فكان بعد ذلك يقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد".
قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة: فأنا رأيته بعدَ ذلك قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، وإنه ليتعرَّض للجواري في الطرق فيغمزهنَّ.
وروينا في "صحيحيهما" عن عروة بن الزبير أن سعيد بن زيد ﵄ خاصَمَتْهُ أروى بنت أوس -وقيل: أويس- إلى مروان بن الحكم، وادَّعت أنه أخذ شيئاً من أرضها، فقال سعيد ﵁:
ــ
مطلوبه لأن حاله يشعر بأنه أمراً دنيوياً وأما تعرضه للفتن فلكونه قام فيها ورضيها دون أهل بلده لبلده. قوله: (فكان إذا سئل) أي عن حال نفسه وعند ابن عيينة إذا قيل له: كيف أنت. قوله: (شيخ كبير) زاد الطبراني فقير أي أنا شيخ كبير بالدعوة الأولى فقير بالدعوة الثانية مفتون بالدعوة الثالثة وعلى حذف قوله: فقير كما هو عند الشيخين فاكتفى عن الثانية بعموم قوله أصابتني دعوة سعد فإنها تعم الثلاث وعند ابن عيينة ولا تكون فتنة إلا وهو فيها وفي فوائد الملخص إنه عاش إلى أن أدرك فتنة المخباث الكذاب الذي ادعى النبوة فقتل فيها.
فائدة
كان سعد معروفاً بإجابة الدعوة روى الترمذي وابن حبان والحاكم عن سعد أن النبي ﷺ قال: "اللهم استجيب لسعد إذا دعاك" قوله: (يغمزهن) أي يعصر أصابعهن بأصابعه وفيه إشارة إلى الفتنة والفقر إذ لو كان غنياً لما احتاج لذلك. قوله: (وروينا في صحيحيهما الخ) وخرجه البخاري في بدء الخلق ومسلم في البيوع. قوله: (أروى بنت أوس) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الواو وبالألف المقصورة وأوس بفتح الهمزة وسكون الواو وبالسين المهملة وقيل: أويس مصغر وعليه اقتصر الكرماني فقال: بنت أبي أويس ومثله في شرح البخاري للشيخ زكريا قال الكرماني: قال ابن الأثير: لم أتحقق أنا صحابية أو تابعية اهـ. قوله: (إلى مروان) متعلق بخاصمته أي ترافعاً إليه وهو كان يومئذٍ متولي المدينة قال الشيخ زكريا في شرح البخاري فترك سعد الحق لها ودعا عليها وفي باب المظالم من شرح البخاري للكرماني إن مروان أرسل إلى
стр. 2137
أنا كنتُ آخذ شيئاً من أرضها بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: ما سمعتَ من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أخذ شِبْراً مِنَ الأرضِ ظُلْماً طُوّقَهُ إلى سَبْعِ أرَضِينَ" فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهُم إن كانت كاذبة فَأعْمِ بصرها، واقتُلْها في أرضها،
ــ
سعد ناساً يكلمونه في شأن أروى بنت أويس وكانت شكته إلى مروان في أرض فقال سعد: تروني ظلمتها وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكر الحديث فترك سعد لها ما ادعت ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة الخ. قوله: (إن كنت) أنا نافية بمعنى ما كنت. قوله: (بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ ) سكت عن بيانه أولاً لتتوجه النفس نحوه فيكون ذكره أمكن في النفس. قوله: (قال) أي مروان. قوله: (قال) أي سعد. قوله: (طوقه) هو بضم المهملة وتشديد الواو مبني للمجهول و (من سبع أرضين) متعلق بقوله طوقه وأرضين بفتح الراء وقد تسكن ولتطويقه معنيان أحدهما أن يكلف ثقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر في حديث الطبراني وغيره ثانيهما أن نخسف به الأرض المغصوبة كما في الحديث الآخر فتصير في عنقه كالطوق ويطول عنقه حتى يسع ذلك كما في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه. قوله: (فقال مروان: لا أسألك بينة بعد هذا) أي لأن القصد من البينة ما يغلب به الظن في صدق دعوى صاحبها وهذا الحديث إذا كان عند مثل سعد أقوى في إفادة الظن بصدقه فيما قال من البينة. قوله: (اللهم إن كانت كاذبة الخ) دعاؤه عليها بعد أن ترك لها ما ادعته كما تقدم وإنما دعا عليها بما ذكر لأنها نسبته إلى الظلم في غصب الأرض المبتني على حبه لها وقد جاء في الحديث حبك للشيء يعمي ويصم فلما نسبته إلى ما يقتضي عمى البصيرة وصممها دعا عليها بعمى البصر وإنما لم يدع عليها بعمى البصيرة إسقاطاً لبعض حقه ولما كان طمعها دعاها إلى الدعوة الكاذبة في تلك الأرض فدعا بأن تكون تلك الأرض محل حتفها لتكون
كالباحث عن حتفه بظلفه والله أعلم، وتبين حينئذٍ أن دعاءه عليها بجزاء ما وقع منها كما سبق نظيره في دعوات سعد
стр. 2138
قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت.
باب التبرِّي من أهل البدع والمعاصي
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي بردة بن أبي موسى قال: "وجع أبو موسى ﵁ وجعاً، فغشي عليه، ورأسه في حَجْر امرأة
ــ
والله أعلم، وسيأتي له في أدب الدعاء مزيد. قوله: (فما ماتت حتى ذهب بصرها) قال ابن الأثير في أسد الغابة فكان أهل المدينة يقولون: أعماك الله كما أعمى أروى يريدونها ثم صار أهل الجهل يقولون: أعماك الله كما أعمى أروى يريدون الأروى التي في الجبل يظنونها ويقولون إنها عمياء وهذا جهل منهم وفي ربيع الأبرار للزمخشري إن المرأة سألت سعيداً أن يدعو لها حين عميت وقالت: إني ظلمتك فقال: لا أرد ما أعطانيه الله تعالى اهـ.
باب التبري من أهل البدع والمعاصي
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) تقدم الكلام على تخريج الحديث في باب تحريم النياحة وقال الحافظ السخاوي بعد تخريجه: هذا حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه عن الحكم بن موسى وابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى وأبو عوانة في مستخرجه على الصحيح عن ابن عبدوس وأبي حفص القاص كلاهما عن الحكم وعلقه البخاري في صحيحه فقال وقال الحكم وذكره ووهم أبو الوقت في روايته حيث وقع عنده فيها حدثنا بدل وقال: بل الصواب أنه من تعاليقه ويتأيد بأطباق الجامعين شيوخ البخاري على عدم ذكرهم للحكم في شيوخه وعلى كل حال فقول الشيخ: روينا في صحيحي البخاري ومسلم صحيح ثم أشار السخاوي إلى أن كلاًّ من الحكم ومن فوقه إلى أبي بردة لم ينفرد بهذا الحديث بل له متابع من طبقته وبين ذلك وأخرج الحديث النسائي من وجه آخر وفي رواية أخرى للنسائي إن المرأة المذكورة أم ولد لأبي موسى اهـ، وأبو بردة هو ابن أبي موسى الأشعري. قوله: (فغشي عليه) بضم الغين وكسر الشين المعجمتين أي أغمي عليه. قوله: (في حجر امرأة) بفتح المهملة وكسرها والمرأة هي زوجته أم عبد الله صفية
стр. 2139
من أهله، فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يردَّ عليها شيئاً، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالِقة والحالِقة والشَّاقَّة".
قلت: الصالقة: الصائحة بصوت شديد، والحالقة: التي تحلق رأسها عند المصيبة، والشاقة: التي تشقُّ ثيابها عند المصيبة.
وروينا في "صحيح مسلم" عن يحيى بن يَعْمَر قال: قلت لابن عمر ﵄: أبا
ــ
بنت أبي دومة. قوله: (فصاحت امرأة) ظاهره أن التي صاحت عليه غير التي كان في حجرها لأن النكرة إذا تكررت كان الثاني غير الأول وفي رواية لمسلم والنسائي أقبلت امرأته أي أبي موسى أم عبد الله تصيح برنة ثم أفاق فقال: ألم تعلمي أن رسول الله ﷺ قال: "أنا بريء" وذكره قال راوي الحديث وكان أبو موسى حدثها عن رسول الله ﷺ بذلك وفي رواية ربعي عند أبي نعيم فأكبت عليه امرأته بنت أبي دومة قال السخاوي فاستفيد من مجموع ذلك كنيتها وكنية آبائها ووقع لغير واحد ذكرها في الصحابة لهذا الحديث وقوله لها: أما سمعت ما قاله ﷺ قالت: بلى وكذا في رواية للنسائي وفي هذا نظر لأنه أشار بقوله: أما سمعت إلى ما سمعته منه قبل ذلك ولم يرد أنها سمعته ﷺ ثم ذكر السخاوي ما يؤيد ذلك من رواية للنسائي وقال: نعم روى دعلج في فوائده عن موسى بن هارون عن عبد الله بن براد الأشعري قال: اسم أبي بردة عامر وأمه أم عبد الله بنت دمي هاجرت مع أبي موسى وقال غيره كما تقدم ابنة أبي دومة وسماها عمرو بن شبة في تاريخ البصرة صفية بنت دحون وقال أيضاً: إنها أم أبي
بردة وإن ذلك وقع منها وأبو موسى أمير على البصرة من قبل عمر بن الخطاب ﵁. قوله: (الصالقة) هو بالصاد ويقال بالسين المهملة. قوله: (الصالقة الخ) وقيل: الصالقة هي التي تضرب وجهها.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) أخرجه أول كتاب الإيمان وفي الأطراف للمزي أنه عند النسائي. قوله: (عن يحيى بن يعمر) هو بفتح الميم ويقال بضمها غير منصرف للعلمية ووزن الفعل وكنية يحيى بن يعمر أبو سليمان ويقال: أبو سعيد ويقال: أبو عدي البصري ثم المروزي قاضيها من بني
стр. 2140
عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلنا ناس يقرؤون القرآن، ويزعمون أن لا قَدَر، وأنَّ الأمر أُنُفٌ، فقال: إذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء
ــ
عوف بن بكر بن أسد نفاه الحجاج إلى خراسان فقتله قتيبة بن مسلم فولاه خراسان. قوله: (ويزعمون أن لا قدر الخ) اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه أنه قدر الأشياء في الأزل وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه على صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وأنكرت القدرية هذا وابتدعت وزعمت أنه سبحانه لم يقدرها ولم يتقدم علمه سبحانه بها وأنها مستأنفة العلم أي أنه إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها وكذبوا على الله وجل عن أقوالهم الباطلة علواً كبيراً وسميت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدرة قال أصحاب المقالات من المتكلمين وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر ولكن يقولون الخير من الله والشر من غيره تعالى عن قولهم بل كل من عند الله وفي الحديث عن ابن عمر مرفوعاً القدرية مجوس هذه الأمة رواه أبو حازم وأبو داود في سننه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر شبههم بهم لتقسيمهم الخير والشر في حكم الإرادة كما قسمت المجوس فصرفت الخير إلى يزدان والشر إلى أهرمن وقال الخطابي: إنما جعلهم مجوساً لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين النور والظلمة يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله سبحانه والشر إلى غيره والله خالق الجميع لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته فهما مضافان إليه تعالى خلقاً وإيجاداً وإلى الفاعلين من العباد فعلاً واكتساباً والله أعلم اهـ، كذا تلخص من كلام المصنف في شرح مسلم. قوله: (فإذا لقيت أولئك الخ) زاد في الحديث والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر قال المصنف هذا القول من ابن عمر ظاهر في تكفير
القدرية قال القاضي عياض في القدرية الأول الذين نفوا علم الله تعالى بالكائنات والقائل بهذا كافر بلا خلاف
стр. 2141
مني.
