Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
روينا في كتاب ابن السني عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذ تَغَوَّلتْ لَكُمْ الغِيلان فَنادُوا بالأذانِ".
قلت: والغيلان جنس من الجن والشياطين وهم سحرتهم، ومعنى تغولت: تلوَّنت في صور، والمراد: ادفعوا شرها بالأذان، فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر. وقد قدَّمنا ما يشبه هذا في "باب ما يقول إذا عرض له شيطان"، في أول "كتاب الأذكار والدعوات للأمور العارضات" وذكرنا أنه ينبغي أن يشتغل بقراءة القرآن للآيات المذكورة في ذلك.
ــ
قوله: (روينا في كتاب ابن السني الخ) أخرج الحافظ بسنده عن جابر قال: قال ﷺ عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل وقال: إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان الحديث قال الحافظ: بعد تخريجه أخرجه النسائي ورجاله ثقات إلا أن الحسن الراوي عن جابر من طريقه لم يسمع منه عند الأكثر وقد أخرجه البزار من طريق يونس بن عبيد عن الحسن لكن قال عن سعد بن أبي وقاص ولفظه أمرنا رسول الله ﷺ إذا تغولت الغول أن ننادي بالأذان وقال لا نعلمه يروي عن سعد إلا بهذا الإسناد ولا نعلم الحسن سمع من سعد وجاء من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إذا تغولت لكم الغول فنادوا بالأذان فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص قال الطبراني في الأوسط بعد تخريجه لم يروه عن سهل يعني ابن أبي صالح الراوي له عن عبد الله عن أبي هريرة إلا عدي يعني ابن الفضل قال الحافظ كأنه أراد أول الحديث في الغيلان وإلا فبا فيه أخرجه مسلم ذلك ولسهل فيه قصة.
فائدة
ذكر الدميري في حياة الحيوان أن النووي ذكر حديث أبي هريرة هذا في الأذكار وقال إنه حديث صحيح قال الحافظ ولم أره في الأذكار إلا تخريجًا وأنى له الصحة وعدي الذي انفرد به متفق
على ضعفه اهـ. قوله: (الغيلان) أي بكسر الغين المعجمة ولذلك قلبت الواو الساكنة ياء إذ أصله غولان. قوله: (فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر) تقدم حكمة ذلك في باب الأذان. قوله: (الآيات المذكورة في ذلك) وهو بجر الآيات بدل من قوله القرآن
стр. 1682
باب ما يقول إذا نزل منزلًا
روينا في "صحيح مسلم" و"موطأ مالك" و"كتاب الترمذي" وغيرهم عن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلا ثُمَّ قال: أعُوذُ
ــ
أي يشتغل بقراءة الآيات المذكورة في ذلك كآية الكرسي ونحوها. قوله: (وقد ذكرت كلام العلماء الخ) قال المصنف في التهذيب قال الإِمام أبو السعادات بن الأثير في النهاية في حديث لا غول ولا صفر الغول أحد الغيلان، وهي جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولا أي تتلون تلونا في صور شتى وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم فنفاه النبي ﷺ وأبطله وقيل ليس معنى لا غول نفيًا لوجود الغول بل هو إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله، فقوله لا غول أي لا تستطيع أن تضل أحدًا ويشهد له الحديث الآخر ولا غول ولكن السعالى، والسعالى سحرة الجن أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل ومنه الحديث الآخر إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان أي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها ومنه حديث أبي أيوب كان لي تمر في سهوة فكانت الغول تجيء فتأخذ. هذا آخر كلام ابن الأثير اهـ. ما في التهذيب.
باب ما يقول إذا نزل منزلًا
المنزل اسم مكان النزول وهو المراد هنا ويكون مصدرًا ميميًّا لأنزل ومنه قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) قال الحافظ أخرجه مالك بلاغًا عن يعقوب الأشج عن بسر بن سعيد عن سعد بن أبي وقاص عن خولة بنت حكيم وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي
стр. 1683
بِكَلِماتِ الله التَّاماتِ مِنْ شرِّ ما خَلَقَ،
ــ
والنسائي، قلت: وزاد في السلاح وابن ماجه قال: وفيه وليس لخولة في الصحيحين سوى هذا الحديث وسبق عن المرقاة ليس لها في الستة سوى هذا الحديث وتقدمت ترجمتها والكلام على ما يتعلق بمعنى الحديث في أذكار المساء والصباح وأخرجه والحافظ من طريق المحاملي والطبراني في كتاب الدعاء ومن طريق أخرى من حديث خولة بنت حكيم السلمية أيضًا قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا نزل أحدكم منزلا فليقل فذكره وفيه فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه وقال الحافظ بعد تخريجه أخرجه مسلم وأخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة وأشار الحافظ أنه عند مالك والليث وتابعهما ابن لهيعة عن شيوخهم عن يعقوب عن بسر وخالفهم محمد بن عجلان فقال عن يعقوب عن سعيد بن المسيب عن سعد بن مالك عن خولة فذكره أخرجه هكذا أحمد وابن ماجه فإن كان ابن عجلان حفظه حمل على أن ليعقوب فيه شيخين ثم رواية سعد فيه عن خولة من
رواية الأقران ويدخل في رواية الفاضل عن المفضول وخرجه الحافظ من حديثها بعلو وزاد فيه بعض رواته امرأة عثمان بن مظعون ولفظه من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق زاد يزيد أي أحد رواته ثلاثًا إلا وقى شر منزله حتى يظعن منه قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه العقيلي في الضعفاء وكذا ذكره ابن حبان في الضعفاء كلاهما في ترجمة الربيع بن مالك الراوي له عن خولة بنت حكيم يعني في هذه الطريق وقال ابن حبان: لا أدري جاء الضعف منه أو من حجاج يعني ابن أرطاة وقال العقيلي جاء هذا الحديث عن خولة بإسناد أجود من هذا يعني الذي تقدم عن سعد عنها قال: وهذا الإسناد أعلى من ذلك بثلاث درجات أو أربع اهـ. قوله: (بكلمات الله) أي بالقرآن، ومعنى تمامها أن لا يدخلها نقوله ولا عيب كما يدخل كلام النّاس وقيل نفعها وشفاؤها من كل ما يتعوذ منه أي بشرط قابلية المحل وصحة النية وحسن الاعتقاد، وقال البيهقي سماها تامة لأنه لا يجوز أن يكون في كلامه عيب أو نقص كما يكون في كلام الآدميين قال: وبلغني أن أحمد كان يستدل به على أن القرآن ليس بمخلوق. قوله:
стр. 1684
لَم يَضرَّهُ شَيء حتى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذلكَ".
وروينا في "سنن أبي داود" وغيره عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: "يا أرضُ رَبي وَرَبُّكِ اللهُ، أعُوذ بالله مِنْ شَرِّكِ
ــ
(لم يضره شيء) عمومه يتناول النفس والهوى وقد تقدم نقل ذلك عن بعض المحققين.
فائدة
نقل القرطبي في تفسيره في سورة والصافات في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ﴾ قال سعيد بن المسيب بلغني أنه من قال حين يمسي ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ﴾ لم تلدغه عقرب ذكره أبو عمر بن عبد البر في التمهيد اهـ. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) قال الحافظ بعد تخريجه حسن أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وأخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد أهـ. قال في السلاح وفي لفظ النسائي وأعوذ بالله من أسد. قوله: (وأقبل الليل) أي بأن غربت الشمس وظاهر الحديث أنه ﷺ كان يأتي بالذكر إذا كان مسافرًا عند إقبال الليل سواء كان سائرًا أم ماكثا. قوله: (يا أرض ربي وربك الله) الخطاب فيه للأرض. قال في الحرز وفيه إشعار بأن للأرض شعورًا بكلام الداعي وقال غيره خاطب الأرض اتساعًا ورده ابن حجر في شرح المشكاة بأن ذلك بالنسبة لغيره ﷺ ، أما هو فقد كلمه وخاطبه الجماد فهي صالحة لخطابه حقيقة بخلاف غيره، ثم إذا ذاق العبد مشرب قوله: ربي وربك الله كان سببًا لانتفاء خشيته منها أو مما اشتملت عليه إذ الأمور كلها مربوبة الله تعالى تحت إرادته قيل وحكمة ذكره قبل الاستعاذة من شرها كونه كالوسيلة في حفظه من ذلك، ويحتمل أن يكون في الافتتاح بذلك الإشارة إلى أن الإتيان بالاستعاذة إنما هو امتثالًا للشارع مع اعتقاد أن لا أثر لغيره سبحانه وأن ربه ورب الأرض وما فيها ومن فيها هو الإله المنفرد بالإيجاد والله أعلم. قوله: (أعوذ بالله من شرك) أي من شر ذاتك أي بأن لا أتعثر بك من وهدة أو ربوة فيك أنا ولا دابتي
قيل ومنه الخسف والتحير في الفيافي والمهامه والإضلال عن الطريق وقيل شرها أن يخذل فيهما بالوقوع بالعصيان أو يقع في
стр. 1685
وشر ما فِيكِ، وشرِّ ما خلق فيكِ، وشَر ما يدُبُّ عَلَيكِ، أعُوذُ بكَ مِنْ أسَدٍ وأسْوَدَ، ومِنَ الحَيَّةِ والعَقرَبِ،
ــ
شيء من البلايا والمتاعب والأفكار والمصائب. قوله: (وشر ما فيك) أي شر ما اندرج فيك من الأوصاف الخاصة بطباعك كالبرودة واليبوسة وضديهما وقيل المراد من شر ما خلق فيها من عنصرها من شجر أو نحوه فاستعاذ من أن يتعثر بذلك والثاني أقرب. قوله: (وشر ما خلق فيك) أي خلق واستقر فيها سواء غلب عليه عنصرها كالحشرات والبهائم أو لم يغلب عليه عنصرها كالجن. قال الشيخ محمد الحطاب المالكي في حاشية منسك خليل يصح أن يقرأ خلق بالبناء للفاعل ورأيته مضبوطًا في بعض نسخ الإيضاح وابن جماعة بالبناء للمفعول اهـ. قوله: (وشر ما يدب) بكسر الدال وتشديد الموحدة أي يتحرك (عليك) وفي ديوان الأدب للفارابي فيما جاء على فعل بفتح العين يفعل بكسرها دب الشيخ يدب دبيبًا أي مشى رويدًا اهـ. فالمعنى على هذا ما يمشي عليك من المؤذيات كحشرات ونحوها وبه يعلم أن هذا القسم بعض مما قبله، وصرح به ثانيًا اعتبارًا بالاستعاذة منه لعظم شره وقال ابن الجزري يدب بكسر الدال يمشي إذ كل ما يمشي على الأرض دابة ودبيب. قوله: (أعوذ بالله من أسد وأسود) وهو بهذا اللفظ عند النسائي كما نقله في السلاح، أما لفظ أبي داود فهو أعوذ بك من أسد الخ كما في السلاح أيضًا وشرح المصابيح لابن الجزري زاد في الحرز ووقع كذلك في نسخة من الأذكار اهـ. ولم ينبه الحافظ على هذا الاختلاف وهو من وظيفته وخص الأسد بالاستعاذة منه لفرط قوته وفصاحته وشدة الخوف منه وهذا حكمة ذكره أسود أيضًا إذ هو الحية العظيمة التي فيها سواد وهي أخبث الحيات. قيل ومن شأنها أنها تعارض الركب وتتبع الصوت إلى أن تظفر بصاحبه، فعلم أن أسود اسم جنس لا صفة ولذا يجمع على أساود وحينئذٍ هو منصرف وقيل إنه غير منصرف نظرًا إلى أن وصفيته أصلية وإن غلب عليه الاسم قال بعضهم: إنه كذلك مسموع من أفواه المشايخ ومضبوط في أكثر النسخ من الحصن بمنع الصرف وقال ابن حجر
стр. 1686
ومِنْ ساكِنِ البَلَد، ومِنْ وَالِدٍ وما وَلَدَ".
قال الخطابي: قوله
ــ
في شرح المشكاة القياس جواز كل منهما نظير ما قالوه في الرحمن لتعارض الأصل وهو الصرف والغالب وهو عدمه وقال ابن الأعرابي الأسود الجماعات جمع سواد ثم أسودة ثم أساود، وقيل المراد بالأسود اللص لأنهم يقولون له أسود لملابسته الليل أو لملابسته السواد من اللباس قال في الحرز أو لأن أكثرهم السودان على ما في مكة المشرفة.
