Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
ومن ذلك ذو اليدين واسمه الخِرْباق -بكسر الخاء المعجمة وبالباء الموحدة وآخره قاف- كان في يديه طول.
ثبت في الصحيح "أن رسول الله ﷺ كان يدعوه ذا اليدين" واسمه الخِرْباق، رواه البخاري بهذا اللفظ في أوائل "كتاب البرِّ والصلة".
باب جواز الكنى واستحباب مخاطبة أهل الفضل بها
هذا الباب أشهر من أن نَذْكُرَ فيه شيئاً منقولاً، فإن دلائله يشترك فيها الخواص والعوام، والأدب أن يخاطَب أهل الفضل ومن قاربهم بالكنية،
ــ
(ومن ذلك ذو اليدين) أي ومن اللقب المحبوب ذو اليدين لقب الخرباق قال الكرماني: ولقب به لطول يديه. قوله: (رواه البخاري الخ) أي في قصة السهو
الواقع في تسليمه ﷺ من ركعتين من صلاته وفيه وفي القوم رجل كان ﷺ يدعوه ذا اليدين فقال: يا نبي الله أنسيت أم قصرت الصلاة فقال: لم أنس ولم تقصر الصلاة قالوا: بلى قد نسيت يا رسول الله وفي رواية للبخاري أيضاً قال: أصدق ما يقول ذو اليدين فقال النّاس: نعم وفي رواية له أيضاً فقال النبي ﷺ لأصحابه أحق ما يقول قالوا: نعم الحديث وما أحسن ما أورده ابن فرحون المالكي في طبقاته للمالكية المسماة بالديباج المذهب في علماء المذهب في ترجمة أحمد بن عبد الله بن عميرة المالكي قال من شعر أحمد المذكور ملمحاً إلى حديث ذي اليدين فقال:
عندي يد لك بعد أخرى قررت ... من ذلك الذخر المعد لما دهى
والدهر عن حظي سها أفينبغي ... من ذي اليدين سكوته عمن سها
باب جواز الكنى واستحباب مخاطبة أهل الفضل بها
قوله: (والأدب أن يخاطب أهل الفضل) من ذي ولاية أو علم (ومن قاربهم) أي بشرف نسب أو ولاية أمر (بالكنية) متعلق بقوله يخاطب وإنما كان هذا أولى لما
стр. 2067
وكذلك إن كُتِب إليه رسالةٌ، وكذا إن روي عنه رواية، فيقال: حدثنا الشيخ أو الإِمام أبو فلان، فلان بن فلان، وما أشبهه، والأدب أن لا يَذْكُرَ الرجلَ كنيته في كتابه ولا في غيره، إلا أن يعرَف إلا بكنيته، أو كانت الكنية أشهر من اسمه. قال النحاس: إذا كانت الكنية أشهر، يكنى على نظيره ويسمى لمن فوقه، ثم يلحق: المعروفُ أبا فلان أو بأبي فلان.
ــ
في ذلك من التعظيم. قوله: (وكذلك إن كتب إليه) أي إلى المذكور من ذي الفضل ومن قاربه (رسالة) بكسر الراء وبالسين المهملة أي مكتوباً وما أحسن قول بعضهم:
جاءني من حبيب قلبي كتاب ... عجب النّاس حين أهدى رساله
قلت لا تعجبوا فإن حبيبي ... مالكي وهو متحفي بالرساله
قوله: (وما أشبهه) أي وما أشبه ما ذكر في الكنية في الدلالة على التعظيم من النعوت الحميدة والألقاب الفريدة. قوله: (والأدب ألا يذكر الرجل كنيته في كتابه) أي مكتوبه للغير لما فيه من تعظيم ذاته وهو لا ينبغي ومثل الكنية فيما ذكر ذكر ما يدل على تعظيمه من نحو الشيخ أو الإِمام لما ذكر. قوله: (ولا في غيره) أي بأن يذكره عند الإخبار عن نفسه نحو فعل أبو محمد كذا أو نحو ذلك. قوله: (قال النحاس) هو بفتح النون وبالحاء المشددة والسين المهملة ويعرف أيضاً بابن النحاس وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي صاحب أدب الكتاب وهو غير البهاء بن النحاس شيخ أبي حيان كما أشار إليه السيوطي في بغية الوعاة قوله: (إذا كانت الكنية أشهر من الاسم فيذكر كنيته التي هي أشهر من اسمه على نظيره) أي إذا كتب إلى نظيره وعبر بعلي لما في التكني
حينئذٍ
стр. 2068
باب كنية الرجل بأكبر أولاده
كُنّي نبيُّنا ﷺ أبا القاسم بابنه القاسم وكان أكبر بنيه. وفي الباب حديث أبي شريح الذي قدمناه في باب استحباب تغيير الاسم إلى أحسن منه.
ــ
من الاستعلاء وإلا فمقتضى الظاهر أن يقال يكنى إلى نظيره أي إذا كتب إليه كما عبر باللام في قوله ويسمى لمن فوقه أي إذا كتب لمن فوقه بفضل أو نحوه فيذكر اسمه أولاً ثم يقول المعروفة بأبي فلان ونحوه وذلك لأن من فوق الإنسان لا يليق بالإنسان الاستعلاء عليه وفي ذكر الكنية نوع منه فترك في الكتابة لمن فوقه لكن لما احتيج إليها لزيادة التعريف لكونها أشهر أتى بها كالتتميم لزيادة التعريف لا للترفع والله أعلم.
باب كنية الرجل بأكبر أولاده
أي استحباب ذلك أخذاً من فعله ﷺ فقد اكتني بأبي القاسم والقاسم أسن بنيه وكني علياً بأبي الحسن وكني هانئاً بأبي شريح وكل من الحسن وشريح أكبر أولاد أبيه ولو كني بغير الأكبر فلا بأس فقد كني جبريل النبي ﷺ أبا إبراهيم يوم ولدت إبراهيم أمه رواه ابن السني. قوله: (كني نبينا ﷺ أبا القاسم بابنه القاسم) وكان أكبر بنيه والقاسم وغيره من بنيه وبناته ﷺ من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية ولد القاسم بمكة وكان بكر ولده وهو أول ميت من ولده بمكة قال مجاهد: مات وله سبعة أيام وقال الزهري: مات وهو ابن سنتين وقال قتادة: عاش حتى مشى قال أبو نعيم: لا أعلم أحداً من مقدمتنا ذكر القاسم ابن رسول الله ﷺ في الصحابة أي لأن الأكثر على موته قبل الدعوة إنما يذكر في أولاده لكن روى يونس بن بكير عن محمد بن علي قال: كان القاسم ابن رسول الله ﷺ قد أبلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيبة فلما قبضه الله تعالى قال عمرو بن العاص: لقد أصبح محمد أبتر فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ عوضاً يا محمد عن مصيبتك بالقاسم: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وهذا
стр. 2069
باب كنية الرجل الذي له أولاد بغير أولاده
هذا الباب واسع لا يحصى من يتصف به، ولا بأس بذلك.
باب كنية من لم يولد له وكنية الصغير
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁ قال:
ــ
يدل على أن القاسم توفي بعد أن أوحى إلى النبي ﷺ قال العلامة ابن الأثير بعد تخريجه في أسد الغابة أخرجه ابن مسنده وأبو نعيم اهـ، والله أعلم بالصواب.
باب كنية الرجل الذي له أولاد الخ
وترجم البخاري في صحيحه التكني بأبي تراب وإن كانت له كنية أخرى فلو قال الشيخ هنا تكنية الإنسان وإن كانت له كنية أخرى لشمل ما ذكره وغيره من تكنية ذي كنية وليس ذا ولد بكنية أخرى والله أعلم ومثال ما أشار إليه الشيخ من تكنية ذي الولد بغير ولد تكنية الصديق ﵁ بأبي بكر وتكنية علي ﵁ بأبي تراب وتكنية عمر ﵁ بأبي حفص وعبد الرحمن بن صخر بأبي هريرة وهو كثير كما أشار إليه بقوله (ولا يحصى من يتصف بذلك ولا بأس بذلك) أي فهو مباح.
باب كنية من يولد له وكنية الصغير
قيل وتكنية الصغير مع أنه لا يتصور اتصافه بها تفاؤلاً له بأن يصل لذلك. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قدم هذا الحديث مع أن مدلوله إفادة الجزء الأخير من الترجمة لكونه من أحاديث الصحيحين المتقدمة على غيرها عند التعارض وترجم البخاري باب الكنية للصبي وقيل إن يولد للرجل
стр. 2070
كان النبي ﷺ أحسن النّاس خُلُقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير: قال الراوي:
ــ
وأورد فيه حديث أنس هذا فقط ووجه دلالته على الجزء الثاني من ترجمته الإشارة إلى أنه إذا جاز أن يكنى الصغير في حال صغره فالرجل أولى قاله الكرماني. قوله: (كان النبي ﷺ أحسن النّاس خلقاً) بضمتين وتقدم الخلق في باب ملاعبة الرجل امرأته وممازحته لها ولطف عبارته معها ويكفي دليلاً في حسن خلقه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ سئلت عائشة عن خلقه فِئة فقالت: كان خلقه القرآن يغضبه ما يغضبه قال العلماء: قد بلغ ﷺ من حسن الخلق ما لم يصل إليه أحد قال أبو علي الدقاق: قد خصه الله تعالى بمزايا كثيرة ولم يثن عليه بشيء منها مثل ما أثنى عليه بخلقه فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال العلماء: وصف بكونه على خلق عظيم ولم يوصف باللين أو السهولة أو نحوها مما يعتاد وصفه به إشارة إلى أن حسن خلقه ﷺ لم يمنع من إقامة حدود الله وجهاد أعداء الله بل كان ﷺ يعطي كل مقام ما يليق بشأنه فهو كما قال الشاعر:
يتلقى الندا بوجه صبيح ... وصدور القنا بوجه وقاح
فبهذا وذا تنم المعالي .... طرق الجد غير طرق المزاح
ثم لا مخالفة بين قول أنس: كان أحسن النّاس خلقاً وقول عائشة: كان من أحسن النّاس خلقاً رواه الترمذي وغيره لأن من الأحسن على الدوام فهو أحسن الانام إذ لا يمكن هذه الاستدامة لعسر الاستقامة وفائدة الإتيان بمن مع أنها توهم خلاف ذلك دفع ما عساه يتوهم من عدم مشاركة باقي الأنبياء له في أصل حسن الخلق والله أعلم. قوله: (وكان لي أخ) أي من أمي. قوله: (يقال له أبو عمير) أي بضم المهملة وفتح الميم وسكون التحتية بعدها زاء قال الشيخ زكريا في تحفة القاري هو عبد الله اهـ، وقد تقدم أن عبد الله هو ابن أبي طلحة الذي جاء إجابة لدعوته ﷺ لأبي طلحة ولأم سليم عقب موت أبي عمير هذا بقوله: بارك الله لكما في ليلتكما وفيه إن أنساً جاء به النبي ﷺ وهو يسم نعم الصدقة فحنكه وسماه عبد الله اهـ، ولا مانع من أن كلا من الاثنين اسمه عبد الله ولعله ﷺ أراد بتسمية المولود عبد الله مع كونه أحب
стр. 2071
أحسبه قال: فَطِيم -وكان النبي ﷺ إذا جاءه يقول: "يا أبا عُمَيرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ" نُغَر كان يلعب به.
