Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
شهدتُ علي بن أبي طالب ﵁ أُتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الرَّكاب
قال: بِسْمِ اللهِ، فلما استوى على ظهرها قال: الحَمْدُ لِلهِ، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ثم قال:
ــ
ثم قال غريب من حديث عبد ربه بن سعيد عن يونس تفرد به ابن لهيعة عنه وكذا ذكر المزي في الأطراف أن شعيب بن صفوان رواه عن يونس بن خباب عن شقيق الأزدي عن علي بن ربيعة ورواه الطبراني في الدعاء من طريق ابن لهيعة لكن سقط من السند شقيق الأزدي قال الحافظ وشقيق هذا ما عرفت اسم أبيه ولا حاله هو والعلم عند الله تعالى اهـ. ثم علي بن ربيعة من كبار أوساط التابعين خرج له الستة. قوله: (شهدت) أي حضرت قوله: (بدابة) أصلها ما يدب على وجه الأرض ثم خصصها العرف العام بذوات الأربع ثم خصصها العرف الخاص بالفرس والبغل والحمار. قوله: (الركاب) بكسر الراء. قوله: (بسم الله) أي أركب قال العصام في شرح الشمائل كأنه مأخوذ من قول نوح لما ركب السفينة بسم الله لأن المركب بالبر كالسفينة بالبحر وتعقبه ابن حجر الهيثمي بأن ذلك نقل عن النبي ﷺ وبين بأنه تأسى به في ذلك فكيف مع ذلك يقال كأنه مأخوذ الخ، وفيه أنه فهم أن المحقق العصام أراد أن عليًّا هو الآخذ وليس كما ظن بل معني كلامه أن النبي ﷺ أخذ ذلك من قول الله حكايته عن نوح ولا بدع لقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ كما أن بقية الأذكار الآتية مأخوذة من قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾ وأيضًا فإذا قال الإنسان ذلك تذكر عنده عقوق قوم نوح على الله الموجب لغرقهم، فكان في ذوه حمل للرجوع إلى الله تعالى المتكفل بالخلاص من الشدائد قال المناوي واعترضه هلهل. قوله: (استوى) أي استقر. قوله: (سخر) أي ذلل. قوله: (وما كنا له) أي لتسخيره، وكأن وجه مناسبة الإتيان بهذا الذكر وافتتاحه بسبحان الموضوعة للتنزيه أن تسخير الدواب لنا نعمة عظيمة لا يقدر عليها غيره فناسب شهود تنزيهه عن شريك حينئذٍ وقيل إنه تنزيه عن الاستواء الحقيقي على العرش المذكر به الاستواء على الدابة قيل ويرده ذكر ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنَا﴾ الخ تنبيهًا على سر قوله ذلك هنا المتأيد به ما أشرنا إليه أولًا
стр. 1647
الحَمدُ لِلهِ، ثلاث مرات، ثم قال: اللهُ أكْبرُ، ثلاث مرات، ثم قال: سُبْحانكَ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنْتَ، ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي ﷺ فعل مثل ما فعلت ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: "إن رَبَّكَ سُبْحانَهُ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إذا قال: اغْفِرْ لي ذُنُوبي،
ــ
من قولنا وكأنه وجه الخ اهـ وسكت المناوي في شرح الشمائل على الوجه الثاني ولم يتعقبه بشيء. قوله: (الحمد الله) أي على هذه النعمة العظيمة أي تذليل هذا الوحش النافر وإطاعته لنا على ركوبه محفوظين عن شره. قوله: (ثم قال) أي شكرًا لنعمة التسخير، فلذا كرر ذلك تعظيمًا لتلك النعمة إذ لا يقدر عليها غيره وقيل الحمد الأول لحصول النعمة والثاني لدفع النقمة والثالث
لعموم المنحة. قوله: (ثم قال الله أكبر) أي لما أدى مقام شكر النعمة بالحمد أتى بما فيه الثناء عليه تعالى بالجلال وكرره لمزيد الإجلال، وقيل: أتى به تعجبًا للتسخير أو دفعًا لنخوة النفس من استيلائها على المركب والتكرار قيل: تعظيمًا للتسخير وقيل الأول إيماء إلى الكبرياء والعظمة في ذاته والثاني للتكبر والتعظيم في صفاته والثالث للإشعار بأنه منزه عن الاستواء المكاني. قوله: (سبحانك) أي تنزهت عن الحاجة أي ما يحتاجه عبادك وكرره توطئة لقوله إني ظلمت نفسي ليكون مع اعترافه بالظلم أنجح لإجابة سؤاله وتحقيق آماله وقيل: سبب ذكر قوله: ظلمت نفسي كونه في قضاء حاجة نفسه لا في الجهاد في سبيله اهـ ورد بأنه غفل عن أنه يسن ذلك حتى للمجاهد وكل من ركب لعبادة ولو واجبة، فالوجه أن سببه أن تذكر النعمة يحمل على شهود التقصير في شكرها وأن العبد ظلم نفسه بعدم القيام به فناسب ذكر هذا هنا قوله: (فقيل) جاء في رواية أخرى عند الترمذي أن علي بن ربيعة هو السائل لعلي ﵁. قوله: (يا أمير المؤمنين) هذا يدل على أن القضية في أيام خلافته. قوله: (فقيل) جاء في رواية الترمذي أيضًا أن السائل له ﷺ هو علي بن أبي طالب ﵁. قوله: (يعجب من عبده) المراد من العجب في حقه تعالى
стр. 1648
يَعْلَمُ أنَّه لا يَغْفِرُ الذنُوبَ غَيرِي"، هذا لفظ رواية أبي داود. قال الترمذي: حديث حسن. وفي بعض النسخ: حسن صحيح.
وروينا في "صحيح مسلم" في كتاب المناسك عن عبد الله بن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبر ثلاثًا، ثم قال:
﴿سُبْحَانَ
ــ
لاستحالة حقيقة العجب منه غايته وهي استعظام الشيء والرضا به المستلزم لجزيل الثواب له ولهذا الرضا المقتضي فرحه ﷺ ومزيد النعمة عليه ضحك ﷺ ولما تذكر علي كرم الله وجهه ذلك اقتضى مزيد فرحه وبشره فضحك أيضًا. قوله: (يعلم) هو حال من فاعل "قال رب اغفر لي" أي قال ذلك غير غافل ولا جاهل بل عالمًا الخ وأغرب ميرك في قوله بتقدير قد لأن الجملة الحالية إذا كانت فعلية مضارعية مثبتة تكتفي بالضمير وحده لمشابهته لفظًا ومعنى لاسم الفاعل المستغني عن الواو نحو جاء زيد يسرع قيل وقد سمع بالواو نعم لا بد في الماضي من قد ظاهرة أو مقدرة بل تقدير قد هنا مضر.
فائدة
قال ابن حجر الهيتمي ينبغي إذا فاته ذكر الركوب في أوله أن يأتي به في أثنائه نظير البسملة في الوضوء وغيره اهـ. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) قال في السلاح ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وفي رواية لمسلم أيضًا وكآبة المنظر وسوء المنظر اهـ وأشار الحافظ إلى أن في رواية الترمذي اختصارًا، وقال فيه واطو لنا بعد الأرض وفيه وإذا رجع قال: آئبون وعند الدارمي أن رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفره قال: آئبون إن شاء الله تائبون. قوله: (إذا استوى على بعيره الخ) قال
الأبي: ينبغي تكرير هذا الذكر وإشاعته وكذا يقوله من ركب السفينة بل هو أحرى وكذا يقوله الراجل إلا أنه لا يقول ما يختص بالراكب كقوله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ اهـ وتردد ابن حجر الهيتمي في إلحاق راكب الآدمي براكب الدابة في استحباب هذا الذكر قال والإلحاق غير بعيد لأن من شأن الآدمي الآباء عن كونه مركوبًا فكان في تسخيره نعمة أي نعمة واستوجه أيضًا ندب ما ذكر عند ركوب نحو الدابة المغصوبة لأن الحمد على التسخير وهو قدر مشترك فيما له وفيها غصبه وإن حرم الانتفاع بالأخير. قوله: (كبر) أي قال الله أكبر وتقدمت حكمته وحكمة
стр. 1649
الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللَّهُمَّ إنا نَسألُكَ في سَفَرِنا هَذَا البرَّ والتَّقوى، ومِنَ العَمَلِ ما تَرْضَى، اللهُم هَوِّن عَلَينا سَفَرنا هَذَا، وَاطْو عَنا بُعدَهُ، اللهم أنْتَ الصَّاحِبُ في السفَرِ وَالخَلِيفةُ في الأهلِ، اللهُم إني أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعثاءِ السَّفَرِ، وكآبَةِ المَنْظَرِ، وَسُوءِ المُنْقَلب في المَالِ والأهلِ"
ــ
تكراره. قوله: (البر) أي العمل الصالح والخلق الحسن. قوله: (والتقوى) قال الأبي أي الخوف الحامل على التحرز من المكروه. قوله: (ومن العمل) بيان لما والمراد وما ترضاه من العمل وهو العمل الصالح، وكرر ما يدل على طلب ذلك لاقتضاء مقام السؤال الإطناب. قوله: (اللهم أنت الصاحب في السفر الخ) فينبغي ندب ذلك بسبابته اليمنى ليلحظ بها ما رفعت له في تشهد الصلاة من الإشارة إلى التوحيد بالقلب واللسان والأركان ويظهر أنه لو لم يتيسر له باليمنى أشار باليسرى ويفرف بينه وبين نظيره في التشهد بأن الإشارة باليسرى ثم تبطل سنة وضعها على الركبة ولا كذلك هنا اهـ والصاحب الذي يصحبك بحفظه، والخليفة الذي يخلفك في أهلك بصلاح أحوالهم بعد انقطاع نظرك عنهم قال الأبي ولا يسمى الله بالصاحب ولا بالخليفة لعدم الإذن وعدم تكرر ذلك في الشريعة اهـ. وقال ابن حجر الهيتمي المراد من الصحبة هنا غايتها من اللطف وأس الإنعام والإفضال ويستفاد من الحديث أن الصاحب في السفر من أسماء الله تعالى لكن هل هو بقيد في السفر اتباعًا للفظ الحديث ولم يرد إلا مقيدًا أو لا يتقيد بذلك محل نظر والأقرب الأول وكذا يقال بنظيره في قوله والخليفة في المال والأهل اهـ. قوله: (أعوذ بك من وعثاء السفر) الوعثاء بفتح الواو وإسكان العين المهملة وبالثاء المثلثة وبالمد هي المشقة والشدة. قوله: (وكآبة المنظر) بفتح أوله وثالثه أي حزن المرء وما يسوؤه قاله الأبي وسيأتي له مزيد. قوله: (وسوء المنقلب) مصدر ميمي أي سوء الانقلاب والرجوع من الخير إلى ضده وفي مفتاح الحصن أي سوء الانقلاب من السفر والعود إلى وطنه يعني أن يعود فيرى ما يسوؤه في الأهل والمال أي أهل بيته وزوجه وخدمه وحشمه اهـ. وقال ميرك معناه أن ينقلب إلى وطنه
стр. 1650
وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: "آيِبُونَ تائُبِونَ عابدُونَ لرَبِّنا حامِدُونَ" هذا
ــ
فيلقي ما يكتئب منه من إصابته في سفره أو ما يقدم عليه مثل أن يرجع غير مقضي الحاجة أو أصاب ماله آفة أو يقدم على أهله فيجدهم مرضى أو يفقد بعضهم اهـ. قال في الحرز أو يرى بعضهم على المعصية اهـ. قوله: (وإذا رجع) أي من سفره وأشرف على بلده، ففي الصحيحين عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ لما اشرف على المدينة قال آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون فلم يزل يقولها حتى دخل المدينة. قوله: (آئبون) بهمزة ممدودة فهمزة مكسورة فموحدة واحده آئب وهو الراجع قال في مفتاح
الحصن آئبون بكسر الهمزة بعد الألف وكثير من النّاس يلفظ بياء بعد الألف وهو لحن ومعناه راجعون اهـ وقوله بعد الألف أي الممدودة فإنه اسم فاعل قال في الحرز وكون الياء لحنًا إنما هو في الوصل أما في الوقف عليه فهو صحيح بلا خلاف كما هو مقتضى قاعدة الإِمام حمزة من قراء السبعة حيث جوز في مثله التسهيل والإبدال والتقدير نحن الرفقاء آئبون اهـ ثم هو خبر مبتدأ محذوف أي نحن راجعون وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالأوصاف المذكورة أشار إليه العلقمي وفي الحرز الأولى أن يفسر آئبون براجعون عن الغفلة فإن الأواب وصف الأنبياء ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ونعت الأولياء ومنه ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ ويقال للصلاة بين العشاءين صلاة الأوابين. قوله: (تائبون) قال الغزالي في المنهاج نقلًا عن شيخه التوبة ترك اختيار ذنب سبق عنك مثله تعظيمًا الله تعالى قال الأبي وأصلها الرجوع عما هو مذموم إلى محمود وقوله تائبون فيه إشارة إلى التقصير في العبادة وقاله ﷺ تواضعًا أو تعليمًا لأمته أو المراد أمته وقد تستعمل التربة لإرادة الاستمرار على الطاعة فيكون المراد أن لا يقع منهم ذنب. قوله: (لربنا) متعلق بقوله عابدون وقيل إنه تنازع فيه هو وقوله حامدون ويرد بأن شرط التنازع
стр. 1651
لفظ رواية مسلم.