قلتُ: أنف بضم الهمزة والنون: أي مستأنف لم يتقدَّم به علم ولا قدر، وَكَذَب أهلُ الضلالة، بل سبق علم الله تعالى بجميع المخلوقات.
باب ما يقوله إذا شرع في إزالة منكر
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن مسعود ﵁ قال: "دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نُصُباً، فجعل يَطْعُنُها
ــ
وهؤلاء الذين ينكرون القدر الفلاسفة في الحقيقة وقال غيره يجوز أنه لم يرد بهذا الكلام التكفير المخرج عن الملة فيكون من قبيل كفران النعمة إلا أن قوله ما قبله الله منه ظاهر في التكفير فإن إحباط العمل إنما يكون بالكفر إلا أنه يجوز أن يقال في المسلم لا يقبل الله عمله بمعصية وإن كان صحيحاً كما إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة غير موجبة للقضاء عند جماهير العلماء بل بإجماع السلف وهي غير مقبولة ولا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا اهـ. قوله: (أي مستأنف لم يتقدم به علم) أي وإنما يعلمه بعد وقوعه وتقدم أن هذا قول غلاة القدرية وقد انقرضوا ولله الحمد والمنة.
باب ما يقول إذا شرع في إزالة منكر
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال المزي أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه منها التفسير وأخرجه مسلم في المغازي قال ورواه الترمذي في التفسير وقال حسن صحيح ورواه النسائي في التفسير أيضاً اهـ، ملخصاً. قوله: (نصباً) قال ابن النحوي بضم النون والصاد ويجوز إسكان الصاد ويجوز فتح النون مع ذلك وكلها واحد الأنصاب نبه عليه ابن التين والنصب الحجر والصنم المنصوب للعبادة ومنه وما ذبح على النصب. قوله: (يطعنها) بضم العين على المشهور ويجوز فتحها في لغة وهذا الفعل إذلالاً للأصنام ولعابديها وإظهار كونها لا تضر ولا تنفع عن أنفسها كما قال تعالى: ﴿وإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا
стр. 2142
بعود كان في يده ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩].
باب ما يقول من كان في لسانه فحش
روينا في كتابي ابن ماجه وابن السني عن حذيفة ﵁ قال: "شكوت إلى رسول الله ﷺ ذَرَبَ لساني، فقال: أيْنَ أنْتَ مِنَ الاستغْفَارِ؟
ــ
لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾. قوله: (بعود كان في يده) في مسلم فجعل يطعنه بسية قوسه وهو بكسر المهملة وتخفيف التحتية المنعطف من طرفي القوس وسيأتي في كلام النهر أنه كان بالمخصرة فلعله كان تارة بهذا وتارة بهذا. قوله: (ويقول جاء الحق) قال المصنف في شرح مسلم في هذا استحباب قراءة هاتين الآيتين عند إزالة المنكر وفي النهر لأبي حيان جاء الحق أي القرآن وزهق الباطل أي الشيطان وهذه الآية نزلت بمكة لأنه ﷺ كان يستشهد بها يوم فتح مكة وقت طعنه الأصنام وسقوطها لطعنه إياها بالمخصرة حسبما ذكر في السير وزهوقاً صفة مبالغة في اضمحلاله وعدم ثبوته في وقت ما. قوله: (جاء الحق) قال في النهر أخبر سبحانه أن الحق قد جاء وهو القرآن والوحي وبطل ما سواه من الأديان ولم يبق لغير الإسلام ثبات لا في بدء ولا في عاقبة فلا يخاف على الإسلام ما يبطله.
باب ما يقول من كان في لسانه فحش
أي بالشتم وسيأتي في أواخر باب تكره ألفاظ فصل في بيان الفحش والبذاء وآخر في طلب الاستغفار لمن كثر لغوه وأراد تكفير ذلك فيستغفره. قوله: (روينا في كتابي ابن ماجه وابن السني الخ) وكذا رواه النسائي بل قال في السلاح: إن اللفظ له ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم وفي رواية النسائي إني لأستغفر الله في اليوم وأتوب إليه مائة مرة اهـ، وزاد في الحصن فيمن خرجه ابن أبي شيبة في المصنف. قوله: (ذرب لساني) قال ابن الجزري بفتح المعجمة والراء أي حدته فلا يبالي ما يقول اهـ، وفي القاموس ذرب اللسان محركة فساد اللسان وإيذاؤه والفحش. قوله: (أين أنت من الاستغفار) أي
стр. 2143
إني لأسْتَغْفِرُ اللهَ كل يَوْمٍ مائَةَ مرَّةٍ".
قلت: الذرَب بفتح الذال المعجمة والراء، قال أبو زيد وغيره من أهل اللغة: هو فحش اللسان.
ــ
كيف يغيب عن فهمك الاستغفار وكان ينبغي أن تستحضره وتعلم أن من لزمه أذهب الله عنه فحش لسانه ولا منافاة بين ملازمة الاستغفار لذي البذاءة والاستحلال ممن آذاه بلسانه فإنه مع الاستحلال لا يستغني عن الاستغفار لحق الله سبحانه فيجمع بين الأمرين: الاستحلال والاستغفار ليؤدي الحقين. قوله: (إني) أي مع جلالة قدري وعصمة أمري. قوله: (لأستغفر الله في اليوم سبعمائة مرة) أي لأمتي أو لتقصيري في عبادتي أو لغفلتي عن حقيقتي أو لقناعتي بمرتبتي في الحال وعدم الاستزادة في العلم وقرب المتعال فإنه لا نهاية لغايتها عند أرباب الكمال أو لتنزلي عن مرتبة العين إلى مرتبة الغين وما يحصل في البين فبين أنواع استغفار الأبرار والاستغفار الصادر من الفجاريون عند ذوي البصيرة والأبصار، والمراد بالمائة الكثرة لأن حال السالك في ميدان المحاربة بين الحضور والغيبة متردد بين الفرة والكرة إنما الاختلاف في الغلبة كذا في الحرز وفي الفتح للحافظ أجوبة أخر منها قول ابن الجوزي هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد ومنها قول ابن بطال الأنبياء أشد النّاس اجتهاداً في العبادة لما أعطاهم الله من المعرفة فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير اهـ، ومحصل جوابه أن الاستغفار من التقصير من أداء الحق الذي يجب الله تعالى ويحتمل أن يكون الاستغفار لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو نحو ذلك بالنسبة إلى المقام العلي وهو الحضور في حظيرة القدس ومنها أن استغفاره تشريع لأمته وقال الغزالي: كان ﷺ دائم الترقي فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها ذنباً فاستغفر من الحال السابقة وقال السهرودي لما كان روح النبي ولا ريب أن حركة الروح والقلب أسرع من نهضة النفس فكانت خطى النفس تقصر عن مداهما في العروج فاقتضت الحكمة إبطاء حركة القلب لئلا تنقطع علاقة النفس عنه فيبقى العباد محرومين وكان ﷺ يفزع إلى
стр. 2144
باب ما يقوله إذا عثرت دابته
روينا في سنن أبي داود عن أبي المليح التابعي المشهور عن رجل قال: "كنت رديف النبي ﷺ فعثرت دابته، فقلت: تَعَس الشيطان، فقال: "لا تَقُلْ: تَعَسَ الشَّيطَانُ، فإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذلكَ تَعَاظَم حَتى يَكُونَ مِثْلَ البَيتِ وَيَقُولُ
ــ
الاستغفار لقصور النفس عن تناول القلب والله أعلم اهـ، ثم وجه المناسبة بين هذه الجملة وما قبلها الحث والخص لأنه إذا كان المصطفى ﷺ مع تنزهه عن كل
وصف دني وتحليه بكل نعت سني يكثر من الاستغفار لعظم ثمرته وشرف نتيجته فمن ابتلى بالنقص أولى بملازمته كالصابون لدرنه والله تعالى أعلم.
باب ما يقول إذا عثرت دابته
بفتح المثلثة أي زلت دابته وفي القاموس عثر كضرب ونصر وعلم وكرم عثراً فهو مثلث العين في الماضي والمضارع. قوله: (عن أبي المليح) بفتح الميم وكسر اللام آخره مهملة واسمه عامر بن أسامة بن عمير ويقال: زيد بن أسامة بن عامر بن عمير وقيل غير ذلك. قوله: (التابعي) هو من اجتمع بالصحابي واختلف في أنه هل يعتبر طول المدة هنا بخلاف الصحابي لأن نور النبوة يؤثر في الزمن اليسير ما لا يؤثر غيره في زمن طويل أولاً وعلى الأول فقيل يعتبر سنة. قوله: (عن رجل) وكذا رواه أحمد لكن عن أبي تميمة عمن كان رديفاً للنبي ﷺ . قوله: (كنت رديف النبي ﷺ ) الرديف بوزن الشريف ويقال: الردف بكسر الراء وسكون الدال هذه اللغة الفصيحة وحكى القاضي عياض عن أبي علي الطبراني بفتح الراء وكسر الدال وهو الراكب خلف الراكب يقال منه ردفة يردفه بكسر الدال في الماضي وفتحها في المضارع إذا ركب خلفه وأردفته أنا وأصله من ركوبه على الردف وهو العجز قال القاضي: ولا وجه لما روى عن الطبراني إلا أن يكون فعل هذا اسم فاعل مثل عجل وزمن اهـ. قوله: (تعس) بفتح المثناة وكسر العين وبالسين المهملتين يقال: تعس يتعس إذا عثر وانكب لوجهه وقد تفتح العين وهو دعاء عليه بالهلاك كذا في النهاية وسيأتي في الأصل كلام الجوهري فيه. قوله: (تعاظم) أي لأنه يرى
стр. 2145
بِقُوَّتِي، وَلَكِنْ قُلْ: بِسْمِ الله، فإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حتَّى يَكونَ مِثْلَ الذُّبَابِ".
قلت: هكذا رواه أبو داود عن أبي المليح عن رجل هو رديف النبي ﷺ .
ورويناه في كتاب ابن السني عن أبي المليح عن أبيه، وأبوه صحابي اسمه أسامة على
الصحيح المشهور، وقيل فيه أقوال أُخر، وكلا الروايتين صحيحة متصلة، فإن الرجل المجهول في رواية أبي داود صحابي، والصحابة ﵃ كلهم عدول لا تضرُّ الجهالة بأعيانهم.
وأما قوله: تَعَس، فقيل: معناه: هلك، وقيل: سقط، وقيل: عثر، وقيل: لزمه الشرّ، وهو بكسر العين وفتحها، والفتح أشهر، ولم يذكر الجوهري في "صحاحه" غيره.
ــ
أنه نسب إليه حصول العثور ودعا عليه بالهلاك لسببه ولا فاعل إلا الله سبحانه ولذا قال في الحديث يقول: بقوتي عثرت الدابة أي إن قائل هذا اللفظ ربما توهم إن عثورها بقوة الشيطان فدعا عليه لذلك فنهى عنه. قوله: (بسم الله) أي أعوذ باسمه ومن عاذ بمولاه كفى شر أعدائه والشيطان للإنسان عدو مبين. قوله: (تصاغر) إذ لا بقاء للباطل عند وجود الحق بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. قوله: (هكذا رواه أبو داود) أي عن أبي المليح عن رجل مبهم من الصحابة ورواه أحمد عن أبي تميمة عمن كان رديف النبي ﷺ ويحتمل أن هذا المبهم هو أبو أبي المليح وأنه أبهمه تارة لغرض وصرح باسمه تارة أخرى ويحتمل أنه غيره وهو ظاهر كلام الشيخ هنا ولا يضر إبهامه وعدم تعيينه لأن الصحابة كلهم عدول.
قوله: (ورويناه في كتاب ابن السني) وكذا رواه النسائي بهذا اللفظ عن أبي المليح عن أبي
الحاكم وكان العزو إليه أولى منه إلى ابن السني وأخرجه الحاكم في المستدرك. قوله: (وأبوه صحابي اسمه أسامة) قيل: أسامة بن عمير وقيل ابن عامر بن عمير وقيل غير ذلك وسبقت ترجمته وترجمة أبيه في باب ما يقول بعد ركعتي سنة الصبح والله سبحانه أعلم.
