← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

فقال: "سَم ابْنَكَ عَبْدَ الرحْمنِ". وروينا في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن أبي وهب الجشمي الصحابي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَسَمَّوْا بأسْماءِ الأنْبياءِ، وأحَبُّ الأسْماءِ إلى الله تَعالى: عَبْدُ الله وعَبْدُ الرَّحْمنِ، ــ لا نكرمك كرامة ويقر به قولهم في رواية أخرى لا ننعمك عيناً. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) رواه أبو داود في الأدب ورواه النسائي في الحيل كذا في الأطراف للمزي وكذا رواه البخاري في الأدب المفرد كما في الجامع الصغير. قوله: (عن أبي وهب الجشمي (قال الحافظ ابن الأثير له صحبة روى عنه عقيل بن شبيب ثم أخرج حديثاً عن عقيل بن شبيب عن أبي وهب الجشمي قال: وكانت له صحبة وذكر الحديث ولم يذكر في ترجمته زيادة على ذلك. قوله: (تسموا بأسماء الأنبياء) قال ابن القيم: لما كان الأنبياء سادات بني آدم وأخلاقهم أشرف الأخلاق وأعمالهم أشرف الأعمال كانت أسماؤهم أشرف الأسماء فندب ﷺ أمته إلى التسمي بأسمائهم كما في سنن أبي داود والنسائي عنه تسموا بأسماء الأنبياء ولو لم يكن في ذلك من المصالح إلا أن الاسم يذكر بمسماه ويقتضي التعلق بمعناه لكفى به مصلحة مع ما في ذلك من حفظ الأنبياء وذكرها وألا تنسى وأن تذكر أسماؤهم بأوصافهم وأحوالهم اهـ. قال الدميري في شرح المنهاج في تفسير القرطبي عند قوله تعالى المؤمن المهيمن عن ابن عباس أنه قال إذا كان يوم القيامة أخرج الله تعالى أهل التوحيد من النار وأول من يخرج منهم من وافق اسمه اسم نبي حتى إذا لم يبق فيها من وافق اسمه اسم نبي قال تعالى لباقيهم: أنتم المسلمون وأنا السلام وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن فيخرجهم من النار ببركة هذين الاسمين وفي الخصائص لابن سبع عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد ألا ليقيم من اسمه محمد فليدخل الجنة لكرامة نبيه محمد ﷺ اهـ. وفي التحفة لابن حجر نقلاً عن بعضهم جاء في التسمية بمحمد فضائل علية ومن ثم قال الشافعي في تسمية ولده محمداً: سميته محمداً بأحب الأسماء إلى الله وكأن

стр. 2032

وأصْدَقُها: حارِثٌ وهمَّامٌ، وأقْبَحُها، حَرْبٌ وَمُرَّةُ". ــ بعضهم أخذ منه قوله معنى قوله في خبر مسلم أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن أنها أحبية مخصوصة لا مطلقاً لأنهم كانوا يسمون عبد الدار وعبد العزى فكأنهم قيل لهم: أحب الأسماء المضافة للعبودية هذان الاسمان لا مطلقاً لأن أحبها إليه كذلك محمد وأحمد إذ لا يختار لنبيه ﷺ إلا الأفضل اهـ. وهو تأويل بعيد مخالف لما درجوا عليه وما علل به لا ينتج له ما قاله لأن من أسمائه ﷺ عبد الله كما في سورة الجن ولأن المفضول قد يؤثر لحكمة هي هنا الإشارة إلى حيازته لمقام الحمد وموافقته للمحمود من أسمائه تعالى ويؤيد ذلك أنه ﷺ سمى ولده إبراهيم دون واحد من تلك الأربعة الأحياء اسم أبيه إبراهيم ولا حجة له في كلام الشافعي وأن عدو له عن الأفضل إليه لنكتة لا تقتضي أن ما عدل إليه هو الأفضل مطلقاً ومعنى كونه أحب الأسماء إليه أي بعد ذينك فتأمله ولا تغتر بمن اعتمد خلافه غير مبال بمخالفته لصريح كلام الأصحاب، كلام ابن حجر. تتمة أخرج الحاكم في الكنى والطبراني عن أبي زهير الثقفي مرفوعاً إذا سميتم فعبدوا أي انسبوا عبوديتهم إلى أسماء الله فيشمل عبد الرحيم وعبد الملك وغيرهما اهـ. واختلف في التسمية بأسماء الملائكة فكرهه مالك ويؤيده حديث البخاري في تاريخه عن عبد الله بن جراد تسموا بأسماء الأنبياء ولا تسموا بأسماء الملائكة نقله في المرقاة وفي الديباجه على سنن ابن ماجه للدميري ومذهبنا ومذهب الجمهور جواز التسمية بأسماء الأنبياء والملائكة ولم ينقل فيه خلاف إلا عن عمر ﵁ فإنه نهى عن التسمية بأسماء الأنبياء وعن الحارث بن مسكين أنه كره التسمية بأسماء الملائكة وعن مالك كراهة التسمية بجبريل وطه ويس اهـ. قوله: (وأصدقها حارث وهمام) أي لأن كل عبد متحرك بالإرادة والهم مبدأ الإرادة وترتب على إرادته حرثه وكسبه فكانا أصدق الأسماء إذ لا ينفك مسماهما عن حقيقة معناهما. قوله: (وأقبحها حرب) هو بفتح الحاء المهملة وسكون الراء والموحدة آخره (ومرة) بضم الميم وتشديد الراء قال ابن القيم لما كان مسمى الحرب والمرارة أكره شيء للنفوس وأقبحه عندها كان

стр. 2033

باب استحباب التهنئة وجواب المهنَّأ يستحبُّ تهنئة المولود له، قال أصحابنا: ويستحبُّ أن يهنأ بما جاء عن الحسين رضي الله عنه أنه علَّم إنساناً التهنئة فقال: قل: بارك الله لك في الموهوب لك، وشكرتَ الواهب، ــ أقبح الأسماء حرباً ومرة وعلى قياسه حنظلة وحزن وما أشبههما وما أجدر هذه الأسماء بتأثيرها في مسمياتها كما أثر اسم حزن الحزونة في سعيد وأهل بيته اهـ. باب استحباب التهنئة أي بالمولود (وجواب المهنأ) بصيغة المفعول أي المهنأ بالمولود من أصل وغيره قال ابن حجر في التحفة وينبغي امتداد زمن التهنئة ثلاثاً بعد العلم كالتعزية أيضاً اهـ. قوله: (ويستحب أن يهنأ بما جاء عن الحسين ﵁ الخ) هكذا هو فيما وقفت عليه من نسخ الأذكار الحسين بضم الحاء وفتح السين المهملتين يعني ابن علي ﵄ ولم يذكر مخرجه والذي ذكره غيره أنه الحسن بفتح المهملتين مكبراً فقال السيوطي في وصول الأماني بأصول التهاني أخرج ابن عساكر عن كلثوم ابن جوشن قال: جاء رجل عند الحسن وقد ولد له مولود فقيل له يهنيك الفارس قال الحسن وما بدريك أفارس هو قال: كيف تقول يا أبا سعيد قال: تقول بورك لك في الموهوب وشكرت الواهب ورزقت بره وبلغ أشده وأخرج الطبراني في الدعاء من طريق اليسري بن يحيى قال ولد لرجل ولد فهنأه رجل فقال: ليهنك الفارس فقال الحسن البصري وما يدريك قل جعله الله مباركاً عليك وعلى أمة محمد ﷺ اهـ. وظاهر الرواية الأولى وصريح الرواية الثانية أن الحسن الذي جاء عنه هذا الذكر هو الحسن البصري لأنه الذي يكنى أبا سعيد وأما الحسن بن علي فكنيته أبو عبد الله وقد جزم بأنه البصري الأوزاعي لكن في التحفة لابن حجر أنه الحسن بن علي كما سيأتي آنفاً. قوله: (وشكرت الواهب) قال ابن حجر في التحفة في ذكرهم الواهب نظر إلا أن يكون صح به حديث ولم نره ثم رأيته في المجموع قال: قال أصحابنا يستحب أن يهنأ بما جاء عن الحسن ﵁ أنه علم

стр. 2034

وبلغ أشدَّه، ورُزِقتَ بِرَّه. ويستحبُّ أن يردَّ على المهنّئ فيقولو: بارك الله لك، وبارك عليك، أو جزاك الله خيراً، ورزقك الله مثله، أو أجزل الله ثوابك، ونحو هذا. باب النهي عن التسمية بالأسماء المكروهة ــ إنساناً التهنئة فقال: قل بارك الله لك الخ اهـ. فأطباق الأصحاب على سن ذلك يبين أن المراد الحسن بن علي كرم الله وجهها لا البصري لأن الظاهر أن هذا لا يقال من قبل الرأي فهو حجة من الصحابي لا التابعي وحينئذٍ اتضح منه جواز استعمال الواهب وأنه من قبيل الأسماء التوقيفية ولم يستحضر بعضهم ذلك فأنكره بباديء رأيه وأما قول الأوزاعي إنه البصري فيرد بأنه يلزم عليه تخطئة الأصحاب كلهم لأن ما يجيء عن التابعي لا يثبت به سند اهـ. ولك أن تقول لعل للجمهور مستنداً في إطلاق الواهب عليه تعالى فلا يلزم من كون الحسن هنا البصري تخطئة الأصحاب أو لعله على مذهب من يكتفي بورود المشتق ولا يشترط اورود نفس اللفظ أو لعل ذلك على مذهب من يجوز إطلاق ما صح إطلاقه عليه سبحانه مما لا يوهم نقصاً وهي مذاهب لبعض الأشاعرة. قوله: (وبلغ أشده) قال ابن القيم في كتابه تحفة الودود بأحكام المولود وحكى الأزهري في تفسير لفظة الأشد أنه من بلوغ الإنسان مبلغ الرجال إلى أربعين سنة وقال الأشد محصور الأول والآخر غير محصور ما بين ذلك فبلوغ الأشد مرتبة بين البلوغ والأربعين ومعنى اللفظة من الشدة وهي القوة الجلادة اهـ. باب النهي عن التسمية بالأسماء المكروهة قال العاقولي في شرح المصابيح ما نهى الشارع عن التسمي به، منه ما كان النهي لكون ذلك لا يليق إلا باللهِ تعالى كملك الأملاك، ومنه ما نهى عن التسمي به لكونه خاصاً برسول الله ﷺ كأبي القاسم لأنه ما يقسم بين العباد ما أعطاهم الله ومنه ما نهى عن التسمي به لغيره تفاؤلاً لصاحبه كحزن فسماه ﷺ سهلاً الحديث ومنه ما نهى عن التسمي به لغيره كبرة فغيره ﷺ وكانت زوجته لئلا يقال خرج

стр. 2035

روينا في "صحيح مسلم" عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُسَمِّيَنَّ غُلامَكَ يَساراً، ولا رَباحاً، ولا نَجاحاً، ولا أفْلَحَ، فإنَّكَ تَقُولُ: أثَمَّ هُوَ؟ فَلا يَكُونُ، فَتَقُولُ: لا، إنَّما هُنَّ أرْبَعٌ فَلا تَزِيدُنَّ عَليَّ". ــ من عند برة اهـ. قلت ومن الأخير التسمية بما يتطير من نفيه كسعادة وبركة ونحوهما. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) أي من جملة حديث أوله أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضر بأيهن بدأت ولا تسمين غلامك الخ. قوله: (لا تسمين) أي لا تسمين أيها الصالح للخطاب بهذا الخطاب العام أو أيها المخاطب الخاص وحكمه ﷺ على الواحد حكمه على الأمة. وقوله: (غلامك) صبيك أو عبدك. قوله: (يساراً) بالتحتية فالمفتوحة المهملتين و (رباحاً) بالراء فالموحدة بعد الألف حاء مهملة و (نجاحاً) بالنون فالجيم وبعد الألف حاء مهملة وفي رواية نجيحاً بوزن فعيل و (أفلح) بالفاء أفعل تفضيل من الفلاح وهو الفوز. قوله: (فإنك تقول الخ) تعليل لكراهة التسمية بذلك أي لأنه يتطير من نفيها عند السؤال عنها وفي شرح السنة معنى هذا إن النّاس يقصدون بهذه الأسماء التفاؤل بحسن ألفاظها ومعانيها وربما ينقلب عليهم ما قصدوه إلى الضد إذا سألوا فقالوا: أثم يسار أو تجيح فقيل: لا فيتطيروا من نفيه وأضمروا اليأس من اليسر أو غيره فنهاهم عن السبب الذي يجلب سوء الظن والإياس من الخير قال حميد بن زنجويه فإذا ابتلى رجل في نفسه أو أهله ببعض هذه الأسماء فليحوله إلى غيره فإن لم يفعل وقيل: أثم يسار أو بركة فإن من الأدب أن يقال كل ما هنا يسر وبركة والحمد الله ويوشك أن يأتي الذي تريده ولا يقال: ليس هنا ولا خرج اهـ. قوله: (لا تزيدن على) قال المصنف في شرح مسلم هو بضم الدال المهملة ومعناه الذي سمعته أربع كلمات وكذا رويتهن فلا تزيدوا علي في الرواية ولا تنقلوا عني غير الأربع وليس فيه منع القياس على الأربع وأن يلحق بها ما في معناها قال أصحابنا: تكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة في هذا الحديث وما في معناه ولا تختص الكراهة بها وحدها وهي كراهة تنزيه لا تحريم والعلة في الكراهة ما بينه

