← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

ما أخوف ما يخاف علي، فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هَذا" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ــ عقداً وقولاً وفعلاً وداوموا على ذلك إلى أن توفاهم عليه ويؤيد ذلك قول الصديق ﵁ لم يشركوا بالله شيئاً ولم يلتفتوا إلى إله غيره واستقاموا على أن الله ربهم وقول عمر ﵁ استقاموا والله على طاعته ولم يروغوا روغان الثعلب وكذا قال آخرون والمراد بذلك كله الاستقامة على التوحيد الكامل وهو مستلزم للتحقيق بجميع ما قلناه أولاً ويؤيده أنه جاء عن الصديق أنه فسرها أيضاً بأنهم لم يلتفتوا إلى غير الاستقامة ونهايتها والاستقامة هي الدرجة القصوى التي بها كمال المعارف والأحوال وصفاء القلوب في الأعمال وتنزيه العقائد عن سفاسف البدع والضلال. ومن ثم قال الأستاذ أبو القاسم القشيري من لم يكن مستقيماً في أحواله ضاع سعيه وخاب جده ونقل أنه لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المألوفات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق ولعزتها أخبر ﷺ أن لن يطيقوها بقوله عند أحمد استقيموا ولن تطيقوا وقد جمع ﷺ لهذا السائل في هاتين الكلمتين جميع معاني الإيمان والإسلام اعتقاداً وقولاً وعملاً كما أشرنا إلى ذلك في تقرير معناهما وحاصله أن الإسلام توحيد وطاعة فالتوحيد حاصل بالجملة الأولى والطاعة بجميع أنواعها في ضمن الجملة الثانية إذ الاستقامة امتثال كل مأمور واجتناب كل منهي ومن ثم قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ما أنزل على النبي ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية ولذا قال ﷺ : "شيبتني هود وأخواتها" وأخرج ابن أبي حاتم لما نزلت هذه الآية شمر رسول الله ﷺ فما رأى ضاحكاً. قوله: (ما أخوف ما يخاف علي) ما الأولى استفهامية مبتدأ خبره خوف وهو اسم تفضيل بني للمفعول نحو أشهر وألوم وما الثانية موصولة فهي مضاف إليه والعائد محذوف على طريقة جد جده فالمضاف إليه المصدر المنسبك من الموصول وصلته والباء في قوله: بلسانه زائدة في المفعول وقوله: هذا مبتدأ أو خبر والمعنى هذا أكثر خوفي عليك منه وأسند الخوف إلى اللسان لأنه زمام الإنسان فإنه إذا أطلق لزم منه ما لا يرضى صاحبه شاء

стр. 2277

وروينا في كتاب الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُكْثِروا الكلامَ بغَيرِ ذِكْرِ اللهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيرِ ذِكْرِ اللهِ تَعالَى قَسْوَة لِلْقَلْبِ، وإن أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ الله تَعالىَ ــ أو أبى وليس هذا الوصف في عضو آخر من الأعضاء سواه قاله العاقولي وقال بعضهم: قال هذا تنبيهاً على أن أعظم ما تراعي استقامته بعد القلب من الجوارح: اللسان فإنه ترجمان القلب والمعبر به عنه وقد أخرج أحمد لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وفي الإحياء إنما أسند ﷺ شدة خوفه على أمته في سائر الأخبار إلى اللسان لأنه أعظم الأعضاء عملاً إذ ما من طاعة أو معصية إلا وله فيها مجال فمن أطلق عذبه اللسان وأهمله مرخي العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار ولا يكب النّاس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ولا ينجي من شره إلا أن يقيد بلجام الشرع، وعلم ما يحمد إطلاق اللسان فيه أو يذم غامض عزيز والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير لكن على من يسره الله يسير اهـ. قوله: (وروينا في كتاب الترمذي) قال المنذري ورواه البيهقي. قوله: (قسوة للقلب) أي سبب للقسوة ففيه الإخبار بها مبالغة وهي غلظة وحينئذ يجفو عن قبول ذكر الله تعالى والتأثر بالمواعظ قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أخرج الحاكم اطلبوا المعروف من رحماء أمتي تعيشوا في أكنافهم ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم فإن اللعنة تنزل عليهم وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق بنحوه وفي آخره ولا تطلبوا من القاسية قلوبهم فإنهم ينتظرون سخطي وفي مسند البزار عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعة من الشقاء: جمود العبرة وقساوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا" ولما تضمنه الأحاديث من اللعنة والسخط وكونه من الشقاء قال بعضهم: قسوة القلب من الكبائر وقيده ابن حجر في الزواجر إذا كانت بحيث تحمل على منع إطعام المضطر مثلاً اهـ. قوله: (وإن أبعد النّاس من الله)

стр. 2278

القَلْبُ القَاسِي". وروينا فيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ وَقاهُ اللهُ شَرَّ ما بَين لَحْيَيهِ، وشرَّ ما بَيْنَ ــ أي من رحمته ورضاه وشهوده رؤياه. قوله: (القلب القاسي) أي صاحبه لأنه عري من خوف الله تعالى ورجائه ومحبته وامتلأ بمحبة الأغيار واستأنس بمحادثة الأشرار وعبر بالقلب عن الشخص لأنه أشرف ما فيه فيكون مجازاً مرسلاً أو إنه على تقدير المضاف فيكون من مجاز الحذف. قوله: (وروينا فيه الخ) قال في الجامع الصغير وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك كلهم من حديث أبي هريرة وفي تقدم الكلام على حديث البخاري من يضمن لي ما بين لحييه الخ، من حديث عمار بن ياسر أخرجه مالك في الموطأ وهو شاهد لهذا الحديث أيضاً وفي الترغيب للمنذري أخرجه ابن أبي الدنيا إلا أنه قال: من حفظ ما بين لحييه وأحاديث أخر في الباب تقدمت ثمة. قوله: (من وقاه الله شر ما بين لحييه الخ) قال ابن عبد البر معلوم أنه أراد بقوله ما بين لحييه اللسان وما بين رجليه الفرج قال وفي الحديث من الفقه أن الكبائر أكثر ما تكون والله أعلم من الفرج والفم وفي وجدنا الكفر وشرب الخمر وأكل الربا وقذف المحصنات وأكل أموال النّاس ظلماً من الفم واللسان ووجدنا الزنى من الفرج وأحسب أن المراد من الحديث أن من اتقى لسانه وما يأتي منه من القذف والغيبة والسب كان أحرى أن يتقي القتل ومن اتقى أكل الربا لم يعمل به لأن البغية من العمل به التصرف في أكله فهذا وجه في تخصيص الجارحتين في الحديث وضمان الجنة لمن وقي شرهما ويحتمل أن ذلك خطاب منه ﷺ لقوم بأعيانهم اتقى عليهم من اللسان والفرج ما لم يتق عليهم من سائر الجوارح ويحتمل أيضاً أن يكون قبل قوله ذلك كلام لم يسمعه الناقل كأنه قال من عافاه الله وقاه كذا وكذا وشر ما بين لحييه ورجليه دخل الجنة فسمع الناقل بعض الحديث ولم يسمع بعضه فنقل ما سمع وإنما احتجنا إلى هذه الاحتمالات لإجماع الأمة أن من أحصن فرجه عن الزنى ومنع لسانه من كل سوء ولم يتق ما سوى ذلك من القتل والظلم أنه لا تضمن

стр. 2279

رِجْلَيهِ دَخَلَ الجَنةَ" قال الترمذي: حديث حسن. وروينا فيه عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: "أمْسِك عَلَيكَ لِسَانَكَ ــ له الجنة بل إن مات كذلك ولم يتب تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له إن مات على الإسلام ثم قال ابن عبد البر بعد ذكر عدة أحاديث فيها جملة من الكبائر فمن وقاه الله الكبائر وعصمه منها ضمنت له الجمعة ما أدى فرائضه فمن مات كذلك ثم زحزح عن النار وأدخل الجنة كان مضمون ذلك ومن أتى كبيرة من الكبائر ثم تاب منها توبة صحيحة كان كمن لم يأتها ومن أتى كبيرة ومات مسلماً على غير توبة فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له اهـ، بتلخيص. قوله: (وروينا فيه) أي في كتاب الترمذي قال المنذري ورواه ابن أبي الدنيا في العزلة وفي الصمت ورواه البيهقي في كتاب الزهد كلهم عن أبي أمامة عن عقبة اهـ، وفي المرقاة ورواه أحمد وروى ابن قانع والطبراني عن الحارث بن هشام أملك عليك لسانك اهـ، وهذا شاهد لصدر الحديث وللحديث شاهد من حديث ثوبان ﵁ قال: طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته رواه الطبراني في الأوسط والصغير بإسناد حسن. قوله: (أمسك عليك لسانك) هكذا هو في نسخ الأذكار بالسين المهملة قال الشيخ زكريا في شرح الرسالة رواه الترمذي بلفظ أمسك اهـ، أي لا تطلقه إلا فيما ينفعك وفي المصابيح أملك باللام وكذا في الجامع الصغير قال العاقولي أي لا تجريه إلا بما يكون لك لا عليك قلت وأصله في النهاية وهو حاصل المعنى وأصل معناه كما في المرقاة أمسك عليك لسانك حافظاً عليك أمورك مراعياً لأحولك ففيه نوع من التضمين وعن بعضهم أي اجعل لسانك مملوكاً لك فيما عليك وباله وتبعته فأمسكه عما يضرك وأطلقه فيما ينفعك وهو ناظر إلى أن الصيغة من الثلاثي المجرد ففي القاموس ملكه يملكه ملكاً مثلثة احتواه قادراً على الاستبداد وأملكه الشيء وملكه إياه تمليكاً بمعنى اهـ، لكن في النسخ المصححة والأصول المعتمدة بفتح الهمزة وكسر اللام من المزيد ولعل الإتيان به من المزيد

стр. 2280

وَلْيَسَعْكَ بَيتُكَ وَابْكِ عَلى خَطِيئَتِكَ" قال الترمذي: حديث حسن. وروينا فيه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللسان فَتَقُولُ: اتقِ اللهَ فِينَا فإنما ــ لزيادة المبالغة في التعدية اهـ، قال العاقولي والطيبي هو من أسلوب الحكيم سئل عن حقيقة النجاة فأجاب عن سببه لأنه أهم وكان الظاهر أن يقول حفظ اللسان فأخرجه على سبيل الأمر المقتضى لوجوبه مزيد للتقرير اهـ، قيل وفيه من التكليف ما لا يخفى بل من التعسف في حق الصحابي فإنه جعل العدول عن معرفة حقيقة النجاة بالنسبة إليه أولى فالأولى أن تقدير السؤال ما سبب النجاة على تقدير المضاف بقرينة الجواب وقيل: معنى ما النجاة: ما الخلاص من الآفات حتى أحترس به وعليهما فالمطابقة حاصلة والله أعلم. قوله: (وليسعك بيتك) أمر للبيت وفي الحقيقة أمر لصاحبه أي اشتغل بما هو سبب للزوم البيت وهو طاعة الله تعالى والاعتزال عن الأغيار ولا تضجر من الجلوس فيه بل تراه من الغنيمة لأنه سبب الخلاص من الشر والفتنة ولذا قيل: هذا زمن السكوت وملازمة البيوت والقناعة بالقوت. قوله: (وابْكِ على وخطيئتك) ضمن ابْكِ معنى اندم فعدى بعلى أي ابْكِ نادماً على خطيئتك. قوله: (وروينا فيه الخ) ورواه من حديث أبي سعيد بن خزيمة والبيهقي في الشعب كما في الجامع الصغير. قوله: (تكفر اللسان) كذا في نسخ الأذكار وفي الجامع الصغير بتعريف اللسان ونصبه في نسخه مصححة من المشكاة للسان بلام الجر قبل اللسان وعليها شرح صاحب المرقاة وكذا هو في النهاية وهو ظاهر ولعل الأول من النساخ قال في النهاية فإن الأعضاء كلها لتكون للسان أي تذل وتخضع والتكفير هو أن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسه قريباً كما يفعل من يريد الركوع اهـ، ورواه ابن الأثير في جامع الأصول لتستكفي اللسان ومثله في مختصره للديبع أي تطلب منه كفاية الشر وإنما كان كذلك لأن الترجمان عما فيه صلاحاً أو فساداً قال الطيبي إن قلت كيف التوفيق بين هذا وبين قوله ﷺ : "إن في الجسد لمضغة" إلى أن قال: ألا وهي القلب قلت: اللسان ترجمان القلب

