Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
باب الذكر في الطريق
روينا في كتاب ابن السني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِساً لَمْ يَذْكُرُوا الله فِيهِ إلا كانَتْ عَلَيهِمْ تِرَةٌ، وما سلَكَ رَجُلٌ طَرِيقاً لَمْ يَذْكُرِ الله فِيهِ إلا كانَتْ عَلَيهِ تِرَةٌ".
وروينا في كتاب ابن السني و"دلائل النبوَّة" للبيهقي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: "أتى رسول الله ﷺ جبريلُ ﷺ وهو بتبوك فقال: يا محَمَّدُ اشْهَدْ جَنَازَةَ مُعاويَةَ بْنِ معاوية المُزَنِي، فخرج رسول الله ﷺ ، ونزل جبريل ﵇ في سبعين ألفًا من الملائكة، فوضع جناحه الأيمن على الجبال فتواضعت، ووضع جناحه الأيسر على الأرضين فتواضعت، حتى نظر إلى مكة والمدينة، فصلى عليه رسول الله ﷺ وجبريل والملائكة ﵈، فلما فرغ قال: "يا جبْريل بِمَ بَلَغَ مُعاوِيَةُ هَذِهِ المَنْزِلَةَ؟ قال: بِقِرَاءَتِهِ: قُلْ هُوَ الله أَحَدُ، قَائِماً وَرَاكباً وَمَاشِياً".
ــ
وتفويت ذكره والصلاة على أفضل خلقه بالكلمات التي تجري في المجالس الموجبة للعقوبة غالباً في غاية من التفريط والاستهتار بجانب الحق سبحانه ورسوله ﷺ فعلم إن ذلك المجلس لما كان مظنة للذنب نزل ما وقع فيها منزلة الذنب فهددوا بذلك تنفيراً للناس عن خلو مجالسهم عن أحد الأمرين الذكر أو الصلاة على النبي ﷺ .
باب الذكر في الطريق
أي ما جاء فيه والطريق مؤنثة معنوية ويقال فيها السبيل. قوله: (إلا كانت عليه ترة) كذا في نسخ الأذكار بإثبات التاء في كانت والذي رأيته في أصل صحيح من كتاب ابن السني بحذفها ونصب ترة وكأنه لكونه الرواية وإلا فتقدم في مثله جواز النصب والرفع والتذكير والتأنيث وتوجيه ذلك ظاهر.
قوله: (وروينا في كتاب ابن السني الخ) وأخرجه ابن الأثير في أسد الغابة من حديث أنس قال: نزل
стр. 2102
باب ما يقول إذا غضب
قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ... ﴾ [آل عمران: ١٣٤] الآية وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم"
ــ
جبريل على النبي ﷺ وهو بتبوك فقال: يا محمد مات معاوية بن معاوية المزني بالمدينة فتحب أن تصلي عليه قال: نعم فضرب بجناحه الأرض فلم تبق شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت ورفع له بربوة حتى نظر إليه فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف ألف ملك فقال ﷺ لجبريل: "يا جبريل بم نال هذه المنزلة" قال: "بحبه قل هو الله أحد وقراءته إياها جائياً وذاهباً وقائماً وقاعداً وعلى كل حال"، وقد روي في كل صف ستون ألف ملك وروي من طريق أخرى عن أنس وفيها معاوية بن معاوية الليثي ورواه بقية بن الوليد عن محمد بن زياد عن أبي أمامة نحوه وقال معاوية بن مقرن المزني قال أبو عمر: أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقوية ومعاوية بن مقرن المزني وإخوته النعمان وسويد ومعقل وكانوا سبعة معروفين في الصحابة مشهورين قال: وأما معاوية بن معاوية فلا أعرفه بغير ما ذكر وفضل: قل هو الله أحد لا ينكر اهـ، ونقله المصنف في التهذيب أيضاً عن ابن عبد البر وأقره عليه.
باب ما يقول إذا غضب
بكسر الضاد المعجمة.
الغضب غليان دم القلب طلباً لدفع المؤذي عند خشية وقوعه أو للانتقام ممن حصل منه الأذى بعد وقوعه وقيل: عرض يتبعه غليان دم القلب لإرادة الانتقام ويؤيد الأول حديث أحمد والترمذي أنه ﷺ قال في خطبته: "إلا إن الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه واحمرار عينيه" الحديث. قوله: (والكاظمين الغيظ) أي الممسكين ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر فلا يظهر له تأثير في الخارج وغرض الشيخ إن الله تعالى جعل هذه الأوصاف في جملة أوصاف المحسنين الذين يحبهم رب العالمين والغيظ كما في مفردات الراغب أشد غضب وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه اهـ. قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] أي
стр. 2103
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ".
وروينا في "صحيح مسلم" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تَعُدُّونَ الصُّرعَةَ فِيكُمْ؟ " قلنا: الذي لا تصرعه الرِّجال، قال: "ليسَ بذلكَ، ولَكِنهُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ".
قلت: الصرعة -بضم الصاد وفتح الراء- وأصله الذي يصرع النّاس كثيراً كالهُمَزة واللُّمَزة الذي يهمزهم كثيراً.
وروينا في سنن أبي
ــ
ينخسنك بأن يحملك على وسوسة ما لا يليق فاطلب العياذ بالله منه وهو اللوذ والاستجارة وإن شرطية وما صلة ونزغ هو الفاعل وهو مصدر يراد به اسم الفاعل أي نازغ وختم بهاتين الصفتين المحيطتين بما في الضمائر كذا في النهر
لأبي حيان. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) وعند أحمد والشيخين من حديث أبي هريرة مرفوعاً ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. قوله: (تعدون) بفتح الفوقية وضم المهملتين قال المصنف: أي تعتقدون. قوله: (ليس بذلك) أي الذي ينصرف إليه اسم الصرعة عند الاطلاق ليس من تعتقدون بل هو الذي يملك نفسه الخ وفيه إن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو وهي الجهاد الأكبر والشجاعة الحقيقية. قوله: (الصرعة الخ) قال المنذري في الترغيب الصرعة بضم الصاد وإسكان الراء من يصرعه النّاس كثيراً حتى لا يكاد يثبت مع أحد وكل من يكثر منه الشيء يقال فيه: فعلة بضم الفتح أي كهمزة لمزة فإن سكنت ثانيه انعكس وصار بمعنى من يفعل به ذلك كثيراً اهـ، وقال الكرماني: الصرعة بضم إلصاد المهملة وفتح الراء الذي يصرع الرجل مكثراً فيه وهو بناء للمبالغة كحفظة أي كثير الحفظ اهـ، وقال في كتاب الإيمان في حديث عمر في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الخ، الفرق بين فعلة ساكن العين وفي علة متحركه إن الساكن بمعنى المفعول والمتحرك بمعنى الفاعل يقال: رجل ضحكه بسكون الحاء أي مضحوك عليه وضحكة بحركة الحاء أي ضاحك على غيره وكذا همزة لمزة وهذه قاعدة كلية اهـ. قوله: (يهمزهم) أي يغتابهم والهمز الاغتياب واللمز الإعابة.
قوله: (وروينا في سنن أبي
стр. 2104
داود، والترمذي، وابن ماجه، عن معاذ بن أنس الجهني الصحابي ﵁، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ كظَمَ غَيظاً وهُوَ قادِرُ على أنْ يُنْفِذَهُ دعاه اللهُ على رؤوسِ الخَلائِقِ يَومَ القِيامَةِ حتَّى يُخَيَّرَهُ مِنَ الحُورِ ما شَاءَ" قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن سليمان بن صُرَد الصحابي
ــ
داود الخ) قال ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي اهـ. قوله: (وهو قادر على أن ينفذه) قيد في حصول ثواب كظم الغيظ المذكور. قوله: (دعاه الله على رءوس الخلائق) أي تنويها بشأنه وتشريفاً له وعند ابن أبي الدنيا في ذم الغضب من حديث أبي هريرة مرفوعاً من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً وعنده أيضاً من حديث ابن عمر مرفوعاً من كف غضبه ستر الله عورته.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) ورواه أبو داود والنسائي وفي رواية لأبي داود
والترمذي والنسائي من حديث معاذ اللهم إني أعوذ بك من شر الشيطان الرجيم كذا في السلاح. قوله: (عن سليمان بن صرد) الصحابي بضم الصاد وفتح الراء وبالدال المهملات مصروف الخزاعي كان اسمه في الجاهلية يساراً فسماه النبي ﷺ سليمان وكان خيراً فاضلاً ذا دين وعبادة وشرف في قومه سكن الكوفة: أول ما كوفها سعد ونفى عنها الأعاجم وشهد مع علي ﵁ حروبه وكان ممن كتب إلى الحسين بن علي بعد موت معاوية فلما قتل الحسين سقط في يده ندماً فسار هو والمسيب بن نحبة الفزاري وجميع من خذل الحسين وقالوا: ما لنا توبة إلا أن نطلب بدمه فخرجوا من الكوفة مستهل ربيع الآخر من سنة خمس وستين ولو أمرهم سليمان بن صرد وسموه أمير التوابين وساروا إلى عبيد الله بن زياد وكان قد سار من الشام في جيش كبير يريد العراق فالتقوا بعين الوردة من أرض الجزيرة وهي رأس عين فقتل سليمان بن صرد وكثير ممن معه وحمل رأس سليمان إلى مروان بن الحكم بالشام وكان عمر سليمان حين قتل ثلاثاً وتسعين سنة روي لسليمان ﵁ خمسة عشر حديثاً اتفقا منها على هذا الحديث وانفرد البخاري بحديث قال ﷺ يوم الأحزاب: "اليوم نغزوهم ولا يغزونا"
стр. 2105
رضي الله عنه قال: كنت جالساً مع النبي ﷺ ورجلان يستبَّان، وأحدهما قد احمرَّ وجهه، وانتفخت أوداجُه، فقال رسول الله ﷺ : "إنيِ لأعْلَمُ كَلمَة لَوْ قالَها لَذَهَبَ عنْهُ ما يَجدُ، لَوْ قال: أعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، ذهَبَ عَنْهُ ما يَجدُ، فقالوا له:
ــ
وخرج له الأربعة. قوله: (ورجلان يستبان) بفتح التحتية وسكون السين المهملة وفتح الفوقية بعدها موحدة مشددة افتعال من السباب أي يسب كل منها صاحبه. قوله: (وأحدهما قد احمر وجهه) أي من شدة الغضب لأنه يثير في القلب حرارة عظيمة قد يقتل صاحبها بإطفائها الحرارة الغريزية وقد لا لانتشارها في بقية الأعضاء لا سيما الوجه لأنه ألطفها وأقربها إلى القلب والبشرة لصفائها كالزجاجة تحكي لون ما وراءه ثم محل كون الحمرة تعلو وجه الغضبان إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه فإن كان الغضب ممن فوقه وأيس من الانتقام منه انقبض الدم إلى جوف القلب وكمن فيه فصار حزناً فاصفر اللون أو من مساويه الذي يشك في القدرة عليه تردد الدم بين انقباض وانبساط فيصير لونه بين حمرة وصفرة فالغضب فوران الدم وغليانه كما مر. قوله: (وانتفخت أوداجه) في النهاية الأوداج ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح واحدها ودج قلت هو بفتح الواو والدال المهملة وبالجيم قال في المصباح وكسر الدال لغة وقيل الودجان عرقان غليظان عن جانبي ثغرة النحر ومنه حديث فانتفخت أوداجه. قوله (كلمة) المراد منها معناها اللغوي. قوله: (لذهب عنه) أي ببركتها. قوله: (ما يجد) أي ما يجده من الغضب الذي يخشى عليه منه وهذا مستمد من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية. قوله: (لو قالها الخ) الجملة الأولى الشرطية وجوابها في محل الصفة لكلمة وقوله لو قال الخ كذلك بدل من الجملة قبلها وقوله: أعوذ بالله الخ خلف من الضمير العائد للموصوف. قوله: (أعوذ) أي أعتصم وألتجئ (بالله من الشيطان الرجيم) فإنه هو الذي يثير الغضب في القلب ويحسنه للإنسان حتى يوقعه في الهلاك الحسي أو الشرعي. قوله: (فقالوا) أي الصحابة الحاضرون (له) أي للرجل
стр. 2106
إن النبي ﷺ قال: تَعَوَّذْ بالله مِنَ الشيطانِ الرَّجِيمِ، فقال: وهل بي من جنون؟ ".
