Полный текст (2 732 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
"أفضَلُ الذكْرِ لا إلهَ إلا اللهُ"
ــ
وكان أبوه يومئذٍ أحد النقباء وكان جابر من أصغر الصحابة سناً وآخرهم موتًا وكان من ساداتهم وفضلائهم المتحفين بحب رسول الله ﷺ استشهد أبوه يوم أحد وأخبر عنه ﷺ إن الله أحياه وكلمه كفاحاً وسأله أن يتمنى عليه فتمنى الرجعة إلى الدنيا ليستشهد مرة أخرى على يد جابر وبسببه معجزات طاهرة باهرة لرسول الله ﷺ كقصة أبيه وخبر بعيره وقصة الداجن يوم الخندق حيث كفتهن والشطر الشعير جميع أهل الخندق ببركته ﷺ وبقيت بقية روي له عن رسول الله ﷺ ألف حديث وخمسمائة وأربعون حديثاً اتفقا منها على ستين وانفرد البخاري بستة عشر ومسلم بمائة وستة وعشرين روى عنه بنوه وغيرهم توفي بالمدينة بعد أن كف بصره سنة ثلاث وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة وصلى عليه أبان بن عثمان وكان والي المدينة وجابر آخر الصحابة موتاً بالمدينة ﵃ أجمعين. قوله: (أَفْضَلُ الذكر لا إله إلاَّ الله) إن أريد بالذكر المصدر كان التقدير قول لا إله إلاَّ الله وإن أريد به الألفاظ التي وضعت للذكر لم يحتج لتقدير قال المظهري وإنما كانت أفضل الذكر لأن الإيمان لا يصح إلاّ بها وقال زين العرب أو بما في معناها والجمهور على الأول ولأنها كلمة التوحيد وكلمة الحق وكلمة الإخلاص كما سيأتي قال تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] أي دم على علم ذلك قال الرازي في أسرار التنزيل وقد ذكر الله تعالى كلمة التوحيد في سبعة وثلاثين موضعاً في التنزيل اهـ، ولأنها تؤثر تأثيراً بيناً في تطهير القلب عن كل وصف ذميم راسخ في باطن الذاكر وسببه أن لا إله نفي لجميع أفراد الآلهة وإلا الله إثبات للواحد الحق الواجب الوجود لذاته المنزه عن كل ما لا يليق بجلاله فبإدمان الذاكر لهذه ينعكس الذكر من لسان الذاكر إلى باطنه
стр. 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حتى يتمكن فيه فيصيبه ويصلحه ثم يضيء ويصلح سائر الجوارح ولذا أمر المريد وغيره بإكثارها والدوام عليها قال القرطبي في تفسير سورة الإسراء قال أبو الجوزي ليس شيء أطرد للشيطان من القلب من قول لا إله إلاَّ الله ثم تلا: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] اهـ، ثم الاسم الكريم بالرفع إما بدلاً مما قبل إلا أي لا إله لنا أو في الوجود إلاّ الله قال الفاكهاني في باب التيمم من شرح عمدة الأحكام أنكر بعض المتكلمين على النحاة في تقديرهم في الوجود وقال إن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة وأنها إذا نفيت مقيدة كان ذلك على سلب الماهية مع القيد وإذا نفيت غير مقيدة كان نفياً للحقيقة وإذا انتقت الحقيقة انتفت
مع كل قيد وإذا نفيت مع قيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر وفي هذا الإنكار عندي نظر فإن قولنا لا إله في الوجود إلاَّ الله يستلزم نفي كل إله غير الله قطعاً فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة لا مقيدة وقد قدره ابن عطية لا إله معبود أو موجود إلاَّ الله وهو قريب مما تقدم أو هو من حيث المعنى فلا معنى لهذا الإنكار وليت شعري ما معنى الإنكار وتقدير الخبر لا بد منه وإلا لأدى إلى خرم قاعدة عربية مجمع عليها اهـ، والمبدل منه قيل هو اسم لا باعتبار المحل إذ هو مبتدأ واعتبار لفظه متعذر لأن عمل لا إنما هو بسبب معنى النفي وقد أبطله كلمة إلا قال المحقق ابن كمال باشا في حاشيته على التلويع الاستثناء الواقع في كلمة التوحيد لا يجوز أن يكون مرفوعاً بأن يكون الخبر المحذوف عاماً كموجود أو في الوجود ويكون إلاَّ الله واقعاً موقعه كما وقع إلا زيد موقع الفاعل في نحو ما جاءني إلا زيد لأن المعنى على نفي الوجود عن إله سوى الله تعالى وهو إنما يحصل إذا جعل الاستثناء بدلاً من اسم لا على المحل إذ حينئذٍ يقع الاستثناء موقع اسم لا فيكون خبراً له فينتفي الوجود عن إله سوى الله سبحانه كما
стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هو المطلوب لا على نفي مغايرة الله تعالى عن كل إله وهو الذي يفيده الاستثناء المفرغ لأنه لما قام مقام الخبر كان القصد إلى نفيه كالخبر فيفيد نفي مغايرته تعالى عن كل إله ويحصل به التوحيد كما لا يخفى اهـ. وقيل هو الضمير المستكن في الخبر المقدر وقرب بأن فيه الإبدال من الأقرب وهو أولى من الأبعد وبأنه لا داعية إلى الاتباع باعتبار المحل مع إمكانه باعتبار اللفظ وأما خبراً مبتدؤه اسم لا واستظهره ناظر الجيش ونقله عن جماعة لكن ضعف بأنه يلزم عمل لا في المعارف لكون الاسم الكريم أعرف المعارف خبرها واتحاد المستثنى والمستثنى منه وذلك ممنوع لفقد المقصود بالاستثناء معه وبالإخبار بالاسم الخاص وهو الاسم الكريم عن العام والخاص لا يكون خبراً عن العام لا يقال الحيوان إنسان وأجيب بأن جعله خبراً عن المبتدأ مبني على مذهب سيبويه أنه لا عمل للا في الخبر حال تركب لا مع اسمها بل الخبر مرفوع بما كان مرفوعاً به قبل دخولها وعلله بأنها ضعفت حين ركبت وصارت كجزء كلمة وجزء الكلمة لا عمل له ومقتضى هذا بطلان عملها في الاسم أيضاً لكن أبقي في أقرب المعمولين لقربه وجعلت مع معمولها بمنزلة المبتدأ والخبر بعدها على ما كان عليه قبل دخول لا فلا يلزم عملها في المعارف ودعوى اتحاد المستثنى والمستثنى منه مبنية على كون المستثنى منه اسم لا ونحن نمنع ذلك بل نقول الاسم الكريم خبر والمستثنى منه محذوف لأنه استثناء مفرغ والاستثناء المفرغ يكون المستثنى منه محذوفاً نعم الاستثناء من شيء مقدر لصحة المعنى ولا اعتبار بذلك المقدر لفظاً ولا خلاف يعلم في نحو ما جاءني إلا زيد إن زيداً فاعل مع أنه مستثنى من مقدر في المعنى والتقدير ما جاءني أحد إلا زيد فلا منافاة بين كونه خبراً ومستثنى من مقدر إذ جعله خبراً منظور فيه للفظ ومستثنى منظور فيه للمعنى قال بعض المحققين في قوله لا خلاف يعلم إلخ، نظر ظاهر فقد صرح غير واحد منهم ابن هشام بأن إطلاق الفاعل على ما بعد إلا في نحو ما ذكر مجاز
стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والصواب إن الفاعل هو المحذوف وإن ما بعد إلا بدل منه فلذا كان الأرجح تذكير الفعل إذا كان الفاعل مؤنثًا حقيقياً واقعاً بعد إلا قال لأن الفاعل مذكر محذوف وما بعد إلا بدل منه اهـ، وكون الإخبار بخاص عن عام لا يجوز مسلم لكن ما نحن فيه لم يخبر بخاص عن
عام لأن العام منفي والكلام إنما سيق لنفي العموم وتخصيص الخبر المذكور بواحد من إفراد ما دل عليه اللفظ العام وأما جعل الجرجاني لا فيه بمعنى ليس أي وإله مرفوع وإلا صفة بمعنى غير هي مع الاسم بعدها صفة لاسم لا باعتبار لفظه فيمنعه من جهة الصناعة إن لا بمعنى ليس لا تعمل في المعارف على الصحيح وأما قول الشاعر:
وحلت سواد القلب لا أنا باغيا ... سواها ولا في حبها متراخيا
فمؤول بأن الأصل لا أراني فحذف العامل فانفصل الضمير وقول المتنبي:
إذا المال لم يكسب جميلا من الثنا ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
لحن وبما ذكر يعلم ما في قول ناظر الجيش في شرح التسهيل أنه ليس مانع يمنعه من جهة العربية وإنما يمتنع من جهة المعني وذلك لأن المقصود من هذا الكلام نفي الإلهية عن غير الله تعالى أو إثباتها له ولا يفيده التركيب حينئذٍ نعم يفيده بالمفهوم وأين هو من المنطوق على إن هذا المفهوم إن كان لقباً فهو غير حجة خلافاً للدقاق وبعض الحنابلة أو صفة ففي حجيته خلاف وأعرب لا إله في موضع الخبر وإلاَّ الله في موضع المبتدأ وعزى للزمخشري وضعف بأنه يلزمه إن خبر لا النافية للجنس يبني معها وهي لا يبني معها إلا اسمها ولو كان كذلك لما جاز نصبه وأعربه بعضهم فجعل إلاّ الله فاعلا لا له مغن عن الخبر كما يرفع بالصفة نحو أقائم زيد وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب نصب اسم لا وتنوينه لكونه شبيهاً بالمضاف والجواب عنه بأن بعض النحاة يجيز حذف التنوين في مثله وجعل منه نحو قوله تعالى: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الأنفال: ٤٨] نظر فيه بأن الذي يجيز حذف التنوين في مثل ذلك يجيز إثباته ولا يعلم أحد أجاز التنوين في لا إله إلاَّ الله
стр. 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجوز بعضهم في الاسم الكريم النصب وخرجه على وجوه معترضة وسيأتي باب التشهد تلخيص ما هنا مع زيادة عليه.
