Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: "ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه" وفي رواية لمسلم "وإن لم يشتهه سكت".
وروينا في "سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه"
ــ
خلاف شعار الصالحين. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) وأخرجه أبو داود وفي رواية لجرير أحد رواته عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة شيئًا بدل طعامًا وفيها وإن كرهه تركه قال المصنف في شرح مسلم بعد كلام نقله عن الدارقطني في بعض طرق مسلم في الحديث: وعلى كل حال فالمتن صحيح لا مطعن فيه بوجه اهـ. وعند الترمذي في شمائل من حديث هند بن أبي هالة لم يكن أي النبي ﷺ يذم ذواقًا ولا يمدحه، قال شارحها أما نفي الذم فلكونه نعمة وذم النعمة كفران وشعار للمتكبرة والمتجبرة. وأما نفي مدحه فلكون المدح يشعر بالحرص والشره. قوله: (ما عاب رسوله الله طعامًا لخ) قال المصنف في شرح مسلم هذا من آداب الطعام كقوله: مالح قليل الملح حامض رقيق غليظ غير ناضج أو نحو ذلك. وأما حديث ترك أكل الضب فليس هو من عيب الطعام إنما هو إخبار بأن هذا الطعام الخاص لا أشتهيه اهـ. قوله: (وفي روايه لمسلم) هكذا في نسخ من الأذكار قال الحافظ وفي الأصل وفي رواية مسلم بحذف اللام وما في النسخ أولى لأن ما في الأصل يوهم الاقتصار وليس كذلك بل اقتصر عليه باللفظ الأول كما علم مما تقدم وانفرد مسلم بالثاني والاختلاف في هذه اللفظة من الأعمش عن شيخه يعني بهما أبا حازم سلمان الأشجعي وأبا يحيى مولى جعدة والرواية التي انفرد بها مسلم عن
الأعمش من طريق الأعمش عن أبي يحيى، والأولى التي اتفقا عليها من طريقه عن أبي حازم والله أعلم. قوله: (وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه الخ) خرجه الحافظ من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ومن طريق وكيع وغيره تنتهي تلك الطرق إلى سفيان الثوري وخرجها عن عبد الله بن أحمد أيضًا من طريق شريك القاضي كلاهما عن سماك بن حرب
стр. 1717
عن هلب الصحابي ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ وسأله رجل: إن من الطعام طعامًا أتحرَّج منه، فقال: لا يَتَحَلَجَنَّ في صَدْرِكَ شَيء ضَارَعْتَ بِهِ النَّصرانِيةَ".
قلت: هُلب بضم الهاء وسكان اللام وبالياء الموحدة. وقوله: يتحلَّجن، هو بالحاء المهملة قبل اللام والجيم بعدها، هكذا ضبطه الهروي والخطابي والجماهير من الأئمة، وكذا ضبطناه في أصول سماعنا "سنن أبي داود" وغيره بالحاء المهملة، وذكره أبو السعادات ابن الأثير بالمهملة أيضًا، ثم قال: ويروى بالخاء المعجمة، وهما بمعنى واحد. قال الخطابي:
معناه:
ــ
عن قبيصة بن هلب الطائي عن أبيه ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت طعامًا لا أتركه إلا تحرجًا، فقال: لا يختلجن في صدرك شيء ضارعت فيه النصرانية. وفي رواية وكيع سألت النبي ﷺ عن طعام النصاري هذا حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأفاد رواية وكيع أن المبهم في رواية غيره هو الراوي أبهم نفسه اهـ. وسبق في باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع أسباب إخفاء الراوي اسمه. قوله: (عن هلب الصحابي ﵁ ضبطه المصنف كما سيأتي وغيره بضم الهاء وسكون اللام وبالباء الموحدة، وهو هلب الطائي والد قبيصة مختلف في اسمه، فقيل زيد بن قيافة قاله البخاري، وقيل زيد بن عدي بن قيافة بن عدي بن عبد شمس بن عدي بن أحزم يجتمع هو وعدي بن أحزم الطائي في عدي بن أحزم، وإنما قيل له المهلب لأنه كان أقرع فمسح النبي ﷺ رأسه فنبت شعره وهو كوفي روى عنه ابنه قبيصة أحاديث. منها حديث الباب، ومنها قال كان رسول الله ﷺ يتوضأ فيأخذ شماله بيمينه أخرجه ابن عبد البر وابن مسنده وغيره والله أعلم. قوله: (وذكر أبو السعادات بن الأثير) عبارته هو بالحاء المهملة ثم الجيم أي لا يدخل قلبك شيء منه فإنه نظيف فلا ترتابن فيه. قوله: (وهما بمعنى واحد) أي الحلج بالحاء المهملة أو المعجمة ثم اللام بمعنى واحد
стр. 1718
لا يقع في ريبة منه. قال: وأصله من الحلج: هو الحركة والاضطراب، ومنه حلج القطن.
قال: ومعنى ضارعت النصرانية، أي: قاربتها في الشبه، فالمضارعة: المقاربة في الشبه.
باب جواز قوله: لا أشتهي هذا الطعام أو ما اعتدت أكله أو نحو ذلك إذا دعت إليه الحاجة
ــ
أي لا يتحرك في قلبك شيء من الريبة والشك وأصل الحلج بالمهملة والاختلاج بالمعجمة الحركة والاضطراب وقال في النهاية في حديث عدي قال: لا يختلجن في صدرك شيء ضارعت فيه النصرانية، المضارعة المشابهة والمقاربة وذلك أنه سأله عن طعام النصارى فكأنه أراد لا يتحركن في قلبك شك أن ما شابهت فيه النصارى حرام أو خبيث أو مكروه وذكره الهروي في باب الحاء المهملة مع اللام ثم قال: يعني إنه نظيف فلا ترتابن فيه وسياق الحديث لا يناسب هذا التفسير اهـ. وفي الحديث الإشارة إلى أن ما يقع في الخاطر من التردد في حل شيء من غير مستند شرعي لا يعول عليه ولا يلتفت إليه وفيه جواز تناول طعام أهل الكتاب وما ينقل من أنهم يضعون في نحو الجبن لبن الخنزير لا يحرم تناول
جبنهم حتى يتحقق أن ما يريد أكله مما وضع فيه ذلك فإن ذلك وإن كان هو الغالب من فعلهم لكن عارضه أصل الطهارة فقدم الأصلي لأصالته وبقي على الجواز والله أعلم.
باب جواز قوله: لا أشتهي هذا الطعام أو ما اعتدت أكله أو نحو ذلك إذا دعت إليه الحاجة
الضمير في قوله: قوله يعود إلى الإنسان المدعو إلى الطعام المدلول عليه بسياق الكلام وقوله أو نحو ذلك أي ما ذكر مما يدل على عدم اشتهائه أو اعتياده أكله
стр. 1719
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن خالد بن الوليد ﵁ في حديث الضب لما قدَّموه مشويًّا إلى رسول الله ﷺ ، فأهوى رسول الله ﷺ بيده إليه، فقالوا: هو الضب يا رسول الله، فرفع رسول الله ﷺ يده،
ــ
من غير أن يكون فيه ذم للطعام وقوله إذا دعت الحاجة بأن خشي على خاطر نحو مضيفه من عدم أكله من ذلك الطعام فيقول حينئذٍ ذلك لجبر خاطره. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) هو من حديث ابن عباس عن خالد أنه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة بنت الحارث فأتى بضب محنوذ فأهوى رسول الله ﷺ إليه بيده فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة أخبروا رسول الله بما يريد يأكل منه فقالوا هو ضب فرفع ﷺ يده فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه فاجتررته فأكلته والنبيُّ ﷺ ينظر أخرجه البخاري ومسلم، قال الحافظ للحديث طرق كثيرة في الكتب الستة وغيرها عن الزهري والله أعلم قال المصنف في شرح مسلم: أجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أبي حنيفة من كراهته وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم قالوا حرام وما أظنه يصح عن أحد فإن يصح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله قلت: قال الدميري في حياة الحيوان وما روى عن عبد الرحمن ابن حسنة قال: نزلتا أرضًا كثيرة الضباب فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها أي من الضباب وإن القدور لتغلي إذ جاءنا رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ فقلنا: ضباب أصبناها فقال: إن أمة من في إسرائيل مسخت دوابًا في الأرض وإني أخشى أن يكون هذا منها فلم آكلها ولم أنه عنها فيحتمل أن ذلك قبل أن يعلم أن الممسوخ لا يعقب اهـ. قال العراقي في شرح التقريب بعد نقل قول المصنف السابق في كراهته وأظنه لم يصح الخ الكراهة قول الحنفية بلا شك كما هو في كتبهم واختلفوا في المكروه والمروي عن محمد بن الحسن أن كل مكروه حرام إلا أنه لما لم يجد فيه نصًّا قاطعا لم يطلق عليه لفظ الحرام وعن أبي حنيفة وأبي يوسف إلى الحرام أقرب فظهر بذلك وجود الخلاف في تحريمه أيضًا عند أبي حنيفة ولذا نقل العمراني عن الحنفية تحريمه وهو ظاهر
стр. 1720
فقال خالد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: "لا، وَلكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بأرْضِ قَوْمي فأجدني أعافُهُ".
ــ
قول ابن حزم ولم ير أبو حنيفة أكله والخلاف عند المالكية أيضًا فحكى ابن شاس وابن الحاجب فيه وفي كل ما قيل إنه ممسوخ ثلاثة أوجه: التحريم والكراهة والإباحة اهـ، وقوله محنوذ بالمهملة والنون وبعد الواو معجمة أي مشوي وقيل مشوي على الرضف وأكل خالد الضب قال القرطبي وقد جاء في غير كتاب مسلم من غير استئذان من باب الإدلال والأكل من بيت القريب والصديق الذي لا يكره ذلك وخالد أكل منه في بيت ميمونة خالته وبنت صديقه رسول الله ﷺ فلا يحتاج إلى استئذان سيما والمهدية خالته أم حفيد ولعله أراد بأكله جبر خاطرها والله أعلم، ثم ورد من طريق سفيان بن عيينة وسيأتي ذكرها في باب ما يقول إذا فرغ من الطعام أن التي أهدت الضباب أم غفيق بالغين المعجمة والفاء التحتية والقاف قال الحافظ: وأصل الحديث في الصحيح بلفظ أم حفيد أوله حاء مهملة وآخره قال وهو المشهور وسميت في رواية أخرى في الصحيح هزيلة بزاي منقوطة ولام مصغر وهي أخت ميمونة وأخت لبابة الكبرى أم ابن عباس وأخت لبابة الصغرى أم خالد الأربع بنات الحارث وكانت أم حفيد تزوجت في الأعراب فسكنت البادية وكانت تزور أختها بالمدينة وذكر ابن سعد أنها سلمت وبايعت وكلهن معدودات في الصحابة ﵅ اهـ، ذكره الحافظ في باب ما يقوله إذا فرغ من الطعام. قوله: (ولكنه لم يكن بأرض قومي) استشكل هذا بعضهم بأن الضب موجود بأرض مكة وقد أنكر ذلك ابن العربي وقال إن فيه تكذيب الخبر وأن الناقل لوجودها بمكة كاذب أو سميت له بغير اسمها أو حدثت بعد ذلك هذا كلامه قال العراقي في شرح التقريب والحق إن قوله لم يكن بأرض قومي لم يرد به الحيوان إنما أراد به أكله أي لم يشع أكله بأرض قومي، وفي معجم الطبراني الكبير من حديث ميمونة مرفوعًا إنا أهل تهامة نعافها قال القرطبي وقد جاء في غير كتاب مسلم أنه ﷺ كره ريحه ولا بعد في تعليله كراهية الضب بمجموع ما ذكر اهـ، ثم الضب دويبة معروفة والأنثى ضبة وفي المحكم هو شبه الورل وفي المفهم هو جرذون كبجر يكون في الصحراء. قوله: (أعافه) أي أكرهه تقذرًا.