وروينا في كتابي أبي داود والترمذي بمعناه، من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ ،
ــ
المغضب. قوله: (إن النبي ﷺ قال الخ) هذه رواية منهم بالمعنى لا بخصوص المبنى الصادر منه ﷺ . قوله: (فقال وهل بي من جنون) قال المصنف: هذا قول من لم يتفقه في دين الله ولم يتهذب
بأنوار الشريعة المكرمة ويوهم أن الاستعاذة مختصة بالجنون ولم يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان ولهذا يخرج الإنسان عن اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويفعل المذموم ومن ثم قال ﷺ لمن قال له: "أوصني لا تغضب" فكرر السؤال فكرر الجواب، ولم يزد عليه ففيه دليل على عظيم مفسدة الغضب وما ينشأ منه وفي فتح الإله هذا الجواب إنما يصدر من منافق أو من جفاة العرب المنطوي على ما منع تأثير نور النبوة فيه وقد يعتذر عنه بفرض أنه من غير منافق بأن شدة سورة الغضب أدهشته عن أن يسمع ما قاله النبي ﷺ على وجهه وحمله على أنه بادر بهذا الكلام قبل تأمله فلذا لم يعاتبه ﷺ وهذا أوضح من قول النووي هذا قول من لم يتفقه في دين الله الخ، قال ابن حجر الهيتمي نقلاً عن بعضهم في رواية أبي داود ذلك الرجل هو معاذ فإن صح أنه معاذ وأنه ابن جبل فيتعين تأويله على أنه وقع منه قرب إسلامه ومع ذلك يعتذر عنه بما تقدم آنفاً لأنه من أكابر الصحابة وقد قال في حقه ﷺ : "أعلم أمتي بالحلال والحرام" معاذ بن جبل وولاه ﷺ اليمن مدة طويلة فظهرت له آثار عظيمة وقال له ﷺ : "يا معاذ إني أحب لك ما أحب لنفسي" فإذا فرغت من صلاتك فقل: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك فتأمل قوله: "أحب لك ما أحب لنفسي" بحد مرتبته تأبى ذلك القول وقد يؤيد ما تقرر فيه قوله وطلب من النبي ﷺ أن يوصيه قال: "لا تغضب" فقال: يا رسول الله أوصني فقال: "لا تغضب" فأعاد ذلك فقال: "لا تغضب" فهذا يدل على أنه كان عنده سورة غضب شديدة فوقع منه ما سبق لكن بالتأويل المذكور فتأمله اهـ، وقال الشيخ زكريا في حديث أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني قال: "لا تغضب"
стр. 2107
قال الترمذي: هذا مرسل: يعني أن عبد الرحمن لم يدرك معاذاً.
وروينا في كتاب ابن السني، عن عائشة ﵂ قالت: "دخل عليَّ النبيُّ ﷺ وأنا غضبَى، فأخذ بطرف المَفْصِل من أنفي، فعرَكه، ثم قال: يا عُوَيْشُ قُولي: اللَّهُمَّ اغفِر لي ذَنْبي، واذهِبْ غَيظَ قَلْبي، وأجِرْني مِنَ الشيطانِ".
وروينا في سنن أبي داود، عن عطية بن عروة السعدي الصحابي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغَضَبَ مِنَ الشَّيطَانِ، وإن الشيطانَ خُلِقَ مِنَ النارِ، وإنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بالماءِ، فإذَا غَضِبَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ".
ــ
إنه جارية بالجيم والتحتية آخره تاء ابن قدامة ولعله صدر منه لكل من الاثنين فلا مخالفة. قوله: (قال الترمذي هذا مرسل الخ) قال الترمذي لأن معاذاً مات في خلافة عمر بن الخطاب وقتل عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام ابن ست سنين هكذا روى شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر بن الخطاب ورآه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى يكنى أبا عيسى وأبو ليلى اسمه يسار روى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ اهـ، كلام الترمذي في الجامع. وقوله: (وأنا غضبى) مؤنث غضبان. قوله: (فأخذ بطرف المفصل من أنفي) كأنه برأس الأرنبة وفركه ليسكن ما عندها من الغضب. قوله: (يا عويش) خاطبها بتصغير اسمها تصغير ترخيم تلطفاً معها كما قال من قال:
ما قلت حبيبي من التحقير ... بل يعذب اسم الشخص للتصغير
ويجوز في عويش الفتح والضم على الانتظار وتركه كما تقدم. قوله: (اللهم اغفر لي ذنبي) أي لأن الذنب يوقع الإنسان في حبائل الشيطان الذي يوسوس بالأذى ويبعث على الغضب. قوله
(وأذهب غيظ قلبي) أي أشد غضبه والغضب تقدم تعريفه بما يدل على أن منشأه غليان دم القلب وفورانه لأمر يعرض على خلاف المراد. قوله: (وأجرني من الشيطان) أي الذي يوسوس بكل قبيح من غيظ وغضب
стр. 2108
باب استحباب إعلام الرجل من يحبه أنه يحبه وما يقوله له إذا أعلمه
روينا في سنن أبي داود والترمذي عن المقدام بن معد يكرب رضي الله
ــ
وإذا أجير الإنسان من الشيطان، بفضل المنان، وادخل ساحة التوحيد، ورأى الأمور من الفعال لما يريد، وأن من يظهر عليه الأثر إما واسطة كبرى وهو من له عقل واختيار كالإنسان أو صغرى وهو من انتفيا عنه كالعصا أو وسطى وهو من فيه الثاني دون الأول فلا يغضب من شيء لأنه إما أن يغضب على الخالق وهو جراءة تنافي العبودية أو على المخلوق وهو إشراك ينافي التوحيد وسيد أهل هذا المقام سيد المرسلين ﷺ أبد الآبدين حيث قال: أنس خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء تركته لم لم تفعله ولكن يقول قدر الله ما شاء فعل ولو قدر الله لكان ذلك لكمال معرفته ﷺ بأنه تعالى هو الفاعل المعطي المانع النافع الضار وما أحسن ما قيل في هذا المعنى:
إذا ما رأيت الله في الكل فاعلاً ... رأيت جميع الكائنات ملاحا
وقول آخر:
وكل الذي شاهدته فعل واحد ... بمفرده لكن بحجب الأكنه
باب استحباب إعلام الرجل من يحبه أنه يحبه وما يقوله
أي المحبوب (له) أي المحب (إذا أعلمه) بمحبته له وذكر الرجل لكونه هو الأفضل وإلا فالمرأة إذا أحبت المرأة أو محرماً لها أو زوجاً ونحوه فينبغي لها الإعلام بذلك. قوله: (روينا في سنن أبي داود الخ) وكذا رواه ابن السني. قوله: (عن المقدام بن معد يكرب) بكسر الميم وسكون القاف ومعدي بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملتين وسكون الياء وكرب بوزن علم وهو أبو كريمة وقيل: أبو يحيى المقدام بن معد يكرب بن عمرو بن يزيد معد يكرب الكندي أحد الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ من كندة بالشأم مات بالشأم سنة سبع وثمانين وهو ابن جدي وتسعين سنة عداده في أهل الشام روى له عن رسول الله
стр. 2109
عنه عن النبي ﷺ قال: "إذا أحَبَّ الرَّجُلُ أخاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أنَّهُ يُحِبهُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروينا في سنن أبي داود، عن أنس ﵁ "أن رجلاً كان عند النبي ﷺ ، فمرّ رجل فقال: يا رسول الله إني لأحبُّ هذا، فقال له النبي ﷺ : "أعْلَمْتَهُ؟ " قال: لا، قال: "أعْلِمْهُ"، فلحقه فقال: إني أحبك في الله، قال: "أحبَّكَ الذي أحببتني له".
وروينا في سنن أبي داود والنسائي عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: "يا مُعاذُ، واللهِ إني لأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ يا مُعاذ لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُل صَلاةٍ أنْ تقولَ: اللهُم أَعِنِّي
ــ
ﷺ سبعة وأربعون حديثاً روى له البخاري في صحيحه حديثين وخرج عنه الأربعة روى عنه خالد بن معدان وشريح بن عبيد وراشد بن سعد وغيرهم. قوله: (إذا أحب الرجل أخا) أي محبة زائدة على ما تقتضيه عموم محبة المؤمنين. قوله: (فليخبره أنه يحبه) أي ليحبه صاحبه أيضاً
فيكونا من المتحابين بذلك ويكتبا كذلك. قوله: (وروينا في سنن أبي داود) قال في السلاح وكذا رواه النسائي وابن حبان قلت: واقتصار الشيخ على أبي داود لكونه رواه بهذا اللفظ. قوله: (أعلمته) أي بأنك تحية محبة خاصة. قوله: (أعلمه) أي ليحبك الله كما أحببته له. قوله: (إني أحبك في الله) أي لله قال يحيى بن معاذ علامة الحب في الله ألا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء. قوله: (أحبك الذي الخ) أي أحبك الله الذي أحبني لأجله أي لأمره بالتحابب والتوادد كما قال ﷺ : "وكونوا عباد الله إخواناً" والجملة دعائية أخرجها مخرج الماضي تحقيقاً له وحرصاً على وقوعه.
قوله: (ورينا في سنن أبي داود الخ) قال في السلاح عن معاذ أنه ﷺ أخذ بيده يوماً ثم قال: "يا معاذ والله إني لأحبك" فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وأنا والله أحبك قال: "أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" وأوصى بذلك معاذ الصنابحي وأوصى به الصنابحي أبا عبد الرحمن هو الحبلي بضم الموحدة والمهملة وأوصى به أبو عبد الرحمن عقبة بن مسلم رواه أبو
стр. 2110
على ذِكرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ".
وروينا في كتاب الترمذي عن يزيد بن نعامة الضبي قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا آخَى الرجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ واسْم أبِيهِ وَمِمَّنْ هُوَ، فإنهُ أوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ".
قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال: ولا نعلم ليزيد بن نعامة سماعاً عن النبي ﷺ ،
ــ
داود والنسائي واللفظ له والحاكم وابن حبان في صحيحيهما وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين اهـ، قال الشيخ عز الدين بن فهد في مسلسلاته وصححه ابن حبان قال شيخنا السخاوي في كونه على شرطهما نظر فإنهما لم يخرجا لعقبة ولا من رواية الصنابحي عن معاذ شيئاً ولا أخرج البخاري للحبلي وزاد العز بن فهد فذكر في مخرجه ابن خزيمة قال: فأخرجه في صحيحه والبزار اهـ، والحديث عند ابن السني من حديث معاذ. قوله: (على ذكرك) أي الشامل للقرآن وغيره من الأذكار وفيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إذ لا وصول للعبد إلى شيء من الخيرات إلا بحول الله وقوته. قوله: (وشكرك) أي شكر نعمك الظاهرة والباطنة الدنيوية والأخروية التي لا يمكن إحصاؤها قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ قوله: (وحسن عبادتك) أي بالقيام بالشرائط والأركان والآداب والخضوع والخشوع والإخلاص فيها والتوجه التام الحاصل بها وتقدم الكلام على الحديث متناً وإسناداً في باب الأذكار بعد الصلاة.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي الخ) قال في الجامع الصغير: أخرجه ابن سعد والبخاري في التاريخ والترمذي من حديث يزيد بن نعامة الضبي ويزيد بفتح التحتية الأولى وسكون الثانية بينهما زاي مكسورة آخره قال مهملة ونعامة بضم النون وفتح العين المهملة والضبي بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة نسبة إلى ضبة. قوله: (إذا آخى الرجل) آخى بهمزة ممدودة أي صيره أخاً له ويقال
وأخاً بإبدال الهمزة واواً ومنه وأخى ﷺ بين المهاجرين والأنصار. قوله: (وممن هو) أي من أي القبائل. قوله: (فإنه أوصل للمودة) أي لأسعاره بالاعتناء بشأنه ومعرفة قبيلته. قوله: (قال: ولا نعلم ليزيد بن نعامة الخ) قال في أسد الغابة
стр. 2111
قال: ويروى عن ابن عمر عن النبي ﷺ نحو هذا ولا يصحُّ إسناده.