فائدة
قال بعض العلماء لهذه الكلمة أسماء الأول كلمة التوحيد فإنها تدل على نفي الشريك على الإطلاق لأن لا لنفي الجنس نصاً ومعها يذهب احتمال وجود إله آخر بخلاف الإله واحد فإنه ليس في العبارة ما ينفي احتمال خطور إله آخر بالبال والثاني كلمة الإخلاص كان معروف الكرخي يقول يا نفس أخلصي لتخلصي ثم التحقيق فيه أن كل شيء متصور أن يشوبه غيره إذا صفا يسمى خالصاً وفي الحرز كلمة الإخلاص مجموع الشهادتين وسميت بذلك لكونها لا يكوِن سبباً للخلاص إلاَّ مع الإخلاص اهـ، والثالث كلمة الإحسان قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] قال المفسرون هل جزاء الإيمان أي وذلك إنما يكون بالكلمة المذكورة لمن تمكن من النطق الرابع دعوة الحق وقال ابن عباس هو قول لا إله إلاَّ الله الخامس كلمة العدل قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] قال ابن عباس العدل شهادة أن لا إله إلاَّ الله السادس الطيب من القول قال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ﴾ [الحج: ٢٤] السابع الكلمة الطيبة قال تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] الآية الثامن الكلمة الثابتة قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] التاسع
كلمة التقوى قال تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] العاشر الكلمة الباقية قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] أي قول لا إله إلاَّ الله الحادي عشر كلمة الله العليا الثاني عشر المثل الأعلى الثالث عشر كلمة السواء قال تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية الرابع عشر كلمة النجاة الخامس عشر العهد قال تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] السادس عشر كلمة الاستقامة السابع عشر مقاليد السماوات والأرض الثامن عشر القول السديد التاسع عشر البر العشرون الدين قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] الحادي والعشرون الصراط المستقيم الثاني والعشرون كلمة الحق قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] يعني قول لا إله إلاَّ الله الثالث والعشرون العروة
стр. 216
قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا في "صحيح البخاري" عن أبي موسى الأشعري ﵁
ــ
الوثقى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] أي بلا إله إلاَّ الله التي هي حصن الحق الرابع والعشرون كلمة الصدق قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣] أي قول لا إله إلاَّ الله (وصدق به) اهـ. قوله: (قَالَ الترمذي حديث حسن إلخ) عبارته حديث حسن غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث موسى يعني ابن إبراهيم المدني وقد روى علي بن المديني هذا الحديث عن موسى قال الحافظ وذكرت جماعة من رواه عنه ولم أقف في موسى على تجريح ولا تعديل إلاَّ إن ابن حبان ذكره في الثقات وقال يخطئ وهذا عجب منه لأن موسى مقل فإذا كان يخطئ مع قلة روايته كيف يوثق ويصحح حديثه ولعل من صححه أو حسنه تسمح لكونه في فضائل الأعمال اهـ. قوله: (في صَحيح البخاري) كذا اقتصر المصنف على عزو تخريجه إلى البخاري فقط وقد عزاه إلى تخريج الصحيحين غير واحد منهم صاحب المشكاة والحسن وغيرهما والأحسن ما فعله المصنف لأن الحديث بهذا اللفظ لم يخرجه إلا البخاري وأما مسلم فلفظ روايته البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت وقد أحسن صاحب السلاح حيث نبه على ذلك بقوله بعد إيراده متفق عليه ولفظ مسلم البيت الخ اهـ، فنبه على إن الاتفاق على رواية هذا المعنى لا بخصوص هذا المبنى وقال الحافظ بعد إيراده باللفظ الذي عند مسلم من طرق ما لفظه اتفق من ذكرنا على أن التمثيل وقع بالبيت إلاَّ البخاري فإن لفظه مثل الذي يذكر الله ربه إلخ، وكأن لهذا اقتصر المصنف على عزو الحديث للبخاري والذي أظن أنه حديث واحد وإن البخاري كتبه من حفظه فأقام الحال مقام المحل والعلم عند الله والله أعلم. قوله: (عن أبي موسى الأشعري) هو عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري قدم أبو موسى على النبي ﷺ بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم هاجر وقدم مع النبي جعفر وأصحاب السفينة بعد خيبر وأسهم
стр. 217
عن النبي ﷺ
"مَثَلُ الذِي يَذْكُرُ ربهُ والذي لا يَذْكُرُهُ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ".
وروينا في "صحيح مسلم"
ــ
لهم النبي ﷺ منها كمن حضرها وقال لهم لكم أصحاب السفينة هجرتان وكان لأبي موسى ثلاث هجر إلى مكة ثم إلى الحبشة ثم إلى المدينة واستعمله النبي ﷺ على زبيد وعدن وساحل اليمن كما استعمل معاذ بن جبل على الجند وجبالها وخالد بن سعيد على صنعاء والمهاجر بن أمية على كندة وزياد بن أمية على حضرموت وكان النبي ﷺ يكرمه ويبجله وقال له أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود ولاه الولايات وله الأثر العظيم في يوم أوطاس وافتتح الأهواز وأصبهان وعدة أمصار في خلافة عمر ومضت أحواله من
أولها إلى آخرها على الاستقامة ولما قرب موته زاد اجتهاده فقيل له في ذلك فقال الخيل إذا قاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها والذي معي من أجلي أقل من ذلك روي لأبي موسى عن رسول الله ﷺ ثلاثمائة وستون حديث اتفقا منها على تسعة وأربعين وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة عشر روى عنه جميع أهل المسانيد والسنن توفي بمكة وقيل بالكوفة سنة اثنتين أو أربع وثلاثين عن ستين سنة. قوله: (مثلُ الذِي يذْكر رَبَه إلخ) مثل الشيء صفته ذكره الجوهري وهو المراد هنا والقصد من ضرب الأمثال التقريب إلى ذهن السامع وقد شبه ﷺ الذاكر بالحي الذي ظاهره مزين بنور الحياة الحسية والتصرف التام في مراده وباطنه منور بنور المعرفة وغير الذاكر بالميت في فساد ظاهره وكونه عرضة للهوام وباطنه بتعطله عن الإدراك والإفهام فالذاكر ظاهره مزين بحلية الشريعة وباطنه على بعقود الحقيقة وغير الذاكر عاطل الجيد خال عن كل حسن مجيد وقيل شبه بالحي في نفع من يواليه وإضرار من يعاديه والميت في خلوه من ذلك. قوله: (في صحيح مسلم) أورده كذلك المنذري في الترغيب ثم قال وزاد من حديث أبي مالك الأشجعي وعافني وفي رواية قال فإن هؤلاء تجمع
стр. 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لك خير دنياك وآخرتك وسيأتي الحديث بهذين اللفظين في باب جامع الدعوات وعلى هاتين الروايتين يحيل كلام المنذري ويعلم إن راوي فإن هؤلاء إلخ، هو أبو مالك وأورده من حديث سعد بن أبي وقاص كما أورده المصنف هنا ثم قال قال موسى يعني الجهني أما عافني فأنا أتوهم وما أدري وعلى هذا يحيل كلام المشكاة والسلاح والله أعلم وسيأتي حديث سعد هذا وحديث طارق المذكور قبله في باب جامع الدعوات قال الحافظ ووقع لي من وجه آخر عن موسى الجهني إثباتها فساقه وفيه وعافني ثم قال الطبراني هذا لفظ يحيى القطان يعني أحد الرواة عن موسى والآخرون نحوه قال الحافظ والقطان من جبال الحفظ فكأن موسى جزم بها لما حدثه وتردد فيها لما حدث ابن نمير وحذفها لما حدث غيرهما والله أعلم وقال السخاوي رواه عن موسى بدون قوله وعافني أبو نعيم في المستخرج من حديث جعفر ابن عون عنه وأخرجه البيهقي في الدعوات من طريق جعفر بن عون ويعلى كلاهما عن موسى بإثباتها
وقد روى حديث سعد أبو عوانة وأبو نعيم في المستخرج اهـ، وهذا الاختلاف على موسى بأنها في حديث سعد ﵁ لأنه رواه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال الحافظ ووقع عند مسلم اختلاف في ثبوتها وحذفها في حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه ثم أخرجه الحافظ بسنده إلى أبي مالك واسمه سعد بن طارق عن أبيه واسمه طارق بن أشيم قال سمع النبي ﷺ يقول إذ أتاه إنسان فقال علمني ما أقول قال قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني ويقول بأصابعه الأربع وقبض كفه غير الإبهام ويقول هؤلاء يجمعن لك دنياك وآخرتك قال الحافظ حديث صحيح أخرجه مسلم هكذا في رواية وقال في أخرى عافني بدل ارزقني وأثبت الخمسة في رواية قلت وكأن نسخ مسلم مختلفة قال الحافظ ولأصل الحديث شاهد من حديث عبد الله بن أبي أوفى وفيه ذكر وعافني وهو حديث حسن أخرجه أبو داود وأخرجه عنه من طرق أخرى النسائي وابن خزيمة والدارقطني والحاكم بأسانيد متعددة مدارها على إبراهيم السكسكي يعني الراوي عن ابن أبي أوفى قال النسائي وليس بالقوي قال الحافظ فكأنهم صححوه لشواهد اهـ. قوله: (عَنْ سَعْدِ بنِ أَبي وقاصِ ﵁ اسم أبي وقاص مالك وسعد هذا هو سعد بن مالك بن أبي وقاص بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري المكي كان رابعاً أو ثالثاً في الإسلام وسبب إسلامه ما رآه من القمر وسبقه إليه أبو بكر وعلي وزيد بن حارثة فلما استيقظ أسلم وأسلم أخواه لأبويه عامر وعمير وكان من المهاجرين الأولين وشهد بدرا وما
стр. 219
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "جاءَ
ــ
لك دنياك وآخرتك رواه مسلم وفاعل زاد مسلم وجاز عود الضمير عليه وإن تأخر لفظه لتقدم مرتبته وأوضح ذلك في المشكاة فأورده من تخريج مسلم بقوله اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني وعافني شك الراوي في عافني قال شارحها ابن حجر أي شك هل هو كلام النبي ﷺ أو لا فيؤتى به احتياطًا رعاية احتمال أنه ﷺ قاله اهـ، وفي السلاح بعد ذكره وعافني قال ابن نمير قال موسى أما عافني فأنا أتوهم وما أدري اهـ، لكن ظاهر صنيع المنذري أنه زاد هذا اللفظ من حديث مالك من غير شك فيه إلاَّ أنه انفرد بإلحاقه بالخبر أبو مالك وظاهر كلام المشكاة خلافه ثم راجعت صحيح مسلم فرأيته موافقاً لما فيها فإنه أورد لفظ وعافني في الخبر مجزوماً به من طريقين منتهيين إلى أبي مالك الأشجعي الأولى لفظها عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه كان الرجل إذا اسم علمه النبي ﷺ الصلاة ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني والثانية لفظها أنه أي إياه سمع النبي ﷺ وأتاه رجل فقال يا رسول الله كيف أقول حين أسأل ربي قال قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني ويجمع أصابعه إلاَّ الإبهام قال فإن هؤلاء تجمع