стр. 2281

نَحْنُ بِكَ، فإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوجَجْنا". وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه عن أم حبيبة ﵂ عن النبي ﷺ : ــ وخليفته في ظاهر البدن فإذا أسند إليه الأمر يكون على سبيل المجاز في الحكم كما في قولك شفي الطبيب المريض قال في المرقاة: لا يخفى ظهور توقف صلاح الأعضاء وفسادها على القلب بحسب صلاحه وفساده فإنه معدن الأخلاق الكريمة كما أنه منبع الأحوال الذميمة فهو كالملك المطاع والرئيس المتبع فإنه إذا صلح المتبوع صلح التبع وأما تعلق الأعضاء جميعها باللسان فلم يظهر لي مدة من الزمان حتى ألهمني الله تعالى ببركة الصلاة على النبي ﷺ وهو أن اللسان من أعضاء الإنسان للكفر والإيمان فمع استقامته ينفع استقامة سائر الأعضاء ومع اعوجاجه تبطل أحوالها سواء كانت مستقيمة أو معوجة اهـ. قوله: (وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه) قال الحافظ المنذري في الترغيب ورواه ابن أبي الدنيا وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه عن محمد بن زيد بن حنين قال المنذري ورواته ثقات وفي محمد بن زيد كلام قريب لا يقدح وهو شيخ صالح. قوله: (عن أم حبيبة ﵂ هي أم المؤمنين بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف اسمها رملة وبه قال الأكثرون كنيت بابنتها حبيبة بنت عبيد الله بن جحش وكانت من السابقين إلى الإسلام هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة فتوفي عنها فتزوجها النبي ﷺ وهي هناك سنة ست من الهجرة قال أبو عبيدة وخليفة ويقال: سنة سبع قال أبو عبيد القاسم بن سلام والواقدي توفيت سنة أربع وأربعين وقال أبو خيثمة: توفيت قبل وفاة معاوية بسنة ووفاة معاوية في سنة ستين وهذا غريب ضعيف قال الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق قدمت زائرة أخاها معاوية وقيل: إن قبرها بها قال والصحيح أنها ماتت بالمدينة قال ابن منده: توفيت سنة اثنتين وأربعين وقيل: سنة أربع وأربعين وكان النجاشي أمهرها من عنده عن النبي ﷺ وكان وليها عثمان بن عفان قال أبو نصر الكلاباذي: أمهرها النجاشي أربعة آلاف درهم وبعثها إلى النبي ﷺ مع شرحبيل ابن حسنة وقال أبو نعيم

стр. 2282

"كل كلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيهِ لا لَهُ، إلاَّ أمْراً بِمَعْرُوفٍ، أو نَهْياً عَنْ مُنْكَرٍ ــ الأصبهاني مهرها أربعمائة دينار وتولاها عثمان بن عفان وقيل: خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس وقال غيره: كان التزويج سنة ست من الهجرة وقيل: سنة سبع وقدم بها إلى المدينة ولها بضع وثلاثون سنة وكان الخاطب عمرو بن أمية الضمري وكان زوجها قبل النبي ﷺ عبيد الله بن جحش تنصر بالحبشة ومات نصرانياً وهو أخو عبد الله بن جحش الصحابي الجليل استشهد يوم أحد نقله المصنف في التهذيب وفي رياض العامري خرج حديثها الأربعة وغيرهم روى لها عن النبي ﷺ أخرج منها في الصحيحين أربعة أحاديث اتفقا على حديثين والآخران لمسلم روى عنها معاوية وعنبسة وعروة اهـ. قوله: (كل كلام ابن آدم عليه لا له) أي يكتب إثمه عليه لا يكتب له ثواب في مقابلته ويستثني المباح فإنه لا عليه ولا له كما هو معلوم من الأدلة والإجماع وعدم ذكره للعلم به من ذلك أو إيهاماً لدخوله في المستثنى منه تحذيراً عنه وتنفيراً منه فإن به تضييع الوقت الذي لا أنفس منه فيما لا فائدة فيه وقيل المباح ليس بمستثني بل هو داخل تحت قوله كل كلام ابن آدم عليه فإنه من جملته لأنه محاسب به أخذاً بظاهر قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ولأنه يورث قساوة القلب كما تقدم وقال الطيبي: الكلام في الخير أجر وهو المستثنى وفي الشر إثم وفي المباح عفو وهذا يؤيد عدم الاستثناء وإن المباح مما عليه إذ العفو يقتضي الجريمة فعفى عنها تفضلاً والحاصل أن قوله كل كلام ابن آدم الخ دل على أن جميع ما ينطق به مضرته عليه ولذا ورد من صمت نجا، ثم خص هذا العام بما لا بد للإنسان منه من الأمور الدينية من ذكر الله وما والاه وأخرى بالأمور الدنيوية وما نظام أمر المكلف عليه من المباحات تفضلاً من الله تعالى عفواً عنه وتعقبه ابن حجر في شرح المشكاة بأن قوله في المباح أقله أن يحاسب عليه ليس في محله كيف والإجماع على أن المباح لا عقاب عليه أصلاً على أن جزمه بأنه لا بد أن يحاسب عليه يحتاج إلى حديث صحيح صريح فإن

стр. 2283

أوْ ذِكْراً لِلَهِ تَعَالى". وروينا في كتاب الترمذي عن معاذ ﵁ ــ فرض وروده كان معنى المحاسبة أن يعدد ما فعله من تلك المباحات إظهاراً للنعمة عليه حيث لم يؤاخذ بها وليس في قوله رقيب عتيد ما يخالف ذلك لأنه جاء أن الكاتبين يكتبان ما يلفظ به ثم بعد يمحي ما لا إثم فيه ولا ثواب، وأخذه من قول غيره والمباح عفو الاستدلال على أن المباح عليه ليس في محله فإن العفو على نوعين عفو بمعنى المجاوزة عن إثم الفعل بعد وجوده وكتابته على المكلف وعفو بمعنى عدم جعل شيء من العقاب في مقابلة الفعل وهذا هو المراد فجعله دليلاً لما ذكره وقوله إن العفو يقتضي الجريمة ممنوع قال على أنه ناقض نفسه حيث جعل المباح مستثنى من قوله جميع ما نطق به تعود مضرته عليه ولو قال ما أشرنا إليه فيما من أن المباح لما كان فيه ضياع الوقت الذي لا أنفس منه فيما لا فائدة فيه نزل منزلة ما هو عليه فجعل داخلاً فيه تنفيراً وتحذيراً ويستثنى الطاعة التي ذكر بعض أفرادها في قوله إلا أمر بمعروف الخ، المراد به هنا كما قال بعضهم ما فيه رضي الله تعالى من الكلام كالتلاوة والصلاة على النبي ﷺ والتسبيح والدعاء للمؤمنين وما أشبه ذلك فذكر بعض الأفراد اهتماماً بشأنه والله أعلم. قوله: (وروينا في كتاب الترمذي الخ) قال السخاوي في تخريج الأربعين الحديث التي جمعها المصنف بعد تخريجه هذا الحديث: هذا حديث حسن أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي في الأدب المفرد وقال الترمذي حسن صحيح وكل هؤلاء مداره عندهم على أبي وائل عن معاذ قلت: نظر الحافظ المنذري في سماع أبي وائل من معاذ وقال: إنه أدركه بالسن وفي سماعه منه نظر وكان أبو وائل بالكوفة ومعاذ بالشام وقال: قال الدارقطني: هذا الحديث معروف من رواية شهر ابن حوشب عن معاذ وهو أشبه بالصواب على اختلاف فيه عليه هكذا وقال شهر مع ما قيل فيه لم يسمع معاذاً اهـ، قال السخاوي وممن روى الحديث عن معاذ ميمون بن أبي شبيب وعبد الرحمن بن غنم وعروة بن النزال أو النزال بن عروة وفي إيراد طرق ذلك طول قلت: وقد بينه المنذري في الترغيب ما عدا رواية عروة بن النزال والنزال بن عروة فقال: ورواه البيهقي وغيره عن

стр. 2284

قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يُدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: ــ ميمون بن شبيب عن معاذ وميمون هذا كوفي ثقة ما أراه سمع معاذاً بل ولا أدركه فإن أبا داود لم يدرك ميمون ابن أبي شبيب وعائشة تأخرت بعد موت معاذ نحواً من ثلاثين سنة وقال عمرو بن علي كان يحدث عن أصحاب رسول الله ﷺ وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت ولم أخبر أن أحداً يزعم أنه سمع من أصحاب النبي ﷺ ورواه أحمد وغيره عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أن معاذاً سأل رسول الله ﷺ فذكر الحديث بنحوه اهـ، ولم يتعرض في الترغيب لرواته وقد عزا شيخي يعني الحافظ ابن حجر في تلخيص تخريج أحاديث الكشاف طريق ابن أبي وائل للحاكم وهو سهو فإنما هو عنده من طريق ابن أبي شبيب وليس هو على شرط الشيخين كما قال فميمون لم يدرك معاذاً اهـ. قوله: (قال) قلت كان هذا في السفر كما في أول الحديث عن أحمد ومن معه. قوله: (أخبرني بعمل الخ) فيه عظيم فصاحته فقد أوجز وأبلغ ومن ثم مدح ﷺ مسألته وعجب من فصاحته حيث قال: لقد سألت عن عظيم أي عن عمل عظيم وعظمته إما لأن عظم المسبب يستدعي عظم السبب والمسبب أي دخول الجنة والتباعد من النار أمر عظيم سببه امتثال الأوامر واجتناب النواهي وذلك عظيم صعب جداً ولذا قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ وأما لأنه صعب على النفوس والغالب عدم وفائها لما يطلب له وفيه من الوسائل والمقاصد الواجبة والمندوبة وأجلها الإخلاص إذ هو روح العمل رأسه المقوم له وأنى به لا يوجد كماله إلا للشاذ النادر من العاملين ولعزته كان مما استأثر به تعالى كما تقدم في الحديث القدسي في أول الكتاب إنه سر بين الله وعبده لم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً. قوله: (يدخلني الجنة) مرفوع على أنه صفة عمل إما مخصصة أو مادحة أو كاشفة إذ العمل إذا لم يكن كذلك كأنه لا عمل أو مجزوم جواباً للأمر أي أخبرني بعمل إن تخبرني يدخلني الجمعة بمعنى أن الخبر وسيلة إلى العمل والعمل وسيلة إلى الإدخال وإسناد الإدخال إلى العمل إسناد إلى السبب أو شبه العمل لكونه سبباً للمطلوب بالفاعل الحقيقي وجعل نسبة الإدخال تخييلاً للمكنية. قوله: (ويباعدني) أخرج

стр. 2285

"لَقَدْ سألْتَ عَنْ عَظِيم، وإنَّه لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَه الله تَعالى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصلاةَ، وتُؤْتَي الزكاةَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ، ثم قال: ألا أدُلُّكَ ــ على صيغة المفاعلة مبالغة في البعد. قوله: (وإنه ليسير) أتى بهذه الجملة بعد ما قبلها للإعلام بأنه ليس القصد من تلك استعظام الجزاء ونتيجة العمل بل هو في نفسه لما سبق من وجهيه والذي سهل عليه هو من وفقه الله سبحانه للقيام بالطاعة على ما ينبغي وشرح صدره إلى السعي فيما يكمل له القربة والقرب من ربه. قوله: (تعبد الله الخ) تفسير للعظيم المسؤول عنه وعدل إليه عن صيغة الأمر تنبيهاً على أن المأمور كأنه يسارع إلى الامتثال فهو مخبر عنه إظهاراً للرغبة في وقوعه وقوله: تعبد الله أي توحده وقيل: معناه تأتي بجميع عباداته وقوله: لا تشرك بي شيئاً في محل الحال من الفاعل. قوله: (وتقيم الصلاة) أي تعدل أركانها وتحفظها عن أن يقع زيغ في أفعالها من أقام العود إذا قومه أو تواظب عليها من قامت السوق إذا نفقت وأقمتها جعلتها نافقة أو تشمر لأدائها من غير فتور من قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه وتجلد أو تؤديها عبر عن الأداء بالإقامة لاشتمال الصلاة على القيام كما عبر عنها بالقنوت والركوع والسجود والتسبيح فعلى الأول: استعارة تبعية شبه تعديل أركانها بتقويم الرجل العود واستعير له الإقامة ثم اشتق منه الفعل، وعلى الثاني: كناية عن الدوام، وعلى الثالث: مجار في الإسناد بمعنى تجعلها قائمة فيفيد التشمير، وعلى الرابع: كذلك إذ المعنى توجد قيامها فيكون من إطلاق الجزء وإرادة الكل. قوله: (وتؤتي الزكاة) الإيتاء الإعطاء. قوله: (وتحج البيت) أي إن استطعت إليه سبيلاً فالمطلق محمول على المقيد وحذف لعلم المخاطب به فعلم أن دخول الجنة يتوقف على تلك الأعمال والحكم ليس مقصوراً على معاذ بن جبل بل يعم كل مؤمن إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: (ثم قال) أي النبي ﷺ بعد فراغه من جواب سؤال معاذ مستطرداً أمر النوافل لتكميل الفرائض (ألا أدلك الخ) وهذا عرض أي