стр. 1721
باب مدح الأكل الطعام الذي يأكل منه
روينا في "صحيح مسلم" عن جابر ﵁ "أن النبي ﷺ سأل أهلَه الأُدْمَ، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به فجعل يأكل منه ويقول:
ــ
باب مدح الآكل الطعام الذي يأكل منه
اعلم أنه لا منافاة بين قضية الترجمة وما سبق من حديث ابن أبي هالة من قوله وكان يعني النبي ﷺ لا يذم ذواقًا ولا يمدحه فإن المراد لا يمدحه بحسب طبعه وميله إليه وهواه لأن ذلك شأن أرباب العنية بالطعام والشره فيه فإذا وقع المدح منه فيكون لباعث شرعي من جبر خاطر كما في حديث الباب أو إعلام بفضيلة تخص الطعام كما ورد منه في اللبن ونحو ذلك. قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) هذا بعض من حديث جابر وهو ما ورد عنه قال: كنت جالسًا في داري فمر بي النبي ﷺ فأشار إلي فقمت إليه فأخذ بيدي فانطلقنا حتى أتى بعض حجر نسائه فدخل ثم أذن لي فدخلت والحجاب عليها فقال: هل من غداء قالوا: نعم، فأتى بثلاثة أقراص فوضع رسول الله ﷺ بين يديه
قرصًا ووضع بين يدي قرصًا وأخذ الثالث فكسره باثنين فوضع نصفه بين يديه ونصفه بين يدي وفي رواية فأتي بغلق من خبز ثم قال: هل أدم؟ ، وفي رواية: أما من أدم؟ فقالوا: لا إلا شيء من خل فقال: هاتوا فنعم الأدم الخل، وفي رواية قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعت رسول الله ﷺ قال الحافظ: أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود وأبو عوانة اهـ. وفي الجامع الصغير من تخريج أحمد ومسلم والسنن الأربعة من حديث جابر قال الحافظ: ووقع في رواية أحمد من طريق يزيد بن هارون عن جابر بلفظ كنت في ظل داري فلما رأيته وثبت إليه فجعلت أمشى وراءه قال: ابن قد دنوت منه والباقي نحوه وورد من حديث عائشة قالت: قال رسول الله روقوله: "يا عائشة هل عندك من أدم" قالت: خل، قال: "نعم الأدم الخل" أخرجه مسلم والترمذي ويستأنس به في تسمية المبهم ويؤيده ما أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عائشة هل عندك من أدم" قالت: نعم خل، قال: "نعم ا
стр. 1722
نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ، نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ".
ــ
لأدم الخل" قال الحافظ: ثم رأيت في رواية أحمد عن يزيد بن هارون المشار إليه قريبًا حتى أتى بعض حجر نسائه أم سلمة أو زينب بنت جحش فلعل القصة تعددت اهـ. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير وقد رد حديث نعم الأدم الخل من رواية جمع من الصحابة أفردوا بجزء. قوله: (نعم الأدم الخل) قال الدميري قال أهل اللغة الإدام بكسر الهمزة ما يؤتدم به يقال: أدم الخبز فأدمه بكسر الدال وجمعه الأدام أدم ككتاب وكتب والأدم بإسكان الدال مفرد أي كالإدام أي ذلك بحسب الأصل فلا ينافي جواز تخفيف المضموم بالإسكان المطرد فيه قلت وقال في المصباح المنير: أدمت الخبز من باب ضرب وآدمته بالمد باللغتين إذا أصلحت أساغته بالإدام والإدام ما يؤتدم به مائعا كان أو جامدًا وجمعه أدم مثل كتاب وكتب ويسكن للتخفيف فيعامل معاملة المفرد فيجمع على آدم مثل قفل وأقفال اهـ. ولا يخفى ما اختلف كلامهما في الأدم بإسكان الدال فتأمله وقال القرطبي: الإدام ما يؤتدم به أي يؤكل به الخبز مما يطيبه سواء كان مما يصطبغ به كالأمراق والمائعات أو كالجامدات من اللحم والجبن والبيض هذا معنى الإدام عند الجمهور من الفقهاء والعلماء سلفًا وخلفًا وقال أبو حنيفة وأبو يوسف في البيض واللحم المشوي مما يصطبغ به ليس شيء من ذلك بأدام ويبني على ذلك من حلف لا يأكل إدامًا فهل يحنث بأكل ذلك أم لا فيحنث عند الجمهور ولا يحنث عندهما، والصحيح ما صار إليه الجمهور بدليل قوله ﷺ وقد وضع تمرة على كسرة هذه إدام هذه ولما سئل عن أدم أهل الجنة أول ما يدخلونها فقال زيادة كبد الحوت ولقوله ﷺ سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم اهـ. وأما معنى الحديث فقال المصنف في شرح مسلم نقلًا عن الخطابي والقاضي عياض فهو مدح للاقتصار في المأكل ومنع النفس عن ملاذ الأطعمة تقديره ائتدموا بالخل وما في معناه مما تخف مؤنته ولا يعز وجوده ولا تتأنقوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن هذا كلام الخطابي ومن تابعه، والصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدح الخل نفسه وأما الاقتصار في المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد أخر وقول جابر ما زلت أحب الخل الخ كقول أنس ما زلت أحب الدباء من حينئذٍ
стр. 1723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي من حين تتبعه لها من القصعة وهذا يؤيد ما قلناه في معنى الحديث من أنه مدح للخل نفسه وذكرنا أن تأويل الراوي إذا لم يخالف الظاهر يتعين
المصير إليه والعمل به عند جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين وهذا كذلك بل تأويل الراوي هنا هو ظاهر اللفظ فتعين المصير إليه اهـ. كلام المصنف وناقش فيه بعضهم بأن ما قال إنه الصواب غير ظاهر إذ ثبت أنه ﷺ لم يكن يمدح طعامًا ولا يذمه أي لأن في الأول: شائبة الشهوة وفي الثاني: احتقار النعمة ولك دفعه بما أشرنا إليه أن مدحه الطعام هنا جبر خاطر من جاء به وتقلله وكونه لا يمدح الطعام المراد أنه لا يفعل ذلك بحسب داعية الطبع بل يفعل لداعية من دواعي الشرع والله أعلم، وقول ابن حجر الهيتمي فإنه قامع للصفراء نافع للبدن لا يصلح أن يكون تعليلًا لمدحه ﷺ إياه تفضيلًا فإنه من الحكميات وخواص طبيات ولا يناسب حمل كلامه ﷺ على ذلك ثم ورد في رواية عن جابر فجعل ﷺ يأكل ويقول: نعم الأدم الخل اللهم بارك في الخل وفي رواية فإنه كان إدام الأنبياء من قبلي وفي حديث لم يقفر بيت فيه خل رواها ابن ماجه وبالرواية الثانية يندفع قول ابن القيم ومن تبعه هذا ثناء عليه بحسب الوقت لا لفضله على غيره لأن سببه أن أهله قدموا له خبزًا فقال: أما من إدام قالوا ما عندنا إلا خل فقال: ذلك جبرًا لقلب من قدمه وتطييبًا لنفسه لا تفضيلًا له على غيره إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن كان أحق بالمدح اهـ. ولا يخفى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب مع أن الحديث ليس فيه إلا مدحه لا إنه أفضل من سائر الأدم، هذا وفي طلبه ﷺ الإدام إشارة إلى أن أكل الخبز بالأدم من أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على أحدهما قال ابن القيم: الخل مركب من الحرارة والبرودة والرطوبة وهي أغلب عليه وهو يابس في الثالثة قوى التجفيف يمنع من انصباب المواد ويلطف ولنفع المعدة الملتهبة ولقمع الصفراء ويحلل اللبن والدم إذا جمد في الجوف ولدفع ضرر الأدوية القتالة وينفع الطحال ويدبغ المعدة ويعقل البطن ويقطع العطش ويمنع الورم حيث يريد أن يحدث ويعين على الهضم ويضاد البلغم ويلطف الأدوية الغليظة ونزف
стр. 1724
باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر
روينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا دُعي أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فإن كانَ صائِمًا
ــ
الدم وإذا حسي قلع العلق المتعلق بأصل الحنك وإذا تمضمض به سخنًا نفع من وجع الأسنان وقوي اللثة وهو ومشهٍ للأكل مطيب للمعدة صالح للشباب وفي الصيف ولسكان البلاد الحارة قال الحكيم الترمذي في النوادر في الخل منافع للدنيا وذلك أنه بارد يقطع حرارة الشهوة أو يطفئها ثم أخرجه من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كان عامة إدام أزواج النبي ﷺ الخل ليقطع عنهن ذكر الرجال اهـ. والله أعلم.
باب ما يقول من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر
الطعام بالنصب في أصل مصحح وهو لكونه الحقيقة الأصل وإلا فيجوز الرفع على جعله فاعلًا بحضر والعائد محذوف وحكم الفطر إذا كان الصائم ضيفًا أو مضيفًا إن كان في صوم فرض حرم عليه قطعه اتسع زمانه أم ضاق وإن كان نفلًا فإن شق على ضيفه أو مضيفه صومه أفطر ندبًا وإلا فالأصل استمراره على صومه. قوله: (روينا في صحيح مسلم) ورواه النسائي ووقع في رواية فليجب إلى الدعوة وفي الجامع الصغير رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه كلهم عن أبي هريرة
ورواه الطبراني عن ابن مسعود بنحوه ولفظه فإن لم يكن صائمًا فليأكل وإن كان صائمًا فليدع بالبركة. قوله: (إذا دعي أحدكم فليجب) نقل القاضي عياض الاتفاق على وجوب الإجابة في وليمة العرس أي إن لم يكن عذر مسقط للإجابة -قال المصنف والإجابة لوليمة العرس فرض عين في مذهبنا عند انتفاء عذر من أعذار
стр. 1725
فَلْيُصَلِّ، وَإنْ كانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ" قال العلماء: معنى فليصل: أي: فليدع.
ــ
إسقاطها- قال واختلفوا فيما سواها فقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها وقال أهل الظاهر تجب الإجابة إلى كل دعوة من عرس وغيره وبه قال بعض السلف، قال المصنف: ومن أعذار إسقاط وجوب الدعوة كون الطعام فيه ومبهة أو خص به الأغنياء أو ثمة من يتأذى بحضوره معه أو لا يليق به مجالسته أو ثمة منكر لا يقدر على إزالته أو كون الدعوة لخوف شره أو الطمع في جاهه أو لإعانة في باطل وكل من هذه الأعذار مسقط لوجوب الإجابة ومن الأعذار اعتذار المدعو للداعي وقبوله لعذره ولو دعاه ذمي لم تجب إجابته على الأصح أو دعاه في ثلاثة أيام لم تجب في غير الأول وتسن في الثاني وتكره في الثالث والله أعلم. قوله: (فليصل) قال الجمهور أي يدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك وأصل الصلاة في اللغة الدعاء ويؤيده التصريح به في رواية البيهقي فليدع بالبركة وقيل المراد الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود أي يشتغل بها ليحصل له فضلها ويتبرك أهل المكان والحاضرون. قوله: (وإن كان مفطرًا فليطعم) بفتح العين أي ليأكل وفي رواية أخرى لمسلم إذا دعي أحدكم إلى الطعام فإن شاء طعم وإن شاء ترك قال المصنف الرواية الأولى فيها أمره بالأكل وفي الثانية تخييره في ذلك اختلف العلماء في ذلك والأصح في مذهبنا أنه لا يجب الأكل في وليمة العرس ولا غيرها فمن أوجبه اعتمد على رواية فليطعم وتأول رواية التخيير على من كان صائمًا ومن لم يوجبه اعتمد التخيير في تلك الرواية وحمل الأمر في قوله: فليطعم على الندب، وإذا قيل بوجوب أكل فأقله لقمة ولا تلزم الزيادة لأنه يسمى أكلًا ولذا لو حلف لا يأكل حنث بلقمة ولأنه في يتخيل صاحب الطعام أن امتناعه لشبهة يعتقدها في الطعام فإذا أكل منه لقمة زال ذلك التخيل هكذا صرح باللقمة جماعة من أصحابنا، أما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل ثم إن كان صومه فرضًا لم يجز له الأكل إذ لا يجوز الخروج من
стр. 1726
وروينا في كتاب ابن السني وغيره قال فيه: "فإنْ كانَ مُفْطِرًا فَلْياكُلْ، وَإنْ كانَ صَائمًا دَعا لهُ بالبركة".
باب ما يقوله من دعى لطعام إذا تبعه غيره
ــ
الفروض وإن كان نفلًا جاز الفطر وتركه فإن شق على صاحب الطعام الصوم فالفطر أفضل وإلا فالإتمام، وفي الحديث وجوب الإجابة على الصائم ويحصل مقصود الوجوب بحضوره وإن لم يأكل فقد يتبرك به أهل الطعام والحاضرون وقد تجملون به وقد ينتفعون بإشارته وينصانون بحضوره عما لا ينصانون عنه في غيبته والله أعلم.