ــ
الأسماء أن يكون هذا الغلام خلقاً عن أخيه المتوفى قبله نظير ما تقديم في حكمة تسميته ﷺ لابن أسيد الأنصاري بالمنذر كما تقدم بيانه في باب تسمية المولود. قوله: (أحسبه فطيم) هو بالرفع صفة لأخ لي وما بينهما اعتراض قاله في تحفة القاري والظاهر أن المراد منه حمله على الراوي أما قوله يقال له: أبو عمير ففي موضع الصفة لأخ أو في
موضع الحال لتخصيص الأخ بوصفه بالظرف والله أعلم، والمراد من فطيم مفطوم من الطعام. قوله: (ما فعل النغير) هو بضم النون وفتح المعجمة وسكون التحتية تصغير نغر بضم ففتح جمع نغرة كهمزة ويجمع على نغران طير كالعصفور محمر المنقار وأهل المدينة يسمونه البلبل وقيل: هو الصقر كالعقعق وقيل: غير ذلك والأول أشهر أي ما شأنه وحاله قال الشيخ زكريا في شرح البخاري في الحديث جواز تكنية من لم يولد وجواز المزح وملاطفة الصبيان وتأنيسهم وبيان ما كان عليه النبي ﷺ من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع وتمكين الولي الصغير من لعبه بالعصفور حيث لا يؤلمه وجواز صيد المدينة اهـ. وفي قوله وجواز صيد المدينة ما لا يخفى، ولعله من تحريف الكاتب أو لعله تبع فيه بعض المالكية فقد قال المصنف في شرح مسلم استدل به بعض المالكية على جواز الصيد من حرم المدينة ولا دلالة فيه لذلك لأنه ليس في الحديث تصريح ولا كناية أنه من حرم المدينة اهـ، وفيه أيضاً أن ممازحة الصبي الذي لا يميز جائزه وفيه ترك التكبر والترفع للإمام الأعظم وفيه الحكم على ما يظهر من الإمارات في الوجه من حزن أو غيره وجواز الاستدلال بالعين على حال صاحبها لأن المصطفى ﷺ استدل بالحزن الظاهر على الحزن الكامن وفيه التلطف بالصديق صغيراً أو كبيرًا والسؤال عن حاله وقبول أخبار الواحد لأن المجيب عن حزنه هو وفيه جواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصبي من المباح وفيه جواز ادخال الصيد من الحل إلى الحرم وإمساكه بعد ادخاله وفيه تصغير الاسم ولو لحيوان وفيه جواز مواجهة الصغير بالخطاب حيث لا يطلب منه جواب والنهي عنه حيث طلب الجواب
стр. 2072
وروينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود وغيره عن عائشة ﵂ أنها قالت: "يا رسول الله كلّ صواحبي لهنَّ كنى، قال: فاكْتَنِي بابْنِك عبدِ الله" قال الراوي: يعني عبد الله بن الزبير وهو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر، وكانت عائشة تكنى أمّ عبد الله. قلت: فهذا هو الصحيح المعروفة.
وأما ما رويناه في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂
ــ
وفيه معاشرة النّاس ومخاطبتهم على قدر عقولهم وفيه جواز السجع في الكلام حيث خلا عن التكلف وأنه لا يمتنع منه النبي كما يمتنع من الشعر وفيه دعاء الشخص بتصغير اسمه حيث لا يتأذى بذلك وفيه إكرام أقارب الخادم وإظهار المحبة لهم إلى غير ذلك من فوائد تزيد على المائة أفردها ابن القاص بجزء. قوله: (وروينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود وغيره) أي كابن ماجه فقد أخرجه بسننه بنحوه وابن السني في عمل اليوم والليلة. قوله: (كل صواحبي لهن كنى) المراد من صواحبها باقي أمهات المؤمنين كما جاء عند ابن ماجه كل أزواجك كنيته غيري فقال: أنت أم عبد الله وظاهر ابن ماجه أن الكنية لكل منهن منه ﷺ ويحتمل أن معنى كنيته أي دعوته بكنيته التي هي له من قبل غيري فليس لي كنية فتدعون بها. قوله: (فاكتني بابنك عبد الله الخ) وفي رواية ابن السني فاكتني بابنك عبد الله بن الزبير قال في شرح السنة في الحديث أن المرأة إذا لم يكن لها ولد تكنى بولد بعض أخواتها لأن الخالة أم فإن لم يكن لها ابن أخ ولا ابن أخت فبعض أولاد أخواتها لأن العمة تقوم مقام الأم في بعض الحالات وكذا الرجل يكتني ببعض ولد إخوته إذا لم يكن له ولد لأن العم أب فإن لم يكن له ولد ولا لأحد من أخوته ولد فبولد أخواته لأنه خال لهم فإن لم يكن أحد من النسب فمن الرضاع على ما وصفنا اهـ. قوله: (فكانت تكنى بأم عبد الله) بضم المثناة الفوقية وسكون
الكاف
стр. 2073
قالت: "أسقطت من النبي ﷺ سقطاً فسماه عبد الله، وكناني بأمِّ عبد الله" فهو حديث ضعيف.
وقد كان في الصحابة جماعات لهم كنى قبل أن يولدَ لهم، كأبي هريرة، وأنس أبي حمزة، وخلائق لا يُحْصَوْن من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ولا كراهة في ذلك، بل هو محبوب بالشرط السابق.
باب النهي عن التكني بأبي القاسم
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن جماعة من الصحابة، منهم جابر، وأبو هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:
ــ
وبفتحها وتشديد النون وعند ابن السني وكانت تدعى أم عبد الله. قوله: (فهو حديث ضعيف) قال ابن النحوي: سنده ضعيف قلت من رجال سنده داود بن المحبر وهو كما في الكاشف بصري واه قال أحمد: لا شيء. قوله: (كأبي هريرة) كني بهرة كان يلعب بها في صغره وقيل: رآه النبي ﷺ وفي كمه هرة فقال: يا أبا هريرة ذكره الكرماني وغيره. قوله: (وأنس أبي حمزة) عطف بيان على أنس أو بدل منه وأنس هو ابن مالك وكني بأبي حمزة بالحاء المهملة المفتوحة وإسكان الميم وبالزاي ببقلة فيها حموزة أي حموضة كان يحبها. قوله: (وخلائق لا يحصون من الصحابة) منهم صهيب بن سنان الرومي كناه ﷺ بأبي يحيى مع أنه لم يولد له كما رواه ابن السني وترجم له باب تكنية من لم يولد له. قوله: (بل هو محبوب بشرطه السابق) أي ألا يكون فيه كذب ولا مجازفة أو مجاوزة حد.
باب النهي عن التكني بأبي القاسم
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن جماعة من الصحابة الخ) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الشرح الكبير للرافعي حديث تسموا باسمي الخ، متفق عليه من حديث جابر وأبي هريرة وأنس وفي الباب عن ابن عباس رواه ابن أبي خيثمة وفي سنده إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف اهـ، وقال السيوطي في الجامع الصغير
стр. 2074
"سَمُّوا باسمِي وَلا يكَنُّوا بِكُنْيَتِي".
قلت: اختلف العلماء في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب: فذهب الشافعي ﵀ ومن وافقه إلى
ــ
رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أنس ورواه أحمد والشيخان وابن ماجه عن جابر وفي المرقاة ورواه الطبراني عن ابن عباس. قوله: (تسموا باسمي) أي فإنه لا يوجب الالتباس لأنهم منهيون عن دعائه ﷺ باسمه قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ وللتعليم الفعلي من الله تعالى لعباده حيث ما خاطبه في كلامه إلا بيأيها النبي ونحوه بخلاف سائر الأنبياء إذ ناداهم بأسمائهم: يا آدم، يا إبراهيم، يا موسى. قوله: (ولا تكنوا بكنيتي) يحتمل أن يكون بضم الفوقية وتشديد النون من التكنية من باب التفعيل ويحتمل أن يكون بفتح الفوقية وسكون ثانيه وهما لغتان وقوله بكنيتي أي الكنية المخصوصة بي لأن مذهب العرب في العدول عن الاسم إلى الكنية هو التوقير والتعظيم ولما كان من حق الرسول ﷺ فيما يراد به التعظيم ألا يشاركه فيه أحد كره أن يكنى أحد بكنيته قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ قيل: سبب هذا النهي ما روياه عن أنس قال: كان ﷺ في السوق فقال رجل:
يا أبا القاسم فالتفت إليه النبي ﷺ فقال: إنما دعوت هذا، فقال ﷺ : "تسموا باسمي الخ" وقد أشار ﷺ في حديث جابر عند الشيخين إلى علة النهي عن التكنية بذلك بقوله: فإني إنما جعلت قاسماً أقسم بينكم أي وهذا المعنى غير موجود في حقكم فيكون في حقكم مجرد اسم لفظاً وصورة وحاصله إني لست أبا القاسم لمجرد كون ولدي كان يسمى بقاسم بل لوحظ في معنى القاسمية باعتبار القسمة الأزلية في الأمور الدينية والدنيوية فلست كأحدكم في الذات ولا الصفات فعلى هذا يكون أبو القاسم نظير قولهم: الصوفي ابن الوقت أي صاحبه وملازمه الذي لا ينفك عنه فمعنى أبي القاسم صاحب هذا الوصف كما يقال: أبو الفضل وإن لم يكن له ولد يسمى بالفضل ومجمله إن هذه الكنية ترجع إلى معنى اللقب المحمود والله أعلم.
قوله: (اختلف العلماء في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذأهب الخ)
стр. 2075
أنه لا يحلُّ لأحد أن يتكنَّى أبا القاسم، سواء كان اسمه محمداً أو غيره، وممن روى هذا من أصحابنا عن الشافعي الأئمة الحفاظ الأثبات الفقهاء المحدثون: أبو بكر البيهقي، وأبو محمد البغوي في كتابه "التهذيب" في أول "كتاب النكاح"، وأبو القاسم بن عساكر في "تاريخ دمشق". والمذهب الثاني مذهب مالك رحمه
ــ
وزاد في شرح مسلم فحكى عن ابن جرير أنه حمل النهي على التنزيه والأدب لا على التحريم وتعقب بأنه خلاف الأصل في أن النهي للتحريم لا سيما وما يترتب عليه من الأذى به ﷺ ولو في بعض الأحيان من حياته على أنه علل النهي بعلة دالة على اختصاص الاسم به حال وجوده وزاد الطيبي فحكى قولاً آخر أنه نهى عن التكني بأبي القاسم مطلقاً وأراد المقيد وهو النهي عن التسمية بالقاسم وقد غير مروان بن الحكم اسم ابنه حين بلغه هذا الحديث فسماه عبد الملك وكان اسمه القاسم وكذا عن بعض الأنصار ونازع فيه في المرقاة بأن جواز إطلاق أبي القاسم ومنع القاسم ممنوع لا وجه له والظاهر أن مروان غير اسم ابنه القاسم لما بلغه النهي عن التكني بأبي القاسم وخاف أن يكنى به ويقع في المحظور فغيره تخليصاً من المحذور وحكى الطيبي قولاً آخر أن التسمية بمحمد ممنوعة مطلقاً واستدل له بما لا دليل فيه. قوله: (إنه لا يحل لأحد أن يتكنى بأبي القاسم) قال في شرح مسلم وقال بعضهم: ينهي عن التكني به مطلقاً وعن التسمية بالقاسم لئلا يكنى أبوه بأبي القاسم قلت وقد سبق حديث الصحيحين عن جابر ولد الرجل من الأنصار ولد فسماه القاسم فقالوا: لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة فسأله ﷺ فأمره أن يسمي ولده عبد الرحمن. قوله: (سواء كان اسمه محمداً أو غيره) قال في شرح مسلم لظاهر الحديث اهـ قيل ولأنه لما كان ﷺ يكنى بأبي القاسم لأنه يقسم بين النّاس ما يوحى إليه وينزلهم منازلهم التي يستحقونها في الشرف والفضل وقسم الغنائم ولم يشاركه في هذا المعنى ولا في شيء منه أحد منع أن يكنى غيره بهذا المعنى. قوله: (والمذهب الثاني مذهب مالك الخ) أي فالنهي عنده منسوخ وكان الحكم في أول الأمر
стр. 2076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال في شرح مسلم وبه قال جمهور السلف وفي فقهاء الأمصار وجمهور العلماء قالوا: وقد اشتهر أن جماعة تكنوا بأبي القاسم في العصر الأول وفيما بعد ذلك إلى اليوم مع كثرة فاعلي ذلك وعدم الإنكار اهـ، وقال الحافظ في تخريج أحاديث الشرح الكبير ويدل له
رواه أبو داود والترمذي من طريق قطر بن المنذر الثوري عن ابن الحنفية عن علي قال: قلت: يا رسول الله أرأيت أن ولد لي بعدك ولد اسميه محمداً وأكنيه بكنيتك قال: "نعم" وكانت لي رخصة صححه الترمذي والحاكم قال البيهقي: هذا يدل على إنه سمع النهي فسأل الرخصة له وحده وقال: حميد بن زنجويه سأل ابن أبي أوسى ما كان مالك يقول في الرجل يجمع بين كنية النبي ﷺ واسمه فأشار إلى شيخ جالس معنا فقال: هذا محمد بن مالك سماه أبوه محمداً وكناه أبا القاسم وكان يقول: إنما نهى النبي ﷺ عن ذلك في حياته ﷺ كراهة أن يدعى أحد باسمه وكنيته فيلتفت إليه ﷺ أما اليوم فلا وكأنه استنبط من سياق الحديث الذي في الصحيح في سبب النهي عن ذلك اهـ، أي وهو أن رجلاً بالبقيع قال: يا أبا القاسم فالتفت إليه ﷺ فقال: إني لم أعنك فقال: "تسموا باسمي الخ" فإن قلت هذا المعنى موجود في التسمي باسمه مع أنه جائز قلت: لا لأنه ﷺ لا ينادى باسمه تعظيماً له بخلاف تكنيته لما فيها من الإجلال والتعظيم والدلالة على الوصف المختص به من قوله: إنما أنا قاسم والله يعطي أو كما قال كما تقدم، قلت: وما رواه أبو داود من حديث صفية بنت شيبة عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني قد ولدت غلاماً وسميته محمداً وكنيته أبا القاسم فذكر لي أنك تكره ذلك فقال: "ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي أو ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي؟ " يشهد لهذا القول لكن قال الحافظ في تخريج أحاديث الشرح الكبير إن صح فيشبه أن يكون قبل النهي لأن أحاديث النهي أصح منه اهـ، ثم قول علي في حديث الترمذي وكانت لي رخصة كتب عليه شيخ الإسلام السراج البلقيني.
