Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
يعرفون، أتحبُّون أن يُكذب الله ورسولُه".
باب استنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه ليتوفروا على استماعه
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ في حجة الوادع: "اسْتَنْصِتِ الناسَ"، ثم قال: "لا تَرْجِعُوا
ــ
يعرفون) أي يدركون بعقولهم زاد أبو نعيم في مستخرجه ودعوا ما ينكرون واتركوا ما يشتبه عليهم فهمه. قوله: (أن يكذب الله) بفتح الذال المعجمة المشددة لأن السامع لما لم يفهمه يعتقد استحالته جهلاً فلا يعرف وجوده فيلزم التكذيب روى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ جرابي علم أما أحدهما: فبثثته وأما الثاني: فلو بثثته لشق مني هذا البلعوم قيل: إنه كان فيما لا تسعه العقول من الحقائق وغير ذلك.
باب استنصات العالم والواعظ
أي المذكر بالله سبحانه (حاضري مجلسه ليتوفروا على استماعه). قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه كلهم عن جرير ورواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر ورواه البخاري والنسائي عن أبي بكرة ورواه البخاري والترمذي عن ابن عباس كذا في الجامع الصغير للسيوطي. قوله: (في حجة الوداع) بفتح الحاء والواو وكسرهما والفتح في الوداع على أنه اسم والكسر فيه على أنه مصدر من المفاعلة. قوله: (استنصت لي النّاس) في آخر كتاب العلم من البخاري أنه ﷺ قال له في حجة الوداع الخ، وادعى أن لفظة له زائدة لأن جرير أسلم بعد حجة الوداع بنحو شهرين فيما جزم به ابن عبد البر ورد بأن البغوي وابن حبان قالا: إنه أسلم قبلها في
стр. 2207
بَعْدِي كُفاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".
باب ما يقوله الرجل المقتدى به إذا فعل شيئاً في ظاهره مخالفة للصواب مع أنه صواب
اعلم أنه يستحب للعالِم والمعلِّم والقاضي والمفتي والشيخ المربِّي وغيرهم
ــ
رمضان واللفظة ثابتة في الأمهات القديمة فتقدم كذا في التوشيح للحافظ السيوطي وتقدم في هذا المعنى مزيد في ترجمة جرير ﵁. وقوله: (كفاراً) أي كالكفار في استحلال بعضكم دماء بعض فهو منصوب بنزع الخافض على تضمين ترجعوا معنى تشبهوا أو بالخبرية على تفسير ترجعوا بتصيروا كذا في تحفة القارئ. وقوله: (يضرب بعضكم) قال القاضي عياض: الرواية بالرفع أي لا تفعلوا فعل الكفار فتشبهوهم في حال قتل بعضهم بعضاً قال عياض: ومن جزم أحال المعنى، ثم رفعه على الاستئناف بيان لترجعوا أو حال من ضمير ترجعوا أو صفة لكفاراً وجوز في تحفة القارئ جزمه على أنه جواب شرط مقدر أي فإن ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.
فائدة
قال السيوطي في مصباح الزجاجة نقلاً عن المصنف في معناه سبعة أقوال: أحدها: أن ذلك كفر في حق المستحل، الثاني: المراد كفر النعمة وحق الإسلام، الثالث: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه، الرابع: أنه فعل كفعل الكفار، الخامس: المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا على الإسلام، والسادس: حكاه الخطابي وغيره إن المراد الكفار المتكفرون بالسلاح يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه قال الأزهري في التهذيب يقال للابس السلاح كافر، والسابع: قاله الخطابي معناه لا يكفر بعضكم بعضاً تستحلوا قتال بعضكم بعضاً وأظهر الأقوال الرابع وهو اختيار القاضي عياض اهـ.
باب ما يقوله الرجل المقتدى به إذا فعل شيئاً في ظاهره مخالفة للصواب مع أنه صواب
أي في نفس الأمر. قوله: (للعالم) أي من كان من أهل العلم وإن لم ينتصب لتعليمه فعطف المعلم عليه من عطف الخاص على العام. قوله: (والشيخ المربي) أي الذي يربي المريدين بأن يسوسهم بالأخلاق الرضية ويخرجهم من الأخلاق الردية ويؤهلهم للوصول إلى ساحات الفيوضات الربانية. قوله: (وغيرهم) أي كمرشد
стр. 2208
ممن يقتدَى به ويؤخَذُ عنه: أن يجتنبَ الأفعالَ والأقوالَ والتصرفاتِ التي ظاهرها خلاف الصواب وإن كان محقاً فيها، لأنه إذا فعل ذلك تَرَتَّبَ عليه مفاسد، من جملتها: توهُّم كثير ممن يعلم ذلك منه أن هذا جائز على ظاهره بكل حال، وأن يبقى ذلك شرعاً وأمراً معمولاً به أبداً، ومنها وقوع النّاس فيه بالتنقُّص، واعتقادهم نقصه، وإطلاق ألسنتهم بذلك، ومنها أن النّاس يسيئون الظن به فينفرون عنه، وينفِّرون غيرَهم عن أخذ العلم عنه، وتسقط رواياته وشهادته، ويبطل العمل بفتواه، ويذهب
ــ
السالكين أو من كان معتقداً لكونه من الصالحين وإن لم يكن من المربين ولا من المرشدين. قوله: (أن يجتنب الأفعال الخ) قال بعضهم: إياك وما يعتذر منه وإن عددت له مخرجاً صحيحاً. قوله: (لأنه إذا فعل ذلك) أي المذكور من الأقوال والأفعال التي ظاهرها خلاف الصواب وعلمه ذلك منه لكونه يراه يفعله ولا يدري محمله فيه فيحمله على إطلاقه وإنه مشروع كذلك كما أشار إليه المصنف. قوله: (وأن يبقى ذلك) أي المحذور (شرعاً) أي على عمومه من غير تقييد بالمحمل الذي صحبه مقصوراً عليه. قوله: (ومنها وقوع النّاس فيه) أي لأنه إن لم يقف على المحمل المسوغ لذلك يقع في فاعله (أو تنقصه) بكونه يباشر ما لا يجوز. قوله: (فينفرون عنه) يضم الفاء من النفرة. قوله: (وينفرون) بتشديد الفاء من التنفير وحذف معموله للتعميم أي فيذهب المقصود من الاقتداء به وأخذ العلم عنه من الانتفاع به والسعي في حصول الثواب بهذا الأمر الذي ظاهره غير روي. قوله: (وتسقط روايته وشهادته) أي وذلك لانطلاق الألسنة فيه المقتضى عادة لقلة الوثوق ممن كان كذلك. قوله: (بفتياه) بضم الفاء ويقال بفتح الفاء وهو ذكر حكم حديث لأمر حديث. قوله:
стр. 2209
ركون النفوس إلى ما يقوله من العلوم، وهذه مفاسد ظاهرة، فينبغي له اجتناب أفرادها، فكيف بمجموعها؟ فإن احتاج إلى شيء من ذلك وكان محقاً في نفس الأمر لم يظهره، فإن أظهره أو ظهر أو رأى المصلحة في إظهاره ليعلم جوازه وحكم الشرع فيه، فينبغي أن يقول: هذا الذي فعلتُه ليس بحرام، أو إنما فعلتُه لتعلموا أنه ليس بحرام إذا كان على هذا الوجه الذي فعلته، وهو كذا وكذا، ودليله كذا وكذا.
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ قام على المنبر، فكبَّرَ
ــ
(ركون القلوب) أي استنادها واعتمادها. قوله: (اجتناب أفرادها) أي باجتناب ما يدعو إليها من الأفعال الردية وإن كان لها عنده محامل رضية إلا لحاجة تدعوه لذلك وتلجئه إليه. قوله: (لم يظهره) أي ما ذكر من الفعل الذي ظاهره معترض وله فيه محمل مرضي خشية من حصول
الضرر المذكور على ذلك. قوله: (فإن أظهره) أي قصداً. قوله: (أو ظهر) أي من غير قصده (أو رأى المصلحة في إظهاره) أي أو لم يظهره ولا ظهر ولكن رأى نحو العالم المصلحة في ظهوره بأن كل من الأحكام التي لا يعرفها إلا قليل وخشي جهل الباقين لها فيظهر أنه فعل ذلك ويبين حكمه ليعلم كان يطوف إنسان راكباً على دابة بقصد بيان جواز ذلك وإنه لا كراهة فيه فضلاً عن حرمته ومن عبر بكراهة ذلك أراد بها ما يسميها المتأخرون بخلاف الأولى.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) وأخرجه أبو داود والنسائي كما في مختصر جامع الأصول. قوله: (قام على المنبر) قال العلماء: المنبر بكسر الميم وسكون النون وفتح الموحدة مأخوذ من المنبر وهو الارتفاع وكان المنبر الذي صنع له ﷺ ثلاث درجات كما صرح به مسلم في روايته وصلاته هذه بعد خطبته كما في تحفة القارئ والإمام
стр. 2210
وكبَّر النّاس وراءَه، فقرأ وركع وركع النّاس خلفَه، ثم رفع، ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر حتى فرغ من صلاته، ثم أقبل على النّاس فقال: أيُّها النَّاسُ إنَّمَا صَنَعْتُ هَذا لتَأتمُّوا بِي ولِتَعَلمُوا صَلاتي".
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
كحديث "إنَّها صَفِيَّةُ".
ــ
في الصلاة على المنبر ليريهم أعمال الصلاة كما ذكر ذلك آخر الحديث قال المصنف: وفي الحديث جواز صلاة الإِمام مرتفعاً على موضع المأمومين ويقاس به عكسه ثم إن كان الارتفاع لغير حاجة فمكروه ولا تبطل مطلقاً على الصحيح وإن كان لحاجة كتعليمهم أفعال الصلاة لم يكره بل يستحب لهذا الحديث ولذا إذا أراد المأموم إعلام المأمومين بصلاة الإِمام واحتاج إلى الارتفاع لم يكره. قوله: (وكبر النّاس وراءه) أي عقب تكبيره. قوله: (ثم رجع القهقرى) تقدم في الفصول أول الكتاب أنه المشي إلى الخلف والمراد أنه نزل بعد إكمال الاعتدال إلى أصل المنبر بمشي القهقرى إلى خلفه وفعل ذلك محافظة على الاستقبال وقدمنا إن درجات المنبر كانت ثلاثة والثالثة المستراح فالنبي ﷺ كان في الثانية فنزل منها إلى الأرض في خطوتين فيؤخذ منه جواز الفعل اليسير في الصلوات فالخطوتان لا تبطلان الصلاة لكن الأولى ترك ذلك إلا لحاجة فإن كان لحاجة فلا كراهة كما فعل ﷺ وفيه إن العمل الكثير إذا لم يكن متوالياً لا يبطل الصلاة لأن النزول عن المنبر والصعود تكرر وجملته كثيرة لكن إفراده المتفرقة كل واحد منها قليل. قوله: (فلما فرغ) أي من الصلاة. قوله: (قال صنعت هذا) أي صعود المنبر ثم النزول منه في الصلاة الذي هو لولا حاجة البيان خلاف الأولى (لتأتموا بي) أي لتقتدوا ويرى الجميع الأفعال بالعيان فيتعلموا كيفيتها بالرؤية ولذا قال (ولتعلموا صلاتي) أي لتتعلموها فحذف إحدى التاءين تخفيفاً. قوله: (كحديث إنها صفية) وذلك ما أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي
وابن ماجه وابن حبان والبزار والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي عن صفية قالت: كان النبي ﷺ معتكفاً فأتيته أزوره ليلًا فحدثته ثم قمت لانقلب فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان
стр. 2211
وفي البخاري: "أن علياً شرب قائماً وقال: رأيتُ رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت" والأحاديث والآثار في هذا المعنى في الصحيح مشهورة.