قوله: (وروينا في كتاب ابن السني وغيره الخ) قال الحافظ: هذا يوهم أن اختلاف هذا اللفظ في حديث أبي هريرة وليس كذلك إنما أخرجه ابن السني وغيره بهذا اللفظ من حديث ابن مسعود وهو عند النسائي في اليوم والليلة من السنن من حديث ابن مسعود باللفظ المذكور وأخرجه ابن أبي
عاصم في كتاب الأطعمة والطبراني عن شيخ النسائي فيه وكان عزوه إلى النسائي أولى وقد وقع عند الترمذي حديث أخرجه من طريق أيوب عن ابن مسعود قال بعد قوله فليصل يعني الدعاء وهذا أحد الأحاديث التي لم يجمع مسلم طرقها وإلا فقد وقع التصريح بالدعاء في بعض طرق الحديث ثم أخرجه الحافظ من طريق الإِمام أحمد قال: حدثنا عبد الرزاق عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال فيه فإن كان صائما فليصل وليدع لهم فجمع بين اللفظين والله أعلم.
باب ما يقوله من دعي إلى طعام إذا تبعه غيره
وقع في بعض الأحاديث أنه ﷺ استتبع معه غيره إلى دار المضيف ولم يستأذن فيهم صاحب المنزل كقصة أبي طلحة السابقة وقصة استتباعه أبا بكر وعمر ﵄ إلى دار أبي الهيثم وهما عند مسلم وغيره وقصة ذهاب أنس معه ﷺ في قصة الخياط له ﷺ رواه البخاري وغيره
стр. 1727
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي مسعود الأنصاري قال: "دعا رجل النبي ﷺ لطعام صنعه له خامس خمسة، فتبعهم رجل، فلما بلغ الباب
ــ
ووقع في بعضها أنه لما وصل إلى باب الدار قال لصاحبها: هذا اتبعنا الخ ووجه الجمع اختلاف أحوال المضيفين، فمنهم من كان ﷺ يثق برضاه ويتحققه تحققًا تامًّا في استتباعه معه غيره، ومنهم من لم يكن بهذه الحالة وعلى هذين ينزل الاستئذان وعدمه والله أعلم. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) أخرجه الشيخان من طرق وأخرجه أبو عوانة والترمذي والنسائي وهو عند الجميع من طرق عن الأعمش عن أبي وائل عن أبي مسعود وخالفهم عبد الله بن نمير فجعله من مسند أبي شعيب فقال: حدثنا الأعمش عن أبي وائل عن أبي مسعود عن رجل من الأنصار يقال له: أبو شعيب ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فرفت في وجهه الجوع، فقلت لغلام لي خادم: اصنع لي طعامًا أدعو رسول الله ﷺ خامس خمسة فذكر الحديث أخرجه أحمد عن عبد الله بن نمير كذا ذكره الحافظ. قوله: (عن أبي مسعود الأنصاري) هو أبو مسعود البدري السابق ترجمته في باب أذكار النوم. فصل له: (دعا رجل) هو أبو شعيب الأنصاري كما تقدم وجاء كذلك عند مسلم في الصحيح واقتصر ابن الأثير في ترجمته على رواية هذا الحديث عنه من طريق مسلم رواه شعبة وأبو معاوية وابن نمير كلهم عن الأعمش اهـ. قلت رواه من طريق شعبة مسلم والنسائي ورواه من طريق أبي معاوية مسلم والترمذي ورواه من طريق زهير بن معاوية وجرير مسلم ورواه البخاري من طريق أبي أسامة ورواه البخاري أيضًا من طريق حفص بن غياث ومن طريق الوضاح أبي عوانة كل هؤلاء عن الأعمش وعندهم أنه من مسند أبي مسعود وخالفه ابن نمير فجعله من مسند أبي شعيب كما تقدم والله أعلم. قوله: (خامس خمسة) قال الداودي: يقال خامس خمسة وخامس أربعة اهـ. وعلى الأول فمعناه واحد من خمسة وعلى الثاني مدخل الأربعة في العدد الذي فوقه أي الخمسة. قوله: (فتبعهم رجل الخ) قال المصنف في شرح مسلم في الحديث
стр. 1728
قال النبي ﷺ : "إنْ هَذَا اتَّبَعَنا فإن شِئْتَ أنْ تأذَنَ لهُ، ونْ شِئْتَ رَجَعَ، قال: بل آذنُ له يا رسول الله".
باب وعظه وتأديبه من يسئ في أكله
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: "كنت غلامًا في حِجْر رسول الله ﷺ فكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : يا غُلامُ،
ــ
أنه ينبغي للمدعو إذا تبعه رجل بغير استدعائه أن لا
يأذن له ولا ينهاه وفيه أنه إذا بلغ باب صاحب الدار أعلمه به ليأذن له أو ليمنعه وفيه أن صاحب الطعام يستحب له أن يأذن له إن لم يترتب على حضوره مفسدة بأن يؤذي الحاضرين أو يشيع عنهم ما يكرهونه أو يكون جلوسه معهم مزريًا بهم لشهرته بالفسق ونحو ذلك فإن خشي من حضوره شيء من هذا لم يأذن له، وينبغي له أن يتلطف في رده ولو أعطاه شيئًا من الطعام ليكون ردًّا جميلًا كان حسنًا.
باب وعظه وتأديبه من يسئ في أكله
أي وعظ الأكل من يسيء في أكله أي لإخلاله بأدب من آداب الاكل. قوله: (في حجر رسول الله ﷺ بفتح الحاء المهملة وقد تكسر أي في حضانته وتحت نظره الشريف ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ لأنه كان ربيبًا للنبي ﷺ .قوله: (في الصحفة) هي دون القصعة إذ هي ما تشبع خمسة والقصعة ما تشبع عشرة كذا قاله الكسائي فيما حكاه الجوهري وغيره عنه، وقيل الصحفة كالقصعة وجمعها صحاف. قال الجوهري قال الكسائي أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة تليها تشبع العشرة ثم الصحفة تشبع الخمسة ثم المئكلة تشبع والثلاثة ثم الصحيفة تشبع الرجل حكاه عنه المصنف وأغرب ابن حجر في شرح الشمائل حيث قال الصحفة تشبع ضعفي ما تشبع القصعة وقيل:
стр. 1729
سَمِّ اللَهَ تعالى، وكُلْ بِيَمِينِكَ، وكُلْ ممَّا يَلِيكَ".
ــ
هما سواء. قوله: (سمِّ الله) الأمر فيه للاستحباب اتفاقًا وتقدم الكلام على ما يتعلق بمعنى هذه وبقوله (وكل بيمينك) وقوله من خرج ذلك في باب التسمية عند الأكل والشرب. قوله: (وكل ما يليك) الأمر فيه للندب لأن أكله مما يلي غيره سوء عشرة وترك مروءة وقد يتقذر صاحبه لا سيما في الإمراق وشبهها، وقيل للوجوب لما فيه من إلحاق الضرر بالغير ومزيد الشره وانتصر له السبكي ونص عليه الشافعي في الرسالة وفي مواضع من الأم، وفي مختصر البويطي يحرم الأكل من رأس الثريد والقران في التمر والأصح أنهما مكروهان ومحل ذلك إن لم يعلم رضا صاحبه وإلا فلا حرمة ولا كراهة. فقد ورد أنه ﷺ كان يتتبع الدباء من حوالي القصعة والجواب بأنه أكل وحده مردود بأن أنسًا كان يأكل معه على أنه لو سلم لا يجدي لأن الأكل مما يلي الآكل سنة وإن كان وحده كما اقتضاه إطلاق الشافعية وقيل الأولى حمل التتبع المذكور على أنه من يمينه وشماله بعد فراغ ما بين يديه ولم يكن أحد في جانبيه ﷺ والأول أولى والله أعلم على أن محل النهي حيث كان الطعام نوعًا واحدًا وإلا كالثريد والدباء واللحم فيتعدى الآكل إلى غير ما يليه ومحله أيضًا في غير نحو الفاكهة أما هي فله أن يجيل يده فيها كما في الأحياء ويشهد له ما جاء عند ابن ماجة عن عائشة أنه ﷺ إذا أتى بطعام أكل مما يليه وإذا أتى بالتمر جالت يده فيه. وأورد في الأحياء أنه ﷺ قال: كل مما يليك وكان يدور على الفاكهة فقيل له في ذلك فقال: ليس هو نوعًا واحدًا اهـ. وتوقف فيه المصنف لكن خبر ابن ماجه يشهد له وقضية ما رواه الغزالي أن محل الإجالة إذا كانت الفاكهة الحاضرة ذات أنواع فإن كانت نوعًا
فهي كغيرها في ندب الأكل مما يلي الآكل وكراهته مما يلي غيره وليس كذلك بل كل ما يختلف أفراده فلا بأس بالإجالة فيه نوعًا كان أو أنواعًا وإن كان الأولى عدم الإجالة حينئذٍ لما فيه مع وجود ذلك من الشره والتطلع إلى ما عند غيره وترك
стр. 1730
وفي رواية في الصحيح قال: "أكلت يومًا مع رسول الله ﷺ فجعلت آكُلُ من نواحي الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ . كُلْ مِمَّا يَلِيكَ".
قلت: قوله: تطيش، بكسر الطاء وبعدها ياء مثناة من تحت ساكنة، ومعناه: تتحرك وتمتد إلى نواحي الصحفة، ولا تقتصر على موضع واحد.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم"
ــ
الإيثار الذي هو من شأن الأخيار. قوله: (وفي رواية في الصحيح) قال الحافظ بعد تخريجه بها: خرجه مسلم ثم خرجه الحافظ أيضًا من طريق البخاري. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) أخرجه الشيخان والنسائي وأبو عوانة وابن حبان ثم هذا اللفظ الذي في الأصل من فصل الإذن عن الخبر المرفوع بقوله ثم يقول يعني ابن عمر إلا أن يستأذن أخاه من فعل آدم أحد الرواة له عن شعبة عن جبلة قال الحافظ: وقريب منه رواية أحمد عن محمد بن جعفر فقال بعد القران ثم يقول: إلا الخ، وفي شرح الجامع الصغير للعلقمي نقلًا عن البخاري قال شعبة: الإذن من قول ابن عمر ورواية الأكثر عن شعبة أورده مدرجًا وكذا رواه أبو إسحاق الشيباني ومسعر وسفيان الثوري ثم خرج الحافظ حديث قال ناجية: سمعت ابن عمر يقول: نهى رسول الله ﷺ أن يقرن الرجل بين التمرتين حتى يستأذن أصحابه وقال: أخرجه مسلم من طريق ابن مهدي أيضًا والترمذي من طريق أبي أحمد الزبيري عن عبيد الله بن موسى ورواه النسائي من رواية عيسى بن يونس أربعتهم عن سفيان الثوري ورواية مسعر عند النسائي ورواية الشيباني عند أبي داود وللحديث شاهد عند البزار والحاكم من حديث أبي هريرة قال: وضع النبي ﷺ بين أصحابه تمرًا فكان بعضهم يقرن فنهى النبي ﷺ أن نقرن إلا بإذن وفي رواية الحاكم وكنا نقرن من الجوع وروى الطبراني من حديث بريدة ﵁ مرفوعًا كنت نهيتكم
стр. 1731
عن جبلة بن سحيم قال: أصابنا عام سنة مع ابن الزبير فرزقنا تمرًا، فكان عبد الله بن عمر ﵄ يمر بنا ونحن نأكل، ويقول: لا تقارنوا، فإن النبي ﷺ نهى عن الإقران ثم يقول: "إلا أن يَسْتأذِن الرجُلُ أخاهُ".
قلت: قوله: لا تقارنوا، أي: لا يأكل الرجل تمرتين في لقمة واحدة.