فائدة
قد تسمي جماعة محمداً وتكنوا أبا القاسم وهم من أصحاب النبي ﷺ وأذن لبعضهم النبي ﷺ في ذلك إذناً صريحاً فمنهم محمد بن طلحة بن عبيد الله أتى به أبوه إلى النبي ﷺ فمسح رأسه وسماه محمداً وكناه بأبي
стр. 2077
الله أنه يجوز التكني بأبي
القاسم لمن اسمه محمد ولغيره، ويجعل النهي خاصاً بحياة رسول الله ﷺ . والمذهب الثالث: لا يجوز لمن اسمه محمد، ويجوز لغيره. قال الإِمام أبو القاسم الرافعي من أصحابنا: يشبه أن يكون هذا الثالث أصح، لأن النّاس لم يزالوا يكتنون به في جميع الأعصار من غير إنكار، وهذا
ــ
القاسم وقد قيل: كنيته أبو سليمان والصحيح أبو القاسم كما في الاستيعاب لابن عبد البر ثم ذكر دليل من الكنيتين قال ابن عبد البر: قال راشد بن حفص الزهري: أدركت أربعة من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ كلهم تسمى محمداً وتكنى أبا القاسم محمد بن علي ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن طلحة ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وذكر ابن عبد البر إن عائشة سمعت محمد بن أبي بكر محمداً وكنته أبا القاسم اهـ، وقال العجلي ثلاثة تكنوا بأبي القاسم محمد ابن الحنفية ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن طلحة بن عبيد الله اهـ، نقله عنه ولده صالح فيما ألفه من ترجمة والده وفي فتح الباري زيادة على ذلك محمد بن حاطب بن أبي بلتعة وابن سعد بن أبي وقاص وابن جعفر بن أبي طالب وابن الأشعث بن قيس فكل هؤلاء سماهم آباؤهم محمداً وكونهم أبا القاسم وحمله الحافظ على إنهم فهموا تخصيص النهي بزمانه ﷺ قال: وجزم الطبراني بأن النبي ﷺ كنى محمد بن طلحة بأبي القاسم اهـ. قوله: (والمذهب الثالث لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره قال الرافعي يشبه أن يكون هذا الثالث
أصح) قال في المهمات: هذا هو الصواب والراجح دليلاً فقد قال ﷺ : "من تسمى باسمي فلا يكنى بكنيتي ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي" رواه أحمد وأبو داود من حديث جابر ورواه الترمذي وقال حسن غريب وقال البيهقي في شعب الإيمان إسناده صحيح وكذا صححه ابن حبان أيضاً من حديث أبي هريرة وصححه الترمذي من هذا الوجه قال الحافظ ابن حجر وبهذا القول جزم ابن حبان في صحيحه ثم ذكر الحافظ حديث جابر المذكور ونقل تحسين الترمذي وتصحيح ابن حبان له ثم قال: وفي الباب عن أبي حميد عند البزار في مسنده اهـ، وقال الشيخ زكريا في شرح البخاري رجح الرافعي وابن أبي الدم بعد أن نقلا نص الشافعي بتحريم التكني بذلك مطلقاً أن تحريم التكني بذلك فيمن اسمه
стр. 2078
الذي قاله صاحب هذا المذهب فيه مخالفة ظاهرة للحديث.
ــ
محمد خبر من تسمى باسمي الخ رواه ابن حبان في صحيحه وقال البيهقي إسناده صحيح وما رجحاه فيه جمع بين الخبرين بخلاف النص إذ فيه تقديم خبر الصحيحين على خبر ابن حبان وأما تكنية علي ولده محمد ابن الحنفية بذلك فرخصة من النبي ﷺ كما قال ابن أبي الدم قال شيخنا يعني الحافظ ابن حجر وأما ما رواه أبو داود عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني ولدت غلاماً وسميته محمداً الخ فيشبه أن يكون قبل النهي لأن أحاديث النهي أصح اهـ، وضعف النووي ما قاله الرافعي وقال الأقرب: إن النهي يختص بحياته لما في الحديث من سبب النهي وهو إن اليهود تكنوا به وكانوا ينادون: يا أبا القاسم فإذا التفت ﷺ قالوا: لم نعنك إظهاراً للإيذاء وقد زال ذلك المعنى اهـ، وما قاله إنه أقرب من سبب النهي مخالف لقاعدة إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب بل الأقرب ما رجحه الرافعي وقال الأسنوي: إنه الصواب لما فيه من الجمع بين الخبرين السابقين كما مر اهـ، كلام شرح البخاري للشيخ زكريا.
تنبيه
قال الحافظ في الفتح مما ينبه عليه إن النووي أورد هذا المذهب مقلوباً فقال: يجوز لمن اسمه محمد دون غيره وهذا لا يعرف به قائلاً وإنما هو سبق قلم وقد حكاه في الأذكار على الصواب ثم أجاب عما أورد على المصنف من تكنيته في خطبة منهاجه للرافعي بأبي القاسم مع اختياره تحريم ذلك مطلقاً بأنه إما إشارة إلى اختيار طريقة الرافعي أو إلى إنه مشتهر بذلك ومن شهر بشيء لم يمتنع تعريفه به ثم حكى الحافظ مذاهب أخرى في التكنية بأبي القاسم فليراجع منه. قوله: (فيه مخالفة ظاهرة للحديث) أي لأنه ﷺ أطلق المنع عن التكني بكنيته ولم يفصل في المنع بين أن يكون مع التسمي باسمه أولاً وقدم مفهوم هذا الحديث على مفهوم حديث من تسمى باسمي الخ، لأن هذا لكونه من أحاديث الصحيحين مقدم على ذلك عند التعارض والله أعلم. وفي المرقاة هذا القول مع مخالفة ظاهر الحديثين المتفق عليهما من جواز التسمية ومنع التكنية أعم من أن يكون مقارناً بالتسمية أو مفارقاً لها لا يلائمه سبب ورود النهي المذكور عندهما في حديث أنس ولا يناسبه
стр. 2079
وأما إطباق النّاس على فعله مع أن في المتكنِّين به والمكنِّين الأئمةَ الأعلامَ، وأهل الحل
والعقد والذي يقتدى بهم في مهمات الدين، ففيه تقوية لمذهب مالك في جوازه مطلقاً، ويكونون في فهموا من النهي الاختصاص بحياته ﷺ كما هو مشهور من سبب النهي في تكني اليهود بأبي القاسم ومناداتهم: يا أبا القاسم، للإيذاء، وهذا المعنى قد زال. والله أعلم.
باب جواز تكنية الكافر والمبتدع والفاسق إذا كان لا يعرف إلا بها أو خيف من ذكره باسمه فنتة
قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ واسمه عبد العزى،
ــ
العلة المسطورة في حديث جابر اهـ. قوله: (وأما إطباق النّاس على فعله) إما بفتح الهمزة حرف فيه معنى الشرط وجوابه قوله: ففيه تقوية لمذهب مالك. قوله: (في المتكنين) بضم الميم وفتح الفوقية وفتح الكاف
وكسر النون وأصله متكنيين بياءين إحداهما لام الكلمة والأخرى ياء الجمع فحذفت الأولى بعد حذف كسرتها. قوله: (وأهل الحل والعقد) هم المفتون. قوله: (والذي يقتدى) أي يتأسى (بهم في مهمات الدين) أي فيما أهم من أمره وشأنه وهم العلماء العاملون أمتع الله بهم إلى يوم الدين ثم الخلاف في هذه الأقوال بالنسبة لأصل واضع هذه الكنية أما لو عرف إنسان بها فدعاه شخص بها لم يحرم ولذا قال المصنف في أول المنهاج وأتقن مختصر في الفقه المحرر للإمام أبي القاسم الرافعي اهـ.
باب جواز تكنية الكافر والمبتدع والفاسق إذا كان لا يعرف إلا بها أو خيف من ذكره باسمه فنتة
قوله: (قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ الخ) سبب نزول ذلك ما في الصحيحين عن ابن عباس إنه ﷺ لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ورهطك منهم
стр. 2080
قيل: ذكر تكنيته لأنه يُعرَف بها، وقيل: كراهة لاسمه حيث جُعِل عبداً للصنم.
ــ
المخلصين خرج ﷺ حتى صعد الصفا فهتف: "يا صباحاه" قالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه قال: "أرأيتم أن أخبرتكم إن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم ما جربنا عليك كذباً قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: تباً لك ما جمعتنا إلا لهذا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وقد تب إلى آخرها هكذا قرأها الأعمش يومئذٍ وأورده البخاري عن ابن عباس من طريق آخر وليس فيها ذكر قوله لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الخ، وقال بدل فصعد إلى الصفا خرج إلى البطحاء فصعد الجبل والباقي بنحوه وقوله: "وقد تب" هكذا قرأها الأعمش يومئذٍ يعني قرأها على الخبر عنه بأنه تب أي خسر وقرأه الجماعة بحذفها على إنه دعاء عليه وقوله: تبت أي خسرت والتباب الخسران. قوله: (قيل: ذكر بكنيته) قال السهيلي في الإعلام بما أبهم في القرآن من الأعلام أبو لهب اسمه عبد العزى ولما كان اسمه باطلاً من حيث أضيف إلى العزى ذكره تعالى بهذا السبيل فإن قيل: كنيته أبو لهب واللهب ليس بابن له فالجواب بأن الله تعالى خلقه للهب وإليه مصيره ألا تراه قال: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ تكنى بالابن وبما لصق بالمكنى ولزمه كقوله ﷺ في علي ﵁: "أبو تراب" وفي أبي هريرة "بهرة" كانت معه تلازمه ولأنس أبو حمزة "ببقلة" كان يجتنيها وهي الحرف والعرب تقول للأحمق أبو دارص للعبه بها وهو جمع درص وهو ولد الكلبة وقيل ولد الهرة ونحو ذلك والقرآن نزل
بلغة القوم وكانت كنية أبي لهب تقدمة لما يصير إليه من اللهب فكان بعد نزول السورة لا يشك المؤمنون في إنه من أهل النار بخلاف غيره من الكفار لطمعهم في إيمان جميعهم والله أعلم اهـ، قال المصنف في شرح مسلم في أبي لهب لغتان قريء هما فتح الهاء وإسكانها واسمه عبد العزى قال القاضي: وقد استدل بهذه السورة على جواز تكنية
стр. 2081
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أسامة بن زيد ﵄ "أن رسول الله ﷺ ركب على حمار ليعود سعد بن عبادة ﵁ ... " فذكر الحديث ومرورَ النبي ﷺ
ــ
الكافر وقد اختلف العلماء في ذلك واختلفت الرواية عن مالك في تكنية الكافر بالجواز والكراهة وقال بعضهم إنما يجوز من ذلك ما كان على وجه التأليف وإلا فلا إذ في الكنية تعظيم وتكبير وأما تكنية الله تعالى لأبي لهب فليست من هذا ولا حجة فيه إذ كان اسمه عبد العزى وهي تسمية باطلة ولهذا كني عنه وقيل لأنه إنما كان يعرف بها اهـ، قلت: قال الكواشي ويؤيد هذا ما قرئ أبو لهب كما يقال: علي بن أبو طالب لئلا يغير الاسم فيشكل على السامع اهـ، وقيل: إن أبا لهب لقب وليس بكنية وكنيته أبو عتبة وقيل: جاء ذكر أبي لهب لمجانسة الكلام والله أعلم اهـ، وقال الكواشي في التفسير الكبير بعد نقل ما ذكرنا وقيل كني لأنه كان مشرق اللون ملتهبه كما كنى ﷺ : أبا المهلب أبا صفرة لصفرة كانت بوجهه وجوز بعضهم أن يكن كني استهزاء به واحتقاراً له اهـ، وقال الكرماني: كان وجهه يلتهب جمالاً فجعل الله ما كان يفتخر به في الدنيا ويتزين به سبباً لعذابه وهذه التكنية ليست للإكرام بل للإهانة إذ هو كناية عن الجهنمي إذ معنى الآية: ﴿تَبَّتْ يَدَا﴾ الجهمنى وفي الكشاف ثلاثة أجوبه كونه مشتهراً بكنيته دون اسمه فلما أريد تشهيره ذكر الأشهر وهو الكنية دون اسمه، والثاني: أن اسمه كان عبد العزى فعدل عنه إلى كنيته، والثالث: أنه لما كان من أهل النار وما له إلى نار ذات لهب وافقت حاله كنيته فكان جديراً بأن يذكر بها اهـ، قال في الفتح وقول الزمخشري: إنها كناية عن الجهنمي متعقب بأن الكنية لا ينظر فيها إلى مدلول اللفظ بل الاسم إذا صدر بأب أو أم فهو كنية سلمنا لكن اللهب لا يختص بجنهم وإنما المعتمد ما قاله غيره أن النكتة في التكنية بذلك أنه لما علم الله تعالى أن مآله إلى النار ذات اللهب ووافقت كنيته حال حسن أن يذكر بها اهـ.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) تقدمت
стр. 2082
على عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق، ثم قال: فسار النبيُّ ﷺ حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال النبي ﷺ : "أيْ سَعْدُ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى مما قالَ أبُو حُباب -يريد عبد الله بن أُبيّ- قالَ كَذَا وكَذَا ... " وذكر الحديث.