стр. 2286

عَلى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ ــ أعرض ذلك عليك فهل تحبه وفيه غاية التشويق إلى ما سيذكره له ليكون أوقع في نفسه وأبلغ في ملازمته. وقوله: (على أبواب الخير) فيه زيادة في التشويق والمراد بالخير هنا ضد الشر واللام في الخير للجنس ثم الإضافة إن كانت بيانية كان المراد به الأعمال الصالحة التي يتوصل بها إلى أعمال أخرى أكمل منها كما استفيد من تسميتها أبواباً من المجاز البليغ لما فيه من تشبيه المعقول بالمحسوس وأوثر فيه جمع القلة إشارة إلى تسهيل الأمر على السامع ليزيد نشاطه واقباله وهو أولى مما قيل إنما أوثر لأنه ليس له جمع كثرة كأقلام وآذان وأقسام وإن كانت بمعنى اللام كان المراد به الجزاء العظيم والثواب الجسيم وبها سائر الأعمال الصالحة على طريق الاستعارة المكنية شبه الخير بدار فيها كل ما يتمناه وأثبت لها الباب تخييلاً ويدل للثاني رواية ابن ماجه ألا أدلك على أبواب الخير وللأول تخصيصه بعض الأعمال بالذكر من الصوم والصدقة وغيرهما مما يأتي وإنما لم يتوقف ﷺ حتى يقول معاذ بلى كما في السؤالين الآتيين بل سرد السلام تنبيهاً على أنه لا ينبغي أن ينتظر تصديقه اهتماماً بشأنه فقال: والصوم جنة الخ. قوله: (الصوم) أي الإكثار من نفله لأن فرضه مر قبله ومثله في التقييد بالنفل لما ذكر قوله الآتي والصدقة فاللام فيه للعهد الخارجي ولا يجب فيه تقديم المعهود كما ظن بل في يستغني عنه بعلم المخاطب بالقرائن كقولك: لمن دخل البيت أغلق الباب قاله الكازروني. قوله: (جنة) بضم الجيم أي وقاية من سورة الشهوة في الدنيا والنار في العقبى كالجنة ففيه تشبيه المعقول بالمحسوس وقيل إن مثله استعارة. قوله: (تطفيء الخطيئة) أي تمحو الخطيئة أي الصغيرة المتعلقة بحق الله تعالى حتى يذهب أثرها ففيه استعارة تبعية شبه إذهاب الصدقة الخطيئة بالإطفاء واستعير له ثم اشتق منه الفعل أو يقال شبه الخطيئة بالنار وأثبت لها ما يلازمها من الإطفاء تخييلاً قاله الكازروني وقال ابن حجر الهيتمي استعار لمحو الخطيئة الإطفاء لمقابلته بقوله كما الخ، أو أن الخطيئة يترتب عليها النار الذي هو أثر الغضب المستعمل فيه الإطفاء يقال: طفيء غضبه لما من أن الغضب فوران دم

стр. 2287

كما يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وصلاَةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ الليل، ــ القلب عند غلبة الحرارة اهـ. قوله: (كما يطفيء الماء النار) ما فيه مصدرية أي إطفاء مثل إطفاء النار وخصت الصدقة بذلك كأنه لتعدي نفعها ولأن الخلق عيال الله وهي إحسان إليهم والعادة أن الإحسان إلى عيال الشخص يطفيء غضبه وسبب إطفاء الماء النار ما بينهما من غاية التضاد إذ هي حارة يابسة وهو بارد رطب فقد ضادها بكيفيتيه جميعاً والضد يقمع الضدد بإطفاء الخطيئة يتنور القلب وتصفو الأعمال فلذا كانت الصدقة باباً عظيماً كغيرها من الأعمال الفاضلة. قوله: (وصلاة الرجل في جوف الليل) مبتدأ خبره محذوف أي تطفيء الخطيئة أو هي من أبواب الخير والأظهر أن يقدر الخبر شعار الصالحين كما في جامع الأصول والأولى أن يقال: حذف الخبر إشعاراً بأنه لا يكتنه كنهه أي صلاة الرجل في جوف الليل لا تعلم نفس ما أخفى لهم ولفظ من للابتداء أي ابتداء قيامه من جوف الليل ليكون من القائمين لأن من قام فيه قام سائر الأوقات وقيل إنها بمعنى في وبها عبر في نسخة لكن الرواية على الأول وذكر الرجل في الخبر لأنه السائل أو لأن الخير غالب في الرجال إذ أكثر أهل النار النساء لا للاحتراز عن المرأة لأنها مثله في ذلك وقدم الصلاة على الزكاة أولاً وعكس ثانياً لأن الأول مسوق لبيان أمر الدين فقدم الأهم فالأهم والثاني لتكميله فالترقي أولى ولذا شبه الصوم بالجنة التي هي دون الماء لأنها تدفع العدو والماء يعميه ويطفئه ثم النفل في الليل أفضل منه في النهار لأن الخشوع والتضرع فيه أسهل وأكمل ومن ثم كان باباً عظيماً من أبواب الخير لأنه يوصل إلى صفاء السر ودوام الشكر والذكر والذي وهو بعد النوم أفضل منه فيه قبله ويحصل فضل قيامه بصلاة ركعتين وأفضل أجزائه كما دلت عليه الأحاديث النبوية وذهب إليه الشافعي النصف الثاني إن جزأه نصفين والثلث الأخير إن جزأه أثلاثاً والسدس الرابع والخامس إن جزأه أسداساً وهذا هو الأكمل على الإطلاق لأنه الذي واظب عليه ﷺ وقال: أفضل الصلاة صلاة أخي داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه.

стр. 2288

ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦]، ثم قال: "ألا أُخْبِرُكَ بِرأس الأمْرِ، وَعَمودِهِ، وَذِرْوَةِ سنامِهِ؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: "رأسُ الأمْرِ الإسلامُ، وَعَمُودُه الصلاة، وَذِرْوَةُ سنامه الجهاد ثم قال ألا أخبرك ــ قوله: (ثم تلا) أي رسول الله ﷺ (تتجافى) أي تتنحى وتبتعد (جنوبهم عن المضاجع) أي مواضع الهجوع وهي كناية عن التجهد كما قاله الجمهور وهو الذي يدل عليه سياق الحديث بل والآية حيث قال: ﴿فلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الخ على إنهم لما أخفوا عملهم جوزوا بما أخفى لهم من قرة الأعين وإنما يتم إخفاؤه بالصلاة في جوف الليل المصرح به في هذا الحديث لأن المصلي حينئذٍ ترك نومه ولذته وآثر ما يرجوه من ربه عليهما فحق له أن يجازي ذلك الجزاء العظيم وقد جاء أن الله تعالى يباهي بقوام الليل في الظلام الملائكة يقول: انظروا إلى عبادي قد قاموا في ظلم الليل حيث لا يراهم غيري أشهدكم إني قد أبحتهم كرامتي وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي يعبدونه ﴿خَوْفًا﴾ من سخطه ﴿وَطَمَعًا﴾ في رحمته ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير ﴿فلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ أي ما تقر به عيونهم سروراً من الثواب ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي جزوا جزاء وأخفى الجزاء، وقال الراوي (حتى بلغ) أي رسول الله ﷺ (يعملون) للاختصار وجعلت هذه الأشياء أبواباً للخير لما تقدم ولأن من اعتادها مع شدتها يسهل عليه كل خير ولأن العمل إما بدني أو مالي فالصدقة مالية والصلاة والصوم بدنيان نهاري وليلي. قوله: (برأس الأمر) أي الدين وفيه وما بعده من الأوصاف التشويق المرة بعد المرة تحريضاً عليه. قوله: (وعموده) مادة ع م د للاستناد والقصد ومنه الاعتماد والعمد والقصد عمد إذ المقاصد متوكل على المقصود جزماً والعمود من حيث يعتمد عليه الخيمة ويستعمل مجازاً في كل ما يتخذه الإنسان من أي نوع كان. قوله: (وذروة سنامه الجهاد) إذ به الذب عن الدين ودفع غوائل المشركين فيكون من أعلى شعبه والحديث هكذا في نسخ الأذكار كما

стр. 2289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نبه عليه ابن حجر الهيتمي وقال: وكذلك في نسخ الأربعين الحديث للمصنف ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه الجهاد وقد سقط منه شطر ثابت في أصل الترمذي لا يتم الكلام إلا به ومع ذلك لم يتنبه له أكثر الشراح وكأنه انتقل نظره من سنامه إلى سنامه إذ لفظ الترمذي بعد سنامه المذكور قلت: بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد وكأن المصنف قلد فيه الحافظ ابن الصلاح لما ذكر الأحاديث التي قيل إنها أصول الإسلام أو الدين أو التي عليها مدارهما أو مدار العلم ذكر من جملتها هذا الحديث بالإسقاط المذكور لكن عذر بأن ابن ماجه ذكره كذلك فلا اعتراض عليه لأنه لم يلتزم رواية شخص بخصوصها بخلاف المصنف فإنه إنما ساق لفظ والترمذي ولفظه ليس فيه الإسقاط المذكور ويقع في بعض نسخ الأربعين ذكر ذلك الإسقاط فيحتمل أن المصنف تنبه له بعد فألحقه ويحتمل أنه من فعل بعض تلامذته أو غيرهم اهـ، قلت وعلى نسخة عدم الإسقاط أكثر الشراح وهي نسخة السخاوي التي خرج عليها فلذا لم يذكر ذلك ثم في قوله رأس الأمر الإسلام الخ، استعارة بالكناية تتبعها استعارة ترشيحية لأنه شبه الأمر المذكور بفحل وبالبيت القائم على عمد وأضمر هذا التشبيه في النفس ثم ذكر ما يلائم المشبه به وهو الرأس والسنام والعمود ووجه إيثار الإبل بالذكر أنها خيار أموالهم ومن ثم كانوا يشبهون بها رؤساءهم وإنما كان الإسلام المراد به الإيمان هو الرأس لأنه لا حياة لشيء من الأعمال بدونه كما أنه لا حياة للحيوان بدون رأسه والصلاة هي العمود لأنه الذي يقيم البيت ويرفعه ويهيئه للانتفاع به والصلاة هي التي تقيم الدين وترفعه وتهيئ فاعلها لتحليه بمعالي القرب واستغراقه في أنوار الشهود، والجهاد هو ذروة السنام لأن ذروة الشيء أعلاه والجهاد على أنواع الطاعات من حيث إن به ظهور الإسلام والعلو على سائر الأديان وليس ذلك لغيره من العبادات فهو أعلاها بهذا الاعتبار وإن كان فيها ما هو أفضل منه ووجه رواية ابن ماجه التي جرى عليها المصنف هنا وفي بعض نسخ الأربعين الحديث أن الجهاد مقرون بالهداية قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ والهداية محصلة لمقصود هذا السائل إذ يلزمها دخول

стр. 2290

ثم قال: "كُفَّ عَلَيْكَ هَذا"، قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟ فقال: ــ الجنة والمباعدة من النار فكان الجهاد رأس أمر السائل وعموده وذروة سنامه. قوله: (بملاك ذلك) بكسر الميم -قال ابن حجر الهيتمي والفتح- أي بمقصوده وجماعة أي بما يقوم به وقال الكازروني: ملاك الشيء ما به إحكامه وقوامه الذي يملك به م ل ك للربط والشد والملاك بكسر الميم لما يعتمد عليه ويقوم به وبالفتح التماسك ومنه ماله ملاك والذي في الخبر بالكسر اهـ، ومعنى كون قوام الأمر كف اللسان أي عمالاً يعني أنه إذا وجد كانت تلك الأعمال على غاية من الكمال ونهاية من صفات الأحوال وذلك غنيمة وكف اللسان عن المحارم سلامة وهي في نظر العقلاء مقدمة على الغنيمة وفي هذا إشارة إلى أن جهاد النفس بقمعها عن الكلام فيما يؤذيها أشق عليها من جهاد الكفار ولذا كان الجهاد الأكبر وجهاد الكفار الجهاد الأصغر إذ منعها هواها من أجل ما اقتناه الإنسان ومن أعظم الآداب الصمت وترك الكلام فيما لا يعني وسيأتي حديث من صمت نجا. قوله: (كف عليك) أي عنك أو ضمن كف معنى احبس والمراد حبس اللسان عن الشر لقوله في الخير السابق فليقل خيراً أو ليصمت وتقديم المجرور على المنصوب للاهتمام وجمعه ﷺ بين إمساكه لسانه وقوله: كف الخ، مع أنه كان يمكنه أن يقول كف عليك لسانك لأن النفس بالحسيات أكف منها بالعقليات لتأخر زمن إدراك هذه عن زمن إدراك تلك فكان ذكر المعنى العقلي الجلي ثم تعيينه بالتمثيل الحسي أبلغ وأوقع في النفس لما فيه من زيادة القوة بنقله من الخفاء إلى الظهور على أكمل وجه وأبلغه. قوله: (وإنا لمؤاخذون الخ) قال الكازروني: معطوف على مقدر أي أنعزم على قولك يا نبي الله اهـ، والاستفهام فيه للتثبت والتعجب والاستغراب ولا ينافي خفاء هذا عليه قوله ﷺ "أعلمكم