قلت: وقد اختلف في صحبة يزيد بن نعامة، فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لا صحبة له، قال: وحكى البخاري أن له صحبة، قال: وغُلِّطَ.
باب ما يقول إذا رأى مُبتلى بمرضٍ أو غيره
روينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ رأى مُبْتلىً فقال:
ــ
يزيد بن نعامة الضبي وقيل: السوائي مختلف في صحبته ذكره ابن أبي عاصم وأبو مسعود في الصحابة قال أبو حاتم: ليس له صحبة وقال الترمذي في حديث الباب: لا يعرف ليزيد بن نعامة سماع من النبي ﷺ وقال أبو أحمد العسكري: ذكر البخاري أن له صحبة وغلط يروي عن أنس بن مالك وعلي بن عامر بن عبد قيس وعن عتبة بن غزوان مرسلاً قال: وقال أبو حاتم يزيد بن نعامة أبو مودود البصري تابعي لا صحبة له اهـ. قوله: (قال) أي ابن أبي حاتم قوله: (غلط) بضم الغين المعجمة وتشديد اللام مبني للمفعول.
باب ما يقول إذا رأى مبتلى بمرض أو غيره
أي من جنون واختلال دين أو سوء عقيدة وهو سالم من ذلك. قوله: (من رأى مبتلى) أي ابتلاء دينياً كارتكاب معصية فقد قال أصحابنا: يسن لما رأى فاسقاً مجاهراً بفسقه أن يسجد للشكر إذ أنجاه الله منه أو دنيوياً من مال يلهيه عن عبادة ربه أو يسيء بتصرفه فيه أو جاء وسيع يفضي به إلى الظلم أو مرض أو سيئ سقم وهو خال من ذلك قال بعض المحققين: الظاهر أن المراد بالرؤية العلم ليشمل من سمع صوته من مبتلى وإن لم يره. قوله: (فقال) أي في نفسه كما نبه عليه في الأصل قال الترمذي عقب تخريجه هذا الحديث: روى عن أبي جعفر محمد بن علي إنه كان إذا رأى صاحب بلاء يتعوذ ويقول ذلك في نفسه ولا يسمع صاحب البلاء اهـ، وقيل: إن كان البلاء دينياً جاز إسماعه بل هو أفضل إن لم يترتب عليه فساد دنيوي
стр. 2112
الحَمْدُ لِلَهِ الَّذِي عافانِي مِمَا ابْتَلاَكَ بهِ وَفَضَّلَنِي على كَثِيرٍ مِمَنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلاءُ" قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا في كتاب الترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ رأى صاحِبَ بلاءٍ فقالَ: الحَمْدُ لِلهِ الذي عافانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بهِ وَفَضَّلَنِي على كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، إلاَّ عُوفِيَ مِنْ ذلكَ البَلاءِ كائِناً ما كانَ ما عَاشَ" ضعف الترمذي إسناده.
قلت: قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: ينبغي أن يقول هذا الذِّكْر
ــ
أو لم يجر إلى ضرر ديني وقد كان الشبلي إذا رأى بعض أرباب الدنيا قال: اللهم إني أسألك العافية. قوله: (عافاني مما ابتلاك به) استشكل عد العافية من البلاء فضلاً مع ما أعده الله للمبتلين مما إذا شاهده المعافون تمنوا أن لو كانوا ابتلوا ليحصل لهم مثل ذلك كما ورد ويجاب بأن البلاء مظنة الجزع وعدم الصبر وحينئذٍ يكون محنة أي محنة وفتنة فالسلامة منه بالنظر إلى هذا فضيلة ولذا أمر ﷺ بسؤال العافية فقال: عافيتك أوسع لي وفي لا تتمنوا لقاء العدو فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ولكن سلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واثبتوا. قوله: (وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً) أي بزيادة الفضيلة الدينية أو البدنية المستعان بها على الأمور
الأخروية. قوله: (كائناً ما كان) حال من نائب فاعل عوفي القائل لذلك حال كونه كائناً ما كان أي موجوداً على أي حالة كان، أو حال من الظرف أي حال كون ذلك البلاء موجوداً ما بقي ذلك القائل في الدنيا. قوله: (ضعف الترمذي إسناده) وعبارته حديث غريب وعمرو بن دينار الراوي ليس بالقوي والحديث عند ابن ماجه من حديث ابن عمر كما في المشكاة. قوله: (قال العلماء من أصحابنا وغيرهم الخ) ولا ينافي ندب السر بالذكر عند رؤية نحو المبتلى الذي لم يعص بسبب بلائه أو تاب منه قوله: (في الحديث: الذي عافاني مما ابتلاك) أي بصيغة الخطاب لأن الخطاب
стр. 2113
سراً بحيث يُسمِع نَفْسَه ولا يَسْمَعُه المبتلي لئلا يتألم قلبه بذلك، إلا أن تكون بليته معصية فلا بأس أن يُسْمِعَهُ ذلك إن لم يَخَفْ من ذلك مفسدة، والله أعلم.
باب استحباب حمد الله تعالى للمسؤول عن حاله وحال محبوبه مع جوابه إذا كان في جوابه إخبار بطيب حاله
روينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ "أن علياً ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال النّاس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله ﷺ فقال: "أصْبَحَ بِحَمْدِ الله تعالى بارِئاً".
ــ
لا يقتضي الجهر فإن الإنسان قد يخاطب من لا يسمع متصوراً لخطابه ذهباً لا خارجاً وأما قول بعضهم: هذا
الخطاب فيه إشعار بأن المبتلى لم يكن مريضاً ولا ناقصاً في خلقه بل كان عاصياً منخلعاً خليع العذار ولذا خاطبه بقوله: مما ابتلاك به ولو كان المراد به المريض لم يحسن الخطاب وينصره تعقيبه بقوله وفضلني الخ اهـ، فمخالف لكلامهم الذي ذكرناه من أنه يسر هذا الذكر عند رؤية كل مبتلى في دينه أو بدنه ويدفع الإشعار الذي ذكره ما ذكرته من أن الخطاب لا يدل وقوله: لم يحسن الخطاب ممنوع بل هو حسن لأن القصد منه شكر نعمة العافية في الدين والبدن فحسن ذكر ذلك عند رؤية كل وقوله: وفضلني الخ لا يخالف ذلك لأن التفضيل شامل للتفضيل في البدن والدين. قوله: (إلا أن تكون بليته معصية) أي من معصيته كالقطع المرتب على السرقة أو المراد إلا أن يكون البلاء نفسه في الدين كمعصية وسوء عقيدة فيأتي بالذكر في الحالين جهراً إن لم يخش تولد فتنة نعم إن تاب من الذنب الذي عوقب بسببه بالقطع فلا يجهر بالذكر المذكور له والله أعلم.
باب استحباب حمد الله تعالى للمسؤول عن حاله أو حال محبوبه مع جوابه
أي يكون الحمد مصحوباً بجواب السائل عن الحال (إذا كان في جوابه إخبار بطيب
стр. 2114
باب ما يقول إذا دخل السوق
روينا في كتاب الترمذي وغيره عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ دَخَلَ السوقَ فَقَالَ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شريك لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ،
ــ
حاله) أي حال المسؤول عنه منه أو من المحبوب، فإن قلت الحديث إنما فيه دلالة على الجزء الثاني من
الترجمة ولم يورد في الباب ما يدل على الجزء الأول منها قلت هو قال على جزء الترجمة الأول بالقياس الأولوي والثاني بالنص والله أعلم والحديث سبق الكلام عليه في أبواب أذكار المريض.
باب ما يقول إذا دخل السوق
بضم المهملة مؤنث سماعي وقد ذكر كما أشار إليه الكرماني سميت بذلك لسوق البضائع إليها وقيل لقيام النَّاس فيها على سوقهم جمع ساق وقيل لتصاكك السوق فيها من الازدحام. قوله: (روينا في كتاب الترمذي الخ) قال المنذري وإسناده حسن متصل ورواته ثقات أثبات وفي أزهر بن سنان خلاف قال ابن عدي وأرجوانه لا بأس به اهـ، ورواه أحمد وابن ماجه ورواه الحاكم في المستدرك من طرق كثيرة كما سيأتي في الأصل ورواه ابن السني وإنما صرح بالترمذي وأبهم غيره لأن اللفظ له وزاد الترمذي في رواية أخرى وبنى الله له بيتاً في الجنة مكان قوله ورفع له ألف ألف درجة وهذه الزيادة عند ابن السني أيضاً كما عزاها لهما في الحصن، قال المنذري في الترغيب ورواه بهذا اللفظ ابن ماجه وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه كلهم من رواية عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن جده ورواه الحاكم أيضاً من حديث ابن عمر مرفوعاً وقال صحيح الإسناد كذا قال وفي إسناده مسروق بن المرزبان قال أبو حاتم ليس بالقوي ووثقه غيره اهـ، وقال الترمذي عمرو بن دينار البصري ليس بالقوي في الحديث وقد تفرد عن سالم بن عبد الله بن عمر بأحاديث منها هذا الحديث
стр. 2115
بِيَدِهِ الخَيرُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيءٍ قَديرٌ: كَتَبَ اللهُ لَهُ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ ألْفَ ألْفِ سَيئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ ألْفَ ألْفِ دَرَجَةٍ" رواه الحاكم أبو عبد الله في "المستدرك
ــ
وحديث من رأى مبتلى فقال: الحمد الله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً عافاه الله من ذلك البلاء كائنا ما كان وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن حديث ابن عمر هذا فقال حديث منكر جداً لا يحتمل سالم هذا الحديث قال الدميري في الديباجة: هكذا هو عند الترمذي والنسائي وابن ماجه ألف ألف حسنة الخ، أي بتكرار لفظ ألف وافراده وعند ابن السني ألفاً ألف أي بتثنية ألف المضاف إلى ألف وإفراد المضاف إلى حسنة وسيئة ودرجة اهـ. قوله: (بيده الخير) أي بقدرته الخير وكذا الشر قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وإنما لم يقل والشر لأن من أدب الشريعة الشريفة أنه لا يضاف إليه تعالى بالخصوص إلا الجليل، وغيره لا يضاف إليه وحده بل مع غيره فيقال: يا خالق كل شيء يا خالق الإنسان والحيوان والكلاب وهذا محمل قوله في دعاء الافتتاح في الصلاة والشر ليس إليك وسبقت فيه أوجه أخر ثم قضية هذا الخبر أن من لم يقل هذا الذكر عقب دخوله السوق لا يأتي به بعد وفي رواية لصاحب المصابيح في شرح السنة من قال: في سوق جامع يباع فيه بدل قوله: من دخل السوق فقال: وهذه الرواية تقتضي طلب ذلك وهو الأقرب لأن حكمة ترتب هذا الثواب العظيم على هذا الذكر اليسير أنه ذاكر الله تعالى في الغافلين فهو بمنزلة المجاهد مع الفارين ثم إن رفع صوته به كان فيه تذكير أولئك الغافلين حتى يقولوا مثل قوله ففي ذلك القول والنفع المتعدي ما يقتضي ذلك الثواب ثم ظاهر رواية الكتاب وشرح السنة حصول هذا الثواب لقائل هذا
الذكر سراً أو جهراً وما في رواية مما يقتضي التقييد بالثاني لعله لبيان الأفضل، قال في الحرز: وهذا دليل لما اختاره السادة النقشبندية من أكابر الصوفية حيث قالوا: "الخلوة في الجلوة والعزلة في الخلطة والصوفي في كائن بائن غريب قريب"، وغير ذلك من العبارات لهم نفعنا الله بهم ومن تتبع أحاديث النبي ﷺ وعرف أخباره وأحواله وعلم أقواله وأفعاله تبين له أن هذه الطريقة هي التي اختارها ﷺ بعد البعثة وبعث
стр. 2116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمته على هذه الحالة: وتبعه أكابر الصحابة دون ما ابتدعه المبتدعة وإن كان مستحسناً في الجملة اهـ، وقال بعض العلماء إنما خص السوق بالذكر لأنه مكان الاشتغال عن الله تعالى وعن ذكره بالتجارة والبيع والشراء فمن ذكر الله تعالى فيه دخل في زمرة من قيل من حقهم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وجاء أن الأسواق محل الشياطين وإن إبليس باض وفرخ كناية عن ملازمته لها ومن ثم يسن تقديم اليسرى عند دخولها واليمنى عند الخروج منها كالخلاء ثم إنه لم يلازمها إلا على كيفية تقتضي أسوة لأهلها وأنه اختار فيهم ضرب رقه عليهم ولم ينج منه إلا القليل منهم بتوفيقه تعالى لذلك الذكر أو غيره وتلك الكيفية هي أنه نصب كرسيه فيها وركز رايته وبث جنده فيها ليرغبوا أهلها في تحصيل الدنيا على أي وجه كان من تطفيف كيل أو نقص وزن أو إنفاق سلعة بحلف كاذب وتملك بعقد فاسد فهم غافلون ومن نزول العذاب بهم لذلك ليسوا بآمنين إلا من ذكر ربه وآثر قربه فإنه متعرض لرد غضبه هازم للشيطان وجنده متدارك لدفع ما اقتضاه فعلهم داخل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ فدفع بكلمات هذا الذكر قضايا أفعالهم، فبكلمة التوحيد ذلت قلوبهم الممتلئة بالهوى قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ وبـ "وحده لا شريك له" ما رسخ فيها من حب المال الحامل على أخذه بغير حقه، وبـ ﴿لَهُ المُلك﴾ ما يسارعون إليه من تملك الأموال بالعقود الفاسدة وبـ ﴿لَهُ اَلحَمْدُ﴾ ما تمالؤوا عليه من عدم الشكر للنعم والتعرض للنقم وبـ (يُحيي وَيُميتُ﴾ غفلتهم عن شؤم حركاتهم المؤدي دوامها إلى موت قلوبهم والرجوع عنها إلى إحيائها وبقوله: "وهو حي لا يموت" ما جهلوه ما يجب له تعالى المؤدي الجهل به إلى كون الجاهل به على مدرجة الهلاك الأبدي وبقوله: "بيده الخير" ما ضيعوه من النظر إليه حتى تحاسدوا وباعوا واشتروا على بيع وشراء بعضهم على بعض ووقعوا في العقود الفاسدة وبقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ما غفلوا عنه من قدرته على أن يحل بهم عذاباً يستأصلهم من آخرهم فظهران الآتي بهذا الذكر
стр. 2117
على الصحيحين" من طرق كثيرة، وزاد فيه بعض طرقه: "وَبَنَى لَه بَيتاً في الجنَّةِ" وفيه من الزيادة: قال الراوي: فقدمت خراسان، فأتيتُ قتيبةَ بن مسلم فقلتُ:
ــ
في السوق جدير أن يحصل له ما ذكر في الخبر من ذلك الفضل العظيم. قوله: ﴿وزاد الحاكم فيه﴾ أي في الحديث المذكور (في بعض طرقه وبنى له بيتاً في الجنة) قال في السلاح بعد ذكر الحديث رواه الترمذي وابن ماجه وهذا لفظ الترمذي وزاد في رواية أخرى وبني له بيتاً في الجنة رواه الحاكم من عدة طرق اهـ، وقوله: وبنى له أي بنى الله تعالى بأن يوجد لمن قال هذا الذكر بيتاً أي مكاناً عظيماً في الجنة وفيه إشعار بأن الأذكار في الدنيا تورث بناء القصور وغرس الأشجار في العقبى وإنها مهور الحور ومتجرة المتجر في الجنة وسبق حديث الجنة قيعان وغراسها سبحان الله والحمد لله الحديث. قوله: (وفيه) أي في المستدرك في بعض طرقه كما في السلاح.