ــ
من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال ﷺ : "على رسلكما إنها صفية بنت حيي" فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما، هذا أحد ألفاظ رواية الصحيحين وفيهما روايات بنحو ذلك كما أشار إليه القلقشندي في شرح عمدة الأحكام، والرجلان قيل: هما أسد بن حضير وعباد بن بشر صاحبا المصباحين قاله ابن العطار في شرح العمدة وقوله: إنها صفية قال السيوطي في مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه أخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق أبي محمد بن أبي حاتم حدثنا محمد بن روح عن إبراهيم بن محمد الشافعي قال: كنا في مجلس ابن عيينة والشافعي حاضر فحدث حديث إنها صفية فقال ابن عيينة للشافعي ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله قال: إن كان القوم قد اتهموا النبي ﷺ كانوا بتهمتهم إياه كفاراً لكن النبي ﷺ أدب من بعده فقال: "إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يظن بكم ظن السوء" لا أن النبي ﷺ يتهم وهو أمين الله في أرضه فقال ابن عيينة: جزاك الله خيراً يا أبا عبد الله ما يجيئنا منك إلا كل ما نحبه اهـ. قوله: (وفي البخاري) ورواه في الشمائل والنسائي كذا في الأطراف للمزي. قوله (شرب قائماً) أي وذلك برحبة الكوفة: . قوله: (إن رسول الله ﷺ فعل) أي شرب قائماً (كما رأيتموني أفعل) أي أشرب ذلك، وفعل علي لتبليغ شرعه ﷺ وفعله ﷺ لبيان الجواز وإن نهيه عن الشرب قائماً ليس على سبيل التحريم بل على سبيل الكراهة والتنزيه وقد أشار إلى هذا الحمل الحافظ ابن حجر حيث قال:
إذا رمت تشرب فاجلس تفز ... بسنة صفوة أهل الحجاز
وقد صححوا شربه قائماً ... ولكنه لبيان الجواز
(والأحاديث) أي المرفوعة (والآثار) أي الموقوفة: والمقطوعة.
стр. 2212
باب ما يقوله التابع للمتبوع إذا فعل ذلك أو نحوه
اعلم أنه يستحبُّ للتابع إذا رأى من شيخه وغيره ممن يقتدى به شيئاً في ظاهره مخالفة للمعروف أن يسأله عنه بنية الاسترشاد، فإن كان في فعله ناسياً تداركه، وإن كان فعله عامداً وهو صحيح في نفس الأمر، بيَّنَه له.
فقد روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أسامة بن زيد ﵄ قال: "دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشِّعب نزل فبال
ــ
باب ما يقوله التابع للمتبوع إذا فعل
أي المتبوع (ذلك) أي ما ظاهره غير صواب وهو صواب في نفس الأمر (أو نحوه) أي ما ظاهره مكروه أو خلاف الأولى وليس كذلك في نفس الأمر وهذا على سبيل التذكير واستبانة الأمر لا على وجه الاعتراض وامتحان نحو الأستاذ فإنه قبيح. قوله: (في ظاهره مخالفة للمعروف) أي بأن
يكون ظاهره محرماً أو مكروهاً وليس كذلك في الحقيقة. قوله: (بنية الاسترشاد) أي بأن يرشده الأستاذ لبيان ما خفى عليه وجهه. قوله: (فإن كان قد فعله ناسياً الخ) ووجه الإرشاد في هذه الأعلام أن ما فعله الأستاذ ليس من المشروع حتى يقتدي به فيه الطالب بل إنما صدر على سبيل النسيان الذي لا يكاد يخلو منه إنسان. قوله: (بيّنه وله) أي بيّن له ما ذكر من صحة العبادة في نفس الأمر وذلك ببيان الدليل إن كان ذلك الحكم للعموم أو بيان وجه الرخصة إن كان لعذر به دعاه لذلك.
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) ورواه مالك والنسائي وأبو داود كما في تيسير الوصول للديبع. قوله: (دفع ﷺ من عرفة) أي أفاض وسمى ذلك دفعاً لأن بعضهم يدفع بعضاً أي يزحمه كما في تحفة القارئ. قوله: (حتى إذا كان بالشعب) بكسر المعجمة وسكون المهملة قال الطبري في القرى: الشعب هو انفراق بين الجبلين من
стр. 2213
ثم توضأ، فقلت: الصلاةُ يا رسول الله، فقال: "الصلاةُ أمامَكَ".
قلت: إنما قال أسامة ذلك، لأنه ظنَّ أن النبي ﷺ نسي صلاة المغرب، وكان قد دخل وقتُها وقَرُبَ خروجُه.
وروينا في "صحيحيهما" قول سعد بن أبي وقاص: "يا رسول الله، ما لك عن فلان والله إني لأراه مؤمناً".
ــ
طريق ونحوه قال البخاري أي الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة وقال الملأ على يسرة الطريق بين المأزمين ويقال له: شعب الأذخر اهـ. قوله: (ثم توضأ) أي وضوء الصلاة لكن مقتصراً فيه على أقل مجزئ بأن اقتصر على غسل أعضاء الوضوء من غير تكرار وبالتخفيف وفعله ذلك لاستعجاله ومبادرته به ليكون على طهارة إذ لا يخلو من ذكر الله تعالى ثم جدد الوضوء وأتى به على الكمال بمزدلفة ويجوز أن يكون طرأ ما يوجبه بالمزدلفة وفي الحديث دليل على أن الوضوء عبادة في نفسه وإن لم يرد به الصلاة كذا في القرى. قوله: (الصلاة) بالنصب على الإغراء أو بإضمار يريد وأل في الصلاة للعهد أي المغرب. قوله: (الصلاة أمامك) مبتدأ وخبر أي مشروعة بين يديك أي في المزدلفة قال في تحفة القارئ: ويجوز نصبها بمقدر. قوله: (ذلك) أي الصلاة أي صلاة المغرب. قوله: (دخل وقتها) أي وهم بعرفة. قوله: (وقرب خروجه) أي خروج وقت المغرب عند نزوله بذلك الشعب فذكر بها لذلك فبين له النبي ﷺ أن التأخير لجمع التأخير.
قوله: (وروينا في صحيحيهما) وكذا رواه أبو داود والنسائي كذا في الأطراف. قوله: (سعد الخ) أي وذلك لما أعطى النبي ﷺ جمعاً كثيراً ولم يعط رجلاً يعلم سعد حاله فتوهم أن النبي ﷺ نسيه فذكره بشأنه بقوله: يا رسول الله ما لك عن فلان واسمه جعيل بن سراقة الضمري. وقوله: (ما لك عن فلان) أي ما سبب عدو لك عنه. ووله: (لأراه مؤمناً) الرواية بضم الهمزة قال المصنف: الصواب الفتح بمعنى العلم لقوله بعد غلبني ما أعلم منه فالضم
стр. 2214
وفي "صحيح مسلم" عن بريدة "أن النبي ﷺ صلى الصلواتِ يوم الفتح بوُضوء واحد، فقال عمرُ ﵁: لقد صنعتَ اليوم شيئاً لم تكن تصنعُه، فقال: "عَمْداً صَنَعْتُهُ يا عُمَرُ" ونظائر هذا كثيرة في الصحيح مشهورة.
ــ
بمعنى الظن قال الحافظ ابن حجر
ويجوز أن يكون العلم في كلامه بمعنى الظن فيوافق الضم وتتمة الخبر أن النبي ﷺ قال: "أو مسلماً" بسكون الواو أي أنكر عليه الجزم بالإيمان الذي محله القلب ولا اطلاع عليه وأرشده إلى أن إطلاق الإسلام على من لم يختبر باطن حاله أولى من إطلاق الإيمان لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر وليس ذلك لكون جعيل ليس من المؤمنين فقد ورد في حديث عند الروياني في مسنده بسند صحيح عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال له: "كيف ترى جعيلاً" فقلت: كشكله من المهاجرين قال: "كيف ترى فلاناً" قلت: سيد من سادات النّاس قال: "فجعيل خير من ملء الأرض من فلان" قلت: ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع قال: "إنه رأس قومه فأنا أبي الرجل" لفهم به فعلم من هذا أن قوله أو مسلماً إرشاد إلى التحري في العبارة لا إنكار كون المتروك مؤمناً ولا تعليل لترك إعطائه وقد بين سبب ترك الإعطاء بقوله إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار. قوله: (وفي صحيح مسلم) رواه مسلم في الطهارة من صحيحه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في كتاب الطهارة من سننهم وقال الترمذي حسن صحيح. قوله: (يوم الفتح) أي في يوم من إقامته بمكة زمن الفتح ويمكن أن يكون نفس اليوم الذي وقع فيه فتح مكة ودخول النبي ﷺ بها. قوله: (عمداً صنعته يا عمر) العامل في عمداً محذوف يفسره المذكور بعده والقصد من هذا الفعل بيان إن الأمر بالطهارة عند القيام عند كل صلاة كان أولاً وأنه يجوز الجمع بين صلوات بطهر واحد نعم الأفضل التجديد لمن صلى بطهره الأول صلاة ما.
стр. 2215
باب الحث على المشاورة
قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة، وتغني هذه الآية الكريمة عن كل شيء، فإنه إذا أمر الله في كتابه نصاً
جلياً نبيَّه ﷺ بالمشاورة مع أنه أكمل الخلق، فما الظنُّ بغيره؟ .
واعلم أنه يستحبُّ لمن همَّ بأمر أن يشاور فيه من يثق بدِينه
ــ
باب الحث على المشاورة
أي الحض على الاستضاءة برأي الغير فيما يريد الإنسان فعله. قوله: (وشاورهم في الأمر) في ذلك دليل على المشاورة وتحرير الرأي وتنقيحه والفكر فيه وإن ذلك مطلوب شرعاً وأمر الله تعالى نبيه ﷺ بمشاورتهم تطييباً لخواطرهم وتنبيهاً على رضاه ﷺ حيث جعلهم أهلاً للمشاورة إيذاناً بأنهم أهل المحبة الصادقة والمناصحة إذ لا يستشير الإنسان إلا من كان فيه المودة والعقل والتجربة، ومنهج العرب وعادتها الاستشارة في الأمور وإذا لم يشاور أحداً منهم حصل في نفسه شيء ولذا عز على علي وأهل البيت كونهم استبد عليهم بترك المشاورة في خلافة أبي بكر، وفي أمره ﷺ بالمشاورة التشريع للأمة ليقتدوا به في ذلك قال ابن عطية الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب وهذا مما لا خلاف فيه والمستشار في الدين عالم دين وقلماً يكون ذلك إلا في عاقل اهـ، لفظه وفيه بعض تلخيص. قوله: (وتغني هذه الآية) أي للأمر فيها للنبي
ﷺ مع كماله وزيادة فضله بالمشاورة فغيره بالأولى. قوله: (نصّاً جليّاً) وصف توضيحي ونصبه إما بنزع الخافض أو على الحال أو وصف للمصدر أي أمر نبيه بالمشاورة أمراً نصاً جلياً. قوله: (مع أنه أكمل الخلق) أي عقلاً ورأياً وعلماً وفي سائر أنواع الكمال. قوله: (لمن هم بأمر) أي خطر بخاطره وأراد فعله. قوله: (بدينه) إذ من لا دين له لا وثوق برأيه فقد يحمله هواه مع عدم دينه على الإرشاد بما فيه الضرر.