стр. 2146
باب بيان أنه يستحبُّ لكبير البلد إذا مات الوالي أن يخطب النَّاس ويعظهم ويأمرهم بالصبر والثبات على ما كانوا عليه
روينا في الحديث الصحيح في خطبة أبي بكر الصديق ﵁ يوم وفاة النبيّ ﷺ وقوله ﵁: "من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت".
وروينا في "الصحيحين" عن جرير بن عبد الله أنه يوم مات المغيرة بن شعبة وكان أميراً على البصرة والكوفة: قام
ــ
باب بيان أنه يستحب لكبير البلد إذا مات الوالي أن يخطب النَّاس ويعظهم ويأمرهم بالصبر والثبات على ما كانوا عليه
قوله: (روينا في الحديث الصحجح) رواه البخاري من حديث ابن عباس. قوله: (ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) فيه تذكيرهم ووعظهم وأمرهم بالثبات على عبادة الحي الذي لا يموت سبحانه وتتمة الخبر قال الله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿اَلشَّاَكِرينَ﴾ قال: والله لكأن النّاس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها النّاس كلهم فما أسمع بشراً من النّاس إلا يتلوها. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) رواه البخاري في كتاب الإيمان بل هو آخر حديث في الإيمان منه ورواه مسلم. قوله: (يوم موت المغيرة بن شعبة) كان ذلك في سنة خمسين من الهجرة كما في الفتح وإنما خطبهم جرير آمراً بما في الخطبة لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلى اضطراب وفتنة لا سيما ما كان عليه أهل الكوفة: إذ ذاك من مخالفة ولاة الأمور. قوله: (وكان أميراً على البصرة والكوفة) المعروف أنه كان أميراً على الكوفة: فقط وذلك أيام معاوية ومات بها سنة خمسين وفي أوائل العسكري أول من جمع له العراقان زياد كان على البصرة وأعمالها إلى سنة خمسين فلما مات المغيرة بن شعبة بالكوفة وهو أميرها كتب معاوية إلى زياد بعهده إلى الكوفة: مع البصرة وكان
стр. 2147
جرير فحمِد الله تعالى وأثنى عليه وقال: عليكم باتِّقاء الله وحدَه لا شريك له، والوقار والسكينة حتى يأتيَكم أميرٌ فإنما يأتيكم الآن.
باب دعاء الإنسان لمن صنع معروفاً إليه أو إلى النَّاس كلهم أو بعضهم، والثناء عليه وتحريضه على ذلك
ــ
أول من جمعتا له فشخص إلى الكوفة: واستخلف على البصرة سمرة بن جندب ﵁ اهـ. قوله: (فحمد الله وأثنى عليه) قيل: العطف منه
على أصله من عطف المغاير فالحمد ثناء عليه سبحانه بالتحلي بأوصاف الكمال والثناء عليه أي بالتخلي والتنزه عن النقائض وقيل: هو من عطف العام على الخاص وقيل: هو من عطف الشيء على نفسه لتغاير اللفظين كما في قوله: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة كذا يستفاد من تحفة القاريء. قوله: (عليكم باتقاء الله) أي الزموا تقوى الله تعالى ومنها طاعة ولاة الأمور فيما ليس فيه معصية الخالق فاثبتوا على الطاعة وإن مات الأمير فسيأتي أمير ثان الآن. وقوله: (حتى يأتيكم أمير) أي بدل الأمير المتوفى وحتى غاية للأمر بالاتقاء الله وحده وتالييه من الوقار وهو الحلم والرزانة والسكينة أي السكوت المشار بهما إلى مصالح الدنيا ومفهوم الغاية من أن المأمور به ينتهي بمجيء الأمير ليس مراداً بل يلزم عند مجيئه بالأولى إذ شرط اعتبار المفهوم ألا يعارضه مفهوم الموافقة. قوله: (فإنما يأتيكم الآن) أراد بالآن كما قال الحافظ تقريب المدة تسهيلاً عليهم فإن معاوية لما بلغه موت المغيرة كتب إلى نائبه على البصرة وهو زياد أن يسير إلى الكوفة: أميراً عليها ويحتمل أن يراد بالآن حقيقته فيكون ذلك الأمير جريراً نفسه لما روى أن المغيرة استخلف جريراً على الكوفة: عند موته كذا في تحفة القاريء لشيخ الإسلام زكريا.
باب دعاء الإنسان لمن صنع معروفاً إليه أو إلى النَّاس كلهم أو بعضهم والثناء عليه وتحريضه -أي صانع المعروف- على الدوام عليه بالثناء عليه والدعاء له وتحريض الإنسان لمن صنع معروفاً والثناء عليه
стр. 2148
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "أتى النبيُّ ﷺ الخلاء، فوضعتُ له وضوءاً، فلما خرج قال: مَنْ وَضعَ هَذا؟ فأُخْبِرَ. قال: اللهُم فَقِّهْهُ" زاد البخاري "فَقِّهْهُ في الدِّينِ".
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي قتادة ﵁ في حديثه الطويل العظيم المشتمل على معجزات متعدّدات لرسول الله
ــ
قوله: (روينا في صحيحي البخارى ومسلم) قال في جامع الأصول بعد ذكر اختلاف الصحيحين في قوله: "في الدين" ما لفظه قال الحميدي وحكى أبو مسعود قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل قال: ولم أجده في الكتابين اهـ، وفي السلاح أن الحديث رواه النسائي. قوله: (الخلاء) هو بالمد موضع قضاء الحاجة. قوله: (وضوءاً) بفتح الواو على الأفصح أي ما يتوضأ به. قوله: (قال) أي بعد خروجه. قوله: (فأخبر) بالبناء للمفعول والمخبر به ميمونة لأنه كان في بيتها كذا في تحفة القارئ للشيخ زكريا لكن في صحيح مسلم فقالوا وفي رواية قلت: ابن عباس اهـ، ويمكن إنه وقع التبيين من كل منه ومن ميمونة ونسب البيان إلى باقي الجماعة في قوله: قالوا لأنهم مقرون بذلك قائلون به والله أعلم. قوله: (فقال اللهم فقهه) دعاء له سروراً بانتباهه مع صغر سنه إلى وضع الماء عند الخلاء وهو من أمور الدين ففيه الدعاء لمن أحسن في خدمته وإن الأدب فيما ذكر أن يليه الأصاغر وفيه دلالة على إجابة دعائه ﷺ لابن عباس لأنه صار فقيهاً أي فقيه.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) وفي شرح العمدة كان مع النبي ﷺ في سفر فنعس فدعمته غير مرة فقال: حفظك الله كما حفظت نبيه خرجه أبو داود وفي السلاح بعد أن أفرد الحديث بلفظ مختصر رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه اهـ. قوله: (المشتمل على معجزات الخ) منها إخبار بوصول الماء في غد فكان كذلك ومنها قوله لأبي قتادة في الحديث أحفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ فلما وصل إلى القوم صب أبو قتادة من تلك الميضأة على يد رسول الله ﷺ وروى القوم من آخرهم ففيها الأخبار عن مغيب أي
стр. 2149
- ﷺ قال: "فبينا رسولُ الله ﷺ يسير حتى ابهارَّ الليل وأنا إلى جنبه، فَنَعَس رسول الله ﷺ ، فمال عن راحلته، فأتيتُه فَدَعَمْتُهُ من غير أن أُوقِظَه حتى اعتدل على راحلته، ثم سار حتى تهوَّر الليلُ مال عن راحلته، فدعَمته من غير أن أُوقظه حتى اعتدل على راحلته، ثم سار حتى إذا كان من آخر السَّحَر مال ميلة هي أشدُّ من الميلتين الأوليين حتى كاد ينجفلُ، فأتيته فدعَمْتُه، فرفع رأسه فقال: مَنْ هَذَا؟ قلت: أبو قتادة، قال: مَتَى كانَ هَذَا مَسيرَكَ مِنِّي؟ قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة، قال: حَفِظَكَ الله بِما حَفِظْتَ بِهِ نَبيَّهُ .. "
ــ
يكون تلك الميضأة لها بناء وتكثير الماء ببركته ﷺ حتى كفى ذلك الجمع عن آخرهم وارتووا. قوله: (فبينا رسول الله ﷺ ) وفي نسخة من مسلم فبينما وأصلها بين أشبعت الفتحة فتولدت الألف في بينا وزيدت ما لكافة في بينما والجملة بعدها في محل جر بإضافة بينا أو بينما إليها كذا قال ابن هشام ونوقش فيه بما حاصله إن الجملة لا محل لها من الإعراب لأن ما كافة عن الإضافة فالجملة مستأنفة. قوله: (وأنا إلى جنبه) جملة حالية. قوله: (فنعس) بفتح النون والعين وبالسين المهملتين هو مقدمة النوم وهي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي على العين ولا تصل إلى القلب فإذا وصلت القلب كان نوماً ولا ينتقض الوضوء من النعاس مطلقاً وقدمت في أوائل الفصول أول الكتاب الفرق بين النوم والنعاس بزيادة إيضاح. قوله: (فدعمته) أي أقمت ميله من النوم وصرت تحته كالدعامة للبناء فوقها. قوله: (حتى اعتدل) أي استوى وعاد إلى حاله الذي كان قبل الميل بسبب النوم. قوله: (تهور الليل) قال الشيخ: أي ذهب معظمه وقال في شرح مسلم مأخوذون تهور الباء وهو انهدامه يقال: تهور الليل وتوهر. قوله: (قال: من هذا؟ قلت: أبو قتادة) فيه إنه إذا قيل للمستأذن ونحوه من هذا يقول: فلان باسمه وإنه لا بأس أن يقول أبو فلان إذا كان مشهوراً بكنيته. قوله: (حفظك الله بما حفظت به نبيه) الباء سببية وما فيه مصدرية قال
стр. 2150
وذكر الحديث.
قلت: ابهارّ، بوصل الهمزة وإسكان الباء الموحدة وتشديد الراء، ومعناه: انتصف، وقوله: تهوَّر: أي ذهب معظمه، وانجفل، بالجيم: سقط، ودعَمته: أسندته.
وروينا في كتاب الترمذي عن أسامة بن زيد ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ صُنِعَ إليهِ مَعْروفٌ فقالَ لِفاعِلِهِ: جَزَاكَ الله خَيراً، فَقَدْ أبْلَغَ في الثناءِ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروينا في سنن النسائي وابن ماجه وكتاب ابن السني عن عبد الله بن أبي ربيعة الصحابي ﵁ قال:
ــ
المصنف: أي بسبب حفظك نبيه، وفيه أنه يستحب لمن صنع إليه معروفة أن يدعو لفاعله. قوله: (وذكر الحديث) وفيه ذكر قضاء الفائتة وذكره مسلم في ذلك الباب. قوله: (دعمته أسندته) أي أقمت ميله الحاصل بسبب النوم حتى يعود لما كان عليه قبل الميل.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي) وكذا رواه النسائي وابن حبان كما في الجامع الصغير وبجانبه علامة الصحة وللحديث شواهد من حديث عائشة وأبي هريرة وغيرهما وقد ذكرت ذلك وبينت من خرجه في باب دعاء والضيف لأهل الطعام إذا فرغ من أكله. قوله: (جزاك الله خيراً) أي تولى الكريم جزاك بالخير والكريم إذا تولى الجزاء دل ذلك على سعة العطاء فمن دعا بذلك لأخيه فقد أبلغ في الثناء لأن القصد من الثناء عود أمر ملائم لصاحب الجميل من ذكره بالخير وهذا اللفظ لكون السؤال فيه بأمر ملائم له على الدوام أبلغ في المراد والمرام وقيل: بالغ في الثناء حيث أظهر عجزه عن جزائه وأحاله على ربه.
