← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩] ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناساً من أشراف العرب ــ باحتمال من ظلمه اهـ، وفي كونها منسوخة بآية السيف والمراد منها المؤلفة بعد لا يخفى بخلافها على القول الأول أي بأنه أمر بالإعراض عن الجاهلين أي الكافرين وتركهم بما لهم بعد الإنذار فالنسخ عليه ظاهر والله أعلم، وقال الكرماني: قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها ولعل ذلك إن المعاملة إما مع نفسه أو مع غيره والغير إما عالم أو جاهل أو لأن الأخلاق ثلاثة لأن القوى الإنسانية عقلية وشهوية وغضبية ولكل قوة فضل هي وسطها للعقلية الحكمة وبها الأمر بالمعروف وللشهوية العفة ومنها خذ العفو وللغضبية الشجاعة ومنها الإعراض عن الجهال اهـ. قوله: (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا) قال في النهر: موادعة منسوخة بآية السيف. قوله: (فاصفح الصفح الجميل) أعرض عنهم إعراضاً لا جزع فيه وهذا منسوخ بآية السيف أيضاً ومراد الشيخ من ذكر هذه الآية إن المؤمن مطلوب منه التخلق بالصفح الجميل وبالإعراض عن الجاهلين من المؤمنين عند صدور إساءة أدب من أحد منهم معه كما وقع له ﷺ من صبره على جفاة الأعراب وعفوه عما صدر منهم من سيئ الآداب. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) أي وهذا اللفظ لمسلم وعند البخاري فقال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فقال ﷺ : "لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر". قوله: (يوم حنين) بضم المهملة وفتح النون الأولى وسكون التحتية وهو حربه ﷺ مع هوازن وكان بعد فتح مكة في شوال من ذلك العام. قوله: (آثر ناساً من أشراف العرب) أي تألفاً لهم وطلباً لتمكين الإيمان في قلوبهم كما في حديث الصحيحين عن سعد مرفوعاً إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه وممن أعطاه في ذلك اليوم صفوان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وأعطى كلاًّ منهم مائة من الإبل وكذا أعطى ناساً

стр. 2172

في القسمة، فقال رجل: والله إنّ هذه قِسْمةٌ ما عُدِل فيها، وما أريد فيها وجه الله تعالى، فقلت: والله لأخبرنَّ رسول الله ﷺ ، فأتيته فأخبرته بما قال، فتغيَّر وجهه حتى كان ــ من أشراف قريش تألفاً لهم. قوله: (في القسمة) أي في قسمة غنائم هوازن. قوله: (فقال رجل) جاء في البخاري من الأنصار قال ابن النحوي: هو غريب وأما الذي قال له: اعدل فهو ذو الخويصرة جاء ذكره في الحديث كما نبه عليه السهيلي وهو غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد وقال: اللهم ارحمني ومحمداً ويذكر عن ابن سعد كاتب الواقدي في أثناء ترجمة حرقوص بن زهير السعدي من سعد تميم وكان لحرقوص هذا مشاهد كثيرة محمودة في حرب العراق مع الفرس أيام عمر ثم كان خارجياً ولذا قال ﷺ : "إنه سيكون من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم" وذكر صفة الخوارج وليس ذو الخويصرة هذا ذا الثدية الذي قتله علي بالنهروان ذاك اسمه نافع ذكره أبو داود أي مرجحاً له على من سماه حرقوصاً والذي ذكره جماعة إنه حرقوص وقال في باب علامات النبوة بعد نقل كلام ابن سعد المعروف إن ذا الثدية اسمه حرقوص وهو الذي حمل على علي ليقتله فقتله علي وروي إن قائل ذلك كان أسود يوم حنين وقد أخبر ﵇ أنه لا يدخل النار من شهد بدراً والحديبية حاشا رجلاً معروفاً منهم قيل: حرقوص السعدي هو ذو الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد وقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً اهـ. وقد علمت إن الصحيح إن حرقوصاً هو ذو الخويصرة اليماني هو الذي قال: اعدل الخ وهو من الخوارج وهو غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد وقال: اللهم ارحمني ومحمداً وسمى الشيخ زكريا في تحفة القارئ إن الرجل الذي قال هذه قسمة الخ معتب بن قشير. قوله: (إن هذه قسمة ما عدل فيها أو ما أريد بها وجه الله) قال المصنف في شرح مسلم قال القاضي عياض: حكم الشرع إن من سب النبي ﷺ كفر وقتل ولم يذكر في هذا الحديث إن هذا الرجل قتل قال المازري يحتمل إنه لم يفهم

стр. 2173

كالصِّرف ثم قال: فمَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ يَعْدِل الله وَرَسُولُهُ، ثم قال: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ". قلت: الصِّرف بكسر الصاد المهملة وإسكان الراء: وهو صبغ أحمر. وروينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ قال: قَدِم عُيينة بن حصن بن حذيفة، ــ عنه الطعن في النبوة وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة والمعاصي ضربان كبائر وصغائر فهو ﷺ معصوم من الكبائر بالإجماع واختلفوا في إمكان وقوع الصغائر ومن جوزها منع من إضافتها إلى الأنبياء على طريق التنقص وحينئذ فلعله ﷺ لم يعاقب هذا القائل لأنه لم يثبت عليه ذلك وإنما نقله عنه واحد وشهادة الواحد لا يراق بها الدم قال القاضي: هذا تأويل باطل يدفعه قوله: اعدل يا محمد واتق الله يا محمد وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ حتى استأذن عمر وخالد النبي ﷺ في قتله فقال: معاذ الله أن يتحدث إن محمداً ﷺ يقتل أصحابه فهذه هي العلة وسلك معه مسلك غيره من المنافقين الذين آذوه وسمع منهم في غير موطن ما كرهه لكنه صبر استبقاء لانقيادهم وتأليفاً لغيرهم لئلا يتحدث النّاس أنه يقتل أصحابه فينفروا وقد رأى النّاس هذا الصنف في جماعاتهم وعدوه في جملتهم اهـ، وظاهر كلام القاضي عياض إن قائل هذه قسمة ما أريد بها الخ، هو قائل: اعدل يا محمد وقد عرفت من كلام ابن الملقن والشيخ زكريا إنهما اثنان فإن قائل: اعدل الخ، جاء في البخاري التصريح بأنه ذو الخويصر التميمي وقائل إنها قسمة جاء في الصحيح أيضاً التصريح بأنه من الأنصار وسماه الشيخ زكريا معتب بن قشير والله أعلم. قوله: (كالصرف الخ) ضبطه في الأصل هو بكسر الصاد المهملة وإسكان الراء صبغ أحمر زاد في شرح مسلم يصبغ به الجلود قال ابن دريد وقد يسمى الدم أيضاً صرفاً اهـ. وفي الحديث مزيد صفحه وحلمه وإعراضه عن جهل الجاهلين وعدم انتصاره لحق نفسه. قوله: (وروينا في صحيح البخاري الخ) رواه في كتاب التفسير والاعتصام من صحيحه. قوله: (قدم عيينة بن حصن بن حذيفة) عيينة بضم العين المهملة وفتح التحتية وبعد الثانية نون ثم هاء وحصن بكسر

стр. 2174

فنزل على ابن أخيه الحُرّ بن قيس، وكان من النَّفَرِ الذين ــ المهملة الأولى وسكون الثانية وحذيفة بضم المهملة وفتح المعجمة بعدها تحتية ففاء فهاء مصغر ابن بدر بن عمرو بن حوبة بن لوذان المزاري يكنى أبا مالك أسلم بعد الفتح وقيل: قبل الفتح شهد الفتح مسلماً وشهد حنيناً والطائف أيضاً وكان من المؤلفة قلوبهم ومن الأعراب الحفاة قيل: إنه دخل على النبي ﷺ من غير إذن فقال له: أين الإذن؟ فقال: ما استأذنت على أحد من مضر وكان ممن ارتد وتبع طليحة الأسدي وقاتل معه وأخذ أسيراً وحمل إلى أبي بكر ﵁ فكان صبيان المدينة يقولون له: يا عدو الله أكفرت بعد إيمانك فيقول ما آمنت بالله طرفة عين فأسلم فأطلقه أبو بكر وكان عيينة في الجاهلية من الحرارين كان يقود عشرة آلاف وتزوج عثمان بن عفان ابنته فدخل عليه يوماً فأغلظ له فقال عثمان: لو كان عمر ما أقدمت عليه فقال: إن عمر أعطانا فأغنانا وأحشانا فأبقانا وقال أبو وائل سمعت عيينة بن حصن يقول لابن مسعود: أنا ابن الأشياخ الشم فقال عبد الله ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كذا في أسد الغابة وترجمة المصنف كذا في التهذيب مختصراً. قوله: (فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس) بضم المهملة الأولى وتشديد الراء وأبوه قيس هو ابن حصن بن بدر الفزاري والحر صحابي أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك وهو الذي تمارى مع ابن عباس في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقائه فقال ابن عباس: هو الخضر فسأل عنه أبي بن كعب فذكر فيه خبراً مرفوعاً عنه ﷺ والحديث كذلك أخرجه البخاري في كتاب العلم وغيره وهذا غير خلاف ابن عباس مع نوف البكالي المروى في الصحيحين أيضاً فإن ذاك في أن موسى طالب الخضر هل هو ابن عمر إن صاحب التوراة أو موسى بن ميشا بكسر الميم وسكون التحتية بعدها معجمة قال العلائي: كان للحر بن شيعي وابنة حرورية وامرأة معتزلة وأخت مرجية فقال لهم: الحر أنا وأنتم كما قال تعالى: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قوله: (وكان من النفر) هو بفتح أوليه الرهط من الثلاثة

стр. 2175

يُدنيهم عمر ﵁، وكان القُرَّاءُ أصحابَ مجلس عمر ﵁ ومشاورته، كُهُولاً كانوا أو شباناً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، فاستأذنَ، فأذن له عمر، فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم فينا بالعَدْلِ، فغضب عمر ﵁ حتى همَّ أن يُوقِعَ به، فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه ــ إلى العشرة اسم جمع لا واحد له من لفظه. قوله: (يدنيهم) أي يقربهم. قوله: (كهولاً) بضم الكاف قال ابن النحوي الكهل الذي وخطه الشيب قاله ابن فارس وقال المبرد هو ابن ثلاث وثلاثين سنة قال في تحفة القاريء على البخاري في كتاب الرقاق قال الأطباء: سن الطفولية ما قبل البلوغ وسن الشباب وهو خمس وثلاثون سنة وسن الكهولة وهو خمسون سنة وسن الشيخوخة وهو ستون اهـ. وبه يعلم أن الثلاث والثلاثين ابتداء الكهولة أي ويستمر هذا الوصف إلى بلوغ الستين ويحتمل إنهما قولان متعارضان في ابتداء الكهولة فذاك قول بعض اللغويين والثاني قول الأطباء وعليه فابن الثلاث والثلاثين فما فوقه إلى الخمسين شاب والله أعلم. قوله: (شباناً) بضم الشين المعجمة وتشديد الموحدة جمع شاب وفي نسخة شباباً بفتح الشين وبموحدتين أولاهما مخففة وفيه مؤازرة الإِمام أهل الفضل والعلم. قوله: (فلما دخل) معطوف على مقدر أي فدخل فلما دخل. قول: (هي) قال في تحفة القارئ كسر الهاء وسكون التحتية كلمة تهديد وقيل هي ضمير وثم محذوف أي هي داهية وفي نسخة هيه بهاء السكت في آخره وفي أخرى آيه وهما بمعنى كما قال ابن الأثير يقال: إيه بالكسر بلا تنوين أي زدني من الحديث المعهود بيننا وآية بالتنوين أي زدني من حديث ما غير معهود. قوله: (ما تعطينا الجزل) قال ابن النحوي: ما تجزل لنا من العطايا وأصل الجزل ما عظم من الحطب. قوله: (حتى هم) أي أراد. قوله: (يوقع به) أي شيئاً من العقوبة لجفائه وسوء أدبه معه. قوله: (إن الله قال لنبيه

