ومنها حديث كعب بن مالك ﵁ المخرَّج في "الصحيحين" في قصة توبته قال: سمعتُ صوتَ صارخٍ يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فذهب النّاس يبشروننا، وانطلقت أتأمَّم رسولَ الله ﷺ يتلقاني النّاس فوجاً فوجاً يهنؤوني بالتوبة، ويقولون: ليَهْنِكَ توبة الله تعالى عليك،
ــ
في التفضيل بين خديجة ومن يذكر معها فخديجة أفضل من حيث السبق في الإسلام وإعانة النبي ﷺ في المهمات وعائشة أفضل من حيث العلم وفاطمة أفضل من
حيث القرابة ومريم من حيث الاختلاف في نبوتها وذكرها مع الأنبياء وآسية امرأة فرعون من هذه الحيثية لكن لم تذكر مع الأنبياء وعلى ذلك تنزل الأخبار الواردة في تفضيلهن اهـ.
قوله: (ومنها حديث كعب بن مالك المخرج في الصحيحين) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي أيضاً كلهم عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه وكان قائد كعب بن مالك عن كعب أبيه ﵄. قوله: (توبته) أي من تبعه تخلفه عن شهود غزوة تبوك مع النبي ﷺ . قوله: (قال) يعني كعب بن مالك. قوله: (صوت صاروخ) أي رافع صوته وكان الصاروخ أو في على جبل سلع ونادى بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر فذهب النّاس يبشروننا، فيه استحباب التبشير وتهنئة من تجددت له نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه كربة شديدة ونحو ذلك وهذا الاستحباب عام في كل نعمة حصلت أو كربة انكشفت سواء كان من أمور الدنيا أو الدين. قوله: (أتأمم رسول الله ﷺ ) أي أقصده يقال: تأممه وتيممه وأمه ويمه أي قصده قال الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
قوله: (فوجا) بالنصب على الحال والفوج الجماعة من النّاس والفيج بالتحتية مثله وهو مخفف من الفيج وأصله الواو يقال: فاج، يفوج فهو فيج ويخفف فيقال: فيج كذا يؤخذ من النهاية. قوله: (يهنئوني بالتوبة) فيه تهنئة من رزقه الله خيراً ظاهراً.
стр. 2242
حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ حوله النّاس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنَّأني، وكان كعبٌ لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ قال وهو يبرقُ وجهه من السرور: "أبْشِرْ بخَيْرِ يَوْم مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ".
باب جواز التعجب بلفظ التسبيح والتهليل ونحوهما
ــ
قوله: (حتى دخلت المسجد) أي المسجد النبوي (فإذا برسول الله ﷺ ) إذا فيه فجائية والباء فيه زائدة ورسول الله مبتدأ والخبر محذوف أي بارز ظاهر. وقوله: (حوله النّاس) بفتح اللام من حول وتقدم لغاته في أذكار صلاة الاستسقاء والجملة في محل الحال قال ابن هشام في شرح اللمحة ومما في يخفى على الطلبة إعرابه قولك: خرجت فإذا به قائم وتقريره إن الباء زائدة والضمير مبتدأ والأصل فإذا هو موجود قائماً اهـ. قوله: (فقام طلحة بن عبيد الله) الخ قال المصنف: فيه استحباب مصافحه القادم والقيام له إكراماً والهرولة إلى لقائه بشاشة له وفرحاً. قوله: (يبرق وجهه من السرور) قال في النهاية أي يلمع ويستنير كالبرق اهـ. أي وذلك بسبب سروره بتوبة الله تعالى على كعب ففيه استحباب سرور الإِمام وكبير القوم بما يسر أصحابه وأتباعه. قوله: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) أي سوى إسلامك وإنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه والله أعلم.
باب التعجب بلفظ التسبيح والتهليل ونحوهما
أي كالتكبير والحوقلة وترجم البخاري باب التكبير والتسبيح عند التعجب، أخرج البخاري في تعليقاته بصيغة الجزم عن ابن أبي ثور عن ابن عباس عن عمر قال: قلت للنبي ﷺ : طلقت نساءك قال: "لا" قلت: الله أكبر وأخرج أبو داود عن غضيف بن الحارث قال: قلت لعائشة: أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أم في آخره قالت: ربما اغتسل في أوله وربما اغتسل في آخره قلت: الله أكبر الحمد لله الذي جعل في الأمور سعة الحديث وفيه مثل ذلك لما أجابته بتعجيل رسول الله ﷺ بالوتر تارة وتأخيره أخرى ولما أجابته بجهره ﷺ بالقراءة
стр. 2243
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن
ــ
تارة وإسراره بها أخرى، وأخرج البخاري وغيره عن ابن موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا فقال ﷺ : "أيها النّاس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً ولكن تدعون سميعاً بصيراً" ثم أتى علي وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله فقال: "يا عبد الله بن قيس قل لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة" أو قال: "ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله" ثم التعجب استعظام زيادة في وصف الفاعل خفي سببها وخرج بها المتعجب منه عن نظائره أو قل: نظيره قاله ابن عصفور وفي كشف الأسرار لابن العماد إنما تكون الصلاة على النبي ﷺ طاعة إذا قصد بها التحية والقربة أما إذا اتخذها عادة كالبياع الذي يقولها على معاشه فإنه لا يثاب عليها لأنه يقولها للتعجب من حسن بضاعته تنفيقاً لها وقد حكى الحليمي في المنهاج: أنه يكفر بذلك اهـ، وفي الدر المنضود لابن حجر الهيتمي: كره سحنون المالكي الصلاة على النبي ﷺ عند التعجب وقال الحليمي: من أئمتنا لا يكره ذلك كسبحان الله ولا إله إلا الله أي لا يأتي بالنادر وغيره إلا الله فإن صلى عليه ﷺ عندما يستقذر أو يضحك منه فأخشى على صاحبه فإن عرف أنه جعلها عجباً ولم يجتنبها كفر اهـ، ونظر فيه القونوي والذي يتجه إنه لا بد من الكفر من قيد زائد على ذلك ربما يؤدي إليه فحوى كلامه وهو أن يذكرها عند المستقذر والمضحوك منه بقصد استقذارها أو جعلها ضحكة فيكفر حينئذٍ كما هو ظاهر وجزم البدر العيني بحرمتها كالتسبيح والتهليل عند عمل محرم أو غرض يبلغه اهـ، وللتعجب عبارات كثيرة واردة في الكتاب والسنة وكلام العرب فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ ومن السنة أحاديث الباب ومن كلام العرب قولهم لله دره فارساً وإنما لم يبوب في النحو لما عدا صيغتي ما أفعله وأفعل به لأن ما عداهما لم يدل على التعجب بالوضع بل بالقرينة كما في التصريح للشيخ خالد الأزهري. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) وأخرجه أبو داود وكذا أخرجه الترمذي وابن ماجه
стр. 2244
النبي ﷺ لقيه وهو جُنُب، فانسلَّ فذهب فاغتسل، فتفقَّدَه النبي ﷺ ، فلما جاء قال: "أيْنَ كنْتَ يا أبا هُرَيْرَةَ؟ " قال: يا رسول الله لقيتَني وأنا جنب فكرهت أن أُجالسَك حتى أغتسل، فقال: "سُبْحانَ الله إنّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ".
ــ
لكن ليس فيه قوله سبحان الله. قوله: (جنب) هو بضمتين لفظ يستوي فيه الواحد وغيره قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ والجنابة في الأصل البعد وسمي الشخص جنباً لأنه نهى أن يقرب الصلاة ما لم يتطهر. قوله:
(فانسل) من النسلان وهو كما في النهاية الإسراع في المشي ووجه الإتيان بضمير الغائب في هذه الأفعال كونه نقلاً لكلام أبي هريرة بالمعنى ويجوز أن يكون صدر ذلك منه بأن يجعل نفسه غائباً ويحكي عنها ومثله يسمى بالتجريد يعني جرد من نفسه شخصاً وأخبر عنه وعلى هذا يكون النقل لعينه بلفظه أيضاً أشار إليه الكرماني. قوله: (يا أبا هريرة) قال الكرماني بحذف الألف من الأب تخفيفاً. قوله: (سبحان الله) استعمل للتعجب ومعنى التعجب هنا كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليك وفيه التسبيح عند التعجب من الشيء واستعظامه قال الخطابي في الحديث دليل على جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه قال ابن بطال هذا يدل على أن النجاسة إذا لم تكن عيناً في الأجسام فإن المؤمن حينئذٍ طاهر لما المؤمن عليه من التطهر والنظافة لأعضائه بخلاف ما عليه المشرك من ترك التحفظ من النجاسة والقذر فحملت كل طائفة على خلقها وعادتها قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ تغليباً للحال وقد قيل في الآية: إنه ليس بمعنى نجاسة الأعضاء بل بمعنى نجاسة الأفعال والكراهة لهم وإبعادهم عما قدس الله تعالى من بقعة أو كتاب أو رجل صالح ولا خلاف بين الفقهاء في طهارة عرق الجنب قيل: لما أباح الله نكاح نساء أهل الكتاب ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من ضاجعهن ولا غسل عليه من الكتابية إلا كما عليه من المسلمة دل على أن ابن آدم ليس بنجس في ذاته ما لم تعرض له نجاسة تحل به قال المصنف: هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حياً وميتاً أما الحي
стр. 2245
وروينا في "صحيحيهما" عن عائشة ﵂، أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من الحيض، فأمرها كيف تغتسل قال: "خُذِي
ــ
فطاهر وأما الميت ففيه خلاف والصحيح من قولي الشافعي أنه طاهر وأما الكافر فحكمه في الطهارة حكم المسلم وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فالمراد نجاسة الاعتقاد لا نجاسة أعضائهم وإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلماً كان أو كافراً فعرقه ودمعه ولعابه طاهرة سواء كان محدثاً أو جنباً أو حائضاً وفي الحديث استحباب احترام أهل الفضل وإن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم فيكون على أكمل الهيئات وأحسن الصفات وقد استحبَّ العلماء لطالب العلم أن يحس حاله عند مجالسة شيخه فيكون متطهراً متنظفاً بإزالة الشعور المأمور بإزالتها وقص الأظفار وإزالة الروائح المكروهة وغير ذلك وفي الحديث من الآداب أن العالم إذا رأى من تابعه أمراً يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه وقال له: صوابه وبين له حكمه.
قوله: (وروينا في صحيحيهما الخ) وأخرجه أبو داود والنسائي. قوله: (إن امرأة) جاء في رواية الصحيحين ومن ذكر معهما زيادة قوله من الأنصار قال العراقي في مبهماته قال الخطيب: هي أسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء وكذا قال غيره وفي رواية صحيح مسلم أن أسماء وهي بنت شكل أي بفتح الشين والكاف وقيل بإسكان الكاف فيجوز أن القصة جرت للمرأتين وقال ابن بشكوال: هي أسماء بنت شكل قال ابن طاهر كذا ذكرها مسلم في صحيحه والصواب أسماء بنت يزيد بن السكن قلت: نقل الشيخ تقي الدين السبكي في شرح المنهاج عن شيخه الحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي إن أسماء بنت شكل نسبة إلى جدها وتصحيف في اسمه اهـ، وقال السيوطي في الديباج
على صحيح مسلم بن الحجاج ذكر الخطيب وغيره إن اسم السائلة أسماء بنت يزيد بن السكن وجزم به جماعة منهم الشرف الدمياطي وقال: إن الذي في مسلم تصحيف قال ابن حجر وهو رد للرواية الثابتة بغير دليل قال: ويحتمل أن يكون شكل لقباً لأسماء اهـ. قوله: (قال: خذي
стр. 2246
فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّري بها"، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: "تَطَهّري بها"، قالت: كَيفَ؟ قال: "سُبْحانَ الله تَطَهَّري، فاجتذبتُها إليَّ" فقلت: تتبَّعي أثر الدم".
