوقس واسمها دلدل وله بغلة أخرى يقال لها فضة كذا في بعض شروح الشمائل ماتت في خلافة معاوية لكن في شرح مسلم للمصنف لا يعرف له ﷺ سوى بغلة واحدة وهي التي يقال لها دلدل أهداها له فروة بن نفاثة كعمارة وقيل ابن نعامة بالعين في محل الفاء والميم في محل المثلثة والصحيح المعروف الأول وفي صحيح البخاري أن الذي أهداها له ملك إيلة واسمه فيما ذكر ابن إسحاق محنة بن روزنة والله أعلم وركوبه للبغلة مع عدم صلاحها للحرب ومن ثم لم يسهم لها مع كونها إنما هي من مراكب الأمن والطمأنينة ومع أن الملائكة لم يقاتلوا ذلك اليوم الأعلى الخيل ومع أنه كان له ﷺ أفراس متعددة إيذان بأن سبب نصرته مدده السماوي وتأييده الرباني الخارق للعادة وأنه غير مكترث ولا ملتفت لعظم العدو وإن كان كالسيل والليل في العدد والعدد فهو غاية الثبات والشجاعة وأيضًا ليكون معتمدًا يرجع إليه المسلمون وتطمئن قلوبهم به وبمكانه. قوله: (وأن أبا سفيان بن الحارث) هو ابن عمه ﷺ الحرث بن عبد المطلب واسمه كنيته ويكنى بأبي المغيرة وهو أخو النبي ﷺ من الرضاع وأبوه أكبر ولد عبد المطلب كان أبو سفيان يألف رسول الله ﷺ قبل البعثة فلما بعث عاداه وهجاه ثم أسلم عام الفتح وحسن إسلامه وقد ذكرت جملة من مناقبه وفضائله في بغية الشرفا فيمن حاز بشبه المصطفى ﷺ شرفًا. قوله: (بلجامها) بكسر اللام فارسي معرب وتوافقت فيه اللغتان وجمعه لجم ككتاب وكتب ومنه قيل للخرقهَ تشد بها الحائض وسطها اللجام وألجمت الفرس إلجامًا جعلت اللجام في فيه وفي رواية إن العباس أخذ باللجام وأبا سفيان بالركاب وجمع بينهما بأن هذا وقع تارة وذلك وقع أخرى وفي رواية ابن جرير أن عمر كان ممسكًا باللجام والعباس ممسكًا بالركاب. قوله: (أنا النبي الخ) عرف النبي لحصر النبوة فيه. وقوله:

стр. 1593

لا كَذِبْ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطلِبْ" وفي رواية "فنزل ودعا ــ (إلا كذب) ليفيد نفي الكذب عنه لا نفي حصر الكذب فيه أي أنا النبي حقًّا لا أفر ولا أزول وصفة النبوة يستحيل معها الكذب فكأنه قال: أنا النبي والنبي لا يكذب فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم بل أنا متيقن أن ما وعدني الله تعالى به من النصر حق ومن الشاذ فتح باء كذب وكسر باء المطلب فرارًا من كونه شعرًا وقد فر قائله من إشكال هين يسير فوقع في إشكال عسير وهو نسبة اللحن إلى أفصح العرب وذلك أنهم لا يقفون على المتحرك ولا يبتدئون بساكن والوقوف على المتحرك بحركته لحن كما حكى عليه الإجماع وهو ﷺ أفصحهم والفصيح لا يلحن بالأفصح وما وقع في بعض الأخبار فمن تحريف الرواة وفيه دليل على قوة شجاعته حيث فر صحبه وبقي وحده أو في شرذمة ومع ذلك يقول: هذا القول بين أعدائه. قوله: (أنا ابن عبد المطلب) نسب لجده دون أبيه لأن انتسابه إليه أشهر لأن أباه مات شابًّا فرباه عبد المطلب وكان سيد قريش ولأنه لما استفاض بينهم أنه سيكون من بني عبد المطلب من يسود ويغنب على الأعداء ورأى قوم منهم قبل ميلاده ما قد كان علمًا على نبوته ودليلًا على ظهور معجزته وأظهر ذلك الكهنة حتى شهد به غير واحد منهم ذكرهم بأنه ابن عبد المطلب الذي ذكر فيه ما ذكر، لا للمفاخرة والمباهاة كيف وقد نهى أن يفتخر النّاس بآبائهم ويفتخر بمن ذكر كلا، ولا للعصبية كيف وقد ذمها في غير موضع، وزعم أنه نسب لجده لأنه مقتضى الرجز في حيز المنع إذ لا يليق بذلك الجناب الأفخم أن يتعانى الرجز ويقصده وفيه دليل على جواز قول الإنسان في مواقف الحرب أنا ابن فلان ولذا ساقه المصنف في الباب السابق ومحل النهي عنه إذا كان على وجه الاستكبار وطريق الافتخار وعلى جواز إنشاء الرجز وإنشاده للشعر لكنه بالنسبة إليه ﷺ محمول على أنه لم يقصد وزنه فينتفي كونه شعرًا إذ يحرم عليه ﷺ إنشاء الشعر وكذا إنشاده كما قاله الماوردي وبانتفاء القصد يخرج عن كونه شعرًا. قوله: (وفي رواية فنزل) أي عن بغلته ونزوله عن بغلته إلى الأرض في ذلك الموطن دليل كمال ثباته ﷺ وفيه تنبيه على أن طريق الرفعة التواضع الله والانخفاض لعظمته وفي صحيح مسلم ومن تواضع الله رفعه الله

стр. 1594

واستنصر". وروينا في "صحيحيهما" عن البراء أيضًا قال: رأيتُ النبي ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب وقد وارى الترابُ بياضَ بطنه وهو يقول: ــ وهذه الرواية رواها مسلم من طريقين كما قال الحافظ لكن في إحداهما فنزل واستنصر فقط وقوله ودعا في الطريق الأخرى. قوله: (واستنصر) أي سأل من ربه تنجيز النصر وتعجيله. قوله: (وروينا في صحيحيهما الخ) وكذا رواه أحمد والنسائي. قوله: (بياض بطنه) هذا لفظ رواية البخاري كما أشار إليه الحافظ وأورده في السلاح عن الصحيحين والنسائي حتى وارى التراب شعر صدره وكان رجلًا كثير الشعر وأورده الحافظ وعزاه لتخريج من ذكر بلفظ وقد وارى التراب بياض إبطيه وسبق أن الصحيح نبات الشعر في إبطه ﷺ ودعوى أنه لم ينبت به شعر ممنوع نعم لم يكن في ذلك المكان الشريف إلا الريح الطيب والعرف العطر. قوله: (وهو يقول) زاد في السلاح في رواية وهو يرتجز عبد الله وعزاه لتخريج الشيخين والنسائي قال الحافظ وقع عند بعضهم أن هذا الرجز لعبد الله بن رواحة ثم ذكر حديثه وعزاه لتخريج الشيخين وأحمد وفيه حتى وارى التراب بشعر صدره وفيه إن الأعداء قد بغوا علينا ووقع عند مسلم من وجه آخر إن الملأ قد أبوا بدل قوله إن الأولاء قد بغوا وفي آخر والمشركون قد بغوا علينا من جهة الوزن قال الحافظ قد وقع عند بعضهم أن هذا الرجز قد وقع لعبد الله بن رواحة ﵁ وقد نسب لغيره فجاء في رواية عن سلمة أنه حدا بهذه الأبيات ونسبه لعمه عامر بن الأكوع وزاد: فاغفر فداء لك ما اقتفينا. وفيه إنا إذا صيح بنا أبينا. وبالصياح عولوا علينا وفيه: ونحن عن فضلك ما استغنينا: روى مسلم عن سلمة قال لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالًا شديدًا فارتد عليه سيفه فقتله فشكوا فيه فقفل رسول الله ﷺ من خيبر فقلت: يا رسول الله أتأذن لي أن أرجز لك فأذن لي فقلت له: والله لولا الله ما اهتدينا. الأبيات فقال لي صدقت فلما قضيت رجزي قال لي رسول الله ﷺ : من قالها؟ قلت: قالها أخي فقال

