← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الياء المثناة تحت وفتح السين المهملة، الصحابية المهاجرة ﵂: "أن النبي ﷺ أمرهن ــ الياء المثناة تحتُ وهي أم ياسر إلخ) أي بصيغة التصغير ويقال أسيرة كذلك وفي التقريب لابن حجر العسقلاني ويقال أسيرة بالألف صحابية ويقال أنها من المهاجرات اهـ. قال في الاستيعاب وقيل هي بنت ياسر، وكأنه مستند ابن مالك في شرح المشارق فما في المرقاة أنها بنت ياسر سبق قلم ليس في محله قال الحافظ يسيرة جدة حميظة أول اسمها مثناة تحتية ثم مهملة مصغرة ويقال أسيرة بالهمزة بدل الياء ذكروها في الصحابة وكنوها أم ياسر وقال بعضهم يسيرة بنت ياسر والأكثر لم يذكر اسم أبيها وذكر بعضهم أنها أنصارية والذي وقع في الرواية عن أحمد وابن سعد في طبقاته عن يسيرة وكانت من المهاجرات اهـ، بمعناه قال الدبيع في تيسير الوصول مولاة لأبي بكر الصديق، وليس لها في الكتب الستة إلاّ هذا الحديث قال في الاستيعاب تكنى أم حميظة كانت من المهاجرات المبايعات اهـ، وقيل إنها أنصارية وعلمت ما فيه قال الحافظ وحميظة بضم المهملة ثم تحتية ثم معجمة ثم فوقية مصغرة من ثقات التابعين ويسيرة جدتها اهـ. قوله: (أمرهن) أي النساء ومرجع الضمير إما معلوم من المقام أو تقدم في الكلام ولم يذكر لعدم الحاجة إليه، وصيغة الأمر، على ما في المشكاة وقال رواه الترمذي وفي الحصين وعزا تخريجه لمصنف ابن شيبة، عليكن بالتسبيح والتقديس والتهليل ولا تغفلن فتنسين الرحمة وليس فيها ذكر التكبير والرواية التي ذكرها المصنف هنا حذف منها لفظ التسبيح وأتى فيها بالتكبير ورواها كذلك في الحصين أيضاً من حديثها فلعل في الخبر روايتين أثبت في إحداهما التكبير وحذف التسبيح وفي الأخرى بالعكس وكأن وجه حذف التسبيح الاكتفاء عنه بالتقديس المفسر بما سيأتي مما يشمل معنى التسبيح ثم رأيت صاحب الحرز قال فلعل للترمذي فيه ألفاظاً إلخ،

стр. 247

أن يُراعين بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل فإنهن ــ ما سيأتي بما فيه. تنبيه اختلف علماء الأثر في قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عنه أو نحو ذلك هل هو موقوف حكماً أو لفظاً فقط ومحل ذلك ما لم يصرح بالأمر كحديث يسيرة هذا وإلا فمرفوع حكماً اتفاقًا إلاّ من شذ فقال لا يكون مرفوعاً حتى ينقل لنا لفظه قال السخاوي ولعله ممن لا يجوز الرواية بالمعنى اهـ. قوله: (يُرَاعِينَ) أي أمر النسوة أن يراعين بالتكبير فالنون ضمير النسوة فاعل والفعل مبني للمعلوم ومراده صاحب الحصين بلفظ كان يأمر أن يراعي التكبير إلخ، والفعل فيه مبني للمجهول والتكبير نائب الفاعل ثم على رواية الكتاب يحتمل كون الباء في التكبير زائدة في المفعول مثل ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ويقربه توافق الروايتين والسلامة من الحذف في البين ويحتمل كونها ليست كذلك والمفعول محذوف أي يراعين أنفسهن بالتكبير أي فإن لهن بالإتيان بذلك الأجر الكثير ونفع العمل الصالح يعود لفاعله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] قوله: (والتَّقْديس) أي قول سبحان الملك القدوس أو سبوح قدوس أو سبحان الله أو سبحان الله وبحمده وفي قوت المغتذي على جامع الترمذي للسيوطي قال الحكيم الترمذي في نوادره التهليل هو التوحيد والتقديس التنزيه والتطهير والفرق بينه وبين التسبيح إن التسبيح للأسماء والتقديس للآلاء وكلاهما يؤديان إلى التطهير اهـ. قوله: (والتهليل) أي قول لا إله إلاَّ الله يقال هلل إذا قال ذلك وهذا على عادة العرب أن الكلمتين أي فما فوق إذا تكررت على ألسنتهم اختصروها ليسهل تكررها بضم بعض حروف أحدها إلى الأخرى كالحوقلة والحولقة والبسملة. قوله: (وان يَعقِدْنَ بالأَنامل) الباء إما زائدة في الإثبات على مذهب جماعة أو للاستعانة أي يعقدن عدد التسبيح مستعينات بالأنامل عند الحاجة إلى ذلك قاله ابن حجر الهيثمي

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتعقبه في المرقاة بأنه وهم وانتقال من الباء إلى من وإلا فزيادة الباء في المفعول كثيرة غير مقيدة بالإثبات والنفي اتفاقاً على ما في المغني كقوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] فليمدد بسبب إلى السماء ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكفى بنا فضلاً عن غيرنا حب النبي محمد إيانا اهـ، والأنامل رؤوس الأصابع كما في الصحاح وفي القاموس الأنملة بتثليث الميم والهمزة تسع لغات التي فيها الظفر وجمعها أنامل وأنملات اهـ. قال في المرقاة والظاهر إن يراد بها الأصابع من إطلاق البعض وإرادة الكل عكس قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]، للمبالغة اهـ، ثم العقد المذكور يحتمل أن يراد به أنه يعد بنفس الأنامل أو بجملة الأصابع قال ابن حجر في شرح المشكاة والأول أقرب اهـ، وفي الحرز والعقد بالمفاصل مشهور أن يضع إبهامه في كل ذكر على مفصل والعقد بالأصابع أن يعقدها ثم يفتحها أما العقد برؤوس الأصابع فباتكائها على ما يحاذيها من البدن على ما قرره الفقهاء في صلاة التسبيح ونحوها وأما بوضعها على الكف فماله بالعقد على الأصابع وأما بوضع الإبهام على الرؤوس اهـ. وفي المرح المشكاة وظاهر كلام أئمتنا المتأخرين إن المراد بالعقد هنا ما يتعارفه الناس وقال غيره المراد عقد الحساب لا الذي يعلمه الناس الآن "قلت" وممن قال بذلك الحافظ وعبارته في التخريج معنى العقد المذكور في الحديث إحصاء العدد بوضع بعض الأنامل على بعض عقد أنملة أخرى فالآحاد والعشرات باليمين والمئون والألوف باليسار اهـ. قال ابن حجر في شرح المشكاة وعلى تسليمه فالظاهر أن الأول يحصل به أصل السنة بل كمالها إذا لم يعرف غيره اهـ. قال ابن الجزري في الخبر المروي بلفظ يراعي

стр. 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التكبير إلخ، يريد المراعاة بالعدد كما ورد منصوصاً في الأحاديث نحو مائة مرة وثلاث وثلاثين وخمس وعشرين وغير ذلك بأن يعقد الأنامل وهي الأصابع كما هو معروف عند العرب قديماً وحديثاً لأن الأنامل مسؤولات ومستنقطات عما كان يستعملهن صاحبهن ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] الآية وبينه حديث ابن عمرو الآتي ولهذا اتخذ أهل العبادة وغيرهم السبح وقال أهل العلم ينبغي أن يكون عدد التسبيح باليمين اهـ، وفي شرح المشكاة لابن حجر ويستفاد من الأمر بالعقد المذكور في الحديث ندب اتخاذ السبحة وزعم أنها بدعة غير صحيح إلاَّ أن يحمل على تلك الكيفيات التي اخترعها بعض السفهاء مما يمحضها للزينة أو الرياء أو اللعب اهـ، ونوزع بأن أخذ السبح بظاهره مناف لهذا الحديث لأنه يفيد العدد بالأصابع على وجه تفصيله كما أشير إليه بتعليله وجرى في الحرز على كونها بدعة قال لكنها مستحبة لما سيأتي من حديث جويرية أنها كانت تسبح بنوى أو حصى وقد قررها ﷺ على فعلها والسبحة في معناها إذ لا يختلف الغرض من كونها منظومة أو منثورة اهـ، وما ذكره من إقرار جويرية على التسبيح بالحصى أو النوى وهم إذ التي دخل عليها ﷺ وكانت تسبح بذلك صفية في رواية وامرأة مبهمة في رواية أخرى وليس في حديث جويرية التسبيح بحصى أو نوى، ثم قوله أولاً أنها بدعة يخالف نقله إقرار المصطفى ﷺ والبدعة كما في التهذيب وغيره إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله ﷺ وهذا ليس منه لموافقته على إقراره ﷺ وصرح غير واحد من المحدثين بأن محل الخلاف في وقت أو رفع قول الصحابي كنا نفعل أو نقول كذا في عصر النبي ﷺ ما لم يصرح في الخبر باطلاعه عليه ﷺ وإلا فمرفوع جزماً كما ورد عن ابن عمر كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان فيسمع ذلك النبي ﷺ ولا ينكره رواه البخاري وما نحن فيه من هذا القبيل لما فيه من

стр. 250

مسؤولات مستنطقات". ــ الإقرار على التسبيح بتلك النوى وصغار الأحجار بل ورد من الأخبار ما فيها التصريح برؤيته ﷺ ذلك مع الإقرار والله أعلم ثم رأيته خالف في المرقاة وسلك طريق الصواب فقال في حديث سعد السابق وهذا أصل صحيح بتجويز السبحة بتقريره ﷺ فإنه في معناها إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يعد به ولا يعتد بقول من عدها بدعة وقد قال المشايخ أنها سوط الشيطان وروي أنه رؤي مع الجنيد سبحة في يده حال انتهائه فسئل عن ذلك فقال شيء وصلنا به إلى الله كيف نتركه ولعل هذا أحد معاني قولهم النهاية الرجوع إلى البداية اهـ، وقد أفردت السبحة بجزء لطيف سميته "إيقاد المصابيح لمشروعية اتخاذ المسابيح" وأوردت فيه ما يتعلق بها من الأخبار والآثار والاختلاف في تفاضل الاشتغال بها أو بعقد الأصابع في الأذكار وحاصل ذلك أن استعمالها في أعداد الأذكار الكثيرة التي يلهى الاشتغال بها عن التوجه للذكر أفضل من العقد بالأنامل ونحوه والعقد بالأنامل فيما لا يحصل فيه ذلك سيما الأذكار عقب الصلاة ونحوها أفضل والله أعلم. قوله: (مسؤولات مستَنطَقات) بصيغة المجهول أي مسؤولة عن أعمال صاحبها شاهدة عليه والحديث مشير إلى قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] الآية. تنبيه أورد ابن الجزري في الحصين في الحديث كان يأمر أن يراعى التكبير والتقديس والتهليل وأن يعقد بالأنامل لأنهن مسؤولات ومستنطقات ورمز لمخرجيه بقوله دت أي أبو داود والترمذي ثم أورد بعده حديث عليكن بالتسبيح والتقديس والتهليل ولا تغفلن فتنسين الرحمة ورمز لمخرجه بقوله مص أي ابن شيبة في مصنفه وصحابي الحديثين يسيرة واعترضه ميرك بأن لفظ الترمذي عن يسيرة قالت قال لي رسول الله ﷺ عليكن بالتسبيح إلخ وفي الأذكار سنده حسن