زاد أبو بكر في روايته "وكان النبي ﷺ وجيوشه إذا علوا الثنايا كبَّروا، وإذا هبطوا سبحوا" وروينا معناه من رواية جماعة من الصحابة أيضًا مرفوعًا.
وروينا في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سافر يتعوَّذ من وعثاءِ السفر، وكآبةِ المنقلب،
ــ
تقدم العامل وقال الكرماني قوله لربنا يحتمل تعلقه بحامدون أو بساجدون أو بهما أو بالصفات الأربع المتقدمة أو بالخمس على سبيل التنازع اهـ وحامدون أي مثنون عليه بصفات الكمال وشاكرون عوارف الإفضال. قوله: (وزاد أبو داود الخ) قال الحافظ هو حديث آخر يأتي بيانه قريبًا في باب تكبير المسافر وما يأتي في الباب المذكور من معناه عن جماعة من الصحابة مرفوعًا.
قوله: (وروينا في صحيحي مسلم الخ) قال الحافظ أورده من طريق يحيى بن يحيى وزهير بن حرب عن أبي معاوية ومن طريق حامد بن عمر عن عبد الواحد بن زياد كلاهما عن عاصم وساقهما مساقًا واحدًا ولم يذكر فإذا رجع الخ ثم قال بعد أن فرغ غير أن في حديث عبد الواحد في المال والأهل وفي رواية ابن خازم يعني ابا معاوية وأبوه خازم بمعجمتين قال: وإذا رجع بدأ بالأهل قال الحافظ وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية وعبد الرحيم بن سليمان كلاهما عن عاصم وقال في آخره زاد أبو معاوية فإذا رجع قال مثلها ولم يذكر ما بعدها قلت: وأكثر من روى هذا الحديث قدم الأهل على المال ولم يذكروا الرجوع ولا ما فيه ثم خرجه الحافظ كذلك وقال أخرجه مسلم والنسائي وأخرجه أحمد عن يزيد بن هارون قال أخبرنا عاصم بالكوفة فلم أكتبه ثم سمعت شعبة يحدث به فعرفته اهـ كلام الحافظ.
قوله: (عن عبد الله بن سرجس) قال الحافظ هو بسينين مهملتين الأولى مفتوحة بعدها راء ساكنة ثم جيم مكسورة اهـ قال العامري وهو منصرف لأنه عربي رباعي ليس فيه اجتماع علتين وذكر القارئ في شرح الشمائل أنه روي غير منصرف أيضًا وهو مزني نسبًا مخزومي حلفًا بصري دارًا قال البخاري له صحبة وهو من صغار الصحابة أخرج عنه مسلم حديثين وأخرج
стр. 1652
والحَوْرِ بعد الكون، ودعوةِ المظلوم، وسوءِ المنظر في الأهل والمال".
وروينا في كتاب الترمذي وكتاب ابن ماجه بالأسانيد الصحيحة عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا سافر يقول: "اللهم أنتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَلِيفَةُ في الأهْلِ، اللهُم إني أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السفَرِ، وكآبَةِ المُنْقَلَبِ، ومِنْ دَعْوَةِ المَظْلُوم،
ــ
عند الأربعة روى عنه بنوه مطرف ويزيد وهانئ لا يعرف تاريخ موته وفي المستخرج المليح لابن الجوزي أن عدة أحاديثه عن رسول الله ﷺ سبعة عشر حديثًا وفي السلاح انفرد بإخراج حديثه مسلم فروى له ثلاثة أحاديث هذا أحدها اهـ وهو مخالف لما في رياض العامري في عدة ما أخرجه عنه مسلم.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي الخ) قال الحافظ أسانيدهم الصحيحة وغيرهم تنتهي إلى عاصم يعني ابن الأحوال عن ابن سرجس وهو الحديث الذي قبله زاد فيه بعض الرواة عن عاصم كما تقدم لأبي معاوية وزاد بعضهم في أوله اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر الخ رواه كذلك الترمذي والنسائي وابن خزيمة قال الحافظ ولم يذكر ابن ماجه الزيادة في أوله وأورد له الحافظ طرقًا أربعة ثلاثة منها على شرط الصحيح وفي بعض طرقه احفظنا بدل اصحبنا وفي بعضها إنا نعوذ بك بصيغة الجمع قال وجاء عن أبي هريرة نحو هذا الحديث بزيادته أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عنه ﵁ قال كان ﷺ إذا سافر قال: "اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر" فذكر الحديث بدون أصحبنا وأخلفنا والحور والكور ودعوة المظلوم أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فركب راحلته قال بأصبعه ومد أصبعه اللهم أنت الصاحب في السفر الحديث كالذي عند الترمذي والنسائي وزاد اللهم اصحبنا بنصح واقلبنا بذمة وليس عنده وسوء المنظر الخ أخرجه الترمذي والنسائي جميعًا وقال الترمذي: حسن غريب اهـ. قوله: (ومن الحور) هو بفتح الحاء المهملة وسكون الواو والراء آخره. قوله: (ودعوة المظلوم) أي أعوذ بك من الظلم فإنه يترتب
стр. 1653
وَمِنْ سُوءِ المَنْظَرِ في الأهْلِ والمَالِ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: ويروى: الحوَر بعد الكور أيضًا: يعني: يروى الكَوْن بالنون، والكَوْر بالراء. قال الترمذي: وكلاهما له وجه،
قال: يقال: هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني: الرجوع من شيء إلى شيء من الشر، هذا كلام
ــ
عليه دعاء المظلوم ودعوته ليس بينها وبين الله حجاب قال الأبي فالمصدر على هذا مضاف للفاعل وقد يصح أن يكون مضافًا للمفعول كما قال في حديثه أعوذ بك أن أظلم أر أظلم اهـ. لا يقال الظلم ودعوة المظلوم يحترز عنها في الحضر والسفر لأنا نقول الحور بعد الكور وما بعده كذلك لكن مظنة البلايا والمصائب والمشقة فيه أكثر فخصت به أو لأن دعوة المظلوم المسافر الذي لا يلقى الإعانة ولا الإغاثة أقرب إلى الإجابة وفي الحديث التحذير عن الظلم وعن التعرض لأسبابه. قوله: (قال) يعني الترمذي بعد أن رواه بالنون ما لفظه (ويروى) أي الحديث (الكور) أي بالراء أيضًا. قوله: (يروى الكون بالنون) وهو مأخوذ من مصدر كان يكون كونًا إذا وجد واستقر وقال المأزري قال أبو عبيد سأل
عاصم عن معناه قال: ألم نسمع قولهم حار بعد ما كان أي أنه كان على حال جميلة فرجع عنها أشار إليه المصنف في شرح مسلم، وفي الفائق الحور أي الرجوع بعد الكون بالنون أي الحصول على حال حميدة استعاذ من التراجع بعد الإقبال اهـ. قوله: (والكور بالراء) قال في الحرز الكور معناه الزيادة ومنه كور العمامة وقوله تعالى ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ الآية قال المأزري على رواية الراء معناه أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا في الكور أي الجماعة يقال كار عمامته إذا لفها وحارها إذا نقضها وقيل نعوذ بك أن تفسد أمورنا بعد إصلاحها كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس اهـ. ونظر فيه التوربشتي بأن استعمال الكور خاص بجماعة الإبل وربما استعمل في جماعة البقر وأجاب عنه في الحرز بأن باب الاستعارة
стр. 1654
الترمذي، وكذا قال غيره من العلماء: معناه بالراء والنون جميعًا: الرجوع من الاستقامة، أو الزيادة إلى النقص. قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها، ورواية النون مأخوذة من الكَون مصدر كان يكون كونًا: إذا وجد واستقر.
قلت: ورواية النون أكثر، وهي أكثر أصول "صحيح مسلم"، بل هي المشهور فيها.
والوعثاء بفتح الواو وإسكان العين وبالثاء المثلثة وبالمدِّ: هي: الشدة.
ــ
غير مسدود كالعطن مخصوص بالإبل ويكنى به عن ضيق الخلق وفي الفائق وروي بعد الكور بالراء أيضًا فقيل معناه النقصان بعد الزيادة وقيل من الشذوذ بعد الجماعة وقيل من الفساد بعد الصلاح أو من القلة بعد الكثرة أو من الإيمان إلى الكفر أو من الطاعة إلى المعصية أو من الحضور إلى الغفلة وكأنه من كار عمامته إذا لفها على رأسه فاجتمعت وإذا نقضها فانفرقت وأما بالنون فقال أبو عبيدة من قولهم حار بعد ما كان أي أنه كان على حال جميلة فرجع عنها ووهم بعضهم رواية النون والله أعلم اهـ كلام الفائق وظاهره أن الحور إذا كان مع الكون بالنون يفسر بالرجوع وإذا كان مع الكور بالراء يفسر بأحد ما سبق فيه والذي جرى عليه المصنف هنا أن معناه الرجوع في كلامه مع كل منهما. قوله: (معناه) أي الحور. قوله: (بالراء والنون) أي حال كونه مصاحبًا للكون بالراء والنون. قوله: (ورواية النون أكثر) قال المصنف في شرح مسلم هكذا هو في معظم النسخ من صحيح مسلم بعد الكون بالنون بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في صحيح مسلم قال القاضي وكذا رواه الفارسي وغيره من رواة مسلم قال: ورواه العذري بعد الكور بالراء قال والمعروف من رواية عاصم الذي روى عنه مسلم بالنون قال القاضي يقال إن عاصمًا وهم فيه وأن صوابه الكور بالراء.
قلت: وليس كما قال قال الحربي: بل كلاهما روايتان وممن ذكر الروايتين جميعًا الترمذي في جامعه وخلائق من المحدثين وذكرهما أبو عبيدة وخلائق من أهل اللغة
стр. 1655
والكآبة بفتح الكاف وبالمدِّ: هو تغير النفس من حزن ونحوه. والمنقلب: المرجع.
باب ما يقول إذا ركب سفينة
قال الله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١] وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾ الآيتين [الزخرف: ١٢].
وروينا في كتاب ابن السني عن الحسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمان
ــ
وغريب الحديث اهـ. كلام شرح مسلم. قوله: (والكآبة الخ) كآبة المنظر أي قبحه قيل المراد به الاستعاذة من كل منظر يعقب
النظر إليه الكآبة فهو من قبيل إضافة المسبب وقال ابن الجوزي الكآبة تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن. قوله: (من حزن) بضم المهملة وإسكان الزاي وبفتحهما معًا.