стр. 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعدها وكان يقال له فارس الإسلام وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة وأحد السبعة السابقين وأحد الستة أصحاب الشورى وكان يحرس النبي ﷺ في مغازيه وجمع له النبي ﷺ أبويه فقال فداك أبي وأمي أيها الغلام الحزور اللهم سدد رميته وأجب دعوته ثم قال هذا خالي فليأت كل رجل بخاله وفي الصحيحين عن علي رضي الله تعالى عنه ما سمعت رسول الله ﷺ جمع أبويه لأحد إلاّ لسعد بن مالك سمعته يقول له يوم أحد ارم فداك أبي وأمي وفي صحيح مسلم عن الزبير قال أما والله لقد جمع لي رسول الله ﷺ يومئذٍ أي يوم الخندق أبويه فقال فداك أبي وأمي قال القرطبي في المفهم وهذا يدل على إن النبي ﷺ جمع أبويه لغير سعد بن أبي وقاص وحينئذٍ يشكل بما رواه الترمذي من قول علي إن رسول الله ﷺ ما جمع أبويه لأحد إلاَّ لسعد قال له يوم أحد ارم فداك أبي وأمي ويرتفع الإشكال بأن يقال إن علياً أخبر بما في علمه ويحتمل إن يريد أنه لم يقل ذلك في يوم أحد لأحد غيره اهـ، وفيه أمور "الأول" تخريجه الحديث عن الترمذي مع أنه من أحاديث الصحيح كما تقدم "الثاني" قوله في الاحتمال أنه لم يقله في أحد لأحد غيره يعارضه ما رواه ابن ماجة عن عبد الله بن الزبير عن الزبير ﵁ قال لقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد "لا يقال" حديث الصحيح إن الجمع للزبير إنما كان يوم الخندق فيقدم على حديث ابن ماجة فيتم الاحتمال "لأنا نقول" إنما يعدل إلى التقديم عند التعارض عند عدم إمكان الجمع وإلَّا كما هنا فيعمل به ووجه الجمع إمكان تعدد الجمع له أي جمع النبي ﷺ أبويه للزبير ﵁ فمرة بأحد وهو ما في ابن ماجة ومرة بالخندق وهو ما في مسلم ومنه يعلم أن على جوابه الأول المعول والله أعلم، وفي فتح الباري أخرج
стр. 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن أبي عاصم من حديث ابن عمران النبي ﷺ قال لفاطمة فداك أبوك وأخرج من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ
قال لأصحابه فداكم أبي وأمي ومن حديث أنس أنه قال مثل ذلك للأنصار اهـ، ومنه يعلم أن ما تقدم عن علي ﵁ بحسب علمه كما يدل عليه قوله ما سمعت إلخ، ودعا له النبي ﷺ بالشفاء من جرح به فشفي وشهد له بالجنة وبالشهادة وهو أول من أراق دماً في الإسلام وأول من رمى بسهم في سبيل الله شهد فتح مدائن كسرى بالعراق في خلافة عمر وبنى الكوفة ووليها فشكاه أهلها فعزله عنهم وبعث رجالاً يسألونهم فانتدب لشكواه أبو سعد وقال أنه لا يسير بالسرية ولا يعدل في القضية ولا يقسم بالسوية والقصة ذكرها المصنف في باب جواز دعاء المظلوم على ظالمه وقال عمر ﵁ إن أصابت الإمارة سعداً فذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة واعتزل الفتن بعد موت عثمان ونزل فيه وبسببه آيات من القرآن منها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] وهو من الجماعة الذين نزل في شأنهم: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] وأخباره في الشجاعة والشدة في دين الله واتباع السنة والزهد والورع وإجابة الدعوة والصدق والتواضع كثيرة روي له مائتان وسبعون حديثاً انفقا منها على خمسة عشر وانفرد البخاري بخمسة عشر ومسلم بثمانية عشر روى عنه ابنا عمر وعباس وجابر بن سمرة وآخرون توفي في قصره بالعقيق على تسعة أميال من المدينة وحمل على أعناق الرجال إلى المدينة وصلى عليه والي المدينة مروان بن الحكم وأزواجه ﷺ قيل وكان آخر المهاجرين موتاً بالمدينة وقيل آخرهم موتاً بها جابر بن عبد الله ولما حضرته الوفاة دعا بخلق جبة له من صوف فقال كفنوني فيها فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر وكنت أخبؤها لهذا اليوم وكانت وفاته سنة ثمان أو خمس وخمسين وله بضع وستون أو وسبعون أو وثمانون أو
стр. 222
أعرابي
إلى رسول الله ﷺ فقال: علمني كلاماً أقوله، قالَ: قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، والحَمْدُ لِلَهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ رَب العالمِينَ، لا حَوْلَ وَلا قُوَةَ إلاَّ بِاللهِ
ــ
وتسعون سنة. قوله: (أعرابي) منسوب إلى الأعراب سكان البادية وسيأتي في باب المساجد مزيد كلام في الأعرابي وتحقيق الفرق بينه وبين العربي. قوله: (عَلّمْني كلاماً) فيه إطلاق الكلام على الذكر وعدم حنث من حلف لا يتكلم فذكر لأن مبني الإيمان على العرف وهم لا يعدون منه الذكر. قوله: (كَبيراً) قال القاضي عياض ينصب عند النحاة بفعل مضمر دل عليه ما قبله كأنه قيل كبرت أو ذكرت كبيراً أو نحو ذلك وقيل على التمييز وقيل على القطع اهـ، واقتصر القرطبي على نقل كونه مفعولاً مطلقًا وزاد ابن حجر في شرح المشكاة كونه حالاً مؤكدة نحو زيد أبوك عطوفاً وعلى كونه حالاً أو تمييزاً فالعامل افعل التفضيل وعلى كونه مفعولاً فالعامل فعل مدلول عليه بأفعل. قوله: (رَب العالمين) في النهاية الرب يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبر والمربي والمتمم والمنعم ولا يطلق غير مضاف إلاّ على الله تعالى وإذا أطلق على غيره أضيف فيقال رب كذا وقد جاء في الشعر مطلقاً على غير الله تعالى وليس بالكثير اهـ، وفي الفتح المبين وقول الجاهلية للملك من الناس الرب من كفرهم ويطلق أيضاً على الصاحب والثابت ثم قيل هو صفة فعلية وزنه فعل وقيل فاعل أي رأيت وحذفت ألفه لكثرة الاستعمال ورد بأنه خلاف الأصل وقيل هو مصدر بمعنى فاعل كعدل وظاهر أن المعاني المذكورة تتأتى في هذا المقام والعالمين بفتح اللام اسم جمع لعالم على الصحيح لا جمع له لعموم المفرد إذ
هو اسم لما سوى الله تعالى من سائر الأجناس فيخرج صفات ذاته إذ هي ليست غيره نظراً لاستحالة الانفكاك ولا عينه نظراً للمفهوم
стр. 223
العَزِيزِ
الحكيمِ، قال:
ــ
وخصوص العالمين إذ هو مخصوص بذي العقل من أنس وملك وجن والمفرد منه مع الجمع لا يكون كذلك ولذا منع سيبويه كون الإعراب الخاص بسكان البادية جمعا لعرب الشامل له ولسكان الحاضرة لئلا يكون المفرد أوسع دلالة من الجمع وهو ممنوع وقد اختلف في عدة العوالم على أقوال عديدة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأل في العالمين للاستغراق ثم قيل العالم مشتق من العلم فيختص بذويه ما سبق وقيل من العلامة لأنه علامة على موجده وأنه متصف بصفات الكمال. قوله: (العزيز الحكيم) هذان الاسمان هما الواردان في ختم الحوقلة دون ما اشتهر في ألسنة كثير من ختمها بالعلي العظيم لكن في بعض نسخ الحصن الحصين رواية ختمها بالعلي العظيم فلعله رواية أخرى قاله ابن حجر في شرح خطبة كتابه المشكاة وكلامه في الحوقلة من حيث هي وأما حديث سعد المذكور فإنه من أفراد مسلم كما صرح به صاحب السلاح ويؤخذ من اقتصار المنذري على عزو تخريجه إليه وليس فيه إلاَّ ختمها بالعزيز الحكيم، والختم بها أنسب لأن العزيز من لا يغالب أمره ولا حول ولا قوة معه ومع ذلك فهو حكيم يضع الشيء موضعه على مقتضى الحكمة بمحض الفضل والإحسان وفي شرح هذا الحديث من المشكاة ما لفظه وختم الحوقلة بهما لوروده في هذه الرواية الصحيحة سيما رواية مسلم أولى من ختمها بالعلي العظيم وإن كان قد اشتهر لكن قوله لا سيما فيه إيهام إن الحديث روي عند غير مسلم وليس بمسلم لما تقدم نعم في المرقاة في الكلام على هذا الحديث ما لفظه وجاء في رواية البزار بلفظ العلي العظيم قال الحافظ ورواه البزار من حديث موسى الجهني يعني الراوي لحديث مسلم عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ اهـ. قال في المرقاة
стр. 224
فهؤلاء لربي فما لي؟ قال: قُل اللهُم
ــ
وإن لم يرد في الصحيح قال الطيبي لم يرد ذلك في أكثر الروايات إلاَّ عن الإمام أحمد فإنه أردفها بقوله العلي العظيم اهـ، ومراد السلاح بكونه من إفراد مسلم بالنسبة لباقي الستة وقول ابن حجر فلعله رواية أخرى هو كذلك فقد روى الترمذي والنسائي وقال الترمذي واللفظ له حديث حسن عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ما على وجه الأرض أحد يقول لا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم إلَّا كفرت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر، كذا في السلاح وفي الترغيب للمنذري عن أبي هريرة ﵁ قال أنه سمع النبي ﷺ يقول من قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلَّا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم قال الله تعالى أسلم عبدي واستسلم، رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد. قوله: (فَهَؤُلاء لربي) أي حق له تعالى إذ هي موضوعة للدلالة على أوصافه الأزلية الأبدية من صفات الجلال ونعوت الكمال والتنزه عن النقص بحال. قوله: (فَمَا لي) أي ما الذي أذكره مما أرجو حصول مدلوله لي. قوله: (اللهمَّ) قال ابن السيد لا خلاف إن المراد باللهم يا الله وإن الميم زائدة ليست بأصل الكلمة ثم اختلفوا بعد ذلك في هذه الميم على ثلاثة مذاهب فذهب سيبويه والبصريون إلى أنها زيدت في الآخر عوضًا عن حرف النداء ولهذا لا يجمع بينهما لما فيه من الجمع بين العوض والمعوض وشذ قول الشاعر:
* إني إذا ما حدث ألما ... أقول يا للهم يا للهما*
والمنع من الجمع بين حرف النداء والميم إنما هو على مذهب من ذكر كما صرح به أبو حيان في النهر، وذهب الكوفيون إلى إن الميم عوض عن جملة محذوفة والتقدير يا الله أمنا بخير أي أقصدنا ثم حذف للاختصار ولكثرة الاستعمال قال القاضي البيضاوي فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته اهـ، ورد بعدم اطراد هذا القدر في أكثر المواضع في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]، الآية ولو
стр. 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان الميم من أمنا لما احتاج الشرط إلى جواب لأن الفعل حينئذٍ وهو أمنا يكون الجواب تاليا إن وذهب آخرون إلى إن الميم زائدة للتعظيم والتفخيم لدلالتها على معنى الجمع كما زيدت في زرقم لشدة الزرقة وابنم في الابن قال ابن السيد وهذا غير خارج عن مذهب سيبويه لأنه لا يمنع أن يكون للتعظيم وإن كانت عوضاً من حرف النداء كما إن التاء في قولنا تالله بدل من الباء وفيها زيادة معنى التعجب قال وهذا القول أحسن الأقوال، وذكر ابن ظفر في شرح المقامات إن الله اسم للذات والميم للصفات التسعة والتسعين فجمع بينهما إيذاناً بالسؤال بجميع أسمائه وصفاته وقواه بعضهم واحتج بقول الحسن البصري: اللهم مجمع الدعاء، وقول النضر بن شميل من قال اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه وصفاته وكأنه قال يا الله الذي له الأسماء الحسنى ولذا قيل له أنه الاسم الأعظم كذا في شرح الزركشي على جمع الجوامع ووجه بعضهم كلام ابن ظفر أيضاً بأن الميم هنا بمنزلة الواو الدالة على الجمع فإنها من مخرجها فكأن الداعي يقول يا الله الذي اجتمعت له الأسماء الحسنى والصفات العلا قال ولذا شددت لتكون عوضاً عن علامتي الجمع الواو والنون في مسلمون ونحوه واختير الإتيان به في الأدعية كثيراً بل لم يأت التنزيل إلي به عن الإتيان بالجلالة مقروناً بيا لأن يا موضوعة للبعيد وهو سبحانه أقرب للإنسان من حبل الوريد قرب علم لا قرب مسافة وتحديد قال ابن عطية أجمعوا على أنها يعني اللهم مضمومة الهاء مشددة الميم مفتوحة وأنها منادى قال أبو حيان في النهر وما نقله من الإجماع على تشديد الميم قد نقل الفراء تخفيفها في بعض اللغات قال وأنشدني عليه بعضهم:
*كحلقة من أبي رياح ... يسمعها اللهم الكبار*
قال الراد عليه وتخفيف الميم خطأ فاحش عند الفراء لأنها عنده هي التي في أمنا وهي التي لا تحتمل التخفيف قال والرواية الصحيحة لاهة كبار اهـ، وإن صح هذا
стр. 226
اغْفِرْ لي وَارحَمني وَاهْدِني وَارْزُقني".