قلت: هذا لفظ إحدى روايات البخاري، وباقيها وروايات مسلم بمعناه، والفِرصة بكسر الفاء وبالصاد
ــ
فرصة الخ) قال الكرماني: هو بيان لأمرها، فإن قلت: كيف يكون بياناً للاغتسال وهو إيصال الماء إلى جميع البشرة لا أخذ الفرصة قلت: السؤال لم يكن عن نفس الاغتسال لأنه معلوم لكل أحد بل عما كان مختصاً بغسل الحيض فلذا أجاب به أو الجملة حالية لا بيانية قلت: ويقوي هذا قوله في إحدى روايات مسلم قال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور فتصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها قالت: أسماء كيف نتطهر بها قال: سبحان الله تطهري بها قالت عائشة: كأنها تخفي ذلك تتبعي بها أثر الدم. قوله: (سبحان الله) المراد بها في مثل هذا الموضع التعجب كما تقدم ومعنى التعجب هنا: كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان إلى فهمه إلى ذكر قال المصنف: فيه جواز التسبيح عند التعجب وكذا عند التنبيه على الشيء والتذكير به. قوله: (فاجتذبتها) وفي بعض نسخ البخاري فاجتبذتها بتقديم الموحدة على المعجمة وهو مقول عائشة ﵂. قوله: (تتبعي) أمر للواحدة من التتبع وهو المراد من تطهيري قال المصنف: وجمهور العلماء قالوا: تعني بقولها أثر الدم الفرج وقال المحاملي من الشافعية في كتابه المقنع بضم الميم إنه يستحب أن تطيب جميع المواضع التي أصابها الدم وهذا الذي قاله. غريب لا أعرفه لغيره اهـ، لكن ظاهر الحديث حجة له قال الكرماني: وفي الحديث جواز تفسير كلام الرئيس بحضوره وفيه ورود الأمر لغير الإيجاب. قوله: (وباقيها وروايات مسلم بمعناه) روايات مرفوع عطفاً على باقيها ففي رواية لهما خذي فرصة ممسكة فتوضئ ثلاثاً ثم إن النبي ﷺ استحيا وأعرض بوجهه وتقدمت رواية لمسلم. قوله: (والفرصة بكسر الفاء وبالصاد
стр. 2247
المهملة: القطعة، والمسك بكسر الميم: وهو الطيب المعروف، وقيل الميم مفتوحة، والمراد الجلد، وقيل أقوال كثيرة، والمراد أنها تأخذ قليلاً من مسك فتجعله في قطنة أو صوفة أو خرقة أو نحوها فتجعله في الفرج لتطيب المحلّ وتزيل الرائحة
ــ
المهملة القطعة أي من قطن أو صوف تفرص أي تقطع قال في النهاية وحكى أبو داود في رواية عن بعضهم قرصة بالقاف والصاد المهملة أي شيئاً يسيراً من القرصة بطرف الأصبعين وحكى بعضهم عن ابن قتيبة قرضة بالقاف والضاد المعجمة أي قطعة من القرض القطع قلت: ضعف في شرح مسلم قول ابن قتيبة وصوب ما في الأصل من أنه فرصة بالفاء والصاد المهملة. قوله: (والمسك بكسر الميم الطيب المعروف) قال المصنف في شرح مسلم: هذا هو الصحيح الذي رواه المحققون وعليه الفقهاء وغيرهم من أهل العلوم اهـ، وأشار الكرماني إلى أن تقدير الحديث عليه خذي قطعة من نحو قطن مطيبة من مسك. قوله: (وقيل الميم مفتوحة) قال القاضي عياض: فتح الميم هي رواية الأكثرين أي والسين ساكنة على الوجهين وقول ابن ياطيس: إن الجلد بفتح أوله جميعاً خطأ صريح وجهل قبيح
باتفاق أهل اللغة قاله المصنف في التهذيب وتقدير الحديث على هذا الوجه خذي فرصة من جلد عليه صوف قاله ابن بطال لا أرى التفسير بالمشموم بالجلد وبالذي عليه الصوف صحيحاً إذ ما كان منهن من يستطيع أن يمتهن بالمسك هذا الامتهان ولا يعلم في الصوف معنى يخصه به دون القطن ونحوه والذي عندي فيه أن النّاس يقولون للحائض: احملي معك كذا يريدون عالجي به قبلك أو امسكي معك كذا يكنون به فيكون أحسن من الإفصاح اهـ. قال المصنف: والصحيح أن الرواية بكسر الميم وإنه الطيب المعروف. قوله: (إنها) الحائض ومثلها النفساء لأنها في معنى الحائض. قول: (ليطيب) بضم التحتية الأولى وكسر الثانية المخففة بدليل ويزيل الرائحة بضم
стр. 2248
الكريهة، وقيل: إن المطلوب منه إسراع علوق الولد وهو ضعيف، والله أعلم.
وروينا في "صحيح مسلم" عن أنس ﵁ "أن أخت الرُّبَيِّعِ
ــ
التحتية. قوله: (وقيل إن المطلوب الخ) حكى الماوردي القولين المذكورين في المسألة وجهين للأصحاب قال الصنف والصحيح المختار الأول قال الماوردي فإن قلنا بالأول ففقدت المسك استعملت ما يخلفه في طيب الرائحة وإن قلنا بالثاني استعملت ما قام مقامه في ذلك من القسط والأظفار وشبههما قال المصنف وقول من قال: إن المراد الإسراع في العلوق ضعيف أو باطل فإنه على مقتضى قوله: ينبغي أن يخص به ذات الزوج الحاضر الذي يتوقع جماعة في الحال وهذا شيء لم يصل إليه أحد بعمله وإطلاق الأحاديث ترد على من التزمه بل الصواب إن المراد تطييب المحل وإزالة الرائحة الكريهة وإن ذلك مستحب لكل مغتسلة من الحيض والنفاس سواء ذات الزوج وغيرها فإن لم تجد مسكاً فتستعمل أي طيب فإن لم تجد طيباً استحبَّ لها استعمال طين ونحوه مما يزيل الكراهة نص عليه أصحابنا فإن لم تفعل شيئاً فالماء كاف لكنها إن تركت التطيب مع التمكن منه كره لها وإلا فلا كراهة في حقها اهـ، ثم محل استحباب التطيب لغير نحو محرمة ومحدة أما الأولى فيحرم عليها الطيب مطلقاً والآخرة تأخذ نحو قسط وأظفار والله أعلم.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم أوخ) وكذا رواه البخاري وأبو داود والنسائي كما في جامع الأصول ونبه الشيخ على سبب عزو الحديث لمسلم مع أنه في الصحيحين إن مسلماً انفرد بذكر التعجب بقوله: سبحان الله ورواية البخاري إنها كسرت ثنية جارية ورواية مسلم في الجرح وفي رواية البخاري فقال أنس بن النضر وفي رواية مسلم فقالت أم الربيع. قوله: (إن أخت الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية -وكذا ضبط الربيع الجارحة على رواية البخاري- كذا في رواية مسلم إن الجاني أخت الربيع ورواية البخاري إن الجاني الربيع وبما ذكر في هذه القولة وما قبلها علم إن بين روايتي البخاري ومسلم اختلافاً
стр. 2249
أمَّ حارثة جرحت إنساناً، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: القصاصَ القصاصَ، فقالت أمُّ الربيِّع: يا رسول الله أتقتصُّ من فلانة، واللهِ لا يُقْتَصُّ منها! فقال النبي ﷺ : سُبْحانَ اللهِ يا أُم الرُّبَيع القِصَاصُ كتابُ اللهِ".
قلت:
ــ
كثيراً وجعلهما الحميدي في الجمع بين الصحيحين حديثاً واحداً وقد أخرجه في المتفق عليه قال في جامع الأصول: كان كل واحد من روايتي البخاري ومسلم منفرد لما ذكر من الاختلاف في الجاني وفي الجناية وفي القاتل اهـ، وفي شرح مسلم بعد بيان اختلاف روايتي
الصحيحين في اسم الجارح واسم القائل أهي أم الربيع بفتح الراء وكسر الموحدة أو أنس بن النضر قال العلماء المعروف في الروايات رواية البخاري وقد ذكرها من طرقه الصحيحة كما ذكرنا عنه وكذا رواه أصحاب كتب السنن قلت: يحتمل أنهما قضيتان اهـ، أقول في صحيح البخاري في كتاب الديات في باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات تعليقاً مجزوماً به وجرحت أخت الربيع إنساناً فقال ﷺ "القصاص". قال الشيخ زكريا في تحفة القارئ صوب بعضهم حذف أخت ليوافق ما مر في البقرة وبعضهم أنهما قضيتان اهـ. قوله: (أم حارثة) أي ابن سارقة الذي استشهد بين يدي رسول الله ﷺ ببدر فأتت أمه النبي ﷺ فقالت: أخبرني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت واحتسبت وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء فقال: إنها جنان وإنه أصاب الفردوس الأعلى لكن الذي في أسد الغابة إن أم حارثة هي الربيع بصيغة التصغير بنت النضر وهو الموافق لما سبق عن البخاري ثم نقل فيه القول بأنها أخت الربيع وأنها أم حارثة. قوله: (القصاص القصاص) بنصبهما أي أدوا القصاص وسلموه لمستحقه. قوله: (فقالت أم الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة وتقدم إن الذي في البخاري إن قائل ذلك أنس بن النضر. قوله: (لا والله لا يقتص منها) قال المصنف: ليس معناه رد حكم رسول الله ﷺ بل المراد به الرغبة إلى مستحق القصاص أن يعفوا وإلى النبي ﷺ في الشفاعة إليهم في العفو وإنما حلفت ثقة بهم أن لا يحنثوها أو ثقة بفضل الله ولطفه بها أن لا يحنها بل يلهمهم العفو. قوله: (كتاب الله القصاص) أي حكم كتاب الله وجوب القصاص وفي الحديث استحباب
стр. 2250
أصل الحديث في "الصحيحين"، ولكن هذا المذكور لفظ مسلم، وهو غرضنا هنا، والرُّبَيِّعِ بضم الراء وفتح الباء الموحدة وكسر الياء المشددة.
وروينا في "صحيح مسلم" عن عمران بن الحصين ﵄ في حديثه الطويل، في قصة المرأة التي أسرت، فانفلتت وركبت ناقة النبي ﷺ ، ونذرت إن نجَّاها الله
تعالى لتنحرنَّها، فجاءت، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "سُبْحانَ الله بِئْسَ ما جَزَتْها".