قلت: وفي هذا الحديث التحذير من الأسود وأنه إذا جاع سرق وإذا شبع بطر والله أعلم، قال وعلى تفسير الأول أي تفسير الأسود بالحية الخ فخصت لعظم خبثها ومزيد ضررها بالذكر وصارت كالجنس المستقل بالنسبة لما قبلها فعطفت عليه ولما بعدها فعطف عليها في قوله ومن الحية والعقرب أي من هذين الخبيثين الفظيعين في الإيذاء والإهلاك الأفظع. قوله: (ومن ساكن البلد) وقع في المشكاة والحصن من شر ساكن البلد وسقط لفظ شر من الأذكار والسلاح وليس هو عند أبي داود ووقع في بعض أصول الحصن ساكني البلد بالجمع المضاف وغنى عنه الأول بالعموم المستفاد من
المفرد المضاف وقد صرح في الكشاف بأن عموم المفرد المضاف أشمل من عموم الجمع المضاف قال في قوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ قرأ ابن عباس وكتابه يريد القرآن أو الجنس وعنه الكتاب أكثر من الكتب فإن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع قلت: لأنه أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحداني الجنس كلها لم يخرج منه شيء وأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من المجموع وتبعه عليه القاضي البيضاوي وتعقبه في النهر بأن الجمع إذا أضيف أو دخلته أل الجنسية صار عامًّا ودلالة الجمع أظهر في العموم من الواحد سواء كانت فيه أل أم الإضافة بل لا يذهب إلى العموم في الواحد إلا بقرينة لفظية كأن استثنى منه أو وصف بالجمع أو معنوية نحو نية المؤمن أبلغ من عمله وأقصى حاله أن يكون مثل الجمع العام إذا أريد به العموم اهـ. والظاهر أن الخلاف مبني على أن الجمع العام هل إفراده جموع أو آحاد فعلى الأول فالمفرد أعم وهو الذي في الكشاف وعلى الثاني يساويه وهو ما في النهر والله أعلم.
стр. 1687
"ساكن البلد" هم الجن الذين هم سكان الأرض، والبلد من الأرض: ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء ومنازل. قال: ويحتمل أن يكون المراد بالوالد: إبليس، وما ولد: الشياطين، هذا كلام الخطابي، والأسود: الشخص، فكل شخص يسمى أسود.
ــ
قوله: (ساكن البلد الجن) أي بناء على أن المراد بالبلد الأرض ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ وهو الظاهر لأن النبي ﷺ إنما قاله في البراري لا في الأبنية أما إذا أريد بالبلد ما هو المتبادر منه من الأبنية فسر البلد بمأوى الحيوان من الأرض الشامل للأبنية وغيرها وفسر الساكن بالجن ومثل كلام الخطابي في النهاية والله أعلم وفي الحرز قال القاضي قيل هم الإنس والجن لأنهم يسكنون البلد غالبًا أو لأنهم بنوا البلد واستوطنوه والمراد بالبلد الأرض اهـ. قوله: (قال ويحتمل الخ) وعليه ففيه التصريح بأن إبليس ليس من الملائكة لاستحالة الولادة عليهم لا يقال بخروجه عنهم في هذا الوصف لأنه يستحيل من الملائكة البتة لأنهم لا يوصفون بذكررة ولا أنوثة ويؤيد ذلك التصريح بخروج هاروت وماروت عنهم من وصف العصمة دون استحالة وصف الولادة ومما يصرح بأنه ليس من الملائكة قوله تعالى: ﴿إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ وادعاء أن قومًا من الملائكة يقال لهم: الجن وأنه كان منهم يحتاج لسند صحيح إذ لا يعلم هذا إلا من المعصوم واستثناؤه من الملائكة يحتمل انقطاعه وإن كان الأصل في الاستثناء الاتصال وقال غير الخطابي المراد من الوالد وما ولد آدم وذريته ويحتمل -كما قال بعض شراح المشكاة، وهو أمثله- حمل الوالد والولد على العموم فيشمل أصناف ما ولد وولد فلجأ بمن لم يلد ولم يولد وله الخلق والأمر في النجاة من شر ما يلد ويولد إذ لا يقدر على ذلك غيره . قوله: (والأسود الشخص) قال أول اللغة كل شخص يقال له أسود قال الشيخ محمد الحطاب المالكي كذا قال وقال ابن جماعة قيل الأسود العظيم من الحيات وفيه سواد ويكون أخبثها اهـ. وفي الصحاح الأسود العظيم من الحيات وفيه سواد ولم
стр. 1688
باب ما يقول إذا رجع من سفره
السُّنَّة أن يقول ما قدمناه في حديث ابن عمر المذكور قريبًا في "باب تكبير المسافر إذا صَعِد الثنايا".
وروينا في "صحيح مسلم" عن أنس ﵁، قال: أقبلنا مع النبي ﷺ أنا وأبو طلحة، وصفية رديفته على ناقته، حتى إذا كنا
ــ
يذكر غير ذلك إلا أنه قال قبل الأسودان الماء والتمر ثم قال والسواد الشخص وفي النهاية الأسود أخبث الحيات وأعظمها وهو من الصفات الغالبة حتى استعمل استعمال الأسماء ومنه حديث أمر بفتل الأسودين أي الحية والعقرب وقال قبله كل شخص من إنسان أو متاع أو غيره سواد اهـ. وفي ذكر صاحب السلاح القولين فقال: قيل: هو الشخص وقيل: العظيم من الحيات ويكون تخصيصها بالذكر لخبثها اهـ.
باب ما يقول إذا رجع من سفره
قوله: (السنة أن يقول ما قدمناه الخ) أي من قوله آئبون الخ. قوله: (وروينا في صحيحي مسلم الخ) قال الحافظ بعد تخريجه الحديث من طريق مدارها على يحيى بن أبي إسحاق عن أنس ﵁ وقال: فلم يزل يقولها الخ قال الحافظ: أخرجه مسلم وأخرجه البخاري مطولًا من طريق بشر بن المفضل وأخرجه البخاري أيضًا ومسلم من طريق عبد الوارث وأخرجه البخاري أيضًا من طريق شعبة ثلاثتهم عن يحيى بن أبي إسحاق وتقدم هذا الذكر بأتم من هذا وله شواهد يأتي بعضها اهـ. قوله: (أقبلنا مع النبي ﷺ ) أي من خيبر. قوله: (أنا وأبو طلحة) هو زوج أمه ﵃ وكان أنس رديفًا له كما جاء في مسلم وغيره التصريح به في سياق قصة خيبر ففيه جواز الإرداف إذا أطاقته الدابة وقد كثرت الأحاديث الصحيحة بمثله كذا قاله المصنف وكأن الصارف لحمل ما يصح من فعله ﷺ في ذلك على الاستحباب طلب تخفيف الأثقال عن الرحال نعم إن كان الرديف عاجزًا أو نحوه فينبغي الاستحباب بل يجب إذا تعين طريقًا في إنقاذه من الهلاك وقد صرح
стр. 1689
بظهر المدينة قال: "آيِبُونَ تائِبُون عابِدُونَ لِرَبِّنا حامِدُونَ"، فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة.
باب ما يقوله المسافر بعد صلاة الصبح
اعلم أن المسافر يستحب له أن يقول ما يقوله غيره بعد الصبح، وفي تقدم بيانه.
ويستحب أن يقول معه ما رويناه في كتاب ابن السني عن أبي برزة ﵁
قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح -قال الراوي: لا أعلم إلا قال في سفر- رفع صوته حتى يسمع أصحابه: "اللهم أصْلِحْ لي دِيني الَّذي جَعَلْتَهُ
ــ
في الحديث المشهور في الصحيح أن من الصدقة أن ترفع العاجز فتحمله على دابتك والله أعلم. قوله: (بظهر المدينة) أي بمحل تظهر فيه هي أو آثارها وكان إذا وصل إلى ذلك المكان أسرع وأوضع راحلته محبة لما أمر بالهجرة إليها ﷺ وفي صحيح البخاري عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته وإن كان على دابة حركها من حبها وأخرجه الحافظ من طريق المحاملي عن أنس قال: ما دخل ﷺ فرأى جدران المدينة فإن كان على دابة حركها أو على بعير أوضعه تباشرا بالمدينة قال الحافظ بعد تخريجه حديث صحيح أخرجه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وعند بعضهم من حبها ولم يذكره بعضهم اهـ.
باب ما يقول المسافر بعد صلاة الصبح
قوله: (وقد تقدم بيانه) أي في أذكار المساء والصباح. قوله: (ويستحب له معه ما رويناه في كتاب ابن السني الخ) قال الحافظ: أخرجه من طريق سعيد بن سليمان عن إسحاق بن يحيى بن أبي
طلحة وإسحق متفق على ضعفه من قبل حفظه وقد أخرجه مسلم أرل هذا الحديث عن أبي هريرة وأورده الشيخ المصنف في جامع الدعوات أواخر الكتاب قلت: وزاد مسلم في آخره واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر. قال الحافظ ووقع لي بوجه قوي من حديث صهيب فأخرجه عنه من طريق الطبراني في كتاب من اسمه
стр. 1690
عِصْمَةَ أمري، اللهُم أصْلِح لي دُنْيايَ التي جَعَلْتَ فِيها مَعاشي -ثلاث مرات- اللهُم أصْلِحْ لي آخِرتي التي جَعَلْتَ إلَيها مَرْجِعي -ثلاث مرات- اللهُم أعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، اللهُم أعُوذُ بكَ منك -ثلاث مرات- لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، ولا مُعْطي لِما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَد مِنْكَ الجَدّ".
ــ
عطاء عن كعب الأحبار قال: إنا نجد في التوراة أن داود كان إذا انصرف من صلاته قال: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري واصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي وأصلح لي اخرتي التي إليها معادي اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من نقمتك وأعوذ بك منك لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد قال وبالإسناد إلى كعب قال كعب وأخبرني صهيب أن رسول الله ﷺ كان ينصرف بهذا الدعاء من صلاته قال الحافظ وأخرجه النسائي وابن خزيمة والله أعلم اهـ. قوله: (عصمة أمري) أي رابطته وعماده والأمر بمعنى الشأن ومعنى هذا أن الدين إن فسد لم يصلح للإنسان دنيا ولا آخرة قال الإِمام القرطبي في المفهم فما رواه مسلم من حديث أبي هريرة وهذا دعاء عظيم جمع خيري الدارين الدنيا والدين فحق على كل سامع له أن يحفظه ويدعو به آناء الليل وأطراف النهار ولعل الإنسان يوافق ساعة إجابة يحصل على خيري الدارين اهـ، وما أحسنه وتقديم الدين في الذكر اهتمامًا بشأنه إذ بقوامه خير الدارين وتقديم المعاش على المعاد بحسب الترتيب الوجودي على أن حسن المعاد إنما ينشأ عما يقدمه العبد في هذه الدار من صالح الأعمال والطاعات وذلك يكون من أحسن المعاش أي كونه ميسرًا بلا كد من جهة طيبة خالية عن الحرام فبذلك يحصل المرام. قوله: (مرجعي) مصدر ميمي أي رجوعي. قوله: (أعوذ برضاك من سخطك) أي أعوذ من انتقامك ومظهر عدلك برضاك وفيه الإيماء إلى أن من حصل له رضا مولاه كان حرزًا له من الانتقام والله أعلم وهذا الذكر تقدم الكلام عليه في أذكار السجود وقوله: لا مانع لما أعطيت الخ تقدم في أذكار الاعتدال من الركوع.
стр. 1691
باب ما يقول إذا رأى بلدته
المستحب أن يقول ما قدمناه في حديث أنس في الباب الذي قبل هذا، وأن يقول ما قدمناه في باب ما يقول إذا رأى قرية، وأن يقول:
"اللهُم اجْعَل لنا بِهَا قَرارًا وَرِزقًا حَسَنا".