باب ما يقول إذا ركب
قوله: ﴿وَقَال ارْكَبُوا فِيهَا﴾ أي وقال نوح حين أمر بالحمل في السفينة لمن آمن به ومن أمر بحمله اركبوا فيها أي في السفينة، والظاهر أنه خطاب لمن يعقل لأنه لا يليق لمن لا يعقل وعدي اركبوا لتضمنه معنى صيروا وادخلوا أو التقدير اركبوا الماء فيها والباء في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾) في موضع الحال أي متبركين باسمه تعالى. قوله: ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ بفتح الميمين وضمهما مع الإمالة وعدمها مصدران أي جريها ورسيها أي منتهى سيرْها وهما منصوبان على الظرفية الزمانية على جهة الحذف أي كما حذف من جئتك مقدم الحاج أي وقت قدومه قال أبو حيان: ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء وبسم الله الخبر قال في الحرز فيكون إخبارًا عن سفينة نوح بأن إجراءها وإرساءها باسم الله وقد نقل أنه كان إذا أراد جريها قال بسم الله فجرت وإذا أراد إرساها أي إثباتها قال بسم الله فرست وقيل التقدير اركبوا قائلين: بسم الله الخ أو مسمين الله تعالى وقت إجرائها وإرسائها اهـ والآية الثانية سبق الكلام عليها في الباب قبله. قوله: (وروينا في كتاب ابن السني) زاد في الحصن ورواه الطبراني وأبو يعلى أيضا قال الحافظ وأخرجه ابن عدي في الكامل بسند
стр. 1656
لأمَّتي مِنَ الغَرَقِ إذَا رَكِبُوا أنْ يَقُولُوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... ﴾ الآية [الزمر: ٦٧].
ــ
فيه ضعفاء ومجهول والطبراني من تلك الطريق ومن طريق أخرى. قوله: (من الغرق) هو بفتح الغين المعجمة والراء مصدر على ما في النهاية. قوله: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي حيث لم يهلك الجميع بما وقع فيهم من المخالفات، وقد ورد: أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا عم الخبث فعدم تعميم الغرق للمؤمنين من رحمته ومزيد منته. قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قال ابن عباس معناه ما عظموا الله حق عظمته قال سهل التستري وما عرفوه حق معرفته قال أبو حيان في النهر وأصل القدر معرفة الكمية يقال قدر الشيء إذا حزره وسيره وانتصب حق قدره على المصدر وهو في الأصل وصف أي قدره الحق ووصف المصدر إذا أضيف إليه انتصب نصب المصدر اهـ. قوله: (الآية) بالرفع أي المطلوب في القراءة الآية جميعها لا ما ذكر منها فقط وبالنصب أي اقرأ الآية وبالجر أي إلى آخر الآية وتعقب الأخير بأن فيه حذف الجار وإبقاء عمله وليس هذا من مواضعه ثم المراد من تمام الآية قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
يحتمل أن يكون قوله الآية صدر منه ﷺ اكتفاء بعلم المخاطب بتتمتها ويحتمل أنه ﷺ قرأها إلى آخرها وتصرف بذلك الراوي من صحابي وغيره وقيد ابن الجزري في الحصن الآية بقوله في الزمر أي في سورته قال في الحرز احترز عن الآية التي في الأنعام ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ثم قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ تنبيه على كمال عظمته وعظيم قدرته ودلالة على حقارة الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالإضافة إلى قدرته وإيماء إلى أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريق التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازًا والقبضة المرة من القبض وأطلقت بمعنى القبضة وهي المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو بتقدير ذات قبضة وتأكيد الأرض بالجميع لأن المراد بها الأرضون السبع أو جميع أجزائها البادية والعامرة
стр. 1657
هكذا هو في النسخ "إذا ركبوا" لم يقل: السفينة.
باب استحباب الدعاء في السفر
روينا في كتب أبي داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث دَعَوَاتٍ مُسْتَجابَاتٌ لا شَك فيهِن:
ــ
وقرئ مطويات بالنصب على أنها حال والسموات معطوفة على الأرض منظومة في حكمها وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي ما أبعد من هذه قدرته وعظمته من إشراكهم أو ما يضاف إليه من الشركاء كذا حققه البيضاوي. قوله: (هكذا هو في النسخ الخ) مراد الشيخ في نسخ كتاب ابن السني وإلا فقد أخرجه ابن مردويه في التفسير المسند وقال فيه إذا ركبوا سفينة وعند الطبراني في إحدى الروايتين إذا ركبوا السفينة وفي الأخرى إذا ركبوا الفلك وله من حديث ابن عباس إذا ركبوا السفن أو البحر وفي سنده ضعف وانقطاع كذا بينه الحافظ.
باب استحباب الدعاء في السفر
قوله: (روينا في كتب أبي داود) سبق تخريج الحديث وذكر معناه في باب الأذكار المستحبة في الصوم ونزيد هنا أن البخاري أخرج الحديث في كتاب الأدب المفرد ذكره السيوطي في سهام الإصابة.
ويتحصل من كلامه فيه أن الذين يستجاب دعاؤهم أخذا من الأحاديث النبوية هم المظلوم أي وإن كان فاجرًا أو كافرًا كما جاء كذلك عند أحمد وغيره والمسافر أي إن لم يكن عاصيًا بالسفر كما هو ظاهر والوالد على ولده أي إن كان الولد ظالمًا لأبيه عاقًا له بأن فعل معه ما يتأذى منه تأذيًا ليس بالهين فهو داخل المظلوم وأفرد اهتمامًا به واعتناء بشأنه والوالد لولده والصائم حين الإفطار والإمام العادل والرجل لأخيه بظهر الغيب والولد لوالديه والذاكر الله كثيرًا والحاج وكذا المعتمر كما في رواية الحاج والمعتمر وفد الله إن دعوه أجابهم الحديث والغازي والمريض والمحرم والمبتلى وكثير الدعاء في الرخاء والمعسرة والمفرج عنه والشيخ المسلم المسدد اللزوم للسنة والمحسن إليه للمحسن وحامل القرآن والثابت
стр. 1658
دَعْوَة المَظْلُوم، وَدَعْوَةُ المُسافر، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ على وَلَدِهِ" قال الترمذي: حديث حسن، وليس في رواية أبي داود "على ولده".
باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأدوية ونحوها
ــ
عند الهزيمة والداعي في ملأ يؤمن عليه باقيهم وقد أورد الحافظ السيوطي في سهام الإصابة مسندًا ذلك من الأخبار المرفوعة. قوله: (دعوة المظلوم) أي بالنوع الذي ظلم به فقط إذ لا يجوز الدعاء على ظالمه بغير ذلك واستشكل بما في مسلم عن سعيد بن زيدان أن
امرأة خاصمته فقال: اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واقتلها في أرضها فكان كذلك وسيأتي الحديث في أواخر الكتاب وأجيب بأنه مذهب صحابي والاستجابة كرامة له لاعتقاده جوازه وبحث الزركشي جواز الدعاء على الظالم بسوء الخاتمة والفتنة في الدين كقول موسى ﵇: "فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم" وكقول سعد في الدعاء على من ظلمه "وعرضه للفتن" فأستجيب له وورد أنه ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد لما كسرت رباعيته وشج وجهه بقوله اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا سنده صحيح لكنه مرسل وورد نظير ذلك عن الصحابة وأعلام الأمة سلفًا وخلفًا وقيل يمتنع وحمل الدعاء بذلك على المتمرد لعموم ظلمه أو كثرته أو تكرره أو فحشه أو إماتته لحق أو سنة أو إعانته على باطل أو ظلم أر بدعة والمنع على من يظلم أو ظلم في عمره مرة وورد في الحديث أن الدعاء على الظالم يذهب أجر المظلوم وأخرج الترمذي وغيره من دعا على ظالمه فقد انتصر قال بعضهم والدعاء على من ظلم المسلمين لا يذهب أجر الداعي لأنه لم يدع لحظ نفسه. قوله: (وليس في رواية أبي داود على ولده) قال الحافظ في رواية ابن ماجه والطبراني دعاء الوالد لولده وعليه وعلى هذا يحمل إطلاق أبي داود والله أعلم قلت وعليه يحمل أيضًا ما عند ابن ماجه أيضًا عن أم حكيم قالت: قال رسول الله ﷺ دعاء الوالد يفض إلى الحجاب والله أعلم.
باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية
стр. 1659
روينا في "صحيح البخاري" عن جابر ﵁ قال: كنا
ــ
الثنايا جمع ثنية بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحيتة فهاء وهي الطريق الضيقة في الجبل وفي النهاية الثنية في الجبل كالعقبة فيه وقيل هو الطريق العالي فيه وقيل أعلى المسيل اهـ. وشبه الثنية كل مرتفع يصعد عليه من أكمة ونحوها فيكبر إذا صعد إلى ذلك والأودية جمع واحده واد وفي التوشيح للسيوطي لا يعرف جمع فاعل على أفعلة إلا في واد وأودية ومناسبة التكبير للصعود والتسبيح للهبوط ظاهرة إذ في الأول يذكر كبرياء الله تعالى بالمحال المرتفعة وفي الثاني تنزيهه عن كل نقص كانخفاض مرتبته تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا قال ابن جعمان في شرح العدة تكبيره ﷺ عند إشرافه على الجبال استشعار لكبرياء الله سبحانه عند ما تقع العين من عظيم خلقه لأن الكبرياء الله تعالى والكبر هو العلو وليس للعبد منه شيء فإذا علا على مكان شابه حالة الكبير فأمر بالتكبير الله سبحانه وأما تسبيحه في الأودية فمستنبط من قصة يونس وتسبيحه في بطن الحوت فنجاه الله بذلك التسبيح من الظلمات وقيل إن تسبيح يونس كان صلاة قبل أن يلتقمه الحوت فروعي فيه فضلها والأول أولى بدليل التسبيح من الشارع ﷺ في بطون الأودية وفي كل منخفض وقيل معنى تسبيحه هنا أنه لما كان التكبير الله عند رؤية عظيم مخلوقاته وجب أن يكون فيما انخفض من الأرض بتسبيح الله تعالى لأن التسبيح في اللغة تنزيه الله تعالى من النقائص كالولد والشريك فسبحان الله براءته سبحانه من ذلك قال القونوي ومعنى التسبيح عند
الهبوط أنه سبحانه قال ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ وكما هو فوق الفوق فهو فوق التحت ولا يوصف بالتحت وعلمه محيط بالفوق والتحت فإذا هبط في مكان نزه البارئ عنه بقوله سبحان الله أي عما لا يوصف به من التحت وهو سبحانه معه بإحاطته به وبجميع الموجودات اهـ.
قوله: (روينا في صحيح البخاري الخ) قال الحافظ كذا أورده البخاري من طريقين عن جابر ولم يصرح فيه بالرفع وأخرجه كذلك النسائي ووقع عند النسائي في الكبرى التصريح برفعه ولفظ روايته عن جابر كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فإذا صعدنا كبرنا وإذا هبطنا
стр. 1660
إذا صَعِدنا كبَّرنا، وإذا نزلنا سَبَّحنا.
وروينا في سنن أبي داود في الحديث الصحيح الذي قدمناه في باب ما يقول إذا ركب دابته، عن ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ وجيوشه إذا علوا الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبَّحوا".