وروينا في "صحيح مسلم" عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ
ــ
البيت كان فيه شذوذ آخر من حيث استعماله في غير النداء إذ هو فيه فاعل بالفعل قبله اهـ، كلام النهر، وفي شرح الخلاصة للمرادي شذ حذف أل منه كقوله:
لا هم إن كنت قبلت حجج
وهو في الشعر كثير ولا يستعمل إلا في النداء وشذ استعماله في غير النداء كما في الارتشاف وفي جواز وصفه خلاف منعه سيبويه والخليل وأجازه المبرد والزجاج وفي النهاية تستعمل اللهم على ثلاثة أنحاء إن يراد بها النداء المحض نحو اللهم توفنا مسلمين وإن يذكره المجيب تمكيناً للجواب في نفس السامع يقول لك القائل أزيد قائم فتقول اللهم نعم وإن يؤتى به للدلالة على الندرة وقلة وقوع المذكور نحو أنا لا أزورك اللهم إذا لم تدعني إذ وقوع الزيارة مقروناً بعدم الدعاء قليل اهـ. قوله:
(اغفرْ لي) أي جميع الذنوب فالكريم وهاب وليس هذا من باب التكفير بصالح الأعمال فيقيد بالصغائر بل من السؤال فالمسؤول تكفير كل ذنوبه صغيرة وكبيرة ويشهد للتعميم حذف المعمول. قوله: (وارْحَمني) أي بتوالي نعمك. قوله: (وَاهدني) بالدلالة والإيصال لما فيه الصلاح والنجاح في الحال والمآل. قوله: (وارْزقني) أي ارزقني ما أستعين به على القيام بالتكاليف المطلوبة مني وأستغني به عن سواك وأنفق منه في طرق رضاك وما أحسن قول إمامنا الشافعي ﵁:
يا لهف قلبي على مال أفرقه ... على المقلين من أهل المروءآت
ان اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي من أجلى المصيبات
وفي الحديث إن سؤال ما يقيم الحال ويغني عن الغير من الرزق الحلال لا ذم فيه بحال. قوله: (وروينا في صحيح مُسْلم) ورواه الترمذي والنسائي وابن حبان أيضاً وقال الترمذي حسن صحيح وروايتهم وتحط بالواو من غير ألف قبلها كما
стр. 227
فقال: "أيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يَكْسِبَ في كُل يَوْم ألفَ حَسَنَةٍ؟ فسأله سائل من
جلسائه: كيفَ يكسب ألف حسنة؟ قال: يُسَبِّحُ مائَةَ تَسْبِيحَة فَتُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أوْ تُحَطَّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَة". قال الإمام الحافظ أبو عبد الله
ــ
في الترغيب للمنذري والسلاح وقال الحافظ رواية شعبة عن أحمد والنسائي بالواو كما قال البرقاني إن شعبة وغيره رووه عن موسى الجهني بالواو وهو عند أحمد عن عبد الله بن نمير ويعلى بن عبيد ويحيى القطان في موضعين أحدهما بلفظ ويمحى عنه ألف سيئة والثاني باللفظ الذي ذكره مسلم اهـ. قوله: (أيَعجِزُ أحدكم) بكسر الجيم وتفتح من العجز وهو الضعف والفعل كضرب وسمع على ما في القاموس قيل اقتصار ابن الجوزي في مفتاح الحصين في حديث "لا يعجزوا في الدعاء" على قوله بكسر الجيم في المستقبل وفتحها في الماضي مبني على الرواية وهي لا تنافي جواز الفتح لغة أو على كونه أفصح لوروده في قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] قال القاضي عياض في المشارق وقد قيل في الماضي بكسر الجيم والفتح أعرف اهـ، وفي أوائل شرح مسلم للمصنف يقال عجز بفتح الجيم يعجز بكسرها هذه هي اللغة الفصحى المشهورة وبها جاء القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ ويقال عجز يعجز بكسرها في الماضي وفتحها في المضارع حكاه الأصمعي وغيره والعجز في كلام العرب ألا يقدر على ما يريد وأنا عاجز وعجز اهـ، وأحد هنا بمعنى واحد لا بمعنى أحد التي للعموم لأن ذلك إنما يستعمل في النفي نحو لا أحد في الدار أصله وحد قلبت واوه المفتوحة همزة على غير قياس بخلاف المضمومة كوجوه وأوجه فإنه قياسي والمكسورة كوسادة وإسادة قيل سماعي وقيل قيامي. قوله: (فَيكتب لَهُ ألفُ حَسنةَ) هذا أقل مراتب
стр. 228
الحميدي: كذا هو في كتاب مسلم في جميع
الروايات: "أو تُحَطُّ" قال البرقاني: ورواه شعبة وأبو عوانة ويحيى القطان عن موسى الذي رواه مسلم من جهته، فقالوا: "وتحَط" بغير ألف.
ــ
المضاعفة قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وأما نهاية المضاعفة فلا يعلمها إلاَّ واهبها قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. قوله: (الحميدي) بحاء مضمومة فميم مفتوحة فتحتية ساكنة فدال مهملة بعدها ياء النسب منسوب لجده حميد الأعلى والحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين وغيره ومن شعره:
لقاء الناس ليس يفيد شيئاً ... سوى الإكثار من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال
قوله: (من جَميع الروايات) أي من جميع رواة كتاب مسلم أي إن رواة صحيح مسلم عنه لم يختلفوا في هذا الحرف وجميع نسخ مسلم متفقة. قوله: (قالَ البِرْقاني) بكسر الموحدة وفتحها وسكون الراء وبالقاف ثم نون بعد الألف كذا ضبطه بالوجهين السبكي في الطبقات وغيره قال صاحب لب اللباب نسبة إلى قرية من قرى كانت بنواحي خوارزم خربت والمشهور منها الإمام أبو بكر أحمد ابن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني الخوارزمي الفقيه المحدث الأديب الصالح وقال السبكي في طبقاته هو الحافظ الكبير تفقه في حداثته وصنف في الفقه ثم اشتغل بالحديث فصار فيه إمامًا قال الخطيب واستوطن بغداد وحدث فكتبنا عنه وكان ثقة ورعاً متقناً فهما لم ير في شيوخنا أحفظ منه حافظاً للقرآن عارفاً بالفقه له حظ من علم العربية كثير الحديث حسن الفهم والبصيرة صنف مسنداً ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان ولد آخر سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ومات أول يوم من آخر سنة خمس وعشرين وأربعمائة ببغداد اهـ. قوله: (ويحط بغير ألف) وتقدم إن الترمذي والنسائي وابن
стр. 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حبان رووه كذلك وفي فتاوى الحافظ ابن حجر العسقلاني هو كما قال الحميدي والبرقاني لكن وجدته في مسند أحمد من طريق شعبة وغيره بالواو تارة وتارة بأو وكان أحمد شديد الحرص على تحرير ألفاظ الرواة وبيان اختلافهم ومن تأمل مسنده وجد من ذلك ما يتعجب منه اهـ، وحاصل الكلام أن موسى الراوي اضطرب في الحديث فرواه تارة بأو وهي التي صحت عند مسلم وجاءت عن شعبة عند أحمد وتارة بالواو وهي التي جاءت عن شعبة عند أحمد وغيره وعن القطان وغيرهما والمتبادر من أو أحد الأمرين لا هما ومن الواو معاً فالروايتان متعارضتان فيطلب الترجيح من خارج ومقتضى ما قرره في الثواب من العمل بالأكثر ثوابًا وفضلًا عند التعارض لعمل برواية الواو فيكون ﷺ أخبر بالألف وحدها أولاً لأنها واقعة مطلقاً بخلاف حط السيئات فإنه قد لا يوجد لكون القائل لا سيئات له وإن وجد بدله من زيادة الدرجات أخذاً مما قالوه في نحو صوم يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين ومما يؤيد الأخذ برواية الواو أن رواية أو فيها إشكال إذ الجزم بحصول الألف أول الحديث ينافي ما في آخره إذ الحاصل هي أو الحط عن الإبهام هذا بناء على ما استظهره ابن حجر في شرح المشكاة من الاضطراب المبني على التعارض بالتقرير المذكور في معنى الحرفين وقال الطيبي يختلف معنى الواو وأو إذا أريد به أحد الأمرين وأما إذا أريد به التنويع فهما سيان في القصد اهـ، ونظر فيه ابن حجر بما تقدم من تبادر معنى الحرفين إلى ما ذكره ثم قال "فإن قلت" ضرورة الجمع توجب حمل الواو على التنويع لتوافق أو فيتحد الروايتان "قلت" الأمر كذلك لولا بعد هذا الحمل وخروجه عن السياق كما يعلم مما تقرر اهـ، وقد سبق الطيبي إلى ما جنح إليه من الجمع الإمام القرطبي فقال في المفهم إن صحت رواية أو فتحمل على المذهب الكوفي من كون أو فيه بمعنى الواو اهـ، وقال في المرقاة وقد تأتي الواو بمعنى أو فلا منافاة بين الروايتين وكان المعنى إن من قالها يكتب له ألف حسنة إن لم تكن عليه خطيئة وقدم بمقتضى حسن الظن أو يحط عنه ألف خطيئة
стр. 230
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يُصْبِحُ على كُل سُلامَى مِنْ أحَدِكمْ صَدَقَة،
ــ
إن كانت عليه وإلاّ فيحط بعض
ويكتب بعض ويمكن أن تكون أو بمعنى الواو أو بمعنى بل فحينئذٍ يجمع له بينهما وفضل الله أوسع من ذلك اهـ، وما ذكروه من الجمع هو الظاهر وإن قيل أنه خلاف المتبادر لما فيه من إعمال سائر الروايات وهو خير من إهمال بعضها سيما والمعنى المحمول عليه هو من جملة معاني ذلك الحرف وورد له الشاهد من كلام العرب مع ما فيه من الجري على القول بالاضطراب على الوجه المذكور من تقديم رواية غير الصحيح المقدم على غيره ولا ضرورة إليه وبه يعلم إن الاضطراب في الحديث غايته حصل الشك في اللفظ الوارد مع توافق المعنى فلا يضر التخالف اليسير في المبنى والله أعلم.