باب ما يقول إذا قدم من سفره فدخل بيته
روينا في كتاب ابن السني عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رجع من سفره، فدخل على أهله قال: "تَوْبًا تَوبًا، لِرَبِّنا
ــ
باب ما يقول إذا رأى بلدًا وفي نسخة بلدته
قال الراغب في مفرداته البلد هو المكان المختص المحدود المتأثر باجتماع نظامه وإقامتهم فيه وجمعه بلاد وبلدان وتسمى المفازة بلدًا لكونها موطن الوحشيات والمقبرة بلدا لكونها موطن الأموات اهـ. قوله: (السنة أن يقول الخ) قال الحافظ ولم يذكر من خرجه ثم خرجه الحافظ من طريق الطبراني
في كتاب الدعاء عن أبي هريرة قال: قلنا يا رسول الله ماذا أراد القوم إذا اشرفوا على المدينة يقولون اللهم اجعل لنا بها رزقا وقرارًا قال: كانوا يتخوفون من جور الولاة وقحوط المطر هذا حديث حسن ذكره البخاري في التاريخ وأخرجه النسائي في الكبرى والحديث تفرد به سعيد بن عفير وهو بمهملة وفاء مصغرًا وهو من كبار الحفاظ من أهل مصر قال أبو سعيد بن يونس في تاريخه لا يوجد إلا عنده قال الحافظ وله شاهد من حديث أنس قال: كان ﷺ إذا قدم من أسفاره فأشرف على المدينة اسرع في السير وقال اللهم اجعل لنا بها قرارًا ورزقًا حسنًا حديث غريب في سنده ضعف اهـ. قوله: (قرارًا) أي مستقرًا. قوله: (ورزقًا حسنًا) أي طيبًا حلالًا.
باب ما يقول إذا قدم من سفره ودخل بيته
أي إن كان البيت له خاصًّا به فإن كان في نحو رباط أتى بالذكر عند دخول منزله من الرباط نظير ما قالوه في الإحرام من باب بيته. قوله: (روينا في كتاب ابن السني الخ) هو بعض حديث خرجه الحافظ من طرق بعضها عن الطبراني وبعضها
стр. 1692
أوْبا، لا يُغادِرُ حَوْبا".
قلت: توبًا توبًا: سؤال للتوبة، وهو منصوب إما على تقدير: تب علينا توبًا، وإما على تقدير: نسألك توبًا، وأوبًا بمعناه من آب: إذا رجع،
ــ
عن المحاملي وعن غيرهما ولفظه عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج في سفر قال: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل فذكر الحديث إلى أن قال وإذا أراد أن يرجع قال: آئبون تائبون لربنا حامدون فإذا دخل على أهله قال: توبا توبا لربنا أوبا لا يغادر حوبا قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه أحمد وابن السني قلت في الحصن وأخرجه البزار وأبو يعلى الموصلي أوبا لا يغادر حوبا اهـ. قوله: (وهو منصوب) إما على تقدير تب علينا أي فيكون مفعولًا مطلقًا وإما على تقدير نسألك أي فيكون مفعولًا ثانيًا وعلى الأول فهو من المصادر التي يعمل فيها الفعل مضمرًا والتوب بفتح التاء المثناة الفوقية وسكون الواو قال الراغب ترك الذنب على أجمل الوجوه وهو أبلغ ضروب الاعتذار وهو على ثلاثة أضرب إما أن يقول المعتذر لم أفعل أو يقول فعلت كذا لأجل كذا وفعلت وأسأت وقد أقلعت لا رابع لذلك وهذا الأخير هو التوبة وهي ترك اختيار ذنب سبق عنك مثله إجلالًا الله تعالى قال ابن الجزري والتوب التربة وقال الأخفش هو جمع توبة كعومة وعوم وهو الرجوع عن الذنب والمراد هنا الرجوع من السفر ثانيًا وكذا قوله أوبًا أي راجعًا من سفري وهو صفة مصدر محذوف أي أتوب توبًا وأؤوب أوبأ وهو بمعنى الدعاء وكأنه يقول اللهم أتوب آئبًا اهـ. وهو منه غريب مع جلالته في العلوم النقلية فقد غفل في هذا المقام عن قواعد العربية حتى تعقبه الحنفي بقوله فيه بحث لأن كلًّا من توبًا وأوبًا مفعول مطلق بفعل محذوف لا صفة مصدر محذوف كما يدل عليه قوله أي أتوب توبًا وأؤوب أوبًا
فالحق أن يقول وهو مفعول مطلق لفعل محذوف وأيضًا قوله كأنه يقول أتوب آئبًا ليس على ما ينبغي والأولى أن يقال اللهم تب علينا توبًا اهـ. وفي الحرز يمكن أن يقال مراده أن التقدير أرجع رجوعًا مقرونًا بالتوبة كما يدل عليه قوله والمراد هنا الرجوع من السفر تائبًا ثم الظاهر أن مراده بكونه من الدعاء أن المخاطب به ربه لا أهله ولذلك قال: اللهم أؤوب أوبًا والله أعلم. قوله: (وأوبًا) أي بفتح الهمزة
стр. 1693
ومعنى لا يغادر: لا يترك، وحوبًا، معناه: إثمًا، وهو بفتح الحاء وضمها لغتان.
باب ما يقال لمن يقدم من سفر
يستحب أن يقال: الحَمْدُ لِلهِ الذي سَلَّمَكَ، أو الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَمَعَ الشَّمْلَ بِكَ،
ــ
وسكون الواو وبعدها موحدة أي أرجع إلى ساحة فيضك من سائر المخالفات رجوعًا ففيه الإيماء إلى العزم على عدم العود إلى المخالفة الذي هو أحد أركان التوبة إذ هي ندم على ما فعل وإقلاع منه حالًا وعزم على أن لا يعود إليه وقال المصنف إنه بمعنى توبا وعليه فالتكرار لأن المقام للإطناب. قوله: (وهو بفتح الحاء) أي المهملة (وضمها لغتان) قال ابن حجر الهيتمي الأحسن هنا الفتح لمناسبة قوله أوبا ومثله في الحرز وقال إن الفتح في أكثر نسخ الحصن قال الشيخ أبو حيان في النهر الحوب الإثم يقال منه حاب يحوب حوبًا وحوبًا وحابًا وحؤوبًا وحيابة اهـ. وفي مفردات الراغب سمي الإثم حوبًا لكونه مزجورًا عنه وقولهم ألحق الله به الحوبة أي المسكنة والحاجة وحقيقتها الحاجة التي تحمل صاحبها على ارتكاب الإثم والحوباء قيل هي النفس المرتكبة للحوب وهي الموصوفة بقوله ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ اهـ. مع اختصار وقال ابن الجزري في مفتاح الحصن بفتح الحاء وضمها وقيل الفتح لغة الحجاز والضم لغة تميم اهـ.
باب ما يقال لمن يقدم من سفر
قال العلماء يسن لنحو أهل القادم أن يصنع له ما تيسر من طعام ويسن له نفسه إطعام الطعام عند قدومه للاتباع فيهما وكلاهما كما يفيده كلام الفراء وابن سيده يسمى نقيعة بفتح النون وكسر القاف وبعد التحتية عين مهملة مفتوحة وتسن معانقة القادم أي غير الأمرد ومصافحته خلافًا لمن كره المعانقة كما لك ومن ثم حجه ابن عيينة بأنه ﷺ عانق جعفرًا وقبله حين قدم من الحبشة ورد قوله إن ذلك خاص بجعفر فسكت قال القاضي عياض وسكوته دليل على ظهور قول سفيان وتصويبه
стр. 1694
أو نحو ذلك، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وفيه أيضًا حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب بعده.
باب ما يقال لمن يقدم من غزو
روينا في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ
ــ
وهو الحق اهـ. ويؤيده ما صح أنه ﷺ قبل زيد بن حارثة واعتنقه لما قدم المدينة قال ابن جماعة وهذا التقبيل محمول عند أهله على ما بين العينين وكذا تقبيله ﷺ عثمان بن مظعون بعد موته ونص جماعة من الشافعية على كراهة تقبيل الوجه ومعانقة غير نحو القادم والطفل لما صح من نهيه ﷺ عن ذلك إما معانقة الأمرد الجميل أو مصافحته من غير حائل فحرام وتكره مصافحة ذي العاهة كذا في حاشية الإيضاح لابن حجر الهيتمي.
قوله: (أو نحو ذلك) أي من الألفاظ الدالة على استيشار أهل القادم بقدومه.
باب ما يقال لمن يقدم من غزو
قال الراغب في مفرداته الغزو الخروج إلى محاربة العدو وقد غزا يغزو غزوًا فهو غاز وجمعه غزاة وغزى اهـ. قوله: (روينا في كتاب ابن السني الخ) قال الحافظ هو طرف من حديث طويل فخرج بسنده عن زيد بن خالد الجهني عن أبي طلحة فذكر قصة فقال أبو طلحة لزيد ﵄ اذهب بنا إلى عائشة نسألها فقالت: كان رسول الله ﷺ في غزوة فتجسست قفوله فلما دخل استقبلته على الباب فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله الحمد الله الذي أعزك ونصرك وأكرمك الحديث وفي سند الحافظ رواية زيد بن خالد وهي من رواية الأقران وهو عند ابن السني عن سعيد بن يسار عن أبي طلحة من غير ذكر زيد قبل أبي طلحة والقصة واحدة ولعل سعيدًا سمعه من زيد بن خالد عن أبي طلحة وسمعه من أبي طلحة نفسه فكان يحدث تارة هكذا وتارة هكذا والله أعلم ثم خرجه من طريق أخرى سقط عند بعض رواته قوله وأكرمك قال الحافظ: أخرجه
стр. 1695
في غزو، فلما دخل استقبلته فأخذتُ بيده، فقلت: الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي نَصَرَكَ وأعَزَّك وأكْرَمَكَ".
باب ما يقال لمن يقدم من حج وما يقوله
روينا في كتاب ابن السني عن ابن عمر ﵄ قال:
ــ
ابن السني وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود قال الحافظ ووقع لنا من وجه آخر بزيادة في الذكر المذكور فساق سنده فيه إلى زيد بن خالد الجهني فذكره وفيه فلما دخل على تلقيته في الحجرة فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته الحمد الله الذي أعز نصرك وأقر عينك وأكرمك قالت: فلم يكلمني وذكر بقية الحديث قال الحافظ وعجبت للشيخ في اقتصاره على ابن السني دون أبي داود أما مسلم فلم يقع المقصود من هذا الحديث بالترجمة في روايته والله أعلم. قوله: (في غزو) كذا فيما وقفت عليه من الأصول المصححة من نسخ الأذكار ورأيت في ابن السني في أصل مصحح مغزى وهما مصدران لغزا ولم أقف على تعيين هذه الغزوة التي قفل ﷺ منها فقالت عائشة ما ذكر. قوله: (استقبلته) فيه استقبال المسافر عند قدومه فيخرج للقائه الرجال إلى ظاهر البلد كما ورد من فعل الصحابة ذلك في أحاديث الصحيح وغيره.
باب ما يقال لمن يقدم من حج وما يقوله
ومثل الحاج المعتمر كما هو ظاهر، ثم الذي في الترجمة ما يقال للقادم من الحج وما يقوله، والأحاديث التي أوردها إنما هي في مضمون الأول لا في الثاني ثم رأيت في أصل مصحح أن الثاني ملحق فيحتمل أن لا يكون ذلك من المصنف فيكون ما في الباب مطابقًا للترجمة ويحتمل أن يكون منه واكتفى عنه بما أورده في باب استحباب الدعاء في السفر من حديث ابن عمر كان ﷺ إذا قفل من الحج والعمرة الخ والله أعلم. قوله: (روينا في كتاب ابن السني الخ) خرج الحافظ من طريق الطبراني
عن عبد الله بن عمر قال: جاء غلام إلى النبي ﷺ فقال: إني أريد هذه الناحية الحج قال: فمشى معه ﷺ فقال: زودك الله التقوى ووجهك للخير
стр. 1696
جاء غلام إلى النبي ﷺ فقال: إني أريد الحج، فمشى معه رسول الله ﷺ فقال: "يا غُلامُ، زَوَّدَكَ اللهُ التقْوَى، وَوَجهَكَ في الخَيرِ، وكَفاكَ الهَمَّ"، فلما رجع الغلام سلم على النبي ﷺ فقال: "يا غُلامُ قَبِلَ اللهُ حَجَّكَ، وغَفَرَ ذَنْبَكَ، وأخْلَفَ نَفَقَتَكَ".