ــ
سبحنا وفي بعض طرق البخاري وإذا هوينا بدل هبطنا وهي بمعناها وأخرجه النسائي كذلك أيضًا. قوله: (صعدنا) بكسر العين مضارعه يصعد بفتحها. قوله: (كبرنا) أي قلنا الله أكبر إظهارًا لكبريائه تعالى وعلو مكانته وارتفاع شأنه. قوله: (هبطنا) بفتح الموحدة أي نزلنا من العلو إلى الأسفل. قوله: (سبحنا) أي قلنا سبحان الله تنزيهًا له عن الزوال والنزول وحديث ينزل ربنا معناه ينزل أمره أو حكمه أو ملائكته أو النزول محمول على التجلي مطلقًا بناء على طريق الخلف من تأويل الأحاديث المتشابهة.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) قال الحافظ وقع في هذا الحديث خلل من بعض رواته وبيان ذلك أن مسلمًا وأبا داود وغيرهما أخرجوا هذا الحديث من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن علي الأزدي عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبر ثلاثًا الحديث إلى قوله "لربنا حامدون" فاتفق من أخرجه على سياقه إلى هنا ووقع عند أبي داود بعد حامدون وكان النبي ﷺ وجيوشه الخ وظاهره أن هذه الزيادة بسند التي قبلها فاعتمد الشيخ على ذلك وصرح بأنها عن ابن عمر وفيه نظر فإن أبا داود أخرج الحديث عن الحسن بن علي عن عبد الرزاق عن ابن جريج بالسند المذكور إلى ابن عمر فوجدنا الحديث في مصنف عبد الرزاق قال فيه باب القول في السفر أخبرنا ابن جريج فذكر الحديث إلى قوله لربنا حامدون ثم أورد ثلاثة عشر حديثًا بين مرفوع وموقوف ثم قال بعدها أخبرنا ابن جريج قال: كان النبي ﷺ وجيوشه إذا صعدوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا سبحوا فوضعت الصلاة على ذلك هكذا أخرجه معضلًا ولم يذكر فيه لابن جريج سندًا فظهر أن من عطفه على الأول أو مزجه أدرجه وهذا من أدق ما وجد في المدرج وحذف الشيخ الزيادة الأخيرة وهي عند أبي داود وكان المراد أن ابتداء أركان الصلاة شرع فيه التكبير
стр. 1661
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ إذا قفل من الحج والعمرة، قال الراوي: ولا أعلمه إلا قال: الغزو،
ــ
والانخفاض شرع فيه التسبيح اهـ. والله أعلم.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال في السلاح ورواه أصحاب السنن الأربعة
ما عدا ابن ماجه وعند الترمذي سائحون بدل ساجدون. قوله: (إذا قفل) هو بقاف ثم فاء أي رجع وزنًا ومعنى. قوله: (من حج أو عمرة) وكذا الغزو كما سيأتي قال الحافظ في الفتح ظاهره اختصاص الذكر الآتي بهذه الأمور الثلاثة وليس الحكم كذلك عند الجمهور بل يشرع قول ذلك في كل سفر إذا كان سفر طاعة كصلة رحم وطلب علم لما يشمل الجميع من اسم الطاعة وقيل يتعدى أيضًا إلى السفر المباح وإن كان المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب من غيره وهذا التعليل متعقب لأن الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر في مباح أو معصية من الإكثار من ذكر الله تعالى وإنما النزاع في خصوص استحباب هذا الذكر بسفر الطاعة فذهب قوم إلى الاختصاص لكونه عبادة مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص فيختص به كالذكر المأثور عقب الأذان والصلاة وإنما اقتصر الصحابي على الثلاث لانحصار سفره ﷺ فيها اهـ. قوله: (قال الراوي الخ) قال الحافظ بين الشيخ أن اللفظ المذكور للبخاري لكن ليس في البخاري قال الراوي بل هي من كلام الشيخ فاحتمل أن يراد بالراوي التابعي فمن دونه ولفظ البخاري في معظم الروايات حدثنا عبد الله قال: حدثني عبد العزيز ابن أبي سلمة عن صالح بن كيسان عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر فذكره لم ينسب شيخه فذكر أبو مسعود في الأطراف أنه عبد الله بن صالح كاتب الليث وجواز أنه عبد الله بن رجاء واقتصر المزي على حكاية ذلك عنه وقد رد أبو علي الجياني عن أبي مسعود لما وقع في رواية أبي علي بن السكن عن الفربري عن البخاري قال حدثنا عبد الله بن صالح ليس فيها هذه الزيادة بل اقتصر على الحج والعمرة وكذا أخرجه الإسماعيلي في المستخرج من ثلاثة طرق في بعضها عن سالم عن أبيه وفيها ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بعد قوله
стр. 1662
كلما أوفى على ثَنِيةٍ أو فَدْفَدٍ كبر ثلاثًا ثم قال: لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كل شَيء قَدِيرٌ، آيِبُونَ تائِبُونَ عابِدُونَ، ساجِدُونَ، لِرَبِّنا حامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ" هذا لفظ
ــ
وأخرج الجوزقي في المتفق وقال في روايته إذا قفل من الحج أو العمرة أو الغزو وجزم بالثلاثة اهـ. قوله: (أوفى) أي أشرف واطلع كما في النهاية. قوله: (على ثنية) سبق ضبطها ومعناها أول الباب. قوله: (ثم قال لا إله إلا الله الخ) قال العلقمي يحتمل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير ولأتي بالتسبيح عند الهبوط قال القرطبي وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات وأنه المعبود في جميع الأماكن وتقدم الكلام على قوله آئبون إلى قوله حامدون في باب ما يقوله إذا ركب دابته. قوله: (صدق الله وعده) أي فيما وعد به في نحو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ قال العلقمي: وهذا في سفر الغزو ومناسبته لسفر الحج والعمرة قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. قوله: (ونصر عبده) يعني به نفسه ﷺ إذ المطلق ينصرف للفرد الكامل. قوله: (وهزم الأحزاب وحده) أي من غير فعل أحد من الآدميين واختلف في المراد بالأحزاب هنا فقيل هم كفار قريش ومن وافقهم من العرب واليهود الذين تحزبوا أي تجمعوا في غزوة الخندق ونزل في شأنهم آيات من سورة الأحزاب وقيل المراد أعم من ذلك قال المصنف المشهور الأول ونظر فيه بأنه يتوقف على أن هذا الذكر إنما شرع بعد الخندق
وأجيب بأن غزواته ﷺ التي خرج فيها بنفسه محصورة والمطابق منها لذلك غزوة الخندق بظاهر قوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال﴾ قبل ذلك ﴿صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨) ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية وأما التنظير بتوقف كون هذا الذكر إنما شرع بعد الأحزاب ففي مقام المنع والأصل في الأحزاب أنه جمع حزب وهو القطعة المجتمعة من النّاس فأل فيها إما جنسية أي كل من تحزب من الكفار أو عهدية والمراد
стр. 1663
رواية البخاري، ورواية مسلم مثله، إلا أنه ليس فيها
"ولا أعلمه إلا قال الغزو" وفيها "إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة".
قلت: وقوله: أوفى: أي ارتفع، وقوله: فدفد، هو بفتح الفاءين بينهما قال مهملة ساكنة وآخره دال
ــ
من تقدم وهو الأقرب قال القرطبي ويحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء أي اللهم اهزم الأحزاب والأول أظهر كذا يؤخذ من الفتح للحافظ. قوله: (ورواية مسلم مثله الخ) قال الحافظ هذا يوهم أنهما أخرجاه من طريق واحدة عن ابن عمر وليس كذلك بل أخرجه البخاري من طريق سالم عن أبيه وأخرجه مسلم من طريق نافع عن مولاه وقد اتفقا عليه من رواية مالك عن نافع ولم يختلف على مالك في لفظه فكأن ذكره عنه أولى قلت وفي ذكره في السلاح عنه وكأنه لما ذكره الحافظ والله أعلم فأما رواية مسلم فأسندها الحافظ إلى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة إذا أوفى على نشز وفدفد كبر ثلاثًا فذكر مثله لكن زاد بعد عابدون ساجدون ولم يذكر يحيي ويميت ثم قال الحافظ أخرجه مسلم والنسائي في الكبرى جميعًا عن عبيد الله بالتصغير ابن سعيد السرخسي عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر الخ ثم ساقه من طريق أعلى مما قبلها وذلك من طريق الطبراني في الدعاء وطريق أخرى ينتهيان إلى عبيد الله بن عمر أنه كان يحدث فذكر الحديث نحوه لكن قال فيه من سفر أخرجه أبو عوانة في صحيحه أما حديث مالك فرواه عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آئبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده أخرجه البخاري ومسلم وقد وافق مالكًا على زيادة ساجدون موسى بن عقبة رويناه من طريقه في الدعاء للمحاملي وقوله آئبون الخ أخرجه مسلم من حديث البراء بن عازب وهو في الصحيحين من رواية يحيى بن إسحاق عن أنس في أثناء قصة طويلة وأخرجه البخاري خارج الصحيح من حديث جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ وقد راح قافلا إلى المدينة وهو يقول:
стр. 1664
أخرى وهو الغليظ المرتفع من الأرض، وقيل: الفلاة التي لا شيء فيها، وقيل: غليظ الأرض ذات الحصى، وقيل: الجَلْد من الأرض في ارتفاع.
وروينا في "صحيحيهما" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ، فكنا إذا أشرفنا على وادٍ هلَّلنا وكبَّرنا وارتفعت أصواتنا، فقال النبيُّ ﷺ : "يا أيها الناسُ ارْبَعُوا على أنْفُسِكُمْ، فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غائِبًا، إنَّهُ مَعَكُمْ، إنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ".
قلت: اربعوا بفتح الباء الموحدة، معناه: ارفقوا بأنفسكم.
وروينا في كتاب الترمذي الحديث المتقدِّم في باب استحباب طلبه الوصية، أن رسول الله ﷺ قال: "عَلَيكَ بِتَقْوَى الله تَعالى، والتَّكْبِيرِ على كُل
ــ
آئبون تائبون إن شاء الله عابدون لربنا حامدون اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر الحديث وأخرجه عن البخاري المحاملي في كتاب الدعاء وابن أبي عاصم في كتاب الدعاء أيضًا وفي الباب عن ابن عباس أخرجه أحمد بسند قوي اهـ. قوله: (وهو الغليظ المرتفع من الأرض الخ) هذا ما في النهاية واقتصر عليه وقال العلقمي نقلًا عن الفتح للحافظ الأشهر تفسيره بالمكان المرتفع وقيل هو الأرض المستوية. قوله: (لا شيء فيها) أي من شجر وغيره. قوله: (وقيل الجلد من الأرض في ارتفاع) وزاد المصنف
في شرح مسلم حكاية قول آخر بأنه الجلد من الأرض من غير اعتبار ارتفاع قال وجمع فدفد فدافد اهـ. قوله: (وروينا في صحيحيهما) قال في السلاح رواه الجماعة أي الستة وفي رواية للبخاري أيضًا قال: أخذ النبي ﷺ في عقبة أو قال في ثنية قال فلما علا عليها نادى رجل فرفع صوته لا إله إلا الله والله أكبر وذكر الحديث زاد الحافظ أخرج الحديث ابن خزيمة وأخرجه الحافظ أيضًا من طريق عبد الله ابن الإِمام أحمد بن حنبل بنحوه وزاد بعد ولا غائبًا ندعوه سميعًا قريبًا. قوله: (اربعوا) هو بهمزة وصل وفتح موحدة معناه ارفقوا بأنفسكم واخفضوا أصواتكم فإن رفع الصوت إنما يحتاج إليه الإنسان لبعد من يخاطبه ليسمعه وأنتم تدعون الله وليس هو بأصم ولا غائب بل هو سميع قريب وهو معكم أينما كنتم بالعلم
стр. 1665
شَرَفٍ".
وروينا في كتاب ابن السني عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا علا شرفًا من الأرض قال: "اللهم لَكَ الشرفُ على كُل شَرَفٍ، وَلَكَ الحَمْدُ على كُل حالٍ".
باب النهي عن المبالغة في رفع الصوت بالتكبير ونحوه
فيه حديث أبي موسى في الباب المتقدم.
ــ
والإحاطة ففيه الندب إلى خفض الصوت بالذكر إذا لم تدع حاجة إلى رفعه فإذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه فإن دعت الحاجة إلى السَّحاب رفع كما جاءت به الأحاديث ذكره المصنف في شرح مسلم. قوله: (شرف) هو بفتح الشين المعجمة والراء بعدها فاء هو المكان العالي. قوله: (وروينا في كتاب ابن السني الخ) أسنده الحافظ وأخرجه عن أنس بلفظ كان النبي إذا سافر فصعد أكمة قال: اللهم لك الشرف على كل شرف ولك الحمد على كل حال ثم أسنده إلى المحاملي وفي بعض طرقه إذا صعد نشزًا من الأرض أو أكمة قال الحافظ حديث غريب أخرجه أحمد عن عمارة بن زاذان وأخرجه ابن السني من وجه آخر عن عمارة وهو ضعيف وفي نسخة وفي زياد النميري الراوي عن أنس ضعف لكن قال أبو أحمد في الكامل إذا روى عن ثقة لا بأس به. قوله: (إذا علا) هو فعل ماض مضارعه يعلو. قوله: (نشزا) بفتح النون والشين المعجمة وبالزاي وقد تسكن الشين قال في النهاية هي الرابية. قوله: (لك الشرف) أي لك العظمة والعلو (على كل شرف) أي ذي شرف إذ كل شرف في العباد إنما هو من عطاء الكريم الجواد من محض الفيض والإمداد ومن
стр. 1666
باب استحباب الحداء للسرعة في السير وتنشيط النفوس وترويجها وتسهيل السير عليها
ــ
هنا كان الحمد مختصًا بالله تعالى إذ من حمد زيدًا على أوصافه الجميلة كإحسانه عاد حمده للباري إذ هو الذي منحه تلك الأفعال وأهله لذلك المنال.