стр. 2176

- ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله تعالى. باب وعظ الإنسان من هو أجلّ منه فيه حديث ابن عباس في قصة عمر ﵁ في الباب قبله. اعلم أن هذا الباب مما تتأكَّد العناية به، فيجب على الإنسان النصيحةُ، والوعظُ، والأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر لكل صغير وكبير إذا لم يغلب على ظنه تَرَتُّبَ مفسدةٍ على وَعظِهِ، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ــ ﷺ ) أي وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. قوله: (وإن هذا من الجاهلين) أي من المؤلفة الذين قيل إنهم المرادون من الآية كما سبق عن ابن النحوي بما فيه. باب وعظ الإنسان من هو أجل منه أي أداء لحق النصيحة المأمور بها لعامة المؤمنين. قوله: (حديث ابن عباس) أي في قصة عيينة مع عمر وقول الحر لعمر مذكراً له بكتاب الله ومحرضاً له على الوقوف عنده إن الله قال لنبيه الخ. قوله: (النصيحة) أي بذكر ما فيه الخير للمنصوح له في الدارين فإن تعارضا راعى مصلحة الدين لدوام نفعه وأشار به وقدمه على ما يقتضي صلاح الدنيا. قوله: (إذا لم يغلب على ظنه ترتب مفسدة على وعظه) وإلا ترك الوعظ حينئذ دفعاً لأعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما وذلك كما إذا رأى إنساناً يظلم محترماً ويأخذ ماله ويعلم الرجل إنه إذا وعظه أداه جهله إلى قتل ذلك المظلوم أو وقع في مكفر من قول أو فعل فيترك الوعظ والتذكير حينئذٍ دفعاً لأعظم المفسدتين. قوله: (ادع إلى سبيل ربك) قال ابن الجوزي في زاد المسير السبيل قال مقاتل: هو دين الإسلام وفي المراد بالحكمة ثلاثة أقوال فقيل: القرآن رواه أبو صالح عن ابن عباس وقيل: الفقه رواه الضحاك عن ابن عباس وقيل: النبوة قاله

стр. 2177

وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وأما الأحاديث بنحو ما ذكرنا فأكثر من أن تحصر. وأما ما يفعله كثير من النّاس من إهمال ذلك ــ الزجاج (والموعظة الحسنة) قيل: مواعظ القرآن قاله أبو صالح عن ابن عباس وقيل: الأدب الجميل الذي تعرفونه قاله الضحاك وعن ابن عباس (وجادلهم بالتي هي أحسن) قيل: بالقرآن وقيل: بلا إله إلا الله، رويا عن ابن عباس وقيل: جادلهم غير فظ ولا غليظ ولين لهم جانبك قاله الزجاج قال بعض علماء التفسير وهذا منسوخ بآية السيف اهـ، ووجه مناسبة الآية للباب أنه تعالى أمر نبيه ﷺ بدعاء الخلق إلى سبيل الحق بالموعظة الحسنة وأمته مأمورون بما أمر به مقتدون بة فيما لم يقم الدليل على اختصاصه به. قوله: (وأما الأحاديث بنحو ما ذكرناه فأكثر من أن تحصر) أي الأحاديث المشتملة على عرض المفضول على الإِمام ما بدا له وظهر له صوابه فأكثر من أن تحصر فمن ذلك قول عمر ﵁ في حديث أبي هريرة عند مسلم لما أعطاه ﷺ نعليه وقال: من لقيت وراء الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة أو كما قال فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله لئلا يتكلوا قال: فلا تفعل إذاً ومن ذلك لما أذن ﷺ لبعض الصحابة أن ينحروا ظهرهم لمجاعة أصابتهم فقال: يا رسول الله إذا فعلوا ذلك على ما يركبون ثم أشار بأن يدعو ﷺ بأزواد القوم ويدعو عليها بالبركة ففعل الحديث عند مسلم وغير ذلك وعقد له المصنف فيما يأتي باباً ترجمة بقوله باب ما يقول التابع للمتبوع: إذا فعل شيئاً في ظاهره مخالفة للصواب مع أنه صواب أو نحو ذلك هذا إن حملنا الأحاديث على المرفوع منها أما إذا حملناه على ما يشمل الموقوف فكثير جداً وقد رجع على الصديق عن ورجع عمر عما نهى عنه من المغالاة في الصداق لما قالت له تلك المرأة: إن الله تعالى يقول:

стр. 2178

في حقِّ كبار المراتب، وتوهُّمِهم أن ذلك حياءٌ، فخطأٌ صريح، وجهل قبيح، فإن ذلك ليس بحياءٍ، وإنما هو خَوَرٌ ومَهانة وضَعفٌ وعجز، فإن الحياءَ خير كلُّه، والحياءُ لا يأتي إلا بخير، وهذا يأتي بشرٍّ، فليس بحياءٍ، وإنما الحياء عند العلماء ــ ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] فرجع وقال: كل النّاس أفقه منك يا عمر وعما أراد من رجم تلك المرأة التي جاءت بالولد لستة أشهر فقال له علي بن أبي طالب ﵁: إن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ والباقي من الثلاثين ستة أشهر وهي زمن الحمل أي أقل مدته فرجع عما أراد. قوله: (في حق كبار المراتب) أي لعلم أو سن أو ولاية. قوله: (إن ذلك) أي إهمال وعظهم وترك تذكيرهم. قوله: (فخطأ صريح) أي لما فيه من ترك الأمر بالمعروف تارة وعدم النهي عن المنكر أخرى. قوله: (وإنما هو خور) بفتح الخاء المعجمة والواو أي ضعف في قوى النفس قال في النهاية خار يخور إذا ضعفت قوته ووهت. قوله: (ومهانة) أي لنفسه عن إقامتها في هذا المقام السني. قوله: (وضعف) بفتح الضاد المعجمة وضمها لغتان مشهورتان وعطف الضعف على الخور كالعطف التفسيري والعجز عدم القدرة زاد في شرح مسلم على قوله هنا وضعف وعجز ما لفظه وتسمية ذلك حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازاً لمشابهته الحياء الحقيقي اهـ. قوله: (فإن الحياء خير كله) أي لحسن ثمرته من القيام بالأوامر واجتناب النواهي. قوله: (والحياء لا يأتي إلا بخير) هذا حديث رواه مسلم. قوله: (وهذا) أي احتشام الكبير وعدم نهيه عما يتعاطاه من المنكر ويتساهل فيه من عدم فعل المعروف: (يأتي بشر) أي وقوع فيما نهى الله عنه وترك ما أمر الله أن يفعل فليس إذا هو بحياء لانتفاء ثمرة الحياء وهذا مأخوذ من جواب ابن الصلاح وغيره عما أورده على حديث الحياء لا يأتي إلا بخير وحديث الحياء خير كله نقله المصنف في شرح مسلم وحاصل

стр. 2179

الرَّبانيين، والأئمةِ المحققين، خُلُق يَبعَثُ على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حقِّ ذي الحقِّ، وهذا معنى ما رويناه عن الجنيد ﵁ في "رسالة" القشيري، قال: الحياء ــ الجواب أن ما ذكر ليس حياء بل هو عجز وخور لعموم قوله في الحديث: الحياء خبر كله. وقوله الحياء لا يأتي إلا بخير لا إشكال فيه إذ الحياء يبعث على أفعال البر ويمنع من العصيان. قول، : (الربانيين) بفتح الراء وتشديد الموحدة جمع رباني نسبة إلى الرب بزيادة الألف والنون والرباني الكامل في العلم والعمل ووجه النسبة إخلاصهم للرب تعالى قال ابن عباس: كونوا ربانيين علماء حلفاء فقهاء رواه عنه البخاري في كتاب العلم قال البخاري ويقال الرباني الذي يربي النّاس بصغار العلم قبل كباره أي بجزئياته قبل كلياته وقيل: بفروعه قبل أصوله وقيل: مقاصده وبما وضح منه قبل ما دق وعلى هذا الذي يقال فالرباني منسوب إلى التربية وفي النهر لأبي حيان قال ابن عباس هو الفقيه ولما مات ابن عباس ﵄ قال محمد ابن الحنفية اليوم مات رباني هذه الأمة اهـ. قوله: (خلق) بضمتين ويسكن ثانيه وهو ملكه حاصله للنفس ينشأ عنها ما تمرنت عليه النفس واعتادته بسهولة. قوله: (ويبعث على ترك القبيح) أي من فعل منهى عنه ولو على سبيل الكراهة أو ترك مأمور به ولو على سبيل الندب (ويمنع من التقصير في حق ذي الحق) أي كما ورد أنه ﷺ قام حتى تورمت قدماه فقيل له: أتفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً" وكما ورد نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه أي لو لم يكن عنده من الخوف شيء لما وقع في العصيان لما عنده من الحياء الوازع عن القبيح المانع من التقصير في حق ذي الحق. قوله: (وهذا) أي التعريف للحياء المنقول عن العلماء والأئمة قال بعض المحققين: الحياء على هذا التعريف ليس في الوسع بخلافه على تفسير الجيد فإن العبد إذا طالع نعم مولاه وتقصيره في شكرها حصل له الحياء وعلى الأول فهو لكونه من أجل الأخلاق التي يحبها الله تعالى من العبد ويجبله

стр. 2180

رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى حياء. وقد أوضحت هذا مبسوطاً في أول "شرح صحيح مسلم"، ولله الحمد، والله أعلم. ــ عليها يحمل على المكتسب أي وهو ما أشار إليه الجنيد ويعين عليه ولذا قال ﷺ : "الحياء لا يأتي إلا بخير" أي لأن من استحى من النّاس أن يروه يأتي بقبيح عادة دعاه ذلك إلى أن يكون أشد حياء من ربه وخالقه سبحانه فلا يضيع فريضة ولا يرتكب معصية. قوله: (رؤية الآلاء ورؤية التقصير) أي رؤية العبد آلاء ربه أي نظر واحدها إلي كمعي مع رؤيته تقصيره في القيام بحق شكرها يتولد عنها حالة تبعثه على ترك كل قبيح وأداء الحق لذي الحق حسب القدرة والطافة فذاك التعريف كالمتفرع على هذا التعريف المبني عليه فلذا كان بمعناه ولم يكن هواياه والله أعلم وقيل: إنه غيره لأنه على ذلك التعريف يكون من الجبليات التي ليست في الوسع بخلافه على الثاني والأصح إن أصل الحياء جبلي وتمامه مكتسب كما أفاده بعض الأحاديث من معرفة الله تعالى ومعرفة عظمته وقربه من عباده وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور وهذا هو الذي كلفنا به وهو من أعلى خصال الإيمان بل من أعلى درجات الإحسان وفي يتولد الحياء من الله تعالى من مطالعة نعمه ورؤية التقصير في شكرها كما أشار إليه الجنيد وأول الحياء وأولاه الحياء من الله سبحانه بأن لا يراك حيث نهاك ولا يفقدك من حيث أمرك وكماله إنما ينشأ عن معرفته تعالى ومراقبته المعبر عنها بقوله: إن تعبد الله كأنك تراه الخ وأهل المعرفة يتفاوتون في هذا الحياء بحسب تفاوت أحوالهم وقد جمع الله تعالى لنبيه ﷺ كمال نوعي الحياء فكان في الحياء الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها وفي الكسبي وأصلاً إلى أعلى غايته ودروتها. قوله: (وقد أوضحت هذا مبسوطاً في أول شرح مسلم) أي في كتاب الإيمان منه وقد نقلنا ما زاد هناك في أثناء كلامه هنا والله الموفق.