ــ
عن القرآن في التمر وإن الله قد وسع عليكم فأقرنوا وسنده ضعيف لكن يؤيده الإجماع العملي كوضع المائدة بين الضيفان والله أعلم اهـ. قوله: (عن جبلة بن سحيم) جبلة بفتح الجيم والموحدة والسلام مخففًا وسحيم اسم والده بمهملتين مصغرًا تابعي ثقة: توفي سنة مائة وخمسة وعشرين وجبلة ليس له في البخاري عن غير ابن عمر شيء ذكره الحافظ في الفتح. وله: (عام سنة) بالإضافة أي عام قحط ووقع في رواية أبي داود في مسنده فأصابتنا مخمصة ح ابن الزبير يعني عبد الله لما كان خليفة وروي من وجه آخر عن خليفة لفظ كنا بالمدينة في بعض أهل العراق فرزقنا تمرًا في أرزاقنا وهو القدر الذي يصرف لهم في كل سنة من مال الخراج وغيره فأعطاه بدل النقد تمرًا لقلة النقد إذ ذاك بسبب المجاعة التي حصلت. قوله: (لا تقارنوا) في رواية البخاري في الشركة فيقول: لا تقرنوا. وفي فسر المصنف قوله: لا تقارنوا بقوله:
أي لا يأكل الرجل تمرتين في لقمة وبمعناه تقرنوا. قوله: (عن الأقرأن) كذا لأكثر الرواة واللفظة الفصحى بغير ألف وأخرجه أبو داود الطيالسي بلفظ القرآن وأخرجه أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة وقال عن محمد بن جعفر عن شعبة الأقران والقران بكسر القاف وتخفيف الراء ضم تمرة إلى أخرى وهو أفصح من الأقران، والنهي سببه ما كانوا فيه من ضيق العيش ثم نسخ لما حصلت التوسعة روى البزار من حديث بريدة كنت نهيتكم عن القران في التمر إلى آخر الحديث السابق قريبًا. قال المصنف واختلف في هذا النهي هل هو على التحريم أو الكراهة والصواب التفصيل فإن كان الطعام مشتركًا بينهم فالقران حرام إلا برضاهم ويحصل بتصريحهم أو ما يقوم مقامه من قرينة حال أو دلالة بحيث يغلب على الظن ذلك ومتى شك في رضاهم فهو حرام وإن كان
стр. 1732
وروينا في "صحيح مسلم" عن سلمة بن الأكوع ﵁، أن رجلًا أكل عند النبي ﷺ بشماله، فقال:
ــ
لأحدهم أو غيرهم وأذن لهم في الأكل اشترط رضاه ويحرم لغيره ويجوز له هو إلا أنه يستحب له استئذان الآكلين معه ويحسن للضيف ألا يقرن وأن يتأدب بآداب الاكل مطلقًا إلا أن يكون مستعجلًا ويؤيد الإسراع لشغل آخر وقال الخطابي: إنما كان هذا في زمنهم حين كان الطعام مضيقًا، فأما اليوم مع اتساع الحال فلا حاجة إلى الإذن. قال المصنف وليس كما قال والصواب ما ذكرناه من التفصيل فإن الاعتبار بعموم اللفظ بخصوص السبب لو ثبت اهـ. وقال في النهاية إنما نهى عن القرآن لأن فيه شرها وذلك يزري بفاعله أو لأن فيه غبنًا لرفيقه، وقيل: إنما نهي عنه لما كانوا فيه من شدة العيش وقلة الطعام، وكانوا مع هذا يواسون من القليل، فإذا اجتمعوا على الأكل آثر بعضهم بعضًا على نفسه، وربما كان في القوم من قد اشتد جوعه فربما قرن بين التمرتين أو عظم اللقمة فأرشدهم إلى الإذن فيه ليطب به أنفس الباقين اهـ. قال شيخ الإسلام زكريا والنهي عنه للتنزيه إلا أن يكون شركة بينهم وأما خبر الطبراني كنت نهيتكم عن الإقران في التمر فاقرنوا الخ ففي سنده اضطراب فإن يصح فمحمول على بيان الجواز وهو لا ينافي كراهة التنزيه وقيل: إنه ناسخ لها ثم قال: والنهي عن ذلك نهي تنزيه فهو جائز وإن كره لأن ذلك إنما وضع بين أيدي النّاس للأكل فسبيله سبيل المكارمة لا سبيل التشاح لاختلاف النّاس في الأكل اهـ.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) أخرجه مسلم من طريق ابن الحباب عن سلمة بن الأكوع واقتصر على تلك الطريق وجاء من طريق إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لرجل يقال له: بسر بن راعي العير من أشجع وهو يأكل بشماله فذكر الحديث. أخرجه أحمد وابن حبان وأخرجه الحافظ من طريق الدارمي وغيره عن إياس وقال في رواية الدارمي إن رسول الله ﷺ أبصر رجلًا وفي آخره فما وصلت يمينه إلى فيه بعد وقد أعاد المصنف هذا الحديث في باب الدعاء على من ظلم ويأتي فيه من بحث هناك إن
стр. 1733
"كُلْ بِيَمِينِكَ"؟ قال: لا أستطيع، قال: "لا اسْتَطَعْتَ"، ما منعه إلا الكِبْر، فما رفعها إلى فيه".
قلت: هذا الرجل هو بُسر، بضم الموحدة وبالسين المهملة: ابن راعي العَير بالمثناة وفتح العين، وهو صحابي، وقد أوضحتُ حاله، وشرح هذا الحديث في "شرح صحيح مسلم"، والله أعلم.
باب استحباب الكلام على الطعام
ــ
شاء الله، وقد حالت المنية للحافظ ﵀ عن تمام هذه الأمنية فتوفي قبل وصوله لذلك المحل من الكتاب ولكل قدر أجل ولكل أجل كتاب وإلى الله المرجع والمآب. قوله: (كل بيمينك) فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في الأكل
وسبق الخلاف في أن الأمر هنا للإيجاب أو الاستحباب وعلى كونه للاستحباب فالدعاء عليه لكونه قصد مخالفة المرام النبوي. قوله: (لا استطعت) فيه جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي بلا إذن. قوله: (ما منعه إلا الكبر) قال القاضي عياض يدل هذا على أنه كان منافقًا وتعقبه المصنف بأن مجرد الكبر والمخالفة لا يقتضي النفاق والكفر لكنه معصية إن كان الأمر أمر إيجاب ومحل النهي عن الأكل بالشمال حيث لا عذر فإن كان عذر يمنع عن الأكل باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الأكل بالشمال. قوله: (قلت هذا الرجل هو بسر الخ) جاء مبهمًا في الطريق التي اقتصر عليها مسلم مصرحًا به في غيرها مما قدمناه كما قال المصنف. قوله: (وقد أوضحت حاله في شرح مسلم) قال في شرح مسلم هذا الرجل المبهم هو بسر بالموحدة وإسكان المهملة ابن راعي العير بفتح العين وبالمثناة التحتية أي وبالراء الأشجعي كذا ذكره ابن مسنده وأبو نعيم الأصبهاني وابن ماكولا وآخرون وهو صحابي مشهور عده هؤلاء وغيرهم في الصحابة ثم نقل عن الفاضي عياض أنه أخذ من الحديث ما يدل على نفاقه كما تقدم نقله برده.
باب استحباب الكلام (المباح) على الطعام
وحكمة استحباب ما فيه من جبر خاطر الحاضرين ومؤانستهم وأيضًا في تركه
стр. 1734
فيه حديث جابر الذي قدمناه في "باب مدح الطعام". قال الإِمام أبو حامد الغزالي في "الإحياء" من آداب الطعام أن يتحدَّثوا في حال أكله بالمعروف، ويتحدثوا بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها.
باب ما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع
روينا في "سنن أبي داود وابن ماجه"
ــ
مع الإقبال على الطعام شره ونهمة ينبغي التنزه عنهما. قوله: (فيه حديث جابر) يعني السابق في مدح الطعام الذي يأكل منه قال المصنف في شرح مسلم فيه استحباب الحديث على الأكل تأنيسًا للآكلين. قوله: (من آداب الطعام أن يتحدثوا في حال أكله بالمعروف) عبر ابن الحاجب في الإفراد بقوله والحديث ويسن الحديث غير المحرم على الطعام اهـ. وظاهر أن المعروف منه أولى وقال أيضًا لا يتكلم بالمستقذرات حال الأكل اهـ.
باب ما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع
قوله: (روينا في سنن أبي داود وابن ماجه الخ) قال الحافظ بعد تخريجه: حديث حسن أخرجه
أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وفي صحته نظر فإنه من رواية وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده ووحشي الأعلى هو قاتل حمزة بن عبد المطلب ﵁ وفي ثبت أنه لما أسلم قال له النبي ﷺ : "غيب وجهك عني" فيبعد سماعه منه بعد ذلك إلا أن يكون أرسله وأما وحشي بن حرب الثقفي فروى عنه جماعة وأبوه لم يرو عنه إلا ابنه وحكى ابن عساكر عن بعضهم أن صحابي هذا الحديث غير قاتل حمزة لكن في النسخة المروية عن الوليد بن مسلم يعني الراوي له عن وحشي بهذا السند التصريح بأنه قاتل حمزة وهي عدة أحاديث أخرجها الطبراني وغيره وفي بعضها ما ينكر وإنما قلت إنه حسن لأن له شاهدًا من حديث ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة" وفي سنده من اتفقوا على ضعفه
стр. 1735
عن وحشي بن حرب ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع، قال: "فَلَعَلكُمْ تَفْتَرِقُونَ)؟ قالوا: نعم، قال: "فاجْتَمِعُوا على طَعَامِكُمْ واذكُرُوا اسْمَ اللهِ يُبارَكْ لَكُمْ فِيهِ".
باب ما يقول إذا أكل مع صاحب عاهة
روينا في "سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ
ــ
ورواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر ولم يذكر عمر ولم يذكر قوله: فإن البركة الخ ومما يدخل في هذا المعنى المعقود له الباب حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي" حديث حسن رواه الطبراني في الأوسط وبعض رواته وإن كان فيه مقال إلا أن الحديث يتقوى بشواهده اهـ. قوله: (عن وحشي بن حرب) هو الحبشي كما جاء كذلك في النسخة المروية عن الوليد بن هشام ووحشي هو أبو دسمة وهو من سودان مكة مولى لطعيمة بن عدي وقيل مولى جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي ويجمع بينهما بأنه كان لطعيمة أولًا ثم لما قتل ببدر صار لجبير والله أعلم، قاتل حمزة ﵁ يوم أحد وشارك في قتل مسيلمة الكذاب يوم اليمامة وكان يقول: قتلت خير النّاس في الجاهلية وشر النّاس في الإسلام وذكر في أسد الغابة عنه خبرًا طويلًا في قتله لسيدنا حمزة ﵁ ولمسيلمة. قوله: (اجتمعوا عتى طعامكم) أي فبالاجتماع تنزل البركات في الأوقات (واذكروا اسم الله) أي فبذكر اسم الله يمتنع الشيطان عن الوصول إلى الطعام وتدوم بركته لهم ولمن جاء قبل انصرافهم كلهم عنه كما تقدم.
باب ما يقوله إذا أكل أحد مع صاحب عاهة
العاهة الآفة من جرب أو غيره. قوله: (روينا في سنن أبي داود الخ) قال في السلاح هذا لفظ الترمذي ورواه ابن حبان في صحيحه وزاد في الحصن ورواه
стр. 1736
أخذ بيد مجذوم
ــ
ابن السني وقال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث حسن وصححه ابن خزيمة والحاكم وفي ذلك نظر فقد قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من حديث مفضل أي ابن فضالة الراوي عن حبيب بن المسيد عن ابن المنكدر عن جابر وقد رواه شعبة عن حبيب فقال عن بريدة عن عمر من فعله وقوله قال الترمذي وحديث شعبة أصح وقال الترمذي أيضًا المفضل بن فضالة بصري يعني بالموحدة والمفضل بن فضالة آخر مصري يعني بالميم وهو أوثق من هذا وأشهر قال الحافظ: قلت: وأكثر حديثًا وشيوخًا، وقد توبع المفضل عن ابن
المنكدر أخرج ابن عدي في ترجمة إسماعيل بن مسلم المكي من روايته عن ابن المنكدر عن جابر نحو هذا الحديث ولفظه إن النبي ﷺ أتى بطعام ومجذوم قاعد في ناحية البيت فدعاه فأقعده إلى جانبه فقال: كل، الحديث لكن إسماعيل هذا والراوي عنه ضعيفان اهـ. قوله: (أخذ بيد مجذوم) أي به داء الجذام أعاذنا الله منه داء يحمر منه الجلد ثم يسود ثم يتقطع ويتساقط منه الشعر والفعل جذم من باب ضرب قال في المصباح ومنه يقال جذم الإنسان بالبناء للمفعول إذا أصابه الجذام لأنه يقطع اللحم ويسقطه وهو مجذوم قالوا ولا يقال من هذا المعنى أجذم وزان أحمر اهـ. وهذا المجذوم قال في السلاح اسمه معيقيب بن أبي فاطمة السدوسي كذا في أسد الغابة السدوسي ورأيته منقولًا كذلك عن السلاح وهو مولى سعيد بن العاص قال أبو علي بن السكن ولم يكن في الصحابة مجذوم غيره وكان عمر ﵁ يؤاكله اهـ. ولعل ابن السكن أراد من الصحابة ممن كان في صحبته وملازمته سيد الأنام ﵊ لا مطلق من اتصف بوصف الصحبة وإلا لورد عليه حديث مسلم كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه ﷺ إنا قد بايعناك فارجع إذ من المعلوم أنه لم يصل إلى المدينة في جملة الوفد إلا وقد تشرف بالاجتماع والإيمان به ﷺ غاية ما فاته ملامسة يده ليده ﷺ التي تشرف بها غيره من الوفد، وعجيب من الإمام صاحب السلاح حيث لم ينبه على ذلك فأفاد في أسد الغابة أن ولاء معيقيب لأبي سعيد إنما هو بطريق الحلف قال فيه أسلم قديمًا بمكة وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ثم إلى
стр. 1737
فوضعها معه في القَصعة، فقال: "كُلْ بِسْم الله ثِقَة بالله وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ".