стр. 1595

"اللهم لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنا، وَلَا تَصَدَّقْنا وَلا صَلَّينا، فأنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَينَا، وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لاقَينا، إنَّ الألُى قَدْ بَغَوْا عَلَينَا، إذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أبَينَا". وروينا في "صحيح البخاري" عن أنس ﵁ قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق وينقلون التراب ــ رسول الله ﷺ : يرحمه الله وأخرجه أبو داود والنسائي وفي رواية لمسلم وغيره عن سلمة كان عامر رجلًا شاعرًا فنزل يحدو ويقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا. فذكر نحو ما تقدم فزاد فاغفر الخ وأخرج الشيخان والنسائي عن سلمة قال خرجنا إلى خيبر فقال رجل من القوم أي عامر اسمعنا من هنياتك فقال تالله لولا الله ما اهتدينا قال يحيى فذكر شعرًا لم أحفظه وقد صرح بعزو الشعر لعامر في الرواية المذكورة قبل هذين وسلمة بن الأكوع يقول تارة في عامر أخي ويقول تارة فيه عمي والجمع بينها أن سلمة بن عمرو بن الأكوع اشتهر بالنسبة لجده فعامر عمه من النسب وأما الأخوة فلعلها من الرضاعة أو شدة الصداقة مع المقاربة في السنن. قوله: (لولا أنت) قبله في رواية لهما اللهم لولا أنت قال في السلاح وفي رواية للبخاري والله لولا الله ما اهتدينا. قوله: (ولا تصدقنا) قال في السلاح في رواية للبخاري ولا صمنا بدل تصدقنا. قوله: (سكينة) أي سكونا وثباتًا وطمأنينة. قوله: (إن الألى) قال القرطبي كذا صحت الرواية بالقصر فيحتمل أن يراد به مؤنث الأول ويكون معناه إن الجماعة السابقة بالشر بغوا علينا ويحتمل أن تكون الألى موصولة بمعنى الذين ويكون خبر إن محذوفًا أي إن الذين بغوا علينا ظالمون وقيل إن هذا تصحيف من بعض الرواة وإن صوابه أولاء ممدودة التي للإشارة إلى الجماعة وهذا صحيح من جهة المعنى والوزن والله أعلم. قوله: (أبينا) بالموحدة فالتحتية أي أبينا الفرار والامتناع وروي بالفوقية والتحتية أي أتينا للقتال ونحوه من المكاره قال القاضي عياض. قوله: (وروينا في صحيح البخاري) قال الحافظ ورواه مسلم أيضًا. قوله: (يحفرون الخندق) كان ذلك في العام

стр. 1596

على متُونهم أي: ظهورهم: ويقولون: نَحْنُ الَّذينَ بايَعُوا مُحَمدًا، على الإسْلام ــ الرابع وقيل الخامس من الهجرة أقاموا في حفره نحو عشرين ليلة وسببه أن نفرًا من اليهود انطلقوا إلى مكة مؤلبين عليه ﷺ ومستجمعين عليه فجمعوا المجموع وحزبوا الأحزاب فاجتمعت قريش وقادتها وغطفان وقادتها وفزارة وقادتها وغيرهم من أخلاط النّاس وخرجوا بحدهم وجدهم في عشرة آلاف ولما سمع النبي ﷺ بهم شاور أصحابه فأشار سلمان بالخندق فحفروا الخندق وتحصنوا به ثم إن رسول الله ﷺ خرج من المدينة بمن معه من المسلمين في ثلاثة آلاف فبرز وأقام على الخندق وجاءت الأحزاب ونزلت من الجانب الآخر لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل غير أن فوارس من قريش اقتحموا الخندق فخرج علي بن أبي طالب في فرسان من المسلمين وأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها فقتل علي عمرو بن عبد ود مبارزة واقتحم الآخرون بخيلهم الخندق منهزمين إلى قومهم ونقضت قريظة ما كان بينها وبين رسول الله وعاونوا الأحزاب عليه واشتد البلاء على أصحاب رسول الله ﷺ إذ جاء عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم فأقام المسلمون على تلك الحال قريبًا من شهر وفي التهذيب للمصنف وكانت مدة حصارهم خمسة عشر يومًا إلى أن خذل الله بين قريش وقريظة على يد نعيم بن مسعود الأشجعي فاختلفوا وأرسل الله عليهم ريحًا عاصفة في ليال شديدة البرد فجعلت تقلب آنيتهم وتطفئ نيرانهم وتكفئ قدورهم حتى أشرفوا على الهلاك فارتحلوا متفرقين في كل وجه لا يلوي أحدهم على أحد وكفى الله المؤمنين القتال ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا بحال قال القرطبي في المفهم وغير خاف ما في الحديث من جواز التحصن والاحتراز من المكروهات والأخذ بالحزم والعمل في العادات بمقتضاها وأن ذلك كله غير قادح في التوكل ولا ينقص منه فقد كان فِئة على أكمل المعرفة بالله تعالى والتوكل عليه والتسليم لأمره ومع ذلك فلم يطرح الأسباب ولا مقتضى العادات اهـ. قوله: (على الإسلام) أي على الدوام عليه والقيام بتكاليفه ومنها جهاد أعداء الدين الكفار أي والوفاء بالعهود أعظم ما يثابر عليه من كل وصف محمود قال القرطبي: هذا تذكير منهم لأنفسهم بعهد البيعة وتجديد منهم