قلت: تكرَّر في الحديث تكنية أبي طالب، واسمه عبد مناف، وفي الصحيح "هَذَا قَبْرُ أبي رُغالٍ" ونظائر هذا كثيرة، هذا كله إذا وجد الشرط الذي ذكرناه في الترجمة،
ــ
الإشارة إلى تخريجه وما يتعلق به في أواخر كتاب السلام والاستئذان. قوله: (على عبد الله بن أبي ابن سلول) أبي بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية وهو بالتنوين لأن أبيا المذكور بعده ليس وصفاً له فإن أبيا أبو عبد الله وسلولاً أمه فيعرب ابن بإعراب عبد الله لأنه صفة له لا صفة لأبي كما قدمت بيانه في الكلام على ترجمة ابن ماجه أول الكتاب وسلول بفتح المهملة وضم اللام الأولى غير منصرف للعلمية والتأنيث المعنوي. قوله: (أبو حباب) بضم المهملة وخفة الموحدة الأولى كنية عبد الله بن أبي قال المصنف إنما ذكره ﷺ بكنيته تألفاً ودفعاً لما لعله يحصل من الفتنة من أتباعه لو دعاه باسمه.
قوله: (هذا قبر أبي رغال) تقدم حديثه في كتاب الجنائز وتكنيته لأنه لا يعرف إلا بها، وكنية أبي طالب أشهر من اسمه بل لا يعرف اسمه إلا بعض العلماء. قوله: (إذا وجد الشرط الذي ذكرناه في الترجمة) أي من كون ذلك الإنسان لا يعرف إلا بكنيته أو يعرف باسمه لكن يترتب على ذكره به فتنة قال الحافظ في الفتح وقد تعقب كلامه بأنه لا حصر فيما ذكره بل قصة عبد الله بن أبي في ذكره بكنيته دون اسمه وهو باسمه أشهر ليس لخوف فتنة فإن الذي ذكر عنده كان قوياً في الإسلام فلا يخشى معه أن لو ذكر باسمه أن يجر بذلك إلى فتنة وإنما هو محمول على التأليف كما جزم به ابن بطال فقال: فيه جواز تكنية المشرك على وجه التأليف إما رجاء إسلامه أو لتحصل منفعة منه اهـ، وأقول قوله: فلا يخشى أن يجر بذلك إلى فتنة إن أراد من المذكور عندهم فمسلم وإن أراد مطلقاً فممنوع كما أشار إليه المصنف بقوله دفعاً لما يحصل من الفتنة من أتباعه لو دعاه باسمه فظاهر أنه لا مانع أن يكون لكل من دفع الفتنة كما قال المصنف وللتأليف
стр. 2083
فإن لم يوجد، لم يزد على الاسم.
كما رويناه في "صحيحيهما" أن رسول الله ﷺ كتب: "مِنْ مُحَمدٍ عَبْدِ الله وَرَسُولِهِ إلى هِرَقْلَ" فسماه باسمه، ولم يُكنِّه
ــ
كما قال ابن بطال.
قوله: (كما رويناه في صحيحيهما) أي من حديث ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب. قوله: (كتب) أي أمر بالكتابة من غير خلاف في هذا الحديث فيما رأيت بخلافه في قصة الحديبية في قوله فكتب محمد بن عبد الله فالخلاف في أنه أمر بالكتابة أو كتب بنفسه ثمة شهير. قوله: (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل) قال المصنف في شرح مسلم فيه أن السنة في المكاتبة والمراسلة بين النّاس أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول: من زيد إلى عمرو وهذه مسألة مختلف فيها قال الإِمام أبو جعفر النحاس في كتابه صناعة الكتاب قال أكثر العلماء يستحب أن يبدأ فيه بنفسه كما ذكرنا ثم روى فيه أحاديث وآثاراً قال وهذا هو الصحيح عند أكثر العلماء لأنه إجماع الصحابة قال: وسواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان قال: ورخص جماعة في أن يبدأ بالمكتوب إليه فيقول في التصدير والعنوان إلى فلان من فلان ثم روى بإسناده إلى زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية وعن محمد ابن الحنفية وبكر بن عبد الله وأيوب السختياني أنه لا بأس بذلك وأما العنوان فالصواب أن يكتب عليه إلى فلان ولا يكتب لفلان لأنه إليه لا له إلا على مجاز قال: وهذا هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء والصحابة والتابعين اهـ. وما حكاه النحاس من إجماع الصحابة على تقديم اسم المكتوب إليه نازعه في الإجماع الحافظ ابن حجر بأن فيه الخلاف بين الصحابة قلت: وممن نقل عنه خلاف ذلك زيد بن ثابت كما نقله النحاس نفسه وهرقل بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف اسم لذلك المكتوب إليه وهو اسم أعجمي. قوله: (عظيم الروم) قال الحافظ في الفتح وما استشهد به النووي من الكتاب إلى هرقل فقد وقع في نفس الكتاب ذكره بعظيم الروم وذلك مشعر بالتعظيم والتلقيب لغير العرب كالكنى
للعرب وقد قال النووي في محل آخر إذا كتب إلى مشرك وكتب فيه سلاماً أو نحوه فينبغي أن يكتب كما كتب به النبي ﷺ إلى هرقل فذكر الكتاب وفيه عظيم الروم وهذا ظاهره التناقض وقد جمع في نكت له على الأذكار بأن قوله عظيم الروم صفة
стр. 2084
ولا لَقَّبه بلقب ملك الروم وهو قيصر، ونظائر هذا كثيرة، وقد أمرنا بالإغلاظ عليهم، فلا ينبغي أن نكنِّيَهم ولا نُرَقِّقَ لهم عبارةً، ولا نُلينَ لهم قولاً، ولا نُظْهِرَ لهم ودّاً ولا مؤالفة.
ــ
لازمة لهرقل لأنه عظيمهم فاكتفى به ﷺ عن قوله: "ملك الروم" فإنه لو كتبها لتمسك بها هرقل في أنه أقره على المملكة قال: ولا يرد مثل ذلك في قوله تعالى حكايته عن صاحب مصر وقال: الملك لأنه حكاية عن أمر مضى وانقضى بخلاف هرقل اهـ، وينبغي أن يضم إليه أن ذكر عظيم الروم والعدول عن ملك الروم حيث كان لا بد من صفة تميزه عند الاقتصار على اسمه لأن من تسمى بهرقل كثير فقيل: عظيم الروم ليتميز عمن تسمى بهرقل وعلى هذا فلا يحتج به على جواز الكنية لكل مشرك بلا تقييد والله أعلم انتهى كلام الفتح. قوله: (ولا لقبه بلقب ملك الروم وهو قيصر) أي بفتح القاف وسكون التحتية وفتح المهملة وهذا لقب لكل من ملك الروم وكسرى بكسر الكاف وفتحها لقب لمن ملك الفرس والمقوقس لقب لمن ملك القبط والعزيز لمن ملك مصر والنجاشي لمن ملك الحبشة وتبع لمن ملك اليمن وسبق في كتاب أذكار الجنائز لهذا مزيد فراجعه قال المصنف في شرح مسلم في كتابه ﷺ التوقي في المكاتبة واستعمال الورع فيها فلا يفرط ولا يفرط فلهذا قال هرقل عظيم الروم ولم يقل ملك الروم لأنه لا ملك له ولا لغيره لحكم دين الإسلام ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه ﷺ أو ولاه من أذن له ﷺ بشرطه وإنما تنفذ تصرفات الكفار للضرورة ولم يقل هرقل فقط بل أتى بنوع من الملاطفة فقال: عظيم الروم وقد أمر الله تعالى بإلانة القول لمن يدعى إلى الإسلام فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وغير ذلك فقول الشيخ هنا ولا يلين لهم قولاً محله ما إذا لم يكن ذلك للدعاء للإسلام أو لم ينجع ذلك فيهم فيشدد عليهم ويعاملون بنقيضة حالهم والله أعلم وقد أشار في كتاب السلام إلى نحو ذلك فقال: قال أبو سعيد: لو أراد تحية ذمي فعلها بنحو هداك الله لا أنعم الله صباحك قلت: وهذا الذي قاله أبو سعيد
стр. 2085
باب جواز تكنية الرجل بأبي فلانة وأبي فلان والمرأة بأم فلان وأم فلانة
اعلم أن هذا كلَّه لا حَجْر فيه، وقد تكنَّى جماعات من أفاضل سلف الأمة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم بأبي فلانة، فمنهم عثمان بن عفان ﵁ له ثلاث كنى: أبو عمرو، وأبو عبد الله، وأبو ليلى. ومنهم أبو الدرداء وزوجته أم الدرداء الكبرى صحابية اسمها خَيْرة وزوجته
ــ
لا بأس به إذا احتاج إليه أما إذا لم يحتج إليه فالاختيار ألا يقول شيئاً فإن ذلك بسط له وإيناس ونحن مأمورون بالأغلاظ عليهم اهـ، ولعل الشيخ أطلق هنا اعتماداً على التقييد المذكور في ذلك الكتاب والله أعلم بالصواب وفي فتح الباري ما استشهد به النووي من الكتاب إلى هرقل فقد وقع في بعض الكتاب ذكره بعظيم الروم وهو مشعر بالتعظيم واللقب لغير العرب كالكنية للعرب اهـ.