ــ
المدينة وله عقب قيل قدم المدينة في السفينتين والنبيُّ ﷺ بخيبر وقيل قدمها قبل ذلك وقال ابن مسنده إنه شهد بدرًا وكان على خاتم النبي ﷺ استعمله عمر خازنًا على بيت المال وأصابه الجذام وأحضر له عمر ﵁ الأطباء فعالجوه فوقف المرض وهو الذي سقط من يده خاتم النبي ﷺ في بئر أريس فلم يوجد ومذ سقط اختلفت الكلمة وكان من أمر عثمان ما هو مذكور في التواريخ ثم الاختلاف إلى الآن والناس يعجبون من خاتم سليمان وكانت المعجزة به في الشام حسب وهذا الخاتم مذ عدم اختلفت الكلمة وزال الاتفاق في جميع بلاد الإسلام من أقصى خراسان إلى آخر بلاد المغرب روى معيقيب عن رسول الله ﷺ ستة أحاديث اتفقا على حديث واحد ولمسلم حديث آخر وتوفي آخر خلافة عثمان وقيل: توفي سنة أربعين في خلافة علي ﵁ اهـ. قوله: (فوضعها معه في القصعة الخ) قال المصنف في شرح مسلم قال القاضي: قد اختلفت الآثار عن النبي ﷺ في قصة المجذوم فثبت عنه الحديثان المذكوران يعني حديث مسلم في مجذوم وفد ثقيف وحديث البخاري فر من المجذوم فرارك من الأسد وعن جابر أن النبي ﷺ أكل مع مجذوم وقال له: "كل ثقة بالله وتوكلًا عليه" وعن عائشة ﵂ قالت: كان لنا مولى مجذوم وكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي قال وقد ذهب عمر وغيره من السلف إلى الأكل معه وإن الأمر باجتنابه منسوخ والصحيح الذي قاله الأكثر ويتعين المصير إليه أنه لا نسخ بل يجب الجمع بين الحديثين وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط لا الوجوب وأما الأكل معه ففعل لبيان الجواز والله أعلم. قوله: (ثقة بالله) منصوب على أن حال أي كل متبركًا باسم الله واثقًا بالله متوكلا على الله أي معتمدًا عليه.
فائدة
عبارة الحصن في هذا المقام وإن أكل مع مجذوم أو ذي عاهة قال بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه قال في الحرز قال بعضهم هو منصوب على الحال وصاحبها محذوف أي كل معي واثقًا بالله ويحتمل أن يكون من كلام الراوي حال من فاعل قال وأن يكون مفعولًا أي كل ثم استأنف فقال: ثقة أي ثق ثقة بالله ذكره الطيبي وقال ميرك:
стр. 1738
باب استحباب قول صاحب الطعام لضيفه ومن في معناه إذا رفع يده من الطعام "كل" وتكريره ذلك عليه ما لم يتحقق أنه اكتفى منه وكذلك يفعل في الشراب والطيب ونحو ذلك
ــ
الاحتمال الأول ضعيف جدًّا وأقول بل الاحتمال الأول هو الظاهر المتبادر من قوة الكلام أي أن ثقة من كلام المصطفى ﷺ وأنه حال من فاعل أكل مضارعًا مقدرا يعني آكل معك حال كوني واثقًا بالله وجعله حالًا من فاعل كل بعيد وأبعد منه جعل هذه الجملة مدرجة من كلام الراوي لبيان كمال وثوق المصطفى بالله فأكل مع ذلك المجذوم لا أنه تلفظ بذلك لأنه خلاف ما تعطيه قوة الكلام.
والحاصل أن الأكل مع المجذوم يحتاج إلى حال الاعتماد والتوكل على الله دون المجذوم على ما يتوهم من التقدير الأول ثم هذا التقدير أي كل معي إنما يحتاج إليه في عبارة الحصن فإنه قال وإن أكل مع مجذوم أو ذي عاهة قال: بسم الله ثقة بالله الخ، أما عبارة الأذكار فغير محتاجة إلى ذلك لأن لفظ "كل" موجود فيها إلا أن يقال: "معي" فمقدر وأما الاحتمال الثاني فبعيد جدًّا لأنه يلزم منه أن لا يكون قوله ثقة بالله الخ من كلامه ﷺ وليس كذلك مع أنه احتمال متكلف مستغنى عنه بما ذكرناه سابقا وقال ميرك: بل الظاهر أنه حال أي آكل بسم الله حال كوني واثقًا بالله ومتوكلًا عليه على أن كلا من المصدرين بمعنى اسم الفاعل كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ أي راغبين وراهبين اهـ والله أعلم.
باب استحباب قول صاحب الطعام لضيفه ومن في معناه
أي الضيف من أهله وعياله (إذا رفع يده من الطعام) لنحو حياء (كل) أو نحوها من العبارات المؤذنة بطلب نحو أكل من نحو بسم الله أو استعمل (وتكرير ذلك ما لم يتحقق أنه قد أكتفى منه) قضيته أنه لا حد لتكرار ذلك وإن مدار ترك التكرار على تحقق اكتفاء الآكل معه لكن قالوا: لا يزيد ندبًا في ذلك على ثلاث مرات وعلله في الإحياء بأنه ﷺ كان إذا تكلم تكلم ثلاثًا وأنه لا يراجع في الشيء فوق
стр. 1739
اعلم أن هذا مستحبُّ، حتى يستحب ذلك للرجل مع زوجته وغيرها، من عياله الذين يتوهم منهم أنهم رفعوا أيديهم ولهم حاجة إلى الطعام وإن قلَّت.
ومما يستدل به في ذلك ما رويناه في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة رضي الله
ــ
ثلاث قال في الإحياء ولا ينبغي أن يقسم عليه بالله ليأكل اهـ. وسيأتي فيه كلام في آخر الباب.
قوله: (ومما يستدل به لذلك ما رويناه في صحيح البخاري الخ) عن مجاهد قال: سمعت أبا
يقول والله الذي لا إله غيره إن كنت لأعتمد على كبدي في الأرض من الجوع وإن كنت لأشد بحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يمرون به فمر بي أبو بكر ﵁ فسألته عن آية من كتاب الله ما سألت عنها إلا ليستتبعني فمر ولم يفعل ثم مر بي عمر ﵁ فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته عنها إلا ليستتبعني فمر ولم يفعل ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فعرف ما في نفسي وما في وجهي فتبسم فقال: أبا هريرة فقلت: لبيك يا رسول الله فقال الحق ثم مضى وتبعته فدخل بيته فاستأذنت فأذن لي فوجد لبنًا في قدح فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهدأه لك فلان أو فلانة قال أبا هو: قلت: لبيك يا رسول الله قال: انطلق إلى أهل الصفة فأدعهم قال وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يلوون على أهل ولا مال إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا وإذا أتته هدية أصاب منها وأرسل إليهم وأشركهم فيها فساءني ذلك وقلت في نفسي: ما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أود لو شربت منه شربة أتقوى بها أنا ورسول الله ﷺ فإذا جاؤوا أمرني فكنت أنا الذي أعطيهم فما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم فالتفت فقال: أبا هريرة فقلت: لبيك يا رسول الله قال: "فأعطهم" فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى حتى انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقد روي القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده ونظر إليّ فتبسم وقال أبا هر: بقيت أنا وأنت قلت: صدقت يا رسول الله قال: "فاقعد واشرب" فقعدت فشربت ثم قال: "اشرب" فما زال يقول اشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مساغًا فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة ﷺ قال الحافظ بعد تخريجه: أخرجه أحمد عن روح بن
стр. 1740
عنه في حديثه الطويل المشتمل على معجزات ظاهرة لرسول الله ﷺ لما اشتد جوع أبي هريرة ﵁ وقعد على الطريق يستقرئ من مر به القرآن، معرَّضًا بأن يضيفه، ثم بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل الصُّفَّة، فجاء بهم فأرواهم
ــ
عبادة عن عمر بن ذر وأخرجه البخاري في كتاب الرقائق عن أبي نعيم وأخرجه النسائي عن أحمد بن يحيى الكوفي عن أبي نعيم أي وأبو نعيم يرويه عن عمر بن ذر عن مجاهد وساق الحديث بتمامه والبخاري لما أخرج الحديث قال: أخبرنا أبو نعيم بنحو من نصف هذا الحديث ولم يذكر من حدثه بالنصف الآخر مع إبهامه لكنه أخرج في الاستئذان عن أبي نعيم قطعة من آخر هذا الحديث فأشعر أن النصف الذي أشار إليه بالتحديث هو النصف اهـ. وهذا الذي قاله الحافظ من قوله: فاشرب الخ نقله الكرماني عن مغلطاي ثم تعقبه بأن ما ذكره ثم ليس نصفه ولا ثلثه ولا ربعه وقال وفيما فعله البخاري محذور وهو أن نصف الحديث يبقى بغير إسناد ثم أجاب بأنه اعتمد على ما ذكره في كتاب الأطعمة من طريق يوسف بن عيسى المروزي وهو قريب من نصف الحديث فلعل البخاري أراد بالنصف الذي لأبي نعيم ما لم يذكره ثمة فيصير الكل مسندًا بعضه بطريق يوسف وبعضه الآخر بطريق أبي نعيم وقال صاحب التاريخ وهو مغلطاي ذكر المصنف الحديث في الاستئذان مختصرًا وكأنه هو النصف المشار إليه هنا وأقول ليس ما ذكره هنا نصفه ولا ثلثه الخ، ثم إن المحذور وهو خلو البعض من الإسناد لازم كما كان وإن أفاد تكريره أن بعضه متكرر الإسناد ولا كلام فيه والله أعلم اهـ. قال الحافظ: وفي استدرك الحاكم الحديث من وجه آخر من طريق يونس بن بكير عن عمر بن ذر اهـ. قوله: (المشتمل على معجزات ظاهرة) قلت منها اطلاعه ﷺ على ما أضمر أبو هريرة من التطلع إلى من يذهب ليطعمه ومنها دعوته إلى طعام ووجوده
له من غير استعداد ومنها تكثير ذلك اللبن القليل الذي رأى أبو هريرة أنه يكفيه ويكفي النبي ﷺ وكفى أهل الصفة المدعوين عن آخرهم. قوله: (يستقرئ من مر به القرآن) أي يسأله ظاهرًا عن آية ليقرئه إياها وهو يعرض
стр. 1741
أجمعين من قدح لبن ... وذكر الحديث، إلى أن قال: قال لي رسول الله ﷺ "بَقِيتُ أنا وَأنْتَ" قلت: صدقتَ يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشْرَبْ فَشَرِبْتُ، فمَا زال يَقُولُ: اشْرَبْ، حتى قلتُ: لا، والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكًا، قال: فأرِني، فأعطيته القدح، فحمد الله تعالى وسمى وشرب الفضلة.
باب ما يقول إذا فرغ من الطعام
روينا في "صحيح البخاري" عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته
ــ
بذلك السؤال للضيافة ففيه أن كتمان الحاجة أولى من إظهارها وإن جاز له الإخبار بباطن أمره لمن يرجو منه كشف ما به. قوله: (فحمد الله) أي على البركة وظهور المعجزة (وسمى) أي سمى الله تعالى وفي الحديث استحباب الاستئذان والسؤال عن الوارد إلى البيت من أين هو وتشريك الفقراء فيه وشرب الساقي وصاحب الشراب آخرا والحمد الله على الخير والتسمية على الشرب وفيه امتناعه ﷺ من الصدقة وأكله من الهدية ثم قضية قوله فما زال يقول: اشرب الخ إنه غير مقصور على الثلاث وصرح أصحابنا بأن نحو المضيف لا يزيد في قوله لنحو ضيفه كل على ثلاث مرات ويحتمل تنزيل الخبر عليه بأنه لما كرر ذلك ثلاثًا قال أبو هريرة: لا والذي بعثك بالحق الخ والله أعلم.