стр. 1597

-وفي رواية: على الجهاد- ما بقِينا أبَدًا، والنبيُّ ﷺ يجيبهم: "اللهُم إنَّهُ لا خَيْرَ إلَّا خَيْرُ الآخِرَةِ، فَبارِكْ في الأنْصَارِ والمُهاجِرَة". ــ لها وإخبار منهم له بالوفاء بمقتضاها ولما سمع منهم ذلك أجابهم ببشارة لا عيش إلا عيش الآخرة أي المعد لأمثالكم وبدعاء فاغفر للأنصار والمهاجره. قوله: (وفي رواية) قال الحافظ هي عند أبي ذر عن السرخسي عن الفربري وفي رواية سائرهم على الإسلام ووقع في رواية ثابت عن أنس عند مسلم على القتال ووقع لنا من وجه آخر عن أنس على الجهاد اهـ ثم هذه الرواية عند من ذكر أنه ﷺ أتى بقوله: اللهم إن الخ جوابًا لما ذكروه من القيام بأمر الجهاد الذي التزموه بالبيعة السابقة وعند أحمد من حديث أنس خرج ﷺ على أصحابه في غداة باردة والمهاجرون والأنصار يحفرون الخندق بأيديهم فقال: اللهم إن الخير خير الآخرة. فاغفر للأنصار والمهاجرة. فأجابوه: نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا. أورده الحافظ في تخريجه. قوله: (فبارك) ووقع في رواية فاغفر وكذا هو في مختصر مسلم للقرطبي وفي أخرى فأصلح الأنصار الخ وكذا هو عند أحمد ومسلم وفي رواية لمسلم وأحمد أيضًا فأكرم في محل قوله: فاغفر أشار إليه الحافظ. قوله: (للأنصار) قال الحافظ في كتاب الإيمان من الفتح الأنصار جمع ناصر كأصحاب وصاحب أو جمع نصير كأشراف وشريف والأنصار علم بالغلبة على أنصاره ﷺ وهم الأوس والخزرج وكانوا قبل ذلك يعرفون بابني قيلة بفتح القاف وإسكان التحتية وهي الأم التي تجمع بين القبيلتين فسماهم الله أنصارًا فصار ذلك علمًا عليهم وأطلقه رسول الله ﷺ على أولادهم وخلفائهم ومواليهم وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من سائر القبائل من إيواء رسول الله ﷺ ومن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأموالهم وأنفسهم وإيثارهم إياه في كثير من الأمور على أنفسهم والله أعلم. قوله: (والمهاجرة) أجراها صفة مؤنثة على موصوف محذوف فكأنه قال للجماعة المهاجرة وعلى رواية أكرم مع نقل همزة الأنصار للأم قبلها موزون وعلى

стр. 1598

باب استحباب إظهار الصبر والقوة لمن جرح واستبشاره بما حصل له من الجرح في سبيل الله وبما يصير إليه من الشهادة وإظهار السرور بذلك وأنه لا ضير علينا في ذلك بل هذا مطلوبنا وهو نهاية أملنا وغاية سؤلنا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ــ باقي الروايات ليس بموزون وعلى هذا الوجه فيجاب عنه بأن شرط الشعر أن يقصد به ذلك وهو منتف هنا كما تقدمت الإشارة إليه. باب استحباب إظهار الصبر أي حبس النفس على ما لا تهواه امتثالًا لما جاء عن الشارع (والقوة لمن جرح واستبشاره بما حصل له من الجرح في سبيل الله وبما يصير إليه من الشهادة وإظهار السرور لذلك وأنه لا ضير) أي بالضاد المعجمة والمثناة التحتية الساكنة بعدها راء والمراد لا مضرة (علينا في ذلك) فإن هذه المحنة الصورية منحة حقيقية كيف وبها يتوصل إلى رضا الرحمن وقوله (بل هو مطلوبنا الخ) ترق في الفرح بما أصابهم لأنه مطلوبهم ونهاية مرغوبهم لأنهم باعوا أنفسهم وأموالهم من الله تعالى فخرجوا عن نفوسهم ولم يلتفتوا لأنواع بؤسهم قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ أي من قتل أعداء الدينِ مع السلامة ونيل الغنيمة أو الموت في ميدان الجهاد وفي ذلك غاية المراد. قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ تحسبن بالتاء الفوقية خطاب للسامع وبالتحتية أي لا يحسبن هو أي حاسب قال الزمخشري ويجوز أن يكون الذين قتلوا فاعلًا ويكون التقدير لا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتًا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتًا وحذف المفعول الأول لأنه في الأصل مبتدأ فحذفه هنا كحذفه في قوله أحياء أي هم أحياء لدلالة الكلام عليهما اهـ وتعقب بأن تقديره بلا يحسبنهم الذين قتلوا فيه تفسير الضمير بالفاعل وهو لا يجوز ولا تقول حسبه زيد منطلقًا تريد حسب زيد نفسه منطلقًا وحذف المفعول

стр. 1599

بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ــ الأول لحسب أجازه الفراء اختصارًا وقال بعضهم: لا يجوز حذفه البتة وما كان هكذا فلا ينبغي أن يحمل كلام الله عليه ويبعد ما قاله من حيث المعنى إن من كان حيًّا عند ربه مرزوقًا فرحًا مستبشرًا لا ينهى أن يحسب نفسه ميتة فيجب أن تحمل قراءة التحتية على أن الفاعل مضمر أي حاسب لتتفق القراءتان في كون الذين مفعولًا وإن اختلفتا من جهة الخطاب والغيبة كذا في النهر بالمعنى ويجوز على قراءته بالتحتية كون الفعل مسندًا إلى ضمير الرسول أو من يحسب كما جوزه القاضي البيضاوي مع ما نقل عن الكشاف بما تعقبه في النهر قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ بالرفع على تقديرهم أحياء وقرئ أحياء بالنصب على تقدير بل تحسبهم وتقدم أن نحو عند ربهم العندية فيه للمكانة والتشريف والقرب المعنوي لا للمكان والقرب الحسي تعالى الله عن ذلك ففيه مضاف مقدر أي عند كرامة ربهم هذا واختلف العلماء في هذه الآية فقيل إنها نزلت في شهداء أحد وبه قال أبو الضحى وعند أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس ما يشهد له وهو قوله ﷺ لما أصيب أخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال تعالى: أنا أبلغهم عنكم فنزلت ولا تحسبن الخ وقيل في شهداء بئر معونة وقيل نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلًا ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين وقيل بل هي عامة في جميع الشهداء وقيل: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابوا نعمة وسرورًا حزنوا وقالوا نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وإخواننا في القبور فأنزل الله هذه الآية تنفيسًا عنهم وإخبارًا عن حال قتلاهم قال القرطبي في التفسير وبالجملة وإن كان يحتمل أن يكون النزول بسبب المجموع فقد أخبر تعالى عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم وقد اختلف العلماء في هذا المعنى فالذي عليه المعظم