стр. 2036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ في قوله: "فإنك وقول أثم هو فقول لا فكره بشاعة الجواب وربما أوقع بعض النّاس في شيء من الطيرة" اهـ. قال ابن القيم وقد تقع الطيرة وقل: من تطير إلا وقعت به طيرته وأصله طائره فأرشد ﷺ أمته إلى منعهم من أسباب توجب لهم سماع المكروه ووقوعه وأن يعدل إلى أسماء يحصل بها المقصود من غير مفسدة هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من تعليق ضد الاسم عليه بأن يسمى يساراً من هو أعسر النّاس ورباحاً من هو من الخاسرين فيكون قد وقع في الكذب عليه وعلى الله تعالى ومن أمر آخر وهو أن المسمى قد يطالب بقضية اسمه فلا يوجد ذلك عنده فيكون سبب ذمه وسبه كما قيل: سموك من جهلهم سديداً ... والله ما فيك من سداد أنت الذي كونه فساد ... في عالم الكون والفساد قال ولي من أبيات: وسميته صالحاً فاغتدى ... بضد اسمه في الورى سائرا وظن بأن اسمه ساتر ... لأوصافه فغدى شاهرا وأمر آخر هو ظن الممدوح في نفسه أنه كذلك فيقع في تزكية نفسه وترفعه على غيرها ولهذا غير ﷺ اسم برة إلى زينب وقال لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم اهـ. وما جاء عن جابر أراد ﷺ أن ينهي عن أن يسمى بيعلى وببركة وبأفلح وبيسار وبنافع وبنحو ذلك ثم رأيته بعد سكت عنها فلم يقل شيئاً ثم قبض رسول الله ﷺ ولم ينه عن ذلك ثم أراد عمر أن ينهي عن ذلك ثم تركه هكذا وقع في معظم نسخ صحيح مسلم ببلادنا أن يسمى بيعلى وفي بعضها بمقبل بدل يعلى وذكر عياض أنه في أكثر النسخ بمقبل وفي بعضها بيعلى قال: والأشبه أنه تصحيف والمعروف بمقبل وهذا الذي أنكره القاضي ليس بمنكر بل هو المشهور وهو صحيح في الرواية وفي المعنى ومعنى قوله أراد النبي ﷺ أن ينهي عن هذه الأسماء الخ فمعناه نهى تحريم فلم ينه وأما النهي الذي هو كراهة تنزيه فقد نهى عنه

стр. 2037

وروينا في سنن أبي داود وغيره من رواية جابر، وفيه أيضاً النهي عن تسميته بركة. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: "إن أخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ الله تَعالى رَجل تَسَمَّى مَلِكَ الأمْلاكِ". وفي رواية "أخنى" بدل "أخنع". وفي رواية لمسلم "أغيَظُ رَجُلٍ عِنْدَ الله يَوْمَ ــ في الأحاديث الباقية اهـ. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) رواه أبو داود عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عشت إن شاء الله تعالى أنهي أمتي أن يسموا نافعاً وأفلح وبركة والله أعلم". قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) قال في الجامع الصغير رواه الشيخان وأبو داود والترمذي. قوله: (إن أخنع اسم عند الله الخ) قال أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو عن أخنع فقال: أوضع قال المصنف: هذا التفسير الذي ذكره أبو عمرو مشهور عنه وعن غيره فإن معناه أشد ذلاً وضغاراً يوم القيامة والمراد صاحب الاسم بدليل الرواية الثانية أغيظ رجل اهـ. قال الطيبي أو يراد بالاسم المسمى مجازاً أي أخنى الرجال رجل كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفيه من المبالغة أنه إذا قدس اسمه عما لا يليق بذاته فكان ذاته أولى وهنا إذا كان الاسم محكوماً عليه بالهوان والصغار فكيف بالمسمى فإذا كان حكم الاسم ذلك فكيف بالمسمى وهذا إذا رضي المسمى بالاسم واستمر عليه ولم يبد له وهذا التأويل أبلغ من الأول اهـ. وقد سبق لهذا الوجه الذي ذكره الطيبي القاضي فقال: يستدل به على أن الاسم هو المسمى وفيه الخلاف المشهور وقيل أخنع بمعنى أفجر يقال خنع الرجل إلى المرأة والمرأة إليه أي دعاها للفجور وهو بمعنى أخبث أي أكذب الأسماء وقيل: أقبح. وقوله: (عند الله) أي هذا شأنه عند الله وإن عده العوام الذين هم كالهوام من أعظم ما يرام. قوله: (وفي رواية) هي للبخاري (أخنى بدل أخنغ) وهو بمعنى ما سبق أي أفحش وأفجر والخنا الفحش وقد يكون بمعنى أهلك لصاحبه المسمى والإخناء الهلاك يقال: أخنى عليه الدهر أي أهلكه قال أبو عبيد وروي أنخع أي أقتل والنخع القتل الشديد. قوله: (أغيظ رجل عند الله) وفي نسخة على الله بدل قوله عند الله قال المازري: أغيظ هنا مصروف عن

стр. 2038

القِيامَةِ وأخْبَثُهُ رَجُلٌ كانَ يُسَمَّى مَلِكَ الأملاك، لا مَلِكَ إلاَّ اللهُ". قال العلماء: معنى أخنع وأخنى: أوضعُ وأذلُ وأرذلُ. وجاء في الصحيح عن سفيان بن عيينة قال: ملك الأملاك، مثل شاهان شاه. ــ ظاهره والله سبحانه لا يوصف بالغيظ فيتأول هذا الغيظ على الغضب نقله المصنف في شرح مسلم وقال العاقولي في شرح المصابيح أي أكثر من يغضب عليه غضباً اسم تفضيل بني للمفعول كألوم أضافه إلى المفرد على إرادة الجنس والاستغراق أي أشد أصحاب الأسماء الكريهة عقوبة وأغيظ وعلى ليس صلة لا غيظ كما يقال اغتاظ على صاحبه أي لأن الغيظ غضب العاجز عن الانتقام وهذا مستحيل في حقه تعالى بل هو مجاز معدول عن ظاهره وحمل مثلها على الله بالمعنى الغائي من الانتقام وحلول العقاب ممن تسمى بهذا الاسم في الآخرة ولهذا كان أحب الأسماء عبد الله وعبد الرحمن لأن المسمى بهما على بصيرة اهـ. وقال الطيبي لا بد في الحديث من الحمل على المجاز لأن التقييد بيوم القيامة مع أن حكمه في الدنيا كذلك للإشعار بترتب ما هو مسبب عنه من إنزال الهوان وحلول العقاب. قوله: (يسمى) بصيغة المجهول من التسمية نص عليه بعض المحدثين وفي نسخة بفتح الفوقية وتشديد الميم ماض معلوم من التسمي مصدر باب التفعل قال في المرقاة وقع في أصل مصحح في مسلم بصيغة المجهول من التسمية. وقوله: (ملك الأملاك) منصوب على المفعولية والأملاك جمع ملك كالملوك على ما في القاموس وقد جاء في رواية مسلم ما يشهد بذلك وهو قوله في آخر الحديث: لا ملك إلا الله فبين به علة تحريم التسمية بذلك إذ الملك الحقيقي ليس هو إلا الله تعالى وملكيته غير مستعارة فمن تسمى بهذا الاسم نازع الله كبرياءه فلما استنكف ذلك المسمى عن أن يكون عبداً لله جعل له الخزي على رؤوس الأشهاد وقيل إنه جمع ملك بكسر الميم ويشهد له رواية لا مالك إلا الله رواه الشيخان وغيرهما فيكون بهذا المعنى أيضاً مذموماً واعلم أن التسمي بهذا الاسم حرام وكذا التسمي بأسمائه تعالى المختصة به كالرحمن والرحيم والملك والقدوس وخالق الخلق ونحوها. قوله: (وجاء في الصحيح الخ) في صحيح مسلم وقع في رواية شاهان شاه وزعم

стр. 2039

باب ذكر الإنسان من يتبعه من ولد أو غلام أو متعلم أو نحوهم باسم قبيح ليؤدِّبه ويزجره عن القبيح ويروِّض نفسه روينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن بُسْرٍ المازني الصحابي رضي ــ بعضهم الأصوب شاه شاهان وكذا جاء في بعض الأخبار في كسرى قالوا وشاه ملك وشاهان الملوك وكذا يقولون لقاضي القضاة موبذ موبذان قال القاضي ولا ينكر صحة ما جاءت به الرواية لأن كلام العجم مبني على التقديم والتأخير في المضاف والمضاف إليه فيقولون في غلام زيد زيد كلام فهذا أكثر كلامهم فرواية مسلم صحيحة اهـ. وفي البخاري بعد تخريجه الحديث من طريق أبي الزناد ما لفظه يقول غيره أي غير أبي الزناد تفسيره أي ملك الأملاك شاهان شاه قال الكرماني شاه بالفارسية الملك وشاهان الأملاك ومعناه ملك الأملاك لكن في قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف وهو بسكون النون من شاهان لا بكسرها قال الشيخ زكريا والهاء ساكنة في الأخير وقال ابن القيم في الهدى لما كان الملك الله وحده ولا ملك على الحقيقة سواه كان أخنع اسم وأوضعه عند الله تعالى وأغضبه له شاهان شاه أي ملك الملوك وسلطان السلاطين فإن ذلك ليس لأحد غير الله تعالى فتسمية غيره بهذا من أبطل الباطل والله لا يحب الباطل اهـ. وقال شيخ الإسلام زكريا في شرح البخاري ومثل ملك الأملاك في التحريم أحكم الحاكمين وسلطان السلاطين ولا يلحق بذلك قاضي القضاة وأقضى القضاة وإن كان القضاء بمعنى الحكم إذ لا يلزم من كراهية ذكر أحد المترادفين كراهة ذكر الآخر كما أنه لا يلزم من كراهية خبثت نفسي كراهة تعست نفسي وإن كانا مترادفين اهـ. باب ذكر الإنسان من يتبعه من ولد أو غلام أو متعلم أو نحوهم أي من البنت والأمة وتابع الكبير (باسم قبيح) متعلق بذكر (ليؤدبه) بالموحدة من التأديب (ويزجره) من الزجر (عن القبيح) متعلق بأحد المصدرين المذكورين على سبيل التنازع (ويروض نفسه) أي يروض الإنسان نفسه أي نفس التابع بأن يدربها بالرياضة بالزجر والمجاهدة لتعود عن سفساف الأفعال إلى عليات المقامات