قوله: (من الزيادة) أي على ما في رواية الترمذي. قوله: (فقال الراوي) هو محمد بن واسع. قوله: (خراسان) بضم المعجمة وبالراء والسين المهملتين محلة بالعجم. قوله: (وأتيت قتيبة بن مسلم) بضم القاف وفتح الفوقية وسكون التحتية بعدها موحدة وآخره هاء ومسلم بلفظ فاعل الإسلام وهو باهلي كان أمير خراسان وليها عشرين سنة وكان بطلاً شجاعاً هزم الكفار غير مرة وافتتح عدة مدائن ولي خراسان أيام عبد الملك بن مروان من جهة الحجاج الثقفي لأنه كان أمير العراقين وكل من وليهما كانت خراسان مضافة إليه وكان قبلها على الري وولي خراسان بعد يزيد بن المهلب وكان والده مسلم كبير القدر عند يزيد بن معاوية فلما مات الوليد بن عبد الملك سنة ست وتسعين وتولى الأمر أخوه سليمان وكان يكره قتيبة خاف قتيبة على نفسه وخلع بيعة سليمان وخرج عليه وأظهر الخلاف فلم يوافقه على ذلك أكثر النّاس فخرج عليه طائفة من جنده بفرغانة وقتلوه في آخر ذي الحجة سنة ست وتسعين وقيل: سنة سبع وتسعين وفيه يقول جرير:
ندمتم على قتل الأعز بن مسلم ... وأنتم إذا لقيتم الله أندم
لقد كنتمو في غزوة وغنيمة ... وأنتم لمن لاقيتم اليوم مغنم
على أنه أفضى إلى حور جنة ... وتطبق بالبلوى عليكم جهنم
стр. 2118
أتيتك بهدية فحدَّثته بالحديث، فكان قتيبة بن مسلم يركب في موكبه حتى يأتيَ السوق فيقولها ثم ينصرف. ورواه الحاكم أيضاً من رواية ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، قال الحاكم: وفي الباب عن جابر، وأبي هريرة، وبريدة الأسلمي، وأنس، قال: وأقربها من شرائط هذا الكتاب حديث بريدة بغير هذا اللفظ.
فرواه بإسناده عن بريدة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل السوق قال: "بسْم الله، اللَّهُم إني أسألُكَ خَيرَ هَذِهِ السوق وَخَيرَ ما فِيها، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وشَرَّ ما فِيهَا، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ أنْ أُصِيبَ فِيها يَمِيناً فاجِرَةً أوْ صَفْقَةً خَاسِرَةً".
ــ
قوله: (موكبه) بفتح الميم وسكون الواو وكسر الكاف وبالموحدة وفي النهاية الموكب جماعة ركاب يسيرون برفق وهم أيضاً القوم الركوب للزينة والتنزه اهـ، والمراد في أبهته وحشمه. قوله: (فيقولها) أي عقب وصوله (ثم ينصرف) بعد ذلك إذ لا غرض له سوى ذلك وهذا نظير ما سبق عن ابن عمر من أنه كان يدخل السوق ثم يرجع إلى منزله من غير بيع ولا شراء وغرضه أداء السلام وإشاعته. قوله: (وأقربها) أي الطرق لهذا الحديث (من شرائط هذا الباب) أي شرائطه التي بنى عليها الحاكم كتابه المستدرك من الصحة على شرط الشيخين أو أحدهما. قوله: (فرواه) أي روى حديث بريدة الحاكم وكذا روى حديثه ابن السني أيضاً. قوله: (بسم الله) أي أدخلها. قوله: (خير هذه السوق) أي ذاتها أو مكانها. قوله: (وخير ما فيها) أي مما ينتفع به من الأمور الدنيوية ويستعان به على القيام بوظائف العبودية وللوسائل حكم المقاصد. قوله: (شرها) أي في ذاتها أو مكانها لكونه مكان إبليس كما سبق بيانه. قوله: (وشر ما فيها) أي مما يشغل عن ذكر الرب سبحانه أو مخالفة من غش وخيانة أو ارتكاب عقد فاسد وأمثال ذلك. قوله: (يميناً فاجرة) أي حلفاً كاذباً. قوله: (أو صفقة
خاسرة) أي عقداً فيه خسارة دنيوية أو دينية وذكرهما تخصيص بعد تعميم لكونهما أهم ووقوعهما أغلب قال ابن الجزري وقوله: صفقة أي بيعة ومنه ألهاهم الصفق بالأسواق أي التبايع اهـ، وألهاه عن كذا شغله كما في النهاية ومنه ألهاكم التكاثر.
стр. 2119
باب استحباب قول الإنسان لمن تزوَّج تزوجاً مستحباً، أو اشترى أو فعل فعلاً يستحسنه الشرع: أصبت أو أحسنت ونحوه
روينا في "صحيح مسلم" عن جابر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "تَزَوَّجْتَ يا جابِرُ؟ " قلت: نعم، قال: "بكْراً أمْ ثَيباً؟ " قلتُ: ثيباً يا رسول الله، قال: "فهَلاَّ جارِيَةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ؟ " أو قال: "تُضَاحكُها وَتُضَاحِكُكَ"، قلت:
ــ
باب استحباب قول الإنسان لمن تزوج تزوجاً مستحباً أو اشترى أو فعل فعلاً يستحسنه الشرع: أصبت أو أحسنت ونحوه
أي مما يدل على تصويب الفعل أو تحسينه. قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) قال الحافظ
في تخريج الرافعي الحديث متفق عليه من حديث جابر وفي رواية لهما مالك وللعذارى ولعابها قال القاضي عياض بكسر اللام لا غير من اللعب كذا قال وثبت لبعض رواة البخاري بضم اللام أي ريقها وسبق الكلام في باب ملاعبة الرجل زوجته وممازحته لها قال العراقي في شرح التقريب وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وله طرق عند الشيخين بعضها متفق عليه وبعضها لأحدهما وعند ابن أبي خيثمة ومن حديث كعب بن عجرة أنه ﷺ قال لرجل فذكر نحوه وفيه فهلاَّ بكراً تعضها وتعضك. قوله: (بكراً أم ثيباً) منصوب بمحذوف أي أتزوجت بكراً أم ثيباً والبكر الجارية الباقية على حالها الأولى والثيب التي دخل بها الزوج وكأنها ثابت إلى حال النساء الكبار غالباً. قوله: (قلت ثيب) هكذا هو في نسخة مقروءة على ابن العماد قال العراقي في شرح التقريب ثيب في روايتنا بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي المنكوحة ثيب اهـ، وفي نسخة (ثيباً) بالنصب بإضمار تزوجت ثيباً. قوله: (فهلاَّ جارية) أي بكراً وهو منصوب بفعل محذوف أي هلاَّ نكحت بكراً وفي بعض روايات الصحيح فهلاَّ بكراً وفي بعضها فهلاَّ تزوجت بكراً. قوله: (أو قال تضاحكها وتضاحكك) أو فيه لبيان شك الراوي في اللفظ هل هو تلاعبها أو تضاحكها وفي رواية لهما من طريق حماد تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحك بالواو من غير شك نبه عليها العراقي في شرح التقريب.
стр. 2120
إن عبد الله -يعني أباه- توفي وترك تسع بنات أو سبعاً، وإني كرهت أن أجيئهن بمثلهنَّ، فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهنَّ وتصلحهنَّ، قال: "أصَبْتَ ... " وذكر الحديث.
باب ما يقول إذا نظر في المرآة
روينا في كتاب ابن السني عن علي ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا نظر في المرآة قال: "الحَمْدُ لِلهِ، اللهُم كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي".
ــ
قوله: (إن عبد الله يعني أباه توفي) أي شهيداً يوم أحد. قوله: (تسع بنات أو سبعاً) بتقديم الفوقية في الأولى وتقديم المهملة في الثانية هكذا هو بالشك عندهما وعند الترمذي أيضاً من طريق حماد بن زيد وعند الشيخين من حديث سفيان ابن عيينة وترك تسع بنات بتقديم الفوقية على المهملة من غير شك قال العراقي: وهذه الرواية التي فيها الجزم مقدمة على طريق حماد التي فيها التردد فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ. قوله: (فأحببت أن أجيء بامرأة الخ) فيه فضيلة لجابر حيث آثر مصلحة أخواته على حظ نفسه وإنه عند
تزاحم المصلحتين ينبغي تقديم أهمهما وقد صوبه ﷺ فيما فعل وهو المقصود من الحديث بالترجمة. قوله: (وذكر الحديث) أي في قصة بيع الجمل من النبي ﷺ .