стр. 1600

يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ــ ما ذكرناه وأن حياة الشهداء محققة ثم منهم من يقول ترد إليهم أرواحهم في قبورهم فينعمون كما تحيا الكفار في قبورهم فيعذبون وقال مجاهد يرزقون من ثمر الجنة أي يجدون ريحها وليسوا فيها وصار قوم إلى أن هذا مجاز والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة وهو كما يقال: مات فلان وهو حي أي ذكره حي قال الشاعر: موت التقي حياة لا فناء بها ... قد مات قوم في الناس أحياء فالمعنى أنهم يرزقون الثناء الجميل وقال آخرون: أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم في الجنة يرزقون ويأكلون ويتنعمون وهذا هو الصحيح من الأقوال لأن ما صح به النقل فهو الواقع وحديث ابن عباس نص يرفع الخلاف وكذا حديث ابن مسعود في مسلم وأما من تأول في الشهداء أنهم أحياء بمعنى أنهم سيحيون فبعيد يرده القرآن والسنة وأن قوله تعالى أحياء دليل على حياتهم وأنهم يرزقون ولا يرزق إلا حي انتهى مع يسير اختصار وقد سبق لهذا المعنى بسط في باب ما يقول الرجل إذا دخل منزله. قوله: (يرزقون) أي من الرزق المعروف في العادات فيرزقون من الجنة كما قيل به وعليه اقتصر البيضاوي قال وهو تأكيد لقوله أحياء وقيل: وحياة الذكر بعد موته قال: يرزقون حسن الثناء الجميل والأول كما قال القرطبي الحقيقة وقد قيل إن الأرواح تدرك في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة وطيبها ونعيمها وسرورها ما يليق بالأرواح مما ترزق وتنتعش به أما الذات الجسمانية فإذا أعيدت الأرواح إلى أشباحها استوفت من النعيم جميع ما أعد لها قال القرطبي وهذا حسن وإن كان فيه نوع من المجاز فهو موافق لما اخترناه والله الموفق وجملة يرزقون في محل الصفة لقوله أحياء. وقوله (فرحين) نصب على أنه حال من الضمير في قوله يرزقون وهو من الفرح بمعنى السرور والقصد من هذه الآية هو النعيم وقرئ فارحين بالألف وهما لغتان كالفره والفاره قال ابن النحاس ويجوز في غير القرآن رفعه فيكون نعتًا لأحياء وقوله (بما آتاهم الله) متعلق بفرحين ومن فضله في محل الحال والذي أعطوه شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من الله سبحانه والتمتع بنعيم الجنة إما بالأرواح كما هو الراجح عند المصنف أو بالأشباح

стр. 1601

وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) ــ كما قيل به. قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾) جعل ابن عطية استبشر بمعنى الفعل المجرد أي بشر كما يقال استمجد المرخ والعفار أي مسجد وقال في النهر الأحسن أن يكون مطاوع أبشر كقولهم أكانه فاستكان ومطاوعه استفعل لا فعل لأنه من حيث المطاوعة منفعل عن غيره فحصلت له البشرى بإبشار الله تعالى له اهـ ثم الذين لم يلحقوا بهم قيل هم الشهداء الذين يلحقونهم بعد من إخوانهم الذين تركوهم مجاهدين يستشهدون فرحوا لأنفسهم ولمن يلحق بهم من الشهداء ويصيرون إلى ما صاروا إليه من كرامة الله تعالى كذا في تفسير البيضاوي وفي النهر قال القرطبي قال قتادة وابن جريج وغيرهم استبشارهم بأن يقولوا إخواننا الذين تركناهم في الدنيا يقاتلون مع النبي ﷺ فيستشهدون فينالون من الكرامة مثل ما نحن فيه فيبشرون ويفرحون لهم وظاهر عبارة النهر توهم أن هذا الظرف كقوله ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلق بقوله فرحين وإن كان المراد باللحاق فيه اللحاق في الزمان وكأن قوله ويستبشرون كالتفسير لقوله قبله فرحين ويؤيده قول القرطبي أصله من البشرة لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في وجهه وليس مرادًا بل كان من الظرفين متعلق بما يليه من الفعلين والله أعلم وقيل المراد من تقدمهم من الشهداء الذين لم يلحقوا بهم في الفضل وإن كان لهم فضل وقال السدي يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا وقيل المراد جميع المؤمنين وإن لم يقتلوا فإن الشهداء لما عاينوا ثواب الله تعالى وقع اليقين بأن دين الإسلام هو الحق الذي يثيب الله عليه فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون للمؤمنين بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقوله ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الخ أن فيه مخففة واسمها ضمير شأن محذوف وخبرها الجملة المنفية بلا وأن وما بعدها في تأويل مصدر مجرور على أنه بدل اشتمال

стр. 1602

يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ــ من الذين قال البيضاوي والمعنى أنهم يستبشرون بما تبين لهم من أمر الآخرة وحال من تركوا خلفهم من المؤمنين وهو أنهم إذا ماتوا وقتلوا كانوا أحياء حياة لا يكدرها خوف وقوع محذور وحزن ذوات محبوب قال والآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس بل هو جوهر مجرد مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية وما روي عن ابن عباس أنه ﵊ قال: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش ومن أنكر ذلك ولم ير الروح إلا ريحًا وعرضًا قال: هم أحياء يوم القيامة وإنما وصفوا به في الحال لتحققه ودنوه أو أحياء بالذكر أو بالإيمان وفي الآية حث على الجهاد وترغيب في الشهادة وبعث على ازدياد الطاعة وإحماد لمن يتمنى لإخوانه مثل ما أنعم الله عليه وبشرى للمؤمنين بالفلاح اهـ. قوله: (﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الخ) قال القاضي البيضاوي كرره للتوكيد وليتعلق به ما هو بيان لقوله أن لا خوف عليهم ويجوز أن يكون الأول بحال إخوانهم وهذا بحال أنفسهم اهـ. وفي النهر الظاهر أن قوله يستبشرون استئناف إنجار وليس بتوكيد للأول لاختلاف متعلق الفعلين فالأول بانتفاء الخوف من الذين لم يلحقوا بهم والثاني بقوله بنعمة من الله وذهب الزمخشري وابن عطية إلى أنه توكيد للأول قال الزمخشري كرر يستبشرون ليعلق به ما هو بيان. لقوله: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من ذكر النعمة والفضل وأن ذلك أجر لهم على إيمانهم يجب في عدل الله تعالى وحكمته أن يحصل لهم ولا يضيع وهو على طريقته في الاعتزال في ذكره وجوب الأجر وتحصيله على إيمانهم وسلك ابن عطية طريقة أهل السنة فقال: أكد استبشارهم بقوله يستبشرون ثم بين بقوله وفضل أن إدخالهم الجنة الذي هو فضل منه لا بعمل أحد وأما النعمة في الجنة والدرجات فقد أخبر أنها على قدر الأعمال اهـ. وعبارة ابن عطية في السلامة عما عشر به الكشاف من وجوب الأجر هو ما عبر به البيضاوي فيما سبق عنه والنعمة نيل الجنة وديل المغفرة والفضل قيل إنه

стр. 1603

وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ــ لزيادة البيان والفضل داخل في النعمة وفيه دليل على اتساعها وأنها ليست كنعم الدنيا وقيل جاء الفضل بعد النعمة على وجه التأكيد روى الترمذي عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن الفزع أكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه وقال حديث حسن صحيح غريب قال القرطبي وهذا تفسير للنعمة والفضل والآثار في هذا المعنى كثيرة اهـ. قوله: (وإن الله) قرئ بكسر الألف على أنه استئناف معترض قال على أن ذلك أجر لهم على إيمانهم مشعر بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة ولؤيد هذه القراءة قراءة ابن مسعود والله لا يضيع وقرئ بالفتح أي ويستبشرون بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين. قوله: (الذين استجابوا الله والرسول) نيل الموصول في موضع رفع على الابتداء وخبره من بعد ما أصابهم القرح أو خبره للذين أحسنوا منهم الخ بجملته أو نصب على المدح أو خفض بدلًا من المؤمنين أو من الذين لم يلحقوا بهم ومن للبيان والمقصود من ذكر الوصفين المدح والتعليل لا التقييد لأن المستجببين كلهم محسنون متقون واستجاب قيل بمعنى أجاب وكان ذلك أثر الانصراف من أحد لما استقر الرسول ﷺ لطلب الكفار فاستجاب له سبعون وقيل لما كان في اليوم الثاني من أحد وهو يوم الأحد نادى ﷺ من النّاس لما بلغه عزم أبي سفيان بعد وصوله الروحاء على الرجوع للقتال باتباع المشركين وقال: لا يخرجن معنا إلا من شهدنا بالأمس وكان بالناس جراحة وقرح عظيم ولكن تجلدوا ونهض معه مائتا رجل من المؤمنين حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة وأقام بها ثلاثة أيام وألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فكان سبب نزول الآية. قوله: (القرح) قرئ بضم القاف وبفتحها وهما لغتان معناهما واحد كالجهد والجهد وقال