стр. 2040

الله عنه -وهو بضم الباء الموحدة وإسكان السين المهملة- قال: "بعثتني أمي إلى رسول الله ﷺ بقِطف من عنب، فأكلت منه قبل أن أُبلغَه إياه، فلما جئت به أخذ بأذني وقال: يا غُدَرُ". وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ في حديثه الطويل ــ والأحوال. قوله: (بعثتني أمي) لم أقف على من ذكر اسمها. قوله: (بقطف) بكسر القاف وسكون الطاء المهملة والفاء آخره هو العنقود وهو اسم لكل ما يقطف كالذبح والطحن وجمعه على قطاف وقطوف وأكثر المحدثين يرويه بفتح القاف وإنما هو بكسرها كذا في النهاية. قوله: (عنب) بكسر المهملة وفتح النون بعدها موحدة قوله: (أخذ بأذني) أي فتلها وفعل ذلك تأديباً لما صدر منه من التعرض للأمانة قبل بلوغها مقصدها. قوله: (فقال يا غدر) بضم الغين المعجمة وفتح الدال المهملة وبالراء معدول عن غادر للمبالغة يقال للذكر غدر وللأنثى غدار كحذار وهما مختصان بالنداء في الغالب وفي الصحاح الغدر ترك الوفاء وقد غدره فهو غادر وغدر أيضاً وأكثر ما يستعمل هذا في النداء بالشتم يقال: يا غدر. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) قال المزي في الأطراف أخرجه البخاري في الصلاة وفي علامات النبوة وفي الأدب وأخرجه مسلم في الأطعمة ورواه أبو داود في الإيمان والنذور اهـ. قوله: (عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ هو القرشي التيمي يكنى أبا عبد الله وقيل أبو محمد بابنه الذي يقال له أبو عتيق وقيل أبو عثمان أمه أم رومان أم عائشة وشهد بدراً وأحداً مع الكفار ودعا إلى البراز فقام إليه أبو بكر ليبارزه فقال له ﷺ متعني بنفسك وكان شجاعاً رامياً أسلم في هدنة الحديبية وحسن إسلامه وسكن المدينة وتوفي بمكة وكان اسمه عبد الكعبة فسماه ﷺ عبد الرحمن شهد اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل سبعة من أكابرهم وهو الذي قتل محكم اليمامة ابن طفيل رماه بسهم في نحره فقتله وكان محكم اليمامة في ثلمة من الحصن فلما قتله دخل المسلمون منها قال الزبير وكان عبد الرحمن أسن ولد أبي بكر قال المصنف في

стр. 2041

المشتمل على كرامة ظاهرة للصديق ﵁، ومعناه: أن الصديق ﵁ ضيَّف جماعة وأجلسهم في منزله وانصرف إلى رسول الله ﷺ فتأخر رجوعه، فقال عند رجوعه: أعشَّيتموهم؟ قالوا: لا، فأقبل على ابنه عبد الرحمن: يا غُنْثَرُ، ــ التهذيب روى له عن النبي ﷺ ثمانية أحاديث اتفقا على ثلاثة منها اهـ. وخرج عنه الأربعة روى عنه أبو عثمان النهدي وعمرو بن ميمون وعمرو بن مهران وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم خرج من المدينة إلى مكة قبل أن تتم البيعة ليزيد وكان قد طلب منه ذلك فامتنع فأرسل إليه بمائة ألف درهم بعد الامتناع يستعطفونه بها فردها وقال: لا أبيع ديني بدنياي فمات فجأة من نومة بمخل يقال له: حبشي على نحو عشرة أميال من مكة وحمل إلى مكة فدفن بها ولما اتصل خبر موته بأخته عائشة ظعنت إلى مكة حاجة فوقفت على قبره فبكت عليه وتمثلت: وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن نتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم ينبت ليلة معا أما والله لو حضرتك لدفنتك حيث مت ولو حضرتك ما بكيتك وكان موته سنة ثلاث وقيل سنة خمس وقيل ست وخمسين والأول أكثر قال العلماء: لا يعرف أربعة ذكور مسلمون متوالدون بعضه من بعض أدركوا النبي ﷺ وصحبوه إلا أبو قحافة وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن وابنه محمد. قوله: (المشتمل على كرامة ظاهرة للصديق) هي قوله في الحديث قال: أي عبد الرحمن فايم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها حتى شبعنا وصارت أكثر مما

стр. 2042

فَجَدَّعَ وسَبَّ. قلت: قوله: غنثر، بغين معجمة مضمومة، ثم نون ساكنة ثم تاء مثلثة مفتوحة ومضمومة ثم نون ساكنة ثم ثاء مثلثة مفتوحة ومضمومة ثم راء، ومعناه: يا لئيم، وقوله: فجدَّع، وهو بالجيم والدال المهملة، ومعناه: دعا عليه بقطع الأنف ــ كانت قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر قال لامرأته: يا أخت بني فراس ما هذا قالت: لا وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار قال: فأكل منها أبو بكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان يعني يمينه أي بالامتناع من الأكل معهم ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى رسول الله ﷺ فأصبحت عنده قال: وكان بيننا وبين قوم عقد فمضى الأجل ففرقنا اثني عشر رجلاً مع كل رجل منه أناس الله أعلم كم مع كل رجل إلا أنه بعث معهم فأكلوا منها أجمعون أو كما قال. هذا لفظ مسلم وعند البخاري بنحوه قال المصنف في شرح مسلم: هذا الحديث فيه كرامة ظاهرة لأبي بكر الصديق ﵁ وفيه إثبات كرامات الأولياء وهو مذهب أهل السنة خلافاً للمعتزلة اهـ. قوله: (فجدع) بتشديد المهملة أي دعا بالجدع وهو قطع الأنف. قوله: (وسب) أي شتم. قوله: (قلت غنثر بغين معجمة الخ) قال المصنف في شرح مسلم بعد ذكره كذلك هذه الرواية المشهورة في ضبطه وهو الثقيل الوخم وقيل هو الجاهل مأخوذ من الغثارة بفتح الغين المعجمة الجهل والنون فيه زائدة وقيل هو السفيه وقيل: هو ذباب أزرق وقيل: هو اللئيم مأخوذ من الغثر وهو اللؤم وحكى القاضي عن بعض الشيوخ أنه قال: إنما هو غنثر

стр. 2043

ونحوه، والله أعلم. باب نداء من لا يعرف اسمه ينبغي أن ينادَى بعبارة لا يتأذَّى بها، ولا يكون فيها كذب ولا ملق كقولك: يا أخي يا فقيه يا فقير، يا سيدي، يا هذا، يا صاحب الثوب الفلاني، أو النعل الفلاني، أو الفرس، أو الجمل، أو السيف أو الرمح، وما أشبه هذا على حسب حال المنادي والمنادى. وقد روينا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه بإسناد حسن عن بشير بن معبد المعروفة بابن الخصاصية ﵁ قال: "بينما أنا أماشي النبي ﷺ نظر فإذا رجل يمشي بين القبور عليه نعلان فقال: ــ بفتح الغين والثاء ورواه الخطابي وطائفة عنتر بعين مهملة ومثناة مفتوحتين قالوا: وهو الذباب وقيل هو الأزرق منه شبهه به تحقيراً له اهـ. وفي النهاية في معناه بالمهملة والمثناة الفوقية هو الذباب شبهه به تحقيراً له وتصغيراً وقيل: هو الذباب الكبير الأزرق شبهه به لشدة أذاه اهـ. قوله: (ونحوه) أي من الأذن أو الشفة. باب نداء من لا يعرف اسمه أي بيان لفظ نداء من لا يعرف المنادي اسمه حال النداء أما بأن لا يعرف اسمه مطلقاً أو اشتبه عليه حينئذٍ. قوله: (بعبارة) أي بلفظ وسمي عبارة لأنه يعبر به عما في الضمير. قوله: (كذب) بكسر الذال المعجمة أي إخبار بخلاف الواقع بأن يصف إنساناً بخلاف ما هو به. قوله: (ولا ملق) بفتح أوليه قال في النهاية: هو الزيادة في التودد والدعاء والتضرع فوق ما ينبغي وفي الحديث ليس في خلق المؤمن الملق. قوله: (كقولك يا أخي) هذا مثال اللفظ الذي يطلب الإتيان به لخلوه عن الملق ونحوه. قوله: (على حسب حال المنادي) أي بصيغة اسم الفاعل (والمنادى) بضيغة المفعول أي بأن ألفاظ الخطاب تختلف باختلاف أحوال المخاطب فلكل مقام مقال فينبغي مراعاة ذلك لما يترتب على تركه مما لا يخفى قوله: (روينا في سنن أبي داود والنسائي الخ) سبق الكلام على الحديث تخريجاً ومعنى في آخر أذكار الجنائز قبل أذكار الصلاة المخصوصة. قوله: (أماشي) مضارع

стр. 2044

يا صَاحِبَ السبْتِيَّتْينِ وَيْحَكَ الْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ ... " وذكر تمام الحديث". قلت: النعال السبتية بكسر السين: التي لا شعر عليها. وروينا في كتاب ابن السني عن جارية الأنصاري الصحابي ﵁ -وهو بالجيم- قال: "كنت عند النبي ﷺ وكان إذا لم يحفظ اسم الرجل قال: يا ابن عبد الله". باب نهي الولد والمتعلم والتلميذ أن ينادي أباه ومعلمه وشيخه باسمه روينا في كتاب ابن السني عن أبي هريرة ﵁ "أن النبي ﷺ رأى رجلاً معه غلام، فقال للغلام: مَنْ هَذَا؟ قال: أبي، قال: ــ ماشي أي أمشي مع رسول الله ﷺ . قوله: (يا صاحب السبتيتين الخ) أي فناداه بهذا اللفظ لما لم يعرف اسمه فيقاس به غيره من الثوب والفرس وعن الصديق ﵁ أنه مر به إنسان ومعه ثوب فقال: يا صاحب الثوب أتبيعه فقال: لا يرحمك الله قال: قل لا ويرحمك الله لئلا يلتبس الدعاء لي بالدعاء على أورد الثعلبي في كتاب اللطف واللطائف. قوله: (عن جارية الأنصاري ﵁ وهو بالجيم) أي بالراء المكسورة بعدها تحتية ولم أر له ترجمة في أسد الغابة. قوله: (وكان) معطوف على قوله كنت وينبغي أن يحلق بما في الحديث يابن أمة الله ونحوه يا عبد الله وما أشبهه. باب نهي الولد والمتعلم والتلميذ أي بكسر المثناة الفوقية وسكون اللام وكسر الميم بعدها تحتية فذال معجمة المشتغل بالعلم فعطفه على المتعلم من عطف الخاص على العام للاهتمام وقوله (أن ينادي أباه ومعلمه وشيخه باسمه) مفعول نهى وفي العبارة لف ونشر مرتب وكان حكمة تقديم ذكر الوالد على من بعده كونه السبب في وجوده الصوري الظاهري الذي يتأهل به للتعلم وأخذ العلم فهو لكونه سابقاً عليهما قدم في الذكر وإن كان الشيخ أحق بالإكرام لكونه سبباً للحياة الأبدية ويحتمل أن يكون في العبارة ترق لكن يبعده أن المعلم للصناعات ليس أعظم حقاً من الأب بخلاف الشيخ المربي للإنسان المنقذ له من الجهل إلى العرفان فإنه أحق بالإكرام والإحسان والله أعلم وإنما نهى عن دعاء من ذكر باسمه لأنه خال عن التعظيم

стр. 2045

فَلا تَمْشِ أمامَهُ، وَلا تَسْتَسِبَّ لَهُ، وَلا تَجْلِسْ قَبْلَهُ، ولاَ تَدْعُهُ باسْمِهِ". قلت: معنى لا تستسبَّ له: أي لا تفعل فعلاً يتعرض فيه لأن يسبك أبوك زجراً لك وتأديباً على فعلك القبيح. وروينا فيه عن السيد الجليل العبد الصالح المتفق على صلاحه عبيد الله بن زَحْر -بفتح الزاي وإسكان الحاء المهملة- ﵁ قال: يقال: من العقوق أن تسميَ أباك باسمه، وأن تمشيَ أمامه في طريق. ــ المطلوب منه مع من ذكر وقد نهى الله عباده أن ينادوا النبي ﷺ باسمه بل يدعونه بوصفه الشريف من الرسالة والنبوة ونحوهما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ قوله: (فلا تمش أمامه) أي لأن في ذلك صورة ترفع عليه واستهانة بشأنه. قوله: (ولا تستسب له) أي لا تطلب سبه لك بوقوعك في فعل قبيح يدعوه أن يسبك من أجله ويؤذيك على فعله، وإنما نهى عن ذلك لما فيه من إيذائه وهذا ما ذكره المصنف ﵀ ويحتمل أن يكون المعنى لا تطلب السب له من الغير وذلك بأن تسب ذلك الغير فيسب أباك وفي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "من الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه متفق عليه. قوله: (ولا تجلس قبله) أي فإن ذلك خلاف الأدب وفيه نوع من التكبر عليه. قوله: (ولا تدعه باسمه) يحتمل أن يراد من الاسم العلم بأنواعه من اسم ولقب وكنية وحينئذٍ فيدعوه بوصفه من نحو يا سيدي أو يا أبي أو يا مولانا أو يا أستاذنا أو نحوه ويحتمل أن المراد من الاسم هنا ما يقابلهما فيدعوه بكنيته ولقبه والأول أقرب إلى رعاية الأدب لكن ظاهر ما يأتي من قول المصنف باب جواز الكنى واستحباب مخاطبة أهل الفضل بها أن المراد من الاسم هنا ما يقابل اللقب والكنية فلا بأس بندائه بلقبه كيا زين العابدين أو كنيته كيا أبا الخير أو بنحو يا أبت كما في الكتاب العزيز حكاه عن بعض الأنبياء ﵈. قوله: (وعن السيد) أي المرتفع المقدار. قوله: (عبيد الله بن زحر) هو بصيغة التصغير مما عاصر صغار التابعين