стр. 2216
وخِبْرته وحِذْقه ونصيحته وورَعه وشفقته. ويستحبُّ أن يشاور جماعة بالصفة المذكورة ويستكثر منهم، ويعرفهم مقصوده من ذلك الأمر، ويبين لهم ما فيه من مصلحة ومفسدة إن علم شيئاً من ذلك، ويتأكدُ الأمر بالمشاورة في حق وُلاة الأمور العامة، كالسلطان، والقاضي، ونحوهما، والأحاديث الصحيحة في مشاورة عمر بن الخطاب ﵁ أصحابَه ورجوعَه إلى أقوالهم كثيرة مشهورة،
ــ
قوله: (وخبرته) بضم المعجمة وسكون الموحدة أي معرفته لبواطن الأمور إذ من لا معرفة له بالشيء لا يظهر خيره من غيره. قوله: (وصدقه) أي في نفسه فإن من كان بخلاف ذلك ربما حمله طلب استمالة الخواطر إلى الإشارة بما الخير في نفس الأمر بخلافه. قوله: (ونصيحته) أي لمن استشار مطلقاً أوله بخصوصه والأول أكمل فإن من يوثق بنصيحته النفس لقوله أسكن. قوله: (وورعه) أي ليمنعه الورع من الإشارة بخلاف ما يتبع. قوله: (وشفقته) أي على جميع الخلق أو عليه بخصوصه والأول أكمل لكون شفقة أشمل. قوله: (ويستحب أن يشاور جماعة) أي ليقوي سكون قلبه لذلك الفعل لما اتفق عليه القوم من الإشارة به وإذا اختلف المشيرون عليه قدم رأي ذي الدين والورع والنصح الخير على غيره. قوله: (ويبين لهم ما فيه من مصلحة ومفسدة إن علم شيئاً من ذلك) أي ليزداد الخبير بها بذكر ذلك معرفة إلى معرفته وتحصل به الخبرة لغيره. قوله: (ويتأكد الأمر بالمشاورة في حق ولاة الأمور) أي لأن أمورهم تعود على العباد صلاحاً وفساداً. قوله: (والأحاديث الصحيحة في مشاورات عمر بن الخطاب أصحابه ورجوعه إلى قولهم كثيرة مشهورة) من ذلك ما في صحيح البخاري لما أراد الذهاب إلى الشام فأخبر بالوباء فاستشار الصحابة في القدوم إلى الشام مع الوباء والرجوع عنها لذلك فأشار الأكثرون بالعود فعاد ثم جاء عبد الرحمن بن عوف وروى في ذلك خبراً مرفوعاً
стр. 2217
ثم فائدة المشاورة القبول من المستشار إذا كان بالصفة المذكورة، ولم تظهر المفسدة فيما أشار به، وعلى المستشار بذلُ الوسع في النصيحة وإعمالُ الفكر في ذلك.
فقد روينا في "صحيح مسلم" عن تميم الداري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "للهِ وكتَابِهِ وَرَسُولِهِ وأئمةِ المُسْلِمِينَ وعَامَّتِهِمْ".
وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المُسْتَشارُ مُؤْتَمَنٌ".
ــ
فيه النهي عن القدوم على الأرض الوبيئة ومنها ما في. قوله: (ثم فائدة المشاورة القبول الخ) فإن المشير إذا علم العمل بإشارته وكان موصوفاً بما تقدم زاد في محض النصح وحسن الإشارة بخلاف ما إذا توهم إن ذلك لمجرد استبانة الرأي من غير عمل ربما حمله ذلك على التساهل في الأمر لكونه لا يخشى ترتب شيء على ما أشار به. قوله: (وعلى المستشار بذل الوسع) بضم الواو أي الطاقة في النصيحة أي لكون المستشير رضي برأيه فحقه أن يبالغ في ذلك أداء لحق النصح قال بعضهم وآفة من استشير ولم ينصح الابتلاء بخلل في عقله. قوله: (وإعمال الفكر في ذلك) أي في النصيحة ومحض الرأي والنظر في عواقب الأمر ديناً ودنيا والله الموفق.
قوله: (فقد روينا في صحيح مسلم الخ) وترجمة تميم سبقت في كتاب الأسماء والكنى والكلام على حديثه سيأتي في الكلام على الأحاديث التي ختم بها الشيخ الكتاب. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) قال في الجامع الصغير رواه أصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ورواه الترمذي عن أم سلمة ورواه ابن ماجه عن ابن مسعود ورواه الطبراني في الكبير عن سمرة وزاد فيه إن شاء أشار وإن شاء لم يشر ورواه الطبراني في الأوسط عن علي ﵁ وزاد بعد قوله مؤتمن فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه وتقدم في أذكار المسافر زيادة بسط في تخريج هذا الحديث وفي فوائد متعلقة بالمشاورة. قوله: (المستشار مؤتمن) أي
стр. 2218
باب الحثِّ على طيب الكلام
قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨].
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
ومن حق المؤتمن ألا يخون فيما اؤتمن فيه فليمحض الرأي وليمحض النصح وإلا كان فيما اؤتمن فيه خائناً والله أعلم.
باب الحث على طيب الكلام
قوله: (واخفض جناحك للمؤمنين) قال في النهر: هو كناية عن التلطف والرفق وأصله أن الطائر إذا ضم الفرخ إليه بسط جناحه ثم قبضه على فرخه والجناحان من ابن آدم جانباه اهـ. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال في الجامع الصغير ورواه أحمد وفي الجامع بدل قوله: فمن لم يجد فإن لم تجدوا وروى قوله: اتقوا النار ولو بشق تمرة دون ما بعده الشيخان والنسائي عن عدي وأحمد عن عائشة والبزاز والطبراني في الأوسط والضياء عن أنس والبزار عن النعمان بن بشير وعن أبي هريرة والطبراني في الكبير عن ابن عباس وعن أبي أمامة اهـ، وقال السخاوي في أمالي الأذكار ومن خطه نقلت. قوله: (عن عدي بن حاتم) هو الطائي والده الجواد المشهور وعدي يكنى أبا ظريف وقيل: أبا وهب قدم على النبي ﷺ في شعبان سنة تسع من الهجرة فأسلم وكان نصرانياً روى له عن رسول الله ﷺ ستة وعشرون حديث اتفقا منها على ثلاثة وانفرد مسلم بحديثين روى عنه قيس بن أبي حازم ومصعب بن سعد وسعيد بن جبير في آخرين نزل الكوفة: وتوفي بها سنة تسع وستين وقيل: ثمان وستين وهو ابن مائة وعشرين سنة قال ابن قتيبة: وكان عدي طويلاً إذا ركب الفرس كادت رجله تخط الأرض شهد مع علي الجمل ثم صفين قال ولم يبق له عقب إلا من قبل ابنتيه أسد وعمرة وإنما أعقب حاتم من ولده عبد الله بن حاتم ولما توفي ﷺ قدم عدي على
الصديق في وقت
стр. 2219
"اتقُوا النَّارَ ولَو بِشِقِّ تَمْرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيبَةٍ".
وروينا في "صحيحيهما" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ سُلامى مِنَ النَّاس عَلَيهِ
ــ
الردة بصدقة قومه وثبت على الإسلام وثبت معه قومه فلم يرتدوا فيمن ارتد من العرب وكان ﵁ جواداً شريفاً في قومه معظماً عندهم وعند غيرهم حاضر الجواب روي عنه أنه قال: ما دخل علي وقت صلاة إلا وأنا مشتاق إليها وكان ﷺ يكرمه إذا دخل عليه وشهد فتوح العراق زمن عمر ﵄ وشهد وقعة القادسية ووقعة مهران وغير ذلك وكان مع خالد بن الوليد حين سار إلى الشام وشهد معه بعض فتوحه وأرسل معه خالد بن الوليد الأخماس إلى الصديق وكان يفت الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات ولهن حق وفي الصحيحين واللفظ للبخاري قال له عمر في قصة نعم والله لأعرفك آمنت إذ كفروا وأقبلت إذ أدبروا ووفيت إذ غدروا وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيئ جئت بها إلى النبي ﷺ فقال عدي: فلا أبالي كذا في التهذيب للمصنف مع نوع تلخيص. قوله: (اتقوا النار الخ) قال في النهاية بشق تمرة أي بنصف تمرة يريد أن لا تستقلوا من الصدقة شيئاً اهـ، وقال المصنف في شرح مسلم شق التمرة بكسر الشين المعجمة نصفها وجانبها وفيه الحث على الصدقة وأنه لا يمتنع منها لقلتها وإن قليلها سبب للنجاة من النار. وقوله: (فمن لم يجد) أي مما يتقيها به من المال. قوله: (فبكلمة طيبة) وهي الكلمة التى تطيب قلب الإنسان إذا كانت مباحة أو طاعة وقال ابن حجر في شرح المشكاة التي فيها نفع للنفس أو للغير وظاهر أن المراد كون الكلمة النافعة لنفسه طيبة النافعة له في دينه أو دنياه المستعين بها عليه أي فإنها سبب للنجاة من النار أيضاً.
قوله: (وروينا في صحيحيهما) وكذا رواه الإِمام أحمد كما في الجامع الصغير وقال السخاوي (من النَّاس) هو صفة للمبتدأ وقوله (عليه صدقة) خبر وتذكير الضمير رعاية لـ "لكل" المضافة لنكرة جائز وإن كان الأكثر اعتباره بالمضاف إليه كما في كل نفس ذائقة الموت إن كل نفس
стр. 2220
صَدَقَةٌ، كل يَوْم تَطْلَعُ فيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَينَ الاثْنَينِ صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ فتَحْمِلهُ عَلَيهَا أو تَرْفَعُ لَهُ عَلَيها مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، قال: والكَلِمَةُ الطيبَةُ صَدَقَةٌ، وبِكُل خُطوةٍ تمشِيَها إلى الصّلاة صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ الأذَى عنِ الطّريقِ صَدَقَةٌ".
قلت: السُّلامى بضم السين وتخفيف اللام: أحد مفاصل أعضاء الإنسان وجمعه: سُلاميات بضم السين وفتح الميم وتخفيف الياء وتقدم ضبطها في أوائل الكتاب.
ــ
لما عليها حافظ وطلب منه الصدقة شكراً لنعمة موجده وقوله (كل يوم) أعربه الطيبي مبتدأ والجمل بعده أخباره والرواجع فيها محذوفة: أي يعدل فيه وهكذا ويصح نصبه على الظرفية ويعدل الخ، بدل منه وعلى الأول استئناف جواب لسؤال محذوف كأنه قيل: من يقدر على هذا وأي شيء يتصدق به فقيل: كل يوم يعدل فيه بين الاثنين أي فيه صدقة الخ، كذا يستفاد من شرح المشكاة لابن حجر وقوله (تطلع فيه الشمس) صفة كاشفة والمراد بطلوعها وجودها وإن استترت بنحو غيم. قوله: (تعدل) بالرفع بتقدير إن، والفعل وإن في تأويل المبتدأ أي عدلك بين الاثنين أي المتخاصمين أي بالإصلاح بينهما ودوى ظلم الظالم منهما صدقة على كل من المظلوم لدفع الظلم عنه وعلى الظالم لمنعه مما فيه هلاك دينه وتقدم أنه على رفع يوم يكون فيه ضمير محذوف أي عدلك بين اثنين فيه صدقة والجملة خبر عنه ومثله في الجمل بعده وعلى النصب يكون بدلاً أي بدل اشتمال. قوله: (وتعين الرجل) بتقدير إن أي
وإعانة الرجل وذكره لأنه الغالب فمثله المرأة. قوله: (فتحمله عليها) بأن تمسك له الدابة حتى يركبها. قوله: (أو ترفع له عليها متاعه) أي وحده أو مع صاحبه. قوله: (وتميط) بتقدير إن كذلك أي إماطة الأذى عن الطريق فلذا عطفه على الجمل الاسمية تارة وعطفها عليه أخرى كما عملت. قوله: (وتقدم ضبطها في أوائل الكتاب) أي في باب فضل الذكر والذي تقدم ثمة هو ما ذكره الشيخ
стр. 2221
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال لي النبيُّ ﷺ "لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْروفِ شَيْئاً وَلَو أنْ تَلقَى أخاكَ بوَجْهٍ طَلْقٍ".
باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب
وروينا في سنن أبي داود عن عائشة ﵂ قالت: كان كلام رسول الله ﷺ كلاماً فصلاً يفهمه كلُّ من يسمعه.
وروينا في "صحيح البخاري" عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ "أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تُفهَم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثاً".
ــ
هنا سواء وتقدم زيادة على ذلك في هذا الشرح من ذلك الباب. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) تقدم الكلام على ما يتعلق بالحديث منه في آخر كتاب السلام في فضل البشاشة أما سنده فقال السخاوى ...
باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب
قوله: (روينا في سنن أبي داود) ورواه الترمذي في الشمائل بنحوه وقال السخاوي (كلاماً فصلاً) أي مفصولاً بعضه من بعض لبيانه ووضوحه مع اختصاره وحاصله أنه لا يلتبس معناه بمعنى غيره ويحتمل أن يكون المراد فاصلاً بين الحق والباطل أو مفصولاً عن الباطل ومصوناً عنه فليس في خاص ويحتمل أن المراد من قوله كل من يسمعه كل من خاطبه النبي ﷺ بكلامه فيفهمه ذلك السامع المخاطب لأنه ﷺ كان يخاطب كلاًّ بقدر فهمه وعلى حسب استعداده والله أعلم. قوله: (روينا في صحيح البخاري الخ) سبق الكلام على ما يتعلق بالحديث متناً وإسناداً في آخر كيفية السلام والله أعلم.
стр. 2222
باب المزاح
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقول لأخيه الصغير: "يا أبا عُمَيرٍ ما فعَلَ النُّغَيْرُ".
ــ
باب المزاح
بكسر أوله مصدر مازح فهو بمعنى الممازحة وبضمه مصدر مزح كذا قرره جمع وفي المصباح مزح مزحاً من باب نفع ومزاحة بالفتح والاسم المزاح بالضم والمزحة المرة ومازحته ممازحة ومزاحاً من باب قاتل ويقال: إن المزاح مشتق من زحت الشيء عن موضعه وأزحته عنه إذا نحيته لأنه تنحية له عن الجد وفيه ضعف لأن باب مزح غير باب زوج والشيء لا يشتق مما يغايره في أصوله اهـ، وبالجملة هو انبساط مع الغير من غير إيذاء له وبه فارق الاستهزاء والسخرية وقد سئل بعض السلف عن مزاحه ﷺ فقال: كانت له مهابة فلذا كان ينبسط النّاس بذلك:
يتلقى الندا بوجه صبيح ... وصدور القنا بوجه وقاح
فبهذا وذا تتم المعالي ... طرق الجد غير طرق المزاح
قال ابن قتيبة إنما كان ﷺ يمزح لأن النّاس مأمورون بالتأسي به والاقتداء بهديه فلو ترك الطلاقة والبشاشة ولزم العبوس والقطوب لأخذ النّاس أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من المشقة والعناء فمزح ليمزحوا ولا يناقض ذلك خبر ما أنا من الدد ولا الدد مني فإن الدد اللهو والباطل وهو كان إذا مزح لا يقول إلا حقاً وأخرج جمع عن عائشة أنه ﷺ كان يمزح ويقول: إن الله لا يؤاخذ المزاح الصادق في مزاحه.
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) تقدم الكلام عليه في باب كنية من لم يولد له وكنية الصغير وروى هذه الجملة من الحديث الترمذي في الشمائل وابن السني في عمل اليوم والليلة. قوله: (كان يقول) على سبيل الممازحة وجبر خاطر ذلك الصغير لما أصابه من الحزن على ذلك الطير (لأخيه)
стр. 2223
وروينا في كتابي أبي داود والترمذي عن أنس أيضاً أن النبي ﷺ قال له: "يا ذا الأذُنيِن" قال الترمذي: حديث صحيح.
وروينا في كتابيهما عن أنس أيضاً "أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله احملني، فقال: "إني حامِلُكَ على وَلَدِ النَّاقَةِ"، فقال: يا رسول الله: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : "وهَلْ
ــ
من أمه.
قوله: (وروينا في كتابي أبي داود والترمذي) وأخرجه ابن السني في كتاب عمل اليوم والليلة.
قوله: (قال له) على سبيل المزاح، في الشمائل للترمذي بعد تخريج الحديث قال محمود: يعني ابن غيلان قال أسامة يعني يمازحه قال الشيخ وإنما كان مزاحاً مع كون معناه صحيحاً يقصد بالإفادة لأن في التعبير عنه بذا الأذنين مباسطة وملاطفة حيث سماه بغير اسمه فهو من جملة مزحه ولطيف أخلاقه كما قال للمرأة عن زوجها: ذاك الذي في عينه بياض. قوله: (يا ذا الأذنين) أي يا صاحب الأذنين ووصفه به مدحاً لذكائه وفطنته وحسن استماعه لأن من خلق الله له أذنين سميعتين كان أدعى لحفظه ووعيه جميع ما يسمعه وبما تقدم عن الترمذي ظهر وجه كون هذا الكلام من المزاح.
قوله: (وروينا في كتابيهما) وكذا أخرجه الترمذي في الشمائل: أن رجلاً كان فيه نوع من البله، ولم أر من بين اسمه. قوله: (احملني) أي أركبني على دابة. قوله: (إني حاملك) أي مريد لحملك. قوله: (على ولد الناقة) وفي الشمائل على ولد ناقة بحذف أل وهذا الكلام أراد به ﷺ المباسطة للسائل والملاطفة معه مما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك وإظهاراً لتحققه فيه فإن أكثر أهل الجنة البله على ما ورد والمراد بهم البله في أمور الدنيا مع كمال فطانتهم في أمور العقبى فهم من الأبرار عكس صفة الكفار التي قال الله تعالى في بيانها: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ قال بعض العارفين سموا بلها حيث رضوا بالجنة ولم يطلبوا الزيادة قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ فالحسنى الجمعة والزيادة اللقاء. قوله: (وما أصنع الخ) سبق إلى خاطر السائل استصغار ما يصدق عليه لفظ البنوة كما هو المتبادر للفهم من ذلك فقال: ما أصنع الخ. قوله: (وهل
стр. 2224
تَلِدُ الإبِلُ إلاَّ النُّوقُ؟ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: "إني
ــ
تلد الإبل الخ) أي إن الإبل صغرت أو كبرت ما تلدها جميعها (إلا النوق) جمع ناقة وهي أنثى الإبل قال أبو عبيد ولا تسمى ناقة حتى تجذع كأنه يقول له لو تدبرت لم تقل ذلك ففيه مع المباسطة الإيماء إلى إرشاده غيره إلى أنه ينبغي إذا سمع قولاً أن يتأمله ولا يبادر برده إلا بعد أن يدرك غوره ولا يسارع إلى ما يقتضيه الصورة.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي) أي جامعه وكذا رواه في شمائله. قوله: (إنك تداعبنا) بدال وعين مهملتين أي تمازحنا قال الزمخشري: الدعابة كالنكاية والمزاحة مصدر داعب إذا مزح والمداعبة مفاعلة منه اهـ، وقال في المصباح: دعب يدعب كمزح يمزح وزناً ومعنى فهو داعب بالضم اسم لما يستملح من ذلك اهـ، قال بعضهم وتصدير الجملة: "إن" يدل على إنكار سابق كأنهم قالوا سبق أنك منعتنا عن المزاح ونحن أتباعك مأمورون باتباعك في الأفعال والأخلاق فقال: لا أقول إلا حقاً جواباً للسؤال على وجه يتضمن العلة الباعثة على نهيهم عن المداعبة والمعنى إني لا أقول إلا حقاً فمن قدر على المداعبة كذلك فجائزة والنهي عما ليس كذلك وأطلق النهي نظراً إلى حال الأغلب من النّاس كما هو من القواعد الشرعية في بناء الأمر على الحال الأغلب وقال آخر وجه الاستبعاد لوقوع المزاح منه ﷺ جليل مكانته وعظيم رتبته فكأنهم سألوا عن الحكمة في ذلك، وأما قول الطيبي تصدير الحديث: "إن" الدالة على الإنكار كأنهم قالوا: لا ينبغي لمثلك في صدر الرسالة ومكانتك من الله المداعبة فرد عليهم من باب القول بالموجب وقال إني لا أقول إلا حقاً أي نعم أداعب غير أني لا أقول إلا حقاً الخ فالمداعبة كذلك لا تنافي الكمال بل هي من توابعه وثباته حيث جرت على طبق القانون الشرعي اهـ. فتعقب بأنه يبعد أن يخطر ببال الصحب أنه يصدر عنه ﷺ ما لا ينبغي فضلاً عن
اعتراضهم عليه فكأنهم قصدوا السؤال عن المداعبة هل هي من خصائصه
стр. 2225
لا أقُولُ إلاّ حَقاً" قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا في كتاب الترمذي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: " لا تُمَارِ أخاكَ، ولا تُمازِحْهُ، وَلا تَعِدْهُ مَوْعِداً فَتُخْلِفَه".
قال العلماء: المزاح المنهي عنه، هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحاك وقسوة القلب، وَيشْغَلُ عن ذكر الله تعالى والفكر في مهمات الدين،
ــ
فلا يقتدي به فيها فأجاب بأني لا أقول إلا حقاً فمن حافظ على الحق وتجنب الكذب مع إبقاء المهابة والوقار فله ذلك أي فهو عند السلامة من المحذور مندوب لا مباح خلافاً للعصام إذ الأصل في أفعاله وأقواله ﷺ وجوباً أو ندباً الافتداء به فيها إلا لدليل يمنع ولا مانع هنا. قوله: (قال الترمذي حديث حسن) زاد ورجاله ثقات.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي) أي وقال: حديث غريب وفي الجامع الصغير رمز التضعيف بجانبه وفي التماس السعد للسخاوي بعد ذكر الحديث: في الأدب المفرد. قوله: (لا تمار أخاك) أي لا تحاجه وتجادله أي بالباطل قال الراغب في مفرداته الامتراء والمماراة المحاجة فيما فيه مرية وأصل ذلك من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب اهـ. قوله: (ولا تعده موعداً فتخلفه) بالنصب في جواب النهي وسبق في باب الوفاء بالوعد أن الخلف المذموم هو ما كان مقارناً للوعد أو ترك الوفاء من غير عذر ما لو وعد وعزم على الوفاء وعرض ما منع منه فلا يدخل في ذلك وينبغي أن يحترز من ذلك أيضاً ولا يجعل نفسه معذوراً من غير ضرورة حافة.