стр. 2291

"ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النارِ على وُجُوهِهِمْ إلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟ ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: الذِّروة بكسر الذال المعجمة وضمها: ــ بالحلال والحرام" معاذ لأنه إنما صار أعلمهم بعد هذا السؤال وأمثاله من أنواع التعلم والاستعادة أو المراد بالحلال والحرام المعاملات الظاهرة بين النّاس وهذا في معاملة العبد مع ربه. قوله: (ثكلتك أمك) أي فقدتك لفقدك إدراك المؤاخذة بذلك مع ظهورها والثكل من فقد الشيء والأكثر أنه يستعمل في المصاب بفلذة الكبد ومصدره الثكل بفتح الثاء وضمها يقال: فلان ثاكل وفلانة ثكلى وظاهره الدعاء عليه بالموت وليس المراد بل هذا مما جرت به عادة العرب للتحريض على الشيء والتهييج إليه أو لاستعظامه بحسب المقام وخص الثكل بالأم لقلة صبرها وشدة جزعها عن فقد الولد. قوله: (وهل ويكب الخ) الاستفهام إنكاري معطوف على مقدر أي علمت ما قلت وهل يكب، الاستفهام بمعنى النفي أي ما يكب النّاس أي أكثرهم أي يلقيهم و (حصائد) بالرفع فاعل يكب جمع حصيدة بمعنى محصودة وهي في الأصل ما يحصد من الزرع والمراد منه ما تلفظ به ألسنتهم شبه ما تكسبه الألسنة من الكلام الحرام بحصائد الزرع بجامع الكسب وشبه اللسان في تكميله ذلك بحد المنجل الذي يحصد به الزرع ففيه استعارة بالكناية من حيث تشبيه ذلك الكلام بالزرع المحصود واللسان بالمنجل بجامع أنه يحصد ولا يميز بين الرطب واليابس فكذلك اللسان فتكون الاستعارة مصرحة قاله الكازروني والحصر في ذلك إضافي إذ من النّاس من يكبه عمله لا كلامه لكن خرج ذلك مخرج المبالغة في تعظيم جرم اللسان نحو الحج عرفة أي فعظمه ذلك كما أن معظم أسباب النار الكلام كالكفر والغيبة والنميمة ونحوها ولأن الأعمال يقارنها الكلام غالباً فله حصة في ترتب الجزاء عليه عقلاً وثواباً. قوله: (بكسر الذال وضمها) قال ابن حجر

стр. 2292

وهي أعلاه. وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا ــ الهيتمي قيل والقياس فتحها. قوله (وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه الخ) ورواه أحمد وأبو يعلى من حديث أبي هريرة أيضاً قال بعضهم وكذا رواه من حديث البيهقي في الشعب وبه صرح في المشكاة قال في الجامع الصغير وأخرجه أحمد والطبراني في الكبير عن الحسن بن علي والترمذي وابن ماجه عن أبي هريزة وأخرجه الحاكم في الكنى عن أبي بكر الشيرازي عن أبي نارنجة وأخرجه الحاكم في تاريخه عن علي ابن أبي طالب قلت وأخرجه عن علي أيضاً العسكري كما قاله السخاوي في المقاصد قال في الجامع وأخرجه الطبراني في الأوسط عن زيد بن ثابت وأخرجه ابن عساكر عن الحارث بن هشام اهـ، وقال ميرك: شاه حديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه الخ، رواه ابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة وقال غريب: لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال: وحدثنا قتيبة عن مالك عن الزهري عن علي ابن الحسين عن النبي ﷺ : "إن من حسن إسلام المرء الخ" قال وهكذا روى غير واحد من أصحاب الزهري عنه عن علي بن الحسين نحو حديث مالك قال وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة اهـ، كلام الترمذي وطريقه عن أبي سلمة عن أبي هريرة جيدة وقال الشيخ النووي: حديث حسن قاله الشيخ الجزري وقال جماعة من الحفاظ الصواب أنه عن علي بن الحسين عن النبي ﷺ مرسلاً كذا قاله أحمد وابن معين والبخاري وغيرهم وكذا رواه مالك عن الزهري عن علي بن الحسين ذكره المنذري والله أعلم وسيأتي عقب الكلام على الحديث ترجيح رواية أبي سلمة عن أبي هريرة. قوله: (من حسن إسلام المرء الخ) وجه الإتيان بالحسن الإشارة إلى أنه لا عبرة لأعمال الظاهرة الشاملة للفعل والترك الذي هو مسمى الإسلام فعلاً وتركاً إلا إذا اتصفت بالحسن بأن وجدت شروط مكملاتها فضلاً عن مصححاتها وجعل ترك

стр. 2293

يَعْنِيهِ" حديث حسن. ــ ما لا يعني من الحسن مبالغة مع الإشارة لما ذكر وعبر بالإسلام دون الإيمان لأنه من الأعمال الظاهرة والفعل والترك إنما يتعاقبان عليها لأنها حركات اختيارية يتأتيان فيها اختياراً وأما الباطنة الواجعة للإيمان فاضطرارية متابعة لما يخلقه الله في النفوس ويوقعه فيها. وقوله: (يعنيه) هو بفتح التحتية من عني بالأمر تعلقت عنايته به وكان من غرضه والذي يعني به الإنسان من الأمور ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه مما يشبعه من جوع ويرويه من عطش ونحو ذلك مما يدفع الضرورة دون ما فيه تلذذ واستمتاع واستكثار وفي معاده هو الإسلام والإيمان والإحسان وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه فإذا اقتصر على ما يعنيه سلم من سائر الآفات وجميع الشرور والمخاصمات وكان ذلك من الفوائد الدالة على حسن إسلامه ورسوخ إيمانه وحقيقة تقواه ومجانبة هواه لاشتغاله بمصالحه الأخروية وإعراضه عن أغراضه الدنيوية من التوسع في الدنيا وطلب المناصب وغير ذلك مما لا يعود منه نفع أخروي فإنه ضياع للوقت الذي لا يمكن أن يعوض فائته فيما لم يخلق لأجله ثم "من" في الحديث قيل: تبعيضية ويجوز أن تكون بيانية وبيانه أن تركه ما لا يعنيه هو حسن إسلام المرء وكماله فيه وتقديم الخبر لكون التركيب من باب على التمرة مثلها زبداً قال الطيبي: وعلى أن تكون تبعيضية إشارة إلى قوله ﷺ : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" الحديث بعد الإيمان والإسلام وأنت تعلم أن التحلية مسبوقة بالتخلية فالترك بعض من الإحسان فيكون إشارة إلى الانسلاخ عما يشغله عن الله تعالى فإذا أخذ السالك في السلوك تجرد بحسب أحواله ومقاماته شيئاً فشيئاً مما لا يعنيه إلى أن يتجرد عن جميع أوصافه ويتوجه بكليته إلى الله وإليه يلمح قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ وقول إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اهـ، وفي الحديث إشارة إلى أن الشيء إما أن يعني الإنسان أولاً وعلى كل إما أن يعني بتركه أو بفعله فالأقسام أربعة: فعل ما يعني، ترك ما لا يعني وهما حسنان. ترك ما يعني وفعل ما لا يعني وهما قبيحان. قوله: (حديث حسن) قال ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين

стр. 2294

وروينا في كتاب الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "مَنْ صَمَتَ نَجا" إسناده ضعيف، وإنما ــ بل أشار ابن عبد البر إلى صحته وفي الأربعين للمصنف رواه الترمذي وغيره وهكذا قال ابن حجر أي موصولاً ولا ينافيه رواية مالك له في الموطأ عن الزهري مرسلاً لأن للزهري فيه إسنادين أحدهما مرسل وهو ما رواه مالك والآخر موصول وصله عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهو ما رواه الترمذي وغيره قلت: كابن ماجه وأبي يعلى فقد صرح السخاوي بأنه عندهم بهذا السند والله أعلم، والاتصال مقدم على الإرسال وبهذا يجاب عن قول أحمد والبخاري وابن معين والدارقطني لا صح إلا مرسلاً على أن له طرقاً مرفوعة إذا اجتمعت أحدثت له قوة ولعل هذا من أسباب تحسين المصنف له والسخاوي في تخريج الأربعين الحديث موافق لأحمد وغيره وعبارته وفسره آخر ووثقه وإن ضعفه قوم ووثقه آخرون ومن ثم قال ابن عبد البر: رواته ثقات اهـ. قوله: (وروينا في كتاب الترمذي) زاد في الجامع الصغير ورواه أحمد وفي المقاصد الحسنة للسخاوي رواه الترمذي وقال غريب والدارمي وأحمد وآخرون من حديث عبد الله بن عمرو ومداره على ابن لهيعة رواه عن يزيد بن عمرو عن أبي عبد الرحمن الحبلي عنه ولو شواهد كثيرة منها: عند الطبراني بسند جيد اهـ، زاد السيوطي في حسن السمت في مخرجيه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب قلت ومن شواهده ما جاء من حديث معاذ عند الطبراني مرفوعاً إنك لن تزال سالماً ما سكت فإذا تكلمت كان لك أو عليك أورده في الترغيب. قوله: (من صمت) أي سكت عن الشر (نجا) أي فاز وظفر بكل خير أو نجا من آفات الدارين قال الراغب: الصمت أبلغ من السكوت لأنه قد يستعمل فيما لا قوة له للنطق وفيما له قوة النطق ولذا قيل: لما لا نطق له للصامت والصمت والسكوت يقال لما له نطق فيترك استعماله قاله الغزالي اعلم أن ما ذكره ﷺ من فصل الخطاب وجوامع الكلم وجواهر الحكم ولا يعرف أحد ما تحت كلماته من بحار المعاني إلا خواص العلماء

стр. 2295

ذكرته لأبينه لكونه مشهوراً، والأحاديث الصحيحة بنحو ما ذكرته كثيرة، وفيما أشرت به كفاية لمن وفق، وسيأتي إن شاء الله في "باب الغيبة" جمل من ذلك، وبالله التوفيق. وأما الآثار عن السلف وغيرهم في هذا الباب ــ وذلك أن خطر اللسان عظيم وآفاته كثيرة من الخطأ والكذب والنميمة والغيبة والرياء والسمعة والنفاق والفحش والمراء وتزكية النفس والخوض في الباطل وغيرها ومع ذلك فالنفس مائلة إليها لأنها سباقه إلى اللسان لا تثقل عليه ولها حلاوة في النفس وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان والخائض فيها قلما يقدر على أن يزم اللسان فيطلقه بما يحب ويكفه عما لا يحب ففي الخوض خطر وفي الصمت سلامة مع ما فيه من جمع الهم ودوام الوقار والفراغة للفكر والعبادة والذكر والسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسابه في العقبى قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ويدلك على لزوم الصمت أمر هو أن الكلام أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم فيه ضرر ومنفعة، وقسم لا ضرر فيه ولا منفعة، أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه وكذا ما فيه ضرر ونفع لا يفي بالضرر أما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضييع الوقت وهو عين الخسران فلم يبق إلا القسم الرابع وفيه خطر إذ قد يمتزج به ما فيه إثم من دقائق الرياء والتصنع والغيبة ونحو ذلك امتزاجاً يخفي مدركه فيكون الإنسان مخاطراً اهـ، وحاصله أن آفات اللسان محصورة وفي الصمت سلامة منها وقد قيل: اللسان جرمه صغير وجرمه كبير وكثير. قوله: (لا يبينه) أي ضعف إسناده. قوله: (لمن وفق) بضم الواو وشدة الفاء وبالقاف آخره مبني للمجهول ولو قريء البناء للمعلوم صح وكان العائد ضميراً منصوباً محذوفاً أي لمن وفقه الله. قوله: (وأما الآثار) الأثر يطلق مرادفاً للخبر والحديث بمعنى ما أضيف إليه ﷺ أو إلى من دونه من قول أو فعل أو نحوه ويطلق