стр. 2046

باب استحباب تغيير الاسم إلي أحسن منه فيه حديث سهل بن سعد الساعدي المذكور في باب تسمية المولود في قصة المنذر بن أبي أُسَيد. روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ "أن زينب كان اسمُها برَّةَ، فقيل: تزكي نفسها، ــ ولم ينسب لقبه لأحد من الصحابة وهو ضمري مولاهم إفريقي صدوق يخطيء خرج عنه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة كذا في تقريب الحافظ ابن حجر. باب استحباب تغيير الاسم إلي أحسن قوله: (فيه حديث سهل بن سعد الخ) أي وذلك قوله في آخره قال: ما اسمه قال: فلان قال: لا ولكن امه المنذر فسماه يومئذٍ المنذر. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) رواه البخاري في الأدب من صحيحه ومسلم في الاستئذان من صحيحه ورواه ابن ماجه كذا في الأطراف للحافظ المزي. قوله: (أن زينب) أي بنت جحش أم المؤمنين كما أشار إليه المصنف في شرح مسلم وصرح به شيخ الإسلام زكريا في تحفة القاري وقال الكرماني زينب بنت جحش أو زينب بنت أبي سلمة لأنه ﷺ غير اسم كل منهما إلى زينب وكذا قال الحافظ في الفتح وزاد الأولى أم المؤمنين والثانية ربيبة النبي ﷺ كذا قاله ابن عبد البر. قوله: (برة) بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء مبالغة بارة إما على الوصفية أو المصدرية أي كثيرة البر. قوله: (فقيل تزكي نفسها) أي لأن لفظ برة مشتق من البر وفي كلام ابن القيم في الهدى من أثناء حكم نهيه عن أسماء معينة قال: وأمر آخر هو ظن المسمى واعتقاده في نفسه أنه كما سمى فيقع في تزكية نفسه وتعظيمها وترفعه على غيره وها هو المعنى الذي لأجله نهى النبي ﷺ أن تسمى برة وقال: "لا تزكوا أنفسكم هو أعلم بأهل البر منكم" قال: وعلى هذا فتكره التسمية بالتقي والمتقي والمطيع والطائع والراضي والمحسن والمخلص ونحوها أما تسمية الكفار بذلك فلا يجوز التمكين منه ولا دعاؤهم بشيء من هذه الأسماء والأخبار عنهم بها والله يغضب من تسميتهم بذلك اهـ. وقال ابن الملك تزكية الرجل نفسه ثناؤه عليها والبر اسم لكل فعل مرضي.

стр. 2047

فسماها رسول الله ﷺ زينبَ". وفي "صحيح مسلم" عن زينب بنت أبي سلمة ﵂ قالت: ــ قوله: (فسماها زينب) في القاموس زنب كفرح سمن والأزنب السمين وبه سميت المرأة زينب يعني أخباراً أو تفاؤلاً أو من زنابي العقرب لزباناها أو من الزينب لشجر حسن المنظر طيب الرائحة أو أصلها زين أب. قوله: (وفي رواية صحيح مسلم) هو حديث آخر غير ما قبله لأن حديث أبي هريرة في الصحيحين وهو في شأن زينب أم المؤمنين كما تقدم عن المصنف والشيخ زكريا أو هي أو بنت أبي سلمة كما قال الكرماني والحافظ وهذا في مسلم وهو في شأن زينب بنت أبي سلمة وإنما نبهت على ذلك لأن ظاهر العبارة يوهم أن هذا بيان رواية مسلم في الحديث السابق عن أبي هريرة وأن ما قدمه لفظ البخاري فيقتضي أن ذلك السابق أيضاً في زينب بنت أبي سلمة وقد علمت الخلاف فيه وفي بعض النسخ "وفي صحيح مسلم" بحذف قوله رواية وهي واضحة وفي شرح مسلم بعد الإشارة إلى حديثي أبي هريرة وزينب ذكر في الحديثين أنه ﷺ غير اسم برة بنت أبي سلمة وبرة بنت جحش فسماهما زينب وقال: "لا تزكوا أنفسكم هو أعلم بأهل البر منكم" اهـ. قوله: (عن زينب بنت أبي سلمة) هي القرشية المخزومية ربيبة رسول الله ﷺ أمها أم سلمة زوج النبي ﷺ ولدتها أمها بأرض الحبشة وقدمت بها معها وأخرج ابن الأثير عنها قالت: كانت أمي إذا دخل رسول الله ﷺ يغتسل تقول: ادخلي عليه فإذا دخلت نضح في وجهي من الماء ويقول: ارجعي قال عطاف: قالت أمي: ورأيت زينب وهي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شيء روى لها عن النبي ﷺ سبعة أحاديث منها في الصحيحين حديثان أحدهما للبخاري والآخر لمسلم وخرج حديثها الجماعة روت عن أمها أم سلمة وزينب بنت جحش وروى عنها عروة وأبو سلمة بن عبد الرحمن تزوجها عبد الله بن زمعة بن الأسود الأسدي فولدت له وكانت من أفقه نساء زمانها، وروى

стр. 2048

سميتُ برَّةَ، فقال رسول الله ﷺ : "سموها زينبَ، قالت: ودخلت عليه زينبُ بنت جحش واسمها برَّة، فسماها زينبَ". وفي "صحيح مسلم" أيضاً عن ابن عباس قال: "كانت جويرية اسمها برَّة، فحوَّل رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برَّة. وروينا في "صحيح البخاري" عن سعيد بن المسيب بن حزن عن أبيه، أن أباه جاء إلى النبي ﷺ ــ جرير بن حازم عن الحسن قال: لما كان يوم الحرة قتل أهل المدينة وكان فيمن قتل ابنا زينب ربيبة رسول الله ﷺ فحملا فوضعا بين يديها مقتولين فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون والله أن المصيبة علي فيهما لكبيرة وهي علي في هذا أكبر منها في هذا لأنه جلس في بيته فدخل عليه فقتل مظلوماً وأما الآخر فإنه بسط يده وقاتل فلا أدري على ما هو من ذلك وهما ابنا عبد الله بن زمعة توفيت سنة ثلاث وسبعين بعد الحرة وحضر جنازتها عبد الله بن عمر. قوله: (سميت برة) بضم المهملة وكسر الميم مبني للمجهول وفي الحديث في مسلم لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم قالوا: بم نسميها قال: سموها زينب فعلة التغيير فيها وفي زينب بنت جحش ما في برة من التزكية وفي الجامع الصغير كان ﷺ يلاعب زينب بنت أم سلمة ويقول: يا زوينب يا زوينب مراراً رواه الضياء عن أنس. قوله: (وفي صحيح مسلم أيضاً) قال الحافظ المزي في الأطراف رواه مسلم في الأدب والدعاء ورواه أبو داود في الصلاة ورواه ابن السني في اليوم والليلة اهـ. ملخصاً. قوله: (كانت جويرية) بضم الجيم تصغير جارية. وقوله: (اسمها برة) أي قبل الدخول في عصمته ﷺ . وقوله: (فحول أسمها جويرية) منصوب على نزع الخافض أي إلى جويرية أو ضمن حول معنى صير فيكون متعدياً إلى مفعولين. قوله: (وكان يكره أن يقال خرج من عند برة) أي فعلة التغيير فيه خوف التطير قاله المؤلف في شرح مسلم. قوله: (وروينا في صحيح البخاري) قال المزي رواه البخاري في الأدب من صحيحه. قوله: (عن أبيه) هو المسيب بفتح الياء على المشهور وكان سعيد يكرهه ويقول سيب الله في النار من سيب أبي فالأولى أن يقرأ بكسرها هرباً من دعوة هذا التابعي الجليل والمسيب صحابي تقدمت ترجمته في أثناء كتاب السلام والاستئذان. قوله: (أن أباه) أي أبا المسيب وهو حزن

стр. 2049

فقال: "ما اسْمُكَ؟ قال: حَزْن، فقال: أنْتَ سَهْل، قال: لا أغيِّر اسماً سمَّانيه أبي، قال ابن المسيب: فما زالت الحُزونةُ فينا بعدُ". قلت: الحُزُونَةُ: غِلَظُ الوجه ــ ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي كان من المهاجرين ومن أشراف قريش في الجاهلية وهو الذي أخذ الحجر الأسود من الكعبة حين أرادت قريش تبني الكعبة فبز الحجر الأسود من يده حتى رجع مكانه وقيل الذي رفع الحجر أبو وهب والد حزن وهو الصحيح وأنكر مصعب الزبيري هجرة حزن وقال: هو وابنه من مسلمة الفتح استشهد حزن يوم اليمامة وقيل: استشهد يوم بزاحة أول خلافة أبي بكر في قتال أهل الردة. قوله: (لا أغير اسماً الخ) في رواية أبي داود لأن السهل يوطأ ويمتهن أي لا غير اسمي لأن السهل يوطأ ويهان ويداس بالأقدام قال في المرقاة وفيه نوع نزعة من نزعات إبليس وقياساته من التلبيس حيث لم يدر أن من تواضع الله رفعه الله وأن المرء عند الامتحان يكرم أو يهان والحاصل إنه كما قيل الأسماء تنزول من السماء وافق اسمه حزنة الجبلية مطابقاً للحزن الجبلي وأبعد الطيبي في قوله: بل أنت سهل أي هذا الاسم غير مناسب لك لأنك حليم لين الجانب ينبغي أن تسمى سهلاً فإنه لو كان حليماً لين الجانب لراعى أدب جانب النبوة وعمل بمقتضى أخلاق الفتوة اهـ. وما سلكه الطيبي أنسب بالأدب مع الصحابة ﵃. قوله: (الحزونة غلظ الوجه الخ) وقال في أسد الغابة قال سعيد تلك الحزونة فينا ففي ولده سوء خلق أخرجه في آخر الحديث المذكور وقال الكرماني الحزن لغة ما غلظ من وجه الأرض والحزونة الغلظ والأمر بتغيير الاسم لم يكن على سبيل الوجوب لأن الأسماء لم يسم بها لوجود معانيها في المسمى بل للتمييز ولو كان للوجوب لم يسغ له أن يثبت عليه وألا بغيره نعم الأولى التسمية بالاسم الحسن وتغيير الاسم القبيح إليه وكذا الأولى ألا يسمى بما معناه التزكية أو المذمة بل يسمى بما كان صدقاً وحقاً كعبد الله ونحوه اهـ. وقال الشيخ زكريا في شرح البخاري الحزونة الصعوبة

стр. 2050

وشيءٌ من القساوة. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ غير اسم عاصيةَ، وقال: أنت جميلة". وفي رواية لمسلم أيضاً "أن ــ وقال السيوطي الحزونة صعوبة الخلق. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) وكذا رواه أبو داود في سننه كلاهما من حديث يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن ابنة لعمر أي ابن الخطاب وصريح هذه الرواية أن التي غير النبي ﷺ اسمها من عاصية إلى جميلة هي بنت لعمر وقد استدركها الغساني على ابن عبد البر أخذاً بهذا الخبر قال ابن الأثير وليس بشيء فإن جميلة امرأة عمر وهي بنت ثابت كان اسمها عاصية فسماها النبي ﷺ جميلة كما رواه حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر اهـ. ونقل الطاهر الأهدل بهامش نسخته عن القسطلاني قوله هي جميلة بنت عاصم بن أبي الأفلح الأوسي امرأة عمر بن الخطاب اهـ. أقول: ولا مانع من تغيير اسم كل من امرأته وبنته سيما وقد جاء في مسلم وأبي داود في الرواية الأولى التصريح بأنه غير اسم بنت عمر ثم رأيت منقولاً عن خط البرهان الحلبي عدهما معاً فيمن غير النبي ﷺ اسمه إلى اسم أحسن منه فقال: جميلة بنت عمر كان اسمها عاصية وجميلة زوجة عمر كان اسمها عاصية ذكرهما ابن الأثير وغيره اهـ. ثم تسميتها بعاصية لعله كان في الجاهلية يمكن ألا يكون من العصيان بل من العيص بالكسر الشجر الكثير الملتف ويطلق على المنبت ومنه عيص بن إسحاق ابن إبراهيم ولما أبدلت الياء ألفاً فتحت العين قيل: ومنه العاص وأبو العاص والحاصل أنه مؤنث العاصي لكن لما كان يتبادر منه هذا المعنى غيره وقال التوربشتي إنما كان ذلك التسمي في الجاهلية فإنهم كانوا يسمون بالعاص والعاصية ذهاباً إلى معنى الآباء عن قبول النقائص والرضا بالضيم فلما جاء الله بالإسلام كره له ذلك اهـ. ولعل حكمة تسميتها جميلة دون مطيعة مع أنه ضد العاصية مخافة التزكية ثم رأيت العاقولي ذكر ذلك فقال: عدل عن تسميتها بما يقابل اسمها وهو طائعة لأن فيه تزكية النفس