قوله: (قال العلماء المزاح الخ) وكذا من المنهي عنه المزاح المشتمل على كذب أو غيبة أو نحو ذلك من المحظورات لما سبق من قوله ﷺ ولا أقول إلا حقاً أي فيما كان المزاح كذلك وكان لا على سبيل الإكثار فجائز بل مندوب وإلا فلا. قوله: (وقسوة القلب) أي الناشئة من كثرة الضحك والاشتغال بما لا يعني. قوله: (والفكر) أي ويشغل الفكر عن التفكر (في مهمات الدين) أي في أمر الدين المهم وعطفه على ما قبله من باب التدلي إذ الذكر أرقى من الفكر لأن الذكر يوصل
стр. 2226
ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار. فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله، فإنه ﷺ إنما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة
ــ
إلى مقام المشاهدة ولا كذلك التفكر نعم يوصل بها إلى معرفة أوصافه العلية من كمال القدرة والعظمة الأزلية. قوله: (ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء) أي للمخاطب بذكر ما يتأذى به مما يظن المتكلم إن السامع لا يتأثر منه فيذكره على وجه المباسطة له فيحصل منه ذلك. قوله: (ويورث الأحقاد) جمع حقد أي إخفاء الضغينة. قوله: (فأما ما سلم من هذه الأمور) أي وما في معناها من الكذب والغيبة والنميمة (فمباح) أي ما لم يقترن به ما يصيره مطلوباً مندوباً من نحو جبر خاطر أو إيناس وإلا فيصير مندوباً كما سيأتي في آخر كلامه، وحاصل كلام المصنف إذا خلا عن المحظور وما ذكر من المندوب مباح ومع الأول منهي عنه تنزيهاً تارة كأن أكثر منه واشتغل به عن مهمات الدين المندوبة وتحريماً أخرى كأن اشتمل على محرم من نحو غيبة أو كذب ومندوب إن اشتمل على مندوب كإيناس وجبر
خاطر لكن قضية كلام ابن حجر الهيتمي وغيره أنه عند خلوه عن المنهي عنه مندوب إلا أن يقال مزاحه ﷺ لا يفارق شيئاً مما يصير المباح مندوباً والله أعلم، وعبارته: الأظهر إن ما كان خالياً عن ذلك أي المنهي عنه مثل مزاحه ﷺ مندوب وما قيل إنه مباح لا غير فضعيف إذ الأصل في أفعاله ﷺ وجوباً أو ندباً التأسي به فيها إلا لدليل يمنع من ذلك ولا مانع هنا فتعين الندب كما هو مقتضى كلام الفقهاء والأصوليين اهـ. قوله: (وللمصلحة: ) أي التي منها قدرة أصحابه على التشريف بمجالسته وسماع لذيذ خطابه إذ لولا ما طبع عليه ﷺ من حسن الخلق وملاطفة أصحابه وتواضعه معهم لما أطاقوا مجالسته ولا شهود حضرته لما أسبغ عليه من المهابة والجلال فمن المصالح المرتبة على مزاحه معهم في بعض الأوقات اقتدارهم على مجالسته والتلقي عنه نقل الشريعة الشريفة، ومن المصالح ما فعله من مج الماء في وجه محمود بن الربيع كما في صحيح البخاري وكان عمره أربع
стр. 2227
وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهذا لا منع منه قطعاً، بل هو سُنَّةٌ مستحبة إذا كان بهذه الصفة، فاعتمد ما نقلناه عن العلماء وحققناه في هذه الأحاديث وبيان أحكامها، فإنه مما يعظم الاحتياج إليه، وبالله التوفيق.
باب الشفاعة
اعلم أنه تستحب الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم
ــ
سنين فترتب عليه أنه تشرف بمقام الصحبة وأخذ منه أن من يبلغ لذلك السنن يقال فيه: سمع ما حضر فيه من قراءة الحديث. قوله: (وتطييب نفس المخاطب) أي ومن فوائد مزاحه تطييب نفس المخاطب كقوله: لأخي أنس عند موت طائره وحزنه عليه يا أبا عمير ما فعل النغير. قوله: (ومؤانسته) أي المخاطب كقوله: الأذنين. قوله: (بل هو سنة مستحبة) أي مؤكدة وما خلا عن المنهي عنه والمأمور به مندوب كما علم مما تقدم بما فيه.
باب الشفاعة
تقدم تحقيق الكلام على معنى الشفاعة ومأخذها في باب ما يقول من سمع المؤذن والمقيم، قال القرطبي في التفسير أصل الشفاعة والشفعة من الشفع وهو الزوج في العدد ومنه الشفيع لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعاً ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها والشفع بضم الشين ضم واحد إلى واحد والشفاعة إذاً ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعته إلى المشفوع له اهـ. قوله: (إنه تستحب الشفاعة إلى ولاة الأمور الخ) أي لما فيه من السعي في حاجة الأخ المؤمن وقد ورد في الصحيح والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه قال القرطبي في المفهم ولا يخفى ما في الشفاعة المسنونة من الأجر والثواب لأنها من صنائع المعروف فليس كل يقدر على الوصول إلى ذي الأمر ولذا كان
стр. 2228
من أصحاب الحقوق والمستوفين لها ما
لم تكن شفاعةً في حدٍّ أو شفاعةً في أمر لا يجوز تركه، كالشفاعة إلى ناظر على طفل، أو مجنون، أو وقف أو نحو ذلك في ترك بعض الحقوق التي في ولايته، فهذه كلها شفاعة محرَّمة تحرم على الشافع ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعي فيها إذا علمها، ودلائل جميع ما ذكرته ظاهرة في الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ
ــ
ﷺ يقول: مع كمال تواضعه وقربه من النّاس قويهم والضعيف وعدم احتجابه منهم أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها اهـ. قوله: (من أصحاب الحقوق) أي ممن له حق على غيره بأن جنى غيره على نفسه بما يؤدي إلى هلاكها أو على عضوه بأن قطع نحو يده أو تعدى
على عرضه بأن قذفه بالسوء فينبغي أن يشفع عند صاحب الحق في جميع ما ذكر ونحوه في إسقاطه. قوله: (والمستوفي لها) أي الحقوق ممن أقيم لذلك وهو داخل في ولاة الأمور. قوله: (ما لم تكن شفاعة في حد) أي بعد روفعه للحاكم وثبوته عنده فلا تجوز الشفاعة في ذلك لأن الله أولى بالعباد وقد شرع الحدود لمن فيها من مصالح العباد وقطع دائرة الفساد والعناد ولا تنبغي الشفاعة بعد وصولها لمحلها قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أما قبل الرفع إلى الحاكم فاختار أكثر العلماء الشفاعة فيها إلا إن كان ممن يعظم ضرره ويكثر شره بأن يجاهر بذلك واشتهر بالتعرض له فلا تنبغي الشفاعة فيه بل ينبغي رفع ذلك إلى الحاكم ليزجر أولئك الفجرة الطعام. قوله: (أو شفاعة في أمر لا يجوز تركه الخ) كان يشفع في تنقيص أجرة نحو دار عن أجرة المثل في مال صبي أو نحو ذلك أو عن شرط الواقف في وقفه. قوله: (فهذه كلها شفاعة محرمة) أي لأنها وسيلة لمحرم وللوسائل حكم المقاصد. قوله: (ويحرم على المشفوع إليه قبولها) أي لما فيه من إعانته على العصيان فإن الشافع إذا علم أنه يقبل في ذلك المحرم جره إلى الوقوع ففي قبوله منه إعانة على ذلك وحض على الوقوع فيه وفي عدم القبول زجر عن ذلك. قوله: (من يشفع شفاعة حسخة) أي كأن راعى بها حق مسلم ودفع
стр. 2229
نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥].
المقيت: المقتدر والمقدّر، هذا قول أهل اللغة، وهو محكي عن ابن عباس وآخرين من المفسرين. وقال آخرون منهم: المقيت: الحفيظ، وقيل:
ــ
بها عنه شراً أو جلب إليه نفعاً ابتغاء لوجه الله ومنها الدعاء لمسلم وقوله ﷺ : "من دعا لأخيه يظهر الغيب استجيب له" وقال له الملك ولك مثل ذلك. قوله: (نصيب منها) هو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير الواقع بها. قوله: (شفاعة سيئة) يريد بها محرماً قال في النهر قال الحسن: الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة والسيئة في المعاصي قال القرطبي: وهذا القول جامع. قوله: (كفل منها) أي نصيب من وزرها مساو لها في القدر كذا في تفسير البيضاوي وقال الكواشي: فرق بعضهم بين الكفل والنصيب فقال: النصيب الحظ والكفل هنا مستعار من الكفل الردي من الشيء واشتقاقه من الكفل لمشقة الركوب عليه ثم صار متعارفاً للحمل على شدة اهـ، وقال في النهر الظاهر: إن من للسبب أي نصيب من الخير وكفل من الشر بسببها وغاير في النصيب فذكره بلفظ الكفل في الشفاعة السيئة لأنه أكثر ما يستعمل في الشر وإن كان قد استعمل في الخير أي في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قالوا: وهو مستعار من كفل البعير كساء يدار على سنامه ليركب عليه وسمي كفلاً لأنه لم يعم الظهر بل بعضاً منه اهـ. قوله: (المقيت المقتدر) قال البيضاوي: من أقات الشيء إذا قدر قال -أي الزبير بن عبد المطلب كما في تفسير القرطبي:
وذي ضغن كففت الضغن عنه ... وكنت على مساءته مقيتا
стр. 2230
المقيت: الذي عليه قوت كل دابة ورزقها، وقال الكلبي: المقيت: المجازي بالحسنة والسيئة، وقيل: المقيت: الشهيد، وهو راجع إلى معنى الحفيظ. وأما الكِفْل، فهو الحظ والنصيب، وأما الشفاعة المذكورة في الآية، فالجمهور على أنها هذه الشفاعة المعروفة: وهي شفاعة النّاس بعضهم في بعض، وقيل: الشفاعة الحسنة: أن يشفع إيمانه بأن يقاتل الكفار، والله أعلم.
ــ
قال القرطبي: فالمعنى أن الله يعطي كل إنسان قوته ومنه قوله ﵊: "كفى
بالمرء إثماً أن يضيع من يقيت" على من رواه هكذا أي من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره ذكره ابن عطية. قوله: (وقال آخرون منهم) أي من المفسرين وممن قال به من أهل اللغة أبو عبيدة. قوله: (المقيت الحفيظ) قال البيضاوي وقيل: شهيداً حافظاً واشتقاقه من القوت فإنه يقوي البدن ويحفظه قال القرطبي قال النحاس وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان اهـ. قوله: (وقيل المقيت الذي عليه قوت كل دابة الخ) هذا القول يرجع إلى قول أبي عبيدة إذ الإقاتة من الحفظ. قوله: (وهو) أي ما ذكر من الأقوال الثلاثة الأخيرة راجع إلى معنى الحفيظ فإن من كان شهيداً على الأمر أو كان مجازياً به لكونه شهيداً عليه فهو حفيظ له. قوله: (وأما الكفل فهو النصيب والحظ) وغاير بينه وبين النصيب في استعماله في الشر والنصيب في الخير لما تقدم. قوله: (فالجمهور على أن هذه الشفاعة الخ) وبه قال مجاهد والحسن وأبو زيد وغيرهم كما في تفسير القرطبي. قوله: (هي شفاعة النّاس بعضهم لبعض) أي فمن يشفع لينفع فله نصيب ومن يشفع ليضر فله كفل وإن لم يشفع في الحالين عملاً بنيته وشفاعته قال الله تعالى ومن يشفع ولم يقل ومن يشفع. قوله: (وقيل الشفاعة الحسنة الخ) حكاه القرطبي في التفسير بقيل ولم يبين قائله فقيل المعنى من يكن شفيعاً لصاحبه
стр. 2231
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، ويَقضي الله على لسانِ نَبِيِّهِ ما أحَبَّ".