стр. 2296

فكثيرة، ولا حاجة إليها مع ما سبق، لكن نُنَبِّهُ على عيوب منها، بلغنا أن قُسَّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تحصى، والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب، ووجدت خَصلةً إن استعملَها سترتِ العيوب كلَّها، قال: ــ مغايراً لهما فالأكثر أن يخص بما جاء عن الصحابي وقد يطلق على ما جاء عن غير الصحابي ومنه قول الشيخ وأما الآثار عن السلف أي من حكماء الجاهلية ومن الصحابة والتابعين وأتباعهم وغيرهم أي من بعدهم. قوله: (بلغنا الخ) لم يذكر المصنف مخرجه ولم أر من تكلم عليه. قوله: (قس بن ساعدة) بضم القاف وتشديد السين المهملة وهو ابن ساعدة بالمهملة الأيادي وقد أورده ابن الأثير في أسد الغابة وقال: وهو مشهور أورده عبدان وابن شاهين وحديثه لما رآه ﷺ كان قبل المبعث. قوله: (وأكثم بن صيفي) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة أيضاً وقال فيه بعد خلاف طويل قدمه في نسب أكثم بن صيفي الصحيح أنه أكثم بن صيفي بن رباح بن الحارث بن مخاش بن معاوية بن شريف بن حروه بن أسيد بن عمرو بن تميم هكذا نسبه غير واحد من العلماء منهم ابن حبيب وابن الكلبي وابن ماكولا لا اختلاف عندهم أنه من تميم ثم من أسيد اهـ، وأكثم بفتح الهمزة وسكون الكاف وبالمثلثة وقد عقدت ما ذكراه في قولي: عيوب ابن آدم لا تحصر ... وكثرتها فوق ما تذكر وحفظ اللسان لها كلها ... غداً ساتراً فادر ما يستر قوله: (سترت العيوب كلها) لأن العيوب إنما تبدو بالتنقيب والتفتيش وذلك إنما يكون عند إرسال الإنسان لسانه بما لا يعني وإطلاقه له في الأعراض قال بعضهم من غربل النّاس: نخلوه أي من بحث عن أحوالهم بحثوا عن أحواله حتى صيروه نحالة إلى هذا أشار من قال: إذا شئت أن تحيا سليماً من الأذى ... وعقلك موفور وعرضك صين لسانك لا تذكر به عورة امريء ... فكلك عورات وللناس ألسن

стр. 2297

ما هي: قال: حِفْظُ اللسان. وروينا عن أبي عليّ الفضيل بن عياض ﵁ قال: من عدَّ كلامُه من عمله قلَّ كلامُه فيما لا يعنيه، وقال الإِمام الشافعي ﵀ لصاحبه الربيع: يا ربيع لا تتكلَّم فيما لا يَعْنِيكَ، فإنك إذا ــ قوله: (وروينا عن أبي علي الفضيل) تقدم ضبط اسمه وأنه بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية في باب الإخلاص من أول الكتاب وكنى بعلي أكبر أولاده توفي في حياته وعياض بكسر العين المهملة بعدها تحتية وآخره ضاد معجمة. قوله: (من عد كلامه من عمله) أي من تنبه وعلم أن الكلام من جملة ما يحاسب به من العمل ويجازى عليه فعد كلامه من عمله بالغ في التجنب عما لا يعنيه منه لأنه علم أنه محاسب بما قال: مجازي بما لا يليق من ذلك المقال فصان لسانه وأخذ حذره وأمانه وقد نقل مثل ذلك عن عمر بن عبد العزيز قال الأوزاعي كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: أما بعد فإن من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ومن عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه ذكره في المرقاة وقد جاء هذا المعنى في خبر مرفوع عند ابن حبان في صحف إبراهيم وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب إلى أن قال: ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه أي خوف أن يجره إلى الوقوع فيما يكون سبب العذاب في المآب. قوله: (وقال الإِمام الشافعي لصاحبه الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية آخره مهملة وهو الربيع بن سليمان المرادي وهذا الأثر مقتبس مما تقدم آنفاً من حديث معاذ مرفوعاً عند الطبراني إنك لن تزال سالماً ما سكت فإذا تكلمت كان ذلك لك أو عليك وقد عقد هذا المعنى محمد بن عبيد الله بن الزنجي البغدادي أخرجه عنه ابن النجار من طريق ابن السني فقال: أنت من الصمت آمن الزلل ... ومن كثير الكلام في وجل لا تقل القول ثم تتبعه ... يا ليت ما كنت قلت لم أقل

стр. 2298

تكلمتَ بالكلمة ملكتك ولم تملكها. وروينا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قالرفع: ما من شيء أحق بطول السجن من اللسان. وقال غيره: مَثلُ اللسان مَثَلُ السَّبُع إن لم تُوثِقْه عدا عليك. وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري ﵀ في "رسالته" المشهورة قال: الصمت سلامة، وهو الأصل، والسكوت في وقته صِفَةُ الرِّجال، كما أن النُّطْقَ في موضعه أشرفُ الخصال، قال: ــ قوله: (وروينا الخ) قال ابن عبد البر في التمهيد: روى عن ابن مسعود قال: ما الشر إلا في اللسان وما شيء أحق بطول السجن منه. قوله: (ما من شيء أحق بطول السجن من اللسان) أي لكثرة البلاء المرتب عليه إذا أطلق فيما لا يعنيه وتقدم في أوائل الباب من حديث البيهقي أن الرجل ليزل على لسانه أشد مما يزل على غيره. قوله: (وقال غيره مثل اللسان الخ) بمعناه ما في شرح الأربعين الحديث لابن حجر الهيتمي في الحكمة لسانك أسدك أن أطلقته فرسك وإن أمسكته حرسك. قوله: (وهو الأصل) قال الشيخ زكريا: الأولى وهي يعني بضمير المؤنث وذلك منه باعتبار إن المرجع السلامة ولاحظ القشيري اعتبار محط الفائدة وهو الأصل فذكر الضمير لذلك قال: النحاة إذا دار الضمير بين مذكر ومؤنث جاز التذكير والتأنيث زاد بعضهم ومراعاة الخبر أولى لأنه محط الفائدة وإنما كانت السلامة الأصل لأنه لا غنيمة إلا بعد السلامة فكل غانم سالم. قوله: (والسكوت في وقته صفة الرجال) أي كأن يسكت خوفاً من الزلل ثم إن المصنف حذف من كلام الرسالة قوله: والصمت عليه ندامة إذا ورد عنه الزجر فالواجب أن يعتبر فيه الشرع والأمر ولا يظهر فيه وجه حذفه فإنه كما يطلب الصمت في محله بأن لم تتيقن المصلحة فيه يطلب الكلام في محله بأن ترتب عليه مصلحة دينية أو معاشية فالصمت حينئذٍ ليس بمحبوب إلا أنه لما كان مضمون قوله والسكوت في وقته الخ، بمعناه اكتفي به. قوله: (والنطق في موضعه) أي كأن يأمر بمعروف أو بتغيير منكر أو يتكلم بكلمة حق عند من يخاف أو يرجى. قوله: (قال) أي القشيري، لا يحتاج إليه لأن المنقول عنه عن أبي

стр. 2299

سمعت أبا علي الدقاق ﵁ يقول: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس. قال: فأما إيثار أصحاب المجاهدة السكوت، فلما عَلِموا ما في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حظّ النفس وإظهار صفات المدح، والميل إلى أن يتميز بين أشكاله بحسن النطق وغير هذا من الآفات، وذلك نعت أرباب الرياضة، وهو أحد أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخُلُق. ومما أنشدوه في هذا الباب: ــ علي الدقاق متصل بالكلام الذي نقله عن القشيري قبله فيها. قوله: (من سكت عن الحق) أي من أمر بمعروف أو نهي عن منكر. قوله: (فهو شيطان أخرس) أي كشيطان أخرس فهو تشبيه بليغ والجامع أن الشيطان يوسوس بالباطل ويسكت عن الحق فلما سكت من ذكر عن الحق أشبهه. قوله: (قال) أي القشيري وأتى به لئلا يتوهم إن ما بعده من كلام أبي علي. قوله: (علموا ما في الكلام من الآفات) أي وهي كثيرة عد منها جانباً كثيراً في الإحياء وقد أشرنا إلى نقل بعضه في حديث من صمت نجا. قوله: (ثم ما فيه) أي ثم علموا ما فيه. قوله: (وذلك) أي السكوت لما في الكلام من تلك الآفات أي وصف أرباب الرياضة. قوله: (وهو أحد أركانهم في حكم المنازلة) هي من المقامات وتهذيب الأخلاق قال الشيخ زكريا ويدل لذلك الخبر الصحيح إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالاً يهوي بها في نار جهنم وقد قال أبو بكر الصديق لعمر ﵄ لما رآه آخذاً بلسانه وقال له عمر: مه غفر الله لك: هذا الذي أوردني الموارد ورؤي ابن عباس آخذاً بثمرة لسانه يقول: قل خيراً تغنم واسكت عن شر تسلم فحفظ اللسان من أهم الأمور لأنه ترجمان ما في القلب وسلامته من الزلل تستلزم تثبته بقلبه وينبغي التحفظ أيضاً مما يقوم مقام اللسان من إشارة وكتابة وغيرهما فكم من ساكت هو متكلم اهـ. قوله: (ومما أنشدوه الخ)

стр. 2300

احْفظْ لسانَكَ أيُّها الإنسانُ ... لا يلدغَنَّكَ إنَّهُ ثُعْبَانُ كم في المقابر من قتيلِ لسانِهِ ... كانتْ تهاب لقاءَه الشُّجْعَانُ قال الرياشي ﵀: لعمركَ إن في ذَنْبي لشُغْلاً ... لنفسي عن ذنوب بني أميَّه على ربِّي حسابهُم إليَّه ... تناهى علم ذلك لا إليَّه وليس بضائري ما قد أتَوْهُ ... إذا ما الله أصلح ما لديه باب تحريم الغيبة والنميمة اعلم أن هاتين الخصلتين من أقبح القبائح وأكثرها انتشاراً في النّاس، ــ هذا من كلام المصنف وليس هو في الرسالة. قوله: (احفظ لسانك الخ) هو عقد لما تقدم من نحو لسانك أسدك الخ وقريب منه ما أورده في التمهيد من شعر نصر بن أحمد فقال: لسان الفتى حتف الفتى حيث يجهل ... وكل امريء ما بين فكيه مقتل وكم فاتح أبواب شر لنفسه ... إذا لم يكن قفل على فيه مقفل قوله: (الرياشي بكسر الراء وخفة التحتية وستين معجمة بعدها ياء النسب. قوله: (إن في ذنبي) أي في اشتغالي به والتفكر فيما يترتب عليه. قوله: (على ربي حسابهم الخ) فيه اقتباس من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ومن قوله ﷺ في حديث ابن عمر: "وحسابهم على الله". قوله: (بضائري) اسم فاعل من ضار أي أوقع في الضير أي الضر وفيه اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ والله أعلم، ثم الهاء في إليه وفي لديه هاء السكت أتى بها بعد ياء المتكلم لفقد حركتها حال الوقف ولمناسبة البيت قبله والله أعلم. باب تحريم الغيبة والنميمة قوله: (من أقبح القبائح) من إضافة الصفة إلى موصوفها أي القبائح القبيحة وقد