باب استحباب الحداء للسرعة في السير وتنشيط النفوس وترويجها وتسهيل السير عليها
قال الأذفوي في الامتناع في أحكام السماع الحداء بضم الحاء المهملة وكسرها لغتان مشهورتان -قلت الضم في الصحاح والمحكم- ويقال له الحدو- قلت: قال الفيومي في المصباح المنير حدوت بالإبل أحدو حدوًا حثثتها على السير بالحداء مثل غراب اهـ. وهذا يبين أنه ممدود مع ضم العين قال الماوردي في كتابه الحاوي الحداء تحسين الرجز المباح بالصوت الشجي لتخفيف كلال السفر وجذب نشاط النفس وغير الماوردي لم يقصره على الرجز قلت: قال الحافظ لكنه الأكثر ولا أعلم خلافًا في جواز الحداء وقد صرح بنفي الخلاف جماعة منهم الحافظ ابن عبد البر وأبو العباس القرطبي وغيرهما وفي كلام نجم الدين بن حمد أن الحنبلي في الرعاية الكبرى ما يقتضي خلافًا فيه فإنه بعد أن ساق الخلاف في الغناء وإباحته وكراهته وتحريمه قال وقيل الحداء نشد الإعراب كالغناء في ذلك كله وقيل يباح سماعهما ولم أره لغيره فإن ذهب أحد إلى التحريم فيقطع بعدم الاعتداد به فقد ثبت سماع النبي ﷺ الحداء وكان له حداة وحديث الحبشة ثابت في الصحيحين ولو قيل باستحبابه لكان أقرب فإن فيه تخفيف كلال السفر ونشاط النفس وتقطع الإبل المفاوز وتحمل الأثقال به وقد أشار القرطبي إلى ذلك فقال: ربما يندب إليه وأول من اتخذ الحداء قريش قاله أبو هلال العسكري في كتابه المسمى تأويل الأعمال ومقدمات الأسماء والأفعال وساق سنده أن رسول الله ﷺ بينا هو سائر إلى تبوك سمع حداء فأسرع فقال ممن أنتم فقالوا: من مضر قال: وأنا من مضر فاحدوا قالوا: إنا أول من حدا فمنا جبار ومنا يسير قال لبعض أصحابه ألا تنزل فتسوق قال: نحن على ظهورها وما ندري ما نقول فكيف إذا قلنا عند أستاهها فضربه بعصا فصاح
стр. 1667
فيه أحاديث كثيرة مشهورة.
ــ
يا يدي يا يدي فسارت الإبل فضحك رسول الله ﷺ وساق قريبًا من ذلك ابن سعد في كتاب الطبقات من حديث طاوس والشافعي في الأم والله أعلم اهـ. قال الحافظ وذكر أبو هلال في الأوائل أن أول من حدا مضر بن نزار وذكر لذلك قصة منقطعة السند وقد وقعت لنا من طريق موصولة وساقها إلى ابن عباس، وفيها أنه قال: أنا أول من حدا قال: وكيف ذلك فذكروا قصة الذي ضرب بذراعيه لما تفرقت الإبل فتبعها وهو يقول: وايداه وايداه فصارت الإبل تجتمع له الحديث قال الحافظ وذكر أبو شجاع الديلمي في كتاب الفردوس عن علي رفعه أن أول من تغنى وزمر وحدا إبليس قال الحافظ: ولم أقف له على أصل ولا ذكر له ولده أبو منصور في مسنده سندًا وأخرج البزار حديث ابن عباس وقال في روايته: كان لنا غلام ومعه إبل فنام فتفرقت الحديث قال البزار تفرد به زمعة وفيه ضعف وكذا في شيخه وقد رواه عمرو بن دينار أحد الأثبات عن عكرمة فأرسله ولم يذكر ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يسير إلى الشام فسمع حاديًا فقال: أسرعوا بنا إلى هذا الحادي فأدركوه وذكر الحديث وفيه أنا أول من حدا الإبل في الجاهلية أغار رجل على إبل فاستاقها وقال لغلامه اجمعها فتفرقت منه فذكره وفي آخره
فضحك ﷺ قال الحافظ: تبين من هنا أن قول العسكري: أنا أول من حدا مضر أراد به القبيلة ويجمع بينه وبين نقل الديلمي إن ثبت بأن هذه أولية لأنس اهـ. وفي أوائل السيوطي أن أول من حدا غلام من مضر ثم أورد حديث البزار عن ابن عباس وحديث ابن أبي شيبة عن مجاهد مرسلًا. قوله: (فيه أحاديث كثيرة مشهورة) أي فمن أحاديثه حديث أنس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضية وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... نحن ضربناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر: يابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله
стр. 1668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقول الشعر، فقال له رسول الله ﷺ : خل عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل قال الحافظ حديث صحيح أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة والبزار وأبو يعلى كلهم من طريق عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس ووقع في رواية البزار بدل قوله نحن ضربناكم الخ:
قد أنزل الرحمن في تنزيله ... بأن خير القتل في سبيله
وهذا الحديث قدمنا ذكره وذكر طرقه في باب استحباب الرجز في الحرب إلا أنا هنا نذكر فائدة نفيسة ذكرها الحافظ فقال: قال الترمذي بعد تخريجه حديث حسن غريب وفي روي عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه فذكر الحديث قال: وهذا أصح عند بعض أهل الحديث لأن عبد الله بن رواحة قتل بمؤتة وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك قال الحافظ كذا قال وليس بجيد لأن عمرة القضاء كانت في ذي القعدة سنة سبع بلا خلاف وعبد الله بن رواحة كان ثالث الأمراء في غزوة مؤتة فاستشهد فيها، وكان ذلك في جمادى سنة ثمان وسبب الوهم أنه وقع في بعض الطرق غزوة الفتح بدل القضاء وهذا هو الذي يصح فيه ذكر كعب بن مالك لا ابن رواحة لأن الفتح كان في رمضان منها وفي وصل طريق عبد الرزاق عن معمر البزار والدارقطني في الإفراد والطبراني والبيهقي وغيرهم فمنهم من ذكر كعب بن مالك ومنهم من ذكر ابن رواحة كرواية عبد الرزاق عن جعفر.
فائدة
عبد الله بن رواحة أحد شعرائه ﷺ ، وهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وابن رواحة، ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله نزلت هذه الآية فأنزل الله: ﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية فقال ﷺ : أنتم هم قال ابن عبد البر: فيه دليل على أن الشعر لا يضر المؤمنين كذا في الإمتاع.
ومنها حديث عمر قال: قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن رواحة لو حركت بنا الركاب فقال: لو نزلت تولى فقال له عمر: اسمع وأطع فقال عبد الله بن رواحة: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا
صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت
стр. 1669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأقدام إن لاقينا، فقال ﷺ : ارحمه فقال عمر: وجبت قال الحافظ حديث صحيح أخرجه النسائي من طريقين كلاهما عن قيس بن أبي حازم لكن في إحداهما عن عمر الخ وفي الأخرى عن قيس عن ابن رواحة قال المزي في الأطراف الأول أشبه قال الحافظ يعني لأن قيسًا سمع من عمر ولم يلق ابن رواحة فإنه استشهد في حياة رسول الله ﷺ وقيس لم يهاجر إلا بعد النبي ﷺ والجمع بين إنكار عمر وأمره حمل الإنكار على أنه سابق فلما بين له النبي ﷺ الحكم أمر به لاحقًا وكان ذلك بعد رجوعهم وقد تقدم هذا الرجز من قول عامر بن الأكوع بزيادة فيه في حديث سلمة بن الأكوع وفيه كان عمي رجلًا شاعرا فنزل يحدو الحديث وتقدمت طرقه في باب قول الرجل حال القتال أنا فلان.
ومنها حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ قاعدًا بعد المغرب ومعه أصحابه ﵃ إذ مرت به رفقة يسيرون وسائقهم يقرأ وقائدهم يحدو فقام ﷺ مسرعًا حتى أدركهم فقال أين تريدون قالوا نريد اليمن قال: فما يسيركم هذه الساعة فذكر الحديث في كراهة السير فيها وذكر وصايا للمسافر إن قال: وأما أنت يا سائق القوم فعليك ببعض كلام العرب من رجزها فإذا كنت راكبًا فاقرأ قال الحافظ بعد أن أخرجه من طريق الطبراني في الأوسط قال الطبراني تفرد به سليم قلت وهو مولى الشعبي وقد ضعفوه لكن قال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا لكنه لا يتقن الإسناد قال الحافظ وفي خولف في شيخ الشعبي في بعض هذا الحديث ومخالفه ضعيف أيضًا ومنها عن أنس كان البراء بن مالك يعني أخاه ﵁ يحدو بالرجال وكان أنجشة يحدو بالنساء وكان حسن الصوت وكان إذا حدا أعنقت الإبل فقال ﷺ : "رويدك يا أنشجة سوقك بالقوارير" قال الحافظ حديث صحيح أخرجه أحمد وأخرجه الشيخان وسياقهما أتم لكن لم يدرك البراء وفيهما من طريق قتادة عن أنس كان للنبي ﷺ حاد يقال له: أنجشة وفيه قال قتادة القوارير ضعفة النساء وأخرجه الحافظ عن أنس كان يسوق بأمهات المؤمنين رجل يقال له: أنجشة فقال له رسول الله ﷺ : "رويدك ارفق بالقوارير قال الحافظ أخرجه أحمد اهـ ملخصًا.
стр. 1670
باب ما يقول إذا انفلتت دابته
روينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ
قال: "إذا انْفَلَتَتْ دابَّةُ أحَدِكُمْ بأرْضِ فَلاةٍ فَلْيُنادِ: يا عِبادَ الله احْبِسُوا، يا عِبادَ الله احْبِسُوا، فإنَّ لِلهِ في الأرضِ حاصِرًا سَيَحْبِسُه"
ــ
باب ما يقول إذا انفلتت دابته
يقال: أفلت الشيء وانفلت وتفلت بمعنى فر، وفي النهاية الانفلات التخلص من الشيء فجأة من غير مكث، والدابة في الأصل اسم لما يدب على الأرض ثم خص بها العرف ذوات الأربع من الخيل والبغال والحمير. قوله: (روينا في كتاب ابن السني الخ) قال الحافظ بعد أن أخرجه من حديث ابن مسعود أيضًا إلا أنه قال بدل فإن الله في الأرض حاضرًا حابسًا سيحبسه حديث غريب أخرجه ابن السني وأخرجه الطبراني وفي السند انقطاع بين ابن بريدة وابن مسعود وقد جاء بمعناه حديث آخر أخرجه الطبراني بسند منقطع عن عتبة بن غزوان عن النبي ﷺ قال: "إذا ضل أحدكم أو أراد عونًا وهو بأرض ليس بها أنس فليقل يا عباد الله أعينوني ثلاثًا فإن لله عبادًا لا يراهم" وقد جرب ذلك كذا في الأصل أي الأصل المنقول منه هذا الحديث من كتاب الطبراني ولم أعرف تعيين قائله،
ولعله مصنف المعجم والله أعلم اهـ. وفي الحصن على قوله وقد جرب ذلك رمز الطبراني قال شارحه: في الحرز أي رواه الطبراني من حديث عتبة بن غزوان ايضًا قال ميرك قال بعض العلماء الثقات حديث حسن يحتاج إليه المسافر وروي عن بعض المشايخ أنه مجرب فقرن به النجح اهـ. ولعله أراد أنه حسن باعتبار اعتضاده بتعدد طرفه وإلا فقد صرح الحافظ بأن في حديث عتبة عند الطبراني انقطاعًا ويحتاج جزم الشارح يكون الطبراني روى قوله وقد جرب الخ من حديث عتبة إلى مستند خصوصًا مع قول الحافظ ولم أعرف تعيين قائله وقال ابن حجر
стр. 1671
قلت: حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم أنه انفلتت له دابة أظنها بغلة، وكان يعرف هذا الحديث، فقاله، فحبسها الله عليهم في الحال، وكنت أنا مرة مع جماعة، فانفلتت منها بهيمة وعجزوا عنها، فقلته، فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام.