وروينا في "سنن البيهقي" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
وكفاك الهم فلما رجع سلم على النبي ﷺ فرفع رأسه فقال: يا غلام قبل الله حجك وكفر ذنبك وأخلف نفقتك هذا حديث غريب أخرجه ابن السني قال الحافظ قال الطبراني في الأوسط لم يروه عن عبيد الله بن عمر يعني الراوي عن نافع عن سالم عن أبيه ابن عمر إلا مسلمة بن سالم الجهني ضعفه أبو داود اهـ. قوله: (جاء غلام) لم أقف على تعيين اسمه. قوله: (فمشى معه رسول الله ﷺ ) أي مودعًا له فيؤخذ منه أنه يسن تشييع المسافر بالسير معه إلى ظاهر البلد. قوله: (يا غلام) بضم الميم إذ هو معرفة بالقصد. قوله: (زودك الله التقوى) أي جعلها زادك الباطن إلى أن تندرج بها في سلك المتقين وعباد الله الصالحين ثم التقوى ثلاثة أقسام أدنى بأن يتقي الشرك وأوسط بأن يمتثل الأوامر ويترك النواهي وأعلى بأن يبرأ إلى الله تعالى مما سواه. قوله: (وغفر ذنبك) أي الظاهر والباطن مما فيه إثم إن أريد بالتقوى أدناها إذ هي حينئذٍ تصدق بوجود الذنب معها فدعا له بمغفرته زيادة عليها أو مما لا إثم فيه وإنما فيه تقصير يقتضي النقص والعيب لأنها بالمعنيين الأخيرين تقتضي الحفظ من الذنب الذي فيه إثم لأن الأولياء محفوظون منه وهم المتقون بهذين المعنيين كما أفاده قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. قوله: (وكفاك الهم) كذا في نسخ الأذكار وفي عمل اليوم والليلة لابن السني وتخريج الحافظ بزيادة ميم أوله أي المهم أي كفاك ما أهم من أمر الدارين ثم رأيت في نسخة من الأذكار كذلك بزيادة الميم أوله. قوله: (قبل الله حجك) أي جعله مقبولًا ومن علامة القبول أن يرجع بعد الحج خيرًا مما كان عليه قبله ولا يعاود العصيان. قوله: (وغفر ذنبك) أي ستره بأن لا يعاتب ولا يعاقب عليه ووقع عند الحافظ وكفر من التكفير. وله: (وأخلف نفقتك) أي عوضك بدلها وجعله خلفًا منها.
قوله: (ووروينا في سنن البيهقي
стр. 1697
"اللهم اغْفِر لِلْحاج وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لهُ الحاجُّ" قال الحاكم: هو
ــ
الخ) قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه البزار وابن خزيمة والحاكم من طريق شريك عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة وقال: صحيح على شرط مسلم قال الحافظ إنما أخرج مسلم لشريك في المتابعات وقد قيل إنه شد بذلك والمحفوظ عن منصور بهذا السند حديث "من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وهو في الصحيح قال الحافظ وقد وجدت لحديث شريك هذا شاهدًا من حديث جابر عن مجاهد عن النبي ﷺ فذكر مثله وقال: هذا حديث مرسل وجابر هو الجعفي لكن يكتب حديثه في المتابعات اهـ. قوله: (اللهم اغفر للحاج الخ) قضية الإطلاق أن استغفار الحاج يمتد دائمًا طلبه وتأثيره بعد فراغه منه
لكن قال مسدد في مسنده ثنا حماد بن زيد عن ليث بن سليم عن المهاجر قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج بقية ذي الحجة ومحرم وصفر وعشرًا من ربيع الأول، قال الحافظ السيوطي هذا موقوف له حكم الرفع لأن مثله لا يقال من قبل الرأي. فإن قلت روى أحمد أن النبي ﷺ قال: "إذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته فإنه مغفور له" وهو يقتضي أن ما ذكره مغيًا برجوعه إلى بلده ودخوله بيته فينافي حديث عمر، قلت: قال ابن حجر في شرح المشكاة: إن الظاهر أن التقييد به إنما هو لزيادة الأفضلية لأن دخول البيت مظنة للاشتغال والخروج من كمالات الحاج التي كان عليها قبل، وأيضًا ما دام لم يدخله هو من وفد الله تعالى القادمين إلى أهلهم فإكرامه مستحب اهـ. وقيل في الجمع بينهما بأن مدة سفر الحاج لا تزيد غالبًا على ما ذكر في حديث عمر أي فلا يكون للقيد مفهوم والله أعلم، ويمكن أن يقال بل الأولى الأخذ بحديث حتى يدخل بيته لشموله لمن كان سيره بقدر ما جاء عن عمر ولمن زاد عنه كالبلدان الشاسعة كالغرب وأقصى الشرق وغير ذلك ولمن كان دون ذلك ولعل عمر اقتصر على تلك المدة لأن البلد التي فتحت في عصره لا تزيد
стр. 1698
صحيح على شرط مسلم.
كتاب أذكار الأكل والشرب
باب ما يقول إذا قرب إليه طعامه
روينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان يقول في الطعام إذ قُرِّب إليه: "اللَهُمَّ بارِكْ لنا فِيما رَزَقْتَنا،
ــ
مسافة الوصول إليها غالبًا على ذلك وكلامه ﷺ شامل له ولجميع ما فتح بعد طالت المسافة إليه أو قصرت. قوله: (صحيح على شرط مسلم) اغتر به ابن حجر الهيتمي فتابعه على ذلك فقال في مختصر الإيضاح وصح عن رسول الله ﷺ الخ وقد علمت من كلام الحافظ ما فيه والله أعلم.
كتاب أذكار الأكل والشرب
كذا في نسخة الأكل والشرب بلفظ المصدر والشرب إدخال المائع إلى الجوف والأكل إدخال الجامد إلى الجوف، وفي نسخة الآكل والشارب بوزن اسم الفاعل ومثله في تخريج الحافظ وهو الأنسب بقوله قبله أذكار المسافر والله أعلم.
باب ما يقول إذا قرب إليه طعامه
قوله: (روينا في كتاب ابن السني الخ) قال الحافظ بعد تخريجه وزاد فإذا فرغ قال الحمد الله الذي يمنَّ علينا فهدانا والحمد الله الذي أطعمنا وسقانا وروانا وكل الإحسان أملانا قال عمرو بن شعيب فكتبه لنا جدي فكنا نتعلمه كما نتعلم السورة من القرآن وقال: هذا حديث غريب أخرجه ابن السني، وفي سنده ابن أبي الرعيرعة براء مضمومة وعين مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فراء فعين مهملة قال البخاري منكر الحديث جدًّا، وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث فيما أنكر عليه وقال: لا يتابع على أحاديثه وذكره ابن حبان في الضعفاء ووهاه ثم ذكر بعده سواء محمد بن الرعيرعة عن أبي المليح ونسبه إلى وضع الحديث فكأنه عنده اثنان ولم أر ذلك لغيره والعلم عند الله اهـ. قوله:
(وبارك لنا فيما رزقتنا)
стр. 1699
وَقِنا عَذَابَ النارِ، بِسْمِ الله".
باب استحباب قول صاحب الطعام لضيفانه عند تقديم الطعام: كلوا أو في معناه
اعلم أنه يستحب لصاحب الطعام أن يقول لضيفه عند تقديم الطعام: بسم الله، أو كلوا، أو الصلاة، أو نحو ذلك من العبارات المصرحة بالإذن في الشروع في الأكل، ولا يجب هذا القول بل يكفي تقديم الطعام إليهم، ولهم
ــ
يحتمل أن تكون البركة بالتكثير الحسي كما وقع له ﷺ كثير من ذلك كما في قصة شاة جابر وأقراص أبي طلحة وغير ذلك، ويحتمل أن يكون بالتكثير المعنوي فيجري الطعام مجرى غيره أخذًا مما قالوه في دعائه ﷺ لمكيال المدينة بالبركة. ققوله: (وقنا عذاب النار) فيه طلب ما يتعلق بالآخرة وأنه ينبغي للإنسان أن لا يغفل عن طلب ذلك فعليه المدار وتقديم ما يتعلق بهذه الدار من البركة في الرزق لأنه يوصل مع التوفيق إلى مصالح تلك الدار فإن نفسه التي هي مطيته في هذا السفر إنما قوامها ودوام نفعها بهذا المعاش والرزق فسأل البركة فيه ليكون معينًا له على الخير مانعا له من المخالفات والصر، هذا ومن لطيف الاقتباس تضمين البدر الدماميني هذه الجملة مع التورية في قوله وفي أحسن:
يا رب إنا قد أتينا نشتكي ... ما بالصعيد بنا من الأضرار
فارحم وأدركنا فقوص حرها ... يحكي لظى وقنا عذاب النار
باب استحباب قول صاحب الطعام لضيفانه عند تقديم الطعام كلوا أو ما في معناه
قوله: (باسم الله) أي كلوا متبركين باسم الله لما تقدم من حديث الباب قبله. قوله: (أو الصلاة) لعل وجه جعله من ألفاظ الإذن في التناول. قوله: (بل يكفي تقديم الطعام إليهم) فلهم الأكل بذلك من غير افتقار إلى إذن لفظًا اكتفاء بالقرينة
стр. 1700
الأكل بمجرد ذلك من غير اشتراط لفظ، وقال بعض أصحابنا: لا بد من لفظ، والصواب الأول.
وما ورد في الأحاديث الصحيحة من لفظ الإذن في ذلك: محمول على الاستحباب.
باب التسمية عند الأكل والشرب
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم"
ــ
كما في الشرب بالسقايات في الطرق ولخبر إذا دعى أحدكم فجاء مع الرسول فذلك إذن له رواه أبو داود وقد تقتضي القرينة عدم الأكل كأن انتظر المالك آخر فلا يأكل حتى يحضر ذلك الغائب أو يأذن له المالك لفظًا. قال جمع يحرم على الضيف أن يأكل فوق الشبع وعلله ابن عبد السلام بانتفاء الإذن اللفظي والعرفي وفي الأمداد يظهر ضبط الشبع بأن يصير بحيث لا يشتهى ذلك المأكول والكلام فيمن لم يعلم رضا المالك بأكله فوق شبعه وإلا كان كالأكل من ماله والزيادة فيه على الثغ لا تحرم إلا إن علم أو ظن أنها تضره.
باب التسمية عند الأكل والشرب
قال ابن حجر في شرح العباب في باب أركان الصلاة التسمية قول بسم الله والبسملة قول بسم الله الرحمن الرحيم اهـ والظاهر أن المراد من التسمية هنا ذكر اسم الله تعالى الذي اقله بسم الله وأكمله بسم الله الرحمن الرحيم كما سيأتي في كلامه بما فيه. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال في السلاح ورواه الترمذي والنسائي وآخر الحديث عندهم وكل مما يليك فما زالت تلك طعمتي، قال في السلاح طعمتي بكسر الطاء وقال بعض شراح الشمائل إن الحديث اتفقت الستة على إخراجه، وقال الحافظ بعد تخريجه المرفوع منه حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وخرجه الحافظ من طريق الدارمي وقال: أخبرنا خالد بن مخلد عن وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة فذكره مختصرًا هكذا رواه خالد
стр. 1701
عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "سَمِّ اللهَ وكُلْ بِيَمِينِكَ".