стр. 251

وروينا فيهما وفي "سنن النسائي" بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "رأيت رسول الله ﷺ ــ فالعجب من الشيخ أنه خرج لفظ الترمذي ونسبه إلى مص فقط اهـ. قال في الحرز ولعل في الترمذي ألفاظاً منها ما نقله المصنف عنه مطابقاً لرواية أبي داود ومنها ما نقله صاحب الأذكار وأما ما رواه ابن أبي شيبة فليس فيه إلاّ ما نسبه المصنف إليه ومدار الحديث عند الكل على يسيرة، فعلة الإشكال صارت يسيرة، ثم إن السيوطي في الجامع الصغير أورد لفظ الحديث كما في الأذكار ثم قال رواه الترمذي والحاكم في مستدركه ففيه استدراك على المصنف حيث لم يذكره ولم ينقله عنه اهـ. وهذا وهم من ميرك تابعه عليه في الحرز إذ حديث عليكن بالتسبيح إلخ، لا وجود له في الأذكار بهذا اللفظ أصلاً فضلاً عن كونه بسند حسن إنما فيه حديث أمرهن إن يراعين بالتكبير إلخ، وأما قول صاحب الحرز وأما ما رواه ابن أبي شيبة إلخ، فلا يندفع بالاعتراض عن صاحب الحصين لأن الذي ادعاه ميرك إن هذا الحديث بهذا اللفظ رواه الترمذي والمصنف اقتصر في عزوه على مصنف ابن أبي شيبة فإن ثبت أنه في الترمذي كذلك ثبت الاستدراك عليه به وبالمستدرك ولفظ حديث الجامع الصغير كما في الرواية المعزوة إلى مص. قوله: (وروينا فيهما وفي سُنن النسائي إلخ) قال الحافظ الحديث حسن أخرجه أبو داود وقال في آخره زاد محمد بن قدامة "بيمينه" وأخرجه الترمذي والنسائي في الكبرى وأخرجه الحاكم وقال الترمذي حسن غريب من حديث الأعمش عن عطاء بن السائب قال الحافظ رجال إسناده غالبهم كوفيون وكلهم ثقات إلاَّ عطاء بن السائب فاختلط ورواية الأعمش عنه قديمة فإنه من أقرانه اهـ. قوله: (عن عبد الله بن عمرو) وهو عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي ابن الصحابي ﵄ أحد العبادلة الفقهاء الأربعة وباقيهم ابن عمر وابن الزبير

стр. 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وابن عباس كان أصغر من أبيه باثنتي عشرة سنة أسلم قبل أبيه وكان فاضلاً عالماً قارئ القرآن والكتب المتقدمة قال في حقه النبي ﷺ نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله أخرجه أحمد وأبو يعلى عن طلحة واستأذن النبي ﷺ في أن يكتب عنه فأذن له فقال يا رسول الله أكتب ما أسمع في الرضا والغضب قال نعم فإني لا أقول إلاَّ حقاً قال أبو هريرة ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله ﷺ مني إلاَّ عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه كان يكتب ولا أكتب وإنما قلت الأحاديث المروية عنه بحيث لم يزد بالنسبة إلى ما في مسند تقي بن مخلد على أربعمائة حديث اتفقا منها على سبعة عشر وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين وكثرت الأحاديث المروية عن أبي هريرة لأنه توجه أبو هريرة لنشر الحديث حتى بلغ من أخذ عنه إلى نحو ثمانمائة إنسان ما بين صحابي وتابعي وتوجه عبد الله إلى التعبد أكثر من توجهه للتعليم واعتزل الناس وكان بمكة والطائف ولم يكن الرحلة إليهما من طلبة العلم كالرحلة إلى المدينة وكان أبو هريرة متصدياً فيها للفتيا والحديث حتى مات ولأن أبا هريرة اختص بدعوة النبي ﷺ إلا ينسى ما يحدثه به فانتشرت روايته وقال عبد الله بن عمرو حفظت عن النبي ﷺ في الصيام والقيام وأمره ﷺ بالتخفيف مشهور مخرج في الأصول. في أسد الغابة قال عبد الله بن عمر لخير اعمله اليوم أحب إلي من مثليه مع رسول الله ﷺ لأنا كنا مع رسول الله ﷺ تهمنا الآخرة ولا تهمنا الدنيا وإنا اليوم مالت بنا الدنيا وشهد مع أبيه فتح الشام وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك وشهد معه صفين وقاتل وندم عليه وكان يقول ما لي ولصفين ما لي ولقتال المسلمين لوددت أني من قبله بعشرين سنة وقيل شهدها ولم يقاتل روى عنه ابن أبي مليكة أما والله ما طعنت برمح ولا ضربت بسيف ولا رميت بسهم

стр. 253

- يعقد التسبيح" وفي رواية: "بيمينه". وروينا ــ وما كان رجل أجود مني لم يفعل شيئاً من ذلك توفي عبد الله سنة ثلاث وقيل خمس وستين بمصر وقيل سبع وستين بمكة وقيل خمس وخمسين بالطائف وقيل ثمان وستين وقيل ثلاث وسبعين وكان عمره اثنتين وسبعين سنة وقيل وتسعين شك ابن كبير في سبعين هل هو بتقديم المثناة أو السين المهملة أخرجه الثلاثة وقال الحافظ العراقي اختلف في وفاته فقال أحمد توفي ليالي في الحرة وكانت سنة ثلاث وستين وقيل ثلاث وسبعين وقيل خمس وستين وقيل سبع وقيل ثمان وستين وقيل خمس وخمسين وهو بعيد واختلف أيضاً في محل وفاته فقيل بمصر وقيل بفلسطين وقيل بمكة وقيل بالمدينة وقيل بالطائف والله أعلم اهـ. وقال ابن الجوزي في صفوة الصفوة أنه مات بالشام سنة خمس وستين عن اثنتين وسبعين سنة اهـ. قوله: (يعقِدُ التسبيح) فهم ابن الجزري في مفتاح الحصين إن المراد بالتسبيح فيه المسبحة فقال كما سبق ولهذا اتخذ أهل العبادة غيرهم السبح اهـ. وقال في الحرز ليس المراد بالتسبيح ما سبح به من الآلة بل المراد به قول سبحان الله ونحوه من ألفاظ التنزيه فالمعنى يعقد عدد ما قاله من التسبيح. قوله: (وفي رواية بيمينه) قال في الحرز ليس في النسائي والترمذي قول بيمينه كما ذكره ميرك وفي الجامع الصغير كان يعقد التسبيح رواه الترمذي والنسائي والحاكم والظاهر إن لفظ بيمينه مدرج من الراوي إذ ليس في الأصول مذكوراً اهـ، لكن قضية قول الرداد في موجبات الرحمة بعد إيراده كذلك أخرجه أبو داود ورواه الترمذي والنسائي ولم يقولا بيمينه أن هذا اللفظ ثابت في رواية أبي داود وكلام ميرك يومئ إليه لأنه لم ينفها إلاَّ في طريقي النسائي والترمذي ولم يتعرض لأبي داود لأن صاحب الحصن إنما عزا تخريج الحديث كذلك إلى رواية النسائي وبما ذكر يندفع دعوى إن لفظ بيمينه مدرج من الراوي كما لا يخفى على اليقظ.

стр. 254

في "سنن أبي داود" عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قالَ: رَضِيتُ بالله رَباً، وَبالإسْلام دِيناً، وَبمُحَمدِ ﷺ رَسُولاً وَجَبَتْ لَهُ الجَنةُ". وروينا ــ الحاوي وقد سبق في كلام أبي داود إن محمد بن قدامة زاد ذلك وهو أحد أشياخ أبي داود في هذا الخبر فقد رواه عنه وعن عبيد الله بن محمد القواريري وآخرين كما أشار إليه الحافظ وفي شرح المشكاة لابن حجر وصح أنه ﷺ كان يعقد التسبيح بيمينه وفي التصحيح ما لا يخفى لوجود النزاع في ثبوت بيمينه من حيث الرواية، هذا وحديث يسيرة السابق عقد الأنامل فيه شامل لكلا اليدين وحينئذٍ فإما أن يحمل على اليمين ليوافق حديث ابن عمرو أو يبقى على عمومه بالنسبة لحصول أصل السنة ويحمل خبر ابن عمرو على بيان الأفضل أو يحمل حديثها على ما احتيج إلى اليدين وحديثه على ما إذا كفى أحدها. قوله: (في سنن أبي داود إلخ) في عدة الحصين رمز لمخرج هذا الخبر "س. م" أي النسائي -قلت خرجه في السنن الكبرى- ومسلم، وفي الحصن لمخرجيه "س م ت مص" أي النسائي ومسلم والترمذي وابن أبي شيبة قال في السلاح رواية أبي داود وإحدى روايات النسائي من قال رضيت بالله ربا إلخ، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي في أخرى من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً وجبت له الجنة وحينئذٍ فكان حق المصنف أن يذكر في مخرجيه النسائي أيضاً ولا يرد عليه مسلم لأنه لم يروه بهذا اللفظ والله أعلم وقال الحافظ هذا حديث حسن وإنما لم أحكم له بالصحة مع إن رجاله رجال الصحة لاختلاف وقع على أبي هانئ يعني الراوي له عن عبدة بن سليمان عن أبي سعيد الخدري واسمه حميد بن هائئ في متنه وسنده فأخرجه مسلم والنسائي عن أبي هانئ عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال يا أبا سعيد من رضي بالله رباً الحديث

стр. 255

في "كتاب الترمذي" عن عبد الله بن بُسر، بضم الباء الموحدة وإسكان السين المهملة الصحابي ﵁، "أن رجلاً قال: يا رسول الله إن ــ على هذا المنوال وفيه قصة وحديث آخر في الجهاد مضموم إليها ولذا أخرجه مسلم في كتاب الجهاد وصحح ابن حبان طريقيه معاً وأخرجه الحاكم والطبراني في كتاب الدعاء قال الحافظ وسيأتي شواهد لأصل الحديث في القول عند سماع المؤذن وفي القول عند الصباح والمساء لكنها مقيدة بذلك اهـ، وسيأتي الكلام على معنى الحديث في باب الأذان إن شاء الله تعالى. قوله: (في كتاب الترمذي إلخ) ورواه أيضاً ابن ماجة والحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد وابن حبان في صحيحه قاله في السلاح زاد في الحصين وابن أبي شيبة في مصنفه وكان سبب الاقتصار على الترمذي كون اللفظ له وقال الحافظ الحديث حسن رواه الترمذي والنسائي في الكبرى والطبراني في كتاب الدعاء ولأصل الحديث شاهد من حديث معاذ أخرجه الطبراني في الدعاء عن معاذ قال سألت النبي ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله تعالى قال أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله قال الحافظ حديث حسن أخرجه الفريابي في الذكر له وشاهد آخر من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء موقوفاً إن الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله تعالى يدخلون الجنة وهم يضحكون، نفير بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتية بعدها مهملة صحابي اهـ. قوله: (عَنْ عبد الله بن بُسْرٍ) قال في السلاح وغيره بضم الموحدة وسكون المهملة اهـ، وهو أنصاري مازني صحب النبي ﷺ هو وأبوه وأمه وأخوه عطية وأخته الصماء انفرد كل واحد من الشيخين عنه بحديث وخرج عنه الأربعة مات بحمص سنة ثمان وثمانين عن أربع وتسعين سنة وفي أسد الغابة توفي سنة ثمان وثمانين وهو ابن أربع وتسعين سنة وقيل مات بحمص