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي موسى الأشعري ﵁ في حديث الاستئذان أنه قال لعمر ﵁ ... الحديث، وفي آخره، "يا ابْنَ الخَطَّاب لا تَكونَنَّ عَذاباً على أصْحابِ رسول الله ﷺ ، قال:
ــ
العفو عن القصاص واستحباب الشفاعة في العفو وإن فيه الخيرة في القصاص والدية إلى مستحقه لا المستحق عليه وفيه إثبات القصاص بين الرجل والمرأة. قوله: (أصل الحديث الخ) تقدم ما بين روايتي الصحيحين من الاختلاف. قوله: (وهو غرضنا هنا) لأن فيه الإتيان بسبحان الله في التعجب، أي كيف يخفى مثل هذا الحكم الظاهر عليك. قوله: (والربيع الخ) أي التي وقع منها الجناية كما هو عند البخاري أو الربيع المضاف إليها أخت في أخت الربيع أما الربيع الذي أضيف إلى أم فبفتح الراء كما تقدم وقد بينه هكذا المصنف في شرح مسلم.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) وأخرجه أبو داود وأخرج الترمذي منه طرفاً يسيراً كذا في جامع مع الأصول. قوله: (في المرأة التي أسرت) قال في الحديث: وأسرت امرأة من الأنصار الحديث قال المصنف: هي امرأة أبي ذر ﵄. قوله: (وركبت نافة النبي ﷺ ) هي العضباء كما
صرح به في الرواية. قوله: (سبحان الله) وجه التعجب قبح المجازاة كما صرح به بقوله: بئسما جزتها الخ. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) وأصل الحديث في البخاري والترمذي لكن ليس فيه عندهما قول عمر: سبحان الله إنما سمعت شيئاً الخ. قوله: (وفي آخره يا بن الخطاب لا تكونن عذاباً الخ)
стр. 2251
سبحان الله، إنما سمعت شيئاً فأحببت أنَ أتثبَّت".
وروينا في "الصحيحين" في حديث عبد الله بن سلام الطويل لما قيل: إنك من أهل الجنة، قال: سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لم يعلم ... وذكر الحديث.
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ــ
قائل هذا الكلام هو أبي ذر بن كعب ﵁ كما صرح به في الحديث في رواية مسلم وإن كان في العبارة ما يوهم أنه أبو موسى. قوله: (سبحان الله) وجه التعجب إنكاره على أبي حيث أنكر عليه التثبت في الأمر وقصد عمر مما فعله مع أبي موسى زجر من لا خلاق له من المبتدعة والمنافقين ونحوهم من القول على رسول الله ﷺ ما لم يقل فإن من وقعت له قضية وضع فيها حديثاً عن النبي ﷺ فأراد سد الباب خوفاً من غير أبي موسى لا شكاً في رواية أبي موسى فإنه عند عمر أجل من أن يظن به أن يحدث عن النبي ﷺ ما لم يقل بل أراد زجر غيره بطريقة فإن من دون أبي موسى إذا رأى هذه القضية أو بلغته وكان في قلبه مرض وأراد وضع حديث خاف من مثل قضية أبي موسى فامتنع من وضع الحديث والمسارعة إلى الرواية بغير يقين ومما يدل على أن هذا مراده قوله: سبحان الله الخ، أشار إليه المصنف في شرح مسلم. قوله: (وروينا في الصحيحين) أي من حديث قيس بن عبادة بضم المهملة وخفة الموحدة. قوله: (سبحان الله ما ينبغي الخ) قال المصنف: هذا إنكار من ابن سلام حيث قطعوا له بالجنة فيحمل على أنهم بلغهم حديث سعد بن أبي وقاص ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لحي يمشي إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام رواه مسلم وهو لم يسمع ذلك ويحتمل أنه كره الثناء عليه بذلك تواضعاً وإيثاراً للخمول وكراهة الشهرة اهـ.
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المعروف يشمل الواجب والمندوب والمباح والمنكر المحرم ومنه تعاطى ما منع الشرع
стр. 2252
هذا الباب أهمُّ الأبواب، أو من أهمها لكثرة النصوص الواردة فيه،
ــ
منه من عبادة فاسدة أو عقد كذلك وهل المنكر يشمل المكروه فيه كلام يأتي للبيضاوي. قوله: (أهم الأبواب) إذ هو معظم الشريعة التي هي أمر بمعروف أو نهي عن منكر. قوله: (أو من أهمها) فأهم الأبواب الإيمان بالله تعالى وبرسوله ﷺ وما يتعلق بذلك ومعرفة العلم العيني والقيام بالفرض العيني. قوله: (لكثرة النصوص) أي من الكتاب والسنة وسيأتي بعضها. قوله: (الواردة فيه) أي في طلبه
وإيجابه قال المصنف: وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو أيضاً من النصيحة التي هي الدين ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة ولا يعتد بخلافهم كما قال أبو المعالي إمام الحرمين لا يكترث بخلافهم في هذا فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء ووجوبه بالشرع لا بالعقل ثم هو فرض كفاية تارة فإذا قام به بعض النّاس سقط عن الباقين وإذا تركه الجميع إثم كل من يتمكن منه بلا عذر ولا خوف وفرض عين أخرى كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو ولا يتمكن من إزالته إلا هو قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين وعليه الأمر والنهي لا القبول كما قال : ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، ثم لا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما ينهي عنه بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما أمر به والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه فإنه يجب عليه شيئان أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه فإذا دخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك جائز لآحاد المسلمين قال إمام الحرمين والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم
стр. 2253
لعِظَم موقعه، وشدة الاهتمام به، وكثرة تساهل أكثر النّاس فيه، ولا يمكن استقصاء ما فيه هنا، لكن لا نخل بشيء
من أصوله، وقد صنف العلماء فيه
ــ
وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نعم شرط الآمر والناهي أن يكون عالماً بما يأمر به وينهى عنه فكل أحد أهل للأمر بالواجبات الظاهرة كالصلاة والصوم والنهي عن المنكرات كذلك كشرب الخمر والزنى إذ جميع المسلمين علماء بذلك أما دقائق الأفعال والأقوال وما يتعلق بالاجتهاد فلا مدخل فيه للعوام وليس لهم إنكاره بل ذلك للعلماء ثم الإنكار إنما يكون فيما أجمع عليه أما المختلف فيه فلا إنكار إلا إن كان الفاعل يعتقد تحريمه أو أراد المنكر النصيحة إلى الخروج عن الخلاف كما أشار إليه المصنف في شرح مسلم اهـ، ملخصاً منه. قوله: (ولعظم موقعه) إذ به يحصل انتظام أمر الدارين. قوله: (وشدة الاهتمام به) أي شرعاً لعظم ثمرته. قوله: (ولكثرة تساهل النّاس فيه) أتى باللام في المعطوفات إشارة إلى أن كل واحد منها علة للاهتمام بهذا الباب وإنه أهم أو من أهم الأبواب، قال المصنف في شرح مسلم: واعلم أن هذا الباب أي باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جداً وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله بعقابه فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم وينبغي للمعتني بالآخرة أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه ويخلص نيته ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع منزلته فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ ولا يتاركه أيضاً لصداقته ومحبته وطلب الجاه عنده ودوام المنزلة لديه فإن صداقته توجب له حقاً ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضاره وصديق الإنسان من يفعل به ذلك اهـ. قوله: (ولا يمكن استقصاء ما فيه) أي لا يمكن في هذا الكتاب استقصاء أي طلب أقصى ما فيه من النصوص الطالبة له ومن حسن ثمراته. قوله: (لكن لا
يخل بشيء من أصوله) إذ ما لا يدرك كله لا يترك كله وقليل الخير كثير قال الشاعر:
стр. 2254
متفرَّقات، وقد جمعت قطعةً منه في أوائل "شرح صحيح مسلم" ونبَّهتُ فيه على مهمّات لا يستغنى عن معرفتها، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ
ــ
افعل الخير ما استطعت وإن ... كان قليلاً فلن تطيق لكله
ومتى تفعل الكثير من الخيـ ... ـر إذا كنت تاركاً لأقله
وهذا أحسن من قول محمود الوراق.
لو رأيت الصغير من عمل الخيـ ... ـر ثواباً عجبت من كبره
أو رأيت الحقير من عمل الشر ... جزاء أشفقت من حذره
قوله: (متفرقات) أي فبعضها في الأمر بالجمعة ونحو ذلك من المعروف وبعضها في النهي عن التعرض للصحابة ﵃ بسوء وبعضها في النهي عن الابتداع ونحو ذلك من المنكرات. قوله: (وقد جمعت قطعة صالحة الخ) قد لخصنا منها مهمها فيما سبق ومما بقي منه قوله: ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب ففد قال إمامنا الشافعي: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه ومن وعظه جهراً فقد فضحه وشانه ومما يتساهل أكثر النّاس فيه من هذا الباب ما إذا رأى إنساناً يبيع متاعاً معيباً ونحوه فإنهم لا ينكرون ذلك ولا يعرفون المشتري بعينه وهذا خطأ ظاهر وقد نص العلماء على أنه يجب على من علم ذلك أن ينكر على البائع وأن يعلم به المشتري اهـ. قوله: (ولتكن منكم أمة) من للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية ولأنه لا يصلح له كل أحد كما علم مما تقدم قال البيضاوي: إذ المتصدي له شرط لا يشترك فيها جميع الأمة كالعلم بالأحكام ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها والتمكن من القيام بها خاطب الجميع وطلب فعل بعضهم ليدل على إنه واجب على الكل حتى لو تركوه رأساً أثموا جميعاً ولكن يسقط أي الوجوب بفعل بعضهم وكذا كل ما هو فرض كفاية أو للتبيين بمعنى كونوا أمة تأمرون قال في لباب التفاسير فيلزم الجميع الدعاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي كونوا كلكم آمرين بالمعروف
стр. 2255
أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] وقال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] والآيات بمعنى ما ذكرته مشهورة.