قوله: (وروينا في سنن النسائي) رواه النسائي في البيوع وفي عمل اليوم والليلة قاله الدميري في الديباجة. قوله: (عن عبد الله بن أبي ربيعة الصحابي ﵁ قال الدميري في الديباجة: اسم أبي ربيعة عمرو، قلت في أسد الغابة، وقيل: حذيفة وقيل: اسمه كنيته والأكثر يقول: اسمه عمرو وهو ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي وكنية عبد الله أبو عبد الرحمن وهو أخو عياش بن أبي ربيعة ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث وكان يقال له في الجاهلية العدل لأنه كان يكسو الكعبة
стр. 2151
"استقرض النبي ﷺ مِنِّي أربعين ألفاً، فجاءه مال فدفعه
إليَّ وقال: بارَكَ اللهُ لَكَ في أهْلِكَ ومَالِكَ، إنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الحَمْدُ
ــ
سنة وجميع أهل مكة يكسونها سنة أخرى وكان يعادلهم في ذلك فسموه عدلاً وأما قولهم: وضع على يدي عدل فقال ابن السكيت: هو العدل بن جزء بن سعد العشيرة وكان على شرطة تبع فكان تبع إذا أراد قتل رجل دفعه إليه فقال النّاس: وضع على يدي عدل ثم قيل ذلك لكل شيء أيس منه اهـ، وفي أسد الغابة عبد الله بن أبي ربيعة هو والد عمرو بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر المشهور كان اسم عبد الله في الجاهلية بجيراً فسماه ﷺ عبد الله وله يقول ابن الزبعرى:
بجير بن ذي الرمحين قرب مجلسي ... وراح علينا فضله غير عاتم
وكان أبو ربيعة يقال له: ذو الرمحين وكان عبد الله من أشراف قريش في الجاهلية وأسلم يوم الفتح وكان من أحسن النّاس وجهاً وهو الذي أرسلته قريش مع عمرو بن العاص إلى النجاشي في طلب الصحابة الذين كانوا بالحبشة وقيل: غيره وقيل: إنه الذي استجار بأم هانيء يوم الفتح وكان مع الحارث بن هشام فأراد على قتلهما فمنعته منهما وأتت النبي ﷺ فأخبرته بذلك فقال: أجرنا من أجرت يا أم هانيء ولاه رسول الله ﷺ الجند من اليمن ومخاليفها فلم يزل والياً عليهما حتى قتل عمر ﵁ وكان عمر قد أضاف إليه صنعاء ثم ولى عثمان الخلافة فولاه أيضاً فلما حصر عثمان جاء لينصره فسقط على راحلته بقرب مكة فمات يعد في أهل المدينة ومخرج حديثه عنهم ثم أخرج له حديث الباب وقال: رواه الثلاثة يعني ابن عبد البر وابن مسنده وأبا نعيم اهـ. قوله: (استقرض مني
النبي ﷺ أربعين ألفاً) هذا اللفظ لفظ الحديث عند ابن السني والذي في ابن ماجه أن النبي ﷺ استسلف منه حين غزا حنينا ثلاثين أو أربعين ألفاً بالشك والله أعلم. قال الدميري في الديباجة وجملة ما استسلفه عام الفتح مائة وثلاثون ألفاً استسلف من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم ومن
стр. 2152
والأدَاءُ".
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: "كان في الجاهلية بيت لخثعم يقال له: الكعبة اليمانية، ويقال له: ذو الخَلَصة، فقال لي رسول الله ﷺ : "هَلْ أنْت
ــ
عبد الله ابن أبي ربيعة أربعين ألفاً ومن حويطب بن عبد العزاى أربعين ألفاً قسم النبي ﷺ جميع ذلك بين أصحابه من أهل الضعف فكان يصيب الرجل الخمسين الدرهم أو أقل من ذلك ثم قضاها ﷺ داعياً لهم وقال جزاء القرض الحمد والثناء أي لأنه صنيع جميل ومعروف وقد ورد من صنع معكم معروفاً فكافئوه فإن لم تستطيعوا أن تكافئوه فكافئوه بالدعاء. قوله، (والأداء) أي أداء ماله الذي أقرضه ومعه الحمد جبراً لما صنعه من الجميل بقرضه وعند ابن ماجه الثناء في محل الأداء والمراد كما هو ظاهر إنهما له في مقابلة صنعه الجميل مع وفائه بماله من الحق وأدائه إليه.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) وكذا رواه أبو داود مختصراً كما في جامع الأصول. قوله: (لخثعم) بفتح المعجمة وسكون المثلثة وفتح المهملة قبيلة ينسبون إلى خثعم بن أنمار بن إراش بكسر الهمزة وبالمعجمة وإخوته لأبيه الغوث وعبقر وجهينة وخزيمة وأسهل وسهل وطريف وخزاعة والحارث بنو أنمار وأمهم بجيلة بنت صعب أخت باهل كذا في شرح البخاري لابن النحوي وبه يعلم وجه ما جاء في بعض رواياته بيت لخثعم وبجيلة يسمونه اليمانية بتخفيف الياء نسبة إلى اليمن وسموها كعبة مضاهاة للبيت الحرام وفي مسلم كان يقال لها: الكعبة اليمانية والكعبة الشامية قال ابن النحوي أي من أجله ومجيء له بمعنى من أجله لا ينكر. قوله: (ذو الخلصة) نائب فاعل وضمير له يعود إلى بيت خثعم أي يسمى البيت بالكعبة اليمانية وبذي الخلصة يقال: والخلصة بفتح أوليه وقيل بفتح الخاء وسكون اللام وقيل بفتحها وضم اللام وقيل بضمها والخلصة في اللغة نبت طيب الريح يتعلق بالشجر له حب كحب الثعلب وجمع الخلصة خلص ذكره أبو حنيفة وزعم المبرد أن
стр. 2153
مُرِيحي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟ " فنفرتُ إليه في مائة وخمسين فارساً من أحْمَسَ فَكَسَّرْناه، وقلنا من وجدنا عنده، فأتيناه فأخبرناه، فدعا لنا ولأحمس".
وفي رواية: "فبرَّك رسول الله ﷺ على خيلِ أَحْمَسَ ورجالها خمس مرات".
وروينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ أتى زمزم وهم يسقون
ــ
موضع ذي الخلصة الآن مسجد جامع لأهله يقال له: العبلات من أرض خثعم وكان بعث جرير إليه قبل موته ﷺ بشهرين أو نحوهما ذكره السهيلي. قوله: (مريحي) بضم الميم وكسر الراء وسكون التحتية بعدها مهملة اسم فاعل من أراح هكذا رواه البخاري في مناقب جرير وفي المغازي: ألا تريحني وفي الجهاد: هل تريحني بلفظ المضارع فيهما وسبب هذا المقال منه ﷺ كراهة أن يعبد غير الله تعالى. قوله: (فنفرت في مائة وخمسين الخ) وقع عند ابن سعد في طبقاته كان ذو الخلصة بيتاً لخثعم قال جرير: فنفرت في تسعين ومائة فارس من أحمس قال ابن النحوي: وهو خلاف رواية البخاري السالفة في المغازي أنه نفر في مائة وخمسين قلت: ويمكن الجمع بأن المائة والخمسين هي
خيار القوم كما قال في الحديث من أحسن عسكرنا وقيل العدد كالاتباع لأولئك المكثرين لسوادهم والله أعلم. قوله: (خيل أحمس) قال ابن النحوي: أحمس هذا بالحاء المهملة هو أحمس بجيلة وهو ابن الغوث بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبيت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ وهو غير أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وهما من حمس الرجل إذا شجع وإذا هاج وغضب فهو حمس وأحمس كرجل وأرجل والأصل فيه الشدة ومنه حمست الحرب وحمس الشيء إذا اشتد وكان يقال لقريش: الحمس أي المتشددون في دينهم ويقال لهم أيضاً: الأحماس وفي الحديث بركة دعائه ﷺ وكرر الدعاء لهم لحسن أثرهم في إذهاب هذا المنكر. قوله: (ورينا في صحيح البخاري الخ) أخرجه في المناسك. قوله: (وهم) أي العباس وذووه من آل عبد المطلب (يسقون)
стр. 2154
ويعملون فيها، فقال: "اعْمَلُوا فإنَّكمْ عَلى عَمَلٍ صَالِحٍ".
باب استحباب مكافأة المهدي بالدعاء للمهدى له إذا دعا له عند الهدية
روينا في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت: "أهديت لرسول الله ﷺ شاة، قال: اقسمِيها، فكانت عائشةُ إذا رجعتِ الخادمُ تقول: ما قالوا؟ تقول الخادم: قالوا: بارك الله فيكم، فتقول عائشةُ: وفيهم بارك الله، نردُّ عليهم مثل ما قالوا، ويبقى أجرنا لنا".
ــ
أي يحصل منهم السقي فهو من تنزيل المتعدي منزلة اللازم أنه من حذف المفعول للعموم أي يسقون كل النّاس لا يميزون شريفاً عن مشروف (ويعملون فيها) أي ينزحون منها الماء ويصبونه في الأحواض ليشربه النّاس. قوله: (على عمل صالح) هو نفع المسلمين العام لا سيما بهذا الشراب الذي به حياة النفوس والله أعلم.
باب استحباب مكافأة المهدي بالدعاء للمهدى له إذا دعا له عند الهدية
اللام لام التقوية والمهدي مفعول المكافأة وهو مصدر مضاف لفاعله والمراد يستحب أن يكافيء المهدي بصيغة اسم الفاعل بالدعاء المهدي له بصيغة اسم المفعول إذا دعا له عند وصول الهدية ليكون الدعاء في مقابلة الدعاء ويفوز بما سبق له من الفضل والعطاء. قوله: (إذا رجعت الخادم) ظرف لتقول أي تقول عائشة وقت رجوع الخادم. قوله: (ما قالوا) أي المهدي إليهم. قوله: (قالوا: بارك الله فيكم) أي طلباً لمكافأة الإحسان ببذل الدعاء. كقوله: (نرد عليهم) أي نرد عليهم دعاءهم مثل ابتدائهم بالدعاء إلينا ليكون الدعاء منا مقابل الدعاء لنا ويبقى لنا أجر ما لنا أي الأجر الكامل وإلا فالظاهر أن دعاء المتصدق عليه وسكوت المتصدق لا يذهب أجر صدقته والله أعلم.
стр. 2155
باب استحباب اعتذار من أهديت إليه هدية فردَّها لمعنى شرعي بأن يكون قاضياً أو والياً أو كان فيها شبهة أو كان له عذر غير ذلك
روينا في "صحيح مسلم" عن ابن عباس ﵄، أن الصعب
ــ
باب استحباب اعتذار من أهديت إليه هدية
أي مثلاً كمن تصدق عليه بصدقة أو ذهب هبة (وردها لمعنى شرعي بأن يكون قاضياً أو والياً) أي ولم يكن ذلك المهدي يهدى إليه قبل الولاية أو زاد بعدها وإلا فيجوز القبول فيثيب عليها (أو كان فيها شبهة) بأن كانت من أموال السلاطين أو القضاة الذين لا يتقيدون بالدين (أو كان له عذر غير ذلك) أي كالإحرام في حديث الباب بالنسبة لإهداء الحيوان الوحشي البري المأكول. قوله: (روينا في صحيح مسلم) قال القلقشندي في شرح العمدة بعد أن أورده صاحب المنن بلفظ فقال: إنا لم نرده عليك إلا إنا حرم: أخرجه مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والبخاري في الحج والهبة ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والإسماعيلي وأبو عوانة والدارقطني والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي والبغوي وغيرهم ووقع في الموطأ رواية ابن وهب وفي رواية لمسلم عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة فجعله من مسند ابن عباس وهو وهم والصواب أنه من مسند الصعب يرويه ابن عباس عنه اهـ. قوله: (إن الصعب بن جثامة) الصعب بفتح المهملة الأولى وإسكان الثانية آخره موحدة وجثامة ضبطه في الأصل بفتح الجيم تشديد المثلثة وبعدها ميم خفيفة ثم تاء تأنيث وهو الليثي الحجازي المدني الصحابي الجليل أخو محكم ابن جثامة قال في أسد الغابة: اسمه يزيد بن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر الشداخ قلت: قال القلقشندي لأنه شدخ الدماء بين بني أسد وخزاعة أي أهدرها -ابن عوف بن كعب بن عامر بن ليث ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي أمه زينب أخت أبي سفيان بن حرب حالف جثامة قريشاً وكان الصعب ينزل ودان والأبواء من أرض الحجاز وتوفي في خلافة أبي بكر ﵁ وتعقب ابن منده في قوله إنه شهد فتح فارس بأنه مناقض لكونه مات في أيام أبي بكر كما قاله ابن منده وغيره فإن فتح فارس إنما كان في زمن عمر رضي
стр. 2156
بن جثَّامة ﵁ أهدى إلى النبي ﷺ حمار وحش وهو مُحْرِم، فردَّه عليه وقال: "لَوْلا أنَّا مُحْرِمُون لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ".