ــ
قال ابن عبد البر انفرد خالد بوصله عن مالك وهو في الموطأ مرسل قال فيه مالك عن وهب بن كيسان قال: أتى النبي ﷺ بطعام فذكره مرسلًا، واتفق على ذلك جميع رواة الموطأ اهـ. ووافق خالدا على وصله أبو عوانة في مستخرجه أخرجه الدارقطني في غرائب مالك وقال تفرد بوصله خالد ويحيى قال الحافظ: هو من شيوخ البخاري لكنه أخرجه عن عبد الله بن يوسف وهو من رواة الموطأ مرسلًا فكأنه رمز إلى أن رواية من وصله صحيحة ثم أخرجه الحافظ من حديث عمر بن أبي سلمة من طرق أخرى وقال في بعضها أخرجه أبو داود وابن حبان والله أعلم. قوله: (عن عمر بن أبي سلمة) أبو سلمة كنية أبيه المسمى عبد الله ﵄ ابن عبد الأسد القرشي المخزومي وأمه أم سلمة زوج النبي ﷺ أم المؤمنين، ولذا قال عمر: كنت في حجر النبي ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال: يا غلام سم الله الخ رواه مسلم (ولد عمر ﵁ بأرض الحبشة، وكان أبوه في هاجر إليها في السنة الثالثة من هجرة رسول الله ﷺ ، وتزوج ﷺ أمه بعد موت أبيه عنها كما تقدم فنشأ في حجره كان يوم الخندق هو وابن الزبير في اطم حسان بن ثابت، وكان عمره يوم قبض النبي ﷺ تسع سنين شهد وقعة الجمل مع علي ﵁ واستعمله على البحرين روى له فيما قيل عن رسول الله ففي اثنا عشر حديثًا. قال المصنف في التهذيب روى له البخاري منها حديثين قال في الرياض المستطابة أنهما اتفقا على اثنين وخرج عنه الأربعة، وروى عنه عطاء وثابت مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عبد الملك. قوله: (سم الله) الأمر فيه للندب وهي سنة كفاية كما سيأتي، ولا خلاف في أن التسمية في بدء كل أمر محبوب سنة مؤكدة وفي الحديث حصول السنة بلفظ بسم الله لكن الأكمل إكمالها كما سيأتي بما فيه. قوله: (وكل بيمينك) هذا مزيد على ما قصد في الترجمة ذكر استطرادًا وهذا الأمر على سبيل قيد الندب المؤكد،
стр. 1702
وروينا في "سنن أبي داود والترمذي" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أكَلَ أحَدُكمْ فَلْيَذْكُرِ اسمَ الله تَعالى في أوَّلِه،
ــ
وقيل وجوبًا لما في غيره من الشره ولحوق الضرر بالغير وانتصر له السبكي وعليه نص الشافعي في الرسالة ومواضع من الأم قال الحافظ ويدل على الوجوب ورود الوعيد في الأكل بالشمال في صحيح مسلم أن النبي ﷺ رأى رجلًا يأكل بشماله، فقال: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع
فقال: لا استطعت، فما رفعها إلي فيه بعد لما لم يكن في ترك الأكل باليمين عذر بل قصد المخالفة دعا عليه فشلت يده والأكل باليمين لأنها أقوى غالبًا وأسبق للأعمال وأمكن في الاشتغال ثم هي مشتقة من اليمن وهو البركة وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بنسبتهم إليها كما ذم أهل النار بنسبتهم إلى الشمال فاليمين وما نسب إليها وما اشتق منها محمود ممدوح لسانًا وشرعًا ودنيا وآخرة والشمال على النقيض حتى قال:
ابن لي، في يمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالكا
وإذا كان كذلك فمن الآداب المناسبة بمكارم الأخلاق والسيرة المرضية عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة والأحوال النظيفة وإن احتيج في شيء منها إلى الاستعانة بالشمال تكون بحكم التبعية وأما إزالة الأقدار ومباشرة الأمور الخسيسة فبالشمال وسبق لهذا المقام بسط في باب كيفية لباس الثوب والنعل وخلعهما أوائل الكتاب والله أعلم بالصواب.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود والترمذي الخ) هو من جملة حديث خرجه الحافظ من طريق الدارمي ولفظه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يأكل طعامًا في ستة نفر من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال النبي ﷺ : أما إنه لو ذكر الله لكفاكم فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى فليقل باسم الله أوله وآخره حديث حسن أخرجه أحمد وابن ماجه ورجاله ثقات لكن عبد الله بن عبيد أي الراوي عن عائشة لم يسمع منها كما بينه في تذهيب التهذيب، قال: وقد جاء من طريق آخر بزيادة راو بينهما فأسنده إلى عبد الله قال عن امرأة منهم يقال لها: أم كلثوم عن عائشة ﵂ فذكر
стр. 1703
فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُرَ اسمَ اللَّهِ تعالى في أوَّلِهِ
ــ
الحديث بتمامه أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم قال الترمذي حديث حسن صحيح أو أم كلثوم هي بنت محمد بن أبي بكر الصديق، قال الحافظ وهذا يخالف قول عبد الله بن عبيد الله عن امرأة منهم إذ هو ليثي مكي بخلاف أم كلثوم بنت محمد فإنها تيمية مدنية ولذا قال المزي أم كلثوم الليثية المكية فاعتمد على قول الراوي عنها والعلم عند الله تعالى اهـ. وقد أورد الحديث في السلاح في مكانين في الأول منهما إلى قوله لكفاكم وفي رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه قال الترمذي واللفظ له حديث حسن صحيح ولم يذكر ابن ماجه فيمن خرجه ولعل مراد الحافظ أن أصل الحديث عنده وإن لم يكن بهذه الزيادات المعقود لها الترجمة والله أعلم وفي الثاني باللفظ الذي أورده المصنف هنا الخ وقال: رواه أبو داود واللفظ له والترمذي والنسائي والحاكم وابن حبان في صحيحيهما وقال الحاكم صحيح الإسناد اهـ. واقتصر في الحصن على اللفظ المرفوع الذي أورده المصنف وعزاه لمن عزاه له في السلاح والله أعلم.
قال الحافظ لحديث عائشة شاهد من حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال من نسي أن يذكر الله في أول طعامه فليقل حين يذكر باسم الله أوله وآخره فإنه يستقبل طعامًا جديدًا ويمنع من كان يصيب منه أخرجه الحافظ من طريق الطبراني في الأوسط قال: وأخرجه ابن حبان قال الحافظ ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في سماع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه ولولا ذلك لكان على
شرط الصحيح اهـ. قوله: (فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله) أي أول الأكل المدلول عليه بقوله أكل وألحق أصحابنا الشافعية بالنسيان ما إذا تعمد أو جهل وليس للخصم أن يقول الناسي معذور فليمكن من التدارك بخلاف المتعمد لأن القصد من التدارك إضرار الشيطان بمنعه من طعامنا ولو نظر للعذر لمنع الشيطان عن مؤاكلة النّاس ولم يحتج إلى أن يجعل له طريقًا فالملحظ ليس العذر فحسب ومثل الأكل فيما ذكر في ندب الذكر المذكور كل ما يشتمل على أفعال متعددة من نحو اكتحال وتأليف
стр. 1704
فَلْيَقُلْ: بِسمِ اللهِ أوَّلَهُ وآخِرَهُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ــ
وشرب ما لم يكره الكلام أثناءه كجماع. قوله: (فليقل) أي عند الذكر والأمر للندب المؤكد وهل يأتي بالذكر الآتي بعد انقضاء الأكل أو لا؟ بالأول قال بعض الشافعية وعللوه بأن التسمية إنما شرعت لدفع الشيطان من توصله إلى الطعام وقد فات، وبالثاني قال آخرون وقالوا: إنها وإن شرعت لدفع الشيطان وقد فات فقد شرعت أيضًا ليقيء ما أكله، وفي صل آخرون بين ما إذا تذكر حال الاشتغال بمصالح الطعام ولو بعد الأكل والعهد قريب وبين ما إذا بعد وانقطعت النسبة والأوجه من هذه الأوجه أوسطها كما تقدم نقله بتعليله وبيان دليله بما فيه من اعتراض ورد في باب ما يقول على وضوئه والله أعلم. قوله: (باسم الله أوله وآخره) الباء في باسم الله للاستعانة أو المصاحبة ويقدر المتعلق آكل والجار والمجرور في محل الحال من فاعل الفعل المقدر وأوله وآخره منصوبان على الظرفية أي في أوله وآخره هذا هو الجيد فيهما كما قاله البكري ويجوز تقدير لفظ في على حذف الجار وإبقاء عمله والمراد منهما جميع أجزائه كما يشهد له المعنى الذي قصدت التسمية له فلا يقال ذكرهما يخرج الوسط، وأورد أنه كيف تصدق الاستعانة باسم الله في الأول وقد خلا الأول عنها، ودفع بأن الشرع جعله إنشاء استعانة باسم الله في أوله وليس هذا إخبارًا حتى يكذب وبهذا يصير المتكلم مستعينًا في أوله ويترتب على ما رتب على الاستعانة في أوله وهذا أوضح مما في الحرز من قوله إنه مستعين به في أوله حكمًا لأن حال المؤمن وشأنه هو الاستعانة به سبحانه في جميع أحواله وإن لم يجر اسم الله تعالى على لسانه لنسيانه إذ هو معفو عنه والله أعلم اهـ. وسبق في باب ما يقول على الوضوء الفرق بين التدارك بعد انقضاء الأكل وعدمه وبعد انقضاء الوضوء وعند الحنفية إذا ترك التسمية أول الوضوء لا يتداركها في أثنائه كما في الحرز قال والفرق بين الوضوء والطعام أن الوضوء فعل واحد غسل جميع أعضائه بخلاف الطعام فإن أكل كل لقمة فعل على حدة ولذا كان العلماء يسمون في كل لقمة ولعل الشارع اكتفى بأوله دفعا للحرج عن أكله ومع هذا ففضلاء الصوفية يسمون أيضًا في كل عضو من أعضاء الوضوء اهـ. وما ذكره من أن الوضوء فعل واحد لا يخفى
стр. 1705
وروينا في "صحيِح مسلم" عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا دَخَلَ الرَجُلُ بَيْتَهُ فَذكَرَ اللهَ تعالى عِنْدَ دُخُولِهِ وعِنْدَ طَعامِهِ، قال الشَّيطَانُ: لا مَبِيتَ
لكُمْ ولا عَشاءَ، وإذا دَخَلَ فَلمْ يَذْكُرِ اللهَ تَعالى عِنْدَ دُخُولِهِ، قال الشيطَانُ: أدرَكْتُمُ المَبِيتَ، وإذا لَمْ يَذْكُرِ الله تعالى عِنْدَ طَعَامِهِ، قال: أدرَكْتُمُ المَبِيتَ والعَشَاءَ".
وروينا في "صحيح مسلم" أيضًا في حديث أنس المشتمل على معجزة ظاهرة من معجزات رسول الله ﷺ لما دعاه أبو طلحة وأم سليم للطعام، قال: ثم قال النبي ﷺ :
ــ
ما فيه فتأمل.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) تقدم تخريجه والكلام على ما يتعلق بمعناه في باب ما
يقول إذا دخل بيته في أوائل الكتاب. قوله: (وروينا في صحيح مسلم أيضًا الخ) لفظ الحديث عن أنس قال: أمر أبو طلحة أم سليم أن تجعل للنبي ﷺ طعامًا يأكل منه ثم بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فأتيته فقلت: بعثني إليك أبو طلحة فقال للقوم قوموا فقاموا فانطلق وانطلقوا معه فلقينا أبو طلحة في الطريق فقال: يا نبي الله إنما صنعت لك طعامًا لنفسك خاصة فقال: لا عليك انطلق فانطلقوا وجيء بالطعام فوضع رسول الله ﷺ يده في الطعام وسمى عليه ثم قال: ائذن لعشرة فأذن لهم فقال لهم: كلوا باسم الله فأكلوا حتى شبعوا ثم قال: ائذن لعشرة فعل ذلك بثمانين رجلًا ثم أكل رسول الله ﷺ أكل أهل البيت وتركوا سورًا، قال الحافظ بعد تخريجه بهذا اللفظ أخرجه مسلم أي أخرج هذا المعنى لا بخصوص هذا المبنى قال المصنف في شرح مسلم أخرجه مسلم عن أنس حديثين الأول من طريق والثاني من طرق وهما قضيتان جرت فيهما المعجزتان أي تكثير الطعام القليل وعلمه ﷺ بكفايته لهم وغيرهما من المعجزات ففي الحديث أن أبا طلحة وأم سليم أرسلا أنسًا إلى النبي ﷺ بأقراص شعير قال أنس: فوجدت النبي
стр. 1706
"ائْذَنْ لِعَشَرَة"، فأذن لهم فدخلوا، فقال النبي ﷺ : "كُلُوا وَسَمُّوا اللهَ تعالى، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلًا".