باب جواز تكنية الرجل بأبي فلان وأبي فلانة والمرأة بأم فلان وأم فلانة
قوله: (لا حجر فيه) بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم أي لا منع فيه. قوله: (أبو عمرو) كني بعمرو أحد أولاده. قوله: (وأبو عبد الله) هو ولده أيضاً أمه رقية بنت سيدنا رسول الله ﷺ قال: "في أسد الغابة يكنى أبا عبد الله" وقيل: أبا عمرو وقيل: كان يكنى أولاً بابنه عبد الله وأمه رقية بنت رسول الله ﷺ ثم كني بابنه عمرو. قوله: (وأبو ليلى) بفتح اللامين وإسكان التحتية. قوله: (أبو الدرداء) هو عويمر وسبقت ترجمته. قوله: (زوجته أم الدرداء الكبرى صحابية اسمها خيرة) أي بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وبالراء بعدها هاء تأنيث وهي بنت أبي حدرد الأسلمي قاله ابن حنبل وابن معين وقال: أم الدرداء الصغرى اسمها هجيمة الوصابية قاله أبو عمرو قال أبو نعيم: اسمها خيرة وقيل: هجيمة وكانت أم الدرداء الكبرى من فضلاء النساء وعقلائهن ومن ذوات العبادة توفيت قبل أبي الدرداء بسنتين وكانت وفاتها بالشام في خلافة عثمان قال في أسد الغابة قال أبو نعيم: اسمها خيرة وقيل: هجيمة
стр. 2086
الأخرى أم الدرداء الصغرى اسمها هُجَيمة، وكانت جليلةَ القدر، فقيهةً، فاضلةً، موصوفة: بالعقل الوافر، والفضل الباهر، وهي تابعية. ومنهم أبو ليلى والد عبد الرحمن بن أبي ليلى، وزوجته أم ليلى، وأبو ليلى وزوجته صحابيان. ومنهم أبو أُمامة وجماعات من الصحابة. ومنهم أبو ريحانة، وأبو رِمْثة، وأبو رِيمَة،
ــ
وهم لا شك فيه لأنهما واحدة وقد اختلف في اسمها وليس كذلك بل هما ثنتان أم الدرداء الكبرى واسمها خيرة ولها صحبة وأم الدرداء الصغرى وهي هجيمة الوصابية تابعية اهـ، وقال في محل آخر قال الأمير أبو نصر خيرة بنت أبي حدرد أم الدرداء الكبرى زوجة أبي الدرداء لها صحبة يقال إنها ماتت قبل أبي الدرداء وأم الدرداء الصغرى هجيمة بنت حيي الوصابية هي التي خطبها معاوية فأبت أن تتزوج فظهر أنهما ثنتان اهـ. قوله: (هجيمة) بضم الهاء وفتح الجيم وسكون التحتية وهي بنت حيي الوصابية. قوله: (ومنهم أبو ليلى الخ) قال الكرماني ابن أبي ليلى إذا أطلقه المحدثون يريدون عبد الرحمن أي ابن الصحابي وإذا أطلقه الفقهاء يريدون به ابنه محمد وأبو ليلى الصحابي والد عبد الرحمن أنصاري اختلف في اسمه فقيل: يسار بن نمير وقيل: أوس بن خولي وقيل: داود ابن بلال وقيل: داود بن بليل وقيل غير ذلك صحب النبي ﷺ وشهد معه أحداً وما بعدها من المشاهد ثم انتقل إلى الكوفة: كقوله بها دار وزوجته أم ليلى هي بنت رواحة الأنصاري أم عبد الرحمن بن أبي ليلى لقيت النبي ﷺ ولها رواية. قوله: (ومنهم أبو أمامة) كنية جماعة من الصحابة فمنهم صدي بن عجلان الباهلي وأسعد بن زرارة الأنصاري وأبو أمامة بن ثعلبة الأنصاري الحارثي وأبو أمامة بن سهل ابن حنيف الأنصاري وغيرهم. قوله: (أبو ريحانة) وهو الأزدي وقيل: الدوسي وقيل: الأنصاري
يقال: مولى النبي ﷺ اختلف في اسمه فقيل عبد الله بن مطر وقيل غير ذلك. قوله: (وأبو رمثة) بكسر الراء المهملة وسكون الميم وفتح المثلثة كنية للصحابي البلوي وللصحابي التيمي واختلف في اسم أبي رمثة التيمي فقيل: حبان بن وهب وقيل: رفاعة بن يثربي وقيل: عمارة بن يثربي بن عوف وقيل: حشحاش وقيل غير ذلك. قوله: (وأبو ريمة) بكسر
стр. 2087
وأبو عمرة بشير بن عمرو، وأبو فاطمة الليثي، قيل: اسمه عبد الله بن أُنَيْس، وأبو مريم الأزدي، وأبو رُقَيَّة تميم الداري،
ــ
الراء وإسكان التحتية كنية صحابي روى عنه عبد الله بن رباح. قوله: (وأبو عمرة) بفتح المهملة وسكون الميم وهو صحابي أنصاري قال الشيخ (بشير بن عمرو) هو بالموحدة المفتوحة فالمعجمة المكسورة فالتحتية الساكنة ضد النذير أبوه عمرو بفتح العين وهو أنصاري من في مالك بن النجار وقيل: من بني مازن بن النجار والأول أصح وقال الكلبي اسمه ثعلبة. قوله: (وأبو فاطمة الليثي) قال ابن الأثير أبو فاطمة الدوسي وقيل الأزدي وقيل الليثي وقيل الضمري قيل اسمه عبد الله قال أبو عمر وفيه نظر وقيل إن أبا فاطمة الأزدي شامي وأبا فاطمة الليثي مصري وقال أبو يونس الأزدي يقال له: الليثي وهو الدوسي شهد فتح مصر وروى عنه كثير بن كليب وإياس بن أبي فاطمة وقولهم دوسي وأزدي واحد فإن دوساً بطن من الأزد وقال الحافظ في التقريب فرق الحاكم بين الليثي والأزدي وهو الظاهر اهـ. قوله: (قيل اسمه عبد الله بن أنيس) أي بضم الهمزة وفتح النون وسكون التحتية آخره مهملة قال الحافظ في التقريب أبو فاطمة الليثي أو الدوسي اسمه أنيس وقيل: عبد الله بن أنيس سكن الشام ومصر ثم ذكر كلام الحاكم السابق آنفاً. قوله: (وأبو مريم الأزدي) قال ابن الأثير أبو مريم الكندي ويقال الأزدي يعد في الشاميين قيل: إنه أبو مريم الغساني وقيل: غيره وذكر ابن منده في ترجمة أبي مريم السلولي فقال: أراه الكندي ولا يبعد فإن سلول قبيلة من كندة اهـ. قوله: (وأبو رقية تميم الداري) بضم الراء وفتح القاف وتشديد التحتية كني بابنة له لم يولد له سواها وتميم بفتح الفوقية وكسر الميم الأولى بعدها تحتية والداري نسبة إلى جد له اسمه عبد الدار وهو قحطاني ويقال له: الديري بكسر المهملة وسكون التحتية نسبة لدير كان يتعبد فيه ومن مناقبه التي لم يقع لغيره نظيرها قصة رؤياه مع أصحابه الجساسة والدجال في البحر فحدث به النبي ﷺ على المنبر أسلم تميم سنة سبع قيل: وهو أول من سرج السراج في المسجد
стр. 2088
وأبو كَريمة المقدام بن معد يكرب، وهؤلاء كلُّهم صحابة. ومن التابعين أبو عائشة مسروق بن الأجدع، وخلائقُ لا يُحْصوْن. قال السعماني في "الأنساب" سمي مسروقاً، لأنه سرقه إنسان وهو صغير ثم وجد.
وفي ثبت في الأحاديث الصحيحة تكنية النبي ﷺ أبا هريرة بأبي هريرة.
ــ
وأول من قص في زمن عمر بإذنه ثم انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان وكان ﷺ أقطعه قرية بفلسطين مات سنة أربعين ودفن ببيت جبرين أو جبريل من بلاد فلسطين وهي قرية من قرى الخليل روى له عن النبي ﷺ ثمانية عشر حديثاً له عند مسلم منها حديث واحد. قوله: (وأبو كريمة) أي بفتح الكاف وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فميم "ومعد يكرب" بكسر الراء آخره باء موحدة غير منصرف للعلمية والتركيب المزجي وسيأتي ترجمته بعد أبواب. قوله: (ومن التابعين أبو عائشة مسروق الخ) ومسروق بوزن مفعول من السرقة سمي بذلك لما نقله الشيخ في أول كتاب الأطعمة من شرح مسلم عن السمعاني من أنه سرق في صغره ثم وجد "والأجدع" بالجيم والدال والعين المهملتين
وقد خرج حديثه الستة وغيرهم وهو ثقة فقيه عابد مخضرم قال في التقريب مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبو عائشة الكوفي ثقة فقيه عابد مخضرم خرج عنه الجميع اهـ. قوله: (وفي ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ كنى أبا هريرة بأبي هريرة) منها حديث مسلم لما أعطاه النبي ﷺ النعل قال: "من لقيت خلف هذا الجدار يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة" فلقيه عمر فسأله عن شأن النعل فأخبره فضربه بين ثدييه حتى خر لاسته فجهش بالبكاء وأتى النبي ﷺ فقال: "ما لك يا أبا هريرة" قال: لقيني عمر، الحديث ومنها حديث البخاري عن أبي هريرة قال: أصابني جهد شديد فلقيت عمر بن الخطاب واستقرأته آية من كتاب الله فدخل داره وفتحها علي فمشيت غير بعيد فخررت لوجهي من الجهد فإذا رسول الله ﷺ قائماً على رأسي فقال: يا أبا هريرة فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك فأخذ بيدي فأقامني فعرف الذي بي، الحديث الخ وسبق وجه تكنيته بأبي هريرة غير مرة.
стр. 2089
كتاب الأذكار المتفرقة
اعلم أن هذا الكتاب أنثُر فيه إن شاء الله تعالى أبواباً متفرقة من الأذكار والدعوات يعظُم الانتفاع بها إن شاء الله تعالى، وليس لها ضابط تلتزم ترتيبها بسببه، والله الموفق.
باب استحباب حمد الله تعالى والثناء عليه عند البشارة بما يسرّه
اعلم أنه يستحبُّ لمن تجددت له نِعْمَةٌ ظاهرة، أو اندفعت عنه نقْمَةٌ ظاهرة، أن يسجد شكراً لله تعالى، وأن يحمَد الله تعالى، أو يُثني عليه بما هو أهله،
ــ
كتاب الأذكار المتفرقة
أعم من كون بعضها له اختصاص بوقت أو فعل أو حال أو لا اختصاص له بشيء من ذلك.
قوله: (وليس لها) أي الأبواب المتفرقة.
باب استحباب حمد الله والثناء عليه
أي بأسماء ذاته ونعوت صفاته (عند البشارة بما يسر) ومنه اندفاع ما يكره أو يضر. قوله: (اعلم أنه يستحب لمن تجددت له نعمة الخ) وهذه السجدة يشترط لها شرط الصلاة من الطهارة وستر العورة والاستقبال وأركان السجدة في الصلاة من وضع الأعضاء السبعة والتحامل بالرأس على مسجده وتزاد النية والسلام عند الجلوس منها من غير تشهد ثم هي إنما تشرع خارج الصلاة فيبطل فعلها الصلاة وخرج بـ (تجددت له نعمة) النعمة الدائمة من نعمة الوجود أو الإيمان أو نحوه فلا يندب السجود وبقوله (ظاهرة) أي مما لها خطر من حدوث ولد أو مال أو سلامة صديق أو ذهاب عدو، النعمة الباطنة من المغفرة وستر المساوي كما قاله الشيخ زكريا وتعقبه بعض تلامذته فيه وقال: إن ذلك أولى بالسجود من كثير مما يشرع له السجود والأولى أن يقال: خرج ما لا خطر له كحصول نحو درهم واندفاع عدو لا يخشى منه بوجه فلا يشرع السجود لذلك قال وقد اشترط الإِمام في النعمة أن يكون لها بال
стр. 2090
والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة.