стр. 1604

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ــ الفراء القرح بالفتح الجراحة وبالضم ألمها. قوله: (﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾) أي بطاعة رسول الله ﷺ وإجابته إلى الغزو (واتقوا) معصيته، لهم (﴿أجْرٌ عَظِيمٌ﴾). قوله: (﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ﴾) محل الموصول خفض أيضًا مردود على الذين الأول والمراد بالناس فيه نعيم بن مسعود الأشجعي فإنه لقي النبي ﷺ والصحابة في حمراء الأسد وأخبرهم بأن أبا سفيان ومن معه قد جمعوا جموعهم وأجمعوا رأيهم على أن يرجعوا إلى المدينة فيستأصلوا أهلها فقالوا ما أخبر الله تعالى عنهم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ وقيل أعرابي جعل له على ذلك جعل وعليهما فالناس عام أريد به خاص وأطلق على الواحد لفظ النّاس لأنه من نجسهم كما أشار إليه البيضاوي وقيل المراد بالناس ركب من عبد القيس قالوا كما قال أبو سفيان وقيل دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة فسألهم الصحابة عن أبي سفيان فقالوا قد جمعوا لكم جموعًا كثيرة وقيل المنافقون قالوا لما تجهز النبي ﷺ للمسير إلى بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان فقالوا نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا وقد قاتلوكم في دياركم وظفروا فإن أتيتموهم في ديارهم لا يرجع منكم أحد فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وعلى هذه الأقوال فالناس فاعل قال عام باق على عمومه والمراد بالناس الثاني قريش ومن معهم يومئذ من الأحابيش وقيل أبو سفيان بن حرب. قوله: (فاخشوهم) أي خافوهم واحذروهم إذ لا طاقة لكم بهم. قوله: (فزادهم إيمانًا) الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله إن أريد به نعيم وحده والبارز للمقول لهم والمعنى أنهم لم يلتفتوا إليه ولم يضعفوا بل زادهم إيمانًا أي تصديقًا ويقينًا وقوة وفي الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص. قوله: (حسبنا الله) أي محسبا وكافينا (ونعم الوكيل) أي الموكول إليه الأمور هو. قوله: (فانقلبوا) أي انصرفوا (بنعمة من الله) أي بعافية منه لم يلقوا عدوًا (ولم يمسسهم سوء) أي قتال وروب (واتبعوا رضوان الله) في طاعة الله وطاعة رسوله قيل وسبب ذلك

стр. 1605

وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٤]. روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁، في حديث القراء أهلِ بئر مَعُونةَ الذين غدرت الكفار بهم فقتلوهم: أن رجلًا من الكفار طعن خال أنس وهو حَرام بن ملحان، فأنفذه، فقال حرام: الله أكبر فزتُ ورب الكعبة. ــ أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوًا فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي الله عنهم. قوله: (والله ذو فضل عظيم) أي على عباده المؤمنين وما ذكرناه هو تفسير الجمهور للآية وشذ آخرون فقالوا إن قوله: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ﴾ الخ إنما نزلت في خروج النبي ﷺ إلى بدر الصغرى وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في أحد إذ قال موعدنا بدر في العام المقبل فقال النبي ﷺ : "اقولوا نعم" وفي رواية فقال: ﷺ "إن شاء الله" فخرج ﷺ قبل بدر وكان بها سوق عظيم فأعطى ﷺ لأصحابه دراهم وقرب من بدر فجاءه نعيم بن مسعود الأشجعي فأخبره أن قريشًا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها فأشفق المسلمون من ذلك إلا أنهم قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل فصمموا حتى أتوا بدرًا فلم يجدوا أحدًا ووجدوا السوق فاشتروا بدراهمهم أدمًا وتجارة وانقلبوا ولم يلقوا كيدًا وربحوا في تجارتهم فذلك. قوله: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾) أي في تلك التجارات قلت على هذا القول الأخير جرى البيضاوي في التفسير. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أنس بن مالك الخ) قال الحافظ ورد فيهما مطولًا ومختصرًا فأخرجهما البخاري عن ثمامة بن أسد بن مالك أنه سمع أنسًا قال: لما طعن حرام بن ملحان وكان خاله وذلك يوم بئر معونة قال بالدم هكذا فنضحه على وجهه ورأسه ثم قال الله أكبر فزت ورب الكعبة وأخرجه النسائي قال الحافظ وقرأته مطولًا فساق سنده فيه إلى ثابت قال: كنا عند أنس فقال: ألا أحدثكم عن إخوانكم الذين كانوا سمهم القراء فذكر القصة وفيها بعثهم رسول الله ﷺ إلى حي من بني سليم فقال لهم: حرام بن ملحان إنا لسنا إياكم نريد فطعنه رجل بالرمح فأنفذه فيه فلما وجد الرمح من جوفه قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة فانطووا عليهم يعني بالقتل فما بقي منهم أحد ثم قال:

стр. 1606

وسقط في رواية مسلم "الله أكبر". قلت: حرام بفتح الحاء والراء. ــ أخرجه مسلم وقال: أخرجه الشيخان من طريق أخرى في بعضها فأومؤوا إلى رجل منهم فطعنه الحديث وليس في بعضها قصة حرام ولا بعضها ذكر بئر معونة وهي بفتح الميم وضم العين المهملة وسكون الواو بعدها نون مفتوحة اهـ والفوز النجاة كما في النهاية وكأنه لما كشف له عن علي مقامه ونجاته من الشيطان ووسواسه وأوهامه قال فزت أي نجوت من سائر المتاعب مع ما حازه من أسنى المطالب التي أعدت للشهداء وأكد بلوغه المرام بما أتى به من قوله ورب الكعبة. قوله: (وسقط في رواية مسلم الخ) وكذا رواها البخاري وكلاهما من حديث أنس كما في جامع الأصول وفي نسخة من الأذكار في رواية من غير ذكر مسلم وهي أولى لإيهام النسخة الأولى انفراد مسلم بترك التكبير عن البخاري والله أعلم. قوله: (قلت حرام بفتح الحاء وبالراء) أي المهملتين وكذا كل ما أتى على هذه الصورة في أسماء الأنصار أما في أسماء قريش فهو بكسر الحاء وبالزاي ذكره المصنف في مقدمة شرح ومسلم وملحان بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة والنون. وقوله: (فأنفذه هو بالفاء والذال المعجمة) أي جعل الرمح نافذًا منه وكانت وقعة بئر معونة بعد ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة وسببها أن أبا براء بن مالك المعروف بملاعب الأسنة لما قدم على النبي ﷺ فدعاه إلى الإسلام فلم يجب ولم يبعد وقال: يا محمد لو بعثت رجالًا من اصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال ﷺ : "إني أخشى عليهم أهل نجد فقال أبو براء أنا لهم جار فابعثهم فبعث ﷺ المنذر بن عمرو ومعه جمع نيل سبعون وقيل أربعون وقيل ثلاثون وقد ورد في رواية قتادة أنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل وفي رواية ثابث يشترون به الطعام لأهل الصفة ويتدارسون القرآن الليل فساروا حتى نزلوا بئر معونة فبعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل العامري ومات كافرًا وهو غير أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي الكناني الصحابي الجليل وهو آخر الصحابة موتًا فيما قيل وغير عامر بن الطفيل بن الحارث الأزدي