ــ
ناهين عن المنكر. قوله: (يدعون إلى الخير) عام للدعاء إلى ما فيه صلاح ديني ودنيوي وعطف الأمر بالمعروف وما بعده عليه عطف الخاص على العام إيذاناً بفضله قال القاضي البيضاوي: والأمر بالمعروف يكون واجباً ومندوباً على حسب ما يأمر به والنهي عن المنكر واجب كله لأن جميع ما أنكره الشرع حرام اهـ. وقال الشيخ زكريا في حاشيته عليه قوله والنهي عن المنكر واجب كله ليس كذلك إذ المكروه منكر يندب تركه ولا يجب اهـ. قوله: (وأولئك هم المفلحون) أي مخصوصون بكمال الفلاح روى عنه ﷺ سئل من خير النّاس قال: آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني والبيهقي في الشعب. قوله: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية) تقدم السلام على شيء مما يتعلق بها
في باب الإعراض عن الجاهلين. قوله: (والمؤمنون والمؤمنات الخ) لما عدد مثالب المنافقين ذكر بعدها مناقب المؤمنين وبضدها تتميز الأشياء. قوله: (بعضهم أولياء بعض) أي يتولون ويتناصرون حتى إن الرجل يخرج إلى الجهاد وامرأته تهيئ أسبابه ويخرجن النساء مع الرجل فيداوين الجرحى ويعالجن المرضى ويصلحن الطعام ويحملن الماء قيل: ذكر في المنافقين بعضهم من بعض ولم يقل بعضهم أولياء بعض لأن المؤمنين يتوالون ويتناصرون على الدين الحق والكفار لهم دين باطل يتوالون عليه أما المنافقون فليس لهم دين يظهرونه ويمكنهم التوالي عليه لكن بعضهم على صفة بعض. قوله: (﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] الآية) قال في النهر: ظاهره التفاعل بمعنى الاشتراك أي لا ينهي بعضهم بعضاً وذلك إنهم جمعوا بين فعل المنكر والتجاهر به وعدم النهي عنه والمعصية إذا فعلت وقدرت على العبد ينبغي أن يستتر بها، في الحديث من بلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر فإذا فعلت جهاراً وتواطؤوا
стр. 2256
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
ــ
على عدم الإنكار كان ذلك تحريضاً على فعلها وسبباً مثيراً لإفشائها كثيراً اهـ.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) ورواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة كما في الجامع الصغير. قوله: (عن أبي سعيد الخ) قال: حين لم يلتفت مروان بن الحكم لرجل أنكر عليه لما عزم على تقديم خطبة العيد على صلاته: أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله ﷺ الخ. قوله: (من رأى منكم) خطاب لكل من يتأتى توجيه الخطاب إليه كما في ولو ترى إذ وقفوا على النار ورأى يجوز أن يكون من رؤية البصر فليس عليه إنكار ما علمه ولم يره أو من رؤية البصيرة فهو أعم مما أبصره أو علمه لتناوله إياهما. وقوله: (فليغيره) أي يزله ويبدله بغيره وهو المعروف إذ لا واسطة بينهما إذ المعروف كما تقدم ما عرفه الشرع من واجب أو مندوب أو مباح والمنكر ما أنكره الشرع وأباه فيجب تغييره إن كان حراماً دفعاً لمفسدة المنكر ويكون التعبير بالمعروف لقوله ﷺ : "من أمر بمعروف فليكن أمره فيه بمعروف" ثم ظاهر الأمر بتغييره يقتضي وجوبه مطلقاً قدر أو لم يقدر والتحقيق وجوبه مع القدرة عليه وإلا منّ على نفسه ولم تعارض مصلحة الإنكار مفسدة راجحة أو مساوية وإلا فهو معذور والمكلف به غيره وظاهره أيضاً أنه لا يتوقف على إذن الإِمام أو نائبه وسبق أول الباب عن إمام الحرمين نقل إجماع المسلمين عليه نعم خص من ذلك من خاف من ترك إذنه مفسدة بانحرافه عليه بأنه افتيات عليه فيجب استئذانه في تغييره دفعاً للمفسدة وخص عمومه في الأشخاص بغير المكلف كالصبي والمجنون إذ لا قدرة على تغييره بخلاف المكلف القادر عليه والتغيير باليد لمن قدر عليه أبلغ في إزالة المنكر كإراقة الخمر وتفكيك آلة اللهو. قوله: (فبلسانه) أي
فليغيره بلسانه
стр. 2257
فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ".
وروينا في كتاب الترمذي عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "والَذي نَفْسِي بيَدِهِ لتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوف، ولتَنْهَونَّ عَنِ المُنْكَرِ،
ــ
كأن يصيح عليهم فيتركوه أو يسلط عليهم من يغيره. قوله: (فبقلبه) أي فليكرهه بقلبه وينوي أنه لو قدر على تغييره لغيره لأن الإنسان يجب عليه إيجاب عين كراهة ما كرهه الله تعالى وهذا تدريج في التغيير بحسب الاستطاعة الأبلغ فالأبلغ كقوله لعمران بن الحصن: صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب وعكسه قول الفقهاء في دفع الصائل يتنزل من الكلام إلى العصا إلى السيف ونحوه الأسهل فالأسهل. قوله: (وذلك أضعف الإيمان) أي كراهيته بالقلب أقل الإيمان ثمرة إذ لا يحصل بها زوال مفسدة المنكر المطلوب زواله فهو قاصر بخلافه باليد واللسان فإنه متعد لأنه كراهة وإزالة وفي رواية زيادة ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل أي ليس وراء هذه المرتبة مرتبة أخرى لأنه إذا لم يكرهه بقلبه فقد رضي به وذلك ليس من شأن أهل الإيمان وهذا يقتضي أن تغييره من الإيمان وقد مر أنه مؤول بأنه من آثاره وثمراته لا من حقيقته أي وذلك أضعف الإيمان وثمراته. قوله: (لتأمرن) بضم الراء والفاعل محذوف ضمير الجماعة المخاطبين. قوله: (ولتنهون) بفتح اللام والفوقية وسكون النون وفتح الهاء وضم الواو وتشديد النون وأصله لتنهوون فتحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً ثم حذفت فالتقى ساكنان الواو ونون التوكيد المدغمة ولا يمكن حذف إحداهما فحركت الواو بحركة تجانسها وهي الضمة ولم تقلب ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها لأن الحركة عارضة وما سلكته من أن المحذوف الألف المنقلبة من الواو والباقي واو الضمير حركت لدفع التقاء الساكنين أولى مما سلكه القلقشندي في قوله ﷺ : "لتسون صفوفكم أو
стр. 2258
أَوْ ليُوشكَنَّ الله تعالى يَبْعَثُ عَلَيكُمْ عِقَاباً منْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ" قَالَ الترْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ــ
ليخالفن الله بين قلوبكم وهو إن الأصل لتسوون كما جاء كذلك في رواية ثم حذفت إحدى الواوين تخفيفاً وأبقيت الضمة على الواو قبلها دالة عليها لما فيه من جعل المحذوف ضمير الفاعل والأصل عدم حذفه ولا يعدل إلى الحكم به إلا عند تعذره نعم يقر به إنه عليه مناسب لتأمرن في كون المحذوف في كل منهما ضمير الرفع وأبقيت الضمة لتدل عليه. قوله: (أو ليوشكن الله) أي إن لم تأمر بالمعروف وتنهوا عن المنكر و"أو" للتقسيم يعني أحد الأمرين لازم لا يخلوا الحال عنه وابن مالك يعبر عنه بالتفريق المجرد قال العاقولي في شرح المصابيح: والذي نفسي بيده الخ، القسم واقع على أن أحد هذين الأمرين كائن لا محالة إما أمرهم بالمعروف أو بعث العذاب عليهم ثم إذا دعوا الله لا يستجيب لهم والله إن أحد الأمرين كائن إما ليكن منكم الأمر بالمعروف أو ليكن إنزال عذاب عظيم من عند الله ثم بعد ذلك ليكن منكم الدعاء ومنه تعالى عدم إجابتكم اهـ، وهذا الحديث فيه استعمال مضارع أو شك ومثله قول الشاعر:
يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافيها
قوله: (ثم تدعونه) كذا في نسخة من الترمذي بإثبات واو الجماعة والنون خفيفة نون الرفع ووقع في المشكاة ثم لتدعنه بلام جواب القسم وحذف واو الضمير وإبقاء الضمة دالة عليه ويؤخذ من هذا الحديث وأمثاله ما صرح به في الزواجر من أن ترك النهي عن المنكر من غير عذر من الكبائر ونقله عن صاحب العدة وسيأتي نقله في أوائل باب الغيبة في كلام الأذرعي. قوله: (قال الترمذي حديث حسن) وجه الحكم بحسنه
стр. 2259
وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: يا أيها النّاس، إنكم تقرؤون هذه الآية:
ــ
الاختلاف في حال عبد الله الأنصاري وهو ابن عبد الرحمن الأشهلي فوثقه عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش الأسدي الموصلي عن المعافى
وابن عيينة في آخرين وضعفه أبو حاتم لكن اعتضد بشواهد وتوابعه من أحاديث الباب وباقي رجاله رجال الصحيح والله أعلم.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) هذا أحد ألفاظ روايات أبي داود وفي أخرى له ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب وفي أخرى له ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي وهم أكثر ممن يعمله ولفظ رواية الترمذي وابن ماجه أن النّاس إذا رأوا منكراً فلم يغيروا يوشك أن يعمهم الله بعقابه كما أشار إلى ذلك في المشكاة وبه يعلم إن عزو الحديث لتخريج من عدا أبا داود أريد به رواية أصل المعنى لا بخصوص هذا المبنى ثم راجعت كتاب الترمذي فرأيته رواه بلفظ الكتاب المعزو لأبي داود ومن معه وابن ماجه فرأيته كما في المشكاة. قوله: (بالأسانيد الصحيحة) فيه إن مدار سنده عند الترمذي وابن ماجه على إسماعيل بن أبي خالد فسنده واحد نعم الطرق إلى إسماعيل متعددة فيصح إطلاق الجمع في الأسانيد بهذا الاعتبار لكن سبق عن الحافظ تعقب الشيخ في قوله في مثل ذلك بالأسانيد المتعددة بما من ثم رجاله رجال الصحيح إلا إسماعيل بن أبي خالد فروى عنه هو وابن ماجه وقد ضعف كما في الكاشف للذهبي ولم يصحح الترمذي الحديث ولا حسنه نعم حكى اختلافاً على إسماعيل في رفع الحديث ووقفه فقال: هكذا روى غير هذا الحديث عن إسماعيل نحو حديث يزيد أي موقوفاً ورفعه بعضهم عن إسماعيل ووقفه بعضهم والله أعلم. كقوله: (وتقرءون) وفي نسخة لتقرءون بلام الزيادة التأكيد والنون مخففة على كلا النسختين وكأنه احتيج للتأكيد لاقتضاء المقام ذلك أو من مخاطبة غير المنكر بخطاب المنكر لكون حاله كالمنكر كما يقال كتارك الصلاة العالم بفرضيتها إن
стр. 2260
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنّ النَّاسَ إذَا رأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا على يَدَيهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ".
ــ
الصلاة لواجبة. قوله: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخ) بيان للآية أو بدل منها فهو في محل نصب أو خبر مبتدأ محذوف أي هي فهو في محل رفع. قوله: (وإني سمعت الخ) قال العاقولي: الفاء فيه فصيحة تدل على محذوف كأنه قال: إنكم تقرءون هذه الآية وتجرون على عمومها وليس كذلك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيها النّاس الخ" وهذا عام في حق جميع النّاس فيجب العمل به. قوله: (فلم يأخذوا على يديه) أي بمنعه من الظلم في النهاية يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عما يريد أن يفعله كأنك أمسكت يده اهـ. وقوله: (أو شك) أي قرب قال ابن جر في الزواجر: ومن أقبح البدع أن بعض الجهلة إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر قال: قال تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وما علم الجاهل بقول أبي بكر إن من فعل ذلك ازداد إثم معصيته بإثم تفسيره القرآن برأيه أي وهو من الكبائر وإنما معنى الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاله ابن المسيب وفيها أقوال أخر اهـ. قال الإِمام الواحدي في تفسيره الوسيط خاف الصديق أن يتأول النّاس الآية غير متأولها فتدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف فأراد أن يعلمهم إنها ليست كذلك وإنه لو كان وجهها ذلك ما تكلم رسول
الله ﷺ بخلافها والذي أذن الله في الإمساك عن تغييره من المنكر الشرك الذي ينطق به المعاهد من أجل أنهم أهل ملل يتدينون بها ثم إن قد صولحوا على أن شرط لهم ذلك فأما الفسق والعصيان والريب من أهل الإسلام فلا يدخل في الآية ويدل على صحة هذه الجملة حديث ابن عباس وهو حينئذٍ ضرير ذكر الصديق فقال ﵀ قعد على منبر رسول الله ﷺ وهو خليفة رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم مد يده فوضعها على المجلس الذي كان رسول الله ﷺ يجلس من منبره ثم قال: سمعت الحبيب وهو جالس في هذا المجلس إذا
стр. 2261
وروينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال:
ــ
تأول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فسرها وكان تفسيره لها أن قال: نعم ليس من قوم عمل فيهم بمنكر وسن فيهم بقبيح فلم يغيروه أو لم ينكروه إلا وحق على الله أن يعمهم بالعقوبة جميعاً ثم لا يستجاب لهم ثم أدخل إصبعيه في أذنيه فقال: إلا أكن سمعتها من الحبيب فصمتا قال الواحدي بعد تخريجه ولابن مسعود ﵁ طريق أخرى في هذه الآية وأخرج عنه أنه قال: لم يجيء تأويل هذه الآية بعد إذ القرآن حين نزل كان منه أي مضى تأويلها قبل أن ينزل ومنه أي وقع تأويلها على عهده ﷺ ومنه أي وقع تأويلها بعد رسول الله ﷺ بسنين ومنه أي يقع تأويلها عند الساعة فما دامت قلوبكم واحدة ولم تلبسوا شيعاً ولم يذق بعضكم بأس بعض فمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فليأمر كل امرئ نفسه قال الواحدي: يدل على صحة ما ذهب إليه ابن مسعود في تأويل هذه الآية حديث أبي ثعلبة الخشني قال: سألت رسول الله ﷺ عنها فقال: "نعم بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً وديناً مؤثراً وإعجاب كل ذي رأى برأيه ورأيت الأمر لا يدان لك فعليك نفسك ودع أمر العوام" الحديث اهـ، بتلخيص.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود والترمذي الخ) قال السخاوي في المقاصد الحسنة: أخرجه أبو داود في الملاحم من حديث أبي سعيد مرفوعاً وزاد في آخره أو أمير جائر رواه الترمذي في الفتن من جامعه بلفظ إن من أعظم الجهاد وذكره بدون أو أمير جائر وقال: إنه حسن غريب وهو عند ابن ماجه في الفتن أيضاً بلفظ أبي داود أفضل الجهاد كلمة عدل الخ ولم يذكر فيه أو أمير جائر وأخرجه ابن ماجه أيضاً من حديث أبي أمامة قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في
стр. 2262
"أفْضَلُ الجهادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ". قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: والأحاديث في الباب أشهر من أن تذكر، وهذه الآية الكريمة مما يَغترُّ بها كثير من الجاهلين ويحملونها على غير وجهها، بل الصواب في معناها: أنكم إذا فعلتم ما أُمرتم به فلا يضركم ضلالة من ضل. ومن جملة ما أُمروا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآية قريبة المعنى من قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [العنكبوت: ١٨].
واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن
ــ
الغرز ليركب قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله قال: كلمة حق عند سلطان جائر اهـ، وقال في الجامع الصغير وأخرجه ابن ماجه لكن قال كلمة حق يدل قوله: كلمة عدل وأخرجه باللفظ الذي عند ابن ماجه أحمد والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد من حديث أبي أمامة وفي الدرر المنتثرة للسيوطي حديث أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر البيهقي في الشعب من حديث أبي أمامة بسند لين وله شاهد من مرسل طارق بن شهاب قلت: والحديث عند أبي داود والترمذي من حديث أبي سعيد أي بنحوه اهـ. قوله: (أفضل الجهاد الخ) قال الخطابي: إنما صار ذلك أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كانّ
متردداً بين رجاء وخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور في يده فإذا قال الحق وأمر بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك فصار أفضل أنواع الجهاد من أجل علبة الخوف. قوله: (على خلاف وجهها) أي من إن الإنسان إذا قام بالطاعة بنفسه لا يضره فعل غيره للضلال من فعل المنكر ومنه ترك الواجب. قوله: (والصواب الخ) أي فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جملة ما هو على الإنسان وكلف به فإذا قام بهما ولم يسمع منه فقد أتى بالواجب الذي عليه ولا يضره وضلال غيره بعد السماع فهي كما قال الشيخ قريبة المعنى من قوله : ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وقريب منه قوله تعالى:
стр. 2263
المنكر له شرط وصفات معروفة ليس هذا موضع بسطها، وأحسن مظانها "إحياء علوم الدين"، وقد أوضحتُ مهماتها في "شرح مسلم"، وبالله التوفيق.
كتاب حفظ اللسان
قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. وقال الله تعالى:
ــ
﴿إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قوله: (له شروط) بعضها لأصل طلبه بأن يكون المنكر عالماً بما ينكره وقد تقدم تفصيله وبعضها لجوازه بأن لا يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محذور أشد منه كأن عرف أنه متى أنكر عليه غصب درهم من الإنسان غلبه الحمق فغصب مائة أو قتل نفساً محترمة وبعضها لوجوبه بأن يأمن على نفسه وماله وتقدمت جملة صالحة من ذلك أوائل الباب. قوله: (مظانه) جمع مظنة بكسر الظاء كما تقدم نقله عن الحافظ عثمان. قوله: (وقد أوضحت مهماته الخ) وقد لخصت مهمه فيما تقدم أول الباب والله أعلم.
كتاب حفظ اللسان
أي عن محرم وجوباً وعما لا يعني ولو من مباح ندباً وقوله: حفظ اللسان من باب إضافة المصدر إلى مفعوله. قوله: (قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ الخ) قال في النهر ظاهر ما يلفظ العموم قال مجاهد ويكتب عليه كل شيء حتى أنينه في مرضه وقال السيوطي في الإكليل استدل به ابن عباس على أنه يكتب كل ما يتكلم به حتى قوله: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن طلحة عنه لكن أخرج الحاكم من طريق عكرمة عنه قال: إنما يكتب الخير والشر لا يكتب يا غلام أسرج الفرس ويا غلام اسقني الماء وجرى على الثاني الوارد من طريق عكرمة البيضاوي فقال: لعله أي الملك يكتب ما فيه من ثواب أو عقاب اهـ، وعلى هذا القول الثاني فالآية مخصوصة بالقول الثاني المترتب عليه ثواب أو عقاب وسبق في أول الكتاب في الكلام على الذكر القلبي عن المصنف إن الأصح أن الملك يطلع على ذلك وقوله (رقيب) أي ملك يرقب عمله و (عتيد) أي معد حاضر وفي الحديث كاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين وإذا عمل سيئة قال
стр. 2264
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] وقد ذكرت ما يسر الله من الأذكار المستحبة ونحوها فيما سبق، وأردت أن أضم إليها ما يكره أو يحرم من الألفاظ ليكون الكتاب جامعاً لأحكام الألفاظ، ومبيناً أقسامها، فأذكر من ذلك مقاصد يحتاج إلى معرفتها كل متدين، وأكثر ما أذكره معروفة، فلهذا أترك الأدلة في أكثره، وبالله التوفيق.
ــ
صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر وللحديث طرق فأخرجه الثعلبي والبغوي والطبراني والبيهقي من حديث أبي أمامة وعند الطبراني دخل عثمان بن عفان على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كم مع العبد ملك الحديث أشار إليه الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ في النهر المرصاد المكان الذي يتقرب فيه الرصد مفعال من رصده وهذا تمثيل لإرصاده العصاة بالعقاب اهـ، أي فلا يهمل سبحانه شيئاً وإن كان قد تفضل بإمهال من سبقت له العناية وتنصل مما جناه من الجناية وإن ذلك الإمهال من جملة آثار إن ربك لبالمرصاد لما فيه من استدراجه الزيادة في العصيان فيبوء بزيادة العذاب. قوله: (ونحوها) أي نحو الأذكار من الأقوال كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة ووعظ إنسان أخاه وغيرها مما سبق. قوله: (إليها) أي الأذكار وما معها مما يطلب التلفظ به إما لذاته كالذكر أو لثمرته كالأمر بالمعروف ونحوه. قوله: (ما يكره) أي كراهة تنزيه والمراد منه ما يشمل خلاف الأولى والكراهة إما لورود النهي عن خصوص ذلك اللفظ أو لغيره كأن كل فيه اشتغال بما لا يعني ففي الحديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. قوله: (ليكون الكتاب جامعاً لأحكام الألفاظ) أي من الوجوب والندب فيما يطلب والكراهة والتحريم بالتصريح والإباحة بالمفهوم فيما عدا ما ذكره من اللفظ المباح وكان التلفظ به مما يعني الإنسان. قوله: (ومبيناً أقسامها) أي
بالصراحة تارة وبغيرها أخرى. قوله: (كل متدين) أي متخلق بالدين وفي التعبير به إشارة
стр. 2265
فصل: اعلم أنه ينبغي لكل مكلَّف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنَّة الإمساك عنه، لأنه في ينجرُّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
ــ
إلى مشقة القيام به إلا على من يسره الله عليه وأعانه وأوصله بفضله إليه وما أحسن ما أنشدنا شيخنا العلامة عبد الرحيم الحساني للعلامة الثاني السعد التفتازاني وفيه جناس تام:
قد كنت قدماً مثرياً متمولاً ... متجملاً متعففاً متدينا
والآن صرت وقد عدمت تمولي ... متجملاً متعففاً متدينا
أراد من المتدين في الأول ذا دين بكسر المهملة وفي الثاني ذا دين بفتحها والله أعلم.
فصل: اعلم أنَّه ينبغي لكل مكلف الخ
في أحاسن المحاسن للرقي في ترجمة مجاهد قال: إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام وكانوا يعدون فضوله ما عدا كتاب الله تعالى أن تقرأ أو تأمر بمعروف أو تنهى عن منكر أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها أتنكرون إن عليكم حافظين كراماً كاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد أما يستحي أحدكم إن لو نشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه اهـ. قوله: (والسلامة لا يعد لها شيء) أي فينبغي الاعتناء بما وصل إليها وهو الصمت عما لا يعني وإن كان من المباح.
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) في الجامع الصغير وأخرجه أحمد والترمذي
стр. 2266
"مَنْ كانَ يُؤمِنُ بالله واليَوْم الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيراً أوْ لِيَصْمُتْ".