ــ
ﷺ جالسًا في المسجد ومعه النّاس فقبلت عليهم فقال: أرسلك أبو طلحة فقلت: نعم فقال: الطعام فقلت: نعم فقال ﷺ لمن معه: قوموا فانطلق فانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم قالت: الله ورسوله أعلم فانطلق أبو طلحة حتى لقي النبي ﷺ فأقبل ﷺ معه حتى دخلا فقال ﷺ : هلمي ما عندك يا أم سليم فأتت بذلك الخبر فأمر به ﷺ ففت وعصرت عليه عكة لها فآدمته ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول ثم قال: ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شعبوا ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا حتى أكل القوم كلهم وشبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلًا، والحديث الآخر فيه أن أنسًا قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ لأدعوه وقد جعل طعامًا فأقبلت ورسول الله ﷺ مع النّاس فنظر إلي فاستحييت فقلت أجب أبا طلحة فقال للناس قوموا وذكر الحديث وأخرج لهم شيئًا من أصابعه وهذا الحديث قصة أخرى بلا شك وفيها ما في الحديث الأول وزيادة علم من أعلام النبوة وهو إخراج ذلك الشيء من بين أصابعه الكريمة ﷺ اهـ. قوله: (ائذن لعشرة الخ) إنما لم يأذن لهم دفعة واحدة لئلا يقع نظرهم على الطعام فيتقالوه فتذهب منه البركة أو لأن الإناء لم يسع استدارة أكثر من عشرة ثمة أو لأن المكان لا يتسع لأكثر من ذلك العدد. قوله: (وسموا الله) أي اذكروا اسم الله تعالى على الطعام ولا تكفي تسمية الأولين وقولهم إن التسمية من واحد تكفي عن الباقي محمول على جماعة يعدهم العرف مجتمعين وما هنا ليس كذلك لانقطاع تسمية الأولين بقيامهم والله أعلم، قال المصنف
في الحديث تكثير الطعام وعلمه ﷺ بأن هذا القليل يكفي الكثير اهـ. ثم اختلف العلماء في أن تكثير الطعام القليل الذي هو من معجزاته ﷺ هل هو بإيجاد معدوم أو بإيقاع البركة في الموجود والإجزاء به مع قلته
стр. 1707
وروينا في "صحيح مسلم" أيضًا عن حذيفة ﵁، قال: "كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعامًا لم نضع أيديَنا حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرة طعامًا، فجاءت جارية كأنها تُدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يُدفع، فأخذ بيده، فقال رسولُ الله ﷺ : إن الشَّيْطان يَسْتَحِل الطعامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسمُ الله عَلَيهِ، وإنهُ جاءَ بِهَذِهِ الجَارِيةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا،
ــ
معجزة؟ الأول عليه الأكثر والله أعلم. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) قال في السلاح ورواه أبو داود والنسائي ولفظ أبي داود وأن يده لفي يدي مع أيديهما اهـ. وذكر الحافظ مثله ولم ينبه على ما أشار إليه في السلاح وخرجه الحافظ عن حذيفة من وجه آخر وقال: زاد في أوله فكف ﷺ يده وفي آخره وإنه لما رآنا كففنا أيدينا جاء بهذين يستحل بهما قال وفي السند شذوذ. قوله: (كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعامًا لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ ) قال المصنف فيه بيان هذا الأدب وهو أنه يبدأ الكبير الفاضل في غسل اليد للطعام وفي الأكل. قوله: (كأنها تدفع) وفي رواية لمسلم كأنها تطرد وفي نسخة من السلاح كأنما تدفع بالميم محل هاء الضمير قال المصنف يعني لشدة سرعتها. قوله: (ثم جاء أعرابي الخ) كذا عند مسلم في رواية له ووقع له في رواية أخرى قوله قدم مجيء الأعرابي قبل مجيء الجارية أي عكس ما في الروايتين المذكورتين قال المصنف وجه الجمع بينهما أن المراد بقوله في الثانية قدم مجيء الأعرابي الخ أنه قدمه في اللفظ بغير حرف ترتيب فذكره بالواو فقال جاء أعرابي وجاءت جارية والواو لا تقتضي الترتيب وأما الرواية الأولى فهي صريحة في الترتيب فتعين حمل رواية الواو على رواية ثم ويبعد حمله على واقعتين اهـ. قوله: (إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه) قال
стр. 1708
فأخَذْتُ بِبَدِها، فجَاءَ بِهَذا الأعْرَابي لِيَسْتَحِلَّ بهِ، فأخَذْتُ بيَدِهِ،
ــ
المصنف معنى يستحل يتمكن من أكله ومعناه أنه يتمكن من أكل الطعام إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر الله تعالى وأما إذا لم يشرع فيه أحد أو شرع بعضهم دون بعض لم يتمكن منه ثم الصواب الذي عليه جماهير العلماء من السلف والخلف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين أن هذا الحديث وشبهه من الأحاديث الواردة في أكل الشيطان محمولة على ظواهرها وأن الشيطان يأكل حقيقة إذ العقل لا يحيله والشرع لا ينكره فوجب قبوله واعتقاده اهـ. كذا في النسخة المنقول منها والظاهر أن في النسخة سقطًا إذ قوله آخرًا أو شرع بعضهم دون بعض يقتضي أن الشيطان لا يتمكن منه حينئذٍ حتى يشرع الباقون ويترك الكل التسمية وقوله أولًا لأن الشيطان يتمكن منه إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر الله ينافيه إلا أن يقال ينزل كلامه على حالين ما إذا كان الأكل واحدًا فشرع فيه بغير ذكر فيتمكن منه الشيطان حينئذٍ وما إذا كانوا جماعة فلا يتمكن إلا بفعل الكل مع ترك الذكر وفيه ما فيه والله أعلم وعلى هذين الحالين ينزل كلامه في الموضعين قال البيضاوي كأن ترك التسمية إذن من الله تعالى للشيطان في التناول كما أن التسمية منع له عنه نقله الطيبي وقيل معنى يستحله يصرف قوته فيما لا يرضاه الله تعالى أي لا يكون ممنوعًا من التصرف فيه إلا بذكر اسم الله عليه قال المصنف في شرح مسلم وينبغي أن
يسمى كل واحد من الآكلين فإن سمي واحد منهم حصل أصل السنة نص عليه الشافعي ويستدل له بأن النبي ﷺ أخبر بأن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه وهذا في ذكر اسم الله عليه ولأن المقصود يحصل بواحد ثم أيده أيضًا بحديث الذكر عند دخول المنزل وفي سبق في باب ما يقول إذا دخل منزله أوائل الكتاب وذكره المصنف هنا أيضًا ووجه التأييد إنما يظهر إن كان
стр. 1709
والذِي نَفْسي بيَدِهِ إنّ يَدَهُ في يَدي مع يَدِهِما" ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل.
وروينا في "سنن أبي داود والنسائي" عن أمية بن مخشي الصحابي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يأكل، فلم يسمِّ حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أولَه وآحره، فضحك النبي ﷺ
ــ
يذكر فيه مبنيًّا للمفعول أما إذا كان مبنيًّا للفاعل ومرجع الفاعل فيه الرجل فلا يظهر التأييد المذكور والله أعلم.
قوله: (والذي نفسي بيده) فيه الحلف بلا استحلاف وهو جائز بل مندوب لتأكيد الأمر الذي يعتني بتأكيده وتقويته وقوله: نفسي بسكون الفاء أي روحي وقوله: بيده أي بقدرته. قوله: (إن يده) أي الشيطان. قوله: (مع يدها) قال المصنف في شرح مسلم هكذا هو في معظم الأصول يدها وفي بعضها يدهما وهذا ظاهر والتثنية تعود إلى الجارية والأعرابي ومعناه أن يد الشيطان في يده ﷺ مع يد الجارية والأعرابي وأما على رواية يدها بالإفراد فيعود الضمير على الجارية وقد حكى القاضي عياض أن الوجه التثنية والظاهر أن رواية الأفراد مستقيمة فإن إثبات يدها لا تنفي يد الأعرابي بل هي ساكتة عنها فإن صحت الرواية بالإفراد وجب قبولها وتأويلها على ما ذكرناه والله أعلم اهـ. قوله: (ثم ذكر) أي النبي ﷺ (اسم الله تعالى) على الطعام (وأكل).
قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) قال في السلاح واللفظ لأبي داود وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال الدارقطني لم يسند أمية عن النبي ﷺ غير هذا الحديث اهـ. وقال الحافظ بعد تخريج الحديث: هذا حديث غريب أخرجه أبو داود وأخرج الحاكم بسنده إلى الطبراني عن جابر بن صبح حدثني المثنى وصحبته إلى واسط فكان إذا أكل سمى فإذا صار إلى آخر لقمة قال: بسم الله أوله وآخره فقلت له في ذلك فقال: حدثني ابن أمية فذكر الحديث بنحوه ثم قال الحافظ: أخرجه أحمد والنسائي. قوله: (عن أمية بن مخشي الصحابي ﵁ بصري يكنى أبا عبد الله قاله أبو نعيم وأبو عمر وقال ابن منده الخزاعي وهو من الأزد ولا يعرف له غير هذا الحديث كذا في أسد الغابة وفي شرح المصابيح للعاقولي قال ابن أبي حاتم في كتاب
стр. 1710
ثم قال: ما زال الشيطان يأكُلُ مَعَهُ، فلَمَا ذَكَرَ اسمَ الله اسْتَقَاءَ ما في بَطْنِهِ".
قلت: مخشي، بفتح الميم وإسكان الخاء وكسر الشين المعجمتين وتشديد الياء، وهذا الحديث محمول على أن النبي ﷺ لم يعلم تركه التسمية إلا في آخر أمره، إذ لو علم ذلك لم يسكت عن أمره بالتسمية.
وروينا في كتاب الترمذي. عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأكل طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ : "أما إنَّهُ
ــ
الجرح والتعديل أمية بن مخشي له صحبة روى عنه المثنى بن عبد الرحمن بن مخشي سمعت أبي يقول ذلك وقال ابن عبد البر في استيعابه روى عنه المثنى بن عبد الله بن مخشي ؤهو ابن أخيه له حديث واحد عند الأكل يعني هذا الحديث. قوله: (استقاء الشيطان) أي ما في بطنه ولا يلزم منه غسل الإناء وإن حملناه على الحقيقة كما هو الأرجح في مثله لما تقدم عن شرح مسلم للمصنف لأنه ليس فيه أن الاستقاءة في نفس الإناء إذ يحتمله ويحتمل أن يكون خارجه وطهارة الأصل لكونها الأصل المحقق لا ترفع بذلك والله أعلم.