стр. 1607

باب ما يقول إذا ظهر المسلمون وغلبوا عدوهم ينبغي أن يكثر عند ذلك من شكر الله تعالى، والثناءِ عليه، والاعترافِ بأن ذلك من فضله لا بحولنا وقوَّتنا، وأن النصر من عند الله، ــ الصحابي ذكره الترمذي واستدركه ابن الدباغ علي ابن عبد البر وقال ابن حجر في شرح المشكاة الذي قاتل أصحاب بئر معونة عدو الله عامر بن الطفيل العامري وهو غير عامر بن الطفيل الأسلمي الصحابي اهـ. ولم أر لعامر بن الطفيل الأسلمي ذكرًا في أسد الغابة لابن الأثير ولا في مختصره للذهبي ولا في الاستيعاب لابن عبد البر والظاهر أنه من قلم الشيخ انتقل من ذكر عامر بن واثلة أبي الطفيل إلى من ذكره والله أعلم فلما أتى حرام عامرًا بالكتاب النبوي لم ينظر في كتابه حتى عدا عليه فقتله ثم استصرخ عليهم في عامر فلم يجيبوه وقالوا لا نخفر أبا براء وعقد لهم عقدًا وجوارًا فاستصرخ عليهم قبائل من سليم عصية ورعل فأجابوه إلى ذلك ثم خرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدًا وإلا عمرو بن أمية الضمري فإنه لما أخبرهم أنه من ضمر أخذه عامر بن الطفيل وأعتقه عن رقبة يزعم أنها كانت على أمه فلما بلغ النبي ﷺ خبرهم قال: هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه ومات آسفًا من صنيع عامر بن الطفيل قال أنس أنزل الله في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنا ثم نسخ بعد أي نسخت تلاوته بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه وسبق للقصة ذكر في باب القنوت. باب ما يقول إذا ظهر المسلمون وغلبوا عدوهم وفي نسخة على عدوهم قوله: (ينبغي أن يكثر) أي من رأي ظهور المسلمينِ وغلبتهم. قوله: (بأن ذلك) أي الظهور والغلبة من فضله تعالى وبإعانته قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. قوله: (لا بحولنا وقوتنا) وفي نسخة (ولا بقوتنا) أي وإن كانت لهم في الظاهر كثرة عدد وعدد قال الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قوله: (وأن النصر من عند الله) أي لا بالأخشاب ولا بكثرة الأسباب ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ

стр. 1608

وليحذروا من الإعجاب بالكثرة، فإنه يخاف منها التعجيزُ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]. ــ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ قوله: (وليحذروا) أي وليخش المجاهدون. قوله: (من الإعجاب بالكثرة) أي وغيرها مما يقع عنده النصر بفضل الله تعالى عادة من وجود الشجعان وزيادة العدة ورفعة المكان. قوله: (فإنه يخاف منها) أي من الكثرة (التعجيز) أي يخاف من الإعجاب بها أو من نفسها لكونها سبب التعجيز فنسب إليها ذلك. قوله: (ويوم حنين) أي ونصركم الله يوم حنين وحنين بضم الحاء المهملة ونونين بينهما تحتية مصغر اسم لواد بين مكة والطائف قريب من ذي المجاز قال في النهر وصرف مذهوبًا به المكان ولو ذهب به مذهب البقعة لم يصرف وإذ بدل من يوم وأضاف الإعجاب إلى جميعهم وإن كان صادرًا عن واحد منهم لما رأى الجمع الكثير أعجبه وقال: لن نغلب اليوم من قلة وهذه الكثرة قال ابن عباس كانوا ستة عشر ألفًا والباء في قوله بما رحبت للحال وما مصدرية أي ضاقت بكم الأرض مع كونها رحبة واسعة لشدة الحال عليهم والرحب أي بضم الراء السعة وبفتحها الواسع. قوله: (ثم وليتم مدبرين) أي فارين على أدباركم منهزمين تاركين رسول الله ﷺ فأسند التولي إلى جميعهم وهو واقع من أكثرهم إذ قد ثبت معه ﷺ من الأبطال اهـ. وانظر إلى جزاء ما صدر من إعجاب ذلك الإنسان بكثرة ذلك الجيش وقوله لن نغلب اليوم عن قلة لما كان فيها ظاهرًا الاعتزاز بالقوة والكثرة من انهزام معظمهم إلا من ثبت معه ﷺ نحو عشرة من ابطال الصحابة كالصديق وعمر والعباس وحيدرة في آخرين قال في شأنهم العباس ﵁ وأرضاه: نصرنا رسول الله في الحرب تسعة ... وقد فر من قد فر منهم واقشعوا وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه ... بما مسه في الله لا يتوجع

стр. 1609

باب ما يقول إذا رأى هزيمة في المسلمين والعياذ بالله الكريم يستحبُّ إذا رأى ذلك أن يفزع إلى ذكر الله تعالى واستغفاره ودعائه، واستنجاز ما وعد المؤمنين ــ فلما حصل لهم هذا الانكسار وظهر أن الكثرة لا دخل لها في النصرة إنما النصر لله تعالى جبر الله تعالى ذلك الكسر وأوصل ما أخذه ﷺ بكفه من التراب إلى عين كل من أولئك الكفار الأشرار فكانوا غنيمة للمسلمين ففيه التحذير من الركون في حال إلى غير الله تعالى والتنبيه على أن الكسر لكونه ملجئًا للاضطرار إلى الله تعالى سبب الجبر قال الله تعالى (﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ سبحانه جل وعلا. باب ما يقول إذا رأى هزيمة في المسلمين والعياذ بالله قوله: (أن يفزع إلى ذكر الله تعالى) هو بالفاء والزاي من باب علم يعلم قال في النهاية فزعت إليه فأفزعني أي استغثت إليه فأغاثني اهـ. أي يطلب منه الغوث والنصر وقال السيوطي في قوله ﷺ في حديث الكسوف فافزعوا إلى ذكر الله بفتح الزاي أي الجؤوا اهـ. وهذا أنسب عند المقام والظاهر أن المراد الذكر القلبي أي أنه تعالى منه النصر وإليه يرجع الأمر فيسلم الأمر إليه ويخرج عن حول نفسه وقوتها ففي التسليم غاية الهنا ونهاية المني وعليه فعطف ما بعده عليه من عطف المغاير ويحتمل أن يكون المراد الذكر اللساني ويقر به عطف ما بعده من الاستغفار وما بعده عليه وكان حكمته أن الله تعالى يذكر من يذكره وينصر من ينصره وفي ذلك اهتمام بشأن الذاكرين ونصرة الذابين عن الحق والناصرين له والله أعلم. قوله: (واستنجاز ما وعد المؤمنين) أي سؤال إنجاز ما وعد المؤمنين من نصرهم وكون العاقبة لهم وذلك للاتباع لما فعله ﷺ ببدر فعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال وهو