وفي رواية "ما شاءَ"
ــ
في الجهاد يكن له نصيب من الأجر ومن يكن شفيعاً لآخر في باطل يكن له نصيب من الوزر وزاد فيه وقيل: الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة والسيئة في المعاصي فمن يشفع شفاعة حسنة ليصلح بين النّاس استوجب الأجر ومن سعى بالنميمة والغيبة إثم وهذا قريب من معنى القول الأول أي قول الجمهور وقيل يعني بالشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين، والسيئة الدعاء عليهم، في صحيح الخبر من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له وقال الملك: آمين ولك بمثله فهذا هو النصيب وكذا في الشر بل يرجع شؤم دعائه عليه كما كانت اليهود تدعو على المسلمين.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) في الجامع الصغير عزوا تخريج قوله: اشفعوا الخ، لكن بلفظ ما شاء بدل قوله: ما أحب إلى أبي داود والنسائي والترمذي والدارقطني في السنن وكلهم عن أبي موسى. قوله: (تؤجروا) بالجزم جواب الشرط المقدر أي إن تشفعوا تؤجروا ووقع في بعض نسخ مسلم رواية للبخاري في كتاب الأدب فلتؤجروا بزيادة فاء ولام قال القرطبي: فينبغي أن تكون مكسورة لأنها لام كي وإن الفاء زائدة كما في قوله ﷺ : "قوموا فلأصلي لكم" في
بعض رواياته ويكون معنى الحديث على تلك الرواية اشفعوا لكي تؤجروا قال: ويحتمل أنها لام الأمر والمأمور به التعرض للأجر بالاستشفاع كأنهم استشفعوا وتعرضوا بذلك للأجر وعلى هذا فيجوز كسر اللام وسكونها، وقال الشيخ زكريا الفاء للسببية وهي التي ينتصب بعدها الفعل المضارع واللام بالكسر لام كي وجاز اجتماعهما لأنهما أمر واحد أو هي زائدة على مذهب الأخفش أو عاطفة على اشفعوا والكلام بالسكون للأمر أو على مقدر كما في وإياي فارهبون وقيل: الفاء والكلام زائدتان ويوافقه سقوطها من نسخة، قال الكرماني في تفسير معنى الحديث أي إذا عرض المحتاج
стр. 2232
وفي رواية أبي داود "اشْفَعُوا إليّ لِتُؤْجَرُوا، ولْيَقْضِ اللهُ على لِسانِ نَبِيهِ ما شاءَ" وهذه الرواية توضح معنى رواية الصحيحين.
وروينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ في قصة بريرة وزوجها قال: قال لها النبي ﷺ :
ــ
على حاجته فاشفعوا له إلي فإنكم إذا شفعتم حصل لكم الأجر سواء قبلت شفاعتكم أم لا ويقضي الله أي يجري الله على لساني ما أحب أي شاء من موجبات قضاء الحاجة أو عدمها أي إن قضيتها أو لم أقضها فهو بتقدير الله وقضائه.
قوله: (وفي رواية ما شاء) هي كذلك عند البخاري في كتاب الأدب من الصحيح وتقدم أنها عند الثلاثة من أصحاب السنن والدارقطني أيضاً وحينئذٍ فإن لوحظ صدور أقضية الحاجات باعتبار موردها على يده ﷺ فتحمل رواية شاء على أحب لأنه لا يبرز على يده ﷺ من المقضيات إلا المحبوب لله سبحانه وإن أريد ما هو أعم من بروزها على يده فشمل ما برز على يد غيره من الأقدار على يد ولاة الأمور فلا تخصص رواية شاء برواية أحب لأن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه. قوله: (وفي رواية أبي داود الخ) اللام في لتؤجروا تعليلية أي أمركم بالشفاعة عندي ليعود عليكم الأجر ويصح حملها على الأمر على ما تقدم في كلام القرطبي وغيره. قوله: (وليقضي الله) هكذا هو بالنصب في نسخة معطوف على المنصوب قبله بإعادة حرف التعليل وفي نسخة مصححة وليقض بالجزم قال القرطبي: وصحت به الرواية كذلك هنا أي في صحيح مسلم باللام وجزم الفعل وحمل ذلك على أن الأمر وقع فيها موقع الخبر كما قد جاء ذلك كثيراً انتهى. قوله: (توضح رواية الصحيحين الخ) أي لأنها تبين أن المرابطة بين الأجر والشفاعة المدلول عليها بجزم الفعل في جواب الأمر في قوله اشفعوا تؤجروا لأنها سبب لحصوله.
قوله: (وروينا في صحيح البخاري الخ) قال المزي في الأطراف رواه البخاري في كتاب الطلاق والترمذي في النكاح (في قصة بريرة) هي بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى وسكون التحتية بينهما أي لما عتقت وفسخت نكاحها من زوجها لكونه رقيقاً. قوله: (وزوجها) اسمه مغيث وهو عبد أسود وما روي عن عائشة أن زوجها كان حراً فمعارض بأنه قد صح عنها أنه كان عبداً. قوله: (قال) أي ابن عباس (قال لها) أي
стр. 2233
"لَوْ راجَعْتِيهِ؟ " قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنما أشْفَعُ"، قالت: لا حاجةَ لي فيه".
ــ
لبريرة (لو راجعتيه) بإثبات الياء بعد ضمير المخاطبة تولدت من إشباع الكسرة قال ابن النحوي في شرح البخاري في الحديث استشفاع الإِمام والعالم والخليفة في الحوائج
والرغبة إلى أهلها في الإسعاف لسائلها وإن ذلك من مكارم الأخلاق، وفيه أن الساعي في ذلك مأجور وإن لم تنقض الحاجة، وفيه أنه لا حرج على الإِمام والحاكم إذا ثبت الحق على أحد الخصمين عنده وسأله من ثبت عليه الحق في الشفاعة إلى صاحب الحق في إسقاط حق أو تأخير أو وضع فيشفع في ذلك لأنه ﷺ شفع إلى بريرة فقال لها: "لو راجعتيه بعد إعلامه إياها" بما لها من الخيار بين القرار معه والفسخ، وفيه أن من سئل من الأمور ما هو غير واجب فعله فله رد سائله وترك قضاء حاجته وإن كان الشفيع سلطاناً أو عالماً أو شريفاً لأنه ﷺ لم ينكر على بريرة ردها إياه فيما شفع فيه وليس أحد من الخلق أعلى رتبة منه ﷺ فغيره من الخلق أحرى أن لا يكون منكراً رده فيما يشفع فيه، وفيه أنه لا حرج على المسلم في حبه امرأة مسلمة سواء ظهر ذلك أو خفي فلا إثم عليه وإن أفرط فيه ولم يأت محرماً فإن مغيثاً كان يتبع بريرة بعد أن بانت منه في سكك المدينة مبدياً لها ما يجده في نفسه من فرط الهوى وشدة الحب وكان ذلك بعد بينونتها منه كما يدل عليه قوله ﷺ : "لو راجعتيه" وإذا كان كذلك فغير ملوم من ظهر منه محبة امرأة يحل تزوجها سواء تزوجها بعد أم لا ما لم يغش مأثماً ويأت محرماً اهـ، ما يؤخذ من كلام ابن النحوي بتلخيص، وفي كشف الأسرار لابن العماد الأفقهسي استصعب النّاس قول بريرة أتأمر رسول الله أم تشفع فقال: بل أشفع قالت: لا حاجة لي فيه وقالوا: كيف يظن بهذه الصحابية أنها لم تقبل شفاعته ﷺ وقالت: لا حاجة لي فيه مع شفاعته عندها فيه قال: والجواب الصحيح في ذلك موقوف على معرفة الفرق بين الأمر والسؤال والشفاعة وقد فرق اليماني في شرح اللمع بينهما فقال الطلب: إن كان من الأعلى للأدنى فأمر وإن كان من الأدنى للأعلى لمن هو دونه سمي الطالب شافعاً
стр. 2234
وروينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباس قال: لما قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر نزل على ابن أخيه الحز بن قيس، وكان من النفر الذين يُدنِيهم عمرُ ﵁، فقال عيينة: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، فاستأذن، فأذن له عمرُ، فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ أن يوقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله تعالى.
باب استحباب التبشير والتهنئة
ــ
والمطلوب منه مشفوعاً إليه والمطلوب له مشفوعاً له والشيء مشفوعاً فيه فكل شافع فهو داع وسائل وطالب وراغب وكل مشفوع إليه مدعو ومسؤول ومرغوب إليه هذا كلامه فشرط في تسميتها شفاعة أن يكون الشافع دون المشفوع إليه وحينئذ فقول بريرة أتأمر أم تشفع ترد حقيقة الشفاعة لفقدان شرطها بل المعنى أم تخير وقوله بل أشفع معناه بل أخير ولم تفهم بريرة غير ذلك وإطلاق الشفاعة على التخيير مجاز لما بينهما من عدم الإيجاب في الموضعين ويجوز أن يكون أراد ﷺ من كلامه هذا اختبار بريرة هل لها رغبة في زوجها فيأمرها برده فلما قالت: لا حاجة لي فيه ظهر له كراهتها له فلم يأمرها برده اهـ، ملخصاً. فولى: (وروينا في صحيح البخاري الخ) تقدم الكلام عليه في باب الإعراض عن الجاهلين.
باب استحباب التبشير والتهنئة
ألف الحافظ السيوطي في هذا المعنى جزءاً وسماه محصول الأماني بأصول التهاني وأورد فيه أحاديث وآثاراً في التهنئة بأحدال عالية وأزمنة فاضلة وأعمال كاملة
стр. 2235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحوادث مسفرة: فمن الأول: حديث الشيخين عن أنس قال: أنزلت على النبي ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية فقال ﷺ : "لقد أنزلت علي آية أحب إليّ مما على الأرض" ثم قرأها عليهم فقالوا: هنيئاً لك يا رسول الله الحديث، ومنه حديث الحاكم في المستدرك عن أسامة تبعت النبي ﷺ إلى بيت حمزة فلم يجده فقال له: جئت يا رسول الله وأنا أريد أن آتيك وأهنئك أخبرني أبو عمارة يعني حمزة إنك أعطيت نهراً في الجنة يدعى الكوثر، ومنه حديث ابن عساكر عن عبد الله بن جعفر أن رسول الله ﷺ قال: "يا عبد الله هنيئاً لك مريئاً خلقت من طين وأبوك يطير مع الملائكة في الجنة"، ومنه حديث أحمد ومسلم عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ سأله: "أي آية في كتاب الله أعظم؟ " قال: آية الكرسي، قال: "ليهنك العلم أبا المنذر"، ومنه تهنئة كعب بتوبته وسيأتي في الأصل، ومن الثاني: التهنئة بشهر رمضان أخرج الأصبهاني في الترغيب عن سلمان الفارسي قال: خطب رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان فقال "أيها النّاس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك فيه ليلة خير من ألف شهر" الحديث، قال ابن رجب في اللطائف: هذا الحديث أصل في التهنئة بشهر رمضان ومنه التهنئة بالعيد وأورد فيه آثاراً كثيرة عن الصحابة والتابعين، ومنه التهنئة بالصباح والمساء أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: "كيف أصبحت يا فلان" قال: أحمد الله إليك يا رسول الله فقال ﷺ : "ذلك الذي أردت منك"، ومن الثالث: التهنئة بالحج أخرج البخاري عن عروة بن مضرس قال: أتيت النبي ﷺ بمنى فقال: "أخرج روعك يا عروة" أي ذهب الفزع ومنه التهنئة بالقدوم من الحج وسبق في أذكار المسافر ما يقال لمن قدم من الحج من قوله ﷺ قبل الله حجك وأخلف نفقتك، ومنه التهنئة بالقدوم من الغزو أخرج الحاكم في المستدرك عن عروة ﵁ قال: لما قفل النبي ﷺ وأصحابه من بدر استقبلهم المسلمون بالروحاء يهنئونهم مرسل صحيح الإسناد وتقدم حديث ابن السني عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ في غزوة فلما دخل استقبلته وأخذت بيده فقلت: الحمد لله الذي نصرك وأعزك وأكرمك وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن أبي سفيان إلى أحمد قال: لقي أسيد بن حضير رسول الله ﷺ حين أقبل من بدر فقال: الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك ومن الرابع:
стр. 2236
قال الله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [العنكبوت: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ
ــ
التهنئة بالنكاح وبالمولود وبدخول الحمام وتقدم ما يقال للأول في كتاب النكاح وللثاني في كتاب الأسماء وللثالث في أواخر باب السلام في الاستئذان.