قوله: (مخشي بفتح الييم وإسكان الخاء وكسر الشين المعجمتين) هذا هو الصواب ويوجد في بعض النسخ المعجمة فيوهم أن الخاء مهملة وهو من تحريف الكتاب والله أعلم.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي الخ) هو طرف من حديث طويل تقدم تخريجه في أول هذا الباب. قوله: (طعامًا) تنوينه للتنكير لا للتكثير إذ يأباه أكله في لقمتين وقيل إنه للتكثير ويدل عليه قوله في ستة من أصحابه ولجاب بأن كفايتهم بذلك الطعام مع قلته من جملة معجزاته ﷺ ومن التواضع قعوده مع أصحابه وأكله معهم بحيث يقدم الغريب فيأكل معه. قوله: (فجاء أعرابي) تقدم الكلام في معنى الأعرابي في باب تنزيه المسجد عن الأقذار هاخبار عائشة عما ذكر في الخبر إما عن رؤيتها وذلك قبل الحجاب أو بعده واقتصرت على رؤية الإناء ولا يلزم منه رؤية الأعرابي أو عن إخباره ﷺ أو من غيره وعلي الأخير مرسل صحابي وهو حجة خلافًا للأسفرايني. قوله: (بلقمتين) الباء فيه بمعنى في ووقع في بعض النسخ في الشمائل في لقمتين. قوله:
стр. 1711
لوْ سَمَّى لَكَفاكُمْ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ــ
(لو سمى) وفي لفظ أما إنه لو سمى وفي لفظ لو سمى الله تعالى أي لو قال الأعرابي باسم الله لكفاكم أي وإياي وفي نسخة من الشمائل لكفانا وفي نسخة لكفاهم ويدخل فيه الأعرابي أيضًا وذلك لأن الشيطان ينتهز الفرصة وقت الغفلة عن ذكر الله وهذا تصريح بعظم بركة التسمية وفائدتها والمعنى أن هذا الطعام القليل كان الله يبارك فيه معجزة لي وكان بذلك يكفينا لكن لما ترك التسمية انتفت تلك البركة وفيه كمال المبالغة في زجر تارك التسمية على الطعام لأن تركها يمحق الطعام كذا في بعض شروح الشمائل ثم هذا الحديث بظاهره يشكل على ما تقدم عن الشافعي مما سيأتي في الكتاب أن تسمية واحد من الحاضرين تكفي في دفع الشيطان عن الطعام وسبق دليله في كلام المصنف في شرح مسلم وأجيب بأن شيطان الرجل جاء معه فلم تكن التسمية السابقة على مجيئه مؤثرة فيه ولا هو سمى فتكون تسميته مانعة من أكل شيطانه معه أشار إليه الطيبي واستحسنه ميرك ثم قال: لكن ليس صريحًا في دفع التناقض بين الحديث وبين ما قاله الشافعي قال: فالأولى أن يقال كلام الشافعي محمول على أنه مخصوص بما إذا اشتغل جماعة بالأكل معًا وسمى واحد منهم فحينئذٍ لسمية هذا الواحد تجزئ عن الباقين من الحاضرين لا عن شخص لم يكن حاضرًا معهم وقت التسمية إذ المقصود من التسمية عدم تمكن الشيطان من أكل الطعام مع الإنسان فإذا لم يحضر إنسان وقت التسمية عند الجماعة لم تؤثر تلك التسمية في عدم تمكن شيطان ذلك الإنسان من الأكل معه فتأمل اهـ. وأجاب ابن حجر الهيتمي في شرح الشمائل عن مثل حديث الباب بأن الواقعة واقعة حال محتملة لأن يكون قعوده بعد انصرافهم بدليل "ثم" -أي في ذلك الحديث والفاء في حديث الباب- قال: وهذا الجواب متعين وهو وإن كان بعيدًا من سياق
حديث الباب إلا أن الجمع بين الأحاديث يحتمل فيه نحو ذلك لما فيه من أعمال كل وعلى هذا فيكون قوله إما أنه لو سمي صدر منه كو بعد قيامه وقيام من معه ومعنى لكفاكم أي لو احتجتم إليه ثانيًا وكان ذلك الجائي سمى عند جلوسه وحده
стр. 1712
وروينا عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال:
ــ
عليه لكفاكم عن الاحتياج إليه والله أعلم قال ابن حجر وأما الجواب بأن لهذا الجائي شيطانًا جاء معه فلم تؤثر فيه تسميتهم ولا هو سمى فغير صحيح لأن التسمية أول الطعام متكفلة بمنع الشيطان منه إلى فراغ أولئك الآكلين فإن قلت قضية الحديث أي حديث إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وطعامه الخ فإنه يصرح بأنه إنما يتمكن منه إذا لم يذكر اسم الله تعالى فقضيته أنه إذا سمى الله تعالى عليه امتنع الشيطان منه وإن فرغ الأولون منه ثم قعد غيرهم ولم يسم، قلت: لو سلم أن ذلك قضيته لكانت القاعدة أن يستنبط من النص معنى يخصصه وهو هنا أن المجتمعين ومن لحقهم قبل فراغهم منسوبون للمبسمل تابعون له فسرت إليهم بركة التسمية، فشملت من معه وشملت من لحقهم بركتها تبعًا ومن لحقهم أيضًا وهكذا، أما من جاء بعد فراغ الجميع فقد انقطعت نسبته عنهم وعد الطعام بالنسبة إليه بمنزلة الطعام الجديد ولو أخذنا بعموم ذلك الحديث وإطلاقه لاقتضى أن الطعام إذا كثر وتناوله واحد أو جماعة أيامًا متعددة كفت تسمية واحد من الأولين عن جميع تلك المرات وإن تباعد ما بينها، وكلام أئمتنا كالصريح في خلاف ذلك اهـ. قوله: (وروينا عن جابر) كذا في الأصل غير مبين من خرجه وهو في كتاب ابن السني كما قال الحافظ ووقع لنا في غيره بأتم سياق منه فخرجه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي أن يذكر الله في أول طعامه فليذكر اسم الله في آخره وليقرأ قل هو الله أحد" قال أبو القاسم اللخمي تفرد به حمزة النصيبي أي في كلا الطريقين، قال الحافظ وهو وضاع عند أهل العلم بالرجال. قال البخاري في الضعفاء حمزة منكر الحديث وأخرجه ابن حبان في كتاب الضعفاء قال: كان حمزة يروي الموضوعات عن الثقات كأنه المتعمد لها لا تحل الرواية عنه اهـ، وقد اشتد إنكار الإِمام البيهقي على الشيخ أبي محمد الجويني إدخاله هذا الحديث وغيره من الموضوعات كحديث المشمس في كتابه المحيط، وقال إن إمامنا الشافعي كان شديد الحرص على تجنب مثل هذا،
стр. 1713
"مَنْ نسِيَ أن يُسَمِّيَ على طعامِهِ فَلْيَقْرأ: قُلْ هُوَ اللهُ أحد، إذا فَرَغَ".
قلت: أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله، فإن ترك في أوله عامدًا
أو ناسيًا أو مكرهًا أو عاجزًا لعارض آخر ثم تمكن في أثناء أكله، استحبَّ أن يسميَ، للحديث المتقدم، ويقول:
ــ
والإنكار على من يتعمده، في كلام كثير في جزء مشهور يسمى رسالة البيهقي إلى الجويني والله أعلم اهـ. ثم مدار الحديث عند الجميع على حمزة وقد علمت حاله وهو يرويه عن أبي الزبير عن جابر. قوله: (من نسي أن يسمي الله الخ) قال ابن حجر الهيتمي في الإمداد وفي حديث عن أبي يعلى الموصلي وغيره مرفوعًا من قرأ لإيلاف قريش أمن من كل خوف وهو يؤيد ما قيل إنها أمان من التخمة فينبغي قراءتها أيضًا بعد الأكل، وحكمة قراءتها تنزيه البارئ سبحانه عن أن يطعم أو يشرب لأن الصمد هو الذي لا جوف له والتذكير بنعمة الإطعام من الجوع مع التبرك بها لدفع ما يخاف من غوائل الطعام. قوله: (أجمع العلماء على استحباب التسمية الخ) أي وإن كان الآكل جنبًا أو نحوه لكن لا يقصد بها القرآن. قوله: (فإن تركه في أوله عامدًا الخ) ألحق أصحابنا هذه الأحوال بالحال
المنصوص عليها في الخبر وهو حال النسيان بجامع الترك في كل، وأيضًا فالمراد من الإتيان بها للناس إيذاء الشيطان ليتقيأ ما أكله وهذا القدر يطلب من الجميع وليس الملحظ كونه معذورًا في الترك إذ لو لحظ ذلك لمنع الشيطان من مؤاكلته ولم يحتج إلى أن يجعل للناسي طريق في ذلك كذا قيل: ولا يخفى ما فيه والمراد الإكراه على ترك التلفظ بهذا الذي هو مدار الاعتبار في الأذكار اللفظية وبه يندفع ما في شرح الشمائل للقارئ من قوله الإكراه أشد عذرًا من الجهل والنسيان مع أنه لا يتصور منعه عن البسملة إلا جهرًا أو لسانًا فحينئذٍ يكتفي بالذكر قلبًا وأن ظاهره أن الذكر القلبي المأتي به حال الإكراه مغنٍ في دفع الشيطان عن الإطعام بعد زوال الإكراه ولا يحتاج في دفعه إلى قوله بسم الله أوله وآخره ولا يخفى بعده
стр. 1714
بسم الله أوله وآخره، كما جاء في الحديث. والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق وسائر المشروبات كالتسمية في الطعام في جميع ما ذكرناه. قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: ويستحب أن يجهر بالتسمية ليكون فيه تنبيه لغيره على التسمية وليقتدى به في ذلك، والله أعلم.
فصل: من أهم ما ينبغي أن يعرف: صفة التسمية، وقدر المجزئ منها، فاعلم أن الأفضل أن يقول: بِسْم الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فإن قال: بِسْمِ الله، كفاه وحصلت السنة، وسواء في هذا الجنب والحائض وغيرهما، وينبغي أن يسميَ كل واحد من الآكلين،
ــ
أما أولًا فالظاهر أن الشيطان لا يندفع عن الطعام بالذكر القلبي ولو مع العذر كما سبق الإيماء إليه وبفرضه فالظاهر* أنه عند زوال العذر يأتي بما ذكر والله أعلم. قوله: (بسم الله أوله وآخره) ظاهر الحديث أنه يقتصر على ذلك إذا أتى بها في الأثناء ولا يطلب منه أن يزيد الرحمن الرحيم وهو محتمل ويحتمل أن هذا أقل ذلك وإن زاد ذلك كان حسنًا والأول أقرب إلى عباراتهم. قوله: (ليكون فيه تنبيه رفيقه الخ) أي وليشرد الشيطان كما في شرح الشمائل للهروي القارئ.
فصل ... واعلم أن الأفضل الخ
قال الحافظ: ولم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلًا قال: وما في الأحياء أنه لو قال في كل لقمة: بسم الله كان حسنًا وأنه يستحب أن يقول في الأولى بسم الله، ومع الثانية بسم الله الرحمن، ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم فلم أر لاستحباب ذلك دليلًا أما التكرار فقد بين وجهه بقوله حتى لا يشغله الأكل عن ذكر الله اهـ. وعبارة شرح مسلم للمصنف فيها إجمال واحتمال وهي "ويحصل التسمية بقول بسم الله فإن قال بسم الله الرحمن الرحيم كان حسنًا" فإن الحسن يستعمل في المباح، ومنه قول الشافعي: وأي أجزاء البيت قبل فحسن،
стр. 1715
فلو سمى واحدًا منهم أجزأ عن الباقين، نصَّ عليه الشافعي ﵁، وقد ذكرتُه عن جماعة في كتاب "الطبقات" في ترجمة الشافعي، وهو شبيه برد السلام وتشميت العاطس، فإنه يجزئ فيه قول أحد الجماعة.
باب لا يعيب الطعام والشراب
ــ
وتستعمل بمعنى السنة، وعند المالكية التسمية على الطعام والشراب واجبة وجوب السنن لا أنه يأثم بتركه. قال الشيخ يوسف بن عمر الفاسي في شرح الرسالة، قال أبو عمر بن عبد البر: الإجماع في التسمية عند الأكل والشرب أنها غير واجبة، فإذا ثبت أن التسمية غير واجبة حمل قوله فواجب عليك أن تقول إذا أكلت أو شربت بسم الله على وجوب السنن اهـ وهي بسم الله. قال الفاكهاني: قال بعض شارحي الرسالة: ليس له أن يقول
الرحمن الرحيم فإن فعل فلا شيء عليه اهـ. قوله: (ولو سمى واحد منهم أجزأ عن الباقين) وكذا يجزئ عمن لحقهم أو لحق من لحقهم تبعًا لهم كما علم من كلام شرح الشمائل السابق فإن جاء واحد أو جمع بعد فراغ الجميع فلا تكفي التسمية السابقة بالنسبة إليه أو إليهم قال: ووقع التردد فيما لو كثر الآكلون كثرة مفرطة واتسع خطتهم بحيث لا ينسب عرفًا أولهم لآخرهم وسمى واحد حال اجتماع الجمع هل يكفي عنهم حينئذٍ والذي يتجه أنه لا يكفي لأن انتفاء النسبة العرفية يقتضي انتفاءها حقيقة والمدار هنا ليس إلا عليها اهـ. وفارق كون التسمية في الطهارة من نحو الوضوء والغسل سنة عين ما هنا بأن الطهارة عمل ينفرد به الإنسان فكانت التسمية مطلوبة من كل عامل بانفراده أما نحو الأكل ففعل يقع من جماعة في آن واحد فكفت تسمية البعض منهم والله أعلم.