باب ما يقول إذا فرغ من الطعام
قوله: (روينا في صحيح البخاري الخ) وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان. قوله: (رفع مائدته) أي رفعها من بين يدي الحاضرين معه وفيه تولي خدمة نحو الضيف وإن ذلك من الكمال وعند الترمذي إذا رفعت مائدته بإسناد الفجل المبني للمجهول للمائدة مع
стр. 1742
قال: "الحَمْدُ لِلَهِ
ــ
تأنيثه ويحتمل أن يكون الفعل في رواية البخاري للمجهول أيضًا وحذف علامة التأنيث لكون تأنيث الفاعل مجازيًّا قال الحافظ: وقد رواية إذا فرغ من طعامه ورفعت مائدته ومثله ما جاء في رواية عن أبي أمامة علمني النبي ﷺ أن أقول عند فراغي من الطعام ورفع المائدة فذكره اهـ. والمائدة خوان عليه طعام وإلا فهو خوان لا مائدة كذا في الصحاح وقد فتح الباري قد تطلق المائدة ويراد بها ما عليه الطعام وإن لم يكن خوان وقد تطلق على الطعام نفسه، ونقل عن البخاري أنه قال إذا أكل الطعام على شيء ثم رفع قيل: رفعت مائدته. قيل ما ذكره من إطلاقها على ما عليه الطعام وإن لم يكن خوانًا ذكره متقدمون منهم الحكيم الترمذي. وأما قوله وقد يطلق على الطعام نفسه فتبع فيه صاحب المحكم وقد رده الحافظ الزين العراقي بأن حديث سليمان يرد تفسير المائدة بالطعام اهـ. ولك أن تقول لا رد فإن ما في المحكم ليس مراده أن ذلك الإطلاق ملازم للفظ المائدة إنما أراد أنها اسم للخوان عليه الطعام
وقد تطلق على الطعام نفسه أي على سبيل القلة كما يؤذن به كلمة في ثم يحتمل أنه حقيقة كما هو المتبادر من لفظ يطلق ويحتمل أنه مجاز مرسل من إطلاق اسم المحل على الحال. واختلف في تسمية الخوان عليه الطعام بالمائدة فقيل: لأنها تميد بما عليها أي تتحرك من قوله تعالى: ﴿وجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ وقيل من ماد أعطى فكأنها تميد أي تعطي من حواليها مما أحضر عليها وأجاز بعضهم أن يقال فيه ميدة كقول الراجز:
وميدة كثيرة الألوان ... تصنع للجيران والإخوان
ثم استشكل قوله: إذا رفعت مائدته مع تفسيرها بأنها الخوان إذا كان عليه الطعام بما جاء عن أنس أنه ﷺ لم يأكل على خوان قط. وأجيب بأن أنسًا لم ير ذلك ورآه غيره والمثبت مقدم على النافي أو المراد على بالخوان صفة مخصوصة والمائدة تطلق على كل ما يوضع عليه الطعام ولا يختص ذلك بصفة مخصوصة. قوله: (قال الحمد الله) يحتمل أن يكون قال ذلك جهرًا وهو
стр. 1743
كثِيرا طَيبا مُبارَكًا فِيهِ غَيرَ مَكْفِئ ولا مُوَدَّع ولا مُسْتَغْنىً عَنْهُ رَبُّنا"
ــ
ظاهر سياق أبي أمامة ويحتمل أنه أسر به ولما رآه أبو أمامة يحرك شفتيه سأله فعلمه ثم السنة للأكل ألا يجهر بالحمد إذا فرغ من الطعام قبل جلسائه كي لا يكون منعًا لهم وقوله: الحمد الله أي لذاته وصفاته وأفعاله التي من جملتها الإنعام بالإطعام وقوله: حمدًا الواقع عند الترمذي وغيره مفعول مطلق للحمد إما باعتبار ذاته أو باعتبار تضمنه معنى الفعل أو للفعل. قوله: (كثيرًا) صفة مفعول مطلق والكثرة المراد منها عدم النهاية إذ لا نهاية لحمده تعالى كما لا نهاية لنعمه. قوله: (طيبًا) أي خالصًا عن الرياء والسمعة والأوصاف التي لا تليق بجنابه تقدس لأنه طيب لا يقبل إلا طيبًا، أو خالصًا عن أن يرى الحامد أنه قضى حق نعمته. قوله: (مباركًا فيه) أي في الحمد وهو مفعول أقيم مقام فاعل مبارك أي ما وقع فيه البركة واليمن والزيادة والثبات والمعنى حمدًا ذا بركة دائمًا لا ينقطع لأن نعمه تعالى لا تنقطع فينبغي أن يكون حمدنا غير منقطع أيضًا ولونية وقصدًا. قوله: (غير مودع) بتشديد الدال المهملة مع فتحها أي غير متروك الطلب منه وعلى هذا اقتصر الشيخ كما سيأتي ثم حكى عنه صاحب النهاية أنه قال غير مودع أي غير متروك الطاعة. وقيل هو من الوداع وإليه يرجع والله أعلم، ومع كسرها أي حال كوني غير تارك لها ومعرض عنها لكن تعقب بأنه لا يلائم قوله قبله غير مكفي وقوله بعده ولا مستغنى إذ الرواية فيهما ليست إلا على صيغة اسم المفعول وعلى كل فمؤدى الروايتين واحد هو دوام الحمد واستمراره وغير بالنصحب على أنه حال من الاسم الكريم قيل: أو من اهـ حمد وقال في الحرز إنه الأقرب أي حال كون الحمد لك غير متروك بل مستمر لاستمرار النعم التي هو عليها هذا على روايته اسم مفعول وعلى أنه اسم فاعل فهو حال حذف عاملها وصاحبها أي أقول ذلك حال كوني غير تارك حمدك وما ذكر من النصب هو ما في الأصول المعتمدة من الحصن ووقع في نسخة بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هو. قوله: (ولا مستغنى) هو بضم الميم وفتح النون أي لا يستغني عنه أحد بل يعاد إليه كرة بعد كرة ويحتاج إليه كل متكلم لبقاء نعمته تعالى واستمرارها ولم يصب من جعله عطف تفسير
стр. 1744
وقد رواية "كان إذا فرغ من طعامه" وقال مرة "إذا رفع مائدته قال: الحَمْدُ لِلهِ الذي كفانا وأرْوانا غَيْرَ مَكْفِئ ولا مَكْفُورٍ".
قلت: مكفي، بفتح الميم وتشديد الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، ورواه أكثر الرواة بالهمز، وهو فاسد من حيث العربية، سواء كان من الكفاية، أو من كفأت الإناء، كما لا يقال في مقروء من القراءة: مقرئ، ولا في مرمي مرمئ بالهمز. قال صاحب "مطالع الأنوار" في تفسير هذا الحديث:
ــ
محتجًا بأن المتروك هو المستغني عنه لظهور أن فيه فائدة لم يفدها ما قبلها وهي أنه لا مستغنى لأحد عن الحمد كما تقرر لظهور أنه لا فيض إلا منه تقدس فيجب على
كل مكلف إذ لا يخلو أحد عن نعمة بل نعمه جمة لا تحصى وهو في مقابلة النعمة واجب بمعنى أن الآتي به في مقابلتها يثاب عليه ثواب الواجب. أما شكر المنعم بمعنى امتثال أمره واجتناب نهيه فواجب شرعًا على كل مكلف يأثم بتركه اجماعًا. قوله: (وفي رواية) هي للبخاري أيضًا زاد في السلاح عن البخاري وقال مرة: لك الحمد ربنا غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه وفي رواية للترمذي وابن ماجه وإحدى روايات النسائي: اللهم لك الحمد حمدًا. قوله: (قلت: مكفيّ الخ) قال الحافظ: هكذا ثبت هذا اللفظ في حديث أبي أمامة بالياء وعلى هذا الضبط فقال ابن بطال يحتمل أن يكون من كفأت الإناء فالمعنى غير مردود عليه إنعامه أو من الكفاية أي أنه تعالى غير مكفي رزق عباده أي غير محتاج إلى أحد في كفايتهم إذ لا يكفيهم أحد غيره فالضمير الله تعالى وهذا ما حكاه المصنف عن الخطابي وقال الحربي الضمير للطعام ومكفي بمعنى مقلوب من الإكفاء وهو القلب أي غير أنه لا يكفئ الإناء للاستغناء عنه. قوله: (ورواه أكثر الرواة بالهمز وهو فاسد من حيث العربية) فساده باعتبار ما ذكره من كونه من كفأت الإناء أو من الكفاية أما إنه مأخوذ من المكافأة فلا فساد. وقال الجواليقي: الصواب غير مكافأ بالهمز أي أن نعمه تعالى لا تكافئ قال الحافظ: ثبت هذا اللفظ هكذا في حديث أبي أمامة بالياء ولكل معنى والله أعلم.
стр. 1745
المراد بهذا المذكور كلِّه الطعام، وإليه يعود الضمير. قال الحربي: فالمكفي: الإناء المقلوب للاستغناء عنه، كما قال: "غير مستغنىً عنه" أو لعدمه، وقوله: غير مكفور، أي: غير مجحود نعم الله فيه، بل مشكورة، غير مستور الاعتراف بها والحمد عليها. وذهب الخطابي إلى أن المراد بهذا الدعاء كلِّه الباري ، وأن
الضمير يعود إليه،
ــ
قوله: (المراد بهذا المذكور كله) أي الذي ذكر بعود الضمائر إليه من قوله مكفي وما بعده للطعام المدلول عليه بقرينة المقام أي غير مقلوب ولا مكفي أي غير متروك للاغتناء عنه أو لعدمه بل لا تزال حاجة العباد إلى نعم الله مستمرة ومنها الطعام وهو مجريها عليهم بمنه على الدوام وذكر غير مكفور على هذا لعوده إلى الطعام وإن كان من جملة النعم الجسام والكفر فيه بالمعنى المقابل للشكر أي إن هذا الطعام لم يكفر بجحده وستره وترك الشكر عليه بل لا يزال مشكورًا والاعتراف بأنه من النعم مذكورًا والله أعلم. قوله: (وذهب الخطابي الخ) أي إن الضمائر من مستغنى عنه وما بعده ترجع إلى الباري المذكور قال الحافظ: ما ذكر المصنف عن الخطابي من أن الضمير في قوله مستغنى عنه الله يدل له ما جاء في بعض طرق حديث أبي أمامة عنه أنه قال: علمني رسول الله ﷺ ما أقول عند فراغ الطعام "قال: قل اللهم أطعمت فأشبعت وسقيت فأرويت ذلك الحمد غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنك" قال
الحافظ: حديث حسن وفي بعض رواته مقال بسبب اختلاطه لكن له شاهد يشده وهو ما جاء عن رجل من بني سليم كانت له صحبة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من طعامه قال: "اللهم لك الحمد أطعمت فأشبعت وسقيت فأرويت غير مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنك" وفي واحد من رواته ضعف من قبل حفظه وباقي رجال الإسنادين ثقات، وما ذكره عن الخطابي من أن معنى غير مكفي الخ دليله حديث أبي هريرة قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء رسول الله ﷺ فانطلقنا معه فلما طعم النبي ﷺ وغسل يده قال: الحمد الله الذي يطعم
стр. 1746
وأن معنى قوله: غير مكفي: أنه يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ، كأنه على هذا من الكفاية، وإلى هذا ذهب غيره في تفسير هذا الحديث، أي: إن الله تعالى مستغنٍ عن معين وظهير، قال: وقوله: ولا مودَّع: أي: غير متروك الطلب منه والرغبة إليه، وهو بمعنى المستغنى عنه، وينتصب "ربنا" على هذا بالاختصاص أو المدح أو بالنداء، كأنه قال: يا ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا،
ــ
ولا يطعم منَّ علينا فهدانا وكل بلاء حسن أبلانا الحمد الله غير مكفور ولا مودع ولا مكافأ ولا مستغنى عنه الحمد الله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسى من العري وهدى من الضلالة وبصر من العماية وفضل على كثير ممن خلقه تفضيلًا الحمد الله رب العالمين أخرجه الحافظ من طريق الطبراني في الدعاء. قوله: (وأن معنى قوله غير مكفي الخ) أي إنه تعالى هو المطعم الكافي وهو غير مطعم ولا مكفي. قوله: (ولا مودع أي غير متروك الطلب الخ) هذا على كونه مشدد الدال مفتوحها وسبقت فيه على هذا الوجه معان أخر وأنه يجوز كسر الدال على ما فيه ومآل الكسر والفتح إلى معنى واحد هو دوام الطاعة والطلب والافتقار إلى الكريم سبحانه. قوله: (وهو بمعنى المستغنى عنه) أي فذكره بعده بمنزلة التأكيد والاهتمام بالمقام وليس قوله ولا مستغنى عنه بعده من عطف التفسير لأن في ذكره فائدة لم تستفد من قوله غير مودع نصًّا هي أنه لا استغناء لأحد من العباد عن الباري إذ أصل الوجود ودوامه إنما هو من إمداده ولو انقطع المدد ساعة لفني العالم عن آخره والله أعلم. قوله: (على هذا) أي كون الضمير من مكفي وما بعده يعود إلى الله تعالى، والذي يخص هذا الوجه هو النصب على الاختصاص أما على النداء بحذف أداته أو على اضمار نحو أعني على أنه صفة مقطوعة عن الاسم الكريم فجاز على هذا الوجه وعلى كون الضمير يعود للطعام والله أعلم. قوله: (على الاختصاص الخ) وكذا يجوز كونه منصوبًا بتقدير نحو أعني مما لا يدل قوله مدح وغيره مما ذكر .. قوله: (اسمع حمدنا ودعاءنا) أي المذكور على الأول بالتصريح وعلى الثاني بالإشارة كما تقدم نظيره من كلام سفيان في حديث أفضل
стр. 1747
ومن رفعه قطعه وجعله خبرًا، وهذا قيده الأصيلي كأنه قال: ذلك ربنا، أو أنت ربنا، ويصح فيه الكسر على البدل من الاسم في قوله: الحمد الله. وذكر أبو السعادات ابن الأثير في "نهاية الغريب" نحو هذا الخلاف مختصرًا. وقال: ومن رفع "ربنا" فعلى الابتداء المؤخر: أي ربنا غير مكفي ولا مودَّع، وعلى هذا يرفع "غير" قال: ويجوز أن يكون الكلام راجعًا إلى الحمد، كأنه قال: حمدًا كثيرًا غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عن هذا الحمد. وقال في قوله: ولا مودَّع: أي غير متروك الطاعة، وقيل: هو من الوداع، وإليه يرجع، والله أعلم.