وروينا في "صحيح البخاري" عن عمرو بن ميمون في مقتل عمر بن الخطاب ﵁ في حديث الشورى الطويل، أن عمر ﵁ أرسلَ ابنَه عبدَ الله إلى عائشة رضي
ــ
وحظر وهو يؤيد ما ذكر ثم قوله: تجددت له نعمة يشمل ما كان متوقعاً له قبل وما هجم عليه منه، نعم قيد بعض المتأخرين ذلك بكونه تأتيه النعمة من حيث لا يحتسب أي لا يدري قال: فلا سجود لما تسبب له مما يحصل عقب فعل ذلك السبب عادة ويقتضي العرف نسبة ذلك إليه كدفع ما يضره عن أرضه بسد بناه وأحكمه إذ ليس في ذلك من الوقع كما في الحدوث والاندفاع بغير فعله والله أعلم. قوله: (والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة) المراد من الأحاديث هنا المرفوعة بدليل مقابلتها بالآثار والظاهر أن المراد من الآثار ما يشمل الموقوف وغيره، ومن الأحاديث المرفوعة ما رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم عن أبي بكرة كان ﷺ إذا جاءه أمر يسر به خر ساجداً شكراً لله تعالى قال ابن حجر الهيتمي في الأمداد والحديث صحيح ومنها ما أخرجه العقيلي في تاريخه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ سجد وأطال فلما رفع قيل له في ذلك فقال: "أخبرني
جبريل أن من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" فسجدت شكراً لله تعالى قال ابن النحوي في التخريج الصغير لأحاديث الشرح الكبير ورواه أحمد والحاكم بنحوه وقال صحيح على شرط الشيخين قال: ولا أعلم في سجدة الشكر أصح منه اهـ، ومن الآثار ما في الصحيحين وغيرهما عن كعب بن مالك ﵁ لما سمع قول المبشر على جبل سلع أبشر يا كعب قال: فخررت ساجداً وعلمت أنه قد حدث فرج. قوله: (روينا في صحيح البخاري الخ) انفرد بسياقه بطوله عن باقي الكتب الست البخاري. قوله: (الشورى) بضم الشين المعجمة وسكون الواو وفتح الراء بعدها ألف مقصورة مصدر بمعنى التشاور قاله ابن حبان وقد جعل أمر الخلافة كذلك يتشاور في الأحق بها هؤلاء الستة ويقيمون من يرونه أحق بها. وقوله: (الطويل) صفة حديث. قوله: (إن عمر ﵁ أرسل ابنه الخ) في استئذانه لها دليل على أنها تملك البيت والسكنى إلى أن توفيت ولا يلزم
стр. 2091
الله عنها يستأذِنُها أن يُدفَن مع صاحبيه، فلما أقبل عبد الله قال عمر: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذِنَتْ، قال: الحمد الله، ما كان شيء أهم إلي من ذلك.
باب ما يقول إذا سمع صياح الديك ونهيق الحمار ونباح الكلب
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذَا سَمِعْتُمْ نُهاقَ الحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بالله مِنَ الشَّيطَانِ، فإنَّهَا رأتْ شَيطاناً، وإذا سَمِعْتُمْ صِياحَ الدِّيَكَةِ
ــ
منه الإرث لأن أمهات المؤمنين محبوسات بعد وفاته ﷺ لا يتزوجن أي إلى أن يمتن فهن كالمعتدات في ذلك. وقوله: (الحمد الله) فيه الثناء على الله وحمده على جزيل منته وعظيم عطيته. وقوله: (ما كان شيء) وفي نسخة من البخاري من شيء (أهم) وأهم منصوب خبر كان ومن زائدة في الاسم والله أعلم.
باب ما يقول إذا سمع صياح الديك ونهيق الحمار ونباح الكلب
بضم النون ويجوز كسرها على ما في القاموس بعدها موحدة وآخره حاء مهملة أي صوت الكلب. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) أورده في السلاح بلفظ إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت ملكاً وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنها رأت شيطاناً وقال: أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وفي رواية للنسائي إذا سمعتم الديك يصيح بالليل وفي الجامع الصغير مثله إلا أنه قال: صوت الديكة وليس فيه ذكر الرواية الأخرى عند النسائي. قوله: (فتعوذوا بالله من الشيطان) قال القاضي عياض: فائدة التعوذ ما يخشى من ضرر الشيطان ووسوسته فيلجأ إلى الله تعالى في دفع ذلك عنه. قوله: (وإذا سمعتم صياح الديكة) الصياح بكسر الصاد الصوت والديكة بكسر الدال وفتح التحتية جمع ديك وهو ذكر الدجاج وللديك خصائص في معرفة الوقت الليلي ليست لغيره ولا يكاد
стр. 2092
فاسألوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ فإنَّها رأتْ مَلَكاً".
وروينا في سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا سَمِعْتُمْ نُباحَ الكِلابِ ونَهِيق الحَميرِ باللَّيلِ فتَعَوَّذُوا بالله، فإنَّهُنَّ يَرَيْنَ ما لا تَرَوْنَ".
باب ما يقوله إذا رأى الحريق
وروينا في كتاب ابن السني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا رَأَيْتُمُ الحَرِيقَ فَكَبِّرُوا، فإنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ" ويستحب أن يدعو مع ذلك بدعاء الكرب وغيره مما قدَّمناه في "كتاب الأذكار للأمور العارضات وعند العاهات والآفات".
ــ
يختلف في أوقاته المعتادة لصياحه طال الليل أم قصر. قوله: (فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكاً) بفتح أوليه قال القاضي: سببه رجاء تأمين الملائكة على
الدعاء واستغفارهم وشهادتهم بالتضرع والإخلاص وفيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين والتبرك بهم اهـ، وقيل: لعل المعنى أن الديك أقرب الحيوانات صوتاً إلى الذاكر من الله تعالى لأنها تحفظ أوقات الصلوات غالباً. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) وكذا رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن حبان والحاكم في المستدرك من جملة حديث وفيه بعد قوله: ما لا ترون واقلوا الخروج إذا هدأت الرجل فإن الله يبث في ليله من خلقه ما يشاء وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم.
باب ما يقول إذا رأى الحريق
أي اشتعال النار في المتاع. قوله: (فكبروا) أي على جهة التعظيم الله فإن التكبير يطفئه وسر ذلك أن في التهاب النار ظهور سلطانها ولا سلطان عند ذكر كبرياء الله وجلاله لغيره تعالى والله أعلم، وقال ابن القيم في الهدى كأن سبب ذلك أن الحريق سببه النار وهي مادة الشيطان التي خلق منها وكان فيه من الفساد العام ما يناسب
стр. 2093
باب ما يقوله عند القيام من المجلس
روينا في كتاب الترمذي وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال
ــ
الشيطان عادته وفعله كأن للشيطان إعانة عليه وتنفيذ له وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد وهذان الأمران وهما العلو والفساد هدى الشيطان وإليهما يدعو وبهما يهلك في آدم فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو في الأرض والفساد، وكبرياء الله يقمع الشيطان وفعله فلذا كان تكبير الله له أثر في إطفاء الحريق فإن كبرياء الله لا يقوم لها شيء فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبيره في خمود النار وخمود الشيطان التي هي مادته فطفئ الحريق وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك والله أعلم اهـ.
باب ما يقول عند القيام من المجلس
بفتح الميم وكسر اللام اسم مكان أي من مكان جلوسه. قوله: (روينا في كتاب الترمذي الخ) قال في السلاح رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن حبان في صحيحيهما وقال الترمذي واللفظ له حسن صحيح غريب من هذا الوجه ورواه النسائي والحاكم في المستدرك من طرق: منها عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس مجلساً أو صلى صلاة تكلم بكلمات فسألته عائشة عن
الكلمات فقال: "إن تكلم بخير كان طابعاً عليهن إلى يوم القيامة وإن تكلم بغير ذلك كان كفارة له" وذكر الحديث هذا لفظ النسائي وله في رواية عنها كان رسول الله ﷺ إذا قام من مجلس يكثر أن يقول سبحانك فذكره في أوله من طريق آخر سبحان الله وبحمده اهـ، وكذا روى هذا الذكر الطبراني من حديث ابن عمر وجبير بن مطعم ورواه ابن أبي شيبة عن أبي برزة الأسلمي كما نقله في الحرز عن ميرك وسبق في الأذكار بعد السلام في كتاب الحافظ عن الطبراني من مرسل الشعبي قال: قال ﷺ : "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل
стр. 2094
رسول الله ﷺ : "مَنْ جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فقالَ قَبلَ أنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذلِكَ: سُبحانَكَ اللهُم وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلاَّ غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروينا في سنن أبي داود وغيره عن أبي برزة ﵁ واسمه نضلة
ــ
حين يريد أن يقوم: سبحان ربك الخ". قوله: (وكثر فيه لغطه) لغط بفتح اللام والغين المعجمة وبالطاء المهملة وهو كما في النهاية صوت وضجة لا يفهم معناها اهـ، والمراد منه هنا اللام القريب من الهذيان وهو ما لا طائل تحته لمشابهته من حيث إن ذاك عري عن المعنى وهذا قريب منه ومثل الهذيان بل أولى منه ما يقع في المجلس من غيبة أو نميمة أو نحوها من آفات الاجتماع. قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك) من الكلام على هذه الجملة مراراً قال الطيبي: قوله: اللهم معترض لأن قوله: وبحمدك متصل بما قبله إما بالعطف أي أسبحك وأحمدك أو بالحال أي أسبح حامداً لك قال ابن حجر في شرح المشكاة: ينبغي ألا يذكر هذا الذكر أي المشتمل على قوله: أستغفرك وأتوب إليك إلا بعد أن توجد منه توبة صحيحة مما هو فيه من المعاصي أما المقيم على المعصية القائل ذلك فهو قولها ذب بين يدي الله تعالى فربما يخشى عليه من المقت فليتنبه له فإنه كثيراً ما يغفل عنه اهـ، وتقدم كلام في هذا المعنى في الذكر عقب الوضوء وحاصله أنه يأتي بهذا الذكر وإن لم يكن متلبساً بها لأن الجملة خبر بمعنى الإنشاء أي أسألك أن تتوب عليّ أو باق على خبريته والمعنى فيه أني بصورة التائب الخاضع الذليل.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود عن أبي برزة الأسلمي الخ) وكذا رواه من حديثه ابن أبي شيبة كما تقدم نقله في تخريج الحديث قبله. قوله: (واسمه نضلة) أي بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وقد اختلف في اسمه واسم أبيه وهذا الذي قاله المصنف في اسمه هو أصح ما قيل فيه واسم أبيه على الأصح عدي بن عبيد قاله أحمد بن حنبل وابن معين وقيل: نضلة بن عبد الله ويقال: ابن عايد
стр. 2095
قال: كان رسول الله ﷺ يقول بأخَرة إذا أراد أن يقوم من المجلس: "سُبْحَانَكَ اللهم وَبحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاّ أنتَ، أستغْفرُكَ، وأتُوبُ إلَيْكَ"، فقال رجل: يا رسول الله إنك لتقَول قولاً ما كنتَ
تقوله فيما مضى، قال: "ذلكَ كَفَارَةٌ لِمَا يَكُونُ في المَجْلِسِ" ورواه الحاكم في "المستدرك" من رواية عائشة ﵂ وقال: صحيح الإسناد.
قلت: قوله: بأخرة، هو بهمزة مقصورة مفتوحة وبفتح الخاء، ومعناه: في آخر الأمر.
وروينا في "حلية الأولياء" عن علي ﵁ قال: من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل في آخر مجلسه
ــ
وقال الخطيب عن الهيثم اسم أبي برزة خالد بن نضلة وقيل: اسمه عبد الله بن نضلة بن عبيد وقيل: غير ذلك سبق ذكر ترجمته في كتاب. قوله: (بأخرة) هو بالهمزة المقصورة والمعجمة والراء المفتوحات آخره تاء قال في النهاية أي في آخر جلوسه ويجوز أن يكون في آخر عمره اهـ، وقول الشيخ معناه في آخر الأمر مراده هذا معنى لفظ الآخرة لا في خصوص هذا الحديث أو يراد من آخر الأمر، الأمر الحاصل منه في ذلك المجلس أي آخر شؤونه وأحواله في مجلسه هذا الذكر والله أعلم. قوله: (فقال
رجل) في رواية للنسائي والحاكم عن عائشة نحوه وأنها سألته عن ذلك وتقدم في كلام السلاح ذكر ذلك. قوله: (وروينا في حليلة الأولياء) بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وفتح التحتية وفي الدر المنثور للسيوطي كما رأيت بخط شيخي العلامة عبد الرحيم الحساني نقلاً عنه أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل في آخر مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون الخ" فأورده مرفوعاً مرسلاً والله أعلم، وقال القرطبي في التذكار في فضل الأذكار وابن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "من سره الخ" ذكره الثعلبي من حديث علي ﵁ مرفوعاً اهـ. قوله: (من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى) قال ابن حجر الهيتمي في الدر المنضود المكيال الأوفى كناية عن كثرة الثواب إذ التقدير به يغلب في الكثير وبالوزن يغلب في القليل وأكد ذلك بقوله:
стр. 2096
من حين يقوم: سبحان ربِّك رب العزَّة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد الله ربّ العالمين.