стр. 1610

من نصرهم وإظهار دينه، وأن يدعوَ بدعاء الكرب المتقدم: لا إله إلا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إلهَ إلَّا الله رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إلهَ إلا الله ربُّ السَّمواتِ وَرَبُّ الأرْضِ ربُّ العَرْشِ الكَرِيمِ. ويستحبُّ أن يدعوَ بغيره من الدعوات المذكورة المتقذمة والتي ستأتي في مواطن الخوف والهلكة. وقد قدمنا في باب الرجز الذي قبل هذا "أن رسول الله ﷺ لما رأى هزيمة المسلمين، نزل واستنصر ودعا" وكان عاقبة ذلك النصر ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وروينا في "صحيح البخاري" عن أنس ﵁ قال: ــ في قبته ببدر اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لن تعبد بعد اليوم فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك فقام وهو يُنسب في الدرع ويقول (﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ حديث صحيح أخرجه البخاري من طرق ووافقه في بعضها النسائي والطبراني وفي بعضها يوم بدر من غير ذكر القبة وفي بعضها في قبة من غير ضمير وفي بعضها في قبة له ولم يذكر يوم بدر والحديث عند مسلم أيضًا كما تقدم. قوله: (من نصرهم) أي بقوله ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ ومن ثم قال ﷺ لا إله إلا الله وحده صدق وعده الخ. قوله: (وإظهار دينه) إضافة الدين إليه تعالى للتشريف قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ أي والله لا يخلف الميعاد فظهور خلاف ما ذكر إنما هو لعدم ظهوره لأولئك الأقوام ولكل شيء أجل ولكل أجل كتاب. قوله: (الذي قبل هذا) أي ببابين وفي نسخة قبل الذي قبل هذا فباب الرجز قبل باب استحباب إظهار الصبر الخ وهو قبل باب ما يقول إذا ظهر المسلمون الذي هو قبل هذا الباب ومقتضى هذا أن يقال في الباب الذي قبل هذا وأوضح منه أن يقال فيه في الباب السابق على هذا الباب ببابين والله أعلم. قوله: (وروينا في صحيح البخاري) قال الحافظ وهو عند مسلم من غير طريق البخاري عن

стр. 1611

لما كان يوم أُحد وانكشف المسلمون قال عمي أنس بن النضر: ــ أنس أيضًا وحديث البخاري عن أنس بن النضر غاب عن قتال بدر فلما قدم قال غبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين لئن الله أشهدني مشهدًا بعدها ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ بأخراها فقال سعد فقلت له: أنا معك فلم أستطع ما صنع قال أنس فوجدنا به بضعًا وسبعين ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم فكنا نقول فيه وفي أصحابه نزلت ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ الآية وزاد فيه في رواية السهمي فوجدناه بين القتلى قد مثلوا به فما عرفته إلا أخته قال الحافظ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي زاد في جامع الأصول من تخريج من ذكر فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد وحديث مسلم عن ثابت عن أنس بن مالك قال كان أنس بن النضر وبه سميت لم يشهد بدرًا فعظم ذلك عليه فقال أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه فذكر الحديث بنحوه وفيه بعد قوله ليراني الله ما أصنع فهاب أن يقول غيرها وقال فيه فقاتل حتى قتل وأخرجه أيضًا النسائي والترمذي اهـ قال المصنف في شرح مسلم كذا في النسخ ليراني الله ما أصنع بالألف وهو صحيح ويكون ما أصنع بدلًا من الضمير في يرائي أي ليرى الله ما أصنع ووقع في رواية ليرين الله ما أصنع بنون مشددة بعد التحتية المفتوحة وهكذا وقع في البخاري وعليه ضبطوه بوجهين بفتح التحتية الأولى والراء أي يراه الله واقفًا بارزًا وبضم التحتية وكسر الراء معناه ليرين الله النّاس ما أصنع ويبرزه الله لهم وقوله فهاب أن يقول غيرها معناه أنه اقتصر على هذه اللفظة المبهمة وهو قوله ليرين الله الخ مخافة أن يعاهد الله بغيرها فيعجز أو تضعف نيته عنه أو نحو ذلك ليكون أبرأ من الحول والقوة اهـ. قوله: (أنس بن النضر) هو بالضاد المعجمة قال الحافظ في مقدمة الفتح ما كان على هذه الصورة معرفًا فبالضاد المعجمة أو منكرًا فبالصاد المهملة وأنس هذا عم أنس بن مالك خادم النبي ﷺ ومن كراماته ما ورد في الصخيح عن أنس قال كسرت الرببع وهي عمة أنس بن مالك أخت أنس بن النضر ثنية جارية من الأنصار فطلب القوم القصاص

стр. 1612

اللَّهُم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابَه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فقاتل حتى استشهد، فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة أو طعنة برمح أو رمية بسهم. باب ثناء الإمام على من ظهرت منه براعة في القتال ــ فأتوا النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ بالقصاص فقال أنس بن النضر لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله فقال ﷺ كتاب الله القصاص فرضي القوم وقبلوا الأرش فقال رسول الله ﷺ إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره والربيع بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية بعدها عين مهملة كذا في اسد الغابة وسيأتي لهذا المقام زيادة تحقيق في تعيين الجاني هل هو الربيع أو أخت الربيع وهل الجناية في السنن أو غيرها وهل القائل أنس أو أم الربيع في باب جواز التهليل والتسبيح عند التعجب. قوله: (وانكشف المسلمون) أي انهزموا وفيه حسن العبارة إذ لم يصرح لفظ الانهزام على المسلمين كذا في الكرماني. قوله: (أبرأ إليك) أي أنا بريء من الإشراك وقتال رسول رب العالمين وقتل المسلمين الذي فعله المشركون (وأعتذر) أي من انكشاف أصحابه لأنه لا طاقة له على تثبيتهم وردهم إلى مواطنهم التي أمروا بلزومها ففارقوها ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا. قوله: (بضعًا) بكسر الباء وقد تفتح قال في النهاية ما بين الثلاث إلى التسع وقيل ما بين الواحد إلى العشرة لأنه قطعة من العدد وقال الجوهري تقول بضع سنين وبضعة عشر رجلًا فإذا جاوزت لفظ العشر لا تقول بضع وعشرون وهذا يخالف ما جاء في الحديث أي كالحديث المذكور هنا عن أنس وهو من الفصحاء بضعًا وثمانين وكالحديث المرفوع في البخاري لقد رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها وجاء في الرواية أن الضربات المذكورة كانت في المقبل من أنس بن النضر. باب ثناء الإمام على من ظهرت منه براعة في القتال