باب لا يعيب الطعام والشراب
أي إن إعابتهما ترجع إلى إعابة فعل الله سبحانه إن لم يكن للإنسان دخل فيه كالثمار ونحوها أو يترتب عليه كسر خاطر الصانع إن كان للإنسان فيه كسب من نحو المطبوخ والله أعلم، وأيضًا فإن عيب الطعام من شأن المترفين المتكلفين وهو
стр. 1716
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: "ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه" وفي رواية لمسلم "وإن لم يشتهه سكت".
وروينا في "سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه"
ــ
خلاف شعار الصالحين. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) وأخرجه أبو داود وفي رواية لجرير أحد رواته عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة شيئًا بدل طعامًا وفيها وإن كرهه تركه قال المصنف في شرح مسلم بعد كلام نقله عن الدارقطني في بعض طرق مسلم في الحديث: وعلى كل حال فالمتن صحيح لا مطعن فيه بوجه اهـ. وعند الترمذي في شمائل من حديث هند بن أبي هالة لم يكن أي النبي ﷺ يذم ذواقًا ولا يمدحه، قال شارحها أما نفي الذم فلكونه نعمة وذم النعمة كفران وشعار للمتكبرة والمتجبرة. وأما نفي مدحه فلكون المدح يشعر بالحرص والشره. قوله: (ما عاب رسوله الله طعامًا لخ) قال المصنف في شرح مسلم هذا من آداب الطعام كقوله: مالح قليل الملح حامض رقيق غليظ غير ناضج أو نحو ذلك. وأما حديث ترك أكل الضب فليس هو من عيب الطعام إنما هو إخبار بأن هذا الطعام الخاص لا أشتهيه اهـ. قوله: (وفي روايه لمسلم) هكذا في نسخ من الأذكار قال الحافظ وفي الأصل وفي رواية مسلم بحذف اللام وما في النسخ أولى لأن ما في الأصل يوهم الاقتصار وليس كذلك بل اقتصر عليه باللفظ الأول كما علم مما تقدم وانفرد مسلم بالثاني والاختلاف في هذه اللفظة من الأعمش عن شيخه يعني بهما أبا حازم سلمان الأشجعي وأبا يحيى مولى جعدة والرواية التي انفرد بها مسلم عن
الأعمش من طريق الأعمش عن أبي يحيى، والأولى التي اتفقا عليها من طريقه عن أبي حازم والله أعلم. قوله: (وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه الخ) خرجه الحافظ من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ومن طريق وكيع وغيره تنتهي تلك الطرق إلى سفيان الثوري وخرجها عن عبد الله بن أحمد أيضًا من طريق شريك القاضي كلاهما عن سماك بن حرب
стр. 1717
عن هلب الصحابي ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ وسأله رجل: إن من الطعام طعامًا أتحرَّج منه، فقال: لا يَتَحَلَجَنَّ في صَدْرِكَ شَيء ضَارَعْتَ بِهِ النَّصرانِيةَ".
قلت: هُلب بضم الهاء وسكان اللام وبالياء الموحدة. وقوله: يتحلَّجن، هو بالحاء المهملة قبل اللام والجيم بعدها، هكذا ضبطه الهروي والخطابي والجماهير من الأئمة، وكذا ضبطناه في أصول سماعنا "سنن أبي داود" وغيره بالحاء المهملة، وذكره أبو السعادات ابن الأثير بالمهملة أيضًا، ثم قال: ويروى بالخاء المعجمة، وهما بمعنى واحد. قال الخطابي:
معناه:
ــ
عن قبيصة بن هلب الطائي عن أبيه ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت طعامًا لا أتركه إلا تحرجًا، فقال: لا يختلجن في صدرك شيء ضارعت فيه النصرانية. وفي رواية وكيع سألت النبي ﷺ عن طعام النصاري هذا حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأفاد رواية وكيع أن المبهم في رواية غيره هو الراوي أبهم نفسه اهـ. وسبق في باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع أسباب إخفاء الراوي اسمه. قوله: (عن هلب الصحابي ﵁ ضبطه المصنف كما سيأتي وغيره بضم الهاء وسكون اللام وبالباء الموحدة، وهو هلب الطائي والد قبيصة مختلف في اسمه، فقيل زيد بن قيافة قاله البخاري، وقيل زيد بن عدي بن قيافة بن عدي بن عبد شمس بن عدي بن أحزم يجتمع هو وعدي بن أحزم الطائي في عدي بن أحزم، وإنما قيل له المهلب لأنه كان أقرع فمسح النبي ﷺ رأسه فنبت شعره وهو كوفي روى عنه ابنه قبيصة أحاديث. منها حديث الباب، ومنها قال كان رسول الله ﷺ يتوضأ فيأخذ شماله بيمينه أخرجه ابن عبد البر وابن مسنده وغيره والله أعلم. قوله: (وذكر أبو السعادات بن الأثير) عبارته هو بالحاء المهملة ثم الجيم أي لا يدخل قلبك شيء منه فإنه نظيف فلا ترتابن فيه. قوله: (وهما بمعنى واحد) أي الحلج بالحاء المهملة أو المعجمة ثم اللام بمعنى واحد
стр. 1718
لا يقع في ريبة منه. قال: وأصله من الحلج: هو الحركة والاضطراب، ومنه حلج القطن.
قال: ومعنى ضارعت النصرانية، أي: قاربتها في الشبه، فالمضارعة: المقاربة في الشبه.
باب جواز قوله: لا أشتهي هذا الطعام أو ما اعتدت أكله أو نحو ذلك إذا دعت إليه الحاجة
ــ
أي لا يتحرك في قلبك شيء من الريبة والشك وأصل الحلج بالمهملة والاختلاج بالمعجمة الحركة والاضطراب وقال في النهاية في حديث عدي قال: لا يختلجن في صدرك شيء ضارعت فيه النصرانية، المضارعة المشابهة والمقاربة وذلك أنه سأله عن طعام النصارى فكأنه أراد لا يتحركن في قلبك شك أن ما شابهت فيه النصارى حرام أو خبيث أو مكروه وذكره الهروي في باب الحاء المهملة مع اللام ثم قال: يعني إنه نظيف فلا ترتابن فيه وسياق الحديث لا يناسب هذا التفسير اهـ. وفي الحديث الإشارة إلى أن ما يقع في الخاطر من التردد في حل شيء من غير مستند شرعي لا يعول عليه ولا يلتفت إليه وفيه جواز تناول طعام أهل الكتاب وما ينقل من أنهم يضعون في نحو الجبن لبن الخنزير لا يحرم تناول
جبنهم حتى يتحقق أن ما يريد أكله مما وضع فيه ذلك فإن ذلك وإن كان هو الغالب من فعلهم لكن عارضه أصل الطهارة فقدم الأصلي لأصالته وبقي على الجواز والله أعلم.
باب جواز قوله: لا أشتهي هذا الطعام أو ما اعتدت أكله أو نحو ذلك إذا دعت إليه الحاجة
الضمير في قوله: قوله يعود إلى الإنسان المدعو إلى الطعام المدلول عليه بسياق الكلام وقوله أو نحو ذلك أي ما ذكر مما يدل على عدم اشتهائه أو اعتياده أكله
стр. 1719
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن خالد بن الوليد ﵁ في حديث الضب لما قدَّموه مشويًّا إلى رسول الله ﷺ ، فأهوى رسول الله ﷺ بيده إليه، فقالوا: هو الضب يا رسول الله، فرفع رسول الله ﷺ يده،
ــ
من غير أن يكون فيه ذم للطعام وقوله إذا دعت الحاجة بأن خشي على خاطر نحو مضيفه من عدم أكله من ذلك الطعام فيقول حينئذٍ ذلك لجبر خاطره. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) هو من حديث ابن عباس عن خالد أنه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة بنت الحارث فأتى بضب محنوذ فأهوى رسول الله ﷺ إليه بيده فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة أخبروا رسول الله بما يريد يأكل منه فقالوا هو ضب فرفع ﷺ يده فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه فاجتررته فأكلته والنبيُّ ﷺ ينظر أخرجه البخاري ومسلم، قال الحافظ للحديث طرق كثيرة في الكتب الستة وغيرها عن الزهري والله أعلم قال المصنف في شرح مسلم: أجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أبي حنيفة من كراهته وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم قالوا حرام وما أظنه يصح عن أحد فإن يصح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله قلت: قال الدميري في حياة الحيوان وما روى عن عبد الرحمن ابن حسنة قال: نزلتا أرضًا كثيرة الضباب فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها أي من الضباب وإن القدور لتغلي إذ جاءنا رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ فقلنا: ضباب أصبناها فقال: إن أمة من في إسرائيل مسخت دوابًا في الأرض وإني أخشى أن يكون هذا منها فلم آكلها ولم أنه عنها فيحتمل أن ذلك قبل أن يعلم أن الممسوخ لا يعقب اهـ. قال العراقي في شرح التقريب بعد نقل قول المصنف السابق في كراهته وأظنه لم يصح الخ الكراهة قول الحنفية بلا شك كما هو في كتبهم واختلفوا في المكروه والمروي عن محمد بن الحسن أن كل مكروه حرام إلا أنه لما لم يجد فيه نصًّا قاطعا لم يطلق عليه لفظ الحرام وعن أبي حنيفة وأبي يوسف إلى الحرام أقرب فظهر بذلك وجود الخلاف في تحريمه أيضًا عند أبي حنيفة ولذا نقل العمراني عن الحنفية تحريمه وهو ظاهر
стр. 1720
فقال خالد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: "لا، وَلكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بأرْضِ قَوْمي فأجدني أعافُهُ".
ــ
قول ابن حزم ولم ير أبو حنيفة أكله والخلاف عند المالكية أيضًا فحكى ابن شاس وابن الحاجب فيه وفي كل ما قيل إنه ممسوخ ثلاثة أوجه: التحريم والكراهة والإباحة اهـ، وقوله محنوذ بالمهملة والنون وبعد الواو معجمة أي مشوي وقيل مشوي على الرضف وأكل خالد الضب قال القرطبي وقد جاء في غير كتاب مسلم من غير استئذان من باب الإدلال والأكل من بيت القريب والصديق الذي لا يكره ذلك وخالد أكل منه في بيت ميمونة خالته وبنت صديقه رسول الله ﷺ فلا يحتاج إلى استئذان سيما والمهدية خالته أم حفيد ولعله أراد بأكله جبر خاطرها والله أعلم، ثم ورد من طريق سفيان بن عيينة وسيأتي ذكرها في باب ما يقول إذا فرغ من الطعام أن التي أهدت الضباب أم غفيق بالغين المعجمة والفاء التحتية والقاف قال الحافظ: وأصل الحديث في الصحيح بلفظ أم حفيد أوله حاء مهملة وآخره قال وهو المشهور وسميت في رواية أخرى في الصحيح هزيلة بزاي منقوطة ولام مصغر وهي أخت ميمونة وأخت لبابة الكبرى أم ابن عباس وأخت لبابة الصغرى أم خالد الأربع بنات الحارث وكانت أم حفيد تزوجت في الأعراب فسكنت البادية وكانت تزور أختها بالمدينة وذكر ابن سعد أنها سلمت وبايعت وكلهن معدودات في الصحابة ﵅ اهـ، ذكره الحافظ في باب ما يقوله إذا فرغ من الطعام. قوله: (ولكنه لم يكن بأرض قومي) استشكل هذا بعضهم بأن الضب موجود بأرض مكة وقد أنكر ذلك ابن العربي وقال إن فيه تكذيب الخبر وأن الناقل لوجودها بمكة كاذب أو سميت له بغير اسمها أو حدثت بعد ذلك هذا كلامه قال العراقي في شرح التقريب والحق إن قوله لم يكن بأرض قومي لم يرد به الحيوان إنما أراد به أكله أي لم يشع أكله بأرض قومي، وفي معجم الطبراني الكبير من حديث ميمونة مرفوعًا إنا أهل تهامة نعافها قال القرطبي وقد جاء في غير كتاب مسلم أنه ﷺ كره ريحه ولا بعد في تعليله كراهية الضب بمجموع ما ذكر اهـ، ثم الضب دويبة معروفة والأنثى ضبة وفي المحكم هو شبه الورل وفي المفهم هو جرذون كبجر يكون في الصحراء. قوله: (أعافه) أي أكرهه تقذرًا.
следующие страницы →