стр. 2181

باب الأمر بالوفاء بالعهد والوعد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] والآيات في ــ باب الأمر بالوفاء بالوعد قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] قال في النهر: وأوفوا بالعهد عام فيما عقده الإنسان بينه وبين ربه وبينه وبين آدمي في طاعة إن العهد كان مسؤولاً ظاهره إن العهد هو المسؤول من المعاهد أن يفي له فلا يضيعه وقيل هو على حذف مضاف أي إن أداء العهد كان مسؤولاً إن لم يف به واسم كان مضمر يعود على العهد أو على ذي العهد ومسؤولاً خير كان وفيه ضمير المفعول أي مسؤولاً هو أي عدم الإيفاء اهـ. قوله: (بعهد الله) في النهر عهد الله علم لما عقده الإنسان والتزمه وفي الآية كما في الإكليل الحث على الوفاء بالعهود. قوله: (أوفوا بالعقود) العقود جمع عقد وهو ما التزمه الإنسان من مطلوب شرعي وهو عام يندرج تحته ما ربطه الإنسان على نفسه أو مع صاحب له مما يجوز شرعاً وأصل العقد في الإجرام ثم توسع فيه فأطلق في المعاني كذا في النهر وفي الإكليل قال ابن عباس: العقود ما أحل الله يعني ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله لا تغدروا ولا تنكثوا، أخرجه ابن أبي حاتم وقيل: هي العهود وقيل ما عقده الإنسان على نفسه من بيع وشراء ويمين ونذر وطلاق ونكاح ونحو ذلك، فيدخل تحتها من المسائل ما لا يحصى وقال زيد بن أسلم: العقود خمس: عقدة النكاح، وعقدة الشركة، وعقدة اليمين، وعقدة العهد، وعقدة الحلف، أخرجه ابن جرير وأخرج مثله عن عبد الله

стр. 2182

ذلك كثيرة، ومن أشدِّها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣]. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذَا حدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤتُمِنَ خَانَ". زاد في رواية: "وإنْ صامَ وصَلَّى وزَعَمَ أنهُ مُسْلِمٌ". والأحاديث بهذا المعنى كثيرة، وفيما ذكرناه ــ بن عبيدة وذكر بدل عقدة الشركة عقدة البيع اهـ. قوله: (ومن أشدها) أي أقواها في طلب الوفاء بالعهد. قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] أشار في النهر إلى احتمالين في المخاطب بذلك من المؤمنين والمنافقين قال: وعلى الأول يراد به التطلف في العتاب وعلى الثاني فمعنى آمنوا أي بألسنتهم والاستفهام للتقريع والتوبيخ وتهكم بهم في إسناد الإيمان إليهم (لم) يتعلق بالفعل بعده وإذا وقف عليه فبألف أو بسكون الميم ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف قال في النهر: والظاهر انتصاب (مقتاً) على التمييز وفاعل "كبر" أن تقولوا، وهو من التمييز المنقول عن الفاعل والتقدير كبر مقت قولكم ما لا تفعلون. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) وكذا رواه أحمد والنسائي كما في الجامع الصغير ورواه أبو عوانة بلفظ علامات المنافق الخ وعند مسلم من علامات المنافق ثلاث الخ. قوله: (آية المنافق) أفرد الآية لإرادة الجنس وعند مسلم من علامات المنافق كما تقدم آنفاً وهي أوضح للزيادة على الثلاث في حديث آخر عند البخاري وغيره، ووجه الاقتصار على الثلاث هنا إنها منبهة على ما عداها إذ أصل الديانات منحصر في القول والفعل والنية فنبه على فساد القول بالكذب وعلى فساد الفعل بالخيانة وعلى فساد النية بالخلف لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارناً للوعد فإن وعد ثم عرض له بعد مانع أو بدا له رأي فليس بصورة النفاق قاله الغزالي وفي الحديث ما يشهد له ففي الطبراني من حديث سلمان إذا وعد وهو يحدث نفسه إنه يخلفه وفي الترمذي من حديث ابن أرقم إذا وعد الرجل

стр. 2183

كفاية. وقد أجمع العلماء على أن من وعد إنساناً شيئاً ليس بمنهيٍّ عنه فينبغي أن يفيَ بوعده، وهل ذلك واجب، أم مستحب؟ فيه خلاف بينهم، ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحبّ، فلو تركه فاته الفضل، وارتكب المكروه كراهةَ تنزيهٍ شديدةً، ولكن لا يأثم، ــ أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف فلا إثم عليه، فإن قلت: قد توجد هذه الخصال في المسلم أجيب بأن المراد نفاق العمل لا نفاق الكفر كما أن الإيمان يطلق على العمل كالاعتقاد وقيل: المراد من اعتاد ذلك وصار ديد ناله وقيل: المراد التحذير من هذه الخصال التي هي صفات المنافقين وإنها خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين ومتخلق بأخلاقهم. قوله: (من وعد إنساناً شيئاً) أي من الوعد فهو مفعول مطلق أو من العطاء فهو مفعول به. قوله (فينبغي) أي يطلب. قوله: (ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحب الخ) قال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به الغرماء وتعقب الحافظ دعوى الاتفاق على عدم الفرضية بقول المصنف وذهب جماعة إلى أنه واجب وسيأتي قريباً الجواب عن قوله لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به. قوله: (وارتكب المكروه كراهة تنزيه شديدة) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قرأت بخط أبي ﵀ في إشكالات على الأذكار: لم يذكر جواباً عن الآيات والحديث أي التي صدر بها الباب وقال: الدلالة للوجوب منها قوية فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع هذا الزجر الشديد الذي لم يرد مثله إلا في المحرمات الشديدة التحريم أي من قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وخلف الوعد من آية المنافق اهـ، قال السخاوي في جزئه المسمى: "التماس السعد في الوفاة بالوعد" لم ينفرد والد شيخنا بالبحث في ذلك فقد قال الشيخ تقي الدين السبكي: وناهيك به قول الأصحاب لا يجب الوفاء بالشرط مشكل لأن ظواهر الآيات والسنة تقتضي وجوبه وإخلاف الوعد كذب والخلف والكذب ليسا من أخلاق المؤمنين قال:

стр. 2184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا أقول بقي ديناً حتى يقضي من تركته وإنما أقول يجب الوفاء تحقيقاً للصدق وعدم الإخلاف وتصير الواجبات ثلاثة: منها ما هو ثابت في الذمة ويطالب بإدائه وهو الدين على موسر وكل عبادة وجبت وتمكن منها، ومنها ما يثبت في الذمة ولا يجب أداؤه كهذا، قلت: قال الشيخ تاج الدين بن السبكي في توشيح التوشيح بعد أن حكى عن والده أن أدلة الكتاب تقضي بوجوب الوفاء بالوعد وأذكر أني كتبت إليه مرة إنقاضاه وعداً: يا مالكاً في وفاء الوعد مذهبه ... كما لك هات قد قلت الوفا يجب كذا تلقيت هذا منك واسمي ... لم يزل إلى مثله التلقين ينتسب يا من له أنا كسب وهو لي سبب ... فيما أروم ونعم الوالد السبب أشرت إلى تلقين القاضي عبد الوهاب في مذهب الإِمام مالك ﵁، وبكوني كسباً له إلى قوله ﷺ : "وإن أولادكم من كسبكم"، وبكونه سبباً إلى قول الفقهاء إن الوالد سبب وجود الولد اهـ، قال السخاوي: وسلك شيخنا أي الحافظ طريقاً أخرى قال: وينظر هل يمكن أن يقال يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء أي يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك قال: قلت ونظير ذلك نفقة القريب فإنها إذا مضت مدة يأثم بعدم الدفع ولا يلزم به ونحوه قولهم في فائدة القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة تضعيف العذاب عليهم في الآخرة مع عدم إلزامهم بالإتيان بها والله المستعان وقد أشار إلى هذا الاستشكال صاحب الخادم في آخر الهبة فقال: فإن قيل: فيجب الوفاء بالعهد للخروج عن الكذب فإنه حرام وترك الحرام واجب وقد ذكر الماوردي في الشهادات في الكلام على المروءة أن مخالفة الوعد كذب ترد به الشهادة، فالجواب ما قاله الغزالي في الإحياء إن إخلاف الوعد إنما يكون كذباً إذا لم يكن في عزمه حين الوعد الوفاء به أما لو كان عازماً عليه ثم بدا له ألا يفعل فليس بكذب لأنه حينئذٍ إخبار عما في نفسه وكان مطابقاً له فيكون صدقاً اهـ، وفي

стр. 2185

وذهب جماعة إلى أنه واجب، قال الإِمام أبو بكر بن العربي المالكي: أجلُّ من ذهب هذا المذهب عمر بن عبد العزيز، ــ إحياء الغزالي من حقوق المسلم ألا يعد مسلماً إلا ويفي به، والخلاف في الوعد بالخير أما الوعد بالشر فيستحب إخلافه وقد يجب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة اهـ. قوله: (وذهب جماعة إلى أنه واجب) خرج البخاري في صحيحه تعليقاً أن ابن أشوع قضى بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب اهـ. وقد أسنده وكيع في العزو من الأخبار إلى محمد بن عبيد عن أبيه قضى له ابن أشوع بعده وابن أشوع سعيد بن عمرو بن أشوع الهمذاني الكوفي القاضي حدث عن الشعبي وقد اتفقا عليه مات في ولاية خالد القسري على العراق وكانت ولايته في سنة خمس ومائة إلى أن عزل عنها في سنة عشرين ومائة كذا نقله السخاوي عن خط الحافظ الدمياطي قال السخاوي ولخصه شيخنا يعني الحافظ حيث قال: كان قاضي الكوفة: في زمن إمارة خالد القسري على العراق وذلك بعد المائة وقال في الفتح وقعت رواية ابن أشوع للوفاء بالوعد عن سمرة في تفسير إسحاق بن راهويه قال: ورأيت إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه يحتج بحديث ابن أشوع يعني عن سمرة في القول بوجوب إنجاز الوعد الحسن وترجم البخاري من أمر بإنجاز الوعد قال: وفعله أي الأمر بإنجاز الوعد الحسن وكأنه البصري راوي حديث العدة عطية. قوله: (أجل من ذهب إلى هذا المذهب الخ) صرح ابن عبد البر أيضاً بأن المذكور أجل من قال به وحكى القول بوجوب الوفاء بالوعد عن الإِمام أحمد هذا وقد عد في الزواجر عدم الوفاء بالعهد من الكبائر ثم قال: وعده منها هو ما وقع في كلام غير واحد لكن منهم من عبر بما مر ومنهم من عبر بخلف الوعد والعبارتان إما متحدتان أو متغايرتان وعلى كل فقد استشكل عدهما من الكبائر بأنه قد تقرر في مذهبنا أن الوفاء بالوعد مندوب لا واجب وفي العهد أنه ما أوجبه الله أو حرمه ومخالفة المندوب جائزة والوجب والحرام تارة يكون كبيرة وتارة يكون صغيرة فكيف يطلق أن عدم الوفاء بذلك كبيرة ويجاب بحمل الأول أي الوعد بناء على تغايرهما على الملتزم بالنذر ونحوه