قوله: (روينا في صحيح مسلم) قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه مسلم وابن حبان وأخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وأبو عوانة من طرق وله شاهد أخضر منه من حديث بريدة وفيه تفسير السلامى أي بذكر المفصل في محلها قال الحافظ أخرجه أبو داود وابن حبان وشاهد آخر أتم منه إلاَّ أنه ليس فيه ذكر الضحى من حديث عائشة أخرجه مسلم اهـ. قوله: (صدقه) هو بالرفع اسم يصبح أي يصبح على كل عظم ومفصل لابن آدم أصبح سليماً من الآفات باقياً على الهيئة التي يتم بها منافعه وأفعاله صدقة عظيمة شكراً لمن صوره ووقاه عما يضره ويؤذيه مع قدرته على ذلك وعدله لو فعله لكنه عامله بالإحسان فعفا عنه فأدام له تلك النعم الحسان على إن الصدقة تدفع البلاء فبوجودها عند أعضائه يرجى اندفاع البلاء عنها و"على" في الخبر لتأكد الندب وهو مراد من عبر بالوجوب في قوله التقدير تصبح الصدقة واجبة على كل سلامى إذ كل من الصدقات وما ناب عنها من صلاة الضحى ليس واجباً حقيقة حتى يأثم بتركه ثم ظاهر الحديث تكرر ذلك سائر الأيام وقد جاء كذلك في حديث
стр. 231
فَكُلُّ تَسْبِيحَةِ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وكُل تَهْلِيلَةٍ
صَدَقَةٌ، وكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ،
ــ
أبي هريرة كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس ظاهر هذا الخبر وجوب الشكر بهذه الصدقة وهو يدل على أنه يكفيه إن لا يفعل شيئاً من الشر ويلزمه القيام بجميع الواجب ومنه ترك المحرمات وهذا الشكر الواجب وهو كافٍ في شكر هذه النعمة وغيرها أما الشكر المندوب فهو الزيادة على ذلك بنوافل الطاعات القاصرة كالصلاة والمتعدية كالعدل والإعانة وهذا هو المراد من هذا الحديث وأمثاله وإن ذكر فيه بعض الواجبات ما مر أيضاً. قوله: (فكل تسبيحة صدقة) الفاء فيه تفصيلية لإجمال الصدقة قبله وبه استغني عن تعداد المفاصل بناء على أنها المراد من السلامى كما قال بعضهم وأيده بأنه روى أحمد وأبو داود عن بريدة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً فعليه أن يتصدق على كل مفصل منه صدقة قالوا ومن يطيق ذلك يا نبي الله قال النخاعة في المسجد يدفنها والشيء ينحيه عن الطريق فإن لم يجد فركعتا الضحى تجزيك "قلت" وروى مسلم من حديث عائشة خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن كبر الله وحمد الله وهلل وسبح واستغفر وعزل حجراً عن طريق المسلمين أو عزل شوكة أو عزل
عظما أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر عدل تلك الستين والثلاثمائة السلامى فإنه يمشي يومئذٍ وقد زحزح عن النار قال ابن الجوزي وهذا من أفراد مسلم وفي شرح الأربعين للفاكهاني قال سهل بن عبد الله التستري في الإنسان ثلاثمائة وستون عرق مائة وثمانون ساكنة ومثلها متحرك فلو تحرك ساكن أو سكن متحرك لم ينم الإنسان فالله المسؤول يلهمنا شكر هذه النعم الجسام وذكر علماء الطب أن جميع أعضاء البدن مائتان وثمانية وأربعون عظم سوى السمسمات وبعضهم
стр. 232
وَأمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ،
ــ
يقول ثلاثمائة وستون عظم يظهر منها للحس مائتان وخمسة وستون عظم والبقية صغار لا تظهر تسمى السمسمانية ويؤيد هذا القول أحاديث كثيرة منها حديث البزار أنه ﷺ قال للإنسان ثلاثمائة وستون عظم وستة وثلاثون سلامى عليه في كل يوم صدقة قالوا فمن لم يجد قال يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قالوا فمن لم يستطع قال يرفع عظماً عن الطريق قالوا فمن لم يستطع قال فيكفي الناس شره وتقدم حديث مسلم وما في معناه وقوله وستة وثلاثون سلامى لعله عبر بها عن تلك العظام الصغار إذ السلامى في الأصل اسم لأصغر ما في البعير من العظام ثم عبر بها عن مطلق العظم من الآدمي وغيره. قوله: (وأمر بمعروف إلخ) أمر ونهي مجروران عطفاً على مدخول كل قال الكازروني في شرح الأربعين وأسقط المضاف هنا اعتماداً على ما سبق اهـ. وفي شرح المشكاة لابن حجر كأن حكمة ترك ذكر كل للإشارة إلى ندرة وقوعها بالنسبة إلى ما قبلهما لا سيما من المعتزلة عن الناس أو مرفوعان عطفاً عليها وخبرها معطوف على خبرها وعليه فيكون من عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين أو كل منهما مبتدأ خبره ما بعده والواو لعطف الجمل أو استئنافية لأن هذا نوع غير ما قبله إذ هو فيما تعدى نفعه وما قبله نفعه قاصر وسوغ الابتداء بما ذكر مع كونه نكرة تخصيصه بالعمل في الظرف بعده ونكراً إيذاناً بأن كل فرد من أفرادهما صدقة ولو عرفا لاحتمل إن المراد الجنس أو فرد معهود منهما فلا يفيد النص في ذلك ثم سكت في الحديث عن ذكر الصدقة الحقيقية وهي إخراج بعض المال لوضوحها بخلاف ما ذكره في الخبر فإن في تسميته بالصدقة وأجزائه عن الصدقة الحقيقية المتبادر إرادتها من ظاهر الخبر خفاء فيؤخذ منه إن للصدقة إطلاقين ثم ليس المراد من الحديث حصر أنواع الصدقة بالمعنى الأعم فيما ذكر فيه بل التنبيه به على ما بقي منها ويجمعها كل ما فيه نوع نفع للنفس
стр. 233
وَيَجْزِئُ مِنْ
ذلكَ رَكعَتَانِ تَرْكعُهُمَا منَ الضُّحَى"
ــ
أو للغير. قوله: (وَيْجزِي إلخ) هو بضم أوله وفتحه من أجزأ وجزى أي يكفي كذا في شرح المشكاة لابن حجر وفيه إطلاق في محل التقييد يبينه قول الحافظ العراقي في شرح التقريب قوله يجزي يجوز فتح أوله بغير همز في آخره وضم أوله بهمز في آخره فالفتح من جزى يجزي أي يكفي ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة: ٤٨] والضم من الإجزاء وقد ضبط بالوجهين في حديث أبي ذر "ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الصبح" اهـ. ثم ظاهر الخبر إجزاء ذلك ولو مع التمكن مما قبله وفي خبر أبي داود تقييد إجزاء ذلك بعدم الوجدان وجمع بأن ما في خبر أبي داود محمول على الحال الأكمل والعمل الأفضل إذ لا يبعد أن يكون الإتيان بثلاثمائة وستين صدقة أفضل من ركعتي الضحى وإن كانت الصلاة أفضل العبادات البدنية لأنه بالنسبة للمجموع لا بالنسبة للإفراد قال الأصحاب لا يقال صلاة ركعتين أفضل من صوم يوم أي لكثرة العمل في الأخير إنما التفاضل مع استواء الزمان
المصروف للعملين وما في خبر مسلم المذكور في الكتاب فبالنسبة لمطلق الاكتفاء قال العراقي "فإن قلت" قد عد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما فرضا كفاية فكيف أجزأ عنهما ركعتا الضحى وهما تطوع والتطوع لا يسقط الفرض "قلت" المراد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث قام بالفرض غيره وحصل المقصود وكان كلامه زيادة وتأكيداً أو المراد تعليم المعروف ليفعل والمنكر ليجتنب وإن لم يكن هناك من واقعه فإذا فعله كان من جملة الحسنات المعدودة من الثلاثمائة والستين وإذا تركه لم يكن عليه فيه حرج ويقوم عنه وعن غيره من الحسنات ركعتا الضحى أما إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند فعله حيث لم يقم به غيره فقد إثم ولا يرفع عنه الإثم ركعتا الضحى ولا غيرهما من التطوعات ولا من الواجبات اهـ. قوله: (من ذَلك) أي من ما ذكر من التسبيح فما بعده. قوله: (تركَعُهما مِنَ الضُّحى)
стр. 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيه عظيم فضل صلاة الضحى لتحصيلها هذا الثواب الجزيل والشكر العظيم وأنه ينبغي المداومة عليها وكره جماعة من أصحابنا تركها قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي اشتهر بين كثير من العلماء أنه من صلى الضحى ثم قطعها حصل له عمى فصار كثير من الناس لا يصلونها خوفاً من ذلك وليس لهذا أصل ألبتة من السنة ولا من قول أحد من الصحابة ولا من التابعين ومن بعدهم والظاهر أن هذا مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام لكي يتركوا صلاة الضحى دائماً فيفوتهم بذلك خير كثير من قيامها مقام سائر أنواع التسبيح الخ. اهـ. وكأن سبب قيامها مقام ذلك اشتمال الركعتين على جميع ما ذكر حق الأخيرين ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وتردد الولي العراقي في حصول ما ذكر بركعتين غير ركعتي الضحى وإن كان أفضل كركعتي الفجر أو اختصاص ذلك بركعتي الضحى واستظهر الأخير ولم يبين وجهه ولعله أنها متمحضة للشكر بخلاف نحو الرواتب فإنها شرعت لجبر نقص الفرائض لم يتمحض فيها القيام بشكر تلك النعم الباهرة والضحى لما لم يكن فيه ذلك تمحض للقيام لذلك مع أنها مناسبة لما أشير إليه بقوله تطلع فيه الشمس من إن اليوم قد يعبر به عن المدة الطويلة المشتملة على أيام كثيرة كيوم صفين وعن مطلق الوقت كما في قوله تعالى ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] فلو لم يقيد بتطلع فيه الشمس لتوهم إن المراد به أحد هذين وأنه لا يطلب منه شكر تلك النعم كل يوم فقيد بذلك إعلاماً بتكرر الطلب بتكرر طلوع الشمس ودوامها فإذا تأمل الإنسان ذلك أوجد له عند شهود طلوعها تيقظاً للشكر وأفضل العبادات حينئذٍ صلاة الضحى فناسب تخصيصها بذلك دون غيرها، وفي شرح المشكاة لابن حجر وكأن سر ذلك إن النهار الحقيقي إنما يدخل بطلوع الشمس كما يصرح به خبر اركع لي أربع ركعات أول النهار الحديث وما بعد الفجر إليها إنما يعطي حكم النهار تبعًا وفي بعض الأحكام لا كلها ومن ثم قال جمع إن صلاة الصبح ليلية وأول صلاة تطلب بعد طلوع الشمس المشار إليه بالإصباح صلاة الضحى وصلاة
стр. 235
قلت: السلامى بضم السين وتخفيف اللام: وهو العضو،
وجمعه سلاميات بفتح الميم وتخفيف الياء.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : "ألا أدُلُّكَ
ــ
الإشراق قال جمع أنها من صلاة الضحى نظير ما مر من مقدمة صلاة الليل فكانت صلاة الضحى هي المقصود بالذات فلم يحصل ذلك بغيرها فتأمله اهـ .. قوله: (السلامى إلخ) في النهاية جمع سلامية وهي الأنملة من أنامل الأصابع وقيل جمعه ومفرده واحد ويجمع على سلاميات اهـ. وقول المصنف هنا جمعه سلاميات يميل إلى الأخير. قوله: (وهو
العضو) وهو بضم العين وكسرها مع إسكان الضاد قال في القاموس هو كل لحم وافر يعظمه وفي مختصر العين للزبيدي السلامى من عظام الأصابع والأكارع اهـ، ومثله في المشارق لعياض إلاّ أنه قال وأصله عظام الأصابع إلخ. وفي النهاية هي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان وقيل كل عظم مجوف من صغار العظام، المعنى على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة وقيل إن آخر ما يبقى فيه المخ من البعير إذا عجف السلامى والعين قال أبو عبيد هو عظم يكون في فرسن البعير اهـ، وظاهر إن المراد من السلامى في الخبر ما يعم العضو وغيره فتجوز بقوله العضو عن مطلق الجزء والعظم على طريق التجريد وفي شرح مسلم للمصنف أصله عظام الأصابع وسائر الكف ثم استعمل في سائر عظام البدن ومفاصله قال العراقي في شرح التقريب وهو المراد في الحديث اهـ، وأيده المصنف بخبر مسلم السابق خلق الإنسان على ستين وثلاثمائة مفصل. قوله: (في صحيح البخاري ومسلم) وكذا رواه باقي الستة ورواه النسائي أيضاً من حديث أبي هريرة وزاد فيه ولا منجا من الله إلاّ إليه كذا في السلاح وقال الحافظ بعد تخريجه حديث متفق عليه أخرجه أحمد والأئمة الستة وأبو عوانة من طرق متعددة إلى أبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل بتثليث الميم وتشديد
стр. 236
عَلى كَنزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنةِ؟ فَقلت:
ــ