стр. 256

شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال: لا يَزَالُ لِسانُكَ ــ سنة ست وتسعين أيام سليمان بن عبد الملك وعمره مائة سنة وهو آخر من مات بالشام من الصحابة أخرجه الثلاثة إلاَّ ابن منده قال عبد الله بن بسر السلمي المازني وهذا لا يستقم فإن سليمان أخو مازن وليس لعبد الله حلف في سليم حتى ينسب إليهم بالحلف. قوله: (شَرائِعَ الإسلام) بهمزة قبل العين أي شعائره وعلاماته كالفرائض والنوافل والذكر والحمد وكل طريق جميل دال على صدق أسلام فاعله. قوله: (كثَرَتْ بفتح المثلثة) أي غلبت علي لكثرتها وفي نسخة من الحصين بضمها أي تعددت وبلغت حد الكثرة التي عجزت عن عدة جميعها وتحيرت في اختيار بعضها لعدم معرفتي أفضلها. قوله: (فأخبرني) هذا لفظ الترمذي وفي الحصين فأنبئني والمعنى واحد. قوله: (بشيءِ) أي معتبر من الشرائع وقيل بشيء عمله قليل وأجره جزيل وفيه أنه لا يطابقه الجواب الجميل. قوله: (لاَ يَزالُ لِسانُكَ) أي بحسب القدرة والطاقة إن أريد باللسان الجارحة المعروفة وإن أريد به اللسان القلبي الملائم لقوله لا يزال فيه يتضح وإن جمع بين اللسانين فنور على نور كذا قيل وفيه أنه وإن حمل على اللسان القلبي فلا بد من أن يراد إن ذلك على حسب الطاقة والاستعداد لأن دوام الذكر والمراقبة والحضور إن قلنا به كما قاله به جمع من المحققين إنما هي للخصوص ومن كان كذلك فلا منع بالنسبة إليه من دوام الذكر لكل من اللسان والجنان أما إذا قلنا بأن ذلك تارة وتارة كما قال به آخرون أخذاً من حديث حنظلة فيتضح باعتبار هذا القيد بكل من اللسانين والله أعلم وفي طبقات الشعراني الكبرى في ترجمة أبي الدرداء كان يعني أبي الدرداء يقول إن الذين ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك قلت المراد بالرطبة عدم الغفلة فإن

стр. 257

رَطْباً مِنْ ذكْرِ اللهِ تَعالى" قال الترمذي: حديث حسن، قلت: أتشبث بتاء مثناة فوق ثم شين معجمة ثم باء موحدة مفتوحات ثم ثاء مثلثة، ومعناه: أتعلق به وأستمسك. وروينا فيه عن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن رسول الله ﷺ سُئل: ــ القلب إذا غفل يبس اللسان وخرج عن كونه رطباً اهـ، وهو من الحسن بمكان. قوله: (رطباً) أي ليناً ملازماً قريباً للعهد من ذكر الله وقال الطيبي رطوبة اللسان حينئذٍ كناية عن سهولة جريانه كما أن يبسه كناية عن ضده ثم إن جريان اللسان حينئذٍ عبارة عن مداومة الذكر قبل ذلك كأنه قيل دوام الذكر فهو أسلوب ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] اهـ، أي أدمن الذكر باللسان والجنان في سائر الأحوال حتى أنه لا يزال لسانك رطباً إلخ. قال في الحرز وهذا الحديث هو المعنى بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] وسيأتي في الحديث بعده كلام في هذا المقام. قوله: (قال الترمذي حديث حسن) وفي المشكاة وقال الترمذي حديث حسن غريب وقال الحاكم كما سبق صحيح الإسناد. قوله: (أَتشبثُ إلخ) سكت المصنف عن ضبط إعرابه وهو بالرفع صفة ووجد في بعض نسخ الحصين بالجزم على أنه جواب الأمر. قوله: (وروينا فيه) أي في سنن الترمذي وأورده في المشكاة على ما هنا إلاّ أنه رواه بإبدال قوله أي العباد بتشديد الموحدة وحذف الهاء من آخره قال جمع عابد رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب وقد راجعت نسختي من جامع الترمذي فوجدتها كما رواه في المشكاة ولعله وقع فيه اختلاف ليحصل به الائتلاف قال الترمذي بعد تخريج الحديث هذا غريب إنما نعرفه من حديث دراج بالمهملة المفتوحة والراء المشددة المهملتين وبعد الألف جيم قيل أنه لقب واسمه عبد الرحمن وكنيته أبو السمح مصري مختلف فيه فضعفه أحمد وأبو حاتم

стр. 258

أيُّ العبادة أفضل درجة عند الله تعالى يوم القيامة؟ قالَ: الذاكِرُون اللهَ كَثِيراً، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ ومِن الغازي في سبيل الله ؟ قال: لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الكُفَّارِ والمُشْرِكِينَ حتَى ينكسرَ سيفه ويَخْتَضِبَ دَماً ــ والدارقطني وغيرهم مطلقاً وأبو داود في روايته عن أبي الهيثم ووثقه ابن معين واعتمد توثيقه ابن حبان والحاكم فصححا له وأورد ابن عدي هذا الحديث في الكامل من طريق سعيد بن عفير عن ابن لهيعة عنه في جملة ما أنكر عليه من الأحاديث ويزاد ضعفه بأنه لم يروه عنه إلاَّ ابن لهيعة، وأبو الهيثم أي شيخ أبي السمح وهو الراوي عن أبي سعيد اسمه سليمان بن عمرو مصري تابعي ثقة اهـ. قوله: (أيُّ العبادة أفضل) كذا في نسخ الأذكار وعليه فيحتاج لتقدير مضاف في الجواب أي عبادة الذاكرين ليحصل التطابق بين السؤال والجواب أو يجعل من أسلوب الحكيم أي سئل عن أفضل الأعمال فأجاب بذكر أفضل العمال إعلاماً بأنهم حريون بالسؤال عما لهم من الأحوال وذكر ما يعلم منه الجواب من الثناء عليهم بأفضل الأعمال من الذكر لله المتعال ورواية المشكاة واضحة مطابقة الجواب فيها للسؤال. قوله: (أفضل درجة عند الله) هذا لفظ الترمذي وفي المشكاة أي العبادة أفضل وأرفع درجة عند الله وكأن زيادة أربع وقعت عند الإمام أحمد وعلى هذا تحمل زيادة والذاكرات في رواية المشكاة على رواية المصنف هنا وهي التي في الترمذي. قوله: (الذاكرونَ الله كثيراً) إن أريد من الخبر المذكور قبله ما يشمل الذكر المأثور وغيره وأريد به هنا ما يخص المأثور كان الأول أعم وإن أريد به هنا الأعم كذلك فهما متساويان. قوله: (قُلت ومِنَ الغازي إلخ) هذا لفظ الترمذي ورواه في المشكاة قيل وكأنه من رواية الإمام أحمد والواو عاطفة والمعطوف عليه مقدر أي أفضل من غير الذاكر حتى من الغازي. قوله: (في الكفار) وهو مفعول

стр. 259

لَكان الذاكِرُونَ اللهَ أفْضلَ مِنْهُ". ــ به وجعله مفعولاً فيه مبالغة لأن جعلهم مكاناً وظرفاً للضرب بالسيف أبلغ من جعلهم مضروبين به فقط وعطف المشركين على الكفار عطف خاص على عام إن أريد بالمشركين أهل الأوثان من مشركي العرب ومن تابعهم وبالكفار ما يعم ذلك وأهل الكتاب أي الحربيين وغيرهم أو عطف رديف إن أريد بالمشركين ما أريد بالكفار من مقابل المسلم. قوله: (لكانَ الذاكرونَ لله) أي الذاكرون مخلصين له لا لغرض سواه ذكراً كثيراً كما دل عليه السباق والسياق لفضل ويوجد في بعض النسخ الذاكرون لله كثيراً ولا وجود له في الأصول المصححة. قوله: (أَفْضل منه كذا) هو بحذف "درجة" في نسخ الأذكار مع أنها ثابتة في جامع الترمذي وقد رواها في شرح السنة وفي المشكاة قال شارحها ابن حجر يحتمل إن المراد بدرجة الوحدة أي واحدة ويحتمل إن المراد بها الجنس أي درجات متعددة ثم قضية هذا الخبر وما في معناه كالخبر الآتي بعده وخبر من قال حين يصبح أو يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلاَّ قال مثل ما قال أو زاد عليه إن الذكر أفضل سائر الأعمال وكونه أفضل أعمال اللسان لا إشكال فيه إنما الإشكال في كونه خيراً من نحو الجهاد وإنفاق الذهب والورق وقضية كلام أصحابنا كما قال ابن حجر في شرح المشكاة العكس ويمكن الجمع باعتبار الحيثية وبه يندفع التنافي وذلك بأن أفضلية الذكر نظراً إلى امتلاء قلب الذاكر بشهود ربه وحضوره بين يديه والإنفاق والجهاد المستلزم لدفع الشيطان وتجرده عن ساحة القلب الذي بصلاحه وطهارته يصلح ويطهر باقي البدن فالذكر من جهة تأثيره في القلب ما لا يؤثر غيره من الإنفاق ونحوه أفضل والجهاد من جهة خروجه عن نفسه وماله وبذلهما لله تعالى وتعدي نفعه وكونه فرض كفاية أو عين أفضل والذكر سنة والفرض أفضل منها بالإجماع

стр. 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في غير ما استثني وقد جمعت منه صوراً في قولي: الفرض أفضل من نفل وإن كثرا ... فيما عدا صورا خذها حكت درراً بدء السلام أذان والطهارة من ... قبيل وقت مع الابرا لمن عسرا وكلام ابن عبد السلام الآتي في الخبر بعده مبني على ظاهر الخبر غافل عن هذا النظر إلى كلام الأصحاب المذكورة كما نبه عليه ابن حجر الهيتمي وحمل زين العرب الذكر المفضل على الجهاد والإنفاق على الذكر الجناني الفكري دون الذكر اللساني قال لأن ذاك له المنزلة الزائدة على بذل النفس والمال لأنه عمل نفسي وفعل قلبي أشق من عمل الجوارح بل هو الجهاد الأكبر اهـ، وظاهره كلام الشراح المذكور وما يأتي يخالفه وما في مفتاح الحصين حمل هذا وأمثاله على الذكر المضموم إلى الجهاد فالمجاهد الذاكر أفضل من الذاكر بلا جهاد ومن المجاهد الغافل والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل فأفضل الذاكرين المجاهدون وأفضل المجاهدين الذاكرون وكذا الحال في سائر الأعمال اهـ، أي إن الذكر المجرد أفضل من جميع العبادات المجردة عنه والعمل المنضم إلى ذكر أفضل منه بلا ذكر ومن الذكر المجرد عن العمل ثم ينظر في نسبة الأعمال المتضمنة باعتبار تفاوت مراتبها وفي الحصين ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله رواه الطبراني في الكبير وأحمد وابن أبي شيبة زاد الطبراني وابن أبي شيبة قالوا ولا الجهاد في سبيل الله إلا إن يضرب بسيفه حتى ينقطع قال الحنفي الاستثناء يدل على إن الجهاد الخاص وهو إن يضرب بسيفه حتى ينقطع أنجى من الذكر وهذا لا يلاءم خبر إلا أخبركم بخير أعمالكم قلت ومثله الحديث الذي نحن فيه، وقال ابن الجوزي قوله ولا الجهاد يعني والله أعلم الجهاد المجرد عن الذكر يبينه الحديث القدسي إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه أي بكسر القاف أي كفأه في الشجاعة حال القتال اهـ. قال في الحرز ليس مراده إن الجهاد المجرد