стр. 2301

حتى ما يسلم منهما إلا القليل من النّاس، فلعموم الحاجة إلى التحذير منهما ــ نقل المنذري إجماع الأمة على تحريم النميمة وعلى أنها من أعظم الذنوب عند الله واختلف العلماء في الغيبة فقيل: إنها من الصغائر مطلقاً ونقل عن صاحب العدة وسكت المصنف عليه كالرافعي ومال إليه الجلال البلقيني واستدل له بما هو متعقب فيه كما بينه ابن حجر الهيتمي في الزواجر قال الأذرعي: إطلاق القول بأنها من الصغائر ضعيف أو باطل وقد نقل القرطبي المفسر وغيره الإجماع على أنها من الكبائر ويوافقه كلام جماعة من أصحابنا وقد غلظ أمرها في الكتاب والسنة ومن تتبع الأحاديث فيها علم أنها من الكبائر ولم أر من صرح بأنها من الصغائر غير الغزالي وصاحب العدة والعجب أنه أطلق إن ترك النهي عن المنكر من الكبائر وقضيته أن يكون السكوت عن النهي عنها من الكبائر أيضاً إذ هي من أقبح المنكرات لا سيما غيبة الأولياء وأهل الكرامات وأقل الدرجات إن لم يثبت إجماع أن يفصل بين غيبة وغيبة لتفاوت مراتبها ومفاسدها والتأذي بحسب الخفة والثقل والأذى ثم قال: بعد بيان بعض خفيف الألفاظ من ثقيلها فيقرب أن يقال ذكر الأعرج والأعمش والأسود وعيب الملبوس ونحو ذلك من الصغائر لخفة التأذي بها بخلاف الوصف بالفسق والفجور وغير ذلك من عظائم المعاصي ويجوز أن لا يفصل سداً للباب كما في الخمر ويقال للغيبة حلاوة كحلاوة التمر وضراوة كضراوة الخمر عافانا الله منها وقضى عنا حقوق أربابها فلا يحصيهم غيره سبحانه ثم نقل عن الشافعي وأكابر من أئمة المذهب القول بما قاله من أنها كبيرة قال والعجب من سكوت الرافعي على كلام صاحب العدة وقد جزم الرافعي قبله بأن الوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن من الكبائر وفسروا الوقيعة بالغيبة والقرآن والأحاديث متظاهرة على ذلك أي كونها كبيرة مطلقاً وقال ابن حجر في الزواجر بعد ذكر كلام طويل فظهر أن الذي دلت عليه الدلائل الكثيرة الصحيحة الظاهرة أنها كبيرة لكنها تختلف عظماً وضده باختلاف مفسدتها كما مر في كلام الأذرعي وظهر أيضاً أنها الداء العضال والسم الذي هو أحلى في الألسن من الزلال وقد جعلها من أوتي جوامع الكلم عديلة غصب المال وقتل النفس بقوله: كل المسلم على المسلم حراً

стр. 2302

بدأتُ بهما. فأما الغيبة: فهي ذِكْرُكَ الإنسان بما فيه مما يكره، سواء كان في بدنه، أو دِينِهِ، أو دُنْياه أو نفسه، أو خَلْقه، أو خُلُقه، أو ماله، أو ولده، ــ الحديث والغصب والقتل كبيرتان إجماعاً فكذا ثلب العرض قلت وفي التمهيد لابن عبد البر قال الشاعر: احذر الغيبة فهي الـ ... ـفسق لا رخصة فيه إنما المغتاب كالآ ... كل من لحم أخيه وتردد الزركشي في تحريم غيبة الصبي والمجنون قال في الزواجر بعد نقله ذلك عن الخادم والوجه حرمة غيبتهما وأما التوبة منها فتتوقف على أركانها ومنها هنا الاعتذار لكنه إن فات بنحو موت ووجدت باقي أركان التوبة سقط حق الله وبقي حق الآدمي. قوله: (الغيبة) أي بكسر الغين المعجمة وسكون التحتية. قوله: (ذكرك الإنسان) أي سواء كان مسلماً أو ذمياً والتعبير بالأخ في الآية والحديث نحو ذكرك أخاك الخ للعطف والتذكير بالسبب الباعث على تركها نعم الترك آكد في حق المسلم إنه أشرف وأعظم حرمة وسواء كان الإنسان حياً أو ميتاً وسواء كان ذلك بحضرته أو غيبة. قوله: (بما فيه) خرج ذكره بما يكرهه مما ليس فيه فذلك مع كونه غيبة أيضاً بهت وكذب وسيأتي ذلك في حديث مسلم قال: إن كان فيه فقد اغتبته وإلا فقد بهته المرو ليس إذ بالذكر في الحديث اللساني فقط بل هو وما يقوم مقامة من إشارة ورمز كما سيأتي في كلام المصنف. قوله: (أو في دينه) وقول بعض: لا غيبة في ذكر ما يكرهه من أمر الدين -لأنه ذم من ذمه الله تعالى ولأنه ﷺ ذكر له عبادة امرأة وإنها تؤذي جيرانها فقال: "هي في النار" وعن امرأة أنها بخيلة فقال: "فما خيرها إذاً" -قال الغزالي إنه فاسد لأنهم كانوا يذكرون ذلك لحاجاتهم إلى تعرف الأحكام بالسؤال ولم يكن غرضهم التنقيص ولا يحتاج إلى ذلك في غير مجلسه ﷺ والدليل عليه إجماع الأمة أن من ذكر غيره بما يكرهه فهو مغتاب لأنه داخل فيما ذكره ﷺ . قوله: (أو نفسه) أي النفس الناطقة المعبر عنها عند قوم بالروح والوصف الذي يكره لها نحو الجهل والدناءة. قوله: (أو خلقه) بفتح المعجمة هو والخلق بضمها في الأصل بمعنى لكن خصص العرف المفتوح بما يدرك بالبصر من الأوصاف

стр. 2303

أو والده، أو زوجه، أو خادمه، أو مملوكه، أو عِمامته، أو ثوبه، أو مِشْيته، وحَرَكته وبَشَاشتَه وخلاعَته، وعُبُوسه، وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلَّق به، سواء ذكرته بلفظك أو كتابك، أو رمزتَ، أو أشرت إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك، أو نحو ذلك. أما البدن، فكقولك: أعمى، أعرج، أعمش، أقرع، قصير، طويل، أسود، أصفر. وأما الدِّين، فكقولك: فاسق، سارق، خائن، ظالم، متهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارّاً بوالده، لا يضع الزكاة مواضعها لا يجتنب الغيبة. وأما الدنيا: فقليل الأدب، يتهاون ــ الظاهرة والمضموم بالمعاني المدركة بالبصيرة وتقدم في باب مزيد بيان لهذا المقام ثم مثال ما يكره بالخلق نحو هيئته قبيحة أو صورته فظيعة. قوله: (مشيته) بكسر الميم. قوله: (وبشاشته) هي بالموحدة المفتوحة وبالمعجمتين الخفيفتين بينهما ألف فرحة وسروره بالمرء وانبساطه إليه والأنس به كما في النهاية وذلك بأن يذكر فيها ما يلحقها بالذل والضعة ونحوها. قوله: (وطلاقته) هو بمعنى البشاشة وفي الخبر الصحيح لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقي أخاك بوجه طلق. قوله: (وخلاعته) بالمعجمة المفتوحة وبعد الألف عين مهملة وهي الاستهتار باللهو. قوله: (سواء ذكرته بلفظك) هذا هو المنصوص عليه في الخبر، والكتابة وما بعدها مقيسة عليه بجامع الإيذاء في الكل وهو تفهيم الغير نقصان المغتاب وهو موجود حيث أفهمت الغير ما يكرهه المغتاب. قوله: (فأما البدن) أي ما من شأنه أن يكرهه الإنسان من أوصاف البدن وتقدم عن الأذرعي إن ذكر نحو الأقرع والأعمش والأصفر والأسود وعيب العمامة والملبوس والدابة ونحو ذلك أخف من الوصف بالفسق والفجور والظلم وعقوق الوالدين والتهاون بالصلاة ونحو ذلك وإنه تردد بين كون الأول من الصغائر والثاني من الكبائر لما بينهما من التفاوت في الخفة والثقل أو الكل من الكبائر سداً للباب لكن يختلف عظمها وضده بحسب اختلاف مفسدتها. قوله: (فقليل الأدب) أي مع النّاس أما قلته مع الله فهو ما يتعلق بالدين والأدب

стр. 2304

بالناس، لا يرى لأحد عليه حقاً، كثيرَ الكلام، كثيرَ الأكل أو النوم، ينام في غير وقته، يجلس في غير موضعه. وأما المتعلق بوالده، فكقوله: أبوه فاسق، أو هندي، أو نَبَطي، أو زنجي، إسكاف، بزَّاز، نخَّاس، نجَّار، حداد، حائك. وأما الخُلُق، فكقوله: ــ عند أهل الله ثلاثة أقسام أدب الشريعة وهو امتثال الأمر واجتناب النهي على ما جاء به مرسوم الشريعة وأدب الطريقة وهو التلبس بالعمل مع عدم الركون إليه وأدب الحقيقة وهو أن تعرف أوصافه من العز والبقاء والقدرة والغنى وتعرف أوصافك من الذل والفناء والعجز والفقر قال بعض العارفين: العمل يوصل إلى الجنة والأدب فيه يوصل إلى الله . قوله: (لا يرى لأحد عليه حقاً) أي لأحد من كبراء الدنيا ممن لم يؤمر الإنسان بتعظيمهم من الرؤساء والأغنياء بل أمر بالترفع عليهم ففي الحديث من تواضع لغني لغناه ذهب ثلثا دينه أما عدم رؤية الحق لمن أمر الله برؤيته له من الشيخ والوالدين والكبير فذلك من القدح بما يتعلق بالدين. قوله: (يجلس في غير موضعه) أي باعتبار نظر أبناء الزمان والتفاتهم إلى ما لا يعني من عالي المكان أما إذا أريد به الكناية عن كونه ذا كبر وعجب فلا يرى لنفسه إلا أعلى مكان فذلك من الثلم بما يرجع إلى الدين. قوله: (وأما المتعلق بوالده) لم يتقدم لهذا ذكر في إجمال ما تكون به المذمة ولعله أدرجه فيما يتعلق بالدنيا لأن الفخر بالنسب من شأن أبناء الدنيا أما أبناء الآخرة فانتسابهم إلى عبودية مولاهم وافتخارهم بحوزهم لتقواهم نفعنا الله بهم ثم رأيته ذكر والده في إجمال ما يذم به في نسخة. قوله: (أو نبطي) هو بفتح النون والموحدة وبالطاء المهملة نسبة للنبط واحد الأنباط كسبب وأسباب سموا بذلك لاستخراجهم ينابيع الأرض. قوله: (زنجي) بكسر الزاي وسكون النون وبالجيم منسوب إلى الزنج طائفة معروفة. قوله: (جزار) ويقال له القصاب. قوله: (نخاس) بالنون والمعجمة وآخره مهملة دلال الرقيق. قوله: (وأما الخلق) أي بضم المعجمة واللام ويجوز تسكينها تخفيفاً أي الأمور

стр. 2305

سيئ الخُلُق، متكبِّر، مُراءٍ، عَجول، جبار، عاجز، ضعيف القلب، متهوِّر، عبوس، خليع، ونحوه. وأما الثوب: فواسع الكمّ، طويل الذيل، وسخ الثوب ونحو ذلك، ويقاس الباقي بما ذكرناه وضابطه: ذِكْره بما يكره. وقد نقل الإِمام أبو حامد الغزالي إجماع المسلمين على أن الغيبة: ذِكْرُكَ غيرك بما يكره، وسيأتي الحديث الصحيح المصرّح بذلك. وأما النميمة: فهي نقل كلام النّاس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد. هذا بيانهما. وأما حكمهما، فهما محرمتان بإجماع المسلمين، وقد تظاهر على تحريمهما الدلائل الصريحة من الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] وقال تعالى: ــ التي يكره ذكرها مما يتعلق بالأوصاف الباطنة المدركة بالبصيرة. قوله: (سيئ الخلق) هو من صدر القبيح عنه وسهل ذلك عليه. قوله: (جبان) ضد الشجاع. قوله: (متهور) أي يسقط على الأمور ولا يثبت فيها. قوله: (طويل الذيل) وطوله إن كان بمجاوزة العقب فمكروهة وكلما زاد الطول زادت الكراهة لقربه من احتمال النجاسة ومحل الكراهة إذا لم يكن على وجه الخيلاء وإلا فيحرم ومحلها بالنسبة للرجال أما للنساء فتستحب إطالة الجلباب وأن تكون زائدة على الساتر بشبر وهل ذلك من أول ما يماس الأرض أو من العقب فيه خلاف. قوله: (وضابطه الخ) أي إن استيعاب جميع ما من شأنه أن يكره سواء عاد إلى النفس أو إلى ما ذكر معه صعب لكن الضابط الذي لا يشذ عنه شيء منه ذكرك أخاك بما يكره. قوله: (فهما محرمتان بإجماع المسلمين) هذا أصل حكمهما ثم قد تجب الغيبة تارة وتباح أخرى كما سيأتي بيانه وتقدم إن النميمة كبيرة بالإجماع وإن الأصح في الغيبة إنها كذلك وإن اختلفت مراتبها بتفاوت المغتاب به في الإيذاء خفة وثقلاً كما تقدم عن الزواجر. قوله: (وقد تظاهرت) من التظاهر وهو التعاون قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ أي تتعاونا عليه والمراد هنا شد بعض الأدلة بعضاً فصار في غاية القوة. قوله: (ولا يغتب بعضكم بعضاً)