ــ
في حاشية الإيضاح وهو مجرب كما قاله الراوي وهو ظاهر فيما في الحرز وإن كان محتملًا لغيره والله أعلم قال الحافظ ولحديث عتبة شاهد من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى ملائكته في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد يا عباد الله أعينوني" هذا حديث حسن الإسناد غريب جدًّا أخرجه البزار وقال: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد اهـ. وقوله عرجة أي أصابه في رجله شيء قال في الصحاح عرج بفتح الراء إذا أصابه شيء في رجله فجمع ومشى هيئة العرجان وليس بخلقة فإذا كان خلقة قلت عرج بكسر الراء فهو أعرج اهـ، قوله: أعينونا قال الحطاب المالكي في حاشيته على منسك الشيخ خليل رأيته في النسخة التي نقلت منها بالغين المعجمة والثاء المثلثة ورأيته في الحمن والعدة بالمهملة والنون وكرر ذلك اللفظ ثلاثًا اهـ. قوله: (حكى لي بعض شيوخنا الكبار) قال الحطاب المالكي اقتصر النووي في إيضاحه على قوله وإن انفلتت دابته نادى يا عباد الله احبسوا فوقفت بمجرد ذلك. وحكى لي شيخنا محمد بن أبي اليسر أنه جربه في بغلة فوقفت اهـ. وظاهر كلامه أنه قال ذلك مرة واحدة ولا شك أن همزة احبسوا همزة وصل اهـ. قلت: وقوله حكى لي شيخنا الخ لم أجده في نسخي من الإيضاح والله أعلم. قوله: (يا عباد الله) قال في الحرز المراد بهم الملائكة أو المسلمون من الجن أو رجال الغيب المسمون بالأبدال.
فائدة
قال بعض الصوفية إذا ضاع منك شيء فقل: يا جامع النّاس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد قال المصنف وقد جربته فوحدته نافعًا سببًا لوجود الضالة عن قرب ونقل عن بعض مشايخه مثل ذلك وفي باب إثبات الكرامات للأولياء من الرسالة القشيرية كان لجعفر الخلدي فص فوقع يومًا في
стр. 1672
باب ما يقوله على الدابة الصعبة
رويناه في كتاب ابن السني عن السيد الجليل المجمع على جلالته وحفظه وديانته وورعه ونزاهته وبراعته أبي عبد الله يونس بن عبيد بن دينار
ــ
الدجلة وكان دعاء مجرب للضالة ترد فدعا به فوجد الفص في وسط أوراق كان يتصفحها وعن أبي نصر السراج أن ذلك الدعاء يا جامع النّاس ليوم لا ريب فيه أجمع على ضالتي قال أبو نصر أراني أبو الطيب العتكي جزءًا فيه من ذكر هذا الدعاء على ضالة وجدها فكان الجزء أوراقًا كثيرة اهـ وذكر السخاوي في الابتهاج حديث ابن عمر الآتي والحكاية المذكورة عن جعفر الخلدي إلا أنه قال عن الكبير الصوفي السخاوي وكذا ذكر النووي في بستان العارفين أنه جربه نافعًا سببًا لوجود الضالة عن قرب وكذا عن شيخه أبي البقاء النابلسي كذلك اهـ. وأخرجه الحافظ في باب ما يقوله إذا رأى قرية يريد دخولها عن ابن عمر عن النبي ﷺ في الضالة قال يقول: اللهم راد الضالة وهادي الضالة أنت
تهدي من الضلالة اردد عليَّ ضالتي بقدرتك وسلطانك فإنها من فضلك وعطائك قال الطبراني بعد أن أخرجه لا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد قال الحافظ وفي أورده الحافظ ضياء الدين في الأحاديث المختارة اهـ.
باب ما يقوله على الدابة الصعبة
بفتح الصاد وإسكان العين المهملتين خلاف الذلول. قوله: (روينا في كتاب ابن السني الخ) قال الحافظ هو خبر مقطوع وراويه عنه المنهال يعني ابن عيسى قال أبو حاتم مجهول وقد وجدته عن أعلى من يونس أخرجه الثعلبي في التفسير بسنده من طريق الحكم عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال إذا استصعبت دابة أحدكم أو كانت شموصًا فليقرأ في أذنها ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وذكره القرطبي عن ابن عباس في التفسير بغير سند ولا عز ولمخرج وهو مما يعاب به اهـ. قوله: (الجليل) أي لما أفيض عليه من أوصاف الجلال وحفظه قال في الكاشف أنه من العلماء العاملين الأثبات خرج عنه الستة. قوله: (ونزاهته) أي من دنس المخالفات قدر الطاقة. قوله: (وبراعته) بفتح الباء الموحدة بعدها راء ثم عين مهملة
стр. 1673
البصري التابعي المشهور ﵀ قال: ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقول في أذنها: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا
ــ
أي كماله في العلوم من برع في الشيء إذا تقدم فيه على الغير وفي الصحاح برع الرجل وبرع أيضًا بالضم براعة أي فاق أصحابه في العلم وغيره فهو بارع اهـ. قوله: (التابعي) هو من اجتمع بالصحابي واختلف هل تعتبر المدة في حصول ذلك ويفرق بين اعتبارها هنا وعدم اعتبارها في الصحبة بأن أنوار النبوة يحصل بها من التأثيرات المعنوية والفيوض الإلهية ما لا يحصل من الاجتماع بالصحابي في مدة أو لا يعتبر ذلك قياسًا على الاكتفاء بأصل الاجتماع في الصحبة وعلى الأول فقيل لا بد من شهر وقيل أربعة أشهر وقيل سنة وقيل غير ذلك ودلائل ذلك في كتب أصول الفقه. قوله: (ما من رجل وفي نسخة ليس من رجل) أي ومثله المرأة وذكر لأنه الأشرف أو لأنه الأغلب في معناه مثل ذلك والله أعلم. قوله: (أفغير دين الله) الهمزة للاستفهام والمراد منه الإنكار والتوبيخ أي فبعد وضوح الدلائل أن دين إبراهيم هو دين الإسلام (تبغون) قرئ بالفوقية أي تطلبون يا معشر اليهود والنصارى وقرئ بالتحتية ردًّا على قوله تعالىِ: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قوله: (وله أسلم) أي خضع وانقاد. قوله: (طوعًا) أي انقيادًا واتباعًا بسهولة. قوله: (وكرها) هو ما كان
لمشقة وإباء من النفس واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ فقيل: أسلم أهل السموات وبعض أهل الأرض طوعًا وأسلم بعض أهل الأرض كرهًا من خوف القتل والسبي وقيل: أسلم المؤمن طوعًا وانقاد والكافر قهرًا وقيل: هذا في يوم أخذ الميثاق ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فمن سبقت له السعادة قال: ذلك طوعًا ومن سبقت له الشقاوة قال: ذلك كرهًا وقيل أسلم المؤمن طوعًا فنفعه إسلامه يوم القيامة والكافر أسلم كرهًا عند الموت في وقت اليأس فلم ينفعه ذلك في يوم القيامة وقيل: إنه لا سبيل لأحد من الخلق إلى الامتناع على الله في مراده أما المسلم فينقاد الله فيما أمره به أو نهاه عنه طوعًا وأما الكافر فينقاد لله كرهًا في جميع ما يقضي عليه ولا يمكنه دفع قضائه
стр. 1674
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] إلا وقفت بإذن الله تعالى.
باب ما يقوله إذا رأى قرية يريد دخولها أو لا يريد
روينا في "سنن النسائي" وكتاب ابن السني عن صهيب ﵁ أن النبي ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللهم ربَّ السَّمواتِ السَّبْعِ وما
ــ
وقدره عنه وقوله (وإليه ترجعون) قرئ بالتحتية والفوقية والمعنى أن مرجع الخلق كلهم إلى الله تعالى يوم القيامة ففيه وعيد عظيم لمن خالفه في الدنيا كذا في تفسير الخازن الصوفي.
باب ما يقول إذا رأى قرية يريد دخولها أو لا يريد
قال البيضاوي القرية مشتقة من القرء وهو الجمع وقال الراغب في مفرداته القرية اسم للموضع الذي يجتمع فيه النّاس ويطلق على أهلها ومنه ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ قال كثير من المفسرين معناه أهل القرية وقال بعضهم بل القرية ها هنا القوم أنفسهم ثم ذكر بعد ذلك ثم قال وحكي أن بعض القضاة دخل على علي بن الحسين فقال: خبرني عن قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ فقال: ما يقول فيه علماؤك فقلت: يقولون: إنها مكة فقال: وهل رأيت فقلت: وما هي فقال: إنما عني الرجال قال: فقلت: وأين ذلك في كتاب الله تعالى فقال: ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ الآية اهـ. ثم إن أحاديث الباب الأذكار فيها مقيدة بالتي يريد دخولها ولعل وجه ما في الترجمة القياس على ما في أحاديث الباب فإن المقتضي للاستعاذة المذكورة دفع شر ساكن الديار وذلك متوقع سواء. أراد الدخول أم لا فيكون حينئذ من قاعدة أن يؤخذ من النص معنى يعود عليه بالتعميم ويكون ذلك التقييد والدخول لأنه آكد لأن الذكر مقصور عليه والله أعلم.