قلت: جثامة بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة.
ــ
الله عنه اهـ، قلت: قال ابن حبان مات في آخر خلافة عمر وقال الحافظ ابن حجر الصحيح أنه عاش إلى خلافة عثمان وعلى هذا صح كونه شهد فتح فارس نعم فيه مخالفة بين كلاميه والله أعلم، قال القلقشندي: هاجر إلى النبي ﷺ وعداده في أهل الطائف وآخى النبي ﷺ بينه وبين عوف بن مالك روى له عن النبي ﷺ ستة عشر حديثاً أخرج الشيخان منها هذا الحديث الواحد وقال المزي روى الصعب ثلاثة أحاديث صعبة هذا الحديث
وحديث لا حمى إلا لله ورسوله وحديث أهل الدار يبيتون. قوله: (حمار وحش) هذه رواية الأكثر وقال الشافعي: إنها أثبت من رواية من روى لحم حمار وحش وقال الترمذي إنها محفوظة وهي ظاهرة في أنه كان بجملته حال حياته وترجم عليه البخاري باب إذا أهدى للمحرم حماراً وحشياً حياً لم يقبل وترجم عليه البيهقي نحوه ونقل أيضاً عن مالك وقال المصنف: ليس في سياق الحديث تصريح بذلك ونقلوا هذا التأويل عن مالك وهو باطل فإن الطرق التي أوردها مسلم صريحة في أنه مذبوح وأنه أهدى بعضه لأكله وتعقب إطلاقه بطلان التأويل قلت عند مسلم في بعض طرقه عجز حمار وحشي يقطر دماً وفي بعضها عنده من لحم حمار وحشي وجمع القرطبي بينهما باحتمال أن يكون أحضره له مذبوحاً ثم قطع منه عضواً بحضرته فقدمه له فمن قال: إنه أهدى حماراً أراد مذبوحاً بتمامه ومن قال: لحم حمار أراد ما قدمه له، قال: ويحتمل أن يكون من قال حماراً أطلق وأراد البعض مجازاً ويحتمل أنه أهداه له حياً فلما رده له ذكاه وأتاه بعضو منه لظنه أن الرد لمعنى يختص بجملته فأعلمه بامتناعه وإن حكم الجزء من الصيد حكم الكل قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات، وقال الشافعي في الأم إن كان الصعب أهدى الحمار للنبي ﷺ فليس للمحرم ذبح حمار وحشي حي وإن كان أهدي له لحماً فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه لأنه لا يحل له ما صيد له ولا يحتمل إلا هذين الوجهين، وفي
стр. 2157
باب ما يقول لمن أزال عنه أذى
روينا في كتاب ابن السني عن سعيد بن المسيب عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، أنه تناول من لحية رسول الله ﷺ أذىً، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَسَحَ اللهُ عَنْكَ يا أبا أيُّوب ما تَكْرَهُ".
وفي رواية عن سعد: أن أبا أيوب أخذ عن رسول الله ﷺ شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : "لا يَكُنْ بِكَ السُّوءُ
ــ
الحديث جواز أكل الحمار الوحشي وجواز الهدية وقبولها إن لم يكن مانع والاعتذار عن ردها تطييباً لقلب المهدي وإن الهبة لا تدخل في ملك الموهوب له إلا بالقبول.
باب ما يقول لمن أزال عنه أذى
بفتح الألف والمعجمة مقصوراً أي ما يؤذيه أو كل ما يتأذى عرفاً منه من وسخ على بدنه أو ثوبه. قوله: (مسح الله يا أبا أيوب ما تكره) وفي نسخ مسح الله عنك وكذا هو في أصل مصحح من كتاب ابن السني وهذا من قبيل ما سبق في حديث من صنع إليكم معروفاً فكافئوه الخ، وفي بهجة المجالس ونزهة الجالس للحافظ ابن عبد البر: وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال لأبي أيوب الأنصاري: "وقد نزع منه أذى نزع الله عنك أذى يا أيوب" وفيه أيضاً حديث الحسن البصري أن رجلاً تناول من رأس عمر بن الخطاب ﵁ شيئاً فتركه مرتين ثم تناول الثالثة فأخذ عمر بيده وقال: أرني ما أخذت فإذا هو لم يأخذ شيئاً فقال: انظروا إلى هذا قد صنع هذا ثلاث مرات يريني أنه يأخذ من رأسي شيئاً ولا يأخذه فإذا أخذ أحدكم من رأس أخيه شيئاً فليره إياه وقال الحسن: نهاهم أمير المؤمنين عن الملق قال الحسن: لو أن إنساناً أخذ من رأسي شيئاً قلت: صرف الله عنك السوء وكان محمد بن سيرين إذا أخذ أحد من لحيته أو رأسه قال: لأعدمت نافعاً.
قوله: (وفي رواية) أي لابن السني. قوله: (أخذ عن رسول الله ﷺ شيئاً) يحتمل أن تكون هي القصة الأولى لاتحاد المخرج ويؤذن به قول المصنف وفي رواية الخ، ولعله دعا بكل من الدعاءين فروى سعيد أحدهما تارة والآخر أخرى ويحتمل وهو
стр. 2158
يا أبا أيوب لا يكن بك السوء وروينا فيه عن عبد الله بن بكر الباهلي قال: أخذ عمر ﵁ من لحية رجل أو رأسه شيئاً، فقال الرجل: صرف الله عنك السوء، فقال عمر ﵁: صُرِفَ عنا السوءُ منذ أسلمنا، ولكن إذا أُخِذَ عنك شيء فقل: أخَذَتْ يداك خيراً.
باب ما يقول إذا رأى الباكورة من الثمر
ــ
الأقرب تعددها".
قوله: (لا يكن بك السوء) أي لا يوجد بك السوء لتنحيتك عن رسول الله ﷺ ما نحيت ولا دعائية والفعل بعدها مجزوم بها وتكرار الدعاء اهتماماً بشأن أبي أيوب والسوء ما يسوء الإنسان في نفسه أو أهله أو ماله فهو دعاء له بصرف كل سوء بنا على أن أل في السوء للاستغراق أو لصرف حقيقة السوء المنتفي بانتفائها كل ما يطلق عليه أنه سوء بناء على أن أل للجنس والله أعلم. قوله: (صرف الله عنك السوء) أي الكفر والعصيان الذي هو سوء الحال والمآكل وأما سائر ما يراه الإنسان من الامتحان في البدن أو الأهل أو المال فليس من السوء لأنه من نعمة المولى بعبده إذ يترقى به إلى المنازل العلا إن صبر على البلا فإن رضي به كان أسنى مقاماً وأعلى إنما السوء ما يؤول بالعبد إلى غضب الجبار وهو الإشراك بالله والعياذ بالله ومعاصيه وقد صرف ذلك عن المؤمنين بالإيمان فالدعاء به تحصيل الحاصل. قوله: (أخذت يداك خيراً) أي ثواباً لتنحية الأذى عن المؤمنين.
باب ما يقول إذا رأى الباكورة من الثمر
الباكورة بوزن فاعولة قال في النهاية أول كل شيء باكورته يقال: ابتكر الرجل إذا أكل باكورة الفواكه اهـ، والثمر بالمثناة وإسكان الميم ثمر النخل ويحتمل أن يقرأ بالمثلثة والميم المفتوحتين فيشمل سائر الثمار وهذا أنسب بإدخال المصنف حديث
стр. 2159
روينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النّاس إذا رأوْا أوَّل الثمر جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ ، فإذا أخذه رسولُ الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في ثَمرنا، وبارِكْ لنا في مَدِينَتِنا، وبارِك لنا في صاعِنا، وبارِك لنا في مُدِّنا،
ــ
ابن السني في الباب الشامل لباكورة كل الثمار.
قوله: (روينا في صحيح مسلم) وكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن السني في عمل اليوم والليلة. قوله: (كان النّاس إذا رأوا أول التمر جاءوا به إلى النبي ﷺ ) قال العلماء كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه في التمر والمدينة والصاع والمد وإعلاماً له ﷺ بابتداء صلاحها لما يتعلق بها من
الزكاة وغيرها وتوجيه الخارص كذا قال المصنف في شرح مسلم وهو يقتضي أنه التمر بالمثناة إذ الذي تجب فيه الزكاة من ثمر المدينة يومئذٍ ويتوجه له الخارص هو التمر لا غير وضبطه بعض شراح الشمائل بالمثلثة والميم المفتوحتين وظاهر أن المراد منه تمر النخل لأنه الذي كان حينئذ بالمدينة والباء في به للتعدية وفي الحديث أنه يستحب الإتيان بالباكورة لأكبر القوم علماً وعملاً. قوله: (اللهم بارك بنا في تمرنا) أي بالنمو والحفظ من الآفات. قوله: (وبارك لنا في مدينتنا) أي بكثرة الأرزاق وبقائها على أصلها وإقامة شعائر الإسلام فيها وإظهاره على غاية لا توجد في غيرها. قوله: (في صاعنا وبارك لنا في مدنا) بضم الميم وتشديد المهملة قال القاضي عياض: يحتمل أن تكون هذه البركة دنيوية بحيث يكفي المكيال فيها من لا يكفيهم إضعافه في غيرها وقد استجاب الله دعاءه ﷺ كما هو محسوس فالبركة بمعنى الزيادة في نفس مكيالها ويحتمل أنها آثاره الدينية بمعنى دوام أحكامه المتعلقة به في نحو الزكاة والكفارة فتكون البركة بمعنى الثبات والبقاء لها كبقاء الحكم ببقاء الشريعة ودوامها ويجوز أن يراد بالبركة في الكيل البركة في التصرف به بنحو تجارة حتى يزداد الربح ويتسع عيش أهلها أو إلى كثرة ما يكال بها من غلات المدينة وثمارها ويجوز أن تكون الزيادة فيما يكال بها لاتساع عيشهم وسعته بعد ضيقه لما فتح الله عليهم ووسع من فضله لهم
стр. 2160
ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر".
وفي رواية لمسلم أيضاً "بَرَكَةَ مع بركة، ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان".
وفي رواية الترمذي "أصغر وليد يراه".