стр. 2051

ابنة لعمر كان يقال لها: عاصية، فسماها رسول الله ﷺ جميلة". وروينا في "سنن أبي داود" بإسناد حسن عن أسامة بن أخدري الصحابي ﵁ -وأخدري بفتح الهمزة والدال المهملة وإسكان الخاء المعجمة بينهما- "أن رجلاً يقال له: أصرم كان في النفر الذين أتَوْا رسولَ الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ما اسْمُكَ؟ قال: أصرم، قال: بَل أنْتَ زُرْعَةُ". ــ وهي منهى عنها كما في برة والله أعلم. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) أخرجه في الأدب من سننه وانفرد به عن باقي الكتب الستة. قوله: (عن أسامة بن أخدري الصحابي ﵁ وأخدري بفتح الهمزة والدال المهملة وسكون المعجمة بينهما وراء مكسورة ثم ياء نسبة قال المنذري الأخدري: حمار الوحش ويشبه أن يكون سمى به اهـ. وهو أسامة بن أخدر الشقري واسم شقرة الحارث بن تميم وإنما سمي شقرة ببيت قاله: وقد أحمل الرمح الأصم كعوبه ... به من دماء الحي كالشقرات والشقرات شقائق النعمان قد حمى أرضه وأنبته فيها فنسبت إليه نزل أسامة البصرة قال ابن الأثير وليس له إلا هذا الحديث يعني حديث الباب وقد تقدمت الإشارة لذلك وفي المرقاة قد قيل في صحبة أخدري وفي إسناد حديثه مقال اهـ. قوله: (يقال له أصرم) بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الراء المهملتين وهو أصرم الشقري. قوله: (في النفر) هو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا واحد له من لفظه كذا في النهاية. قوله: (أتوا رسول الله ﷺ ) أي مع الحي من شقرة وفي أسد الغابة لابن الأثير روى أسامة بن أخدري قال: قدم حي من شقرة على النبي ﷺ فيهم رجل ضخم يقال له أصرم قد ابتاع عبداً حبشياً فقال: يا رسول الله سمه وادع لي فيه بالبركة فقال: ما اسمك قال: أصرم قال: بل أنت زرعة أخرجه الثلاثة يعني ابن منده وأبا نعيم وابن عبد البر. قوله: (زرعة) بضم الزاي وسكون الراء وبالعين المهملة غير اسم أصرم لما فيه من الصرم وهو القطع إلى زرعة الذي فيه الإنبات والنفع قال العاقولي كأنه فهم من أصرم معنى القطع وهو مؤذن بأن

стр. 2052

وروينا في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن أبي شريح هانيء الحارثي الصحابي ﵁ "أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنّونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: إن اللهَ هُوَ الحَكَمُ، ــ يكون المسمى به أبتر لا نسل له فسماه زرعة لبركة الزرع ونموه اهـ. وفي التجريد أصرم ابن يربوع سماه النبي ﷺ سعيداً اهـ. قوله: (وروينا في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما) قال الحافظ زين الدين العراقي في أماليه على المستدرك هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه وقال فيه: إن الله هو الحكم وإليه الحكم ورواه الحاكم وقال: قد ذكرت في كتاب المعرفة في ذكر المخضرمين شريح بن هانيء أدرك الجاهلية والإسلام ولم ير النبي ﷺ فصار عداده في التابعين وقال: قبل إيراد هذا الحديث أن المقدام وأباه شريحاً من أكابر التابعين قال العراقي وليس المقدام من أكابر التابعين ولا من صغارهم إنما سمع من أبيه ولا أعلم له رواية عن أحد من الصحابة على القول الصحيح في تعريف الصحابي وقد ذكره ابن حبان في طبقة أتباع التابعين من الثقات اهـ. قوله: (أبي شريح هانيء الحارثي) وشريح بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها مهملة وهانئ الهمز بعد النون المكسورة وهو هانئ بن يزيد الحارثي والراء المهملتين والمثلثة منسوب إلى بني الحارث بن كعب بن غسلة بن خالد بن مالك بن أدد كما في لب اللباب للأصفهاني وأبو شريح ذكره ابن الأثير في أسد الغابة واقتصر من ذكر أحواله على حديث الباب وزاد قيل إن النبي ﷺ دعا له ولولده. قوله: (يكنونه) بضم أوله مع تشديد النون وبفتحه مع تخفيفها والكنية قد تكون بالأوصاف كأبي الفضائل وأبي الحكم وقد تكون بالنسبة إلى الأولاد كأبي سلمة وأبي شريح وإلى ما يلابسه كأبي هريرة فإنه ﵊ رآه معه هرة فكناه بذلك وقد تكون للعلمية الصرفة كأبي بكر وأبي عمر. قوله: (إن الله هو الحكم) بفتحتين بمعنى الحاكم وهو القاضي كذا في النهاية وتقدم فيه مزيد في الكلام على ما يتعلق بالأسماء الحسنى وعرف

стр. 2053

وإلَيهِ الحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أبا الحَكَم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتَوْني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال رسولَ الله ﷺ : ما أحْسَنَ هَذَا، فمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: فَمَنْ أكْبَرَهُمْ؟ قلت: شريح، قال: فأنْتَ ــ الخبر وأتى بضمير الفصل الدال على الحضر وأن هذا الوصف مختص به تعالى لا يتجاوز إلى غيره إذ منه مبدأ الحكم وإليه منتهاه قال تعالى: (﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ولا راد لحكمه ولا يخلو حكمه عن حكمة وفي إطلاق الحكم على غيره إيهام الاشتراك في وصفه وقد غير قوله اسم عمرو بن هشام المكنى بأبي الحكم بأبي جهل. قوله: (وإليه الحكم) هو بضم الحاء وإسكان الكاف قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ وقد عقد العراقي هذا المعنى في قوله: الحكم لله ثم رسوله ... فهو المحكم منه والله الحكم قوله: (إن قومي الخ) أشار به إلى أنهم جعلوه حكماً بينهم أي يقبلون حكمه ويرضون به لمراعاته الجانبين والعدل بين الخصمين ونحو ذلك. كقوله: (ما أحسن هذا) أي حصول الائتلاف بين القوم بسببك لأنه دال على حسن السياسة الناشيء عنها رصاهم بحكمك لكن التسمية بأبي الحكم لمجرد هذا الأمر أو أي حكم كان من أحكام حكام الدنيا قبيح لأن التسمي بهذا الاسم لا يليق إلا بمن له الحكم في كل شيء على الإطلاق وهو الله تعالى ولما منعه ﷺ من التكني بما لا يليق به أرشده إلى التكني بأحسن ما يليق به فدل على استحباب التكني باسم أكبر الأولاد قاله العاقولي واستظهر في المرقاة أن المشار إليه وجه التكنية قال: وأتى بصيغة التعجب مبالغة في حسنه لكن لما كان فيه من الإيهام ما سبق حول كنيته إلى ما يأتي قال: وأغرب المظهري في قوله "ما" للتعجب يعني الحكم بين النّاس حسن لكن هذه الكنية غير حسنة وتبعه الطيبي فقال: لما لم يكن جوابه مطابقاً قال له ﷺ : "على ألطف وجه وأرشقه رداً عليه ما أحسن هذا لكن أين ذلك من هذا فاعدل إلى ما يليق بحالك من التكني بالأبناء وهو من باب الرجوع إلى ما هو أولى وأليق بحاله اهـ. قوله: (قال شريح)

стр. 2054

أبُو شُرَيْحٍ". قال أبو داود: وغيَّر النبي ﷺ اسم العاصي، وعزيزٍ، وعتلةَ، وشيطانٍ، ــ هو صاحب علي بن أبي طالب ومن أجل أصحابه بعد كما قاله ابن الأثير وقد كان مفتياً في زمن الصحابة ولاه علي قاضياً وخالفه في قبول شهادة الحسن له والقضية مشهورة كذا في المرقاة وروى عنه مسلم كما قاله الأصفهاني في لب اللباب وظاهر الترتيب المقتضى لعقله أنه قدم الأكبر فالأكبر لكن الواو لدلالته على مطلق الجمع غير صريح في ذلك فقال ﷺ : "فمن أكبرهم" قال شريح الخ. قوله: (وغير النبي ﷺ اسم العاص الخ) قال العاقولي لأن المؤمن يليق به الطاعة اهـ. قال في المرقاة لكن المفهوم من القاموس أن العاص ليس من مادة العصيان حيث ذكر في معتل العين أن الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص قال والعيص المنبت فلعل التبديل الأسمى لأجل الاشتباه اللفظي اهـ. قال ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة مطيع بن الأسود القرشي العدوي كان اسمه العاص فسماه ﷺ المطيع ثم أخرج عن عبد الملك بن المطيع أن النبي ﷺ جلس على المنبر فقال للناس: "اجلسوا" فدخل العاص بن الأسود فسمع قوله: اجلسوا فجلس فلما نزل النبي ﷺ جاء العاص فقال له رسول الله ﷺ : " ما لي لم أرك في الصلاة فقال بأبي وأمي أنت يا رسول الله دخلت فسمعتك تقول: اجلسوا فجلست حيث انتهى إلى السمع فقال: "لست بالعاص ولكنك مطيع" فسمي مطيعاً يومئذٍ. قوله: (وعزيز) أي لأن العزة الحقيقية الله تعالى والعبد من حيث إنه عبد دليل فلذا من كساه الله عزة فلا ينبغي أن يدعيها لنفسه فإنها من الله لا من العبد نفسه أخرج في المسند وصاحب المشتبه وفي كتاب التجريد عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: كان اسم أبي عزيزاً فغيره النبي ﷺ وكذا لا ينبغي التسمية بنحو حميد وكريم لأنهما وصفان له تعالى. قوله: (وعتلة) بفتح المهملة وسكون الفوقية قيل: وفتحها كما سيأتي في كلام الشيخ وغيره لأن معناها الغلظة والشدة وهي عمود حديد يهدم به الحيطان وقيل حديدة كبيرة يقلع بها الشجر والحجر أي ومن صفات المؤمن اللين والسهولة قال ﷺ : "المؤمنون هينون". قوله: (وشيطان) أي غيره عمن سمى به