باب دعاء الجالس في جمع لنفسه ومن معه
روينا في كتاب الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: "قلما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعوَ بهؤلاءِ الدعواتِ لأصحابه: "اللهم
ــ
الأوفى. قوله: (أو حين يقوم) أي عند قيامه ثم يحتمل أن يكون على تقدير مضاف أي إرادة قيامه لقوله في الحديث السابق فقال: قبل أن يقوم من مجلسه الخ، ويحتمل أن يكون بعد تمام القيام فيكون لكل من الحالين قبل القيام وبعده ذكر مخصوص والله أعلم. قوله: (رب العزة) أي الغلبة (عما يصفون) أي من أن له ولداً (وسلام على المرسلين) أي المبلغين عن الله التوحيد والشرائع (والحمد الله رب العالمين) أي على نصرهم وهلاك الكافرين والله سبحانه أعلم.
باب دعاء الجالس في جمع لنفسه ومن معه
قوله: (روينا في كتاب الترمذي وغيره) وقد سقط لفظ "وغيره" من نسخ متعددة قال في السلاح رواه الترمذي والنسائي والحاكم في المستدرك واللفظ للترمذي وقال حسن وقال الحاكم صحيح على شرط البخاري وزاد في أوله: اللهم اغفر ما قدمت وما أخرت وما أسررت وأعلنت وأنت أعلم به مني. قوله: (قلما) ما فيه كافة لقل عن طلب الفاعل مهيئة لها للدخول على الجملة الفعلية وهو في معنى النفي قال ابن هشام في المغني: لم تكف ما من الأفعال إلا ثلاثة قل: وطال وكثر قال: وعلة ذلك شبههن برب ولا يدخلن إلا على جملة فعلية صرح بفعلها اهـ، وذكر قطب الدين في حواشي الكشاف إن ما المتصلة بهذه الأفعال يحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون كافة وتظهر ثمرة ذلك في فصلها ووصلها خطاً فعلى الأول تفصل وعلى الثاني توصل.
стр. 2097
أقْسِمْ لَنا مِنْ خَشْيَتكَ ما
تَحُولُ به بَينَنا وبَينَ مَعاصِيكَ، ومِنْ طَاعَتِكَ ما تُبَلغُنا به جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ ما تُهَوِّنُ بهِ عَلَينا مَصَائِبَ الدُّنْيا، اللهُمَّ مَتِّعْنا بأسماعنا وأبْصَارِنا
ــ
قوله: (اقسم لنا من خشيتك) أي اجعل
لنا قسماً ونصيباً من خشيتك أي خوفك المقرون بعظمتك قال ابن حجر الهيتمي في شرح الشمائل: الخوف والخشية والوجل والرهبة متقاربة المعنى فالخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس واضطراب القلب من ذكر المخوف والخشية أخص منه إذ هي خوف مقرون بمعرفة ومن ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقيل: الخوف حركة والخشية سكون ألا ترى إن من يرى عدواً له جاءه تحرك للهرب منه وهو الخوف وحالة استقراره في محل لا يصل إليه يسكن وهو الخشية، والرهبة إلا معان في الهرب من المكروه والوجل خفقان القلب عند ذكر من يخاف سطوته، والهيبة تعظيم مقرون بالحب، والخوف للعامة والخشية للعلماء العارفين والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة تكون الهيبة والخشية قال ﷺ : "أنا أتقاكم الله وأشدكم له خشية" اهـ. وأصله للقسطلاني في المواهب اللدنية. قوله: (تحول) أي تحجز وتمنع أنت أو هي ويدل على الأول قوله من ويؤيد الثاني أنه ضبطه بعض المحققين بالتحتية بصيغة التذكير على أن الضمير لما أي يحجب بيننا وبين معاصيك. قوله: (تبلغنا) بتشديد اللام المكسورة ويجوز تخفيفها أي توصلنا. قوله: (ومن اليقين) أي بك ونفوذ قضائك وإنه لا راد له وبأنه لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا وبأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وما أصابنا لم يكن ليخطئنا وبأن ما قدرته لا يتخلف عن حكمة ومصلحة واستجلاب منفعة. قوله (تهون) بكسر الواو المشددة وبالتحتية والفوقية أي تسهل وتخفف وفي نسخة مقروءة على ابن العماد تهون به قال ابن الجزري: رواية ما تهون علينا بحذف به تقتضي أن تكون بالتحتية وإثباته يقتضي أن تكون بالفوقية. قوله (مصائب الدنيا) بالنصب وفي نسخة بالرفع على أن يهون بفتح أوله وضم الهاء مضارع هان بالتحتية والفوقية. قوله (متعنا بأسماعنا وأبصارنا) أي لأنهما طرائق الدلائل الموصلة
стр. 2098
وَقُوَّتِنا مَا أحْيَيتَنَا، واجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنا، وَاجْعَلْ ثأرَنا على مَنْ ظَلَمَنا، وَانْصُرْنا على مَنْ عَادَانا، وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا في دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيا أكبَرَ هَمِّنا وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنا، وَلا تُسَلِّط عَلَينا مَنْ لا يَرْحَمُنا" قال الترمذي: حديث حسن.
ــ
لمعرفة الله تعالى وتوحيده من البراهين المأخوذة إما من الآيات المنزلة وطريق ذلك السمع أو من الآيات في الآفاق والأنفس وطريق ذلك البصر. قوله: (وقوتنا) أي قوة قلبنا الذي عليه مدار إيماننا أو المراد قوة سائر قوانا من الحواس الظاهرة والباطنة وباقي الأعضاء البدنية أي متعنا بذلك مدة إحيائنا وتقدم الكلام على قوله: ومتعنا بأسماعنا إلى قوله: واجعل ثأرنا على من ظلمنا في باب ما يقول إذا أراد النوم. قوله: (واجعل ثأرنا) بالمثلثة أي انتقامنا ونصرنا مقصوراً (على من ظلمنا) ولا تجعلنا ممن تعدى في طلب ثأره وأخذ به غير الجاني كما كان أهل الجاهلية تفعله أو اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا فندرك ثأرنا وأصل الثأر الحق والغضب ثم استعير لمطالبة دم القتيل. وقوله: (وانصرنا الخ) تعميم بعد تخصيص. قوله: (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) أي لا تصبنا بما ينقص ديننا من أكل الحرام واعتقاد السوء والفترة في العبارة والغفلة عن الطاعة. قوله: (ولا تجعل الدنيا الخ) الهم المقصد والحزن أي لا تجعل أكبر قصدنا أو حزننا لأجل الدنيا بل اجعله مصروفاً في عمل الآخرة وفيه ويؤخذ منه إن القليل من الهم مما لا بد منه في أمر المعاش مرخص فيه بل مستحب على ما صرح به القاضي عياض وفي الحديث وأصدقها أي الأسماء حارث
وهمام. قوله: (ولا مبلغ علمنا) بفتح الميم والكلام بينهما موحدة ساكنة وهو الغاية التي يبلغها الماشي والمحاسب فيقف عندها أي لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا نتفكر إلا في أحوال الدنيا بل اجعلنا متفكرين في أمر العقبى متفحصين عن العلوم الفاخرة المتعلقة بأمور الآخرة ومجمله لا تجعل علمنا غير متجاوز عن الدنيا مقصوراً عليها بل اجعله متجاوزاً عنها إلى الآخرة. قوله: (ولا تسلط علينا الخ) أي من الكفار والفجار والظلمة بتوليتهم علينا ولا تجعلنا مغلوبين لهم ويجوز حمله على ملائكة العذاب في القبر أو في النار ولا مانع من إرادة الجميع والله أعلم.
стр. 2099
باب كراهة القيام من المجلس قبل أن يذكر الله تعالى
روينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لاَ يَذْكُرُونَ الله تَعالى فِيهِ إلاَّ قامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ
ــ
باب كراهة القيام من المجلس قبل أن يذكر الله تعالى
الضمير في يذكر عائد إلى الجالس الدال عليه المجلس. قوله: (روينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود وغيره الخ) في السلاح بعد ذكر حديث أبي هريرة ما جلس قوم مجلساً رواه أبو داود والترمذي واللفظ له وقال حسن والنسائي والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولفظه ما من قوم جلسوا مجلساً وتفرقوا منه لم يذكروا الله فيه إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار وكان عليهم حسرة يوم القيامة زاد النسائي وابن حبان وما مشى أحد ممشى لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة وما أوى أحد إلى فراشه لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة اهـ، وفيه إيهام لا يخفى واللفظ الذي ذكره الشيخ هنا هو عند أبي داود كذلك، ثم هذا الحديث في تقدم في باب كراهة النوم على غير ذكر الله أخرجه المصنف من طريق أبي داود ونبه الحافظ ثمة على أنه حديث حسن روى عنه من طرق وأشار إلى اختلاف في سنده ثم قال: وإنما حسنه الترمذي لمجيئه من غير وجه. قوله: (لا يذكرون) بحذف الواو في جميع الأصول المصححة فهو في محل الحال. قوله: (إلا قاموا الخ) أي مثل قيام المتفرقين عن جيفة حماراً استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يوجد لمن ذكر حال قيام عن مجلسهم حال من الأحوال إلا حال من قام عن مثل جيفة الحمار المنتنة فإنهم اشتغلوا بغير ذكر الله سيما إن كان اللام صفة الدنيا فكأنهم استعملوا من جيفة الحمار وتفرقوا بما باءوا به من النقص والأوزار وفيه تنفير عن الغفلة وترهيب منها وترغيب في الذكر شبه من أكل من الطيبات واستعمل المستلذات ثم تخصيص الحمار لأنه أبلد الحيوان فشبه به من أخلى المجلس عن ذكر ربه لأنه ضيع أنفس الأشياء في جنب أحقرها
стр. 2100
وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً".
وروينا فيه عن أبي هريرة أيضاً عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَعَدَ مَقْعَداً لَمْ يَذْكُرِ الله تَعالى فِيهِ كانَتْ عَلَيهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعاً لا يَذْكُرُ الله تَعالى فِيهِ كانَتْ عَلَيهِ مِنَ الله تِرَةٌ".
قلت: تِرة بكسر التاء وتخفيف الراء، ومعناه: نقص، وقيل: تَبِعة، ويجوز أن يكون حسرة كما في الرواية الأخرى.
وروينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة أيضاً عن النبي ﷺ قال: "ما جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِساً لَمْ يَذْكُرُوا الله تَعالى فِيهِ، ولَمْ يُصَلُّوا على نَبِيهِمْ فِيهِ، إلاَّ كانَ عَلَيهِمْ تِرَةً، فإنْ شاءَ عَذبَهُمْ، وإنْ شَاءَ غفَرَ لَهُمْ" قال الترمذي: حديث حسن.
ــ
وهو اللهو واللعب لاستيلاء حجاب الغفلة حتى منعه عن ذلك النفيس الذي لا أنفس منه وهو ذكر الله تعالى قال ابن الجزري قوله عن جيفة حمار أي عن نتنه وقبحه والجيفة جثة الميت زاد في النهاية إذا نتن ومجمله إنه شبه مجلس الغفلة بالجيفة والقيام عنه بالتفرق عنها في الجملة قيل وضمن قام معنى تجاوز أو تعدى فعدى بعن. قوله: (وكان لهم
حسرة) أي ما ذكر من الجلوس مع الغفلة عن الذكر والقيام عنه كذلك أو كان ذلك المجلس لهم متعلقاً بحسرة وهي خبر كان ووقع في نسخة برفع حسرة فتكون كان تامة أي وقع لهم أي عليهم كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي فلها حسرة وندامة حيث لا تنفع الندامة. قوله: (وروينا فيه) أي في سنن أبي داود وتقدم الكلام على سنده وما يتعلق به في باب كراهة النوم من غير ذكر الله تعالى. قوله: (مقعداً) إما أن يكون مفعولاً مطلقاً أو ظرف مكان. قوله: (ترة الخ) الهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة: مثل وعد عدة. قوله: (وروينا في كتاب الترمذي) أي بهذا اللفظ وإلا فالحديث عنده وعند أبي داود والنسائي والحاكم وابن حبان كما سبق في كلام السلاح وفي الحرز وكذا رواه ابن ماجه عن أبي هريرة وأبي سعيد. قوله: (فإن شاء عذبهم) أي على ذنوبهم الماضية لا على ترك الذكر فإنه ليس بمعصية كذا في الحرز وقيل: إنه على سبيل الزجر والتهديد إذ الله أن يعذب من غير ذنب فكيف
стр. 2101
باب الذكر في الطريق
روينا في كتاب ابن السني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِساً لَمْ يَذْكُرُوا الله فِيهِ إلا كانَتْ عَلَيهِمْ تِرَةٌ، وما سلَكَ رَجُلٌ طَرِيقاً لَمْ يَذْكُرِ الله فِيهِ إلا كانَتْ عَلَيهِ تِرَةٌ".