ــ
الدعاء: لا إله إلا الله الخ بأن فيه التعرض للسؤال وسؤال النوال كما قال من قال:
إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاء من تعرضه الثناء
قوله: (ومن رفعه قطعه) أي فيكون التقدير هو أي المثني عليه بهذه الأوصاف ربنا أو أنت ربنا وأغرب الحنفي في شرح الحصن وأعرب ربنا مبتدأ خبره محذوف أي ربنا ذلك، ونقل المصنف للرفع وجهًا آخر عن صاحب النهاية حاصله أن ربنا مبتدأ مؤخر وأن قوله غير مكفي الخ بالرفع خبر
عنه مقدم. قوله: (ويصح الكسر) أي الجر لكنه تسامح في التعبير فعبر عن لقب أحد أنواع الأعراب بلقب أحد أنواع الباء. قوله: (على البدل من الاسم الخ) وأجاز ابن التين كما نقله العلقمي كونه بدلًا من الضمير في قوله مستغنى عنه أي بناء على كونه يعود للبارئ كما نقله المصنف عن الخطابي وبه يندفع اعتراض ابن حجر هذا الوجه ورده بأنه واضح الفساد فإن الضمير يعود إلى الحمد كما لا يخفى على من له ذوقوله اهـ. قوله: (ويجوز أن يكون الكلام راجعًا إلى الحمد) وعليه فيتعين في رواية الجر في لفظ ربنا أن يكون بدلًا من الاسم الكريم عن الضمير المجرور بعن، هذا ما يتعلق بما ذكره المصنف ولميرك في هذا المقام كلام نفيس فيه تفصيل للمقام وإجمال مع ايضاح في المقال وعبارته: اعلم أن ضمير اسم المفعول في الجمل
стр. 1748
وروينا في "صحيح مسلم" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أن الله تعالى ليَرْضَى عَنِ العَبْدِ يأكُلُ الأكلَةَ فيَحْمَدُهُ عَلَيها، ويَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيها".
ــ
الثلاث لا يخلو إما أن يكون راجعًا إلى الله تعالى أو إلى الحمد أو إلى الطعام الذي يدل عليه السياق فعلى الأول يجوز حينئذٍ أن يقرأ غير منصوبًا بإضمار أعني أو على أنه حال أي الله سبحانه غير مكفي رزق عباده لأنه لا يكفيه أحد غيره وقيل أي غير محتاج إلى أحد لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم ولا مودع أي غير متروك الطلب منه والرغبة فيما عنده ولا مستغنى عنه لأنه في جميع الأمور هو المرجع والمستعان والمدعو، ويجوز أن يقرأ مرفوعًا أي هو غير مكفي الخ وعلى الثاني معناه أن هذا الحمد غير مأتي به كما هو حقه لقصور القدرة ومع هذا فغير مودع أي غير متروك بل الاشتغال به دائم من غير انقطاع كما أن نعمه سبحانه لا تنقطع عنا طرفة عين ولا مستغنى عنه لأن الإتيان به ضروري دائمًا ورفع غير ونصبه بحمالهما وعلى الثالث معناه أنه غير مكفي من عندنا بل هو الكافي والرزاق أو غير مردود إليه لأن الاحتياج إليه قد بلغ الغاية ولا مودع أي متروك لأن الحاجة له دائمة ولا مستغنى عنه جملة مؤكدة للجملة السابقة والرفع والنصب في غير بحالهما أيضًا.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم عن أنس الخ) قال في السلاح ورواه مسلم والترمذي والنسائي اهـ. وأخرجه الحافظ من حديث أنس أيضًا مرفوعًا بلفظ إن الله ليدخل العبد الجنة بالأكلة أو الشربة يحمده عليها. قوله: (ليرضى عن العبد) أي يرحمه ويثيبه كما جاء في الرواية الأخرى يدخله الجنة. قوله: (يأكل الأكلة) في محل الحال أي حال أكله وحمده ربه تعالى والأكلة بفتح الهمزة اسم للقمة ويرجح الأول قوله ويشرب الشربة إذ هو بالفتح لا غير وأشار في السلاح إلى احتمال الوجهين هنا وأن بعضهم رجحه ولعل هذا وجهه وكل من الأكلة والشربة مفعول مطلق. قوله: (فيحمده) أي أنه
يرضى أكله المتعقب بالحمد مع أن نفعه لنفسه فكيف بالحمد على ما لا نفع له فيه وفيه أن أصل سنة الحمد بعد كل من الطعام والشراب يحصل بأي لفظ اشتق من مادة حمد بل مما يدل على الثناء على الله تعالى
стр. 1749
وروينا في "سنن أبي داود" وكتابي "الجامع" و"الشمائل" للترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من طعامه قال: "الحَمْدُ لِلَهِ الَّذِي أطْعَمَنا وسَقانا وجَعَلَنا مُسْلِمِينَ".
وروينا في "سنن أبي داود والنسائي" بالإسناد الصحيح عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أكل أو شرب قال: "الحَمْدُ لِلهِ الذِي أطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَغَهُ
ــ
وما سبق من حمده ﷺ المشتمل على تلك الصفات البليغة البديعة إنما هو بيان للأكمل. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) وكذا رواه النسائي وابن ماجه كما في السلاح ولفظ الكتاب لأبي داود ولفظ الترمذي كان ﷺ إذا أكل أو شرب قال فذكره وزاد في الحصن وابن السني قال الحافظ بعد تخريجه للحديث من طريق الإِمام أحمد: هذا حديث حسن وأخرجه أيضًا من طريق الطبراني عن أبي سعيد بلفظ كان ﷺ إذا أكل طعامًا قال الحمد الله الخ مثله سواء وأفاد الحافظ أن النسائي أخرجه في اليوم والليلة. قوله: (إذا فرغ من طعامه) أي من أكله. قوله: (الحمد الله الخ) لما كان الحمد على النعم به العبد ويستجلب به المزيد أتى به ﷺ تحريضًا على التأسي به ولما كان الباعث على الحمد هو الطعام ذكره أولًا لزيادة الاهتمام وكان السقي من تتمته إذ لا يخلو الطعام عن الشراب في أثنائه غالبًا ثنى به وختم الذكر بقوله وجعلنا مسلمين للجمع بين الحمد على النعم الدنيوية والأخروية وإشارة إلى أن الأولى بالحامد أن لا يحرر حمده على دقائق النعم بل النظر إلى جلائلها أحق ولأن الإتيان بحمده من نتائج الإسلام وهذا أنفس من قول بعضهم لما أراد ذكر كثير من النعم ذكر أشرفها وهو الإسلام وإلًا فلا وجه لذكره في هذا المقام اهـ.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود والنسائي الخ) وكذا أخرجه أبو يعلى وأخرجه ابن حبان من طريق أبي يعلى كذا قال الحافظ: وقال: الحديث صحيح وأشار إلى أن الطبراني أخرجه في كتاب الدعاء. قوله: (وسوغه) هو بتشديد الواو سهل كلًّا من دخول اللقمة ونزول الشربة في الحلق فالإفراد
стр. 1750
وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا".
وروينا في "سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه" عن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أكَلَ طعامًا فقال: الحَمْدُ لِلهِ الذي أطْعَمَني هذا ورَزَقَنِيهِ مِنْ غَيرِ حَوْلٍ منِّي ولا قُوَّة، غُفِرَ لهُ مما تَقدَّمَ مِنْ ذنْبِه" قال الترمذي: حديث حسن. قال الترمذي: وفي الباب - يعني باب الحمد على الطعام إذا فرغ منه- عن عقبة بن عامر وأبي سعيد وعائشة وأبي أيوب وأبي هريرة.
ــ
باعتبار ما ذكر. قوله: (وجعل له) أي لما ذكر (مخرجًا) أي خروجًا أو مكان خرووج أو زمانه.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود والترمذي) قال في الحصن وأخرجه الحاكم وابن السني كلهم من حديث أبي داود قال الحافظ: والحديث حسن. قوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه) وجد في سنن أبي داود زيادة وما تأخر وعليها علامة الصيمري أحد رواة السنن وتقدم ما في ذلك في باب ما يقول إذا لبس ثوبه أوائل الكتاب. قوله: (قال الترمذي وفي الباب الخ) قال الحافظ: تقدم حديث أبي
سعيد وحديث أبي أيوب وسيأتي حديث عائشة في آخر كتاب أذكار الطعام ولأنس حديث آخر يأتي في أثناء هذا الباب وبيض شيخنا لحديث عقبة بن عامر وأما حديث أبي هريرة ﵁ فأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء عن أبي هريرة ﵁ قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء رسول الله ﷺ فانطلقنا معه الحديث السابق في الكلام على قول الخطابي أن معنى قوله غير مكفي أنه يطعم ولا يطعم وخرجه الحافظ ابن حجر من طريق الطبراني المذكورة ومن طريق أخرى ثم خرجه من طريق ثالث وقال بعد تخريجه هذا حديث حسن من هذا الوجه أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم ثم خرجه من طريق أبي نعيم وقال في حفظ الثلاثة أي الذين أسند عنهم أبو نعيم هذا الحديث مقال وهم من أهل الصدق ثم قال وللحديث شواهد سابقة ولاحقة منها عن أبي هريرهَ ﵁ حديث آخر.