قوله: (روينا في سنن النسائي الخ) قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من رواية عبد الله بن وهب عن حفص بن ميسرة وأخرجه ابن السني من
стр. 1675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طريق محمد بن أبي السري عن حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعبًا حلف بالله الذي فلق البحر لموسى ﵇ أن صهيبًا حدثه أن رسول الله ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال الخ ورواه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة فزاد في السند رجلًا قبل كعب قال عن موسى عن عطاء عن أبيه أن عبد الرحمن بن مغيث الأسلمي حدث قال: قال كعب فذكر الحديث بطوله أخرجه النسائي وأشار إلى ضعف زيادة عبد الرحمن في هذا السند وكلام ابن حبان يقتضي أن الزيادة في الصفة فإنه قال في الطبقة الثالثة من الثقات أبو مروان والد عطاء اسمه عبد الرحمن بن مغيث روى عن كعب وروى عنه ابنه عطاء فعلى هذا كان في الأصل عطاء بن أبي مروان
عن أبيه عبد الرحمن بن مغيث وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي مغيث أن رسول الله ﷺ أشرف على خيبر فقال لأصحابه: قفوا ثم قال: اللهم رب السموات السبع وما أظللن فذكر الحديث قال الحافظ: بعد أن خرجه أخرجه النسائي وأخرجه الطبراني ووقع في روايته وقال لأصحابه: قفوا وأنا فيهم وهذا يدل على صحبة أبي مغيث فكان الحديث عند أبي مروان بسندين هذا والماضي وهو كعب عن صهيب وجاء الحديث من وجه آخر عن أبي مروان قال فيه عن أبيه عن جده ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر حتى إذا كنا قريبًا وأشرفنا عليها فقال للناس: قفوا فوقفوا فقال: اللهم رب السموات السبع وما أظللن فذكر الحديث مثل اللفظ الأول إلا الرياح وزاد في آخره اقدموا بسم الله قال الحافظ بعد أن أخرجه كذلك من طريقين هكذا أبو مروان عبد الرحمن بن مغيث عن أبيه مغيث عن جده غير مسمى وكأنه المذكور قبل وهو أبو مغيث بن عمرو وفيصير هكذا أبو مروان عبد الرحمن بن مغيث عن أبيه مغيث عن جده أبي مغيث وعلى ما هنا يكون سقط قوله عن أبيه من الرواية التي قبل هذه الرواية ومدار هذا الحديث على أبي مروان المذكور وقد اختلف فيه وفيه اختلاف متباين فذكره الطبري في الصحابة وذكر أخبارًا مرفوعة وموقوفة تدل على ذلك منها قوله كنت عند النبي ﷺ فجاء ماعز بن مالك الحديث لكنها كلها من رواية الواقدي وذكره أكثر في التابعين وعلى رواية النسائي
стр. 1676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يعرف وذكره ابن حبان في اتباع التابعين وعلى القول الأول فتكون روايته عن كعب الأحبار من رواية الصحابي عن التابعين وهي قليلة واختلف في ضبط أبي مغيث بن عمرو فقيل بفتح المهملة وبعدها فوقية مشددة بعدها موحدة وقيل بكسر المعجمة وسكون التحتية بعدها مثلثة وهذا أرجح والله أعلم اهـ. قوله: (عن صهيب) بضم المهملة وفتح الهاء وسكون التحتية بعدها موحدة صريح كلام الحافظ المذكور آنفًا أنه تابعي وظاهر صنيع المصنف وصاحب السلاح أنه صحابي ثم رأيت في الحرز أنه صهيب بن سنان الرومي وصهيب بن سنان هو نمري رومي المنشأ أمه مازنية قال الذهبي في الكاشف بدري من السابقين روى عنه بنوه حمزة وزياد وصيفي وسعد وسعيد بن المسيب مات بالمدينة سنة ثمان وثلاثين ورمزنا له خرج عنه أصحاب الستة لكن قال العامري في الرياض انفرد به مسلم عن البخاري وروى عنه في صحيحه ثلاثة أحاديث وفي الرياض النمري نسبة إلى النمر بن قاسط فخذ من ربيعة بن نزار وكان والد صهيب وعمه عاملين لكسرى وكان منازلهم على دجلة عند الموصل وقيل: كانوا بناحية الجزيرة فأغارت عليهم الروم فأخذوا صهيبًا وهو صغير فنشأ فيهم ونسب إليهم فابتاعه منهم قوم من كلب فباعوه بمكة من عبد الله بن جدعان فأعتقه وولد صهيب يزعمون أنه لما كبر في الروم وعقل عقله هرب منهم ثم قدم مكة وحالف ابن جدعان وكان صهيب من السابقين الأولين المستضعفين بمكة المعذبين في الله ولما خرج مهاجرًا تبعه نفر من قريش فنثل كنانته وقال لهم تعلمون يا معشر قريش أني من أرماكم والله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي ثم أضربكم بسيفي ما بقي بيدي منه شيء فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه قالوا: فدلنا عليه ونخلي عنك فتعاهدوا على ذلك فدلهم عليه وخلوا سبيله فلما لحق برسول الله ﷺ قال له ربح البيع أبا يحيى ونزل في ذلك قوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾
стр. 1677
أظْلَلْنَ، والأرضينَ السَّبْع وما أقْلَلْنَ، ورِبَّ الشَّياطينِ وما
ــ
وشهد بدرًا والمشاهد كلها وكان أحد السباق الأربعة وأحد النفر الذين عاتب الله فيهم نبيه ﷺ وكان فيه دعابة قال: جئت النبي ﷺ وهو نازل بقباء وبين يديه رطب وتمر وأنا أرمد فقال النبي ﷺ : تأكل التمر وأنت أرمد فقلت: أنا آكل مشق عيني الصحيحة فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجده وقال عمر بن الخطاب أي رجل أنت لولا خصال ثلاث فيك قال: وما هن قال: اكتنيت وليس لك كنية ابن وانتميت إلى العرب وأنت من الروم تكلم بلسانهم وفيك سرف في الطعام فقال: أما الكنية فإن رسول الله ﷺ كناني أبا يحيى وأما النسب فإني من النمر بن قاسط سبتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام وفي عرفت نفسي وأما سرف الطعام فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خياركم من أطعم الطعام وكان عمر حسن الظن فيه حتى لما طعن أوصى أن يصلي عليه وصلى بالناس أيام الشورى وكان أخوه من المهاجرين سعد بن أبي وقاص ومن الأنصار الحارث بن الصمة وكان أحمر شديد العمرة معتدل القامة روي له عن رسول الله ﷺ فيما قيل سلم عن البخاري بالتخريج عنه كما تقدم مات بالمدينة في شوال سنة ثمان أو تسع وثلاثين عن ثلاث وسبعين سنة اهـ. قوله: (اظللن) بالظاء المشالة أي من ساكني الأرض وفي رواية الطبراني وما أظلت بصيغة الواحد بقصد الجماعة. قوله: (والأرضين) بفتح الراء وتسكن وتقديم السموات على الأرضين يحتمل أن يكون لفضلها كما عليه الجمهور من أئمتنا وعللوه بأنه لم يعص الله عليها أصلًا وامتناع إبليس من امتثال أمر الله له بالسجود لآدم كان وهو خارج عنها ويحتمل أن يكون من باب الترقي إلى الأرضين لكونها أفضل على قول جمع من المتأخرين وعللوه بأنها اختيرت لأخذ ذرات الأنبياء ومدفنهم وذلك آية الفضل وما أحسن قول من قال:
زعم الجميع بأن خير الأرض ما ... قد ضم أعضاء النبي وحواها
стр. 1678
أضْلَلْنَ، وَرَب الرياح وما ذَرَيَنِ، أسألُكَ خَيرَ هَذِهِ القَرْيَةَ وخَيرَ أهْلِها وخَيرَ ما فيها، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وشَرِّ أهْلِها وَشَرّ ما فِيها".
وروينا في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أشرف على أرض يريد دخولها قال: "اللهم إني أسألُكَ
ــ
ونعم لقد صدقوا بساكنها زكت ... كالنفس حين زكت زكى مأواها
قوله: (أضللن) بالضاد المعجمة ولعل وجه التأنيث اعتبار نفوسهم أو تغليب إناثهم مع رعاية المشاكلة ونسبة الإضلال إليهم مجازية لكونها سببية بواسطة الوسوسة وفي رواية الطبراني وما أضلت. قوله: (وما ذرين) عند الطبراني في رواية وما أذرت وفي رواية أخرى وما ذرت وقال في النهاية يقال ذرته الريح وأذرته تذروه وتذريه إذا أطارته اهـ. ومن الأول قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ قوله: (خير هذه القرية) أي نفسها بأن تجعلها مباركة علينا نقوم فيها بالطاعة والعبادة ونسكن فيها بالسلامة والعافية. قوله: (وخير ما جمعت فيها) أي من أرزاق الحلال قوله: (وخير أهلها) أي من العلماء والصالحين. قوله: (من شرها الخ) أي من جميع المؤذيات ثم يحتمل أن يكون الجمع بين الاستعاذة من شرها وشر ما فيها للتأكيد والاعتناء بتكرار الاستعاذة منها لعظم ضررها ويحتمل أن يكون لتغايرهما أو منها نفسها أي من شر ما خلق فيها سواء خلق منها كشجرة أو لم يخلق منها أي لم يغلب عليه عنصرها كالجن بأن لا يقع في وهدة أو يتعثر بشيء مرتفع فيها.
قوله: (وروينا في كتاب ابن السني الخ) قال الحافظ في سنده ضعف لكنه يعتضد بحديث ابن عمر فساق سنده إليه قال عن النبي ﷺ قال: "إذا خرجتم من بلدكم إلى بلد تريدونها فقولوا: اللهم رب السموات السبع وما أظلت فذكر مثل هذا الحديث الماضي أولًا لكن بالإفراد فيها وزاد ورب الجبال أسألك خير هذا المنزل وخير ما فيه وأعوذ بك من شر هذا المنزل وشر ما فيه اللهم ارزقنا جناه واصرف عنا وباه وأعطنا رضاه وحببنا إلى أهله وحبب أهله إلينا وفي سنده
стр. 1679
مِنْ خَيْرِ هَذِهِ وخَيرِ ما جَمَعْتَ فيها وأعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّها وشَر ما جَمَعْتَ فيها، اللهُم ارْزُقْنا حياها، وأعِذْنا من وباها،
ــ
من ضعف لكن توبع فرواه مبارك بن حسان عن نافع عن ابن عمر قال كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فإذا رأى قرية يريد دخولها قال: اللهم بارك لنا فيها ثلاث مرات اللهم ارزقنا جناها وجنبنا وباها وذكر بقية الحديث مثل حديث عائشة وفي مبارك أيضًا مقال لكن يعضد بعض هذه الطرق بعضًا وعند الطبراني في الأوسط عن عائشة كان ﷺ إذا أشرف على أرض يريد دخولها قال: اللهم بارك لنا فيها ثلاث مرات اللهم ارزقنا جناها وجنبنا وباها وحببنا إلى أهلها وحبب صالحي أهلها إلينا وعزا بعض المحققين للطبراني في الأوسط عن عائشة مثل اللفظ الذي أورده المصنف هنا عنها من رواية ابن السني قال في الحرز ولعل الطبراني له روايتان. قوله: (من خيرها) أي نفسها بأن تستعملنا فيها لطاعتك. قوله: (وما جمعت فيها) أي من الموجودات والأرزاق الطيبات وفيه تغليب من لا يعقل لكثرته على العاقل وإن كان أشرف. قوله: (جناها) قال ابن الجزري بفتح الجيم ما يجتني من الثمرة اهـ. قال في النهاية وجمعه أجن مثل عصا وأعص وكذا هو في نسخة مصححة من كتاب ابن السني والذي وقع فيما وقفت عليه من نسخ الأذكار بفتح الحاء المهملة وبالتحتية وفي القاموس الحيا الخصب ويمد اهـ. قال في الحرز الظاهر أن هذا يعني الحاء المهملة تصحيف ويرد بأن المحقق الشيخ أبا الحسن البكري ضبطه في شرح مختصر الإيضاح كذلك واقتصر عليه ويبعد احتمال التصحيف فضلًا عن الاقتصار عليه في حق مثله والظاهر أنه جاء بالوجهين وينبغي جريًا على ما تقدم عن المصنف أن لفظ الذكر إذا وقع شك في بعض ألفاظه يأتي الذاكر بألفاظه كلها أن يقول هنا اللهم ارزقنا جناها وحياها والله أعلم ورأيته في أصل مصحح مقروء على الحافظ المتقي بن فهد جباها بالجيم والباء وفي النهاية أنه كذلك بكسر الجيم الماء المجموع. قوله: (وأعذنا) أي أجرنا (من وباها) في النهاية
стр. 1680
وحَبِّبْنا إلى أهْلِها، وحَبِّبْ صَالحي أهْلِها إلَيْنا".
باب ما يدعو به إذا خاف ناسًا أو غيرهم
روينا في "سنن أبي داود والنسائي" بالإسناد الصحيح ما قدمناه من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: "اللهم إنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ، ونعُوذُ بِك مِنْ شُرُورِهِمْ" ويستحب أن يدعوَ معه بدعاء الكرب وغيره مما ذكرناه معه.
باب ما يقول المسافر إذا تغوَّلت الغيلان
ــ
الوبا بالقصر والمد والهمز الطاعون والمرض العام وقد أوبأت الأرض فهي موبئة اهـ. قوله: (وحببنا الخ) سؤال من التحبيب أي اجعلنا محبوبين إلى أهلها. قوله: (وحبب صالحي أهلها إلينا) أي اجعل صالحي أهلها محبوبين إلينا ولا يخفي النكتة اللطيفة في تعميم أهلها في الجملة الأولى وتخصيصهم في الثانية.
باب ما يدعو به إذا خاف ناسًا أو غيرهم
أي من سبع أو نحوه وقد مفردات الراغب النّاس قيل اصله أناس فحذف فاؤه لما أدخل عليه ال وقيل: قلب من نسي وأصله إنسيان على وزن إفعلان وقيل بل هو من ناس ينوس إذا اضطرب ونست الإبل سقتها وتصغيره على هذا نويس والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم النّاس تجوزًا وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية وهو وجود العقل والذكر وسائر القوى المختصة به فإن كل شيء عدم فعله المختص لا يكاد يستحق اسمه كاليد فإنها إذا عدمت فعلها الخاص بها فإطلاق اليد عليها كإطلاقه على يد السرير ورجله اهـ. قوله: (مما قدمناه) أي في كتاب الأذكار والدعوات في الأمور العارصات في باب ما يقول إذا خاف قومًا وقدمت هناك تخريجه والكلام على ما يتعلق بمعناه.