стр. 2306

﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن حذيفة رضي الله ــ أي لا يتكلم أحد منكم في حق أخيه في غيبته بما هو فيه مما يكرهه وألحق به التكلم بذلك في حضرته للإيذاء بل هو أبلغ في الأذية. قوله: (ويل لكل همزة لمزة) قال مجاهد: الهمزة الطعان في النّاس واللمزة الذي يأكل لحوم النّاس وروى البيهقي عن الليث اللمزة الذي يعيبك في وجهك والهمزة الذي يعيبك بالغيب اهـ، وروى عن ابن جرير الهمز بالعين والشدق واليد واللمز باللسان وقيل اللمز بالقول وغيره والهمز بالقول فقط وقيل اللمزة النمام وتقدم في باب ما يقول إذا غضب إن همزة ولمزة لمن يكثر منه الهمز واللمز وسبق في ذلك الباب الفرق بين فعلة مضموم الفاء مفتوح العين وفعلة مضموم الفاء ساكن العين وفي مفردات الراغب ويل قبوح وقد يستعمل على التحسر ومن قال: ويل واد في جهنم لم يرد أن ويلاً في اللغة موضوع لذلك إنما أراد من قال الله فيه ذلك فقد استحق مقراً من النار وثبت ذلك له نحو ويل لكل همزة لمزة اهـ. قوله: (ولا تطع كل حلاف) أي كثير الحلف بالباطل (مهين) فعيل من المهانة وهي القلة في الرأي والتمييز قال الواحدي قال عطاء: يعني الأخنس بن شريق أي فهو عام أريد به خاص أو المراد هو ومن كان بوصفه المذكور في الآية وقال مقاتل يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي ﷺ المال ليرجع عن دينه قوله: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ هماز مغتاب طعان للناس مشاء بنميم أي يمشي بالنميمة بين النّاس ليفسد بينهم. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) في جامع الأصول أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتات" ولمسلم مثله وقال نمام: وعبارة التيسير للديبع بعد إيراده بلفظ لا يدخل الجمعة قتات أخرجه الخمسة إلا النسائي يعني الشيخين وأبا داود والترمذي ولفظ مسلم لا يدخل الجنة نمام انتهت فأفادت إن لفظ نمام لمسلم وإنه عند البخاري بلفظ قتات وهو كذلك عند مسلم أيضاً وإنما عزا المصنف الحديث للبخاري باعتبار إنه عنده بالمعنى وإن اختلف بعض المبنى إذا النمام هو القتات وقيل: النمام الذي يكون مع جمع متحدثون فينم عليهم والقتات

стр. 2307

عنه عن النبي ﷺ ﷺ قال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ". وروينا في "صحيحيهما" عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بقبرين، فقال: ــ هو الذي يسمع عليهم وهم لا يعلمون ثم ينم وبالجملة فهما سواء في كون كل منهما نماماً. قوله: (لا يدخل الجنة نمام) قال المصنف: أي لا يدخلها مع الناجين أو يحمل على المستحل من غير تأويل مع العلم أي بالحرمة اهـ. قوله: (وروينا في صحيحيهما) وكذا رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم وفي رواية أحمد والطبراني واللفظ للطبراني عن أبي بكرة قال: بينما النبي ﷺ يمشي بيني وبين رجل آخر إذا أتى على قبرين فقال: "إن صاحبي هذين القبرين يعذبان فائتياني بجريدة" قال: فاستبقت أنا وصاحبي فأتيته بجريدة فشقها نصفين فوضع في هذا القبر واحدة وفي ذا القبر واحد قال: "لعله يخفف عنهما ما دامتا رطبتين إنهما يعذبان بغير كبير الغيبة والبول" وسند الحديث صحيح كما قاله ابن حجر في الزواجر قال: وفي رواية لابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة كان أحدهما لا يستنزه من البول وكان الآخر يؤذي النّاس بلسانه ويمشي بينهم بالنميمة وللحديث طرق كثيرة مشهورة عن جماعة من الصحابة في الصحاح وغيرها وبتأملها يعلم أن القصة متعددة وبه يندفع ما يوهمه ظواهرها من التعارض ثم رأيت الحافظ المنذري أشار لبعض ذلك فقال: أكثر الطرق إنهما يعذبان في البول والنميمة والظاهر إنه اتفق مروره ﷺ مرة بقبرين يعذب أحدهما في النميمة والآخر في البول ومرة بقبرين يعذب أحدهما في الغيبة والآخر في البول اهـ. قوله: (مر بقبرين) قيل: المراد بصاحبي قبرين فعبر بهما عن صاحبهما من تسمية الحال باسم المحل ففيه مجاز مرسل قال الحافظ ابن حجر: لم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما والظاهر إن ذلك كان على عمد من الرواة لقصد الستر عليهما وهو عمل مستحسن وينبغي أن لا يبالغ في الفحص عن تسمية من وقع في حقه ما يذم به قال وقد اختلف فيهما فقيل: كانا كافرين وبه جزم أبو موسى المديني قال: لأنهما لو كانا مسلمين لما كانا لشفاعته إلى أن ييبس الجريدتان معنى ولكنه لما رآهما يعذبان لم

стр. 2308

"إنَّهُما لَيُعَذَّبانِ وَما يُعَذبانِ في كبِيرٍ" قال: وفي رواية البخاري "بَلى إنَّه كبِيرٌ، أمَّا أحدُهُما، ــ يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه فشفع لهما إلى المدة المذكورة قيل: وهو الأظهر وقال الحافظ ابن حجر: هو الظاهر من مجموع طرق الحديث. قوله: (إنهما) قيل: أعاد الضمير على غير مذكور اكتفاء بدلالة سياق الكلام عليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقيل: أعاده على القبرين مجازاً أو أراد من فيهما كما تقدم. قوله: (في كبير) قال ابن مالك: فيه شاهد على ورود في للتعليل وهو مثل قوله ﷺ : "عذبت امرأة في هرة" وخفي ذلك على أكثر النحويين ومع ورود القرآن به كقوله تعالى: ﴿لمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ قوله: (قال وفي رواية البخاري الخ) قال القلقشندي: هي من زيادات جرير على الأعمش وهي ترد على ابن بطال استدلاله برواية الأعمش على أن التعذيب لا يختص بالكبائر بل قد يقع على الصغائر معللاً بأن الاستتار من البول لم يرد فيه وعيد شديد. قوله: (إنه لكبير) اختلفوا في معنى هذا الكلام منه ﷺ فقال البوني شارح الموطأ: يحتمل أنه ﷺ ظن أن غير كبير فأوحى إليه في الحال إنه كبير فاستدرك قيل: ويحتمل أن الضمير في وإنه عائد إلى العذاب لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة عذاباً شديداً في ذنب هين وقال الداودي وابن العربي كبير المنفى بمعنى أكبر والمثبت واحد الكبائر أي ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلاً وإن كان كبيراً في الجملة قال المصنف: فعلى هذا يكون المراد الزجر والتحذير لغيرهما من توهم إن التعذيب لا يكون إلا في أكبر الكبائر كالموبقات فإنه يكون في غيرها وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة لأن تعاطيه يدل على الدناءة والحقارة وهو كبير في الإثم وقيل: ليس بكبير في اعتقاد المخاطبين وهو عند الله كبير كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ وهذا القول بدأ به المصنف وقيل: ليس بكبير إزالته والاحتراز منه فإنه سهل على من يريد التوقي منه وهذا جزم به الخطابي والبغوي والمنذري وقال ابن دقيق العيد: إنه الذي يجب حمل الحديث عليه وقيل: ليس كبيراً بمجرده وإنما صار كبيراً بالمواظبة عليه ويرشد إلى ذلك السياق فإنه وصف كلاًّ منهما بما يدل على تكرر ذلك واستمراره عليه للإتيان بصيغة المضارع بعد كان وقيل غير ذلك. قوله: (أما أحدهما) أما حرف شرط وتفصيل كما

стр. 2309

فكان يَمْشِي بالنمِيمَةِ، وأما الآخَرُ، فكان لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلهِ". قلت: قال العلماءُ: معنى "وما يعذَّبان في كبير" ــ هو معروفة عند النحاة وزاد الزمخشري إنه حرف توكيد وذكرنا كلام شرح التوضيح فيها سابقاً. قوله: (لا يستتر) بتحتية فمهملة ثم مثناتين فوقيتين أولاهما مفتوحة والأخرى مكسورة من الاستتار وكذا في أكثر الرواية وفي رواية للصحيحين لا يستنزه بنون ساكنة بعدها زاي من التنزه وهو كذلك عند النسائي وفي رواية للبخاري وقال الإسماعيلي إنها أشبه الروايات لا يستبريء موحدة ساكنة وهمزة بعد الراء من الاستبراء وفيه روايات أخر عند غير الصحيحين وقوله: لا يستتر يحتمل أن يحمل على الاستتار عن الأعين وهو الحقيقة فيكون العذاب على كشف العورة ويحتمل أن يحمل على المجاز بأن يراد بالاستتار التنزه عن البول والتوقي منه إما بعدم ملابسته أو بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به كانتقاض الطهارة وعبر بالاستتار عن التوقي مجازاً ووجه العلاقة بينهما إن التستر عن الشيء فيه بعد عنه واحتجاب وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول قال القلقشندي نقلاً عن ابن دقيق العيد: والحمل على المجاز المذكور أقرب لوجهين أحدهما أنه لو حمل على حقيقته للزم إن مجرد كشف العورة يحصل به العذاب وإن لم يكن ثم بول والحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية وأيضاً فإن لفظة من لما أضيفت إلى البول وهي لابتداء الغاية حقيقة أو ما يرجع إلى ابتداء الغاية مجازاً اقتضت نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول أن يكون المعنى سبب عذابه من البول ولو حملناه على كشف العورة زال هذا المعنى ثانيهما أن في بعض الروايات لا يتوقى البول وهي رواية وكيع وفي بعضها لا يستنزه فيحمل على تلك لتتفق الروايات ثم قال القلقشندي ويتأبد أيضاً بأن مخرج الحديث واحد وبأن في حديث أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه أما أحدهما فيعذب في البول ومثله في الطبراني عن أنس وقد أجيب عما قاله ابن دقيق العيد أولاً بأن تقييده بالبول لأن الأغلب في التكشف إنما هو عنده أو إن الغالب التكشف له قائماً قبل القعود وعن الثاني بأنا وإن سلمنا إن "من" حقيقة فيما ذكر فقد يستعمل المجاز بالقرينة ويترجح على الحقيقة لا سيما وقد اختلفت الروايات اهـ. قوله: (يمشي بالنميمة) أي يصير في النّاس متصفاً بهذه الصفة فالباء

стр. 2310

أي: في كبير في زعمهما، أو كبير تركه عليهما. وروينا في "صحيح مسلم" وسنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتَدْرُون ما الغِيبَةُ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا يَكْرَهُ"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقولُ، قال: "إنْ كانَ فيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإن لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتهُ" قال الترمذي: حديث ــ حينئذ للمصاحبة وجوز بعضهم أن تكون سببية أي يمشي بسبب ذلك. قوله: (أي في كبير في زعمها) أي ولكنه كبير عند الله. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد من طريقين عن أبي هريرة وقال المنذري في الترغيب قد روى هذا الحديث من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة اكتفينا بهذا عن سائرها اهـ، قال ابن عبد البر: هذا الحديث يخرج في التفسير المسند في قول الله سبحانه: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فبيّن ﷺ الغيبة وكيف هي وما هي وهو المبين عن الله سبحانه. قوله: (ذكرك أخاك الخ) يشمل ذكره بما يكرهه في غيبته وحضوره وسبق أن الأول لما فيه من مزيد النكاية أتم في الإثم، وفي الخادم للزركشي من المهم ضابط الغيبة هل هي: ذكر المساويء في الغيبة كما يقتضيه اسمها أو لا فرق بين الغيبة والحضور وقد دار السؤال بين جماعة ثم رأيت ابن فورك ذكر في مشكل القرآن في تفسير سورة الحجرات ضابطاً حسناً فقال: الغيبة ذكر العيب بظهر الغيب وكذا قال سليم الرازي في تفسيره الغيبة أن يذكر الإنسان من خلفه بسوء وإن كان فيه اهـ، وفي المحكم لا يكون إلا من ورائه اهـ، وبفرض اختصاص مفهوم الغيبة بذكر العيب في الغيبة فذكره في الحضور حرام بل شديد الحرمة لما فيه من الإيذاء مع مزيد النكاية إذا واجهه بما ذكره والله أعلم، ويشمل ما يكرهه في خلقه أو خلقه أو ينسب إليه مما تقدم في كلام المصنف. قوله: (أفرأيت) أي فأخبرني. قوله: (بهته) هو بتخفيف الهاء المفتوحة من البهت وهو الكذب والافتراء أي كذبت وافتريت عليه وقال المصنف: يقال بهته بفتح الهاء مخففة أي قلت فيه: البهتان وهو الباطل