стр. 2186

قال: وذهبت المالكية مذهباً ثالثاً أنه إن ارتبط الوعد بسبب، كقوله: تزوَّجْ ولك كذا، أو احلف أنك لا تشتمني ولك كذا، أو نحو ذلك، وجب الوفاء، وإن كان وعداً مطلقاً، لم يجب. واستدلَّ من لم يوجبه بأنه في معنى الهبة، والهبة لا تلزم إلا بالقبض عند الجمهور، وعند المالكية: تلزم قبل القبض. باب استحباب دعاء الإنسان لمن عرض عليه ماله أو غيره روينا في "صحيح البخاري" وغيره عن أنس ﵁ قال: لما قدموا المدينة نزل عبد الرحمن بن عوف على سعد بن الربيع فقال: ــ وكون منعه كبيرة ظاهر إذ النذر يسلك به مسلك واجب الشرع ويحمل الثاني على شيء خاص لا يعلم إلا من التصريح بهذا وهو ما لو بايع إماماً ثم أراد الخروج عليه بلا موجب ولا تأويل فهذا كبيرة كما يستفاد من الأخبار الصحيحة وهو المراد بنكث الصفقة وقد ورد فيه وعيد شديد اهـ باختصار. قوله: (قال) أي ابن العربي المالكي (وذهب المالكية الخ). تتمة قال السخاوي جاء عن ابن عباس ﵄ الأنبياء لا يخلفون الوعد رواه البخاري في باب من أمر بإنجاز الوعد ولفظ ابن عباس في جواب عن سؤال لابن جبير في شأن موسى مع شعيب فقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ إذا قال فعل والمراد من رسول الله ﷺ فيه من اتصف بذلك ولم يرد شخصاً معيناً وهذا يحتمل أن يكون وجوباً ويحتمل خلافه وجزم غير واحد بأن إنفاذ الصديق لعدة النبي ﷺ مخصوص به ﷺ اهـ. باب استحباب دعاء الإنسان لمن عرض عليه ماله أو غيره أي من أهله أو منصبه. قوله: (روينا في صحيح البخاري وغيره) وكذا رواه ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة وقال في السلاح بعد إيراده بنحو ما أورده المصنف مختصراً رواه البخاري والترمذي والنسائي. قوله: (لما قدموا المدينة) أي في الهجرة. قوله: (على سعد بن الربيع) بن عمرو بن أبي زهير

стр. 2187

أقاسمك مالي، وأنزلُ لك عن إحدى امرأتي، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك. باب ما يقوله المسلم للذمي إذا فعل به معروفاً اعلم أنه لا يجوز أن يدعى له بالمغفرة وما أشبهها مما لا يقال للكفار، ــ مالك بن امريء القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي عقبى بدري نقيب كان أحد نقباء الأنصار قال عروة وابن شهاب وموسى بن عقبة وجميع أهل السير إنه كان نقيب في الحارث بن الخزرج هو وعبد الله بن رواحة وكان كاتباً في الجاهلية شهد العقبة الأولى والثانية وقتل يوم أحد شهيداً ولما التمس في القتلى وجد وهو حي فقال لملتمسه -قال أبو سعيد الخدري: وهو أبي بن كعب-: ما شأنك؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ لآتيه بخبرك قال: اذهب إليه فأقرئه مني السلام وأخبره أني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة وأني قد أنفذت مقاتلي وأخبر قومك أنهم لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله ﷺ وأحد منهم حي وقال للرجل: قل لقومك يقول لكم سعد بن الربيع الله الله وما عاهدتم عليه رسول الله ﷺ ليلة العقبة فوالله ما لكم عند الله عذر إن خلص إليه وفيكم عين تطرف قال أبي: فلم أبرح حتى مات فرجعت فأخبرت النبي ﷺ فقال ﵀: نصح لله ولرسوله حياً وميتاً وهو الذي آخى النبي ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ومات سعد عن بنتين فأعطاهما رسول الله ﷺ الثلثين فكان ذلك أول بيانه للآية في قوله : ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ وفي ذلك نزلت الآية وبذلك علم مراد الله منها وأنه أراد اثنتين فما فوقهما كذا في أسد الغابة. قوله: (أقاسمك مالي) أي أشاطرك إياه وذلك لأن الأنصار أشركوا المهاجرين معهم في دورهم وأموالهم واستمرت مشاركتهم حتى فتح الله بني النضير وغيرها فغني المهاجرون وردوا للأنصار ما أشركوهم فيه من أموالهم. قوله: (وأنزل) بفتح الهمزة وكسر الزاي أي بأن يطلقها وتنقضي عدتها فتتزوج من عبد الرحمن. قوله: (بارك الله لك الخ) أي لا حاجة لي في مالك وأهلك ودعا له في مقابلة جميلة ومعروفه في بذل ذلك كله بقوله: بارك الله أي جعل البركة الكثيرة والثبات في أهلك ومالك. باب ما يقوله المسلم للذمي إذا فعل به معروفاً أي معه. قوله: (وما أشبهها) أي من الرحمة أو دخول الجنة أو رضوان الله

стр. 2188

لكن يجوز أن يدعى له بالهداية وصحة البدن والعافية، وشبه ذلك. روينا في كتاب ابن السني عن أنس ﵁ قال: استسقى النبيُّ ﷺ فسقاه يهودي، فقال له النبيُّ ﷺ : "جَمَّلَكَ الله" فما رأى الشيب حتى مات. باب ما يقوله إذا رأى من نفسه أو ولده أو ماله أو غير ذلك شيئاً فأعجبه وخاف أن يصيبه بعينه أو يتضرَّر بذلك روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ــ تعالى. قوله: (أن يدعى له بالهداية) قال ﷺ : "اللهم اهد دوساً" وقال: "اللهم اهد ثقيفاً" فهداهم الله فآمنوا إجابة لدعوته والمراد من الهداية المسؤولة لهم هي الإيصال إلى الإسلام لأن الدلالة على طريقة قد رزقوها إذ ما من ذرة في الكون إلا وهي دالة على وجود صانعها ومنشئها لكن تأثير ذلك والعمل بقضيته يحتاج إلى لطف رباني وتأييد إلهي قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. قوله: (وشبه ذلك) بكسر المعجمة أي ما أشبه ذلك من تكثير العدد لتؤخذ جزيتهم فتكون عوناً للمسلمين وكثرة ما لهم ليكون غنيمة للموحدين. قوله: (استسقى النبي ﷺ ) أي طلب أن يسقي ماء. قوله: (جملك الله) لا ينافي ما جاء من أن الشيب نور ووقار لأنه كذلك عند الأخيار أما عند النساء فمكروه وكذا عند غير الأخيار من أهل الغفلة الأشرار. باب ما يقول إذا رأى من نفسه أو ولده أو ماله أو غير ذلك أي من خادمه وتابعه (شيئاً) أي معجباً (فأعجبه وخاف أن يصيبه بعينه) أي لاستحسانه له (وأن يتضرر) أي المرء (بذلك) أي الإعجاب. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) وكذا رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة ورواه ابن ماجه أيضاً من حديث عامر بن ربيعة كذا في الجامع الصغير. قوله:

стр. 2189

"العَينُ حَقٌّ". وروينا في "صحيحيهما" عن أُمِّ سلمة ﵂: "أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سَفْعَةٌ فقال: "اسْتَرْقُوا لَهَا فإنَّ بِهَا النَّظْرَةَ". قلت: السفعة بفتح السين المهملة وإسكان الفاء: هي تغيُّرٌ وصُفرة. ــ (العين حق) قال المصنف في شرح مسلم قال الإِمام أبو عبد الله المازري: أخذ جماهير العلماء بظاهر الحديث وقالوا: العين حق وأنكره طوائف من المبتدعة والدليل على فساد قولهم إن كل معنى ليس مخالفاً في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل فإنه من مجوزات العقول فإذا أخبر الشرع بوقوعه وجب اعتقاده ولا يجوز تكذيبه ثم قرر مذهب الطبائعيين في العين وأبطله ثم قال: ومذهب أهل السنة أن العين إنما تفسد وتهلك عند نظر العائن بفعل الله تعالى أجرى الله سبحانه العادة أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر وهل ثم جواهر خفية أم لا، هذا من مجوزات العقول لا يقطع فيه بواحد من الأمرين وإنما يقطع بنفي الفعل عنها وإضافته إلى الله تعالى فمن قطع من أطباء الإسلام بانبعاث الجواهر فقد أخطأ في قطعه وإنما هو من الجائزات اهـ. قوله: (وروينا في صحيحيهما عن أم سلمة) قال المصنف في شرح مسلم: هذا الحديث مما استدركه الدارقطني لعلة فيه قال: رواه عقيل عن الزهري عن عروة مرسلاً قلت: كما ذكره البخاري فإنه قال بعد تخريجه: مسنداً عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة فذكره وذكر متابعه ثم قال وقال عقيل عن الزهري: أخبرني عروة عن النبي ﷺ مرسلاً قال الدارقطني: وأرسله مالك وغيره من أصحاب يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عروة قال الدارقطني: وأسنده أبو معاوية ولا يصح قال وقال عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد ولم يصنع شيئاً اهـ. قوله: (في وجهها سفعة) هذا لفظ البخاري وعند مسلم رأى بوجهها. قوله: (هي تغير وصفرة) فسر في الحديث في مسلم السفعة بالصفرة وقال الكرماني: السفعة الصفرة والشحوب في الوجه وأصل السفع الأخذ بالناصية يريد أن بها مسّاً

стр. 2190

وأما النظرة فهي العين، يقال: صبيٌّ منظور: أي أصابته العين. وروينا في "صحيح مسلم" عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "العَيْنُ حَقٌّ ولَوْ كانَ شَيءٌ سابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَيْنُ، وإذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فاغْسِلُوا". قلت: قال العلماء: الاستغسال أن يقال للعائن، وهو الصائب بعينه الناظر بها بالاستحسان: ــ من الجن أخذاً منها بالناصية اهـ. قال المصنف في شرح مسلم وقيل: هي سواد وقال ابن قتيبة: لون يخالف لون الوجه وقيل: أخذة من الشيطان. قوله: (وأما النظرة فهي العين) أي إصابتها قال في شرح مسلم وقيل: هي المس أي مس الشيطان اهـ. قوله: (استرقوا) فيه دليل جواز الرقى والنهي عنها محمول على الرقية بما يجهل معناه من رقي الجاهلية ونحوها. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) وكذا أخرجه أحمد كما في الجامع الصغير لو كان شيء سابق القدر سبقته العين، فيه إثبات القدر وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة ومعناه إن الأشياء كلها بقدر الله تعالى ولا تقع إلا على حسب ما قدرها وسبق بها علمه فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى وفيه صحة أمر العين وأنها قوية الضرر. قوله: (قال العلماء: الاستغسال الخ) أجمل المصنف في هذا المحل وبسط الكلام فيه في شرح مسلم فقال نقلاً عن المازري ورد الشرع بأمر العائن بالوضوء في حديث سهل بن حنيف رواه مالك في الموطأ وصفة وضوء العائن عند العلماء أن يؤتى بقدح ماء ولا يوضع القدح في الأرض فيأخذ منه غرفة فيتمضمض بها ثم يمجها في القدح ثم يأخذ منه ماء يغسل به وجهه ثم يأخذ بشماله ماء يغسل به كفه اليمنى ثم بيمينه ماء يغسل به اليسرى ثم بشماله ماء يغسل به مرفقه الأيمن ثم بيمينه ماء يغسل به مرفقه الأيسر ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين ثم يغسل قدمه اليمنى ثم اليسرى ثم ركبته اليمنى ثم اليسرى على الصفة المتقدمة وكل ذلك في القدح ثم داخلة إزاره وهو الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن وقد ظن بعضهم أن داخلة الإزار كنى به عن الفرج وجمهور العلماء على ما قدمناه فإذا استكمل هذا صبه من خلفه على رأسه وهذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه وليس في قوة العقل الاطلاع على أسرار جميع