باب ما يقول إذا نظر في المرآة
نظر بفتح الظاء المعجمة أي أبصر يتعدى بإلى في الأكثر وقد تعدى بنفسه والمرآة بكسر الميم وسكون الراء وهمزة ممدودة بعدها هاء المنظرة. قوله: (روينا في كتاب ابن السني عن علي) في الحصن والسلاح بعد ذكر الذكر بزيادة في آخره وحرم وجهي على النار رواه البزار قال في الحرز أي رواه البزار عن ابن مردويه عن عائشة عن أبي هريرة وعند ابن حبان من حديث ابن مسعود والدارمي من حديث عائشة: اللهم أنت حسنت خلقي فحسن خلقي كما في الحصن والسلاح رواه البيهقي في الدعوات من حديث عائشة ولفظه كان إذا نظر وجهه في المرآة قال فذكره. قوله: (كما حسنت خلقي) هو بفتح المعجمة أي صورتي الظاهرة وفيه إيماء إلى قوله تعالى:
стр. 2121
ورويناه فيه من رواية ابن عباس بزيادة.
ورويناه فيه من رواية أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا نظر وجهه في المرآة قال: "الحَمْدُ لِلهِ الذي سَوَّى خَلْقي فَعَدَّلَهُ،
ــ
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ سيما هو ﷺ فكان أحسن النّاس خلقاً وخلقاً ففي الترمذي ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجهاً وأحسنهم صوتاً وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قوله: (فحسن خلقي) هو بضم المعجمة واللام أي الأخلاق الباطنة والمراد منه بالنسبة له ﷺ التثبيت على ذلك والدوام عليه ولغيره تحصيل ذلك وتكميله وهذا من سؤال الفضل والتوسل في حصول الفضل بالفضل على أحد الوجوه السالفة في قوله: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم وفي الذكر المذكور إشارة إلى أن حسن الصورة إنما يكون ممدوحاً مع حسن السيرة الناشيء عن حسن الخلق ثم ختم الذكر بقوله عند البزار: "وحرم وجهي" أي ذاتي من التعبير عن الكل بالبعض "على النار" لأنه المقصود وحذفه في رواية ابن السني لحصول ما ينجي منها غالباً بحسن الأخلاق إذ هي ملكة يصدر عنها الأفعال الحسنة بسهولة ومن حسنت أفعاله بأن كانت على وزان الشرع فالجنة مآله بفضل الله.
قوله: (ورويناه فيه) أي في كتاب ابن السني (عن ابن عباس بزيادة) هي قوله في آخره وزان مني ما شأن من غيري. قوله: (ورويناه فيه) أي في كتاب ابن السني الخ وكذا رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس. قوله: (وعدله) بتشديد الدال المهملة وتخفيفها كما قرئ بهما قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ فالتعديل جعل البنية متناسبة الأعضاء أو معدلة بما يسعدها من القوى وأما بالتخفيف فمعناه إنه عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت أو صرفك عن خلقة غيرك وميزك
بخلقة فارقت بها خلقة
стр. 2122
وَكرَّمَ صُورَةَ وَجْهِي فَحَسَّنَها، وَجَعَلَنِي مِنَ المُسْلِمِينَ".
باب ما يقول عند الحجامة
روينا في كتاب ابن السني عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قَرأ آيَةَ الكُرْسِي عِنْدَ الحِجامَةِ كانَتْ مَنْفَعَةَ حِجامَتِهِ".
باب ما يقول إذا طنَّت أذنه
روينا في كتاب ابن السني عن أبي رافع ﵁ مولى رسول الله
ــ
سائر الحيوانات كذا حققه البيضاوي وقال الجنيد تسوية الخلق بالمعرفة وتعديلها بالإيمان. قوله: (وكرم صورة وجهي) أي الذي عليه ممدار الحسن. قوله: (فحسنها) أي جعلها حسنة. قوله: (وجعلني من المسلمين) أي إنه سبحانه جمع له بين الحسن الصوري وهو حسن الوجه وتسوية الخلق وتعديله والحسن المعنوي أي الإيمان بالله الذي عليه المدار إذ لا عبرة بحسن الصورة مع فقد ذلك قال تعالى في حق المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ فالمدار على هذا الحسن أي الإيمان الذي يرد به الإنسان موارد الإحسان حققه الله لنا بالإخلاص وزيادة الإيقان وأدامه لنا في الحياة وفي الممات وسائر الأحيان آمين.
باب ما يقول عند الحجامة
قوله: (كانت منفعة حجامته) يحتمل أن يكون منفعة بالرفع وكان تامة أي حصلت منفعة حجامته وأثرها ببركة قراءة الآية لما فيها من الإقرار الله بأوصافه العلا ويحتمل أن يكون بالنصب واسم كان يعود على الآية والإسناد إليها مجازي لأنها سبب حصول منفعة الحجامة وظهور أثرها فيكون الإسناد مجازياً.
باب ما يقول إذا طنَّت أذنه
الطنين بالمهملة المشددة ونونين أولاهما مكسورة وبينهما تحتية صوت بعرض في الأذن وهو في الأصل كما في النهاية اسم لصوت الشيء الصلب وفي القاموس الطنين كأمير صوت الذباب والطست. قوله: (روينا في كتاب ابن السني الخ)
стр. 2123
- ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طَنَّتْ أُذُنُ أحَدكم فَلْيَذْكُرْنِي، وَلْيُصَلِّ عَلي، وَلْيَقُلْ: ذَكَرَ اللهُ بِخَير مَنْ ذَكَرِني".
باب ما يقوله إذا خدرت رجله
روينا في كتاب ابن السني عن الهَيْثم بن حَنَش قال: "كنا عند عبد الله بن عمرو ﵄ فخَدِرَت رجله، فقال له رجل: اذكر أحبَّ النّاس
ــ
قال السخاوي في القول البديع رواه الطبراني وابن عدي وابن السني في اليوم والليلة والخرائطي في المكارم وأبو موسى المديني وابن بشكوال وسنده ضعيف وفي رواية بعضهم إذا طنت أذن أحدكم فليذكرني وليصل عليّ وليقل ذكر الله من ذكرني بخير قلت وهي رواية ابن السني قال السخاوي وقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ومن طريقه أبو اليمن بن عساكر وذلك عجيب لأن إسناده غريب كما صرح به أبو اليمن وغيره وفي ثبوته نظر وقد قال أبو جعفر العقيلي إنه ليس له أصل اهـ، وأخرجه ابن أبي عاصم أيضاً كما نقله القسطلاني في مسالك الحنفا قال ابن حجر الهيتمي في الدر المنضود الحديث أخرجه جمع بسند ضعيف وإخراج ابن خزيمة له في صحيحه متعجب منه فإن إسناده غريب بل قال العقيلي: ليس له أصل اهـ. قوله (فليذكرني) أي لأن بذكره ﷺ تنشرح النفس ويحصل النشاط ويزول أثر ذلك وذلك بأن يقول نبينا محمد ﷺ نظير
ما يأتي فيمن خدرت رجله. قوله: (وليصل عليّ) أي بأن يأتي بها بعد ذكره فالعطف على أصله من التغاير واستظهر في الحرز أنه تفسيري. قوله: (ذكر الله بخير من ذكرني) أي بخير والجملة خبرية مبنى إنشائية معنى والله أعلم.
باب ما يقول إذا خدرت رجله
بفتح المعجمة وكسر المهملة أي رقدت من الخادر بمعنى الفاتر الكسلان على ما في الصحاح وفي المصباح خدر العضو خدراً من باب تعب استرخى فلا يطيق الحركة اهـ. قوله: (روينا في كتاب ابن السني عن الهيثم) هو بفتح الهاء المهملة وسكون التحتية وبالمثلثة المفتوحة وحنش بفتح المهملة والنون آخره معجمة ورواه ابن بشكوال من طريق أبي سعيد فذكره قال
стр. 2124
إليك، فقال: يا محمد، ﷺ ، فكأنما نُشِطَ من عِقَال.
وروينا فيه عن مجاهد قال: "خَدِرَتْ رِجل رجُل عند ابن عباس، فقال ابن عباس ﵄: اذكر أحبَّ النّاس إليك، فقال: محمد ﷺ ، فذهب خَدَرُه".
ــ
السخاوي: ولا أعلم أبو سعيد أكنية الهيثم أم لا قلت: وأخرجه ابن السني أيضاً من طريق أبي سعيد وكذا أخرجه أبو نعيم في المستخرج على كتاب ابن السني. قوله: (فكأنما نشط من عقال) بضم النون وكسر المعجمة آخره طاء مهملة أي فك من عقال وهو الحبل الذي يعقل به البعير وهو كناية عن ذهاب الكسل أو المرض وحصول النشاط أو الصحة وفي النهاية كأنما أنشط من عقال أي حل وقد تكرر في الحديث وكثيراً ما يجيء في الروايات نشط من عقال أي بحذف الألف وليس بصحيح يقال: نشطت العقدة إذا عقدتها وأنشطتها وانتشطتها إذا حللتها اهـ، ومثله في المصباح وعبارته نشطت الحبل نشطاً من باب ضرب عقدته بأنشوطة والأنشوطة أفعولة بضم الهمزة ربطة دون العقدة إذا مدت بأحد طرفيها انفتحت وأنشطت الأنشوطة بالألف حللتها وأنشطت العقال حللته وأنشطت البعير من عقاله أطلقته اهـ، والأولى حمل ما في الروايات على أنه تجوز بلفظ نشط واستعمل في معنى أنشط أو أن ذلك لغة قليلة وما ذكره في النهاية والمصباح هو الكثير والله أعلم.
قوله: (وروينا فيه عن مجاهد الخ) يحتمل أن يكون هو الحديث قبله والرجل المبهم الذي خدرت رجله هو ابن عمر المصرح باسمه في الرواية السابقة وابن عباس القائل اذكر أحب النّاس إليك هو المبهم في الرواية الأولى وتكون القصة شهدها كل من مجاهد والهيثم ولا مخالفة بين قول مجاهد كذا عند ابن عباس وقول الهيثم عند ابن عمر لأنهما كانا كبيري المجلس والحضور المدلول عليه بعند كان عند كل منهما فذكر كل منهما من يروي عنه كثيراً ويحتمل تعدد القصة وهذا ظاهر سياق الشيخ وغيره وقد جاء عند ابن السني أيضاً عن عبد الرحمن بن سعد قال: كنت عند ابن عمر فخدرت رجله فقلت: يا أبا عبد الرحمن ما لرجلك قال: اجتمع عصبها من
стр. 2125
وروينا فيه عن إبراهيم بن المنذر الحزامي أحد شيوخ البخاري الذين روى عنهم في "صحيحه" قال: كان أهل المدينة يعجبون من حسن بيت أبي العتاهية:
وتَخْدَرُ في بعض الأحايين رِجْلُهُ ... فإن لم يقل: يا عتْبُ لم يَذْهِبَ الخَدَر
ــ
ها هنا قلت: ادع أحب النّاس إليك قال: يا محمد فانبسطت ولعل عبد الرحمن هو المبهم القائل له ذلك في الرواية المذكورة في حديث ابن عمر المذكور أول الباب والله تعالى أعلم.
قوله: (وروينا فيه) أي في كتاب ابن السني وكذا أخرجه أبو نعيم أيضاً في كتاب عمل اليوم والليلة. قوله: (أحد شيوخ البخاري الخ) هذا التعريف من المصنف مزيد على كتاب ابن السني وإبراهيم بن المنذر بن المغيرة الحزامي بالزاي القرشي المدني أبو إسحاق روى عنه البخاري في مواضع من الصحيح ثم روى فيه عن محمد بن أبي غالب عنه في الاستئذان قال ابن منصور: سألت يحيى بن معين عن الحزامي فقال ثقة مات سنة ست وثلاثين ومائتين بالمدينة وجرت له مع أحمد قصة أعرض فيها عنه لما جاءه ذكرها الكرماني في أول كتاب العلم من شرح البخاري. قوله: (يعجبون) أي من حيث كمال المحبة بهذا المحبوب بحيث تمكن حبه في الفؤاد حتى إذا ذكره ذهب عنه الخدر وفي كتاب ابن السني أيضاً في معنى ذلك قال الوليد بن يزيد بن عبد الملك في حياته:
أثيبي مغرماً كلفاً محباً ... إذا خدرت له رجل دعاك
وفيه أيضاً عن أبي بكر الهذلي قال: دخلت على محمد بن سيرين وقد خدرت رجلاه فنقعهما بالماء وهو يقول:
إذا خدرت رجلي تذكرت قولها ... فناديت لبني باسمها ودعوت
دعوت التي لو أن نفسي تطيعني ... لألقيت نفسي نحوها فقضيت
стр. 2126
باب جوازه دعاء الإنسان على من ظلم المسلمين أو ظلمه وحده
اعلم أن هذا الباب واسع جداً، وقد تظاهر على جواز نصوص الكتاب والسنَّة وأفعال سلف الأمة وخلفها، وقد أخبر الله في مواضع كثيرةٍ معلومةٍ من القرآن عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بدعائهم
ــ
فقلت: يا أبا بكر تنشد مثل هذا الشعر فقال: يالله! وهل هو إلا كلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيحه اهـ، وأخرجه أبو نعيم كذلك.