وروينا في كتاب ابن السني و"دلائل النبوَّة" للبيهقي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: "أتى رسول الله ﷺ جبريلُ ﷺ وهو بتبوك فقال: يا محَمَّدُ اشْهَدْ جَنَازَةَ مُعاويَةَ بْنِ معاوية المُزَنِي، فخرج رسول الله ﷺ ، ونزل جبريل ﵇ في سبعين ألفًا من الملائكة، فوضع جناحه الأيمن على الجبال فتواضعت، ووضع جناحه الأيسر على الأرضين فتواضعت، حتى نظر إلى مكة والمدينة، فصلى عليه رسول الله ﷺ وجبريل والملائكة ﵈، فلما فرغ قال: "يا جبْريل بِمَ بَلَغَ مُعاوِيَةُ هَذِهِ المَنْزِلَةَ؟ قال: بِقِرَاءَتِهِ: قُلْ هُوَ الله أَحَدُ، قَائِماً وَرَاكباً وَمَاشِياً".
ــ
وتفويت ذكره والصلاة على أفضل خلقه بالكلمات التي تجري في المجالس الموجبة للعقوبة غالباً في غاية من التفريط والاستهتار بجانب الحق سبحانه ورسوله ﷺ فعلم إن ذلك المجلس لما كان مظنة للذنب نزل ما وقع فيها منزلة الذنب فهددوا بذلك تنفيراً للناس عن خلو مجالسهم عن أحد الأمرين الذكر أو الصلاة على النبي ﷺ .
باب الذكر في الطريق
أي ما جاء فيه والطريق مؤنثة معنوية ويقال فيها السبيل. قوله: (إلا كانت عليه ترة) كذا في نسخ الأذكار بإثبات التاء في كانت والذي رأيته في أصل صحيح من كتاب ابن السني بحذفها ونصب ترة وكأنه لكونه الرواية وإلا فتقدم في مثله جواز النصب والرفع والتذكير والتأنيث وتوجيه ذلك ظاهر.
قوله: (وروينا في كتاب ابن السني الخ) وأخرجه ابن الأثير في أسد الغابة من حديث أنس قال: نزل
стр. 2102
باب ما يقول إذا غضب
قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ... ﴾ [آل عمران: ١٣٤] الآية وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم"
ــ
جبريل على النبي ﷺ وهو بتبوك فقال: يا محمد مات معاوية بن معاوية المزني بالمدينة فتحب أن تصلي عليه قال: نعم فضرب بجناحه الأرض فلم تبق شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت ورفع له بربوة حتى نظر إليه فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف ألف ملك فقال ﷺ لجبريل: "يا جبريل بم نال هذه المنزلة" قال: "بحبه قل هو الله أحد وقراءته إياها جائياً وذاهباً وقائماً وقاعداً وعلى كل حال"، وقد روي في كل صف ستون ألف ملك وروي من طريق أخرى عن أنس وفيها معاوية بن معاوية الليثي ورواه بقية بن الوليد عن محمد بن زياد عن أبي أمامة نحوه وقال معاوية بن مقرن المزني قال أبو عمر: أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقوية ومعاوية بن مقرن المزني وإخوته النعمان وسويد ومعقل وكانوا سبعة معروفين في الصحابة مشهورين قال: وأما معاوية بن معاوية فلا أعرفه بغير ما ذكر وفضل: قل هو الله أحد لا ينكر اهـ، ونقله المصنف في التهذيب أيضاً عن ابن عبد البر وأقره عليه.
باب ما يقول إذا غضب
بكسر الضاد المعجمة.
الغضب غليان دم القلب طلباً لدفع المؤذي عند خشية وقوعه أو للانتقام ممن حصل منه الأذى بعد وقوعه وقيل: عرض يتبعه غليان دم القلب لإرادة الانتقام ويؤيد الأول حديث أحمد والترمذي أنه ﷺ قال في خطبته: "إلا إن الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه واحمرار عينيه" الحديث. قوله: (والكاظمين الغيظ) أي الممسكين ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر فلا يظهر له تأثير في الخارج وغرض الشيخ إن الله تعالى جعل هذه الأوصاف في جملة أوصاف المحسنين الذين يحبهم رب العالمين والغيظ كما في مفردات الراغب أشد غضب وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه اهـ. قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] أي
стр. 2103
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ".
وروينا في "صحيح مسلم" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تَعُدُّونَ الصُّرعَةَ فِيكُمْ؟ " قلنا: الذي لا تصرعه الرِّجال، قال: "ليسَ بذلكَ، ولَكِنهُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ".
قلت: الصرعة -بضم الصاد وفتح الراء- وأصله الذي يصرع النّاس كثيراً كالهُمَزة واللُّمَزة الذي يهمزهم كثيراً.
وروينا في سنن أبي
ــ
ينخسنك بأن يحملك على وسوسة ما لا يليق فاطلب العياذ بالله منه وهو اللوذ والاستجارة وإن شرطية وما صلة ونزغ هو الفاعل وهو مصدر يراد به اسم الفاعل أي نازغ وختم بهاتين الصفتين المحيطتين بما في الضمائر كذا في النهر
لأبي حيان. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) وعند أحمد والشيخين من حديث أبي هريرة مرفوعاً ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. قوله: (تعدون) بفتح الفوقية وضم المهملتين قال المصنف: أي تعتقدون. قوله: (ليس بذلك) أي الذي ينصرف إليه اسم الصرعة عند الاطلاق ليس من تعتقدون بل هو الذي يملك نفسه الخ وفيه إن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو وهي الجهاد الأكبر والشجاعة الحقيقية. قوله: (الصرعة الخ) قال المنذري في الترغيب الصرعة بضم الصاد وإسكان الراء من يصرعه النّاس كثيراً حتى لا يكاد يثبت مع أحد وكل من يكثر منه الشيء يقال فيه: فعلة بضم الفتح أي كهمزة لمزة فإن سكنت ثانيه انعكس وصار بمعنى من يفعل به ذلك كثيراً اهـ، وقال الكرماني: الصرعة بضم إلصاد المهملة وفتح الراء الذي يصرع الرجل مكثراً فيه وهو بناء للمبالغة كحفظة أي كثير الحفظ اهـ، وقال في كتاب الإيمان في حديث عمر في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الخ، الفرق بين فعلة ساكن العين وفي علة متحركه إن الساكن بمعنى المفعول والمتحرك بمعنى الفاعل يقال: رجل ضحكه بسكون الحاء أي مضحوك عليه وضحكة بحركة الحاء أي ضاحك على غيره وكذا همزة لمزة وهذه قاعدة كلية اهـ. قوله: (يهمزهم) أي يغتابهم والهمز الاغتياب واللمز الإعابة.
قوله: (وروينا في سنن أبي
стр. 2104
داود، والترمذي، وابن ماجه، عن معاذ بن أنس الجهني الصحابي ﵁، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ كظَمَ غَيظاً وهُوَ قادِرُ على أنْ يُنْفِذَهُ دعاه اللهُ على رؤوسِ الخَلائِقِ يَومَ القِيامَةِ حتَّى يُخَيَّرَهُ مِنَ الحُورِ ما شَاءَ" قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن سليمان بن صُرَد الصحابي
ــ
داود الخ) قال ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي اهـ. قوله: (وهو قادر على أن ينفذه) قيد في حصول ثواب كظم الغيظ المذكور. قوله: (دعاه الله على رءوس الخلائق) أي تنويها بشأنه وتشريفاً له وعند ابن أبي الدنيا في ذم الغضب من حديث أبي هريرة مرفوعاً من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً وعنده أيضاً من حديث ابن عمر مرفوعاً من كف غضبه ستر الله عورته.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) ورواه أبو داود والنسائي وفي رواية لأبي داود
والترمذي والنسائي من حديث معاذ اللهم إني أعوذ بك من شر الشيطان الرجيم كذا في السلاح. قوله: (عن سليمان بن صرد) الصحابي بضم الصاد وفتح الراء وبالدال المهملات مصروف الخزاعي كان اسمه في الجاهلية يساراً فسماه النبي ﷺ سليمان وكان خيراً فاضلاً ذا دين وعبادة وشرف في قومه سكن الكوفة: أول ما كوفها سعد ونفى عنها الأعاجم وشهد مع علي ﵁ حروبه وكان ممن كتب إلى الحسين بن علي بعد موت معاوية فلما قتل الحسين سقط في يده ندماً فسار هو والمسيب بن نحبة الفزاري وجميع من خذل الحسين وقالوا: ما لنا توبة إلا أن نطلب بدمه فخرجوا من الكوفة مستهل ربيع الآخر من سنة خمس وستين ولو أمرهم سليمان بن صرد وسموه أمير التوابين وساروا إلى عبيد الله بن زياد وكان قد سار من الشام في جيش كبير يريد العراق فالتقوا بعين الوردة من أرض الجزيرة وهي رأس عين فقتل سليمان بن صرد وكثير ممن معه وحمل رأس سليمان إلى مروان بن الحكم بالشام وكان عمر سليمان حين قتل ثلاثاً وتسعين سنة روي لسليمان ﵁ خمسة عشر حديثاً اتفقا منها على هذا الحديث وانفرد البخاري بحديث قال ﷺ يوم الأحزاب: "اليوم نغزوهم ولا يغزونا"
стр. 2105
رضي الله عنه قال: كنت جالساً مع النبي ﷺ ورجلان يستبَّان، وأحدهما قد احمرَّ وجهه، وانتفخت أوداجُه، فقال رسول الله ﷺ : "إنيِ لأعْلَمُ كَلمَة لَوْ قالَها لَذَهَبَ عنْهُ ما يَجدُ، لَوْ قال: أعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، ذهَبَ عَنْهُ ما يَجدُ، فقالوا له:
ــ
وخرج له الأربعة. قوله: (ورجلان يستبان) بفتح التحتية وسكون السين المهملة وفتح الفوقية بعدها موحدة مشددة افتعال من السباب أي يسب كل منها صاحبه. قوله: (وأحدهما قد احمر وجهه) أي من شدة الغضب لأنه يثير في القلب حرارة عظيمة قد يقتل صاحبها بإطفائها الحرارة الغريزية وقد لا لانتشارها في بقية الأعضاء لا سيما الوجه لأنه ألطفها وأقربها إلى القلب والبشرة لصفائها كالزجاجة تحكي لون ما وراءه ثم محل كون الحمرة تعلو وجه الغضبان إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه فإن كان الغضب ممن فوقه وأيس من الانتقام منه انقبض الدم إلى جوف القلب وكمن فيه فصار حزناً فاصفر اللون أو من مساويه الذي يشك في القدرة عليه تردد الدم بين انقباض وانبساط فيصير لونه بين حمرة وصفرة فالغضب فوران الدم وغليانه كما مر. قوله: (وانتفخت أوداجه) في النهاية الأوداج ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح واحدها ودج قلت هو بفتح الواو والدال المهملة وبالجيم قال في المصباح وكسر الدال لغة وقيل الودجان عرقان غليظان عن جانبي ثغرة النحر ومنه حديث فانتفخت أوداجه. قوله (كلمة) المراد منها معناها اللغوي. قوله: (لذهب عنه) أي ببركتها. قوله: (ما يجد) أي ما يجده من الغضب الذي يخشى عليه منه وهذا مستمد من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية. قوله: (لو قالها الخ) الجملة الأولى الشرطية وجوابها في محل الصفة لكلمة وقوله لو قال الخ كذلك بدل من الجملة قبلها وقوله: أعوذ بالله الخ خلف من الضمير العائد للموصوف. قوله: (أعوذ) أي أعتصم وألتجئ (بالله من الشيطان الرجيم) فإنه هو الذي يثير الغضب في القلب ويحسنه للإنسان حتى يوقعه في الهلاك الحسي أو الشرعي. قوله: (فقالوا) أي الصحابة الحاضرون (له) أي للرجل
следующие страницы →