стр. 2191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المعلومات فلا يدفع هذا بأن لا يعقل معناه قال: وقد اختلف العلماء في العائن هل يجبر على الوضوء للمعين أم لا؟ واحتج من أوجبه بقوله ﷺ في رواية مسلم هذه: "وإذا استغسلتم فاغسلوا" وبرواية الموطأ وفيها أنه ﷺ أمر عائنه بالوضوء والأمر للوجوب قال المازري: والصحيح عندي الوجوب ويبعد الخلاف إذا خشي المعين الهلاك وكان وضوء العائن مما جرت العادة بالبرء به أو كان الشرع أخبر به خبراً عاماً ولم يكن زوال الهلاك إلا بوضوء العائن فإنه يصير من باب من تعين عليه إحياء نفس مشرفة على الهلاك وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر فهذا أولى وبهذا التقرير يرتفع الخلاف فيه اهـ، قال القاضي عياض بعد أن ذكر قول المازري الذي حكيته بقي من تفسير هذا الغسل على قول الجمهور -وفسر به الزهري وأدرك أن العلماء يصفونه واستحسنه علماؤنا ومضى به العمل- أن غسل العائن وجهه إنما هو صبة واحدة بيده اليمنى وكذلك باقي الأعضاء إنما هو صبه على ذلك العضو في القدح ليس على صفة غسل الأعضاء في الوضوء وغيره وكذلك غسل داخلة الإزار إنما هو داخله وغمسه في القدح الذي في يده القدح يصبه على رأس المعين من ورائه على جميع جسده ثم يكفأ القدح وراءه على الأرض وقيل: يستغفله بذلك عند صبه عليه وهذه رواية ابن أبي ذئب عن ابن شهاب وقد جاء عن ابن شهاب من رواية عقيل مثل هذا إلا أن فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة وفيه في غسل القدمين أنه لا يغسل جميعهما وإنما قال ثم يفعل ذلك في طرق قدمه اليمنى من عند أصول أصابعه واليسرى كذلك وقد جاء في حديث سهل بن حنيف من رواية مالك في صفته أنه قال للعائن: اغتسل له فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف قدميه ظاهرهما في الإناء قال: وحسبته قال: وأمره فحسا منه حسوات والله أعلم، قال القاضي وفي الحديث من الفقه ما قاله بعض العلماء أنه ينبغي إذا عرف واحد بالإصابة بالعين أن يجتنب ويحترز منه وينبغي للإمام منعه من مداخلة النّاس ويأمره بلزومه بيته فإن كان فقيراً رزقه ما يكفيه ويكف أذاه عن النّاس فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه ﷺ دخول المسجد لئلا يؤذي المسلمين ومن ضرر المجذوم الذي منعه عمر والعلماء بعده الاختلاط بالناس وهذا الذي قاله هذا القائل صحيح متعين ولا يعرف عن غيره تصريح

стр. 2192

اغسل داخل إزارك مما يلي الجلد بماءٍ، ثم يصبُّ على المعينِ، وهو المنظور إليه. وثبت عن عائشة ﵂ قالت: كان يُؤمَر العائنُ أن يتوضأ ثم يغتسل منه المَعين. رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. وروينا في كتاب الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يتعوَّذ من الجانّ وعين الإنسان حتى نزلت المعوّذتان، فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما" قال الترمذي: حديث حسن. وروينا في "صحيح البخاري" حديث ابن عباس ﵄، أن النبي كان يعوَّذ الحسن والحسين: "أعِيذُكُما بكَلِماتِ الله التامَّةِ مِنْ كُل شَيطَانٍ وهَامَّةٍ ومِنْ كُل عَيْنٍ لامَّةٍ، ويقول: إن أباكما كان يعوِّذ بهما إسماعيل وإسحاق". ــ بخلافه اهـ. قوله: (داخلة إزارك) قال القاضي عياض: المراد بداخلة الإزار ما يلي الجسد منه وقيل: المراد موضعه من الجسد وقيل: المراد مذاكيره كما يقال: عفيف الإزار أي الفرج وقيل: المراد وركه إذ هو معقد الإزار. قوله: (المعين) بفتح الميم وكسر المهملة أي الذي أصابته العين. قوله: (يتعوذ من الجان) بتشديد النون أي أبي الجن وهو إبليس أو من جنسهم الشامل لجميع الشياطين وفي المغرب الجان أبو الجن وحية بيضاء صغيرة. قوله: (وعين الإنسان) أي التي تصيب بالسوء إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ قال الحافظ عماد الدين بن كثير: قال ابن عباس ومجاهد: يزلقونك ينفذونك بأبصارهم أي ليعينوك بأبصارهم لولا وقاية الله تعالى لك وحمايته إياك منهم وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بإذن الله تعالى كما وردت به الأحاديث المروية من طرق متعددة اهـ. قوله: (حتى نزلت المعوذتان) بكسر الواو أي سورة الفلق والناس فإن ضم إليهما الإخلاص قيل: المعوذات بالجمع على طريق التغليب. قوله: (وروينا في صحيح البخاري) وكذا رواه أحمد كما قاله الحافظ وأصحاب السنن الأربعة كما في السلاح قال: ولفظ أبي داود والترمذي والنسائي أعيذكما بكلمات الله

стр. 2193

وروينا في كتاب ابن السني عن سعيد بن حكيم ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا خاف أن يصيبَ شيئاً بعينه قال: "اللهم بارِكْ فيهِ وَلا تَضُرَّهُ". وروينا فيه عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ رأى شَيئاً فأعْجَبَهُ فقالَ: ما شاءَ الله لا قُوّةَ إلاَّ باللهِ لَمْ يَضُرَّهُ". وروينا فيه عن سهل بن حنيف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا رَأى أحَدُكُمْ ما يُعْجِبُهُ في نَفْسِهِ أو مالِهِ فَلْيُبَرِّكْ عَلَيهِ، فإنَّ العَينَ حَقٌّ". وروينا فيه ــ التامة الخ وكذا رواه ابن السني وعند البخاري: أعوذ بالله الخ، وسبق الكلام على الحديث قبيل أذكار المرض والموت وهذا مما تفرد به البخاري عن مسلم كما يوميء إليه صنيع المصنف وبه صرح العماد بن كثير في تفسيره. قوله: (وروينا في كتاب ابن السني عن سعيد بن حكيم ﵁ مقتضى عادة المصنف في التنبيه على من كان من الصحابة لا يعرفه إلا أهل العلم بالفن من إلحاقه بقوله الصحابي أن يقول هنا كذلك ولم يذكر ترجمته ابن الأثير في أسد الغابة والظاهر أنه ليس بصحابي ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال في تقريب التهذيب سعيد بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري البصري أخو بهز صدوق من السادسة أي ممن عاصر صغار التابعين ولم يثبت له لقي بأحد من الصحابة روى عنه أبو داود والنسائي، ونحوه في الكاشف للذهبي والله أعلم، وحينئذٍ فالحديث معضل. قوله: (اللهم بارك فيه ولا تضره) أي فيدفع الله تعالى أثر العين عن المنظور إليه. قوله: (وروينا عن أنس الخ) بجانبه في الجامع الصغير علامة الضعف. قوله: (ما شاء الله) أي كان أو الكائن ما شاء الله وهذا منتزع من قوله تعالى حكايته عن أحد ذينك الرجلين حيث قال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي لتندفع عنك العوارض والمهلكات. قوله: (وروينا فيه) أي في كتاب ابن السني وكذا رواه النسائي بلفظ إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه شيئاً يعجبه فليدع بالبركة فإن العين حق ورواه ابن ماجه والحاكم في المستدرك وكان العزو إلى النسائي وابن ماجه

стр. 2194

عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأى أحدُكم من نفسِه ومالِه وأعْجَبَهُ ما يُعْجِبُهُ فَلْيَدع بالبَرَكةِ". وذكر الإِمام أبو محمد القاضي حسين من أصحابنا ﵏ في كتابه "التعليق" في المذهب قال: ــ أولى من العزو إلى كتاب ابن السني ولعل لا ثار الشيخ لكتاب ابن السني سبباً خفى علينا وجهه والله أعلم. قوله: (عن عامر بن ربيعة) اختلف فيه هل هو من عنز أو مذحج وعنز بفتح النون والصحيح أنه بسكونها وهو أخو بكر بن وائل وعامر كنيته أبو عبد الله وهو حليف الخطاب ابن نفيل والد عمر بن الخطاب أسلم قديماً وهاجر إلى الحبشة هو وامرأته وعاد إلى مكة ثم إلى المدينة أيضاً ومعه امرأته ليلى بنت أبي جثمة وقيل: إنه أول من هاجر إلى المدينة وقيل: أبو سلمة بن عبد الأسد أول من هاجر إلى المدينة شهد عامر بدراً وروى عن النبي ﷺ توفي سنة اثنتين وثلاثين حين نشم النّاس في أمر عثمان روى مالك عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أنه قام من الليل يصلي حين نشم النّاس في أمر عثمان والطعن عليه ثم قام فأتى في المنام فقيل له: قم فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام يصلي ثم دعا ثم اشتكى فما خرج بعد إلا بجنازته وقيل: توفي بعد قتل عثمان بأيام كذا في أسد الغابة وحديثه وحديث سهل واحد أخرج النسائي واللفظ له وأخرجه من ذكر معه أيضاً عن عامر بن ربيعة فقال: خرجت أنا وسهل بن حنيف نلتمس الخمر أي بفتح أوليه كل ما ستر من شجر أو جبل أو نحو ذلك فأصبنا غديراً خمراً أي بوزن فرح فكان أحدنا يستحي أن يتجرد وأحد يراه واستتر حتى إذا رأى أن في فعل نزع جبة صوف عليه فنظرت إليه فأعجبني خلقه فأصبته بعيني فأخذته قعقعة فدعوته فلم يجبني فأتيت إلى النبي ﷺ فأخبرته فقال: "قوموا بنا فرفع عن ساقيه حتى خاض إليه الماء" فكأني أنظر إلى وضح ساقي النبي ﷺ فضرب صدره ثم قال: "بسم الله، اللهم أذهب حرها وبردها ووصبها" ثم قال: "قم بإذن الله" فقام فقال رسول الله ﷺ : "إذا رأى أحدكم من نفسه

стр. 2195

نظر بعض الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى قومه يوماً فاستكثرهم وأعجبوه، فمات منهم في ساعة سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: أنَّكَ عِنْتَهُمْ، وَلَوْ أنَّكَ إذْ عِنْتَهُمْ حَصَّنْتَهُم، لَمْ يَهْلِكُوا، قال: وَبأيِّ شَيْءٍ أحَصِّنُهُمْ؟ فأوحى الله تعالى إليه: تقولُ: حَصَّنْتُكُم بالحَيِّ القَيُّوم الَّذِي لا يَمُوتُ أبَداً، وَدَفَعْتُ عَنْكُمُ السُّوءَ بِلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بالله العَليِّ العَظِيم". قال المعلِّق عن القاضي حسين: وكان عادة القاضي ﵀ إذا نظر إلى أصحابه فأعجبه ــ أو ماله أو أخيه شيئاً يعجبه فليدع بالبركة فإن العين حق" أورده في السلاح هكذا ووهم صاحب الحرز السمين في شرح الحصن الحصن في هذا المحل وهما فاحشاً فاحذره. قوله: (وليبرك عليه) أي كأن يقول: اللهم بارك فيه ويضم إلى ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله كما قال السيوطي ودليله سبق في حديث أنس ولعل ضعفه لم يصل إلى المنع من العمل به في الفضائل. قوله: (فإن العين حق) أي إصابتها المعين بقدر الله حق أي والإتيان بالذكر المذكور يدفع ذلك الأثر بإذن الله. قوله: (نظر بعض الأنبياء الخ) أخرجه في أماليه في باب ما يقول بعد الصلاة عن صهيب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه بشيء أيام حنين إذا صلى الغداة فقلنا: يا رسول الله لا تزال تحرك شفتيك بعد صلاة الغداة ولم تكن تفعله فقال: "إن نبياً كان قبلي أعجبته كثرة أمته فقال: لا يروم هؤلاء أحسبه قال شيء فأوحى الله إليه أن خير أمتك بين ثلاث إما أن أسلط عليهم الجوع أو العدو أو الموت فعرض عليهم ذلك فقالوا: أما الجوع فلا طاقة لنا به ولا العدو ولكن الموت فمات منهم في ثلاثة أيام تسعون ألفاً فأنا اليوم أقول: اللهم بك أحاول وبك أقاتل وبك أصاول" قال الحافظ: حديث صحيح أخرجه أحمد وأخرج النسائي طرفاً منه وأخرج الترمذي نحو القصة بسنده على شرط مسلم اهـ، ولعل القاضي حسيناً أشار إلى هذه القصة ويحتمل أنه أراد غيرها لقوله فمات في ساعة واحدة سبعون ألفاً والله أعلم. قوله:

стр. 2196

سَمْتهم وحسن حالهم، حصَّنهم بهذا المذكور، والله أعلم. باب ما يقول إذا رأى ما يحبُّ وما يكره روينا في كتاب ابن ماجه وابن السني بإسناد جيد عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يحبُّ قال: "الحَمْدُ لِلهِ الَّذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصّالِحَاتُ"، وإذا رأى ما يكره قال: "الحَمْدُ لِلهِ ــ (سمتهم) بفتح المهملة وسكون الميم وبالفوقية أي طريقهم. قوله: (وحسن حالهم) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي وحالهم الحسنة وأنت المصنف لفظ حالة والأفصح تذكير لفظها وتأنيث معناها فيقال: حال حسنة. باب ما يقول إذا رأى ما يحب أو ما يكره وظاهر ترجمة السلاح بقوله ما يقول إذا حدث له مما يجب أو يكره يقتضي تخصيص حديث الباب بما يخص الإنسان من ذلك لكن في الحرز تعميم ذلك فيما يتعلق بالإنسان نفسه أو غيره وسبق من المصنف ﵀ أنه يقول في مثل ذلك: اللهم إن العيش عيش الآخرة فإن كان محرماً قال: لبيك إن العيش الخ، وحينئذٍ فينبغي ضم ذلك إلى ما ذكر في هذا الباب والمراد من الرؤية في الترجمة: العلم. قوله: (روينا في كتاب ابن السنن ألخ) ورواه الحاكم أيضاً كما أشار إليه الشيخ بقوله: قال الحاكم الخ، وكان حق الترتيب تقديم ابن ماجه في الذكر لأنه أحد أصحاب السنن خصوصاً واللفظ كما قال في السلاح قال: وعند الحاكم في رواية كان ﷺ يقول: "ما يمنع أحدكم إذا عرف الإجابة من نفسه فشفي من مرض أو قدم من سفر أن يقول: الحمد الله الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات" اهـ، وقد رأيت في نسخ أخرى مصححة بتقديم ابن ماجه في الذكر على ابن السني وهي العبادة كما تقدم. قوله: (بنعمته) أي بسبب نعمته أو بمصاحبتها أي بإنعامه. قوله: (تتم الصالحات) أي تكمل الأعمال الصالحة من الصلاح ضد الفساد. قوله: (يكرهه) بفتح التحتية ويجوز ضمها وفي

стр. 2197

على كل حالٍ". قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح الإسناد. باب ما يقول إذا نظر إلى السماء يستحبُّ أن يقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] إلى آخر الآيات، لحديث ابن عباس رضى الله عنهما المخرج في "صحيحيهما" أن رسول الله ﷺ قال ذلك، وقد سبق بيانه، والله أعلم. باب ما يقول إذا تطيَّر بشيء ــ نسخ أخرى يكره بحذف المفعول وعليه فتتعين التحتية. قوله: (على كل حال) أي من الشدائد المكروهة للنفس أي ما تكرهه النفس مما لا يؤول إلى عذاب الآخرة موجب للحمد والشكر إذ هو إما كفارة سيئات أو رفع درجات. باب ما يقول إذا نظر إلى السماء ترجم البخارى في كتاب باب رفع البصر إلى السماء وساق فيه أحاديث ابن عباس هذا قال الكرمانى: قال ابن بطال: فيه رد على أهل الزهد في قولهم: إنه لا ينبغي النظر إلى السماء تخشعاً وتذللاً لله اهـ. ومثله في تحفة القارئ إلا أنه قال: وفيه رد على من قال لا ينبغي النظر الخ. قوله: (وقد سبق بيانه) أي في باب ما يقول إذا استيقظ من الليل وخرج من بيته والله أعلم. باب ما يقول إذا تطيَّر بشيء أي حصل له في قلبه تغير من ذكر ما يقع منه الطيرة وفي شرح عدة الحصن لابن جعمان قال ابن الأثير: الطيرة بكسر الطاء وفتح التحتية وقد تسكن وهي التشاؤم بالشيء وهو مصدر تطير يقال: تطير طيرة وتخير خيرة ولم يجيء من المصادر هكذا غير هذين وأصل التطير فيما يقول: هو التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظبي

стр. 2198

روينا في "صحيح مسلم" عن معاوية بن الحكم السُّلَمي الصحابي رضي ــ أي مما لا تأثير له فيما اعتقدوه إنما هو تكلف لتعاطي ما لا أصل له إذا لا نطق للطير والظبي يستدل من قوله عليه وطلب العلم من غير مظانة جهل من فاعله كذا في الحزر قال في شرح العمدة: السانح ما مر من الطير والوحش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك والعرب نتيمن به لأنه أمكن للرمي والصيد والبارح ما مر من يمينك إلى يسارك والعرب تتطير به لأنه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف وفي الحديث برح ظبي ذكر ذلك في النهاية وكان ذلك يصد أهل الجاهلية عن مقاصدهم مع أن كثيراً منهم كانوا لا يرون للطيرة شيئاً ويمدحون من كذب بها كما قال الشاعر: لا يقعدنك عن بغا ... ء الخير تعقاد التمائم ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحائم وإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم قد خط ذلك في خطا ... ت الأوليات القدائم والتمائم جمع تميمة وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم ينفون بها العين في زعمهم فأبطل ذلك الإسلام قال عكرمة: كنت عند ابن عباس فمر طائر يصيح فقال رجل من القوم: خير فقال ابن عباس: ما عند هذا خير ولا شر قال السيوطي: إنما أخذت الطيرة من اسم الطير لما ذكر من أنها كانت تتشاءم ببروح الطير نقله في مرقاة الصعود قال الحليمي في منهاجه: التطير قبل الإسلام كان من وجوه منها: زجر الطير وصوت الغراب ومرور الظبي والعجم يتطيرون برؤية الطير حين يذهب إلى العلم ويتيمنون برجوعه وكذا يتشاءمون بالسقاء وعلى ظهره قربة مملوءة مشدودة وبالحمال المثقل الحمل وهذا كله باطل وقد نهينا عن الباطل وحديث الشؤم في ثلاث: المرأة والدار والفرس ليس من التطير ثم بين وجه ذلك وأطال في بيانه. قوله: (روينا في صحيح مسلم) ورواه أبو داود والنسائي كلهم في كتاب الصلاة كما ذكر الحافظ المزي في أطرافه. قوله: (عن معاوية بن الحكم) بضم الميم وفتح المهملة وكسر الواو

стр. 2199

الله عنه قال: قلت: يا رسول الله منَّا رجال يتطيرون، قال: "ذلكَ شَيءٌ يَجِدُونَه في صُدُورِهِمْ، فَلا يَصُدَّنَّهُمْ". ــ وبعدها تحتية فهاء تأنيث والحكم بفتح المهملة والكاف والسلمي بضم السين المهملة سكن معاوية المدينة قال المصنف في التهذيب: روى معاوية عن النبي ﷺ ثلاثة عشر حديثاً خرج عنه مسلم هذا الحديث وهو يجمع أحاديث اقتصر هنا على بعضه وخرج له داود والنسائي روى عنه أبو سلمة وعطاء بن يسار. قوله: (يتطيرون) قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: الفرق بين التطير والطيرة إن التطير هو الظن السيئ الذي يقع في النفس والطيرة هي الفعل المرتب على الظن السيئ قال: وإنما حرم التطير والطيرة لأنهما من باب سوء الظن بالله تعالى وحسن الفأل لأنه من باب حسن الظن بالله تعالى وقد قال تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" وفي رواية: "فليظن بي خيراً" قال: وسأل رجل بعض العلماء فقال: إني إن ظننت الخير وقع لي وإن ظننت الشر حل بي هل يشهد لك شيء من الشريعة قال: نعم، قوله ﷺ حكايته عن الله : "أنا عند ظن عبدي بي وليظن بي خيراً ما شاء" وفي رواية مرقاة الصعود نقلاً عن صاحب النهاية: إنما أحب ﷺ الفأل لأن النّاس إذا أملوا فائدة الله ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير ولو غلطوا في جهة الرجاء فإن الرجاء خير لهم فإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشر وأما الطيرة فإن فيها سوء الظن بالله وتوقع البلاء اهـ. قوله: (ذلك الشيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم) قال الخطابي: يريد أن ذلك شيء يوجد في النفوس البشرية ويعتري الإنسان من قبل الظنون والأوهام من غير أن يكون له تأثير من جهة الطباع أو يكون فيه ضرر كما كان يزعمه أهل الجاهلية وقال المصنف في شرح مسلم: هذا الحديث أن الطيرة تجدونها في نفوسكم ضرورة فلا عيب عليكم في ذلك فإنه غير مكتسب لكم فلا تكليف به ولكن لا تمتنعوا بسببه عن التصرف في أموركم فهذا هو الذي تقدرون عليه وهو مكتسب لكم فيقع به التكليف فنهاهم عن العمل بالطيرة والامتناع من تصرفاتهم بسببها وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير والطيرة

стр. 2200

وروينا في كتاب ابن السني وغيره عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الطِّيَرَةِ فقال: "أصْدَقُها الفألُ، ولاَ تَرُدُّ مُسْلِماً، وإذَا رأيْتُمْ مِنَ الطيَرَةِ شيئاً تَكْرَهُونَهُ فَقُولُوا: اللهم لا يأتِي بالحَسَناتِ إلا أنْتَ، وَلا يَذْهَبُ بالسيئاتِ إلاَّ أنْتَ، وَلا حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاَّ بالله". باب ما يقول عند دخول الحمام ــ وهي محمولة على العمل بها لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم اهـ. قوله: (وروينا في كتاب ابن السني وغيره) ورواه أبو داود في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه وقال: لا حول ولا قوة إلا بك روياه عن عروة بن عامر المكي وهو مختلف في صحبته ذكره ابن أبي حاتم في ثقات التابعين فالحديث مرسل على كونه تابعياً لكنه يعمل به في مثل ذلك عندنا أيضاً لكونه من الفضائل. قوله: (أصدقها الفأل) قال في النهاية: جاءت الطيرة بمعنى الجنس والفأل بمعنى النوع. قوله: (ولا ترد مسلماً) أي شأن المسلم المعتقد أن الله هو الفعال لما يشاء وأنه ليس لغيره أثر في شيء أن لا ترده الطيرة عما يقصده من شيء وإن وقع في قلبه منها شيء لما تقرر من أن المكلف بتركه هو التطير لأنه المكتسب للإنسان لا الطيرة نفسها لأنه من شأن الطبع أن يتغير منها فلا يؤاخذ به والله أعلم. قوله: (يأتي بالحسنات) قيل: الباء للتعدية أي لا يقدر ولا يحصل المستحسنات (إلا أنت). قوله: (بالسيئات) أي المكروهات. باب ما يقول عند دخول الحمام بفتح المهملة وتشديد الميم قال ابن العماد في مؤلفه المسمى بالقول التمام في دخول عربي مذكر لا مؤنث كما نقله الأزهري في تهذيب اللغة عن العرب وجمعه حمامات ويسمى بالديماس أيضاً وأول من اتخذه سليمان ﷺ وعلى نبينا وعلى سائر النبيين روى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن أبي موسى الأشعري عن النبي