ثم قال: قال شيخنا يعني الحافظ زين الدين العراقي وفي الباب ممن لم يذكره الترمذي عن أبي أمامة ومعاذ بن أنس وعبد الرحمن بن عوف وأبي موسى الأشعري والحارث بن الحارث الأزدي
стр. 1751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعبد الله بن عمرو وابن عباس ورجل من سليم ورجل خدم النبي ﷺ قال الحافظ: وفيه ممن لم يذكراه عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود ﵄ ومن مرسل سعيد بن جبير ومن مرسل عمرو بن مرة ومن مرسل من حديث سعيد بن أبي هلال وقد تقدمت أحاديث أبي أمامة ومعاذ بن أنس ورجل من في سليم ويأتي حديث عبد الله بن عمرو وحديث الرجل الذي خدم وحديث ابن مسعود، وأما حديث عبد الرحمن بن عوف فأخرجه البزار بسند لين ولفظه كان ﷺ يقول إذا فرغ من طعامه الحمد الله الذي أطعمنا وسقانا الحمد الله الذي أشبعنا وروانا الحمد الله الذي أنعم علينا فأفضل اللهم إنا نسألك برحمتك أن تجيرنا من النار، وأما حديث أبي موسى فأخرجه أبو يعلى بسند ضعيف ولفظه قال رسول الله ﷺ : "من أكل فشجع وشرب فروى" ثم قال: "الحمد الله الذي أطعمني وسقاني فأشبعني وأرواني" خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأما حديث الحارث بن الحارث الأزدي فأخرجه الطبراني في الكبير بسند واه ولفظه سمعت رسول الله ﷺ يقول بعد فراغه من طعامه: "اللهم لك الحمد أطعمت وسقيت فأشبعت ورويت ذلك الحمد غير مكفور ولا مستغنى عنك ربنا"، وأما حديث ابن عباس فخرجه الحافظ بسنده عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: خرج أبو بكر ﵁ بالهاجرة فسمع بذلك عمر ﵁ فخرج فقال: ما أخرجك يا أبا بكر هذه الساعة؟ فقال: والله ما أخرجني إلا ما أجد من حاق الجوع، فقال: والله ما أخرجني غيره فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله ﷺ فقال: "ما أخرجكما" قالا: ما نجد من حاق الجوع؟ قال: "وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني غيره فقدما وانطلقوا إلى بيت أبي أيوب الأنصاري" قال وكان أبو أيوب يدخر لرسول الله ﷺ طعامًا أو لبنًا فأبطأ رسول الله ﷺ يومئذٍ عن إتيانه في حينه فأطعمه أهله وانطلق إلى نخله يعمل فيه فلما أتوا بابه خرجت امرأته فقالت: مرحبًا، فقال لها: "وأين أبو أيوب؟ " قالت: يأتيك الساعة فرجع فبصر به أبو أيوب فجاء يشتد عدوًا فقال: مرحبًا برسول الله ﷺ وبمن معه فرده وجاء إلى عذق فقطعه فقال: ما أردت إلي هذا! قال: تأكل من
стр. 1752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بسره ورطبه وتمره ولأذبحن لك مع ذلك، فقال: لا تذبح
ذات در، فأخذ عناقًا فذبحه وقال لامرأته: اختبزي وأطبخ أنا فلما أنضج وضعه بين يدي رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ منه شيئًا فوضعه على رغيف، وقال: "يا أبا أيوب أبلغ بهذا فاطمة فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام" فلما أكلوا وشبعوا قال النبي ﷺ خبز ولحم وبسر ورطب وتمر ودمعت عيناه هذا هو النعيم الذي تسألن عنه يوم القيامة فكبر ذلك على أصحابه فقال: "إذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فقولوا بسم الله وببركة الله فإذا شبعتم فقولوا الحمد الله الذي أشبعنا وأروانا وأنعم علينا فأفضل" فإن هذا كفاف هذا وذكر بقية الحديث، قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث حسن فيه غرابة من وجهين أحدهما ذكر أبي أيوب والثاني ما في آخره من التسمية والحمد وقصة فاطمة والمشهور في هذا قصة أبي الهيثم بن التيهان وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق الفضل بن موسى قال: أخبرنا عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس وليست فيها هذه الزيادة ثم خرجه الحافظ بسند له عن يونس عن عكرمة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة فوجد أبا بكر الصديق جالسًا في المسجد فقال: "ما أخرجك هذه الساعة يا أبا بكر ﵁؟ " فقال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله فجاء عمر ﵁ فقال: "ما أخرجك يا عمر ﵁" فقال: أخرجني الذي أخرجكما قال فقعد يحدثنا ثم قال: هل بكما قوة فننطلق إلى هذا النخل وأومأ بيده إلى دور الأنصار فنصيب طعامًا وشرابًا وظلًا فقلنا: نعم، فانطلق رسول الله ﷺ وانطلقنا معه إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان فسلم رسول الله ﷺ ثلاثًا وأم الهيثم خلف الباب كل ذلك تسمع الكلام فلما أراد رسول الله ﷺ الانصراف خرجت أم الهيثم تسعى فقالت: يا رسول الله قد سمعت سلامك ولكن أردت أن نزداد من سلامك فقال لها: "خيرًا ودعا لها بخير" ثم قال: "أين أبو الهيثم؟ " قالت: هو قريب يأتي الساعة ذهب يستعذب لنا من الماء فلم نلبث أن جاء أبو الهيثم ومعه حمار عليه قربتان من ماء فوضع عن حماره وبسط لنا بساطًا تحت شجرة ثم صعد إلى نخلة فصرم أعذاقًا فقال له رسول الله ﷺ : "ما هذا يا أبا الهيثم؟ " قال: أردت أن تأكلوا من بسره ورطبه وتذنبوا به ثم ذهب ليذبح فقال له رسول الله ﷺ : "إياك واللبون اذبح لنا عناقًا" فأمر امرأته فعجنت عجينًا وقطع أبو الهيثم
стр. 1753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللحم فشوى وطبخ ووضعنا رؤوسنا فانتبهنا وقد أدرك الطعام فأكلنا وشربنا وحمدنا الله تعالى فقال ﷺ : "هذا من النعيم الذي تسألن عنه" ثم ذكر بقية الحديث، قال الحافظ: أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الأطعمة عن هلال بن بشر حدثنا أبو خلف عبد الله بن عميس عن يونس بن عبيد الخ وأخرجه أبو يعلى عن زكريا بن يحيى الخراز عن أبي خلف قال ابن صاعد في هذا الحديث عن عمر يعني أن ابن عباس لم يحضر القصة قال الحافظ: وهو كذلك فقد وقع في رواية زكريا المذكورة بالسند المذكور عن ابن عباس أنه سمع عمر يقول وساق الحديث بتمامه، وهكذا أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير عن أبي زرعة الرازي عن زكريا، قال الحافظ: وقصة أبي الهيثم هذه قد جاءت من رواية أخرى أطول من هذا من حديث أبي هريرة ﵁ أخرجها الترمذي من طريق أبي سلمة عند وليس فيه الحمد وقد أخرج الحاكم فيه من طريق أبي سلمة وزاد فيه كالذي هنا في حديث ابن عباس وزاد فيه عن ابن عمر نحوه وسيأتي قريبًا في باب الترحيب بالضيف من طريق الأشجعي عن أبي هريرة شبيه بأصل القصة باختصار لكن قال رجل من
الأنصار: لم يقل أبو الهيثم ولا أبو أيوب، وأما حديث علي ﵁ فأخرجه الحافظ بسنده إلى ابن أعبد قال: قال لي علي: أتدري ما حق الطعام؟ قلت: وما حق الطعام؟ قال: تقول بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا قال: وتدري ما شكر الطعام قلت: وما شكر الطعام؟ قال: تقول إذا فرغت: الحمد الله الذي أطعمنا وسقانا قال الحافظ: وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وابن أعبد لا يعرف اسمه وسماه بعضهم عليًّا ولا يصح، وأما حديث ابن عمر فقد ذكر مع حديث ابن عباس وأما حديث ابن مسعود وما بعده فسيأتي في آخر الباب، ثم قال: آخر الباب أما حديث عمرو بن مرة فقد ذكرته في حديث عبد الله بن عمرو أي الآتي من حديث ابن السني كان ﷺ إذا فرغ من الطعام يقول: الحمد الله الذي منَّ علينا الخ وحديث عمرو بن مرة شاهد كما سيأتي، وأما حديث سعيد بن جبير فأخرجه ابن أبي شيبة مقطوعًا ولفظه كان إذا فرغ من طعامه قال: اللهم أشبعت وأرويت ورزقت فأكثرت فزدنا وأما حديث سعيد بن أبي هلال فأخرجه ابن السني من طريق الليث عن سعيد عمن حدثه أن رسول الله ﷺ قال: من قال إذا فرغ من طعامه الحمد الله الذي أطعمني فأشبعني وسقاني فأرواني
стр. 1754
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بلا حول مني ولا قوة فقد أدى شكر ذلك الطعام ورجاله ثقات إلا أنه مرسل فيه مبهم أو معضل لأن سعيدا لم يسمع من صحابي وكان كثير الإرسال، قال ثم وقفت بعد ذلك على ما جاء عن نوفل بن معاوية وسيأتي في شواهد حديث ابن السني عن ابن مسعود آخر الباب وعن سلمان الفارسي أخرجه الطبراني في الكبير ولفظه كان إذا فرغ من طعامه قال الحمد الله الذي كفانا المؤنة ووسع علينا من الرزق وله شاهد موقوف عن الحسن البصري وغيره، وجاء في الباب عن سعد بن مسعود الثقفي قال: كان نوح إذا لبس ثوبًا أو أكل طعامًا قال: الحمد الله فسمي عبدًا شكورًا قال الحافظ بعد تخريجه من طريق أبي نعيم: موقوف حكمه الرفع وسنده قوي وله شاهد من حديث محمد بن كعب القرظي قال: كان نوح إذا أكل قال: الحمد الله وإذا شرب قال: الحمد الله وإذا ركب قال: الحمد الله فسمّاه الله عبدًا شكورًا أخرجه الحافظ من طريق ابن المبارك، وله شاهد أيضًا عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ قال: لم يأكل شيء قط إلا حمد الله ولا شرب شيء قط إلا حمد الله ولم يمس شيء قط إلا حمد الله فأثنى الله عليه أنه كان عبدًا شكورًا قال الحافظ بعد إيرادهما وتخريجهما: هذان موقوفان على هذين التابعيين وسند كل منهما قوي وقد جاء موقوفًا عن سلمان أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير وكذا ابن مردويه والحاكم في المستدرك كلهم من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان ولفظه كلفظ سعد يعني ابن مسعود قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين قال الحافظ: هو على قاعدته أن تفسير الصحابي له حكم المرفوع إذا كانت لا مجال للاجتهاد فيها لكن لها شرط آخر وهو أن لا يكون الصحابي أخذ عن أحد من أهل الكتاب وسلمان كان ممن أخذ لكن سعد لم ينقل عنه ذلك وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حكيم بن عمير أحد التابعين من أهل الشام قال: كان نوح إذا أكل قال: الحمد الله الذي أطعمني وقال في الشرب والقيام كذلك وفي آخره ولا يصنع شيئًا إلا قال: الحمد الله وقد جاء نحو ذلك مرفوعًا صريحًا أخرجه ابن مردويه من حديث أبي فاطمة الأزدي وهو صحابي معروف بكنيته لا يعرف اسمه قال: قال رسول الله ﷺ : "كان نوح ﵇
لا يحمل شيئًا صغيرًا أو كبيرًا إلا قال بسم الله والحمد الله فسمّاه الله عبدًا شكورا" وهو حديث غريب جدًّا وسنده ضعيف، قال الحافظ:
стр. 1755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجاء من طريق النضر بن شفي بمعجمة وفاء مصغر عن عمران بن سليم قال: كان نوح ﵇ إذا أكل الطعام قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني وإن شرب قال: الحمد الله الذي سقاني ولو شاء أظمأني وإذا لبس ثوبًا قال: الحمد الله الذي كساني ولو شاء أعرابي وإذا انتعل نعلًا قال: الحمد الله الذي حذاني ولو شاء أحفاني وإذا قضى حاجة قال: الحمد الله الذي أخرج عني أذاه ولو شاء لحبسه أخرجه ابن جرير في التفسير وأخرجه سعيد بن منصور وفي سنده ضعف، قال الحافظ: وجاء في الباب عن أبي جعفر الباقر قال: كان رسول الله ﷺ إذا شرب الماء قال: "الحمد الله الذي سقانا عذبًا فراتًا ولم يجعله ملحًا أجاجًا" حديث مرسل فجابر الجعفي الراوي عنه ضعيف والباقر يروي عن جابر فيؤخذ من هذا نوع لطيف من علوم الحديث الباقر عن جابر وعنه جابر الأدنى الجعفي والأعلى الصحابي وليس هذا في كتاب ابن الصلاح، وخرجه الحافظ عن باقر من طريق أخرى ولفظه الحمد الله الذي سقانا عذبًا فراتًا برحمته ولم يجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا فأفادت هذه الطريق زيادة ما ذكر في طرفي المتن وأخرج الحافظ مثل هذا اللفظ عن الحسن البصري موقوفًا عليه بسند حسن قال وهو يقوي الذي قبله، وجاء في الباب عن شهر بن حوشب أخرجه الحافظ بسنده إلى إسماعيل بن عياش قال: كان ابن أبي حسين المكي يقدمني فقال له أصحاب الحديث: إنك تؤثر هذا الغلام الشامي وتقدمه علينا فقال: إني أؤمل فيه وكان قد حدثهم عن شهر بن حوشب بحديث إذا جمع الطعام أربعة فقد كمل فسأله أن يحدثهم به فحدثهم ونسي الرابعة فقال لي: كيف كنت حدثتكم فقلت: حدثتنا عن شهر بن حوشب قال: إذا جمع الطعام أربعة فقد كمل يكون أصله حلالًا ويسمي الله في أوله ويحمده في آخره وتكثر عليه الأيدي فالتفت إلى أصحابه فقال: كيف رأيتم وأخرجه الحافظ من طريق أخرى بدون القصة ثم قال: هذا موقوف حسن إن كان الذي نقله عنه شهر بن حوشب صحابيًّا ثم يحتمل أن يكون مرفوعًا وإلا فهو مقطوع وقد تقدم خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي وهذا شاهد له، وجاء في الباب عن معاوية بن قرة أخرجه ابن أبي الدنيا من طريقه ولفظه من أكل طعامًا أو شرب شرابًا أو لبس لباسًا وقال: بسم الله والحمد الله غفر له ومعاوية هذا من ثقات التابعين وأبوه صحابي وابنه إياس بن معاوية القاضي المشهور بالذكاء
следующие страницы →