تتمة
قال القمولي في الجواهر لم أجد لأصحابنا كلاماً في التهنئة بالعيد والأعوام والأشهر كما يفعله النّاس ورأيت من فوائد الشيخ زكي الدين بن عبد العظيم المنذري أن الحافظ أبا الحسن المقدسي سئل عن التهنئة في أوائل المشهور والسنين أهو بدعة أم لا فأجاب أن النّاس لم يزالوا مختلفين فيه
قال: والذي أراه أنه مباح ليس بسنة ولا بدعة ونقله الشريف الغزي في شرح المنهاج الفرعي ولم يرد عليه وأجاب الحافظ ابن حجر بعد اطلاعه على ذلك بأنها مشروعة واحتج له بأن البيهقي عقد لذلك باباً وقال: باب ما روي في قول النّاس بعضهم لبعض في العيد: تقبل الله منك وساق فيه أخباراً وآثاراً ضعيفة لكن مجموعها يحتج به في مثل ذلك ثم قال: ويستدل لعموم التهنئة لما يحدث من نعمة أو يندفع من نقمة مشروعية سجود الشكر والله أعلم.
ثم التبشير مصدر بشر من البشارة بتثليث بائه الموحدة كما ذكره النسفي في تفسيره وهي القول السار للمخبر قال البيضاوي في التفسير: فإنه يظهر أثر السرور في البشرة ولذا قال الفقهاء: البشارة هو الخبر الأول حتى لو قال الرجل لعبيده: من بشرني بقدوم ولدي فهو حر فأخبروه فرادى عتق الأول ولو قال: من أخبرني عتقوا جميعاً اهـ، والتهنئة الدعاء بالهناء لمن فاز بخير ديني أو دنيوي لا يضره في دينه. قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي مناد من جنسهم كما يقال: فلان يركب الخيل فإن المنادي كان جبريل وحده. قوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ أي قائماً في الصلاة ويصلي صفة قائم أو خبر أو حال آخر عن الضمير في قائم والمحراب المسجد أو أشرف مواضعه أو مقدمها سمي به لأنه محل محاربة الشيطان. قوله: (إن الله يبشرك بيحيى) أي بأن الله يشرك ويحيى اسم أعجمي وإن جعل عربياً فمنع صرفه للتعريف ووزن الفعل كيعمر. قوله: (جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) يعني الملائكة قيل:
стр. 2237
رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ
ــ
كانوا تسعة وقيل: ثلاثة: جبريل ومكائيل وإسرافيل والبشرى بشارة الولد وقيل: هلاك قوم لوط. قوله: (فبشرناه) أي إبراهيم (بغلام حليم) بشره بالولد وبأنه ذكر يبلغ أو إن الحلم فإن الصبي لا يوصف بالحلم أو يكون حليماً وأي حلم مثل حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق فقال: ستجدني إن شاء الله من الصابرين وقيل: ما نعت الله نبيّاً بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه ﵉ وحالهما المذكور بعد في الآيات بعد هذه الآية يشهد عليه، لخص وما قبله من تفسير البيضاوي. قوله: (لا توجل) قال في النهر صرح في هذه الآية الآية أي بقوله: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] بأنه كان وجل منهم بعد تقريبه إليهم ما ضافهم به من العجل الحنيذ وامتناعهم من الأكل، وفي هود: وأوجس في نفسه خيفة فيمكن أن هذا التصريح كان بعد إيجاس الخيفة ويحتمل أن يكون القول هنا مجازاً بأنه قد ظهر عليه مخايل الخوف حتى صارت كالمصرح بها اهـ، وتقدم في باب الفرق بينه وبين الخوف بالاعتبار وإن كانا متحدين بالذات. قوله: (إنا نبشرك بغلام عليم) استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، بشروه بأمرين: أحدهما: أنه ذكر والثاني: وصفه بالعلم على سبيل المبالغة. قوله: (وامرأته) أي امرأة إبراهيم وهي سارة بنت هاران بن ناحور وهي ابنة عمه وقوله (قائمة) أي لخدمة الضيفان وكان نساؤهم لا يحتجبن كعادة العرب ونازلة البوادي
والصحراء ولم يكن التبرج مكروهاً عندهم وكانت عجوزاً وخدمة الأضياف مما تعد من مكارم الأخلاق. قوله: (فضحكت) قال مجاهد: أي حاضت وقال الجمهور: هو الضحك المعروف فقيل: هو مجاز معبر به عن طلاقة الوجه وسرورها بنجاة أخيها وهلاك قومه كذا في النهر وهو مشكل لأنه يقتضي حل التزوج
стр. 2238
فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ
إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ... ﴾ الآية [آل عمران: ٤٥] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: ٢٣]
ــ
ببنت الأخ لأن لوطاً كان ابن هاران أخي إبراهيم لكن في تفسير سورة الأنبياء من تفسير العماد بن كثير حكايته قول رواه ابن جرير إن سارة ابنة ملك حران قال العماد: وهو غريب والمشهور أنها ابنة عم إبراهيم ﵇. قوله: (فبشرناها بإسحاق) هذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ والمعنى بشرناها على لسان رسلنا بشرتها الملائكة بإسحاق وبأن إسحاق سيلد يعقوب. قوله: (يبشرك) بتشديد الشين مضارع بشر وقرئ بتخفيف الشين مضارع أبشر. قوله: (بكلمة) بفتح الكاف وكسر اللام في جميع القرآن قال البيضاوي أي بعيسى وسمي بذلك لأنه وجد بأمره تعالى دون أب فشابه البدعيات التي هي عالم الأمر أو بكتاب الله سمى كلمة كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته. قوله: (اسمه المسيح عيسى ابن مريم) تقدم السلام على لغات المسيح ولم سمي ﵇ بذلك في آخر أذكار الصلاة وعيسى معرب أشيوع والقول بأنه مشتق من العيس وهو بياض يعلوه حمرة قال القاضي البيضاوي: تكلف لا طائل تحته وابن مريم لما كانت صفة يتميز تمييز الأسماء نظمت في سلكها ولا ينافي تعدد الخبر إفراد المبتدأ فإنه اسم جنس مضاف ويحتمل أن يراد الذي يعرف به ويتميز عن غيره هذه الثلاثة ويجوز أن يكون عيسى خبر مبتدأ محذوف وابن مريم صفته وإنما قيل: ابن مريم والخطاب لها تنبيهاً على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد تنسب للآباء ولا تنسب للأم إلا إذا فقد الأب. قوله: (وجيهاً في الدنيا والآخرة) حال مقدرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة وتذكيره للمعنى والوجاهة في الدنيا النباهة وفي الآخرة الشفاعة. قوله: (ومن المقربين) أي من الله قرباً معنوياً وقيل: إشارة إلى علو درجته في الجمعة ورفعه إلى السماء وصحبته الملائكة. قوله: (ذلك) المشار به إليه ما أعد الله لهم من الكرامة وهو مبتدأ خبره
стр. 2239
وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧، ١٨] وقال
تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الحديد: ١٢] وقال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١].
ــ
الموصول والعائد عليه محذوف أي ذلك الذي يبشر الله به عباده حذف حرف الجر فانتصب الضمير ثم حذف قال الزمخشري أو ذلك التبشير الذي يبشر الله به عباده اهـ. واعترض النهر كلام الكشاف بأنه لم يتقدم في السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من مبشر أو شبهه قال ومن النحاة من جعل الذي مصدرية حكاه ابن مالك عن يونس وتأول عليه هذه الآية أي ذلك تبشير الله عباده وليس بشيء لأنه إثبات الاشتراك بين مختلفي الحد بلا دليل وقد ثبتت اسمية الذي فلا يعدل عن ذلك لشيء لا يقوم به دليل ولا شبهة اهـ. قوله: (فبشر عبادي) أي المجتنبين الطاغوت المنيبين إلى الله تعالى ووضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أنهم هم وليرتب على الظاهر الوصف وهم (الذين يستمعون القول) وهو عام في جميع الأقوال (فيتبعون أحسنه) ثناء عليهم بنفوذ بصائرهم
وتمييزهم. قوله: (يوم ترى المؤمنين الخ) العامل في يوم هو العامل في لهم والتقدير ومستقر لهم أجر كريم يوم ترى المؤمنين أو اذكر يوم ترى إعظاماً لذلك اليوم والرؤية هنا رؤية العين والنور حقيقة والظاهر أن النور يتقدم لهم بين أيديهم ويكون أيضاً بأيمانهم فيظهر أنهما نوران: نور ساع بين أيديهم، ونور بأيمانهم فلذلك تضيء الجهة التي يؤمونها وهذا يضيء به ما حوله من الجهات. قوله: (بشراكم اليوم جنات) جملة معمولة لقول محذوف تقديره تقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم بشراكم اليوم جنات أي دخول جنات. قوله: (مقيم)
стр. 2240
وأما الأحاديث الواردة في البشارة، فكثيرة جداً في الصحيح مشهورة.
فمنها حديث تبشير خديجة ﵂ ببيت في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب.
ــ
أي دائم.
قوله: (وأما الأحاديث الواردة في البشارة فكثيرة جداً في الصحيح الخ) فمنها حديث البخاري ومسلم والترمذي وهذا لفظ البخاري في إحدى رواياته عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: إن النبي ﷺ دخل حائطاً -أي وهو البستان الذي فيه بئر أريس عند قباء- وأمرني بحفظ الباب فجاء رجل يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فأذن أبو بكر ثم جاء عمر فقال: ائذن له وبشره بالجنة ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة الحديث ومنها حديث البخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقال: بلال ورأيت قصراً بفنائه جارية فقلت: لمن هذا فقالوا لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك فوليت مدبراً" الحديث، ومنها حديث البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: كنت عند رسول الله ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال فأتى أعرابي فقال: ألا تنجز لي يا محمد ما وعدتني فقال له: "أبشر" فقال: قد أكثرت على من أبشر فأقبل عليّ وعلى بلال كهيئة الغضبان فقال: "إن هذا رد البشرى فأقبلا أنتما" فقلنا: قبلنا ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل به يديه وجهه ومج فيه ثم قال: "اشربا وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا" فأخذنا القدح ففعلنا فنادت أم سلمة: من وراء الستر إن أفضلا لأمكما من إنائكما فأفضلنا لها منه طائفة. قوله: (فمنها حديث تبشير خديجة ﵂ الخ) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة والقصب بالقاف والصاد المهملة وبالموحدة اللؤلؤة المجوفة والنصب بفتح النون والصاد المهملة بعدها موحدة المشقة والتعب والصخب بفتح الصاد المهملة والخاء المعجمة بعدها موحدة الصوت المختلط المرتفع والمراد إنه خال من التعب الذاتي بالسلامة من النصب والعارض بالخلو من الصخب وفي تحفة القارئ تفصيل
стр. 2241
ومنها حديث كعب بن مالك ﵁ المخرَّج في "الصحيحين" في قصة توبته قال: سمعتُ صوتَ صارخٍ يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فذهب النّاس يبشروننا، وانطلقت أتأمَّم رسولَ الله ﷺ يتلقاني النّاس فوجاً فوجاً يهنؤوني بالتوبة، ويقولون: ليَهْنِكَ توبة الله تعالى عليك،
ــ
في التفضيل بين خديجة ومن يذكر معها فخديجة أفضل من حيث السبق في الإسلام وإعانة النبي ﷺ في المهمات وعائشة أفضل من حيث العلم وفاطمة أفضل من
حيث القرابة ومريم من حيث الاختلاف في نبوتها وذكرها مع الأنبياء وآسية امرأة فرعون من هذه الحيثية لكن لم تذكر مع الأنبياء وعلى ذلك تنزل الأخبار الواردة في تفضيلهن اهـ.