стр. 2055

والحَكَم، وغراب، وحباب، وشهاب فسماه هاشماً، وسمى حرباً سلماً، وسمى المضطجع المنبعثَ، وأرضاً يقال لها. عقِرَة سماها خَضِرَة، وشَعْب الضلالة سماه شعبَ ــ لأنه من الشطن وهو البعد عن الخير كله كما في شرح السنة وفي التجريد عن ابن المسيب كان رجل اسمه شيطان فسماه ﷺ الحباب اهـ. (و) غير اسم (الحكم) بفتحتين لأنه هو الذي إذا حكم لا يرد حكمه وهذه الصفة ليست حقيقة إلا الله وإذا غير اسم أبي الحكم كما تقدم فاسم الحكم أولى (و) غير اسم (غراب) لما يسكن القلوب من التفاؤل به في القطيعة والبين لأنه مأخوذ من الغرب وهو البعد ثم هو خبيث لوقوعه على الجيف (و) غير اسم (حباب) بضم المهملة وتكرير الموحدة لأنه نوع من الحيات وروي أن الحباب اسم الشيطان كما قاله الخطابي في معالم السنن وفي التجريد للذهبي الحباب بن عبد الله بن أبي ابن سلول غيره النبي ﷺ إلى عبد الله. قوله: (وشهاب) أي غير اسمه وسماه بهشام لأن الشهاب شعلة من النار وهي أولى بالكفار وفي مبهمات الخطيب هشام بن عامر الأنصاري والد سعد بن هشام كان اسمه شهاب فقال النبي ﷺ : "بل أنت هشام" قال النجم بن فهد: وهو في المسند وفي المرقاة الظاهر أنه إذا أضيف شهاب إلى الدين مثلاً لا يكون مكروهاً أي من هذا المعنى وإن كره لما فيه من التزكية والله أعلم. قوله: (وسمى حرباً سلماً) أي لما في الحرب من البين والقطعية والسلم بكسر المهملة وفتحها الصلح وفي المسند من حديث علي قال: لما ولد الحسن سميته حرباً فجاء ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه" قلت: حرباً قال: "بل هو حسن" قال: فلما ولد الحسين سميته حرباً جاء ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه" قلت: حرباً قال: "بل هو حسين" الحديث. قوله: (وسمى المضطجع المنبعث) قال في أسد الغابة عن ابن إسحاق في ذكر حصار النبي ﷺ للطائف قال: ونزل على رسول الله ﷺ حين كان محاصراً للطائف ممن أسلم المنبعث كان اسمه المضطجع فسماه رسول الله ﷺ المنبعث وكان إلى عثمان بن عامر بن معتب أخرجه ابن مسنده وأبو نعيم اهـ. ووجه التغيير أن المضطجع يقتضي الجمود والقعود عن المعالي المطلوبة والمنبعث بخلافه. قوله: (وأرضاً يقال لها عقرة) بفتح المهملة وكسر القاف لا تحمل من العقر وخضرة بفتح الخاء وكسر الضاد

стр. 2056

الهدى، وبنو الزّيْنة سماهم بني الرَّشدة، وسمى بني مُغْوِية بني رِشْدة. قال أبو داود: تركت أسانيدها للاختصار. قلت: عَتَلة بفتح العين المهملة وسكون التاء المثناة فوق، قاله ابن ماكولا، قال: وقال عبد الغني: عَتْلَةُ، بفتح التاء أيضاً، قال: وسماه النبي ﷺ عتبة، وهو عتبة بن عبد السلمي. باب جواز ترخيم الاسم إذا لم يتأذَّ بذلك صاحبه روينا في الصحيح من طرق كثيرة "أن رسول الله ﷺ رخَّم أسماء ــ المعجمتين قال في النهاية مر ﷺ بأرض تسمى عقرة فسماها خضرة كأنه كره لها اسم العقر لأن العاقر المرأة التي لا تحمل وشجرة عاقرة لا تحمل فسماها خضرة تفاؤلاً بذلك ويجوز أن يكون من قولهم نخلة عقرة إذا قطعت رأسها فيبست اهـ. أخرج بقي بن مخلد من حديث عبدة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: إن النبي ﷺ مر بأرض مجدبة فسماها خضرة أورده النجم بن فهد في نزهة العيون. قوله: (وبنو الزنية في الرشدة) في النهاية وفد عليه ﷺ بنو مالك بن ثعلبة فقال: "من أنتم؟ " فقالوا: نحن بنو الزنية فقال: "بل أنتم بنو الرشدة"، الزنية بفتح الزاي وكسرها آخر ولد الرجل والمرأة كالعجزة وبنو مالك يسمون في الزنية لذلك وإنما قال لهم ﷺ : "بل أنتم بنو الرشدة" نفياً لهم عما بوهمه لفظ الزنية من الزنى وهو نقيض الرشدة وجعل الأزهري الفتح في الزنية والرشدة أفصح اللغتين اهـ. قوله: (وسمى بني مغوية) بضم الميم وسكون الغين المعجمة وكسر الواو بعدها تحتية قال في لب اللباب مغوية الذي ينسب إليه المغوي هو أجرم بن ناهس بطن من خثعم وأما مغوية بضم الميم فهو الذي وفد على النبي ﷺ فكناه أبا راشد اهـ. باب جواز ترخيم الاسم إذا لم يتأذ بذلك صاحبه ترجم البخاري في صحيحه باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفاً وهو أظهر من ترجمة المصنف لأن ما ترجم به يشمل أبا هر في أبي هريرة بخلاف ما ترجم

стр. 2057

جماعة من الصحابة، فمن ذلك قوله ﷺ لأبي هريرة ﵁: يا أبا هِرّ" وقوله ﷺ لعائشة ﵂ "يا عائِشُ" ولأنجشة ﵁ "يا أنْجَشُ". ــ به المصنف قال الكرماني: قال ابن بطال: ليس هذا من باب الترخيم وإنما هو نقل اللفظ من التأنيث والتصغير إلى التذكير والتكبير فهو وإن كان نقصاً في المبنى زيادة في المعنى اهـ. لكن خالفه فيه الشيخ زكريا في حاشيته على البخاري فقال: المراد من حرف في الترجمة الجنس فيشمل نقص ما فوق الواحد وإن غيرت صورته كما في ترخيم أبي هريرة بأبي هو اهـ. فجعله مرخماً من أبي هريرة وتغييره من توابع ترخيمه والأول أقرب إلى كلام النحاة فإنهم لم يذكروا مثل ذلك في الترخيم وكلام الشيخ زكريا يوافق صنيع المصنف هنا والله أعلم. قوله: (فمن ذلك قوله لأبي هريرة) هو عند البخاري عنه قال: قال لي النبي ﷺ : "يا أبا هر" وليس هذا من الترخيم كما سبق في كلام ابن بطال. قوله: (وقوله لعائشة ﵂ رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عنها ولفظها قال لي رسول الله ﷺ "يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام فقلت وعليه السلام ورحمه الله قالت وهو يرى ما لا أرى"، وعائش ترخيم عائشة يجوز فيه الفتح الكرماني وعليه الأكثر قلت: وهي لغة من ينتظر ويجوز فيه الضم. قوله: (ولأنجشة) بالعطف على عائشة أي وقوله: لأنجشة (يا أنجش) وحديثه في البخاري عن أنس قال: كانت أم سلمة في الثقل وأنجشة غلام النبي ﷺ يسوق بهن فقال النبي ﷺ : "يا أنجش رويدك سوقك بالقوارير" وسبق الكلام على من خرج الحديث في باب الحداء من كتاب أذكار المسافر وأنجشة بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم والشين المعجمة غلام أسود كان للنبي ﷺ وأنجش بحذف الهاء مرخمة يجوز فيه الفتح والضم على قاعدة المرخمات وقد ذكر أنجشة ابن الأثير في أسد الغابة وقال في ترجمته العبد الأسود كان حسن الصوت بالحداء فحدا بأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع فأسرعت الإبل فقال النبي ﷺ : "يا أنجش رفقاً يالقوارير" وأخرج عن أنس كان أنجشة يحدو بالنساء والبراء

стр. 2058

وفي كتاب ابن السني أن النبي ﷺ قال لأسامة: "يا أسَيْمُ" وللمقدام "يا قُدَيْمُ". باب النهي عن الألقاب التي يكرهها صاحبها ــ بن مالك يحدو بالرجال وكان أنجشة حسن الصوت وكان إذا حدا عييت الإبل فقال ﷺ : "يا أنجشة رويدك رفقاً بالقوارير" أخرجه الثلاثة يعني ابن عبد البر وأبا نعيم وابن منده. قوله: (وفي كتاب ابن السني الخ) الترخيم في حديثي ابن السني غير الترخيم في أحاديث الصحيح لأن الذي في أحاديث الصحيح هو المشهور وهو حذف آخر المنادى تخفيفاً وأما الذي في حديثي ابن السني فهو من باب تصغير الترخيم ومعناه أن تنظر إلى الاسم المشتمل على حروف أصول وزوائد فتحذف زوائده وتقتصر على حروفه الأصول وتصغر فإن "المقدم" حروفه الأصلية "قدم" وأسامة اسم فصغراً على قديم وأسيم ومنه الحديث الآتي في باب ما يقول إذا غضب عن عائشة قالت: دخل النبي ﷺ وأنا غضبى فأخذ بطرف المفصل من أنفي فعركه ثم قال: يا عويش قولي: اللهم اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من الشيطان" رواه ابن السني وحينئذ ففي قول الشيخ في الترجمة ترخيم الاسم استعمال للمشترك في معنييه أي حذف حروف من الاسم للنداء أو للتصغير وهو جائز عند الشافعية وعينهم وإمامهم الشيخ المصنف وعلى منعه فهو من باب عموم المجاز والله أعلم. قوله: (يا أسيم) أخرجه من حديث أسامة خرجنا مع النبي ﷺ في حجته التي حجها فقال ﷺ : "يا أسيم" قال الزهري وكذلك كان يدعوه يرخمه اهـ. قوله: (وللمقدام) أي ابن معد يكرب. قوله: (يا قديم) بتصغير الترخيم وحديثه أفلحت يا قديم إن من ولم تكن أميراً ولا كاتباً ولا عريفاً. باب النهي عن الألقاب التي يكرهها صاحب اللقب اللقب علم أشعر بضعة المسمى كبطة وقفة أو رفعته كزين العابدين قال المجد الشيرازي الألقاب ثلاثة لقب تشريف كالأشرف والأفضل ولقب تعريف

стр. 2059

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] ــ كالأعرج والأعور ولقب تسخيف كقطيط وبطيط وقال الحافظ ابن حجر في "نزهة الألباب في الألقاب" تنقسم الألقاب إلى أسماء وكنى أي كأبي الخير وأنساب إلى قبائل أي كهاشمي وبلدان كمكي ومواطن وصنائع وإلى صفات في الملقب فأشار به إلى أنه ليس المراد اللقب بالمعنى النحوي الذي هو أحد أنواع العلم بل أعم من ذلك وعليه يحمل في كلام الشيخ هنا والله أعلم. قوله: (قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾) قال الحافظ في نزهة الألباب كان السبب فيه ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث أبي جبيرة بن الضحاك ﵁ قال: فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ قدم ﷺ المدينة وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فكان إذا دعا أحداً منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: مه أنه يغضب من هذا الاسم فنزلت هذه الآية وروى ابن الجارود في تفسيره عن الحسين أن أبا ذر كان عند النبي ﷺ وبينه وبين رجل منازعة فقال له: يا أبا ذر يابن اليهودية فقال النبي ﷺ : "ما ترى أحمر ولا أسود أنت أفضل منه إلا بالتقوى" ونزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ وروى عبد الرزاق في تفسيره عن الحسن نحوه وعن قتادة في تفسيرها لا تقل لأخيك المسلم: يا فاسق يا منافق وعن مجاهد في تفسيرها لا تدعو الرجل بالكفر وهو مسلم وزعم مقاتل بن سليمان أن كعب بن مالك كان بينه وبين عبد الله بن حدرد الأسلمي كلام فقال له: يا أعرابي فقال له عبد الله: يا يهودي فنزلت فيهما: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ وروي عن ابن مسعود في تفسيرها كان الرجل يقول للرجل وقد كان يهودياً فأسلم: يا يهودي ويقول للرجل المسلم: يا فاسق فنزلت هذه الآية وروى الدارقطني في الإفراد من حديث ابن عمر رفعه بادروا أولادكم بالكنى قبل أن تغلب عليهم الألقاب وإسناده ضعيف والصحيح عن