اللام يعني الراوي عن أبي موسى الأشعري اهـ، وفي الترغيب للمنذري بعد إيراده من حديث أبي هريرة ولفظه "قال لي رسول الله ﷺ أكثر من قول لا حول ولا قوة إلاَّ بالله فإنها كنز من كنوز الجنة قال مكحول فمن قال لا حول ولا قوة إلاَّ بالله ولا منجى من الله إلاّ إليه كشف الله عنه سبعين باباً من الضر أدناهن الفقر" ما لفظه رواه الترمذي وقال هذا حديث إسناده ليس بمتصل، مكحول لم يسمع من أبي هريرة ورواه النسائي والبزار مطولاً ورفعا ولا منجى من الله إلاَّ إليه ورواتهما ثقات محتج بهم ورواه الحاكم وقال صحيح ولا علة له ولفظه، إن رسول الله ﷺ قال ألا أعلمك ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة تقول لا حول ولا قوة إلاَّ بالله فيقول الله أسلم عبدي واستسلم، وفي رواية له وصححها أيضاً قال ﷺ ، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة قلت بلى يا رسول الله قال تقول لا حول ولا قوة إلاّ بالله ولا ملجأ ولا منجى من الله إلاّ إليه، ذكره في حديث اهـ. قوله: (على كنز مِنْ كنُوزِ الجنةِ) قال المصنف في شرح مسلم معنى الكنز هنا ثواب يدخر في الجنة وهو ثواب نفيس كما إن الكنز أنفس أموالكم اهـ. وقال الكرماني أي أنها من نفائس ما في الجنة وما ادخر فيها للمؤمنين أو من محصلات نفائس الجنة وذخائرها اهـ. وفي شرح المشكاة لابن حجر كنز من كنوز الجنة من حيث أنه يدخر لصاحبها من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا لأن من شأن الكانز أن يعد كنزه لخلاصه مما ينوبه والتمتع به فيما يلائمه واعلم إن هذا ليس من باب الاستعارة لذكر المشبه وهو الحوقلة والمشبه به وهو الكنز ولا من باب التشبيه الصرف لبيان الكنز بقوله من كنوز الجنة بل هو إدخال الشيء في غير جنسه وجعله أحد أنواعه ادعاء فالكنز إذًا نوعان متعارف وهو المال الكثير المتراكم
стр. 237
بلى يا رسول الله، قال:
ــ
بعضه على بعض الذي بالغ صاحبه في حفظه وكتمه وغير متعارف وهو هذه الكلمة الجامعة للتنزه
بالمعاني الإلهية كما يعلم مما تقدم اهـ. وفي شرح مسلم للمصنف وسبب كونها من كنوز الجنة أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى واعتراف بالإذعان وأن لا صانع إلاَّ الله ولا راد لأمره وإن العبد لا يملك شيئاً من الأمر أي فلا يستحق شيئاً بل إن نوقش في الحساب عذب قال الشيخ ابن حجر ولذا كانت هي الكنز العلي والعطاء الوفي ولم لا، وهي محتوية على التوحيد الخفي لأنه إذا نفيت الحيلة والاستطاعة مما من شأنه ذلك وأثبتت لله تعالى على وجه الحصر اتحاداً واستعانة وتوفيقاً لم يشذ شيء عن ملكه وملكوته اهـ، وفي أمالي الحافظ زين ألدين العراقي عن المستدرك ومن خطه نقلت ما لفظه أنشدكم لنفسي في هذا المعنى:
يا صاح أكثر قول لا حول ولا ... قوة فهي للداء دوا
وأنها كنز من الجنة يا ... فوز امرئ لجنة المأوى أوى
له يقول ربنا أسلم لي ... عبدي واستسلم راضيا هوا
قوله: (بلى) هي كلمة يؤتى بها في الجواب كنعم إلا أنها تختص بالنفي وتفيد إبطاله سواء كان مجرداً أم مقروناً بالاستفهام حقيقياً أو توبيخياً أو تقريرياً نحو ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ [التغابن: ٧] ونحوه أليس زيد قائماً ونحو ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أجرى النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى ولذلك قال ابن عباس وغيره لو قالوا نعم كفروا ووجهه إن نعم تصديق للخبر بنفي أو إيجاب ولذلك قال جماعة من الفقهاء لو قال أليس لي عليك ألف فقال بلى لزمته ولو قال نعم لم تلزمه وقال آخرون يلزمه فيهما وجروا في ذلك على مقتضى العرف لا على اللغة ونازع السهيلي وجماعة في المحكي عن ابن عباس
стр. 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيره في الآية متمسكين بأن في الاستفهام التقريري خبراً موجباً ونعم بعد الإيجاب تصديق له واستشكله في المغني بأن بلى لا يجاب بها الإيجاب ولا يحتج بما جاء من الجواب بها عن الاستفهام المجرد كحديث البخاري أنه ﷺ قال لأصحابه أما ترضون إن تكونوا ربع أهل الجنة قالوا بلى ونحو لأنه قليل لا يتخرج على مثله التنزيل قال وتسمية الاستفهام في الآية تقريراً المراد منها أنه تقرير بما بعد النفي وفي المغني بعد كلام: الحاصل إن بلى لا يأتي إلَّا بعد نفي وإن لا لا يأتي بعد إيجاب وإن نعم تأتي بعدهما وإنما جاز "بلى قد جاءتك آياتي" مع أنه لم يتقدم أداة نفي لأن ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] يدل على نفي الهداية ومعنى الجواب بلى قد هديتك بمجيء الآيات أي أرشدتك نحو ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] وقال جماعة من المتقدمين والمتأخرين إذا كان قبل النفي استفهام فإن كان على حقيقته فجوابه كجواب النفي المجرد وإن أريد به التقرير فالأكثر أن يجاب بما يجاب به النفي رعياً للفظه ويجوز عند أمن اللبس أن يجاب بما يجاب به الإيجاب رعياً لمعناه وعلى ذلك قول الأنصار للنبي ﷺ وقد قال لهم ألستم ترون لهم ذلك: نعم. وقال ابن عصفور أجرت العرب التقرير في الجواب مجرى النفي المحض وإن كان إيجاباً في المعنى فإذا قيل ألم أعطك درهماً قيل في تصديقه نعم وفي تكذيبه بلى وذلك لأن المقرر قد يوافقك فيما تدعيه وقد يخالفك فإذا
قيل نعم لم يعلم هل أراد لم تعطني باعتبار اللفظ أو أعطيتني مراعاة للمعنى فلذا أجابوه على اللفظ ولم يلتفتوا إلى المعنى قال وأما قول الأنصار فجاز لجواز أمن اللبس لأنه قد علم أنهم يريدون نعم نعرف لهم ذلك اهـ. قال في المغني ويتحرر على هذا أنه لو أجيب ألست بربكم بنعم لم يكف في الإقرار لأن الله أوجب في الإقرار بما يتعلق بالربوبية العبارة التي لا تحتمل غير المعنى المراد من المقر ولهذا لا يدخل في الإسلام بقوله لا إله إلاَّ الله برفع إله لنفي الوحدة ولعل ابن عباس إنما
стр. 239
قُل: لا
حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إلا باللهِ".
وروينا
ــ
قال أنهم لو قالوا نعم لم يكن إقراراً كافياً وجوز الشلوبين أنه يكون مراده أنهم لو قالوا نعم جواباً للملفوظ به على ما هو الأفصح لكان كفراً إذ الأصل تطابق السؤال والجواب لفظاً وفيه نظر لأن التكفير لا يكون بالاحتمال اهـ، ونازعه الدماميني في قوله ولعل ابن عباس إنما قال بأنه لا وجه له فإنه معارض للنقل الثابت المشهور بمجرد احتمال عدمه من غير تثبت اهـ. قوله: (قُلْ لاَ حَولَ وَلَا قوَّةَ إلا بالله) كذا رواه المصنف هنا وفي المشكاة لا حول ولا قوة إلاَّ بالله بإسقاط قل ورواه في السلاح عن أبي موسى إن النبي ﷺ قال له قل لا حول ولا قوة إلاّ بالله فإنها كنز من كنوز الجنة رواه الجماعة اهـ، ومثله في الترغيب للمنذري ثم راجعت صحيح مسلم فرأيته أورده فيه باللفظ الذي أورده المصنف من حديث أبي بكر بن أبي شيبة وباللفظ الذي في المشكاة من حديث أبي كامل فضل بن حسين ولم أجده فيه باللفظ المروي في السلاح والترغيب نعم هي لفظ رواية البخاري ولما كان معنى الروايات واحداً عزاها لجميع من ذكر على عادة المحدثين ومن ثم قالوا لا يجوز أن يعتمد على نحو قول البيهقي أخرجه الشيخان أو أحدهما في جواز عزو الحديث لذلك لأنهم كثيراً ما يقولون ذلك ومرادهم إن أصله فيهما أو في أحدهما نعم إن قال أخرجه بلفظه أو نحو ذلك اعتمد عليه وعزى إلى من نقله عنه وسبق ما يجوز فيها من الوجوه وإعراب كل ذلك وأما معناها فهو لا حول عن المعاصي إلاَّ بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلَّا بالله قال ﵊ كذلك أخبرني جبريل عن الله تعالى وفي المرقاة في شرح المشكاة، وهي المراد إذا أطلقت المرقاة، ما لفظه والأحسن ما ورد فيه عن ابن مسعود قال كنت عند رسول الله ﷺ فقلتها فقال تدري ما تفسيرها قلت الله ورسوله أعلم قال لا حول
стр. 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن معصية الله ولا قوة على طاعة الله إلاَّ بعون الله أخرجه البزار ولعل تخصيصه بالطاعة والمعصية لأنهما أمران مهمان في الدين اهـ، وروي عن علي في معناها أي أنا لا نملك مع الله شيئاً ولا نملك من دونه ولا نملك إلاَّ ما ملكنا مما هو أملك به منا وحكى أهل اللغة إن معنى لا حول لا حيلة يقال ما للرجل حيلة ولا حول ولا محالة ولا محتال وقوله شديد المحال يعني القوة والشدة كذا في شرح العمدة لابن جمعان وفي شرح المشكاة لابن حجر وتفسير الحول بالتحول أوضح من تفسيره بالحيلة أو الحركة وإن كان المآل واحداً اهـ. وقال الهروي قال أبو الهيثم الحول الحركة يقال حال الشخص إذا تحرك وكأن القائل يقول لا حركة ولا استطاعة إلاَّ بمشيئة الله وكذا قاله أبو عمر في الشرح عن أبي العباس ثعلب وآخرين وقيل لا حول عن معصية الله إلاّ بعصمته ولا قوة على طاعته إلاَّ بمعونته ويحكى هذا عن عبد الله بن مسعود كذا يؤخذ من التهذيب وشرح مسلم للمصنف وقيل معناه لا تحول عن معصية الله ومخالفة أمره ولا على تدبير أمر من أمور الآخرة من طاعته وموافقته ولا قوة
على طاعته إلاَّ بالله "تنبيه" الخبر محتمل كون هذه الكلمة كنزاً أي أجرها مدخر لمن قالها وإن لم يتحقق بمضمونها قال شارح الأنوار السنية وهو ظاهر اهـ، ويشهد له قوله في الحديث قل وكونها خاصة بمن قالها وتحقق بذلك وتبرأ من حوله وقوته وفوض أمره إلى الله تعالى قال يحيى بن ربيع الأشعري في كتاب الحكمة البالغة ورد الأمر والنهي بالأخص لا بالأعم وهذا أقرب الوجوه إلى الحق بل هو الحق فإنها توقف على كل جهة ما يليق بها وتجعل للعبد قدرة كسبية حالية وتجعل الإسناد للرب عن كل شريك في ذاته وصفاته وأفعاله وتثبت الاقتدار من العبد وتثبت أحوالاً بلا واسطة وقدرة في جير وهذا من الحكم العجيب جاءهم ليوافق قوله لا حول ولا قوة إلاَّ بالله على نصها من غير تأويل والحمد لله وقال ابن بطال هذا باب جليل في الرد على القدرية وذلك أن معنى لا حول ولا قوة إلاَّ بالله لا حول للعبد ولا قوة إلاَّ بالله أي بخلق الله له
стр. 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحول والقوة وهي القدرة على فعله للطاعة أو المعصية كما ورد عنه ﵊ أن الباري تعالى خالق لحول العبد وقدرته على مقدوره وإذا كان خالقاً للقدرة فلا شك أنه خالق للشيء المقدور، وفي تفسير القرطبي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] أي بالقلب وهو توبيخ ووصية من المؤمن للكافر تقديره الأمر ما شاء الله وقيل الخبر مضمر أي ما شاء الله كان لا قوة إلَّا بالله أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله وقوته لا بقدرتك قال أشهب قال مالك ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا وروي إن من دخل منزله فقال بسم الله ما شاء الله لا قوة إلاَّ بالله تنافرت عنه الشياطين من بين يديه وأنزل الله عليه البركات وقال أنس من رأى شيئاً فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلاَّ بالله لم يضره عين وروي أن من قال أربعًا أمن أربعاً من قال هذه أمن من الآفات ومن قال حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الناس ومن قال أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد أمن من مكر الناس ومن قال لا إله إلاَّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن من الغم، وعن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ من أنعم الله عليه نعمة فأراد بقاءها فليكثر من لا حول ولا قوة إلاَّ بالله قال المنذري أي في الترغيب رواه الطبراني "خاتمة" في خبر الباب أنها كنز من كنوز الجنة وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن حبان عن أبي أيوب أن النبي ﷺ ليلة أسري به مر على إبراهيم فقال يا محمد مر أمتك أن تكثر من غراس الجنة لا حول ولا قوة إلاّ بالله وجاء في بعض الروايات أنها باب من أبواب الجنة ولعل اختلاف نتائج الاختلاف مراتب قائلها.