стр. 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنجى من الذكر إذ صرح بضده حيث قال والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل وإنما أراد إن قوله ولا الجهاد محمول على الجهاد المجرد والمراد بالمستثنى المنضم إلى الذكر كما بينه بأنه الأفضل، والأظهر إن يراد بقولهم ولا الجهاد الأعم من المجرد والمنضم إلى الذكر ويراد بالمستثنى الأخير وبه يحصل الجمع بين الأحاديث اهـ، وصريح كلام ابن الجوزي إن الذكر المجرد أفضل من العمل المجرد عنه كما هو قضية ظاهر الأخبار لكن قضية ما ذكرناه إن فضله ليس على الإطلاق بل من حيثية ما فيه من امتلاء القلب بشهود الرب وإلا فالجهاد وبذل الأموال أفضل منه من كل حيثية غير الحيثية المذكورة وبذلك صرح ابن حجر في شرح المشكاة وقال أيضاً الحق أنهما خير منه في حق السالك بالنظر لتطهير النفس من رذيلة البخل بالإنفاق ومن رذيلة الجبن بالجهاد والذي لا يحصل ثمرات الذكر وفضله إلا بالتطهر عنهما إذ معهما ليس له كبير جدوى والذكر خير منهما بالنظر للعارف لأنه يخلو عنهما، وأمر السالك به أولاً والإدمان عليه حتى يصير كالطبع له ثم لغيره لا يدل على أفضليته لأنهم إنما يفعلون ذلك تدريباً للنفس وأخذًا بالأسهل فالأسهل إلى أن يتأهل للأشق ولا شك أنه أخف منهما بل لا أشق منهما في الحقيقة على النفس فأمروه بالأخذ بالأهون ابتداء وهو الذكر ثم بما هو أشق من الإنفاق ونحوه، قال وقول الشارح "لعل أفضلية الذكر وخيريته إن سائر العبادات من الإنفاق والجهاد وسائل والذكر هو المقصود الأسنى وناهيك من فضل الذكر قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وغير ذلك" اهـ، لا يخالف ما ذكرناه من التفضل فهو المقصود الأسنى ممن يطهر من ذينك دون غيره كما قررته اهـ. وقال المحقق الشهاب الرملي من جملة جواب له ومحصل ما أجاب به العلماء عن الحديثين وغيرهما مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال إن الجواب اختلف باختلاف أحوال السائلين بأن أعلم كلا بما يحتاج إليه أو يليق به أو له فيه رغبة أو باختلاف الأوقات بأن يكون ذلك العمل ذلك الوقت أفضل من غيره ومنه في غيره كالجهاد

стр. 262

وروينا فيه وفي كتاب ابن ماجه عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ــ فقد كان أفضل الأعمال أول الإسلام لأنه الوسيلة إلى التمكن منها والقيام بأدائها ثم تظافرت النصوص على فضل الصلاة عليه وتظافرت على فضلها على الصدقة مع إن الصدقة في وقت مواساة المضطر تكون أفضل منها أو إن أفعل التفضيل فيه ليس على بابه بل المراد به أصل الفعل أو أنه على حذف من التبعيضية لفظاً وإرادتها اهـ. قوله: (وروينا فيه) أي في كتاب الترمذي واللفظ له في كتاب ابن ماجة وكذا رواه مالك وأحمد كما في المشكاة قال إلا إن مالكاً وقفه على أبي الدرداء اهـ، والحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد كما سيأتي في كلامه ﵀ ولا يضر وقف مالك له لأن الحكم لمن وصل على إن مثل هذا مما لا مجال للرأي فيه حكمه الرفع، وقال الحافظ هذا حديث مختلف في رفعه ووقفه وفي إرساله ووصله قال الترمذي رواه بعضهم عن عبد الله بن سعيد يعني ابن أبي هند الراوي عن زياد بن أبي زياد المخزومي عن أبي بحرية عن أبي الدرداء قال الحافظ ورواه مالك في الموطأ عن زياد بن أبي زياد قال قال أبو الدرداء فذكره موقوفاً ولم يذكر أبا بحرية في سنده قال وقد وقع لنا الحديث من وجه آخر عن أبي الدرداء موقوفاً عليه بسند رجاله ثقات فذكره وأفاد بعض تلامذة الحافظ نقلاً عنه في حال الإملاء إن الصحيح الوقف اهـ، وقد علمت إن الوقف للفظه فقط لأن مثله لا يدركه رأياً. قوله: (عن أبي الدرداء ﵁ واسمه عويمر بن عامر بن مالك بن زيد بن قيس من الخزرج وكان آخر أهل داره إسلاماً وحسن إسلامه وكان فقيهاً عالماً حكيماً آخى النبي ﷺ بينه وبين سلمان

стр. 263

"ألا أنْبئُكُمْ بِخَيْرِ أعمالِكُمْ ــ الفارسي وقال ﵊ في حقه عويمر حكيم أمتي شهد ما بعد أحد من المشاهد وعن مسروق قال شاممت أصحاب محمد ﷺ وجدت علمهم انتهى إلى عمر وعلي وعبد الله ومعاذ وأبي الدرداء وكان ابن عمر يقول حدثونا عن العاملين معاذ وأبي الدرداء ولاة عمر ﵁ القضاء وكان القاضي خليفة الأمير إذا غاب، توفي في خلافة عثمان على الصحيح سنة إحدى وقيل ثنتين وثلاثين وقبره وقبر زوجته أم الدرداء الصعري بباب الصغير من دمشق وقيل له مالك لا تقول الشعر وكل لبيب من الأنصار قال الشعر قال وأنا قلت شعراً قيل وما هو فقال: يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا يقول العبد فائدتي ومالي ... وتقوى الله أولى ما استفادا روي له عن رسول الله ﷺ مائة وتسعة وسبعون حديثاً اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بثمانية. قوله: (ألَا أُنَبئُكم) وفي نسخة "أخبركم" قال ابن هشام في المغني إلا تكون للتنبيه فتدل على تحقق ما بعدها وتدخل على الجملتين الاسمية والفعلية ويقول المعربون فيها حرف استفتاح فيبينون مكانها ويهملون معناها وإفادتها التحقيق من جهة تركبها من الهمزة "لا" وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق نحو أليس ذلك بقادر، ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم نحو ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] اهـ، ومن غير الغالب الخبر المذكور لانتفاء التصدر فيه والإتيان بما يدل على شدة الاعتناء بما بعدها ليتفرغ ذهن السامع لاستماعه وفي الحرز يحتمل إن إلا للتنبيه والأظهر أنه مركب من لا النافية واستفهام التقرير كما يدل عليه قوله الآتي بلى. قوله: (بخيرِ أعمالكم) قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام

стр. 264

وأزْكاها عنْدَ مَلِيكِكُمْ ــ في القواعد هذا الحديث يدل على أن الثواب لَا يترتب على قدر النصب في جميع العبادات بل قد يأجر الله على قليل العمل أكثر مما يأجر على كثيره فإذاً يترتب الثواب على تفاوت الرتب في الشرف اهـ. قال في شرح المشكاة وهذا جرى على الأخذ بظاهر الحديث مع قطع النظر عن كلام الأئمة أي القائلين بأفضلية الجهاد والإنفاق على الذكر اهـ. وقال العاقولي في شرح المصابيح فيه دليل على أن الثواب ليس على قدر النصب ولكن على حسب إرادته تعالى وقد يعطى على العمل القليل الأجر الجزيل وقد يعكس اهـ، أي ولا يلزم منه فضل ذي الثواب الكبير على غيره قدرًا فلا يخالف كلام الأصحاب قال الحنفي ولا يناسبه يعني حديث الباب ما وقع من حديث ابن عباس سئل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل فقال أحمزها أي أشدها وأقواها وهذا الحديث مذكور في الكتب الكلامية في بحث تفضيل الأنبياء على الملائكة اهـ، وهو في النهاية منسوب لابن عباس موقوفاً وضبطه بالمهملة والزاي وذكره الجلال السيوطي في الدرر المنتثرة بلفظ أفضل العبادات أشدها وقال لا يعرف أي مرفوعاً أو موقوفاً بسند معروف وعلى تقدير صحته يحمل على ما لم يكن فيه نص من الشارع وقال العاقولي أيضاً يمكن أن يكون المراد من ذكر الله المداومة عليه بالباطن والظاهر فيقتضي حينئذٍ صرف العمر كله فيه ولا شك أنه إذا كان الذكر بهذه المثابة فهو أكثر من إنفاق مال ينفق وجهاد يخلص منه في زمان معين لأن الصبر على مضاضة القتل ساعة واحدة والصبر على مداومة الحضور مع الذكر طويل اهـ. أي فلا يكون فيه ترتب الأجر الجزيل على العمل القليل بل على العمل الكثير والله أعلم. قوله: (وأزكاها عند مَليكِكُم) أزكاها أي أنماها من حيث الثواب الذي يقابلها أو أطهرها من حيث كمال ذاتها لا بالنظر للثواب ويؤيده عطف

стр. 265

وأرْفَعِها فِي دَرَجَاتِكُمْ، وخَيْرِ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذهَبِ وَالوَرِقِ، وخَيرٍ لَكُمْ مِنْ أنْ تَلْقَوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أعْنَاقَهُمْ ويضربوا أعناقكم! قالوا: بلى، قال: ــ وأرفعها إذ هو على الأول تأكيد وعلى الثاني تأسيس وهو خير من التأكيد ومليك مبالغة ملك ومنه عند مليك مقتدر وهو ظرف لما قبله وما بعده معاً أو للأخير وعند في أمثال هذا السياق لشرف المرتبة وعلو المكان كما تقدم في الفصل الرابع. قوله (وأرفَعها إلخ) أي أكثرها رفعاً لدرجاتكم. قوله: (وخيرٍ لكم) عطف على خير عطف خاص على عام لأن الأول خير الأعمال مطلقاً وهو خير من إنفاق الذهب والورق أو عطف مغاير بأن يراد بالأعمال اللسانية فيكون ضد هذا لأن بذل الأموال والنفس من الأعمال البدنية. قوله: (إِنفاقِ الذهب والوَرِق إلخ) الإنفاق مصدر أنفق وهو يستعمل في الخير كما إن نفق وضع في الشر وللذهب أسماء منها النضير والنضر والنضار والزيرج والسيراء والزخرف والعسجد والعقيان والتبر غير مضروب وبعضهم يقوله للفضة، وللفضة أيضاً أسماء اللجين والسبيك والغرب ويطلقان على الذهب أيضاً كذا في المطلع للبعلي وفي شرح العمد للقلقشندي نظم ابن مالك أسماء الذهب في قوله: نضر نضير نضار زيرج سيرا ... زخرف عسجد عقيان الذهب والتبر ما لم يذب وأشركوا ذهبا ... وفضة في سبيك هكذا العرب وفي النهاية الرقة يريد الفضة والدراهم المضروب منها وأصل الفضة الورق وهي الدراهم المضروبة خاصة فحذف الواو وعوض عنها الهاء وتجمع الرقة على رقات ورقين وفي الورق ثلاث لغات الورق والورق والورق اهـ. وهذه اللغات جارية فيه وفيما ماثله من كل ثلاثي على وزن فعل بكسر العين فإن كانت عينه حرف حلق جاز فيه لغة رابعة هي إتباع فإنه عينه كفخذ. قوله: (عدوكم إلخ) أي تلقوا الكفار المحاربين فيقع بينكم حرب فيحصل منكم وفيهم القتل. قوله:

стр. 266

ذِكْرُ اللهِ تَعالى" قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه ــ (ذكرُ الله) الشامل للقرآن وهو أفضل اللسان بلا خلاف وتقدم ما في فضله على عمل البدن وأفضل أنواعه القرآن ففي الخبر وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه ففيه إيماء إلى إن ذكره بكلامه القديم خير منه بالذكر الحادث وأيضاً فالقرآن مشتمل على الذكر مع زيادة ما يقتضيه من الفكر والتأمل في لطف مبانيه وحسن معانيه والعمل بما فيه ولا شك أنه أفضل من مجرد الذكر، نعم محل ذلك ما لم يرد من الشارع تخصيص لحال أو مكان أو زمان بذكر مخصوص وإلَّا فالاشتغال به فيه أفضل منه بالقرآن اتباعًا للمأثور وفي الحرز جاء في كثير من الأحاديث ما يدل على أن تعلم العلم وتعليمه أفضل من الذكر المجرد بل من سائر الطاعات والعبادات اهـ، وكلام أصحابنا مقتض لذلك قال إمامنا الشافعي الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بصلاة النافلة وإذا فضل عليها وهي أفضل الأعمال البدنية فغيرها من نوافل الأذكار أولى والله أعلم. قوله: (قال الحاكم أبو عبد الله) هو محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بابن البيع ولد بنيسابور في شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وتوفي بها في يوم الأربعاء ثالث صفر سنة خمس وأربعمائة طلب العلم من الصغر باعتناء والده وخاله وأول سماعه سنة ثلاثين، وأكثر من الشيوخ أكثرهم من نيسابور وله فيها نحو ألف شيخ وفي غيرها نحو ألف شيخ أيضاً روى عنه خلق كثير من أجلهم البيهقي والدارقطني وهو من شيوخه ورحل إليه من البلاد لسعة علمه وروايته واتفاق العلماء على أنه من أعلام الأمة الذين حفظ الله بهم هذا الدين وحدث عنه في حياته وكان يرجع إلى قوله حفاظ عصره كأبي بكر بن إسحاق وأبي الوليد النيسابوري وكان أبو سهل الصعلوكي وابن فورك وأمثالهما يقدمونه على أنفسهم ويراعون حق فضله ويعرفون له الحرمة الأكيدة بسبب تفرده بحفظه ومعرفته

стр. 267

المستدرك على الصحيحين: هذا حديث صحيح الإسناد. ــ وقال محمد بن طاهر الحافظ سألت سعداً الزنجاني الحافظ بمكة فقلت له أربع من الحفاظ تعاصروا أيهم أحفظ الدارقطني ببغداد وعبد الغني بمصر وابن منده بأصبهان وأبو عبد الله الحاكم بنيسابور فسكت فألححت عليه فقال أما الدراقطني فأعلمهم بالعلل وأما عبد الغني فأعلمهم بالأنساب وأما ابن منده فأكثرهم حديثاً مع معرفة تامة وأما الحاكم فأحسنهم تصنيفاً وحكي إن أبا الفضل الهمداني الأديب لما ورد نيسابور وتعصبوا له ولقب بديع الزمان أعجب بنفسه إذ كان يحفظ المائة بيت إذا أنشدت بين يديه مرة واحدة وينشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة وأنكر على الناس قولهم فلان الحافظ في الحديث ثم قال: وحفظ الحديث مما يذكر، فسمع به الحاكم ابن البيع فوجه إليه بجزء وأجله جمعة في حفظة فرد إليه الجزء بعد الجمعة وقال من يحفظ هذا محمد ابن فلان وجعفر ابن فلان أسام مختلفة وألفاظ متباينة فقال له الحاكم فاعرف نفسك واعلم أن حفظ هذا أصعب مما أنت فيه ذكرَه السبكي في طبقاته وروى أبو موسى المديني إن الحاكم دخل الحمام واغتسل وخرج وقال آه وقبضت روحه وهو متزر لم يلبس قميصه بعد. قوله: (المستدرك) بفتح الراء سمي به لأنه استدرك فيه الزائد على الصحيحين من الصحيح مما هو على شرطهما أو شرط أحدهما أو ما ليس على شرط واحد منهما معبراً عن الأول بقوله هذا حديث صحيح الإسناد وربما أورد فيه ما هو فيهما أو في أحدهما سهواً وربما أورد فيه ما لم يصح عنده منبهاً على ذلك وهو متساهل في التصحيح قال المصنف في شرح المهذب اتفق الحافظ على إن تلميذه البيهقي أشد نحرياً منه وقد لخص الذهبي المستدرك وتعقب كثيراً منه بالضعف والنكارة وجمع جزءاً فيه الأحاديث التي هي فيه وهي موضوعة فذكر نحو مائة حديث وقال أبو سعيد الماليني طالعت المستدرك الذي صنفه الحاكم فلم أر فيه حديثاً على شرطهما قال الذهبي وهذا إسراف وغلو من الماليني وإلَّا ففيه جملة وافرة

стр. 268

وروينا في "كتاب الترمذي" ــ على شرطهما وجملة كثيرة على شرط أحدهما لعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب وفيه نحو الربع مما صح بسنده وفيه بعض شيء أورد عليه وما بقي وهو نحو الربع فهو مناكير وواهيات لا تصح وفي بعض ذلك موضوعات قال شيخ الإسلام الحافظ وإنما وقع للحاكم التساهل لأنه سرد الكتاب لينقحه فأعجلته المنية قال وقد وجدت في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك "إلى هنا انتهى إملاء الحاكم" قال وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلاَّ بالإجازة قال والتساهل في القدر المملي قليل جداً بالنسبة إلى ما بعده وحكم أحاديث المستدرك إن ما صححه منها ولم يوجد فيه لغيره من المتقدمين تصحيحاً ولا تضعيفاً يحكم له بالحسن إذ لم يظهر فيه علة تقتضي ضعفه قاله ابن الصلاح وتبعه المصنف وهو مبني من ابن الصلاح على انقطاع التصحيح في هذه الأعصار والجمهور على خلافه ولذا قال البدر بن جماعة الصواب أنه يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الصحة والحسن والضعف وتبعه العراقي فقال إن الحكم بالحسن فقط تحكم والمصنف كالجمهور لجواز التصحيح وكأنه سكت عن التنبيه على ذلك هنا مع خلافه في الأصل المبني عليه ذلك اكتفاء بما ذكر ثمة وبه يندفع قول بعض شراح التقريب له فالعجب من المصنف كيف وافقه هنا مع مخالفته في المسألة المبني عليها. قوله: (وروينا في كتاب الترمذي إلخ) قال المنذري في الترغيب رواه الترمذي والطبراني في الصغير والأوسط وزاد ولا حول ولا قوة إلاّ بالله روياه عن عبد الواحد بن زياد عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم عن أبيه عن عبد الله بن مسعود وقال الترمذي حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود قال المنذري أبو القاسم هو عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن هذا لم يسمع

стр. 269

عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لَقِيتُ إبْرَاهِيمَ ﷺ ــ من أبيه وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبو شيبة الكوفي وآه قال الحافظ ابن حجر قال الطبراني لم يروه عن القاسم إلاَّ عبد الرحمن بن إسحاق ولا عنه إلاَّ عبد الواحد ولا رواه مرفوعاً عن عبد الواحد إلا سيار يعني ابن أبي حاتم اهـ، ونقل الحافظ مثله عن الدارقطني في الأفراد وحسنه الترمذي لشواهده ومن ثم قيد بالغرابة وإلَّا فعبد الرحمن بن إسحاق ضعفوه وهو أبو شيبة الواسطي ومن شواهد الحديث حديث أبي أيوب الأنصاري إن رسول الله ﷺ ليلة أسري به مر على إبراهيم خليل الرحمن فقال إبراهيم يا جبريل من هذا معك قال هذا محمد فقال إبراهيم مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة فقال النبي ﷺ وما غراس الجنة قال لا حول ولا قوة إلاَّ بالله هذا حديث حسن أخرجه أحمد وابن حبان اهـ. قال الحافظ المنذري ورواه الطبراني بإسناد وآه من حديث سلمان الفارسي ﵁ ولفظه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن في الجنة قيعاناً فأكثروا من غراسها قالوا يا رسول الله وما غراسها قال ﷺ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر. قوله: (عن ابن مسعود) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بمعجمة وفاء الهذلي وهذيل بن مدركة كان ابن مسعود حالف في الجاهلية عبد الحارث بن زهرة، وأمه أم عبد هذلية أيضاً أسلم قديماً بمكة سادس ستة لما مر به ﷺ وهو يرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط فقال يا غلام هل من لبن قال نعم ولكني مؤتمن قال فهل من شاة لم ينز عليها فحل فأتاه بها فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب منه وسقى أبا بكر ثم قال للضرع اقلص فقلص فعاد كما كان فقال يا رسول الله علمني من هذا الكلام أو من هذا القرآن فمسح رأسه وقال إنك

стр. 270

لَيلةَ أسْرِيَ بِي، فقالَ: يا مُحَمدُ ــ غلام معلم قال فلقد أخذت منه سبعين سورة ما نازعني فيها بشر، قال عبد الله لقد رأيتني سادس ستة ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا وهو أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله ﷺ هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وشهد بدرًا وبيعة الرضوان والمشاهد كلها وصلى للقبلتين وكان ﷺ يكرمه ويدنيه ولا يحجبه فلذلك كان كثير الولوج عليه ﷺ ويمشي معه وأمامه ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا نام ويلبسه نعليه إذا قام فإذا جلس أدخلهما في ذراعيه وكان مشهوراً بين الصحابة بأنه صاحب سر رسول الله ﷺ وشراكه ونعليه وطهوره في السفر وبشره ﷺ بالجنة وقال رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد وكان يشبه برسول الله ﷺ في سمته وهديه ودله وكان خفيف اللحم شديد الأدمة نحيفاً قصيراً جداً نحو ذراع ولما ضحك الصحابة من دقة رجليه قال ﷺ "الرجل عبد الله في الميزان أثقل من جبل أحد" ولي قضاء الكوفة وما لها في خلافة عمر وصدراً من خلافة عثمان ثم رجع إلى المدينة ومات بها وقيل بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين عن بضع وستين سنة وصلى عليه الزبير ليلًا ودفنه بالبقيع بإيصائه له بذلك لكونه ﷺ كان قد آخى بينهما روى له ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثاً اتفقا منها على أربعة وستين وانفرد البخاري بأحد وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين روى عنه الخلفاء الأربعة وكثير من الصحابة ومن بعدهم ﵁. قوله: (لَيلَةَ أُسْرِيَ بي) أي لما أسري بي إلى بيت المقدس ثم إلى السموات العلى ثم إلى قاب قوسين أو أدنى رأيت إبراهيم بمكانه من السماء السابعة مسنداً ظهره إلى البيت المعمور ولكونه أشرف