قلت: فهذا الحديث المتفق على صحته نص صريح في أنه لا ينبغي أن يتكلّم إلا إذا كان
ــ
وابن ماجه عن أبي شريح وعن أبي هريرة من جملة حديث لفظه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت في الأربعين للمصنف بتقديم هذه الجملة أي فليقل خيراً الخ، وقال: فليصمت وقال: رواه الشيخان وفي جاء عند الشيخين بلفظ فليصمت وبلفظ فليسكت اهـ، وفي بعض شروح الأربعين حديثاً للمصنف قال ابن أبي زيد أمام المالكية بالمغرب في زمانه جماع الخير متفرع من أربعة أحاديث قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل: خيراً أو ليصمت" وقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقوله: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقوله: "لا تغضب". قوله: (من كان يؤمن بالله) أي الإيمان الكامل المنجي من عذابه الموصل إلى رضاه فالمتوقف على امتثال ما في الخبر كمال الإيمان لا حقيقته أو هو على المبالغة في الاستحباب إلى ما فيه كما يقول القائل لولده إن كنت ابني فأطعني تحريضاً وتهييجاً على الطاعة والمبادرة إليها مع شهود حق الأبوة وما يجب لها لا على إنه بانتفاء طاعته ينتفي إنه ابنه. قوله: (واليوم الآخر) هو يوم
القيامة وهو محل الجزاء على الأعمال حسنها وقبيحها ففي ذكره دون نحو الملائكة مما ذكر معه في حديث جبريل تنبيه وإرشاد لما أشير إليه مما يوقظ النفس ويحركها في الهمة للمبادرة إلى امتثال جزاء الشرط أي قوله: فليقل واللام فيه للأمر ويجوز إسكانها وكسرها حيث دخلت عليها الواو أو الفاء أو ثم بخلافها في ليسكت فإنها مكسورة لا غير والمراد فليقل ما ظهر له بعد تفكره فيه إنه خبر محقق لا تترتب عليه مفسدة ولا يجر إلى محرم أو مكروه. قوله: (أو ليصمت) قال المصنف: قال أهل اللغة: صمت يصمت بضم الميم صموتاً وصماتاً سكت قال الجوهري: أصمت بمعنى صمت والتصميت أيضاً السكوت اهـ، واعترض بأن المسموع والقياس
стр. 2267
الكلام خيراً، وهو الذي ظهرت له مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم. وقد قال الإِمام الشافعي ﵀: إذا أراد الكلام فعليه أن يفكِّر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلَّم حتى
ــ
كسرها إذ قياس فعل مفتوح العين يفعل بكسرها، ويفعل بضمها دخيل نص عليه ابن جني قال ابن حجر الهيتمي: وإنما يتجه إن شبرت كتب اللغة فلم ير ما قاله وإلا فهو حجة في النقل وهو لم يقل هذا قياساً حتى يعترض بما ذكر وإنما قاله نقلاً كما هو ظاهر من كلامه فوجب قبوله قيل: وآثر يصمت على يسكت أي في هذه الرواية لأن الصمت يكون مع القدرة على الكلام بخلاف السكوت فإنه أعم والمراد من الحديث: ليسكت أو إن لم يظهر له ذلك فيسن له الصمت عن المباح لأنه ربما أدى إلى مكروه أو محرم وعلى فرض أن لا يؤدي إليهما ففي ضياع الوقت فيما لا يعني ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. قوله: (ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم) أي إذا لم يظهر إن في السلام نفعاً ولا ضرراً أمسك عنه واشتغل بما هو أهم مما تحققت أو ظهرت مصلحته من ذكر الله تعالى وما في معناه ثم في الحديث إن قول الخير خير من الصمت لتقديمه عليه ولأنه أمر به عند عدم قول الخير وأن الصمت خير من قول الشر وإن قول الخير غنيمة والسكوت عن الشر سلامة وفوات الغنيمة والسلامة ينافي حال المؤمن وما يقتضيه شرف الإيمان المشتق من الأمان ولا أمان لمن فاتته الغنيمة والسلامة وإن الإنسان إما أن يتكلم أو يسكت فإن تكلم فإما بخير وهو ربح وإما بشر وهو خسارة وإن سكت فإما عن شر فهو ربح أو عن خير فهو خسارة فله ربحان وخسارتان فينبغي أن يتجنبهما ويكتسب الربحين ثم قيل: هذا الأمر عام مخصوص بما لو أكره على قول شر أو سكوت عن خير أو خاف على نفسه من قول الخير ونحوه لحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فالمكره عليه منهما هو خير وكذا المأتي به منهما عند النسيان
стр. 2268
تظهرَ.
وروينا في "صحيحيهما" عن أبي موسى الأشعري قال: قلت: يا رسول
ــ
لارتفاع العقاب فيه.
قوله: (وروينا في صحيحيهما الخ) ورواه النسائي لكن هذا اللفظ البخاري ولفظ مسلم أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أي المسلمين خير؟ فقال: "من سلم المسلمون الخ" كذا في المشكاة قال شارحها: ابن حجر فرق بين خير وأفضل وإن كانا أفعل تفضيل بأن الأول من الكيفية إذ هو النفع في
مقابلة الشر والثاني من الكمية إذ هو كثرة الثواب في مقابلة القلة اهـ، ثم لهذا الحديث شواهد كحديث المسلم: من سلم المسلمون من لسانه ويده أخرجه مسلم عن جابر مرفوعاً وقد اتفق على هذا اللفظ الشيخان ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث جابر مرفوعاً أسلم المسلمين إسلاماً من سلم المسلمون من لسانه ويده وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً بزيادة والمؤمن من أمنه النّاس على دمائهم وأموالهم، قال العراقي: وهذه الزيادة أي والمؤمن الخ، صحيحه على شرط مسلم اهـ، ورواه البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عمر وزاد في آخره والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه وليس فيه قوله: والمؤمن الخ، كما في الجامع الصغير ورواه الحاكم أيضاً من حديث فضالة بن عبيد ﵁ بزيادة والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب قال الحاكم: وهذه الزيادة على شرطهما ولم يخرجاها ذكره العراقي في أماليه ثم قال بعد إخراجه من طرق حديث صحيح أخرجه ابن ماجه مقتصراً على المؤمن والمهاجر وأخرجه الترمذي والنسائي في سننه الكبرى مقتصرين على ذكر المجاهد وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال العراقي: ومما قلته في هذا المعنى:
المسلم الكامل الإسلام من تجده ... قد سلم النّاس من لسانه ويده
والمؤمن الكامل الإيمان من أمنوا ... منه على النفس والأموال من رشده
ومن يكن هاجراً ما الله عنه نهى ... فهو المهاجر مع سكناه في بلده
ومن يجاهد فيه نفسه فهو الـ ... ـمجاهد الجاهد الساعي ليوم غده
стр. 2269
الله، أيُّ المسلمين أفضل؟ قال: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ".
ــ
اهـ. قوله: (من لسلم المسلمون) أي الشامل للمسلمات كما في النصوص إلا لدليل والتقييد بالمسلمين لكونه خرج مخرج الغالب لا مفهوم له فأهل الذمة مثلهم على إنه جاء في رواية ابن حبان المسلم من لسلم النّاس الخ، وهم الإنس بل والجن كما في العباب والقاموس فيؤخذ منه إن الخير والأفضل من ترك إيذاء الجن بقول: وكذا فعل إن تصور، وزعم بعض إن المراد بالناس فيها المسلمون ليس في محله. قوله: (من لسانه ويده) أي من أذى لسانه وعبر به دون القول ليشمل إخراجه استهزاء بغيره وقدم لأن الإيذاء به أكثر وأسهل ولأنه أشد نكاية ومن ثم قال ﷺ لحسان: "اهج المشركين" فإنه أشق عليهم من رشق النبل ولأن الإيذاء به أعم لأنه يتعدى إلى الماضين والحاضرين وإن شاركه في هذا الإيذاء باليد بالكتابة وقوله: ويده أي ومن أذى يده أي سائر جوارحه فهي كناية عن سائر الجوارح لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها إذ بها البطش والقطع والوصل والأخذ والمنع ومن ثم غلبت فقيل في كل عمل مما عملت أيديهم وإن لم يكن وقوعه بها ولا يدخل في الحديث طلب الإيذاء على وجه الحد والتعزير والدفع لنحو الصائل لأن ذلك استصلاح السلامة والمراد من كون الخير والأفضل من سلم المسلمون الخ، إذا جمع إلى ذلك باقي أركان الإسلام فجمع بين أداء حق الله تعالى بأن أتى بأركان الإسلام وأداء حق المسلمين بأن كف عنهم أذاه وكأن التقدير خير المسلمين من أسلم وجهه الله ورضي بقضائه فلم يتعرض لأحد بنوع من أذى ولا سيما
إخوانه المسلمين وجماع ذلك حسن التخلق مع العالم وقد فسر الحسن البصري الأبرار بأنهم الذين لا يؤذون الذر ولا يرضون الشر فكنى بالذر عن كل حيوان فلم يصل منه لشيء من الحيوانات شيء من الأذى فهذا أمر معروف من العارفين إذ هم المتخلفون بكمال الرحمة للعالم وفيه إشارة إلى حسن المعاملة مع الحق لأنه إذا أحسن معاملة أقرانه كان محسناً لمعاملة مولاه بالأولى كذا قيل، وتعقب بأن المفهوم من الإشارة ما دل عليه اللفظ لا بطريق القصد وهذا ليس كذلك وأجيب بأنه ليس المراد بالإشارة هنا نظير قولهم أشار قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ إلى صحة صوم
стр. 2270
وروينا في "صحيح البخاري" عن سهل بن سعد ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ يَضْمَنُ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ ومَا بينَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنُ لَهُ الجنَّةَ".
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إن
ــ
الجنب، بل ما دل عليه اللفظ بذلك القيد وهذا قد دل عليه اللفظ دلالة أولوية كدلالة ولا تقل لهما أف على حرمة الضرب وإن كانت الأولوية ثمة أظهر منها ها هنا والمراد إن من أحسن معاملة الخلق لكمال إسلامه وحسن استسلامه فهو أولى بحسن معاملة الحق فلا يقال: نجد كثيراً يحسن معاملة الخلق دون الحق.
قوله: (وروينا في صحيح البخاري الخ) قال في المرقاة ورواه أحمد والحاكم عن أبي موسى
بلفظ من حفظ ما بين فقميه ورجليه دخل الجنة والفقم بالضم والفتح اللحي على ما في النهاية ورواه
الترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه
دخل الجنة قلت: وسيأتي الحديث في الأصل قريباً وفي رواية للبيهقي عن أنس من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وجبت له الجنة اللقلق اللسان والقبقب البطن والذبذب الذكر كذا في مختصر النهاية للسيوطي اهـ. قلت: وفي الموطأ من حديث عمار بن ياسر إن رسول الله ﷺ قال: من وقاه الله شر ثنتين ولج الجنة فقال رجل: يا رسول الله ألا تخبرنا فسكت ﷺ ثم عاد رسول الله ﷺ فقال مثل مقالته الأولى إلى تمام المرة الثالثة وأراد الرجل أن يقول مثل مقالته الأولى فاسكته رجل إلى جنبه فقال ﷺ : "من وقاه الله شر ثنتين فقد ولج الجنة ما بين لحييه وما بين ورجليه ما بين لحييه وما بين رجليه ما بين لحييه وما بين رجليه وهذه شواهد لحديث الكتاب. قوله: (من يضمن) بالجزم على أن من شرطية. قوله: (ما بين لحييه) بفتح اللام العظمان في جانب الفم وما بينهما هو اللسان (وما بين رجليه) هو الفرج قال الشيخ زكريا في تحفة القارئ المراد بالضمان الأول والثاني لازمهما وهو أداء الحق في الأول والمجاوزة في الثاني أي من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه أو الصمت عما لا يعنيه وأدى الحق الذي على فرجه من وضعه في الحلال وكفه عن الحرام جازيته بالجنة اهـ.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) في الجامع الصغير بعد إيراده بلفظ ما بين المشرق
стр. 2271
العَبْدَ يَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ ما يَتَبَينُ فيهَا يَزِلُّ بهَا إلى النَّارِ أبْعَد مِمَا بَينَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" وفي رواية البخاري "أبْعَدُ مِمَّا بَينَ المَشْرِقِ" من غير ذكر "المغرب"، ومعنى يتبين: يتفكر في أنها خير أم لا.
وروينا في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعالى ما يُلْقِي لَهَا بالاً، يَرْفَعُ اللهُ تَعالى بِها دَرَجَاتٍ، وإنَّ العَبْدَ
ــ
والمغرب رواه أحمد والشيخان اهـ، وظاهره أن لفظ والمغرب من زيادات مسلم وحينئذٍ فما في تلك النسخة من غلط الكاتب. قوله: (يزل) بفتح أوله وكسر الزاي أي يسقط. وقوله: (أبعد)
صفة مصدر محذوف أي هو يا بعيد المبدأ والمنتهى جداً وفي نسخة صحيحة من الأذكار ينزل بزيادة نون. قوله: (وفي رواية البخاري الغ) وعليه قال في المشرق للجنس أي بين محلي الشروق إذ مشرق الصيف غير مشرق الشتاء أو المراد من رواية البخاري ما جاء في رواية مسلم والمغرب واكتفى بأحدهما عن الآخر كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أشار إليه الشيخ زكريا في التحفة. قوله: (ومعنى ما يتبين الخ) أي لا يتطلب معنى تلك الكلمة ولا يتأمله ويتفكر فيه أخير هو فيأتي به أم لا فيدعه.