فائدة
سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن قول النبي ﷺ تحاجت الجنة والنار فقالت الجنة يدخلني الضعفاء الحديث، من الضعيف، فقال الذي تبرأ في نفسه من الحول والقوة في اليوم عشرين أو خمسين مرة اهـ، كذا في شرح الأنوار السنية وفي العلوم الفاخرة للثعالبي قال القرطبي ومثل هذا لا يقال
стр. 242
في "سنن أبي داود والترمذي" عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه
دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: "ألا أخْبِرُكِ بِمَا
هُوَ أيْسَرُ عَلَيكِ مِنْ هَذَا
ــ
رأيًا فيكون من قبيل المرفوع اهـ.
قوله: (في سنن أبي داود) أي واللفظ له والترمذي وكذا رواه النسائي والحاكم في مستدركه
وابن حبان في صحيحه كذا في السلاح وقال الحافظ بعد ذكر من ذكر ممن خرجه حديث صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا خزيمة فلا يعرف نسبه ولا حاله ولا روى عنه إلاَّ سعيد يعني ابن أبي هلال وذكره ابن حبان في الثقات كعادته فيمن لم يجرح ولم يأت بمنكر وصححه الحاكم وللحديث شاهد من حديث أبي أمامة الباهلي إن النبي ﷺ مر به وهو يحرك شفتيه فقال ماذا تقول يا أبا أمامة فقال أذكر ربي فقال إلا أخبرك بأكثر أو بأفضل من ذكرك الليل مع النهار والنهار مع الليل تقول سبحان الله عدد ما خلق الله سبحان الله ملء ما خلق الله سبحان الله عدد ما في الأرض وما في السماء سبحان الله عدد ما أحصى كتابه وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه وسبحان الله عدد كل شيء وسبحان الله ملء كل شيء وتقول الحمد لله مثل ذلك هذا حديث حسن أخرجه النسائي في الكبرى وابن حبان والطبراني في الدعاء من وجهين آخرين عن أبي أمامة اهـ. قوله: (على امرأة) هو كذا مبهم في جميع الطرق وروى الترمذي والحاكم في المستدرك وكذا الطبراني كما أشار إليه الحافظ عن صفية ﵂ إن النبي ﷺ دخل عليها وبين يديها أربعة آلاف نواة تسبح بهن فقال يا بنت حيي ما هذا قالت أسبح بهن قال قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا قالت علمني يا رسول الله قال قولي سبحان الله عدد ما خلق
стр. 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من شيء ورواية الترمذي عدد خلقه قال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث صفية إلاَّ من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي وليس إسناده بمعروف وقال الحافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني حديث حسن قال وأخرجه الترمذي عن محمد بن بشار بن بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن هاشم بن سعيد عن كنانة عن صفية ﵂ وقال ليس إسناده بمعروف قال الحافظ كنانة مولى صفية روى عنها وهو مدني روي عنه خمس أنفس وذكره ابن حبان في الثقات وأبو الفتح الأزدي في الضعفاء وهاشم بن سعيد الراوي عنه كوفي قال فيه ابن معين ليس بشيء وقال أحمد لا أعرفه وقال أبو حاتم الرازي ضعيف وقال ابن عدي لا يتابع على حديثه قال الحافظ وقد توبع على هذا الحديث ثم خرجه من رواية خديج بن معاوية عن كنانة عن صفية بنحوه وقال فيه وكان لهما أربعة آلاف نواة إذا صلت الغداة أوتيت بهن فسبحت بعد ذلك قال وأخرجه الطبراني في الدعاء من وجه آخر عن صفية وبقية رجال الترمذي رجال الصحيح اهـ. قال صاحب السلاح فيحتمل أن تكون المرأة المبهمة في الحديث هي صفية أي وإن كان في حديثها المذكور اختصار عما في حديث الكتاب قال الحافظ ابن حجر ويحتمل أن تكون جويرية وقد مضى حديثها في هذا الباب قال ابن حجر في شرح المشكاة قوله دخل على امرأة أي محرم له أو كان ذلك قبل نزول الحجاب على أنه لا يلزم من الدخول الخلوة فلا يحتاج إلى ذلك اهـ، وهذه الوجوه إن كانت بالنظر إلى دخوله ﷺ فلا يحتاج إليها لأن من خصائصه ﷺ كونهن معهن بمنزلة المحرم فلذا جازت له الخلوة والمنام عند من شاء منهن كما صرح به الجلال السيوطي في خصائصه وابن حجر الهيتمي في شرح الشمائل وأخذ بعض المحدثين ذلك من نومه وخلوته بأم سليم مع كونها ليست من محارمه كما حققه غير واحد خلافاً لما في شرح مسلم للمصنف من أنها كانت خالته ﷺ وقد بينت
стр. 244
أو أفْضَلُ؟ فقالَ: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ ما خَلَقَ فِي السمَاءِ، وسُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ ما خَلَقَ فِي الأَرْضِ، وَسبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا بَينَ ذلكَ، وسبْحَانَ اللهِ عَدَدَ ما هُوَ
ــ
ذلك فيما كتبته على بهجة المحافل للعامري نعم قضية كلام المصنف في باب الأشربة وباب الفضائل من شرح مسلم
أنه ﷺ مع الأجانب كالغير في المنع مما ذكر وعليه فيحتاج إلى الجواب. قوله: (أو أفضل) هذا شك من سعد ويحتمل أن تكون أو فيه بمعنى الواو وقيل بمعنى بل وإنما كان أفضل لأن قوله عدد ما خلق مما ذكر يكتب له ثواب بعدد المذكورات كما علم مما في قوله سبحان الله وبحمده رضا نفسه إلخ، وما تعده بالنوى أو الحصى قليل تافه بالنسبة إلى ذلك الكثير الذي لا يعلم كنهه إلاّ اللطيف الخبير وقال ابن مالك تبعًا للطيبي لأنه اعتراف بالقصور وأنه لا يقدر أن يحيى ثناه وفي العد إقدام على أنه قادر على الإحصاء اهـ، وتعقباً بأنه لا يلزم من هذا العد هذا الإقدام ولا يقدم على هذا المعنى إلاَّ العوام الذين كالهوام بل المراد أنه ﷺ أراد يرقيها من عالم كثرة الألفاظ والمباني إلى وحدة الحقائق والمعاني وهو خارج عن الأعداد بل متوقف على مداد الإمداد والعد في الأذكار يجعل لها شأنًا في الباب ويخطرها به في كل حال وهذا معيب عند أهل الكمال ولذا قال بعضهم لمن يذكر الله تعالى بالعدد تذكر الله بالحساب وتذنب بالجزاف وتعصيه بلا كتاب أو لأن الله تعالى لما أنعم على عبده النعمة بلا إحصاء كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] فينبغي حسن المقابلة في المعاملة على وجه المماثلة أن يذكر الذاكر بغير استقصاء وفيه إيماء إلى مقام المكاشفة بتسبيح جميع الأشياء ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. قوله: (ما في السماء)
стр. 245
خَالِقٌ، واللهُ أَكْبَرُ مثلَ ذلكَ، والحمْدُ لِلهِ مِثْلَ ذلكَ، وَلا إلهَ إلا الله مثْلَ ذلكَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بِاللهِ مِثْلَ ذلكَ" قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا فيهما بإسناد حسن عن يسيرة، بضم
ــ
أي من ذوي العلم وغيرهم الأكثر فلذا غلب عليه ونظيره ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [التغابن: ١] قوله: (خَالق) قال ابن حجر في شرح المشكاة أي ما هو خالقه من بدء الخلق إلى الأبد لأن اسم الفاعل في نحو هذه الصيغة وفي نحو الله عالم قادر لا يقصد به زمن دون زمن بلا استغراق سائر الأزمنة إلاّ أن يقال مقابلته بخلق يدل على أن المراد عدد ما خلق قبل تكلمي وما هو خالق بعده إلى ما لا نهاية له وهذا أولى. قوله: (مثلَ ذلك) منصوب مفعول مطلق صفة للمصدر المحذوف أي والحمد لله حمدًا مثل ذلك. قوله: (قال الترمذي حديث حسن) وفي المشكاة وقال يعني الترمذي حديث غريب ولا تخالف فإن الترمذي ذكر في الحديث كلا الوصفين فإنه قال كما نقله المنذري وصاحب السلاح حديث حسن غريب وحينئذٍ فنقل كل واحد منهما واحداً من الوصفين وغفل عن الثاني سهوًا أو تركه لكونه ساقطاً من أصله فإن أصول الترمذي مختلفة النسخ في ذلك فلذا قالوا بالنسبة إلى مقابلته يتعين أن يكون على جملة من الأصول أي ليوثق بضبطه المنقول.