стр. 2060

واتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره، سواء كان صفة له، كالأعمش، والأجلح، والأعمى، والأعرج، والأحوال، والأبرص، والأشج، والأصفر، ــ ابن عمر قوله: وفي البخاري عن هلال الوزان كناني عروة قبل أن يولد لي فكأنه لحظ هذا اهـ. قوله: (واتفق العلماء على تحريم لقب الإنسان بما يكره) قال الحافظ ابن حجر روى الحاكم من حديث ابن عمر رفعه ما من رجل رمى رجلاً بكلمة تشينه إلا حبسه الله تعالى يوم القيامة في طينة الخبال حتى يخرج منها هذا كله إذا كان الملقب يكره اللقب فأما إن كان يحبه ويوجب له المدح فهو جائز بشرط الأمن من الإطرا وقد لقب رسول الله ﷺ جماعة من أصحابه منهم خالد بن الوليد سيف الله وأبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وأبو بكر بالصديق وعمر بالفاروق وعثمان بذي النورين وحمزة بأسد الله وجعفر بذي الجناحين وسمى قبيلتي الأوس والخزرج بالأنصار فغلب عليهم وعلى خلفائهم. قوله: (كالأعمش) قال الحافظ في نزهته لقب سليمان بن مهران الكوفي المحدث المشهور. قوله: (والأجلح) بجيم وحاء مهملة اسمه يحيى بن عبد الله بن حسان. قوله: (والأعرج) لقب جماعة أشهرهم عبد الرحمن بن هرمز شيخ أبي الزناد وثابت بن عياض وعبد الرحمن بن سعيد مولى الأسود بن سفيان تابعيون رووا عن أبي هريرة ثم ذكر جماعة كثيرين ممن لقب بذلك. قوله: (والأحوال) بالحاء المهملة قال: لقب جماعة منهم عاصم بن سليمان التابعي وعامر بن عبد الواحد وسليمان بن أبي مسلم وهشام بن عبد الملك ومحمد بن الحكم المروزي وعاصم بن النضر. قوله: (والأبرص) بالصاد المهملة هو من قام به البرص داء معروفة وجرت عادتهم بأبدال الصاد بالشين المعجمة فيقولون الأبرش. قوله: (والأصفر) بإسكان الصاد المهملة وبالفاء والراء لقب جماعة منهم مروان تابعي أخذ عن ابن عمر ومنهم بسطام بن حريث. قوله:

стр. 2061

والأحدب، والأصم، والأزرق، والأفطس، والأشتر، والأثرم، والأقطع، والزَّمِن، والمقعد، والأشَل، ــ (والأحدب) قال: لقب جماعة منهم واصل بن حيان ومحمد بن عبيد وغيرهما. قوله: (والأصم) بالصاد المهملة من الصمم قال: لقب جماعة وعد منهم مالك بن جناب الكلبي بن يوسف محدث مشهور قوله: (والأفطس) بالفاء والطاء والسين المهملتين قال: لقب جماعة منهم سالم بن عجلان من رجال البخاري وإبراهيم بن سليمان والحسين بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن سلمة عن الأعمش. قوله: (والأشتر) بالشين المعجمة والفوقية والراء المهملة قال: هو لقب للنخعي واسمه مالك بن الحارث من أصحاب علي ﵁ والحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب حدث عن آبائه وقال إن الأشتر لقب أبيه. قوله: (والأثرم) بالمثلثة قال: لقب جماعة منهم صاحب أحمد بن حنبل وهو أحمد بن هانئ ومنهم علي بن المغيرة النحوي صاحب أبي عبيدة في آخرين. قوله: (والأقطع) قال اسمه وهيز روى عنه ابن عيينة. قوله: (والزمن) بكسر الميم من الزمانة لقب اثنين أبي موسى محمد بن المثنى العنزي البصري والآخر صدقة بن موسى. قوله: (والمقعد) بضم الميم وسكون القاف وفتح المهملة الأولى قال: لقب جماعة أشهرهم أبو معمر عبد الرحمن بن عمرو بن أبي الحجاج ومنهم صدقة بن سابق وعبد الرحمن بن سعد وهو أقدمهم. قوله: (والأشل) بالشين المعجمة وتشديد اللام لقب جماعة منهم منصور بن عبد الرحمن الغداني اهـ. وهذا الذي ذكرته من كتاب نزهة الألباب لبيان من عرف بهذه الألقاب من النّاس المتقدمين زيادة في الفائدة وليس المراد أن كراهة استعمال هذه الألقاب مقصورة عليهم بل يكره ذلك في

стр. 2062

أو كان صفة لأبيه أو لأمه أو غير ذلك مما يكره، واتفقوا على جواز ذِكْرِه بذلك على جهة التعريف لمن لا يعرفه إلا بذلك، ودلائل ما ذكرته كثيرة مشهورة حذفتها اختصاراً واستغناءً بشهرتها. ــ حقهم وفي حق غيرهم من كل لقب بشيء منها وهو يكرهه كما هو ظاهر. قوله: (أو كان صفة لأبيه) كما في المسيب فإنه مشهور بفتح الياء وكان ولده يكره ذلك حتى قال سيب الله في النار من سيب أبي. قوله: (واتفقوا على جواز ذكره على جهة التعريف لمن لا يعرفه إلا بذلك) أي ليتميز من غيره قال الحافظ في نزهة الألباب قال أبو حاتم الرازي: حدثنا عبدة بن عبد الرحيم قال: سألت عبد الله بن المبارك عن الرجل يقول حميد الطويل وحميد الأعرج فقال: إذا أراد صفته ولم يزد عليه فلا بأس وقال الأثرم سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بلقبه ثم قال إذا لم يعرف إلا به جاز ثم قال الأعمش إنما يعرفه النّاس بهذا فسهل في مثله إذا اشتهر به وسئل عبد الرحمن بن مهدي هل فيه غيبة لأهل العلم قال: لا اهـ. وخرج بقول المصنف على جهة التعريف ما إذا قصد التنقيص أو الذم فيحرم وإن لم يعرف إلا بذلك معاملة له بقصده وكذا إن كان يعرف بغير ذلك اللقب فلا يجوز ذكره لأن ما جاز للضرورة بعد أن كان محظوراً منه يتقدر بقدرها والأولى أن يسلك فيمن لا يعرف إلا بما يكرهه المسلك الحسن الذي سلكه إمامنا الشافعي حيث قال: أخبرني إسماعيل الذي يقال له ابن علية فجمع بين التعريف والتبري من التلقيب رحمه الله تعالى ورضي عنه. قوله: (ودلائل ما ذكرته كثيرة مشهورة) المذكور هنا شيئان الأول تحريم تلقيب الإنسان بما يكره لما فيه من الإيذاء ودليله ما تقدم من حديث الحاكم عن ابن عمر وما في معناه من الأحاديث الواردة في تحريم الغيبة وتقبيحها وقد عد الشيخ ابن حجر الهيتمي في الزواجر التنابز بالألقاب من جملة الكبائر قال: وقد عده منها واحد وأفردوه مع أنه من جملة الغيبة تبعاً للآية وكأن حكمته فيها أنه من أفحش أنواعها فقصد بإفراده تقبيح شأنه مبالغة في الزجر عنه اهـ. والثاني

стр. 2063

باب جواز استحباب اللقب الذي يحبه صاحبه فمن ذلك أبو بكر الصديق ﵁، اسمه عبد الله بن عثمان، لقبه عتيق، هذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء من المحدثين وأهل السير والتواريخ وغيرهم. وقيل: اسمه عتيق، حكاه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتابه "الأطراف"، والصواب الأول، واتفق العلماء على أنه لقب خير. واختلفوا في سبب تسميته عتيقاً. فروينا عن عائشة ﵂ من أوجه أن رسول الله ﷺ قال: "أبُو بَكْرٍ عَتِيقُ اللهِ مِنَ النَّارِ" قال: فمن يومئذٍ سمي عتيقاً. ــ جواز ذلك عند الحاجة ومنه حديث أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه فإن هذا مما يكرهانه لكن الحاجة دعت إليه فذكره لذلك. باب جواز استحباب اللقب الذي يحبه صاحبه أي بشرط الأمن من المدح والإطراء كما تقدم عن الحافظ. قوله: (واسمه عبد الله) قيل سماه به أهله ابتداء وقيل بل سموه عبد الكعبة فسماه ﷺ عبد الله حكاهما ابن الأثير. قوله: (ولقبه عتيق) وكذا لقب الصديق لقبه به النبي ﷺ كما قاله الحافظ وغيره لما بادر لتصديقه في قصة الإسراء ولم يتوقف فيه وقال: إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه في خبر السماء غدوة أو روحة وقال ابن النحوي في شرح البخاري ذكر ابن سعد أنه ﷺ لما أسري به قال لجبريل أن قومي لا يصدقوني فقال له جبريل: يصدقك أبو بكر وهو الصديق وقال علي سماه الله على لسان نبيه ﷺ صديقاً قال أبو محجن الثقفي: وسميت صديقاً وكل مهاجر ... سواك يسمى باسمه غير منكر سبقت إلى الإسلام والله شاهد ... وكنت جليساً في العريش المشهر قوله: (وقيل اسمه عتيق) حكاه في النهاية كذلك وقال العتيق الكريم الرابح من كل شيء. قوله: (فروينا عن عائشة الخ) في جامع الأصول عن عائشة قالت: دخل أبو بكر على رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "أبشر فأنت عتيق الله من النار" فمن يومئذٍ سمي عتيقاً أخرجه الترمذي قلت: وأخرجه

стр. 2064

وقال مصعب بن الزبير وغيره من أهل النسب: سمي عتيقاً لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به، وقيل غير ذلك، والله أعلم. ومن ذلك أبو تراب لقب لعلي بن أبي طالب ﵁، وكنيته أبو الحسن: ثبت في الصحيح " أن رسول الله ﷺ وجده نائماً في المسجد وعليه التراب، فقال: قُمْ أبا تُرَاب، قُمْ أبا تُراب" فلزمه هذا اللقب الحسن الجميل. وروينا هذا في "صحيحي البخاري ــ في أسد الغابة كذلك وفي النهاية سماه النبي ﷺ عتيقاً لما أسلم وعلى هذا فهو من العتق فمعنى عتيق أي معتوق من النار. قوله: (وقال مصعب بن الزبير) مصعب بضم الميم وسكون المهملة الأولى فتح الثانية بعدها والزبير هو ابن العوام ﵁. قوله: (وغيره من أهل النسب) قال في أسد الغابة قال الليث بن سعد وجماعة معه وقال الزبير بن بكار وجماعة معه: إنما قيل له عتيق لأنه لم يكن شيء في نسبه يعاب به وقال بعضهم: قيل له عتيق لحسن وجهه وجماله قلت وعلى هذين فهو مأخوذ من العتاقة بفتح العين بمعنى الحسن وقال ابن النحوي بعد أن ذكر ما تقدم من الأقوال وقيل لأنه قديم في الخير وكان له أخوان معتق وعتيق قالته عائشة فيما حكاه الزمخشري في ربيعه وقال أبو طلحة: سمي عتيقاً لأن أمه كان لا يعيش لها ولد فلما ولدته استقبلت به البيت ثم قالت: اللهم هذا عتيقك من الموت فهبه لي وقال ابن المعلى وكانت أمه إذا نقزته قالت: عتيق ما عتيق ... ذو المنظر الأنيق رشفت منه ريق ... كالزرنب العتيق فائدة من ألقاب الصديق الأواه فيما قاله إبراهيم النخعي وذو الخلال لعباءة كان يخلها على صدره كما في وشاح ابن دريد قال السهيلي وكان يلقب أمير السالكين فهذه خمسة ألقاب له. قوله: (ومن ذلك أبو تراب) أي ومن اللقب المحبوب أبو تراب لقب عين الأحباب أمير المومنين علي بن أبي طالب، تقدم أن المراد باللقب في هذا المقام ما أشعر بضعة أو رفعه اسماً كان أو لقباً أو كنية أو غيرها. قوله: (وكنيته أبو الحسن) كني بأكبر أولاده ﵄. قوله: (ثبت في الصحيح الخ)

стр. 2065

ومسلم" عن سهل بن سعد، قال سهل: وكانت أحبُّ أسماء عليّ إليه، وإن كان ليفرح أن يدعى بها. هذا لفظ رواية البخاري. ــ أخرج الشيخان من حديث سهل بن سعد قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد علياً في البيت فقال: "أين ابن عمك فقال كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلن يقل عندي فقال ﷺ لإنسان: "انظر أين هو" فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد فجاءه ﷺ وهو مضطجع وقد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب فجعل ﷺ يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب قم أبا تراب قال في جامع الأصول رواه مسلم وأخرج هو والبخاري رواية أخرى قلت: أخرجه البخاري من حديث سهل بهذا اللفظ في باب نوم الرجال في المساجد وأخرجه في باب آخر من حديث سهل أيضاً قال: إن كانت أحب أسماء علي إليه لأبو تراب وإن كان ليفرح أن يدعى بها وما سماه أبو تراب إلا النبي ﷺ غاضب يوماً فاطمة فخرج فاضطجع إلى الجدار في المسجد وجاءه ﷺ يتتبعه فقيل هو ذا مضطجع إلى الجدار فجاءه أي النبي ﷺ وامتلأ ظهره تراباً فجعل ﷺ يمسح التراب عن ظهره ويقول: "اجلس يا أبا تراب" قال ابن النحوي في شرح البخاري وروى عمار أنه ﷺ قال ذلك لعلي في غزوة العشيرة رواه ابن إسحاق في السيرة والبخاري في التاريخ وأعله بالانقطاع وأما الحاكم فصححه قال ابن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم أنه ﵊ إنما سماه بذلك لأنه كان إذا عتب على فاطمة في شيء أخذ تراباً فيضعه على رأسه فكان ﵊ إذا رأى التراب عرف أنه عاتب على فاطمة فيقول ما لك: يا أبا تراب فالله أعلم أي ذلك كان، وروى أو محمد المنذري في معجمه من حديث حفص بن جميع حدثنا سماك عن جابر أن النبي ﷺ لما آخى بين النّاس لم يؤاخ بين علي وبين أحد حتى أتى كثيب رمل فنام عليه فأتاه النبي ﷺ فقال: "قم يا أبا تراب أغضبت إني لم أؤاخ بينك وبين أحد" قال: نعم قال: أنت أخي وأنا أخوك اهـ. ما ذكره ابن النحوي. قوله: (هذا لفظ البخاري) وسبق أنه كذلك عند مسلم ولعل التفاوت الذي أشار إليه تقديم قول سهل وكانت أحب أسماء علي إليه على الحديث وتأخيره عنه فالأول عند مسلم كما نقله في جامع الأصول والثاني عند المصنف كما ذكره المصنف هنا. قوله:

стр. 2066

ومن ذلك ذو اليدين واسمه الخِرْباق -بكسر الخاء المعجمة وبالباء الموحدة وآخره قاف- كان في يديه طول. ثبت في الصحيح "أن رسول الله ﷺ كان يدعوه ذا اليدين" واسمه الخِرْباق، رواه البخاري بهذا اللفظ في أوائل "كتاب البرِّ والصلة". باب جواز الكنى واستحباب مخاطبة أهل الفضل بها هذا الباب أشهر من أن نَذْكُرَ فيه شيئاً منقولاً، فإن دلائله يشترك فيها الخواص والعوام، والأدب أن يخاطَب أهل الفضل ومن قاربهم بالكنية، ــ (ومن ذلك ذو اليدين) أي ومن اللقب المحبوب ذو اليدين لقب الخرباق قال الكرماني: ولقب به لطول يديه. قوله: (رواه البخاري الخ) أي في قصة السهو الواقع في تسليمه ﷺ من ركعتين من صلاته وفيه وفي القوم رجل كان ﷺ يدعوه ذا اليدين فقال: يا نبي الله أنسيت أم قصرت الصلاة فقال: لم أنس ولم تقصر الصلاة قالوا: بلى قد نسيت يا رسول الله وفي رواية للبخاري أيضاً قال: أصدق ما يقول ذو اليدين فقال النّاس: نعم وفي رواية له أيضاً فقال النبي ﷺ لأصحابه أحق ما يقول قالوا: نعم الحديث وما أحسن ما أورده ابن فرحون المالكي في طبقاته للمالكية المسماة بالديباج المذهب في علماء المذهب في ترجمة أحمد بن عبد الله بن عميرة المالكي قال من شعر أحمد المذكور ملمحاً إلى حديث ذي اليدين فقال: عندي يد لك بعد أخرى قررت ... من ذلك الذخر المعد لما دهى والدهر عن حظي سها أفينبغي ... من ذي اليدين سكوته عمن سها باب جواز الكنى واستحباب مخاطبة أهل الفضل بها قوله: (والأدب أن يخاطب أهل الفضل) من ذي ولاية أو علم (ومن قاربهم) أي بشرف نسب أو ولاية أمر (بالكنية) متعلق بقوله يخاطب وإنما كان هذا أولى لما

стр. 2067

وكذلك إن كُتِب إليه رسالةٌ، وكذا إن روي عنه رواية، فيقال: حدثنا الشيخ أو الإِمام أبو فلان، فلان بن فلان، وما أشبهه، والأدب أن لا يَذْكُرَ الرجلَ كنيته في كتابه ولا في غيره، إلا أن يعرَف إلا بكنيته، أو كانت الكنية أشهر من اسمه. قال النحاس: إذا كانت الكنية أشهر، يكنى على نظيره ويسمى لمن فوقه، ثم يلحق: المعروفُ أبا فلان أو بأبي فلان. ــ في ذلك من التعظيم. قوله: (وكذلك إن كتب إليه) أي إلى المذكور من ذي الفضل ومن قاربه (رسالة) بكسر الراء وبالسين المهملة أي مكتوباً وما أحسن قول بعضهم: جاءني من حبيب قلبي كتاب ... عجب النّاس حين أهدى رساله قلت لا تعجبوا فإن حبيبي ... مالكي وهو متحفي بالرساله قوله: (وما أشبهه) أي وما أشبه ما ذكر في الكنية في الدلالة على التعظيم من النعوت الحميدة والألقاب الفريدة. قوله: (والأدب ألا يذكر الرجل كنيته في كتابه) أي مكتوبه للغير لما فيه من تعظيم ذاته وهو لا ينبغي ومثل الكنية فيما ذكر ذكر ما يدل على تعظيمه من نحو الشيخ أو الإِمام لما ذكر. قوله: (ولا في غيره) أي بأن يذكره عند الإخبار عن نفسه نحو فعل أبو محمد كذا أو نحو ذلك. قوله: (قال النحاس) هو بفتح النون وبالحاء المشددة والسين المهملة ويعرف أيضاً بابن النحاس وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي صاحب أدب الكتاب وهو غير البهاء بن النحاس شيخ أبي حيان كما أشار إليه السيوطي في بغية الوعاة قوله: (إذا كانت الكنية أشهر من الاسم فيذكر كنيته التي هي أشهر من اسمه على نظيره) أي إذا كتب إلى نظيره وعبر بعلي لما في التكني حينئذٍ

стр. 2068

باب كنية الرجل بأكبر أولاده كُنّي نبيُّنا ﷺ أبا القاسم بابنه القاسم وكان أكبر بنيه. وفي الباب حديث أبي شريح الذي قدمناه في باب استحباب تغيير الاسم إلى أحسن منه. ــ من الاستعلاء وإلا فمقتضى الظاهر أن يقال يكنى إلى نظيره أي إذا كتب إليه كما عبر باللام في قوله ويسمى لمن فوقه أي إذا كتب لمن فوقه بفضل أو نحوه فيذكر اسمه أولاً ثم يقول المعروفة بأبي فلان ونحوه وذلك لأن من فوق الإنسان لا يليق بالإنسان الاستعلاء عليه وفي ذكر الكنية نوع منه فترك في الكتابة لمن فوقه لكن لما احتيج إليها لزيادة التعريف لكونها أشهر أتى بها كالتتميم لزيادة التعريف لا للترفع والله أعلم. باب كنية الرجل بأكبر أولاده أي استحباب ذلك أخذاً من فعله ﷺ فقد اكتني بأبي القاسم والقاسم أسن بنيه وكني علياً بأبي الحسن وكني هانئاً بأبي شريح وكل من الحسن وشريح أكبر أولاد أبيه ولو كني بغير الأكبر فلا بأس فقد كني جبريل النبي ﷺ أبا إبراهيم يوم ولدت إبراهيم أمه رواه ابن السني. قوله: (كني نبينا ﷺ أبا القاسم بابنه القاسم) وكان أكبر بنيه والقاسم وغيره من بنيه وبناته ﷺ من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية ولد القاسم بمكة وكان بكر ولده وهو أول ميت من ولده بمكة قال مجاهد: مات وله سبعة أيام وقال الزهري: مات وهو ابن سنتين وقال قتادة: عاش حتى مشى قال أبو نعيم: لا أعلم أحداً من مقدمتنا ذكر القاسم ابن رسول الله ﷺ في الصحابة أي لأن الأكثر على موته قبل الدعوة إنما يذكر في أولاده لكن روى يونس بن بكير عن محمد بن علي قال: كان القاسم ابن رسول الله ﷺ قد أبلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيبة فلما قبضه الله تعالى قال عمرو بن العاص: لقد أصبح محمد أبتر فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ عوضاً يا محمد عن مصيبتك بالقاسم: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وهذا

стр. 2069

باب كنية الرجل الذي له أولاد بغير أولاده هذا الباب واسع لا يحصى من يتصف به، ولا بأس بذلك. باب كنية من لم يولد له وكنية الصغير روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁ قال: ــ يدل على أن القاسم توفي بعد أن أوحى إلى النبي ﷺ قال العلامة ابن الأثير بعد تخريجه في أسد الغابة أخرجه ابن مسنده وأبو نعيم اهـ، والله أعلم بالصواب. باب كنية الرجل الذي له أولاد الخ وترجم البخاري في صحيحه التكني بأبي تراب وإن كانت له كنية أخرى فلو قال الشيخ هنا تكنية الإنسان وإن كانت له كنية أخرى لشمل ما ذكره وغيره من تكنية ذي كنية وليس ذا ولد بكنية أخرى والله أعلم ومثال ما أشار إليه الشيخ من تكنية ذي الولد بغير ولد تكنية الصديق ﵁ بأبي بكر وتكنية علي ﵁ بأبي تراب وتكنية عمر ﵁ بأبي حفص وعبد الرحمن بن صخر بأبي هريرة وهو كثير كما أشار إليه بقوله (ولا يحصى من يتصف بذلك ولا بأس بذلك) أي فهو مباح. باب كنية من يولد له وكنية الصغير قيل وتكنية الصغير مع أنه لا يتصور اتصافه بها تفاؤلاً له بأن يصل لذلك. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قدم هذا الحديث مع أن مدلوله إفادة الجزء الأخير من الترجمة لكونه من أحاديث الصحيحين المتقدمة على غيرها عند التعارض وترجم البخاري باب الكنية للصبي وقيل إن يولد للرجل

стр. 2070

كان النبي ﷺ أحسن النّاس خُلُقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير: قال الراوي: ــ وأورد فيه حديث أنس هذا فقط ووجه دلالته على الجزء الثاني من ترجمته الإشارة إلى أنه إذا جاز أن يكنى الصغير في حال صغره فالرجل أولى قاله الكرماني. قوله: (كان النبي ﷺ أحسن النّاس خلقاً) بضمتين وتقدم الخلق في باب ملاعبة الرجل امرأته وممازحته لها ولطف عبارته معها ويكفي دليلاً في حسن خلقه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ سئلت عائشة عن خلقه فِئة فقالت: كان خلقه القرآن يغضبه ما يغضبه قال العلماء: قد بلغ ﷺ من حسن الخلق ما لم يصل إليه أحد قال أبو علي الدقاق: قد خصه الله تعالى بمزايا كثيرة ولم يثن عليه بشيء منها مثل ما أثنى عليه بخلقه فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال العلماء: وصف بكونه على خلق عظيم ولم يوصف باللين أو السهولة أو نحوها مما يعتاد وصفه به إشارة إلى أن حسن خلقه ﷺ لم يمنع من إقامة حدود الله وجهاد أعداء الله بل كان ﷺ يعطي كل مقام ما يليق بشأنه فهو كما قال الشاعر: يتلقى الندا بوجه صبيح ... وصدور القنا بوجه وقاح فبهذا وذا تنم المعالي .... طرق الجد غير طرق المزاح ثم لا مخالفة بين قول أنس: كان أحسن النّاس خلقاً وقول عائشة: كان من أحسن النّاس خلقاً رواه الترمذي وغيره لأن من الأحسن على الدوام فهو أحسن الانام إذ لا يمكن هذه الاستدامة لعسر الاستقامة وفائدة الإتيان بمن مع أنها توهم خلاف ذلك دفع ما عساه يتوهم من عدم مشاركة باقي الأنبياء له في أصل حسن الخلق والله أعلم. قوله: (وكان لي أخ) أي من أمي. قوله: (يقال له أبو عمير) أي بضم المهملة وفتح الميم وسكون التحتية بعدها زاء قال الشيخ زكريا في تحفة القاري هو عبد الله اهـ، وقد تقدم أن عبد الله هو ابن أبي طلحة الذي جاء إجابة لدعوته ﷺ لأبي طلحة ولأم سليم عقب موت أبي عمير هذا بقوله: بارك الله لكما في ليلتكما وفيه إن أنساً جاء به النبي ﷺ وهو يسم نعم الصدقة فحنكه وسماه عبد الله اهـ، ولا مانع من أن كلا من الاثنين اسمه عبد الله ولعله ﷺ أراد بتسمية المولود عبد الله مع كونه أحب
следующие страницы →