стр. 2201

قيل: يستحبُّ أن يسميَ الله تعالى، وأن يسألَه الجنَّةَ، ويستعيذَه من النار. روينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نِعْمَ البَيْتُ الحَمَّامُ يَدْخُلُهُ المُسْلِمُ، ــ ﷺ قال: "أول من صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود فلما دخل وجد حره وغمه فقال: أوه من عذاب الله وأوه قبل ألا تكون أوه" اهـ، وفي الأوائل للسيوطي: أول من دخل الحمام سليمان أخرجه الطبراني عن أبي موسى مرفوعاً وتقدم في الفصول أول الكتاب زيادة في الكلم على الحمام مأخوذة من التهذيب للمصنف قالوا ولم تكن الحمامات بأرض العرب ولم يدخل النبي ﷺ حماماً وما نقله الدميري من أنه دخل حمام الجحفة ردوه بأنه موضوع ولو ورد حمل على أن المراد بالحمام فيه الماء الحار لا المكان المسمى بذلك والله أعلم. قوله: (قيل يستحب أن يسمي الله تعالى) قال في شرح الروض ويستحب بعدها التعوذ كأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث ويستحب تقديم يسراه دخولاً ويمناه خروجاً اهـ. قوله: (وأن يسأله الجنة ويستعيذ به من النار) أي يذكر بحرارته برد الجنة فيسألها أو حر النار فيستعيذ منها وفي المجموع في آداب داخل الحمام وأن يذكر بحرارته حر نار جهنم لشبهه بها أي فيستعيذ به منها وظاهر تعبير المصنف بقيل إنه غير مرتض له لكن في المجموع في آداب دخوله والتسمية ثم التقديم وأن يذكر بحرارته حر جهنم الخ، وقد ذكر الشيخ هنا مستند طلب سؤال الجنة والاستعاذة من النار واستحباب التسمية والتعوذ بالقياس على محل قضاء الحاجة لأنه مظنة لكشف العورة التي يراها الشيطان فأتى بهذا الذكر ليكون عوناً منه ومانعاً له والله أعلم. قوله: (روينا في كتاب ابن السني). قوله: (نعم البيت الحمام) أي لكونه وسيلة إلى التذكر بحر جهنم وبرد الجمعة فيستعاذ من الأولى ويسأل الثانية ويبادر إلى الأعمال الصالحة الموصلة لذلك. قوله: (يدخله المسلم)

стр. 2202

إذَا دَخَلَهُ سألَ اللهَ الجنّة وَاسْتَعاذَهُ مِنَ النارِ". باب ما يقول إذا اشترى غلاماً أو جارية أو دابة، وما يقوله إذا قضى دَيناً يستحبُّ في الأول أن يأخذ بناصيته ويقول: اللهُمَّ إني أسألُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ ما جُبِلَ عَلَيْهِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وشَرِّ ما جُبِلَ عَلَيْهِ. وقد سبق في كتاب أذكار النكاح الحديث الوارد في نحو ذلك في سنن أبي داود وغيره. ويقول في قضاء الدَّين: "بارَكَ اللهُ لَكَ في أهْلِكَ ومَالِكَ وَجَزَاكَ خَيْراً". ــ يحتمل أن يكون في موضع الحال أو الصفة لأن أل في الحمام للجنس وسبق في باب المسائل التي تتفرع على السلام ما يقال لمن يخرج من الحمام بما فيه. قوله: (إذا دخله سأل الله الجمعة) أي تذكر بحره بردها فيسألها من الله أي أن يوفقه للأعمال الموصلة إليها بفضل الله تعالى. باب ما يقول إذا اشترى غلاماً أو جارية أو دابة وما يقوله إذا قضى ديناً قوله: (في الأول) أي المشتري من غلام أو جارية أو دابة. قوله: (في كتاب أذكار النكاح) أي في باب ما يقول: إذا دخلت عليه امرأته ليلة الزفاف وسبق الكلام على تخريج الحديث وما يتعلق بمعناه. قوله: (ويقول في قضاء الدين الخ) سبق في باب دعاء الإنسان لمن صنع إليه معروفاً أو إلى النّاس كلهم أو بعضهم والثناء عليه وتحريضه على ذلك حديث ابن السني عن عبد الله بن ربيعة الصحابي ﵁ قال: استقرض مني النبي ﷺ أربعين ألفاً فجاءه مال فدفعه إلي وقال: "بارك الله لك في أهلك ومالك" الحديث وسبق في الباب المذكور أيضاً حديث أسامة مرفوعاً من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء فجمع الشيخ الذكر المذكور من هذين الخبرين والله أعلم. وسكت المصنف عما يقوله الدائن للمدين إذا قضاه قال في السلاح عن أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجل على النبي ﷺ سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: أعطوه فطلب سنه فلم

стр. 2203

باب ما يقول من لا يثبت على الخيل ويدعى له به روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: "شكوتُ إلى النبي ﷺ أني لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري وقال: "اللهم ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ ــ يجدوا إلا سناً فوقها فقال: أعطوه فقال: أوفيتني أوفى الله بك فقال ﷺ : "إن خياركم أحسنكم قضاء" رواه الجماعة إلا أبا داود وفي رواية للبخاري أيضاً أوفيتني وفي الله بك وفي أخرى له أوفاك الله وهذا الذكر وإن كان موقوفاً من ذلك القائل لكن أقره عليه المصطفى ﷺ فهو من جملة سنته فيعد من الذكر المأثور عنه ﷺ . باب ما يقول من لا يثبت على الخيل ويدعى له به أي ما يقوله من عرض حاله ممن لا يثبت على الخيل لمن ترجى بركته وتستجاب دعوته من العلماء الوارثين والأولياء الواصلين وما يدعو به ذلك المسؤول منه الدعاء المشرف بمقام وراثة الرسول ليبلغ السائل المراد من المسؤول. قوله: (روينا في صحيحى البخارى ومسلم) قضية كلام جامع الأصول إنهما انفردا به عن أصحاب السنن الأربع وفي الأطراف للمزي فيما رواه قيس بن أبي حازم البجلي عن جرير ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم وزاد ابن إدريس من حديثه وشكوت إليه أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده وقال: اللهم اجعله هادياً مهدياً رواه البخاري في الجهاد والأدب من صحيحه ومسلم في الفضائل والترمذي في المناقب وقال حسن صحيح والنسائي فيها أيضاً وابن ماجه في السنة اهـ، ومخلصاً. قوله: (شكوت إليه إلخ) هذه الشكوى سأل دفعها ليشرف بمقام الجهاد وإعلاء كلمة الإسلام على الدوام. قوله: (فضرب بيده في صدري) إنما ضرب في صدره

стр. 2204

هادياً مَهْدِياً". باب نهي العالِمِ وغيره أن يحدّث النَّاس بما لا يفهمونه، أو يخاف عليهم من تحريف معناه وحمله على خلاف المراد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ ﵁ حين طوَّل الصلاة بالجماعة: ــ لأن فيه القلب الذي بثباته يحصل الثبات. قوله: (هادياً) أي يهدي غيره إلى السبيل الحميد. وقوله: (مهدياً) أي في ذاته لذلك فيكون وأصلاً مرشداً والله أعلم. باب نهي العالم وغيره أي من الواعظ والقاص (أن يحدث النّاس بما لا يفهمونه) مما لا تطيق عقولهم قبوله (أو) بما يفهمونه لكن (يخاف عليهم من تحريفه) إذا أرادوا نقله والتعبير عنه وحاصله نهى من ذكر عن التحدث بما يخاف على السامع من تحريفه لعدم قدرته على التعبير عنه على ما هو عليه لغموضه ودقته وإن كان مما يتسع له عقل المخاطب. وقوله: (وحمله) أي ومن حمل المخاطب بذلك لذلك (على خلاف المراد منه) هو كالتفسير للتحريف بأن يكون خلاف المراد هو المتبادر منه لكونه معناه الأصلي أو المعنى الحقيقي إلا أنه غير مراد لما يمنع من إرادته فينهي العالم عن ذكر ذلك من غير بيان الحال لئلا يحمله المخاطب على خلاف المراد وذلك نحو ذكر الوجه أو اليد أو نحو ذلك له فهذا ربما يحمله بعض السامعين على المتبادر منه من الجارحة المعروفة: لكون ذلك هو المعنى الأصلي للفظ إلا أنه غير مراد لما يلزم عليه من اتصافه تعالى بأوصاف الحادث تعالى عن ذلك فحينئذٍ إذا ذكر العالم ذلك عند من يخشى منه حمله على خلاف المراد عقبه بقوله وظاهر هذا غير مراد أو نحو ذلك والله أعلم. قوله: (وما أرسلنا من رسول الله بلسان قومه) أي بلغتهم (ليبين لهم) أي ليفهمهم ما أتى به. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) ورواه أبو داود والنسائي. قوله: (حين طول الصلاة بالجماعة) وتلك الصلاة: صلاة العشاء

стр. 2205

"أَفَتَّانٌ أنْتَ يا معاذُ"؟ . وروينا في "صحيح البخاري " عن عليٍّ ﵁ قال: "حدَّثوا النّاس بما ــ كما في البخاري وفي أبي عوانة إنها المغرب فأما إن القضية تعددت أو تحمل المغرب على العشاء مجازاً وقرأ معاذ في تلك الصلاة بالبقرة كما في البخاري وعند أحمد فقرأ: اقتربت الساعة قال السيوطي: وهي شاذة وكان ذلك في مسجد بني سلمة والرجل الذي انصرف من الصلاة جاء في رواية البزار أنه حزم بن أبي كعب وإنه كان يريد أن يسقي نخله قال الحافظ: وهو تصحيف من حرام وقد ظنه جماعة حرام بن ملحان خال أنس يعني بمهملتين قال: وهو تصحيف ولأحمد من وجه آخر إنه سليم وصحفه بعضهم سلماً بفتح أوله وسكون ثانيه وجمع بأنهما واقعتان للاختلاف في الصلاة هل هي المغرب أو العشاء؟ أو في السورة هل هي البقرة أو اقتربت؟ وفي عذر الرجل هل هو لأجل التطويل فقط أو لكونه جاء من العمل وهو تعبان أو لكونه أراد أن يسقي نخله أو لكونه خاف على الماء في النخل؟ واستشكل هذا الجمع لأنه لا يظن بمعاذ العود إلى التطويل بعد أمر النبي ﷺ بالتخفيف وأجيب باحتمال أنه قرأ أولاً بالبقرة فلما نهاه قرأ اقتربت ظناً إنها لا تستطال وجمع المصنف باحتمال أنه قرأ في الأولى البقرة فانصرف رجل ثم قرأ اقتربت في الثانية فانصرف آخر أما ما في الصحيحين أيضاً من حديث أبي مسعود الأنصاري: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة أشد مما غضب يومئذٍ الحديث فقال الحافظ: من قال إنه معاذ ابن جبل فقد وهم وإنما هو أبي بن كعب كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن من حديث جابر كان أبي بن كعب يصلي بأهل قباء فاستفتح سورة طويلة فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة فلما رآه استفتحها انتقل من صلاته فغضب أبي فأتى النبي ﷺ يشكو الغلام وأتى الغلام يشكو أبياً الحديث. قوله: (أفتان) بتشديد الفوقية صيغة مبالغة من الفتنة وفي البخاري إنه قال ذلك ثلاثاً أو قال فاتن كذلك ومعنى الفتنة هنا إن التطويل سبب لخروجهم من الصلاة ولكراهة الجماعة وقيل: العذاب لأنه عذبهم بالتطويل كذا في التوشيح. قوله: (وروينا في صحيح البخاري عن علي) انفرد به عن الستة. قوله: (حدثوا النّاس) أي كلموهم (بما