стр. 271

أقْرِئْ أمتَكَ السلاَمَ وأخْبِرْهُمْ أن ــ الأنبياء وأفضلهم بعد نبينا كان في أرفع السموات. قوله: (أقرئ أمتك السلاَم) قال في فتح الإله لا يبعد أنه ينبغي لمن سمع ذلك أن يقول ﵇ ورحمة الله وبركاته جزاء لما تفضل به على هذه الأمة آخراً كما تفضل عليها أولاً بسؤاله من ربه أن يبعث فيهم رسولاً من أنفسهم وهو نبينا محمد ﷺ ففي الحديث أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى إلخ وقد جوزي عن هذا بما منه إحياء ذكره والإعلان بشكره بالصلاة عليه وعلى آله في جميع الصلاة اهـ. قال المصنف في التهذيب لفظ الأمة يطلق على معاني منها من صدق النبي ﷺ وآمن بما جاء به وتبعه فيه وهي الممدوحة بنحو: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ [آل عمران: ١١٠] ومنها من بعث إليهم ﷺ من مسلم وكافر ومنه حديث لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار رواه مسلم في كتاب الإيمان اهـ، باختصار ونقل الفاكهاني في شرح الأربعين النووية عن العزيزي إن أمة على ثمانية أوجه أي بحسب مدلولها وضعا بمعنى الجماعة وإتباع الأنبياء والرجل الجامع للخير يقتدي به والدين والملة نحو: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّهٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] والحين والزمان نحو واذكر بعد أمة ومن قرأ بعد أمة بفتح أوليه فالمراد به النسيان والقامة نحو هذا حسن الأمة أي القامة والرجل الأمة المنفرد بدينه لا يشركه فيه أحد قال ﷺ يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده والأم كهذه أمة زيد أي أمه اهـ، وفي مفردات الراغب الأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما إما دين أو زمان واحد أو مكان سواء كان الجامع تسخيراً أو اختياراً والجمع أمم وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] أي قائماً مقام جماعة في عبادة الله نحو قولهم فلان في نفسه قبيلة اهـ، وبه يعلم

стр. 272

الجَنةَ طَيبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ المَاءِ، وأنهَا قِيعان، وأنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكْبَرُ" قال الترمذي: حديث حسن. ــ إن إطلاق الأمة على الجماعة لا بد أن يكون لهم جامع مما ذكر. قوله: (الجنة) هي كما في مفردات الراغب كل بستان ذي شجر يستر الأرض بأشجاره وسميت الجنة إما تشبيهاً بالجنة في الأرض وإن كان بينهما بون وإما لستره عنا نعيمها المشار إليه بقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] اهـ، باختصار وطيب تربها لأن تربها المسك والزعفران ولا أطيب منها. قوله: (عذبةُ الماء) قال تعالى: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] أي غير متغير بملوحة ولا غيرها. قوله: (قيعَانٌ) في المفردات القيع والقاع المستوي من الأرض جمعه قيعان وتصغيره قويع. قوله: (غرَاسَها) جمع غرس وهو ما يغرس وقيل ما يستر تراب الأرض من نحو البذر لينبت بعد ذلك وإذا كانت التربة طيبة وماؤها عذباً كان غراسها أطيب وأفضل لبلوغه النهاية في الصلاح والنمو وقد يطلق الغراس على وقت الغرس والمراد إن هذه الكلمات سبب لدخول قائلها الجنة لكثرة أشجار منزله داخل الجنة لأنه كلما ذكرها نبتت له أشجار بعددها ثم لا يشكل هذا الخبر المصرح يكون الجنة قيعاناً قابلة لغرس الأشجار بما يقتضيه نحو قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [طه: ٧٦] الآية من تكاثفها بالتفاف أغصان الأشجار إذ معنى الجنة مأخوذ من الستر على ما تقدم فيه وهي مخلوقة معدة للمتقين لأنه ليس المراد من الخبر خلوها الكلي عن القصور والأشجار بل معناها إن فيها ما هو ملتف بالأشجار وفيها ما هو واسع معد للغراس، والبذر الباقيات الصالحات ونحوها من الطاعات ويتميز الغرس الأصلي الذي بلا سبب والغرس المتسبب عن تلك الكلمات وحكمته تفاوت شكر المتمتع بذلك على ما غرسه بقوله تلك الكلمات وعلى ما لم يغرسه وإنما غرس له جزاء أعماله تفاوت التذاذه بذلك إذ ما تعب الإنسان في غرسه ليس كالذي يجيء له مغروساً بلا تعب قال العاقولي

стр. 273

وروينا فيه عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ من قال: "مَنْ قالَ: سَبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، ــ تقرير الكلام إن الجنة ذات قيعان لأنه ثبت أنها ذات أشجار في قوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] فهي على هذا ذات قيعان وذات أشجار فما كان قيعاناً فغراسه سبحان الله إلخ، اهـ. وقال الطيبي الحق أنها كانت قيعاناً ثم إن الله تعالى أوجد بفضله وسعة رحمته فيها أشجاراً وقصوراً على حسب عمل العاملين لكل عامل ما يختص به بحسب عمله ثم إن الله تعالى لما يسره لما خلق له من العمل لينال به ذلك الثواب جعله كالغارس لتلك الأشجار على سبيل المجاز إطلاقاً للسبب على المسبب ثم قال ولما كان سبب إيجاد الله الأشجار على العاملين أسند الغراس إليهم اهـ، ونظر فيه بأن فيه تكلماً وادعاءً تجوز غير محتاج إليه والأظهر ما ذكرناه من كون أكثرها مغروساً لكونه مقابلاً للعمل الصالح غير تلك الكلمات وباقيها معداً للغراس ببذر تلك الكلمات ليمتاز ثواب هذه الكلمات لعظم فضلها كما علم ما سبق من الأحاديث عن غيرها وفي المرقاة ويخطر بالبال والله أعلم بالحال أن أقل أصحاب الجنة من له جنتان كما قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فيقال جنة فيها أشجار وأنهار وحور وقصور خلقت بطريق الفضل وجنة يوجد فيها ما ذكر بسبب حدوث الأعمال والأذكار من باب العدل وهذا معنى قول بعض الصوفية في تفسير الآية جنة في الدنيا وجنة في العقبى اهـ. قوله: (وروينا فيه) أي في كتاب الترمذي وفي السلاح بعد إيراده بهذا اللفظ إلا أنه زاد العظيم فقال من قال سبحان الله العظيم وبحمده رواه الترمذي والنسائي والحاكم وابن حبان في صحيحيهما وقال الترمذي واللفظ له حسن غريب وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وفي رواية النسائي وإحدى روايات ابن حبان

стр. 274

غُرِستْ لَهُ نَخْلَة فِي الجَنةِ" قال الترمذي: حديث حسن. وروينا فيه عن أبي ذرّ ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله، أي الكلام أحب إلى الله تعالى؟ قال: ما اصْطَفَى اللهُ تَعالى لِمَلاَئِكَتِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي وبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ رَبي وَبِحَمْدِهِ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهذا حين أشرع في مقصود الكتاب وأذكره على ترتيب الواقع غالباً، وأبدأ بأوَّل استيقاظ الإنسان من نومه، ثم ما بعده على الترتيب إلى نومه في الليل، ثم ما بعد استيقاظاته في الليل التي ينام بعدها، وبالله التوفيق. ــ شجرة بدل نخلة اهـ، وفي الترغيب بعد إيراده باللفظ الذي في الأذكار إلاَّ أنه من حديث ابن عمر رواه البزار بأسانيد جيدة قلت قال في المرقاة وزاد فإنها عبادة الخلق وبها تقطع أرزاقهم أي يقين اهـ، وأورده من حديث جابر كما في السلاح وزاد قوله ورواه الحاكم في موضعين بإسنادين قال في أحدهما على شرط مسلم وفي الآخر على شرط البخاري اهـ، ورواه ابن أبي شيبة كما في المرقاة. قوله: (غُرِسَتْ لَهُ نَخلَةٌ) قال العاقولي في شرح المصابيح يحتمل أن يكون على حقيقته ويحتمل أن يكون مجازاً عن تثبيت أجره وحلاوة جناه اهـ، وعلى الأول فالمراد نخلة عظيمة لعظم مقابلها فيما مر من كونه حبيبًا للرحمن ثقيلاً في الميزان. قوله: (سبحان ربي وبحمده إلخ) كتب الصديق الأهدل بهامش نسخته وقع هذا الحديث في جامع الترمذي سبحان ربي وبحمده مكرراً مرتين وفي بعض

стр. 275

باب ما يقول إذا استيقظ من منامه روينا في صحيحي إمامي المحدثين: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري ﵄ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ــ نسخ الأذكار مكرراً ثلاثاً ولا أدري من أين أتى به اهـ. أقول لعله مكرر ثلاثاً في أصل المصنف من الترمذي والله أعلم وقد خرج الحافظ الحديث من طريق أبي نعيم في المستخرج عن أبي ذر وكرره مرتين فقط كما قال الأهدل ولم ينبه الحافظ في هذا المقام على ذلك وسيأتي في باب كيفية لباس النعل والثوب الكلام على الجمع بين وصفي الصحة والحسن في حديث واحد. باب ما يقول إذا ستيقظ من منامه ما فيه إما موصول اسمي والعائد ضمير منصوب محذوف أي يقوله أو موصول حرفي وهي وصلتها في تأويل مصدر بمعنى اسم المفعول أي مقوله وقت استيقاظه والأول أقرب والمنام مصدر ميمي وتقدم في الفصول تعريف النوم وعلم مما سبق إن كل ذكر ورد عن الشارع في حال مخصوص فالاشتغال به أفضل من الاشتغال بقراءة القرآن. قوله: (وينافي صحيح البخاري ومسلم) وكذا أورده مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة وقال فيصبح نشيطاً طيب النفس قد أصاب خيراً وإن لم يفعل أصبح كسلاناً خبيث النفس لم يصب خيراً وروى ابن خزيمة في صحيحه نحره وزاد في آخره فحلوا عقدة ولو بركعتين، ورواه أيضاً من حديث جابر ما من ذكر ولا أنثى إلاَّ على رأسه جرير معقود حين يرقد بالليل فإن استيقظ وذكر الله انحلت عقدة وإذا قام فتوضأ