باب ما يقول المسافر إذا تغولت الغيلان
стр. 1681
روينا في كتاب ابن السني عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذ تَغَوَّلتْ لَكُمْ الغِيلان فَنادُوا بالأذانِ".
قلت: والغيلان جنس من الجن والشياطين وهم سحرتهم، ومعنى تغولت: تلوَّنت في صور، والمراد: ادفعوا شرها بالأذان، فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر. وقد قدَّمنا ما يشبه هذا في "باب ما يقول إذا عرض له شيطان"، في أول "كتاب الأذكار والدعوات للأمور العارضات" وذكرنا أنه ينبغي أن يشتغل بقراءة القرآن للآيات المذكورة في ذلك.
ــ
قوله: (روينا في كتاب ابن السني الخ) أخرج الحافظ بسنده عن جابر قال: قال ﷺ عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل وقال: إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان الحديث قال الحافظ: بعد تخريجه أخرجه النسائي ورجاله ثقات إلا أن الحسن الراوي عن جابر من طريقه لم يسمع منه عند الأكثر وقد أخرجه البزار من طريق يونس بن عبيد عن الحسن لكن قال عن سعد بن أبي وقاص ولفظه أمرنا رسول الله ﷺ إذا تغولت الغول أن ننادي بالأذان وقال لا نعلمه يروي عن سعد إلا بهذا الإسناد ولا نعلم الحسن سمع من سعد وجاء من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إذا تغولت لكم الغول فنادوا بالأذان فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص قال الطبراني في الأوسط بعد تخريجه لم يروه عن سهل يعني ابن أبي صالح الراوي له عن عبد الله عن أبي هريرة إلا عدي يعني ابن الفضل قال الحافظ كأنه أراد أول الحديث في الغيلان وإلا فبا فيه أخرجه مسلم ذلك ولسهل فيه قصة.
فائدة
ذكر الدميري في حياة الحيوان أن النووي ذكر حديث أبي هريرة هذا في الأذكار وقال إنه حديث صحيح قال الحافظ ولم أره في الأذكار إلا تخريجًا وأنى له الصحة وعدي الذي انفرد به متفق
على ضعفه اهـ. قوله: (الغيلان) أي بكسر الغين المعجمة ولذلك قلبت الواو الساكنة ياء إذ أصله غولان. قوله: (فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر) تقدم حكمة ذلك في باب الأذان. قوله: (الآيات المذكورة في ذلك) وهو بجر الآيات بدل من قوله القرآن
стр. 1682
باب ما يقول إذا نزل منزلًا
روينا في "صحيح مسلم" و"موطأ مالك" و"كتاب الترمذي" وغيرهم عن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلا ثُمَّ قال: أعُوذُ
ــ
أي يشتغل بقراءة الآيات المذكورة في ذلك كآية الكرسي ونحوها. قوله: (وقد ذكرت كلام العلماء الخ) قال المصنف في التهذيب قال الإِمام أبو السعادات بن الأثير في النهاية في حديث لا غول ولا صفر الغول أحد الغيلان، وهي جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولا أي تتلون تلونا في صور شتى وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم فنفاه النبي ﷺ وأبطله وقيل ليس معنى لا غول نفيًا لوجود الغول بل هو إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله، فقوله لا غول أي لا تستطيع أن تضل أحدًا ويشهد له الحديث الآخر ولا غول ولكن السعالى، والسعالى سحرة الجن أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل ومنه الحديث الآخر إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان أي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها ومنه حديث أبي أيوب كان لي تمر في سهوة فكانت الغول تجيء فتأخذ. هذا آخر كلام ابن الأثير اهـ. ما في التهذيب.
باب ما يقول إذا نزل منزلًا
المنزل اسم مكان النزول وهو المراد هنا ويكون مصدرًا ميميًّا لأنزل ومنه قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) قال الحافظ أخرجه مالك بلاغًا عن يعقوب الأشج عن بسر بن سعيد عن سعد بن أبي وقاص عن خولة بنت حكيم وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي
стр. 1683
بِكَلِماتِ الله التَّاماتِ مِنْ شرِّ ما خَلَقَ،
ــ
والنسائي، قلت: وزاد في السلاح وابن ماجه قال: وفيه وليس لخولة في الصحيحين سوى هذا الحديث وسبق عن المرقاة ليس لها في الستة سوى هذا الحديث وتقدمت ترجمتها والكلام على ما يتعلق بمعنى الحديث في أذكار المساء والصباح وأخرجه والحافظ من طريق المحاملي والطبراني في كتاب الدعاء ومن طريق أخرى من حديث خولة بنت حكيم السلمية أيضًا قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا نزل أحدكم منزلا فليقل فذكره وفيه فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه وقال الحافظ بعد تخريجه أخرجه مسلم وأخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة وأشار الحافظ أنه عند مالك والليث وتابعهما ابن لهيعة عن شيوخهم عن يعقوب عن بسر وخالفهم محمد بن عجلان فقال عن يعقوب عن سعيد بن المسيب عن سعد بن مالك عن خولة فذكره أخرجه هكذا أحمد وابن ماجه فإن كان ابن عجلان حفظه حمل على أن ليعقوب فيه شيخين ثم رواية سعد فيه عن خولة من
رواية الأقران ويدخل في رواية الفاضل عن المفضول وخرجه الحافظ من حديثها بعلو وزاد فيه بعض رواته امرأة عثمان بن مظعون ولفظه من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق زاد يزيد أي أحد رواته ثلاثًا إلا وقى شر منزله حتى يظعن منه قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه العقيلي في الضعفاء وكذا ذكره ابن حبان في الضعفاء كلاهما في ترجمة الربيع بن مالك الراوي له عن خولة بنت حكيم يعني في هذه الطريق وقال ابن حبان: لا أدري جاء الضعف منه أو من حجاج يعني ابن أرطاة وقال العقيلي جاء هذا الحديث عن خولة بإسناد أجود من هذا يعني الذي تقدم عن سعد عنها قال: وهذا الإسناد أعلى من ذلك بثلاث درجات أو أربع اهـ. قوله: (بكلمات الله) أي بالقرآن، ومعنى تمامها أن لا يدخلها نقوله ولا عيب كما يدخل كلام النّاس وقيل نفعها وشفاؤها من كل ما يتعوذ منه أي بشرط قابلية المحل وصحة النية وحسن الاعتقاد، وقال البيهقي سماها تامة لأنه لا يجوز أن يكون في كلامه عيب أو نقص كما يكون في كلام الآدميين قال: وبلغني أن أحمد كان يستدل به على أن القرآن ليس بمخلوق. قوله:
стр. 1684
لَم يَضرَّهُ شَيء حتى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذلكَ".
وروينا في "سنن أبي داود" وغيره عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: "يا أرضُ رَبي وَرَبُّكِ اللهُ، أعُوذ بالله مِنْ شَرِّكِ
ــ
(لم يضره شيء) عمومه يتناول النفس والهوى وقد تقدم نقل ذلك عن بعض المحققين.
فائدة
نقل القرطبي في تفسيره في سورة والصافات في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ﴾ قال سعيد بن المسيب بلغني أنه من قال حين يمسي ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ﴾ لم تلدغه عقرب ذكره أبو عمر بن عبد البر في التمهيد اهـ. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) قال الحافظ بعد تخريجه حسن أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وأخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد أهـ. قال في السلاح وفي لفظ النسائي وأعوذ بالله من أسد. قوله: (وأقبل الليل) أي بأن غربت الشمس وظاهر الحديث أنه ﷺ كان يأتي بالذكر إذا كان مسافرًا عند إقبال الليل سواء كان سائرًا أم ماكثا. قوله: (يا أرض ربي وربك الله) الخطاب فيه للأرض. قال في الحرز وفيه إشعار بأن للأرض شعورًا بكلام الداعي وقال غيره خاطب الأرض اتساعًا ورده ابن حجر في شرح المشكاة بأن ذلك بالنسبة لغيره ﷺ ، أما هو فقد كلمه وخاطبه الجماد فهي صالحة لخطابه حقيقة بخلاف غيره، ثم إذا ذاق العبد مشرب قوله: ربي وربك الله كان سببًا لانتفاء خشيته منها أو مما اشتملت عليه إذ الأمور كلها مربوبة الله تعالى تحت إرادته قيل وحكمة ذكره قبل الاستعاذة من شرها كونه كالوسيلة في حفظه من ذلك، ويحتمل أن يكون في الافتتاح بذلك الإشارة إلى أن الإتيان بالاستعاذة إنما هو امتثالًا للشارع مع اعتقاد أن لا أثر لغيره سبحانه وأن ربه ورب الأرض وما فيها ومن فيها هو الإله المنفرد بالإيجاد والله أعلم. قوله: (أعوذ بالله من شرك) أي من شر ذاتك أي بأن لا أتعثر بك من وهدة أو ربوة فيك أنا ولا دابتي
قيل ومنه الخسف والتحير في الفيافي والمهامه والإضلال عن الطريق وقيل شرها أن يخذل فيهما بالوقوع بالعصيان أو يقع في
стр. 1685
وشر ما فِيكِ، وشرِّ ما خلق فيكِ، وشَر ما يدُبُّ عَلَيكِ، أعُوذُ بكَ مِنْ أسَدٍ وأسْوَدَ، ومِنَ الحَيَّةِ والعَقرَبِ،
ــ
شيء من البلايا والمتاعب والأفكار والمصائب. قوله: (وشر ما فيك) أي شر ما اندرج فيك من الأوصاف الخاصة بطباعك كالبرودة واليبوسة وضديهما وقيل المراد من شر ما خلق فيها من عنصرها من شجر أو نحوه فاستعاذ من أن يتعثر بذلك والثاني أقرب. قوله: (وشر ما خلق فيك) أي خلق واستقر فيها سواء غلب عليه عنصرها كالحشرات والبهائم أو لم يغلب عليه عنصرها كالجن. قال الشيخ محمد الحطاب المالكي في حاشية منسك خليل يصح أن يقرأ خلق بالبناء للفاعل ورأيته مضبوطًا في بعض نسخ الإيضاح وابن جماعة بالبناء للمفعول اهـ. قوله: (وشر ما يدب) بكسر الدال وتشديد الموحدة أي يتحرك (عليك) وفي ديوان الأدب للفارابي فيما جاء على فعل بفتح العين يفعل بكسرها دب الشيخ يدب دبيبًا أي مشى رويدًا اهـ. فالمعنى على هذا ما يمشي عليك من المؤذيات كحشرات ونحوها وبه يعلم أن هذا القسم بعض مما قبله، وصرح به ثانيًا اعتبارًا بالاستعاذة منه لعظم شره وقال ابن الجزري يدب بكسر الدال يمشي إذ كل ما يمشي على الأرض دابة ودبيب. قوله: (أعوذ بالله من أسد وأسود) وهو بهذا اللفظ عند النسائي كما نقله في السلاح، أما لفظ أبي داود فهو أعوذ بك من أسد الخ كما في السلاح أيضًا وشرح المصابيح لابن الجزري زاد في الحرز ووقع كذلك في نسخة من الأذكار اهـ. ولم ينبه الحافظ على هذا الاختلاف وهو من وظيفته وخص الأسد بالاستعاذة منه لفرط قوته وفصاحته وشدة الخوف منه وهذا حكمة ذكره أسود أيضًا إذ هو الحية العظيمة التي فيها سواد وهي أخبث الحيات. قيل ومن شأنها أنها تعارض الركب وتتبع الصوت إلى أن تظفر بصاحبه، فعلم أن أسود اسم جنس لا صفة ولذا يجمع على أساود وحينئذٍ هو منصرف وقيل إنه غير منصرف نظرًا إلى أن وصفيته أصلية وإن غلب عليه الاسم قال بعضهم: إنه كذلك مسموع من أفواه المشايخ ومضبوط في أكثر النسخ من الحصن بمنع الصرف وقال ابن حجر
следующие страницы →