قوله: (وروينا فيهما) أي في سنن أبي داود والترمذي وكذا قال السيوطي في الجامع الصغير وزاد الحاكم في مستدركه قال الحافظ وأخرجه أحمد وابن حبان بنحوه والحديث حسن اهـ، وفي موجبات الرحمة للرداد أخرج أبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول من حديث يسيرة قالت دخل
علينا رسول الله ﷺ ونحن نسبح بالسبح فقال ألقين أو دعن وعليكن بالأنامل تسبحن بها فإنهن مسؤولات ومستنطقات. قوله: (يسيرة بضم
стр. 246
الياء المثناة تحت وفتح السين المهملة،
الصحابية المهاجرة ﵂: "أن النبي ﷺ أمرهن
ــ
الياء المثناة تحتُ وهي أم ياسر إلخ) أي بصيغة التصغير ويقال أسيرة كذلك وفي التقريب لابن حجر العسقلاني ويقال أسيرة بالألف صحابية ويقال أنها من المهاجرات اهـ. قال في الاستيعاب وقيل هي بنت ياسر، وكأنه مستند ابن مالك في شرح المشارق فما في المرقاة أنها بنت ياسر سبق قلم ليس في محله قال الحافظ يسيرة جدة حميظة أول اسمها مثناة تحتية ثم مهملة مصغرة ويقال أسيرة بالهمزة بدل الياء ذكروها في الصحابة وكنوها أم ياسر وقال بعضهم يسيرة بنت ياسر والأكثر لم يذكر اسم أبيها وذكر بعضهم أنها أنصارية والذي وقع في الرواية عن أحمد وابن سعد في طبقاته عن يسيرة وكانت من المهاجرات اهـ، بمعناه قال الدبيع في تيسير الوصول مولاة لأبي بكر الصديق، وليس لها في الكتب الستة إلاّ هذا الحديث قال في الاستيعاب تكنى أم حميظة كانت من المهاجرات المبايعات اهـ، وقيل إنها أنصارية وعلمت ما فيه قال الحافظ وحميظة بضم المهملة ثم تحتية ثم معجمة ثم فوقية مصغرة من ثقات التابعين ويسيرة جدتها اهـ. قوله: (أمرهن) أي النساء ومرجع الضمير إما معلوم من المقام أو تقدم في الكلام ولم يذكر لعدم الحاجة إليه، وصيغة الأمر، على ما في المشكاة وقال رواه الترمذي وفي الحصين وعزا تخريجه لمصنف ابن شيبة، عليكن بالتسبيح والتقديس والتهليل ولا تغفلن فتنسين الرحمة وليس فيها ذكر التكبير والرواية التي ذكرها المصنف هنا حذف منها لفظ التسبيح وأتى فيها بالتكبير ورواها كذلك في الحصين أيضاً من حديثها فلعل في الخبر روايتين أثبت في إحداهما التكبير وحذف التسبيح وفي الأخرى بالعكس وكأن وجه حذف التسبيح الاكتفاء عنه بالتقديس المفسر بما سيأتي مما يشمل معنى التسبيح ثم رأيت صاحب الحرز قال فلعل للترمذي فيه ألفاظاً إلخ،
стр. 247
أن يُراعين بالتكبير والتقديس
والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل فإنهن
ــ
ما سيأتي بما فيه.
تنبيه
اختلف علماء الأثر في قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عنه أو نحو ذلك هل هو موقوف حكماً أو لفظاً فقط ومحل ذلك ما لم يصرح بالأمر كحديث يسيرة هذا وإلا فمرفوع حكماً اتفاقًا إلاّ من شذ فقال لا يكون مرفوعاً حتى ينقل لنا لفظه قال السخاوي ولعله ممن لا يجوز الرواية بالمعنى اهـ. قوله: (يُرَاعِينَ) أي أمر النسوة أن يراعين بالتكبير فالنون ضمير النسوة فاعل والفعل مبني للمعلوم ومراده صاحب الحصين بلفظ كان يأمر أن يراعي التكبير إلخ، والفعل فيه مبني للمجهول والتكبير نائب الفاعل ثم على رواية الكتاب يحتمل كون الباء في التكبير زائدة في المفعول مثل ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ويقربه توافق الروايتين والسلامة من الحذف في البين ويحتمل كونها ليست كذلك والمفعول محذوف أي يراعين أنفسهن بالتكبير أي فإن لهن بالإتيان بذلك الأجر الكثير ونفع العمل الصالح يعود لفاعله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] قوله: (والتَّقْديس) أي قول سبحان الملك القدوس أو سبوح قدوس أو سبحان الله أو سبحان الله وبحمده وفي قوت المغتذي على جامع الترمذي للسيوطي قال الحكيم الترمذي في نوادره التهليل هو التوحيد والتقديس التنزيه
والتطهير والفرق بينه وبين التسبيح إن التسبيح للأسماء والتقديس للآلاء وكلاهما يؤديان إلى التطهير اهـ. قوله: (والتهليل) أي قول لا إله إلاَّ الله يقال هلل إذا قال ذلك وهذا على عادة العرب أن الكلمتين أي فما فوق إذا تكررت على ألسنتهم اختصروها ليسهل تكررها بضم بعض حروف أحدها إلى الأخرى كالحوقلة والحولقة والبسملة. قوله: (وان يَعقِدْنَ بالأَنامل) الباء إما زائدة في الإثبات على مذهب جماعة أو للاستعانة أي يعقدن عدد التسبيح مستعينات بالأنامل عند الحاجة إلى ذلك قاله ابن حجر الهيثمي
стр. 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتعقبه في المرقاة بأنه وهم وانتقال من الباء إلى من وإلا فزيادة الباء في المفعول كثيرة غير مقيدة بالإثبات والنفي اتفاقاً على ما في المغني كقوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] فليمدد بسبب إلى السماء ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكفى بنا فضلاً عن غيرنا حب النبي محمد إيانا اهـ، والأنامل رؤوس الأصابع كما في الصحاح وفي القاموس الأنملة بتثليث الميم والهمزة تسع لغات التي فيها الظفر وجمعها أنامل وأنملات اهـ. قال في المرقاة والظاهر إن يراد بها الأصابع من إطلاق البعض وإرادة الكل عكس قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]، للمبالغة اهـ، ثم العقد المذكور يحتمل أن يراد به أنه يعد بنفس الأنامل أو بجملة الأصابع قال ابن حجر في شرح المشكاة والأول أقرب اهـ، وفي الحرز والعقد بالمفاصل مشهور أن يضع إبهامه في كل ذكر على مفصل والعقد بالأصابع أن يعقدها ثم يفتحها أما العقد برؤوس الأصابع فباتكائها على ما يحاذيها من البدن على ما قرره الفقهاء في صلاة التسبيح ونحوها وأما بوضعها على الكف فماله بالعقد على الأصابع وأما بوضع الإبهام على الرؤوس اهـ. وفي المرح المشكاة وظاهر كلام أئمتنا المتأخرين إن المراد بالعقد هنا ما يتعارفه الناس وقال غيره المراد عقد الحساب لا الذي يعلمه الناس الآن "قلت" وممن قال بذلك الحافظ وعبارته في التخريج معنى العقد المذكور في الحديث إحصاء العدد بوضع بعض الأنامل على بعض عقد أنملة أخرى فالآحاد والعشرات باليمين والمئون والألوف باليسار اهـ. قال ابن حجر في شرح المشكاة وعلى تسليمه فالظاهر أن الأول يحصل به أصل السنة بل كمالها إذا لم يعرف غيره اهـ. قال ابن الجزري في الخبر المروي بلفظ يراعي
стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التكبير إلخ، يريد المراعاة بالعدد كما ورد منصوصاً في الأحاديث نحو مائة مرة وثلاث وثلاثين وخمس وعشرين وغير ذلك بأن يعقد الأنامل وهي الأصابع كما هو معروف عند العرب قديماً وحديثاً لأن الأنامل مسؤولات ومستنقطات عما كان يستعملهن صاحبهن ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] الآية وبينه حديث ابن عمرو الآتي ولهذا اتخذ أهل العبادة وغيرهم السبح وقال أهل العلم ينبغي أن يكون عدد التسبيح باليمين اهـ، وفي شرح المشكاة لابن حجر ويستفاد من الأمر بالعقد المذكور في الحديث ندب اتخاذ السبحة وزعم أنها بدعة غير صحيح إلاَّ أن يحمل على تلك الكيفيات التي اخترعها بعض السفهاء مما يمحضها للزينة أو الرياء أو اللعب اهـ، ونوزع بأن أخذ السبح بظاهره مناف لهذا الحديث لأنه يفيد العدد بالأصابع على وجه تفصيله كما أشير إليه بتعليله وجرى في الحرز على كونها بدعة قال لكنها مستحبة لما سيأتي من حديث جويرية أنها كانت تسبح بنوى أو حصى وقد قررها ﷺ على فعلها والسبحة في معناها إذ لا يختلف الغرض من كونها منظومة
أو منثورة اهـ، وما ذكره من إقرار جويرية على التسبيح بالحصى أو النوى وهم إذ التي دخل عليها ﷺ وكانت تسبح بذلك صفية في رواية وامرأة مبهمة في رواية أخرى وليس في حديث جويرية التسبيح بحصى أو نوى، ثم قوله أولاً أنها بدعة يخالف نقله إقرار المصطفى ﷺ والبدعة كما في التهذيب وغيره إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله ﷺ وهذا ليس منه لموافقته على إقراره ﷺ وصرح غير واحد من المحدثين بأن محل الخلاف في وقت أو رفع قول الصحابي كنا نفعل أو نقول كذا في عصر النبي ﷺ ما لم يصرح في الخبر باطلاعه عليه ﷺ وإلا فمرفوع جزماً كما ورد عن ابن عمر كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان فيسمع ذلك النبي ﷺ ولا ينكره رواه البخاري وما نحن فيه من هذا القبيل لما فيه من
стр. 250
مسؤولات مستنطقات".
ــ
الإقرار على التسبيح بتلك النوى وصغار الأحجار بل ورد من الأخبار ما فيها التصريح برؤيته ﷺ ذلك مع الإقرار والله أعلم ثم رأيته خالف في المرقاة وسلك طريق الصواب فقال في حديث سعد السابق وهذا أصل صحيح بتجويز السبحة بتقريره ﷺ فإنه في معناها إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يعد به ولا يعتد بقول من عدها بدعة وقد قال المشايخ أنها سوط الشيطان وروي أنه رؤي مع الجنيد سبحة في يده حال انتهائه فسئل عن ذلك فقال شيء وصلنا به إلى الله كيف نتركه ولعل هذا أحد معاني قولهم النهاية الرجوع إلى البداية اهـ، وقد أفردت السبحة بجزء لطيف سميته "إيقاد المصابيح لمشروعية اتخاذ المسابيح" وأوردت فيه ما يتعلق بها من الأخبار والآثار والاختلاف في تفاضل الاشتغال بها أو بعقد الأصابع في الأذكار وحاصل ذلك أن استعمالها في أعداد الأذكار الكثيرة التي يلهى الاشتغال بها عن التوجه للذكر أفضل من العقد بالأنامل ونحوه والعقد بالأنامل فيما لا يحصل فيه ذلك سيما الأذكار عقب الصلاة ونحوها أفضل والله أعلم. قوله: (مسؤولات مستَنطَقات) بصيغة المجهول أي مسؤولة عن أعمال صاحبها شاهدة عليه والحديث مشير إلى قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] الآية.
تنبيه
أورد ابن الجزري في الحصين في الحديث كان يأمر أن يراعى التكبير والتقديس والتهليل وأن يعقد بالأنامل لأنهن مسؤولات ومستنطقات ورمز لمخرجيه بقوله دت أي أبو داود والترمذي ثم أورد بعده حديث عليكن بالتسبيح والتقديس والتهليل ولا تغفلن فتنسين الرحمة ورمز لمخرجه بقوله مص أي ابن شيبة في مصنفه وصحابي الحديثين يسيرة واعترضه ميرك بأن لفظ الترمذي عن يسيرة قالت قال لي رسول الله ﷺ عليكن بالتسبيح إلخ وفي الأذكار سنده حسن
следующие страницы →