стр. 1613

روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن سلمة بن الأكوع ﵁ في حديثه الطويل في قصة إغارة الكفار على سرح المدينة وأخذهم اللقاح وذهابِ سلمة وأبي قتادة في أثرهم ... فذكر الحديث، إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ : "كانَ خيْرَ فُرْسانِنا اليوم أبُو قُتَادَةَ، وخَيرَ رجَّالتنا سَلَمَةُ". ــ قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال الحافظ هذا الحديث أورده الحميدي في الجمع بين الصحيحين فيما انفرد به مسلم وقد نبهت على ذلك في باب قول الرجل حال القتال أنا فلان وتحقيق القول فيه إن حديث سلمة جاء عن ابنه أياس ومولاه يزيد كلاهما عنه فرواية أياس مشتملة على قصص كثيرة وهي عند مسلم ورواية يزيد أخرجها البخاري منقطعة وليس فيها قصة علي مع مرحب كما تقدم في ذلك الباب وليس فيها مقصود هذا الباب أيضًا قوله وهو خير فرساننا الخ اهـ وقد ورد قوله ﷺ : "خير فرساننا من طريق آخر" باختصار في الحديث فأخرجه الحافظ بسنده من طريق أبي نعيم من طريق عكرمة أيضا الراوي عن إياس قال فذكر طرفًا من أوله ثم قال: فقال رسول الله ﷺ : "خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة" قال الحافظ واقتصر النضر يعني الراوي عنه الحافظ في أحد طرقه لهذا الحديث على قوله خير فرساننا أبو قتادة قال وأخرجه ابن حبان في صحيحه بأتم من هذا قال الحافظ بعد أن أورد له طريقًا أخرى وللحديث شاهد من طريق أبي قتادة أخرجه عنه الطبراني في المعجم الصغير قال يعني أبا قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري أغار المشركون على لقاح رسول الله ﷺ فركبت فأدركتهم فقتلت مسعدة يعني الفزاري فقال رسول الله ﷺ حين رآني أفلح الوجه: "اللهم اغفر له ثلاثًا وفيه عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع" قال الطبراني لم يروه عن أبي قتادة إلا ولده ولا سمعناه إلا من عبدة وكانت امرأة فصيحة عاقلة متدينة اهـ وعبدة بنت عبد الرحمن بن مصعب بن أبي قتادة الأنصاري. قوله: (خير فرساننا الخ) في الصحاح الراجل خلاف الفارس والجمع رجل مثل صاحب وصحب ورجالة ورجال

стр. 1614

باب ما يقوله إذا رجع من الغزو فيه أحاديث ستأتي إن شاء الله تعالى في " كتاب أذكار المسافر "، وبالله التوفيق. كتاب أذكار المسافر اعلم أن الأذكار التي تستحب للحاضر في الليل والنهار واختلاف الأحوال وغير ذلك مما تقدم تستحب للمسافر أيضًا، ويزيد المسافر بأذكار، فهي المقصودة بهذا الباب، وهي كثيرة منتشرة جدًّا، وأنا أختصر مقاصدها إن شاء الله تعالى، وأبوَّب لها أبوابًا تناسبها، مستعينًا بالله، متوكلًا عليه. باب الاستخارة والاستشارة اعلم أنه يستحبُّ لمن خطر بباله السفر أن يشاور فيه مَنْ يعلم من ــ اهـ. قال المصنف قوله خير فرساننا الخ فيه استحباب الثناء على الشجعان وسائر أهل الفضائل لا سيما عند صنيعهم الجميل لما فيه من الترغيب لهم ولغيرهم في الإكثار من ذلك الجميل وهذا في حق من يؤمن عليه الفتنة بإعجاب ونحوه اهـ والله أعلم. كتاب أذكار المسافر اسم فاعل من سافر والسفر قطع مسافة للوصول إلى مقصد معلوم مأخوذ من السفر لأنه يسفر عن أخلاق الرجال وفي عوارف المعارف للسهروردي نفع الله به قال عمر ﵁ لمن زكي عنده رجلًا هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق قال: لا قال: ما أراك عرفته اهـ. باب الاستخارة والاستشارة أخرج الحافظ عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد" وقال حديث غريب لم يروه عن الحسن إلا عبد القدوس تفرد به ولم أره قال: قال سليمان: قال الحافظ وعبد القدوس بن حبيب: ضعيف جدًّا اهـ. قوله: (يستحب لمن خطر بباله السفر أن يشاور فيه الخ)

стр. 1615

حاله النصيحةَ والشفقةَ والخبرةَ، ويثق بدينه ومعرفته، قال الله تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [أل عمران: ١٥٩] ودلائله كثيرة. وإذا شاور وظهر أنه مصلحة استخار الله في ذلك، فصلى ركعتين من غير الفريضة، ودعا بدعاء الاستخارة ــ ظاهر كلامه بل صريحه تقديم الاستشارة قبل الاستخارة قال ابن حجر الهيتمي وليس ببعيد حتى عند التعارض لأن الطمأنينة إلى قول المستشار أقوى منها إلى النفس لغلبة حظوظها وفساد خواطرها قيل ومن ثم لو اطمأنت نفسه وارتاضت وغلب صدق أرادنها قدم الاستخارة كما بحث وهو واضح. قوله: (والخبرة) هو بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة أي الاختبار. قوله ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ورد أن هذه الآية خاصة بأبي بكر وعمر أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وأخرجه أحمد من حديث ابن عمر قال: قال ﷺ لأبي بكر وعمر: "لو اتفقتما على مشورة لما خالفتكما وكأن وجه هذا التشريف ما كان له عندهما من كمال الوداد والمحبة الصادقة إذ لا يستشير الإنسان إلا من كان معتقدًا فيه المودة مع ما لهما من رصانة العقل والتجربة ذكر ابن عطية أن الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب هذا مما لا خلاف فيه والمستشير في الدين عالم دين وقلما يكون ذلك إلا في عاقل اهـ. وله: (ودلائله كثيرة) أي دلائل ما ذكر من المشاورة كثيرة فمنها استشارته ﷺ يوم الحديبية رواه البخاري وغيره قال الزهري كان أبو هريرة يقول ما رأيت أحدًا قط أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ أخرج هذه الزيادة ابن حبان وغيره وفي بعض طرقه عنه ما رأيت بعد رسول الله ﷺ أكثر استشارة للرجال من رسول الله ﷺ منها عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ من أراد أمرًا فشاور فيه أمرًا مسلمًا وفقه الله لأرشد أموره قال الطبراني تفرد به عمرو بن الحصن قال الحافظ وهو ضعيف جدًّا وفي شيخه وشيخ شيخه والراوي عند مقال ومنها عن ابن مرو وال كتب الصديق إلى عمرو أن رسول الله ﷺ كان يشاور في الحرب فعليك به قال الحافظ: هذا حديث غريب رواته موثقون وفي بعضهم ضعف يسير قال الشافعي بلغنا عن الحسن إن كان رسول الله ﷺ لغنيًّا عن المشاورة لكن أراد أن يستن به من بعده من الحكام ذكره الشافعي
следующие страницы →