стр. 2206

يعرفون، أتحبُّون أن يُكذب الله ورسولُه". باب استنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه ليتوفروا على استماعه روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ في حجة الوادع: "اسْتَنْصِتِ الناسَ"، ثم قال: "لا تَرْجِعُوا ــ يعرفون) أي يدركون بعقولهم زاد أبو نعيم في مستخرجه ودعوا ما ينكرون واتركوا ما يشتبه عليهم فهمه. قوله: (أن يكذب الله) بفتح الذال المعجمة المشددة لأن السامع لما لم يفهمه يعتقد استحالته جهلاً فلا يعرف وجوده فيلزم التكذيب روى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ جرابي علم أما أحدهما: فبثثته وأما الثاني: فلو بثثته لشق مني هذا البلعوم قيل: إنه كان فيما لا تسعه العقول من الحقائق وغير ذلك. باب استنصات العالم والواعظ أي المذكر بالله سبحانه (حاضري مجلسه ليتوفروا على استماعه). قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه كلهم عن جرير ورواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر ورواه البخاري والنسائي عن أبي بكرة ورواه البخاري والترمذي عن ابن عباس كذا في الجامع الصغير للسيوطي. قوله: (في حجة الوداع) بفتح الحاء والواو وكسرهما والفتح في الوداع على أنه اسم والكسر فيه على أنه مصدر من المفاعلة. قوله: (استنصت لي النّاس) في آخر كتاب العلم من البخاري أنه ﷺ قال له في حجة الوداع الخ، وادعى أن لفظة له زائدة لأن جرير أسلم بعد حجة الوداع بنحو شهرين فيما جزم به ابن عبد البر ورد بأن البغوي وابن حبان قالا: إنه أسلم قبلها في

стр. 2207

بَعْدِي كُفاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". باب ما يقوله الرجل المقتدى به إذا فعل شيئاً في ظاهره مخالفة للصواب مع أنه صواب اعلم أنه يستحب للعالِم والمعلِّم والقاضي والمفتي والشيخ المربِّي وغيرهم ــ رمضان واللفظة ثابتة في الأمهات القديمة فتقدم كذا في التوشيح للحافظ السيوطي وتقدم في هذا المعنى مزيد في ترجمة جرير ﵁. وقوله: (كفاراً) أي كالكفار في استحلال بعضكم دماء بعض فهو منصوب بنزع الخافض على تضمين ترجعوا معنى تشبهوا أو بالخبرية على تفسير ترجعوا بتصيروا كذا في تحفة القارئ. وقوله: (يضرب بعضكم) قال القاضي عياض: الرواية بالرفع أي لا تفعلوا فعل الكفار فتشبهوهم في حال قتل بعضهم بعضاً قال عياض: ومن جزم أحال المعنى، ثم رفعه على الاستئناف بيان لترجعوا أو حال من ضمير ترجعوا أو صفة لكفاراً وجوز في تحفة القارئ جزمه على أنه جواب شرط مقدر أي فإن ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. فائدة قال السيوطي في مصباح الزجاجة نقلاً عن المصنف في معناه سبعة أقوال: أحدها: أن ذلك كفر في حق المستحل، الثاني: المراد كفر النعمة وحق الإسلام، الثالث: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه، الرابع: أنه فعل كفعل الكفار، الخامس: المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا على الإسلام، والسادس: حكاه الخطابي وغيره إن المراد الكفار المتكفرون بالسلاح يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه قال الأزهري في التهذيب يقال للابس السلاح كافر، والسابع: قاله الخطابي معناه لا يكفر بعضكم بعضاً تستحلوا قتال بعضكم بعضاً وأظهر الأقوال الرابع وهو اختيار القاضي عياض اهـ. باب ما يقوله الرجل المقتدى به إذا فعل شيئاً في ظاهره مخالفة للصواب مع أنه صواب أي في نفس الأمر. قوله: (للعالم) أي من كان من أهل العلم وإن لم ينتصب لتعليمه فعطف المعلم عليه من عطف الخاص على العام. قوله: (والشيخ المربي) أي الذي يربي المريدين بأن يسوسهم بالأخلاق الرضية ويخرجهم من الأخلاق الردية ويؤهلهم للوصول إلى ساحات الفيوضات الربانية. قوله: (وغيرهم) أي كمرشد

стр. 2208

ممن يقتدَى به ويؤخَذُ عنه: أن يجتنبَ الأفعالَ والأقوالَ والتصرفاتِ التي ظاهرها خلاف الصواب وإن كان محقاً فيها، لأنه إذا فعل ذلك تَرَتَّبَ عليه مفاسد، من جملتها: توهُّم كثير ممن يعلم ذلك منه أن هذا جائز على ظاهره بكل حال، وأن يبقى ذلك شرعاً وأمراً معمولاً به أبداً، ومنها وقوع النّاس فيه بالتنقُّص، واعتقادهم نقصه، وإطلاق ألسنتهم بذلك، ومنها أن النّاس يسيئون الظن به فينفرون عنه، وينفِّرون غيرَهم عن أخذ العلم عنه، وتسقط رواياته وشهادته، ويبطل العمل بفتواه، ويذهب ــ السالكين أو من كان معتقداً لكونه من الصالحين وإن لم يكن من المربين ولا من المرشدين. قوله: (أن يجتنب الأفعال الخ) قال بعضهم: إياك وما يعتذر منه وإن عددت له مخرجاً صحيحاً. قوله: (لأنه إذا فعل ذلك) أي المذكور من الأقوال والأفعال التي ظاهرها خلاف الصواب وعلمه ذلك منه لكونه يراه يفعله ولا يدري محمله فيه فيحمله على إطلاقه وإنه مشروع كذلك كما أشار إليه المصنف. قوله: (وأن يبقى ذلك) أي المحذور (شرعاً) أي على عمومه من غير تقييد بالمحمل الذي صحبه مقصوراً عليه. قوله: (ومنها وقوع النّاس فيه) أي لأنه إن لم يقف على المحمل المسوغ لذلك يقع في فاعله (أو تنقصه) بكونه يباشر ما لا يجوز. قوله: (فينفرون عنه) يضم الفاء من النفرة. قوله: (وينفرون) بتشديد الفاء من التنفير وحذف معموله للتعميم أي فيذهب المقصود من الاقتداء به وأخذ العلم عنه من الانتفاع به والسعي في حصول الثواب بهذا الأمر الذي ظاهره غير روي. قوله: (وتسقط روايته وشهادته) أي وذلك لانطلاق الألسنة فيه المقتضى عادة لقلة الوثوق ممن كان كذلك. قوله: (بفتياه) بضم الفاء ويقال بفتح الفاء وهو ذكر حكم حديث لأمر حديث. قوله:

стр. 2209

ركون النفوس إلى ما يقوله من العلوم، وهذه مفاسد ظاهرة، فينبغي له اجتناب أفرادها، فكيف بمجموعها؟ فإن احتاج إلى شيء من ذلك وكان محقاً في نفس الأمر لم يظهره، فإن أظهره أو ظهر أو رأى المصلحة في إظهاره ليعلم جوازه وحكم الشرع فيه، فينبغي أن يقول: هذا الذي فعلتُه ليس بحرام، أو إنما فعلتُه لتعلموا أنه ليس بحرام إذا كان على هذا الوجه الذي فعلته، وهو كذا وكذا، ودليله كذا وكذا. روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ قام على المنبر، فكبَّرَ ــ (ركون القلوب) أي استنادها واعتمادها. قوله: (اجتناب أفرادها) أي باجتناب ما يدعو إليها من الأفعال الردية وإن كان لها عنده محامل رضية إلا لحاجة تدعوه لذلك وتلجئه إليه. قوله: (لم يظهره) أي ما ذكر من الفعل الذي ظاهره معترض وله فيه محمل مرضي خشية من حصول الضرر المذكور على ذلك. قوله: (فإن أظهره) أي قصداً. قوله: (أو ظهر) أي من غير قصده (أو رأى المصلحة في إظهاره) أي أو لم يظهره ولا ظهر ولكن رأى نحو العالم المصلحة في ظهوره بأن كل من الأحكام التي لا يعرفها إلا قليل وخشي جهل الباقين لها فيظهر أنه فعل ذلك ويبين حكمه ليعلم كان يطوف إنسان راكباً على دابة بقصد بيان جواز ذلك وإنه لا كراهة فيه فضلاً عن حرمته ومن عبر بكراهة ذلك أراد بها ما يسميها المتأخرون بخلاف الأولى. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) وأخرجه أبو داود والنسائي كما في مختصر جامع الأصول. قوله: (قام على المنبر) قال العلماء: المنبر بكسر الميم وسكون النون وفتح الموحدة مأخوذ من المنبر وهو الارتفاع وكان المنبر الذي صنع له ﷺ ثلاث درجات كما صرح به مسلم في روايته وصلاته هذه بعد خطبته كما في تحفة القارئ والإمام

стр. 2210

وكبَّر النّاس وراءَه، فقرأ وركع وركع النّاس خلفَه، ثم رفع، ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر حتى فرغ من صلاته، ثم أقبل على النّاس فقال: أيُّها النَّاسُ إنَّمَا صَنَعْتُ هَذا لتَأتمُّوا بِي ولِتَعَلمُوا صَلاتي". والأحاديث في هذا الباب كثيرة. كحديث "إنَّها صَفِيَّةُ". ــ في الصلاة على المنبر ليريهم أعمال الصلاة كما ذكر ذلك آخر الحديث قال المصنف: وفي الحديث جواز صلاة الإِمام مرتفعاً على موضع المأمومين ويقاس به عكسه ثم إن كان الارتفاع لغير حاجة فمكروه ولا تبطل مطلقاً على الصحيح وإن كان لحاجة كتعليمهم أفعال الصلاة لم يكره بل يستحب لهذا الحديث ولذا إذا أراد المأموم إعلام المأمومين بصلاة الإِمام واحتاج إلى الارتفاع لم يكره. قوله: (وكبر النّاس وراءه) أي عقب تكبيره. قوله: (ثم رجع القهقرى) تقدم في الفصول أول الكتاب أنه المشي إلى الخلف والمراد أنه نزل بعد إكمال الاعتدال إلى أصل المنبر بمشي القهقرى إلى خلفه وفعل ذلك محافظة على الاستقبال وقدمنا إن درجات المنبر كانت ثلاثة والثالثة المستراح فالنبي ﷺ كان في الثانية فنزل منها إلى الأرض في خطوتين فيؤخذ منه جواز الفعل اليسير في الصلوات فالخطوتان لا تبطلان الصلاة لكن الأولى ترك ذلك إلا لحاجة فإن كان لحاجة فلا كراهة كما فعل ﷺ وفيه إن العمل الكثير إذا لم يكن متوالياً لا يبطل الصلاة لأن النزول عن المنبر والصعود تكرر وجملته كثيرة لكن إفراده المتفرقة كل واحد منها قليل. قوله: (فلما فرغ) أي من الصلاة. قوله: (قال صنعت هذا) أي صعود المنبر ثم النزول منه في الصلاة الذي هو لولا حاجة البيان خلاف الأولى (لتأتموا بي) أي لتقتدوا ويرى الجميع الأفعال بالعيان فيتعلموا كيفيتها بالرؤية ولذا قال (ولتعلموا صلاتي) أي لتتعلموها فحذف إحدى التاءين تخفيفاً. قوله: (كحديث إنها صفية) وذلك ما أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبزار والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي عن صفية قالت: كان النبي ﷺ معتكفاً فأتيته أزوره ليلًا فحدثته ثم قمت لانقلب فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان
следующие страницы →