قوله: (ومنها حديث كعب بن مالك المخرج في الصحيحين) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي أيضاً كلهم عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه وكان قائد كعب بن مالك عن كعب أبيه ﵄. قوله: (توبته) أي من تبعه تخلفه عن شهود غزوة تبوك مع النبي ﷺ . قوله: (قال) يعني كعب بن مالك. قوله: (صوت صاروخ) أي رافع صوته وكان الصاروخ أو في على جبل سلع ونادى بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر فذهب النّاس يبشروننا، فيه استحباب التبشير وتهنئة من تجددت له نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه كربة شديدة ونحو ذلك وهذا الاستحباب عام في كل نعمة حصلت أو كربة انكشفت سواء كان من أمور الدنيا أو الدين. قوله: (أتأمم رسول الله ﷺ ) أي أقصده يقال: تأممه وتيممه وأمه ويمه أي قصده قال الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
قوله: (فوجا) بالنصب على الحال والفوج الجماعة من النّاس والفيج بالتحتية مثله وهو مخفف من الفيج وأصله الواو يقال: فاج، يفوج فهو فيج ويخفف فيقال: فيج كذا يؤخذ من النهاية. قوله: (يهنئوني بالتوبة) فيه تهنئة من رزقه الله خيراً ظاهراً.
стр. 2242
حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ حوله النّاس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنَّأني، وكان كعبٌ لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ قال وهو يبرقُ وجهه من السرور: "أبْشِرْ بخَيْرِ يَوْم مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ".
باب جواز التعجب بلفظ التسبيح والتهليل ونحوهما
ــ
قوله: (حتى دخلت المسجد) أي المسجد النبوي (فإذا برسول الله ﷺ ) إذا فيه فجائية والباء فيه زائدة ورسول الله مبتدأ والخبر محذوف أي بارز ظاهر. وقوله: (حوله النّاس) بفتح اللام من حول وتقدم لغاته في أذكار صلاة الاستسقاء والجملة في محل الحال قال ابن هشام في شرح اللمحة ومما في يخفى على الطلبة إعرابه قولك: خرجت فإذا به قائم وتقريره إن الباء زائدة والضمير مبتدأ والأصل فإذا هو موجود قائماً اهـ. قوله: (فقام طلحة بن عبيد الله) الخ قال المصنف: فيه استحباب مصافحه القادم والقيام له إكراماً والهرولة إلى لقائه بشاشة له وفرحاً. قوله: (يبرق وجهه من السرور) قال في النهاية أي يلمع ويستنير كالبرق اهـ. أي وذلك بسبب سروره بتوبة الله تعالى على كعب ففيه استحباب سرور الإِمام وكبير القوم بما يسر أصحابه وأتباعه. قوله: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) أي سوى إسلامك وإنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه والله أعلم.
باب التعجب بلفظ التسبيح والتهليل ونحوهما
أي كالتكبير والحوقلة وترجم البخاري باب التكبير والتسبيح عند التعجب، أخرج البخاري في تعليقاته بصيغة الجزم عن ابن أبي ثور عن ابن عباس عن عمر قال: قلت للنبي ﷺ : طلقت نساءك قال: "لا" قلت: الله أكبر وأخرج أبو داود عن غضيف بن الحارث قال: قلت لعائشة: أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أم في آخره قالت: ربما اغتسل في أوله وربما اغتسل في آخره قلت: الله أكبر الحمد لله الذي جعل في الأمور سعة الحديث وفيه مثل ذلك لما أجابته بتعجيل رسول الله ﷺ بالوتر تارة وتأخيره أخرى ولما أجابته بجهره ﷺ بالقراءة
стр. 2243
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن
ــ
تارة وإسراره بها أخرى، وأخرج البخاري وغيره عن ابن موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا فقال ﷺ : "أيها النّاس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً ولكن تدعون سميعاً بصيراً" ثم أتى علي وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله فقال: "يا عبد الله بن قيس قل لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة" أو قال: "ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله" ثم التعجب استعظام زيادة في وصف الفاعل خفي سببها وخرج بها المتعجب منه عن نظائره أو قل: نظيره قاله ابن عصفور وفي كشف الأسرار لابن العماد إنما تكون الصلاة على النبي ﷺ طاعة إذا قصد بها التحية والقربة أما إذا اتخذها عادة كالبياع الذي يقولها على معاشه فإنه لا يثاب عليها لأنه يقولها للتعجب من حسن بضاعته تنفيقاً لها وقد حكى الحليمي في المنهاج: أنه يكفر بذلك اهـ، وفي الدر المنضود لابن حجر الهيتمي: كره سحنون المالكي الصلاة على النبي ﷺ عند التعجب وقال الحليمي: من أئمتنا لا يكره ذلك كسبحان الله ولا إله إلا الله أي لا يأتي بالنادر وغيره إلا الله فإن صلى عليه ﷺ عندما يستقذر أو يضحك منه فأخشى على صاحبه فإن عرف أنه جعلها عجباً ولم يجتنبها كفر اهـ، ونظر فيه القونوي والذي يتجه إنه لا بد من الكفر من قيد زائد على ذلك ربما يؤدي إليه فحوى كلامه وهو أن يذكرها عند المستقذر والمضحوك منه بقصد استقذارها أو جعلها ضحكة فيكفر حينئذٍ كما هو ظاهر وجزم البدر العيني بحرمتها كالتسبيح والتهليل عند عمل محرم أو غرض يبلغه اهـ، وللتعجب عبارات كثيرة واردة في الكتاب والسنة وكلام العرب فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ ومن السنة أحاديث الباب ومن كلام العرب قولهم لله دره فارساً وإنما لم يبوب في النحو لما عدا صيغتي ما أفعله وأفعل به لأن ما عداهما لم يدل على التعجب بالوضع بل بالقرينة كما في التصريح للشيخ خالد الأزهري. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) وأخرجه أبو داود وكذا أخرجه الترمذي وابن ماجه
стр. 2244
النبي ﷺ لقيه وهو جُنُب، فانسلَّ فذهب فاغتسل، فتفقَّدَه النبي ﷺ ، فلما جاء قال: "أيْنَ كنْتَ يا أبا هُرَيْرَةَ؟ " قال: يا رسول الله لقيتَني وأنا جنب فكرهت أن أُجالسَك حتى أغتسل، فقال: "سُبْحانَ الله إنّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ".
ــ
لكن ليس فيه قوله سبحان الله. قوله: (جنب) هو بضمتين لفظ يستوي فيه الواحد وغيره قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ والجنابة في الأصل البعد وسمي الشخص جنباً لأنه نهى أن يقرب الصلاة ما لم يتطهر. قوله:
(فانسل) من النسلان وهو كما في النهاية الإسراع في المشي ووجه الإتيان بضمير الغائب في هذه الأفعال كونه نقلاً لكلام أبي هريرة بالمعنى ويجوز أن يكون صدر ذلك منه بأن يجعل نفسه غائباً ويحكي عنها ومثله يسمى بالتجريد يعني جرد من نفسه شخصاً وأخبر عنه وعلى هذا يكون النقل لعينه بلفظه أيضاً أشار إليه الكرماني. قوله: (يا أبا هريرة) قال الكرماني بحذف الألف من الأب تخفيفاً. قوله: (سبحان الله) استعمل للتعجب ومعنى التعجب هنا كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليك وفيه التسبيح عند التعجب من الشيء واستعظامه قال الخطابي في الحديث دليل على جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه قال ابن بطال هذا يدل على أن النجاسة إذا لم تكن عيناً في الأجسام فإن المؤمن حينئذٍ طاهر لما المؤمن عليه من التطهر والنظافة لأعضائه بخلاف ما عليه المشرك من ترك التحفظ من النجاسة والقذر فحملت كل طائفة على خلقها وعادتها قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ تغليباً للحال وقد قيل في الآية: إنه ليس بمعنى نجاسة الأعضاء بل بمعنى نجاسة الأفعال والكراهة لهم وإبعادهم عما قدس الله تعالى من بقعة أو كتاب أو رجل صالح ولا خلاف بين الفقهاء في طهارة عرق الجنب قيل: لما أباح الله نكاح نساء أهل الكتاب ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من ضاجعهن ولا غسل عليه من الكتابية إلا كما عليه من المسلمة دل على أن ابن آدم ليس بنجس في ذاته ما لم تعرض له نجاسة تحل به قال المصنف: هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حياً وميتاً أما الحي
стр. 2245
وروينا في "صحيحيهما" عن عائشة ﵂، أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من الحيض، فأمرها كيف تغتسل قال: "خُذِي
ــ
فطاهر وأما الميت ففيه خلاف والصحيح من قولي الشافعي أنه طاهر وأما الكافر فحكمه في الطهارة حكم المسلم وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فالمراد نجاسة الاعتقاد لا نجاسة أعضائهم وإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلماً كان أو كافراً فعرقه ودمعه ولعابه طاهرة سواء كان محدثاً أو جنباً أو حائضاً وفي الحديث استحباب احترام أهل الفضل وإن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم فيكون على أكمل الهيئات وأحسن الصفات وقد استحبَّ العلماء لطالب العلم أن يحس حاله عند مجالسة شيخه فيكون متطهراً متنظفاً بإزالة الشعور المأمور بإزالتها وقص الأظفار وإزالة الروائح المكروهة وغير ذلك وفي الحديث من الآداب أن العالم إذا رأى من تابعه أمراً يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه وقال له: صوابه وبين له حكمه.
قوله: (وروينا في صحيحيهما الخ) وأخرجه أبو داود والنسائي. قوله: (إن امرأة) جاء في رواية الصحيحين ومن ذكر معهما زيادة قوله من الأنصار قال العراقي في مبهماته قال الخطيب: هي أسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء وكذا قال غيره وفي رواية صحيح مسلم أن أسماء وهي بنت شكل أي بفتح الشين والكاف وقيل بإسكان الكاف فيجوز أن القصة جرت للمرأتين وقال ابن بشكوال: هي أسماء بنت شكل قال ابن طاهر كذا ذكرها مسلم في صحيحه والصواب أسماء بنت يزيد بن السكن قلت: نقل الشيخ تقي الدين السبكي في شرح المنهاج عن شيخه الحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي إن أسماء بنت شكل نسبة إلى جدها وتصحيف في اسمه اهـ، وقال السيوطي في الديباج
على صحيح مسلم بن الحجاج ذكر الخطيب وغيره إن اسم السائلة أسماء بنت يزيد بن السكن وجزم به جماعة منهم الشرف الدمياطي وقال: إن الذي في مسلم تصحيف قال ابن حجر وهو رد للرواية الثابتة بغير دليل قال: ويحتمل أن يكون شكل لقباً لأسماء اهـ. قوله: (قال: خذي
следующие страницы →