باب جواز دعاء الإنسان على من ظلم المسلمين أو ظلمه وحده
المراد من الجواز ما يشمل الاستحباب فهو بمعنى عدم الحرمة والكراهة ثم إن كان الدعاء على من ظلم النّاس ليندفع أذاه فهو مستحب وإن كان على من ظلمه هو أو آذاه فإنه يباح له الدعاء والأفضل أن يعفو ويصفح كما تقدم في أذكار الصباح والمساء في حديث ما ضر أحدكم أن يكون كأبي ضمضم وأفضل منه أن يترحم على ظالمه ويدعو له بأن الله يهديه كما وقع له ﷺ يوم أحد لما شجوا رأسه وكسروا رباعيته فقال الصحابة: يا رسول الله ادع الله عليهم فقال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" فصفح فيما يتعلق بحقه ﷺ ودعا لهم بغفران ما يتعلق بذلك الذنب واعتذر عنهم ونقل عن إبراهيم بن أدهم أن جندياً شج رأسه فقيل له: إنه إبراهيم بن أدهم فعاد إليه معتذراً فقال له: إنك بمجرد ما شجيت رأسي دعوت لك بالجنة قال: وكيف يا سيدي قال: لأنك كنت سبباً لإيصال
خير إليّ فلا أكون سبباً لإيصال شر إليك. قوله: (وقد تظاهرت على جوازه الخ) تظاهرت بالهاء أي تتابعت وأظهر بعضها بعضاً أو شد بعضها ظهر بعض ومحل جواز الدعاء على الظالم أن يكون بحسب ما ظلم به وإلا كان متعدياً وذلك بأن يقول: اللهم انتقم منه
стр. 2127
على الكفار.
روينا في "صحيح البخاري ومسلم" عن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب: "مَلأ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ ناراً
ــ
أو عامله بعدلك أو نحوه.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال القلقشندي في شرح العمدة: أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم اهـ. قوله: (يوم الأحزاب) وفي بعض طرقه في الصحيحين يوم الخندق وهي غزاة لها هذان الاسمان وكانت في شوال سنة أربع من الهجرة قاله موسى بن عقبة ومالك ومال إليه البخاري وقيل: في ذي القعدة وقيل في شوال سنة خمس قاله ابن إسحاق وجزم به غيره من أهل السير وسميت بالأحزاب لتحزب الكفار على رسول الله ﷺ حين أجلى في النضير فخرج نفر منهم إلى مكة فحرضوا قريشاً على قتاله فلما أقبلوا نحو المدينة أشار سلمان الفارسي بحفر الخندق فحفر حول المدينة في ستة أيام وكانت أول غزاة غزاها سلمان وأقبلت قريش في عشرة آلاف حتى نزلوا بمجتمع الأسيال وعليهم أبو سفيان بن حرب وخرج ﷺ واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وجعل سلعاً وراء ظهره والخندق بينه وبين القوم وهو في ثلاثة آلاف من المسلمين وأقاموا بضع عشرة ليلة وقيل أربعة وعشرين يوماً ثم أرسل الله عليهم ريحاً فانهزموا والخندق فارسي معرب جمعه خنادق. قوله: (ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً) وقع عند البخاري ملأ الله عليهم قبورهم وبيوتهم ناراً وقع في بعض طرقه زيادة أو أجوافهم على الشك وفي بعضها أو قال: قبورهم وبطونهم والبيوت بضم الموحدة وكسرها جمع بيت والقبور جمع قبر ويجمع القبر على أقبر قال الخليل: القبر مدفن الإنسان والقبر مما أكرم به بنو آدم حيث لم تجعل جيفته ملقاة كجيفة باقي الحيوان قال تعالى: ممتنا بذلك ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾: "وللقبر أسماء" الرمس والجدث والجدف بإبدال الثاء فاء والبيت والضريح والريم والرجم والبلد ذكرهن صاحب المخصص والجنان والدمس بالدال والمنهال ذكرهن ابن السكيت والعسكري والحاموض ذكره صاحب المنتخب كذا في غاية الأحكام
стр. 2128
كما شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى".
وروينا في "الصحيحين" من طرق أنه ﷺ دعا على الذين قتلوا القُرَّاء ﵃، وأدام الدعاءَ عليهم شهراً يقول:
ــ
للقلقشندي قال العراقي في شرح التقريب: وهذه الجملة دعاء عليهم بدليل قوله في رواية الترمذي: اللهم املأ قبورهم وبيوتهم ناراً ففيه الدعاء على المشركين بمثل هذا. قوله: (كما شغلونا) بفتح المعجمتين أوله والشغل فيه أربع لغات بضم الشين مع سكون الغين وضمها وفتح الشين مع سكون الغين وفتحها والجمع أشغال ولا يقال: أشغلته لأنها لغة رديئة قاله الجوهري وفي المصباح إنه هجر استعماله في فصيح الكلام ووقع في رواية المستملي كلما شغلونا بزيادة لام قال الحافظ في فتح الباري إنها خطأ. قوله: (عن الصلاة الوسطى) بضم الواو فعلى تأنيث أفعل وكلاهما لا يستعمل إلا بأل أو الإضافة أو من
ومادة وسط لها معنيان للغاية في الجودة وما كان بين طرفين نسبته من الجهتين سواء إما باعتبار العدد أو الزمان أو المكان والوسطى صفة للصلاة ووقع عند مسلم في بعض طرقه صلاة الوسطى وهو مؤول على طريق البصريين المانعين إضافة الشيء لنفسه بأن التقدير صلاة الساعة الوسطى أي عن فعلها وبعده في الصحيحين قوله: صلاة العصر ففيه التصريح بأن الصلاة الوسطى هي العصر وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي وإليه ذهب كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وقال به أبو حنيفة وأحمد وقال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي وصح الحديث بأنها العصر فهو مذهبه أيضاً وللعلماء في ذلك أقوال كثيرة وقد ألف في ذلك الحافظ شرف الدين الدمياطي جزءاً حافلاً سماه: كشف المغطى عن الصلاة الوسطى ذكر فيه سبعة عشر قولاً.
قوله: (وروينا في الصحيحين) كان الأخضر أن يقول فيهما. قوله: (من طرق الخ) فأخرج مسلم في باب القنوت في صلاة الصبح عن خفاف بن إيماء الغفاري قال: قال ﷺ : "اللهم العن بني لحيان ورعلا وذكوان وعصية" عصت الله ورسوله الحديث. قوله: (على الذين قتلوا أصحابه القراء الخ) هم أصحاب بئر معونة ماء لبني سليم وكانت في صفر سنة أربع وأميرها
стр. 2129
"اللهم الْعَنْ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ".
وروينا في "صحيحيهما" عن ابن مسعود ﵁ في حديثه الطويل في قصة أبي جهل وأصحابه من قريش حين وضعوا سَلَى الجزور على ظهر النبي ﷺ فدعا عليهم
ــ
المنذر قال ابن سعد كانت سرية المنذر في صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً من مهاجره قالوا: قدم عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الأسنة الكلابي على رسول الله ﷺ وأهدي له فلم يقبل منه وعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال: لو بعثت معي نفراً من قومك إلى قومي لرجوت أن يجيبوا دعوتك فقال: "إني أخاف عليهم أهل نجد" قال: أنا لهم جار فبعث معه سبعين رجلاً من الأنصار شببة يسمون القراء وأمر عليهم المنذر فلما نزلوا بئر معونة قدموا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل فقتل حراماً واستصرح عليهم في عامر فأبوا وقالوا: لا نحفر أبا براء فاستصرخ عليهم قبائل من سليم عصية ورعل وذكوان ورعب والقارة ولحيان فنفروا معه فقتل الصحابة كلهم إلا عمرو ابن أمية وأخبر جبريل ﵇ النبي ﷺ يخبرهم تلك الليلة قيل وذكر لحيان فيمن قتل القراء ببئر معونة وهم إنما هم من هذيل الذين قتلوا أصحاب ابن الدثنة ومنهم خبيب لكن الوقعتان في زمن واحد فالتبس ذلك على الراوي نبه عليه الشرف الدمياطي وغيره وقد سلف ذكر القصة في كتاب الجهاد.
فائدة
في شرف المصطفى جاءت الحمى إلى رسول الله ﷺ فقال: اذهبي إلى رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله فأتتهم فقتلت منهم سبعمائة بكل رجل من المسلمين عشرة نقله ابن النحوي في شرح البخاري. قوله: (اللهم العن رعلا) بكسر الراء وسكون المهملة (وذكوان) بفتح المعجمة وسكون الكاف (وعصية) بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وتشديد التحتية قبائل من سليم.
قوله: (وروينا في صحيحيهما عن ابن مسعود الخ) قال الحافظ المزي في الأطراف أخرجه
البخاري في مواضع من صحيحه منها: باب الطهارة وباب مبعث النبي ﷺ وأخرجه مسلم في المغازي وأخرجه النسائي في الطهارة اهـ، ملخصاً. قوله: (حين وضعوا سلى الجزور) الواضع له هو أشقاه
стр. 2130
وكان إذا دعاد دعا ثلاثاً ثم قال: "اللهُم عَلَيكَ بقُرَيْشٍ"، ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم قال: "اللهم عليك بأبي جَهْل وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ...
ــ
عقبة بن أبي معيط ونسب الشيخ الوضع إليهم لأنهم أشاروا بذلك ورضوا به وإلا فالذي في صحيح البخاري فانبعث أشقاهم وفي مسلم فانبعث أشقى القوم فلما سجد ﷺ وضعه بين كتفيه ولبث النبي ﷺ ساجداً الحديث والسلى بفتح المهملة وبالقصر وعاء جنينها ومثلها سائر الحيوانات وهي من الآدمي المشيمة والجزور بفتح الجيم وبالزاي آخره راء المنحور من الإبل يقع على الذكر والأنثى وهي مؤنث قاله الجوهري وقوله على ظهر النبي ﷺ أي بين كتفيه كما تقدم آنفاً. قال المصنف في شرح مسلم والجواب المرضي عن استمراره ﷺ في الصلاة مع وضع السلا المذكور على ظهره إنه ﷺ لم يعلم ما وضع على ظهره فاستمر في سجوده استصحاباً للطهارة، وتعقب بأنه مشكل على قولنا بوجوب الإعادة في مثل هذه الصورة، وأجاب بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة وما يدري هل كانت هذه الصلاة فريضة فتجب إعادتها أم غيرها فلا تجب فإن وجبت إعادتها فالوقت متسع لها والله أعلم. قال في فتح الباري وتعقب بأنه لو أعاد لنقل وبأن الله لا يقره على التمادي في صلاة باطلة وقد خلع نعليه وهو في الصلاة فإن جبريل أخبره بأن فيهما قذراً، ويدل على أنه علم بما ألقى على ظهره إن فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه وعقب هو صلاته بالدعاء عليهم اهـ، ويمكن أن يقال إن الله أعلمه به بعد رفع فاطمة له فعقب صلاته دعا عليهم. قوله: (وكان إذا دعا دعا ثلاثاً) فيه استحباب تكرار الدعاء وهذا اللفظ عند مسلم في كتاب الصلاة. قوله: (عليك بقريش) أي أهلكهم والمراد كفارهم أو من سمي منهم فهو عام مخصوص. قوله: (ثلاث مرات) أي كرر هذا اللفظ ثلاث مرات على عادته في تكرار الدعاء والسؤال ثلاثاً زاد مسلم في رواية زكريا وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً. قوله: (عليك بأبي جهل) هو فرعون زمانه عمرو بن هشام وقد جاء في رواية إسرائيل بعمرو بن هشام قال في فتح الباري
стр. 2131
وذكر تمام السبعةَ ... وتمام الحديث".