قوله: (وروينا في صحيح البخاري) ورواه أحمد من حديث أبي هريرة أيضاً كما في الجامع الصغير قلت: ورواه في الموطأ وقال إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالاً يرفعه الله بها في الجنة وفي الجامع الصغير من حديث أبي هريرة مرفوعاً إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم في المستدرك قلت: وقال صحيح على شرط مسلم ورواه البيهقي بنحو حديث الباب وزاد البيهقي وإن الرجل ليزل على لسانه أشد مما يزل على غيره. قوله: (من رضوان الله) أي مما يرضاه الله بضم الراء أفصح من كسرها ومن بيانية حال من الكلمة وكذا (لا يلقي لها بالاً) أي لا يعرف لها قدراً ويظنها هينة قليلة الاعتبار وهي عند الله عظيمة المقدار. قوله: (يرفع الله) جملة مستأنفة
стр. 2272
لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعالى لا يُلْقي لَها بالاً يَهْوِي بِها في جَهَنَّمَ".
قلت: كذا في أصول البخاري "يَرْفَعُ اللهُ بِها دَرَجاتٍ" وهو صحيح: أي درجاتِه، أو يكون تقديره: يرفعه، ويُلقي، بالقاف.
ــ
بيان للموجب كأن قائلاً يقول: ماذا يستحق بعد أي بطريق الوعد والفضل قيل: يرفع الله أي له بها درجات والاستئناف البياني ما كان جواباً لسؤال مقدر اهـ. قوله: (من سخط الله) بفتحتين أو بضم فسكون أي مما يسخط أي يوجب غضبه وانتقامه إن لم يتفضل بالعفو. قوله: (يهوي) بفتح أوله وكسر الواو أي يسقط (بها) أي بتلك الكلمة (في جهنم) تقدم الكلام عليها أعاذنا الله منها وقد زاد الترمذي وابن ماجه وغيرهما سبعين خريفاً كما تقدم. قوله: (وهو صحيح أي درجاته) قلت: جاء كذلك عند بعض رواة البخاري ويجوز أن يكون التقدير يرفعه الله درجات فعلى تقدير الضمير بعد درجات يكون مفعولاً به وعلى الثاني يكون مثل قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ قال السفاقسي: درجات منصوب على المصدر لأن الدرجة بمعنى الرفعة أو على الحال أو على المفعول الثاني لرفع على طريقة التضمين أي بلغ أو على إسقاط حرف الجر وهو على أو إلى ويحتمل أن يكون بدل اشتمال أي رفع درجات بعضهم على درجات بعض اهـ، وتقدير البدل في الحديث يرفع الله يرفعه درجات والله أعلم. قوله: (ويلقي بالقاف) سكت عن ضبط إعرابه
قال بعضهم: هي بضم الياء وكسر القاف وبالاً بالنصب مفعول أي لا يرى لها شأناً وفي بعض نسخ المشكاة بفتح الياء والقاف والمعنى أنه لا يجد لها عظمة عنده وفي شرح المشارق أنه بفتحهما ورفع البال فالبال على هذا بمعنى الحال قيل: والظاهر أنه في المصابيح كذلك فإن شارحه زين العرب قال: أي لا يلحقه بأس وتعب في قولها أو لا يحضر باله أي قلبه لما يقوله منها أو هو من قولهم: ليس هذا على بالي أي مما أباليه والمعنى أنه يتكلم بكلمة يظنها قليلة وهي عند الله
стр. 2273
وروينا في موطأ مالك وكتابي الترمذي وابن ماجه عن بلال بن الحارث المزني ﵁ أن
ــ
جليلة فيحصل له رضوانه اهـ، وفي التوشيح لا يلقي لها بالاً أي لا يتأملها بخاطره ولا يتفكر في عاقبتها ولا يظن أنها تؤثر شيئاً وفسرها ابن عبد البر بالكلمة تقال عند السلطان قلت: وسيأتي نقل عبارته في حديث مالك المذكور بعده وفسرها القاضي عياض بالتعريض بالمسلم أو الاستهزاء وابن عبد السلام بالكلمة لا تعرف حسنها من قبيحها اهـ.
قوله: (وروينا في موطأ الإِمام مالك الخ) أشار ابن عبد البر في التمهيد إلى اختلاف في سند الحديث قال: فرواه مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن بلال بن الحارث هكذا رواه عنه جميع رواة الموطأ وقال غير مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده عن بلال فهو من رواية مالك غير متصل ومن رواية من قال عن أبيه عن جده متصل سند وقد تابع مالكاً على مثل روايته الليث وابن لهيعة فروياه عن ابن عجلان عن محمد بن عمرو عن أبيه عن بلال بن الحارث ولم يقولا عن جده ورواه الدراوردي وسفيان بن عيينة ومعاذ بن جبل وأبو معاوية الضرير في آخرين عن محمد ابن عمرو عن أبيه عن جده عن بلال وتابعهم حيوة بن شريح عن ابن عجلان عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده ورواه الثوري وموسى بن عقبة عن محمد بن عمرو عن جده علقمة لم يقولا عن أبيه والقول عندي فيه والله أعلم، قول من من قال عن أبيه عن جده وإليه مال الدارقطني اهـ وفي الجامع الصغير رواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن بلال بن الحارث مرفوعاً فذكره بمثله وكذا رواه في شرح السنة كما في المشكاة بنحوه وفي الإحياء كان علقمة يقول وكم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث اهـ، قال ابن حجر الهيتمي: إن الحديث رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه بلفظ إن أحدكم والباقي سواء. قوله: (عن بلال بن الحارث المزني) قال المصنف في التهذيب هو أبو عبد الرحمن بن بلال بن الحارث بن عصم بن سعد بن فيره بن خلاوة بفتح المعجمة بن ثعلبة بن ثور بن هذبة بضم الهاء وإسكان الذال المعجمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طلحة بن إلياس
стр. 2274
رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تعالى ما كانَ يَظُن أنْ تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِها رِضْوَانَهُ إلى يَوْم يَلْقاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى ما كانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اَللهُ تَعالى بِها سَخَطَهُ إلى يَوْمِ يَلْقَاهُ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروينا في كتاب الترمذي والنسائي وابن ماجه
ــ
بن مضر بن نزار المزني وولد عثمان المذكور يقال لهم: مزنيون نسبة إلى أمه مزينة وبلال مدني وفد إلى رسول الله ﷺ في وفد وكان يحمل لواء مزينة يوم فتح مكة ثم سكن البصرة وتوفي سنة ستين وهو ابن ثمانين سنة روى عن النبي ﷺ ثمانية أحاديث. قوله: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة الخ) قال ابن عبد البر في التمهيد: لا أعلم خلافاً في قوله ﷺ في هذا الحديث إن الرجل ليتكلم بالكلمة إنها الكلمة عند السلطان الجائز الظالم ليرضيه بها فيما يسخط الله ويزين له باطلاً يريده من إراقة دم أو
ظلم مسلم ونحوه مما ينحط به في حبل هواه فيبعد من الله وينال سخطه وكذا الكلمة التي يرضى بها الله عند السلطان ليصرفه عن هواه ويكفه عن معصية يريدها وهكذا فسره ابن عيينة وغيره وذلك بين في هذه الرواية اهـ. قوله: (ما كان يظن) أي ما يقع في باله لكونه يظن إنها يسيرة قليلة وهي عند الله عظيمة جليلة. قوله: (يكتب الله بها رضوانه الخ) قال العاقولي: يوفقه لما يرضي الله تعالى من الطاعات ويثبته على ذلك إلى يوم يموت فيلقى الله مطيعاً ويحصل له ثواب الطائعين اهـ، وظاهر تقريره إن رضوان فيه مصدر مضاف لمفعوله قيل والأظهر أنه مضاف لفاعله لمقابلة القرينة الآتية. قوله: (وروينا في كتاب الترمذي الخ) قال العراقي في تخريج أحاديث الأحياء وهو عند مسلم دون آخر الحديث الذي فيه ذكر اللسان اهـ، قلت ولفظ حديث مسلم عن سفيان بن عبد الله قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك قال: "قل: آمنت
стр. 2275
عن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به، قال: "قُلْ رَبي اللَّهُ ثم اسْتَقِمْ"، قال: قلت: يا رسول الله،
ــ
بالله ثم استقم" وبه يعلم إن مراد العراقي يكون ذلك عند مسلم أي أصل المعنى لا بخصوص اللفظ والمبنى وفي الجامع الصغير حديث: قل: آمنت بالله ثم استقم رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال العراقي ورواه النسائي عن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله حدثني بأمر اعتصم به الحديث قال ابن عساكر: وهو خطأ والصواب سفيان بن عبد الله كما رواه الترمذي وصححه وابن ماجه اهـ، ووقع في نسخ المصابيح سعيد بن عبد الله الثقفي وذكر قوله قلت: يا رسول الله ما أخوف الخ قال ابن الجزري والصواب سفيان بن عبد الله اهـ.
قوله: (عن سفيان بن عبد الله الثقفي) قال المصنف في التهذيب: هو أبو عمرو وقيل أبو عمرة سفيان بن عبد الله بن أبي ربيعة الثقفي الطائفي الصحابي كان عاملاً لعمر بن الخطاب على الطائف استعمله إذ عزل عثمان بن أبي العاص ونقله عنها روى عن النبي ﷺ سبعة أحاديث روى منها مسلم في صحيحه حديثاً واحداً وهو أنه قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً الخ، وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام روى عنه ابنه عبد الله وعروة وجبير بن نفير وغيرهم اهـ، وخرج له الترمذي والنسائي وابن ماجه. قوله: (بأمر) أي جامع لمعاني الدين وشعبه بحيث يكفيني في مطلوبي بحيث (أعتصم) أي استمسك (به) من عصم بمعنى منع. قوله: (قل ربي الله) وعند مسلم كما تقدم آمنت بالله والمراد جدد إيمانك متفكراً بجنانك ذاكراً بلسانك مستحضراً لتفاصيل الإيمان التي أشير إليها في حديث جبريل فإنه لا بد في الإيمان من ذلك. قوله: (ثم استقم) أي على عمل الطاعات والانتهاء عن المخالفات إذ لا يتأتى مع شيء من الاعوجاج فإنها ضده وما في الحديث
منتزع من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الآية، أي آمنوا به ووحدوه مع شهود ألوهيته وربوبيته لهم ثم استقاموا واعتدلوا على ذلك وعلى طاعته
стр. 2276
ما أخوف ما يخاف علي، فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هَذا" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ــ
عقداً وقولاً وفعلاً وداوموا على ذلك إلى أن توفاهم عليه ويؤيد ذلك قول الصديق ﵁ لم يشركوا بالله شيئاً ولم يلتفتوا إلى إله غيره واستقاموا على أن الله ربهم وقول عمر ﵁ استقاموا والله على طاعته ولم يروغوا روغان الثعلب وكذا قال آخرون والمراد بذلك كله الاستقامة على التوحيد الكامل وهو مستلزم للتحقيق بجميع ما قلناه أولاً ويؤيده أنه جاء عن الصديق أنه فسرها أيضاً بأنهم لم يلتفتوا إلى غير الاستقامة ونهايتها والاستقامة هي الدرجة القصوى التي بها كمال المعارف والأحوال وصفاء القلوب في الأعمال وتنزيه العقائد عن سفاسف البدع والضلال.