стр. 276

"يَعْقِدُ الشَّيطانُ على قافيةِ رأسِ أحَدِكمْ إذا هُوَ نامَ ــ وصلى انحلت العقد فأصبح خفيفاً طيب النفس قد أصاب خيراً رواه ابن حبان في صحيحه والجرير الحبل كذا في الترغيب للمنذري. قوله: (يَعقِدُ الشيْطَانُ) أي إبليس أو بعض جنده. قوله: (على قافِيةِ رَأْسِ أحَدِكم) قال زين العرب في شرح المصابيح لعل تخصيص القافية بالعقد لأنها محل الواهمة وهي أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته بل لا يدخل الشيطان على الإنسان إلاّ بواسطة ما سولته له تلك القوة فلذا خصت بالذكر وقال العاقولي، في تخصيصها بالذكر إشعار بإذلال النائم عن قيام الليل وإهانته لأن الضرب عليه غاية الإهانة وفي شرح مسلم للمصنف اختلف العلماء في هذا العقد فقيل عقد حقيقي بمعنى السحر للإنسان ومنعه من القيام قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] فعلى هذا هو قول يؤثر في تثبيط النائم كتأثير السحر وقيل يحتمل أن يكون فعلاً يفعله كفعل النفاثات في العقد وقيل هو من عقد القلب وتصممه فكأنه يوسوس في نفسه ويحدثه بأن عليه ليلاً طويلاً فيتأخر عن القيام وقيل هو مجاز كني به عن تثبيط الشيطان عن قيام الليل اهـ. قال العارف ابن أبي جمرة وهل العقد في القافية نفسها أو هو في شيء يجعله الشيطان على القافية الظاهر أنه في شيء آخر بدليل قوله على ولو كان فيها نفسها لقال في وزاد ذلك بياناً بقوله يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل لأن هذه الصفة صفة ما يفعله السحرة إذا سحروا شخصاً بما يفعلون من السحر في شيء ويعقدون فيه العقد ويسمون ما يشاؤون من أنواع سحرهم ولاحتمال آخر لأن من النائمين من ليس لهم شعر فبم يربطون وهو الغالب من الناس اهـ، وفي سنن ابن ماجة من حديث أبي هريرة عنه ﷺ يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم بالليل بحبل فيه ثلاث عقد الحديث وهو يؤيد ما قاله العارف، ثم هل هذا العقد عام لكل من نام

стр. 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو لا، قال المازري والحافظ ابن حجر يخص منه من صلى العشاء كما نقله السيوطي في التوشيح عنهما ويخالفه ما في شرح مسلم للمصنف. أعلم إن البخاري بوّب لهذا الحديث باب عقد الشيطان على رأس من لم يصل فأنكره عليه المازري وقال الذي في الحديث أنه يعقد على قافية رأسه وإن صلى وإنما تنحل عقده بالذكر والوضوء والصلاة وجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعقد عليه لزوال أثره اهـ. وقال الحافظ يمكن أن يخص منه من قرأ آية الكرسي فقد ثبت أنه يحفظ من الشيطان وقال العارف ابن أبي جمرة وأما الجواب عن الثاني وهو هل ذاك في عمومه في أهل الخصوص وغيرهم فاللفظ يعطي العموم لكن يخصصه الآيات والأحاديث كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وكقوله ﷺ من قرأ عند النوم سورة من القرآن كانت له حرزاً من الشيطان حتى يصبح، ومن قرأ آية الكرسي عند مسائه كانت له حرزاً من الشيطان أو كما قال ومن قال كلما أصبح أو أمسى لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي وليلته حين يصبح أو كما قال والأحاديث في ذلك كثيرة وقد نبه الشارع على مكائده كلها وجميع وجوه تسلطه علينا وبين المخرج منها والتحذر منه فجزاه الله خيرًا فهذا يخصص عموم الحديث ومما يوضح ما ذكرناه أن بعض العباد جاء يدخل مسجداً في البرية وكان ممن أعطى شيئاً من المكاشفات فرأى شيطانين على باب المسجد فقال أحدهما للآخر ادخل أعوذ لك المصلي فقال له لا أقدر ذلك النائم يحرقني بنفسه فتعجب العابد كيف يخاف الشيطان من النائم ولا يخاف من المصلى فلما دخل أبصر النائم إبراهيم بن أدهم فانظر هل يعقد الشيطان على قافية مثل هذا السيد شيئاً وهو لا يقدر إن يقرب إليه، وكما قال ﷺ في حق عمر ﵁ ما سلكت فجا إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك فإذا كان لا يقدر إن يخطر في طريقه فكيف يعقد على ناصيته، هذا محال قال العارف ابن أبي جمرة والظاهر أنه إذا استيقظ وذكر وتوضأ وصلى ثم نام لا

стр. 278

ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ على كلّ عُقْدَ مكانها، عليك ليل طويل فارقد، فإنْ اسْتَيقَظَ وَذَكَرَ ــ يعود العقد إليه يؤخذ ذلك من قوله أصبح نشيطاً طيب النفس. قوله: (ثلاث عقَدٍ) وتكرار العقد ليثقل النوم فيطول أو ليكسل وبالعقد وتكرره يصير كالمربوط الذي لا حركة له وحكمة خصوص الثلاث إنه يثبطه على الذكر فالوضوء فالصلاة قال القرطبي حكمة ذلك إن أغلب ما يكون انتباه الإنسان في السحر فإن اتفق له إن يرجع إلى النوم ثلاثاً لم تنقض النومة الثالثة إلاَّ وقد ذهب الليل و"على كل عقدة" مفعول "يضرب" وضربه بيده على العقدة تأكيداً وأحكاماً لها. قوله: (عَلَيكَ لَيلٌ طَوِيلٌ) الجملة مفعول لقول محذوف أي يلقي على كل عقدة يعقدها قوله الذي يبثه في القلب بالوسوسة التي أقدره الله عليها أو بغير ذلك مما سبق ليظهر المتمثل من غيره عند وقوع هذه الفتنة "عليك ليل طويل" وهو بالرفع في جميع طرق البخاري ورفعه على الابتداء والظرف قبله متعلق الخبر، أو على إضمار فعل أي بقي عليك ليل، قال ابن حجر الهيتمي أو عليك خبر مقدم أو أغراه أي الزم النوم فإن أمامك ليل طويل فالكلام حينئذٍ في قوة جملتين والثالثة كالتعليل للأولى وأما رواية مسلم فقال القاضي عياض رواية الأكثر عنه بالنصب وهو على الإغراء قال القرطبي والزركشي والرفع أولى من جهة المعنى لأنه أمكن في الغرور من حيث إنه يخبره بطول الليل ثم يأمره بالرقاد بقوله فارقد وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلاَّ الأمر بملازمة طول الرقاد وحينئذٍ يكون قوله فارقد ضائعاً اهـ، وهو في النسخ التي وقفت عليها من الأذكار بالرفع لأن لفظ حديث الكتاب للبخاري كما ذكره المصنف قيل وذكر الليل ظاهره اختصاص ما ذكر بنومه ولا يبعد أن يجيء مثله في نوم النهار كالنوم حال الإبراد اهـ. قوله: (وَذكَرَ

стр. 279

اللهَ تَعالى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإنْ تَوَضأ أنْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلهَا ــ الله) أي بأي ذكر كان لكن المأثور أفضل قاله المصنف في شرح مسلم. قوله: (فإن توضأ) أي إن كان ذا حدث أصغر فتنحل بالوضوء أما ذو الجنابة فلا تنحل إلاّ بالغسل وذكر الوضوء في الخبر جرياً على الغالب في الحدث من كونه الأصغر ووقع في رواية لمسلم "وإن توضأ انحلت عقدتان" قال المصنف في شرحه معناه تمام عقدتين أي انحلت عقدة ثانية وتم بها عقدتان وهو بمعنى قوله ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] إلى قوله ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أي في تمام أربعة أيام ومعناه في يومين آخرين تمت بهما الأيام أربعة ومثله في الحديث الصحيح من صلى على جنازة فله قيراط ومن اتبعها حتى توضع في القبر فقيراطان والمراد أنه قيراطان بالأول ومعناه أن بالصلاة يحصل له قيراط وبالإتباع قيراط آخر تتم به الجملة قيراطين ودليل إن الجملة قيراطان خبر مسلم في صحيحه من خرج مع جنازة من بيتها ومن صلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم رجع كان له قيراط من الأجر مثل أحد وأورد بمعناه خبر البخاري اهـ. قوله: (فإِن صَلَّى انحَلَّت عُقَدُهُ) هو بلفظ الجمع في البخاري بلا خلاف ورواية المصنف هي رواية البخاري في بدء الخلق وفي التوشيح أقل ما يحصل به حل عقد الشيطان ركعتان لخبر ابن خزيمة فحلوا عقد الشيطان ولو بركعتين قال العراقي ولهذا استحب افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين للأمر به في مسلم مبادرة إلى حل عقده اهـ. قال العارف ابن أبي جمرة لفظ الحديث يعطي تناول ذلك لكل مصل على أي حال كان لكن يخصصه قوله ﷺ من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلاَّ بعداً فمن هو بعيد عن الله والعياذ بالله كيف لا يعقد الشيطان عليه ويلعب به كيف شاء بل هو في ذاته

стр. 280

فَأصْبَحَ نَشِيطاً طَيبَ النَّفْسِ، ــ شيطان كما قال ﷻ شياطين الإنس والجن كيف حال من بات آكلا للحرا ظالماً للناس مدمناً للخمر كيف لا يعقد الشيطان على هذا ومتى تصبح نفس هذا طيبة بل هذا خبيث النفس في كل حال ولا يقع على مثل هذا مصل حقيقة لأنه في طبقة المبعودين الذين قال ﷺ فيهم من لم تنهه صلاته عن الفحشاء إلخ، ومن أجل الجهل بحقيقة هذه الأحاديث أخذها بعض الناس على ظاهرها وعملوا عليها وهم قد ضيعوا الأصول وظنوا أنهم حصل لهم المقصود وهيهات هيهات والحاصل إن جميع الخيرات الواردة في الكتاب والسنة هي لأهل التوفيق، وكما إن صحة البدن البشرى بالحمية والدواء وأجمع الأطباء أن الحمية أنفع من الدواء كذلك الدين حمية ودواء فالحمية فيه أنفع من الدواء ولا ينفع الدواء إلاّ بالحمية أو بأكثرها والحمية في الدين الوقوف مع الأمر والنهي افعل لا تفعل، كما إن حمية الأبدان كل كذا لا تأكل كذا والدواء مثل هذا الحديث وأشباهه فإذا فعله بعد الحمية أي امتثال الأمر واجتناب النهي جاءه ما قيل له وزيادة وإذا فعله دون الحمية المذكورة طلب ذلك فلم يجده فقال له لسان الحال "قل هو من عند أنفسكم" لأنه ترك الأصل وأخذ الفرض وهو طريق غير ناجحة ولا تقول لمن ضيع الحمية لا تأخذ الدواء فلعل أخذ الدواء يجره إلى استعمال الحمية فيحصل المقصود كالذي يكون له مال غير طيب ويريد التصدق منه فتقول له صدقتك لا تقبل ولا تقول له لا تتصدق فلعله يتدرج بالخير الذي هو الصدقة إلى خير وهو التوبة والإقلاع اهـ. ولنفاسته نقلناه برمته لكن تقدم على غير واحد أن الأولى إجراء الأخبار على عمومها والتخصيص بأرباب الامتثال يحتاج إلى دليل والله أعلم. قوله: (فأَصبَحَ طَيِّب النفْسِ) هو من سر صلاة الليل وإتيانه بالفاء للتنبيه على تفريع هذا الأمر على مجموع الثلاث الخلال فلا يحصل بواحدة فقط منها لكن يختلف ذلك بالقلة فمن ذكر الله كان أحق ممن