وروينا في "صحيحيهما" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يدعو: "اللهُم
ــ
فلعله سماه وكناه معاً. قوله: (وذكر تمام السبعة) وهم شيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة أي بالمثناة فالموحدة ووقع في بعض نسخ مسلم بالقاف في محل المثناة وهو غلط قديم نبه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر سحبوا إلى القليب قليب بدر ثم قال ﷺ وأتبع أصحاب القليب لعنة قال المصنف: هذه إحدى دعواته ﷺ المجابة، وقول ابن مسعود: لقد رأيتهم الخ، المراد منه ما عدا عمارة بن الوليد فإنه لم يحضر بدراً إنما مات بجزيرة بأرض الحبشة فالمراد من قوله: رأيتهم أي رأيت أكثرهم وإلا فعقبة بن أبي معيط لم يقتل ببدر وإنما حمل منها أسيراً وقتله النبي ﷺ صبراً بعد انصرافه من بدر بعرق الظبية وهو بمعجمة مضمومة فموحدة ساكنة فتحتية مفتوحة قال الراوي على ثلاثة أميال مما يلي المدينة من الروحاء، قال الشيخ زكريا وفي الحديث الدعاء على أهل الكفر إذا آذوا المؤمنين ولم يرج إسلامهم قال صاحب المفهم: ولا خلاف في جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم
قال: واختلفوا في جواز الدعاء على أهل المعاصي فأجازه قوم ومنعه آخرون قال العراقي أما إذا كان الدعاء على أهل المعاصي أو لعنهم من غير تعيين فلا خلاف في جوازه، وفي فتح الباري فيه جواز الدعاء على الظالم لكن قال بعضهم: محله إذا كان كافراً أما المسلم فيستحب الاستغفار له والدعاء بالتوبة ولو قيل لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر لما كان بعيداً لاحتمال أن يكون أطلع ﷺ على أن المذكورين لا يؤمنون والأولى أن يدعي لك حي بالهداية اهـ، وسيأتي لهذا مزيد وفي الحديث حجة للجمهور في جواز الدعاء لمعين وعلى معين في الصلاة ومنعه أبو حنيفة فيها وفيه حجة عليه أيضاً في منعه ما ليس بلفظ القرآن من الدعاء في الصلاة وخالفه غيره في ذلك ذكره القرافي.
قوله: (وروينا في صحيحيهما) ورواه أبو داود. قوله: (كان يدعو) أي يقنت بذلك لما يرفع رأسه من الركوع ويقول: اللهم أنج الوليد
стр. 2132
اشْدُدْ وَطأتَكَ على مُضَرَ، اللهم اجْعَلْهَا عَلَيهِمْ سِنينَ كَسِنِي يُوسُفَ".
ــ
بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن ربيعة والمستضعفين بمكة اللهم اشدد وطأتك الخ. ققوله: (اشدد وطأتك) بفتح الواو وسكون المهملة وبالهمز أي خذهم أخذاً شديداً قاله صاحب النهاية قال ومنه حديث خولة بنت حكم في مسند أحمد آخر وطأة يطؤها الله بوج قال: والوطء في الأصل الدوس بالقدم فسمى به الغزو والقتل والمعنى إن آخر أخذة ووقعة أوقعها الله في الكفار كانت بوج وكانت غزوة الطائف آخر غزوات النبي ﷺ فإنه لم يغز بعدها إلا غزوة تبوك ولم يكن فيها قتال اهـ. قوله: (على مضر) أي على كفار قريش أولاد مضر. قوله: (اجعلها) أي الوطأة أو السنين أو الأيام. قوله: (سنين كسنين يوسف) قال الشيخ زكريا في تحفة القاريء سنين جمع سنة شذوذاً بتغير مفرده من الفتح إلى الكسر وكونه غير علم لعاقل ومخالفته لجموع السلامة في جواز إعرابه بثلاثة أوجه بالحروف وبالحركات على النون منوناً وغير منون منصرفاً وغير منصرف اهـ، وهو في الأصول التي وقفت عليها من الأذكار بإثبات النون في قوله: كسنين يوسف وبحذف الألف من قوله: سنين الأول وهو محتمل لأن يكون من لغة من أعربه بالحركات ومنع صرفه أو أعربه بها وصرفه وحذف الألف على لغة ربيعة وفي البخاري كسني يوسف بحذف نون الجمع للإضافة، قال العراقي: وهي لغة شاذة والصحيح إثباتها اهـ، وسنين يوسف هي السبع المجدبة وأضيفت إليه لأنه هو الذي قام بأمور النّاس فيها ووقع للقرطبي في المفهم إنه أول هذا الدعاء بحديث ابن مسعود فقال: واستجيب له ﷺ فيهم وأجدبوا سبعاً أكلوا فيها كل شيء وذكر الحديث وقال فيه حتى جاء أبو سفيان وكلم النبي ﷺ فدعا لهم فسقوا على ما ذكرناه عن ابن مسعود في كتاب التفسير اهـ، قال العراقي في شرح التقريب وهذا فيه أوهام في قوله: فأجدبوا سبعاً وليس في واحد من الصحيحين وليس بصحيح فإنه كشف عنهم قبل بدر وكانت في السنة الثانية من الهجرة وأيضاً فأبو هريرة راوي الحديث
стр. 2133
وروينا في "صحيح مسلم" عن سلمة بن الأكوع ﵁ "أن رجلاً أكل بشماله عند رسول الله ﷺ فقال: "كُلْ بِيَمِينِكَ"، قال: لا أستطيع، قال: "لا اسْتَطَعْتَ، ما منعه إلا الكِبْر"، قال: فما رفعها إلى فيه".
قلت: هذا الرجل هو بُسر -بضم الباء وبالسين المهملة- ابن راعي العَيْر الأشجعي، صحابي ففيه جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن جابر بن سمرة قال:
ــ
شهد قنوت النبي ﷺ ودعاءه عليهم بذلك وإنما أسلم أبو هريرة في السنة السابعة فلا صح حمله على دعائه على قريش قبل بدر وحديث ابن مسعود الذي في الصحيحين إن قريشاً استصعبوا عليه قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم السنة حتى حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والجلود وفي رواية الميتة بدل العظام وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد إن قومك قد هلكوا فادع الله أن يكشف عنهم فدعا وفي رواية فدعا ربه
فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم ففي هذا الحديث إن دعاءه على قريش كان قبل وقعة بدر وهذا لم يشهده أبو هريرة والذي أوقع القرطبي في ذلك إن في بعض طرقه في الصحيحين ذكر مضر فظن إنها قصة واحدة وليس كذلك: قصة الدعاء على قريش كانت قبل بدر ولم ينقل فيها قنوت ولم يشهدها أبو هريرة وقريش هي من مضر وقصة القنوت كانت بعد خيبر بعد إسلام أبي هريرة وكان فيها دعاؤه على مضر وهو اسم جامع لقريش وغيرها اهـ.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) سبق تخريجه والكلام على ما يتعلق به في باب وعظ وتأديب من يسيء في أكله. قوله: (وروينا في صحيح البخاري ومسلم الخ) قال الحافظ المزي بعد أن أورده من حديث جابر عن سعد بنحو من ذلك أخرجه البخاري في الصلاة ومسلم ورواه أبو داود والنسائي كلهم
стр. 2134
"شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى عمر ﵁، فعزله واستعمل عليهم ... " وذكر الحديث ... إلى أن قال: "أرسل معه عمر رجالاً أو رجلاً إلى الكوفة: يسأل عنه، فلم يَدَعْ مسجداً إلا سأل عنه ويثنون معروفاً، حتى دخل مسجداً لبني عَبْس، فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، فقال: أما إذا نشدتنا فإن سعداً لا يسير بالسرِّية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل
ــ
في الصلاة أيضاً اهـ، ملخصاً. قوله: (شكا أهل الكوفة) أي بعضهم وسميت كوفة: لاستدارتها من قولهم للرمل المستدير كوفا وقيل: لأن ترابها مخالط حصى وكل ما كان كذلك يسمى كوفة. قوله: (رجالاً أو رجلاً) شك من الراوي فالرجل قال الشيخ زكريا اسمه محمد بن مسلمة. قوله: (يسأل عنه) جملة في محل الحال المقدرة واقتصر على سؤال الرجل اكتفاء وإلا فكان الأصل يسألون أو يسأل عنه والمعنى يسأل كل منهم. قوله: (فلم يدع) أي لم يترك. قوله: (لبني عيسى) بفتح العين وسكون الموحدة وبمهملة قبيلة من قيس. قوله: (أبا سعدة) هو بفتح السين وسكون العين المهملتين. قوله: (أما) بتشديد الميم وقسيمها محذوف أي أما نحن إذ نشدتنا أي سألتنا فنقول كذا وأما غيرنا فأثنى عليه. قوله: (كان) وبحذفها في نسخة. قوله: (بالسرية) بتخفيف الراء قطعة من الجيش سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس كما في المصباح وغيره وفي التوشيح للسيوطي السرية من مائة إلى خمسمائة فإن زاد على خمسمائة فإنه منسر بالنون ثم المهملة قلت وبعدها راء فإن زاد على ثمانمائة فجيش فإن زاد على أربعة آلاف سمي جحفلاً فإن زاد فجيش جرار اهـ، وفي فتح الباري السرية هي التي تخرج بالليل والسارية التي تخرج بالنهار
قال وقيل: سميت بذلك يعني السرية لأنها تخفي ذهابها وهذا يقتضي إنها أخذت من السر ولا صح لاختلاف المادة ثم ذكر بعد ما تقدم في المنسر والجحفل قوله: والخميس الجيش العظيم وما افترق من السرية يسمى بعثاً والكثيبة ما اجتمع
стр. 2135
في القضية. قال سعد: أما والله لأدعونَّ بثلاث: اللهُم إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياءً وسمعةً فأطل عمره، وأطل فقره، وعرِّضْه للفتن،
ــ
ولم ينتشر اهـ، وفي المصباح والمنسر فيه لغتان مثل مسجد ومقود دخيل من المائة إلى المائتين وقوله: الفارابي جماعة من الخيل ويقال: المنسر الجيش لا يمر بشيء إلا اقتلعه اهـ، والباء في قوله بالسرية للمصاحبة. قوله: (في القضية) أي الحكومة والقضاء. قوله: (أما هي) بتخفيف الميم حرف استفتاح قال المصنف في أوائل شرح مسلم في حديث وفاة أبي طالب قال الإِمام أبو السعادات هبة الله العلوي الحسني المعروف بابن الشجري ما المزيدة للتوكيد ركبوها مع همزة الاستفهام واستعملوا مجموعهما على وجهين أحدهما أن يراد به معنى حقاً كما في قولهم أما والله لأفعلن والآخر أن يكون افتتاحاً للكلام بمنزلة ألا كقولك أما إن زيداً منطلق وتحذف ألفها وأكثر ما تحذف إذا كان بعدها قسم ليدل على شدة اتصال الثاني بالأول نحو أم والله لأفعلن كذا. قوله: (قام رياء وسمعة) أي ليراه النّاس ويسمعوا به ويشهروا ذلك عنه ليكون له به ذكر. قوله: (فأطل عمره) أي بأن يرد إلى أرذل العمر وينكس في الخلق نقمة لا نعمة وللطغرائي:
من يطلب التعمير فليدرع ... صبراً على فقد أحبائه
ومن يعمر يلق في نفسه ... ما يتمناه لأعدائه
وفي رواية سيف بعد وأطل عمره: وأكثر عياله ولسيف أنه عمي واجتمع عنده عشر بنات كذا في التوشيح. قوله: (وعرضه للفتن) أي اجعله عرضة لها وإنما ساغ لسعد أن يدعو على أسامة مع أنه مسلم لأنه ظلمه بالافتراء عليه والحكمة في دعواته الثلاث إن أسامة نفى عنه الفضائل الثلاث التي هي أصول الفضائل الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية حيث قال: لا يسير بالسرية والعفة التي هي كمال القوة الشهوية حيث قال: لا يقسم بالسوية والحكمة التي هي كمال القوة العقلية حيث قال: لا يعدل في القضية والثلاث تتعلق بالنفس والمال والدين فقابلها سعد بثلاث مثلها فدعا عليه بما يتعلق بالنفس وهو طول العمر وبما يتعلق بالمال وهو الفقر وبما يتعلق بالدين وهو الوقوع في الفتن وقال ابن المنير في الدعوات الثلاث مناسبة للحال أما طول عمره فليراه من سمع بأمره فيعلم كرامة سعد وأما طول فقره فلنقيض
стр. 2136
فكان بعد ذلك يقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد".
قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة: فأنا رأيته بعدَ ذلك قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، وإنه ليتعرَّض للجواري في الطرق فيغمزهنَّ.
وروينا في "صحيحيهما" عن عروة بن الزبير أن سعيد بن زيد ﵄ خاصَمَتْهُ أروى بنت أوس -وقيل: أويس- إلى مروان بن الحكم، وادَّعت أنه أخذ شيئاً من أرضها، فقال سعيد ﵁:
ــ
مطلوبه لأن حاله يشعر بأنه أمراً دنيوياً وأما تعرضه للفتن فلكونه قام فيها ورضيها دون أهل بلده لبلده. قوله: (فكان إذا سئل) أي عن حال نفسه وعند ابن عيينة إذا قيل له: كيف أنت. قوله: (شيخ كبير) زاد الطبراني فقير أي أنا شيخ كبير بالدعوة الأولى فقير بالدعوة الثانية مفتون بالدعوة الثالثة وعلى حذف قوله: فقير كما هو عند الشيخين فاكتفى عن الثانية بعموم قوله أصابتني دعوة سعد فإنها تعم الثلاث وعند ابن عيينة ولا تكون فتنة إلا وهو فيها وفي فوائد الملخص إنه عاش إلى أن أدرك فتنة المخباث الكذاب الذي ادعى النبوة فقتل فيها.
فائدة
كان سعد معروفاً بإجابة الدعوة روى الترمذي وابن حبان والحاكم عن سعد أن النبي ﷺ قال: "اللهم استجيب لسعد إذا دعاك" قوله: (يغمزهن) أي يعصر أصابعهن بأصابعه وفيه إشارة إلى الفتنة والفقر إذ لو كان غنياً لما احتاج لذلك. قوله: (وروينا في صحيحيهما الخ) وخرجه البخاري في بدء الخلق ومسلم في البيوع. قوله: (أروى بنت أوس) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الواو وبالألف المقصورة وأوس بفتح الهمزة وسكون الواو وبالسين المهملة وقيل: أويس مصغر وعليه اقتصر الكرماني فقال: بنت أبي أويس ومثله في شرح البخاري للشيخ زكريا قال الكرماني: قال ابن الأثير: لم أتحقق أنا صحابية أو تابعية اهـ. قوله: (إلى مروان) متعلق بخاصمته أي ترافعاً إليه وهو كان يومئذٍ متولي المدينة قال الشيخ زكريا في شرح البخاري فترك سعد الحق لها ودعا عليها وفي باب المظالم من شرح البخاري للكرماني إن مروان أرسل إلى
стр. 2137
أنا كنتُ آخذ شيئاً من أرضها بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: ما سمعتَ من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أخذ شِبْراً مِنَ الأرضِ ظُلْماً طُوّقَهُ إلى سَبْعِ أرَضِينَ" فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهُم إن كانت كاذبة فَأعْمِ بصرها، واقتُلْها في أرضها،
ــ
سعد ناساً يكلمونه في شأن أروى بنت أويس وكانت شكته إلى مروان في أرض فقال سعد: تروني ظلمتها وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكر الحديث فترك سعد لها ما ادعت ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة الخ. قوله: (إن كنت) أنا نافية بمعنى ما كنت. قوله: (بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ ) سكت عن بيانه أولاً لتتوجه النفس نحوه فيكون ذكره أمكن في النفس. قوله: (قال) أي مروان. قوله: (قال) أي سعد. قوله: (طوقه) هو بضم المهملة وتشديد الواو مبني للمجهول و (من سبع أرضين) متعلق بقوله طوقه وأرضين بفتح الراء وقد تسكن ولتطويقه معنيان أحدهما أن يكلف ثقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر في حديث الطبراني وغيره ثانيهما أن نخسف به الأرض المغصوبة كما في الحديث الآخر فتصير في عنقه كالطوق ويطول عنقه حتى يسع ذلك كما في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه. قوله: (فقال مروان: لا أسألك بينة بعد هذا) أي لأن القصد من البينة ما يغلب به الظن في صدق دعوى صاحبها وهذا الحديث إذا كان عند مثل سعد أقوى في إفادة الظن بصدقه فيما قال من البينة. قوله: (اللهم إن كانت كاذبة الخ) دعاؤه عليها بعد أن ترك لها ما ادعته كما تقدم وإنما دعا عليها بما ذكر لأنها نسبته إلى الظلم في غصب الأرض المبتني على حبه لها وقد جاء في الحديث حبك للشيء يعمي ويصم فلما نسبته إلى ما يقتضي عمى البصيرة وصممها دعا عليها بعمى البصر وإنما لم يدع عليها بعمى البصيرة إسقاطاً لبعض حقه ولما كان طمعها دعاها إلى الدعوة الكاذبة في تلك الأرض فدعا بأن تكون تلك الأرض محل حتفها لتكون
كالباحث عن حتفه بظلفه والله أعلم، وتبين حينئذٍ أن دعاءه عليها بجزاء ما وقع منها كما سبق نظيره في دعوات سعد
стр. 2138
قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت.
باب التبرِّي من أهل البدع والمعاصي
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي بردة بن أبي موسى قال: "وجع أبو موسى ﵁ وجعاً، فغشي عليه، ورأسه في حَجْر امرأة
ــ
والله أعلم، وسيأتي له في أدب الدعاء مزيد. قوله: (فما ماتت حتى ذهب بصرها) قال ابن الأثير في أسد الغابة فكان أهل المدينة يقولون: أعماك الله كما أعمى أروى يريدونها ثم صار أهل الجهل يقولون: أعماك الله كما أعمى أروى يريدون الأروى التي في الجبل يظنونها ويقولون إنها عمياء وهذا جهل منهم وفي ربيع الأبرار للزمخشري إن المرأة سألت سعيداً أن يدعو لها حين عميت وقالت: إني ظلمتك فقال: لا أرد ما أعطانيه الله تعالى اهـ.
باب التبري من أهل البدع والمعاصي
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) تقدم الكلام على تخريج الحديث في باب تحريم النياحة وقال الحافظ السخاوي بعد تخريجه: هذا حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه عن الحكم بن موسى وابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى وأبو عوانة في مستخرجه على الصحيح عن ابن عبدوس وأبي حفص القاص كلاهما عن الحكم وعلقه البخاري في صحيحه فقال وقال الحكم وذكره ووهم أبو الوقت في روايته حيث وقع عنده فيها حدثنا بدل وقال: بل الصواب أنه من تعاليقه ويتأيد بأطباق الجامعين شيوخ البخاري على عدم ذكرهم للحكم في شيوخه وعلى كل حال فقول الشيخ: روينا في صحيحي البخاري ومسلم صحيح ثم أشار السخاوي إلى أن كلاًّ من الحكم ومن فوقه إلى أبي بردة لم ينفرد بهذا الحديث بل له متابع من طبقته وبين ذلك وأخرج الحديث النسائي من وجه آخر وفي رواية أخرى للنسائي إن المرأة المذكورة أم ولد لأبي موسى اهـ، وأبو بردة هو ابن أبي موسى الأشعري. قوله: (فغشي عليه) بضم الغين وكسر الشين المعجمتين أي أغمي عليه. قوله: (في حجر امرأة) بفتح المهملة وكسرها والمرأة هي زوجته أم عبد الله صفية
стр. 2139
من أهله، فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يردَّ عليها شيئاً، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالِقة والحالِقة والشَّاقَّة".
قلت: الصالقة: الصائحة بصوت شديد، والحالقة: التي تحلق رأسها عند المصيبة، والشاقة: التي تشقُّ ثيابها عند المصيبة.
وروينا في "صحيح مسلم" عن يحيى بن يَعْمَر قال: قلت لابن عمر ﵄: أبا
ــ
بنت أبي دومة. قوله: (فصاحت امرأة) ظاهره أن التي صاحت عليه غير التي كان في حجرها لأن النكرة إذا تكررت كان الثاني غير الأول وفي رواية لمسلم والنسائي أقبلت امرأته أي أبي موسى أم عبد الله تصيح برنة ثم أفاق فقال: ألم تعلمي أن رسول الله ﷺ قال: "أنا بريء" وذكره قال راوي الحديث وكان أبو موسى حدثها عن رسول الله ﷺ بذلك وفي رواية ربعي عند أبي نعيم فأكبت عليه امرأته بنت أبي دومة قال السخاوي فاستفيد من مجموع ذلك كنيتها وكنية آبائها ووقع لغير واحد ذكرها في الصحابة لهذا الحديث وقوله لها: أما سمعت ما قاله ﷺ قالت: بلى وكذا في رواية للنسائي وفي هذا نظر لأنه أشار بقوله: أما سمعت إلى ما سمعته منه قبل ذلك ولم يرد أنها سمعته ﷺ ثم ذكر السخاوي ما يؤيد ذلك من رواية للنسائي وقال: نعم روى دعلج في فوائده عن موسى بن هارون عن عبد الله بن براد الأشعري قال: اسم أبي بردة عامر وأمه أم عبد الله بنت دمي هاجرت مع أبي موسى وقال غيره كما تقدم ابنة أبي دومة وسماها عمرو بن شبة في تاريخ البصرة صفية بنت دحون وقال أيضاً: إنها أم أبي
بردة وإن ذلك وقع منها وأبو موسى أمير على البصرة من قبل عمر بن الخطاب ﵁. قوله: (الصالقة) هو بالصاد ويقال بالسين المهملة. قوله: (الصالقة الخ) وقيل: الصالقة هي التي تضرب وجهها.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) أخرجه أول كتاب الإيمان وفي الأطراف للمزي أنه عند النسائي. قوله: (عن يحيى بن يعمر) هو بفتح الميم ويقال بضمها غير منصرف للعلمية ووزن الفعل وكنية يحيى بن يعمر أبو سليمان ويقال: أبو سعيد ويقال: أبو عدي البصري ثم المروزي قاضيها من بني
стр. 2140
عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلنا ناس يقرؤون القرآن، ويزعمون أن لا قَدَر، وأنَّ الأمر أُنُفٌ، فقال: إذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء
ــ
عوف بن بكر بن أسد نفاه الحجاج إلى خراسان فقتله قتيبة بن مسلم فولاه خراسان. قوله: (ويزعمون أن لا قدر الخ) اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه أنه قدر الأشياء في الأزل وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه على صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وأنكرت القدرية هذا وابتدعت وزعمت أنه سبحانه لم يقدرها ولم يتقدم علمه سبحانه بها وأنها مستأنفة العلم أي أنه إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها وكذبوا على الله وجل عن أقوالهم الباطلة علواً كبيراً وسميت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدرة قال أصحاب المقالات من المتكلمين وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر ولكن يقولون الخير من الله والشر من غيره تعالى عن قولهم بل كل من عند الله وفي الحديث عن ابن عمر مرفوعاً القدرية مجوس هذه الأمة رواه أبو حازم وأبو داود في سننه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر شبههم بهم لتقسيمهم الخير والشر في حكم الإرادة كما قسمت المجوس فصرفت الخير إلى يزدان والشر إلى أهرمن وقال الخطابي: إنما جعلهم مجوساً لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين النور والظلمة يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله سبحانه والشر إلى غيره والله خالق الجميع لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته فهما مضافان إليه تعالى خلقاً وإيجاداً وإلى الفاعلين من العباد فعلاً واكتساباً والله أعلم اهـ، كذا تلخص من كلام المصنف في شرح مسلم. قوله: (فإذا لقيت أولئك الخ) زاد في الحديث والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر قال المصنف هذا القول من ابن عمر ظاهر في تكفير
القدرية قال القاضي عياض في القدرية الأول الذين نفوا علم الله تعالى بالكائنات والقائل بهذا كافر بلا خلاف
следующие страницы →