وفي رواية لابن السني عن أبي هريرة رضي الله
ــ
وملكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر حتى كثر الحمل إلى المدينة واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في نفس الكيل فزاد مدهم فصار هاشمياً مثل مد النبي ﷺ مرتين أو مرة ونصفاً اهـ، ولا مانع من إرادة إحاطة البركة بالكل وقدم الثمار قضاء لحق المقام إذ هو مستدع لذلك ثم ذكر الصاع والمد اهتماماً بشأنهما ففي كلامه إجمال بعد تفصيل وتفصيل بعد إجمال وهو من اللطائف، والصاع مكيال معروفة وصاع المصطفى ﷺ الذي بالمدينة المشار إليه هنا أربعة أمداد وذلك خمسة أرطال وثلث بالبغدادي وقول الحنفية ثمانية أرطال منع بأن الزيادة عرف طار على عرف الشرع لما روي أن أبا يوسف اجتمع لما حج مع الرشيد بمالك بالمدينة فقال أبو يوسف: الصاع ثمانية أرطال فقال مالك: خمسة وثلث فأحضر مالك جماعة شهدوا بقوله فرجع أبو يوسف والمد رطل وثلث. قوله: (يدعو) أي ينادي. قوله: (أصغر وليد) بفتح الواو وكسر اللام أي المولود والمراد أن يدعو أصغر طفل فيعطيه ذلك التمر لشدة فرح الولدان وكثرة رغبتهم وشدة تلفتهم وتطلعهم للباكورة أو لكمال المناسبة بينهم وبين الباكورة في قرب عهدها بالإبداع وإنما لم يأكل منه قمعاً للشره الموجب لتناوله وكسراً للشهوة المقتضية لذوقه وإشارة إلى أن النفوس الزكية والأخلاق المرضية لا تتشوف إلى شيء من أنواع الباكورة إلا بعد عموم الوجود فيقدر كل أحد على تحصيله وفيه أن الآخذ للباكورة يسن أن يدعو بهذا الدعاء وإن وقت رؤية الباكورة مظنة إجابة الدعاء، ثم التقييد يكون الوليد له ﷺ عند مسلم في رواية
وليس هو عند غيره وحينئذٍ فيحتمل أن يقضي بما في مسلم على ما في غيره لأن المطلق يحمل على المقيد ويحتمل تأويل رواية مسلم لهذه بأن معنى كونه له أنه منتسب إليه
стр. 2161
تعالى عنه، رأيتُ رسولَ الله ﷺ ، إذا أتِيَ بباكورة وضعها على عينيه ثم على شفتيه وقال: "اللهُم كما أرَيْتنا أوَّلَهُ فأرِنا آخِرَهُ، ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان".
باب استحباب الاقتصاد في الموعظة والعلم
اعلم أنه يستحبُّ لمن وعظ جماعة، أو ألقى عليهم علماً، أن يقتصد في ذلك، ولا يطوِّل تطويلاً يُمِلُّهم، لئلا يضجَروا وتذهبَ حلاوتُه وجلالتُه من قلوبهم، ولئلا يكرهوا العلم وسماع الخير فيقعوا في المحذور.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن شقيق بن سلمة قال: "كان ابن مسعود ﵁ يُذكِّرنا في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذَكَرتنا كل يوم،
ــ
بكونه من أمته وهذا على كون الظرف مستقراً صفة لوليد ويحتمل أن يكون الظرف لغواً متعلقاً بقوله يدعو وعليه فقدم المفعول اهتماماً به والمعنى ثم يدعو لذلك التمر وليداً وعليه فيكون كالروايات الخالية منه وهذا أنسب بعلى مقامه الشريف أن لا يدفع ذلك لصغار قرابته والله أعلم. قوله: (وضعها على عينيه ثم على شفتيه) أي لقرب عهدها بتكوين الله تعالى كما كان يخرج يغتسل من ماء المطر ويقول: إنه قريب عهد بربه أي بتكوينه. قوله: (فأرنا آخره) أي فأبقنا حتى نرى آخره.
باب استحباب الاقتصاد في الموعظة والعلم
الموعظة: النصح والتذكير بالعواقب وعطف العلم عليها من عطف العام على الخاص. قوله: (ولا يطول تطويلاً يملهم) وكذا لا يجحف عليهم بالمجلس بحيث لا يستوفي ما يحتاج إليه لقصر المجلس فخير الأمور أوساطها والملل كراهة الشيء بعد استحلائه. قوله: (وتذهب حلاوته) أي لثقله عليه بسبب طوله. قوله: (فقال له رجل) قال الحافظ في فتح الباري: هذا المبهم يشبه أن يكون هو يزيد بن معاوية النخعي وفي سياق البخاري لهذا الحديث في أواخر الدعوات ما يرشد إليه اهـ. قوله: (لوددت) بكسر
стр. 2162
فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أمِلُّكم، وإني أتخوَّلكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخوَّلنا بها مخافة السآمة علينا".
وروينا في "صحيح مسلم" عن عمَّار بن ياسر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن طُولَ صلاةِ الرَّجُلِ وقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فأطِيلُوا الصَّلاةَ واقْصُرُوا الخُطْبَةَ".
ــ
المهملة الأولى أي أحببت وهو جواب قسم محذوف. قوله: (أما إنه) أما بالتخفيف حرف تنبيه أو بمعنى حقاً وقوله إنه بكسر الهمزة على الأول وبفتحها على الثاني والضمير للشأن والجملة بعده خبر وقوله: أني أكره بفتح الهمزة من: أني، فاعل يمنعني. قوله: (أملكم) بضم الهمزة أي أوقعكم في الملل وهو الضجر. وقوله: (وإني) بكسر الهمزة عطف على إنه على الأول أو استئناف على الثاني. قوله: (ويتخولنا) أي يتعاهدنا هذا هو المشهور في تفسيره قال القاضي عياض وقيل: يصلحنا وقال ابن الأعرابي ومعناه يتخذنا خولاً وقيل: يفاجئنا بها وقيل: يذللنا وقيل: يحبسنا
كما يحبس الإنسان خوله وهو بالخاء المعجمة عند الجميع وباللام إلا أبا عمرو بن العلاء فقال: الصواب يتخولنا بالنون ومعناه يتعهدنا وإلا أبا عمرو الشيباني فعنده بالمهملة أي يطلب حالاتهم وأوقات نشاطهم قال الحافظ ابن حجر: والصواب من حيث الرواية الأول وقد صح المعنى فيه. قوله: (مخافة السآمة علينا) أي السآمة الطارئة علينا أو ضمن السآمة معنى المشقة والصلة محذوفة: والتقدير والسآمة من الموعظة كذا في فتح الباري وفي تحفة القاريء، وعلينا متعلق بمخافة أو بالسآمة يتضمنها معنى المشقة أو صفة لها أي كراهة السآمة الطارئة علينا أو حال أي كراهة السآمة حال كونها طارئة علينا اهـ.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم) وكذا رواه أحمد كما في الجامع الصغير. قوله: (فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة) قال المصنف: الهمزة في واقصروا الخطبة همزة وصل
стр. 2163
قلت: مَئِنَّةٌ بميم مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة: أي علامة دالة على فقهه.
وروينا عن ابن شهاب الزهري ﵀ قال: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب.
باب فضل الدلالة على الخير والحث عليها
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
وروينا في "صحيح مسلم"
ــ
فقل عن ابن الصلاح إنه جاز كون الهمزة فيه همزة وصل وهمزة قطع وليس هذا الحديث مخالفاً للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة ولا لما ورد من كون خطبته قصدًا وصلاته قصداً لأن المراد بالحديث الذي نحن فيه أن الصلاة تكون بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلاً يشق على المؤمنين وهي حينئذٍ قصد أي معتدلة والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها. قوله: (قلت مئنة الخ) قال المصنف في شرح مسلم قال الأزهري والأكثرون الميم فيها زائدة وهي مفعلة قال الهروى قال الأزهري: غلط أبو عبيد في جعله الميم أصلية وقال القاضي عياض: قال شيخنا ابن سراج: هي أصلية اهـ. قوله: (وروينا عن ابن شهاب) رواه عنه. قوله: (كان للشيطان فيه نصيب) أي أنه يوسوس بما يؤدي إلى ترك جلالة العلم والنفرة عند والوقوع فيما لا ينبغي.
باب فضل الدلالة على الخير والحث عليها
الدلالة بتثليث الدال والحث بفتح المهملة وبالمثلثة المشددة التحريض والضمير في قوله: عليها يرجع للدلالة بمتعلقها أي والتحريض على الدلالة على الخير. قوله: (وتعاونوا على البر والتقوى) قال ابن عباس: البر ما أمرت به والتقوى ما نهيت عنه كذا في النهر ومما أمر به الدلالة على الخير لأنها من الأمر بالمعروف. قوله: (وروينا في صحيح وسلم الخ) تقدم الكلام على تخريج
الحديث وما يتعلق به في أوائل
стр. 2164
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيئاً، وَمَنْ دَعا إلى ضلالَةٍ كانَ عَلَيهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ آثامِهِمْ شَيئاً".
وروينا في "صحيح مسلم" أيضاً عن أبي مسعود الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دَل على خَيرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فاعِلِهِ".
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعليٍّ ﵁: "فواللهِ لأنْ يَهْدِيَ اللهُ بكَ رَجُلاً واحِداً خَيرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ".
وروينا في "الصحيح" قوله ﷺ : "وَاللهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ" والأحاديث في هذا الباب كثيرة في الصحيح مشهورة.
ــ
شرح الكتاب نعم اقتصر فيه ثمة على الأول من الشقين أي الدلالة على الهدى وذكره هنا بكماله. قوله: (ومن دعا إلى ضلالة) من أرشد غيره إلى فعل مأثم وإن قل أمر به أو أعانه عليه وفي شرح المشكاة لابن حجر الهيتمي لو تاب الداعي للإثم وبقي العمل به فهل ينقطع إثم دلالته بتوبته لأن التوبة تجب ما قبلها أولاً لأن شرطها رد الظلامة والإقلاع وما دام العمل بدلالته موجوداً فالفعل منسوب إليه فكأنه لم يرد ولم يقلع كل محتمل ولم أر في ذلك نقلاً والمنقدح الآن الثاني اهـ.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) هو بمعنى صدر حديث أبي هريرة السابق عليه. قوله: (خير لك من حمر النعم) يعني الإبل وذلك لأن خيرها حمرها وهي أحسن أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وليس عندهم شيء أعظم منها وتشبيههم الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب إلى الفهم وإلا فذرة من الآخرة خير من الأرض وما فيها وأمثالها معها. قوله: (وروينا في الصحيح) رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وسبق تخريجه أول الكتاب وذكر من خرجه من حديثه غير
стр. 2165
باب حثّ من سُئل علماً لا يعلمه ويعلم أن غيره يعرفه على أن يدله عليه
فيه الأحاديث الصحيحة المتقدمة في الباب قبله.
وفيه حديث: "الدين النصيحة" وهذا من النصيحة.
روينا في "صحيح مسلم" عن شريح بن هانيء قال: "أتيتُ عائشةَ ﵂ أسألُها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بعليّ بن أبي طالب ﵁ فاسْأَلْه، فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه ... " وذكر الحديث.
وروينا في "صحيح مسلم" الحديث الطويل في
ــ
مسلم أيضاً وخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في حديث طويل سبقت الإشارة إليه في الفصول أوائل الكتاب.
باب حث من سئل عما لا يعلمه ويعلم أن غيره يعرفه على أن يدل عليه
قوله: (على أن يدل عليه) متعلق بقوله حث وقوله أولاً لا يعلمه وثانياً يعرفه تفنن في التعبير أما إذا كان يعلمه فيذكره للسائل وإن كان عند غيره أيضاً نعم إن كان ذلك الغير أتقن فيه أشار إليه قالوا: أما إلقاء الحديث فالأولى ألا يحدث بحضرة من هو أولى منه بالتحديث لسنه أو علمه أو زهده أو سنده بل قيل: بكراهة التحديث وفي البلد من هو أولى منه قالوا: ولا يلتحق بذلك الافتاء وإقراء
العلم فقد كان الصحابة ﵃ يفتون في عهده ﷺ وفي بلده حسبما عقد ابن سعد في طبقاته لذلك باباً ولم يزل السلف والخلف على استفتاء المفضول وتدريسه مع وجود الفاضل وبحضرته والفرق بينه وبين التحديث ظاهر. قوله: (عن شريح بن هانئ) بضم المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية ثم حاء مهملة وهانئ بالهمزة في آخره وتقدم في كلام الأسماء أنه تابعي وأن أباه أبا شريح صحابي كناه ﷺ به بعد أن كان كنيته أبا الحكم الخ. قوله: (فقالت: عليك بعلي بن أبي طالب الخ) قال المصنف في شرح مسلم في الحديث من الأدب ما قاله العلماء أنه يستحب للمحدث
стр. 2166
قصة سعد بن هشام بن عامر لما أراد أن يسأل عن وِتْر رسول الله ﷺ ، فأتى ابنَ عباس يسأله عن ذلك، فقال ابنُ عباس: ألا أدلُّكَ على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قال: من؟ قال: عائشة فأتِها فاسْألها ... " وذكر الحديث.