стр. 281

وإلا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ" ــ لم يذكره قال العارف ابن أبي جمرة وفيه دليل على إن بصحة الدين يصح البدن وينشرح الصدر إذ لا يكون نشيطاً طيب النفس إلاّ مع صحة البدن وقال ﷺ في قيام الليل أنه ينفي الذنوب ويصح البدن اهـ. قوله: (وِإلَّا) أي وإلا يفعل ما ذكر أو شيئاً فلا يصبح كذلك بل أصبح خبيث النفس إلخ، وبه يعلم أن إن شرطية أدغمت نونها في اللام لتقاربهما في المخرج قال ابن هشام في المغني وقد تقترن يعني إن الشرطية بلا النافية فيظن من لا معرفة له أنها إلا الاستثنائية نحو، إلا تنصروه فقد نصره الله، إلا تنفروا يعذبكم، ولقد بلغني إن بعض من يدعي الفضل سأل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ [الأنفال: ٧٣] فقال ما هذا الاستثناء أمتصل أم منقطع اهـ، وبه يعلم أنه يجب أن يرسم إن ثم لا لأن الكلمة تكتب بصورة الابتداء بها والوقوف عليها ويوجد في كثير من الأصول رسمه بصورة إلا الاستثنائية وفيه ما عرفت. قوله: (أَصبَحَ إلخ) دليل الجواب إذ هو محذوف وإنما أصبح خبيث النفس لتمكن الشيطان منه وأسره له بشده عليه تلك العقد استيثاقاً وتثبيطاً عن الخير إلى أن لم يبق فيه قبول له وفيه كما قال العارف ابن أبي جمرة دليل على أن الذنوب تمرض البدن إذ الغالب من خباثة النفس أنها لا تكون إلا مع تألم البدن ونجد ذلك مشاهداً في أهل البطالة والمعاصي غير طيبين في أبدانهم حتى يطلع النهار ويعالجون ما بهم من الكسل اهـ، ولا مخالفة بين هذا الخبر وخبر لا يقل أحدكم خبثت نفسي لأن الممنوع منه إطلاق الشخص ذلك على نفسه فيذم نفسه وأما إذا أضافه إلى غيره مما يصدق عليه فليس بممنوع، وفي الخبر دليل على عظم تسليط الشيطان على بني آدم وما جعل الله له من القدرة على ذلك يؤخذ ذلك من كونه يعقد في شيء ويؤثر عقده في بني آدم وفيه دليل

стр. 282

هذا لفظ رواية البخاري، ورواية مسلم بمعناه، وقافية الرأس: آخره. وروينا في "صحيح البخاري" عن حذيفة بن اليمان ﵄، وعن أبي ذرّ ﵁ قالا: "كان رسول الله ﷺ إذا ــ على حرمة الطاعة وحرمة من أهل للعمل بها فلا يضرهم إنس ولا غيره يؤخذ ذلك من حل العقد والنشاط لمن قام وغيره لمن نام. قوله: (هذا لفظ البخاري) أي في باب بدء الخلق. قوله: (وقافية الرأْسِ إلخ) قال المصنف في شرح مسلم قافية كل شيء آخره ومنه قافية الشجر اهـ. وفي شرح البخاري لابن العز الحجازي قافية الرأس مؤخر العنق اهـ. وقيل وسطه قيل وهو المراد هنا وقال العاقولي القافية القفا وقيل قافية الرأس مؤخره وقيل وسطه اهـ. قوله: (وروينا في صحيح البخاري) وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي في الكبرى وابن ماجة كما قال الحافظ كلهم من حديث حذيفة زاد في الحصين ابن أبي شيبة فيمن خرجه من حديث حذيفة قال في الحرز ويفهم من الأذكار أي فيما سيأتي فيما يقوله عند النوم أن البخاري ورواه من حديث أبي ذر أيضاً اهـ. قلت وكذا رواه من حديث أبي ذر النسائي في الكبير كما قاله الحافظ ورواه مسلم والنسائي من حديث البراء بن عازب وأبدل قوله إذا أوى إلى فراشه بقوله إذا دخل مضجعه من الليل قال الحافظ بعد أن أورده من حديث حذيفة وأبي ذر والبراء وذكر من خرجه عن كل ما لفظه وحاصل ما سقته إن هذا المتن متفق عليه عن النبي ﷺ فأخرجه البخاري من حديث حذيفة وأبي ذر ولم يخرج حديث البراء إلا مسلم فقط ففات الشيخ التنبيه على تخريج مسلم له اهـ. قوله: (عن حذيفة بن اليمانِ إلخ) الأخصر في التعبير عن حذيفة بن اليمان وأبي ذر ﵃ وأما العبارة ففيها مع التطويل إيهام أن الحديث عن حذيفة وحده والترضي عن المذكورين وكون المقام ووضوح الكلام

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يدفع هذا الإيهام لا ينافي احتماله وحذيفة يكنى أبا عبد الله واسم أبيه حسيل بن جابر واليمان لقبه ولقب به لأنه أصاب في قومه دما فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية وهو من بني عبس بمهملتين الأولى مفتوحة بينهما موحدة ساكنة حليف بني عبد الأشهل أسلم هو وأبوه وأمه الريان بنت كعب بن عدي وهاجروا وكان حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين وأحد المهاجرين الأولين وأحد الأربعة عشر النجباء شهد المشاهد كلها إلاّ غزوة بدر صده المشركون وحضر أحداً هو وأخوه صفوان وأبوه وقتل أبوه يومئذٍ شهيدًا قتله بعض المسلمين يحسبه مشركاً فوهب له ولده حذيفة ديته وفي تفسير عبد بن حميد إن الذي قتله عتبة بن مسعود أخو عبد الله بن مسعود وأرسله النبي ﷺ ليلة الأحزاب سرية وحده ليأتيه بخبر القوم ودعا له يوم الخندق فقال اللهم احفظ حذيفة من بين يديه ومن خلفه وكان كثير السؤال عن الفتن ليجتنبها وفي صحيح مسلم عنه أخبرني رسول الله ﷺ ما يكون إلى أن تقوم الساعة واني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة واستعمله عمر على المدائن وقال عمر لأصحابه يوماً تمنوا فتمنوا ملء البيت الذي هم فيه جوهراً لينفقوه في سبيل الله فقال عمر لكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان استعملهم في طاعة الله وكان عمر إذا مات أحد فإن صلى عليه حذيفة صلى عليه وإلاّ فلا، روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث ونيف اتفقا منها على اثني عشر وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعة عشر ومن كلام حذيفة لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقها وشهد نهاوند مع النعمان بن مقرن فلما قتل النعمان أخذ الراية ففتح الله على يديه نهاوند والري والدينور وما شد عنوة وذلك سنة اثنتين وعشرين ومناقبه كثيرة مات بالمدائن في المحرم سنة ست وثلاثين بعد مقتل عثمان بأربعين ليلة وقيل عن خمس وثلاثين.

стр. 284

أوى إلى فراشه قال: ــ قوله: (أَوَى إلى فِراشِهِ) قال المصنف في آخر باب الحج من شرح مسلم نقلا عن القاضي عياض يقال آوى وأوى بالمد والقصر في الفعل اللازم والمتعدي جميعاً لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح والمد في المتعدي أشهر وأفصح "قلت" وبالأفصح جاء القرآن العزيز في الموضعين قال تعالى ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] وقال تعالى في المتعدي ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، والله أعلم. وفي النهاية يقال أوى وآوى بمعنى واحد والمقصور منه لازم متعد اهـ. قال في الحرز يعني والممدود لا يكون إلاَّ متعدياً ويحتاج إلى تقدير مفعول في الحديث بأن يقدر ما آوى أحد نفسه إلى فراشه لم يذكر الله فيه إلَّا كان عليه ترة ولهذا اقتصر العسقلاني على القصر في إذا أوى اهـ. "قلت" وكذا اقتصر عليه هنا الكرماني قبله والسيوطي بعده والمصنف في شرح مسلم وكأن العصر على القصر لكونه الرواية فنقتصر عليه أو لكونه فيه أرجح كما صرح المصنف به في التهذيب ولا يلزم من قول النهاية والمقصور إلخ. ما قاله في الحرز أما أولاً فإنه مفهوم مخالفة وهو خلاف مذهب صاحب الحرز قال ابن السبكي في جمع الجوامع وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقاً قال الجلال المحلي في شرحه أي لم يقل بشيء من مفاهيم المخالفة وإن كان في المسكوت بخلاف حكم المنطوق فلأمر آخر اهـ. وأما ثانياً فإن صاحب النهاية صرح بعد قوله المذكور بنحو سطرين بأن الممدود قد يكون لازماً وعبارته ومن المقصور اللازم حديث أما أحدهم فأوى إلى الله أي رجع إليه ومن الممدود المتعدي حديث الدعاء الحمد لله الذي كفانا وآوانا أي ردنا إلى مأوى لنا ولم يجعلنا منتثرين كالبهائم والمأوى المنزل، ومن أسباب الدخل على المؤلفين الأخذ بأوائل الكلام والغفلة عن سوابقه ولواحقه بما يندفع به ذلك المأخوذ وحينئذٍ فتبين أن اقتصار من ذكر على القصر في أوى في هذا المقام إما

стр. 285

باسْمِكَ اللَّهُمَّ أحْيَا وأمُوتُ، وَإذَا اسْتَيْقَظَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الّذِي أَحْيَانَا بَعْدَما أَمَاتَنَا وَإلَيهِ النُّشورُ". وروينا ــ لكونه رواية أو أفصح لا لمنع القصر في الممدود فلا يحتاج إلى قوله آوى أحدكم نفسه إلخ. والله أعلم. قوله: (باسمك اللهُم أحْيَا وأموتُ) هذه الجملة فيها فوائد "الأولى" قال العلماء حكمه الذي والدعاء عند النوم إن يكون خاتمة أعماله وعند الاستيقاظ منه أن يكون أول عمله ذكر التوحيد والكلم الطيب كما قيل: وآخر شيء أنت أول هجعة ... وأول شيء أنت عند هبوبي فكتبت الحفظة في أول صحيفته عملاً وتختمها بمثل ذلك فيرجى له مغفرة ما بينهما وقد روى الطبراني من حديث الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يقول الله اذكرني أول النهار ساعة ومن آخره ساعة أكفك ما بينهما وكان الصالحون من السوقة يجعلون أول نهارهم وآخره إلى الليل لأمر الآخرة ووسطه لمعيشة الدنيا وفي الحديث يقول الله ابن آدم لا تعجزن عن أربع ركعات أول النهار أكفك آخره "الثانية" قوله باسمك اللهم أحيا بفتح الهمزة قال المصنف في شرح مسلم قيل معناه بذكر اسمك أحيا ما حييت وعليه أموت "قلت" أي على ذكري اسمك مع اعتقادي لعظمة مدلوله وتفرده بالألوهية والملك وقيل معناه بك أحيا وبك أموت فالاسم هنا بمعنى المسمى اهـ، ويحتمل عليه إن يكون اسم مقحماً وأعرض عنه المصنف لأن مذهب البصريين وهو المختار منع زيادة الأسماء قال الكرماني بعد ذكره الوجه الأول "فإن قلت" فيه دلالة على إن الاسم غير المسمى "قلت" لا ولا سيما من حيث إن الاسم يحتمل أن يكون مقحماً كقوله: *إلى الحول ثم اسم السلام عليكما* اهـ فأشار إلى وجه ثالث وقال القرطبي بعد ذكر الوجه الثاني مما نقله المصنف وهذا
следующие страницы →