стр. 2311

حسن صحيح. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي بَكْرَةَ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال في خُطْبَتِهِ يوم النحر بمنى في حَجة الوداع: "إن دِماءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ وَأعْرَاضَكُمْ ــ وأصل البهت أن يقال له: الباطل في وجهه وهما يعني الغيبة والنميمة حرامان اهـ. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) أي رواه البخاري في التفسير وفي بدء الخلق وفي المغازي وفي غيرها من صحيحه ورواه مسلم في الديات من صحيحه وأخرجه أيضاً النسائي في العلم كذا في الأطراف للمزي ملخصاً. قوله: (في خطبته) أي في ضمن خطبته التي أتى بها يوم النحر وهو يوم عاشر ذي الحجة ومنه ومن أحاديث أخر -بعضاً في الصحيحين كحديث عبد الله بن عمرو وبعضها في السنن كحديث أبي أمامة عند أبي داود وحديث الهرماس بن زياد الباهلي عند أبي داود والنسائي وألفاظهم في المنسك الكبير لابن جماعة- أخذ أصحابنا استحباب خطبة يوم النحر يعلم القوم فيها أحكام المناسك لكن قالوا: يسن فعلها بعد صلاة الظهر وقد استشكل بأن الذي في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ خطب يوم النحر ضحى أجاب عن ذلك المصنف بأن رواية ابن عباس في الصحيح تدل على أنه كان بعد ذلك الزوال إذ فيها أن بعض السائلين قال: رميت بعدما أمسيت والمساء يطلق على ما بعد الزوال أي فقدمت لأنها أصح وأشهر وأجاب السبكي بأنه ورد في طبقات ابن سعد عن عمرو بن يثربي بتحتية مفتوحة فمثلثة ساكنة فراء مكسورة فموحدة فياء النسب أنه حفظ خطبته ﷺ الغد يوم النحر بعد الظهر وهو على ناقته القصوى وكان يحكيها بطولها وكأن بعضهم جمع بين الحديثين حيث قال: خطب ﷺ خطبتين يوم النحر في وقتين قال ابن جماعة بعد أن أورد أحاديث وهو مقتضى هذه الأحاديث اهـ. قوله: (في حجة الوداع) بكسر الواو وفتحها وسبق بيان وجهها في باب استنصات العالم والواعظ. قوله: (إن دماءكم) بدأ بها لأنها آكد الثلاثة وأخطرها ومن ثم كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل على الأصح وقدم الأموال على الأعراض مع أن الأعراض أخطر لأن الابتلاء بالجناية فيها أكثر والأعراض جمع عرض وله معان كثيرة منها النفس وليس مراداً

стр. 2312

حَرامٌ عَلَيكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا ألا ــ هنا وإلا كان تكراراً مع دماءكم أو جانب الرجل الذي يصونه من نفسه وحسبه أن ينتقص ويثلب أو (سواء) كان في نفسه أو (سلفه أو) من يلزمه أمره أو موضع المدح والذم منه أو (ما) يفتخر به من حسب وشرف وقد يراد به الآباء والأجداد والخليقة المحمودة اهـ، قال في فتح الإله وكلها مناسبة هنا إذ المراد بتحريم الأعراض تحريم التعرض إلى الإنسان بما يعير أو ينقص به في نفسه أو أحد من أقاربه بل يلحق بذلك كله من له علقة بحيث يؤدي تنقيصه أو تعييره إليه أخذاً من قولهم في حد الغيبة ذكرك أخاك بما يكره في نفسه وأهله ومماليكه وغيرهم وفي قول الشاعر: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل وقول أبي ضمضم: اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك فمن شتمني لا أشتمه إلى آخر ما يناسب ما ذكرته وأما قول من قال: إن المراد بالأعراض هنا الأخلاق النفسانية فهو وإن أمكن إرجاعه إلى ما قلناه لكن ما قلناه أوضح ثم رأيت بعضهم أرجعه إليه فقال وحين كان المدح نسبة الشخص إلى الأخلاق الحميدة والذم نسبته إلى الذميمة سواء كانت فيه أو لا، قال: من قال العرض الخلق إطلاقاً لاسم اللازم على الملزوم اهـ، وقول النهاية العرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه صحيح موافق لما قلناه إلا أن ما ذكرناه أعم اهـ. قوله: (كحرمة يومكم الخ) كأن وجه هذا التشبيه مع كون الثلاثة المشبهة أعلى حرمة من الثلاثة المشبه بها هو أحد الوجوه في قوله: كما صليت على إبراهيم وهو تشبيه من لم يشتهر وإن كان أفضل بما اشتهر وإن كان مفضولاً ليحصل له من الشهرة ما يوازي شهرة المشبه به، وقوله كحرمة يومكم هذا أي كحرمة معصيتكم فيه حال اليوم على وجه التجوز، في بلدكم هذا وحرمة المعصية بها عظيمة فقد قال: جمع بمضاعفة السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات بها

стр. 2313

هَلْ بلَّغْتُ؟ ". وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ : "حَسْبُكَ من صفيةَ كذا وكذا" قال بعض الرواة: تعني قصيرة، فقال: "لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ"، قالت: ــ وأول بأن المراد العظم في الكيف لا في الكم لأن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ لا مخصص له وقوله: ومن يرد فيه بالحاد بظلم دليل للعظم الذي ذكرناه لا للتعدد الذي ذكروه ولعظم شرف ذي الحجة كان عظم المعصية فيه أكثر منه في غيره. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) ورواه أحمد كما في المشكاة والبيهقي كما في الترغيب المنذري. قوله: (حسبك) أي يكفيك (من صفية) أي من عيوبها البدنية. وقوله: (كذا وكذا) كناية عن ذكر بعضها وهو كذلك في جميع نسخ الأذكار كنسخ المشكاة قيل: وهو تحريف والصواب حسبك من صفية إنها كذا وكذا وقيل: إن قولها كذا إشارة إلى شبرها قال في المرقاة: الظاهر من كذا تعداد نعتها فلعلها قالت بلسانها إنها قصيرة وأشارت بشبرها إلى أنها في غاية القصر فأرادت بالتأكيد الجمع بين القول والفعل والله أعلم. قوله: (قال بعض الرواة) قال أبو داود بعد إخراجه من طريق مسدد بلفظ كذا وكذا قال غير مسدد وحسبك من صفية قصرها وكأن هذا وجه عزو ابن الأثير في جامع الأصول الحديث بهذا اللفظ أي قصرها إلى أبي داود والترمذي. قوله: (لو مزجت بماء البحر الخ) أشار العاقولي إلى أن في بعض نسخ أبي داود ولو مزج بها البحر لمزجته إلى أن حق اللفظ لو مزجت بالبحر كما أورد المصنف هنا قال: لكن المزج يستدعي الامتزاج فكل من الممتزجين يمتزج بالآخر ومثله فاختلط به نبات الأرض كان من حق اللفظ فاختلط نبات الأرض ووجه مجيئه فيما قاله صاحب الكشاف أن كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه على أن هذا التركيب أبلغ لأنه حينئذٍ من باب عرض الناقة على الحوض اهـ، ونقل مثله الطيبي وسكت عليه وقوله: حق اللفظ الخ وجهه إن العادة والعرف إن ينسب القليل إلى الكثير لا عكسه وإن جاز ذلك لغة فإنه نحو اختلط الماء باللبن

стр. 2314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعكسه وحكمة ما جاء في تلك الرواية الإشارة اللطيفة إلى عظم تلك الكلمة فكأنه قال: إن هذه الكلمة وإن كانت صغيرة وقليلة عندك فهي عند الله كبيرة وكثيرة بحيث لو مزجت بماء البحر بأجناسه وأصنافه وأنواعه ووسعه من طوله وعرضه وعمقه لغلبته وهذا من البلاغة غاية مبلغها وفيه من الزجر نهايته ومنتهاه وأما قول الكشاف في قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ حق اللفظ الخ فقال بعضهم: إنه خطأ فاحش لأنه ليس المعنى على أنه اختلط بالماء نبات الأرض إذ ليس تحته طائل بل الصواب أن الباء للسببية وأن المختلط هو بعض نبات الأرض ببعضه وتوضيحه أن المطر سابق وجوده على تحقق النبات على ما أشار إليه الفاء التعقيبية في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، فإن قلت: لعل صاحب الكشاف أراد اختلاط ماء أثر المطر بما تنبت به الأرض من الحبة مثلاً قلت: الظاهر أن هذا مطمح نظره ومطلع فكره لكنه يرده قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ فأصبح هشيماً تذروه الرياح إذ تعقيبه الأصباح المذكور إنما هو عند حصول اختلاط النبات بعضه ببعض لا حين اختلاط الماء بالحب والنوى كما لا يخفى ومما يدل صريحاً على كون الباء للسببية قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ثم رأيت الكشاف اختار ما اخترناه وحرر ما حررناه حيث قال: فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً ثم قال وقيل: نجع في النبات الماء فاختلط به حتى روى ورف رفيفاً وكان حق اللفظ على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض ووجه صحته إن كلا من المختلطين موصوف بصفة صاحبه اهـ، كلامه ففي نقل كلام الكشاف قصور من الناقلين لأن ما ذكر مبني على شيء أسسه ومهده والله أعلم، وفي قوله حق اللفظ مع سوء الأدب بالنسبة إلى الآية القرآنية دسيسة اعتزالية والله ولي دينه وناصر نبيه اهـ، وقول العاقولي والطيبي على أن هذا التركيب من باب عرضت الناقة الخ اعترض بأنه ممنوع ومدفوع بأن العرض إنما يكون على أرباب التمييز فبهذه القرينة تعرف أن السلام مقلوب بخلاف ما نحن فيه فإن

стр. 2315

وحكيتُ له إنساناً فقال: "ما أُحِبُّ أني حَكَيتُ إنساناً وأنَّ لي كَذ وكَذَا" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: مزجته أي خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدَّة نتنها وقبحها، وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمُها، وما أعلم شيئاً من الأحاديث يبلغ في الذم لها هذا المبلغ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] نسأل الله الكريم لطفه والعافية من كل مكروه. وروينا في سنن أبي داود عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أظْفارٌ مِنْ نُحاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ قال: هَؤلاءِ الّذِينَ ــ لكل من الطرفين قابلية الخلط والمزج والله أعلم. قوله: (وحكيت له إنساناً) أي ذكرته بما يكرهه ذلك الإنسان أو حكيت ما يكره من أفعاله أو أحواله. قوله: (ما أحب أني حكيت إنساناً) أي بما يكرهه. قوله: (وإن لي كذا الخ) إشارة إلى عظم إثم الغيبة وإنه لا يقاومها ما أعطيه من غيرها أي وإن كان كثيراً كما يدل عليه كذا وكذا إذ هي كناية عن الأعداد الكثيرة وإنما كان كذلك لأن ترك الاغتياب سلامة وعمل البر غنيمة والسلامة مقدمة على الغنيمة كما تقدم والله أعلم. قوله: (أي خالطته مخالطة) أي لو كانت أجساماً محسوسة لغيرت طعمه لشدة قبحها وريحه لنتنها أي عفونتها ففي العبارة لف ونشر مشوش. قوله: (أو أعظمها) أي بل أعظمها فأو بمعنى بل ويحتمل أن يكون حصل للشيخ تردد في الأمرين فأتى بأو المؤذنة لذلك وقد أشارت آية الحجرات في الغيبة إلى أعظم زجر عنها وقد بين ذلك ابن حجر في الزواجر بياناً شافياً. قوله: (وروينا في سنن أبي داود) قال المنذري في الترغيب وذكر أي أبو داود أن بعضهم رواه مرسلاً اهـ، وفي الجامع الصغير ورواه أحمد والضياء في المختارة كلهم من حديث أنس. قوله: (يخمشون وجوههم) قال الحافظ ابن حجر في مقدمته للفتح خموش أي خدوش وهي الجراحات التي
следующие страницы →