وروينا في "صحيح البخاري" عن عِمْرانَ بن حِطَّانَ قال: سألتُ عائشةَ ﵂ عن الحرير، فقالت: ائت ابنَ عباس فاسْأَلْهُ، فقال: سل ابنَ عمر، فسألتُ ابنَ عمر، فقال: أخبرني أبو حفص -يعني عمرَ بنَ الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ في الدُّنْيا مَنْ لاَ خَلاَقَ لهُ في الآخِرَةِ".
قلت: لا خلاق: أي لا نصيب. والأحاديث الصحيحة بنحو هذا كثيرة مشهورة.
ــ
والمفتي إذا طلب منه ما يعلمه عند من هو أجل منه أن يرشده إليه، وإن لم يعرفه قال: سل عنه فلاناً. قوله: (سعد بن هشام بن عامر) الأنصاري يروي عن أبيه وعائشة وروي عنه زرارة بن أوفى والحسن وحميد بن هلال استشهد بمكران خرج عنه الستة كذا في الكاشف. قوله: (ألا أدلك على أعلم أهل الأرض الخ) قال المصنف فيه أنه يستحب للعالم إذا سئل عن شيء ويعرف أن غيره أعلم منه أن يرشد إليه السائل فإن الدين النصيحة ويتضمن مع ذلك الإنصاف والاعتراف بالفضل لأهله والتواضع اهـ. قوله: (عن عمران بن حطان) هو بكسر المهملة الأولى وتشديد الثانية وعمران يروي عن عمر وأبي موسى وجمع وعنه قتادة ومحارب بن دثار وعدة وثق وكان خارجياً مدح ابن ملجم روى عنه البخاري وأبو داود والنسائي كذا في الكاشف. قوله: (من لا خلاق له في الآخرة) قال الكرماني: أي لا نصيب له فيها يعني الكافر وقيل: من لا حرمة له اهـ، فإن قلت أحاديث الباب فيها دلالة العالم العارف بالمسألة للسائل على من هو أعلم منه بذلك والترجمة معقودة لدلالة من لا يعلم على من يعلم قلت: هي دالة على ما في الترجمة بالطريق الأولى لأنه إذا كان العالم مع علمه يدل على من هو أعلم به منه فدلالة من لا علم عنده على العالم به من باب أولى وهذا هو الأولى وقد تقدم في أول الباب جواز افتاء المفضول وتدريسه مع وجود الأفضل.
стр. 2167
باب ما يقول من دُعي إلى حكم الله تعالى
ينبغي لمن قال له غيره: بيني وبينك كتابُ الله أو سُنَّة رسول الله ﷺ ، أو أقوال علماء المسلمين، أو نحو ذلك، أو قال: اذهب معي إلى حاكم المسلمين، أو المفتي لفصل الخصومة التي بيننا، وما أشبه ذلك، أن يقول: سمعنا وأطعنا، أو سمعاً وطاعةً، أو نعم وكرامةً، أو شِبْه ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].
ــ
باب ما يقول من دعي إلى حكم الله تعالى
قوله: (ينبغي) أي يطلب على سبيل الندب وقوله: "أن يقول سمعنا وأطعنا الخ" فاعل ينبغي. قوله: (بيني وبينك) أي وصل بيني وبينك (كتاب الله) أي ما فيه من الأحكام فكتاب مبتدأ خبره ما قبله. قوله: (أو نحو ذلك) من المسألة المستنبطة من النص أو بطريق القياس له على غير المنصوص عليه. قوله: (ليفصل الخصومة) أي الحاكم بالإلزم والمفتي بتبيين حكم الله في ذلك. قوله: (أو شبه ذلك) أي من الألفاظ الدالة على كمال الانقياد والطاعة للحق الذي دعي إليه. قوله: (إنما كان قول المؤمنين) بالرفع. قوله: (سمعنا) أي قول رسول الله ﷺ (وأطعنا) أمره وإن كان ذلك مما تكرهه الأنفس، أي علامة الإيمان وشأن أهله تقديم طاعة الله تعالى على هوى النفس وإن كان مشقاً عليها قال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" قال الحافظ السيوطي في الإكليل في الآيات: وجوب الحضور على من دعي لحكم الشرع وتحريم الامتناع واستحباب أن يقول: سمعنا
стр. 2168
فصل: ينبغي لمن خاصمه غيرُه أو نازعه في أمر فقال له: اتَّقِ الله تعالى، أو خَفِ الله تعالى أو راقب الله، أو اعلم أن الله تعالى مطلع عليك، أو اعلم أن ما تقوله يكتب عليك وتحاسب عليه، أو قال له: قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] أو نحو ذلك من الآيات، وما أشبه ذلك من الألفاظ، أن يتأدَّب ويقول: سمعاً وطاعةً، أو أسأل الله تعالى التوفيقَ لذلك أو أسأل
الله الكريمَ لطفَه، ثم يتلطَّفُ في مخاطبة من قال له ذلك، وليحذرْ كل الحذر مِنْ تساهله عند
ــ
وأطعنا اهـ.
فصل
قوله: (راقب الله) أي اعمل عمل من يرى أن ربه ناظر إليه ومن كان من أهل ذلك الشهود منعه ذلك العصيان بحول الله وبه المستعان. قوله: (أو اعلم أن الله مطلع عليك) اعلم بصيغة الأمر خطاباً للخصم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فإذا كان كذلك فليحذر من وبال العصيان والمخالفة. قوله: (اعلم أن ما نقوله يكتب عليك وتحاسب عليه) قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ثم إن نوقش الإنسان الحساب هلك وإن تداركه ربه برحمته أدخله في جنته. قوله: (من الآيات) أي الدالة على الحساب في المآب والجزاء بالأعمال الحسنة والسيئة مثلاً بمثل وكما قيل: النّاس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر نعم إن تفضل المنان عفا عن السيئات وتفضل بالإحسان. قوله: (إن يتأدب) أي بأن يأتي بما
يدل على انقياده لحكم الله وإيمانه بذلك وتسليمه لما هنالك ويسأل التوفيق للقيام بحق هذه المسالك. قوله: (أو أسأل الله الكريم لطفه) أي إرادته الخير بنا في المآل وإسباغ الفضل علينا في كل حال فعند ذلك يظفر العبد بأسنى الأحوال. قوله: (وينبغي أن يتلطف في مخاطبة من قال له ذلك) أي يتلطف معه بالقول أو بالفعل وفي النهر لأبي حيان وقف يهودي لهارون الرشيد فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين فنزل عن دابته وخر
стр. 2169
ذلك في عبارته، فإن كثيراً من النّاس يتكلمون عند ذلك بما لا يليق، وربما تكلَّم بعضهم بم يكون كفراً، وكذلك ينبغي إذا قال له صاحبه: هذا الذي فعلتَه خلافُ حديثِ رسول الله ﷺ أو نحو ذلك، أن لا يقول: لا ألتزم الحديثَ، أو لا أعمل بالحديث، أو نحو ذلك من العبارات المستبشعة وإن كان الحديث متروك الظاهر لتخصيص أو تأويل أو نحو ذلك، بل يقول عند ذلك: هذا الحديث مخصوص أو متأوّل أو متروك الظاهر بالإجماع، وشبه ذلك.
باب الإعراض عن الجاهلين
قال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
ــ
ساجداً لله تعالى وقضى حاجته فقيل له في ذلك فقال: ذكرت قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّه﴾ الآية اهـ. قوله: (فإن كثيراً يتكلمون عند ذلك بما لا يليق) من الألفاظ الدالة على الامتناع وعدم الانقياد والتي فيها الغلاظة على الخصم ونحو ذلك قال السيوطي في الإكليل: قال ابن مسعود: من أكبر الذنب أن يقول الرجل لأخيه اتق الله فيقول عليك بنفسك أخرجه ابن المنذر اهـ. قوله: (بل يقول عند ذلك) المشار إليه هو كون الحديث متروك الظاهر لتخصيص أو تأويل أو نحوه. قوله: (أو متروك الظاهر بالإجماع) أي وذلك كالأمر بقتل السكران بعد الثالثة فإنه متروك الظاهر بالإجماع وليس المراد أن الإجماع هو الصارف للحديث عن ظاهره بل الصارف له مستند الإجماع الثابت عند أهله من كتاب أو سنة.
باب الإعراض عن الجاهلين
قوله: (خذ العفو الخ) قال في النهر: هذا خطاب لرسول الله ﷺ ويعم جميع أمته وهو أمر بجميع مكارم الأخلاق وقد أمر بذلك رسول الله ﷺ بقوله: "يسروا ولا تعسروا" وقال حاتم الطائي:
خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
وقال ابن النحوي في شرح البخاري: قال مجاهد فيما ذكره الطبري: خذ العفو من
стр. 2170
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
ــ
أخلاق النّاس وأعمالهم من غير تحبيس عليهم وعن ابن عباس: خذ العفو من أموال المسلمين وهو الفضل قال ابن جرير أمر بذلك قبل نزول الزكاة أي الصدقة كانت تؤخذ قبل الزكاة ثم نسخت بها والعرف المعروف كما ذكر البخاري ومنه صلة الرحم والعفو عمن ظلم وقال ابن الجوزي: العرف حكم والمعروف ما عرف من طاعة الله تعالى وقال الثعلبي: العرف والمعروف والعارفة كل خصلة حميدة وقال عطاء وأمر بالعرف لا إله إلا هو وأعرض عن الجاهلين أبي جهل وأصحابه وأخرج البخاري عن
ابن الزبير خذ العفو وأمر بالعرف قال: ما أنزل الله ذلك إلا في أخلاق النّاس وأخرج عن ابن الزبير أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق النّاس أو كما قال قتادة: هذه الآية أخلاق أمر الله نبيه بها قال ابن النحوي: قال البخاري وأولى هذه الأقوال قول ابن الزبير وما بعدها يدل له وإما ينزعنك من الشيطان نزغ اهـ. وفي الإكليل للحافظ السيوطي قال ابن الغرس: أي من أخلاق النّاس أخرجه البخاري وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق النّاس وقوله: وأمر بالعرف، قال ابن الغرس: المعنى اقض بكل ما عرفته النفوس مما لا يرده الشرع وهذا أصل القاعدة الفقهية في اعتبار العرف وتحتها مسائل كثيرة لا تحصى ثم أخرج في قوله: وأعرض عن الجاهلين حديث الحر بن قيس عند البخاري الآتي آخر الكتاب. قوله: (اللغو) الشتم والأذى من الكفار. قوله: (سلام عليكم) قيل هو متاركة أي سلمتم منا عن الشر وغيره قيل: وهو منسوخ بآية السيف. قوله: (لا نبتغي الجاهلين) أي لا نصحبهم وقيل: لا نبتغي دينهم وقيل: لا نريد أن يكونوا جهالاً وقال ابن النحوي في شرح البخاري وقيل: المراد أي من الجاهلين المؤلفة قلوبهم وهو ظاهر استشهاد الحر بن قيس أي في حديث البخاري الآتي في قصة عيينة مع عمر فهي منسوخة بآية السيف وقيل: إنما هي أمر
стр. 2171
وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩] ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥].