ومن ثم قال الأستاذ أبو القاسم القشيري من لم يكن مستقيماً في أحواله ضاع سعيه وخاب جده ونقل أنه لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المألوفات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق ولعزتها أخبر ﷺ أن لن يطيقوها بقوله عند أحمد استقيموا ولن تطيقوا وقد جمع ﷺ لهذا السائل في هاتين الكلمتين جميع معاني الإيمان والإسلام اعتقاداً وقولاً وعملاً كما أشرنا إلى ذلك في تقرير معناهما وحاصله أن الإسلام توحيد وطاعة فالتوحيد حاصل بالجملة الأولى والطاعة بجميع أنواعها في ضمن الجملة الثانية إذ الاستقامة امتثال كل مأمور واجتناب كل منهي ومن ثم قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ما أنزل على النبي ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية ولذا قال ﷺ : "شيبتني هود وأخواتها" وأخرج ابن أبي حاتم لما نزلت هذه الآية شمر رسول الله ﷺ فما رأى ضاحكاً. قوله: (ما أخوف ما يخاف علي) ما الأولى استفهامية مبتدأ خبره خوف وهو اسم تفضيل بني للمفعول نحو أشهر وألوم وما الثانية موصولة فهي مضاف إليه والعائد محذوف على طريقة جد جده فالمضاف إليه المصدر المنسبك من الموصول وصلته والباء في قوله: بلسانه زائدة في المفعول وقوله: هذا مبتدأ أو خبر والمعنى هذا أكثر خوفي عليك منه وأسند الخوف إلى اللسان لأنه زمام الإنسان فإنه إذا أطلق لزم منه ما لا يرضى صاحبه شاء
стр. 2277
وروينا في كتاب الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُكْثِروا الكلامَ بغَيرِ ذِكْرِ اللهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيرِ ذِكْرِ اللهِ تَعالَى قَسْوَة لِلْقَلْبِ، وإن أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ الله تَعالىَ
ــ
أو أبى وليس هذا الوصف في عضو آخر من الأعضاء سواه قاله العاقولي وقال بعضهم: قال هذا تنبيهاً على أن أعظم ما تراعي استقامته بعد القلب من الجوارح: اللسان فإنه ترجمان القلب والمعبر به عنه وقد أخرج أحمد لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وفي الإحياء إنما أسند ﷺ شدة خوفه على أمته في سائر الأخبار إلى اللسان لأنه أعظم الأعضاء عملاً إذ ما من طاعة أو معصية إلا وله فيها مجال فمن أطلق عذبه اللسان وأهمله مرخي العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار ولا يكب النّاس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ولا ينجي من شره إلا أن يقيد بلجام الشرع، وعلم ما يحمد إطلاق اللسان فيه أو يذم غامض عزيز والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير لكن على من يسره الله يسير اهـ.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي) قال المنذري ورواه البيهقي. قوله: (قسوة للقلب) أي سبب للقسوة ففيه الإخبار بها مبالغة وهي غلظة وحينئذ يجفو عن قبول ذكر الله تعالى والتأثر بالمواعظ قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أخرج الحاكم اطلبوا المعروف من رحماء أمتي تعيشوا في أكنافهم ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم فإن اللعنة تنزل عليهم وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق بنحوه وفي آخره ولا تطلبوا من القاسية قلوبهم فإنهم ينتظرون سخطي وفي مسند البزار عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعة من الشقاء: جمود العبرة وقساوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا" ولما تضمنه الأحاديث من اللعنة والسخط وكونه من الشقاء قال بعضهم: قسوة القلب من الكبائر وقيده ابن حجر في الزواجر إذا كانت بحيث تحمل على منع إطعام المضطر مثلاً اهـ. قوله: (وإن أبعد النّاس من الله)
стр. 2278
القَلْبُ القَاسِي".
وروينا فيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ وَقاهُ اللهُ شَرَّ ما بَين لَحْيَيهِ، وشرَّ ما بَيْنَ
ــ
أي من رحمته ورضاه وشهوده رؤياه. قوله: (القلب القاسي) أي صاحبه لأنه عري من خوف الله تعالى ورجائه ومحبته وامتلأ بمحبة الأغيار واستأنس بمحادثة الأشرار وعبر بالقلب عن الشخص لأنه أشرف ما فيه فيكون مجازاً مرسلاً أو إنه على تقدير المضاف فيكون من مجاز الحذف.
قوله: (وروينا فيه الخ) قال في الجامع الصغير وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك كلهم من حديث أبي هريرة وفي تقدم الكلام على حديث البخاري من يضمن لي ما بين لحييه الخ، من حديث عمار بن ياسر أخرجه مالك في الموطأ وهو شاهد لهذا الحديث أيضاً وفي الترغيب للمنذري أخرجه ابن أبي الدنيا إلا أنه قال: من حفظ ما بين لحييه وأحاديث أخر في الباب تقدمت ثمة. قوله: (من وقاه الله شر ما بين لحييه الخ) قال ابن عبد البر معلوم أنه أراد بقوله ما بين لحييه اللسان وما بين رجليه الفرج قال وفي الحديث من الفقه أن الكبائر أكثر ما تكون والله أعلم من الفرج والفم وفي وجدنا الكفر وشرب الخمر وأكل الربا وقذف المحصنات وأكل أموال النّاس ظلماً من الفم واللسان ووجدنا الزنى من الفرج وأحسب أن المراد من الحديث أن من اتقى لسانه وما يأتي منه من القذف والغيبة والسب كان أحرى أن يتقي القتل ومن اتقى أكل الربا لم يعمل به لأن البغية من العمل به التصرف في أكله فهذا وجه في تخصيص الجارحتين في الحديث وضمان الجنة لمن وقي شرهما ويحتمل أن ذلك خطاب منه ﷺ لقوم بأعيانهم اتقى عليهم من اللسان والفرج ما لم يتق عليهم من سائر الجوارح ويحتمل أيضاً أن يكون قبل قوله ذلك كلام لم يسمعه الناقل كأنه قال من عافاه الله وقاه كذا وكذا وشر ما بين لحييه ورجليه دخل الجنة فسمع الناقل بعض الحديث ولم يسمع بعضه فنقل ما سمع وإنما احتجنا إلى هذه الاحتمالات لإجماع الأمة أن من أحصن فرجه عن الزنى ومنع لسانه من كل سوء ولم يتق ما سوى ذلك
من القتل والظلم أنه لا تضمن
стр. 2279
رِجْلَيهِ دَخَلَ الجَنةَ" قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا فيه عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: "أمْسِك عَلَيكَ لِسَانَكَ
ــ
له الجنة بل إن مات كذلك ولم يتب تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له إن مات على الإسلام ثم قال ابن عبد البر بعد ذكر عدة أحاديث فيها جملة من الكبائر فمن وقاه الله الكبائر وعصمه منها ضمنت له الجمعة ما أدى فرائضه فمن مات كذلك ثم زحزح عن النار وأدخل الجنة كان مضمون ذلك ومن أتى كبيرة من الكبائر ثم تاب منها توبة صحيحة كان كمن لم يأتها ومن أتى كبيرة ومات مسلماً على غير توبة فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له اهـ، بتلخيص.
قوله: (وروينا فيه) أي في كتاب الترمذي قال المنذري ورواه ابن أبي الدنيا في العزلة وفي الصمت ورواه البيهقي في كتاب الزهد كلهم عن أبي أمامة عن عقبة اهـ، وفي المرقاة ورواه أحمد وروى ابن قانع والطبراني عن الحارث بن هشام أملك عليك لسانك اهـ، وهذا شاهد لصدر الحديث وللحديث شاهد من حديث ثوبان ﵁ قال: طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته رواه الطبراني في الأوسط والصغير بإسناد حسن. قوله: (أمسك عليك لسانك) هكذا هو في نسخ الأذكار بالسين المهملة قال الشيخ زكريا في شرح الرسالة رواه الترمذي بلفظ أمسك اهـ، أي لا تطلقه إلا فيما ينفعك وفي المصابيح أملك باللام وكذا في الجامع الصغير قال العاقولي أي لا تجريه إلا بما يكون لك لا عليك قلت وأصله في النهاية وهو حاصل المعنى وأصل معناه كما في المرقاة أمسك عليك لسانك حافظاً عليك أمورك مراعياً لأحولك ففيه نوع من التضمين وعن بعضهم أي اجعل لسانك مملوكاً لك فيما عليك وباله وتبعته فأمسكه عما يضرك وأطلقه فيما ينفعك وهو ناظر إلى أن الصيغة من الثلاثي المجرد ففي القاموس ملكه يملكه ملكاً مثلثة احتواه قادراً على الاستبداد وأملكه الشيء وملكه إياه تمليكاً بمعنى اهـ، لكن في النسخ المصححة والأصول المعتمدة بفتح الهمزة وكسر اللام من المزيد ولعل الإتيان به من المزيد
стр. 2280
وَلْيَسَعْكَ بَيتُكَ وَابْكِ عَلى خَطِيئَتِكَ" قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا فيه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أصْبَحَ
ابْنُ آدَمَ فإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللسان فَتَقُولُ: اتقِ اللهَ فِينَا فإنما
ــ
لزيادة المبالغة في التعدية اهـ، قال العاقولي والطيبي هو من أسلوب الحكيم سئل عن حقيقة النجاة فأجاب عن سببه لأنه أهم وكان الظاهر أن يقول حفظ اللسان فأخرجه على سبيل الأمر المقتضى لوجوبه مزيد للتقرير اهـ، قيل وفيه من التكليف ما لا يخفى بل من التعسف في حق الصحابي فإنه جعل العدول عن معرفة حقيقة النجاة بالنسبة إليه أولى فالأولى أن تقدير السؤال ما سبب النجاة على تقدير المضاف بقرينة الجواب وقيل: معنى ما النجاة: ما الخلاص من الآفات حتى أحترس به وعليهما فالمطابقة حاصلة والله أعلم. قوله: (وليسعك بيتك) أمر للبيت وفي الحقيقة أمر لصاحبه أي اشتغل بما هو سبب للزوم البيت وهو طاعة الله تعالى والاعتزال عن الأغيار ولا تضجر من الجلوس فيه بل تراه من الغنيمة لأنه سبب الخلاص من الشر والفتنة ولذا قيل: هذا زمن السكوت وملازمة البيوت والقناعة بالقوت. قوله: (وابْكِ على وخطيئتك) ضمن ابْكِ معنى اندم فعدى بعلى أي ابْكِ نادماً على خطيئتك.
قوله: (وروينا فيه الخ) ورواه من حديث أبي سعيد بن خزيمة والبيهقي في الشعب كما في
الجامع الصغير. قوله: (تكفر اللسان) كذا في نسخ الأذكار وفي الجامع الصغير بتعريف اللسان ونصبه في نسخه مصححة من المشكاة للسان بلام الجر قبل اللسان وعليها شرح صاحب المرقاة وكذا هو في النهاية وهو ظاهر ولعل الأول من النساخ قال في النهاية فإن الأعضاء كلها لتكون للسان أي تذل وتخضع والتكفير هو أن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسه قريباً كما يفعل من يريد الركوع اهـ، ورواه ابن الأثير في جامع الأصول لتستكفي اللسان ومثله في مختصره للديبع أي تطلب منه كفاية الشر وإنما كان كذلك لأن الترجمان عما فيه صلاحاً أو فساداً قال الطيبي إن قلت كيف التوفيق بين هذا وبين قوله ﷺ : "إن في الجسد لمضغة" إلى أن قال: ألا وهي القلب قلت: اللسان ترجمان القلب