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناساً من أشراف العرب
ــ
باحتمال من ظلمه اهـ، وفي كونها منسوخة بآية السيف والمراد منها المؤلفة بعد لا يخفى بخلافها على القول الأول أي بأنه أمر بالإعراض عن الجاهلين أي الكافرين وتركهم بما لهم بعد الإنذار فالنسخ عليه ظاهر والله أعلم، وقال الكرماني: قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها ولعل ذلك إن المعاملة إما مع نفسه أو مع غيره والغير إما عالم أو جاهل أو لأن الأخلاق ثلاثة لأن القوى الإنسانية عقلية وشهوية وغضبية ولكل قوة فضل هي وسطها للعقلية الحكمة وبها الأمر بالمعروف وللشهوية العفة ومنها خذ العفو وللغضبية الشجاعة ومنها الإعراض عن الجهال اهـ. قوله: (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا) قال في النهر: موادعة منسوخة بآية السيف. قوله: (فاصفح الصفح الجميل) أعرض عنهم إعراضاً لا جزع فيه وهذا منسوخ بآية السيف أيضاً ومراد الشيخ من ذكر هذه الآية إن المؤمن مطلوب منه التخلق بالصفح الجميل وبالإعراض عن الجاهلين من المؤمنين عند صدور إساءة أدب من أحد منهم معه كما وقع له ﷺ من صبره على جفاة الأعراب وعفوه عما صدر منهم من سيئ الآداب.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) أي وهذا اللفظ لمسلم وعند البخاري فقال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فقال ﷺ : "لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر". قوله: (يوم حنين) بضم المهملة وفتح النون الأولى وسكون التحتية وهو حربه ﷺ مع هوازن وكان
بعد فتح مكة في شوال من ذلك العام. قوله: (آثر ناساً من أشراف العرب) أي تألفاً لهم وطلباً لتمكين الإيمان في قلوبهم كما في حديث الصحيحين عن سعد مرفوعاً إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه وممن أعطاه في ذلك اليوم صفوان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وأعطى كلاًّ منهم مائة من الإبل وكذا أعطى ناساً
стр. 2172
في القسمة، فقال رجل: والله إنّ هذه قِسْمةٌ ما عُدِل فيها، وما أريد فيها وجه الله تعالى، فقلت: والله لأخبرنَّ رسول الله ﷺ ، فأتيته فأخبرته بما قال، فتغيَّر وجهه حتى كان
ــ
من أشراف قريش تألفاً لهم. قوله: (في القسمة) أي في قسمة غنائم هوازن. قوله: (فقال رجل) جاء في البخاري من الأنصار قال ابن النحوي: هو غريب وأما الذي قال له: اعدل فهو ذو الخويصرة جاء ذكره في الحديث كما نبه عليه السهيلي وهو غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد وقال: اللهم ارحمني ومحمداً ويذكر عن ابن سعد كاتب الواقدي في أثناء ترجمة حرقوص بن زهير السعدي من سعد تميم وكان لحرقوص هذا مشاهد كثيرة محمودة في حرب العراق مع الفرس أيام عمر ثم كان خارجياً ولذا قال ﷺ : "إنه سيكون من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم" وذكر صفة الخوارج وليس ذو الخويصرة هذا ذا الثدية الذي قتله علي بالنهروان ذاك اسمه نافع ذكره أبو داود أي مرجحاً له على من سماه حرقوصاً والذي ذكره جماعة إنه حرقوص وقال في باب علامات النبوة بعد نقل كلام ابن سعد المعروف إن ذا الثدية اسمه حرقوص وهو الذي حمل على علي ليقتله فقتله علي وروي إن قائل ذلك كان أسود يوم حنين وقد أخبر ﵇ أنه لا يدخل النار من شهد بدراً والحديبية حاشا رجلاً معروفاً منهم قيل: حرقوص السعدي هو ذو الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد وقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً اهـ. وقد علمت إن الصحيح إن حرقوصاً هو ذو الخويصرة اليماني هو الذي قال: اعدل الخ وهو من الخوارج وهو غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد وقال: اللهم ارحمني ومحمداً وسمى الشيخ زكريا في تحفة القارئ إن الرجل الذي قال هذه قسمة الخ معتب بن قشير. قوله: (إن هذه قسمة ما عدل فيها أو ما أريد بها وجه الله) قال المصنف في شرح مسلم قال القاضي عياض: حكم الشرع إن من سب النبي ﷺ كفر وقتل ولم يذكر في هذا الحديث إن هذا الرجل قتل قال المازري يحتمل إنه لم يفهم
стр. 2173
كالصِّرف ثم قال: فمَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ يَعْدِل الله وَرَسُولُهُ، ثم قال: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ".
قلت: الصِّرف بكسر الصاد المهملة وإسكان الراء: وهو صبغ أحمر.
وروينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ قال: قَدِم عُيينة بن حصن بن حذيفة،
ــ
عنه الطعن في النبوة وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة والمعاصي ضربان كبائر وصغائر فهو ﷺ معصوم من الكبائر بالإجماع واختلفوا في إمكان وقوع الصغائر ومن جوزها منع من إضافتها إلى الأنبياء على طريق التنقص وحينئذ فلعله ﷺ لم يعاقب هذا القائل لأنه لم يثبت عليه ذلك وإنما نقله عنه واحد وشهادة الواحد لا يراق بها الدم قال القاضي: هذا تأويل باطل يدفعه قوله: اعدل يا محمد واتق الله يا محمد وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ حتى استأذن عمر وخالد النبي ﷺ في قتله فقال: معاذ الله أن يتحدث إن محمداً ﷺ يقتل أصحابه فهذه هي العلة وسلك معه مسلك غيره من المنافقين الذين آذوه وسمع منهم في غير موطن ما كرهه لكنه صبر استبقاء لانقيادهم وتأليفاً لغيرهم لئلا يتحدث النّاس أنه يقتل أصحابه فينفروا وقد رأى النّاس هذا الصنف في جماعاتهم وعدوه في جملتهم اهـ، وظاهر كلام القاضي عياض إن
قائل هذه قسمة ما أريد بها الخ، هو قائل: اعدل يا محمد وقد عرفت من كلام ابن الملقن والشيخ زكريا إنهما اثنان فإن قائل: اعدل الخ، جاء في البخاري التصريح بأنه ذو الخويصر التميمي وقائل إنها قسمة جاء في الصحيح أيضاً التصريح بأنه من الأنصار وسماه الشيخ زكريا معتب بن قشير والله أعلم. قوله: (كالصرف الخ) ضبطه في الأصل هو بكسر الصاد المهملة وإسكان الراء صبغ أحمر زاد في شرح مسلم يصبغ به الجلود قال ابن دريد وقد يسمى الدم أيضاً صرفاً اهـ. وفي الحديث مزيد صفحه وحلمه وإعراضه عن جهل الجاهلين وعدم انتصاره لحق نفسه.
قوله: (وروينا في صحيح البخاري الخ) رواه في كتاب التفسير والاعتصام من صحيحه. قوله: (قدم عيينة بن حصن بن حذيفة) عيينة بضم العين المهملة وفتح التحتية وبعد الثانية نون ثم هاء وحصن بكسر
стр. 2174
فنزل على ابن أخيه الحُرّ بن قيس، وكان من النَّفَرِ الذين
ــ
المهملة الأولى وسكون الثانية وحذيفة بضم المهملة وفتح المعجمة بعدها تحتية ففاء فهاء مصغر ابن بدر بن عمرو بن حوبة بن لوذان المزاري يكنى أبا مالك أسلم بعد الفتح وقيل: قبل الفتح شهد الفتح مسلماً وشهد حنيناً والطائف أيضاً وكان من المؤلفة قلوبهم ومن الأعراب الحفاة قيل: إنه دخل على النبي ﷺ من غير إذن فقال له: أين الإذن؟ فقال: ما استأذنت على أحد من مضر وكان ممن ارتد وتبع طليحة الأسدي وقاتل معه وأخذ أسيراً وحمل إلى أبي بكر ﵁ فكان صبيان المدينة يقولون له: يا عدو الله أكفرت بعد إيمانك فيقول ما آمنت بالله طرفة عين فأسلم فأطلقه أبو بكر وكان عيينة في الجاهلية من الحرارين كان يقود عشرة آلاف وتزوج عثمان بن عفان ابنته فدخل عليه يوماً فأغلظ له فقال عثمان: لو كان عمر ما أقدمت عليه فقال: إن عمر أعطانا فأغنانا وأحشانا فأبقانا وقال أبو وائل سمعت عيينة بن حصن يقول لابن مسعود: أنا ابن الأشياخ الشم فقال عبد الله ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كذا في أسد الغابة وترجمة المصنف كذا في التهذيب مختصراً. قوله: (فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس) بضم المهملة الأولى وتشديد الراء وأبوه قيس هو ابن حصن بن بدر الفزاري والحر صحابي أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك وهو الذي تمارى مع ابن عباس في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقائه فقال ابن عباس: هو الخضر فسأل عنه أبي بن كعب فذكر فيه خبراً مرفوعاً عنه ﷺ والحديث كذلك أخرجه البخاري في كتاب العلم وغيره وهذا غير خلاف ابن عباس مع نوف البكالي المروى في الصحيحين أيضاً فإن ذاك في أن موسى طالب الخضر هل هو ابن عمر إن صاحب التوراة أو موسى بن ميشا بكسر الميم وسكون التحتية بعدها معجمة قال العلائي: كان للحر بن شيعي وابنة حرورية وامرأة معتزلة وأخت مرجية فقال لهم: الحر أنا وأنتم كما قال تعالى: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قوله: (وكان من النفر) هو بفتح أوليه الرهط من الثلاثة
стр. 2175
يُدنيهم عمر ﵁، وكان القُرَّاءُ أصحابَ مجلس عمر ﵁ ومشاورته، كُهُولاً كانوا أو شباناً،
فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، فاستأذنَ، فأذن له عمر، فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم فينا بالعَدْلِ، فغضب عمر ﵁ حتى همَّ أن يُوقِعَ به، فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه
ــ
إلى العشرة اسم جمع لا واحد له من لفظه. قوله: (يدنيهم) أي يقربهم. قوله: (كهولاً) بضم الكاف قال ابن النحوي الكهل الذي وخطه الشيب قاله ابن فارس وقال المبرد هو
ابن ثلاث وثلاثين سنة قال في تحفة القاريء على البخاري في كتاب الرقاق قال الأطباء: سن الطفولية ما قبل البلوغ وسن الشباب وهو خمس وثلاثون سنة وسن الكهولة وهو خمسون سنة وسن الشيخوخة وهو ستون اهـ. وبه يعلم أن الثلاث والثلاثين ابتداء الكهولة أي ويستمر هذا الوصف إلى بلوغ الستين ويحتمل إنهما قولان متعارضان في ابتداء الكهولة فذاك قول بعض اللغويين والثاني قول الأطباء وعليه فابن الثلاث والثلاثين فما فوقه إلى الخمسين شاب والله أعلم. قوله: (شباناً) بضم الشين المعجمة وتشديد الموحدة جمع شاب وفي نسخة شباباً بفتح الشين وبموحدتين أولاهما مخففة وفيه مؤازرة الإِمام أهل الفضل والعلم. قوله: (فلما دخل) معطوف على مقدر أي فدخل فلما دخل. قول: (هي) قال في تحفة القارئ كسر الهاء وسكون التحتية كلمة تهديد وقيل هي ضمير وثم محذوف أي هي داهية وفي نسخة هيه بهاء السكت في آخره وفي أخرى آيه وهما بمعنى كما قال ابن الأثير يقال: إيه بالكسر بلا تنوين أي زدني من الحديث المعهود بيننا وآية بالتنوين أي زدني من حديث ما غير معهود. قوله: (ما تعطينا الجزل) قال ابن النحوي: ما تجزل لنا من العطايا وأصل الجزل ما عظم من الحطب. قوله: (حتى هم) أي أراد. قوله: (يوقع به) أي شيئاً من العقوبة لجفائه وسوء أدبه معه. قوله: (إن الله قال لنبيه